صفحة 1
الكتاب: الكوكب الدري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القوي الذي لا يقاومه من خلقه دني ولا شريف القادر الذي يرى البريات من غير نصب ولا تكليف مصرف تدبير أمور عباده بإتقان سبحانه الواحد المنان.
أحمده حمد من اعترف له بالعبودية وشهد بأنه لا إله إلا هو المنفرد بالألوهية والربوبية رافع السماء بلا عمد في الهوى وباسط الأرض على الماء الذي لا تدركه أبصار ذوي الأبصار ولا تحيط به أوهام ذوي الأوهام تعالى الله الواحد القهار.
وأشهد أن محمد المصطفى عبده الذي استخرجه من أشرف أب وأم وجعله سيد العرب والعجم وأكرمه بمنه وفضله كرامة لم يسبقه بمثلها ملك مقرب ولا نبي منتخب صلى الله عليه وعلى آله الأبرار الأخيار ما تاريخ
عرف يلتحج وفاقاً ويسبح رعد بحمده المهيمن الرزاق.
وبعد فإني لما أجلت الفكر رأيت باب العلم وطلابه ربح وشملت عين
الشرع المحمدي وبه إلى بقية أحرفه زعج ورأيت أرباب زماني المغثوم الفاني المقلص المعكوس عدلوا عن طاعة الملك القدوس إلى التكالب إلى جمع المال ونسوا توعد ذي الجلال فلفحات النار أيسر عندهم وفوت ديناره وصرفوا
همهم والعياذ بالله إلى التكاثرة والمفاخرة يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة قال تعالى : { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في
الأموال والأولاد } [الحديد : 20] إلا من رحم الراحم الجواد وهم الأقل من العباد ومعذرة لمن قرأ كتابي ووعي قلبه لذيذ خطابي فإني لأشر البرايا إن لم يقني الله من موبقات الخطايا صنف كتاباً يقوي ذهن قاريه ويسفر عن خطاب كالدّر لمستمعيه وسميته بالنهج عوضاً عن الأبواب وأميت في رسمه بسبيل (1/1)
صفحة 2
أولي النهى والألباب إذ أجريته على سؤال أرباب الفضل السالفين فجاء بآيات للمتوسمين وطرزته بغريب الألفاظ وذلك صعبة يسهل على الحفاظ واستعنت بالله بالكلية وأخلصت له النية والطوية فإنه من استعان به أعانه ومن زمرة أهل الخذلان أبانه وفرعن الإبانة أبا عثرته سابقة وكيا(1) وسميته بالكوكب الدري والجوهري البري رجاء لما عند الله تعالى من الثواب الجزيل وإحياء لدين الملك الجليل وذلك سنة سبع وسبعين سنة وماية وألف سنة.
وأنا الفقير لله عبد الله بن بشير الصحاري(2) اللهم فكما وفقته للبداية فأنت
القادرعلى التوفيق للنهاية وأنا أستغفر الله من جميع الخطا والجوا إليه من موبقات المحن والبلايا إنه ولي ذلك والمنجي من المهالك حسبي الله وهو الحسيب المجير وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ونهجته ماية نهج مستبين في كل نهج ماية مسألة من غير مبين قصارى البري من حبط أولي الزيغ والاعوجاج عذب المنهل لمن رام أوامره غير أجاج. وصلى الله على محمد كلما اعتمر معتمر وحج حاج .
النهج الأول
في التوحيد
هو معرفة الله تعالى وأنه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن
له كفواً أحد وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لا تدركه الأبصار
وهو اللطيف الخبير وقد افترض الله معرفته كافتراضه لساير العبادات العقلاء البالغين المتعبدين بدين رب العالمين لا عذر لهم من ذلك ولو انقطعوا في
جزاير البحار أو كانوا في المهامات المنقطعة والقفار بأدلة واضحة وبراهين بحمد الله لا يحد من طريق الشرع والعقل.
فأما طريق العقل فأصل التوحيد هو أن يصف المخلوق للخالق بما
وصف به نفسه من صفات الذات وصفات الفعل وهذا خضم لا يدركه
عومة عائم وفرض لا يسع ترك القاعد ولا القائم(3) ومن ظن إدراكه
__________
(1) 1- وكيا : والصحيح وكتابي.
(2) 2- عبد الله بن بشير الصحاري : سبق له ترجمة في المقدمة.
(3) 1- لا يعذر أحدٌ بجهله . (1/2)
صفحة 3
ذلك فأحصاه قصر عند ذراعه وباعه ومان رجاءه ولو عاش العمر
الطويل وبذل من نشبه الكثير القليل لأن معرفة الله لا تدركه بالقياس
نبيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا يوصف بصفات المخلوقين من ملائكة أو
جمادات لا من الثقلين وإنما الأدلة عليه لمخلوقاته وبما صنع من مصنوعاته وانظروا بعيون العقول فيما أنزله ذو المن الطويل في القرآن العظيم مخبراً
عن نبيه إبراهيم الخليل عليه صلوات الملك الكريم: { ربي الذي يحيي
ويميت } (1) .
وقالت الرسل عليهم السلام : { أفي الله شك فاطر السموات
والأرض } (2) فلم يصفوه بطول ولا عرض وقال موسى عليه الصلاة
والسلام لفرعون لعنه الله ذو الجلال والإكرام: { قال فرعون وما رب
العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } (3) ،
وكذلك قال أصحاب الكهف(4) : { فقالوا ربنا رب السموات
والأرض } (5) فوصفوه بما وصف به نفسه وصف مثل هذا كثير
في كلام رب العزة الكبير.
وقال العلي الكبير الخبير : { وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون
بصير } (6) حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم بعيد المسافة لا بمفارقة قريب لا
بمداناة يعلم خاينة الأعين وما تخفي الصدور سبحانه وتعالى الغفور الشكور
له المثل الأعلى والوصف الأسنى وله الحمد في الآخرة والأولى نحمده على سوابغ نعمائه ونشكره على تتابع آلائه ونستعينه ونتوكل عليه ونبري في الحول والقوة إليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
مسألة
[ كيفية معرفة الله]
فإن قيل إن معرفة الله تعالى اكتسابية تكون أم اضطرارية فقال الشيخ
__________
(1) 1- سورة البقرة : آية 258 .
(2) 2- سورة إبراهيم آية 10 .
(3) 3- سورة الشعراء آية 23 .
(4) 4- ذكر في القرآن سورة كاملة تقص علينا قصة أهل الكهف وقصة موسى مع العبد
الصالح وفيها من العبر والدروس في العقيدة وغيرها ما نحن بأمس الحاجة إليه.
(5) 5- سورة الكهف آية 14 .
(6) 6- سورة الحديد آية 4 . (1/3)
صفحة 4
العالم أبو الحسن البسياني(1) أنها اكتسابيّة أن الله تعالى لما نصب عليها
الدلائل المنصوبة، وأعد الثواب لمن امتثل والعقاب على من فرط وغفل دل
على أنها اكتسابية لا الاضطراريات لا يعد ثوابها ولا تتوعد عليها عقاباً كما
لا يعدنا على ما خلق فينا من الجوارح بالثواب ولا يتوعدنا عليها بالعقاب
وقال بعض العلماء إن معرفة الله تعالى اضطرارية جبلت في قلب الإنسان
معلقة بالعقل ويستحيل انفصالها عن العقل كاستحالة بعض أعضائه، وقال الشيخ بشير(2) أنها اضطرارية فهي خلق الله والثانية اكتساب.
مسألة
[ كيفية معرفة الله ]
عن الشيخ أبي الحسن البسياني فإن قيل أعرف الله برسله أم به عرفوا
فقال بعض المسلمين أنه بهم يعرف وبه عرفوا لأنهم دعوا إلى الله من عرفه
ومن لم يعرفه فعرفوا به ضد من عرفه بهم عند من لم يكن به عارف.
__________
(1) 1- أبو الحسن البسياني : هو العلامة الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي
محمد بن الحسن البسياني الأزدي اليحمدي، من شيوخه أبو محمد بن بركة
البهلوي، والعلامة محمد بن أبي الحسن النزوي، كان أبو الحسن أصم ثقيل
السمع. من مؤلفاته : الجامع المسمى جامع أبي الحسن، وكتاب المختصر
المعروف بمختصر البسياني وهو مطبوع انظر تحاف الأعيان في تاريخ بعض
علماء عمان ص229 .
(2) 1- بشير: هو العلامة أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي العقري جد بني زياد، وهو من
بني نافع بني سامة بن لؤي بن غالب من تلامذة الربيع وأحد الأربعة الذي حملوا
العلم من البصرة إلى عمان عن الربيع -رحمه الله- والثاني : موسى بن أبي جابر،
والثالث محمد بن المعلا الفشحي وأما الرابع : المنير بن النير الجعلاني يعتبر الشيخ
بشير أحد كبار علماء عُمان في زمانه وقد أدرك عصر الإمام الجلندي وكان له
دور بارز في إعادة الإمامة. وقد أطلق عليه اسم الشيخ أو الشيخ الكبير، توفي رحمه
الله سنة 178 أيام الإمام الوارث بن الكعب الخروصي - رحمه الله. (1/4)
صفحة 5
وقال بعض العلماء بل رسله عرفوا وأنه حكيم لا يبعث يكتب الحق
كاذباً تعالى الله وإنما دعت الرسل إلى الله من قد عرفه ثم جحد وقد عرفه البعض وينكره آخرون فبينت الرسل ذلك ودعت إلى الله بالدلائل المنصوبة
والعلامات الموضوعة التي نصبها الله تعالى في ملكوت السماوات
والأرض وما فيهن وفي خلق الإنسان كما قال الله تعالى { وفي أنفسكم
أفلا تبصرون } (1) .
وقد كانت العرب يعظمون البيت ويحجونه وإنما يعبدون الأصنام
لتقربهم إلى الله تعالى(2) وإنما دعاهم رسول الله عليه وسلام إلى رفض
الأوثان وأمرهم بعبادة الرحمن، فأبوا واستكبروا وقال الله تعالى { ولئن
سألتهم من خلقهم ليقولن الله } (3) .
مسألة
[ الدليل على وجود الباري ]
فإن قيل فما الدليل على وجود الباري تعالى. قيل له : إطباق عقلاء
الأمة بأسرها، من موحد وملحد لأن الأفعال لا يتقنها معدوم ولا تتأتى منه.
مسألة
[ دليل النصارى ]
فإن قيل فما الدليل على من قال من النصارى أن المسيح عيسى ابن مريم
هو ابن الله واحتجوا أن من لا ابن له ناقصاً والذي له ابن أكمل فوجب أن يصفه بالصفة التي توجب الكمال والتفضيل يقال لهم فلم لا يقولون أن له عينين ويدين كمثل هذه العلة، وقالوا إن الابن نطق والزوج حياة وسوى الناطق أخرس ومن لا روح له ميت يقال لهم إن من ليس بفاعل فهو عاجز ومحال منه الفعل فقولوا إنه لم يزل فاعلاً أو تاركاً لتنفوا عنه العجز واستحالة وقوع الفعل .
مسألة
[ إبطال بنوة عيسى ]
فإن قيل أليس قد اتخذ الله خليلاً يقال له: نعم فإن قيل لم لا يجوز
أن يتخذ عيسى ابناً يقال له إنما اتخذ الله إبراهيم خليلا، فكان إبراهيم خليلاً
- -(4) لا أن الله خليلاً له. فلو كان قياس اتخاذ ابن على قياس اتخاذ خليلاً
__________
(1) 1- سورة الذاريات آية 21 .
(2) 2- قال تعالى : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [الزمر آية 3].
(3) 3- سورة الزخرف آية 87 .
(4) 1- بياض في الأصل . (1/5)
صفحة 6
لكان النبيّون أبناء الله إذا قلتم أن عيسى صلى الله عليه سلم ابناً له فلما
بطل هذا بطل ذلك.
مسألة
[ لماذا لا يشبه الله الأشياء ]
فإن قيل لم لم يجز أن الله تعالى لا يشبه الأشياء ولا تشبهه يقال لا يخلوا
أن يشبهها من كل الجهات ومن بعضها فإن أشبهها من كل الجهات كان حكمه حكمها وإن أشبهها من بعض الجهات كان مشبها لها من حيث
أشبهها تعالى الله عن شبه خلقه.
مسألة
[ إثبات أن العالم حادث ]
فإن قيل فإذا(1) العبد أن العالم محدث فكيف يعلم أنه لا يشبهه شيء
منها ولا تشبهه قيل له يعلم بما شاهد من المحدثات فيما بيننا إن كل صنعة لا تشبه صانعها كالكتاب لا تشبه الكاتب وغير ذلك من الصناعات فصح الاستدلال بالشاهد على الغائب وقوله تعالى { ليس كمثله شيء } (2) ليس
هو شيء كالأشياء.
مسألة
[ كيفية عبادة الله ]
من عبد الله بالرجى فهو مرجي(3) ومن عبده بالخوف فهو
حروري(4) ومن عبده بالحب فهو زنديق(5) ومن عبده بالأحوال الثلاثة
فهو مستقيم ولا ينوي في عبادته لله طمعاً في الثواب ولا خوفاً من
العقاب ، بل نيته أن الله مستحق للعبادة والخضوع والإنابة وأنه غني عن
عبادة الخلق أجمعين.
مسألة
[ أي العبادة أصح ]
وقيل من عبد الله بتوهم القلب فهو مشرك ومن عبد الاسم دون الصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب ومن عبد المعني بحقيقة المعرفة فقد أصاب.
مسألة
[ متى وجبت معرفة الله على المكلف ]
فإن قيل مم(6)
__________
(1) 1- الأصح والله أعلم: فإذا قال العبد .
(2) 2-سورة الشورى آية 11 .
(3) 3- مرجي : نسبة إلى المرجئة : وهم الذين يقولون : لا تضر مع الإيمان معصية».
(4) 4-حروري : نسبة إلى منطقة حروراء وهي قرية بجوار الكوفة.
(5) 5- الزنديق : هو من يظهر الإسلام و يسر الكفر ، الزنديق في لسان العرب : يطلق =
(6) = على من ينفي الباري ، وعلى من يثبت الشريك وعلى من ينكر حكمته. وقال:
الفرق بينه وبين المرتد العموم الوجهي .
وعرفه الحنفية: إبطان الكفر والاعتراف بنبوة نبينا - - صلى الله عليه وسلم - . وفرقت الأحناف
بين الزنديق والمنافق والدهري الملحد مع الاشتراك في إبطان الكفر. انظر رد
المحتار على الدر المختار 4/240 .
1-الصحيح : متى وجبت . (1/6)
صفحة 7
وجبت معرفة الله تعالى على العبد المكلف(1) يقال له أن
عليه معرفة من افترض عليه المفترضات حتى يؤديها لمفترضها لأنه لا يؤدي المفترضات حتى يعرف من افترضها عليه حق معرفته إذ لا يجوز أن يتقرب بفعل لمن جهله.
مسألة
[ عدم التكليف فوق الطاقة ]
فإن قيل فما الدليل على أن الله تعالى لم يكلف العباد فوق طاقتهم قيل له
قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } (2) وقوله { ما جعل عليكم في الدين
من حرج } (3) أي من ضيق.
مسألة
[ فناء السموات والأرض ]
فإن قيل ما الدليل على فناء السماوات والأرض قلنا له قوله تعالى
{ والأرض جميعاً قبضته بوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } (4) وقال تعالى { يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب } (5) من غير طي بيد
وقال { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } (6).
مسألة
[ ذهاب كل ذي روح ]
فإن قيل ما الدليل على ذهاب كل ذي روح قلنا له قوله تعالى { كل
نفس ذائقة الموت } (7).
مسألة
[ ذهاب الجمادات ]
فإن قيل ما الدليل على ذهاب الجمادات قلنا له قوله تعالى { كل من
عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } (8).
مسألة
[ ذهاب كل المخلوقات ]
فإن قيل ما الدليل على ذهاب كل المخلوقات قلنا له قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } (9) أي إلا هو لأنه تعالى يفني سائره ويبقى وجهه تعالى الله.
مسألة
[ دخول الجنة بفضل الله تعالى ]
فإن قيل فيدخل أهل الجنة الجنة بفضله أم بأعمالهم قلنا فإن الله يدخلهم الجنة بفضله إذ قد خلقهم وهداهم للعمل الذي يرضاه ووفقهم لفعله
__________
(1) 2-العبد المكلف: هو المسلم البالغ العاقل ، لأن البلوغ أهلية الأداء والعقل مناط
التكليف .
(2) 1- سورة التغابن آية 16 .
(3) 2- سورة الحج آية 78 .
(4) 3- الزمر آية 67 .
(5) 4- سورة الأنبياء آية 104 .
(6) 5- سورة الحاقة آية 14 .
(7) 6- سورة آل عمران آية 185 .
(8) 1- سورة الرحمن آية 26 ، 27 .
(9) 2- سورة القصص آية 88 . (1/7)
صفحة 8
فأدخلهم جنته وهو مستغن عن أعمالهم وعنهم إذ خلقهم وعبادتهم لا تزيد
في ملكه شيئاً.
مسألة
[ القضاء بين الدواب ]
فإن قيل هل يقضي الله بين الدواب يوم القيامة وتقتص الجماء من القرناء بما نطحتها وقلنا إن الدواب غير مكلفة ليحكم لهم وعليهم ولم يأمرهم
الله بالعبادات كما أ مر بني آدم وإنما قيل يحشرهم يوم القيامة فما استحسن منهم أهل الجنة تمتعوا به ثواباً لهم وبما بقي منهم فيكونوا عذاباً لأهل النار والدواب لا عذاب لهم.
وقال الشيخ أبو محمد(1) إن البهائم يدخلون الجنة بلا عواض ، والمكلفين يدخلون الجنة بفضل الله وعملهم، والمجانين والأطفال يدخلون الجنة
بالتفضيل والبهائم يدخلون الجنة بلا عواض.
مسألة
[ كيفية الحساب ]
قال الله تعالى { وكفى بنا حاسبين } (2) وهو أسرع الحاسبين و أمثال
ذلك هل يحاسب الله الخلق يوم القيامة، وكيف تكون كيفية حسابه لهم
قلنا له نعم إن الله يحاسب الخلق المكلفين يوم الدين، وإنما حسابه
لهم حكم وعدل ومجازاة لأنه عالم بما عملوا ولا يخفى عليه شيء سبحانه وحاسبين منصوب على التمييز وقوله على الحال لأن حسابه للخلق
كحسابه لأحدهم لا يشغله شيء عن شيء وقال الله تعالى : { إن الله
سريع الحساب } (3).
مسألة
[ الحكمة من الإيلام ]
__________
(1) 1- أبو محمد : يظهر لي والله أعلم : أنه : أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة
السليمي البهلوي. مسكنة الضرح من قرية بهلا. وهو من علماء القرن الرابع ومن
أشياخه سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب - رحمه الله. والعلامة مالك
غسان ابن الخضر بن محمد الصلاني، وأبو مروان. كان معروفاً بالغنى وكانت
له مدرسة ينفق عليها من ماله الخاص. ومن تلاميذه الشيخ أبو الحسن البسياني له
من الكتب الكثيرة أشهرها الجامع وشرح جامع ابن جعفر. أنظر إتحاف الأعيان
ص226 - 229 .
(2) 2- سورة الأنبياء آية 47 .
(3) 1- سورة آل عمران آية 199 . (1/8)
صفحة 9
فإن قيل فما الحكمة في إيلام غير المكلفين ، قلنا في ذلك قولان أن الله عوضهم حتى خرج من أن يكون ظالماً لأن حقيقة الظلم هو التضرر الذي لا يستحقه المفعول به، ليخرج أن يكون عبثاً وتصديق ذلك قوله
تعالى { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً
وكفرا } (1) ففي قتل الغلام حصل عوض يوم العرض وحصل للوالدين
ألطاف كثيرة. لأنهما كانا يحبّانه محبّة كثيرة وقوله الحكمة في إيلام
الأطفال ليعلموا فضل الآخرة أن ليس فيها ألم.
مسألة
[ الحجة في إيلام المكلفين ]
فإن قيل ما الحجة في إيلام المكلفين يقال في ذلك وجوه الأول أنه يؤلم الأنبياء ومن لا ذنب له لاستحقاق الثواب، كألم الأطفال الثاني يكون الألم كفارة ذنب فيكون الألم عوضاً من عذاب النار، الثالث ألم الكفار
والمصرين من الموحدين على ما اكتسبت أيديهم إلا من تاب وإلى ربه أناب، والردع ليعتبر المكلف أن عذاب الألم في الدنيا دون عذاب(2) ليرغب في الأعمال التي يستحق فاعلها الجنة.
مسألة
[ النسيان من الشيطان ]
فإن قيل إن النسيان من الشيطان أم من الرحمن لقوله تعالى { وما أنسانيه إلا الشيطان } (3) قلنا إن الشيطان لعنه الله عاجز لا قدرة له على الخلق والإبداع كقدرة الله ولا نسيان ولا تذكير وإنما هو يشغل الإنسان عن
الطاعة فيكون سبباً لكون المعصية من العبد وفسروا قوله تعالى { وما
أنسانيه إلا الشيطان } أي أشغلني أن أخبر بالحوت وقوله تعالى { وإمّا ينسينك الشيطان } (4) أي يشغلك.
وقال محمد بن محبوب(5)
__________
(1) 2- سورة الكهف آية 80 .
(2) 1- والله أعلم - دون عذاب الآخرة .
(3) 2- سورة الكهف آية 63 .
(4) 3- سورة الأنعام آية 68 .
(5) 1- محمد بن محبوب : هو شيخ المسلمين في زمانه محمد بن محبوب بن الرحيل
ابن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، من أشهر العلماء في زمانه كان مضرب
المثل في العلم والزهد والتقوى، نشأ أيام الإمام غسان بن عبد الله سنة 192هـ
وعاصر الإمام المهنا بن جيفر، وتألق نجمه أيام الصلت بن مالك سنة 239 تقلد
القضاء له في صحار من أشياخه موسى بن علي الأزكوي توفي رحمه الله
بصحار يوم الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر محرم سنة 260هـ وقبره
بصحار مشهور. عن إتحاف الأعيان ص192 - 194 . (1/9)
صفحة 10
النسيان من الشيطان ليس من الله. ومن قال ليس
في علم الله فقد كفر، ومن قال ليس من الله تعالى لم يحمل العبد على
المعصية ولم يأمره بها فقد صدق ولم يخرج ذلك من علم الله.
مسألة
[ ظهور قدرة الله في خلقه ]
قال الشيخ أبو الحسن البسياني رحمه الله تعالى إن الله تعالى شاء أن
يظهر قدرته ويري العباد حكمته وعزته فخلق الأشياء التي سبق في علمه أنه سيخلقها فخلقها لا من شي ثم خلق الشيء ولو شاء لخلق كل شيء من لا شيء لأنه إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
مسألة
[ التسوية بينهم بالموت ]
إن الله تعالى خلق الخلق قسمين منتفع به ثم خلق المكلفات، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها فإن قيل بأي شيء أفنى الله الخلق من الآلاء حتى
يذكرهم بها. قيل له النعمة في ذلك: التسوية بينهم في الموت حتى لا يكون لأحدهم فضل في الحياة على أحد.
مسألة
[ لما خلق الله الخلق ]
فإن قيل لم خلق الله الخلق قلنا خلقهم ليريهم حكمته ورزقهم ليرهم
نعمته وأماتهم ليريهم قدرته وبعثهم ليريهم رأفته وحاسبهم ليريهم هيبته،
وغفر لهم ليريهم رحمته وعذبهم ليريهم عدله.
مسألة
[ الدليل على كمال قدرة الله ]
فإن قيل لم خلقهم طوراً بعد طور، قيل ليكون ذلك دال على كمال قدرته، وهو قادر على خلق الخلق دفعة في أسرع من طرفة عين، فإن قيل لما لم
يخلقهم دفعة وهو قادر على ذلك يقال له إن أمور الدنيا بنيت على التأني والتراضي فلهذا قيل إن العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن.
مسألة
[ أهمية التأني ]
فجعل الله التأني رحمة للعباد للإجلال والمعاملات.
مسألة
[ لماذا خلق الله الخلق ]
فإن قيل إن الله خلق الخلق لينفعهم أو لينفعوه أو لا لهذا ولا لذا قلنا له إن الله خلق الخلق لينفعهم لأنه لو خلقهم لينتفع هو بهم لزمته الحاجة والعجز والعاجز ليس بإله غني وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وإن
كان خلقهم لا لهذا ولا لذا فقد خلقهم عبثاً وتركهم سدى وفاعل ذلك (1/10)
صفحة 11
ليس بحكيم والله حكيم عليم.
مسألة
[ كسب الرزق الحلال ]
فإن قيل فيرزق الله الحرام قيل إن الله تعالى أمر بكسب الرزق الحلال والابتغاء من فضله ونهى عن كسب الحرام فمن كسب الحلال، فقد كسب رزق الله الذي أمره به ومن كسب الحرام واتبع خطوات الشيطان فقد أكل
ما حرم الله عليه ونهى عنه ولا يحسن أن يقال أن الله يرزق الحرام وإن كان خلقه الله لأنه لا يوصف إلا بأحسن الصفات.
مسألة
[ ابتلاء وامتحان الخلق ]
فإن قيل كيف جعل الله أبدان المكلفين تتغذى الحلال والحرام كما جعل استطاعتهم تصلح للإيمان والكفر قيل له ابتلاء وامتحان ولو جعل الله أبدانهم
لا تتغذى إلا بالحلال لصاروا مضطرين إلى ذلك مجبولين ولم يستحقوا ثواباً
ولا عقابا.
مسألة
[ الحكمة من ذبح الحيوان ]
فإن قيل ما الحكمة في ذبح الحيوان يقال إن الله له أن يميت ما
خلق ويفنيهم فلما أمن الحيوان خلق من خلق الله جعل موتها على
أيدينا منفعة لنا لأن الله لا يفعل شيئاً وقد أمر نبيه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بذبح(1)
ولده وأمر الخضر عليه السلام بقتل الغلام(2) وأمر بني إسرائيل بقتل
بعضهم(3) وليس ذلك بأكثر من أن يأمر ملك الموت بقتل جميع
المخلوقين وأيضاً إن الحيوان لو لم يذبح لصار لكثرته إلى الضياع ولست
أبيح ذبح الحيوان عبثاً ولعباً للطرب، بلا منفعة بل يحرم معنا قتل الذر(4)
فما فوق لغير معنى.
مسألة
[ خلق الجنة والنار ]
__________
(1) 1- قال تعالى : { فلما بلغ معه السعي قال يا بني أني أرى في المنام أني
أذبحك } [الصافات : 102].
(2) 2- قال تعالى : { فانطلقا حتى إذا رأيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير
نفس لقد جئت شيئاً نكراً } . [الكهف :74].
(3) 3- قال تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم
العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } [سورة البقرة:54].
(4) 4- الذر : صغار النمل. (1/11)
صفحة 12
فإن قيل إن الجنة والنار خلقتا أم سيخلقا ؟ فقد اختلف المسلمون في ذلك على قولين، وحجة من قال أنهما خلقتا قول الله تعالى { قلنا اهبطوا منها
جميعاً } (1) والهبوط لا يكون إلا من شيء قد خلق وحل فيه، وقال في
الجنة والنار { أعدت للمتقين } (2) و { أعدت للكافرين } (3) والمعد المهيأ،
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «اطلعت على الجنة فرأيت أقل أهلها الأغنياء والنساء
واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء»(4).
مسألة
[ بقاء أهل الجنة ]
فإن قيل فما الفرق بين بقاء أهل الجنة وبقاء الباري تعالى قلنا إن الله باقي بنفسه لا ببقاء أبقاه وأهل الجنة والنار إنما بقوا ببقاء مبق أبقاهم وهو الله تعالى.
مسألة
[ علم الله ]
فإن قيل هل يعلم الله تعالى ثواب أهل الجنة ونعيمهم وعذاب أهل النار ، قلنا نعم إن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون كيف يكون والله تعالى عالم وأنه
لا نهاية لذلك.
مسألة
[ الدليل على إعادة الخلق ]
فإن قيل ما الدليل على إعادة الخلق ؟ قال الشيخ أبو الحسن إن الله
تعالى خلق الخلق على غير مثال يسبق فلم يعي أن يعيده خلقاً آخر وقد قال
الله تعالى { وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم
قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } (5)، وغير ذلك
كثير من القرآن.
مسألة
[ بعث الخلق ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 38 .
(2) 2- سورة آل عمران آية 133 .
(3) 3- سورة آل عمران آية 131 .
(4) 4- الحديث عن ابن عباس، وعمران بن الحصين - رضي الله عنهما - عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - - قال : اطّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت النار، فرأيت
أكثر أهلها من النساء) متفق عليه. رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما
جاء في صفة الجنة. ومسلم - الذكر حديث 94، وأحمد 1/234 .
(5) 1- سورة يس آيات: 78 ، 79 . (1/12)
صفحة 13
فإن قيل هل يبعث الله كلما(1) خلق أم ذوات الأرواح فقط يقال إن المسلمين اختلفوا في بعث كل الخلق فأثبت ذلك بعض ونفاه آخرون وحجة من أثبته قول الله تعالى { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } (2) وحجة من
نفاه قول الله تعالى { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا
أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } (3).
مسألة
[ فائدة بعث الرسل للعباد ]
فإن قال قائل فما الفائدة في بعث الله الرسل للعباد واستحسان بعثهم
من الله قلنا إن الله تعالى لما خلق خلقه المكلفين إحياء عقلاء قادرين لا
لحاجة منه لهم ولا استحقاق منهم عليه وفضلهم على كثير ممن خلق
تفضيلا، وجب عليهم بذلك لله التفكر، على من أولاهم به ويبينون لهم
ما يأتون وما يتقون.
مسألة
[ الدليل على صدق رسولنا - صلى الله عليه وسلم - ]
فإن قال قائل فما الدليل على أن محمداً رسول الله وأنه صادق فيما جاء به قلنا إن الدليل على ذلك القرآن والمعجزات التي لا قدر على الإتيان بمثلها
إلا الله لقوله تعالى { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن لا يأتون بمثله } (4) الآية ومعجزاته مشهورة.
مسألة
[ احتمال الأذى ]
فإن قيل هل يجوز أن يقال لله جنب معقول لقوله تعالى { يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله } (5) يقال له ذلك منفي عن الله تعالى وإنما
معناه في أمر الله وطاعته كما يقول الأعرابي احتملت الأذى في جنب فلان
أي في رضاه.
مسألة
[ امتلاء الجنة ]
زعم أهل الجهل أن الله قد كان وأن الجنة لا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه فيقول قط قط فتملى حينئذ وتنزوي هذا الكلام مستحيل لا يفوه به ذوا حجي وهذا يقتضي التحديد والثناء وهذا والله يجل عن ذلك.
مسألة
[ استدلال الشاهد على الغائب ]
__________
(1) 2- كلما : كل ما خلق .
(2) 3- سورة الروم آية 27 .
(3) 4- سورة الأنعام آية 38 .
(4) 1- سورة الإسراء آية 88 .
(5) 2- سورة الزمر آية 56 . (1/13)
صفحة 14
فإن قيل كيف يجوز أن يستدل بالشاهد على الغائب قلنا من جهته إن العاقل إذا رأى ناراً علم أن كل نار كذلك حكمها، وكذلك كلما شاء كل ذلك.
مسألة
[ لزوم النظر عن طريقين ]
اعلموا أن لزوم النظر فيه والاستدلال على الله تعالى باري الصور من طريقتين من كتاب الله عز وجل ومن حجة العقل أما من كتاب الله تعالى فكقوله { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } (1) فلم يأمرهم الله
تعالى بنظر العين دون التفكر والاعتبار في المنظور إليه أن له خالقاً خلقه وبارئاً
أخرجه من العدم وأوجده فإذا علم ذلك علم أن ما سوى الله محدث أحدثه.
وهو الله الذي ليس كمثله شيء وقال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق من ربهم } (2) فلم يرد بذلك نظر
العين خاصة فإن قيل فما الدليل على أن الله تعالى شيء قلنا قد دلت الأدلة على أنه موجود ويوحد كل شيء سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
مسألة
[ الدليل على أنه شيء لا كالأشياء ]
فإن قيل فما الدليل على أنه شيء لا كالأشياء قيل له إن الأشياء لا يخلو أن يكون يرى بعين أو يحس كالريح وما كان يرى أو يحس فمفتقر للمكان والله تعالى لا يُرى ولا يُحس ومن لا يتقن الأشياء معدوم.
مسألة
[ لماذا لا يقال بأنه جسم ]
فإن قيل إذا قلتم إنه شيء لم لا تقولون أنه جسم لا كالأجسام ، قلنا لأنه قد يقال جسم أجسم من جسم ولا يقال شيء أشياء من شيء ولأن الجسم يكون طويلاً عريضاً عميقاً. قال تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل
الله } (3).
مسألة
[ ما قالت الديصانية ]
فقالت الديصانية(4)
__________
(1) 1- سورة يونس آية 101 .
(2) 1- سورة فصلت آية 53 .
(3) 2- سورة النعام آية 19 .
(4) 1- الديصانية : أصحاب ديصان أثبتوا أصلين نوراً وظلاماً فالنور يفعل الخير قصداً
واختياراً، والظلام يفعل الشر طبعاً واضطراراً، فما كان من خير ونفع وطيب
وحُسن فمن النور، وما كان من شر وضر ونتن وقبح فمن الظلام، وزعموا أن
النور حي عالم قادر حساس دراك ومنه يكون الحركة والحياة، والظلام ميت
جاهل عاجز جماد جواد لا فعل ولا تمييز... أنظر الملل والنحل للشهرستاني
هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/88. (1/14)
صفحة 15
إن لا إله إلا الله هو الواحد الأزلي يكن معه موات
قديم فمن ذلك الموات أبدأ الأشياء على ما هي عليه وأوجدها بعد العدم، قلنا هذا باطل من جهة أن لا إله إنما واجب أن يكون مما في الأزلية والقدم فلو
كان معه غيره في الأزلية والقدم لوجب أن يماثله في أخص أوصاف
الأولوهية ومن له شريك فليس بإله القديم.
مسألة
[ إحداث الأجسام ]
فإن قيل هل يجوز أن تكون الأجسام يحدثها محدث أحدثه الله تعالى
وذلك المحدث جسم قلنا له لا والدليل على إبطال ذلك أن الجسم لا يكون قادراً إلا بقدرة هي غيره فلو جاز ذلك لجاز لنا أن نفعل بقدرتنا بعض ذلك.
مسألة
[قدرة الأجسام]
فإن قيل لم قلتم أن الجسم لا يكون قادراً إلا بقدرة هي غيره قلنا له ليس فيما بيننا جسم قادر إلا بقدرة هي غيره، ولو كان الجسم قادراً بنفسه
لكانت الجمادات كذلك وذلك مستحيل.
مسألة
[ الحجة على من أنكر حدث العالم ]
فإن قيل فما الحجة على من أنكر حدث العالم من الملحدة وعبدة الأصنام وقالوا بقدمه فقالت الدهرية إن الدنيا لم تزل كما توافر مرور الليالي والأيام وتموت وتحيى وما يهلكنا إلا الدهر قلنا يبطل قولهم هذا قول الله تعالى
{ وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } (1).
مسألة
[ غنى الله سبحانه وتعالى ]
فإن قيل إذا قلتم أن الله تعالى غني لا مغن له وكذلك جميع صفاته فلم
لا أثبتم مفعولاً لا فاعل له قلنا لا يجب ما قلتم وذلك أن الغنى الذي قلنا لا مغن له والعزيز الذي لا معز له ليس بمعزوز فيقتضي ذلك معزاً وكذا جميع الصفات وعزيز على وزن فعيل لا يقتضي ومفعول يقتضي فاعلاً فالعالم
العزيز الذي بينّاه لا معلم له ولا مقدر له لم يزل قديماً.
مسألة
[ الأجسام لا تحدث بعضها بعضاً ]
فإن قيل ما تنكروا أن تكون الأجسام للتي دللتم أنها محدثة أحدث
بعضها بعضاً قلنا هذا فاسد من قبل أن كل متماثلين لا يكون أحدهما
__________
(1) 1- سورة الجاثية 24 . (1/15)
صفحة 16
موصوفاً بالقدرة على صاحبه أولى من أن يكون الآخر موصوفاً بالقدرة عليه
إذ المثلة بينهما حاصلة والمكافأة واقعة ولو جاز أن يحدث بعضهما بعضاً
لقلتم مراد أحد المحدثين في الآخر وقد جاء عن ربنا أنه هو الخالق تعالى.
مسألة
[ مازعمت المانوية ]
زعمت المانوية لعله المانوية(1) أن الأشياء من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة والنور خير يفعله الخير والظلمة شر تفعل الشر، وإنما لم يزالا حيين حاسبين داركين سميعين بصيرين وهما مع ذلك مختلفان في النفس
والصور متضادين في الفعل والتدبير ثم امتزجا فقال أبو الهذيل(2) لبعضهم
أخبرنا عن النور أليس قد كان مبايناً للظلمة قال نعم قال فما مجيه إليها بعد المباينة إحياء إلى أنس ومستراحة أم إلى ضده فإن قال جاء إلى ضده طوعاً
فهو شرير أحمق وإن قال جاء قسراً فهو ضعيف عاجز فرجع المانوني خائباً فهداه الله وأسلم.
مسألة
[ ماحق الله على عباده ]
فما حق الله على عبادة قلنا حقه أن يوفوه ويوحدوه ويعبدوه ولا
يشركوا به شيئاً فإن قيل أراد الله هذا الحق منهم طوعاً قلنا نعم أراده ممن
__________
(1) 1- المانوية: أصحاب ماني بن فانك الحكيم الذي ظهر في زمان شابور بن ازدشير
وقتله بهرام بن هرمز بن شابور وذلك بعد عيسى عليه السلام أخذ ديناً
بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح عليه السلام ولا يقول بنبوة عليه
السلام مذهب الحكيم ماني : زعم أن العالم مصنوع من مركب من أصلين
قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة وإنهما أزليان لا يزالا ولن يزالا، وأنكروا
وجود شيء لا من أصل قديم وزعم أنهما لم يزالا قوتين حساسين سمعين
بصيرين وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير ومتضادان وفي
الخير متحاذيان تحاذي الشخص والظل. لهم معتقدات معينة في النور والفعل
والخير والصفات... أنظر الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل في الملل
والأهواء والنحل لابن حزم 2/ 81 - 86 .
(2) 1- أبو الهذيل: لم أعثر له على ترجمة . (1/16)
صفحة 17
يأتي به مطيعاً ولم يرده ممن لم يأتي به مطيعاً.
مسألة
[ لزوم حجة القرآن العجم ]
فإن قيل كيف لزمت حجة القرآن الهند والترك والعجم وهم ما يعرفون
أذ ما أتي به معجزا قلنا من حيث إذا فتشوا علموا أن العرب الذين بعث
إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا فصح الكلام العربي وأنهم النهاية في هذا الباب وإنه
نشأ عندهم وإنه ما كان يتلوا من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه وإنه
تحداهم أن يأتوا بمثله مجتمعين ومتفرقين فعجزوا عن ذلك.
كما أن حجة موسى وعيسى قائمة على من ليس بساحر ولا طبيب
لعلمنا أنهما قد اتحدا بأطب الناس وأعلمهم سحرا بمثل ما أتيا به فعجزوا عن ذلك مع الحرص عليه والإيثار له.
مسألة
[ ادعاء اليهود عدم بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
قالت اليهود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث بعد فمن الرد عليهم إنه كيف لم يبعث وأنتم تعلمون أيان بعثته وأيان موته وذلك في
كتابكم قد انقضى وقتئذ في مولده ومبعثه وموته وشاهد ذلك كله عندكم
لا ينكروه إلا مكابر ممن يشتري بآيات الله وإيمانه ثمناً قليلاً.
مسألة
[ دعوة الأنبياء والرسل واحدة ]
عن الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد(1) رحمه الله كل دين الأنبياء
والمرسلين واحد ودعوتهم واحدة وحجتهم واحدة لا يختلف الدين الذي
جاءوا به عن رب العالمين وكانت الدعوة كلها شهادة إن لا إله إلا الله وحده
__________
(1) 1- الشيخ أبو سعيد محمد بن سعيد - رحمه الله - : بن محمد بن سعيد الناعبي
الكدمي وكدم من أعمال ولاية الحمراء، يعتبر من كبار علماء عُمان ومن أئمة
المذهب المقتدى بهم يقال أن مولده سنة 305هـ وقد عمل أميناً على المحبوسين ،
عصر إمامي هما : الشهيد سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب، والثاني :
راشد بن الوليد رحمهما الله. له مؤلفات كثيرة منها : الجامع المفيد، وكتاب
المعتبر والاستقامة. توفي رحمه الله قبل وفاة ابن بركة وكان بينهما خلاف
فقهي. ارجع إلى إتحاف الأعيان 1/216 - 225 . (1/17)
صفحة 18
لا شريك له وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليهم أجمعين ، قال الله { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً } (1) الآية وقال تعالى { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } (2) فإن قيل فما الحجة في لزوم التكليف قلنا قوله تعالى
{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم } (3) .
ووجوب التكليف على قسمين من يقين طريق عقل و طريق نقل فطريق العقل ينقسم على قسمين أحدهما معرفة الله أنه واحد وعالم وقادر ونحو
ذلك فعلى المكلف عند ذكر ذلك وسمعه واعتقاده وعلمه غير معذور
بجهله ولا الشك فيه ولا القسم الثاني فيه الاختلاف بين الناس مثل عالم
يعلم وقادر يقدر وعالم بنفسه وقادر بنفسه فحجة هذا تلزم بالسؤال وبعد الاستدلال وعلى الشاك فيه لا يعتقد تحولاً من قول المختلفين بغير دليل فإن يكون متمسكاً بجملة وهي أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء وأما ما
كان طريقه طريق النقل وهو السمعي فغير لازم فرض ولا هالك من جهله
إلا بعد قيام الحجة عليه بالخبر المنقول فأما ما سمعه ما طرق سمعه من ذلك
لزمه فرضه إن كان في اللفظ في نفس المنقول وإن كان مجملاً فإلي أن
يسأل العلماء عن تفسيره بأخطائه وما لم تقم على المكلف حجته ولم
تبلغه دعوته فهو سالم بجمله فما كان طريقه طريق السمع من رسالة الرسول وعلم الفرائض ومشاهدة الرسول ليس بحجة حتى يظهر له معجزة على
دعوى النبوة ويدعوه إليه من الإيمان.
مسألة
[ أصناف التكليف ]
التكليف ثلاثة أصناف لعدة أقسام فقسم أمر المكلفون باعتقاده وقسم أمروا بفعله وقسم أمروا بالكف عنه وأما ما أمروا باعتقاده فقسمان قسم
إثبات وقسم نفي فأما الإثبات فإثبات توحيد الله وصفاته وتصديق رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به وأما النفي فنفي لصاحبته والولد والأشياء والحاجة
__________
(1) 1- سورة الشورى آية 13 .
(2) 2- سورة آل عمران آية 85 .
(3) 3- سورة النساء آية 1 . (1/18)
صفحة 19
والقبايح أجمع عن الله تعالى وهاذان القسمان أولهما ما كفله العاقل.
وأما أمرهم الله بفعله فثلاثة أقسام قسم على أبدانهم كالصلاة والصوم،وقسم في أموالهم كالزكاة والكفارات وقسم على أموالهم وأبدانهم معاً
كالحج والجهاد.
وأما ما أمرهم بالكف عنه فثلاثة أقسام فقسم لإحياء أنفسهم كنهيه عن
القتل وأكل الخبائث والسموم وما يؤدي إلى إفساد أبدانهم وأديانهم وقسم
لأفعالهم وصلاح ذات بينهم كنهيه الله تعالى عن الغضب والظلم والبغض
وما أشبه ذلك وقسم لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم كنهيه الله تعالى عن
الزنا وتحريم ذوات المحارم.
مسألة
[ كيفية أخذ المتعبد به ]
والتعبد مأخوذ من عقل متبوع وشرع مسموع فالعقل متبوع فيما لا
ينفع منه الشرع والشرع مسموع ما لم يمنع من العقل لأن الشرع لا يرد بما
يمنع منه العقل والعقل يتبع فيما لا يمنع منه الشرع، وكذلك توجه التكليف
إلى كل من كمل عقله والأحكام العقلية لا تكون أصولاً للأحكام الشرعية
ولا تشبه الأحكام الشرعية الأحكام العقلية.
مسألة
[ هل الكفار مخاطبون بالعبادات ]
اختلف المسلمون في الكفار هل خوطبوا بالعبادات والأحكام كأهل الإسلام أم مخاطبون أولاً بأصل الإيمان فقط على وجهين أحدهما لم
يخاطبوا سوى بأصل الإيمان فإذا دخلوا في ذلك خوطبوا حينئذٍ بسائر
العبادات وقال آخرون بل خوطبوا بجميع ذلك من صلاة وصوم وما
أشبههما ومعاقبون على تركه ولكن يكون فعلهم على ترتيب أنظر إلى قوله
تعالى : { فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } (1).
وأما المرتد(2)
__________
(1) 1- سورة فصلت آية 7 .
(2) 2- المرتد : من الارتداد - الرجوع. وعند الفقهاء : إجراء كلمة الكفر على اللسان
بعد وجود الإيمان. بدائع الصنائع للكاشافي 7 / 134 .
وفي شرح النيل : هو المكلف الذي يرجع عن الإسلام طوعاً، أما طوعاً بالتصريح
بالكفر وأما بلفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه - شرح النيل وشفاء العليل 17/597 . (1/19)
صفحة 20
لم أعلم اختلافاً بين قومنا أن في حكم الخطاب يجوز من
فعل الحكم تعالى كيف يعلم أنه من يعصيه من خلقه فيصيرون إلى النار فلو
لم يخلقهم ما كفروا ولا استحقوا ذلك أن وجب أن يكون الخلق والتبليغ بالتكليف قبيحاً ولا يكون حكمة لكان لا شيئاً أوضع ولا أقبح من العقل
ولا أضر منه لأن الإنسان متى لم يكن عاقلاً لم يلم في صنع ولم يلزمه
عقاب ومتى كان عاقلاً لحقه ذلك والأمة الملحدة والموحدة مجموعون على
شرف العقل وفضله وإنما كفر من كفر بسوء اختياره.
مسألة
[ صفة أهل الجنة ]
فإن قيل هل يجوز إن يكلف الله أهل الجنة في الجنة كما كلفهم في
الدنيا لكان الأمر من الوعد والوعيد كما كان في الدنيا.
مسألة
[ كيفية أهل الجنة ]
فإن قيل لابد لأهل الجنة من فروض معرفة الله تعالى والشكر له قلنا إن أهل الجنة إلا وهم عارفون جميع ذلك فبعد استقراره في قلوبهم لم ينسونه
ليعاد عليهم التكليف مرة أخرى، فإن قيل: أن يكون حكيماً من ترك عبده يعصيه ويعمل عملاً يستحق به الخلود في النار ولا يمنعه وهو قادر على ذلك قلنا قد منع الله العباد من أن يعصوه أشد المنع وخلصهم منه بأفضل الخلاص بأن زجرهم ونهاهم وتوعدهم بالنار وأراهم العبر والآيات والمثلات
وأقدرهم على ترك المعاصي وجعل لهم السبيل إلى الطاعة وأعطاهم كلما ينجون به من المعصية وحذرهم وتوعدهم ووعدهم.
مسألة
[ استحقاق الثواب والعقاب ]
فإن قيل فهل لا خيرهم وقهرهم عن المعاصي قلنا لو فعل ذلك بهم لم
يستحق محسنين ثواباً ولا مسيء عقاباً وكان لا معنى فخلقهم إذ لم يخلقهم لينفعهم وكان خلقه لهم عبثاً وسدى تعالى الله .
مسألة
[ الانتقال في العبادات «نسخ تخفيف» ]
فإن قيل أيجوز أن ينقل الله العباد من تثقيل إلى تخفيف قلنا نعم لأن الله تعالى أمر المؤمنين بقتال المشركين بعد أن كانوا غير متعبدين فقال الله تعالى (1/20)
صفحة 21
ألا تنظروا الآية فقد صاروا بالتخلف عن القتال متوعدين بعد أن كانوا غير مأمورين وقد خفف أشياء بعد التثقيل لقوله تعالى { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً } (1) .
مسألة
[ علم الله ]
فإن قيل أليس الله عالماً عند إلزامه لهم الرضى الأول بما يصيرون إليه من الضعف قلنا هو عالم بما كان وبما يكون قبل أن يكون وإنما خفف عليهم وألزمهم الفرض الثاني لما كانوا أقلاء بدولة الإسلام وكانت نياتهم أقوى وقد افترض عليهم الفرض الأول ولما كثروا وضعف حرصهم عن القتال خفف
المحنة عنهم وألزمهم الفرض الثاني.
مسألة
[ الدليل على أن القرآن حجة ]
فإن قيل فما الدليل على أن القرآن حجة قلنا قوله تعالى { إن هذا
القرآن يهدي للتي هي أقوم } (2) وقوله تعالى { الم ذلك الكتاب لا ريب
فيه هدى للمتقين } (3) .
مسألة
[ الدليل على أن السنة حجة ]
فإن قيل فما الدليل على أن السنة حجة قلنا قوله تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (4) وقوله تعالى { وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى } (5) .
مسألة
[ الدليل على حجية الإجماع ]
فإن قيل فما الدليل على أن الإجماع حجة قلنا قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس } (6) والشهيد لا يكون إلا مرضيّاً وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تجتمع أمتي على ضلال»(7) .
مسألة
[ حجية العقل ]
فإن قيل فما الدليل على أن العقل حجة قلنا قوله تعالى { فاعبتروا يا
أولي الأبصار } (8)
__________
(1) 1- سورة الأنفال آية 66
(2) 1- سورة الإسراء آية 9 .
(3) 2- سورة البقرة آية 1 ، 2 .
(4) 3- سورة الحشر آية 7 .
(5) 4- سورة النجم آيات 3 ، 4 .
(6) 5- سورة البقرة آية 143 .
(7) 6- أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن من حديث أنس 2 / 1303 وفي سنده =
(8) = ضعف لضعف أبي خلف الأعمى، وأخرجه الترمذي 4 / 466 من حديث ابن
عمر، وقال حديث غريب لأن فيه سليمان المدني، وقد ضعفه غير واحد انظر
ميزان الاعتدال 2 / 209 ، وقال العراقي أخرجه البيهقي في المدخل من حديث
ابن عباس، وأخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 115 ، ورد هذا الحديث بألفاظ
كثيرة وهي مشهورة المتن كثيرة الأسانيد ولها شواهد عديدة. وممن خرجها:
أحمد والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة في تاريخه وغيرهم، أنظر كشف
الخفاء 2/350 ، الفتح الكبير 1/318 وسنن أبي داود 4/452 والفقيه والمتفقه
للبغدادي 1/161 .
1- سورة الحشر آية 2 . (1/21)
صفحة 22
وقوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } (1) .
مسألة
[ حجية الرأي ]
فإن قيل فما الدليل على أن الرأي حجة قلنا قوله تعالى { وداود
وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نقشت فيه غنم القوم وكنا
لحمكهم شاهدين } (2) .
مسألة
[ تواتر الأخبار ]
فإن قيل فما الدليل على تواتر الأخبار حجة قلنا ما نعلمه من البلدان
التي لم نشاهدها وما لا نعلمه من الأشياء إلا بالنقل من المخبرين بها وإن لم تعانيها من البلدان القاضية لأنا نعلم أن الله تعالى بنا بيتاً في الأرض وهو
الكعبة ولم نعانيها قط فإن قيل فهل تكون مشاهدة الرسول حجة على
المكلف قلنا إن ذلك ليس بحجة دون إظهار معجزاته الباهرات التي لم تجز
لها عادة من الخلق ولا يقدرون على الإتيان بمثلها وقد كان في زمن
الفصحاء والخطباء والشعراء فعجزوا عن معارضة القرآن وقريش هم
أفصح العرب وأقدرهم على أوزان الكلام فدهشت وطاشت عقولها فتارة
قالوا سحر ساحر وتارة قالوا مجنون وتارة أساطير الأولين وتارة قالوا شعر(3) فأعجزهم الله الإتيان بمثله.
مسألة
[ من قال استحالة النسخ ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن النسخ(4) مستحيل على الله لأنه
يوجب البدا(5) والبدا لا يجوز عليه قلنا إن الله تعالى يحيي عبداً ثم يميته
ويصحه ثم يمره منه أهذه حكمة من الله إلا وهذا عندكم يوجب البدا أم
لا فإن قالوا يوجب البدا قلنا ما أنكرتم أن يكون حكم الشرائع كهذا
الحكم وهم يعلمون أن الله تعالى أمر نبيه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بذبح ولده ثم نهاه
عن ذلك .
مسألة
__________
(1) 2- سورة الغاشية آية 17 .
(2) 3- سورة الأنبياء آية 78 .
(3) 1- الصحيح شاعر .
(4) 2- النسخ : هو الإزالة كلياً أو جزئياً. يقال : نسخت الريح الأثر.
واصطلاحاً : قال العلماء : حد النسخ : الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت
إذا كان متراخياً عنه على وجه لولاه لاستمر الأول.
(5) 1- الصحيح: البداء: أي بدا له وهذا نقص ومحال على الله ذلك . (1/22)
صفحة 23
[ الفرق بين البداء والنسخ ]
فإن قيل فما الفرق بين البدا(1) والنسخ قلنا إن البدا(1) هو أن يظهر للأمر باب من المصلحة أو صواب الرأي في التدبير ولم يكن ظهر له قبل ذلك
فيبدوا له ويجب في الحكمة ترك ما تقدم والأخذ بما أوجبه الرأي الحادث
وهذا لا يجوز على الله تعالى وأما النسخ فقد كان الله عالماً قبله بأن الحال سيغير فيجب حكمه بغير ما أمر به في المتقدم إلى أمر ثان وليس يبدو وأمن ذلك ما كان مخفياً عليه تعالى الله .
مسألة
[ حكم من قال بالوصي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن في الأرض بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أوصياء نص عليهم بوحي إليهم وإن علم باطن القرآن عندهم وأنهم قد
اهتدوا بوحي قد ضل الناس عنه، قلنا عن الشيخ أبي الحسن البسياني
رحمه الله تعالى إنّ قائل هذا كافر لأن الله تعالى قال : { وما محمد إلا
رسول قد خلت من قبله الرسل } (1) ولم يقل رسول بعده وقال تعالى
{ ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين } (2) وقد اجتمعت الأمة أنه حجة الله
إلى يوم القيامة.
مسألة
[ من زعم أن للقرآن ظاهر وباطن ]
فإن قيل ما الحجة على من زعم أن للقرآن ظاهراً وباطناً فعلم ظاهره عن الناس وعلم باطنه عن الأوصياء، قلنا كتاب الله يكذبه لأن الله تعالى قال
{ تبيان لكل شيء } وقال: { هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه } (3) الآية فاتباع القرآن واجب وهذا القائل خارج بما نطق به القرآن(4) .
مسألة
[ الرد على من قال بالأوصياء ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الله افترض معرفة الأوصياء والولاية لهم وإن كانوا أهل ضلال وأن من أطاعهم وتولاهم مغفور له قلنا أن الله
تعالى لم ينزل في كتابه بيان كل شيء من ذلك وقال { لا تتخذوا آباءكم
__________
(1) 1- سورة آل عمران آية 144 .
(2) 2- سورة الأحزاب آية 40 .
(3) 3- سورة الأنعام آية 151 .
(4) 4- هذا القول مشهور عن الطرق الصوفية وعن الإمامية. وهذا لا يجوز والله أعلم . (1/23)
صفحة 24
وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان } (1) وقال { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } (2) الآية.
مسألة
[ صفة الأنبياء قبل النبوة ]
فإن قال قائل هل يجوز أن يقال أن أنبياء الله كانوا على غير ملة الإسلام قبل أن يستبينوا قلنا عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله لم يزالوا عند
الله مسلمين وهم له أولياء ولا يسع أحد أن يقول ذلك لقوله تعالى { إن
الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } (3) وقال
تعالى لنبيّه محمد - صلى الله عليه وسلم - { ووجدك ضالاً فهدى } (4) عن النبوة ولم تأتيه
بعد ذلك وكذلك قول موسى - صلى الله عليه وسلم - { فعلتها إذا وأنا من الضالين } (5) عن
النبوة وما بعث الله نبيّاً إلا أعطاه خصلتين يغفر له ما تقدم له من ذنبه
ويعصمه فيما تأخر .
مسألة
[ هل عصى آدم ربه ]
فإن قيل ما الحجة على من قال أن آدم لم يعص الله قلنا كيف يكون ذلك
والله تعالى يقول : { وعصى آدم ربه فغوي } (6) وقال تعالى { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها حيث شئتما رغداً ولا تقربا هذه
الشجرة فتكونا من الظالمين } (7) وهو لم يعص.
مسألة
[ ذنوب الأنبياء ]
اتفق بعض العلماء على أن ذنوب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، كانت
كلها صغاير وأن النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - لم يأت ذنباً قط ولا كانت منه الخطيئة.
مسألة
[ هل يأمن التائب مكر الله ]
فإن قيل هل يجوز للتايب أن يأمن من العذاب قلنا لا يجوز لأحد أن
__________
(1) 1- سورة التوبة آية 23 .
(2) 2- سورة المائدة آية 51 .
(3) 3- سورة آل عمران آية 33 .
(4) 4- سورة الضحى آية 7 .
(5) 5- سورة الشعراء آية 20 .
(6) 1- سورة طه آية 121 .
(7) 2- سورة البقرة آية 35 . (1/24)
صفحة 25
يأمن مكر الله وقد قال الله تعالى { يدعوننا رغباً ورهباً } (1) وذكر الملايكة فقال وهم مع عظم خشية ربهم مشفقون(2) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عظم منزلته عند الله مشفقاً من خشية الله باكياً حزيناً.
مسألة
[ الجنة التي دخلها آدم عليه السلام ]
فإن قيل ما الحجة على من زعم إن قبل يوم القيامة بعثاً يقتل بعده من قد
مات في الدنيا ويموت من قد قتل وأن دولتهم وظهور أمرهم وبيان تصديق قولهم بعد ذلك البعث قلنا إن قايل هذا كاذب مخالف لكتاب الله وإجماع المسلمين على خلاف قول الله تعالى { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة } (3) وقال تعالى { لئِن متم أو قتلتم } (4) الآية، فإن قيل فما الحجة
على من قال أن الجنة التي دخلها آدم عليه السلام كانت بستاناً من البساتين وأنه ليست الجنة المعدودة للمتقين قلنا قول الله تعالى { قلنا يا آدم اسكن
أنت وزجك الجنة } (5) فلما عرفها علمنا أنها لا تكون إلا الجنة المعدودة للمتقين لا غيرهم إلا تري أن من أوصى للمسجد ولم يعرف لأي مسجد كانت الوصية للمسجد الجامع المعروف ودليل آخر قوله تعالى { قلنا
اهبطوا منها جميعاً } (6) يعني من الجنة السماوية إلى الأرض السفلاوية .
مسألة
[ صفة حب العباد لله عز وجل ]
فإن قيل فما صفة حب العباد لله تعالى قلنا إنما هو حب الطاعة ليس
بشخص فيقع عليه الوهم لكي يحب ما يقع عليه وهمه.
مسألة
[ صفة محبة الله للعبد ]
فإن قيل فما صفة حب الله للعباد قلنا أن ما هو يوفقهم لطاعته ويبغضهم لمعصيته وقال بعض قومنا محبة العبد لله حالة يحدثها العبد في قلبه وهي
__________
(1) 3- سورة الأنبياء آية 90 .
(2) 4- والصحيح: { إن المؤمنين هم من خشية ربهم مشفقون } [المؤمنون 57].
(3) 1- سورة النساء آية 87 .
(4) 2- سورة آل عمران آية 158 .
(5) 3- سورة البقرة آية 35 .
(6) 4- سورة البقرة آية 38 . (1/25)
صفحة 26
ألطف من أن يعبر عنها بلسان وأشرف من أن يشار إليها ببيان ويستحيل أن يكون محبة العبد لله بالكيفيّة والإحاطة بالآنية لأن الله تعالى منزه عن هذه الأوصاف الدنيّة.
مسألة
[ لمن تكون الشفاعة ]
فإن قيل فالشفاعة حق ولمن تكن قلنا نعم حق هي ولمن قال الله تعالى
{ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } (1) وقال : { لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } (2) وقال : { يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن
ورضي له قولاً } (3) وقد أكذب الله تعالى من قال أن الشفاعة لمرتكب
الكبائر بقوله : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } (4).
مسألة
[ بقاء الجنة ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الجنة والنار يفنيان في الآخرة مع نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار قلنا الدليل على بقائهما قوله تعالى { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } (5) فهذا القائل قد نقض كتاب الله فمن
لم يؤمن بالجنة والنار وأنهما باقيتان كبقاء الآخرة وأن أهلها لا يخرجون
منها فقد كفر.
مسألة
[مخالفة الإيمان للكفر]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الله أراد الإيمان ولم يرد الكفر قلنا
لهم فأراد أن يكون الإيمان خلاف الكفر فإن قالوا نعم قيل لهم فأراد أن
يكون الكفر خلاف الإيمان فإن قالوا لا قيل لهم فأراد الإيمان خلاف
الكفر خلاف الإيمان فأراد أن يخالف شيئاً لا يريد أن يخالفه ذلك الشيء فإن قالوا نعم كابروا.
مسألة
[ استطاعة الإنسان ]
فإن قيل لم قلتم أن الإنسان يستطيع باستطاعة هي غيره قلنا لأنه يكون مستطيعاً ساعة وعاجزاً ساعة والجوارح كما هي يكون ساعة عالماً وساعة
جاهلاً وأمثال ذلك فوجب أن يكون مستطيعاً كما وجب أن يكون
متحركاً بمعنى هو غيره.
مسألة
[ تعبد الله الناس بالأمر والنهي ]
__________
(1) 1- سورة الأنبياء آية 28 .
(2) 2- سورة سبأ آية 23 .
(3) 3- سورة طه آية 109 .
(4) 4- سورة غافر آية 18 .
(5) 1- سورة الأعراف آية 42 . (1/26)
صفحة 27
فإن قيل هل ساق علم الله العباد إلى ما علم الله فلو أن علمه ساقهم إلى
ما عملوا ما استحق المطيع ثواباً إذ هو مجبور ولا العاصي عقاباً إذ المجبور لا يستحق على ما جبر شيئاً ولم يتعبدهم بعلمه وإنما تعبدهم بالأمر والنهي والاختياري ولو عاملهم على علمه لعذبهم قبل أن يعملوا لعلمه أن لو بسط
لهم الرزق لبغوا في الأرض.
مسألة
[ إرادة الله ]
قال الله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (1) قال بعض
المسلمين المعني في ذلك إلاّ لآمرهم بعبادتي وقال ابن عباس رضي الله عنه
إلا ليعرفون فمن زعم أن الله تعالى أراد العبادة من جميع خلقه كان في
قياده قوله أنهم فعلوا أخلاق ما أراد الله منهم فغلبت إرادتهم إرادته تعالى
الله وقال تعالى { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً } (2).
مسألة
[ النهي عن المعصية ]
فإن قيل ما معنى النهي عن المعصية وقد أرادها الله وعلمها قلنا لو لم
يكن نهياً ولا أمراً لم تكن معصية ولا طاعة وإنما نهى عن المعصية وقد
أرادها وعلم أنه تكون إذ نهى عنها لأن النهي لو لم يكن معصية لكن لا
فائدة فيه.
مسألة
[ فائدة إرسال الرسل ]
فإن قيل ما فائدة إرسال الرسل إذا كان الله عالماً بأن المرسول إليهم لم
يؤمنوا به وهو تعالى أراد منهم الكفر قلنا أراد الله الكفر قبيحاً مسخوطاً وإرسال الرسل حجة عليهم وليس للعباد على الله حجة وذلك عدل من الله وحكمة بالغة، قال الله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } (3) .
مسألة
[ قضاء الله سبحانه وتعالى ]
فإن قيل يقضي الله تعالى على العبد بالكفر فيعذبه عليه قلنا إن القضاء هاهنا الخلق لا الجبر فلا يليق بصفات الحكيم أن يجبر على فعل شيء ثم لا
يعذب عليه وكذلك قدر الله عليه الكفر.
مسألة
[ العمل خلاف العلم ]
__________
(1) 1- سورة الذاريات آية 56 .
(2) 2- سورة يونس آية 99 .
(3) 1- سورة الإسراء آية 15 . (1/27)
صفحة 28
فإن قيل فيقدر من علم الله منه المعصية أن يعمل خلاف ما علم منه قلنا لا
فإن قال هو المجبور قلنا ليس هو وإنما المجبور عجز عن فعل الطاعة
لانشغاله بالمعصية وإنما ترك هذا فقد استطاع فعل ضده إذ لا مانع له من
قبل الله تعالى.
مسألة
[ إنفاذ علم الله ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الله تعالى جبر خلقه على المعاصي وعاقبهم على فعله لا على أفعالهم؟ قلنا لو كان إنما عذبهم على فعله لما قال
{ ذوقوا ما كنتم تكسبون } (1) ، { وذلك بما قدمت أيديكم } (2) وقال
{ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها } (3) وقد علم الله أن أعمال
العباد قبل خلقه لهم فأراد إنفاذ ما علم كما الله تعالى.
مسألة
[ إيمان المشبه ]
فإن قيل ما الحجة على من قال المشبهة مفوضة للعباد قلنا إن اللّه تعالى
لم يجبر العباد ولا فوض إليهم الأمر ولا أهملهم سدى وكيف ذلك وهو
يقول { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون } (4) والعابث
ليس بإله حكيم.
مسألة
[ معنى قوله{لمن شاء منكم أن يتقدم ...} ]
فإن قيل ما معنى قول الله تعالى { فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر } (5) فليس في هذا تفويض وإنما ذلك من تهديه من الله تعالى ألا
ترى يقول عقبى ذلك { إنا أعتدنا للظالمين ناراً } (6) وهذه الآية وما يشابهها كقوله { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } (7) نسختهن قوله تعالى { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } (8) .
مسألة
[ الله عالم بالأشياء ]
فإن قيل أو تقولون أن لله علماً قلنا نعم وما معناه أنه العالم بالأشياء ولا
__________
(1) 1- سورة الزمر آية 24 .
(2) 2- سورة آل عمران آية 182 .
(3) 3- سورة فصلت آية 46 .
(4) 1- سورة المؤمنون آية 115 .
(5) 2- سورة الكهف آية 29 .
(6) 3- سورة الكهف آية 29 .
(7) 4- سورة المدثر آية 37 .
(8) 5- سورة التكوير آية 29 . (1/28)
صفحة 29
نقول أن له علماً هو غيره به علم وقد قال الله تعالى أنزله بعلمه أي أنزله هو والعالم به وكذلك جميع صفاته تعالى الله عن صفات خلقه.
النهج الثاني
في الولاية(1) والبراءة(2)
الولاية والبراءة فريضتان من فرايض الله تعالى كغيرهما من سائر
العبادات المفترضات لقوله تعالى { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر
يوادّون من حاد الله ورسوله } (3) وقال الله تعالى { ولو كانوا يؤمنون
__________
(1) 1- الولاية : من الموالاة مشتق من الولاء وهو الدنو والتقرب، والولاية ضد
العداوة، والولي عكس العدو، والمؤمنون أولياء الرحمن، والكافرون أولياء
الشيطان، كقرب الفريق الأول من الله بطاعته وعبادته، وقرب الفريق الثاني
من الشيطان بطاعة أمره وبعدهم عن الله بعصيانه ومخالفته. الدليل على الولاية
قال تعالى : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل
الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } الأنفال27. وقال
تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر... } التوبة 71 .
هذه صفات الولاية والموالاة. أنظر أحكام الردة والمرتدين للمحقق
ص 201 - 502.
(2) 2- البراءة : تقول : برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه برئ، إذا أزلته عن نفسك،
وقطعت سبب ما بينك وبينه. فالبراءة المقاطعة فالمسلم ولي المسلم ولا يجوز أن
يوالي غير المسلم. قال تعالى : { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون
من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو
عشيرتهم ... } المجادلة 23. وقال تعالى : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا
أنفسهم فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } هود
آية 113 ، وفي القرآن الكريم سورة كاملة اسمها سورة براءة توضح مفهوم
البراءة. والله أعلم.
(3) 1- سورة المجادلة آية 32 . (1/29)
صفحة 30
بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } (1) وأمثال هذا في القرآن
كثير تركته اختصاراً وفي البراءة قوله تعالى { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه
إني براء مما تعبدون } (2) وقال { أنتم بريؤن مما أعمل وأنا برئ مما
تعملون } (3) ففرض الولاية والبراءة في غير آية من القرآن العظيم وسأذكر
في كتابي هذا طرفاً منها إن شاء الله تعالى.
مسألة
[ عمل السحر ]
ويكفي العبد في السحر في الولاية والبراءة إذ لم يرم التفتن في علمها بأن يعلم الناس ثلاثة أصناف فمن علمت منه خيراً في دينه بخيره أو برفيعته ممن يجوز رفيعته أو شهرة حق توليته وأحببته في الله ومن علمت منه باطله بما
قدمنا تبرأت منه ومن أبهم عليك حاله وقفت عنه حتى انكشف لك أمره.
مسألة
[ ولاية المؤمن ]
وإذا اعتقد المكلف أنه يتولى من يتولاه الله ورسوله والمؤمنون من الأولين
والآخرين إلى يوم الدين. وفي البراية كمثل ذلك أجزاه ما لم يخصه شيء
في نفسه وتتعذر عليه معرفة كيفية الحدث أنه حق أم باطل.
مسألة
[ أوجه الولاية ]
والولاية على أربعة وجوه فمنها ولاية الشريطة وهو أن يتولى العبد من تولاه الله ورسوله والمؤمنون وإذا اعتقد هذه الولاية فقد تولى جميع من
لزمته ولايته في الجملة من جميع الخلق وهذا فرض وتاركه هالك.
مسألة
[ ولاية الدين ]
ومنها ولاية الدين بالظاهر وهو ما يظهر من عبد عمل صالح مما يوافق
الكتاب والسنة والإجماع من الأمة وجبت ولايته بالدين في حكم الظاهر على
من عرفه وقامت عليه الحجة بذلك ولو أضمر شركا لأن الله تعالى تعبد عبادة
بأحكام الظاهر لأنه يبرأ منه في الشريطة وفي جملته.
مسألة
[ صفة ولاية الرأي ]
فإن قيل ما صفة ولاية الرأي قلنا هو أن تطلع على وليّك واقع فعلاً
__________
(1) 2- سورة المائدة آية 81 .
(2) 3- سورة الزخرف آية 26 .
(3) 4- سورة يونس آية 41 . (1/30)
صفحة 31
وعزب عليك الحكم فيه أنه طاعة أم معصية. فقول لكل ولاية: وليّك بالرأي على اعتقاد ولاية الدين إن كان حدثه لم يخرجه من الولاية وعلى اعتقاد
براءة الشريطة إن كان حدثه هذا يخرجه من الولاية.
مسألة
[ صفة الولاية الحقيقية ]
فإن قيل وما صفة الولاية الحقيقة قلنا لأهل السعادة وهو كل من شهد له كتاب من كتب بالجنة أو نبيّ من أنبياء الله عليهم السلام كالأنبياء وأهل الكهف وامرأة فرعون ومريم بنت عمران وزوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر
وعمر رضي الله عنهما على قول فهؤلاء ولا يتهمهم بالحقيقة.
مسألة
[ صفة براءة الشريطة ]
فإن قيل فما صفة براءة الشريطة في الجملة قلنا هو قولك إبراء ممن برأ
منه الله ورسوله والمؤمنون فيدخل في هذه البراءة جميع من عصى الله
من الثقلين.
مسألة
[ صفة براءة الدين بالظاهر ]
فإن قيل فما صفة براءة الدين بالظاهر قلنا الكل من صح كفره ونفاقه
وخلافه لدين المسلمين فهذا لازم فرض البراءة منه لمن قامت عليه حجته وعرف حدثه.
مسألة
[ صفة براءة الرأي ]
فإن قيل فما صفة براءة الرأي قلنا هو أن يبري أحد من وليك بالرأي ولم
تعلم أن وليك واقع كبيرة فعليك أن تبري من هذا المتبري من وليك بالرأي حتى يأتي بشاهدين يشهدان له على وليك بمكفرة وإنهما قد استتاباه
فلم يتب، فعند ذلك تتولى هذا المتبري من وليك هذا إن كانت له ولاية معك من قبل وتبري من وليك الأول الذي شهد عليه الشاهدان ولا تجوز براءة الرأي إلا في هذا الوجه خاصة.
مسألة
[ الذي شهد عليه الشاهدان... ]
فإن قيل وما صفة براءة الحقيقة قلنا هي : لكل من صح أنه من أهل النار كإبليس وفرعون وقابيل وهامان وعاد وثمود وامرأة نوح وامرأة لوط
فهؤلاء وشبههم يبرأ منهم حقيقة.
مسألة
[ صفة وقوف الدين ]
فإن قيل وما صفة وقوف الدين قلنا هو وقوف السلامة للعالم والجاهل (1/31)
صفحة 32
وهو أن تقف عن من لم يعلم له إيماناً يستحق به الولاية ولا كفراِ يستحق به البراءة فأنت واقف عنه وقوف دين تتولاه في الشريطة إن كان لله ولياً وتبرأ
منه في الشريطة إن كان لله عدواً.
مسألة
[ صفة وقوف السؤال ]
فإن قيل لك وما صفة وقوف السؤال قلنا هو أن يكون لك وليان
فيتنازعان في مسألة من الشرع فيدعي كل منهما صواب نفسه وخطأ
خصمه وأنت جاهل بلا عدل من قوليهما فعليك أن تقف عنهما حتى تسأل المسلمين يروي عن هذا الربيع بن حبيب(1) رحمه الله.
مسألة
[ صفة وقوف الرأي ]
فإن قيل فما صفة وقوف الرأي قلنا هو أن تعلم من وليك حدثاً يريك منه فلك أن تقف عنه وقوف رأي مع اعتقاد ولاية الدين إن كان حدثه لا يخرجه من الولاية وعلى اعتقاد براءة الشريطة إن كان حدثه يخرجه من الولاية إن وقفت عنه في هذا الموضوع وقوف دين كنت هالكاً.
مسألة
[ حكم جهل كفر الكافر ]
فإن قال فما معنى قول من قال أنه لا يهلك أحد بهلاك أحد ولا يضل
أحد بضلال أحد قلنا إذا جهل كفره وضلاله فلم يبرأ منه أيهلك بهلاكه
ما لم يتوله أيهلكه بفعله لا بفعل غيره ما لم تقم عليه شواهد حجة.
مسألة
[ الشهادة واليقين بالقلب ]
فإن قيل: فإذا قلتم في الجملة أنه يجري فيها التصديق فالشهادة واليقين
بالقلب دون اللفظ باللسان والمجتمع عليه بالجملة: أنهما أصل الإيمان
والإسلام والمجتمع عليه أن الأيمان قول وعمل ونية فما دليلكم على ذلك
قلنا الدليل قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله
والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل } (2) وقد
وجدنا تأكيده الإيمان في غير آية من كتاب الله أنه الإيمان التصديق
__________
(1) 1- الربيع بن حبيب : هو الإمام المحدث الثبت الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي
العماني، أدرك الإمام جابر بن زيد وأخذ العلم عنه. وهو شيخ المذهب منهم أخذ
طلبة العلم علمهم توفي رحمه الله سنة 140ه إتحاف الأعيان ص 51 - 53 .
(2) 1- سورة النساء آية 36 . (1/32)
صفحة 33
واليقين والمعرفة بالقلب.
مسألة
[ معرفة جملة الشهادة ]
فإن قيل فما معنى قول المسلمين أن البالغ تلزمه معرفة الجملة وهي شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن ما جاء به محمد عن الله
تعالى فهو الحق المبين قلنا قوله هذا يخرج في رجلين أحدهما قد بلغته الحجة والدعوة بهذه الجملة في(1) فجهل لزومها أو مشرك أنكرها بعد بلوغه طرفة عين ولو لم يقم عليه الحجة بها فهذان لا يسعهما إلا معرفتها ويضيق جهلها عليهما وسواهما لا يلزمه ما لزمهما من الهلاك بدون معرفتها لأنه في أصل دينهم مقر بها الحجة عليهم فيه من جميع دين الله.
مسألة
[ لا يسع جهل ما سبق ]
فإن قال قائل لم نجدهم يفسرون وهذا التفسير وإنما وجدنا عنهم أنه لا
يسع جهلها من بلغ وصح عقله قلنا فحجته منك عليك بحمد الله إذ نقول
أنهم قالوا لا يسع جهلها فلا يكون جاهلاً بها من لم يقدر على البلوغ إليها بحال من الحال لأنه إذا فقد آلة من الآلات سقط عنه التكليف بالعلم
والعمل والقول بمثلها كفاقد الاستطاعة عن الصلاة قائما صلى قاعداً.
مسألة
[ الإقرار بجملة التوحيد ]
فإذا أتت علي العبد حالة كان فيها مقر بالجملة من التوحيد عالماً بمعانيها
التي تلزمه في وقته ذلك وهو مسلم سالم من الهلاك مؤمن عالم واسع له
المقام على جهله سوى ذلك من العلم بالدين ولم يكن عليه أن يعتقد السؤال دينونة وليس عليه خروج في طلب العلم ما سوى ذلك كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -
أو من دونه من العلماء.
مسألة
[ العلم بالجملة ]
فإن قيل فإن صنع شيئاً من ذلك قلنا ما لم يضيع شيئاً من ذلك بعد العلم بالجملة وما يدخل فيها من معاني التوحيد والوعد والوعيد بجحد أو بشك
في علم ذلك أو تضييع فرض حتى يفوت وقته الذي تعبده الله فيه أو يركب
محرماً عن ركوبه بغير حجة من زوال عين أو ضرورة أو يعبر له معبر ممن
__________
(1) 2- في نقص - والله أعلم . (1/33)
صفحة 34
يجوز عبارته فهو سالم ومتى كان منه أحد ذلك كان بذلك هالكاً ناقضاً
لحكم ما أقر به.
مسألة
[ التائب من الذنب كمن لا ذنب له ]
فإن قيل تاب وأناب مما ركب قلنا التائب من الذنب كمن لا ذنب له(1) ورجع إلى الحالة التي كان عليها من حال السلامة وهذا ما لا نعلم فيه اختلافاً فيما يسع جهله وما لا يسع جهله فإن قيل فهل عليه أن يتعلم شيئاً من أمور دينه الذي يخاف أن يلزمه في وقت حاجته إليه ويتعذر المعبر له ذلك الشيء فيهلك قلنا إقراره بالجملة تكفيه حتى تنزل بليته بشيء من عمل ذلك وتركه وإلا هذا كله داخل في جملته من جميع دين الله تعالى لأنه إذا لم تعصمه
الجملة لم يكن مسلماً حتى يعلم الدين كله وهذا تكليف مالا يطاق.
مسألة
[ الأمر بالتعلم ]
فإن قيل إذا جاز أن يتعلم دين الله وكان باعتصامه بالجملة سالماً فما اللازم من ذلك قلنا إذا آن وقت العبادة التي تعبد العبد بها وجب عليه أداءها
كما أمر بها وعليه حينئذ علم ذلك الذي قد علمه الله أهل دينه وكان
صحيح العقل بالغ السن ويجد معبر ذلك ممن يعقل عنه أمر دينه بعبارة أو يستدل منه فيها بإماء أو إشارة وكان عليه السؤال من حضر براً كان أو
خلافه بعد جواز الوقت لا يسعه جهل ذلك.
مسألة
[ معرفة العبادة ]
فإن عبر له ذلك معبر ممن كان من الأطفال أو الشبان أو من عبدة الأوثان
كان عليه حجة ولو صحت له عبارة ذلك من كتاب أو اتضح له علمه في
رق أو حجر أو من نغمة طائر لزمته الحجة فيما أن وقته من العبادات وكان بتضييع ذلك هالكا.
مسألة
[ المعذور يعدم الاستطاعة ]
وإن تعذر عليه حصول معبر تلك العبادة وحسن عقله الضرب واستطاع
__________
(1) 1- «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» : حديث أخرجه ابن ماجة والطبراني في
الكبير والبيهقي في الشُعب عن طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه
رفعه بهذا ورجاله ثقات - المقاصد الحسنة ص 152 رقم 313. (1/34)
صفحة 35
طلب علم ذلك ورجى حصول معبر ممن كان لزمه طلب علم ذلك والدينونة ولو بأقصى البلاد وإذا آيس من حصول معبر ذلك ولو مكة أو المدينة حرسهما الله فلا لوم والمعذور من عذره الله فالحكم واحد والعذر واحد.
مسألة
[ تعذر الدليل حتى فات الوقت ]
فإن دان بالسؤال عن ذلك فتعذر الدليل حتى فات وقت العبادة ولم
يرجع لها وقت غيره يؤديها فيه فقد صار في حال العدم لوقت تلك العبادة الفائت فإن صار بدلاً وهو مجتهد فقد بسط الله عذره ويسر أمره ولم
يرجع لها وقت غيره وعليه السؤال عن بدله على بعض القول.
مسألة
[ عدم وجود دليل ]
وإذا لم يجد معبراً يعبر له العبادة التي آن وقتها وما تؤدى به أو
شيء منها وبذل مجهوده في طلب ذلك حتى فات الوقت ولم يحسن
عقله عبادة يهتدى بها لأداء تلك العبادة إلى فوت الوقت فهو سالم
وإن حسن عقله تأدية شيء من ذلك أداه كما حسن في عقله مع
الدينونة بالتوبة إلى الله تعالى مما ضيع مآله فإنما هو يستأنف العلم بدلاً
عن ذلك.
مسألة
[ وقت البدل ]
فإن قال هل للبدل غاية وأمد قلنا قد اختلف في البدل فمنهم من جعله
فوراً بعد العلم بالتقصير وجوزه بعضهم أن يكون على التراخي.
مسألة
[ لا يجوز الاحتجاج بالجهل ]
وهل لمن بلغته حجة الله في شيء من دينه أن يجهلها إذا جهل الحكم
فيها قلنا لا تجوز جهل حجة الله لمن قامت عليه بجهله حكمها وعليه
السؤال من وقعت عليه أن يعلم ذلك ممن كان من المعبرين ولولا ذلك لصار الجهل أنفع من العلم وهيهات أن يكون ذلك.
مسألة
[ السائل سالم والشاك هالك ]
وأما إذا قامت عليه الحجة بعلم عبادة قبل حون وقتها ثم لم ينسه ممن
عبر له وقت أدائه لم يسعه الشك في ذلك وكان علمه السابق حجة عليه
ما لم تقم عليه الحجة فهو سالم وفي هذا قيل إن السائل سالم والشاك
هالك ولا يكون الشك في جميع ما لم تبلغ به الحجة إلا بالسماع هالك
ما دان بالسؤال.
مسألة
[ العلم بالسماع فيما لا جهل فيه ] (1/35)
صفحة 36
و أما ما خطر بباله أو سمع بذكره من أمر توحيد الله تعالى الذي لا
يحتاج إلى تفسير وهو من المعقول من صفة الله تعالى وأسماءه ووجوب
وعيده للعاصي ووعده للطائع فلا يسعه جهل ذلك ولا الشك فيه وغير
متفسر في السؤال عنه لمعبر إذ حجة ذلك تقوم عليه من عقله ويهلك
بجهلها من جيئة ولا نعلم في ذلك اختلافاً.
مسألة
[ تسمية الله بأسمائه ]
و أما إذا شك في اسم ذلك وعرف معناه ما لم تتضح له أسماؤه فواسع له
مثل أنه لا يسمع بأسماء اللّه المسمي بها نفسه وصفاته الواصف بها نفسه
وإذا لم يسمع باللّه وعرف أنه مالك ولما برأ من البريات وقادر عليه وعلى
جميع المقدورات وسعه أن يسمي اللّه بأسمائه المسميات معه ومع من علمها
من العلماء.
مسألة
[ هل يجوز جهل اسم النار ]
فإن قيل وهل يجوز جهل اسم النار قلنا نعم إذا عرف معاني العقاب من الله تعالى لمن عصاه وكذلك الجنة إذا جهل اسمها وعرف معاني الثواب أنه من الله جل ثنائه لأوليائه على طاعتهم له وأن ثوابه لا يشبه ثواب خلقه ومثله العقاب وما تولد من مثله مثل أن الله يبعث من في القبور وإليه النشور فإذا جهل اسم القبور والنشور وعرف أن الله قادر على أن يحيي الموتى أجزاه ذلك.
مسألة
[ ما يلزمه في نفسه ]
فأما اللوازم التي تلزمه في نفسه وماله مثل الحج والزكوات فذلك أوسع
من الصلاة والصوم وفي ذلك قولان: أحدهما أن عليه علم ذلك ولا يسعه
جهله وإن وسعه تأخير ذلك لسعة وقته ما لم يدن بتركه أو يمت وهو ذكر له
ولم يوص به. وقول : لا يلزم علم ذلك لسعة وقته ما لم يدن بتركه ولم
يوص به وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ إذا مات ولم يوص ]
فإن جهل ذلك ولم تقم عليه الحجة بعلمه ودان بما يلزمه حتى حضر (1/36)
صفحة 37
الموت فلم يوص لجهله بذلك قبل قيام الحجة عليه من جميع المعبرين قلنا هو سالم إن شاء الله تعالى فعلى قول من يقول أنه لا يسعه جهل علم ذلك ولو وسعه تأخيره فقد ألزموه الحجة من جميع المعبرين ومن وسع له في ذلك إلى الممات فلا تلزمه الحجة لذلك إلا من العلماء الذين هم الحجة فيما يسع
جهله أو يصح مع علمه بوجه من الوجوه.
مسألة
[ ما لا يسعه جهله ]
وأما إذا أتى حال لا يسعه جهل ذلك وهو الموت فإن عبادة جميع المعبرين حجة عليه كانت العبارة عند الموت أو قبله فلم ينسها وذلك في الحج والزكاة جميعاً.
مسألة
[ وقت الختان ]
وأما الختان(1) فوقته بلوغ الحلم إلا إذ حصل له عذر من محاذرة برداً أو
حراًً ولا يسعه جهل ذلك وتقوم عليه الحجة من جميع المعبرين بمنزلة سائر المفترضات كالصلاة والسؤال فيه والعذر عند الاجتهاد بمنزلة الصلاة غير أنه عليه التعبد به ليلاً ونهاراً ولا غاية له في طلب علم ذلك حتى يخرج منه أو يموت معذور ولا تقوم عليه الحجة ممن عبر له فيجهل فيموت هالكاً.
مسألة
[ فيما استحل المحدث من المحرمات ]
و أما إذا أتى المحدث مما يسع جهله وإنما تقوم الحجة فيه من السماع فيما استحل المحدث من ذلك من المحرمات أو حرم من المحللات من دين الله
والعالم بحدثه عالم بحرمه ما استحل من الحرام وحل ما حرم من الحلال
فيما الاختلاف فيه أنه من دين الله من كتاب أوسنة أو إجماع ضاق عليه
__________
(1) 1- الختان : هو من سنن المرسلين. معناه في اللغة : قطع القلفة أي الجلدة التي على =
= رأس الذكر. اصطلاحاً : هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة - أي موضع
القطع من الذكر، وهو الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية. عن تربية الأولاد
1/101 .
الدليل : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ص : «الفطرة
خمس : الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط»
حديث صحيح. (1/37)
صفحة 38
فيه الشك ولم تسعه إلا معرفة ضلالته لأنه لا يسعه جهل من يشهد عليه بالضلال في دينه.
مسألة
[ أثر الشك في الدين ]
ولا تسعه الدينونة بالشك وإذا لم يسعه أن يدين بالشك لم يسعه أن
يشك فيمن جحد دينه الذي لا يسعه إلا تصويبه.
مسألة
[ مواقف العلماء من الشك ]
فإن قيل هل أجاز بعض العلماء الشك في ذلك قلنا نعم ما لم يتضح
له علمه ويبين له صوابه والقول الأول أصح.
مسألة
[ السائل سالم والشاك هالك ]
وأما إذا وسعه أله الشك في ذلك على قوله بعد أن علم الحدث من
المحدث وعلم أنه محرم الحلال من دين الله أو مستحل الحرام من دين الله
فلا يجوز الشك بغير اعتقاد السؤال عنهما لزمه من الحجة من ذلك من
عقله فإذا لم يشك في العلماء المعبرين من المحدث أو يقف عنهم أو يترك
اعتقاد السؤال عنها لزمه وسل المسلمين فهذا موضع ما قال المسلمون أن السائل سالم والشاك هالك.
مسألة
[ المتوفى على غير اعتقاد براءة الشريطة ]
وأما إن توفي المحدث علي غير اعتقاد براءة الشريطة أو برئ من العلماء
إذا برأ المحدث أو وقف عنهم فلا نعلم في هلاكه اختلافاً.
مسألة
[ من ركب حدثاً لا يسعه ركوبه ]
ومن ركب حدثاً لا يسعه ركوبه فكل المعبرين له حكم ذلك الحدث
حجة عليه في عبادة ذلك ولم نعلم في ذلك اختلافاً.
مسألة
[ إذا توفي المحدث بشريطة ]
وأما إذا تولى المحدث بشريطة ولم يقف عن العلماء أو يبرأ منهم من أجل
ذلك فقيل أنه غير محدث بذلك كان على وجه التحريم أو على وجه
التحليل وقول لا يسعه على الوجهين وليس له إثبات ولا ينته على ما كانت
و ليس له إلا ترك ولايته والبراءة منه إذا علم الحدث أو لم يعلم حكم الحدث.
مسألة
[ متى يلزمه السؤال ]
ولا تجزيه التوبة في الجملة إن اتضح له علم ذلك وعبارته حتى يتوب منه
بعينه فإن الشك في المحدثين بوجه يسعه فيه في الشك في قول المسلمين في (1/38)
صفحة 39
الرأي أو في الدين فهو سالم ولا يلزمه السؤال ولا الخروج في طلب علم ذلك إجماعاً على إسقاط التكليف عليه بخروج وأما السؤال فيجزي فيه الاختلاف وإنما يلزمه السؤال والخروج فيما كان هالكاً بارتكابه من فعل و ترك.
مسألة
[ حكم السؤال عن المشكوك فيه ]
فإن قيل فلم لم تلزموا الشاك المستحل الخروج في طلب علم الذي شك
فيه وألزمتموه اعتقاده السؤال وقلتم إذا قامت عليه الحجة لم يسعه إلا قبولها قلنا لم يلزمه السؤال دينونة وإنما أحببنا له الخروج من الضيق من شكه ذلك الذي قال به أكثر أهل العلم أنه يهلك به من حينه.
مسألة
[ فيما لا يجوز فيه الشك ]
ومن علم شيئاً من الدين من أي وجه وحسن في عقله ورأي عدله فلا
يسعه الشك فيه فإن شك هلك فإن كان شكه في تنزيل كان مشركا وإن
كان في تأويل كان كافراً منافقاً.
مسألة
[ على من تكون الحجة ]
فإن قيل فإذا لم يتقدم إليه علم ذلك فمن يكون عليه حجة قلنا لا يكون
عليه حجة إلا العالم الفقيه المشهور له ذلك مع أهل الخبرة به من أهل الدين ويصح ذلك مع الجاهل لذلك العالم ما تقوم به عليه الحجة ولو جهل ذلك
من صفة العالم أو جهل الحق من قوله فقول عليه حجة.
مسألة
[ مالا يسع جهله ]
وأما ما لم يصح مع الجاهل لما يسعه جهله صفة علم العالم الذي تقوم به
الحجة عليه فلا يكون عليه حجة ولو صح علمه مع سواه.
مسألة
[ لاشك فيما يفتي به الثقة ]
وأما إن شهر مع الجاهل لما يسعه جهله صفة هذا العالم بشهرة علمه
واستقامته وجهل هو الصفة فأفتاه هذا العالم بشيء فيما يسعه جهله مما لا
يجوز فيه الاختلاف بالرأي كان عليه حجة ولزمه فعل ذلك ولا يسعه
الشك فيه في أكثر القول.
مسألة
[ الشك في فتوى الثقة ]
وأما إن شك فيما قاله العالم من الحق فبرء منه لأجله أو وقف عنه برأي
أو بدين كان بذلك محدثاً هالكاً عليه السؤال عنه والدينونة به والتوبة منه فإذا حل بهذه الحالة هلك وكان كل من عبر له حجة عليه لأنه يصير محدثاً بذلك. (1/39)
صفحة 40
مسألة
[ الشك فيما فيه الاختلاف ]
و أما ما فيه الاختلاف ففي هلاكه في الشك فيه اختلاف ونحب
له اعتقاد السؤال عنه ونحط عنه كلفة الخروج لأن الخروج تعطيل لوازم
ومشقة ضرب واعتقاد السؤال مع الإقامة ليس كذلك فلا نلزمه الخروج ولا نعذره من السؤال ولا نجعل كل المعبرين عليه حجة.
مسألة
[ من تكون عبارته حجة ]
فإن قيل فمن تكون عبارته عليه حجة قلنا نحب أن تكون عليه عبارة
العالم من المسلمين والعالم من قومنا الثقة فيما يوافق فيه المسلمين فيه حجة وكذلك عبارة الضعيف من المسلمين عن الفقيه المشهور في العلم في الدين وليس له الشك بعد قيام الحجة عليه ممن ذكرنا فإن شك هلك ونزل منزلة ما لا يسعه جهله.
مسألة
[ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
فإن قال قائل كيف ألزمتم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال
ولم تلزموا فيه الخروج ولم تلزموا السؤال في ا لأحداث والأحكام فيها من
قد اتضحت معه وجهل حكمها قلنا إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة قائمة متعبد بإزالتها مع قدرته على ذلك وفي تركه لذلك تضييع
لفرائض الله وانتهاك لمحارمه فهو حال في فرض إزالتها وطالب علم أحكام الأحداث غير متعبد بإزالة شيء من المعاصي ولا يأت بشيء من الطاعات
لله قد حل فيها وإنما عليه من ذلك إذا بلغ علمه أن يعلم ضلالة الضال
وهداية المهتدي من المحدثين وذلك شيء قد مضى إلا أن يكون عالماً بذلك عانيه ينتهك حرمة الله ويضيع فرائض الله فإن ذلك يخرج مخرج الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
مسألة
[ عدم لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الجهل ]
ومع ذلك فإنا لم نلزمه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند جهل
ذلك السؤال الشك ما لم يكن الجاهل داخلاً في معونة لذلك أو متوالياً
لمحدث لا يسعه ركوبه أو معيناً على من أنكر ذلك من العالمين وأراد حجة الله أو متبرياً من العلماء إذا برؤا من محدث ذلك أو يقف عنهم فإذا لم يكن منه (1/40)
صفحة 41
ما ذكرنا وكان غير قادر على إزالة ذلك قولاً وأمراً فلا يلزمه السؤال عن
ذلك ديناً وإنما اختار له من اختار للعلة التي وصفناها لأنه حال في فريضة لا غاية لها فما لم يضيع من ذلك حقاً أو يعطل حداً أو يبطل حكماً يلزمه
القيام له خاصة دون غيره فهو سالم وفي السؤال عليه عن ذلك فيه اختلافاً.
مسألة
[ علم الأحداث الماضية ]
وأما في حال علم الأحداث الماضية كان فوتها بعيداً أو في يومه إلا أنها
قد انقضت فالحكم في ذلك مختلف مع أهل العلم ولا ندين بذلك والمجتمع
عليه ما لم يضيع حكماً أو يعطل حداً أو يبطل حقاً يلزمه القيام به على
الإهمال والجهالة فإن كان شيئاً من ذلك هلك ولزمته الدينونة بالسؤال عنه وكان عليه قبول ذلك ممن عبر له.
مسألة
[ جهل استحلال لمحرم وتحريم المحلل ]
وإذا كان المحدث مستحلاً ما حرم الله أو محرماً لما أحل الله وكان العالم
بحدثه جاهلاً بحرمة ما استحل وحلال ما حرم ذلك فلذلك الاختلاف بين المسلمين فيما علمنا أنه واسع له جهل ذلك في المحدث ولا يهلك بالشك في ضلالته وذلك لاحق بحكم الأحداث على وجه التحريم لمن جهل ذلك
وعلى من جهله إجماعاً ما لم يتول الراكب بغير شريطة البراءة أو يقف عن العلماء من أجل برايتهم من المحدث أو يبرأ منهم فهو سالم.
مسألة
[ جهل حرمة الحدث ]
وكذلك المحدث الذي لا يستحل ما حرم ولا صح منه ذلك بالشهرة أو
المعاينة فالشك فيه واسع ولو علم بحرمة الحدث ما لم يعلم حكم الحدث
وإن جهل حرمة الحدث فذلك واسع فما لم يعلم من المحدث خروجاً من حدثه فلا يتولاه وقد رخص له بعض المسلمين أن يتولاه برأي إن تقدمت له
عنده ولاية لم يقم عليه حجة بمعرفته بذلك أو تقوم عليه الحجة من عبارة العلماء من المسلمين.
مسألة
[ في ولاية الرأي ]
فإن قال وكيف تزعمون أن ولاية الرأي فيها اختلاف وأنتم تقولون أن (1/41)
صفحة 42
الأثر الصحيح عن أبي الشعثاء جابر بن زيد(1) رحمه الله أنه قال يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برؤا من راكبه أو يقفوا عنهم قلنا نعم وإنما ذلك في ولاية الدين خاصة على إتيان ما تقدم له من الولاية بغير اعتقاد ولاية الرأي إن لم يكن حدثه ذلك مخرجاً له من ولايته أو يتولاه على الحال السابق ويعتقد فيه براءة الشريطة
التي سلم بها من ولايته في أصل مادان به أو يعتقد مع ولايته براءة الشريطة
في جمله القاطن ولا يلزمه أن يترك ولايته بالدين على غير حجة وقد ثبتت ولايته بالدين وهو لا يعلم أيخرجه ذلك الحدث الذي رآه من الولاية أو
يزيده ثباتاً.
مسألة
[ الاختلاف في التحريم والتحليل ]
وإذا اختلف اثنان في الدين فأحل أحدهما حراماً وحرمه الآخر وعلم ذلك منهما عالم وجهل الحكم فيه فإن كان قد تقدمت لهما معه ولاية وهو من دين الله في علم الله وعلم العلماء فلا يسع الجاهل أن يتولى المبطل منهما ولاية الدين ولا الوقوف عن المحق منهما بدين فإن كانا من الفقهاء الذي تقوم بهم
__________
(1) 1- جابر بن زيد - رحمه الله - : الجوفي البصري اليحمدي الأزدي، انتقل إلى
البصرة وسكن بدرب الجوف بها، روى عن مجموعة من الصحابة من أشهرهم
عائشة وابن عباس، اشتهر بالعلم والتفقه ويذكر أن له مؤلفاً في الفقه والحديث
اسمه الديوان وله كتاب جوابات جابر بن زيد كان على علاقة مع الحسن
البصري، وتزعم العمل السري لجماعات القعدة في فترة ازدياد القمع لهم.
سجنه الحجاج ثم نفاه إلى عُمان. عن كشف الغمة ص298 رقم 477 . (1/42)
صفحة 43
الحجة في الفتيا فيما يسع جهله أو كان المحق بتلك المنزلة مع من عرف ذلك منه فقد قامت عليه الحجة منه على من سمعه وعليه من حينه أن يتولى المحق ويبري من المبطل ولا يسعه ترك ما لزمه من قيام الحجة من ولاية المحق وبراءة من المبطل و لا يجوز له أن يقف عن العالم المحق من أجل براءته من المبطل وقد قامت الحجة بنفس قول الحق على الأرجح وإن وقف عن العالم المحق برأي
أو بدين أو برأ منه برأي أو بدين أنه محدث هالك إجماعاً.
مسألة
[ تولي المحق وعدم تولي المبطل ]
وأما إ ن ضاق عن قبول ذلك في المحدث أو تولي العالم المحق ولم يتولى
المبطل بالدين فأكثر القول أنه محدث هالك بتركه الحجة وقيل لا يهلك ما
لم يفعل ما ذكرناه آنفاً.
مسألة
[ عدم تحول حجة الله لمخالفة المخالف ]
وإن بريا من بعضهما بعض فلا يتحول حق المحق ولا حجة العالم ولو
كان خصمه في ذلك أهل الأرض فلا تتحول حجة اللّه لمخالفة من خالفها ولا تجهل من جهلها إجماعاً.
مسألة
[ حكم تولي الجاهل ]
وإذا تولى الجاهل المحدث بدين أو وقف عن العالم بدين أو رأي من أجل
قوله بالحق وبراءته من المحدث فهو هالك إجماعاً.
مسألة
[ أثر الفتوى على البراءة ]
وإن لم تقم عليه الحجة بالفتيا وإنما برئ منه علي ما عاينه من الباطل فبرئ
منه العالم المحق من أجل باطله ذلك فما لم يتول المحدث بدين أو يبرئ من
العالم من أجل براءته من المحدث أو يقف عنه برأي أو بدين فهو سالم إجماعاً.
مسألة
[ ولاية المفتي المحق ]
وإن كان المحق هو العالم والمبطل هو الضعيف في أصل ما اختلف فيه مما
لا يجوز فيه الاختلاف فالعالم هو الحجة إذا كان محقاً كلما أفتى به على
من كل من أفتاه من عالم أو ضعيف فعليه قبول ذلك منه والبراءة من
المحدث فوراً. ولا يسعه الشك في ذلك طرفة عين.
مسألة
[ براءة العالم من خصمه ]
وأما إذا برأ العالم من خصمه المبطل من غير قيام حجة عليه فلا تقوم (1/43)
صفحة 44
الحجة من العالم ببراءته من خصمه دون أن يبين ما لم يعلم الواقف الحدث
فإن علم الحدث الذي برأ منه العالم فليس له البراءة من العالم من أجل براءته من المحدث ولا يقف عنه برأي ولا بدين.
مسألة
[ عدم قيام الحجة من العالم ]
وأما إذا لم تقم عليه الحجة من العالم وعزب عليه هو حكم الحدث الذي
رآه لو كان بحضرة العالم ولم يسأله عن ذلك فواسع له ذلك على الأصح.
مسألة
[ ولاية المحدث بدين ]
وأما إن سلم من ولاية المحدث بدين ومن البراءة من العالم من أجل
براءته من المحدث ومن الوقوف عن العالم برأي أو بدين من المحدث فهو
سالم إجماعاً.
مسألة
[ السبيل إلى معرفة المحق ]
فإن قيل فكيف السبيل إلى علم ذلك من الجاهل إن كان المختلفان في الدين فقيهين قد اشتهرت استقامتهما قلنا قد وضح السبيل وقوي الدليل إذ ينطق عالم فقيه أمين على ما حمله من العلم ما يسع جهله إذا نزل العالم منزلة يكون بها حجة علي الجاهل علم الجاهل الحجة أو جهلها.
مسألة
[ عدم نطق العالم بالحق ]
وإذا لم يكن العالم مع من سمعه ينطق بالحق عالماً فيما سمع يسع جهله
وكان جاهلاً بمزلته فلا يكون عليه حجة ولو كان كأبي بكر الصديق وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما.
مسألة
[ الافتاء فيما يسع جهله ]
ولو أن رجلاً من أهل مكة أو المدينة حرسهما الله تعالى أو غيرهما قد شهرت معه منزلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في فضلهما وعلمهما وقامت عليه الحجة بأنهما حجة فيما يسع جهله فدخل المدينة ليسأل عن شيء فيما يسع جهله ولكنه لا يعرفهما بأعيانهما فسألهما فإن فتيا بشيء فيما يسع جهله ولم يتضح له هو عدل ذلك وقد صحت له هو بالشهرة حجة أبي بكر وعمر في العلم ما كانا عليه حجة لا يهلك بالشك فيما أفتياه به.
مسألة
[ البراءة من المحق ]
فإن رد عليهما ما قالاه من الحق أو برئ منهما هلك ببراءته من المحق بغير
حجة كائناً من كان من المحقين فإن وقف عن شخصيهما من أجل قولهما ما (1/44)
صفحة 45
لم تكن تقدمت له فيها معرفته وهو يتولى في الأصل أبا بكر وعمر بالشهرة
ما ضاق عليه ذلك أن حكمهما معه في الوقوف.
مسألة
[ حجة العالم على الجاهل ]
وأما إن صحت معه صفة أبي بكر وعمر من الفضل والعلم وجهل أن
العالم حجة وجهل أن أهل تلك الصفة حجة في الفتيا وهو عارف بهما فسأل أحدهما عن شيء فيما يسعه جهل أو أقام عليه بالنكير عن ما يسع جهله كان ذلك عليه حجة ولو جهل ما يكون به العالم حجة إذا علم منزلة العالم.
مسألة
[ حكم الحاكم العام ]
وإن خرج أبو بكر وعمر إلى بعض القرى من مملكتهما مكتتمين أو
أحدهما ولم يعلم عالمها قدومهما البلدة ولم يعرفهما بأعيانهما وهو داين بطاعتهما وولايتهما ويأمنهما على سفك الدماء بأمرهما تقليداً لهما فاستشهدهما مسلم بحق على ذمي بدرهم أو ما دونه فشهد به للمسلم
مع ذلك العامل فقبل شهادتهما أو حكم بالحق لمدعيه كان حاكماً بغير ما
أنزل الله ضامناً لما حكم به ووجب عليهما خلعه وعزله إجماعاً إذا اتضح
لهما صنعه.
مسألة
[ أهمية المعدل(1) ]
وأما إن كان بحضرة الحاكم من هو دونهما في المنزلة ممن يصير العدالة
فسأله الحاكم عنهما لما شهدا عنده فعدهما وهو جاهل بهما إلا لما رأى
في هيبتهما ومنزلتهما وحكم الحاكم بعدالة المعدّل كان الحاكم سالماً والمعدل لهما ظالماً لأن المعدّل حجة للحاكم.
مسألة
[ حكم جهل منزلة العالم ]
وكذلك كل عالم نزل بمنزلة الحجة في دين الله على من قام عليه مع من
علم منزلته ولو جهل حكم منزلته في الإسلام يسعه جهله كما لم يسع
جهل الظالم إذا شهر ظلمه مع من عرف منزلته ولو جهل منزلة العالم كما جهل الظالم إذا علم ظلمه ولو كانت حجة لا تقوم إلا على من عرف أنها حجة ما قامت حجة الله على أحد من خلقه موحد ولا ملحد ولا قامت
حجة نبي على قومه ولا إمام على رعيته.
مسألة
[ الرسول من جنس المرسل إليهم ]
__________
(1) 1- المعدل : له أهمية في القضاء باب التزكية الذي يزكي الشهود . (1/45)
صفحة 46
وقد قال الله تعالى { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين
لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً } (1) .
مسألة
[ لا حجة للمخلوق على الخالق ]
ولا حجة لمخلوق على خالقه ولو كان في سابق علم الله لعذب من علم
أنه يعصيه بغير حجة يقيمها عليه ما كان من حكمه جوراً وإنما شاء الله
تعالى أن يعبد وقد اجتمعت بمعرفة وحجة يقيمها علي عباده، والعالم علي
أهل زمانه حجة كما كانت الرسل حجة على عباده المكلفين.
مسألة
[ أثر بلوغ الحجة للمتعبد ]
وقد اجتمعت الأمة بأسرها أن بلوغ الحجة إلى المتعبد علمه بها ولا يباح
له الشك فيها بعد العلم بأي وجه كان وهذا ما يخرج من حجة العقل.
مسألة
[ أثر شهادة العالم للعالم ]
فإن قال العالم المشهور أن فلاناً عالم فقيه وكان الرافع عالماً في الفن الذي
شهد به لغيره فيه بالعلم لمن جهل ذلك وأنه حجة وأنه يبصر الولاية والبراءة فقول أنه حجة ولازم قبول قوله كما يكون حجة في رفع الولاية وقول
لا يكون حجة ولا يصح إلا بالشهرة ونحب قبول قوله للأمانة.
مسألة
[ قول الضعفاء من المسلمين ]
وأما قول الضعفاء من المسلمين قل أو كثر فلا يكون حجة منهم إلا أن يأتوا بصفة توجب الولاية والبراءة أو بفن من العلم مع تفسير عالم وأن يتضح ذلك مع المبتلي.
مسألة
[ أثر شهادة الاثنان فأكثر ]
وأما إن قال اثنان من ضعفاء المسلمين والأمناء على ما قالا أن فلاناً الفقيه المشهور قال إن فلاناً عالم بكذا أو بصير بالولاية والبراءة أو شهد بشيء من قوله يعبر أنه عنه عبارة كافية كان ذلك حجة منهما على قول.
مسألة
[ شهادة الواحد ]
وأما إن قال الضعيف من المسلمين أن يتولى فلاناً فلا يكون حجة ولا
جازت ولايته بقوله.
مسألة
[ شهادة الثقة في الولاية والبراءة ]
__________
(1) 1- سورة الإسراء آية 95. (1/46)
صفحة 47
وأما إن قال إن فلاناً العالم بالولاية والبراءة وكان يتولاه أو تولاه معه ورفع ذلك نقلاً عن العالم المعروف بالولاية والبراءة جازت ولايته بقوله على قول بعض المسلمين ومن أجاز ذلك فعلى وجه التصديق.
مسألة
[ أثر رفع الضعيف عن القوي ]
وإن رفع الضعيف عن عالم من العلماء بالولاية والبراءة أن فلاناً بصير بالولاية والبراءة فقيه في كذا وكذا قبل قوله على الاختلاف من وجهة التصديق.
مسألة
[ أثر المعدل الواحد ]
وكذلك إن قال ضعيف من المسلمين عن معدل من المعدلين أنه عدل رجلاً
ممن قد احتيج إلى عدالته في موضع ما تجوز عدالته فيه ذلك مختلف فيه.
مسألة
[ الاختلاف فيما لا يجوز فيه الاختلاف ]
وإن كان المختلفان من أهل الولاية في أمر الدين الذي لا يجوز فيه
الاختلاف ضعيفين ممن لا تقوم بهم حجة الفتيا فيما يسع جهله وكلاهما
يدعي الحق وعلم منهما ذلك وليهما فإن الولاية فيهما بالرأي والوقوف
عنهما بالرأي على اعتقاد ولاية الحق والبراءة من المبطل في الشريطة ولا
يجوز الوقوف عنهما ولا عن المحق منهما بالدين ولا تقوم الحجة من قول أحدهما كما تقوم من العالم في اختلاف العالمين.
مسألة
[ أثر السؤال عن الولاية المتقدمة ]
فإن قيل هل يلزم في هذا سؤال إذا كانت لهما ولاية متقدمة قلنا في ذلك اختلاف بعض ألزم السؤال وأباه آخرون لأنهم أجازوا له الوقوف عنهما
بالرأي ليخرج من ولاية المبطل ويتولى المحق.
مسألة
[ وقوف الرأي ووقوف السؤال ]
وإذا ألزمه السؤال في الوالدين الضعيفين أو الولي إذا ركب ما يجهله من
الباطل على بعض القول أو كان غير ولي إذا كان لا يبرأ منه في الأصل
وكان مما يسع جهله فإن هذا الموضع يسمى فيه الوقوف وقوف رأي
ويسمى وقوف سؤال علي قول من ألزمه السؤال وإلاّ فهو وقوف رأي
ووقوف السؤال لا يكون إلا برأي ودين.
مسألة
[ الاختلاف بالدين بين الضعيف والقوي ]
وإذا كان الاختلاف اختلافا بالدين بين ضعيف وعالم وكان المحق هو (1/47)
صفحة 48
الضعيف فهو في المنزلة اختلافاً لضعيفين لأنه لا تقوم الحجة من قول
الضعيف فيما يسع جهله والعالم مبطل لا حجة له وهو خصم محجوج
ولا يجوز ولايته بالدين على حال ويجوز فيه وقوف الرأي ووقوف
السؤال وإنما لا يجوز الوقوف عنه برأي ولا بدين في براءته من المبطل
بالحق وفي قوله بالحق.
مسألة
[ أثر الجهل في ولاية المبطل ]
وأما إن جهل الجاهل باطل العالم إذا لم تقم عليه الحجة من الفقيه وجهل
حكم العالم في الخصومة وظن أنه لا يجوز فيه وقوف الرأي إذ هو عالم معه
في الأصل فتولاه بدين ولم يتحول عنه عن ولاية الرأي ولا اعتقد فيه براءة الشريطة وكان بذلك هالكاً وضاق عليه جهل ذلك لأن العالم والجاهل في هذا سواء.
مسألة
[ متى يكون العالم حجة ]
وإنما يكون العالم حجة إذا صحت له الحجة فيما أتاه من الحق بالعلم
الشاهر ولم يتحول فإذا تحول من الحق إلى الباطل زال عنه اسم ما كان عليه مشهوراً عند العلماء بالدين إلى حالة الخصم ولا يجوز أن ينزل إلى غير ما
أنزل حدثه ولو جهل الجاهل حكم ما قال به من الباطل.
مسألة
[ متى تقوم الحجة بالعالم ]
وقد زالت عن الجاهل البراءة من هذا العالم من حينه لأن خصمه ضعيف
لأن(1) الضعيف لا تقوم به الحجة في الفتيا فيما يسع جهله ولما أن كان خصمه في المسألة الأولى عالماً بما تقوم به الحجة في الفتيا وجب على الجاهل قبول قول العالم به من حينه لزمته البراءة بذلك لأنه الحجة التامة.
مسألة
[ متى يبرأ الجاهل من العالم ]
فإن برئ الضعيف المحق من العالم المبطل لم يعلم الجاهل أنه مبطل وبري
العالم من الضعيف على ما قاله من الحق وجهل هذا المحق من المبطل فإن كان العالم بدأ بالبراءة من الضعيف فللجاهل فيما للعالم بحدثهما أن يبرأ من
__________
(1) 1- والصحيح ولأن . (1/48)
صفحة 49
المتبدئ منهما بالبراءة بما برأ به وليّه في الأصل براءة رأي لا براءة دين وقد جاز(1) له براءة الرأي من وليّه وقد قذفه وهو يتولاه برأي حين أحدث.
مسألة
[ متى يبرأ المتولي من وليه ]
ومن كان يتولى وليه برأي ثم برأ منه متبرئ من أولياءه أو غيرهم فإنه
يبرئ ممن قذف وليه برأي ويكون اعتقاده إن كان برئ منه بغير حق وإن
كان وليه هذا المتبرئ منه على ولايته فهو ببراء منه من هذا الذي قذفه عنده وبدأ بالبراءة منه فصار قاذفاً لأنه لم تقم عليه بقوله الحجة في الفتيا ولم يكن له أن يبرئ من وليه هذا إذا لم يكن عليه حجة.
مسألة
[براءة كل واحد من خصمه]
وإن برأ الضعيفان كل من خصمه بعد اختلافهما في شيء من الدين ولم يكن يعلم المحق منهما من المبطل فإنه يبرأ من المبتدئ منهما بالبراءة لأنه قاذف في ظاهر الأمر لوليه ولأنه لا تقوم به الحجة في الفتيا ولأنه يتولى وليه
المقذوف بالرأي لا بالدين وليس له أن يبرأ بالدين ولا يبصر العدل فيبرئ
من المبطل بالدين.
مسألة
[ متى لا يجوز أن يبرأ الجاهل من العالم ]
وإذا كان الخصمان عالماً وضعيفاً من أهل الولاية وكان المحق هو العالم ثم
برئ من المبطل وقد علم الجاهل حدثهما لم يجز للجاهل أن يبرأ من العالم
برأي ولا بدين من أجل براءته من الضعيف ولو كان العالم هو المبتدئ بالبراءة.
مسألة
[ البراءة من الضعيف ]
وأما إذا بدأ الضعيف المبطل بالبراءة من العالم المحق كانت البراءة من الضعيف على هذا بالدين لا بالرأي لأنه يصير قاذفاً لأن الحجة قامت من العالم.
مسألة
[ متى لا يجوز للجاهل أن يبرأ من العالم ]
ولو بدأ العالم بالبراءة من الضعيف على باطل لم يجز للجاهل أن يبرئ
من العالم المحق برأي ولا بدين ولا يقف عنه برأي ولا بدين والعالم في هذا
غير الضعيف لأنه حجة ولأن البراءة منه بالرأي أو بالدين والوقوف عنه برأي
__________
(1) 2- في الأصل وقد جازوا والأصح جاز . (1/49)
صفحة 50
أو بالدين نقص للدين لأنه الحجة لا حد جهلها بعد قيامها عليه بتضييع
حقها وتبديل حكمها.
مسألة
[ حجج الله لا تتحول لجهل جاهل أو علم عالم ]
ولو كان الخصمان عالمين لم يجز في العالم المحق منهما براءة برأي ولا
بدين ولا يوقف عنه برأي ولا بدين ولو بدأ البراءة من المبطل وجهل ذلك الجاهلان لأن الحجة تقوم من العالم على العالم كما تقوم من العالم على
الجاهل وعلى الضعيف وحجج الله تعالى لا تتحول لجهل من جهلها
وضعف من ضعف عنها ولا تجوز البراءة بالرأي في غير هذا الموضع.
مسألة
[ حكم المتولي للمحدث ]
وكل متول لمحدث فهو محدث مثله ومتولي متوليه محدث إذا كان
الحدث لا مخرج له من الباطل لقوله تعالى : { الذين قالوا إن اللّّه عهد
إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل
من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلما قتلتموهم إن كنتم صادقين } (1)
فهولاء المخاطبون لم يقتلوا الرسل وإنما سماهم اللّه قتلة بولايتهم
لأسلافهم الذين قتلوا الرسل لأن بين المخاطبين والقاتلين بقدر خمسماية
سنة أقل أو أكثر.
النهج الثالث
في أصول الدين
مسألة
[حكم الخنزير]
في الخنزير(2)
__________
(1) 1-سورة آل عمران آية 83 .
(2) 1- الخنزير: في اللغة: ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية وحكى بن
سيده عن بعضهم أنه مشتق من خرز العين، لأنه كذلك ينظر واللفظة على هذه
ثلاثية. وفي الصحاح وتخازر الرجل : إذا ضيق جفنه ليحدد النظر. والخزر :
ضيق العين وصغرها. وجمع الخنزير: خنازير، والخنازير: قروح صلبة تحدث
في الرقبة. عن الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/223 .
ثبت تحريم لحم الخنزير لضرره على جسم الإنسان وعلى غيره فهو أقبح
الحيوانات يأكل القاذورات ويعيش على الأوساخ ولا يغار على أنثاه. ورد تحريم
الخنزير في البقرة قال تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير }
آية 173 وفي المائدة : آية 3.
قال تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } . والأنعام آية 145
وسورة النحل آية 115. وهذا التأكيد على تحريم المذكورات في الآيات السابقة
دليل على خطورتها على حياة الإنسان وكرامته. والله أعلم. (1/50)
صفحة 51
وإذا كان الخنزير قائم العين وعليه مسكه مذكا أو غير مذكا
فهو حرام ولو جهله الجاهل به إذا كان قائم العين فإذا غابت عينه وصار من يعرفه لا يتوصل إلى علم معرفته التي يعرف بها عند من يعرفه أبيح ولو كان
في علم الله أنه خنزير إذ الحجة في تحريم العين والله لا يكلف فوق ما يطيقون
وهذا إذا كان في يد من تحل ذباحته كالموحدين وأهل الكتاب وقد ذكي.
مسألة
[ التعبد بعلم الله لا بعلم المكلف ]
أما إذا صار لحماً طوايف زايل العين التي يستدل بها على تحريمه فقد أبيح
لمن كان يعرف الخنزير في الأصل أو يجهله لأنه قد صار بحد لا يعرف
العارف به حتى يعلم أصله لأن الله تعالى لم يتعبد عباده المكلفين بعلمهم بل بعلمه فإذا اتضح علمه مع الواقف عليه أنه خنزير زالت الإباحة وحرم على الجاهل به والعالم ولو هرى قطع أو طبخ أو شرى.
مسألة
[ تحريم الخنزير عند العارف له ]
ومن كان عالماً بحرمة الخنزير جاهلاً لعينه وكان معروفاً عند العارفين به
بصفته التي تدرك بها معرفته فلا يسعه ركوبه بأكل أو شوي ولا ولاية أكله ولو جهل هو الحرمة لأنه محرم على من جهله أو علمه إذا كان قائم العين.
مسألة
[ مالا يسع جهله من الخنزير ]
وإن كان متصلاً قد زالت عين جنسه إلا أنه قائم الجثة وهو غير مذكا فلا
يسع جهل ركوبه بأكل ولا بشواء ولا تسعه ولاية راكبه إلا ما أمكن
للراكب من الضرورة فإذا أمكن ذلك كان الراكب على حالته ولو أمكن أن يركبه بغير اضطرار قلنا ما ظهر ولله ما ظهر واستتر.
مسألة
[ التماس العذر للآخرين ]
وإذا لم تكن للراكب ولاية فعلى حالته وإن كانت فعليها فإذا احتمل
للراكب العذر فمعذور.
مسألة
[ الاضطرار في أكل لحم الخنزير ]
وأما بيعه فمحجور في الاضطرار والاختيار إلا إذا لم يقدر المضطر الأكل
بما يحيي به نفسه وقدر على الشراء منه ذلك جاز له بيعه وعليه الدينونة (1/51)
صفحة 52
برد الثمن على مشتريه أو أن سعته وكان المشتري عالماً أنه خنزير وأعلمه هو ذلك ويأخذ من ثمنه بقدر ما يشتري من الحلال ما يقيته فإذا احتمل لبائعه
وجه مخرج إلى العذر فهو على ولايته وحالته إن لم يكن له ولاية.
مسألة
[ الحكم على الظاهر ]
وإذا لم تشهد عليه ظواهر الأمور بالاستغناء عن ذلك فلا يخلق عليه
بباطل حتى لا يكون له مخرج من الباطل أنزله باطله حيث نزل.
مسألة
[ شراء لحم الخنزير للمضطر ]
وجائز شراء لحم الخنزير للمضطر بما يحيي به نفسه وأكله إذا تعذر عليه الحصول الحلال بوجه من الوجوه من أملاك أو غيرها إذا لم يتوصل إلى
ذلك إلا بقتال أربابها.
مسألة
[ حرمة ثمن الخنزير على أهل القبلة ]
فإذا كان ممن يحرم عليه ثمن الخنزير وقدر على الامتناع من أداء الثمن
جاز ذلك إليهم وهم جميع أهل القبلة وإن كانوا ممن يحل له ذلك كأهل الكتاب أدى ذلك إليهم بعدل السعر(1) إذا كان الشراء مع الاضطرار.
مسألة
[ جواز الأكل عند الاضطرار علم أو لم يعلم ]
وكذلك الأكل نفسه بجهل أو بعلم لحرمته بجهل أو بعلم لجنسه فإن
كان يأكل ذلك مضطراً أو كذلك أكله له بمعنى ما يسع فيه العذر لمن علم ذلك جائز لأنه مباح له في جملته التي دان بها علم ذلك أو جهل كالمباح له أكل الأنعام المذكاة علم ذلك أو جهل.
مسألة
[ الاضطرار الذي يعذر به المكلف ]
فإن جهل ذلك كله ونزل منزلة لا عذر له فيها من حال الاضطرار أو
غيبة العين ومعرفة الأصل أنه خنزير ولو غابت عينه وأدرك لحماً مطبوخاً أو مشوياً فعلم أنه خنزير بما لا شك فيه بما تقوم به عليه الحجة فجهل الحجة وارتكب بأكل أو شري أو غير ذلك أو تولى فاعل ذلك بغير احتمال أو برء من العلماء إذا برأوا من فاعل ذلك أو وقف عنهم برأي أو بدين كان هالكاً وقامت عليه الحجة ممن عبرها له.
مسألة
[ علمه أنه لحم خنزير مع جهالة ]
__________
(1) 1- الصحيح -والله أعلم- بعدل السفر . (1/52)
صفحة 53
وإذا زالت عينه الذي يستدل بها على معرفته وكان قائم الجثة وهو مذكا
في يد أهل القبلة أو كتابي في ظاهر أحواله فإن كان على هذا فهو مباح في الأصل لمرتكبه إلا أن يقر من في يده أنه لحم خنزير قبل أن يشتريه أو يهبه
له أو يأكله فإذا أقر ذلك حظر عليه إذ الحجة قد قامت عليه بذلك وهلك
إن ركبه بعد قيام الحجة ولو جهل حرمة لحم الخنزير أو جهل الخنزير فإن ركبه على هذا أو تولى راكبه بعد أن أعلمه من هو في يده أنه لحم خنزير
على غير الاضطرار أو برئ من العلماء إذا برأوا من راكبه أو وقف عنه
برأي أو بدين هلك.
مسألة
[ متى يحل للجاهل ]
وإذا كان الذي في يده اللحم يهوديّاً أو نصرانيّاً أو من فساق أهل القبلة
كان له في الأصل مباحاً ولا يلزمه سؤال إنه مذكا أم لا ولا من أي جنس من الأنعام إذا زالت عينه وصار طوايف(1) ليس فيه دلالة على أنه لحم خنزير
ولا ميتة وجائز له أكل ذلك لو كان في علم اللّّه وعلم من هو في يده
ومان(2) فهو حلال على آكله ومشتريه إجماعاً.
مسألة
[ إذا كان قائم العين فهو حرام ]
وأما إذا كان قائم العين وفيه ما يستدل به إنه خنزير مع من يعرف الخنزير فلا
نعلم في حجره اختلافاً على من جهل عينه أو حرمته وكان ذلك في يد فقيه من المسلمين وشهد للراكب مائة ألف أو يزيد في مثل أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما وموسى بن علي(3) وجابر بن زيد ومحمد بن محبوب
__________
(1) 1- طوايف : شرائح أو قطع .
(2) 1- الصحيح -والله أعلم- أمان .
(3) 2- موسى بن علي : هو الشيخ العلامة الجليل أبو علي موسى بن علي بن عزرة
الأزكوي كان هو وأخوه محمد بن علي والأزهر بن علي من أجله علماء
زمانهم وهم فيما قيل من بني سامة بن لؤي بن غالب ولد ليلة العاشر من
جمادى الأخرى من سنة 177هـ نشأ في أزكى وأخذ العلم عن والده علي بن
عزرة وعن شيخه هاشم بن غيلان السيجاني وقد تبحر في العلم وفاق أهل
زمانه. توفي رحمه الله سنة 230هـ وعمره 53 سنة. انظر إتحاف الأعيان
1/182 - 190 . (1/53)
صفحة 54
رحمهم الله تعالى وأمثالهم ونظراءهم أنه لحم ضأن وأنه حلال ما كانوا
حجة وكان ذلك الشهود باطلي الشهادة مخلوعين هالكين الشهداء والبائع والمطعم إجماعاً.
مسألة
[ متى لا تقبل الشهادة ]
ولو كان ذلك اللحم الذي لا زالت عينه في يد كتابي أو موحّد فاسق
منتهك لم يعلم أن ذلك لحم خنزير وقد صار لحماً زائل العين ثم شهد على ذلك مائة ألف أو يزيدون من ثقات اليهود أو النصارى أو من فساق أهل التوحيد ما حرم ذلك على المسلمين ارتكابه ولو شهد مثل الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله أنه لحم خنزير ما حرم ذلك بشهادة واحدة وعلى محمد
بن محبوب أن يذر الراكب على حالته المتقدمة عنده من ولاية أو غيرها فإن ترك ولايته لهذا وهو ولي له هلك حتى يشهد له عدلان من(1) فحينئذ حرم
عليه ارتكابه.
مسألة
[ صفات الشهود ]
فإن شهد معه عدلان مسلمان وعرف منهما المنزلة ما يكونان بها حجة
ولو جهل أنه ليست بحجة وارتكب ذلك هلك.
مسألة
[ أهمية معرفة الشهود ]
ولو شهد عنده مائة ألف أويزيدون كمثل موسى ابن علي ومحمد بن
محبوب رحمهم الله تعالى أن ذلك حرام أو لحم خنزير وقد صحت معه
شهرة فضلهم وجهل معرفة أشخاصهم فلا تقوم بهم عليه حجة وإذا عرف أعيانهم وشهد عليه منهم اثنان كانا عليه حجة و جهل أنها حجة إجماعاً.
مسألة
[ جهل منازل الشهود وأعيانهم ]
وإن جهل منازل الشهود وأعيانهم وصحت معه عدالتهم عمن يكون
حجة عليه في العدالة من العدلين لئن قامت عليه الحجة علمها أو جهلها
أنها حجة إذا علم منازل المعدلين وأعيانهم جهل ما يلزمه من ذلك وعلمه
فلا يسعه رد الحجة بجهله لها ولا بقبول غير الحجة.
مسألة
[ الجهل بالحجة ]
ولا يجوز له إن جهل الحجة وأكل اللحم أن يبرئ من الحجة ولا يكذبها
فيما قالت فإن برأ هلك ولو أعلمه بذلك كتابي أو فاسق من أهل القبلة
__________
(1) 1- من خلال السياق يظهر نقص غير موجود في الأصل .
والذي يظهر لي : يشهد له عدلان من خاصته ، أو من أهل الخبرة . (1/54)
صفحة 55
واعتقد تكذيبه فيما قال كان بتكذيبه هالكاً وإنما يجوز له أن لا يرد الحجة
ولا يقبلها حتى يعلم أنها حجة وإذا جهل أنها حجة فليس له ردها تكذيباً
لها كائناً من كانت.
مسألة
[ حكم ولاية من رد شهادته ]
فإن قيل لا يجوز لهؤلاء العلماء الفضلاء الذي رد شهادتهم أن يتولوه إن
كان لهم في الأصل وليّاً إذ هم حجة الله أو يبرأ منه ويقفوا عنه قلنا عليهم
أن يتولوه إلا أن يعلموا أنه يعلم منهم ما يكونون به عليه حجة فإذا علموا ذلك منه ولم يلتزم الحجة للتي يعلمون أنه عليه في علمه حجة ولو جهل
الحجة برؤا منه لمخالفته الحق ورده الحجة فإن قيل أيجوز لأحد أن ينزل نفسه منزلة الحجة ويحكم بها على غيره قلنا له نعم إذا كان في ظاهر أمره عند
من تعبده الله فيه حجة كان عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله
ولو لم يجز هذا لما جاز للحاكم أن يحكم على من هو عليه في دين الله ولا
يسع الإمام أن يقيم حداً على من جعله الله عليه حجة حتى يعلم أنه ذاك
عند الله في علم الغيب بل عليه التوبة مما يعلم في نفسه من المعاصي ولو علم
في نفسه أنه زنديقي.
مسألة
[ على العبد أن يلتزم بالطاعة ]
وليس على العبد في جميع ما تعبده الله تعالى به أن يظهر قبائحه للعباد
ولا أن ينزل نفسه في حكم الظاهر منزلة أهل الفساد وعليه أن يلتزم الطاعة
لله وحده إجماعاً.
مسألة
[ عدم جواز إنزال الإنسان غير منزلته ]
وليس لأحد أن ينزل نفسه ولا غيره في دين الله غير ما أنزل الله ولا له
مخالفة أمر الله في نفسه ولا في غيره فيترك حقاً لله قام به من أجل أنه يقوم به رياء هذا ما لا يعتد به أحد من أهل القبلة.
مسألة
[ الفقيه الواحد حجة ]
فإن قال : فله أن يرد في هذا قول الواحد من الفقهاء وقد قام عليه بالحجة
أنه حرام وقلتم أن الفقيه الواحد حجة فلو لم يكن محمد بن محبوب رحمه
الله حجة فيما قام به إذا عرف منزلته كما قلتم أنه حجة إذا شهد معه أن (1/55)
صفحة 56
ذلك لحم خنزير ويكون محدثاً في ركوبه له بعد الشهادة ويكفر إذا شك
في الحجة قلنا له : لأن محمد بن محبوب وغيره في الأحكام سواء وإنما
مثله محمد بن محبوب حجة فيما قام به مما يكون فيه مفتياً ناقلاً لحكم
الشرع لا فيما يكون فيه شاهداً على تحريم مباح في الأصل لمن يركب وإنما
قلنا أن الفقيه الواحد حجة فيما لا يجوز للراكب ركوبه بجهله وفيما إن
ركبه بجهله ولم يعلم بذلك محمد بن محبوب كان بذلك هالكاً ونحن
نقول أن هذا إذا صار بهذه المنزلة مباح لراكبه حتى تمنعه حجة بتحريم ولا
يحرم المباح إلا شاهدان ممن هما حجة على المشهود عليه في جميع الأحكام
إلا فيما من خص الرضاعة وأمثال ذلك مما الناس فيه مختلفون وهذا مباح.
مسألة
[ إذا كان الخنزير قائم العين ]
وإذا كان قائم العين فمحجور على من ركبه ولو جهله وجهل حرمته.
مسألة
[ اختلاف الحكم ]
فإن قيل كيف اختلف الحكم في الحرام وهو عند الله حرام فكان مباحاً
إذا هرئ ولو كان في الأصل جاهله يعرف عينه وحرمته فلما أن جهله
وسعه جهله والجاهل له ولجنسه ولعينه وحرمته لا يسعه إذا جهل عينه وكان قائم العين والجنس قلنا لأن الله تبارك وتعالى حرم ذلك بعينه على من جهله وعلمه ولو كان الجاهل للحرام يسعه ركوبه لكان الجهل أوسع من العلم وذلك محال فلما حجر على من علم جنسه حجر على من جهل ذلك،
فكل ذي ميتة ذي روح تعيش في البر وتهلك في الماء إن وقع فيه حرام
بقول الله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } وكذلك الدم المسفوح من جميع
ما ذكرنا من ذوات الأرواح البرية وذوات الدماء الأصلية فهو حرام رجس بقول اللّه تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } (1) .
مسألة
[ ما هي الميتة ]
والميتة إذا مات من غير فاعل فذلك هو المفعول أنه ما مات حتف أنفه
وأتبع ذلك ما مات بسبب كوخز رمح أو ضرب أدى للتلف فهذا في كلام العرب ليس هو بالميتة المفعولة.
مسألة
[ تعريف الموقوذة ]
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 3 . (1/56)
صفحة 57
وأما الموقوذة هي التي لم تولم بالضر بغير ما يقع عليه اسم الذكات وإنما
هو يقتل البهيمة من المحللات من الأنعام فدلان الموقوذة هي المقتولة من فعل
بني آدم بها غير النكرة التي سماها الله تعالى فهي لاحقة بحكم الميتة.
مسألة
[ تعريف المتردية ]
وأما المتردية فهي التي تهدف أو تسقط من شرف كارعن(1) أو منزل أو
غيرها في ركية أو على شيء فتموت ولو لم يحدث بها ذلك محدث فهذا
هو المعقول من المتردية.
مسألة
[ ما هي النطيحة ]
وأما النطيحة فهي إن نطحت بهيمة فقلتها أو يقتلان بعضهما بعضاً فدل
على أن هذه هي النطيحة ولو بسبب ركض أو سدع غير النطح ولم يكن الحكم مقيداً على النطح فقط.
مسألة
[ ما أكل السبع ]
وأما ما أكل السبع فكل بهيمة أبيح أكلها إذا أكلها السبع فقتلها أو كان
الآكل لها بهيمة مثلها فماتت من ذلك فهي لاحِقٌ بذلك كان سبعاً له لأن الحكم معلق بما أكل السبع فقط فدلان الميتة كلها محرمة بأي حدث توت(2) .
مسألة
[ أهمية التذكية ]
فإن قيل فهل لا تحل ذكاتها بعد موتها لقوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } (3)
قلنا : لا. إن ذلك في المريضة والمتردية أو النطيحة أو ما أكل السبع تدرك
ذكاته قبل موته في الإبل والبقر ويشبههم النحر الذبح وأما الضأن والمعز فبالذبح فقط.
مسألة
[ ذبح الحيوانات السابقة ثم تحركه ]
وكل بهيمة عاقتها علة من هذه العلل كالمرض والتردي فذكيت قبل
خروج روحها فتحركت الحركة المعقولة من أسباب الحياة بعد أن أتمت
__________
(1) 1- كارعن : والله أعلم من شرف عالٍ .
(2) 1- الدليل من الكتاب الكريم على تحريم ما سبق : ما ورد في سورة المائدة آية 3 :
{ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة
والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على
النصب.. } إلى قوله تعالى : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن
الله غفور رحيم } 3 .
(3) 2- المائدة آية 3 . (1/57)
صفحة 58
ذكاتها وأكلت وإلا فقد أشكل أمرها لأنه يحتمل أن يدركها الموت من
سبب معارضة تلك العلة لها والحركة المعقولة كطرف طرف أو حركة أذن
أو ذنب أو جارحة منها قلت الحركة أو كثرت وأما اختلاج بدنها فلا عبرة
به إذ يتصور ذلك من بعد موتها.
مسألة
[ الشاة المزبورة ]
وأما البرية من العلل المزبورة حتى جرت الشفرة على مذبحها أو
منحرها فذكيت الذكاة التي تحل بها أكلت ولو لم تتحرك بعد الذكاة
بالذبح أو بالنحر.
مسألة
[ التفرقة بين ذات الوصب والصحيحة ]
فإن قيل : فلم فرقت بين ذات الوصب والصحيحة وهو قد أوقع الذكاة
عليها قبل موتها قلنا له: لأنه إنسان بين هاتين. لأن الوصب تقدمت بعدها أسباب الموتى دون الأخرى وإنما ذكيت خوف تلفها إذ أغلب أحوالها أنها لم تذك لماتت والصحيحة ليس حكمها كذلك وإن كان الله قادر على إحياء المريضة وإماتة الصحيحة لا يسأل عما يفعل والأحكام على الأغلب والأعم.
مسألة
[ الموت قبل الذكاة ]
وأما إن صح أن البهيمة ماتت قبل إيقاع الذكاة الشرعية عليها كانت
صحيحة أو معلولة فذلك لا شبهة فيها.
مسألة
[ أثر السبب في الحكم ]
فإن قيل فما الدليل على التفريق بين حكمها قلنا كيف الحكم فيمن أوقع
على أصحاء حائط فشهدت البينة أنه وقع الحائط والقوم أحياء لم يعلموا
موتهم قبل وقع الحائط فأصيبوا أمواتا ما كنت تحكم بينهم على الموقع
للحائط فإن قيل إذا تعمد لإيقاعه عليهم وصح ألزمناه القود لأنهم أصحاء
قلنا فهل يمكن أن يموتوا في قدرة الله قبل إيقاعه عليهم إذ البينة لم تشهد أن الحائط قتلهم.
مسألة
[ الموت بسبب العلة ]
فإن قيل وأي شبهة في هذا وهو المتعارف أنهم ماتوا بذلك السبب قلنا
وكذلك المتعارف من هذه الصحيحة إنها ماتت بذلك الذبح وإن لم
تصح حياتها بعده والمعلولة فالأغلب من أمرها أنها تموت بغير ذبح فلهذا
وقع الريب.
مسألة
[ ما أطلق حظره وإباحته ]
وكلما أطلق الله حظره أو إباحته فمحجور على من جهله تحريم ما أحل (1/58)
صفحة 59
ولا تحليل ما حرم ولا ولاية راكب ذلك بدين ولا الوقوف عن العلماء إذا برأوا من راكب ذلك برأي أو بدين وإذا رأى بالبهمة أثر الذكوة وهي في
يد تجوز ذكاته من أهل الإقرار أو من أهل الكتاب فحلال له شراءها وأكلها وإن كانت في علم الله وعلم العالم أنها ميتة.
مسألة
[ التذكية بغير اسم الله ]
والإجماع إنما ذكي في الأنعام الحلال ولم يذكر اسم الله عليه لشيء من
الآلهة سوى الله أنها حرام لقوله تعالى : { وما ذبح على النصب } (1)
وقوله : { وما أهل لغير الله } (2) وأجمعوا على أنها ذكاة المشركين من
المجوس وغيرهم من أهل الكتاب كان بالآلهة أو لغيرها ذكر اسم الله عليه أو
لم يذكر أنه حرام فسق لا حق في الميتة.
وأما أهل الكتاب فقد ورد النص بتحليل ما ذكره من النعم لقوله تعالى :
{ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } (3) وأجمعوا أنه
ما لم يذكر اسم اللّه عليه عند الذبح كائناً من كان ذابحه موحداً أو ملحداً
أو كتابياً إنه حرام وفسق لقوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله
عليه وإنه لفسق } (4) أن ذلك في الذبائح خاصة من بهيمة أو طير .
مسألة
[ ذبح أهل الإقرار وأهل الكتاب ]
واختلف المسلمون فيما ذبح أهل الإقرار وأهل الكتاب للأوثان بأمر أهل الأصنام والمال وذكر اسم الله عليه فقول أنه حلال لأن الذبح لا يقع
للأصنام وقد صحت له التذكية ممن يجوز تذكيته ولا شريك لله ولا تحرمه
نيته المذكي وقول أن ذلك حرام إذا نوي به للآلهة فلو ذكر اسم الله عليه والأول عليه العمل.
مسألة
[ دواب البحر هل تذبح أم لا؟ ]
اختلف المسلمون فيما اشتبه محرماً من دواب البحر يسمى به فقال
__________
(1) 1- سورة المائدة 3 .
(2) 2- سورة المائدة 3 .
(3) 3- سورة المائدة 5 .
(4) 1- سورة الأنعام آية 121 . (1/59)
صفحة 60
بعضهم حكمه كحكمه حذو النعل بالنعل وقال بعضهم : صيد البحر كله حلال وإنما يذكى كذكاة ما يشبهه من صيد البر وقال بعضهم أنه حرام كمشبهه والأصح إنه حلال بغير تذكية ولو أشبه القرد والخنزير من المحرمات.
مسألة
[ ما كان يعيش في البحر والبر ]
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيرها من الدواب المشبهة
بدواب البر أو غير مشبهة من دواب الدم فلا يحل إلا بذكاة لدخول سبب البر عليه أن كان أغلب أحوله يعيش في البر أكثر فحكمه حكم دواب البر
وصيد البر إن كان صيداً ودمه مفسداً لعيشه في ليل أكثر زمانه.
مسألة
[ ما يعيش في البر والبحر والأغلب في البر ]
وأما إذا كان أغلب عيشته في البحر والماء إلا أنه يعيش في البر عيشته
يفارق بها دواب الماء للتي لا تعيش في البر وإن فارقت الماء هلكت فإنها لا
تحل إلا بالتذكية بسبب دخول البر وتحكم له عليه وبالأغلب من أمره في شأن تسميته بالصيد فإن خفي أغلب أحواله أخذ فيه بالأحوط ذكي ودمه فاسد احتياطاً ولا يأكله المحرم للخروج من الشبهة والحجة في ذلك أهل المعرفة.
مسألة
[ ذبائح المشركين غير أهل الكتاب ]
وكلما كان في أيدي المشركين من غير أهل الكتاب من اللحوم والذبائح
للتي هلكت ولم تدرك فهي في الأصل محجورة لا تحل إلا أن يصح أنها
مذكاة لأن ما في أيديهم من ذلك حرام على من علم حرمته أو جهلها ولا يقبل قولهم من ذبائح المسلمين أو ذبائح أهل الكتاب إلا بالبينة وأقل ما يقبل
في ذلك الثقة المأمون من أهل الإقرار وأما في الأحكام فبشاهدين من أهل
القبلة وليس قول أهل الكتاب حجة هنا على المسلمين إذا شهدوا أنها من ذبائحهم أو من ذبائح أهل الإقرار.
مسألة
[ قول الثقات من أهل الكتاب ]
فإن قيل بقبول قول الثقات من أهل الكتاب مع التسليم له ممن ذلك في
يده وتصديقه لم نقل أن ذلك خلافاً للدين لأنهم مصدقون على ما في
أيديهم ولا يجوز جهل ذلك إذا كان في أيدي المشركين من غير أهل (1/60)
صفحة 61
الكتاب بعلم الواقف عليه ذكاته فإن ركبه على الجهل هلك.
مسألة
[ اللحم المجهول الذبح ]
وأما إذا رأى راكبه ذلك وعزب عليه علم ذلك من كيفية أصل ركوبه له
وقد عاينه لحماً أعضاء أو مذكاراً من البهائم المباحات فلا تحرم عليه ولايته ومحجورة عليه البراءة منه ولا يترك ولايته إلا أن يعلم أنه غير مذكاة من
ذكاة تجوز ذكاته ولم يعلم أن راكبه علم كعلمه فيه وهو في أيدي المشركين
أو لحماً زائل العين فإذا علم أنه لا علم له فيه إلا على هذا فلا يجوز له
الإقدام عليه ولا تجوز له ولايته في الدين ولا ترك ولايته من برأ منه العلماء
على ذلك.
مسألة
[ عدم معرفة حلية اللحم ]
ولو عاين هذا المعاين لهذا اللحم ولم يعلم أحلال هو في الأصل أم حرام
فليس له الإقدام عليه فإن أ قدم عليه سواه ولم يعلم الأصل فيه فليس له ترك ولايته ولا البراءة منه لأنه محتمل حقه و باطله.
مسألة
[ حكم من أكل ا للحم المجهول ]
فإن برئ منه على ذلك عالم من العلماء أو غير عالم ولا يعلم
هذا منه إلا أنه لما رآه يأكل على ذلك اللحم إذ هو في الأصل محجور
إلا بعلة وهي العلم برأي منه وليه ولم يعلم من الذي برأ منه من أوليائه أيعلم أنه علم أنه ذكي أم لا فوليه الأكل على ولايته ووليه المتبري منه على ذلك
على ولايته .
مسألة
[ أثر العلم في ذلك ]
فإن كان عالماً فليس له أن يقف عنه ولا يبرأ منه على ما عاين برأي
ولا بدين.
مسألة
[ كيفية البراءة ]
وأما إن كان ضعيفاً وبرأ من وليه ولم يعرف علي ما برأ منه قد عاين ما برأ
منه مما يحتمل وجهل ما يلزمه الأكل والمتبرئ فله البراءة من المتبرئ برأي ويعتقدان إن كان برئ من وليه بما لا يستحق به البراءة فهو بري منه لم يضق عليه ذلك في الضعيف إذا قد برئ من وليه فحكمه عنده حكم القاذف لوليه ولا يجوز له أن يبرأ منه بدين فإن برأ منه من أجل براءته من وليه هلك.
مسألة
[ جهل البراءة يجيز الولاية ] (1/61)
صفحة 62
وأما إن لم يعلم كيف برى منه العالم والضعيف وضاق عليه أن يبرئ منه
جاز له أن يتولاه بدين ويتولى العالم أيضاً بدين وكذلك الضعيف
وهذا موضع تجوز فيه الولاية على الأصل حتى يعلم أنه مبطل وتجوز منه البراءة حتى يتضح له أنه محق.
مسألة
[ أثر المعاينة في الحكم ]
فكلما ألزمه أن ينزل لوليه الراكب لعذر لما يحتمل أنه محق فكذلك
يلزمه أن ينزل لوليه المتبري من هذا الراكب بما قد عايناه منه جميعاً أنه أتي
ذلك محجوراًَ.
مسألة
[ تحريم ما لم يرد في الآية ]
اختلف المسلمون في تحريم ما عدا ما حرمته الآية من كل ذي ناب وذي
مخلب من الطير بقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً
على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير } (1) فقال بعض(2) مع بعض المسلمين من أهل القبلة أن ليس ولاء هذا شيء من البهائم محرماً وإنما سوى هذا مباح من بهيمة أو طيرة إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير(3) نهي أدب(4) لا نهي تحريم وأن السنة لا تنسخ القرآن لقوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
__________
(1) 1- سورة الأنعام آية 145 .
(2) 2- يظهر لي والله أعلم، أن هذا فيه خلاف في المذهب وأيضاً خلاف في المذاهب
الأخرى) الشافعية...
(3) 3- نص الحديث : عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير وعن
لحوم الحمر الأهلية...» الحديث بالجزئية الأولى أخرجه أبو داود رقم 3790 في
الأطعمة و8306 في الأطعمة باب النهي عن أكل السباع، والنسائي 7/202
في الصيد وهذا النص : أخرجه الترمذي رقم 1474 في الصيد باب ما جاء في
كراهية أكل المصبورة. ورواه أحمد في المسند 4/128 وهو حديث حسن.
(4) 4- نهي أدب : أي كراهة تنزيهه وهذا المصطلح قال به الحنفية. (1/62)
صفحة 63
منها أو مثلها } (1) فالسنة فليست بأخير من القرآن ولا مثله لأنها ليست
بمعجزة في نفسها كمثله (2) .
مسألة
[ تحريم كل ذي ناب ومخلب ]
وأما من قال بتحريم ما ورد حجره في السنة بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «حرم عليكم كل
ذي ناب من السبع ومخلب من الطير»(3) وأن هذا نهي تحريم لا أدب وأن السنة
تنسخ القرآن بقوله تعالى: { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } (4). وقال تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (5) .
مسألة
[ صيغ التحريم ]
واحتج ذلك من جعله نهي تحريم(6) بقوله تعالى في النكاح وما يحرم منه :
{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم } (7) إلى
قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } (8) الآية، ثم صح الإجماع من أهل
القبلة على تحريم كل ما وافق تحريمه من النسب(9) ما كان من جهة الرضاع
بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقوله عليه
السلام : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها لا الكبيرة على الصغيرة»(10)
__________
(1) 5- سورة البقرة آية 16 .
(2) 6- هذه مسألة خلافية قال الجمهور بأن السنة تنسخ القرآن وقال الإمام الشافعي
-رحمه الله- السنة لا تنسخ القرآن - والمقصود بذلك أخبار الآحاد
وليست المتواترة.
(3) 1- رواية الترمذي «حرَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -يعني يوم خيبر- لحوم الحمر
الإنسية والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير». انظر
جامع الأصول في أحاديث الرسول 7/463 رقم 5555.
(4) 2- سورة النجم آية 3 ، 4 .
(5) 3- سورة الحشر آية 7 .
(6) 4- ما ورد في النص بصيغ حرم فهي تدل على التحريم لأنها من أقوى الصيغ سواء
كانت من الكتاب أو السنة.
(7) 5- سورة النساء آية 23 .
(8) 6- سورة النساء آية 24 .
(9) 7- الحديث : ورد الحديث بصيغ متعددة منها : يحرم من الرضاع ما يحرم من =
(10) = الولادة ، وهذا حديث أخرجه البخاري ومسلم. ورواية «إن الله حرم من الرضاع
ما حرَّم من النسب» أخرجه الترمذي رقم 1146 في الرضاع. والعمل على هذا
عند عامة أهل العلم. وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأم حبيبة.
1- هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة
على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح
الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى». أنظر جامع الأصول
11/495 رقم 9055 . (1/63)
صفحة 64
ولا بالعكس.
مسألة
[ عرض الحديث على كتاب الله ]
فإن اعتل معتل بقوله عليه السلام : «ما من رسول ولا نبي قبلي إلا وقد كذب(1) عليه ألا وسيكذب عليّ من بعدي فاعرضوا ما أتاكم عني على كتاب الله فإن وافقه فهو عني قلته أو لم أقله وما خالفه فليس عني قلته أو لم أقله فإن هذا موافق كتاب الله» قلنا له من معنى تحريم الجمع بين الأختين وقد أجمع المسلمون كافة على صحة ذلك والعمل به.
مسألة
[ حكم الصيد ]
وما أهله أربابه من الصيد حتى صار ملكاً فقول أن ذلك من الصيد ولا
يحل للمحرم وقول أن ذلك خارج من حكم الصيد إلى حكم الملك والقول الأول أصح.
مسألة
[ ما حرم صيده على المحل والمحرم ]
وأجمعوا أن الصيد ما عدا الأنعام من الوحوش غير المربوبات المملوكات
وما عدا المحرمات المحجورات بالنص على جملة التحريم على المحل والمحرم مما
هو خارج ذوات المخالب من الطير وذوات الناب من السبع فما عدا هذا فالإجماع من أهل القبلة أن جميع ذلك مما يخرج له مثل في المحللات من
الأنعام المربوبات فهو من الصيد وتصديق ذلك فقوله تعالى : { ومن قتله
منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم } (2) .
مسألة
[ صيد النعم غير ذوات الناب والمخلب حلال ]
فكل ما كان له مثل من النعم خارج من ذوات المخالب الناب فالإجماع
أنه صيد حلال إذا أدركت ذكاته للمحل وحرام على المحرم واختلفوا في
أشياء من ذوات الناب فقول أنه صيد حلال للمحل وحرام على المحرم
كالضبع والثعلب والنسور الوحشي وما أشبه ذلك وقول : إن كل ناشرة
من ذوات الناب فليس من الصيد وهو من المحجورات.
مسألة
[ الاقتصار على ما ورد تحريمه في الكتاب الكريم ]
__________
(1) 2- الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - : «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» حديث
صحيح : أما حديث المصنف بالنص بالمذكور لم أعثر عليه.
(2) 1- سورة المائدة آية 95 . (1/64)
صفحة 65
ولم نعلم أن أحداًَ من أهل العدل قال بتحريم شيء من البهائم غير ما استثنى الله في كتابه بتحريم ما حرم.
مسألة
[ لحم القرد مختلف فيه ]
وقد اختلف المسلمون في القرد فحرم لحمه بعضهم كالخنزير وقال
بعضهم : من أكل لحمه فلا نقول أنه أكل حراماً كمن أكل لحم الخنزير.
مسألة
[ ما اختلف في تحريمه لا يوجب البراءة ]
وإذا وقع التحريم لشيء من بعض المسلمين مما لم يأت فيه نص من باب
التحليل أو ما أشبه ذلك والتوقيف عن تحريمه من البعض وولاية من حرمه
فقد وقع التحريم.
مسألة
[ دليل تحريم القرد ]
ومثله إذا وقع التحليل لشيء من البعض فيما لم يأت فيه نص بالتحريم أو
ما أشبهه ووقف عنه بعض المسلمين وتولوا من أحله فقد وقع التواطؤ على تحليله وقد أثبت الله تعالى في القرد سبب التحريم في كتابه وإن لم يقع
النص بالتحريم فيه بعينه قول الله تعالى : { وجعل منهم القردة
والخنازير } (1) فألحق القردة بالخنازير.
مسألة
[ لا تقاس القردة على قردة بني إسرائيل ]
فإن قيل إن تلك القردة والخنازير متن وإنما هذه القردة والخنازير غيرهن
قلنا فإن كن متن فهذه الحادثات مثلهن وسيان في الحكم الشيء وشبهه
والقول في القرد كالقول في الخنزير في جهالته وجهالة جنسه وزوال عينه
لأنه معروف مع من عرفه من العالمين به.
مسألة
[ ماهية الدم المسفوح ]
فالمجتمع عليه أن الدم المسفوح هو خارج من الذبيحة إبان تذكيتها من
الأنعام المحللة هو رجس حرام وما تابعه من الدم ما لم يغسل المذبحة في
البدن والثوب قل أو كثر الدم من بهيمة أو طيرة من ذوات الدماء الأصلية
ولم تكن من المجتلبات(2) .
مسألة
[ نجاسات الدماء ]
وأما ما عدا دم المناحر أو بعد تطهير المذابح فمختلف فيه قول أنه
الأوداج(3)
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 60 .
(2) 2- المجتلبات : اللواتي يجلبن من خارج المنطقة ولا يُعرف طعامها والله أعلم .
(3) 1- الأوداج : جمع ودج وهو العرق الذي يقطعه الذابح فلا يبقى معه حياة ، ويقال :
في الجسد عرق واحد حيثما قطع مات صاحبه وله في كل عضو اسم فهو في
العنق الودج والوريد أيضاً... أنظر المصباح المنير 2/811 . (1/65)
صفحة 66
لاحق حكمه بالمسفوح وقيل: حكمه حكم المسفوح من في
الأكل والشرب ولا يفسد منه في الثياب إلا ما نما على الظفر على النسيان
وأما على الجهل والعلم والعمد فمفسد للصلاة وما خالط الطهارات فنجس
قل أو كثر.
مسألة
[ حكم الدماء : حكمها حكم دماء الذبيحة ]
وقد قيل أن حكمه كحكم دم اللحم لأنه زائل الذبيحة دم ما كانت عليه
من نجاسة الدم للتي كانت به حية فإذا صارت ذكية وزال الدم الذي كانت
به حية لأن الدم الذي كانت به حياة هو المفسد المسفوح وما سواه
فمختلف فيه قول لا يفسد قل أو كثر في الثوب والبدن ولا يفسد ما مس وحلال لقوله عليه السلام : «أحل لكم ميتتان ودمان الميتتان الجراد
والسمك والدمان اللحم ودم السمك»(1) .
مسألة
[ ما هو دم اللحم ]
وقال بعض : إن دم اللحم هو ما خالط اللحم من العلق وأما ما كان من العروق فليس هو دم اللحم وذلك دم كان قائماً في البهيمة إبان حياتها فلا يتحول طاهراً بذكاتها وهو مفسد حرام وإنما يتحول إلى الطهارة ما كان
داخلاً في اللحم من غير العروق.
مسألة
[ مقدار الدم في الثوب الذي يفسد الصلاة ]
وأما على النسيان فلا يفسد الصلاة على بعض القول إلا ما زاد على
الظفر في البدن والثوب وعلى العمد في الجهل والعلم مفسد قل أو كثر.
مسألة
__________
(1) 2- الحديث : عن ابن عمر قال : قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - «أحلت لنا ميتتان ودمان :
الميتتان : الحوت والجراد، والدمان : أحسبه قال : الكبد والطحال» أخرجه
الشافعي 2 / 425 ، وأخرجه أحمد 2/97 وابن ماجة رقم ( 3314 ) في =
= الأطعمة باب الكبد والطحال من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن
عمر، وعبد الرحمن ضعيف، وأخرجه الدار قطني ص 539، 540 من طريق
علي بن مسلم عن عبد الرحمن... ورواه البيهقي 1/254 من طريق ابن وهب
عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر موقوفاً، ثم قال : وهذا
إسناد صحيح. أنظر شرح السنة للإمام البغوي 11/244 باب أكل الجراد. (1/66)
صفحة 67
[ دماء الرئة والفؤاد ]
وأما دم الرئة والفؤاد فذلك من الدماء المفسدة لأنه على حدثه في البهيمة
في حياتها وليس هو من المشتمل عليهم أحكام اللحم.
مسألة
[ الدماء المفسدة للصلاة حرام ]
وكل دم أفسد قليله وكثيره في الصلاة فهو حرام في المأكولات
والمشروبات ومفسد لما خالطه من الطهارات إجماعاً.
مسألة
[ الدماء الحلال إذا طهيت مع اللحم ]
وما سوى ذلك من دماء الدواب والحلال المذكاة ما عدا دم المذبح والمنحر
والأوداج والعروق والرئة والفؤاد فهو حلال طاهر قل أو كثر في الصلاة ولا يفسد ما خالط من الطهارات.
مسألة
[ ما حرم نصاً حرم الانتفاع به ]
وما عدا دماء المذابح والمناحر إذ طهرت فقد مضى القول في الاختلاف
فيه وكل ما صح رجسه من الكتاب أو السنة أو الإجماع فهو حجر حرام
أكلاً وشرباً.
مسألة
[ دماء المحرمات أكلها حرام مثل الخنزير والقرد ]
وكل دم محجور بالتحريم لجنسه مثل الخنزير والقرد وما
شابههما من المحرمات من البهائم فدمه حرام كحكم الدم المسفوح ذكي
أو لم يذكى.
مسألة
[ قتل الصيد بالكلب المعلم ]
وكلما(1) لم تدركه ذكاته من الصيد والأنعام المستقرة للتي لم يبلغ
إلى تذكيتها إلا بالقتل فقتله كلب معلم أو الصايد بزلّم(2) أو ذابل(3) أو صارم وبلغ إلى ذكاته صار ذكيِاً حلالاً ودمه مذابحة ومناحرة مسفوح قل أو كثر
وما سواه مختلف فيه.
مسألة
[ دماء الحيوانات في المأكولات حرام ]
ودم الميتة من جميع الدواب والطير البرية من ذوات الدماء الأصلية فهو
__________
(1) 1- والأصح : وكل ما لم .
(2) 2- الزلم : جاء في كتاب إزاحة الأعيان عن لغة أهل عُمان ص 64 زلَّ : قوس زلاّ.
يزل السهم عنها لسرعة خروجه. فهذا السهم الذي يصاد به.
(3) 3- ذابل : جاء في المصباح المنير 1/245 : والذبل شيء كالعاج، وقيل : هو ظهر
السلحفاة البحرية. وأقوال سياق النص يشير إلى استعمال العظم أو ظهر
السلحفاة وهو يكثر في عُمان بدل السكين لعدم وجودها. والله أعلم. (1/67)
صفحة 68
حرام في المأكولات والمشروبات لما خالط من الطهارة قل أو كثر في
الثوب أو البدن إجماعاً وما كان من غير ذاتها فلاحق بها كمثل ما
احتملته في أكراشها.
مسألة
[ ما في بطن الحيوان المذبوح ]
وأما ما نتاجها إذا أدركت ذكاته حيّاً بعد موتها فلا يكون تبعاً لها في التحريم وما سواه فحكمه حكمها.
مسألة
[ لا جهل في حرمة المسفوح ]
فإذا وقف المتعبد على الأصل الخارج منه في الدم المسفوح لم يسعه جهل ذلك ولا ركوبه ولا ولاية من ركبه علم بحرمته أو لم يعلم فإذا ركبه هلك وكان عليه الدينونة بالسؤال.
مسألة
[ الدماء المختلف فيها ]
وأما إذا واقع شيئاً من الدماء المختلف فيها بجهله الحكم فيها مع علمه بالأصل الذي خرجت منه فهو سالم ما لم يدن باستحلاله ممن حرمه أو بترك ولاية أحد من العلماء برأي أو بدين وهو دائن إلا أن يواقع المحجور.
مسألة
[ أهمية النية في العمل ]
وأما إن قصد أنه يركب محرماً ولا يبالي هلك بنيتي ولو وافق حلالاً بالكتاب السنة أو الإجماع.
مسألة
[ أهمية النية ]
وإذا لم ينوي ارتكاب المحظور وإنما ركب ما جهل هو حرام أم حلال
وهو دائن بتحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل الله في جملته فواقع حلالاً
مجمع عليه أو مختلف فيه ففي بعض القول لا يسعه على ما لا يعلم أنه حلال وعليه التوبة إذ قد أساء في إقدامه لا ركوبه وقول لا بأس عليه ما لم يركبه
على أنه حرام لا يبالي به.
مسألة
[ عدم معرفة أصل الدماء ]
فإذا غاب عنه الأصل الذي جاء منه ذلك الدم الذي وقف عليه ولم يبن له هو أحلال أم حرام أو لمختلف فيه ففي الأصل أن الدم محرم إلا ما انتشأ
منه إذا كان قائم العين في ذاته حتى يعلمه من أي أصل ولم يعلم جواز
الإقدام عليه إذا أشكل أمره حتى توضح مشكلة حجته والتعبد في
المشكوكات والوقوف عنها.
مسألة
[ ارتكاب ما لم يعرف أصله ]
وأما إن ركبه راكب على الجهل بأصله والحكم فيه على إنه يأتي في ذلك (1/68)
صفحة 69
ما أحل الله ولم يدن فيه بما لا تسعه الدينونة به فوافق ما مجتمع على تحليله أو مختلف فيه فهو سالم.
مسألة
[ أنواع الدماء ]
وكذلك إن علم أن الدماء منها حلال وحرام ومختلف فيه ولم يعلم من
أي دم لم يقف على أصله فحسن عقله في رأيه أنه حلال فركبه فذلك جائز
له إذا وافق الحلال إجماعاً.
مسألة
[ عدم معرفة الدماء المختلف فيها ]
وإن علم أن الدماء منها حلال وحرام ولا يعلم المختلف فيه فحسن في
عقله إنه حلال فركبه فوافق الحلال أو ما يختلف فيه فهو سالم وإن وافق المحجور قائم الغير لا يختلف فيه و هو لا يعرفه من غيره من الدماء المباحة
فإذا ركبه على غير نية فاسدة إلا أنه ركبه بجهله واعتقاد أنه حلال خفنا
عليه من الهلاك وألزمناه التوبة من فعله ذلك.
مسألة
[ إذا كانت الدماء غير معروفة الأصل ]
وإن كان لا يعرفه من يعرف حلاله وحرامه حتى يقف عليه وعلى أصله
المحلل والمحرم معروف عند من عرفه فهو محجور الأصل غير مباح حتى
يعرف أصله.
مسألة
[ الأموال المعمورة ]
وكذلك الأموال المعمورات إذا وقف عليها الواقف فهي محجورة على
من جهلها أو علمها وفي الأصل أن المعمورات من الأموال المباحات بوجوه الحلال للواقف عليها إذا خفي عليه أصل المال أنه محجور أو مباح فهذا
محجور لا إقدام عليه فإن ركبه على أنه لا يبالي بما ركب هلك إجماعاً
وافق حلالاً أو حراماً بنيته.
مسألة
[ ارتكاب الفعل بجهل ]
وإن ركبه الجاهل بأصله على نسيان للتعبد فيه أو أخطأ أو على ما يراي
أنه حلاله أو حسّن في عقله أنه حلال فوافق الحلال فهو سالم وعليه السؤال حتى يخرج مما دخل فيه من المحجور لأنه تدرك معرفته بالعين ولأنه متعلق
عليه حكم الضمان لربه في حكم الظاهر فإذا صح معه أن الذي أتاه كان
مباحاً فهو سالم من الضمان والإثم وعليه التوبة.
مسألة
[ صيد القناص في المباحات ] (1/69)
صفحة 70
وأما الصيد إذا وافقه قناصه(1) في حالة المباحات قد تملك فلا تلزمه فيه
الحجة بالتحريم والملك حتى يتضح له علمه(2) ذلك وأما إذا كان من
الأنعام وغيره مما هو محجور في الأصل فذلك محجور الإقدام عليه حتى
يعلمه حلاله.
مسألة
[ حكم دم الرعاف وما يخرج من الفم ]
اختلف المسلمون مما يأتي من الدماء من غير كلم حادث كدم الرعاف
وما خرج من الفم والأسنان من دم عبيط(3) ودم الحيض(4) والنفاس(5) وكل دم خرج من ذات روح من ذوات الدماء الأصلية من الدواب والطيور البرية فقول أنه مسفوح كله ونجس في الثوب أو البدن قل أو كثر وأما غير
المسفوح فما خرج من جرحٍ قديم.
مسألة
[ حكم ما يخرج من الجراح ]
فكلما خرج من جرح قديم فليس بمسفوح ولا يفسد في الثوب وفي أمر
الصلاة إلا ما كان مقدار ظفر الإبهام على غير العلم.
مسألة
[ ميت ما لا دم فيه ]
واجتمع أهل العلم أن كل ذوات روح من الدواب والطير البرية بما لا دم
فيه أنه لا يفسد ميتته وأنه حلال وأنه خارج على أصل الجراد بسنة الرسول عليه السلام وما شابه الجراد فمثله إجماعاً.
مسألة
[ اختلافهم في ذوات الأرواح ]
واختلف أهل العلم في ذوات الأرواح من ذوات الدماء المجتلبة فقول :
إنه ميتة كدمه لا بأس بها وقول : إن دمه وميتته حرام رجس وقول إنه
__________
(1) 1- القناص : هو الصائد بالبندقية .
(2) 1- الأصح : حتى يتضح له علم ذلك.
(3) 2- جاء في المصباح المنير 1/463 : دم عبيط : طريّ خالص لا خلط فيه.
قال في التهذيب : العبيط من اللحم : ما كان سليماً من الآفات إلا الكسر.
(4) 3- الحيض : لغة : السيلان.
شرعاً : دم أسود ثخين، منتن، فائض بنفسه من فرج يافعة، ومن فوقها ما لم تبلغ
سن الإياس، في حال صحتها. عن النبراس في أحكام الحيض والنفاس ص 5- 6.
(5) 4- النفاس : هو الدم الخارج من المرأة لأجل الولادة سواء كان الولد كامل الخلقة
أم ناقصاً. المصدر نفسه ص 82.
والمرأة النفساء : هي المرأة الواضعة حملها . (1/70)
صفحة 71
يفسد على السعة والغنية غير مباح في الضرورة والحاجة إليه وليس هو
كالميتة المجتمع على تحريمها.
فصل في الأمر عن المعروف والنهي عن المنكر :
مسألة
[ حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
فريضتان على من قدر وحَدُّ القدرة على أن يأمن على نفسه وماله ممن
يقوم عليه ومن تولد مواد تتالد عليه فإذا كان كذلك فهو معذور وبعلم المنكرات والمعروف ما كانت تسعه الجهالة فإذا أتت حاله فلا يسعه جهله وكذلك لا يسعه جهل راكبه فصار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فريضتين فإن جهله في حين لا يسعه جهله هلك.
مسألة
[ جهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
وإن جهل ذلك فيما يسعه جهله فما لم يركبه أو يتول راكبه أو يبرأ
من العلماء فإذا برؤا من راكبه أو يقف عنهم وإن كان المحدث يدين
بتحريم ما ركب غير مستحل ولا هو حاكم من الحكام الذين تلزمهم
إقامة الحدود وإنفاذ الأحكام فيضيع حكماً أو يعطل أو يبطل حقاً فهو
معذور بجهل ذلك.
مسألة
[ السؤال عن كيفية الأمر بالمعروف ]
وأما إذا كان على حد القدر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجهل
ذلك فعليه اعتقاد السؤال عنها يلزمه فيما جهله كان محرماً (1)
كان حاكماً أو سوقه لأنه فرض عليه فعليه السؤال على كل حال فما لم يعطل أو يبطل حقاً أو يضيع حداً حكماً يلزمه فلا يكون عليه حجة فيما يسعه جهله إلا من طريق ما يصح معه علم ذلك من أي وجه صح معه من علماء المسلمين من الواحد فصاعداً فلا عذر له إن شك في الحجة إذا قامت عليه.
مسألة
[ حكم ثقات فقهاء المذاهب الأخرى ]
والثقات من فقهاء(2) قومنا إذا وقفوا وكانوا علماء فيما دخلوا كانوا حجة.
مسألة
[ حكم مستحل المنكر عن علم ]
وإذا كان الراكب للمنكر مستحلاً لما ركب وكان هذا قادراً على إنكاره
__________
(1) 1- بياض في الأصل .
(2) 2- هذا المصطلح معروف في كتب الفقه فمثلاً أصحابنا أي أهل المذهب، قومنا من غير مذهبنا. (1/71)
صفحة 72
عالماً بحرمة ما استحل من دين الله أو حلال ما حرم الله بالدينونة فغير واسع له جهل ذلك بل تقوم عليه الحجة من عقله إذ ذلك مما يخالفه في دينه وأنه من المنكرات وهذا وهو أصح الأقوال وقول أنه واسع له جهله ما لم يكن عالماً بحرمة ما استحل الراكب و استحلال ما حرم من دين الله وكان ذلك من الراكب على التحليل والتحريم فالحكم فيه واحد والجاهل فيه كالجاهل للحدث المحرم والقول فيه واحد(1) .
النهج الرابع
في الأصول في النكاح(2)
مسألة
[ حكم نكاح نساء الآباء ]
قال الله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد
سلف } (3) وما قد سلف فهو حرام أيضاً أي لا تنكحوا ما نكح آباءكم ولا
ما ينكحوا في المستأنف وقوله تعالى قد عفى عنهم ما قد سلف والأول هو الأرجح لأن الخطاب في المستأنف من نكاحهم.
مسألة
[ تحريم الأمهات ]
ثم قال تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } (4)فأجمع العلماء أن
الأم(5) وأمهاتها ما كن وعلون حرام كحرمة الأم.
مسألة
[ تحريم البنات ]
ثم قال : { وبناتكم } فكذلك البنات وبنات البنات(6) وبنات البنين ما
كانوا وتناسلوا حرام إجماعاً من المسلمين.
مسألة
[ تحريم الأخوات ]
ثم قال : { وأخواتكم } فجميع الأخوات(7) من قبل الأب والأم ومن
قبل الأب وحده ومن قبل الأم فجميع ذلك حرام.
مسألة
__________
(1) 3- حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ارجع إلى كتاب الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر د. محمد عبد القادر أبو فارس.
(2) 1- النكاح في اللغة : الضم والتداخل. يقال: تناكحت الأشجار، إذا دخل بعضه
في بعض.
اصطلاحاً : 1- حقيقة في العقد مجاز الوطء - عند الشافعية والمالكية.
2- حقيقة في الوطء مجاز في العقد عند الحنفية.
(3) 2- سورة النساء آية 22 .
(4) 3- سورة النساء آية 23 .
(5) 1- الأم : كل أنثى لها عليك ولادة.
(6) 2- البنت : كل أنثى لك عليها ولادة.
(7) 3- الأخت : كل أنثى لأبيك عليها ولادة. شقيقه أو لأب أو لأم. (1/72)
صفحة 73
[ تحريم العمات والخالات ]
ثم قال : { وعماتكم(1) وخالاتكم(2) } (3) فمن أين كن فهو حرام
وكذلك عمات الآباء وعمات الأمهات وخالات الآباء وخالات الأمهات كلهن بمنزلة العمات والخالات في التحريم.
مسألة
[ تحريم بنات الأخ وبنات الأخت ]
ثم قال: { وبنات الأخ(4) وبنات الأخت(5) } وما تناسلوا فكلهم حرام
نكاحهم إجماعاً.
مسألة
[ تحريم الأم من الرضاعة ]
ثم قال: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم(6) } فهي حرام بالنكاح وأمهاتها أمهاتك ما كن وعلون.
مسألة
[ تحريم الأخت من الرضاعة ]
ثم قال : { وأخواتكم من الرضاعة } (7) فهن حرام لاحق بحكم
الأخوات من النسب لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «يحرم من الرضاع ما يحرم من
النسب»(8) وقد أجمعوا أنه ما هو وافق الكتاب.
مسألة
[ تحريم النساء بالمصاهرة ]
الدليل على تحريم سائر ذوات الرضاع لشبهه بالمحرمات بالنسب وإن كان الكتاب ورد في الأمهات والأخوات من الرضاعة إذا ما شابه الشيء حكم
عليه بحكمه وإن لم يرد له ذلك ذكر ومثله في الأصهار ثم قال :
{ وأمهات نساءكم(9) } فإذا نكح الابنة ورضيت به بعلاً حرمت عليه
أمهاتها ما علون من النسب والرضاع ولو لم يجز(10) .
مسألة
[ تحريم الربيبة ]
ثم قال : { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم
بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } (11) فكان على شرط
__________
(1) 4- أخت أبيك : سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
(2) 5- الخالة : أخت أمك سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
(3) 6- الآيات جميعها من سورة النساء آية 23 .
(4) 1- هي كل أنثى لأخيك عليها ولادة مباشرة.
(5) 2- هي كل أنثى لأختك عليها ولادة مباشرة.
(6) 3- الرضاعة : وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر لتحريمهم بالسعوط والحقنة.
أو هو مص الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص.
(7) 4- الآيات من سورة النساء آية 23 .
(8) 5- سبق ذكره وتخريجه.
(9) 1- أم الزوجة.
(10) 2- تحريم الأمهات بالعقد وقبل الدخول.
(11) 3- سورة النساء آية 23 . (1/73)
صفحة 74
بعد الدخول.
مسألة
[ شروط التحريم ]
فإن قيل : إن الله تعالى أوقع الشرط على الربائب اللواتي في الحجور وما خرجن من الحجور فخارجاً من الشرط قلنا لأن الشرط لم يقع إلا على
الربائب اللواتي في الحجور خاصة وإنما خاطب اللّه بذلك على ما يستدل به
من أغلب الأحوال وأغلب الأحوال أن الربيبة تكون في بيت عمها وفي
حجره وقد تكون في غير الحجور.
مسألة
[ تحريم زوجات الأبناء ]
ثم قال : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } (1) فهذا ليس بخاص
في حلائل الأبناء من الأصلاب ولكن رداً من الله تعالى لقوله من عاب
النبي - صلى الله عليه وسلم - ترويج امرأة زيد وهو يدعا بابنه لعظم منزلته عنده ليس هو ابنه من صلبه فبين الله تعالى ذلك بقوله : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلك
قولكم بأفواهكم والله يقول الحق } (2).
مسألة
[ تمييز الأبناء من الأدعياء ]
ولم يكن استثناءه هذا في الأزواج والأبناء من الأصلاب موضعاً للإباحة
النساء(3) الأبناء من الرضاع وإنما كان نفياً منه للزوم الأبناء من الأدعياءً.
مسألة
[ إجمال المحرمات ]
فإذا كانت الابنة من الرضاع لاحقة في التحريم بالابنت(4) من النسب
فكذلك زوجة الابن من الرضاع محرمة كتحريم زوجة الابن من الرضاع والنسب إذا تزوجها ابنه من الرضاع أو النسب فرضيت به زوجاً ولو لم يباشر فقد حرمت على أبيه من الرضاع أو النسب إذا تزوجها ابنه من النسب والرضاع في المحرمات وفي الاسم وعلى أبيه وأجداده لأنها مبهمة.
مسألة
[ تحريم زوجات الآباء بالعقد ]
وكذلك قول الله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء } (5)
__________
(1) 1- سورة النساء آية 23 .
(2) 2- سورة الأحزاب آية 4 . أنهت الآية الكريمة حكم التبني، وأن المتبنى ليس له
حقوق الولد الصُّلْبي. من وجوب النفقة والحرمة وما إلى ذلك من أحكام.
(3) 3- الصحيح : موضعاً لإباحة نساء الأبناء من الرضاع.
(4) 1- والصحيح : بالابنة من النسب.
(5) 2- سورة النساء آية . (1/74)
صفحة 75
فإذا تزوج الأب امرأة جاز أو لم يجز فقد حرمت على بنيه من
الرضاع والنسب وعلى بني بنيه وبني بناته وما تناسلوا فالنكاح هو عقد
التزويج ورضى المرأة.
مسألة
[ وجوب الميراث بين الزوجين بمجرد العقد ]
وقد أجمع أهل القبلة أنه إذا تزوج الرجل المرأة ورضيت به زوجاً
تزويجاً جائزاً ثم مات أو ماتت فبينهما الميراث وقال الله تعالى: { ولكم نصف
ما ترك أزواجكم } (1) .
مسألة
[ عدم وجوب العدة على غير المدخول بها ]
وقد أجمعوا أن من عقد نكاحاً على امرأة ثم طلقها قبل المباشرة أن لا
عدة عليها منه بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } (2)
فصح أن النكاح هو العقد فقط ولو لم يباشر(3) .
مسألة
[ تحريم الجمع بين الأختين ]
ثم قال: { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } (4) يعني أن تجمعوا
في النكاح بين الأختين على نسق قوله: { ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء } (5) وقوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } (6) .
مسألة
[ شرح ما قد سلف ]
فإن قيل : فما الحجة في قوله تعالى: { إلا ما قد سلف } تكون بمعنى وما
قلنا لو أن أو إن نزول الآية بعل جامع بين الأختين لفرق بينهم إجماعاً ولا
يجوز هذا بعد نزول الحكم في الحرام المؤيد وقد تقوم لا مقام وما قال الله
تعالى: { لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } (7) ومن ظلم أيضاً.
مسألة
[ تعريف المحصنات ]
ثم قال : { والمحصنات من النساء } (8) يعني هن حرام عليكم
والمحصنات(9)
__________
(1) 1- سورة النساء آية 12 .
(2) 2- سورة الأحزاب آية 49 .
(3) 3- يتفق المؤلف مع المالكية والشافعية في تعريف النكاح .
(4) 4- سورة النساء آية 23 .
(5) 5- سورة النساء آية 22 .
(6) 6- سورة النساء آية 3 .
(7) 1- سورة النساء آية 148 .
(8) 2- سورة النساء آية 24 .
(9) 3- المحصنة لها معان متعددة :
أ- المتزوجة، كما في الآية.
ب- الحرة : قال تعالى : { والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب } المائدة 5.
ج - الإسلام : لقوله تعالى : { فإذا أحصن } النساء 170 .
د - العفة عن الزنا : لقوله تعالى : { محصنين غير مسافحين } النساء آية 24 . (1/75)
صفحة 76
هن من ذوات الأزواج فكل امرأة ذات بعل فحرام سواه لها بالنكاح أو بالملك أو النص وحرام على سيد القينة سر سيدها وهي ذات بعل.
مسألة
[ حكم ملك اليمين ]
فإن قيل وما معنى قوله تعالى: { فمن ما ملكت أيمانكم } (1) فهذا عموم
قلنا وما ملكت أيمانكم من ذوات البعول كقوله : { إلا ما قد سلف } (2)
فزالا { إلا من ظلم } (3) فهذا تأويل صحيح إجماعاً من أهل القبلة على
تحريم وطئ ذوات البعولة من الإماء على ساداتهن بالملك كذلك نكاح
ذوات البعولة من الحرائر.
مسألة
[ يحرم من الملك ما يحرم من النكاح في النسب ]
ويحرم من النكاح بالمك ما يحرم من النكاح في النسب والصهر
والرضاع والجمع بين الأختين ذوات البعولة فهذا كله حرام وأحل لكم ما ملكت أيمانكم بالمك ولو لم يكن نكاح إذا كن ذوات بعولة إجماعاً.
مسألة
[ نكاح المسبية ]
وقد اجتمع المسلمون أنها إذا سبيت مشركة وصارت ملكاً للمسلم
حلال له نكاحها بعد أن تعتد ولو كانت تحت بعل في الشرك لأن العصمة
قد انقطعت بينها وبين زوجها فلذلك صار نكاحها بملك اليمين للمسلم وذلك بعد إسلامها.
مسألة
[ عدم جواز الجمع بين الأختين ]
ولا يحل الجمع بين النساء من ذوات المحارم من النسب والرضاع لمعنى
تحريم الجمع بين الأختين ولمعنى تحريم أمهات نسائكم وربائبكم فلما صح
هذا حجر الجمع بين ذوات المحارم كما لا يجوز تزويجهن بالدلالة
من الكتاب على الشبهة.
مسألة
[ تجاوز الحد يوجب العقوبة ]
ثم قال الله تعالى: { وأحل لكم ما وارء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } (4)
والإحصان هو التزويج بما أحله الله مما عدا ما حجره بالملك والنكاح وأما السفاح فما عدا النكاح والملك باليمين والنكاح مما حله الله وهو الزنى وقد توعد الله عليه الحد في الدنيا والوعيد في العقبى.
مسألة
[ تحريم الهبة في النكاح ]
__________
(1) 1- سورة النساء آية 25 .
(2) 2- سورة النساء آية 23 .
(3) 3- سورة النساء آية 148 .
(4) 1- سورة النساء آية 24 . (1/76)
صفحة 77
وقد حرم الله الهبة للفروج من الحرائر إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - في امرأة واحدة لا
نعلم غيرها وإنما كان ينكح بالولي والشهود والصداق.
مسألة
[ أهمية الولي في الزواج ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في
أزواجهم } (1) قلنا هي أن الفريضة إذن الولي في التزويج أو تزويجه بنفسه بحضرة الشهود والزوج أو من ينوب منابه أو من يتزوج عليه ويقبل ذلك له ولا فريضة للمرأة من الصداق وأقل الشهود شاهدين ذواي إقرار وأقله في ذلك رجلان أو رجل وامرأتان على الأصح.
مسألة
[ رضى المرأة في النكاح ]
ولا ينعقد النكاح إلا برضى المرأة الحرة البالغة بعد إيقاع العقد عليها على الأصح وقبله ففيه الاختلاف إذا غيرته بعد العقد ولم تثبته.
مسألة
[ لا بد من شاهدين معاً ]
ولا يجوز التزويج بشاهدين واحد بعد واحد حتى يجتمعا مع العقد
وقال بعض المسلمين جائز ما لم يجز شهادة الواحد.
مسألة
[ الأربع اللواتي يجوز بهن الزوج ]
والأربع اللواتي لا يجوز التزويج إلا بهن تزويج من ولي أو عن إذنه أو
متزوج أو بإذنه واللفظ ينعقد به التزويج وحضرة الشاهدين على الاجتماع
لا على الأرجح وعلى الانفراد على الاختلاف ولا يجوز هبة الفرج نفسه ولا مملوكة.
وأما إذا صار له ملك المملوكة بوجه يصح به الملك وكانت خارجة من جملة ما حرم الله عليه نكاحه من النساء فحلال له نكاحها بعد الاستبراء لفرجها بما يجب عليه من الاسبتراء إجماعاً.
مسألة
[ النكاح بعوض ]
وما صح إيقاع النكاح على غير عوض فلا تثبت أحكامه إلا ثبوت
العوض فإن طلق قبل الجواز وجب عليه العوض بالمتعة وإن وطئ قبل
الاتفاق على الفريضة تثبت عليه العوض في الإجماع وإن واختلفوا فيما
يثبت من العوض.
مسألة
[ ثبوت العوض بالميراث ]
وأما إذا مات ثبت العوض بالميراث في الإجماع واختلفوا في العوض
بعد الميراث وإن ماتت هي فلا عوض لورثتها وللزوج الميراث إجماعاً.
__________
(1) 1- سورة الأحزاب آية 50 . (1/77)
صفحة 78
مسألة
[ استباحة الفروج بكلمة الله ]
وجاء الأثر المجتمع عليه أن الفروج مباحة مطلقة بالنكاح الحلال والملك
الثابت ما لم يعلم الراكب لها حرمتها بوجه مما حرمه الله في كتابه أو من إجماع المسلمين لأن الله تعالى حرم ما حرم وأحل ما أحل بالصفة من
النسب أو الرضاع أو الصهر وذوات البعولة.
مسألة
[ تفسير وأحل لكم ما وراء ذلكم ]
ثم قال: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } (1) بالنكاح والملك لا بسواهما
من زنا وسفاح وغصب ولا يجوز ذلك في محظور ولا مطلق بالنكاح والملك أبداً والمرتكب للمحرم بالملك والنكاح بالزنا والسفاح مرتكب للحجرين محرمين لأنه ركب محظوراً بغير نكاح ولا ملك على العمد والعلم.
مسألة
[ الزنى بالمحارم ]
والزاني بذات محرم على العمد والعلم فحده غرب الحسام اللهذم(2) ولو
جهل ما يلزمه في ذلك إجماعاً محصناً كان أو بكراً.
مسألة
[ عدم جواز نكاح ذات محرم ]
وكذلك لا يجوز تزويج ذات محرم منه مما يجتمع عليه فإن فعل وجاز
بعد علمه بأنها ذات محرم منه من صهر أو نسب أو رضاع جهل الحرمة أو علمها إذا عرف الأصل فوطأ فحده القتل إجماعاً.
مسألة
[ حكمه إذا لم يباشر ]
وإن لم يباشر ولا مس الإست ولا نظر إليه فبنفس العقل يكن ظالماً هالكاً وعليه التوبة على إقدامه لما هو محجور عليه ارتكابه فإذا علم الزوج والعاقد والشاهد والمرأة بأصل ذلك فركبوه بعلمهم بأصله هلكوا معاً ولو لم يدخل
بها إذا رضيت بعلاً.
مسألة
[ لا يعذر الجاهل بالجهل بالعقد ]
فلما أن كان العقد لا يحل في دين الله على ذات محرم جهل العاقد
__________
(1) 1- سورة النساء آية 24 .
(2) 2- عقوبته القتل عموماً، أعزب أم محصن. لأن هنا عقوبة تعزيرية وليست فقط
حدية. فالزنى عقوبته حدية، والمحارم تعزيرية. (1/78)
صفحة 79
الحرمة أو علمها فالجاهل والعالم إذا عرفوا الأصل سيان فكل ذلك جائز بائر والعالم أشد وأعظم حرمة وإثماً إذا ركب الجوب بعلم(1) .
مسألة
[ عدم معرفة أصل النسب ]
وإن غاب عنه أصل النسب الذي يحرم به النكاح من زوج أو مزوج أو
زوجة أو شهود فدخلوا في عقد صحيح في دين الله فيما ظهر لهم أو جهل ذلك بعض الداخلين وعلم بعض فلا يضر من جهل علم العالم وكل
مسؤول عن علمه وهالك بجهله لما لا يسعه جهله.
مسألة
[ اختلاف الظاهر عن الحقيقة ]
وكل راكب مباحاً في الظاهر وعزب عليه علمه أنه حلال أصلاً فوافق
حلالاً لموضع ما غاب عنه من علم ما تجب به الحرمة فهو سالم محق لأنه
وافق المباح لأن علم ذلك مما يسعه جهله ما لم يركبه بعد علمه بالأصل
الذي يجب به التحريم أو يبرأوا من العلماء فإذا برؤا من راكبه أو يقف عنهم برأي أو بدين فإذا فعل أحد ذلك هلك ووجب عليه السؤال وكان كل من عبر له علم ذلك حجة عليه.
مسألة
[ من لم تبلغه الحجة من المسلمين ]
وما لم يقف على الأصل ذلك ولم تبلغه الحجة به من علماء المسلمين
الذين تقوم بهم الحجة فيما يسعه جهله فلا دينونة عليه في السؤال عن شيء
من ذلك مجملاً ومفسراً إلا ما يلزمه الدينونة بالسؤال عنه من أمر دينه
فيعتقد السؤال في جملته من جميع ما يلزمه السؤال عنه كما كان إقراره
بالجملة إقرار الجميع دين الله وكما كان إن علمه بما يلزمه في الجملة علماً
منه بجميع دين الله ما لم يلزمه الانتهاء أو فعل لشيء بعينه فيضيعه فهالك
بخصة السؤال عنه بعينه ديناً.
مسألة
[ من جمع بين المحارم دون علم ]
ولو رأى مثل محمد بن محبوب أو موسى بن علي رحمهما الله رجلاً
__________
(1) 1- لا يعذر الجاهل في دار الإسلام بالجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة إلا
في حالات معينة ذكرها العلماء مثل إسلام جديد، أو مجنون فأفاق أو منقطع في
صحراء لا عامر حوله ولا يعرف شيء . (1/79)
صفحة 80
جمع بين امرأة وأمها أو ابنتها بعقدة واحدة وأقام عندهن وهو لا يتولاه أو وقف عنه لم تسعه البراءة منه ولا الوقوف عنه على ذلك حتى يعلم أنه عالم بنسبهن.
مسألة
[ البراءة من جمع بين المحارم ]
فإذا علم أنه عالم بالنسب الذي تقع به الحرمة في ذلك فهنالك قد لزمته
البراءة منه(1) كان له من قبل عنده ولاية أصلاً.
مسألة
[ المتبرئ بغير حجة ]
ولو أن موسى بن علي ومحمد بن محبوب رحمهما الله تعالى حين
عاين راكباً ولكن بريا منه أنه مرتكب لما حرمه الله عليه في علمه كانا قد
ارتكبا كبيرة ولو كان الراكب في علم الله أنه تعمد لركوب محجور لكان الراكب هالكاً على الإقدام على ما لا يحل له والمتبري منه هالكاً إذا تبرأ منه بغير حجة وكذلك إن وقف عنه.
مسألة
[ من جمع بين المرأة وابنتها دون علم ]
ولو أن موسى بن علي ومحمد بن محبوب لما عاينا ذلك من راكبه أعلمه
أنه جامع بين امرأة وابنتها فلم يصدق فيما رفع له وأقام على نكاحهن وهو
ممن يعلم منزلة موسى بن علي ومحمد بن محبوب إلا أنه لم يلتزم الحجة
بشهادة عدل واحد ما جاز له ولا لأحد أن يقف عن ولايته ولا يبرأ منه وإن فعل ذلك بدين هلك.
مسألة
[ عدد الشهود الذي يثبت بهم الحكم ]
وأما إن اعترف بعلمه الأصل وجهل الحكم فيه فهنالك تجب البراءة منه
من صح معه إقراره وإنما تقوم الحجة في مثل هذا بشهادة عدلين من
المسلمين ولو كانا في المنزلة دون محمد وموسى.
مسألة
[ حكم من وطء أمه أو أخته ]
ولو رآه يطأ أمّه أو أخته ولم يعلم أن ذلك نكاح أو سفاح علم بالنسب أو جهل ما جاز له أن يقف عن ولايته أو يبرأ منه حتى يعلم أنه يأتي ذلك بعلم منه بالنسب فإذ علم ذلك فقد قامت عليه الحجة بارتكابه المحجور وواسع جهل كفره ما لم يركبه أو يتول راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برؤا من راكبه برأي أو بدين في جميع المناكح.
مسألة
[ البراءة ممن يجهل حكم الزنا ]
__________
(1) 1- الصحيح : إن كان له من قبل . (1/80)
صفحة 81
ولو عاينه يباشر امرأة في الطريق أو في غير منزله واسترابه عزب عليه
علم المرأة أنها زوجته أو أمته عارف بالمرأة أو جاهل باسمها أو عينها جاز له الوقوف عنه ولا البراءة منه حتى يعلم منه أنه يأتي ذلك بغير تزويج ولا ملك فإذا صح معه علم ذلك حرمت عليه ولايته بالدين فما لم يتوله بدين أو يبرأ
من العلماء أو برؤا منه بدين أو يقف عنهم برأي أو بدين فهو سالم.
مسألة
[ جهل الزنى ]
وكذلك لو جهل الزنا ومعرفة حرمته مما يسع الناس جهله ما لم يركبوه
ويتولوا راكبه على علم منهم بأصله الذي يوقف على علم حرمته أو يبرأ من العلماء إذا برؤا من راكبه أو تقف عنهم برأي أو بدين بعد علمهم بأصله
ولو كان الزاني مرتكباً في علم اللّه محجوراً وعاين ذلك من لا يعرف
كيفية ركوبه بتزويج أو ملكاً أو بغير تزويج ما وسع العالم منه من ذلك أن يبرأ منه ولا يقف عنه بدين كان الراكب عالماً أو ضعيفاً.
مسألة
[ إتيان ذوات المحارم ]
وأما إذا علم أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك وجهل الواقف الحكم فيه فهنالك لم تسعه ولايته بدين ولا البراءة من العلماء إذا برؤا منه بذلك.
مسألة
[ علم العالم بزنى الزاني ]
وكذلك إذا كان ذلك الفرج من ذوات المحارم وصح معه أنه عالم به أنه
من ذوات محارمه لم تسعه ولايته ديناً ولو لم يعلم أنه يأتيه بغير نكاح ولا
ملك لأن النكاح هنا وعدمه سيان.
مسألة
[ حكم البراءة ]
وإذا علم العالم بزني الزاني أن يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ثم سمع
من يبري منه على ذلك من العلماء ولو لم يعلم أنهم عالمون كعلمه جاهلون
فيه أو لا يعلمون علمه هو فيه فإذا لم يعلم أنهم جاهلون بذلك منه فبرؤا منه على ذلك فليس له أن ينكر على المتبري منه تلك البراءة ولو كان وليّاً له لأنه يحتمله أنهم عالمون منه كعلمه.
مسألة
[ حكم البراءة ]
ولو برءوا منه على ذلك وهم لا يعلمون أنه يأتي ذلك بنكاح أو ملك (1/81)
صفحة 82
وليسوا هما وقد عاين منه هو ذلك وعلم أصل ما يأتي فعليه ولايتهم ولا
يقف عنهم برأي ولا بدين إذا كانوا علماء وخانوا الله إذا برؤا نه بغير علم.
مسألة
[ ما تجب به البراءة ]
وإن وقف عنهم أو برأ منهم وقد علم هو أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا
ملك ولم يعلم أيعلمون مثل علمه أصلاً فهم مأمونون على ذلك لأنه يمكن
أن يعلموا منه مثل ما علم وقد صح معه هو ما تجب به البراءة منه وقد قامت عليه الحجة بعلمه ذلك لأنه مخلوع عنده فيما يدين به ولا حجة على من
علم كعلمه.
مسألة
[ متى تجب البراءة ]
وليس له هو إذا علم أنه يأتي ذلك حراماً بغير نكاح ولا ملك أن يبرأ منه
مع علم أنه يتولاه أو ممن ادعى ولايته ممن يمكن أنه تولاه بحق فليس له أن
يبرأ منه معه ولو علم أنهم قد علموا منه ما علمه هو حتى يعلم أنهم علموا
أنه يأتي ذلك بغير حجة فهنالك يجوز له أن يبرأ منه معهم.
مسألة
[ الأصل الذي تجب به البراءة ]
فإن برأ منه على غير ما ذكرن هلك حتى يعلم أنهم قد علموا منه معاينة الركوب وعلم منه الأصل الذي تجب به البراءة.
مسألة
[ البراءة بغير حق ]
وكذلك إن علم أن المتبرين منه الواقفين على معاينة الركوب غير عالمين
بأصل الحرمة التي بها يجب الكفر لم يسعه أن يتولاهم على ذلك بدين
كانوا علماء أو ضعفاء أو جهالاً لأنهم إذا برؤا منه بوقوفهم على ارتكابه لما
لا يعلمون حجره بعلم ممن علم ذلك منه وبحرمته فقد علم أنهم أتوا
محجوراً في الأصل وكفروا ولا يسعه أن يحملهم على علمه فيما لا حجة
لهم فيه إذ قد علم أنهم انخلعوا في دين الله ببراءتهم منه بغير حق.
مسألة
[ عدم علمه بما يأتي به أنه بلا نكاح ]
وإن كان هو غير عالم بأنه يأتي ذلك بلا نكاح ولا ملك أو بهما وجهل (1/82)
صفحة 83
ذلك ثم عاين منه ذلك وعاينه معه غيره من أولياءه الذين يتولاه المعاين من العلماء والضعفاء من المسلمين أو ممن يستحق معه ولاية فعاينوه معاً وهو لا يعلم أنه يأتي ذلك حراماً فلا يجوز له البراءة على ذلك فإن برأ منه أولياءه والراكب وليّاً له أو قد علموا أنه يتولاه أو ممن تجب ولايته على أهل الدار
فعليه أن يبرأ منهم لأنهم حكموا فيه بغير حجة ولأنهم أتوا محجوراً في
الظاهر الأمر مع من يتولاه.
مسألة
[ الشهادة بعد البراءة ]
ولو شهدوا عليه بعد أن برئ وهم مائة ألف أو يزيدون أنه أتى ذلك غير
محق ما جاز له قبول شهادتهم إذ هم مع من يتولاه قد انخلعوا ولو كانوا
في علم الله من الصادقين لكانوا في دين الله من الفاسقين لأنهم حكموا لأنفسهم بدعواهم بغير حجة لأنه مؤتمن عليه.
مسألة
[ إكراه المرأة ]
وأما إن عاين ذلك منه على وجه المكابرة والقسر للفرج على المرأة وهي
تنكر عليه وتمتنع منه وتدعي عليه أنه يأتي ذلك بغير حجة وعزب عليه هو
علم صدقها من عينها فقد قامت عليه الحجة بإظهار النكير منها عليه إذا
كانت مما لها النكير.
مسألة
[ إذا لم يعلم كذب المدعي من صدقه ]
فإذا كان لم يعلم كذب المدعي من صدقه ولم يوضح وليه على ذلك
حجة أو بينة بعد قيام الحجة عليه من المرأة فقد أتى محجوراً وعليه البراءة
منه حتى يوضح له عذراً يخرجه من البراءة.
مسألة
[ عدم عودته إلى ما أنكر عليه ]
فإن انتهى بعد قيامها بالحجة عليه ولم يعد إلى ما حظر عليه إلا ما سبق
قبل النكير عليه فلا يكفر عنه من عاينه.
مسألة
[ المانعة دون الادعاء ]
وأما إن مانعته ودافعته ولم تنكر عليه ولم تدعي أنه غير محق في مكابرته
لها لم تقم عليه بذلك الحجة لأنه يحتمل أن تمنعه حقه من زوجة أو جارية.
مسألة
[ ادعى أنها زوجته وأنكرت ]
وإذا ادعى أنها عرسه أو قينته وأنكرت واقتسرها فباشر ولم تطلب منه (1/83)
صفحة 84
الحجة ممن حضرها ممن تقوم به الحجة كان محجوجاً وباشر محجوراً وما كان يدعي دعوى يحتمل الحق والباطل من زوجة أو ملك فلا تصح منه البراءة على الإجماع وإنما تحتمل ولايته والبراءة والوقوف عنه إذ مجهول أمره.
وأما إذا قامت عليه الحجة وامتنع عن الإفاءة لما يجب عليه مع القائمين عليه بالحجة ولو قامت عليه الحجة من ذي الكتابيين أو من موحد هلك في حكم الظاهر وإن كان في سريرته محقّاً.
مسألة
[ إذا قامت عليه الحجة من قاصر ]
وإن قامت عليه الحجة من غير متعبد من صبي أو ذي جنة أو غيرهما ولم
تقم عليه الحجة من إنكار المرأة لم يكن محجوجاً ولا هالكاً في الظاهر
وكان على حالته الأولى معنا من ولاية أو براءة أو وقوف.
مسألة
[ إن احتمل الأمر فاختلف في البراءة ]
وإذا ركب محجوراً في الظاهر مما لا يكون فيه مؤتمناً ويكون محجوجاً
في أصل ما ارتكب واحتمل صدقه وكذبه لحقه الاختلاف من الولاية والبراءة أو وقوف بمنزلة القتل المحجور والأموال المحجورة للتي يحتمل فيها الحق والباطل.
مسألة
[ ادعت القسر وادعى المطاوعة ]
وإذا رآه يباشر فرجاً من امرأة طوعاً حين المباشرة ثم ادعت القسر منه بعد
ذلك كانت مدعية للاقتسار بعد المطاوعة في حكم الظاهر ولا يلحق لها
حكم الصداق مع المعاين منه ذلك.
مسألة
[ الوطء بالإكراه ]
فإن وطأها بعد أن أنكرت عليه هلك بالوطء المستأنف لا الأول ولو كان
عند الله من الصادقين.
فصل في القذف(1) :
مسألة
[ حكم القاذف ]
__________
(1) 1- القذف : في اللغة الرمي. قال تعالى : { قل إن ربي يقذف بالحق علام
الغيوب } سورة سبأ آية 48. وقال : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه }
الأنبياء آية 18.
والقذف بمعنى القيء. وقذف المحصنات : سبها.
في الشرع : نسبة آدمي مكلف غيره حراً عفيفاً مسلماً بالغاً أو صغيرة تطيق
الوطء بالزنا أو قطع نسب مسلم. الحدود لابن عرفة ص 497 .
أو نسبة من أحصن إلى الزنا صريحاً أو دلالة» البناية على الهداية 5/674. (1/84)
صفحة 85
ومن قذف بالغاً من الرجال والنساء بالزنى كفر بذلك ولم يكن المقذوف
وليّاً فالقذف لأهل القبلة من أهل القبلة محجور حراماً إجماعاً ومن قذف
بالغاً محصناً حراً من أهل القبلة هلك مع من قدفه معه إلا العالم فيه كعلمه.
مسألة
[ قذف العبيد ]
وأما قذف العبيد من أهل الإقرار مع ذوي الإقرار فمختلف فيه قول أنه
يبرأ منه فوراً وقول حتى يستتاب فإن تاب وإلا برء منه.
مسألة
[ قذف موحد مجهول ]
ومن قذف موحداً مجهولاً بمكفرة غير الزنا مما يمكن صدقه وأفتوه في
ذلك ولا يعلم القاذف معه صدقه من كذبه فقول أن ذلك من الصغائر ويستتاب منه فإن تاب وإلا برئ منه لأنه أقدم على البراءة ممن لم يصح مع القاذف كفره ومعه محجور عليه الإطلاق بالبراءة منه ولا القذف مع من
لم يصح كفره معه أعني مع المتبرئ منه والقاذف له بالكفر وإنما تطلق البراءة والقذف مع من علم كعلمه في المقذوف.
مسألة
[ حكم ولاية المقذوف ]
وإذا لم تجب ولاية المقذوف على أرباب الدار في حينه ذلك كافة ولا
يسع جهل ولايته في ذلك الموضع الذي قذفه فيه أو برئ منه فلا تبعة على القاذف والمتبرئ إلا أن يعلم القاذف والمتبرئ أن الذي يبرأ منه معه أو يقذفه يتولى المقذوف والمتبرئ منه فإذا علم ذلك هلك.
وليس لمن سمعه من الجاهلين لذلك أن يتولوه إذا سمعه يقذف وليه
بالكفر أو يبرؤا منه وقد تولاه محقاً إذا علم ما يجب به كفر القاذف وهو يكون محكوماً على أهل الدار بولاية المقذوف في ذلك أو يعلم أنه يتولاه
ولم يكن محكوماً على أهل الدار بولاية المقذوف أو المتبرئ منه.
مسألة
[ في القذف ]
فإذا وقف الجاهل على أصل ما يكفر به القاذف من الأحكام للتي بها
يهلك القاذف في الإسلام لم يتسع الجاهل ولايته وكان هالكاً في علانيته
وإن كان محقاً في سريرته.
مسألة
[ من خلع الإسلام من رقبته ]
وكل من نزل منزلة ينخلع بها عن الإسلام في دين الله الظاهر فهو عند (1/85)
صفحة 86
الله في دينه كافر في حكم العلانية والسرائر ولا يكون كافر العلانية مؤمن السريرة ولا كاذب العلانية صادق السريرة هذا من المحال.
مسألة
[ أحكام التعبد ثابتة لجميع الأحوال ]
وسيان جهل ذلك من وجب عليه التعبد به فأحكام الله لا تتبدل بجهل
الجاهل ولا بعلم العالم وإذا حرمت على الجاهل ولاية المحدث بوجه فقد
هلك المحدث.
مسألة
[ متولي القاذف ]
والقاذف من المسلمين ذوي الولاية القائمين بما يدينون ولو كانوا
مخالفين في غير ذلك من الحق في سرائرهم مع من يتولاهم بوجه حق
محجوج والمتولى بالبراءة من بري وليه ذلك معه المتبري من ولي مع من
يتولاه ولو كان المتولي له فاسقاً ينتهك ما يدين بتحريمه.
مسألة
[ إذا كان المتولي مرجي أو رافضي ]
ولو كان المتولي مرجيا(1) أو رافضيا(2) وكان قد تولى محق في الظاهر
بوجه يسعه في دين الله ولايته والقاذف لوليّه ذلك على هذه الصفة من أهل النفاق ولو كان في علم الله في دعواه من الصادقين.
مسألة
[ المتولي لآخر بالجهل ]
وإذا علم القاذف والمتبرئ من هذا الذي يتولاه هذا المتولي أنه تولاه بغير
حق بعلم أو بجهل بدين أو برأي فلا حجة لمبطل وليست تلك ولاية وعلى المتولي لذلك المتولى التوبة من ولايته تلك وإذا قذف العبد من أهل الإقرار
من ذوي الإقرار ففيه الاختلاف قول يبرئ منه من جنسه وقول يستتاب فإن تاب وإلا برئ منه.
مسألة
[ قذف الحر أو العبد ]
وإذا قذف الحر أو العبد الحر أو العبد من أهل الولاية بالزنا هلك مع من
__________
(1) 1- مرجي : نسبة إلى المرجئة. وهم الذين يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب.
(2) 2- رافضي : هي فرقة من الشيعة سميت بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي بن
الحسن بن علي رضي الله عنهم لما سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما فأثنى عليهما خيراً وقال : ما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيراً وقد كانا
وزيري جدي. فلما انصرفوا عنه، لذلك قال لهم : رفضتموني، فأطلق عليه
من ذلك الوقت اسم الرافضة. (1/86)
صفحة 87
يتولاه إجماعاً إذا اتضحت له ولايته أو كانت واجبة على أهل الدار في حينه.
مسألة
[ الحر أو العبد بقذف الحر أو العبد الكافر ]
وإذا قذف العبد والحر من أهل الإقرار العبد أو الحر من أهل الشرك فقيل:
يبرأ من حينه، قيل: يستتاب فإن تاب وإلا برئ منه وأرضى أهل الإقرار هم أهل الإقرار حتى يتضح من أحد منهم الإنكار ويحل قذفهم والقاذف لهم
مع نفسه من أهل الدار مخطئ وعليه التوبة منه بعينه.
وأما إذا سمع من يقذفه ولا يعرف أهو موحد أم جاحد أم حرّ أم ذوا رق
فلا يحكم عليه بحكم الكفار حتى يتضح له علمه لاحتمال المقذوف أن
يكون ذا رق أو نصرانياً أو يهودياً أو سائر ملل أهل الشرك ولا يحكم على غيره في مثله كما يحكم على نفسه من الكفر إذا احتمل له مخرج حتى
يصح اضطراره ويدخل في مجتمع عليه.
مسألة
[ قذف الصبيان من أهل الولاية ]
وإذا قذف الصبيان من أولاد أهل الولاية كفر فوراً إذا اتضح له علم ذلك
أو كانت ولاية آباءهم واجبة على أرباب أهل الدار كان الصبي حراً أو عبداً
إذا وجبت ولايته من قبل أبيه وأما أمه ففي ذلك اختلاف فقول : تثبت
ولايته بولاية أمه كما ثبتت بولاية أبيه وقول لا تثبت ولايته بولاية أمه ولا يحمل حكم المختلف فيه على حكم المجتمع عليه وولاية الصبي بولاية أبيه
مجتمع عليها.
مسألة
[ من قذف صبياً بالزنا ]
وأما قاذف الصبي بالزنا إذا لم يكن له ولاية من قبل أبيه وكان من أولاد
أهل الإقرار ففيه اختلاف قول أنه يكفر بذلك من حينه لأنه كاذب لا محالة وقول حتى يصبر على ذلك والأول أصح.
مسألة
[ قذف أهل الإقرار ]
وأما قذف أهل الإقرار بالزنا مع العبيد من أهل الإقرار ومع الأحرار
البالغين من أهل الإقرار مما لا يعلم المقذوف معه كعلم القاذف ولو كان
صادقاً في سريرته فإنه بذلك كاذب مخلوع في العلانية حتى يتوب.
مسألة
[ ولاية المتولي للمتولى تحتمل الحق ]
وإذا كانت ولاية المتولي للمتولى تحتمل الحق فعلم بذلك المتبرئ (1/87)
صفحة 88
والقاذف أو ادعى ذلك المتولي مع المتبرئ أو القاذف فالحجة حجة المتولي والقول قوله والقاذف والمتبرئ محجوج مخلوع.
مسألة
[ المتولي للمتولى بغير حق ]
إلا أن يصح مع المتبري والقاذف أن المتولي هالك بولاية المتولى أو متولياً
له بغير حق على ما يجوز منه البراءة فالولاية باطلة فبرئ منه ولم يقذفه
بالكفر بعلم من المتولي من ركوب المحدث لذلك الحدث فإذا علم ذلك لم
يكن للمتولي حجة عليه فيما بينه وبين الله.
مسألة
[ الإقرار حجة ]
وكلما كان فيه أهل الإسلام من أهل العدل كان فيه جميع من يدين
بالإقرار حجة.
مسألة
[ عدم اختلاف الأحكام باختلاف الأحوال ]
وكلما كان فيه أهل الخلاف من أهل الإقرار مدعين في الأحكام فأهل
العدل في ذلك مثلهم من جميع أهل الإسلام وكذلك الشهادة فالمدع مدع والحاكم حاكم والشاهد شاهد من جميع الخلق ولا تختلف الأحكام في
دين أهل الإسلام.
مسألة
[ المدعي لا يحكم لنفسه ]
فإذا لم يكن للمتولي مخرج من مخارج الحق وكان دعواه في الأحكام
باطلاً كان محجوجاً ولا حجة له فيما ادعاه لأن من نزل منزلة المدعي
فليس له أن يحكم لنفسه فيما ادعاه على المدعى عليه.
مسألة
[ لا يضر جهل جاهل ولا يتبدل الحكم لعلم عالم ]
فإذا نزل المحدث منزلة لا يختلف في كفره مع من نزل عنده من
المتعبدين فهو في دين الله محدث ولو جهل الجاهل منزلة ما به كفر
من المقربين بحجز ذلك كله فلا يضر جهل الجاهل ولا يتبدل حكم
لعلم عالم.
مسألة
[ لا تختلف الحجج لاختلاف الأحوال ]
ومن كان في شيء حجة فهو في دين الله حجة كان عالماً أو جاهلاً
مؤمناً أو كافراً ومثله الشاهد فلا تتحول لحجج الله لتتحول عباده ولو كان ذلك كذلك لفسدت الأرض ولا اختلفت الأحكام.
مسألة
[ قذف أهل الذمة ]
وأما إذا كان القذف مع أهل الذمة من لا يدين بتحريم ذلك أو مع من لم
يتعبد كالصبيان وذوي الجنة(1) وكان القاذف صادقاً في سريرته فلا يكفر
__________
(1) 1- الصحيح - الحنة - أي العداوة . (1/88)
صفحة 89
بذلك ولا ينزل منزلة يتخلع بها عن الإسلام مع المحرمين لذلك ولا هو
كاذب فيكفره كذبه وإنما يكفر بالقذف معنا مع من يدين بتحريمه من أهل الإقرار ولو لم يكن المقذوف عنده يعلم حرمته إلا أنه يدين بتحريمه.
النهج الخامس
في أسماء الله الحسنى(1)
مسألة
[ من أين أخذ اسم الله ]
يقال إن اسم الله مأخوذ من السمو والرفعة وقالت المعتزلة إنه مشتق
من السمة وهي العلامة فالاسم صفة الشيء والصفة ظهوره والاسم للنطق والصفة للنظر والاسم للسان والصفة للنفس.
مسألة
[ الاسم عبارة عن صفة الله ]
عن أبي محمد قال الاسم عبارة عن صفة الله وهو من المتكلم أنه
محدث وكذلك صفة الواصف وهي محدثة المعني بصفته هو الموصوف
وهي لم يزل وهو الله وصفاته الذاتية فعلية والاسم والصفة إنما هو عبارة عن ذكر المسمّى والموصوف.
مسألة
[ أقسام أسماء الله الحسنى ]
فمن أسماء الله تعالى ما هي أسماء ليست بصفات ومنها صفات ليست
بأسماء ومنها ما هي أسماء وصفات فاللاتي أسماء مخصصة لله الرحمن
فهذان مخصوصان لله تعالى واللاتي صفات ليست اسماً فخالق وبارئ
ومصور وما شاء كل هذا واللاتي تجمع الأمرين الرحيم القدير وما
تشابههما مما خرج عن الفصلين المتقدم ذكرهما .
مسألة
[ أسماء الله على ثلاثة أقسام ]
فأسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام فمن أسمائه ما يقال هي هو وهي
__________
(1) 1- أسماء الله الحسنى : وردت آيات في أسماء الله الحسنى منها :
1- ما جاء في سورة الأعراف : قال تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه
بها... } 180 .
2- ما جاء في سورة الإسراء آية 110 . قال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا
الرحمن أيامَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى } .
3- ما جاء في سورة طه آية 8 { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } .
4- ما جاء في سورة الحشر آية 24 { هو الله الخالق البادئ المصور له الأسماء
الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } . (1/89)
صفحة 90
كلمات دلت التسمية به على وجوده ومن أسمائه ما يقال أنها غيره وهي كلمات دلت التسمية على فعل كالخالق والرازق ومنها ما لا يقال هي هو ولا هي غيره وهي كلمات دلت التسمية به على صفة قديمة كالعالم والقادر.
مسألة
[ الخلاف في أسماء الله ]
فإن قيل : إن أسماء الله تعالى قديمة أم محدثة قال الشيخ أبو محمد
أنها محدثة فإن قيل أكان الله والاسم له قال فإن عنيت موجودا أحدث
الأسماء فنعم وإن عنيت بأنه تعالى كان الاسم فلا. لم يزل الله له الأسماء
الحسنى لا يحصيها غيره ولو صح هذا لصح معه غيره.
مسألة
[ أعلم الله الخلق كيف يسمونه ]
قال المؤلف إن الله لم يزل قبل كل شيء ولم يزل بصفاته الذاتية فلما أن
خلق الخلق أعلمهم كيف يصفونه ويسمونه وهذا فصل بين المعلوم والموجود.
مسألة
[ صفات الله العليا ]
فإن قيل : فإن الله تعالى لم يكن موصوفاً حتى وصفه العباد قلنا : إن
عنيت أنه لم يكن عالماً ولا قادراًَ ولا سميعاً ولا بصيراً حتى وصفه بذلك
العباد فهذا خطأ لأن الله تعالى لم يزل عالماً سميعاً بصيراً حيّاً قادراً وإن
أردت لم يصفه أحد متى خلق الواصفين له فهكذا نقول أنه لم يكن
موصوفاً ولا معبوداً ولا مذكوراً حتى خلق من يصفه ويعبده ويذكره ولم
يزل واصفاً لنفسه في الأزل فلما خلق من يصفه أعلمهم ليصفوه.
مسألة
[ معرفة صفات الذات وأسماء الله ]
معرفة صفات الذات وأسماء الله وصفاته تعالى من ذاته فصفاته الذاتية
قديمة ولا يجوز أن يقال هي هو ولا هي غيره ولا هو غيرها وصفاته الفعلية
هي غيره وهي محدثة والاسم عن صفة عبادة الله وهو من المتكلم به
محدث وهو غير الله والموصوف به قديم ولم يزل الله وصفاته.
مسألة
[ معرفة صفات الذات وأدلتها ]
في معرفة صفة الذات وأدلتها أنه الله تعالى يوصف بها ولا يوصف
بضدها وصفات الفعل يوصف بها وبضدها وصفات الذات نحو قولك لم
يزل عالماً وقادراً وسميعاً ونحوه فهذا لا يجوز أن يوصف بضدها ألا ترى (1/90)
صفحة 91
أنك تقول لم يزل عالماً ولا يجوز أن تقول قد كان غير عالم ثم علم وهكذا جميع صفاته الذاتية وصفات الفعل يوصف بها وبضدها فتقول خلق ولم
ينخلق وتقول خالق وقد كان غير خالق هكذا كل صفاته يعرف بها الفعلية.
مسألة
[ الفرق بين الأسماء الذاتية والفعلية ]
فإن قيل : فما الفرق بين الصفات والأسماء الذاتية والفعلية إذا اشتبهت
قلنا : فأدخل عليها آلة التعريف فإنك تصيب الصفة إن شاء الله تعالى وذلك أنك تقول لم يزل الإله ولم يزل الرب لم يزل الله وهو العالم والخالق
والرازق وغير ذلك من الأسماء والصفات.
أما الله فالأصل هو الإله وألقيت الهمزة فأدغمت إحدى اللامين في
الأخرى فصار المعنى أنه تحق له العبادة ويسعى له والعرب كلما تسمي تحقق
له عبادته إلهاً وقيل أنه اسم سمى الله نفسه على الاختصاص كما قال الله
تعالى : { هل تعلم له سمياً } (1) أي هل تسمع أحداً في الأقطار والبر والبحار
اسمه الله غير الله ويوجد في كتاب الله تعالى في معنى اسم الله أنه الخالق
لكل شيء كما ذكر الشيخ أحمد بن النضر(2) في شعره.
مسألة
[ صفة الإله ]
__________
(1) 1- سورة مريم آية 65 .
(2) 2- أحمد بن النضر هو العلامة أحمد بن سليمان بن عبد الله بن أحمد بن العالم
الكبير الخضر بن سليمان بن النضر - وهو جدهم الذي ينتسبون إليه نشأ في
مدينة سمائل وهو قريبة من مسقط تقع بين مسقط ونزوي. نشأ في الثلث
الأخير من القرن السادس وهو عالم شاعر وقيل في حقه أنه أشعر العلماء وأعلم
الشعراء وقيل أنه يحفظ 40 ألف بيت من الشعر وأكثر شعره في التوحيد والفقه
جمع بعض شعره في الدعائم جمعه الشيخ محمد بن وصاف البزار وشرح
الدعائم في الحل والإصابة، وشرحه أيضاً العالم الفقيه خلف بن أحمد بن عبد الله
بن أحمد... الرقيشي. وتوفي رحمه الله شهيداً على يد الطاغية النبهاني
خردلة الجبار بسمائل لقوله الحق وكان عمره 35 عاماً بسمائل. أنظر إتحاف
الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان ص 299 - 311 . (1/91)
صفحة 92
فإن قيل له : هو إله هل له لمن لم يخلق قيل ليس الإله بمعدي إلى مفعول
إنما الإله من تحق له العبادة فإذا خلق من تجب عليه عبادته قيل : إنه إله له
وهو إله قبل خلق الخلق ولو كان إلهاً لأنه معبود لكان كل معبود واجب أن
يسمى إلهاً والله إله ولو لم يعبده أحداً.
مسألة
[ أهمية الدعاء ]
الدعاء مخ العبادة قد أمر الله به عبادة بقوله تعالى : { ادعوا ربكم
تضرعاً وخفية } (1) تضرعاً أي مستكيناً وخفية في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الآخرة ولا تدعو على مؤمن ولا مؤمنة بالشرك اللهم العنه وأخزه عدواناً إن الله لا يحب المعتدين.
مسألة
[ كيفية الدعاء ]
والناس مختلفون في الدعاء وأجازه بعضهم على الشريطة والتقيد وأبا
ذلك آخرون وقولنا أن يسأل الله العمل على جهة التذلل والتضرع له تعالى ويسأل الله أن يقضي له ما هو خير.
مسألة
[ العزم في الدعاء ]
وينبغي للعبد أن يسأل مولاه على العزم والإلجاج والجد في الطلب
ويقول اللهم يسر لي وأعطني كذا واجعل لي فيه خيراً.
مسألة
[ حكم رفع الصوت في الدعاء ]
وقيل : رفع الصوت في الدعاء اعتداء قال أبو سعيد(2) : رفع اليدين
في الدعاء على غير معنى التحديد لله تعالى إذا فعله فاعل على صدق النية فلا مانع له وليس ذلك مما يوجب التحديد.
مسألة
[ حكم رفع الأيدي في الدعاء ]
إلا على الإرادة بسوء المذهب واستحب أصحابنا ألا يحدث الداعي في
دعائه حالاً من رفع اليدين ولا خفضهما.
مسألة
[ حد رفع اليدين ]
وأما إن رفع يديه بحذا وجهه في الطلب في الدعاء على وجه المبالغة جاز
له ذلك ولا أعلم حجر ذلك وأما على النية(3) التحديد فلا يجوز أبداً والله تعالى يجل أن يحد.
مسألة
[ صيغ بعض الدعاء ]
فإن قيل : هل يجور أن يقول الداعي اللّهم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا عيباً
__________
(1) 1- سورة الأعراف آية 55 .
(2) 1- أبو سعيد : هو أبو سعيد الكدمي .
(3) 2- الصحيح : على نية التحديد ( أي تحديد الجهة وهذا لا يجوز ) . (1/92)
صفحة 93
إلا سترته وأمثال ذلك؟ قال أبو الحسن البسياني رحمه الله : إن هذا هو المطلوب من الله أن يفعله وهل يجوز أن يقول الداعي يا غياثي ولجائي ويا همي ومنائي ويا نوري وضيائي لم أعلم هذا من دعاء المسلمين وأما غياثي ولجائي
فعسى أن يجوز أن يقول أستغيث بك وألتجي بك وأما همي ومنائي ونوري وضيائي فالله أعلم فإن كان معناه بالنور والهداية من الضلالة فلا يبعد جوازه.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز على الإطلاق أن يقول اللّهم لا تعرض عني ويجوز اللّهم يا
عظم(1) الرجا أي يا عظيم المرجو.
مسألة
[ صيغ من الأدعية ]
فإن قيل : هل يجوز في الدعاء يا رب ارض عنا برضاك وتب علينا
بتوبتك، قال الشيخ محمد ابن الحسن(2) : أكره أن يدعو الداعي بذلك
لوعثة لفظة وإن نوى أثبنا بثوابك وارحمنا برحمتك فجائز ذلك.
مسألة
[ صيغ من الأدعية ]
وهل يجوز أن يقال : اللّهم اكفنا ظلمة خلقك قيل : ذلك جائز.
مسألة
[ صيغ مكروهة ]
ويكره أن يقال : اعتمدنا بعد الله على فلان وإنما يقال : اعتمدنا على
فلان بعد توكلنا على الله.
مسألة
[ بعض الأدعية ]
ومن قال : أذهب الله بأصل كذا فإن كان شيئاً قد أهلكه الله فقال على
وجه الإخبار فلا بأس وكذلك إذا دعا على أحد من أعداء الله فلا بأس.
مسألة
[ بعض الصيغ ]
وإن قال : كسح الله بأثر فلان إذا كان ظالماً قال لا أرى ظاهر اللفظ
يصلح وإن نوى هلاكه فلا أراه إثماً.
مسألة
[ بعض الصيغ ]
__________
(1) 1- الصحيح : يا عظيم الرجا .
(2) 2- الشيخ محمد بن الحسن : هو الشيخ العالم الفقيه أبو الحسن محمد بن الحسن
السعالي النزوي، قال بعضهم : إنه خروصي من ولد محمد بن الصلت بن مالك
وأنه بويع بالإمامة سنة 282هـ بعد مقتل بيحرة وبقي القتال بينه وبين جند
المعتضد إلى أن توفي ودفن في الشعثعية من سعال نزوي وقبره معروف. ويعد هذا
الشيخ من شيوخ أبي سعيد الكدمي. أنظر إتحاف الأعيان ص 203 - 204 . (1/93)
صفحة 94
ومن قال : طير الله ولا طيرك يعني فعل اللّه وحكمه لا فعلك قال القرا
الطائر العمل لقوله تعالى : { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } (1) .
مسألة
[ بعض الصيغ ]
فإن قيل : هل يجوز أن يقال اللّهم صل على محمد كما صليت على
ملائكتك؟ قال أبو معاوية : جائز. ويقال : اللهم صل على محمد كما
صليت وسلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
مسألة
[ بعض الأدعية ]
ومن قال : اللهم اخترني أو زدني أو عالني على فلان حتى أنتصر منه أو
ارزقني مال فلان أو زوجته أو ما كان من مثل هذا فلا أرى عليه بأساً إذا
كان نيته بالثمن من الوجه الجائز أو زوجته إن طلقها وأما على الوجه الحسد فلا يجوز الحسد للمسلم وجائز للكافر.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ومن لم يكن ذا سئل فلا يجوز أن يسأل الله أن يرزقه ولداً يحمي ماله
عن وارثه وذلك من كبائر الذنوب.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : اللهم ارحم النار مني فهذا من المحال لأنه لا عقوبة له
عليها وإنما هي عقوبة للظالمين.
مسألة
[ صيغ غير جائزة وصيغ جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : إن حلمك أضر بنا فهذا أيضاً محال لأن حلم الله
عن مسيء إذ عفى عنه ولم يعجل عليه بالعقوبة فلا يكون هذا الحلم ضراً.
ولا يقال: يا من ارتدا بالفخر والكبرياء ويجوز أن يقال اللهم اجعل
القرآن ربيع قلوبنا ومعنى الربيع الغيث الدائم ونيته أن يديم الذكر في قلبه.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «يا مقلب القلوب ثبت قدمي على
طاعتك»(2)
__________
(1) 1- سورة الإسراء آية 13 .
(2) 1- الحديث : عن شهر بن حوشب قال : قلت لأم سلمة، رضي الله عنه، يا أم
المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - إذا كان عندك؟ قالت : كان
أكثر دعائه : «يا مقلب...» رواه الترمذي رقم 3581 باب الدعوات رقم 135
وهناك رواية للإمام مسلم «اللهم مُصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك»
رقم 2654 في القدر، باب تصريف الله تعالى للقلوب كيف شاء. (1/94)
صفحة 95
ولا يجوز أن يقال : يا رب لا تجّر علي ولا تظلمني.
مسألة
[ بعض الصيغ المختلف فيها ]
أبو سعيد رحمه الله تعالى قلت : هل يجوز أن يقال اللهم يا حنان يا
ديان أو يا برهان أو يا سلطان أو يا عاقل؟ قيل : أما حنان ففيه اختلاف فأجازه بعض وأباه آخرون.
وإذا نواه على وجه الرحمة جاز وقيل الحنان هو الرحمن والبرهان هو
الحجة والله ذو الحجة ولا يقال الحجة برهان ولا هو الحجة ولا البرهان وأما السلطان فهو القدرة والله ذو القدرة.
ولا أحب أن يقال لله سلطان ولا برهان ولا يقال يا ذا السلطان ويا ذا البرهان وأما يا عاقل فلا يجوز لأنه من أسماء الخلق.
مسألة
[ صيغة جائزة ]
قال الشيخ أبو أحمد المنذري(1) بن أحمد السري : جائز أن يقال يا
مسهل الأمور.
مسألة
[ جواز الدعاء بالصفات ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله تعالى أن المعين صفة من صفات الله
وجائز أن يدعا بها والله هو المستعان.
مسألة
[ من صيغ الدعاء ]
يوجد عن الشيخ أبي عبد الله في دعائه يقول : يا من هو بكل مكان
وليس المعنى أنه بصورة ولا بجنس ولكن بعلمه في كل مكان.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : يا من احتجب بقدرته عن الناظرين لأن القدرة
ليست هي غيره وليس هو مما يتوارى بالحجب.
مسألة
[ في رؤية الله أو عدم رؤيته سبحانه وتعالى ]
فإن قيل : فما معنى قوله : { وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحياً
أو من وراء حجاب } فإن معناه منع الرؤية وليس من دون الله حجاب يستره.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
وجائز أن يقال: اللهم لا تنسينا ذكرك وجائز يا ديان ومعناه أنه متعبد عباده بدين يعبدونه ويا جائز يا جبار الجبابرة بمعنى الممتنع وهو فوق كل جبار قاهر قيل لا يجوز على الإطلاق. وهل يجوز أن يقال يا أمين فنعم إذا نوى
أنه يؤمن منه الجور ولا يقال أمين لأحد ولا يجوز أن يقال يا من ارتدى
بالفخر والكبرياء.
مسألة
__________
(1) 1- أبو أحمد المنذري بن أحمد السري: لم أعثر له على ترجمة . (1/95)
صفحة 96
[ السؤال بأسمائه الحسنى ]
ولا يجوز أن يقال : رب بحق اسمك الأعظم افعل كذا وكذا وإنما
يسأله بأسمائه لأنه ليس عليه حق ويعني بأسمائه نفسه.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال: يا رب بحقك على نفسك افعل لي كذا ولا
بسمواتك ولا بوجهك ولا بقدرتك ولا بملائكتك وأنبيائك وكعبتك
وجميع خلقك ولا بشيء من الحقوق.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال أسألك بأسمائك ولكن يقول أدعوك بأسمائك ولا
يجوز نحو أسمائك ولا يجوز لحق أسمائك واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : اللهم بقدرتك أو بعزتك وما أشبهه افعل لي كذا
ومثله نحو قدرتك لأنك تجعل قدرته وعزته غيره لأن أسماءه وصفاته الذاتية
لا هي هو ولا هو غيره فإذا قلت : بحق قدرتك فكأنك سألته ببعضه وتجعل
لما سألته بحقه حقاً عليه تعالى الله عن ذلك.
مسألة
[ السؤال بأفعاله سبحانه تعالى ]
واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله وجائز أن يسأله بأسمائه وأن يسأله بصفات
فعله ففيه الاختلاف.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
ولا يجوز أن يسأله بلا إله إلا أنت ولا يجوز لا إله إلا أنت ولا تجوز
شهادة أن لا إله إلا الله يا الله يا رحمن يا رحيم وغير ذلك من الأسماء التي
سما بها نفسه.
مسألة
[ صيغ لا تجوز ]
أبو الحسن البسياني رحمه الله : لا يجوز أن يقال يا ساكن السماء يعني
الله تعالى فلا يوصف بالسكون والنزول في السماء ويجوز هو الله في السماء
إله وفي الأرض إله من غير اعتقاد حلول ولكن هو فيها تدبيره واقتداره.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
وجائز أن يقال : يا من كل ملكان فيه ملان على وجه العلم والإحاطة
والتدبير لأنه ملان لا فيه جيثة وشخص. (هكذا في الأصل).
مسألة
[ صيغ لا تجوز ]
ولا يجوز أن يقال : الحمد حمداً يهنيه ويحجرني عن معاصيه لأنه تعالى
غني عن التهنية والحمد ممن حمده لا يحجر عن معاصيه وإنما ذلك بتوفيق الله.
مسألة
[ صيغ جائزة ] (1/96)
صفحة 97
وهل يجوز أن يقال : يا طاهر فنعم بمعنى أنه طاهر عن الأشياء لأن
القدوس هو الطاهر والتقديس هو التطهير إذا عرف معنى ذلك.
مسألة
[ بعض أنواع الصيغ ]
وما معنى ما يوجد في الآثار يستحب أن يقال في الصلاة : أشهد أن لله
ما ادعى وأنه يرى ممن يرى؟ فمنهم من أجاز ذلك على معنى أن لله الخلق والأمر وله الحكم كما أجازه وأخبر به في كتابه وبعض من أبا ذلك عزماً وكرهه البعض.
مسألة
[ بعض صيغ الدعاء ]
وجائز أن يقال : يا خير الأصحاب بمعنى أنه حافظ ومدبر وأما على غير
هذا المعنى فلا يجوز قال الشيخ أبو الحسن البسياني رحمه الله : جائز أن
يقال : الحمد لله الذي فضلنا على كثير(1) من عباده المؤمنين وبهذا نطق
كتاب الله في الأثر انظر إلى ما فضلت عليه وأحمد الله.
مسألة
[ ما يقال بعد الصلاة ]
وجائز أن يقال : بعد الصلاة اشهد أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله
رب العالمين(2)، إذا كان على نية التضرع والتذلل لله تعالي لا يعتقد تزكية نفسه ولا يكون على وجه العلم بالتزكية ولا أحب أن نبدي كلام الشهادة.
مسألة
[ ما لا يجوز أن يقال بحق الله ]
ولا يجوز أن يقال : أن الله خلق أرزاق العباد قبل خلقهم وإنما يقال :
علمها قبل خلقهم وجائز أن يوصف الله بأنه لم يزل وهو المتكلم ولا يجوز
أن يقال : الله فوق كل شيء حقيقة لأن ما يوصف بالفوقية بمحدود بمكان
فإن وجد ذلك في كلام الله فمجاز وقوله تعالى : { وهو القاهر فوق
عباده } (3) أي المستولي عليهم والمستعلي.
مسألة
[ من الصيغ بحق الله سبحانه وتعالى ]
__________
(1) 1- جاء هذا على لسان داود وسليمان عليهما السلام : قال تعالى : { ولقد آتينا
داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين }
النمل آية 15 .
(2) 2- عند بعض المذاهب يقال في التوجيه بدل وجهت وجهي. يقال : قل إن صلاتي
ونسكي...» والله أعلم.
(3) 3- سورة الأنعام آية 18 ، 61 . (1/97)
صفحة 98
وهل يجوز أن يقال أن الله حكيم في علمه أو حكيم في حكمه ولطيف
في قدرته فهذا لا يجوز لأنه شبيه الصفة الشيء(1) .
مسألة
[ هل يجوز أن يقال : خير أسماء الله؟ ]
وهل يجوز أن يقال : إن اسم الله خير الأسماء فإن عني أن الله اسماً هو
غيره فلا يجوز.
مسألة
[ بعض صيغ الجواز ]
وجائز أن يقال : بصره في خلقه جائز وعلمه بهم محيط ويجوز القاهر
فوق العباد بعزته ويقال : أنشأ الله الخلق بعزته ويقال : أنشأ الخلق بحكمته وأمضى الأمور بمشيئته.
مسألة
[ بعض صيغ الجواز ]
ويقال جائز أن يقال : المتفرد بالقدرة والملكوت المتوحد بالعزة والجبروت
ويقال جعلك الله في حرزه وستره وعاد عليك بفضله ومنه ويقال : أن الله عدل في قضائه متفضل في عدله له أحسن الأسماء وأشرف المدح ويقال :
الأمر لله ثم لك.
مسألة
[ من خطبة الإمام إبراهيم بن عبد الله الحضرمي ]
ومن خطبة الإمام إبراهيم بن عبد الله الحضرمي(2) رحمه الله : فإن الله
الواحد المستعان ومنها الظاهر والباطن والنائي والمتداني ومنها بأعلام يا
غياث المستغيثين ويا مدرك المستدركين ويا غياث من لا غياث له.
مسألة
[ قول نجاد بن موسى ]
نجاد بن موسى(3) جائز أن يقال: بالله توفيقنا وعليه اعتمادنا وبه عصمتنا وهو حسبنا ونعم الوكيل وأقوى معين وأهدى دليل.
مسألة
[ قول موسى بن نجاد ]
__________
(1) 1- الصحيح : لأنه شبيه لصفة الشيء .
(2) 1- الإمام إبراهيم بن عبد الله الحضرمي : لم أعثر له على ترجمة .
(3) 2- نجاد بن موسى : القاضي نجاد بن موسى بن نجاد بن إبراهيم المنحي قتل يوم
السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة 513هـ وكان قد أخرج
من الرستاق في عزل راشد بن علي سنة 496هـ وآخر مطروداً ليلة 30 من
رمضان سنة 512هـ ودخلها الشيخ أبو سعيد بن الحسن بن زياد في دولة
محمد بن حبيش ومحمد بن غسان. وكان قد عاش 102 سنة ومات في حياته
18 رجلاً من ولده. عن سيرة ابن مداد ص 32 ، 33 . (1/98)
صفحة 99
وعنه أن الله حبا أربعاً في أربع حبا وليه في عباده وحبا رضاه في طاعته
وحب غضبه في معصيته وحب إجابته في دعائه.
مسألة
[ بعض الصيغ ]
وجائز أن يقال : متفرد أو متوحد ولا يقال : المتفرد والمتوحد وليس هذا
من أسمائه تعالى.
مسألة
[ قول : يا ذا القدرة القاهر ]
ومن سيرة أبي علي موسى بن علي(1) رحمه الله من الإمام المهنا بن
جيفر(2) رحمه الله جائز أن يقال : يا ذا القدرة القاهر والعظمة الباهرة التي علت بها كل غالب وأدرك بها كل هارب.
مسألة
[ لا يوصف بالموقن ]
ولا يوصف الله أنه موقن لأن اليقين هو العالم الذي يستدل به العالم بعد
الشك والارتياب فلا يجوز على الله أن يعلم بعد الشك تعالى الله.
مسألة
[ بعض الصيغ التي لا تجوز ]
ولا يقال : أنه مستبصر لأن المستبصر في الشيء هو الذي استبصر فيه
بعد الشك فما لم يجز الشك على الله لم يجز أن يقال مستبصراً.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يقال : إنه متحقق لأنه في معنى مسبتصر وموقن وهذا لا يوصف به
في الشاهد إلا من كان شاكاً في أمر غير متحقق.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يوصف الله بأنه يشعر بالأشياء ولا يفطن لأن من شعر ويفطن
بالأشياء هو الذي لم يكن علمها قبل ذلك والله تعالى لم يزل وهو العالم بالأشياء قبل كونها.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يوصف أنه تحسّن بالأشياء لأن الإحساس أول ما يدرك به علم
الأشياء فلم يجز عليه تعالى استدراك العلم إذا كان لم يزل عالماً لم يجز عليه
هذا الوصف.
مسألة
__________
(1) 1- أبو علي موسى بن علي : سبق له ترجمة .
(2) 2- المهنا بن جيفر : هو المهنا بن جيفر الفجحي اليحمدي الأزدي تولى الإمامة يوم
الجمعة في شهر رجب سنة 226هـ أشتهر بالضبط والحزم وقلة الكلام والعدل
في الرعية له أعمال كثيرة تثبت الحزم والعدل توفي رحمه الله يوم 16 من ربيع
الآخر سنة 237هـ مات والمسلمون عنه راضون وله موالون ومؤازرون .
انظر كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص 260 - 263 . (1/99)
صفحة 100
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : بأنه تعالى يعقل ويفهم الأشياء كما يوصف بأنه
يعلمها لأنه من علمنا إنما يسمى عقلاً على التوسع وتشبيهاً بالعقل الذي هو الشك والمنع وعلم الله لا يجوز أن يكون منعاً له.
مسألة
[ لا يجوز أن يوصف بالشم والذوق ]
ولا يجوز أن يوصف بالشم والذوق لأن الشم هو الاستنشاق والجسم
المشموم ودخوله الخياشيم والذوق هو مما يشبه الجسم المذوق باللسان
واللهوة وذلك لا يجوز على الباري تعالى.
مسألة
[ لا يوصف بأنه يحرد ]
ولا يوصف بأنه يحرد(1) ويقنط لأن القنط من الغيظ والحرد غرضان في
الإنسان ولا يوصف بأنه يغتاظ كما يوصف بأنه يغضب لأنه ليس معنى
الغيظ معنى الغضب.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : { يا حسرة على العباد } ]
أما قوله تعالى : { يا حسرة على العباد } (2) أراد أن كفرهم وتكذيبهم
حسرة يوم القيامة وقوله : { فلما آسفونا انتقمنا منهم } (3) أي آسفوا رسلنا وقول غضبونا وذكر الأسف توسفاً.
مسألة
[ لا يوصف بأنه يشتهي الأشياء ]
ولا يوصف الله تعالى أنه يشتهي الأشياء كما يوصف بأنه يحبها
والشهوة ليست من جنس المحبة فالشهوة توقان النفس إلى ما توق إليه
وتوقان المحبة لا يجوز على الله تعالى.
مسألة
[ ولا يوصف بأنه عاشق ]
ولا يوصف بأنه عاشق ووامق كما يوصف بالمحبة لأن المحبة هي لإرادته
والعشق ليست كالإرادة للشيء إنما هو شيء يتعلق بقلب الإنسان والوامق مثله ولا يجوزان على الله ولا يجوز على الله الرقة لأن رقة القلب بدل الغلظة.
مسألة
[ لا يقال بأن الله يهجر المعاصي ]
ولا يقال : إن الله يهجر المعاصي كما يقال : إنه يكرهها لأن هجراننا
للشيء هي إرادة الانقطاع عنه وربما ترك المرء كلام من يهجره وهذا لا
يجوز على الله أن يفعله بالمعاصي ويقال أفضل الهجران ما كره الله.
مسألة
__________
(1) 1- الحرد : الزعل والمقاطعة – المصباح المنير 1/155 .
(2) 1- سورة يس آية 30 .
(3) 2- سورة الزخرف آية 55 . (1/100)
صفحة 101
[ لا يوصف سبحانه بأنه زكي ]
ولا يوصف الله تعالى بأنه زكي لأن الزكي من بلغ حداً لم يكن بلغه قبل
ذلك وهذا لا يجوز على الله.
مسألة
[ لا يوصف بأنه نظيف ]
ولا يوصف بأنه نظيف لأن النظيف هو المغسول وهذا لا يجوز على
الله تعالى.
مسألة
[ لا يوصف بالطاقة ]
ولا يقال بأنه يستطيق كذلك لأن معنى الطاقة الجهد فيما يطيقه الإنسان
ولم يجز أن يوصف الله بذلك.
مسألة
[ لا يقال بأنه يطمئن إلى الملائكة ]
ولا يقال بأنه يطمئن إلى أنبيائه وملائكته ويثق بهم لأن الاطمئنان إلى
الشيء إنما هو بمنزلة السكون إليه وهو ضد النور عنه وهذا لا يجوز على الله تعالى ولا يقال أنه ذخر ولا سند لأن الذخر ما ذخره الإنسان والسند ما سند الإنسان ظهره إليه والله تعالى عن ذلك فإن وجد هذا في صفات الله فمجاز.
مسألة
[ لا يوصف بالخيرية ]
ولا يجوز أن يقال أن الله خير من كذا وكذا فهذا صفة فإن قيل أن الله
خير أفعالا منك فجائز قال الحسن في قوله تعالى : { والله خير وأبقى } (1)
خير منك يا فرعون ثواباً وأبقى عقاباً.
مسألة
[ لا يجوز التفاضل والخيار ]
ولا يجوز أن يقال : كذا وكذا دون الله بمعنى التفاضل والخيار لأن
الخيار لا يقع إلا بين الأجناس ألا ترى أنهم يقولون فلان أحسن من فلان لأنهم جنس وهذا لا يجوز على الله تعالى.
مسألة
[ تفسير آية ]
وأما تفسير قول الله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة } (2)قيل :
اتخذوا عبادة الأصنام ليعتبروا بذلك وهي دون عبادة الله.
مسألة
[ لا يقال كان الله ولا شيء ]
ولا يقال: إن الله حيث كان لا حيث مكان معلوم ولكنه يقال: بكل مكان تدبيره تعالى ولا يقال: كان الله ولا شيء وإنما يقال: لم يزل الله ولا شيء.
مسألة
[ لا يجوز أن ينعت ببعض الصفات ]
ولا يقال: لم فعل الله ربنا كذا لأنه تعالى لا يسأل عما يفعل وهم
يسألون ولا يجوز فيه كان ولا ما ولا أين ولا حيث لأن كل ما يجوز فيه
__________
(1) 1- سورة طه آية 73 .
(2) 1- سورة يس آية 74 . (1/101)
صفحة 102
الأين فهو بمكان والمكان أقوى منه لأن الحامل أقوى من المحمول.
مسألة
[ لا يوصف بالشجاعة ]
ولا يوصف بأنه شجاع لأن الشجاعة إنما هي الجرأة على المكان وإلا
والأمور المخفوفة(1) والله تعالى لأنه لا يجوز أن يخاف شيئاً ولا يحذره.
مسألة
[ لا يوصف بأنه وزير أو مساعد لأحد ]
ولا يوصف بأنه وزير لا مساعد لأحد من خلقه ولا أنهم وزراء له لأن
تأويل الوزير هو أن وازر صاحبه ومعناه الموازرة هو أن كل واحد منهما قد شد إزاره مع صاحبه ليعينه.
مسألة
[ لا يوصف بالسكوت ]
ولا يوصف تعالى بالسكوت والترك على الحقيقة لأن الترك هو كف
النفس عن الفعل الذي يتركه.
مسألة
[ ولا يوصف بأنه حادق ]
ولا يوصف تعالى بأنه حادق(2) لأن الحدق في اللغة القطع يقال سكين
حاذق يراد به دحا(3) وخلّ حاذق شديد الحموضة.
مسألة
[ لا يوصف بالذكاء ]
ولا يوصف بأنه ذكي لأن الذكي هو حدة القلب وسرعة تلقنه فلما لم يجز على الله حدة القلب إذا كان ليس بذي قلب حاذق ولا جارحة لم يجز أن يوصف بذلك.
مسألة
[ لا يوصف بالذرابة ]
ولا يوصف بالذرابة لأن الذرابة هي خفة اللسان وسرعته في التحريك
للكلام فلما لم يكن لله لسان لم يجز أن يوصف بذلك.
مسألة
[ لا يوصف بالفرح ]
ولا يوصف بأنه يصف الأشياء على معنى أنه يعلمها كوصفنا لأنفسنا
والحفظ لما علمناه من القرآن وغيره وإن جاز فعلى التوسع ولا يوصف الله تعالى بالفرح لأن الفرح إنما يجوز على من يجز عليه الغم ومن تصل إليه
المنافع والمضار وهذا لا يجوز على الله تعالى ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن
الله أفرح بتوبة العبد إذا ضلت راحلته في أرض فلاة وعليها زاده وماءه فأصابها»(4)
__________
(1) 2- الصواب : الأمور المخوفة والله أعلم .
(2) 1- حادق : لها معنى. وحاذق لها معنى .
(3) 2- الصواب : حاد والله أعلم .
(4) 1- ورد الحديث بروايات متعددة منها ما ورد في مسلم : قال : قال رسول الله -
- صلى الله عليه وسلم - - : «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على
راحلته بأرض فلاة، فانفلت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة
فاضطجع في ظلها - قد أيس من راحلته - فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة
عنده، فأخذ بخطامها. ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبد وأنا ربك -
أخطأ من شدة الفرح» مسلم رقم (2747) في التوبة باب الحض على التوبة.
وانظر البخاري 11/91 ، 92 في الدعوات باب التوبة. (1/102)
صفحة 103
.
مسألة
[ لا يوصف بالعجب أو التعجب ]
ولا يقال : إن الله تعالى عجب من كذا لأن العجب إنما يحدث ممن لم
يعلم فعلم فعجب حينئذٍ مما علم والله تعالى لم يزل عالماً بالأشياء فلا يجوز
أن يعلم منها ما لم يكن علمه فتعجب منه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
النهج السادس
في تفسير أسماء الله تعالى وشيء من آياته
مسألة
[ معنى اسم الله تعالى ]
وإن قيل فما معنى اسم الله قلنا هذا هو اسم قد خص به نفسه فلا يجوز
أن يتسمى به مخلوق لقوله تعالى : { هل تعلم له سميّاً } (1) ومعناه أنه
الذي تحق له العبادة وتجب وقيل معناه أنه تأله إليه الخلق في حوائجها وقيل
هو اسم الله الأعظم.
مسألة
[ معنى الرحمن الرحيم ]
فإن قيل : فما معنى اسم الله الرحمن الرحيم قيل معناه الرحمن بجميع
خلقه والرحيم بالمؤمنين وقيل الرحمن اسم خاص والرحيم مشترك.
مسألة
[ معنى الرب ]
فإن قيل : فما معنى الرب قلنا معناه الملك كقولك رب الدار وقول المصلح.
مسألة
[ معنى الواحد الأحد ]
فإن قيل: ما معنى الواحد الأحد قلنا الواحد في الحقيقة هو الذي لا
ينقسم في وجود ولا وهم المتفرد الذي لا ثاني له ولا يشبهه شيء فيكون
ثانياً والأحد يجيء بمعنى الواحد والأول بمعنى .
مسألة
[ ما معنى الصمد ]
فإن قيل : ما هو معنى الصمد؟ قلنا : الصمد هو السيّد وقيل : هو الذي
يصمد إليه في الحوائج وقيل: هو الذي لا يموت وقيل: هو الذي لا يأكل(2).
مسألة
[ ما معنى الوتر - الظاهر – الباطن ]
فإن قيل: ما معنى الوتر؟(3) قلنا : هو الفرد وفيه لغتان بفتح الواو
وكسرها والشفع الخلق فإن قيل معنى الأول والآخر قلنا الأول أنه لم يزل قبل كل شيء وكانت الأشياء بعده والآخر الذي يكون بعد كل شيء أبديّاً
__________
(1) 1- سورة مريم آية 65 .
(2) 1- أطلق على سورة الإخلاص سورة الصمد .
(3) 2-- لهذا جعل الوتر آخر صلاة العبد دليل الوحدانية لله عز وجل. (1/103)
صفحة 104
فإن قيل : ما معنى الظاهر والباطن قلنا : الظاهر بمعنى الغالب وقيل : معناه الظهور ضعته والباطن لأنه خفي أن تدركه الخلق بكيفيته أو تحيط به
أوهامهم فإن قيل : ما معنى الدائم قلنا أنه لم يزل ولا يزول وهذه صفة ذات.
مسألة
[ ما معنى الخالق، والخلاق ]
فإن قيل : ما معنى الخالق والخلاق والقادر؟ قلنا معنى الخالق لأنه ابتدأ
الخلق أول مرة على غير مثال والخلاق لأن من شأنه أن يخلق كل يوم خلقاً
من بعد خلق وقادر من صفات ذاته.
مسألة
[ صفات الخالق ]
لأن ذاته ذات قادرة .
مسألة
[ ما معنى الباري ]
فإن قيل فما معنى الباري: قلنا: هو الخالق واشتقاقه من بري القلم إذا سواه.
مسألة
[ ما معنى المصور ]
فإن قيل :ما معنى المصور؟ قلنا : لأن ابتداءً تقدير الخلائق وتصورهم فهو
الخالق المصور.
مسألة
[ ما معنى السلام ]
فإن قيل: فما معنى السلام قلنا: السلام سمى الله نفسه بالسلام لسلامته مما
يعتري الخلق من العيب والنقصان والفناء والتغيير وقيل أن ذكره سلامة على من ذكره وهو الذي سلم الناس من جوره.
مسألة
[ ما معنى المؤمن ]
فإن قيل: فما معنى المؤمن قلنا لأنه آمن من أطاعه من عذابه وهو الذي
لا يخشى ظلمه.
مسألة
[ ما معنى المهيمن ]
فإن قيل فما معنى المهيمن قلنا الشاهد وقول هو الأمين.
مسألة
[ ما معنى العزيز ]
فإن قيل ما معني العزيز قلنا انشقاقه من الغلبة والقهر يقال عز إذا غلب.
مسألة
[ ما معنى الجبار ]
فإن قيل : فما معنى هو الجبار؟ قلنا : هو الممتنع على معنى التعزيز.
مسألة
[ ما معنى المتكبر ]
فإن قيل فما معنى المتكبر قلنا التكبر التعظيم والكبرياء هي العظمة
والمتكبر صفة ذات.
مسألة
[ ما معنى التقديم ]
فإن قيل ما معنى التقديم قلنا من التقدمة وكل متقدم للأشياء ويجب
الوصف له مبالغة في الوصف بالتقديم وهو تعالى قديم إلى غير نهاية.
مسألة
[ ما معنى السبوح ]
فإن قيل فما معنى السبوح قلنا هو اسم مبني على فعول من قولك (1/104)
صفحة 105
سبحان الله وهو اسم مضموم أوله معناه التنزيه لله تعالى.
مسألة
[ ما معنى القدوس ]
فإن قيل فما معنى قدوس قلنا اسم مبني أيضاً على فعول مثل قدوس
والتقديس قريب من التسبيح ، من قدس الله فقد نزهه وأخلص له الوحدانية ومعناه التطهير.
مسألة
[ ما معنى الحي ]
فإن قيل فما معنى الحي قلنا هو مشتق من الحياة وهو الدائم الذي لا يفنى سبحانه الحي الذي لا يموت.
مسألة
[ ما معنى القيوم ]
فإن قيل فما معنى القيوم قلنا هو الأول الذي لم يكن قبله شيء وهو
الدائم الذي لا يزول ولا تفينه الدهور ولا يغيره انقلاب الأمور.
مسألة
[ ما معنى الغفور ]
فإن قيل فما معنى الغفور قلنا هو من المغفرة وهو الستر لأنه ستر ذنوب
عباده وأصله من التغطية والغفّار هو الذي يغفر ذنباً بعد ذنب وأما الغافر فإنه يقال غافر الذنب بالإضافة.
مسألة
[ ما معنى ملك ومالك ]
فإن قيل فما معنى ملك ومالك ومليك قلنا ذلك كله اشتقاقه من الملك
والملك وصف به المخلوق لأن ملك المخلوق يضمحل والتسمية بذلك مجاز والله تعالى لا يموت ولا يسلب ملكه أبداً تعالى الله.
مسألة
[ ما معنى الحكيم ]
فإن قيل فما معنى الحكيم قلنا هي صفة ذات وصفة فعل فالذات هو
العليم والفعل لأنها توجد أفعاله متعة محكمة والحكيم يعني العليم.
مسألة
[ ما معنى الواسع ]
فإن قيل فما معنى الواسع قلنا هو الغني أعطى من سعته أي من غنى
ويقال وسع الله على فلان أي أغناه.
مسألة
[ ما معنى العليم ]
فإن قيل فما معنى العليم قلنا أن الله تعالى عليم وعالم وعلام كله بمعنى
العلم وهو صفة ذات لأنه لم يزل عالماً.
مسألة
[ ما معنى الغني ]
فإن قيل فما معنى الغني قلنا لأنه تعالى غني لا يصير إليه نفع ولا ضرّ
وهو الغني عن جميع الأشياء.
مسألة
[ ما معنى الحميد ]
فإن قيل فما معنى الحميد قلنا المحمود وحمد الثناء.
مسألة
[ ما معنى الشكور ]
فإن قيل فما معنى الشكور على سبيل التوسع والمجاز الله هو دون الحقيقة.
مسألة (1/105)
صفحة 106
[ ما معنى الكريم ]
فإن قيل فما معنى الكريم قلنا هو المرتفع من كل شيء وقيل هو الفاضل
قلنا الجواد في اللغة هو المتفضل على من لا يستحق ويعطي من لا يستوجب
هو الذي لا تحصى مواهبه.
مسألة
[ ما معنى اللطيف ]
فإن قيل فما معنى اللطيف قلنا نعم لأنه منعم وبمعنى أنه لطيف التدبير
والصنع لأن تدبيره لطيف لا يغر به العباد للطفه.
مسألة
[ ما معنى الخبير ]
فإن قيل : ما معنى الخبير؟ قلنا : هو العالم بالشيء يقال فلان مخير هذا
الأمر أي يعلمه وهو خبير به.
مسألة
[ ما معنى الجليل ]
فإن قيل : فما معنى الجليل العلي العظيم؟ قلنا: هذه الأسماء بمعنى وهو
أنه سيّد ومالك الأشياء قاهر وأنه على جميع الأشياء مقتدر والعلي يكون
بمعنى الغالب والقاهر قال الله تعالى : { إن فرعون علا في الأرض } (1)
يعني استولى على أهلها.
مسألة
[ ما معنى المجيد الودود ]
فإن قيل فما معنى المجيد والماجد مأخوذ من المجد وهو الجلالة والعظمة فإن
قيل فما معنى الودود قلنا هو المحب لعباده الصالحين وقد تأتي الصفة لله
تعالى ولعبده فيقال للعبد شكور فيه أي يشكر نعمه والله شكور للعبد أي بشكر عمله والعبد تواب إلى الله والله تواب عليه.
مسألة
[ ما معنى الباعث ]
فإن قيل فما معنى الباعث هو المثير المنهض يقال بعث البعير إذا أثرته وأنهضته وبعث الرجل إذا أثرته من مكان قد تمكن فيه.
مسألة
[ ما معنى الوارث ]
فإن قيل فما معنى الوارث قلنا لأنه يبقى بعد فناء الخلق كلهم فلا يكون
مالك غيره سبحانه وتعالى لقوله: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها
وإلينا يرجعون } (2).
مسألة
[ ما معنى الديان ]
فإن قيل فما معنى الديان قلنا الديان مشتق من الدين وهو الطاعة لأن
الخلق كلهم دانوا له وتذللوا فلم يعته شيء من خلقه.
مسألة
[ ما معنى المنان ]
فإن قيل فما معنى المنان قلنا معناه المعطي. يقال منَّ فلان على فلان إذا
__________
(1) 1- سورة القصص آية 4 .
(2) 1- سورة مريم آية 40 . (1/106)
صفحة 107
أعطاه وقيل المنان المنعم على عباده لأن المنة هي النعمة إذا كانت من الله
ومن الخلق هي الامتنان.
مسألة
[ ما معنى الرؤوف ]
فإن قيل فما معنى الرؤوف قلنا هو شديد الرحمة وأوسعها والله عز وجل
هو الرؤوف ومنه نهاية الرحمة لعباده لا راحم أرحم منه ولا غاية وراء رحمته.
مسألة
[ ما معنى الفتاح العليم ]
فإن قيل فما معنى قوله عز وجل: { هو الفتاح العليم } (1) قلنا الفتاح في
كلام العرب هو الحاكم.
مسألة
[ ما معنى الحليم ]
فإن قيل فما معنى الحليم قلنا الذي لا يعجل بالعقوبة يقال حلمت عن
الرجل حلماً إذا لم أعجل عليه وهي صفة مشتركة في الذات والفعل فإذا كانت بمعنى عليم كانت صفة ذات وإن كانت بمعنى تأخير العقوبة كانت
صفة فعل.
مسألة
[ ما معنى المقيت ]
فإن قيل فما معنى المقيت قلنا معناه الحفيظ قيل هو المقتدر.
فصل في تفسير آيات من القرآن :
مسألة
[ تفسير بعض الآيات ]
قال الله تعالى: { يخادعون الله وهو خادعهم } (2) قال مقاتل
مخادعهم بالعذاب عليها وكذلك استهزاء الله بهم ومثله { سخر الله
منهم } (3) ومثله { ويمكر الله } (4) وما كان في القرآن من شبه هذا فإنما هو على المكافآت من الله لهم وهو توسع ومجاز لقوله تعالى : { وجزاء سيئة
سيئة مثلها } (5) والجزاء عدل ليس بسيئة.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى ]
فإن قيل فما قول الله تعالى : { لعله يتذكر أو يخشى } (6) و { لعلكم
تتقون } (7) قلنا هذا على المجاز لا على الشك تعالى الله عن ذلك ويتذكر
ويتعظ ولعل وعسى من الله واجبتان.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فجعلناها نكالاً... ]
فإن قيل معنى قول الله تعالى : { فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما
__________
(1) 1- سورة سبأ آية 26 .
(2) 1- سورة النساء آية 142 .
(3) 2- سورة التوبة آية 79 .
(4) 3- سورة الأنفال آية 30 .
(5) 4- سورة الشورى آية 40 .
(6) 5- سورة طه آية 44 .
(7) 6- سورة البقرة آية 21 . (1/107)
صفحة 108
خلفها } (1) فكيف تكون نكالاً لماضي قبلها من الأمم قيل كان ابن
عباس(2) رضي الله عنه يقول أي لما فيها من ذنوبهم وما خلفها من
بعدهم من بني إسرائيل.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فهي كالحجارة أو أشد... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } (3)
فكيف جاءت أو من الله وهي للشك قلنا إن أو هنا ليست للشك لأنه لا
يجوز على الله فإذا كانت أو بمعنى الزيادة على الشيء منه كانت بمعنى بل
لقوله تعالى : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } (4) وقوله تعالى:
{ فكان قاب قوسين أو أدنى } (5). وإذا كانت بمعنى الإضافة، الثاني إلى
الأول كانت بمعنى الواو.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فلم تقتلون أنبياء الله ]
فإن قيل فما قوله تعالى: { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 66 .
(2) 2- ابن عباس : رضي الله عنه : حَبْر الأمة، فقيه العصر، وإمام التفسير أبو العباس عبد
الله - ابن عم رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم...
صحب النبي - - صلى الله عليه وسلم - - نحواً من ثلاثين شهراً وحدث عنه وهو من الستة
المشهورين بالرواية وحدث عن عمر وعلي ومعاذ ووالده وعن كثير من الصحابة
روى عنه الجمع الغفير من التابعين منهم عكرمة وجابر بن زيد، وأنس بن مالك
وعروة بن الزبير وغيرهم له من الأولاد العباس هو أكبرهم علي أبو الخلفاء
وهو أصغرهم... انتقل إلى دار الهجرة عام الفتح مع والده، ولد في شعب أبي
طالب قبل الهجرة بثلاث سنوات. دعا له النبي - - صلى الله عليه وسلم - - اللهم علمه التأويل وفقه في
الدين» توفي رضي الله عنه بالطائف سنة 68 ، 67هـ وعاش 71 سنة. ومسنده
1660 حديثاً. انظر سير أعلام النبلاء 3/339 - 359 .
(3) 3- سورة البقرة آية 74 .
(4) 1- سورة الصافات آية 147 .
(5) 2- سورة النجم آية 9 . (1/108)
صفحة 109
مؤمنين } (1) قلنا إن هاهنا إذ وإنما جاز إلزام هؤلاء المخاطبين قتل الأنبياء لأنهم رضوا بفعل سلفهم من قتل من الأنبياء وإن كانوا لم يدركوا القتل بأنفسهم.
مسألة
[ ما ننسخ من آية... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
منها أو مثلها } (2) أفي القرآن شيء خير من شيء قلنا قال ابن عباس رضي
الله عنهما وغيره أي العمل بهذه المحدودة خير من العمل بتلك المنسوخة أو مثلها في الفضل وقوله خير بمعنى أسهل عليكم في الأمر والنهي.
مسألة
[ كن فيكون ]
فإن قيل فما معنى قوله : { كن(3) فيكون } (4) كيف قال بقوله له وليس
ثم بعد قيل قلنا يجوز أن يكون عنى بقوله يكون فجعل الفعل قولاً
مثل قولك قل رأسه إذا حركه ولم يقل شيئاً.
مسألة
[ كيفية الأمر ]
عن أبي الحسن رحمه الله أن الأمر قد يكون قولاً وغير قول فالقول ما
أمر به من جميع أوامره فهو أمر بالقول وقد يكون قوله أمرنا هو إشاء المراد
لأن قوله تعالى : { إنما أمرنا لشيء إذا أردناه } (5) أنه يأتي كما أردنا أن
نقول له كن فيكون.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : وما جعلنا القبلة... ]
فإن قيل فما معنى قول الله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليه
إلا لنعلم من يتبع الرسول } (6) وقوله: { حتى نعلم المجاهدين
منكم } (7) وشهد أليس الله قد علم كونه قلنا إن الله قد علم ذلك قبل
كونه ولكن فعل ذلك ليقرر عندكم علمنا بمن يتبع الرسول منكم كمن
قال النار تحرق الحطب قيل له آت بالنار والحطب ليعلم أنها تحرقه.
مسألة
[ معنى قوله تعالى : لئلا يكون للناس حجة... ]
__________
(1) 3- سورة البقرة آية 91 .
(2) 4- سورة البقرة آية 106 .
(3) 1- هذه الجزئية وردت في آيات كثيرة منها : البقرة 117 ، آل عمران 47 ،
59 ، وغيرها.
(4) 2- سورة النحل آية 40 .
(5) 3- سورة النحل آية 4 .
(6) 4- سورة البقرة آية 143 .
(7) 1- سورة محمد آية 31 . (1/109)
صفحة 110
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين
ظلموا منهم } (1) فكيف جاز هذا وليس للذين ظلموا حجة قال أبو
عبيدة(2) إنما موضع الإهناء موضع المعنى الذين ظلموا للاستثناء.
مسألة
[ معنى قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ... ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله
أنداداً يحبونهم كحب الله } (3) وهم مشركون قلنا قال المفسرون أي
كحب الله المؤمنين.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : يريهم الله أعمالهم... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { يريهم الله أعمالهم حسرات
عليهم } (4) فأي أعمال كانت لهم قلنا أعمالهم السوء تصير حسرات عليهم وندمات هل لا علموا غيرها هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فما أصبرهم على النار ]
__________
(1) 2- سورة البقرة آية 150 .
(2) 3- أبو عبيدة : هو مسلم بن أبي كريمة - رحمه الله - كبير تلامذة جابر بن زيد
-رحمه الله - وممن حسنت أخباره، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث
وأحكمها. نسبه إلى قبيلة تميم من نزار، وكان مولى فيهم، توفي في ولاية أبي
جعفر المنصور بعد وفاة حاجب. قال أبو عبد الله : كان أبو عبيدة أفقه من
ضمام وأبي نوح وكان المقدم عليهما وعلى حعفر بن السماك وكان الحجة
في الدين، روى عن التابعين كالإمام جابر بن زيد - رحمه الله - وروى عن العديد
من الصحابة، جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وابن عباس وأبي
سعيد الخدري، وعائشة - رضي الله عنهم أجمعين - درس على يديه الكثير
منهم الربيع بن حبيب، وأبو الخطاب الغافري، وعبد الرحمن بن رستم،
وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن داود الغدامسي. وغيرهم. أنظر طبقات
المشايخ بالمغرب 2/248 - 259 ومقدمة شرح الجامع الصحيح 1/6
عز الدين التنوخي.
(3) 1- سورة البقرة آية 165 .
(4) 2- سورة البقرة آية 167 . (1/110)
صفحة 111
فإن قال فما معنى قوله تعالى : { فما أصبرهم على النار } (1) أعلى النار صبر قلنا أي ما الذي قول ابن عباس وقال أبو عبيدة أن ما هنا بمعنى الذي مجازها ما الذي حراهم أصبرهم على النار ودعاهم إليها وليس هنا تعجب.
مسألة
[ ما معنى : أحل لكم ليلة الصيام ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام } (2) فقال ليلة
وهي ليال قلنا هذا جائز عند العرب قال الله تعالى : { ثم يخرجكم
طفلاً } (3) أي أطفالاً وقال تعالى: { والملائكة بعد ذلك ظهير } (4) أي
ظهراءً وقوله : { والملك على أرجائها } (5) أي الملائكة.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُللٍ
من الغمام } (6) قال: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } (7) ومثله كيف جاز أن يجيء من مكان إلى مكان قلنا معناه أنه جاءوا، أُتيَ أمره وثوابه وحسابه وعقابه وقول ابن عباس كما قال: { أفعصيت أمري } (8) والأمر لا يعصى
وإنما يعصى الآمر.
مسألة
[ تفسير الإتيان ]
فإن قيل فما أنكرتم أن يكون هذا المجيء والإتيان ليس على ما ذكرتم وإنما
هو على ما قال أهل التشبيه من إجازة الزوال والانتقال عليه سبحانه قلنا لا يفعل في كلام العرب إلا ما قلنا لا ما قالت المشبهة فلما بطل ما قالوا أثبت
ما قلنا لأنه لو جاز عليه الانتقال لجاز عليه التحريك والسكون المعقولين.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وإلى الله ترجع الأمور ]
فإن قال فما معنى قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الأمور } (9) وهي
__________
(1) 3- سورة البقرة آية 175 .
(2) 1- سورة البقرة آية 187 .
(3) 2- سورة غافر آية 37 .
(4) 3- سورة التحريم آية 4 .
(5) 4- سورة الحاقة آية 17 .
(6) 5- سورة البقرة آية 210 .
(7) 6- سورة النحل آية 26 .
(8) 7- سورة طه آية 93 .
(9) 1- سورة البقرة آية 210 . (1/111)
صفحة 112
راجعة الآن إليه وإنما يقال رجع الأمر لفلان بعد أن لم يكن في يده قلنا فما معناه أن المسؤولية(1) الأعمال والثواب والعقاب عليها يرجع إليه يوم القيامة لأنهم اليوم غير مسؤولين عن أعمالهم.
مسألة
[ سؤال إبراهيم عليه السلام ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي
الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن } (2) الآية، أكان إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - شاكاً في
أن الله يحيي الموتى قلنا إنما سأل ذلك ليصير علمه عياناً وقيل ليطمئن قلبي
إلى إجابتك أن لا يكون رددتني.
مسألة
[ ما معنى : كلما نضجت جلودهم ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } (3) فكيف يجوز للحكيم تعالى أن يعذب جلوداً لم تعصه قلنا لأن الجلود لم يؤلمها العذاب وإنما تألم النفوس وقيل إنه يعاد الجلد بعينه جديداً
وقيل بل هي إذا نضجت ردت صحاحاً ومعناه غير هذا وهي محرقة.
مسألة
[ ما معنى : يوم تبدل الأرض غير الأرض ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض
والسماوات } (4) أي تميد فتصير أوديتها وأوكامها وكل مضطرب الخلقة
فيها شيئاً واحداً أرضاً مستوية وقد بدلت غيرها في الصورة وكذلك عن
أبي محمد رحمه الله قال تبدل الأرض ألوانها وأما بغيرها فلا.
مسألة
[ ما معنى : اليوم أكملت لكم دينكم ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } (5) أكان
ناقصاً قلنا أكملت عليكم الفرائض والشرائع أنه إنما أنزلها أولاً فأولاً ولم يعن التوحيد لأن التوحيد لم يزل تاماً.
مسألة
[ ما معنى قوله : رب بما أغويتني ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { رب بما أغويتني } (6) و { أن كان اللّه
__________
(1) 2- الصحيح : أن مسألة الأعمال والثواب .
(2) 3- سورة البقرة آية 260 .
(3) 1- سورة النساء آية 56 .
(4) 2- سورة إبراهيم آية 48 .
(5) 1- سورة المائدة آية 3 .
(6) 2- سورة الحجر آية 39 . (1/112)
صفحة 113
يريد أن يغويكم } (1) كيف جاز الأغوى(2) من الله تعالى قال المفضل(3) أي ألفيتني غاوياً ضالاً لردي أمرك بالسجود لآدم ص قال الكلبي(4) أضللتني
عن الهدى لمخالفتي أمرك وأما قوله تعالى : { أن كان الله يريد أن
يغويكم } (5) أي يضلكم ويمنعكم الرشد وقال الحسن(6) أي يعذبكم.
مسألة
[ما معنى قوله تعالى : ورحمتي وسعت...]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء } (7)
__________
(1) 3- سورة هود آية 34 .
(2) 4- الأصح : الأغواء .
(3) 5- المفضل : والصحيح هو الفضل : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو محمد الفضل بن
الحواري الأزكوي السامي، من بني سامة بن لؤي بن غالب من أشهر علماء
عُمان في القرن الثالث وكان معاصراً لعزان بن الصقر، عاصر الفتنة وخرج على
الإمام عزان بن تميم وبايع الحواري بن عبد الله الحداني فقتل هو وإمامه في وقعة
القاع من صحار. أنظر إتحاف الأعيان ص 197 - 200 من مؤلفاته : الجامع
المسمى جامع الفضل بن الحواري.
(4) 6- الكلبي : لعله محمد بن السائب الكلبي أبو النصر روى عن الشعبي وعن أخيه
انظر الجرح والتعديل 7/270 رقم 1478 سلمة بن السائب، روى عنه الثوري
وابن جريج ومعمر وحماد بن سلمة وغيرهم.
(5) 1- سورة هود آية 34 .
(6) 2- الحسن : هو الحسن البصري - والله أعلم - أبو سعيد من أكابر التابعين علماً
وفضلاً ولد في خلافة عمر - رضي الله عنه - ودعا له بالفقه والمحبة بين الناس
يعتبر شيخ أهل البصرة، روى عن جمع من الصحابة سماعاً وعن بعضهم إرسالاً.
عاش في عهد عثمان - رضي الله عنه - وروى عنه وعاصر يوم الدار. كان
معاصر للإمام جابر بن زيد وعلاقتهما وثيقة روى عنه الجمع الكثير من التابعين
وأتباعهم وكان له مجلس للعلم معروف ومجلس خلوة مع بعض أصحابه في
الزهد والورع. توفي رحمه الله سنة 110هـ في شهر رجب وقال عبد الله بن
الحسن إن أباه عاش 88 سنة. انظر سيرة أعلام النبلاء 563 – 588/4 .
(7) 3- سورة الأعراف آية 156 . (1/113)
صفحة 114
فكيف لم تسع الكافر قال الكلبي لما أن قال ذلك تطاول لها إبليس لعنه الله فأخرجه الله بقوله : { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } (1) تمام
الآية فتطاول لها اليهود لأنهم أرباب كتاب فأخرجهم الله بقوله : { الذين يتبعون النبي الأمي } (2) الآية وقال ابن عباس رحمه الله يعني رحمة في
الدنيا وهي نعمة الله.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم
مشركون } (3) قال الكلبي يعني أهل مكة إذا سألوا عن خالقهم ورازقهم
قال الله وهم مشركون ويعبدون الأوثان فمعنى إيمانهم هنا الإقرار فقط لا الإيمان التام.
مسألة
[ تفسير : إذا سألك عبادي عني ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني } (4) فقد تضمن الإجابة وترى من يدعوا
فلا يستجاب له قلنا معنى أجيب أي أسمع ولم يرد وتعالى قريب المسافة
وقول أجيب دعوة الداعي إذا دعاني على الوجه الصحيح وقول دعاني أي عبدني وأجاني له الثواب.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : هو الذي أنزل من السماء ماءً... ]
فإن قال فما معنى قوله تعالى : { هو الذي أنزل من السماء ماءً لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } (5) فإذا كان الشجر ليس ببعض الماء كما
كان الشراب بعضاً له فكيف جاز أن يقول تعالى : { ومنه شجر } بعد
قوله : { منه شراب } وما معنى تسيمون قلنا المراد منه سقي الشجر
فحذف المضاف إليه وأقام المضاف كقوله تعالى : { وأشربوا في قلوبهم
العجل } (6) واليوم هو إرسال النعم للرعي.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد... ]
__________
(1) 4- سورة الأعراف آية 156 .
(2) 5- سورة الأعراف آية 157 .
(3) 1- سورة يوسف آية 106 .
(4) 2- سورة البقرة آية 186 .
(5) 3- سورة النحل آية 100 .
(6) 1- سورة البقرة آية 93 . (1/114)
صفحة 115
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } (1)
فظاهر الآية أنه يقتضي تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان قلنا المراد لا يشدد الله عليهم المحنة في التكليف فيقتضي بهم ذلك إلى زيغ القلوب بعد
الهداية ويكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم بالهداية والإمداد لهم بالألطاف.
مسألة
[ ما معنى قوله : وعلم آدم الأسماء كلها... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم
على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } (2) فكيف
جاز أن يأمرهم الله تعالى أن يخبروا بما لا يعلمون وليس ذلك بأقبح من
تكليف ما لا يطاق قلنا فإن كان ظاهر الآية أمراً فإنه يقتضي التعلق بشرط
وهو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا خبروا عن ذلك صدقوا.
مسألة
[ ما معنى قوله : واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا
أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } (3) قلنا أنه يجوز أن يكون معناه
واسأل أتباع من أرسلنا قبلك من رسلنا ويجري ذلك مجرى قولهم السخا
حاتم والشعر زهير يريدون السخا سخا حاتم والشعر شعر زهير.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : أولئك لم يكونوا معجزين... ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { أولئك لم يكونوا معجزين في
الأرض } (4) الآية فكيف خص الأرض بالذكر وهم لا يغوثون الله في كل مكان ولم بقي(5) من الأولياء عنهم وقد نرى الكفار يتولى بعضهم بعضاً
قلنا ما اختصاص الأرض بالذكر فعادة العرب جائزة بقولهم للمتوحد لا
مهرب لك مني ولا وزر ولا نفق. فالوزر الحبل والنفق السرب وكل ذلك مما يجيء إليه الخائف وهو ليس لهم أن يتخذوا الأولياء من دون الله.
مسألة
[ ما معنى قوله : نحن أعلم بما يستمعون... ]
__________
(1) 2- سورة آل عمران آية 8 .
(2) 3- سورة البقرة آية 31 .
(3) 1- سورة الزخرف آية 45 .
(4) 2- سورة هود آية 20 .
(5) 3- والصحيح : ولو لم يبقى . (1/115)
صفحة 116
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به إذ
يستمعون إليك وإذا هم نجوى } (1) فلم وحد نجوى وهو خبر عن جمع وما معنى مسحوراً قلنا لأن النجوى مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث وهو مقر على لفظه كقولهم الرجال صوم والمناهل حمده
يعني صائمون ومحمدون وقيل معناه أصحاب نجوى فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء
وقلبه } (2) فما معنى هذه الحيلة له وما معنى قوله تعالى لما يحييكم قلنا معناه
أن الله يحول بين المرء وبين الارتفاع بقلبه بالموت وهذا حث من الله تعالى
على الطاعات والحياة هي الطاعة لأن الطائع يسمى حياً والعاصي أنه ميت.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى: { فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين } (3)
الآية أليس ظاهرها يقتضي أنا لا نشاء شيئاً إلا والله تعالى شاءه ولم يخص
إيماناً من كفر ولا طاعة من معصية قلنا إن الكلام متعلق لما قدمه من ذكر الاستقامة لأنه تعالى قال : { لمن شاء منكم أن يستقيم } ثم قال : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } .
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فلا تعجبك أموالهم ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما
يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم
كافرون } (4) فكيف يعذبهم بالأموال والأولاد ومعلوم أن لهم فيها سروراً
ولذة وما تأويل الآية قوله وهم كافرون فالظاهر إنه أراد كفرهم من حيث
__________
(1) 1- سورة الإسراء آية 47 .
(2) 2- سورة الأنفال آية 24 .
(3) 3- سورة التكوير آية 27 ، 28 .
(4) 1- سورة التوبة آية 55 . (1/116)
صفحة 117
أراد أن تزهق أنفسهم قلنا التقدير فلا تعجبك يا محمد ولا يعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار ولا أولادهم في الحياة الدنيا.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني
من أهلي } (1) إلى قوله: { أن تكون من الجاهلين } (2) فظاهر قوله تعالى:
{ إنه ليس من أهلك } (3) يقتضي تكذيب قوله عليه السلام أنه من أهلي والأنبياء لا يجوز عليهم الكذب وكيف جاز أن يخبر عن ابنه أنه عمل غير
صالح قلنا إن نفيه ليس من أهله لم يتناول النفي لنسب وإنما نفي أن يكون
من الذين وعد بنجاته.
فإن قال ما معنى قوله تعالى : { رب السجن أحب إلي مما يدعونني
إليه } (4) الآية فإذا كانت المحنة عندكم هي الإرادة فهذا تصريح من يوسف عليه السلام بإرادة المعصية لأن حبسه معصية من فاعله وقوله : { وإلا تصرف عني كيدهن } دليل على أن امتناعه من القبيح مشروط بصرف كيدهن عنه ومن مذهبكم أن هذا لا يقع من نبي الله صرف عنه كيدهن أو لم يصرف قلنا: ما معنى { رب السجن أحب إلي } أي أهون عندي وأسهل وقوله : { وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن } (5) المراد متى(6) لم تلطف بي إلى ما يدعونني إليه صبوت وهذا منه عليه السلام على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : ولقد همت به وهم بها ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { ولقد همت به وهم بها } (7) الآية
أيجوز للنبي عليه السلام أن يهم بالمعصية قلنا لا يسوغ لذي حجر وإنما
الكلام فيه تقديم وتأخير وتلخيصه ولقد همت به لولا أن رأى برهان لهم
بها كقول القائل قد كدت تهلك لولا تداركي لك.
مسألة
[ ما معنى قوله : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ]
__________
(1) 2- سورة هود آية 45 .
(2) 3- سورة هود آية 46 .
(3) 1- سورة هود آية 46 .
(4) 2- سورة يوسف آية 33 .
(5) 3- سورة يوسف آية 33 .
(6) 4- هنا يأتي بمعنى إن لم تلطف .
(7) 5- سورة يوسف آية 24 . (1/117)
صفحة 118
فإن قيل ما معنى قوله تعالى: { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم } (1) إلى
قوله: { فردوا أيدهم في أفواههم } (2) فلأي معنى الأيدي في الأفواه وأي مدخل كذلك في التكذيب للرسل عليهم السلام قلنا إنهم ردوا أيدهم في أفواههم عاضين عليها من الغيظ والحنق.
مسألة
[ ما معنى قوله : وإلى الله ترجع الأمور ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الأمور } (3) كيف
رجوعها وهي لم تخرج فريدة قلنا أن العباد لما علموا في الدار الآخرة أن لا
نافع ولا ضار إلا اللّه ردوا إليه أمورهم وانقطعت ما لهم من غيره وتيقنوا أن كل ما أملوه من غيره غرور وآفاك رجعوا أمرهم إلى الله.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها
ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون } (4) فلأي معنى ذكر البيوت من ظهورها وأبوابها قلنا إن العرب إذا أرام أحدهم أرباً فلم تيسر له رجع ودخل من ظهر بيته نظيراً فدلهم الله تعالى على أن هذا صعم(5) لا ير فيه وقيل إن العرب سوى قريش ومن يخلوا كانوا إذا أحرموا في سوى أشهر الحرم دخلوا بيوتهم من ظهورها لا من أبوابها.
مسألة
[ ما معنى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى: { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله
سريع الحساب } (6) قلنا أنه سريع العلم بكل محسوب وإنه لما كانوا بنوا الدنيا يستعملون في معاملاتهم الحساب أعلمهم الله تعالى أنه يعلم ما يحسبون بغير حساب.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : والله يرزق من يشاء بغير حساب ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { والله يرزق من يشاء بغير حساب } (7)
__________
(1) 1- سورة إبراهيم آية 9 .
(2) 2- سورة هود آية 9 .
(3) 3- سورة فاطر آية 4 .
(4) 1- سورة البقرة آية 189 .
(5) 2- والأصح والله أعلم : أن هذا صعب .
(6) 3- سورة البقرة آية 202 .
(7) 4- سورة البقرة آية 212 . (1/118)
صفحة 119
فأي تمدح في العطاء بغير حساب قلنا إنه تعالى يرزق بغير تقدير من الرزق والاحتساب منه فالحساب هاهنا راجع للمرزوق لا للرازق تعالى.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : قد افترينا على الله كذباً ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى حاكياً عن نبيه شعيب(1) عليه السلام : { قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذا نجانا الله منها وما يكون
لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } (2) فقال أليس هذا صريحاً منه بأنه
تعالى يجوز أن يفعل الكفر لأن ملة قومه كانت كفراً قلنا إن الملة هاهنا العبادة الشرعية التي كان قوم شعيب متمسكين بها وهي منسوخة عنهم
ولم يعتبها الاعتقادات في الله وصفاته.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك
سليمان } (3) إلى قوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } (4) فكيف يليق بملائكة
__________
(1) 1- شعيب : هو نبي الله أرسل إلى شعب مدين بن إبراهيم عليه السلام وكانوا أهل
تجارة، فكانوا يطففون المكيال والميزان ويماكسون الناس في سلعهم إرادة شرائها
بثمن بخس. فأرسل إليه شعيب. وسمه المفسرون خطيب الأنبياء لحسن مراجعة
قومه وبراعته في الحجة عليهم ودحض حججهم. ورد ذكره في القرآن عشر
مرات : في سورة الأعراف : آيات 85، 88، 90، 92، وفي سورة هود : 84،
87، 90، 95 وفي الآية 177 من سورة الشعراء وآية 36 من سورة العنكبوت
إن مسكنهم شمال بلاد الشام ويُقال أنهم في منطقة الحجار. ويقال أنهم في
الكرك جنوب الأردن ولا منافاة. قصص الأنبياء - النجار ص 145 - 49 ي1.
(2) 2- سورة الأعراف آية 89 .
(3) 3- سورة البقرة آية 102 .
(4) 4- سورة البقرة آية 102 . (1/119)
صفحة 120
الله فعل المذكور من تعلمهم الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه قلنا إن ما هنا بمعنى الذي فما كان تعالى أخبر به عن طائفة من أهل الكتاب بأنهم اتبعوا ما تكذب به الشياطين على ملك سليمان وتنظيفه اليد من السحر(1) فبرأه الله تعالى مما زوّروه عليه فقال: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } (2).
مسألة
[ معنى قوله : فأما الذين في قلوبهم زيغ... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما
تشابه من } إلى قوله: { وما يذكر إلا أولو الألباب } (3) قلنا يحتمل أن
يكون الراسخون في العلم معطوف على اسم الله تعالى فكأنه قال وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به فوقع قوله أمنا به موقع الحال.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : لا تثريب عليكم اليوم... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم
وهو أرحم الراحمين } (4) فلم خص اليوم بالقول ومراده العفو عنهم في
جميع مستقبل أوقاتهم قلنا لما كان هذا الوقت الذي أشار إليه هو أول أوقاته للتي كشف فيها نفسه لهم وأطلقهم(5) على ما كان يستره عنهم من أمره وأشار إلى الوقت الذي لو أراد الإنتقام لابتدأ فيه والذي عفا فيه عنهم لم يراجع الانتقام.
مسألة
[ ما معنى قوله : خلق الإنسان من عجل... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { خلق الإنسّان من عجل سأريكم
__________
(1) 1- السحر : له معان متعددة : 1- الخداع وتخيلات لا حقيقة لها.
2- استجلاب معاونة الشيطان.
3- ما يذهب إليه الاغتنام - أي تغير خلق الله -
وعرفه ابن عرفة المالكي : هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى فتنسب إليه
المقادير والكائنات. عن كتاب أحكام الردة والمرتدين للمحقق. باب السحر.
(2) 2- سورة البقرة آية 102 .
(3) 3- سورة آل عمران آية 7 .
(4) 1- سورة يوسف آية 92 .
(5) 2- الصواب : أطلعهم . (1/120)
صفحة 121
آياتي فلا تستعجلون } (1) في الجواب استقلاب والمعنى خلق العجل في
الإنسان والدليل على قوله تعالى: { وقد بلغني الكبر } (2) أي قد بلغت
الكبر وكقوله تعالى: { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } (3) والمعنى أن
العصبة تنوء بالمفاتيح.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فخر عليهم السقف من فوقهم... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { فخر عليهم السقف من فوقهم } (4) فما الفائدة في قوله: { من فوقهم } والإخرار لا يكون إلا من فوق والإيجاب أفصح قلنا إن من بمعنى عن ومعنى قوله تعالى: { فخر عليهم السقف }
عن كفرهم بالله تعالى كما يقال اشتكى فلان عن دواء شربه فتكون من
وعن بمعنى واحد.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ومن كان في هذه أعمى فهو في
الآخرة أعمى وأضل سبيلاً } فكيف يجوز أن يكونوا في الآخرة عمياً وقد تظاهر الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الخلق يحشرون كما بدأوا سالمين من
الآفات(5) ، لقوله تعالى: { كما بدأنا أول خلق نعيده } (6) وقوله : { كما بدأكم تعودون } (7) قلنا إن العمى الأول عن تأمل الآيات والنظر في
__________
(1) 3- سورة الأنبياء آية 37 .
(2) 4- سورة آل عمران آية 40 .
(3) 5- سورة القصص آية 76 .
(4) 1- سورة النحل آية 26 .
(5) 2- الحديث : الأحاديث الثابتة غير النص المذكور : منها 1- عن أبي هريرة
-رضي الله عنه- أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : «أهل الجنة جردٌ مُردٌ كحلٌ لا
يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم» وفي الباب عن معاذ بن جبل مثله. عن التاج
الجامع للأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 5/413. 2- وعن أبي سعيد
- رضي الله عنه - عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - قال: «من مات من أهل الجنة من صغير
أو كبير يردون أبناء ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبداً وكذلك أهل النار»
روى هذه الثلاثة في المصدر نفسه ص 413 .
(6) 3- سورة الأنبياء آية 104 .
(7) 4- سورة الأعراف آية 29 . (1/121)
صفحة 122
الدلالات والعمى الثاني عن الإيمان بالآخرة والإقرار وربما يجازى به
المكلفون فيها من ثواب وعقاب.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وجاءوا على قميصه... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { وجاءوا على قميصه بدم كذب } (1) والكذب من صفات الإقرار لا من صفات الأجسام وأي معنى لوصفه
الصبر بأنه جميل ومعلوم أن صبر يعقوب على ابنه يوسف عليهما الصلاة السلام لا يكون إلا جميلاً .
ولو ارتفع الصبر قلنا أما الكذب فمعناه مكذوب فيه وعليه كمثل قولهم هذا ماء سكب وشراب صب أي مسكوب ومصبوب.
وأما وصف الصبر بأنه جميل فلأن الصبر قد يكون جميلاً وغير جميل
وإنما يكون جميلاً إذا قصد به وجه الله تعالى وأما ارتفاع الصبر فمعناه
وشاني صبر جميل والذي أعتقده صبر جميل.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وقالت اليهود عزير بن الله... ]
فإن قيل فما معنى قوله : { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت
النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم } (2) ومعلوم القول لا
يكون إلا بالأفواه، قلنا إن القول يحتمل معنيين في لغة العرب أحدهما
القول باللسان والآخر بالقلب، لو أطلق القول لجاز التوهم بالقول بالثاني
فلما قيده بالقول بالأفواه نزل التوهم.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { فغشيهم من اليم ما غشيهم } (3)
يقتضي المعنى قلنا للدلالة على أن الذي أغرقهم ببعض الماء لا كله عن
الغرا(4) وقول أنه غشيهم من اليم ما غشي موسى وقومه إلا أن الله أنجى هؤلاء وأغرق أولئك.
فإن قيل فما قوله تعالى : { قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } (5) فكيف
جاز خطاب المثنى بخطاب الجمع وأصله لآدم وحواء عليهما السلام وكيف نسب فيهما العداوة وأي عداوة كان بينهما قلنا أنه يجوز أن يكون
الخطاب متوجهاً لآدم وحواء وذريتهما لأن الوالدين يدلان على الذرية
__________
(1) 1- سورة يوسف آية 18 .
(2) 2- سورة التوبة آية 30 .
(3) 1- سورة طه آية 78 .
(4) 2- الصحيح : عن الغرق .
(5) 3- سورة البقرة آية 36 . (1/122)
صفحة 123
ويجوز أن يكون الخطاب لهما ولإبليس لعنه الله.
وأما العداوة عداوة إبليس لآدم وذريته مشهورة ودليل قوله تعالى: { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } (1)
ولم يرد كفره كما أراد تعذيبهم وتزهق أنفسهم بل أراد أن تزهق أنفسهم
في حال كفرهم.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } (2)
الآية، قلنا لأن الله تعالى أراد التنور وجه الأرض وأن الماء نبع وظهر على
وجه الأرض، هذا قول عكرمة(3) .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما مثله وقوله أن التنور رافع الأرض وأشرفها لأن الماء نبع من أعالي الأرض وقوله إن التنور الحقيقي الذي يختبز
فيه وإن كان تنور الإد(4) عليه السلام.
النهج السابع
فيما يجوز من الشهادة ومن تجوز شهادته(5)
__________
(1) 4- سورة التوبة آية 55 .
(2) 1- سورة هود آية 40 .
(3) 2- عكرمة : هو عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، سيد بني
مخزوم في زمانه، أبو عبد الله، وأخو الفقيه أبي بكر، سمع أباه وابن عمر
والسهمي وأم سلمة، حدث عنه : ابناه، عبد الله، ومحمد. والزهري، ويحيى
بن محمد بن صيفي، توفي بعد المئة الهجرية. انظر أعلام النبلاء - رقم 149 -
4/370 - 371 .
(4) 3- هكذا في الأصل. والصواب والله أعلم : لآدم .
(5) 1- تعريف الشهادة : مفرد جمعها شهادات : أخبار قاطع، والأخبار بالشيء عن
شهادة وعيان. لهذا الشهادة من المشاهدة، المعاينة. وجاء في النهاية في غريب
الحديث والأثر 2/513 - 514 : 1- الأخبار القاطع ، 2-من أسماء الله
الحسنى – الشهيد ، 3- اليمين. 4- البيان بما في النفس ، 5- الحضور،
6- التحمل ، 7- حافظ.
وفي اصطلاح الفقهاء : إخبار عن صدق بلفظ الشهاد في مجلس القضاء
والحكم. عن البناية شرح الهداية 7/120 .
تعريف بن عرفة : قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه والحكم بمقتضاه
وإن عُدّل قائله مع تعدده أو حلف طالبه» الحدود لابن عرفة ص 445 . (1/123)
صفحة 124
مسألة
[ حكم الإشهاد على الدين ]
أجمع المسلمون فيما عرفنا أن الإشهاد على في(1) الدين غير واجب وإنما ورد الأمر من الله تعالى تأديباً لعباده والحب(2) على حفظ الأموال وحجتهم لو كان الأمر على الوجوب في الإشهاد لكان مثله في الكتابة وحجتهم
قول الله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته } ولهم
حجج تركتها اختصاراً.
مسألة
[ حكم الامتناع عن الشهادة ]
وإذا أدعي الشاهد لأداء الشهادة فامتنع كان عاصياً لربه بتخلفه عن
إقامتها إذ الأمة مجتمعة على فرض أدائها فإن قام بأدائها غيره واستغني عنه
كان عليه التوبة إلى الله من امتناعه مما قد وجب عليه من أدائها.
مسألة
[ متى يضمن الممتنع الحق ]
فإذا تعذر حصول عدلين غيره بطل الحق بتخلفه عن الشهادة من غير
عذر ضمن الحق.
مسألة
[ حكم أخذ العوض على الشهادة ]
فإن أبا أدائها إلا بعوض حرم عليه العوض وكان عليه رده إلى من
أخذه منه.
مسألة
[ 1 - الضرر بالأداء على نفسه وماله ]
[ 2- متى يحل العوض ]
فإن حاذر ضرراً يؤدي للتلف أو تلف من يموت بالاشتغال في أداء
الشهادة من طلب قوت له أو لمن وجب عليه عوله كان الاشتغال بأداء
فرض نفسه أقمن فإن دفع إليه رب الحق عوضاً ليقيم به رمقه كان عليه أداء الشهادة وحل العوض.
مسألة
[ متى تسقط الشهادة ]
فإن أدى الشهادة مرة انحط عنه الفرض وجاز له أخذا العوض على
تأديتها ثانياً ولسقوط فرضها عن المرة الأولى وصار بمنزلة من أكرى نفسه
في عمل لا يلزمه فعله مما هو طاعة لله كالحج وشبهه.
مسألة
[ حكم شهادة العبد ]
الدليل على أن شهادة القن(3)
__________
(1) 2- والصحيح : الإشهاد على الدين .
(2) 3- والأصح : والحث حفظ الأموال .
(3) 1- القن : الرقيق ، يطلق على الواحد وغيره ، وربما جمع على أقنان وأقِنَّة قال
الكسائي : القِن من يملك هو وأبواه وأما من يغلب عليه ويستعبد فهو عبد مملكة
ومن كانت أمه أمة وأبوه عربي هو هجين. أنظر المصباح المنير 2/625 . (1/124)
صفحة 125
غير جائزة أنا رأينا الأمور بينت فيها على التفاضل والمراتب وإن العبيد غير مساوين الأجور(1) في المواريث.
مسألة
[ ثبوت البينة ]
وليس للبيّنة أن تشهد إلا على وجه مستقر عنه من ذكر وأنثى ليلاً كان
أو نهاراً على الأرجح من قول أصحابنا.
مسألة
[ متى يكون تحمل الشهادة ]
وعن الشيخ أبي مالك(2) رحمه الله أنه قال ليس للشاهد أن يتحمل
الشهادة في حال يرتاب فيها فإذا زال الريب جاز له أن يشهد في كل حال
ليلاً أو نهاراً. وشهادة غير المرضي(3) مردودة عقوبة له على فسقه بدليل
الكتاب قوله تعالى: { ممن ترضون } (4) وغير ذلك فأخبرنا تعالى أن الخيار حجة على عباده وسواهم فحجتهم داحضة ولا كرامة.
مسألة
[ عدم قبول شهادة النساء ]
ولم يجعل الله للنساء حجة في نقل الشهادة وإن كثرن عدد الرمل
والأحجار أو عدد أمواج الأبحار اجتمعوا على ذلك أو افترقن جل الطلب
أو دق ولو من أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا رجل معهن ولا يجوز قبول
شهادتهن لحسن الظن أن لا يشهدن زوراً .
مسألة
[ الشهادة قبل الطلب ]
اتفق أرباب العلم إن كل من شهد بحق قبل أن يستشهد أن شهادته هدراً
إلا أن تكون شهادته في حق الله تعالى قبلت اتفاقاً.
مسألة
[ الشهادة للعبد العتيق ]
اختلف العلماء في الشهادة في العتيق إذا لم ترم من متحملها فمن جعلها
حقاً للعبد هدرها ومن جعلها حق لله أمضاها ولو لم يطلبها العبد.
مسألة
__________
(1) 2- الصواب : غير مساوين الأحرار في المواريث .
(2) 1- الشيخ أبو مالك : غسان بن محمد بن الخضر (أبو مالك) الصلاني الصحاري
من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري من شيوخه العلامة محمد
ابن محبوب وولداه بشير وعبد الله أبناء محمد بن محبوب وهو شيخ العلامة
ابن بركة البهلوي، وكان جده من رجال العلم. نشأ ببهلا ثم انتقل إلى صلان
حيث كان يسكن جده. أنظر إتحاف الأعيان ص 432 .
(3) 2- غير المرضي : غير العدول .
(4) 3- سورة البقرة آية 282 . (1/125)
صفحة 126
[ شهادة الأعمى قبل ذهاب بصره ]
وشهادة الأعمى لا تجوز إلا في النسب لمن ربي معه في بيت فيما متيقناً
له قبل ذهاب نظره وفيما عدا ذلك فشهادته غير جائزة وفي نفسي من ذلك لأنه إذا قبلت شهادته فيمن ربي في بيته قبلت فيمن ناء عنه إذ هو محجور
البصر عن القاصي والداني أجمعوا فيما تحمله قبل ذهاب بصره من
الشهادات أنها مقبولة.
مسألة
[ متى تجب اليمين ]
الدليل على اليمين(1) لا تجب إلا مع عدم البينة على الطالب لأن الله تعالى
لما شاء أن سوغ لنا بحقوقنا في حالة القدرة والحضر بإشهاد عدلين فإن لم يحصلا فرجل وامرأتان في الحضر والسفر مسلمون وإذا عجزوا من تحصيل العدلين فقبض الرهن(2) إذا لم تكن بينه وفي ترك الإشهاد في الحضر والسفر إذا كنا ندين فيما بيننا إلى وقت قريب كاليوم مراراً أو أكثر من ذلك.
مسألة
[ شهادة مخالفي المذهب ]
أجمع المسلمون أن شهادة ثقات قومنا من جميع أهل الخلاف غير جائزة
على أ حد من المسلمين فيما يجب عليه شهادتهم كفر وخروج من ولاية
إلى عداوة أو وقوف قلوا أو كثروا ولو كانوا كمنزلة الحسن بن أبي
الحسن(3) أو محمد بن بشير(4) في الثقة والعلم إذ هم مدعون.
مسألة
[ الشهادة على أهل الاستقامة ]
__________
(1) 1- الدليل على ذلك قول - - صلى الله عليه وسلم - : «البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر» بلوغ
المرام من أدلة الأحكام رقم 1437.
(2) 2- الرهن : في اللغة : الثبوت والدوام. يقال : ماءٌ راهن. أي راكد، ونعمة راهنة
أي ثابتة ودائمة. والرهن بمعنى الحبس : قال تعالى : { كل امرئ بما كسب
رهين } الطور 21. وقوله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } المدثر 38 .
اصطلاحاً: المال الذي يجعل وثيقة بالدين، ليستوفي من ثمنه، إن تعذر استيفاؤه
من ذمة الغريم. جواهر الإكليل 2/77 .
(3) 3- الحسن بن أبي الحسن : ورد ذكر اسمه في سيرة المحقق عبد الله بن مداد ص 35 .
(4) 4- محمد بن بشير : لم أعثر له على ترجمة . (1/126)
صفحة 127
واختلفوا بعد ذلك في شهادتهم على أهل الاستقامة(1) في الحقوق وما
تعلق حكمه في الأموال والأبشار وما سوى الموجبات للكفر فقال بعضهم:
إن شهادتهم مردودة في جميع ذلك قل ما شهدوا فيه أو أكثر قل الشهود أو كثروا وأجاز بعضهم شهادتهم في الحقوق وما تعلق في الأموال فقط.
مسألة
[ حكم شهادة غير أهل المذهب ]
وأجاز بعضهم شهادتهم عليهم في كل ما وافقوا المسلمين حتى ألقوا
القصاص ويفاد شهادتهم للمسلم أو يقبض منه وهو على ولايته لأن ذلك
يخرج مخرج الحقوق.
مسألة
[ شهادتهم على أهل الاستقامة في الحدود ]
وقيل لا تجوز شهادتهم عليهم في كل شيء ولا فيما يتعلق به الحدود من الحقوق مثل السرقة(2) والمحاربة(3) للتي يجب بها القطع والغرم وقول تجوز شهادتهم في الحقوق ويغرمون المال المتعلق به الحدود. ولا تقام عليهم
الحدود بشهادتهم وذلك مما لا نعلم فيه اختلافاً.
مسألة
[ شهادة العدول من غير المذهب جائزة على بعضهم ]
وأجمعوا أن شهادة عدول قومنا جائزة من بعضهم على بعض من جميع
أهل القبلة لأنهم ملة واحدة.
مسألة
[ شهادة المسلم على الكافر ]
وأجمعوا أن شهادة عدول القوم جائزة على جميع ملل أهل الشرك في
جميع الأحكام من الحقوق والحدود.
مسألة
[ منزلة شهادة أهل الاستقامة ]
[ أ - أهل الفضل والعلم ]
وشهادة أهل الإقرار بنحلة الاستقامة فعلى ضروب فأهل الفضل والعلم فشهادتهم جائزة على بعضهم البعض في كل شيء وعلى ضعفائهم من
المسلمين وعلى أهل العدل من أهل النحلة وعلى فساق أهل الدعوة المتمسكين بالإقرار بالنحلة المنتهكين لما يدينون به بتحريمه وعلى جميع أهل الخلاف من مضل أو مشرك ما لم ينزلوا منزلة دعوى أو قذف أو خصومة إجماعاً.
__________
(1) 1- أهل الاستقامة : يطلق على المذهب الإباضي .
(2) 2- السرقة : أخذ المال خفية من حرز. وسوف تأتي في الحدود .
(3) 3- المحاربة : السرقة الكبرى وهي قطع الطريق. تطلق على من أخاف السبيل وأخذ
المال وقطع الطريق - باب الحدود. (1/127)
صفحة 128
مسألة
[ ب - ضعفاء المسلمين ]
وأما شهادة الضعفاء من المسلمين ممن ثبتت ولايته وهو ضعيف فشهادته
جائزة على أهل الاستقامة من عالم أو ضعيف وجميع أهل الإقرار ما سوى الشهادة منهم على الأولياء بما يجب به الكفر فقد قيل في ذلك اختلاف.
مسألة
[ أهل الثقة ]
وأما أهل الثقة من المقرين بالنحلة ما لم تثبت له ولاية فقيل إن شهادتهم
جائزة على نحو ما يجوز بشهادة أهل الضعف ممن تثبت ولايته في الأحكام
وما سوى المكفران وما ينتقل به المشهود عليه من الإيمان إلى الكفر وعن
حال الوقوف إلى البراءة.
مسألة
[ من الذي تجوز شهادته ]
قول لا يجوز شهادة أحد من أهل الإقرار بنحلة أهل الاستقامة إلا من
تثبت ولايته وإنما العدل منهم هو الولي عالماً كان أو ضعيفاً أو يوجد عن بعض المسلمين أن أهل العدل دون الولي فمن تظاهرت منه الأمانة بفعل معروف أو ترك منكر مما أمر بفعله أو تركه ولم يركب كبيراً ولا أصر على صغير جازت شهادته عليهم فيما خرج مخرج أهل الاستقامة فالعالم هنا والضعيف سيان
في قبول شهادته على أهل الأحكام دون الحدود والمكفرات.
مسألة
[ شهادة أهل الاستقامة على غيرهم ]
واستحسن الشيخ(1) رحمه الله جائزة أهل هذه الصفة على أمثالهم من
ذوي النحلة وعلى فساق أهل الدعوة وعلى جميع قومنا من علمائهم وثقاتهم وغيرهم وجميع أهل الملل في جميع الأحكام من الحدود والحقوق وأحب
الشيخ أن يجوز شهادتهم على جميع أهل الاستقامة دون الحدود والمكفرات.
مسألة
[ شهادة غيرهم ]
وأحب الشيخ رحمه الله أن يجوز شهادة عدول قومنا فيما وافقوا فيه
أصول دين المسلمين من جميع الحقوق وما يتعلق حكمه في الأموال خاصة
دون الحدود والمكفرات والفروج والعتق الذي يتولد منه أحكام الفروج.
مسألة
[ التفريق في الشهادة حسب الولاية ]
وقال الشيخ رحمه الله : إن أهل العدل من أهل نحلة المسلمين ولو لم
__________
(1) 1- الشيخ : هو أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني . (1/128)
صفحة 129
تجب لهم ولاية أعظم منزلة في وجوب الشهادة من علماء قومنا وذوي
الفضل منهم لأن أحكامهم أحكام أهل الاستقامة إلا ما اختلجهم من جهل العالم بهم.
مسألة
[ شهادة أهل النحلة ]
إن شهادة أهل النحلة لا تجوز على المسلمين في جميع الأحكام من
الحدود وذوو الحقوق والمكفرات ولا يخرج ذلك من العدل لثبوت تدينهم
بدين أهل الاستقامة.
مسألة
[ شهادة أهل النحلة على غيرهم ]
واستحسن الشيخ رحمه الله أن تجوز شهادتهم عليهم في جميع
الأحكام ، ما خلا الحدود والمكفرات.
مسألة
[ في الشهادة ]
ولا تجوز شهادة أهل هذه الصفة معنا على من تثبت له الولاية من علماء المسلمين ولا من ضعفائهم في حد ولا مكفرة فينتفل حكم المشهود عليه من الإيمان إلى الوقوف أو البراءة بشهادة من لم يثبت له اسم الإيمان ولا حكم الولاية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:«المسلمون يد على من سواهم يقوم بذمتهم أدناهم»(1)،
ولقوله تعالى: { ما على المحسنين من سبيل } (2) و { لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } (3) .
مسألة
[ شهادة العلماء البصراء ]
وقال بعض المسلمين لا تجوز شهادة ضعفاء المسلمين في الولاية كما لا
يجوز شهادتهم بالإجماع وفي البراءة وإنما ذلك يجوز شهادة العلماء
البصراء، ومثله في البراءة.
مسألة
[ شهادة المجملة غير جائزة ]
__________
(1) 1- الحديث : نص الحديث : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال
رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير
عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدُّهم على مضعفهم ومتسريهم
على قاعدهم ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» أخرجه أبو داود في
الديات رقم 4531 . وإسناده حسن.
(2) 1- سورة التوبة آية 91 .
(3) 2- سورة النساء آية 141 . (1/129)
صفحة 130
وقول أن شهادتهم جائزة على المسلمين في جميع الأشياء من الضعفاء إلا الشهادة بالمجمل من الكفر والفسق والنفاق حتى يبين الشاهدان بماذا كفر المشهود عليه ويكون الذي شهدا به عليه كفراً وأنهما استتاباه فلم يتب فهناك لا تجوز شهادتهما عليه وينتقل عن حال الإيمان والوقوف في حال الكفر والبراءة.
مسألة
[ شهادة الضعفاء على ضعفاء المسلمين ]
وقول لا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين إلا على ضعفاء المسلمين في الأحداث المكفرات وعلى من لا تثبت له ولاية من عدول أهل النحلة
وعامتهم ممن لم يحب له اسم الإيمان والولاية والقفه والعلم من أعلام المسلمين وأئمتهم في الدين.
مسألة
[ الشهادة في الموجبات للكفر ]
وأما ضعفاء المسلمين فلا تجوز شهادتهم في الموجبات للكفر على علماء المسلمين ولا على أئمتهم في الدين ولو وصفوا الحدث وكان مكفراً مع
أهل المعرفة وأنهم استتابوه فلم يتب وإنما الحجة في ذلك علماء المسلمين.
مسألة
[ شهادة أهل الولاية على أهل القبلة ]
واستحسن الشيخ جواز شهادة أهل الولاية من ضعفاء المسلمين على أهل الولاية من الضعفاء وعلى جميع أهل النحلة من ذوي العدالة وجميع أهل
القبلة وأهل الملل في جميع الأحكام والحدود إذا أوضح الشاهدان الحدث
وأنهما استتاباه فلم يتب.
مسألة
[ شهادة العلماء بعضهم على بعض ]
وأحب الشيخ رحمه الله أن تكون شهادة من وصفناه على المسلمين جائزة
وأما على الأئمة في الدين وعلماء المسلمين فلا يكون عليهم حجة إلا شهادة العلماء من المسلمين العلماء منهم فيما ينتقلون به من ولاية إلى عداوة
أو وقوف.
مسألة
[ الشهادة على الأئمة المنصوبين ]
وأما على الأئمة المنصوبين فعلى ضربين في الشهادة إن كان الإمام عالماً
لحق بالعلماء وجازت شهادته فيما تجوز فيه شهادة العلماء وإن كان ليس
بعالم وقد ثبتت ولايته كانت شهادته كشهادة الضعفاء من المسلمين،
وجازت حيث تجوز شهادتهم وبطلت حيث تبطل. (1/130)
صفحة 131
وأما الشهادة عليه فلاحقة بالشهادة على الأئمة العلماء ولا نحب أن تجوز عليه شهادة في المكفرات إلا من العلماء ولو كان هو من الضعفاء لأنه
عظمت منزلته في الإسلام ولحقت بدرجات الأئمة في الدين فالشهادة
ليست كالشهادة عليه.
مسألة
[ شهادة النساء مع الرجال ]
وشهادة النساء مع الرجال في الولاية فيما تجب فيه أحكام البراءة جائزة
على الأصح إلا في الزنا فقد ورد في الأثر بعدم جواز شهادتهن مع الرجال
في الزنا إجماعاً.
مسألة
[ حكم شهادة النساء مع الرجال في الحدود ]
وقول أنه شهادتهن مع الرجال غير جائزة في شيء من الحدود وجائزة
في الحقوق(1) .
مسألة
[ شهادة النساء وحدهن ]
ولم نعلم أن أحداً من أهل العلم قال أن شهادة النساء وحدهن(2) جائزة
في شيء من الأحكام إلا فيما لا يمكن اطلاع الرجال عليه كالشهادة في
العذرة والرتق والعفل وفروج النساء والرضاع وشهادة القابلة وذلك لمعنى
ما لا يطلع الرجال عليه.
مسألة
[ الشهادة على الرضاع ]
وجائزة شهادة المرضعة وحدها على الرضاع إذ هو فعلها خاص في ذلك شهادة الرجال والنساء إلا ما شاء الله مما يشبه ذلك.
مسألة
[ شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ]
فأما إن جازت شهادتهن فيما يكونا لموضع ما لا يطلع عليه الرجال فبطلت شهادتهن في الزنا لعدم جواز اطلاعهن عليه خاصة.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فإن لم يكونوا رجلين فرجل وامرأتان ]
__________
(1) 1- قال الزهري - رحمه الله - مضت السنة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و الخليفتين =
(2) = من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص. المحلي 9/397 .
1- خالف ابن حزم هذا الإجماع فقال : لا يجوز أن يقبل في شهادة الزنى أقّل من
أربعة عدول من المسلمين أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان فيكون ذلك ثلاثة
رجال وامرأتين أو رجلين وأربع نسوة أو رجلاً واحداً وست نسوة أو ثماني
نسوة فقط. المحلى 9/395 - 396 . (1/131)
صفحة 132
ولما ثبت من قوله تعالى في الأحكام في الشهادة : { فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان } (1) دل على شهادة النساء في غير الزنا جائزة لأنه
لا تجوز فيه سوى شهادة أربعة رجال { فإذا لم يأتوا بالشهداء } (2) كما
قال الله وهم الأربعة فأولئك عند الله هم الكاذبون ولم يستثن نساء.
مسألة
[ عدد الشهود على الزنا ]
فلم خص الحكم في الشهادة من الله بالأربعة في الزنا خاصة ولم يأت
في غيره من الحدود كالسرق والمسكر وغير ذلك لأن ذلك ثابت في جملة الأحكام والمعنى أن نفس الزنا ثابتة فيه شهادة الأربعة فلما ثبتت خصوصية
الزنا ثبت أن مسيناً(3) من سائر الأحكام وثبتت في سائر الأحكام شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
مسألة
[ شهادة المرأة جائز في رفع الولاية ]
وجاء في الأثر عن أهل العلم والبصر أن شهادة المرأة جائزة في رفع
الولاية على قول من أجاز شهادة الواحد في رفع الولاية وإنما التزم الحجة بشهادة الاثنين.
مسألة
[ أ - شهادة النساء في الأحداث ]
وشهادة النساء جائزة في الأحداث على المكفرات بشهادة رجلين فرجل وامرأتان ولا يجوز شهادتهن وحدهن في الإحداث.
مسألة
[ ب - شهادة القن في رفع الولاية ]
وشهادة القن جائزة في رفع الولاية خاصة ولو من أمة وأحدها إذا كانت
ممن تبصر الولاية إجماعاً إلا ما اختلفوا فيه من قبول رفيعة الواحد في الولاية.
مسألة
[ ولاية الأعمى ]
وأما الأعمى فقد اختلفوا في رفع ولايته فأجازها قوم وأبا جوازها آخرون
وأما في سائر الأحكام فلا تجوز إلا فيما اختلفوا فيه على الشهادة في النسب بالصفة على الغير.
مسألة
[ شهادة الأعمى والعبيد في رفع الولاية ]
وأما شهادته في الحدود كالطلاق والعتاق فلا تجوز ولا في شيء من
الأفعال كالبيع والشراء لأنه شهادته تخرج على الظنون ولو عظمت منزلته.
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 182 .
(2) 2- سورة النور آية 13 .
(3) 3- الأصح : أنه مستثنى من سائر الأحكام . (1/132)
صفحة 133
وأما شهادة العبيد الأصحاء الأبصار ففيها اختلاف فالذي يجيز شهادة العبيد في الأحكام يجيز شهادتهم في الأحداث من الزنا وغيره، وحكم
الإماء في الشهادة كحكم الحرائر مع من أجاز شهادة العبيد ولم نعلم دليلاً يبطل قول من أجاز شهادة العبيد إذ هم داخلون في جملة المتعبدين.
مسألة
[ شهادة الضعفاء من المسلمين ]
والضعفاء من المسلمين إذا شهد على الحدث المكفر ولم يتبرءوا من محدثه
فهم حجة على المشهود عليه وإن جهل حكم ذلك الحدث فليس للمشهود
معه على الشهود حجة فإن علم كفر المشهود بما رفعوا إليه جازت البراءة منه.
مسألة
[ متى تكون البراءة من المشهود عليه ]
وأما إذا جهل ما يجب عليه وقامت عليه الحجة بعلم ذلك بوجه حق في المستأنف كان عليه البراءة من المشهود عليه بعد قيام الحجة عليه ممن حجة.
مسألة
[ الشهادة بالحدث ]
وأما إن شهدوا عليه بالحدث وبرؤا منه واتضح للمشهود عنده حكم ما
شهدوا به على المشهود عليه برئ منه.
مسألة
[ متى يكون الشهود قذفة ]
وإذا عزب عليه حكم الحدث وكان المحدث ولياً له ويعلم الشهود ذلك
أو بما تقوم عليهم الحجة بعلمه كانوا قاذفين لوليه ببراءتهم منه عنده ولو لم يبرؤا كانوا حجة بالشهادة وقد أباح الشهود من أنفسهم للمشهود ومعه
حكم براءة الرأي من أجل قذفهم وأما إن شهدوا عليه بالحدث ولم يبرؤا
منه كان حجة عليه وليس على البراءة وليه(1) ولا له ولايته بدين بعد قيام الحجة عليه بالحدث وإن جهل حكم الحدث ولكن له أن يتولى وليه حتى
يتضح له علمه كفره أو بما تجب له البراءة منه.
مسألة
[ حكم البراءة من القاذف ]
وأما إن برؤا من وليه وعلم حكم القذف وكانت له البراءة من قاذف
وليه برأي إن كان حدثه لا يوجب عليه البراءة.
مسألة
[ شهادة الضعفاء على الكفر ]
وأما إذا شهد الضعفاء على الكفر وما أشبهه من غير تفسير لما أحدث
المحدث كانوا قاذفين للولي مدعين فيمن لا ولاية له عند المقذوف معه ولا
__________
(1) 1- الأصح : ولاية . (1/133)
صفحة 134
تجوز شهادة قاذف ولا حجة لمدع ولا منه لأن الضعفاء لا تقوم بهم الحجة في تفسير الأسماء.
مسألة
[ الشهادة بالمعاينة ]
ثم اختلفوا في ثبوت الشهادة على المشهود عليه فمن تجوز شهادتهم فيما
تجوز فيه شهادة الشاهدين على من يجوز عليه فقول : لا تجوز الشهادة على الأحداث الموجبة للبراءة إلا بحضرة المشهود عليه كائناً من كان الشاهدان والمشهود عليه وتفسير منهما بركوب الحدث وحكمه وأنهما عايناه منه أو
سمعا كالشهادة على الزنا أنهم رأوا من الزاني والزانية كالميل في المكحلة.
مسألة
[ متى تهدر الشهادة ]
وأما إذا لم يغير ذلك الشهود على الزنا كائناً من كان الزاني وكائناً من
كان الشهود ما كانوا في ذلك حجة عليه ولهدرت لوجوب الحد.
مسألة
[ الشهادة بالسكر والقذف ]
وكذلك في الخمر والقذف حتى يغير الشهود ذلك وأن القاذف المشهود
عليه قذف هذا بالزنا بلفظ بصفة الشاهد يوجب قذفه للمقذوف بحضرة المشهود عليه.
مسألة
[ إقامة الحد بحضرة الشهود ]
وأما إذا وجب عليه الحد أقيم عليه بحضرة الشهود فلعلهم يرجعون عن شهادتهم قبل إقامة الحد عليه أو لعل المحدث يأتي بحجة يدرأ بها عن نفسه حقيقة ما شهد به عليه المشهود أو توجب بشبهة يدرءوا عنه بها الحد.
مسألة
[ شهادة الشاهدين بحضرة المحدث ]
وقول أن شهادة الشاهدين على المحدث بحضرته جائزة إذا علم أنهما
أدرك الوقت الذي يشهدان عليه فيه أنه أحدث ذلك الحدث فيه وأنه لم
يفسرا الوقت إذا شهدا قطعاً ولم يضيفا ذلك إلى ذلك إلى شهرة ولا يقبل شهادة عن شهادة وكان المشهود عليه حاضرا لا يدري عن سبب نفسه
ببطل شهادتهما لأن الشهود إذا شهدوا قطعاً أحسن بهم الظن.
مسألة
[ الاختلاف في الشهادة في حضرة المشهود عليه ]
واختلفوا في الشهادة عليه في حضرته فقول غير جائز في حضرته حيّاً
كان أو ميتاً عالماً أو ضعيفاً إماما أو رعوانيا وقول تجوز على الحي الغائب ولا تجوز على الميت كائناً ما كان الحي والميت.
مسألة (1/134)
صفحة 135
[ الشهادة على الضعيف من المسلمين ]
وأما الضعيف من المسلمين الحي فقال بعض أهل العلم تجوز الشهادة عليه
ولا تجوز على العلماء والأئمة إلا بحضرتهم كان الشهود علماء أو ضعفاء.
مسألة
[ الشهادة على الضعيف الحي ]
وأما إذا كان الشهود علماء والمشهود عليه ضعيفاً ممن لا تثبت له ولاية
ولا عداوة جازت شهادتهم عليه وبطلت إذا مات وقول تجوز الشهادة على الحي الغائب ولا يبرؤا منه حتى يتوب وتسمع حجته فإذا لم يدرأ الحجة عن نفسه برء منه ضعيفاً كان أو عالماً إماماً أو عامياً.
مسألة
[ الشهادة على العلماء والأئمة ]
واختيار الشيخ رحمه الله أن الشهادة لا تقبل على العلماء ولا الأئمة
العلماء ولو كانوا بحضرتهم وتفسير ما أتوا من على شهادة من شهد عليهم
في ذلك من العلماء.
مسألة
[ الشهادة على الأموات ]
وأما الشهادة على الأموات فمختلف في جوازها إلا على العلماء والأئمة
في الدين الذين ماتوا على حكم الولاية فهؤلاء لا تجوز الشهادة عليهم بالبراءة وأسبابها مما ينقلهم عن حكم ما ماتوا عليه إجماعاً.
مسألة
[ الشهادة على أئمة الضلال ]
وأما ما سوى هؤلاء فمختلف في الشهادة على أمواتهم قول جائز وقول
أنه كل من مات فقد ماتت حجته وغير قائمة عليه الحجة فيما يتعلق منه بالنفس والبراءة حكم في النفس وكائناً من كان في الميت وكذلك اختلفوا
في الشهادة على أئمة الضلال المبتدعين الذين قد هلكوا قول أن من لم
يصح معه حدث هذا الميت قبل موته بنظر أو سماع أو شهرة فلا تجوز عليه، وقول ذلك جائز في أئمة الضلال خاصة ثبت في الأئمة عند من جهل أمره
لا مكان ذلك فيه ولثبوت الإجماع أنه لا يجوز عليه الشهادة.
مسألة
[ منزلة العلماء ]
فإن قيل إن العلماء مأمونون أنهم لا يشهدون على أحد من الأئمة بالضلال
لأن العلماء يحسن بهم الظن قلنا له فتحسن الظن بهم أبطلت حكم الإجماع (1/135)
صفحة 136
أو بحسن الظن أجزت تقليدهم وإن كفروا أو بحسن الظن بهم شهدت لهم بالعصمة فيما غاب عنك أنهم لم يشهدوا زوراً هذا كله باطل.
مسألة
[ شهادة القابلة على الولادة ]
وأما شهادة القابلة فمقبولة إذا قالت أن الولد خرج حياً من بطن أمه إذا
كانت عدلة ولا يقبل قولها أنه ذكر أو أنثى إلا بشهادة عدلين لأن الأول لا يمكن اطلاع الرجال عليه والثاني ممكن.
مسألة
[ الشهادة على الزواج والطلاق ]
وجائزة شهادة غير العدلين في التزويج واختلفوا في الرد من الطلاق
فأجازه بعض وأباه آخرون وهذا هو أرجح القولين ولا تجوز شهادة(1) من
تجر لنفسه نفعاً بشهادته خلا النفع أو نزرا وكذلك من نكث الإثم شهادته مردودة عليه ولا كرامة له.
مسألة
[ عدم جواز شهادة الخصم على خصمه ]
وهدرت شهادة الخصم(1) على خصمه أو دافع مغرماً عن نفسه أو
مجّلب لها نفعاً وكذلك الوكيل لمن وكله باطلة، وأجازوا شهادة وكيل
اليتيم(2) والمعتوه(3) والأعجم(4) وكذلك شهادة وصي هؤلاء والمحتسب(5) لهم
إذا جعله حاكم جائز على الأصح.
مسألة
__________
(1) 1- لأن الشهادة هنا مظنة تهمة. لقوله ص : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة،
ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت». رواه أبو داود.
انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ص 290
رقم 1429 .
(2) 1- اليتيم : جاء في المصباح المنير 2/848 : اليتيم في الناس من قبل الأب فيقال :
صغير يتيم. والجمع أيتام ويتامى وصغيرة يتيمة وفي غير الناس من قِبل الأم
وأيتمت المرأة إيتاماً. فإن مات الأبوان فالصغير لطيم وإن ماتت أمه فقط فهو
عجِي. ودرة يتيمة : أي لا نظير لها.
(3) 2- العته : نقص في العقل من غير جنون أو دهش، المعتوه - المدهوش من غير مس
ولا جنون المصدر نفسه 2/465 .
(4) 3- الأعجم : هو نفسه الذي لا يحسن الكلام وهو عربي أي لكنة في اللسان.
المصدر نفسه 2/469 .
(5) 4- المحتسب : هو الذي يشهد حسبة لله تعالى. (1/136)
صفحة 137
[ حكم شهادة الأقلف والعبد الوثني ]
ولا تجوز شهادة الأقلف ولا العبد الوثني المنتمي لسوى عشيرته ولا
النساء بلا رجل وفي شهادة العبيد اختلاف وأجازوا شهادة النساء على ما
لا يطلعوا عليه الرجال.
مسألة
[ شهادة الأصول للفروع ]
وشهادة الوالدين لولدهما مردودة ولا سيما الأب بأنه يشهد لنفسه إلا
في النكاح والرضاع والحد أو القصاص فجائزة ما لم يأخذ بشهادته ديّة.
مسألة
[ شهادة الفروع للأصول ]
والولد العدل جائزة شهادته لأبويه ولا تجوز شهادة الصبي والأعمى إلا
فيما خص الأعمى من الشهادة في النسب خاصة وإذا شهد العدلان بتحقيق شهادة الأعمى في النسب حكم للمشهود له بالنسب.
مسألة
[ النيابة في الشهادة ]
وتجوز الشهادة عن أهل الأذى إذا كان ذا وصب(1) أو سلطان عنه غته أمور رعيته كالإمام أو القاضي إذا تداعيا الخصمان مع غيرهما أو حملا الشهادة غيرهما ومثلهما النساء المخدورات وليشهد عن كل واحد منهما شاهدان.
مسألة
[ تحمل الشهادة على الميتم ]
وإذا تحملت امرأة شهادة فهلكت فإنها تقبل شهادة امرأة حرة عنها
بعد الممات.
مسألة
[ الشهادة على الرضاع ]
وإذا شهدت امرأة غير عدلة برضاع بين اثنين قبل قولها قبل النكاح
وبعده لا حتى تكون عدلة مسلمة اختلفوا في شهادة الفن وعابدات الوثن
في الرضاع قبل النكاح.
مسألة
[ تعارض البينة ]
وإذا شهدت البنية على حدث وشهدت أخرى ببراءة من شهدت البينة
عليه الحدث فالبينة هي الأولى والأخرى معارضة لا تقبل.
مسألة
[ الشهادة بالشهرة ]
وأما الشهادة على الشهرة في الأحداث على الأحياء والأموات ففي ذلك اختلاف قول لا تجوز على مسلم ولا تكون إلا على السماع والعيان أو
القطع وقول : ذلك جائز على سبيل ما تجوز الشهادة على السماع والعيان
في كل من تجوز الشهادة عليه.
مسألة
[ الرأي الراجح في الشهادة على الشهرة ]
__________
(1) 1- وصب : وجع. شهادة الرجل المريض . (1/137)
صفحة 138
وجائز الشهادة على أئمة الضلال والأصح أن الشهاد على الشهرة غير
جائزة في جميع الأحداث والحدود والقصاص وجميع الحقوق إلا ما خص
من ذلك النكاح والأنساب والموت وما تلد من أسباب الموت.
مسألة
[ الشهادة على النكاح بالسماع أو الشهرة ]
وكذلك ما يكون مخرجه مخرج النكاح من شهرة الأصهار والرضاع
وما أشبهه وكذلك الولي الشاهر فإنه لاحق ملحق الإنسان فالموت وشبهه والنكاح وشبهه والأنساب وشبهها فقيل تجوز الشهادة فيها على الشهرة.
مسألة
[ الشهادة على الضرب والحقوق ]
وأما الشهادة على الشهرة في الضرب والقتل وما يتعلق حكمه في
الأبشار فلا يثبت بذلك قول ولا قصاص ولا ديّة إجماعاً وكذلك الشهادة
على الحقوق كالطلاق والعتاق والإقرار والوصايا والبيع والشراء وما أشبه
ذلك فلا نعلم أن أحداً أجاز الشهادة فيه على الشهرة والبراءة معنا بالحدود أشبه من النكاح والموت والإنساب.
مسألة
[ الشهادة على الحي بالشهرة ]
فإذا شهد الشاهدان على حدث من أحدثه ممن تجوز الشهادة عليه وبينا
أن ذلك من طريق ما صح معهما من الشهرة لحدثه فلا يجوز ذلك فإن
أكذبا عن ذكر الشهرة وشهدا عليه قطعاً وكان حياً جازت شهادتهما عليه.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة في الأحداث ]
وأما الشهادة على الشهادة في على(1) الأحداث في البراءة فغير جائزة إلا
ما جرى اختلافاً من أجازتهما في الحقوق كالنكاح والطلاق والعتاق
والموت والإقرار وما أشبه ذلك.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة في الحدود ]
ولا تجوز الشهادة عن(2) الشهادة في الحدود كلها إجماعاً واختلفوا في
الشهادة عن الشهادة في القتل الموجب للقود(3) والجروح الموجبة للقصاص فأباها قوم وأجازها آخرون وإجازتها أصح لأنها تخرج مخرج الحقوق
__________
(1) 1- الأصح : الشهادة على الشهادة في الأحداث .
(2) 2- الأصح : الشهادة على الشهادة .
(3) 3- القود : القصاص. يقاد الرجل بقاتله . (1/138)
صفحة 139
ولأن بعض العلماء أجازوا شهادة قومنا في الحقوق ولم نعلم أن أحداً أجاز شهادة الشهرة على الحقوق إلا فيما قدمنا ذكر جوازها.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة في الأحداث ]
واختار الشيخ رحمه الله أن الشهادة(2) عن الشهادة في الأحداث والحي والميت فيهما سيان وفي أئمة الضلال لأن البراءة حد من الحدود فما جاز
فيها جاز في الحدود.
مسألة
[ الشهادة على الإقرار ]
وأما الشهادة على الإقرار(1) المحدث بحدثه هدر عنه الحد للشبهة فإذا
وقع عليه أو الحد فلا ينفعه رجوعه إذا كان لزوم الحد عليه من قبل الإقرار
عند الحكم أو شهادة الشهود وهكذا حكمه البراءة ويحسن في هذا
الاختلاف أنه إذا أقروا شهدت عليه البينة لا ينفعه إنكاره كان ذلك قبل
إقامة الحدود عليه أو بعدها.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة على الشهرة ]
فإن قال قائل فلم لا تقبلون الشهادة عن الشهادة وعلى الشهرة في الأئمة السالفين الشاهر ضلالهم إذ ذلك لا يدرك علمه إلا عن الشهادة والشهرة قلنا لا تقبل ذلك ما لم يتضح لنا حكم إحداثه ولكنا نجامع المسلمين ويتولاهم
على البراءة منهم إلا أن يتضح لنا خلاف من أحد وفي أحد من العالمين.
مسألة
[ الشهادة على البراءة ]
فلما إن وجدنا الشهادة على البراءة في جميع الأشياء يلحق ملحق
الحدود بل لم تعلوا ألم نحب أن نترك فضل ما عرفنا وعدل ما أبصرنا فيما ألزمنا أو لزم من التمس منا.
مسألة
[ الشهادة على الشهرة في أمر الأحداث ]
وأحب الشيخ رحمه الله أن لا تقبل الشهادة على الشهرة في شيء من
الإحداث في أمر البراءة كائناً من كان الشهود وكائناً من كان المشهود عليه من الأحياء ولا الأموات أو الحاضرون والضاربون في ذلك سيان.
النهج الثامن
فيما يجوز للإمام وما لا يجوز(2)
__________
(1) 1- الإقرار : هو الاعتراف. والإقرار سيد الأدلة. وهو حجة قاصرة على المقر .
(2) 1- هذا النهج يعرف في الفقه من أبواب السياسة الشرعية. والإمام الحق هو الذي
يتم اختياره ممن يستحقون هذا المنصب الخطير وهو الذي يبايع على حماية البلاد
والعباد وتطبيق شرع الله على القوي والضعيف والزعيم والحقير. (1/139)
صفحة 140
مسألة
[ من هو الإمام ]
قال الله تعالى : { يا أيها الذي آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولو
الأمر منكم } (1)فأجمع أهل الإقرار من جميع أهل القبلة أن أولي الأمر هنا
هم الأمراء والأئمة وإن اختلفوا في لزوم طاعة الأئمة على اختلاف أحوالهم.
مسألة
[ وجوب طاعة الإمام ]
وأجمع أهل الاستقامة على طاعة الإمام العدل ما أطاع الله ورسوله وعمل بالكتاب والسنة والإجماع وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لو وليكم حبشي مجدع وأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا»(2) . وقال الله تعالى:
{ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً } (3) و { ولا تطع كل حلاف مهين } (4) .
مسألة
[ خطبة الصديق عندما تولى الخلافة ]
وجاء الأثر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال في خطبته : «إني وليتكم
ولست بأخير منكم فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».
مسألة
[ طاعة الإمام واجبة ما أطاع الله ورسوله ]
وأجمع أهل الإسلام أن الإمام إذا ثبتت إمامته بوجه حق فطاعته لازمة واجبة مالم يخالف الكتاب والسنة والإجماع ممن كان قبله أو من أهل عصره من المسلمين فما لم يأت بشيء مما ذكرنا فطاعته ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.
مسألة
[ طاعة أئمة الجور ]
واختلف الناس سوى أهل الاستقامة في طاعة أئمة الجور وأجمع أهل
الاستقامة على طاعة الإمام العادل لقوله تعالى: { وأولي الأمر منكم } (5)
__________
(1) 2- سورة النساء آية 59 .
(2) 3- نص الحديث : وأخرج البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول =
(3) = الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن
رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله». البخاري 13/108 في الأحكام باب
السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية. وفي الجماعة باب أمام العبد والمولى.
1- سورة الإنسان آية 24 .
(4) 2- سورة القلم آية 10 .
(5) 1- سورة النساء آية 59 . (1/140)
صفحة 141
فلما وقع الشرط من الله أنه منا وتعبدنا بالطاعة والإيمان علمنا أن من لم
يكن منا ليس تلزمنا طاعته.
مسألة
[ الإمام أن يكون من المؤمنين ]
فإن قيل فإذا صح تأويلكم فقد أوجب الله الطاعة لأولي الأمر من
المؤمنين على أولي الإيمان فلا طاعة للإمام عليه قلنا لما أن خاطب الله الناس كافة أن يكونوا مؤمنين فمن الخطاب خلص وهذا خطاب عام إجماعاً.
مسألة
[ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ]
ولو كان ذلك الخطاب خاصاً للمؤمنين بمن فيهم قد كان قد انقضى
لذهاب المخاطبين به ولكن إنما هو خطاب عام بطاعة أولي الأمر من المؤمنين في الطاعة لا للمعصية لأن المعصية ليست معها إيمان.
مسألة
[ الخاطب بصيغة الجمع للفئة المؤمنة ]
ووجدنا الله تعالى لا يخاطب بالأمور الجامعة إلا المؤمنين لثبوت الإيمان
على الكافة لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } (1)
وقوله : { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } (2) وما خاطب الله المؤمنين فهو خطاب للمتعبدين.
مسألة
[ ثبوت ولاية الإمام كما ثبتت طاعته ]
وأما ولاية الإمام فإن لم تكن نصاً من كتاب الله فيه خاصة كما لم تكن طاعته نصاً من كتاب الله فإنها داخلة في جملة من تثبت ولايته من
المسلمين والمؤمنين وحرمت طاعته على كل كفار أثيم وإن تثبت طاعته مع طاعة الله ورسوله تثبت ولايته لقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله
والذين آمنوا } (3) { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } (4) .
مسألة
[ معرفة عدل الإمام ]
وإذا قامت على المتعبد الحجة بشواهد معرفة عدل الإمام لم يسعه جهل
عدل معرفته إذا كان من أهل عصره ومصره فإن جهل ذلك جاهل وضعف عن ولاية الإمام وتولى العلماء على ولايتهم للإمام ولم يضيع ما لزمه من
حق الإمام فواسع له ذلك.
مسألة
[ حكم من لا يطيع الإمام ]
__________
(1) 2- سورة المائدة آية 6 .
(2) 1- سورة النساء آية 135 .
(3) 2- سورة المائدة آية 55 .
(4) 3- سورة المجادلة آية 22 . (1/141)
صفحة 142
فإن أعان على الإمام أو ترك ما يلزمه من نصرته وطاعته أو يبرأ منه
أو وقف عنه بدين أو برأ من العلماء إذا تولوه ونصروه أو وقف عنهم برأي أو بدين أو وقف عن ضعيف ممن تثبت عليه الحجة بولايته بدين هلك.
مسألة
[ هل العلماء أوجب طاعة من الأئمة ]
فإن قيل فالعلماء عندكم أوجب حقاً من الأئمة إذا قلتم أن ولايته للعلماء
تجزيه عن ولايته للإمام العادل وعن براءته من الإمام الجائر قلنا له جاء الأثر
أن يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤا
من العلماء إذا برؤا من راكبه أو يقفوا عنهم.
مسألة
[ في البراءة والولاية للجائر ]
وقال بعض أهل العلم أنه لا يسع جهل ولاية الإمام العادل ولا البراءة من
الجائر كل من شاهدهما وحضر عدل العادل أو جور الجائر.
مسألة
[ تلزم طاعته بتحقق شروط الطاعة ]
وأجمعوا أن لا طاعة على من لم يحمه وتمنعه من الجور والعدوان إلا من
خصه ذلك من إلزام نفسه طاعة الإمام له وإنما تلزم طاعة الأمام أهل مصره والمستولي بالبيعة عليه الذاب له من الجور فهنالك تلزم طاعته أنفذ في رعيته جميع الأحكام.
مسألة
[ الامتحان قبل تولي المسؤولية ]
ولو أن أحداً من رعية الإمام ممن يقدر على نصرته في جميع الأحكام
عافاه من أن يمتحنه الإمام باستعماله في شيء من مصالح الإسلام حتى مات بذلك سالماً ولم تلزمه طاعته في مخصوص أمره.
مسألة
[ تقديم من هو أحق بالإمامة ]
وأما تقديم الإمام إماماً على المسلمين عند المكنة منهم والقدرة وزوال
العذر من التقية(1)
__________
(1) 1- التقية : من أتقى. أي أخذ الحيطة والحذر. أتقي الشر بيدي، أي أحذر الشرور
وأجعل بيني وبينه حائل. والتقية : أن تظهر لشخص المحبة أو السمع والطاعة
وقلبك خلاف ذلك خوفاً من شره. فمن المذاهب الفقهية كالإمامية عندهم
التقية جزء من العقيدة. أما غيرهم تجوز التقية في خوف من تتقي على نفسك
أو أهلك أو مالك. والله أعلم. (1/142)
صفحة 143
وحضرة من هو حجة في تقديمه فقد قيل إن ذلك لازم للمسلمين ولا يسعهم تركه بعد القدرة عليه.
مسألة
[ أهمية العقد والمبايعة ]
وقول إن ذلك لا يلزمهم الدخول فيه ولا العقد له وإنما هم مخيرون في
ذلك فإن دخلوا فيه وجب عليهم القيام به وزال التخيير وكانوا حجة للإمام وعليه فيما قد ألزموا أنفسهم من ذلك وكان قد خرج من حد النفل إلى الفرض وقيل دخولهم فيه لم يلزمهم الدخول في نفل يصير بدخولهم فيه فرضاً.
مسألة
[ لا يجب فرض باختيار ]
وأما إذا لزم الفرض بدخول غيرهم ممن هو حجة لزمهم الدخول في
الفرض والوقاية وهذا أشبه بأحكام الكتاب والسنة أنه لا يجب فرض
باختيار وأن كل اختيار هو نفل.
مسألة
[ عدد من يجب عليهم تنصيب الإمام ]
فإن قيل فكيف يكون ما أصله وسيلة فإذا دخل فيه الداخل صار فرضاً
قلنا لو اجتمع أربعون رجلاً فصاعداً من المسلمين في حال لا يكونون
قادرين ضعفاء وكانوا في حال التقية وفيهم من يقوم به عقد الإمامة فعقدوا الإمام في حال لم يكونوا به مخاطبين بذلك كان ذلك الإمام إماماً وأن له
من الطاعة ما للإمام المعقود له في حال لمن خصه من الناس فهذا ما أصله وسيلة فصار بالدخول فيه فرضاً.
مسألة
[ مثال : كفارة اليمين ]
فإن قال قد جعل الله في كفارة الأيمان الخيار بين العتق والإطعام
والكسوة قلنا لأن هذا أمر قد دخلوا فيه ورام الخروج منه والعقد لم يدخل
فيه فليس عليهم الدخول في أمر هم فيه مخيرون وسالمون قبل الدخول.
مسألة
[ الأصل الذي قيس عليه ]
فإن قيل فبأي عله شبهتهم وعلى أي أصل نستم(1) قلنا بالنكاح لأن أوله باختيار فإذا عقد صار فرضاً ووجب عليه ما للزوجة من معاشرة ونفقة وغير ذلك من ميراث ولا ينحل إلا بطلاق.
مسألة
[ مناقشة القياس ]
__________
(1) 1- الأصح : وعلى أي أصل نسبتهم ، أو على أي أصل قستهم . (1/143)
صفحة 144
فإن قيل إن الإمامة فريضة على كافة المسلمين والنكاح إنما هو فرض على الزوجين قلنا فإذا كانت الفرائض تنعقد بما كان أوله اختيار فسواء كانت
عامة أو خاصة والإمامة أشبه أحوالها بالنكاح ويستدل على الشيء بشبهه.
مسألة
[ الرد على المناقشة ]
فإن قال ليس الإمامة بمنزلة النكاح ولا شبهة به لأن الإمامة فريضة لازمة والنكاح إنما يدخل فيه العبد لقضاء شهواته ولذاته قلنا النكاح أشبه شيء بوجوب الإمامة لعلامات ذلك في كتاب الله ولا نقول أن ذلك على
الفرض بل على إطلاق قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من
النساء } (1) والإمامة ليس لعقدها علامة.
مسألة
[ غصب الإمارة والإمامة ]
واختلف الناس في غصب الإمارة والإمامة والاستبراز لها وأبنوا لها على
ذلك الطاعة وقالوا أنهم أولوا الأمر ولم نعلم أن أحداً قال بذلك في النكاح
من أهل القبلة ولا غيرهم.
مسألة
[ متابعة النقاش والرد ]
فإن قال النكاح اختيار بوجوب فرضاً يراد به بلوغاً لشهوة ولذة والإمامة باختيار يوجب فرضاً لأداء فرائض الله وإزالة محارمه وبلوغ إلى إقامة
حدوده قلنا كذلك عقد النكاح يوجب حقوق للزوجين على بعضهما
لبعض لا تجب إلا بعقد ذلك الفرض الذي صدر على الاختيار من الكسوة والنفقات وحسن الصحبة والمعاشرات.
مسألة
[ متابعة النقاش والرد ]
وأجمعوا على أن الذي يدرك الزوج من الزوجة لا يصح إلا بنكاح
وأجمعوا أن عدم عقدة الإمامة للإمام جائزة لأولي العقدة من علماء
المسلمين أن يقوموا بما يجوز أن يقوم به الإمام من أمر بمعروف ونهي عن
منكر وعقد رايات ومحاربات ونفقات غير ذلك وتزويج من لا ولي له
من النساء.
مسألة
[ من يقيم الحدود ]
وأما الحدود فقد اختلفوا في إقامتها فقول إنها لا يقيمها غير الإمام لقوله
تعالى: { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } (2) الآية.
__________
(1) 1- سورة النساء آية 3 .
(2) 1- سورة النور آية 8 . (1/144)
صفحة 145
وقال بعض جائز أن يقيم الحدود غير الإمام إذا تعذر واحد أنه(1) لقوله
تعالى: { فاجلدوهم ثمانين جلدة } (2) فالخطاب الأول للمفرد والثاني للجمع لأن الحدود ضرب من الأحكام، وما جاز في الأحكام جاز في الحدود.
مسألة
[ مقدار الشهادة على مبايعة الإمام ]
وإذا شهد اثنان فصاعداً من علماء المسلمين من أهل المصر أنهم بايعوا
الإمام وخطب لهم بالإمامة بحضرة من تقوم به الحجة في عقد الإمامة
وكانوا في حال القدرة على الإمام في الإنكار عليه والعاقدين له الإمامة أن
لو أتوا بما لا حجة لهم فيه على المسلمين من الباطل ولم ينكروا حتى افترق المجلس فقد تثبت إمامة الإمام على من حضر وغاب وليس لأحد دفع ذلك والامتناع أن يبيح فيه إلا أن يوضح حجة على المسلمين وإمامهم.
مسألة
[ متى تجب ولاية الإمام وطاعته ]
ومن شهر لديه عقدة الإمامة ولم يشهر له عقدة العاقدين له ولا بين من
الأعلام نكير على الإمام أنه متدين بباطل فقد وجبت ولاية الإمام وطاعته.
مسألة
[ بيعة المنتحل للباطل ]
وإن صدرت بيعة الإمام من منتحل الباطل فهذا الأمام ضلال مبطل لقوله
تعالى: { ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } (3) .
مسألة
[ صدور البيعة من مجهول الحال ]
وإن صدرت بيعته من مجهول الحال وكان المبايعون له العوام فلا نحب
لمن لم يعرف الإمام ولا كيفية عقدته أن تكون له حجة في إمامته ولا في ولايته ولا البراءة منه حتى يتضح أمره فإذا اتضحت سيرته وبلغت دعوته
حكم عليه بما اتضح من أمره ضلالاً كان أو هدى وإن اختصم هو والعلماء صاروا هم أحق بالأمر منه واختاروا لأنفسهم ما وافق الحق وإن دان له
العلماء بالطاعة كانوا له حجة وإن أنكروا كانوا حجة عليه.
مسألة
[ تصديق الإمام وسؤاله ]
وأما تصديق الإمام وسؤاله فهو مصدق وعلى قول من قال بتصديق
__________
(1) 2- الصواب: وجدانه .
(2) 3- سورة النور آية 4 .
(3) 1- سورة النساء 141 . (1/145)
صفحة 146
الواحد في عقد الإمام لأن الواحد إنما هو حجة بمنزلة المدعي والحجة الاثنان على معنى الرقيعة(1) للولاية ولصحة العقدة فإذا كان الإمام بصيراً بالولاية والبراءة مأموناً وادعى أنه أخذ الإمامة عن من يجوز أخذها منه جاز تصديقه لمن أراد تصديقه ولكن حجته على من أبى تصديقه إلا أن يكون بمنزلة من يظهر أمره على الرعية ويدينون بطاعته وتعذرت عليه صحة ذلك لما قد تقدم
من صحة عقد إمامته فإني أحب أن يكون هنا حجة لئلا ينهدم أمر المسلمين.
مسألة
[ زوال إمامة الإمام ]
قال المصنف(2) هذا نظير من ادعى الجهل بما زالت به إمامة الإمام بعد
شهرته في الرعية وأنه لم يعلم ذلك وهذا محال.
مسألة
[ سؤال الإمام ]
وأما سؤاله فلا يجب ولا سؤال غيره ما لم تقم الحجة بباطله فيبرأ منه أو
عدله فيتولاه وإن توسل سؤاله فأخبره وهو ممن يبصر ذلك وسعه.
مسألة
[ الإقرار له بالولاية ]
وأما بيعته فإذا صحت إمامته فإنما عليه الإقرار بالإمامة والطاعة ولا يجدد
له أمراً ولا عليه فإذا صحت عقدة الإمام من أهل الحجة فهو محق وإن
صحت من أهل الباطل فهو مبطل حتى يتضح منه أحد الأمرين.
مسألة
[ استخلاف الإمام عن طريق الوصية ]
وأما إذا كانت أحكام العدل ظاهرة ومات الإمام وعقد لغيره في موضعه
فهو إمام تجب إمامته وولايته ولا يبحث عنه ما لم يظهر عليه الأَعلام نكير.
مسألة
[ من هم العاقدون للولاية ]
وإن كان العاقدون من أعلام المصر المنصوبين للفتيا ولو كانوا عدولاً ولا
__________
(1) 1- الرقيعة: من الرقعة، الرقاع التي تكتب، والرقعة الخرقة. تقول من رقع الثوب.
والرقيع : سماء الدنيا وكذلك سائر السماوات. وفي الحديث : من فوق سبع
سماوات. وفي رواية من فوق سبعة أرقعِة والرقيع والمرقعان بالفتح الأحمق.
والله أعلم.
(2) 1- المصنف : مؤلف الكتاب المشروح . (1/146)
صفحة 147
ليسوا بأعلام من منصوبين وإن كانوا عالمين بما دخلوا فيه من عقدها ويتولى بعضهم بعضا وصحت ولايتهم مع أرباب زمانهم فذلك حد علمهم ولو لم يعلموا فنون العلم كلها.
مسألة
[ مهمة الإمام ]
وأما الإمام فلا نعلم أحداً يقال أنه منصوب للفتيا وإنما المنصوبون الأئمة
في الدين للأحكام وإقامة الحدود وأما العلماء فمتفاضلون في العلم بقدر
منازلهم فيه.
مسألة
[ أحوال الشهادة مع أحوال الأزمنة ]
عن القاضي عيسى(1) في شهادة عقد الإمام عند من خفي عليه أمره فإذا كانت أيام فتنة فلا تقبل شهادة العالم الواحد حتى يشهد عالمان وقبل شهادة الواحد لمن أشكل عليه أمر الإمام مقبولة.
مسألة
[ أهمية معرفة أهل الدار ومذهبهم ]
ومن ولج دار وبها إمام وعزب عليه علم سيرته فوجد أهل الدار على دين
أهل الاستقامة لزمته ولاية الإمام لأن ولايته لازمة وإن وجدهم مختلفين فيه وكلهم على دين المسلمين فهو على إمامته حتى يزيله عنها حدث.
مسألة
[ الإمام حسب الأغلبية ]
فإن كان ضارباً فآب فوجب بالمصر إماماً ورام أن يبايعه فإن كان المصر
غالباً عليه أهل الاستقامة ولم يكن فيه من يضاددهم بالخلاف ولزمت
نصرته وثبتت بيعته أو لم يبايعه وإن غلبت على أهل المصر السائرين بدين(2) الضلالة فهو مبطل وإن كان مختلفاً فمشكوك وكل مشكوك موقوف عنه.
مسألة
[ اختلاف أهل المصر ]
وأما إذا كان المصر الغالب فيه دعوة المسلمين غير أن أهل المصر
مختلفون في مشكل فبرأ بعضهم من بعض فقد خرجوا من حكم أهل
الاستقامة عند الطاري إذا علم البراءة ولم يعلم على ما يبرءون سبقت لهم
عنده حالة فهم على حالتهم.
مسألة
[ التأكد من إمامة الإمام ]
وإذا سئل الإمام عن إمامته فعليه أن يبين لعلماء المسلمين صحة إمامته لتقوم الحجة عليهم وتلزمهم طاعته وليس عليه أن يبين للعوام لأنهم تبع للعلماء.
مسألة
__________
(1) 1- لم أعثر له على ترجمة ولا ذكر فيما اطلعت عليه .
(2) 1- في الأصل : السد بدين الضلالة . (1/147)
صفحة 148
[ سؤال أهل الفضل له ]
وأما إن سئل أهل الفضل ومن تقوم به الحجة في المصر على العوام فعليه
أن يبين لهم ما هو مخفي أمره في أصل إمامته.
مسألة
[ الادعاء يحتاج إلى إثبات ]
وإذا ادعى صحة إمامته فلا تقبل منه إلا أن يظهر ممن عقد له من
المسلمين صحة ذلك.
مسألة
[ إذا لم يسأل لا داعي للإظهار ]
وإذا لم يسأله فليس عليه إظهار ذلك إليهم حتى يسألوه لأن عنده أن
أهل مملكته راضون به وإنما ينبغي له أن يوضح سلامة حاله إذا كان أمره
مخفياً في رعيته وظن أن أمره ملتبساً عند الرعية ليزيح الشك وسوء الظن
عن نفسه.
مسألة
[ قبول ما قبل المسلمون ]
وعن بشير(1) وإذا سئل عن من عقد له فقال قبلتها من المسلمين قبل منه.
مسألة
[ وجوب طاعة الإمام على الغرباء ]
أبو محمد(2) رحمه الله في وجوب طاعة الإمام على الغرباء القادمين من
غير مصره فلا يحتاجون إلى معرفته بالبينة العادلة بل يعلمون بالقلنسوة
وإنفاذ الأمر واجتماع الناس عليه وبالدلائل من قلوبهم.
مسألة
[ إذا عقد الجماعة لا يجوز المخالفة ]
وإذا عقد الجماعة الذين هم حجة الله للإمام فيما ظهر أنهم على الحق
فهو حجة للرعية وعليها ولو عقدوها لزنديقي فيما خفي ولو بايعوه في سرائرهم على بيعة الخوارج(3) والروافض والمرجئة.
مسألة
[ ولاية أئمة العدل ]
وأجمع المسلمون على ولاية أئمة العدل والبراءة من أئمة الجور إذا صح
__________
(1) 1- بشير : هو بشير بن محمد بن محبوب. سبق ترجمته .
(2) 2- أبو محمد : عبد الله بن محمد بن بركة السليمي. سبق ترجمته .
(3) 3- الخوارج : من الخروج. وقيل : الذين خرجوا على علي - رضي الله عنه – في
النهروان. وقيل : هم المحكمة الأولى. وقيل : هم جماعة ابن الأزرق. ويذكر
ذلك عبد الله بن أباض - رحمه الله - في رسائلهم لهم. وينكر الإباضية منذ
نشأتهم أنهم من الخوارج ويعتبرون القدرية والمرجئة هم الخوارج وجماعة ابن
الأزرق. والله أعلم. أنظر الفكر السياسي عند الإباضية - فصل الخوارج ص 90. (1/148)
صفحة 149
العدل أو ضده ولو لم يكونوا في قبضتهما.
مسألة
[ مخالفة حكم الإمام لسائر الأئمة ]
وهل يجوز الوقوف عن الإمام إذا أتى بها(1) ينقل النفوس من أجله
كسائر الأولياء فإن علم أن حكم الإمام في هذا غير حكم سائر الأولياء فهو مخصوص بالاستدامة على أصل ما كان عليه.
مسألة
[ إذا كفر الإمام وعزب على أهل الدار فماتوا على الولاية ]
وإذا حكم الإمام بحكم أكفره وهو لا يدري وعزب على أهل الدار علم
كفره فماتوا على ذلك وهم يتولونه فقد هلكوا بهلاك الإمام وسقطت
ولايتهم وإذا أحدث الإمام حدثاً لا يسع الناس جهله لم يكن إلا البراءة منه والبراءة ممن شك فيه.
مسألة
[ الإمام مصدق فيما يسع جهله ]
وأما الحدث الواسع جهله فالإمام فيه مصدق مأمون ولو ارتكب في
سريرته وعلى رعيته ولايته من عالم وعكسه إلا من عرف باطل الإمام بوجه من الوجوه فإن كان العالم به من العلماء فعليه البراءة منه ومن ضاق عليه علم حكمه وقف عنه ومع وقوفه لا تسعه البراءة من العلماء ولا الوقوف
عنهم برأي أو بدين فإن فعل ذلك وإن تولى الإمام بدين هلك ومن برء ممن تولاه ممن لم يعلم أنه علمه كعلمه هلك.
مسألة
[ للعالم أن يبرأ حسب علمه ]
وليس للعالم بباطل الإمام من عالم وعكسه أن يبرأ منه مع أحد من أهل
الدار ممن تجب عليه ولايته إلا من علمه كعلمه فإن فعل هلك ولزمته التوبة
ولا تسع مجامعته على البراءة من الإمام وعلى العالم بخطا الإمام أن يتولى
العلماء من رعية الإمام والضعفاء على ولايتهم للإمام.
مسألة
[ إذا ارتكب الإمام منكراً لا تجب ولايته ]
وإذا كان المحدث ممن يكون الإمام فيه محجوجاً كشرب الإثم أو أكل
لحم الخنزير أو أكل ربا أو زني أو ما أشبه ذلك فكل من علم ذلك من الإمام حرمت عليه ولايته علم الحكم أولم يعلم بدين بل برأي إن جهل كفره
وعلى من علم حدثه من العلماء أن يبرؤا منه وممن تولاه بدين فالإمام وغيره في هذا سيان.
مسألة
__________
(1) 1- الأصح : بما ينقل النفوس . (1/149)
صفحة 150
[ الحدث فيما لا يسع جهله ]
وإذا كان المحدث مما لا يسع جهله ولم يشتهر فالبراءة سريرة لمن علم من ضعيف أو عالم ولا يسع إظهاره البراءة حتى يشتهر الحدث شهرة تقوم بها الحجة على أرباب مملكته.
مسألة
[ ادعاء عدم العلم ]
ومن ادعى أنه لم يبلغه علم الحدث واحتمل ذلك فقوله مقبول والبراءة
معه من الإمام محجورة لأنه مأمون على دينه.
مسألة
[ الإصرار على الصغائر وارتكاب الكبائر يوجب العزل ]
وإذا كان الدار دار عدل جار عليها حكم الإمام ثم أحدث الإمام حدثاً
تلزمه فيه التوبة فالدار بحالها حتى يستتاب فلم يتب من ركوب كبيرة أو
أصر على صغيرة فعلى المسلمين عزله.
مسألة
[ استيلاء أهل العدل على دار الكفر ]
وإذا كان الدار دار كفر وضلال واستولى عليها أهل الإسلام ونفذ فيها حكمهم فالدار دار عدل.
مسألة
[ كفر الإمام ولم ينكر عليه ]
وإذا كفر الإمام ....... (1) ولم ينكر عليه الأعلام تحولت الدار عنهم
جميعاً أنكر عليه البعض ولم ينكر البعض واختلفوا صارت الدار مع منكر
الجور والداعي للحق حتى يظهرهم الله على من أنكروا عليه.
مسألة
[ إذا كان السلطان جائراً فكيف العمل؟ ]
وإذا كان في الدار سلطان جائر وظلمة فساق يظلمون الناس فإن كان للمسلمين قدرة على الإنكار أنكروا فإن بدؤهم القتال قاتلوهم بعد إقامة الحجة وإن رأوا معروفاً يأمروا به فلهم فضل ذلك.
مسألة
[ كيفية الخروج على الجبابرة ]
وإذا رأى المسلمون الخروج على ديار أهل الجور فالوجه أن يقيموا إماماً
عادلاً لأن الأحكام لا تقوم إلا بإمام يدعو الجبار إلى الإذعان لطاعة الرحمن
بما حكم في القرآن.
مسألة
[ إظهار العدل برد دعوى الباطل ]
ولا يثبت قوم على العدل إذا لم يمنعوا أهل الباطل ويردعوهم عن
باطلهم فيكون ذلك ظهوراً للعدل مع ظهور الباطل باطلهم لم يكن ذلك إلا على أحد الوجهين أما كتمان أهل الحق لأنهم معمورون أو مداهنة حتى
__________
(1) 1- كلمات غير واضحة في الأصل . (1/150)
صفحة 151
يظهر أهل المنكر منكرهم قال الله تعالى: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } (1) .
مسألة
[ صفات الإمام العدل ]
ولا تجوز إمامة الإمام حتى يكون عدلاً ولياً قوياً على نكاية العدو ومن
دان بباطل فلا يكون إماماً للمسلمين وهو خليع وإن كان قال بعض يجوز بإمامة الضعيف.
مسألة
[ إذا عقدوا للمبطل وسار سيرة أهل الحق ]
وإن عقدوا المبطل وسار سيرة أهل الحق فهذه عقدة باطلة ولا تحل له
الإمامة إذ هو ليس كفء لها ولا كرامة له وليس له إنفاذ شيء من الأحكام
لأنه أثبت الفرع.
مسألة
[ خفاء عدل الإمام ]
فإن قيل أليس إذا خفي عدل الإمام نظر إلى سيرته فإن مضت له سنة على العدل ثبتت إمامته قيل له ذلك حيث يكون حكم الموافقة في الدين في
الظاهر ولو خفيت سريرته وأما هذا فقد صحت ضلالته إلا ترى إلى إمامته عمر بن عبد العزيز(2)
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 63 .
(2) 1- عمر بن عبد العزيز : ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
ابن عبد مناف.. الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد السيد أمير المؤمنين
أبو حفص القرشي الأموي، أشج بني أمية. حدث عن جمع من الصحابة منهم
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وسهل بن سعد وغيرهم.
وعن عدد كبير من التابعين منهم سعيد بن المسيب وعروة، وأبي سلمة بن عبد
الرحمن، وعامر بن سعد وغيرهم. حدث عنه : أبو سلمة أحد شيوخه وأبو بكر
بن حزم، ورجاء بن حيوة، وابن المكندر والزهري وغيرهم الكثير. أمه : هي أم
عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. ولد عام 63هـ وكان ثقة مأموناً ورعاً.
وكان إمام عدل ورشد رحمه الله ورضي عنه. توفي رضي الله عنه سنة
101هـ بعدما حكم فعدل وأعاد الحق لنصابه فاستشهد رضي الله عنه.
سير أعلام النبلاء 4/112 - 148 رقم 48 . (1/151)
صفحة 152
وإنما تثبت بالرضى والتسليم لأن المسلمين لم يجتمعوا على عقدة إمامته وإنما قدم سليمان بن عبد الملك(1) فحسنت سيرته فطلبوا
منه إظهار دين الله فأبا ففارقه المسلمون.
مسألة
[ مناقشة الإمامة في قريش ]
تنازع المسلمون في قوله عليه السلام : «الإمامة في قريش»(2) فقول أنها
لا تكون إلا في قرشي وقول تكون في غير قرشي لأنه وصل الكلام بقوله : «ما حكمت فعدلت وقسمت فقسطت فإذا لم يفعل فضعوا سيوفكم على عواتقهم واحصروهم».
مسألة
[ مناقشة لحديث الأئمة من قرش ]
وقول ليس معناه أنها لا تصلح إلا في قريش وإنما معناه تصلح في قريش
وغير قريش لئلا يبطل فرضها مع من لا يصلح لها من قريش هذا عن أبي بكر
الأصم(3)
__________
(1) 2- سليمان بن عبد الملك : بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة أبو
أيوب القرشي الأموي . بويع بعد أخيه الوليد سنة 69هـ ، كان ديّناً فصيحاً =
(2) = مفوهاً عادلاً محباً للغزو. نشأ بالبادية ومات بذات الجنب، ونقش خاتمه : أومن
بالله مخلصاً. وأمه أم الوليد هي ولادة بنت العباس بن حزن العبسية كان ينهى
الناس عن الغناء وكان محباً للأكل. كتب العهد لعمر بن عبد العزيز، توفي
- رحمه الله - سنة 99هـ وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وقيل : عاش 40 سنة
وخلافته سنتان وتسعة أشهر وعشرون يوماً. أنظر سير أعلام النبلاء 4/111 -
113 رقم 47 .
1- حديث الإمامة في قريش : رواية (كلهم من قريش) البخاري 13/81 في
الأحكام ومسلم رقم 1821 في الإمارة. باب الناس تبع قريش. والترمذي رقم
2224 باب ما جاء في الخلفاء وآخر في المسند 5/87 ، 90 ، 92 ، 95 ، 97 ،
99 ، 101 ، 107 ، 108 .
(3) 1- أبو بكر الأصم : لعله أبو عبد الله عثمان الأصم العقري النزوي صاحب كتاب
البصيرة في الأديان والأحكام، التاج، والإبانة في أصول الديانة وكتاب العقود.
انظر نزوى عبر الأيام ص 132 . (1/152)
صفحة 153
إذا اتفق لنا قرشي ونبطي(1) ولينا النبطي لنكون على عزله أقدر.
مسألة
[ عدم جواز إمامة الأعمى والأخرس ]
ولا تجوز إمامة الأعمى لأنه قضيت له ولا شهادة وكذلك الأخرس
الذي لا يعبر بالكلام ولا الأعجم وهو أبعد من الأخرس في الأحكام
وكذلك المجنون الذي لا يفيق حكمه حكم الأخرس والأعجم وإن كان
المجنون يفيق ففي إمامته اختلاف.
مسألة
[ الجنون سبب في عزل الإمام ]
ومما يوجد في الأثر أن الأمام إذا جن ولم يفق عزله المسلمون وقدم غيره
وإن أفاق في بعض أوقاته ففي عزله اختلاف.
مسألة
[ إمامة المملوك ]
ولا تجوز إمامة المملوك(2) ولو كان عدلاً مرضياً لأنه لا تجوز شهادته ولا
تثبت قضيته فإذا هو لا يملك أمر نفسه ومن لا يملك أمر نفسه فكيف يملك أمر غيره.
مسألة
[ إمامة الصبي ]
وإمامة الصبي لا تجوز وإن كان مراهقاً لأنه قد رفع عنه القلم فمن لم
يكن عليه حساب ولا عقاب فكيف يحاسب غيره.
مسألة
[ إمامة المحدود ]
واختلفوا في جواز إمامة المحدود أجازها قوم وأبا جوازها آخرون ومثله
المحدود في الزنا وإجازة إمامته أبعد وجائز إمامة اللقيط(3) واليهودي
والنصراني إذا أسلما وأما ولد الزنا فلا.
مسألة
[ حكم الولاية من غير مشورة ]
أبو عبيدة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن الخلافة ما تمن عليها
__________
(1) 2- النبطي : الذين يعملون في الماء أي حفر الآبار وهم من العرب غير قريش.
أخلاط من الناس. ورد ذكرهم. في أحاديث السَّلم.
(2) 3- لا تجوز إمامة المملوك : لأن الولاية والإمامة ولاية عامة ، و المملوك أصلاً لا =
(3) = ولاية له لأنه ملك لسيده.
1- اللقيط : هو من وجد مرمياً على الأرض في غامر أو عامر ولم يعرف والداه.
وسبب رمي الطفل إما خوف العار، أو خشية الفقر. (1/153)
صفحة 154
أي ما كان عن مشهورة أهل العلم والصلاح والملك ما أخذ بالسيف فمن كانت إمامته عن غير مشهورة(1) العلماء فهي ملك وكذلك من عقد له الأشرار فهي ملك.
مسألة
[ ضروب الإمامة ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله تعالى أن الإمامة على ضربين إمامة
شري(2) وإمامة دفاع فأما الشراء فينقسم على قسمين فإمام الشرى فعالم من العلماء ويصير قوي ورع على ما يؤمرنه من صفات الإمامة.
مسألة
[ حكم إمامة الإمام الضعيف ]
والقسم الثاني : فإمام عنده علم يتولى ببصر نفسه إلا أنه ضعيف في
الشريعة والأحكام وقيل إن إمامته جائزة إذا كان بهذه الصفة وإذا لم يكن
بهذه الصفة فلا تجوز إمامته.
مسألة
[ أقسام إمامة الدفاع ]
وتنقسم إمامة الدفاع على أربعة أقسام فأمام الدفاع عالم من العلماء
يصير مبصر قوي على أمور المسلمين وحاله ومنزلته في أكثر أموره وأحواله بمنزلة الإمام الشاري إلا أنهم أجازوا له الشري وأجازوا عزله عن رضى أو قسراً إذا وجدوا أفضل منه.
مسألة
[ عزل إمام الدفاع ]
واختلف العلماء في عزله إذا لم يجدوا أفضل منه ووجدوا مثله فقول لا
يجوز لأن مثل هذا قد حصل وقول جائز وأما الدفاع الذي أوردنا شرطه
آنفاً فأما الشرط عليه كالشرط في إمام الشاري والدفاع.
مسألة
[ مهمة إمام الدفاع ]
وإمام الدفاع إلى وقت مؤقت فهو كالوكيل للمسلمين وإمام دفاع في
أمر معين مثل أن يدهم المسلمين عدواً أو رباط أو مثل ذلك فإذا زال ذلك
زال حكمه إلا أن يرى المسلمون من يثبته ورأوه مواضعاً لها.
مسألة
[ مهمة إمام الدفاع ]
عن عبد الرحمن الضنكي(3) عن بيعة الدفاع ما هي قال أن يبايع الإمام
__________
(1) 1- الأصح : عن غير مشورة العلماء. من غير مشورة أهل العلم .
(2) 2- إمامة شراء : نسبة إلى أبي حمزة الشاري وبيعة القتال والحرب لقوله تعالى:
{ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله... } البقرة 207.
(3) 1- عبد الرحمن الضنكي : لم أعثر له على ترجمة . (1/154)
صفحة 155
على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحقوق وقبض الصدقات يقيم
ما استقام له الأمر ويتخلف ما رأى التخلف أصلح فإن قيل ما كيفية بيعة
الشري قلنا أن يبايع على طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وعلى أن يطيعه إذا أمرك وتنفر معه
إذا استنفرك ولا تأخذك في الله لومة لائم وعليك ما على الشراة الصادقين
يعني أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
مسألة
[ الفرق بين بيعة الشراة وبيعة الدفاع ]
والفرق بين بيعة الشري وبيعة الدفاع فبيعة الشري تذكر فيها لفظة
الشري وإذا لم تذكر شري فهي دفاع وطاعة الإمام الشاري وإمام الدفاع
على الرعية سيان.
مسألة
[ كيفية الاختيار ]
أبو المؤثر(1) رحمه الله وإذا اجتمع فقهاء المسلمين على بيعة الإمام
واجتهدوا نصحاً لله وعلى نية طاعة الله لا لطاعتهم ولا يملكوه لعمار ما
شاء ولكن ليملك الأمور عدلاً وقسطاً فيختاروا فقهم وأقوالهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشدهم بأساً في نكاية العدو والحفظ لأطراف الرعية وعلى جباية مال الله من حله ووضعه في حله(2) فإن تعذر إيجاد
الفقيه فلا بد من هذه الخصال وأقل ما يكون من علم الإمام والولي أن
__________
(1) 1- أبو المؤثر : هو العلامة الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي
رحمه الله مسكنه قرية بهلا البلد الذي خرج منه علماء عُمان كأبي محمد بن
بركة من علماء القرن الثالث من تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب - رحمه الله.
وكان ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك، وكان أعمى كثير الفتاوى. عاش
إلى أيام الإمام عزان بن تميم ومات في زمانه بعد قتل موسى بن موسى وخروج
الفضل بن الحواري. وكان موته في شوال من سنة 278هـ من مؤلفاته : كتاب
الأحداث والصفات، وله قصيدة في الولاية والبراءة. انظر إتحاف الأعيان
ص 201 - 203 .
(2) 1- في حله : الأصح في أهله أو محله . (1/155)
صفحة 156
يكون بصيراً بالولاية والبراءة ثم لا يترك التعليم ولا مشاورة أهل الفقه من المسلمين فإن شاءوا بايعوه على الشري والدفاع.
مسألة
[ صفات الإمام ]
ويكون الإمام ورعاً بصيراً بما يأتي ما يذر عدلاً فاضلاً مشاوراً أهل النظر
حليماً محتملاً للأئمة رحيماً مصلحاً بين الناس لا تتفاضل رعيته بأتقاهم في العلم لا كذاباً لا مخلفاً ولا حسوداً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا عجولاً ولا مبذراً ولا غداراً ولا مكاراً وجرى من اجتمعت فيه هذه الخصال أن يكون إماماً.
مسألة
[ تولية المفضول نكاية بالعدو ]
وواسع للمسلمين نصب من لم تجتمع له هذه الخصال إذا كان ثقة عدلاً
قوياً على الأمور مأموناً على ما تقلد من أمر الله فقيهاً ولو كان في المسلمين من هو أفضل الله منه إذا كان هو يرجا النكاية العدو أكثر.
مسألة
[ تقدم المفضول على من هو أفضل منه ]
وقد رأينا المسلمين يقدمون الإمام على من هو أفضل منه بدرجات وقد قدم أهل الشورى في الصحابة على من هو أفضل وأجم علماً.
مسألة
[ صفات الإمام عند أبي الحسن ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله وأن يكون خير أهل عصره وأن يكون
أقوى طبائعه عقله ثم اتصل قوة عقله بشدة الفحص وكثرة استماعه بحسن العادة فإذا جمع إلى عقله علماً وإلى علمه حزماً وإلى حزمه عزماً فذلك
الذي يعد لعز الدولة.
مسألة
[ من لا تصح له الولاية ]
ولا تصح الإمامة لذي قسوة وجفاء وخفة وخشونة على المسلمين ولم
ينل منهم ولا يقبل منهم الإمارة وهو قليل العلم والبصر جسور بغير علم
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « من حقر مسلماً فعليه لعنة الله » (1)
__________
(1) 1- الحديث : الحديث بهذه الصيغة لم أعثر عليه. وهناك صيغ أخرى منها : عن أبي
هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : «بحسب امرئ من
الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه...»
التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول 5/38 قال رواه الأربعة. (1/156)
صفحة 157
.
مسألة
[ صفات الإمام ]
عن أبي عبيدة المغربي(1) قال إن الإمامة لا تصلح إلا لذوي الصدق
والورع لأن المسلمين اختاروا أبا بكر لأنه أفضل أهل زمانه واختاروا عمر
لأنه أفضل أهل زمانه وهكذا سيرة المسلمين في أئمتهم إلى أن يلقوا الله.
مسألة
[ حكم مخالفة ما يأمر به الإمام ]
بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين
له عن المنكر الراكبين له»(2) .
مسألة
[ الضرورة في مبايعة الضعيف ]
أبو الحسن رحمه الله اختلف المسلمون في الضرورة إلى الإمام
الضعيف فقوا إذا خافوا على الدولة وأمور المسلمين الذهاب وعلى الرعية والبلدان يبايعوا رجلاً بيعة دفاع إذا كان له قوة فكر وحسن نضر وورع وتوقف ولو كان لا يتولى ببصر ولا يبرأ ببصر وشرط ألا يقدم على الأمر
إلا بمشورة.
مسألة
[ حكم المشورة ]
ولا يصلح للإمامة من لا يهتدي إلى المشورة ولا يعقلها ولا يلزم الناس
طاعته ومعناه أن يكون قليل العلم ولا يشاور غير أهل الرأي.
مسألة
[ مسائل المشورة ]
__________
(1) 1- أبو عبيدة المغربي : هو أبو عبيدة عبد الحميد الجناوي، له قيمة معروفة في دفاعه
عن نفوسه وضيائه، وهو أحد علماء نفوسه عرف بالورع وعدم الحرص على
الدنيا. طبقات المشائخ بالمغرب 2/291.
(2) 2- الحديث : الحديث معناه صحيح وبهذه الصيغة لم أعثر عليه، إنما حديث أبي
زيد أسامة بن حارثة -رضي الله عنهما- قال : سمعت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -
يقول : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار... فيجتمع إليه أهل النار
فيقولون : يا فلان مالك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول :
بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» متفق عليه. (أخرجه
البخاري 59 كتاب بدء الخلق باب (10) فتح الباري 6/329 ، مسلم كتاب
الزهد عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله. (1/157)
صفحة 158
وإذا كان الإمام عالماً ولا بصيراً فلا يجوز له إنفاذ أمر ولا نصب قاض
أو بعث أمير جيش أو التصرف في مال الله إلا بمشورة المسلمين في جميع
الأمور وإن تعدى الشرط بفعل أو ترك زالت إمامته بنقض شرطه الذي بويع عليه اتفاقاً لأنه ليس بأهل للإمامة وإنما دعتهم إليه الضرورة فإذا زالت
الضرورة وراموا وضع الإمامة في أهلها جاز لهم.
مسألة
[ حكم المشورة على الإمام ]
اختلف المسلمون في المشورة على الإمام فقال بعض إنها فرض فإذا
تركها كفر وزالت إمامته كان عالماً أو ضعيفاً وقول أنها ندب فإذا شرطها المسلمون عليه صارت فرضاً واجباً فإن تركها بعد الشرط كفر وزالت
إمامته عن الرعية طاعته.
مسألة
الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى(1) .
مسألة
[ مخالفة المبايع لما بايع ]
وإذا بويع الإمام الضعيف على الشروط المستأنفة ثم حكم في حال أو
نصب حرباً أو بخع نفساً فنوقش فادعى أنه فعل بمشورة المسلمين قبل قوله
وليس عليه تبيين ذلك وقول عليه التبيين نوقش وقول إذا نوقش بين وإلا فلا.
مسألة
[ مشورة من ليس بحجة ]
فإن جنح بمشورة عالم من أهل الدعوة لم يكن له حجة وإن احتج بقوم
قد ماتوا فلا يساء به الظن وهو على منزلة الفتيا في الحكم.
مسألة
[ تحديد موضع الحكم ]
وإذا شرط الإمام أنه لا يحكم إلا في موضع حده فقدر على الذود وفي
غير الموضع المحدود هل له ذلك فقول عليه إقامة الحق في كل موضع قدر
بالقيام بالحق فيه وقول له شرطه.
مسألة
[ بيعة الشراة ]
ومن شرى نفسه يوماً واحداً فعليه ما على الشراة الصادقين ولا ينهدم
عنه قال أبو الحواري(2)
__________
(1) 1- هكذا في الأصل فقط : الشيخ أبو الحسن رحمه الله .
(2) 1- أبو الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة محمد بن الحواري بن عثمان القري
من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما أدرك القرن الرابع اشتهر أنه
من قرية تنوف القريبة من نزوي ونشأ وعاش بنزوي وبها أخذ العلم عن
شيوخه محمد بن محبوب، ومحمد بن جعفر الأزكوي صاحب الجامع ،
ونبهان بن عثمان وأبو المؤثر الصلبت بن خميس وهو أخص شيوخه
وأكثرهم ملازمة له . من مؤلفاته - رحمه الله - جامع أبي الحواري، تفسير
آيات الأحكام قبل أنه توفي في أوائل القرن الرابع للهجرة. عن إتحاف
الأعيان ص 209 - 210. (1/158)
صفحة 159
: ليس عليه إلا ما شرط.
مسألة
[ كيفية الذهاب لصلاة الجماعة ]
ويضم الإمام مؤذناً يؤذن على باب الدار ثم يبرز الإمام من داره ومعه
جماعة الرجال يمشون بين يديه وقد جعلوا صوارمهم على عواتقهم
والمكبر يكبر بهم فرداً بغير تحكيم حتى يصل المسجد أو المصلى ويقيم له
كاتباً في كل الأوقات ثقة عدلاً مأموناً على سره ما غاب عنه من
أمر المسلمين. (1/159)
صفحة 160
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
القطعة الأولى
الكوكب الدري والجوهر البري
تأليف
الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي
- رحمه الله -
من علماء القرن الثاني عشر الهجري
الأول الجزء
تحقيق
د. جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك ورئيس قسم الفقه وأصوله في جامعة الزرقاء الأهلية حالياً
وأستاذ الفقه في جامعة السلطان قابوس بعمان سابقاً
1419 هـ - 1998م
تقديم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ناصر المؤمنين على أعداء الدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير القائل في محكم التنزيل : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28] وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله خير خلقه وخاتم رسله وهادي البشرية ومعلم الإنسانية ومخرجها من الظلمات إلى النور صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وسلم تسليماً كبيراً ، وبعد:
لقد طلبت منا وزارة التراث والثقافة العمانية مشكورة بتحقيق كتاب الكوكب الدري والجوهر البري تأليف الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي الصحاري. وها أنا قد قمت بتحقيق الكتاب ورأيت أن من واجبي أن أعمل مقدمة للكتاب تحتوي على الأمور التالية :
نبذة عن تاريخ عمان البلد العربي المسلم الأصيل الذي دخل في الإسلام منذ عهده - - صلى الله عليه وسلم - . وأن أكتب باختصار عن عصر المؤلف وما قبله بقليل القرن الحادي والثاني عشر الهجريين.
الحالة العلمية في القرنين المذكورين.
أهمية الكتاب المحقق مع نبذة يسيرة عما يشتمل عليه الكتاب وأسلوب المؤلف في كتابته.
نبذة عن المؤلف نفسه مع قلة المراجع بل انعدام المراجع التي تتكلم عن حياة المؤلف .
ما قمت به من عمل في التحقيق.
والله أسأل أن يتقبل هذا العمل إنه سميع مجيب .
المحقق
د. جبر الفضيلات
رئيس قسم الفقه وأصوله
بجامعة الزرقاء الأهلية
الأردن - عمان (2/1)
صفحة 161
أولاً : نبذة عن تاريخ عمان في عصر المؤلف :
عاش المؤلف في القرن الثاني عشر الهجري ويتمثل هذا القرن في بدايته بسيطرة دولة اليعاربة على عُمان هذه الدولة التي جاءت بعد عصر النباهنة لذلك سوف نتكلم على النحو التالي :
1 - دولة النباهنة باختصار.
2 - دولة اليعاربة.
3 - نشأة الدولة البوسعيدية.
أولاً : دولة النباهنة :
حكم النباهنة عمان فترة طويل من الزمن قرابة خمسة قرون وعادة الدول في مثل هذه الفترة الطويلة أن تتأرجح بين القوة والضعف والمد والجزر. فهي لم تسيطر على عُمان سيطرة تامة وخاصة دواخل عُمان في نهاية حكمهم حيث سيطرت القوى الأجنبية على السواحل طمعاً في المواقع الاستراتيجية على خليج عُمان وبحر العرب الأول نحو الخليج وفارس والثاني نحو الهند وإفريقيا.
واتصف حكم النباهنة بالظلم والاستبداد والجبروت، كما وصف
بالفساد وكثرة المجون ويقول الدكتور الحارثي : ومع أنه لا يوجد وجه للمقارنة بين حكم هؤلاء الملوك الذي سماهم الفقهاء العمانيون بالجبابرة
وبين الأئمة الشرعيين المنتخبين الذين اتصفوا بالزهد والتقوى والورع. إلا
أننا لا نميل إلى الأخذ بهذا الحكم المطلق. ويدلل على ذلك : بما وصف
الستالي به بعض ملوكهم حيث أشاد بتواضع وحُسن أخلاق الملك
النبهاني أبي العرب يعرب بن عمر، الذي عرف عنه حبه للعلم والعلماء
كذلك أثنى على السلطان أبي الحسن ذهل بن عمر وهنأه بعودته إلى
وطنه بعد أدائه فريضة الحج. وخير وصف على حسن أخلاق ملوك بني
نبهان وكرمهم وتواضعهم ما ذكره ابن بطوطة عن مقابلته الملك النبهاني
أبي محمد ، وعادته أن يجلس خارج باب داره في مجلس هناك ولا
حاجب له ولا وزير ولا يمنع أحداً من الدخول إليه من غريب أو غيره ،
ويكرم الضيف على عادة العرب ويعين له الضيافة، ويعطيه على قدره وله أخلاق حسنة(1).
__________
(1) 1- انظر بنو نبهان والأوضاع الاقتصادية في عصره. د. عبد الله الحارثي
ص40 - 41 . (2/2)
صفحة 162
وهكذا نرى أنه من التطرف أن نحمل ملوك بني نبهان وزر تلك الحقبة الزمنية وما أصاب عُمان من ويلات ومصائب وضعف اقتصادية وجمود
علمي بل يتحمل هذا الوزر عامة معاصريهم من علماء وأعيان البلاد وعامة الناس فالمثل يقول : مثلما تكونوا يولى عليكم. وانتهى حكم النباهنة تقريباً
مع نشأة دولة اليعاربة وأن لم يكن انتهاء حكمهم كاملاً(1).
نشأة دولة اليعاربة:
يوضح لنا كشف الغمة الوضع قبل مجيء اليعاربة فيقول : ويبدو أن
العقود الأخيرة من فترة حكمهم كانت عقود انحطاط وتمزق من جراء
النزاع الداخلي وسيطرة الأوروبيين على بعض السواحل العمانية، حيث
لبث سيف بن محمد النبهاني في بهلا وآل عمير في سمائل، ومالك بن أبي
العرب اليعربي في الرستاق والجبور في الظاهرة، والنصارى في مسكد
وصحار وجلفار وصور وقريات. وخربت عُمان بعد العدل والأمان وعاثت فيها الجبابرة، وقل فيها العلم والخير، وانضمت العلماء في بيوتها ولازمت
سربها وبقيت عُمان كذلك حتى أظهر الله الإمام الأرشد ناصر بن مرشد(1) الذي عقدت له الإمامة أربع وثلاثين بعد الألف، فأظهر العدل ودمر الجهل وعضده رجال اليحمد بأنفسهم وأمدوه بأموالهم وذخائرهم فسار بهم
الإمام حتى فتح البلاد ووحد العباد وكان عصره عصر فضل وعدل وعلم وتوفي رحمه الله يوم الجمعة لعشر ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة
1059هـ وكانت مدة ملكه ستاً وعشرين سنة، ثم تولى الحكم بعده ابن
عمه سلطان بن سيف بن مالك بن أبي العرب بن سلطان فسار على نهج
من سبقه فقام بالعدل وشمر وجاهد في ذات الله وما قصر ونصب الحرب
لمن بقي من النصارى بمسكد حتى نصره الله عليهم. إلى أن توفاه الله
ضحى الجمعة سادس عشر من ذي القعدة سنة 1090هـ ثم عقدت الإمامة
من بعده لولده بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك واشتهر بالجود والكرم والفضل والهمم العالية وعمّر يبرين وبنى بها حصناً وانتقل من نزوى إليها
__________
(1) 1- كشف الغمة ص142 . (2/3)
صفحة 163
ثم تغيرت الأحوال إلى فتن بين الإخوة بلعرب وسيف أصابت كثيراً من
أهل عُمان من فقهائهم ومشايخهم من أهل الزهد والورع والعلم والتقوى. وانتصر عليه سيف وسيطر على معظم أرض عُمان إلى أن حاصر بلعرب في حصن يبرين حتى مات فبايع أهلها قبل موته سيف بن سلطان بن سيف بن مالك واشتهر عصره بالقوة والمنفعة والسيطرة التامة على البلاد فأخاف
الداخل والخارج فكثرت الأموال وحارب النصارى وسيطر عليهم وأخذ
منهم العبيد والإماء وفتح بندر ممباسة والجزيرة الخضراء وزنجبار وكلوة
وغيرهن من البلدان وغرس في عُمان النخل والأشجار وانتشر العلم
والعلماء وازدادت حركة التأليف حتى أصبحت عُمان في عصره خير دار.
إلى أن توفي رحمه الله بالرستاق وكانت وفاته ليلة الجمعة الشريفة وثلاث
ليال خلت من شهر رمضان سنة 1123 هـ.
ثم عقد لولده سلطان بن سيف بن سلطان فتابع سيرة والده واستقام له الأمر وحارب الأعداء في البحر والبر ولم يخرج عليه أحد من أهل عٌمان
وغزا البحرين والقشم ولارك هرمود، وبنى حصن الحزم. وانتقل إليه من الرستاق. وعصره كان عصر فضل وعلم وقوة إلى أن توفي رحمه الله يوم الأربعاء لخمس ليال خلون من شهر جمادى الأخرى سنة 1131هـ. وبعد
وفاته وقعت الفتنة هل يعين ولده الإمام سيف بن سلطان وهو صبي لا تجوز
له الإمامة أم ابن عمه مهنا بن سلطان فاحتال الشيخ عدي بن سليمان
الذهلي على الناس فقال له أمامكم سيف بن سلطان. فلما سكنت الحركات وهدأت الناس ثم أدخلوا الشيخ مهنا الحسن الرستاق خفية وعقدوا له الإمامة
في الشهر الذي مات فيه الإمام سلطان بن سيف. فعم العدل والخيرات والبركات واستراحت الرعية وحط عنهم القعودات بمسكد ولم يجعل بها
وكيلاً وربحت الرعية في متجرها ورخصت الأسعار وبورك في الثمار ولم
ينكر عليه أحد من العلماء فلبث على هذا الحال حتى قامت الفتنة وقتل
رحمه الله سنة 1133هـ. ثم بويع الإمام يعرب بن بلعرب بعد استتابته عما (2/4)
صفحة 164
فعل بالإمام السابق وتم ذلك في سنة 1134هـ وانقسم الناس في عصره
ولم يستقم له الأمر وقامت حرب في الرستاق فأحرق باب الحصن
وأحرقت كتب كثيرة عز وجودها في عُمان مثل بيان الشرع والمصنف
وكتاب الاستقامة ومجلبات الطلمسات قدر أربعين مجلباً. وبقيت الفتن
إلى أن اعتزل الحكم وخرج من نزوى إلى حصن بيرين ثم تولى الإمام
سيف بن سلطان - الإمامة الثانية. ولم يستقم الأمر لأحد فبقيت الحروب
بين أبناء العائلة الواحدة فمات الإمام يعرب بن بلعرب بالرستاق لثلاث
عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 1135هـ. ثم افترقت أهل عُمان
إلى غافرية وهناوية واستمرت الحروب بين القبائل إلى أن تم عقد الإمامة
إلى محمد بن ناصر الغافري وكان ذلك ليلة السبت لسبع ليال خلون من الشهر المحرم سنة 1137هـ وتوفي مقتولاً عند حصن صحار بعد قتل خلف بن
مبارك ورجع أهل مسكد والرستاق إلى الرستاق وأقام بعدما دفنوه ثلاثة أيام
لم يعلم بموته إلا الخاصة. ثم رجعوا بالسيد سيف بن سلطان إلى نزوى
فأقامه القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد. إماماً للمسلمين يوم
الجمعة بعد زوال الشمس في العشر الأولى من شعبان سنة 1140هـ .
سيف بن سطان وأحمد بن سعيد مؤسس الدولة البوسعيدية:
كانت العلاقة بين الرجلين علاقة محبة واحترام متبادل إلى أن ولاه مدينة صحار فأظهر فيها العدل والإنصاف بين الرعية فأحبوه حباًَ شديداً وأتته
قبائل الشمال والظاهر أفواجاً أفواجاً وفرادى وأزواجاً فأكرمهم وأحسن
إليهم وألان الجانب للغني والفقير والبصير والضرير. فلما بلغ الإمام سيف
ما صنع فدخل في نفسه أنه صنع ذلك من أجل خلع الإمام فحصل بينهما سوء نية فأرسل إليه رسالة يطلبه إلى مسقط فسار إلى مسقط، وقيل علم الإمام به ، طلب منه أحد المخلصين العودة إلى صحار لأن الإمام يريد قتله فعاد على
الفور وبعدها ساءت الأمور بين الرجلين إلى أن تم الصلح بينهما فأرسل (2/5)
صفحة 165
أحمد بن سعيد ولده هلال بن أحمد مرافقاً للإمام سيف بن سلطان
حتى اطمأنت النفوس لبعضها. إلى أن استعان بالفرس على قومه وأصاب عمان منهم الشر الكثير، فاجتمع من شاء الله من مشايخ العلم من بهلا ونزوى وأزكى ورؤساء بني غافر من أهل الظاهرة ووادي سمائل ومشايخ المعاول
على عقد الإمامة لسلطان بن مرشد اليعربي وكان ذلك بجامع قرية نخل
سنة 1151هـ فاستقام على الحق والعدل وخلصت له الحصون. إلى أن توفي
رحمه الله وبه جراحات من جراء حربه للعجم ولما علم سيف بن سلطان
موت الإمام سلطان بن مرشد وجماعته استرسل عليه البطن فما لبث إلا أياماً قلائل إلى أن مات. واستمرت الحرب قائمة بين العجم وأحمد بن سعيد السعيدي حتى أخرجهم عن صحار صلحاً. واستمرت الحرب بينهم حتى
قضى عليهم في حيلة جيدة في بَرْكَة فخلصت له عُمان واستراح أهلها من
شر العجم. وانتقل إليه ملك اليعاربة سنة 1154هـ وعرف عنه الأخلاق الفاضلة والعدل والإنصاف في الرعية فعم الرخاء واستراح الناس من
الحروب والمعاناة وجمع عُمان على قلب رجل واحد وازدهرت في عُمان
في عهده. وكانت وفاته رحمه الله سنة 1188هـ ليلة الخميس من شهر ذي القعدة. وكان عصره عصر خير وبركة وعلم وازدهار وبعد موته اجتمع
أهل الرستاق وغيرهم من أهل عُمان فعقدوا الإمامة على ولده سعيد بن
أحمد وكان الإمام سعيد شجاعاً فصيح اللسان ناظماً للشعر عارفاً بمعانيه
وبيانه وخلصت له عُمان قاطبة، وهابه أهل عمان هيبة عظيمة وكان عصره عصر علم وآداب وازدهرت التجارة والعمارة وعم الاستقرار البلاد والعباد
- رحمه الله - ثم تولى بعده الإمامة ولده حمد بن سعيد.
ثانياً : الحياة العلمية في القرن الحادي عشر والثاني عشر عصر المؤلف :
في هذين القرنين عاشت عُمان نوعاً من الاستقرار السياسي والأمني وازدهرت فيها التجارة وخرج المستعمر من السواحل العمانية في القرن (2/6)
صفحة 166
الثاني عشر بالأخص ونتج عن هذا الاستقرار أن عاد العلماء إلى مكانهم الطبيعي ونشطت الحركة العلمية ووصل إلينا مجموعة من أسماء الكتب التي
ألفت في القرنين المذكورين منها :
أولاً: القرن الحادي عشر الهجري : وهو بداية عهد اليعاربة.
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين في اثنين وعشرين جزءاً للشيخ خميس
بن سعيد الشقصي الرستاقي وهو الذي قام بعقد الإمامة على أول إمام من اليعاربة وهو الإمام ناصر بن مرشد اليعربي. وتوفي الشيخ خميس
في الستين بعد الألف. طبع على حساب وزارة التراث العماني.
خزانة الأخيار في بيع الخيار للشيخ عبد الله بن محمد بن غسان في
زمان الإمام ناصر بن مرشد والكتاب يبحث شروط وبيع الخيار
وأحكامه ما زال مخطوط.
التبيان في الأحكام والأديان للشيخ درويش بن جمعة المحروقي المتوفى
في العقد الثامن بعد الألف من الهجرة والكتاب مخطوط في مكتبة المخطوطات بوزارة التراث العمانية.
الدلائل في اللوازم والوسائل للمؤلف نفسه أبان فيه الأديان والأحكام والاختصار. وهو مطبوع على نفقة وزارة التراث العمانية.
جواهر الآثار للشيخ محمد بن جمعة بن عبد الله بن عبيدان والكتاب مطبوع على حساب وزارة التراث العمانية وكان قاضياً للإمام
سلطان بن سيف ومن بعده لابنه يعرب بن سلطان.
ثانياً: مجموعة من أسماء الكتب التي ألفت في القرن الثاني عشر
الهجري زمن مؤلف الكوكب الدري.
جوابات العلامة سعيد بن بشير الصبيحي وقد رتبه الشيخ سالم بن
حمد بن سليمان الحارثي وأسماها الجامع الكبير من جوابات سعيد بن بشير. والمؤلف كان معاصراً للإمام سلطان بن سيف بن سلطان الذي
بويع في شهر رمضان سنة 1123هـ.
تفسير القرآن الكريم للشيخ سعيد بن أحمد الكندي وكان معاصراً للإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي ولا يزال الكتاب مخطوطاً قيد التحقيق.
لباب الآثار وهو كتاب ضخم صنفه الشيخ جمعة بن علي الصايغي
بطلب من مهنا بن خلفان البوسعيدي، ويتم طبع هذا الكتاب على (2/7)
صفحة 167
نفقة وزارة التراث العمانية في سبعة عشر مجلداً.
العالم المبين والحق اليقين للشيخ جاعد بن خميس الخروصي في ثلاثة
أجزاء ولا يزال مخطوطاً بمكتبة التراث العمانية.
المستطاب للمؤلف نفسه في جزأين ويوجد مخطوطاً بمكتبة التراث.
جامع الجواهر للشيخ جمعه بن علي الصايغي وصدر منه إلى الآن
سبعة مجلدات مطبوعة على نفقة وزارة التراث العمانية متوسطة
الحجم ويحتوي على أبواب الفقه المختلفة.
دلالات الحيران جامعة الأديان والأحكام للشيخ سالم بن سعيد الصايغي وهي أرجوزة نظمية على أبواب في علم أصول الدين وأصول الفقه والفقه والأخلاق ولا تزال مخطوطة وتضم بين دفتيها مقدار عشرة
آلاف بيت سهلة العبارة قريبة المعنى (1) .
الكوكب الدري والجوهر البري تأليف الشيخ العلامة عبد الله بن بشير
بن مسعود بن سعيد الحضرمي الصحاري وألف عام 1177هـ وهو
هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
العقد الثمين اختصر فيه كتاب المصنف للشيخ أحمد بن عبد الله
الكندي النزوي لمؤلف الكوكب الدري.
10 - النور المستبين في الحجج والبراهين خصصه للحجج متوسط الحجم
ألفه بعد الكوكب بسنة واحدة إذا جاء تاريخه بخط مؤلفه 1178هـ.
ثالثاً: الكوكب الدري والجوهر البري تأليف الشيخ العلامة عبد الله بن
بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي.
أ - منهج المؤلف:
نهج المؤلف بتقسيم كتابه إلى مناهج فجاء الكتاب في قطعتين القطعة الأولى قسمها إلى خمسين نهجاً اشتمل على:
أمور العقيدة - التوحيد، الولاية والبراءة وأصول الدين وأسماء الله الحسنى، وتفسير أسماء الله الحسنى.
اشتمل على تفسير بعض الآيات المتعلقة بما سبق.
اشتمل على نهج كامل يفوق الأربعمائة حديث سرداً دون تعليق
عليها، واشتمل على روايات من كلام الصالحين عن الزهد
والتربية. وطلب العلم...
__________
(1) 1- عن ندوة الفقه الإسلامي التي عقدت بجامعة السلطان قابوس ما بين 22 - 26 شعبان عام 1408هـ سنة 9 - 13/4/1998م . ص194 - 196 . (2/8)
صفحة 168
ثم انصرف المؤلف إلى الأحكام التكليفية فالقطعة الأولى بحث
في العبادات كاملة ثم الأيمان والنذور والذبائح، ثم الأنكحة
والمفارقات، وما يحل من النساء وما يحرم ثم النفقة والمؤونة التي
عقدت. وما يتعلق بالأولاد ثم المكاتبة والعتق وما يتعلق بذلك.
والقطعة الثانية إلى خمسين نهجاً. وتشتمل على أبواب الفقه التي لم
تذكر في القطعة الأولى من ذلك المعاملات المالية من عقود وشركات
ووكالات وما إلى ذلك. وإلى أبواب السياسة الشرعية من حيث الأدلة
وإثبات الدعاوى والقضاء. وعلى الجنايات وأخيراً على الوصايا والمواريث والحجب والرد.
ب - أسلوب المؤلف :
سلك المؤلف الأسلوب المباشر في إعطاء الحكم للمسألة بأسلوب سهل سلس يتناسب وجميع الأذواق واعتمد على الأدلة من الكتاب والسنة
والإجماع والقياس وأقوال أئمة المذهب.
ويظهر لي أن المؤلف ناقل لأقوال الأئمة السابقين ويرجح بينها أحياناً. فهذا الكتاب جمع بين الأصالة وهو الاعتماد على مصادر التشريع
الإسلامي والمعاصرة لأقوال معاصريه والذين سبقوه فهو كتاب جدير
بالدراسة وجدير بالتحقيق والاقتناء.
أثبت المؤلف موقف الإباضية المعتدل من الفئات المتحاربة زمن السلف الأول فترضى عن الجميع وهذا ظاهر في كتابه للعيان ولكل إنسان منصف.
ويعتبر هذا الكتاب في نظري من أهم الكتب الإباضية التي ينبغي أن
يطلع عليها عامة الناس من جميع المذاهب الإسلامية وبالأخص دعاة التوفيق
بين المذاهب الإسلامية. ويثبت الكتاب أن الإباضية لا فرق بينها وبين أي مذهب من المذاهب الفقهية المعتمدة لدى الأمة الإسلامية، والله أعلم.
رابعاً : نبذة عن حياة مؤلف الكتاب :
هو الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي الصحاري من علماء القرن الثاني عشر الهجري.
له مؤلفات عدة وصل منها الكتب التالية :
الكتاب الذي بين أيدينا وهو الكوكب الدري والجوهر البري الذي (2/9)
صفحة 169
انتهى منه المؤلف سنة 1177هـ وهو بداية عصر الدولة البوسعيدية.
كتاب العقد الثمين اختصر فيه كتاب المصنف للشيخ أحمد بن عبد
الله الكندي النزوي.
كتاب النور المستبين في الحجج والبراهين خصصه المؤلف للحجج
انتهى منه سنة 1178هـ .
كتب القرآن الكريم بخط يده وله خط ممتاز وعليه القراءات السبع
ووضع له هوامش تبين القراءات وأحكامها وهذا تم سنة 1157هـ .
وهو موجود في وزارة التراث العماني.
خامساً : عملي في الكتاب :
قمت بنسخ الكتاب والمقابلة على أصل الكتاب ولم يتوفر لنا إلا نسخة واحدة فقط هي نسخة وزارة الثقافة العمانية.
تصحيح بعض الأخطاء اللغوية في هامش الكتاب.
ترقيم الآيات القرآنية.
تخريج الأحاديث النبوية وهي كثيرة جداً. وأحاديث كثيرة للمؤلف
بالمعنى فأرجعها في الهامش إلى أصلها في كتب الأحاديث المعتمدة.
وضع الأدلة للمسائل التي لا أدلة لها في الهامش ليعرفها المطلع على
الكتاب وغالباً جميع المسائل في الكتاب لها أدلة.
التعريف بالمصطلحات الفقهية الرئيسة والصعبة لغة واصطلاحاً بأكثر
من تعريف.
ذكر آراء الفقهاء في بعض المسائل الفقهية ليخرج القارئ والمطلع على
أن لا فرق بين المذهب الإباضي والمذاهب الأخرى.
شرح المفردات والمفاهيم الصعبة.
إعطاء كل مسألة من مسائل الكتاب عنواناً خاصاً بها لتعرف به ويفرق بينها وبين غيرها من المسائل.
التعريف بالمدن والقرى العمانية.
الترجمة للأعلام الذين ذكرهم المؤلف وخاصة غير المشهورين منهم.
التعريف بالمسافات والمكاييل والأوزان الموجودة في الكتاب.
عمل فهارس متعددة للكتاب.
وختاماً أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وبما عملنا وأن يتقبل هذا العمل والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
المحقق
د. جبر الفضيلات
بسم الله الرحمن الرحيم (2/10)
صفحة 170
الحمد لله القوي الذي لا يقاومه من خلقه دني ولا شريف القادر الذي يرى البريات من غير نصب ولا تكليف مصرف تدبير أمور عباده بإتقان سبحانه الواحد المنان.
أحمده حمد من اعترف له بالعبودية وشهد بأنه لا إله إلا هو المنفرد بالألوهية والربوبية رافع السماء بلا عمد في الهوى وباسط الأرض على الماء الذي لا تدركه أبصار ذوي الأبصار ولا تحيط به أوهام ذوي الأوهام تعالى الله الواحد القهار.
وأشهد أن محمد المصطفى عبده الذي استخرجه من أشرف أب وأم وجعله سيد العرب والعجم وأكرمه بمنه وفضله كرامة لم يسبقه بمثلها ملك مقرب ولا نبي منتخب صلى الله عليه وعلى آله الأبرار الأخيار ما تاريخ
عرف يلتحج وفاقاً ويسبح رعد بحمده المهيمن الرزاق.
وبعد فإني لما أجلت الفكر رأيت باب العلم وطلابه ربح وشملت عين
الشرع المحمدي وبه إلى بقية أحرفه زعج ورأيت أرباب زماني المغثوم الفاني المقلص المعكوس عدلوا عن طاعة الملك القدوس إلى التكالب إلى جمع المال ونسوا توعد ذي الجلال فلفحات النار أيسر عندهم وفوت ديناره وصرفوا
همهم والعياذ بالله إلى التكاثرة والمفاخرة يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة قال تعالى : { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في
الأموال والأولاد } [الحديد : 20] إلا من رحم الراحم الجواد وهم الأقل من العباد ومعذرة لمن قرأ كتابي ووعي قلبه لذيذ خطابي فإني لأشر البرايا إن لم يقني الله من موبقات الخطايا صنف كتاباً يقوي ذهن قاريه ويسفر عن خطاب كالدّر لمستمعيه وسميته بالنهج عوضاً عن الأبواب وأميت في رسمه بسبيل (2/11)
صفحة 171
أولي النهى والألباب إذ أجريته على سؤال أرباب الفضل السالفين فجاء بآيات للمتوسمين وطرزته بغريب الألفاظ وذلك صعبة يسهل على الحفاظ واستعنت بالله بالكلية وأخلصت له النية والطوية فإنه من استعان به أعانه ومن زمرة أهل الخذلان أبانه وفرعن الإبانة أبا عثرته سابقة وكيا(1) وسميته بالكوكب الدري والجوهري البري رجاء لما عند الله تعالى من الثواب الجزيل وإحياء لدين الملك الجليل وذلك سنة سبع وسبعين سنة وماية وألف سنة.
وأنا الفقير لله عبد الله بن بشير الصحاري(2) اللهم فكما وفقته للبداية فأنت
القادرعلى التوفيق للنهاية وأنا أستغفر الله من جميع الخطا والجوا إليه من موبقات المحن والبلايا إنه ولي ذلك والمنجي من المهالك حسبي الله وهو الحسيب المجير وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ونهجته ماية نهج مستبين في كل نهج ماية مسألة من غير مبين قصارى البري من حبط أولي الزيغ والاعوجاج عذب المنهل لمن رام أوامره غير أجاج. وصلى الله على محمد كلما اعتمر معتمر وحج حاج .
النهج الأول
في التوحيد
هو معرفة الله تعالى وأنه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن
له كفواً أحد وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لا تدركه الأبصار
وهو اللطيف الخبير وقد افترض الله معرفته كافتراضه لساير العبادات العقلاء البالغين المتعبدين بدين رب العالمين لا عذر لهم من ذلك ولو انقطعوا في
جزاير البحار أو كانوا في المهامات المنقطعة والقفار بأدلة واضحة وبراهين بحمد الله لا يحد من طريق الشرع والعقل.
فأما طريق العقل فأصل التوحيد هو أن يصف المخلوق للخالق بما
وصف به نفسه من صفات الذات وصفات الفعل وهذا خضم لا يدركه
عومة عائم وفرض لا يسع ترك القاعد ولا القائم(3) ومن ظن إدراكه
__________
(1) 1- وكيا : والصحيح وكتابي.
(2) 2- عبد الله بن بشير الصحاري : سبق له ترجمة في المقدمة.
(3) 1- لا يعذر أحدٌ بجهله . (2/12)
صفحة 172
ذلك فأحصاه قصر عند ذراعه وباعه ومان رجاءه ولو عاش العمر
الطويل وبذل من نشبه الكثير القليل لأن معرفة الله لا تدركه بالقياس
نبيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا يوصف بصفات المخلوقين من ملائكة أو
جمادات لا من الثقلين وإنما الأدلة عليه لمخلوقاته وبما صنع من مصنوعاته وانظروا بعيون العقول فيما أنزله ذو المن الطويل في القرآن العظيم مخبراً
عن نبيه إبراهيم الخليل عليه صلوات الملك الكريم: { ربي الذي يحيي
ويميت } (1) .
وقالت الرسل عليهم السلام : { أفي الله شك فاطر السموات
والأرض } (2) فلم يصفوه بطول ولا عرض وقال موسى عليه الصلاة
والسلام لفرعون لعنه الله ذو الجلال والإكرام: { قال فرعون وما رب
العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } (3) ،
وكذلك قال أصحاب الكهف(4) : { فقالوا ربنا رب السموات
والأرض } (5) فوصفوه بما وصف به نفسه وصف مثل هذا كثير
في كلام رب العزة الكبير.
وقال العلي الكبير الخبير : { وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون
بصير } (6) حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم بعيد المسافة لا بمفارقة قريب لا
بمداناة يعلم خاينة الأعين وما تخفي الصدور سبحانه وتعالى الغفور الشكور
له المثل الأعلى والوصف الأسنى وله الحمد في الآخرة والأولى نحمده على سوابغ نعمائه ونشكره على تتابع آلائه ونستعينه ونتوكل عليه ونبري في الحول والقوة إليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
مسألة
[ كيفية معرفة الله]
فإن قيل إن معرفة الله تعالى اكتسابية تكون أم اضطرارية فقال الشيخ
__________
(1) 1- سورة البقرة : آية 258 .
(2) 2- سورة إبراهيم آية 10 .
(3) 3- سورة الشعراء آية 23 .
(4) 4- ذكر في القرآن سورة كاملة تقص علينا قصة أهل الكهف وقصة موسى مع العبد
الصالح وفيها من العبر والدروس في العقيدة وغيرها ما نحن بأمس الحاجة إليه.
(5) 5- سورة الكهف آية 14 .
(6) 6- سورة الحديد آية 4 . (2/13)
صفحة 173
العالم أبو الحسن البسياني(1) أنها اكتسابيّة أن الله تعالى لما نصب عليها
الدلائل المنصوبة، وأعد الثواب لمن امتثل والعقاب على من فرط وغفل دل
على أنها اكتسابية لا الاضطراريات لا يعد ثوابها ولا تتوعد عليها عقاباً كما
لا يعدنا على ما خلق فينا من الجوارح بالثواب ولا يتوعدنا عليها بالعقاب
وقال بعض العلماء إن معرفة الله تعالى اضطرارية جبلت في قلب الإنسان
معلقة بالعقل ويستحيل انفصالها عن العقل كاستحالة بعض أعضائه، وقال الشيخ بشير(2) أنها اضطرارية فهي خلق الله والثانية اكتساب.
مسألة
[ كيفية معرفة الله ]
عن الشيخ أبي الحسن البسياني فإن قيل أعرف الله برسله أم به عرفوا
فقال بعض المسلمين أنه بهم يعرف وبه عرفوا لأنهم دعوا إلى الله من عرفه
ومن لم يعرفه فعرفوا به ضد من عرفه بهم عند من لم يكن به عارف.
__________
(1) 1- أبو الحسن البسياني : هو العلامة الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي
محمد بن الحسن البسياني الأزدي اليحمدي، من شيوخه أبو محمد بن بركة
البهلوي، والعلامة محمد بن أبي الحسن النزوي، كان أبو الحسن أصم ثقيل
السمع. من مؤلفاته : الجامع المسمى جامع أبي الحسن، وكتاب المختصر
المعروف بمختصر البسياني وهو مطبوع انظر تحاف الأعيان في تاريخ بعض
علماء عمان ص229 .
(2) 1- بشير: هو العلامة أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي العقري جد بني زياد، وهو من
بني نافع بني سامة بن لؤي بن غالب من تلامذة الربيع وأحد الأربعة الذي حملوا
العلم من البصرة إلى عمان عن الربيع -رحمه الله- والثاني : موسى بن أبي جابر،
والثالث محمد بن المعلا الفشحي وأما الرابع : المنير بن النير الجعلاني يعتبر الشيخ
بشير أحد كبار علماء عُمان في زمانه وقد أدرك عصر الإمام الجلندي وكان له
دور بارز في إعادة الإمامة. وقد أطلق عليه اسم الشيخ أو الشيخ الكبير، توفي رحمه
الله سنة 178 أيام الإمام الوارث بن الكعب الخروصي - رحمه الله. (2/14)
صفحة 174
وقال بعض العلماء بل رسله عرفوا وأنه حكيم لا يبعث يكتب الحق
كاذباً تعالى الله وإنما دعت الرسل إلى الله من قد عرفه ثم جحد وقد عرفه البعض وينكره آخرون فبينت الرسل ذلك ودعت إلى الله بالدلائل المنصوبة
والعلامات الموضوعة التي نصبها الله تعالى في ملكوت السماوات
والأرض وما فيهن وفي خلق الإنسان كما قال الله تعالى { وفي أنفسكم
أفلا تبصرون } (1) .
وقد كانت العرب يعظمون البيت ويحجونه وإنما يعبدون الأصنام
لتقربهم إلى الله تعالى(2) وإنما دعاهم رسول الله عليه وسلام إلى رفض
الأوثان وأمرهم بعبادة الرحمن، فأبوا واستكبروا وقال الله تعالى { ولئن
سألتهم من خلقهم ليقولن الله } (3) .
مسألة
[ الدليل على وجود الباري ]
فإن قيل فما الدليل على وجود الباري تعالى. قيل له : إطباق عقلاء
الأمة بأسرها، من موحد وملحد لأن الأفعال لا يتقنها معدوم ولا تتأتى منه.
مسألة
[ دليل النصارى ]
فإن قيل فما الدليل على من قال من النصارى أن المسيح عيسى ابن مريم
هو ابن الله واحتجوا أن من لا ابن له ناقصاً والذي له ابن أكمل فوجب أن يصفه بالصفة التي توجب الكمال والتفضيل يقال لهم فلم لا يقولون أن له عينين ويدين كمثل هذه العلة، وقالوا إن الابن نطق والزوج حياة وسوى الناطق أخرس ومن لا روح له ميت يقال لهم إن من ليس بفاعل فهو عاجز ومحال منه الفعل فقولوا إنه لم يزل فاعلاً أو تاركاً لتنفوا عنه العجز
واستحالة وقوع الفعل .
مسألة
[ إبطال بنوة عيسى ]
فإن قيل أليس قد اتخذ الله خليلاً يقال له: نعم فإن قيل لم لا يجوز
أن يتخذ عيسى ابناً يقال له إنما اتخذ الله إبراهيم خليلا، فكان إبراهيم خليلاً
- -(4) لا أن الله خليلاً له. فلو كان قياس اتخاذ ابن على قياس اتخاذ خليلاً
__________
(1) 1- سورة الذاريات آية 21 .
(2) 2- قال تعالى : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [الزمر آية 3].
(3) 3- سورة الزخرف آية 87 .
(4) 1- بياض في الأصل . (2/15)
صفحة 175
لكان النبيّون أبناء الله إذا قلتم أن عيسى صلى الله عليه سلم ابناً له فلما
بطل هذا بطل ذلك.
مسألة
[ لماذا لا يشبه الله الأشياء ]
فإن قيل لم لم يجز أن الله تعالى لا يشبه الأشياء ولا تشبهه يقال لا يخلوا
أن يشبهها من كل الجهات ومن بعضها فإن أشبهها من كل الجهات كان حكمه حكمها وإن أشبهها من بعض الجهات كان مشبها لها من حيث
أشبهها تعالى الله عن شبه خلقه.
مسألة
[ إثبات أن العالم حادث ]
فإن قيل فإذا(1) العبد أن العالم محدث فكيف يعلم أنه لا يشبهه شيء
منها ولا تشبهه قيل له يعلم بما شاهد من المحدثات فيما بيننا إن كل صنعة لا تشبه صانعها كالكتاب لا تشبه الكاتب وغير ذلك من الصناعات فصح الاستدلال بالشاهد على الغائب وقوله تعالى { ليس كمثله شيء } (2) ليس
هو شيء كالأشياء.
مسألة
[ كيفية عبادة الله ]
من عبد الله بالرجى فهو مرجي(3) ومن عبده بالخوف فهو
حروري(4) ومن عبده بالحب فهو زنديق(5) ومن عبده بالأحوال الثلاثة
فهو مستقيم ولا ينوي في عبادته لله طمعاً في الثواب ولا خوفاً من
العقاب ، بل نيته أن الله مستحق للعبادة والخضوع والإنابة وأنه غني عن
عبادة الخلق أجمعين.
مسألة
[ أي العبادة أصح ]
وقيل من عبد الله بتوهم القلب فهو مشرك ومن عبد الاسم دون الصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب ومن عبد المعني بحقيقة المعرفة فقد أصاب.
مسألة
[ متى وجبت معرفة الله على المكلف ]
فإن قيل مم(6)
__________
(1) 1- الأصح والله أعلم: فإذا قال العبد .
(2) 2-سورة الشورى آية 11 .
(3) 3- مرجي : نسبة إلى المرجئة : وهم الذين يقولون : لا تضر مع الإيمان معصية».
(4) 4-حروري : نسبة إلى منطقة حروراء وهي قرية بجوار الكوفة.
(5) 5- الزنديق : هو من يظهر الإسلام و يسر الكفر ، الزنديق في لسان العرب : يطلق =
(6) = على من ينفي الباري ، وعلى من يثبت الشريك وعلى من ينكر حكمته. وقال:
الفرق بينه وبين المرتد العموم الوجهي .
وعرفه الحنفية: إبطان الكفر والاعتراف بنبوة نبينا - - صلى الله عليه وسلم - . وفرقت الأحناف
بين الزنديق والمنافق والدهري الملحد مع الاشتراك في إبطان الكفر. انظر رد
المحتار على الدر المختار 4/240 .
1-الصحيح : متى وجبت . (2/16)
صفحة 176
وجبت معرفة الله تعالى على العبد المكلف(1) يقال له أن
عليه معرفة من افترض عليه المفترضات حتى يؤديها لمفترضها لأنه لا يؤدي المفترضات حتى يعرف من افترضها عليه حق معرفته إذ لا يجوز أن يتقرب بفعل لمن جهله.
مسألة
[ عدم التكليف فوق الطاقة ]
فإن قيل فما الدليل على أن الله تعالى لم يكلف العباد فوق طاقتهم قيل له
قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } (2) وقوله { ما جعل عليكم في الدين
من حرج } (3) أي من ضيق.
مسألة
[ فناء السموات والأرض ]
فإن قيل ما الدليل على فناء السماوات والأرض قلنا له قوله تعالى
{ والأرض جميعاً قبضته بوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } (4) وقال تعالى { يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب } (5) من غير طي بيد
وقال { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } (6).
مسألة
[ ذهاب كل ذي روح ]
فإن قيل ما الدليل على ذهاب كل ذي روح قلنا له قوله تعالى { كل
نفس ذائقة الموت } (7).
مسألة
[ ذهاب الجمادات ]
فإن قيل ما الدليل على ذهاب الجمادات قلنا له قوله تعالى { كل من
عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } (8).
مسألة
[ ذهاب كل المخلوقات ]
فإن قيل ما الدليل على ذهاب كل المخلوقات قلنا له قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } (9) أي إلا هو لأنه تعالى يفني سائره ويبقى وجهه تعالى الله.
مسألة
[ دخول الجنة بفضل الله تعالى ]
فإن قيل فيدخل أهل الجنة الجنة بفضله أم بأعمالهم قلنا فإن الله يدخلهم الجنة بفضله إذ قد خلقهم وهداهم للعمل الذي يرضاه ووفقهم لفعله
__________
(1) 2-العبد المكلف: هو المسلم البالغ العاقل ، لأن البلوغ أهلية الأداء والعقل مناط
التكليف .
(2) 1- سورة التغابن آية 16 .
(3) 2- سورة الحج آية 78 .
(4) 3- الزمر آية 67 .
(5) 4- سورة الأنبياء آية 104 .
(6) 5- سورة الحاقة آية 14 .
(7) 6- سورة آل عمران آية 185 .
(8) 1- سورة الرحمن آية 26 ، 27 .
(9) 2- سورة القصص آية 88 . (2/17)
صفحة 177
فأدخلهم جنته وهو مستغن عن أعمالهم وعنهم إذ خلقهم وعبادتهم لا تزيد
في ملكه شيئاً.
مسألة
[ القضاء بين الدواب ]
فإن قيل هل يقضي الله بين الدواب يوم القيامة وتقتص الجماء من القرناء بما نطحتها وقلنا إن الدواب غير مكلفة ليحكم لهم وعليهم ولم يأمرهم
الله بالعبادات كما أ مر بني آدم وإنما قيل يحشرهم يوم القيامة فما استحسن منهم أهل الجنة تمتعوا به ثواباً لهم وبما بقي منهم فيكونوا عذاباً لأهل النار والدواب لا عذاب لهم.
وقال الشيخ أبو محمد(1) إن البهائم يدخلون الجنة بلا عواض ، والمكلفين يدخلون الجنة بفضل الله وعملهم، والمجانين والأطفال يدخلون الجنة
بالتفضيل والبهائم يدخلون الجنة بلا عواض.
مسألة
[ كيفية الحساب ]
قال الله تعالى { وكفى بنا حاسبين } (2) وهو أسرع الحاسبين و أمثال
ذلك هل يحاسب الله الخلق يوم القيامة، وكيف تكون كيفية حسابه لهم
قلنا له نعم إن الله يحاسب الخلق المكلفين يوم الدين، وإنما حسابه
لهم حكم وعدل ومجازاة لأنه عالم بما عملوا ولا يخفى عليه شيء سبحانه وحاسبين منصوب على التمييز وقوله على الحال لأن حسابه للخلق
كحسابه لأحدهم لا يشغله شيء عن شيء وقال الله تعالى : { إن الله
سريع الحساب } (3).
مسألة
[ الحكمة من الإيلام ]
__________
(1) 1- أبو محمد : يظهر لي والله أعلم : أنه : أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة
السليمي البهلوي. مسكنة الضرح من قرية بهلا. وهو من علماء القرن الرابع ومن
أشياخه سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب - رحمه الله. والعلامة مالك
غسان ابن الخضر بن محمد الصلاني، وأبو مروان. كان معروفاً بالغنى وكانت
له مدرسة ينفق عليها من ماله الخاص. ومن تلاميذه الشيخ أبو الحسن البسياني له
من الكتب الكثيرة أشهرها الجامع وشرح جامع ابن جعفر. أنظر إتحاف الأعيان
ص226 - 229 .
(2) 2- سورة الأنبياء آية 47 .
(3) 1- سورة آل عمران آية 199 . (2/18)
صفحة 178
فإن قيل فما الحكمة في إيلام غير المكلفين ، قلنا في ذلك قولان أن الله عوضهم حتى خرج من أن يكون ظالماً لأن حقيقة الظلم هو التضرر الذي لا يستحقه المفعول به، ليخرج أن يكون عبثاً وتصديق ذلك قوله
تعالى { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً
وكفرا } (1) ففي قتل الغلام حصل عوض يوم العرض وحصل للوالدين
ألطاف كثيرة. لأنهما كانا يحبّانه محبّة كثيرة وقوله الحكمة في إيلام
الأطفال ليعلموا فضل الآخرة أن ليس فيها ألم.
مسألة
[ الحجة في إيلام المكلفين ]
فإن قيل ما الحجة في إيلام المكلفين يقال في ذلك وجوه الأول أنه يؤلم الأنبياء ومن لا ذنب له لاستحقاق الثواب، كألم الأطفال الثاني يكون الألم كفارة ذنب فيكون الألم عوضاً من عذاب النار، الثالث ألم الكفار
والمصرين من الموحدين على ما اكتسبت أيديهم إلا من تاب وإلى ربه أناب، والردع ليعتبر المكلف أن عذاب الألم في الدنيا دون عذاب(2) ليرغب في الأعمال التي يستحق فاعلها الجنة.
مسألة
[ النسيان من الشيطان ]
فإن قيل إن النسيان من الشيطان أم من الرحمن لقوله تعالى { وما أنسانيه إلا الشيطان } (3) قلنا إن الشيطان لعنه الله عاجز لا قدرة له على الخلق والإبداع كقدرة الله ولا نسيان ولا تذكير وإنما هو يشغل الإنسان عن
الطاعة فيكون سبباً لكون المعصية من العبد وفسروا قوله تعالى { وما
أنسانيه إلا الشيطان } أي أشغلني أن أخبر بالحوت وقوله تعالى { وإمّا ينسينك الشيطان } (4) أي يشغلك.
وقال محمد بن محبوب(5)
__________
(1) 2- سورة الكهف آية 80 .
(2) 1- والله أعلم - دون عذاب الآخرة .
(3) 2- سورة الكهف آية 63 .
(4) 3- سورة الأنعام آية 68 .
(5) 1- محمد بن محبوب : هو شيخ المسلمين في زمانه محمد بن محبوب بن الرحيل
ابن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، من أشهر العلماء في زمانه كان مضرب
المثل في العلم والزهد والتقوى، نشأ أيام الإمام غسان بن عبد الله سنة 192هـ
وعاصر الإمام المهنا بن جيفر، وتألق نجمه أيام الصلت بن مالك سنة 239 تقلد
القضاء له في صحار من أشياخه موسى بن علي الأزكوي توفي رحمه الله
بصحار يوم الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر محرم سنة 260هـ وقبره
بصحار مشهور. عن إتحاف الأعيان ص192 - 194 . (2/19)
صفحة 179
النسيان من الشيطان ليس من الله. ومن قال ليس
في علم الله فقد كفر، ومن قال ليس من الله تعالى لم يحمل العبد على
المعصية ولم يأمره بها فقد صدق ولم يخرج ذلك من علم الله.
مسألة
[ ظهور قدرة الله في خلقه ]
قال الشيخ أبو الحسن البسياني رحمه الله تعالى إن الله تعالى شاء أن
يظهر قدرته ويري العباد حكمته وعزته فخلق الأشياء التي سبق في علمه أنه سيخلقها فخلقها لا من شي ثم خلق الشيء ولو شاء لخلق كل شيء من لا شيء لأنه إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
مسألة
[ التسوية بينهم بالموت ]
إن الله تعالى خلق الخلق قسمين منتفع به ثم خلق المكلفات، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها فإن قيل بأي شيء أفنى الله الخلق من الآلاء حتى
يذكرهم بها. قيل له النعمة في ذلك: التسوية بينهم في الموت حتى لا يكون لأحدهم فضل في الحياة على أحد.
مسألة
[ لما خلق الله الخلق ]
فإن قيل لم خلق الله الخلق قلنا خلقهم ليريهم حكمته ورزقهم ليرهم
نعمته وأماتهم ليريهم قدرته وبعثهم ليريهم رأفته وحاسبهم ليريهم هيبته،
وغفر لهم ليريهم رحمته وعذبهم ليريهم عدله.
مسألة
[ الدليل على كمال قدرة الله ]
فإن قيل لم خلقهم طوراً بعد طور، قيل ليكون ذلك دال على كمال قدرته، وهو قادر على خلق الخلق دفعة في أسرع من طرفة عين، فإن قيل لما لم
يخلقهم دفعة وهو قادر على ذلك يقال له إن أمور الدنيا بنيت على التأني والتراضي فلهذا قيل إن العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن.
مسألة
[ أهمية التأني ]
فجعل الله التأني رحمة للعباد للإجلال والمعاملات.
مسألة
[ لماذا خلق الله الخلق ]
فإن قيل إن الله خلق الخلق لينفعهم أو لينفعوه أو لا لهذا ولا لذا قلنا له إن الله خلق الخلق لينفعهم لأنه لو خلقهم لينتفع هو بهم لزمته الحاجة والعجز والعاجز ليس بإله غني وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وإن
كان خلقهم لا لهذا ولا لذا فقد خلقهم عبثاً وتركهم سدى وفاعل ذلك (2/20)
صفحة 180
ليس بحكيم والله حكيم عليم.
مسألة
[ كسب الرزق الحلال ]
فإن قيل فيرزق الله الحرام قيل إن الله تعالى أمر بكسب الرزق الحلال والابتغاء من فضله ونهى عن كسب الحرام فمن كسب الحلال، فقد كسب رزق الله الذي أمره به ومن كسب الحرام واتبع خطوات الشيطان فقد أكل
ما حرم الله عليه ونهى عنه ولا يحسن أن يقال أن الله يرزق الحرام وإن كان خلقه الله لأنه لا يوصف إلا بأحسن الصفات.
مسألة
[ ابتلاء وامتحان الخلق ]
فإن قيل كيف جعل الله أبدان المكلفين تتغذى الحلال والحرام كما جعل استطاعتهم تصلح للإيمان والكفر قيل له ابتلاء وامتحان ولو جعل الله أبدانهم
لا تتغذى إلا بالحلال لصاروا مضطرين إلى ذلك مجبولين ولم يستحقوا ثواباً
ولا عقابا.
مسألة
[ الحكمة من ذبح الحيوان ]
فإن قيل ما الحكمة في ذبح الحيوان يقال إن الله له أن يميت ما
خلق ويفنيهم فلما أمن الحيوان خلق من خلق الله جعل موتها على
أيدينا منفعة لنا لأن الله لا يفعل شيئاً وقد أمر نبيه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بذبح(1)
ولده وأمر الخضر عليه السلام بقتل الغلام(2) وأمر بني إسرائيل بقتل
بعضهم(3) وليس ذلك بأكثر من أن يأمر ملك الموت بقتل جميع
المخلوقين وأيضاً إن الحيوان لو لم يذبح لصار لكثرته إلى الضياع ولست
أبيح ذبح الحيوان عبثاً ولعباً للطرب، بلا منفعة بل يحرم معنا قتل الذر(4)
فما فوق لغير معنى.
مسألة
[ خلق الجنة والنار ]
__________
(1) 1- قال تعالى : { فلما بلغ معه السعي قال يا بني أني أرى في المنام أني
أذبحك } [الصافات : 102].
(2) 2- قال تعالى : { فانطلقا حتى إذا رأيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير
نفس لقد جئت شيئاً نكراً } . [الكهف :74].
(3) 3- قال تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم
العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } [سورة البقرة:54].
(4) 4- الذر : صغار النمل. (2/21)
صفحة 181
فإن قيل إن الجنة والنار خلقتا أم سيخلقا ؟ فقد اختلف المسلمون في ذلك على قولين، وحجة من قال أنهما خلقتا قول الله تعالى { قلنا اهبطوا منها
جميعاً } (1) والهبوط لا يكون إلا من شيء قد خلق وحل فيه، وقال في
الجنة والنار { أعدت للمتقين } (2) و { أعدت للكافرين } (3) والمعد المهيأ،
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «اطلعت على الجنة فرأيت أقل أهلها الأغنياء والنساء
واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء»(4).
مسألة
[ بقاء أهل الجنة ]
فإن قيل فما الفرق بين بقاء أهل الجنة وبقاء الباري تعالى قلنا إن الله باقي بنفسه لا ببقاء أبقاه وأهل الجنة والنار إنما بقوا ببقاء مبق أبقاهم وهو الله تعالى.
مسألة
[ علم الله ]
فإن قيل هل يعلم الله تعالى ثواب أهل الجنة ونعيمهم وعذاب أهل النار ، قلنا نعم إن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون كيف يكون والله تعالى عالم وأنه
لا نهاية لذلك.
مسألة
[ الدليل على إعادة الخلق ]
فإن قيل ما الدليل على إعادة الخلق ؟ قال الشيخ أبو الحسن إن الله
تعالى خلق الخلق على غير مثال يسبق فلم يعي أن يعيده خلقاً آخر وقد قال
الله تعالى { وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم
قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } (5)، وغير ذلك
كثير من القرآن.
مسألة
[ بعث الخلق ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 38 .
(2) 2- سورة آل عمران آية 133 .
(3) 3- سورة آل عمران آية 131 .
(4) 4- الحديث عن ابن عباس، وعمران بن الحصين - رضي الله عنهما - عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - - قال : اطّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت النار، فرأيت
أكثر أهلها من النساء) متفق عليه. رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما
جاء في صفة الجنة. ومسلم - الذكر حديث 94، وأحمد 1/234 .
(5) 1- سورة يس آيات: 78 ، 79 . (2/22)
صفحة 182
فإن قيل هل يبعث الله كلما(1) خلق أم ذوات الأرواح فقط يقال إن المسلمين اختلفوا في بعث كل الخلق فأثبت ذلك بعض ونفاه آخرون وحجة من أثبته قول الله تعالى { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } (2) وحجة من
نفاه قول الله تعالى { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا
أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } (3).
مسألة
[ فائدة بعث الرسل للعباد ]
فإن قال قائل فما الفائدة في بعث الله الرسل للعباد واستحسان بعثهم
من الله قلنا إن الله تعالى لما خلق خلقه المكلفين إحياء عقلاء قادرين لا
لحاجة منه لهم ولا استحقاق منهم عليه وفضلهم على كثير ممن خلق
تفضيلا، وجب عليهم بذلك لله التفكر، على من أولاهم به ويبينون لهم
ما يأتون وما يتقون.
مسألة
[ الدليل على صدق رسولنا - صلى الله عليه وسلم - ]
فإن قال قائل فما الدليل على أن محمداً رسول الله وأنه صادق فيما جاء به قلنا إن الدليل على ذلك القرآن والمعجزات التي لا قدر على الإتيان بمثلها
إلا الله لقوله تعالى { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن لا يأتون بمثله } (4) الآية ومعجزاته مشهورة.
مسألة
[ احتمال الأذى ]
فإن قيل هل يجوز أن يقال لله جنب معقول لقوله تعالى { يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله } (5) يقال له ذلك منفي عن الله تعالى وإنما
معناه في أمر الله وطاعته كما يقول الأعرابي احتملت الأذى في جنب فلان
أي في رضاه.
مسألة
[ امتلاء الجنة ]
زعم أهل الجهل أن الله قد كان وأن الجنة لا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه فيقول قط قط فتملى حينئذ وتنزوي هذا الكلام مستحيل لا يفوه به ذوا حجي وهذا يقتضي التحديد والثناء وهذا والله يجل عن ذلك.
مسألة
[ استدلال الشاهد على الغائب ]
__________
(1) 2- كلما : كل ما خلق .
(2) 3- سورة الروم آية 27 .
(3) 4- سورة الأنعام آية 38 .
(4) 1- سورة الإسراء آية 88 .
(5) 2- سورة الزمر آية 56 . (2/23)
صفحة 183
فإن قيل كيف يجوز أن يستدل بالشاهد على الغائب قلنا من جهته إن العاقل إذا رأى ناراً علم أن كل نار كذلك حكمها، وكذلك كلما شاء كل ذلك.
مسألة
[ لزوم النظر عن طريقين ]
اعلموا أن لزوم النظر فيه والاستدلال على الله تعالى باري الصور من طريقتين من كتاب الله عز وجل ومن حجة العقل أما من كتاب الله تعالى فكقوله { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } (1) فلم يأمرهم الله
تعالى بنظر العين دون التفكر والاعتبار في المنظور إليه أن له خالقاً خلقه وبارئاً
أخرجه من العدم وأوجده فإذا علم ذلك علم أن ما سوى الله محدث أحدثه.
وهو الله الذي ليس كمثله شيء وقال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق من ربهم } (2) فلم يرد بذلك نظر
العين خاصة فإن قيل فما الدليل على أن الله تعالى شيء قلنا قد دلت الأدلة على أنه موجود ويوحد كل شيء سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
مسألة
[ الدليل على أنه شيء لا كالأشياء ]
فإن قيل فما الدليل على أنه شيء لا كالأشياء قيل له إن الأشياء لا يخلو أن يكون يرى بعين أو يحس كالريح وما كان يرى أو يحس فمفتقر للمكان والله تعالى لا يُرى ولا يُحس ومن لا يتقن الأشياء معدوم.
مسألة
[ لماذا لا يقال بأنه جسم ]
فإن قيل إذا قلتم إنه شيء لم لا تقولون أنه جسم لا كالأجسام ، قلنا لأنه قد يقال جسم أجسم من جسم ولا يقال شيء أشياء من شيء ولأن الجسم يكون طويلاً عريضاً عميقاً. قال تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل
الله } (3).
مسألة
[ ما قالت الديصانية ]
فقالت الديصانية(4)
__________
(1) 1- سورة يونس آية 101 .
(2) 1- سورة فصلت آية 53 .
(3) 2- سورة النعام آية 19 .
(4) 1- الديصانية : أصحاب ديصان أثبتوا أصلين نوراً وظلاماً فالنور يفعل الخير قصداً
واختياراً، والظلام يفعل الشر طبعاً واضطراراً، فما كان من خير ونفع وطيب
وحُسن فمن النور، وما كان من شر وضر ونتن وقبح فمن الظلام، وزعموا أن
النور حي عالم قادر حساس دراك ومنه يكون الحركة والحياة، والظلام ميت
جاهل عاجز جماد جواد لا فعل ولا تمييز... أنظر الملل والنحل للشهرستاني
هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/88. (2/24)
صفحة 184
إن لا إله إلا الله هو الواحد الأزلي يكن معه موات
قديم فمن ذلك الموات أبدأ الأشياء على ما هي عليه وأوجدها بعد العدم، قلنا هذا باطل من جهة أن لا إله إنما واجب أن يكون مما في الأزلية والقدم فلو
كان معه غيره في الأزلية والقدم لوجب أن يماثله في أخص أوصاف
الأولوهية ومن له شريك فليس بإله القديم.
مسألة
[ إحداث الأجسام ]
فإن قيل هل يجوز أن تكون الأجسام يحدثها محدث أحدثه الله تعالى
وذلك المحدث جسم قلنا له لا والدليل على إبطال ذلك أن الجسم لا يكون قادراً إلا بقدرة هي غيره فلو جاز ذلك لجاز لنا أن نفعل بقدرتنا بعض ذلك.
مسألة
[قدرة الأجسام]
فإن قيل لم قلتم أن الجسم لا يكون قادراً إلا بقدرة هي غيره قلنا له ليس فيما بيننا جسم قادر إلا بقدرة هي غيره، ولو كان الجسم قادراً بنفسه
لكانت الجمادات كذلك وذلك مستحيل.
مسألة
[ الحجة على من أنكر حدث العالم ]
فإن قيل فما الحجة على من أنكر حدث العالم من الملحدة وعبدة الأصنام وقالوا بقدمه فقالت الدهرية إن الدنيا لم تزل كما توافر مرور الليالي والأيام وتموت وتحيى وما يهلكنا إلا الدهر قلنا يبطل قولهم هذا قول الله تعالى
{ وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } (1).
مسألة
[ غنى الله سبحانه وتعالى ]
فإن قيل إذا قلتم أن الله تعالى غني لا مغن له وكذلك جميع صفاته فلم
لا أثبتم مفعولاً لا فاعل له قلنا لا يجب ما قلتم وذلك أن الغنى الذي قلنا لا مغن له والعزيز الذي لا معز له ليس بمعزوز فيقتضي ذلك معزاً وكذا جميع الصفات وعزيز على وزن فعيل لا يقتضي ومفعول يقتضي فاعلاً فالعالم
العزيز الذي بينّاه لا معلم له ولا مقدر له لم يزل قديماً.
مسألة
[ الأجسام لا تحدث بعضها بعضاً ]
فإن قيل ما تنكروا أن تكون الأجسام للتي دللتم أنها محدثة أحدث
بعضها بعضاً قلنا هذا فاسد من قبل أن كل متماثلين لا يكون أحدهما
__________
(1) 1- سورة الجاثية 24 . (2/25)
صفحة 185
موصوفاً بالقدرة على صاحبه أولى من أن يكون الآخر موصوفاً بالقدرة عليه
إذ المثلة بينهما حاصلة والمكافأة واقعة ولو جاز أن يحدث بعضهما بعضاً
لقلتم مراد أحد المحدثين في الآخر وقد جاء عن ربنا أنه هو الخالق تعالى.
مسألة
[ مازعمت المانوية ]
زعمت المانوية لعله المانوية(1) أن الأشياء من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة والنور خير يفعله الخير والظلمة شر تفعل الشر، وإنما لم يزالا حيين حاسبين داركين سميعين بصيرين وهما مع ذلك مختلفان في النفس
والصور متضادين في الفعل والتدبير ثم امتزجا فقال أبو الهذيل(2) لبعضهم
أخبرنا عن النور أليس قد كان مبايناً للظلمة قال نعم قال فما مجيه إليها بعد المباينة إحياء إلى أنس ومستراحة أم إلى ضده فإن قال جاء إلى ضده طوعاً
فهو شرير أحمق وإن قال جاء قسراً فهو ضعيف عاجز فرجع المانوني خائباً فهداه الله وأسلم.
مسألة
[ ماحق الله على عباده ]
فما حق الله على عبادة قلنا حقه أن يوفوه ويوحدوه ويعبدوه ولا
يشركوا به شيئاً فإن قيل أراد الله هذا الحق منهم طوعاً قلنا نعم أراده ممن
__________
(1) 1- المانوية: أصحاب ماني بن فانك الحكيم الذي ظهر في زمان شابور بن ازدشير
وقتله بهرام بن هرمز بن شابور وذلك بعد عيسى عليه السلام أخذ ديناً
بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح عليه السلام ولا يقول بنبوة عليه
السلام مذهب الحكيم ماني : زعم أن العالم مصنوع من مركب من أصلين
قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة وإنهما أزليان لا يزالا ولن يزالا، وأنكروا
وجود شيء لا من أصل قديم وزعم أنهما لم يزالا قوتين حساسين سمعين
بصيرين وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير ومتضادان وفي
الخير متحاذيان تحاذي الشخص والظل. لهم معتقدات معينة في النور والفعل
والخير والصفات... أنظر الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل في الملل
والأهواء والنحل لابن حزم 2/ 81 - 86 .
(2) 1- أبو الهذيل: لم أعثر له على ترجمة . (2/26)
صفحة 186
يأتي به مطيعاً ولم يرده ممن لم يأتي به مطيعاً.
مسألة
[ لزوم حجة القرآن العجم ]
فإن قيل كيف لزمت حجة القرآن الهند والترك والعجم وهم ما يعرفون
أذ ما أتي به معجزا قلنا من حيث إذا فتشوا علموا أن العرب الذين بعث
إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا فصح الكلام العربي وأنهم النهاية في هذا الباب وإنه
نشأ عندهم وإنه ما كان يتلوا من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه وإنه
تحداهم أن يأتوا بمثله مجتمعين ومتفرقين فعجزوا عن ذلك.
كما أن حجة موسى وعيسى قائمة على من ليس بساحر ولا طبيب
لعلمنا أنهما قد اتحدا بأطب الناس وأعلمهم سحرا بمثل ما أتيا به فعجزوا عن ذلك مع الحرص عليه والإيثار له.
مسألة
[ ادعاء اليهود عدم بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
قالت اليهود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث بعد فمن الرد عليهم إنه كيف لم يبعث وأنتم تعلمون أيان بعثته وأيان موته وذلك في
كتابكم قد انقضى وقتئذ في مولده ومبعثه وموته وشاهد ذلك كله عندكم
لا ينكروه إلا مكابر ممن يشتري بآيات الله وإيمانه ثمناً قليلاً.
مسألة
[ دعوة الأنبياء والرسل واحدة ]
عن الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد(1) رحمه الله كل دين الأنبياء
والمرسلين واحد ودعوتهم واحدة وحجتهم واحدة لا يختلف الدين الذي
جاءوا به عن رب العالمين وكانت الدعوة كلها شهادة إن لا إله إلا الله وحده
__________
(1) 1- الشيخ أبو سعيد محمد بن سعيد - رحمه الله - : بن محمد بن سعيد الناعبي
الكدمي وكدم من أعمال ولاية الحمراء، يعتبر من كبار علماء عُمان ومن أئمة
المذهب المقتدى بهم يقال أن مولده سنة 305هـ وقد عمل أميناً على المحبوسين ،
عصر إمامي هما : الشهيد سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب، والثاني :
راشد بن الوليد رحمهما الله. له مؤلفات كثيرة منها : الجامع المفيد، وكتاب
المعتبر والاستقامة. توفي رحمه الله قبل وفاة ابن بركة وكان بينهما خلاف
فقهي. ارجع إلى إتحاف الأعيان 1/216 - 225 . (2/27)
صفحة 187
لا شريك له وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليهم أجمعين ، قال الله { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً } (1) الآية وقال تعالى { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } (2) فإن قيل فما الحجة في لزوم التكليف قلنا قوله تعالى
{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم } (3) .
ووجوب التكليف على قسمين من يقين طريق عقل و طريق نقل فطريق العقل ينقسم على قسمين أحدهما معرفة الله أنه واحد وعالم وقادر ونحو
ذلك فعلى المكلف عند ذكر ذلك وسمعه واعتقاده وعلمه غير معذور
بجهله ولا الشك فيه ولا القسم الثاني فيه الاختلاف بين الناس مثل عالم
يعلم وقادر يقدر وعالم بنفسه وقادر بنفسه فحجة هذا تلزم بالسؤال وبعد الاستدلال وعلى الشاك فيه لا يعتقد تحولاً من قول المختلفين بغير دليل فإن يكون متمسكاً بجملة وهي أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء وأما ما
كان طريقه طريق النقل وهو السمعي فغير لازم فرض ولا هالك من جهله
إلا بعد قيام الحجة عليه بالخبر المنقول فأما ما سمعه ما طرق سمعه من ذلك
لزمه فرضه إن كان في اللفظ في نفس المنقول وإن كان مجملاً فإلي أن
يسأل العلماء عن تفسيره بأخطائه وما لم تقم على المكلف حجته ولم
تبلغه دعوته فهو سالم بجمله فما كان طريقه طريق السمع من رسالة الرسول وعلم الفرائض ومشاهدة الرسول ليس بحجة حتى يظهر له معجزة على
دعوى النبوة ويدعوه إليه من الإيمان.
مسألة
[ أصناف التكليف ]
التكليف ثلاثة أصناف لعدة أقسام فقسم أمر المكلفون باعتقاده وقسم أمروا بفعله وقسم أمروا بالكف عنه وأما ما أمروا باعتقاده فقسمان قسم
إثبات وقسم نفي فأما الإثبات فإثبات توحيد الله وصفاته وتصديق رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به وأما النفي فنفي لصاحبته والولد والأشياء والحاجة
__________
(1) 1- سورة الشورى آية 13 .
(2) 2- سورة آل عمران آية 85 .
(3) 3- سورة النساء آية 1 . (2/28)
صفحة 188
والقبايح أجمع عن الله تعالى وهاذان القسمان أولهما ما كفله العاقل.
وأما أمرهم الله بفعله فثلاثة أقسام قسم على أبدانهم كالصلاة والصوم،وقسم في أموالهم كالزكاة والكفارات وقسم على أموالهم وأبدانهم معاً
كالحج والجهاد.
وأما ما أمرهم بالكف عنه فثلاثة أقسام فقسم لإحياء أنفسهم كنهيه عن
القتل وأكل الخبائث والسموم وما يؤدي إلى إفساد أبدانهم وأديانهم وقسم
لأفعالهم وصلاح ذات بينهم كنهيه الله تعالى عن الغضب والظلم والبغض
وما أشبه ذلك وقسم لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم كنهيه الله تعالى عن
الزنا وتحريم ذوات المحارم.
مسألة
[ كيفية أخذ المتعبد به ]
والتعبد مأخوذ من عقل متبوع وشرع مسموع فالعقل متبوع فيما لا
ينفع منه الشرع والشرع مسموع ما لم يمنع من العقل لأن الشرع لا يرد بما
يمنع منه العقل والعقل يتبع فيما لا يمنع منه الشرع، وكذلك توجه التكليف
إلى كل من كمل عقله والأحكام العقلية لا تكون أصولاً للأحكام الشرعية
ولا تشبه الأحكام الشرعية الأحكام العقلية.
مسألة
[ هل الكفار مخاطبون بالعبادات ]
اختلف المسلمون في الكفار هل خوطبوا بالعبادات والأحكام كأهل الإسلام أم مخاطبون أولاً بأصل الإيمان فقط على وجهين أحدهما لم
يخاطبوا سوى بأصل الإيمان فإذا دخلوا في ذلك خوطبوا حينئذٍ بسائر
العبادات وقال آخرون بل خوطبوا بجميع ذلك من صلاة وصوم وما
أشبههما ومعاقبون على تركه ولكن يكون فعلهم على ترتيب أنظر إلى قوله
تعالى : { فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } (1).
وأما المرتد(2)
__________
(1) 1- سورة فصلت آية 7 .
(2) 2- المرتد : من الارتداد - الرجوع. وعند الفقهاء : إجراء كلمة الكفر على اللسان
بعد وجود الإيمان. بدائع الصنائع للكاشافي 7 / 134 .
وفي شرح النيل : هو المكلف الذي يرجع عن الإسلام طوعاً، أما طوعاً بالتصريح
بالكفر وأما بلفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه - شرح النيل وشفاء العليل 17/597 . (2/29)
صفحة 189
لم أعلم اختلافاً بين قومنا أن في حكم الخطاب يجوز من
فعل الحكم تعالى كيف يعلم أنه من يعصيه من خلقه فيصيرون إلى النار فلو
لم يخلقهم ما كفروا ولا استحقوا ذلك أن وجب أن يكون الخلق والتبليغ بالتكليف قبيحاً ولا يكون حكمة لكان لا شيئاً أوضع ولا أقبح من العقل
ولا أضر منه لأن الإنسان متى لم يكن عاقلاً لم يلم في صنع ولم يلزمه
عقاب ومتى كان عاقلاً لحقه ذلك والأمة الملحدة والموحدة مجموعون على
شرف العقل وفضله وإنما كفر من كفر بسوء اختياره.
مسألة
[ صفة أهل الجنة ]
فإن قيل هل يجوز إن يكلف الله أهل الجنة في الجنة كما كلفهم في
الدنيا لكان الأمر من الوعد والوعيد كما كان في الدنيا.
مسألة
[ كيفية أهل الجنة ]
فإن قيل لابد لأهل الجنة من فروض معرفة الله تعالى والشكر له قلنا إن أهل الجنة إلا وهم عارفون جميع ذلك فبعد استقراره في قلوبهم لم ينسونه
ليعاد عليهم التكليف مرة أخرى، فإن قيل: أن يكون حكيماً من ترك عبده يعصيه ويعمل عملاً يستحق به الخلود في النار ولا يمنعه وهو قادر على ذلك قلنا قد منع الله العباد من أن يعصوه أشد المنع وخلصهم منه بأفضل الخلاص بأن زجرهم ونهاهم وتوعدهم بالنار وأراهم العبر والآيات والمثلات
وأقدرهم على ترك المعاصي وجعل لهم السبيل إلى الطاعة وأعطاهم كلما ينجون به من المعصية وحذرهم وتوعدهم ووعدهم.
مسألة
[ استحقاق الثواب والعقاب ]
فإن قيل فهل لا خيرهم وقهرهم عن المعاصي قلنا لو فعل ذلك بهم لم
يستحق محسنين ثواباً ولا مسيء عقاباً وكان لا معنى فخلقهم إذ لم يخلقهم لينفعهم وكان خلقه لهم عبثاً وسدى تعالى الله .
مسألة
[ الانتقال في العبادات «نسخ تخفيف» ]
فإن قيل أيجوز أن ينقل الله العباد من تثقيل إلى تخفيف قلنا نعم لأن الله تعالى أمر المؤمنين بقتال المشركين بعد أن كانوا غير متعبدين فقال الله تعالى (2/30)
صفحة 190
ألا تنظروا الآية فقد صاروا بالتخلف عن القتال متوعدين بعد أن كانوا غير مأمورين وقد خفف أشياء بعد التثقيل لقوله تعالى { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً } (1) .
مسألة
[ علم الله ]
فإن قيل أليس الله عالماً عند إلزامه لهم الرضى الأول بما يصيرون إليه من الضعف قلنا هو عالم بما كان وبما يكون قبل أن يكون وإنما خفف عليهم وألزمهم الفرض الثاني لما كانوا أقلاء بدولة الإسلام وكانت نياتهم أقوى وقد افترض عليهم الفرض الأول ولما كثروا وضعف حرصهم عن القتال خفف
المحنة عنهم وألزمهم الفرض الثاني.
مسألة
[ الدليل على أن القرآن حجة ]
فإن قيل فما الدليل على أن القرآن حجة قلنا قوله تعالى { إن هذا
القرآن يهدي للتي هي أقوم } (2) وقوله تعالى { الم ذلك الكتاب لا ريب
فيه هدى للمتقين } (3) .
مسألة
[ الدليل على أن السنة حجة ]
فإن قيل فما الدليل على أن السنة حجة قلنا قوله تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (4) وقوله تعالى { وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى } (5) .
مسألة
[ الدليل على حجية الإجماع ]
فإن قيل فما الدليل على أن الإجماع حجة قلنا قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس } (6) والشهيد لا يكون إلا مرضيّاً وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تجتمع أمتي على ضلال»(7) .
مسألة
[ حجية العقل ]
فإن قيل فما الدليل على أن العقل حجة قلنا قوله تعالى { فاعبتروا يا
أولي الأبصار } (8)
__________
(1) 1- سورة الأنفال آية 66
(2) 1- سورة الإسراء آية 9 .
(3) 2- سورة البقرة آية 1 ، 2 .
(4) 3- سورة الحشر آية 7 .
(5) 4- سورة النجم آيات 3 ، 4 .
(6) 5- سورة البقرة آية 143 .
(7) 6- أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن من حديث أنس 2 / 1303 وفي سنده =
(8) = ضعف لضعف أبي خلف الأعمى، وأخرجه الترمذي 4 / 466 من حديث ابن
عمر، وقال حديث غريب لأن فيه سليمان المدني، وقد ضعفه غير واحد انظر
ميزان الاعتدال 2 / 209 ، وقال العراقي أخرجه البيهقي في المدخل من حديث
ابن عباس، وأخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 115 ، ورد هذا الحديث بألفاظ
كثيرة وهي مشهورة المتن كثيرة الأسانيد ولها شواهد عديدة. وممن خرجها:
أحمد والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة في تاريخه وغيرهم، أنظر كشف
الخفاء 2/350 ، الفتح الكبير 1/318 وسنن أبي داود 4/452 والفقيه والمتفقه
للبغدادي 1/161 .
1- سورة الحشر آية 2 . (2/31)
صفحة 191
وقوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } (1) .
مسألة
[ حجية الرأي ]
فإن قيل فما الدليل على أن الرأي حجة قلنا قوله تعالى { وداود
وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نقشت فيه غنم القوم وكنا
لحمكهم شاهدين } (2) .
مسألة
[ تواتر الأخبار ]
فإن قيل فما الدليل على تواتر الأخبار حجة قلنا ما نعلمه من البلدان
التي لم نشاهدها وما لا نعلمه من الأشياء إلا بالنقل من المخبرين بها وإن لم تعانيها من البلدان القاضية لأنا نعلم أن الله تعالى بنا بيتاً في الأرض وهو
الكعبة ولم نعانيها قط فإن قيل فهل تكون مشاهدة الرسول حجة على
المكلف قلنا إن ذلك ليس بحجة دون إظهار معجزاته الباهرات التي لم تجز
لها عادة من الخلق ولا يقدرون على الإتيان بمثلها وقد كان في زمن
الفصحاء والخطباء والشعراء فعجزوا عن معارضة القرآن وقريش هم
أفصح العرب وأقدرهم على أوزان الكلام فدهشت وطاشت عقولها فتارة
قالوا سحر ساحر وتارة قالوا مجنون وتارة أساطير الأولين وتارة قالوا شعر(3) فأعجزهم الله الإتيان بمثله.
مسألة
[ من قال استحالة النسخ ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن النسخ(4) مستحيل على الله لأنه
يوجب البدا(5) والبدا لا يجوز عليه قلنا إن الله تعالى يحيي عبداً ثم يميته
ويصحه ثم يمره منه أهذه حكمة من الله إلا وهذا عندكم يوجب البدا أم
لا فإن قالوا يوجب البدا قلنا ما أنكرتم أن يكون حكم الشرائع كهذا
الحكم وهم يعلمون أن الله تعالى أمر نبيه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بذبح ولده ثم نهاه
عن ذلك .
مسألة
__________
(1) 2- سورة الغاشية آية 17 .
(2) 3- سورة الأنبياء آية 78 .
(3) 1- الصحيح شاعر .
(4) 2- النسخ : هو الإزالة كلياً أو جزئياً. يقال : نسخت الريح الأثر.
واصطلاحاً : قال العلماء : حد النسخ : الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت
إذا كان متراخياً عنه على وجه لولاه لاستمر الأول.
(5) 1- الصحيح: البداء: أي بدا له وهذا نقص ومحال على الله ذلك . (2/32)
صفحة 192
[ الفرق بين البداء والنسخ ]
فإن قيل فما الفرق بين البدا(1) والنسخ قلنا إن البدا(1) هو أن يظهر للأمر باب من المصلحة أو صواب الرأي في التدبير ولم يكن ظهر له قبل ذلك
فيبدوا له ويجب في الحكمة ترك ما تقدم والأخذ بما أوجبه الرأي الحادث
وهذا لا يجوز على الله تعالى وأما النسخ فقد كان الله عالماً قبله بأن الحال سيغير فيجب حكمه بغير ما أمر به في المتقدم إلى أمر ثان وليس يبدو وأمن ذلك ما كان مخفياً عليه تعالى الله .
مسألة
[ حكم من قال بالوصي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن في الأرض بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أوصياء نص عليهم بوحي إليهم وإن علم باطن القرآن عندهم وأنهم قد
اهتدوا بوحي قد ضل الناس عنه، قلنا عن الشيخ أبي الحسن البسياني
رحمه الله تعالى إنّ قائل هذا كافر لأن الله تعالى قال : { وما محمد إلا
رسول قد خلت من قبله الرسل } (1) ولم يقل رسول بعده وقال تعالى
{ ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين } (2) وقد اجتمعت الأمة أنه حجة الله
إلى يوم القيامة.
مسألة
[ من زعم أن للقرآن ظاهر وباطن ]
فإن قيل ما الحجة على من زعم أن للقرآن ظاهراً وباطناً فعلم ظاهره عن الناس وعلم باطنه عن الأوصياء، قلنا كتاب الله يكذبه لأن الله تعالى قال
{ تبيان لكل شيء } وقال: { هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه } (3) الآية فاتباع القرآن واجب وهذا القائل خارج بما نطق به القرآن(4) .
مسألة
[ الرد على من قال بالأوصياء ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الله افترض معرفة الأوصياء والولاية لهم وإن كانوا أهل ضلال وأن من أطاعهم وتولاهم مغفور له قلنا أن الله
تعالى لم ينزل في كتابه بيان كل شيء من ذلك وقال { لا تتخذوا آباءكم
__________
(1) 1- سورة آل عمران آية 144 .
(2) 2- سورة الأحزاب آية 40 .
(3) 3- سورة الأنعام آية 151 .
(4) 4- هذا القول مشهور عن الطرق الصوفية وعن الإمامية. وهذا لا يجوز والله أعلم . (2/33)
صفحة 193
وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان } (1) وقال { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } (2) الآية.
مسألة
[ صفة الأنبياء قبل النبوة ]
فإن قال قائل هل يجوز أن يقال أن أنبياء الله كانوا على غير ملة الإسلام قبل أن يستبينوا قلنا عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله لم يزالوا عند
الله مسلمين وهم له أولياء ولا يسع أحد أن يقول ذلك لقوله تعالى { إن
الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } (3) وقال
تعالى لنبيّه محمد - صلى الله عليه وسلم - { ووجدك ضالاً فهدى } (4) عن النبوة ولم تأتيه
بعد ذلك وكذلك قول موسى - صلى الله عليه وسلم - { فعلتها إذا وأنا من الضالين } (5) عن
النبوة وما بعث الله نبيّاً إلا أعطاه خصلتين يغفر له ما تقدم له من ذنبه
ويعصمه فيما تأخر .
مسألة
[ هل عصى آدم ربه ]
فإن قيل ما الحجة على من قال أن آدم لم يعص الله قلنا كيف يكون ذلك
والله تعالى يقول : { وعصى آدم ربه فغوي } (6) وقال تعالى { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها حيث شئتما رغداً ولا تقربا هذه
الشجرة فتكونا من الظالمين } (7) وهو لم يعص.
مسألة
[ ذنوب الأنبياء ]
اتفق بعض العلماء على أن ذنوب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، كانت
كلها صغاير وأن النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - لم يأت ذنباً قط ولا كانت منه الخطيئة.
مسألة
[ هل يأمن التائب مكر الله ]
فإن قيل هل يجوز للتايب أن يأمن من العذاب قلنا لا يجوز لأحد أن
__________
(1) 1- سورة التوبة آية 23 .
(2) 2- سورة المائدة آية 51 .
(3) 3- سورة آل عمران آية 33 .
(4) 4- سورة الضحى آية 7 .
(5) 5- سورة الشعراء آية 20 .
(6) 1- سورة طه آية 121 .
(7) 2- سورة البقرة آية 35 . (2/34)
صفحة 194
يأمن مكر الله وقد قال الله تعالى { يدعوننا رغباً ورهباً } (1) وذكر الملايكة فقال وهم مع عظم خشية ربهم مشفقون(2) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عظم منزلته عند الله مشفقاً من خشية الله باكياً حزيناً.
مسألة
[ الجنة التي دخلها آدم عليه السلام ]
فإن قيل ما الحجة على من زعم إن قبل يوم القيامة بعثاً يقتل بعده من قد
مات في الدنيا ويموت من قد قتل وأن دولتهم وظهور أمرهم وبيان تصديق قولهم بعد ذلك البعث قلنا إن قايل هذا كاذب مخالف لكتاب الله وإجماع المسلمين على خلاف قول الله تعالى { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة } (3) وقال تعالى { لئِن متم أو قتلتم } (4) الآية، فإن قيل فما الحجة
على من قال أن الجنة التي دخلها آدم عليه السلام كانت بستاناً من البساتين وأنه ليست الجنة المعدودة للمتقين قلنا قول الله تعالى { قلنا يا آدم اسكن
أنت وزجك الجنة } (5) فلما عرفها علمنا أنها لا تكون إلا الجنة المعدودة للمتقين لا غيرهم إلا تري أن من أوصى للمسجد ولم يعرف لأي مسجد كانت الوصية للمسجد الجامع المعروف ودليل آخر قوله تعالى { قلنا
اهبطوا منها جميعاً } (6) يعني من الجنة السماوية إلى الأرض السفلاوية .
مسألة
[ صفة حب العباد لله عز وجل ]
فإن قيل فما صفة حب العباد لله تعالى قلنا إنما هو حب الطاعة ليس
بشخص فيقع عليه الوهم لكي يحب ما يقع عليه وهمه.
مسألة
[ صفة محبة الله للعبد ]
فإن قيل فما صفة حب الله للعباد قلنا أن ما هو يوفقهم لطاعته ويبغضهم لمعصيته وقال بعض قومنا محبة العبد لله حالة يحدثها العبد في قلبه وهي
__________
(1) 3- سورة الأنبياء آية 90 .
(2) 4- والصحيح: { إن المؤمنين هم من خشية ربهم مشفقون } [المؤمنون 57].
(3) 1- سورة النساء آية 87 .
(4) 2- سورة آل عمران آية 158 .
(5) 3- سورة البقرة آية 35 .
(6) 4- سورة البقرة آية 38 . (2/35)
صفحة 195
ألطف من أن يعبر عنها بلسان وأشرف من أن يشار إليها ببيان ويستحيل أن يكون محبة العبد لله بالكيفيّة والإحاطة بالآنية لأن الله تعالى منزه عن هذه الأوصاف الدنيّة.
مسألة
[ لمن تكون الشفاعة ]
فإن قيل فالشفاعة حق ولمن تكن قلنا نعم حق هي ولمن قال الله تعالى
{ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } (1) وقال : { لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } (2) وقال : { يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن
ورضي له قولاً } (3) وقد أكذب الله تعالى من قال أن الشفاعة لمرتكب
الكبائر بقوله : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } (4).
مسألة
[ بقاء الجنة ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الجنة والنار يفنيان في الآخرة مع نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار قلنا الدليل على بقائهما قوله تعالى { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } (5) فهذا القائل قد نقض كتاب الله فمن
لم يؤمن بالجنة والنار وأنهما باقيتان كبقاء الآخرة وأن أهلها لا يخرجون
منها فقد كفر.
مسألة
[مخالفة الإيمان للكفر]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الله أراد الإيمان ولم يرد الكفر قلنا
لهم فأراد أن يكون الإيمان خلاف الكفر فإن قالوا نعم قيل لهم فأراد أن
يكون الكفر خلاف الإيمان فإن قالوا لا قيل لهم فأراد الإيمان خلاف
الكفر خلاف الإيمان فأراد أن يخالف شيئاً لا يريد أن يخالفه ذلك الشيء فإن قالوا نعم كابروا.
مسألة
[ استطاعة الإنسان ]
فإن قيل لم قلتم أن الإنسان يستطيع باستطاعة هي غيره قلنا لأنه يكون مستطيعاً ساعة وعاجزاً ساعة والجوارح كما هي يكون ساعة عالماً وساعة
جاهلاً وأمثال ذلك فوجب أن يكون مستطيعاً كما وجب أن يكون
متحركاً بمعنى هو غيره.
مسألة
[ تعبد الله الناس بالأمر والنهي ]
__________
(1) 1- سورة الأنبياء آية 28 .
(2) 2- سورة سبأ آية 23 .
(3) 3- سورة طه آية 109 .
(4) 4- سورة غافر آية 18 .
(5) 1- سورة الأعراف آية 42 . (2/36)
صفحة 196
فإن قيل هل ساق علم الله العباد إلى ما علم الله فلو أن علمه ساقهم إلى
ما عملوا ما استحق المطيع ثواباً إذ هو مجبور ولا العاصي عقاباً إذ المجبور لا يستحق على ما جبر شيئاً ولم يتعبدهم بعلمه وإنما تعبدهم بالأمر والنهي والاختياري ولو عاملهم على علمه لعذبهم قبل أن يعملوا لعلمه أن لو بسط
لهم الرزق لبغوا في الأرض.
مسألة
[ إرادة الله ]
قال الله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (1) قال بعض
المسلمين المعني في ذلك إلاّ لآمرهم بعبادتي وقال ابن عباس رضي الله عنه
إلا ليعرفون فمن زعم أن الله تعالى أراد العبادة من جميع خلقه كان في
قياده قوله أنهم فعلوا أخلاق ما أراد الله منهم فغلبت إرادتهم إرادته تعالى
الله وقال تعالى { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً } (2).
مسألة
[ النهي عن المعصية ]
فإن قيل ما معنى النهي عن المعصية وقد أرادها الله وعلمها قلنا لو لم
يكن نهياً ولا أمراً لم تكن معصية ولا طاعة وإنما نهى عن المعصية وقد
أرادها وعلم أنه تكون إذ نهى عنها لأن النهي لو لم يكن معصية لكن لا
فائدة فيه.
مسألة
[ فائدة إرسال الرسل ]
فإن قيل ما فائدة إرسال الرسل إذا كان الله عالماً بأن المرسول إليهم لم
يؤمنوا به وهو تعالى أراد منهم الكفر قلنا أراد الله الكفر قبيحاً مسخوطاً وإرسال الرسل حجة عليهم وليس للعباد على الله حجة وذلك عدل من الله وحكمة بالغة، قال الله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } (3) .
مسألة
[ قضاء الله سبحانه وتعالى ]
فإن قيل يقضي الله تعالى على العبد بالكفر فيعذبه عليه قلنا إن القضاء هاهنا الخلق لا الجبر فلا يليق بصفات الحكيم أن يجبر على فعل شيء ثم لا
يعذب عليه وكذلك قدر الله عليه الكفر.
مسألة
[ العمل خلاف العلم ]
__________
(1) 1- سورة الذاريات آية 56 .
(2) 2- سورة يونس آية 99 .
(3) 1- سورة الإسراء آية 15 . (2/37)
صفحة 197
فإن قيل فيقدر من علم الله منه المعصية أن يعمل خلاف ما علم منه قلنا لا
فإن قال هو المجبور قلنا ليس هو وإنما المجبور عجز عن فعل الطاعة
لانشغاله بالمعصية وإنما ترك هذا فقد استطاع فعل ضده إذ لا مانع له من
قبل الله تعالى.
مسألة
[ إنفاذ علم الله ]
فإن قيل فما الحجة على من قال أن الله تعالى جبر خلقه على المعاصي وعاقبهم على فعله لا على أفعالهم؟ قلنا لو كان إنما عذبهم على فعله لما قال
{ ذوقوا ما كنتم تكسبون } (1) ، { وذلك بما قدمت أيديكم } (2) وقال
{ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها } (3) وقد علم الله أن أعمال
العباد قبل خلقه لهم فأراد إنفاذ ما علم كما الله تعالى.
مسألة
[ إيمان المشبه ]
فإن قيل ما الحجة على من قال المشبهة مفوضة للعباد قلنا إن اللّه تعالى
لم يجبر العباد ولا فوض إليهم الأمر ولا أهملهم سدى وكيف ذلك وهو
يقول { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون } (4) والعابث
ليس بإله حكيم.
مسألة
[ معنى قوله{لمن شاء منكم أن يتقدم ...} ]
فإن قيل ما معنى قول الله تعالى { فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر } (5) فليس في هذا تفويض وإنما ذلك من تهديه من الله تعالى ألا
ترى يقول عقبى ذلك { إنا أعتدنا للظالمين ناراً } (6) وهذه الآية وما يشابهها كقوله { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } (7) نسختهن قوله تعالى { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } (8) .
مسألة
[ الله عالم بالأشياء ]
فإن قيل أو تقولون أن لله علماً قلنا نعم وما معناه أنه العالم بالأشياء ولا
__________
(1) 1- سورة الزمر آية 24 .
(2) 2- سورة آل عمران آية 182 .
(3) 3- سورة فصلت آية 46 .
(4) 1- سورة المؤمنون آية 115 .
(5) 2- سورة الكهف آية 29 .
(6) 3- سورة الكهف آية 29 .
(7) 4- سورة المدثر آية 37 .
(8) 5- سورة التكوير آية 29 . (2/38)
صفحة 198
نقول أن له علماً هو غيره به علم وقد قال الله تعالى أنزله بعلمه أي أنزله هو والعالم به وكذلك جميع صفاته تعالى الله عن صفات خلقه.
النهج الثاني
في الولاية(1) والبراءة(2)
الولاية والبراءة فريضتان من فرايض الله تعالى كغيرهما من سائر
العبادات المفترضات لقوله تعالى { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر
يوادّون من حاد الله ورسوله } (3) وقال الله تعالى { ولو كانوا يؤمنون
__________
(1) 1- الولاية : من الموالاة مشتق من الولاء وهو الدنو والتقرب، والولاية ضد
العداوة، والولي عكس العدو، والمؤمنون أولياء الرحمن، والكافرون أولياء
الشيطان، كقرب الفريق الأول من الله بطاعته وعبادته، وقرب الفريق الثاني
من الشيطان بطاعة أمره وبعدهم عن الله بعصيانه ومخالفته. الدليل على الولاية
قال تعالى : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل
الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } الأنفال27. وقال
تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر... } التوبة 71 .
هذه صفات الولاية والموالاة. أنظر أحكام الردة والمرتدين للمحقق
ص 201 - 502.
(2) 2- البراءة : تقول : برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه برئ، إذا أزلته عن نفسك،
وقطعت سبب ما بينك وبينه. فالبراءة المقاطعة فالمسلم ولي المسلم ولا يجوز أن
يوالي غير المسلم. قال تعالى : { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون
من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو
عشيرتهم ... } المجادلة 23. وقال تعالى : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا
أنفسهم فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } هود
آية 113 ، وفي القرآن الكريم سورة كاملة اسمها سورة براءة توضح مفهوم
البراءة. والله أعلم.
(3) 1- سورة المجادلة آية 32 . (2/39)
صفحة 199
بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } (1) وأمثال هذا في القرآن
كثير تركته اختصاراً وفي البراءة قوله تعالى { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه
إني براء مما تعبدون } (2) وقال { أنتم بريؤن مما أعمل وأنا برئ مما
تعملون } (3) ففرض الولاية والبراءة في غير آية من القرآن العظيم وسأذكر
في كتابي هذا طرفاً منها إن شاء الله تعالى.
مسألة
[ عمل السحر ]
ويكفي العبد في السحر في الولاية والبراءة إذ لم يرم التفتن في علمها بأن يعلم الناس ثلاثة أصناف فمن علمت منه خيراً في دينه بخيره أو برفيعته ممن يجوز رفيعته أو شهرة حق توليته وأحببته في الله ومن علمت منه باطله بما
قدمنا تبرأت منه ومن أبهم عليك حاله وقفت عنه حتى انكشف لك أمره.
مسألة
[ ولاية المؤمن ]
وإذا اعتقد المكلف أنه يتولى من يتولاه الله ورسوله والمؤمنون من الأولين
والآخرين إلى يوم الدين. وفي البراية كمثل ذلك أجزاه ما لم يخصه شيء
في نفسه وتتعذر عليه معرفة كيفية الحدث أنه حق أم باطل.
مسألة
[ أوجه الولاية ]
والولاية على أربعة وجوه فمنها ولاية الشريطة وهو أن يتولى العبد من تولاه الله ورسوله والمؤمنون وإذا اعتقد هذه الولاية فقد تولى جميع من
لزمته ولايته في الجملة من جميع الخلق وهذا فرض وتاركه هالك.
مسألة
[ ولاية الدين ]
ومنها ولاية الدين بالظاهر وهو ما يظهر من عبد عمل صالح مما يوافق
الكتاب والسنة والإجماع من الأمة وجبت ولايته بالدين في حكم الظاهر على
من عرفه وقامت عليه الحجة بذلك ولو أضمر شركا لأن الله تعالى تعبد عبادة
بأحكام الظاهر لأنه يبرأ منه في الشريطة وفي جملته.
مسألة
[ صفة ولاية الرأي ]
فإن قيل ما صفة ولاية الرأي قلنا هو أن تطلع على وليّك واقع فعلاً
__________
(1) 2- سورة المائدة آية 81 .
(2) 3- سورة الزخرف آية 26 .
(3) 4- سورة يونس آية 41 . (2/40)
صفحة 200
وعزب عليك الحكم فيه أنه طاعة أم معصية. فقول لكل ولاية: وليّك بالرأي على اعتقاد ولاية الدين إن كان حدثه لم يخرجه من الولاية وعلى اعتقاد
براءة الشريطة إن كان حدثه هذا يخرجه من الولاية.
مسألة
[ صفة الولاية الحقيقية ]
فإن قيل وما صفة الولاية الحقيقة قلنا لأهل السعادة وهو كل من شهد له كتاب من كتب بالجنة أو نبيّ من أنبياء الله عليهم السلام كالأنبياء وأهل الكهف وامرأة فرعون ومريم بنت عمران وزوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر
وعمر رضي الله عنهما على قول فهؤلاء ولا يتهمهم بالحقيقة.
مسألة
[ صفة براءة الشريطة ]
فإن قيل فما صفة براءة الشريطة في الجملة قلنا هو قولك إبراء ممن برأ
منه الله ورسوله والمؤمنون فيدخل في هذه البراءة جميع من عصى الله
من الثقلين.
مسألة
[ صفة براءة الدين بالظاهر ]
فإن قيل فما صفة براءة الدين بالظاهر قلنا الكل من صح كفره ونفاقه
وخلافه لدين المسلمين فهذا لازم فرض البراءة منه لمن قامت عليه حجته وعرف حدثه.
مسألة
[ صفة براءة الرأي ]
فإن قيل فما صفة براءة الرأي قلنا هو أن يبري أحد من وليك بالرأي ولم
تعلم أن وليك واقع كبيرة فعليك أن تبري من هذا المتبري من وليك بالرأي حتى يأتي بشاهدين يشهدان له على وليك بمكفرة وإنهما قد استتاباه
فلم يتب، فعند ذلك تتولى هذا المتبري من وليك هذا إن كانت له ولاية معك من قبل وتبري من وليك الأول الذي شهد عليه الشاهدان ولا تجوز براءة الرأي إلا في هذا الوجه خاصة.
مسألة
[ الذي شهد عليه الشاهدان... ]
فإن قيل وما صفة براءة الحقيقة قلنا هي : لكل من صح أنه من أهل النار كإبليس وفرعون وقابيل وهامان وعاد وثمود وامرأة نوح وامرأة لوط
فهؤلاء وشبههم يبرأ منهم حقيقة.
مسألة
[ صفة وقوف الدين ]
فإن قيل وما صفة وقوف الدين قلنا هو وقوف السلامة للعالم والجاهل (2/41)
صفحة 201
وهو أن تقف عن من لم يعلم له إيماناً يستحق به الولاية ولا كفراِ يستحق به البراءة فأنت واقف عنه وقوف دين تتولاه في الشريطة إن كان لله ولياً وتبرأ
منه في الشريطة إن كان لله عدواً.
مسألة
[ صفة وقوف السؤال ]
فإن قيل لك وما صفة وقوف السؤال قلنا هو أن يكون لك وليان
فيتنازعان في مسألة من الشرع فيدعي كل منهما صواب نفسه وخطأ
خصمه وأنت جاهل بلا عدل من قوليهما فعليك أن تقف عنهما حتى تسأل المسلمين يروي عن هذا الربيع بن حبيب(1) رحمه الله.
مسألة
[ صفة وقوف الرأي ]
فإن قيل فما صفة وقوف الرأي قلنا هو أن تعلم من وليك حدثاً يريك منه فلك أن تقف عنه وقوف رأي مع اعتقاد ولاية الدين إن كان حدثه لا يخرجه من الولاية وعلى اعتقاد براءة الشريطة إن كان حدثه يخرجه من الولاية إن وقفت عنه في هذا الموضوع وقوف دين كنت هالكاً.
مسألة
[ حكم جهل كفر الكافر ]
فإن قال فما معنى قول من قال أنه لا يهلك أحد بهلاك أحد ولا يضل
أحد بضلال أحد قلنا إذا جهل كفره وضلاله فلم يبرأ منه أيهلك بهلاكه
ما لم يتوله أيهلكه بفعله لا بفعل غيره ما لم تقم عليه شواهد حجة.
مسألة
[ الشهادة واليقين بالقلب ]
فإن قيل: فإذا قلتم في الجملة أنه يجري فيها التصديق فالشهادة واليقين
بالقلب دون اللفظ باللسان والمجتمع عليه بالجملة: أنهما أصل الإيمان
والإسلام والمجتمع عليه أن الأيمان قول وعمل ونية فما دليلكم على ذلك
قلنا الدليل قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله
والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل } (2) وقد
وجدنا تأكيده الإيمان في غير آية من كتاب الله أنه الإيمان التصديق
__________
(1) 1- الربيع بن حبيب : هو الإمام المحدث الثبت الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي
العماني، أدرك الإمام جابر بن زيد وأخذ العلم عنه. وهو شيخ المذهب منهم أخذ
طلبة العلم علمهم توفي رحمه الله سنة 140ه إتحاف الأعيان ص 51 - 53 .
(2) 1- سورة النساء آية 36 . (2/42)
صفحة 202
واليقين والمعرفة بالقلب.
مسألة
[ معرفة جملة الشهادة ]
فإن قيل فما معنى قول المسلمين أن البالغ تلزمه معرفة الجملة وهي شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن ما جاء به محمد عن الله
تعالى فهو الحق المبين قلنا قوله هذا يخرج في رجلين أحدهما قد بلغته الحجة والدعوة بهذه الجملة في(1) فجهل لزومها أو مشرك أنكرها بعد بلوغه طرفة عين ولو لم يقم عليه الحجة بها فهذان لا يسعهما إلا معرفتها ويضيق جهلها عليهما وسواهما لا يلزمه ما لزمهما من الهلاك بدون معرفتها لأنه في أصل دينهم مقر بها الحجة عليهم فيه من جميع دين الله.
مسألة
[ لا يسع جهل ما سبق ]
فإن قال قائل لم نجدهم يفسرون وهذا التفسير وإنما وجدنا عنهم أنه لا
يسع جهلها من بلغ وصح عقله قلنا فحجته منك عليك بحمد الله إذ نقول
أنهم قالوا لا يسع جهلها فلا يكون جاهلاً بها من لم يقدر على البلوغ إليها بحال من الحال لأنه إذا فقد آلة من الآلات سقط عنه التكليف بالعلم
والعمل والقول بمثلها كفاقد الاستطاعة عن الصلاة قائما صلى قاعداً.
مسألة
[ الإقرار بجملة التوحيد ]
فإذا أتت علي العبد حالة كان فيها مقر بالجملة من التوحيد عالماً بمعانيها
التي تلزمه في وقته ذلك وهو مسلم سالم من الهلاك مؤمن عالم واسع له
المقام على جهله سوى ذلك من العلم بالدين ولم يكن عليه أن يعتقد السؤال دينونة وليس عليه خروج في طلب العلم ما سوى ذلك كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -
أو من دونه من العلماء.
مسألة
[ العلم بالجملة ]
فإن قيل فإن صنع شيئاً من ذلك قلنا ما لم يضيع شيئاً من ذلك بعد العلم بالجملة وما يدخل فيها من معاني التوحيد والوعد والوعيد بجحد أو بشك
في علم ذلك أو تضييع فرض حتى يفوت وقته الذي تعبده الله فيه أو يركب
محرماً عن ركوبه بغير حجة من زوال عين أو ضرورة أو يعبر له معبر ممن
__________
(1) 2- في نقص - والله أعلم . (2/43)
صفحة 203
يجوز عبارته فهو سالم ومتى كان منه أحد ذلك كان بذلك هالكاً ناقضاً
لحكم ما أقر به.
مسألة
[ التائب من الذنب كمن لا ذنب له ]
فإن قيل تاب وأناب مما ركب قلنا التائب من الذنب كمن لا ذنب له(1) ورجع إلى الحالة التي كان عليها من حال السلامة وهذا ما لا نعلم فيه اختلافاً فيما يسع جهله وما لا يسع جهله فإن قيل فهل عليه أن يتعلم شيئاً من أمور دينه الذي يخاف أن يلزمه في وقت حاجته إليه ويتعذر المعبر له ذلك الشيء فيهلك قلنا إقراره بالجملة تكفيه حتى تنزل بليته بشيء من عمل ذلك وتركه وإلا هذا كله داخل في جملته من جميع دين الله تعالى لأنه إذا لم تعصمه
الجملة لم يكن مسلماً حتى يعلم الدين كله وهذا تكليف مالا يطاق.
مسألة
[ الأمر بالتعلم ]
فإن قيل إذا جاز أن يتعلم دين الله وكان باعتصامه بالجملة سالماً فما اللازم من ذلك قلنا إذا آن وقت العبادة التي تعبد العبد بها وجب عليه أداءها
كما أمر بها وعليه حينئذ علم ذلك الذي قد علمه الله أهل دينه وكان
صحيح العقل بالغ السن ويجد معبر ذلك ممن يعقل عنه أمر دينه بعبارة أو يستدل منه فيها بإماء أو إشارة وكان عليه السؤال من حضر براً كان أو
خلافه بعد جواز الوقت لا يسعه جهل ذلك.
مسألة
[ معرفة العبادة ]
فإن عبر له ذلك معبر ممن كان من الأطفال أو الشبان أو من عبدة الأوثان
كان عليه حجة ولو صحت له عبارة ذلك من كتاب أو اتضح له علمه في
رق أو حجر أو من نغمة طائر لزمته الحجة فيما أن وقته من العبادات وكان بتضييع ذلك هالكا.
مسألة
[ المعذور يعدم الاستطاعة ]
وإن تعذر عليه حصول معبر تلك العبادة وحسن عقله الضرب واستطاع
__________
(1) 1- «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» : حديث أخرجه ابن ماجة والطبراني في
الكبير والبيهقي في الشُعب عن طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه
رفعه بهذا ورجاله ثقات - المقاصد الحسنة ص 152 رقم 313. (2/44)
صفحة 204
طلب علم ذلك ورجى حصول معبر ممن كان لزمه طلب علم ذلك والدينونة ولو بأقصى البلاد وإذا آيس من حصول معبر ذلك ولو مكة أو المدينة حرسهما الله فلا لوم والمعذور من عذره الله فالحكم واحد والعذر واحد.
مسألة
[ تعذر الدليل حتى فات الوقت ]
فإن دان بالسؤال عن ذلك فتعذر الدليل حتى فات وقت العبادة ولم
يرجع لها وقت غيره يؤديها فيه فقد صار في حال العدم لوقت تلك العبادة الفائت فإن صار بدلاً وهو مجتهد فقد بسط الله عذره ويسر أمره ولم
يرجع لها وقت غيره وعليه السؤال عن بدله على بعض القول.
مسألة
[ عدم وجود دليل ]
وإذا لم يجد معبراً يعبر له العبادة التي آن وقتها وما تؤدى به أو
شيء منها وبذل مجهوده في طلب ذلك حتى فات الوقت ولم يحسن
عقله عبادة يهتدى بها لأداء تلك العبادة إلى فوت الوقت فهو سالم
وإن حسن عقله تأدية شيء من ذلك أداه كما حسن في عقله مع
الدينونة بالتوبة إلى الله تعالى مما ضيع مآله فإنما هو يستأنف العلم بدلاً
عن ذلك.
مسألة
[ وقت البدل ]
فإن قال هل للبدل غاية وأمد قلنا قد اختلف في البدل فمنهم من جعله
فوراً بعد العلم بالتقصير وجوزه بعضهم أن يكون على التراخي.
مسألة
[ لا يجوز الاحتجاج بالجهل ]
وهل لمن بلغته حجة الله في شيء من دينه أن يجهلها إذا جهل الحكم
فيها قلنا لا تجوز جهل حجة الله لمن قامت عليه بجهله حكمها وعليه
السؤال من وقعت عليه أن يعلم ذلك ممن كان من المعبرين ولولا ذلك لصار الجهل أنفع من العلم وهيهات أن يكون ذلك.
مسألة
[ السائل سالم والشاك هالك ]
وأما إذا قامت عليه الحجة بعلم عبادة قبل حون وقتها ثم لم ينسه ممن
عبر له وقت أدائه لم يسعه الشك في ذلك وكان علمه السابق حجة عليه
ما لم تقم عليه الحجة فهو سالم وفي هذا قيل إن السائل سالم والشاك
هالك ولا يكون الشك في جميع ما لم تبلغ به الحجة إلا بالسماع هالك
ما دان بالسؤال.
مسألة
[ العلم بالسماع فيما لا جهل فيه ] (2/45)
صفحة 205
و أما ما خطر بباله أو سمع بذكره من أمر توحيد الله تعالى الذي لا
يحتاج إلى تفسير وهو من المعقول من صفة الله تعالى وأسماءه ووجوب
وعيده للعاصي ووعده للطائع فلا يسعه جهل ذلك ولا الشك فيه وغير
متفسر في السؤال عنه لمعبر إذ حجة ذلك تقوم عليه من عقله ويهلك
بجهلها من جيئة ولا نعلم في ذلك اختلافاً.
مسألة
[ تسمية الله بأسمائه ]
و أما إذا شك في اسم ذلك وعرف معناه ما لم تتضح له أسماؤه فواسع له
مثل أنه لا يسمع بأسماء اللّه المسمي بها نفسه وصفاته الواصف بها نفسه
وإذا لم يسمع باللّه وعرف أنه مالك ولما برأ من البريات وقادر عليه وعلى
جميع المقدورات وسعه أن يسمي اللّه بأسمائه المسميات معه ومع من علمها
من العلماء.
مسألة
[ هل يجوز جهل اسم النار ]
فإن قيل وهل يجوز جهل اسم النار قلنا نعم إذا عرف معاني العقاب من الله تعالى لمن عصاه وكذلك الجنة إذا جهل اسمها وعرف معاني الثواب أنه من الله جل ثنائه لأوليائه على طاعتهم له وأن ثوابه لا يشبه ثواب خلقه ومثله العقاب وما تولد من مثله مثل أن الله يبعث من في القبور وإليه النشور فإذا جهل اسم القبور والنشور وعرف أن الله قادر على أن يحيي الموتى أجزاه ذلك.
مسألة
[ ما يلزمه في نفسه ]
فأما اللوازم التي تلزمه في نفسه وماله مثل الحج والزكوات فذلك أوسع
من الصلاة والصوم وفي ذلك قولان: أحدهما أن عليه علم ذلك ولا يسعه
جهله وإن وسعه تأخير ذلك لسعة وقته ما لم يدن بتركه أو يمت وهو ذكر له
ولم يوص به. وقول : لا يلزم علم ذلك لسعة وقته ما لم يدن بتركه ولم
يوص به وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ إذا مات ولم يوص ]
فإن جهل ذلك ولم تقم عليه الحجة بعلمه ودان بما يلزمه حتى حضر (2/46)
صفحة 206
الموت فلم يوص لجهله بذلك قبل قيام الحجة عليه من جميع المعبرين قلنا هو سالم إن شاء الله تعالى فعلى قول من يقول أنه لا يسعه جهل علم ذلك ولو وسعه تأخيره فقد ألزموه الحجة من جميع المعبرين ومن وسع له في ذلك إلى الممات فلا تلزمه الحجة لذلك إلا من العلماء الذين هم الحجة فيما يسع
جهله أو يصح مع علمه بوجه من الوجوه.
مسألة
[ ما لا يسعه جهله ]
وأما إذا أتى حال لا يسعه جهل ذلك وهو الموت فإن عبادة جميع المعبرين حجة عليه كانت العبارة عند الموت أو قبله فلم ينسها وذلك في الحج والزكاة جميعاً.
مسألة
[ وقت الختان ]
وأما الختان(1) فوقته بلوغ الحلم إلا إذ حصل له عذر من محاذرة برداً أو
حراًً ولا يسعه جهل ذلك وتقوم عليه الحجة من جميع المعبرين بمنزلة سائر المفترضات كالصلاة والسؤال فيه والعذر عند الاجتهاد بمنزلة الصلاة غير أنه عليه التعبد به ليلاً ونهاراً ولا غاية له في طلب علم ذلك حتى يخرج منه أو يموت معذور ولا تقوم عليه الحجة ممن عبر له فيجهل فيموت هالكاً.
مسألة
[ فيما استحل المحدث من المحرمات ]
و أما إذا أتى المحدث مما يسع جهله وإنما تقوم الحجة فيه من السماع فيما استحل المحدث من ذلك من المحرمات أو حرم من المحللات من دين الله
والعالم بحدثه عالم بحرمه ما استحل من الحرام وحل ما حرم من الحلال
فيما الاختلاف فيه أنه من دين الله من كتاب أوسنة أو إجماع ضاق عليه
__________
(1) 1- الختان : هو من سنن المرسلين. معناه في اللغة : قطع القلفة أي الجلدة التي على =
= رأس الذكر. اصطلاحاً : هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة - أي موضع
القطع من الذكر، وهو الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية. عن تربية الأولاد
1/101 .
الدليل : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ص : «الفطرة
خمس : الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط»
حديث صحيح. (2/47)
صفحة 207
فيه الشك ولم تسعه إلا معرفة ضلالته لأنه لا يسعه جهل من يشهد عليه بالضلال في دينه.
مسألة
[ أثر الشك في الدين ]
ولا تسعه الدينونة بالشك وإذا لم يسعه أن يدين بالشك لم يسعه أن
يشك فيمن جحد دينه الذي لا يسعه إلا تصويبه.
مسألة
[ مواقف العلماء من الشك ]
فإن قيل هل أجاز بعض العلماء الشك في ذلك قلنا نعم ما لم يتضح
له علمه ويبين له صوابه والقول الأول أصح.
مسألة
[ السائل سالم والشاك هالك ]
وأما إذا وسعه أله الشك في ذلك على قوله بعد أن علم الحدث من
المحدث وعلم أنه محرم الحلال من دين الله أو مستحل الحرام من دين الله
فلا يجوز الشك بغير اعتقاد السؤال عنهما لزمه من الحجة من ذلك من
عقله فإذا لم يشك في العلماء المعبرين من المحدث أو يقف عنهم أو يترك
اعتقاد السؤال عنها لزمه وسل المسلمين فهذا موضع ما قال المسلمون أن السائل سالم والشاك هالك.
مسألة
[ المتوفى على غير اعتقاد براءة الشريطة ]
وأما إن توفي المحدث علي غير اعتقاد براءة الشريطة أو برئ من العلماء
إذا برأ المحدث أو وقف عنهم فلا نعلم في هلاكه اختلافاً.
مسألة
[ من ركب حدثاً لا يسعه ركوبه ]
ومن ركب حدثاً لا يسعه ركوبه فكل المعبرين له حكم ذلك الحدث
حجة عليه في عبادة ذلك ولم نعلم في ذلك اختلافاً.
مسألة
[ إذا توفي المحدث بشريطة ]
وأما إذا تولى المحدث بشريطة ولم يقف عن العلماء أو يبرأ منهم من أجل
ذلك فقيل أنه غير محدث بذلك كان على وجه التحريم أو على وجه
التحليل وقول لا يسعه على الوجهين وليس له إثبات ولا ينته على ما كانت
و ليس له إلا ترك ولايته والبراءة منه إذا علم الحدث أو لم يعلم حكم الحدث.
مسألة
[ متى يلزمه السؤال ]
ولا تجزيه التوبة في الجملة إن اتضح له علم ذلك وعبارته حتى يتوب منه
بعينه فإن الشك في المحدثين بوجه يسعه فيه في الشك في قول المسلمين في (2/48)
صفحة 208
الرأي أو في الدين فهو سالم ولا يلزمه السؤال ولا الخروج في طلب علم ذلك إجماعاً على إسقاط التكليف عليه بخروج وأما السؤال فيجزي فيه الاختلاف وإنما يلزمه السؤال والخروج فيما كان هالكاً بارتكابه من فعل و ترك.
مسألة
[ حكم السؤال عن المشكوك فيه ]
فإن قيل فلم لم تلزموا الشاك المستحل الخروج في طلب علم الذي شك
فيه وألزمتموه اعتقاده السؤال وقلتم إذا قامت عليه الحجة لم يسعه إلا قبولها قلنا لم يلزمه السؤال دينونة وإنما أحببنا له الخروج من الضيق من شكه ذلك الذي قال به أكثر أهل العلم أنه يهلك به من حينه.
مسألة
[ فيما لا يجوز فيه الشك ]
ومن علم شيئاً من الدين من أي وجه وحسن في عقله ورأي عدله فلا
يسعه الشك فيه فإن شك هلك فإن كان شكه في تنزيل كان مشركا وإن
كان في تأويل كان كافراً منافقاً.
مسألة
[ على من تكون الحجة ]
فإن قيل فإذا لم يتقدم إليه علم ذلك فمن يكون عليه حجة قلنا لا يكون
عليه حجة إلا العالم الفقيه المشهور له ذلك مع أهل الخبرة به من أهل الدين ويصح ذلك مع الجاهل لذلك العالم ما تقوم به عليه الحجة ولو جهل ذلك
من صفة العالم أو جهل الحق من قوله فقول عليه حجة.
مسألة
[ مالا يسع جهله ]
وأما ما لم يصح مع الجاهل لما يسعه جهله صفة علم العالم الذي تقوم به
الحجة عليه فلا يكون عليه حجة ولو صح علمه مع سواه.
مسألة
[ لاشك فيما يفتي به الثقة ]
وأما إن شهر مع الجاهل لما يسعه جهله صفة هذا العالم بشهرة علمه
واستقامته وجهل هو الصفة فأفتاه هذا العالم بشيء فيما يسعه جهله مما لا
يجوز فيه الاختلاف بالرأي كان عليه حجة ولزمه فعل ذلك ولا يسعه
الشك فيه في أكثر القول.
مسألة
[ الشك في فتوى الثقة ]
وأما إن شك فيما قاله العالم من الحق فبرء منه لأجله أو وقف عنه برأي
أو بدين كان بذلك محدثاً هالكاً عليه السؤال عنه والدينونة به والتوبة منه فإذا حل بهذه الحالة هلك وكان كل من عبر له حجة عليه لأنه يصير محدثاً بذلك. (2/49)
صفحة 209
مسألة
[ الشك فيما فيه الاختلاف ]
و أما ما فيه الاختلاف ففي هلاكه في الشك فيه اختلاف ونحب
له اعتقاد السؤال عنه ونحط عنه كلفة الخروج لأن الخروج تعطيل لوازم
ومشقة ضرب واعتقاد السؤال مع الإقامة ليس كذلك فلا نلزمه الخروج ولا نعذره من السؤال ولا نجعل كل المعبرين عليه حجة.
مسألة
[ من تكون عبارته حجة ]
فإن قيل فمن تكون عبارته عليه حجة قلنا نحب أن تكون عليه عبارة
العالم من المسلمين والعالم من قومنا الثقة فيما يوافق فيه المسلمين فيه حجة وكذلك عبارة الضعيف من المسلمين عن الفقيه المشهور في العلم في الدين وليس له الشك بعد قيام الحجة عليه ممن ذكرنا فإن شك هلك ونزل منزلة ما لا يسعه جهله.
مسألة
[ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
فإن قال قائل كيف ألزمتم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال
ولم تلزموا فيه الخروج ولم تلزموا السؤال في ا لأحداث والأحكام فيها من
قد اتضحت معه وجهل حكمها قلنا إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة قائمة متعبد بإزالتها مع قدرته على ذلك وفي تركه لذلك تضييع
لفرائض الله وانتهاك لمحارمه فهو حال في فرض إزالتها وطالب علم أحكام الأحداث غير متعبد بإزالة شيء من المعاصي ولا يأت بشيء من الطاعات
لله قد حل فيها وإنما عليه من ذلك إذا بلغ علمه أن يعلم ضلالة الضال
وهداية المهتدي من المحدثين وذلك شيء قد مضى إلا أن يكون عالماً بذلك عانيه ينتهك حرمة الله ويضيع فرائض الله فإن ذلك يخرج مخرج الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
مسألة
[ عدم لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الجهل ]
ومع ذلك فإنا لم نلزمه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند جهل
ذلك السؤال الشك ما لم يكن الجاهل داخلاً في معونة لذلك أو متوالياً
لمحدث لا يسعه ركوبه أو معيناً على من أنكر ذلك من العالمين وأراد حجة الله أو متبرياً من العلماء إذا برؤا من محدث ذلك أو يقف عنهم فإذا لم يكن منه (2/50)
صفحة 210
ما ذكرنا وكان غير قادر على إزالة ذلك قولاً وأمراً فلا يلزمه السؤال عن
ذلك ديناً وإنما اختار له من اختار للعلة التي وصفناها لأنه حال في فريضة لا غاية لها فما لم يضيع من ذلك حقاً أو يعطل حداً أو يبطل حكماً يلزمه
القيام له خاصة دون غيره فهو سالم وفي السؤال عليه عن ذلك فيه اختلافاً.
مسألة
[ علم الأحداث الماضية ]
وأما في حال علم الأحداث الماضية كان فوتها بعيداً أو في يومه إلا أنها
قد انقضت فالحكم في ذلك مختلف مع أهل العلم ولا ندين بذلك والمجتمع
عليه ما لم يضيع حكماً أو يعطل حداً أو يبطل حقاً يلزمه القيام به على
الإهمال والجهالة فإن كان شيئاً من ذلك هلك ولزمته الدينونة بالسؤال عنه وكان عليه قبول ذلك ممن عبر له.
مسألة
[ جهل استحلال لمحرم وتحريم المحلل ]
وإذا كان المحدث مستحلاً ما حرم الله أو محرماً لما أحل الله وكان العالم
بحدثه جاهلاً بحرمة ما استحل وحلال ما حرم ذلك فلذلك الاختلاف بين المسلمين فيما علمنا أنه واسع له جهل ذلك في المحدث ولا يهلك بالشك في ضلالته وذلك لاحق بحكم الأحداث على وجه التحريم لمن جهل ذلك
وعلى من جهله إجماعاً ما لم يتول الراكب بغير شريطة البراءة أو يقف عن العلماء من أجل برايتهم من المحدث أو يبرأ منهم فهو سالم.
مسألة
[ جهل حرمة الحدث ]
وكذلك المحدث الذي لا يستحل ما حرم ولا صح منه ذلك بالشهرة أو
المعاينة فالشك فيه واسع ولو علم بحرمة الحدث ما لم يعلم حكم الحدث
وإن جهل حرمة الحدث فذلك واسع فما لم يعلم من المحدث خروجاً من حدثه فلا يتولاه وقد رخص له بعض المسلمين أن يتولاه برأي إن تقدمت له
عنده ولاية لم يقم عليه حجة بمعرفته بذلك أو تقوم عليه الحجة من عبارة العلماء من المسلمين.
مسألة
[ في ولاية الرأي ]
فإن قال وكيف تزعمون أن ولاية الرأي فيها اختلاف وأنتم تقولون أن (2/51)
صفحة 211
الأثر الصحيح عن أبي الشعثاء جابر بن زيد(1) رحمه الله أنه قال يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برؤا من راكبه أو يقفوا عنهم قلنا نعم وإنما ذلك في ولاية الدين خاصة على إتيان ما تقدم له من الولاية بغير اعتقاد ولاية الرأي إن لم يكن حدثه ذلك مخرجاً له من ولايته أو يتولاه على الحال السابق ويعتقد فيه براءة الشريطة
التي سلم بها من ولايته في أصل مادان به أو يعتقد مع ولايته براءة الشريطة
في جمله القاطن ولا يلزمه أن يترك ولايته بالدين على غير حجة وقد ثبتت ولايته بالدين وهو لا يعلم أيخرجه ذلك الحدث الذي رآه من الولاية أو
يزيده ثباتاً.
مسألة
[ الاختلاف في التحريم والتحليل ]
وإذا اختلف اثنان في الدين فأحل أحدهما حراماً وحرمه الآخر وعلم ذلك منهما عالم وجهل الحكم فيه فإن كان قد تقدمت لهما معه ولاية وهو من دين الله في علم الله وعلم العلماء فلا يسع الجاهل أن يتولى المبطل منهما ولاية الدين ولا الوقوف عن المحق منهما بدين فإن كانا من الفقهاء الذي تقوم بهم
__________
(1) 1- جابر بن زيد - رحمه الله - : الجوفي البصري اليحمدي الأزدي، انتقل إلى
البصرة وسكن بدرب الجوف بها، روى عن مجموعة من الصحابة من أشهرهم
عائشة وابن عباس، اشتهر بالعلم والتفقه ويذكر أن له مؤلفاً في الفقه والحديث
اسمه الديوان وله كتاب جوابات جابر بن زيد كان على علاقة مع الحسن
البصري، وتزعم العمل السري لجماعات القعدة في فترة ازدياد القمع لهم.
سجنه الحجاج ثم نفاه إلى عُمان. عن كشف الغمة ص298 رقم 477 . (2/52)
صفحة 212
الحجة في الفتيا فيما يسع جهله أو كان المحق بتلك المنزلة مع من عرف ذلك منه فقد قامت عليه الحجة منه على من سمعه وعليه من حينه أن يتولى المحق ويبري من المبطل ولا يسعه ترك ما لزمه من قيام الحجة من ولاية المحق وبراءة من المبطل و لا يجوز له أن يقف عن العالم المحق من أجل براءته من المبطل وقد قامت الحجة بنفس قول الحق على الأرجح وإن وقف عن العالم المحق برأي
أو بدين أو برأ منه برأي أو بدين أنه محدث هالك إجماعاً.
مسألة
[ تولي المحق وعدم تولي المبطل ]
وأما إ ن ضاق عن قبول ذلك في المحدث أو تولي العالم المحق ولم يتولى
المبطل بالدين فأكثر القول أنه محدث هالك بتركه الحجة وقيل لا يهلك ما
لم يفعل ما ذكرناه آنفاً.
مسألة
[ عدم تحول حجة الله لمخالفة المخالف ]
وإن بريا من بعضهما بعض فلا يتحول حق المحق ولا حجة العالم ولو
كان خصمه في ذلك أهل الأرض فلا تتحول حجة اللّه لمخالفة من خالفها ولا تجهل من جهلها إجماعاً.
مسألة
[ حكم تولي الجاهل ]
وإذا تولى الجاهل المحدث بدين أو وقف عن العالم بدين أو رأي من أجل
قوله بالحق وبراءته من المحدث فهو هالك إجماعاً.
مسألة
[ أثر الفتوى على البراءة ]
وإن لم تقم عليه الحجة بالفتيا وإنما برئ منه علي ما عاينه من الباطل فبرئ
منه العالم المحق من أجل باطله ذلك فما لم يتول المحدث بدين أو يبرئ من
العالم من أجل براءته من المحدث أو يقف عنه برأي أو بدين فهو سالم إجماعاً.
مسألة
[ ولاية المفتي المحق ]
وإن كان المحق هو العالم والمبطل هو الضعيف في أصل ما اختلف فيه مما
لا يجوز فيه الاختلاف فالعالم هو الحجة إذا كان محقاً كلما أفتى به على
من كل من أفتاه من عالم أو ضعيف فعليه قبول ذلك منه والبراءة من
المحدث فوراً. ولا يسعه الشك في ذلك طرفة عين.
مسألة
[ براءة العالم من خصمه ]
وأما إذا برأ العالم من خصمه المبطل من غير قيام حجة عليه فلا تقوم (2/53)
صفحة 213
الحجة من العالم ببراءته من خصمه دون أن يبين ما لم يعلم الواقف الحدث
فإن علم الحدث الذي برأ منه العالم فليس له البراءة من العالم من أجل براءته من المحدث ولا يقف عنه برأي ولا بدين.
مسألة
[ عدم قيام الحجة من العالم ]
وأما إذا لم تقم عليه الحجة من العالم وعزب عليه هو حكم الحدث الذي
رآه لو كان بحضرة العالم ولم يسأله عن ذلك فواسع له ذلك على الأصح.
مسألة
[ ولاية المحدث بدين ]
وأما إن سلم من ولاية المحدث بدين ومن البراءة من العالم من أجل
براءته من المحدث ومن الوقوف عن العالم برأي أو بدين من المحدث فهو
سالم إجماعاً.
مسألة
[ السبيل إلى معرفة المحق ]
فإن قيل فكيف السبيل إلى علم ذلك من الجاهل إن كان المختلفان في الدين فقيهين قد اشتهرت استقامتهما قلنا قد وضح السبيل وقوي الدليل إذ ينطق عالم فقيه أمين على ما حمله من العلم ما يسع جهله إذا نزل العالم منزلة يكون بها حجة علي الجاهل علم الجاهل الحجة أو جهلها.
مسألة
[ عدم نطق العالم بالحق ]
وإذا لم يكن العالم مع من سمعه ينطق بالحق عالماً فيما سمع يسع جهله
وكان جاهلاً بمزلته فلا يكون عليه حجة ولو كان كأبي بكر الصديق وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما.
مسألة
[ الافتاء فيما يسع جهله ]
ولو أن رجلاً من أهل مكة أو المدينة حرسهما الله تعالى أو غيرهما قد شهرت معه منزلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في فضلهما وعلمهما وقامت عليه الحجة بأنهما حجة فيما يسع جهله فدخل المدينة ليسأل عن شيء فيما يسع جهله ولكنه لا يعرفهما بأعيانهما فسألهما فإن فتيا بشيء فيما يسع جهله ولم يتضح له هو عدل ذلك وقد صحت له هو بالشهرة حجة أبي بكر وعمر في العلم ما كانا عليه حجة لا يهلك بالشك فيما أفتياه به.
مسألة
[ البراءة من المحق ]
فإن رد عليهما ما قالاه من الحق أو برئ منهما هلك ببراءته من المحق بغير
حجة كائناً من كان من المحقين فإن وقف عن شخصيهما من أجل قولهما ما (2/54)
صفحة 214
لم تكن تقدمت له فيها معرفته وهو يتولى في الأصل أبا بكر وعمر بالشهرة
ما ضاق عليه ذلك أن حكمهما معه في الوقوف.
مسألة
[ حجة العالم على الجاهل ]
وأما إن صحت معه صفة أبي بكر وعمر من الفضل والعلم وجهل أن
العالم حجة وجهل أن أهل تلك الصفة حجة في الفتيا وهو عارف بهما فسأل أحدهما عن شيء فيما يسعه جهل أو أقام عليه بالنكير عن ما يسع جهله كان ذلك عليه حجة ولو جهل ما يكون به العالم حجة إذا علم منزلة العالم.
مسألة
[ حكم الحاكم العام ]
وإن خرج أبو بكر وعمر إلى بعض القرى من مملكتهما مكتتمين أو
أحدهما ولم يعلم عالمها قدومهما البلدة ولم يعرفهما بأعيانهما وهو داين بطاعتهما وولايتهما ويأمنهما على سفك الدماء بأمرهما تقليداً لهما فاستشهدهما مسلم بحق على ذمي بدرهم أو ما دونه فشهد به للمسلم
مع ذلك العامل فقبل شهادتهما أو حكم بالحق لمدعيه كان حاكماً بغير ما
أنزل الله ضامناً لما حكم به ووجب عليهما خلعه وعزله إجماعاً إذا اتضح
لهما صنعه.
مسألة
[ أهمية المعدل(1) ]
وأما إن كان بحضرة الحاكم من هو دونهما في المنزلة ممن يصير العدالة
فسأله الحاكم عنهما لما شهدا عنده فعدهما وهو جاهل بهما إلا لما رأى
في هيبتهما ومنزلتهما وحكم الحاكم بعدالة المعدّل كان الحاكم سالماً والمعدل لهما ظالماً لأن المعدّل حجة للحاكم.
مسألة
[ حكم جهل منزلة العالم ]
وكذلك كل عالم نزل بمنزلة الحجة في دين الله على من قام عليه مع من
علم منزلته ولو جهل حكم منزلته في الإسلام يسعه جهله كما لم يسع
جهل الظالم إذا شهر ظلمه مع من عرف منزلته ولو جهل منزلة العالم كما جهل الظالم إذا علم ظلمه ولو كانت حجة لا تقوم إلا على من عرف أنها حجة ما قامت حجة الله على أحد من خلقه موحد ولا ملحد ولا قامت
حجة نبي على قومه ولا إمام على رعيته.
مسألة
[ الرسول من جنس المرسل إليهم ]
__________
(1) 1- المعدل : له أهمية في القضاء باب التزكية الذي يزكي الشهود . (2/55)
صفحة 215
وقد قال الله تعالى { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين
لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً } (1) .
مسألة
[ لا حجة للمخلوق على الخالق ]
ولا حجة لمخلوق على خالقه ولو كان في سابق علم الله لعذب من علم
أنه يعصيه بغير حجة يقيمها عليه ما كان من حكمه جوراً وإنما شاء الله
تعالى أن يعبد وقد اجتمعت بمعرفة وحجة يقيمها علي عباده، والعالم علي
أهل زمانه حجة كما كانت الرسل حجة على عباده المكلفين.
مسألة
[ أثر بلوغ الحجة للمتعبد ]
وقد اجتمعت الأمة بأسرها أن بلوغ الحجة إلى المتعبد علمه بها ولا يباح
له الشك فيها بعد العلم بأي وجه كان وهذا ما يخرج من حجة العقل.
مسألة
[ أثر شهادة العالم للعالم ]
فإن قال العالم المشهور أن فلاناً عالم فقيه وكان الرافع عالماً في الفن الذي
شهد به لغيره فيه بالعلم لمن جهل ذلك وأنه حجة وأنه يبصر الولاية والبراءة فقول أنه حجة ولازم قبول قوله كما يكون حجة في رفع الولاية وقول
لا يكون حجة ولا يصح إلا بالشهرة ونحب قبول قوله للأمانة.
مسألة
[ قول الضعفاء من المسلمين ]
وأما قول الضعفاء من المسلمين قل أو كثر فلا يكون حجة منهم إلا أن يأتوا بصفة توجب الولاية والبراءة أو بفن من العلم مع تفسير عالم وأن يتضح ذلك مع المبتلي.
مسألة
[ أثر شهادة الاثنان فأكثر ]
وأما إن قال اثنان من ضعفاء المسلمين والأمناء على ما قالا أن فلاناً الفقيه المشهور قال إن فلاناً عالم بكذا أو بصير بالولاية والبراءة أو شهد بشيء من قوله يعبر أنه عنه عبارة كافية كان ذلك حجة منهما على قول.
مسألة
[ شهادة الواحد ]
وأما إن قال الضعيف من المسلمين أن يتولى فلاناً فلا يكون حجة ولا
جازت ولايته بقوله.
مسألة
[ شهادة الثقة في الولاية والبراءة ]
__________
(1) 1- سورة الإسراء آية 95. (2/56)
صفحة 216
وأما إن قال إن فلاناً العالم بالولاية والبراءة وكان يتولاه أو تولاه معه ورفع ذلك نقلاً عن العالم المعروف بالولاية والبراءة جازت ولايته بقوله على قول بعض المسلمين ومن أجاز ذلك فعلى وجه التصديق.
مسألة
[ أثر رفع الضعيف عن القوي ]
وإن رفع الضعيف عن عالم من العلماء بالولاية والبراءة أن فلاناً بصير بالولاية والبراءة فقيه في كذا وكذا قبل قوله على الاختلاف من وجهة التصديق.
مسألة
[ أثر المعدل الواحد ]
وكذلك إن قال ضعيف من المسلمين عن معدل من المعدلين أنه عدل رجلاً
ممن قد احتيج إلى عدالته في موضع ما تجوز عدالته فيه ذلك مختلف فيه.
مسألة
[ الاختلاف فيما لا يجوز فيه الاختلاف ]
وإن كان المختلفان من أهل الولاية في أمر الدين الذي لا يجوز فيه
الاختلاف ضعيفين ممن لا تقوم بهم حجة الفتيا فيما يسع جهله وكلاهما
يدعي الحق وعلم منهما ذلك وليهما فإن الولاية فيهما بالرأي والوقوف
عنهما بالرأي على اعتقاد ولاية الحق والبراءة من المبطل في الشريطة ولا
يجوز الوقوف عنهما ولا عن المحق منهما بالدين ولا تقوم الحجة من قول أحدهما كما تقوم من العالم في اختلاف العالمين.
مسألة
[ أثر السؤال عن الولاية المتقدمة ]
فإن قيل هل يلزم في هذا سؤال إذا كانت لهما ولاية متقدمة قلنا في ذلك اختلاف بعض ألزم السؤال وأباه آخرون لأنهم أجازوا له الوقوف عنهما
بالرأي ليخرج من ولاية المبطل ويتولى المحق.
مسألة
[ وقوف الرأي ووقوف السؤال ]
وإذا ألزمه السؤال في الوالدين الضعيفين أو الولي إذا ركب ما يجهله من
الباطل على بعض القول أو كان غير ولي إذا كان لا يبرأ منه في الأصل
وكان مما يسع جهله فإن هذا الموضع يسمى فيه الوقوف وقوف رأي
ويسمى وقوف سؤال علي قول من ألزمه السؤال وإلاّ فهو وقوف رأي
ووقوف السؤال لا يكون إلا برأي ودين.
مسألة
[ الاختلاف بالدين بين الضعيف والقوي ]
وإذا كان الاختلاف اختلافا بالدين بين ضعيف وعالم وكان المحق هو (2/57)
صفحة 217
الضعيف فهو في المنزلة اختلافاً لضعيفين لأنه لا تقوم الحجة من قول
الضعيف فيما يسع جهله والعالم مبطل لا حجة له وهو خصم محجوج
ولا يجوز ولايته بالدين على حال ويجوز فيه وقوف الرأي ووقوف
السؤال وإنما لا يجوز الوقوف عنه برأي ولا بدين في براءته من المبطل
بالحق وفي قوله بالحق.
مسألة
[ أثر الجهل في ولاية المبطل ]
وأما إن جهل الجاهل باطل العالم إذا لم تقم عليه الحجة من الفقيه وجهل
حكم العالم في الخصومة وظن أنه لا يجوز فيه وقوف الرأي إذ هو عالم معه
في الأصل فتولاه بدين ولم يتحول عنه عن ولاية الرأي ولا اعتقد فيه براءة الشريطة وكان بذلك هالكاً وضاق عليه جهل ذلك لأن العالم والجاهل في هذا سواء.
مسألة
[ متى يكون العالم حجة ]
وإنما يكون العالم حجة إذا صحت له الحجة فيما أتاه من الحق بالعلم
الشاهر ولم يتحول فإذا تحول من الحق إلى الباطل زال عنه اسم ما كان عليه مشهوراً عند العلماء بالدين إلى حالة الخصم ولا يجوز أن ينزل إلى غير ما
أنزل حدثه ولو جهل الجاهل حكم ما قال به من الباطل.
مسألة
[ متى تقوم الحجة بالعالم ]
وقد زالت عن الجاهل البراءة من هذا العالم من حينه لأن خصمه ضعيف
لأن(1) الضعيف لا تقوم به الحجة في الفتيا فيما يسع جهله ولما أن كان خصمه في المسألة الأولى عالماً بما تقوم به الحجة في الفتيا وجب على الجاهل قبول قول العالم به من حينه لزمته البراءة بذلك لأنه الحجة التامة.
مسألة
[ متى يبرأ الجاهل من العالم ]
فإن برئ الضعيف المحق من العالم المبطل لم يعلم الجاهل أنه مبطل وبري
العالم من الضعيف على ما قاله من الحق وجهل هذا المحق من المبطل فإن كان العالم بدأ بالبراءة من الضعيف فللجاهل فيما للعالم بحدثهما أن يبرأ من
__________
(1) 1- والصحيح ولأن . (2/58)
صفحة 218
المتبدئ منهما بالبراءة بما برأ به وليّه في الأصل براءة رأي لا براءة دين وقد جاز(1) له براءة الرأي من وليّه وقد قذفه وهو يتولاه برأي حين أحدث.
مسألة
[ متى يبرأ المتولي من وليه ]
ومن كان يتولى وليه برأي ثم برأ منه متبرئ من أولياءه أو غيرهم فإنه
يبرئ ممن قذف وليه برأي ويكون اعتقاده إن كان برئ منه بغير حق وإن
كان وليه هذا المتبرئ منه على ولايته فهو ببراء منه من هذا الذي قذفه عنده وبدأ بالبراءة منه فصار قاذفاً لأنه لم تقم عليه بقوله الحجة في الفتيا ولم يكن له أن يبرئ من وليه هذا إذا لم يكن عليه حجة.
مسألة
[براءة كل واحد من خصمه]
وإن برأ الضعيفان كل من خصمه بعد اختلافهما في شيء من الدين ولم يكن يعلم المحق منهما من المبطل فإنه يبرأ من المبتدئ منهما بالبراءة لأنه قاذف في ظاهر الأمر لوليه ولأنه لا تقوم به الحجة في الفتيا ولأنه يتولى وليه
المقذوف بالرأي لا بالدين وليس له أن يبرأ بالدين ولا يبصر العدل فيبرئ
من المبطل بالدين.
مسألة
[ متى لا يجوز أن يبرأ الجاهل من العالم ]
وإذا كان الخصمان عالماً وضعيفاً من أهل الولاية وكان المحق هو العالم ثم
برئ من المبطل وقد علم الجاهل حدثهما لم يجز للجاهل أن يبرأ من العالم
برأي ولا بدين من أجل براءته من الضعيف ولو كان العالم هو المبتدئ بالبراءة.
مسألة
[ البراءة من الضعيف ]
وأما إذا بدأ الضعيف المبطل بالبراءة من العالم المحق كانت البراءة من الضعيف على هذا بالدين لا بالرأي لأنه يصير قاذفاً لأن الحجة قامت من العالم.
مسألة
[ متى لا يجوز للجاهل أن يبرأ من العالم ]
ولو بدأ العالم بالبراءة من الضعيف على باطل لم يجز للجاهل أن يبرئ
من العالم المحق برأي ولا بدين ولا يقف عنه برأي ولا بدين والعالم في هذا
غير الضعيف لأنه حجة ولأن البراءة منه بالرأي أو بالدين والوقوف عنه برأي
__________
(1) 2- في الأصل وقد جازوا والأصح جاز . (2/59)
صفحة 219
أو بالدين نقص للدين لأنه الحجة لا حد جهلها بعد قيامها عليه بتضييع
حقها وتبديل حكمها.
مسألة
[ حجج الله لا تتحول لجهل جاهل أو علم عالم ]
ولو كان الخصمان عالمين لم يجز في العالم المحق منهما براءة برأي ولا
بدين ولا يوقف عنه برأي ولا بدين ولو بدأ البراءة من المبطل وجهل ذلك الجاهلان لأن الحجة تقوم من العالم على العالم كما تقوم من العالم على
الجاهل وعلى الضعيف وحجج الله تعالى لا تتحول لجهل من جهلها
وضعف من ضعف عنها ولا تجوز البراءة بالرأي في غير هذا الموضع.
مسألة
[ حكم المتولي للمحدث ]
وكل متول لمحدث فهو محدث مثله ومتولي متوليه محدث إذا كان
الحدث لا مخرج له من الباطل لقوله تعالى : { الذين قالوا إن اللّّه عهد
إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل
من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلما قتلتموهم إن كنتم صادقين } (1)
فهولاء المخاطبون لم يقتلوا الرسل وإنما سماهم اللّه قتلة بولايتهم
لأسلافهم الذين قتلوا الرسل لأن بين المخاطبين والقاتلين بقدر خمسماية
سنة أقل أو أكثر.
النهج الثالث
في أصول الدين
مسألة
[حكم الخنزير]
في الخنزير(2)
__________
(1) 1-سورة آل عمران آية 83 .
(2) 1- الخنزير: في اللغة: ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية وحكى بن
سيده عن بعضهم أنه مشتق من خرز العين، لأنه كذلك ينظر واللفظة على هذه
ثلاثية. وفي الصحاح وتخازر الرجل : إذا ضيق جفنه ليحدد النظر. والخزر :
ضيق العين وصغرها. وجمع الخنزير: خنازير، والخنازير: قروح صلبة تحدث
في الرقبة. عن الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/223 .
ثبت تحريم لحم الخنزير لضرره على جسم الإنسان وعلى غيره فهو أقبح
الحيوانات يأكل القاذورات ويعيش على الأوساخ ولا يغار على أنثاه. ورد تحريم
الخنزير في البقرة قال تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير }
آية 173 وفي المائدة : آية 3.
قال تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } . والأنعام آية 145
وسورة النحل آية 115. وهذا التأكيد على تحريم المذكورات في الآيات السابقة
دليل على خطورتها على حياة الإنسان وكرامته. والله أعلم. (2/60)
صفحة 220
وإذا كان الخنزير قائم العين وعليه مسكه مذكا أو غير مذكا
فهو حرام ولو جهله الجاهل به إذا كان قائم العين فإذا غابت عينه وصار من يعرفه لا يتوصل إلى علم معرفته التي يعرف بها عند من يعرفه أبيح ولو كان
في علم الله أنه خنزير إذ الحجة في تحريم العين والله لا يكلف فوق ما يطيقون
وهذا إذا كان في يد من تحل ذباحته كالموحدين وأهل الكتاب وقد ذكي.
مسألة
[ التعبد بعلم الله لا بعلم المكلف ]
أما إذا صار لحماً طوايف زايل العين التي يستدل بها على تحريمه فقد أبيح
لمن كان يعرف الخنزير في الأصل أو يجهله لأنه قد صار بحد لا يعرف
العارف به حتى يعلم أصله لأن الله تعالى لم يتعبد عباده المكلفين بعلمهم بل بعلمه فإذا اتضح علمه مع الواقف عليه أنه خنزير زالت الإباحة وحرم على الجاهل به والعالم ولو هرى قطع أو طبخ أو شرى.
مسألة
[ تحريم الخنزير عند العارف له ]
ومن كان عالماً بحرمة الخنزير جاهلاً لعينه وكان معروفاً عند العارفين به
بصفته التي تدرك بها معرفته فلا يسعه ركوبه بأكل أو شوي ولا ولاية أكله ولو جهل هو الحرمة لأنه محرم على من جهله أو علمه إذا كان قائم العين.
مسألة
[ مالا يسع جهله من الخنزير ]
وإن كان متصلاً قد زالت عين جنسه إلا أنه قائم الجثة وهو غير مذكا فلا
يسع جهل ركوبه بأكل ولا بشواء ولا تسعه ولاية راكبه إلا ما أمكن
للراكب من الضرورة فإذا أمكن ذلك كان الراكب على حالته ولو أمكن أن يركبه بغير اضطرار قلنا ما ظهر ولله ما ظهر واستتر.
مسألة
[ التماس العذر للآخرين ]
وإذا لم تكن للراكب ولاية فعلى حالته وإن كانت فعليها فإذا احتمل
للراكب العذر فمعذور.
مسألة
[ الاضطرار في أكل لحم الخنزير ]
وأما بيعه فمحجور في الاضطرار والاختيار إلا إذا لم يقدر المضطر الأكل
بما يحيي به نفسه وقدر على الشراء منه ذلك جاز له بيعه وعليه الدينونة (2/61)
صفحة 221
برد الثمن على مشتريه أو أن سعته وكان المشتري عالماً أنه خنزير وأعلمه هو ذلك ويأخذ من ثمنه بقدر ما يشتري من الحلال ما يقيته فإذا احتمل لبائعه
وجه مخرج إلى العذر فهو على ولايته وحالته إن لم يكن له ولاية.
مسألة
[ الحكم على الظاهر ]
وإذا لم تشهد عليه ظواهر الأمور بالاستغناء عن ذلك فلا يخلق عليه
بباطل حتى لا يكون له مخرج من الباطل أنزله باطله حيث نزل.
مسألة
[ شراء لحم الخنزير للمضطر ]
وجائز شراء لحم الخنزير للمضطر بما يحيي به نفسه وأكله إذا تعذر عليه الحصول الحلال بوجه من الوجوه من أملاك أو غيرها إذا لم يتوصل إلى
ذلك إلا بقتال أربابها.
مسألة
[ حرمة ثمن الخنزير على أهل القبلة ]
فإذا كان ممن يحرم عليه ثمن الخنزير وقدر على الامتناع من أداء الثمن
جاز ذلك إليهم وهم جميع أهل القبلة وإن كانوا ممن يحل له ذلك كأهل الكتاب أدى ذلك إليهم بعدل السعر(1) إذا كان الشراء مع الاضطرار.
مسألة
[ جواز الأكل عند الاضطرار علم أو لم يعلم ]
وكذلك الأكل نفسه بجهل أو بعلم لحرمته بجهل أو بعلم لجنسه فإن
كان يأكل ذلك مضطراً أو كذلك أكله له بمعنى ما يسع فيه العذر لمن علم ذلك جائز لأنه مباح له في جملته التي دان بها علم ذلك أو جهل كالمباح له أكل الأنعام المذكاة علم ذلك أو جهل.
مسألة
[ الاضطرار الذي يعذر به المكلف ]
فإن جهل ذلك كله ونزل منزلة لا عذر له فيها من حال الاضطرار أو
غيبة العين ومعرفة الأصل أنه خنزير ولو غابت عينه وأدرك لحماً مطبوخاً أو مشوياً فعلم أنه خنزير بما لا شك فيه بما تقوم به عليه الحجة فجهل الحجة وارتكب بأكل أو شري أو غير ذلك أو تولى فاعل ذلك بغير احتمال أو برء من العلماء إذا برأوا من فاعل ذلك أو وقف عنهم برأي أو بدين كان هالكاً وقامت عليه الحجة ممن عبرها له.
مسألة
[ علمه أنه لحم خنزير مع جهالة ]
__________
(1) 1- الصحيح -والله أعلم- بعدل السفر . (2/62)
صفحة 222
وإذا زالت عينه الذي يستدل بها على معرفته وكان قائم الجثة وهو مذكا
في يد أهل القبلة أو كتابي في ظاهر أحواله فإن كان على هذا فهو مباح في الأصل لمرتكبه إلا أن يقر من في يده أنه لحم خنزير قبل أن يشتريه أو يهبه
له أو يأكله فإذا أقر ذلك حظر عليه إذ الحجة قد قامت عليه بذلك وهلك
إن ركبه بعد قيام الحجة ولو جهل حرمة لحم الخنزير أو جهل الخنزير فإن ركبه على هذا أو تولى راكبه بعد أن أعلمه من هو في يده أنه لحم خنزير
على غير الاضطرار أو برئ من العلماء إذا برأوا من راكبه أو وقف عنه
برأي أو بدين هلك.
مسألة
[ متى يحل للجاهل ]
وإذا كان الذي في يده اللحم يهوديّاً أو نصرانيّاً أو من فساق أهل القبلة
كان له في الأصل مباحاً ولا يلزمه سؤال إنه مذكا أم لا ولا من أي جنس من الأنعام إذا زالت عينه وصار طوايف(1) ليس فيه دلالة على أنه لحم خنزير
ولا ميتة وجائز له أكل ذلك لو كان في علم اللّّه وعلم من هو في يده
ومان(2) فهو حلال على آكله ومشتريه إجماعاً.
مسألة
[ إذا كان قائم العين فهو حرام ]
وأما إذا كان قائم العين وفيه ما يستدل به إنه خنزير مع من يعرف الخنزير فلا
نعلم في حجره اختلافاً على من جهل عينه أو حرمته وكان ذلك في يد فقيه من المسلمين وشهد للراكب مائة ألف أو يزيد في مثل أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما وموسى بن علي(3) وجابر بن زيد ومحمد بن محبوب
__________
(1) 1- طوايف : شرائح أو قطع .
(2) 1- الصحيح -والله أعلم- أمان .
(3) 2- موسى بن علي : هو الشيخ العلامة الجليل أبو علي موسى بن علي بن عزرة
الأزكوي كان هو وأخوه محمد بن علي والأزهر بن علي من أجله علماء
زمانهم وهم فيما قيل من بني سامة بن لؤي بن غالب ولد ليلة العاشر من
جمادى الأخرى من سنة 177هـ نشأ في أزكى وأخذ العلم عن والده علي بن
عزرة وعن شيخه هاشم بن غيلان السيجاني وقد تبحر في العلم وفاق أهل
زمانه. توفي رحمه الله سنة 230هـ وعمره 53 سنة. انظر إتحاف الأعيان
1/182 - 190 . (2/63)
صفحة 223
رحمهم الله تعالى وأمثالهم ونظراءهم أنه لحم ضأن وأنه حلال ما كانوا
حجة وكان ذلك الشهود باطلي الشهادة مخلوعين هالكين الشهداء والبائع والمطعم إجماعاً.
مسألة
[ متى لا تقبل الشهادة ]
ولو كان ذلك اللحم الذي لا زالت عينه في يد كتابي أو موحّد فاسق
منتهك لم يعلم أن ذلك لحم خنزير وقد صار لحماً زائل العين ثم شهد على ذلك مائة ألف أو يزيدون من ثقات اليهود أو النصارى أو من فساق أهل التوحيد ما حرم ذلك على المسلمين ارتكابه ولو شهد مثل الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله أنه لحم خنزير ما حرم ذلك بشهادة واحدة وعلى محمد
بن محبوب أن يذر الراكب على حالته المتقدمة عنده من ولاية أو غيرها فإن ترك ولايته لهذا وهو ولي له هلك حتى يشهد له عدلان من(1) فحينئذ حرم
عليه ارتكابه.
مسألة
[ صفات الشهود ]
فإن شهد معه عدلان مسلمان وعرف منهما المنزلة ما يكونان بها حجة
ولو جهل أنه ليست بحجة وارتكب ذلك هلك.
مسألة
[ أهمية معرفة الشهود ]
ولو شهد عنده مائة ألف أويزيدون كمثل موسى ابن علي ومحمد بن
محبوب رحمهم الله تعالى أن ذلك حرام أو لحم خنزير وقد صحت معه
شهرة فضلهم وجهل معرفة أشخاصهم فلا تقوم بهم عليه حجة وإذا عرف أعيانهم وشهد عليه منهم اثنان كانا عليه حجة و جهل أنها حجة إجماعاً.
مسألة
[ جهل منازل الشهود وأعيانهم ]
وإن جهل منازل الشهود وأعيانهم وصحت معه عدالتهم عمن يكون
حجة عليه في العدالة من العدلين لئن قامت عليه الحجة علمها أو جهلها
أنها حجة إذا علم منازل المعدلين وأعيانهم جهل ما يلزمه من ذلك وعلمه
فلا يسعه رد الحجة بجهله لها ولا بقبول غير الحجة.
مسألة
[ الجهل بالحجة ]
ولا يجوز له إن جهل الحجة وأكل اللحم أن يبرئ من الحجة ولا يكذبها
فيما قالت فإن برأ هلك ولو أعلمه بذلك كتابي أو فاسق من أهل القبلة
__________
(1) 1- من خلال السياق يظهر نقص غير موجود في الأصل .
والذي يظهر لي : يشهد له عدلان من خاصته ، أو من أهل الخبرة . (2/64)
صفحة 224
واعتقد تكذيبه فيما قال كان بتكذيبه هالكاً وإنما يجوز له أن لا يرد الحجة
ولا يقبلها حتى يعلم أنها حجة وإذا جهل أنها حجة فليس له ردها تكذيباً
لها كائناً من كانت.
مسألة
[ حكم ولاية من رد شهادته ]
فإن قيل لا يجوز لهؤلاء العلماء الفضلاء الذي رد شهادتهم أن يتولوه إن
كان لهم في الأصل وليّاً إذ هم حجة الله أو يبرأ منه ويقفوا عنه قلنا عليهم
أن يتولوه إلا أن يعلموا أنه يعلم منهم ما يكونون به عليه حجة فإذا علموا ذلك منه ولم يلتزم الحجة للتي يعلمون أنه عليه في علمه حجة ولو جهل
الحجة برؤا منه لمخالفته الحق ورده الحجة فإن قيل أيجوز لأحد أن ينزل نفسه منزلة الحجة ويحكم بها على غيره قلنا له نعم إذا كان في ظاهر أمره عند
من تعبده الله فيه حجة كان عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله
ولو لم يجز هذا لما جاز للحاكم أن يحكم على من هو عليه في دين الله ولا
يسع الإمام أن يقيم حداً على من جعله الله عليه حجة حتى يعلم أنه ذاك
عند الله في علم الغيب بل عليه التوبة مما يعلم في نفسه من المعاصي ولو علم
في نفسه أنه زنديقي.
مسألة
[ على العبد أن يلتزم بالطاعة ]
وليس على العبد في جميع ما تعبده الله تعالى به أن يظهر قبائحه للعباد
ولا أن ينزل نفسه في حكم الظاهر منزلة أهل الفساد وعليه أن يلتزم الطاعة
لله وحده إجماعاً.
مسألة
[ عدم جواز إنزال الإنسان غير منزلته ]
وليس لأحد أن ينزل نفسه ولا غيره في دين الله غير ما أنزل الله ولا له
مخالفة أمر الله في نفسه ولا في غيره فيترك حقاً لله قام به من أجل أنه يقوم به رياء هذا ما لا يعتد به أحد من أهل القبلة.
مسألة
[ الفقيه الواحد حجة ]
فإن قال : فله أن يرد في هذا قول الواحد من الفقهاء وقد قام عليه بالحجة
أنه حرام وقلتم أن الفقيه الواحد حجة فلو لم يكن محمد بن محبوب رحمه
الله حجة فيما قام به إذا عرف منزلته كما قلتم أنه حجة إذا شهد معه أن (2/65)
صفحة 225
ذلك لحم خنزير ويكون محدثاً في ركوبه له بعد الشهادة ويكفر إذا شك
في الحجة قلنا له : لأن محمد بن محبوب وغيره في الأحكام سواء وإنما
مثله محمد بن محبوب حجة فيما قام به مما يكون فيه مفتياً ناقلاً لحكم
الشرع لا فيما يكون فيه شاهداً على تحريم مباح في الأصل لمن يركب وإنما
قلنا أن الفقيه الواحد حجة فيما لا يجوز للراكب ركوبه بجهله وفيما إن
ركبه بجهله ولم يعلم بذلك محمد بن محبوب كان بذلك هالكاً ونحن
نقول أن هذا إذا صار بهذه المنزلة مباح لراكبه حتى تمنعه حجة بتحريم ولا
يحرم المباح إلا شاهدان ممن هما حجة على المشهود عليه في جميع الأحكام
إلا فيما من خص الرضاعة وأمثال ذلك مما الناس فيه مختلفون وهذا مباح.
مسألة
[ إذا كان الخنزير قائم العين ]
وإذا كان قائم العين فمحجور على من ركبه ولو جهله وجهل حرمته.
مسألة
[ اختلاف الحكم ]
فإن قيل كيف اختلف الحكم في الحرام وهو عند الله حرام فكان مباحاً
إذا هرئ ولو كان في الأصل جاهله يعرف عينه وحرمته فلما أن جهله
وسعه جهله والجاهل له ولجنسه ولعينه وحرمته لا يسعه إذا جهل عينه وكان قائم العين والجنس قلنا لأن الله تبارك وتعالى حرم ذلك بعينه على من جهله وعلمه ولو كان الجاهل للحرام يسعه ركوبه لكان الجهل أوسع من العلم وذلك محال فلما حجر على من علم جنسه حجر على من جهل ذلك،
فكل ذي ميتة ذي روح تعيش في البر وتهلك في الماء إن وقع فيه حرام
بقول الله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } وكذلك الدم المسفوح من جميع
ما ذكرنا من ذوات الأرواح البرية وذوات الدماء الأصلية فهو حرام رجس بقول اللّه تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } (1) .
مسألة
[ ما هي الميتة ]
والميتة إذا مات من غير فاعل فذلك هو المفعول أنه ما مات حتف أنفه
وأتبع ذلك ما مات بسبب كوخز رمح أو ضرب أدى للتلف فهذا في كلام العرب ليس هو بالميتة المفعولة.
مسألة
[ تعريف الموقوذة ]
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 3 . (2/66)
صفحة 226
وأما الموقوذة هي التي لم تولم بالضر بغير ما يقع عليه اسم الذكات وإنما
هو يقتل البهيمة من المحللات من الأنعام فدلان الموقوذة هي المقتولة من فعل
بني آدم بها غير النكرة التي سماها الله تعالى فهي لاحقة بحكم الميتة.
مسألة
[ تعريف المتردية ]
وأما المتردية فهي التي تهدف أو تسقط من شرف كارعن(1) أو منزل أو
غيرها في ركية أو على شيء فتموت ولو لم يحدث بها ذلك محدث فهذا
هو المعقول من المتردية.
مسألة
[ ما هي النطيحة ]
وأما النطيحة فهي إن نطحت بهيمة فقلتها أو يقتلان بعضهما بعضاً فدل
على أن هذه هي النطيحة ولو بسبب ركض أو سدع غير النطح ولم يكن الحكم مقيداً على النطح فقط.
مسألة
[ ما أكل السبع ]
وأما ما أكل السبع فكل بهيمة أبيح أكلها إذا أكلها السبع فقتلها أو كان
الآكل لها بهيمة مثلها فماتت من ذلك فهي لاحِقٌ بذلك كان سبعاً له لأن الحكم معلق بما أكل السبع فقط فدلان الميتة كلها محرمة بأي حدث توت(2) .
مسألة
[ أهمية التذكية ]
فإن قيل فهل لا تحل ذكاتها بعد موتها لقوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } (3)
قلنا : لا. إن ذلك في المريضة والمتردية أو النطيحة أو ما أكل السبع تدرك
ذكاته قبل موته في الإبل والبقر ويشبههم النحر الذبح وأما الضأن والمعز فبالذبح فقط.
مسألة
[ ذبح الحيوانات السابقة ثم تحركه ]
وكل بهيمة عاقتها علة من هذه العلل كالمرض والتردي فذكيت قبل
خروج روحها فتحركت الحركة المعقولة من أسباب الحياة بعد أن أتمت
__________
(1) 1- كارعن : والله أعلم من شرف عالٍ .
(2) 1- الدليل من الكتاب الكريم على تحريم ما سبق : ما ورد في سورة المائدة آية 3 :
{ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة
والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على
النصب.. } إلى قوله تعالى : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن
الله غفور رحيم } 3 .
(3) 2- المائدة آية 3 . (2/67)
صفحة 227
ذكاتها وأكلت وإلا فقد أشكل أمرها لأنه يحتمل أن يدركها الموت من
سبب معارضة تلك العلة لها والحركة المعقولة كطرف طرف أو حركة أذن
أو ذنب أو جارحة منها قلت الحركة أو كثرت وأما اختلاج بدنها فلا عبرة
به إذ يتصور ذلك من بعد موتها.
مسألة
[ الشاة المزبورة ]
وأما البرية من العلل المزبورة حتى جرت الشفرة على مذبحها أو
منحرها فذكيت الذكاة التي تحل بها أكلت ولو لم تتحرك بعد الذكاة
بالذبح أو بالنحر.
مسألة
[ التفرقة بين ذات الوصب والصحيحة ]
فإن قيل : فلم فرقت بين ذات الوصب والصحيحة وهو قد أوقع الذكاة
عليها قبل موتها قلنا له: لأنه إنسان بين هاتين. لأن الوصب تقدمت بعدها أسباب الموتى دون الأخرى وإنما ذكيت خوف تلفها إذ أغلب أحوالها أنها لم تذك لماتت والصحيحة ليس حكمها كذلك وإن كان الله قادر على إحياء المريضة وإماتة الصحيحة لا يسأل عما يفعل والأحكام على الأغلب والأعم.
مسألة
[ الموت قبل الذكاة ]
وأما إن صح أن البهيمة ماتت قبل إيقاع الذكاة الشرعية عليها كانت
صحيحة أو معلولة فذلك لا شبهة فيها.
مسألة
[ أثر السبب في الحكم ]
فإن قيل فما الدليل على التفريق بين حكمها قلنا كيف الحكم فيمن أوقع
على أصحاء حائط فشهدت البينة أنه وقع الحائط والقوم أحياء لم يعلموا
موتهم قبل وقع الحائط فأصيبوا أمواتا ما كنت تحكم بينهم على الموقع
للحائط فإن قيل إذا تعمد لإيقاعه عليهم وصح ألزمناه القود لأنهم أصحاء
قلنا فهل يمكن أن يموتوا في قدرة الله قبل إيقاعه عليهم إذ البينة لم تشهد أن الحائط قتلهم.
مسألة
[ الموت بسبب العلة ]
فإن قيل وأي شبهة في هذا وهو المتعارف أنهم ماتوا بذلك السبب قلنا
وكذلك المتعارف من هذه الصحيحة إنها ماتت بذلك الذبح وإن لم
تصح حياتها بعده والمعلولة فالأغلب من أمرها أنها تموت بغير ذبح فلهذا
وقع الريب.
مسألة
[ ما أطلق حظره وإباحته ]
وكلما أطلق الله حظره أو إباحته فمحجور على من جهله تحريم ما أحل (2/68)
صفحة 228
ولا تحليل ما حرم ولا ولاية راكب ذلك بدين ولا الوقوف عن العلماء إذا برأوا من راكب ذلك برأي أو بدين وإذا رأى بالبهمة أثر الذكوة وهي في
يد تجوز ذكاته من أهل الإقرار أو من أهل الكتاب فحلال له شراءها وأكلها وإن كانت في علم الله وعلم العالم أنها ميتة.
مسألة
[ التذكية بغير اسم الله ]
والإجماع إنما ذكي في الأنعام الحلال ولم يذكر اسم الله عليه لشيء من
الآلهة سوى الله أنها حرام لقوله تعالى : { وما ذبح على النصب } (1)
وقوله : { وما أهل لغير الله } (2) وأجمعوا على أنها ذكاة المشركين من
المجوس وغيرهم من أهل الكتاب كان بالآلهة أو لغيرها ذكر اسم الله عليه أو
لم يذكر أنه حرام فسق لا حق في الميتة.
وأما أهل الكتاب فقد ورد النص بتحليل ما ذكره من النعم لقوله تعالى :
{ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } (3) وأجمعوا أنه
ما لم يذكر اسم اللّه عليه عند الذبح كائناً من كان ذابحه موحداً أو ملحداً
أو كتابياً إنه حرام وفسق لقوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله
عليه وإنه لفسق } (4) أن ذلك في الذبائح خاصة من بهيمة أو طير .
مسألة
[ ذبح أهل الإقرار وأهل الكتاب ]
واختلف المسلمون فيما ذبح أهل الإقرار وأهل الكتاب للأوثان بأمر أهل الأصنام والمال وذكر اسم الله عليه فقول أنه حلال لأن الذبح لا يقع
للأصنام وقد صحت له التذكية ممن يجوز تذكيته ولا شريك لله ولا تحرمه
نيته المذكي وقول أن ذلك حرام إذا نوي به للآلهة فلو ذكر اسم الله عليه والأول عليه العمل.
مسألة
[ دواب البحر هل تذبح أم لا؟ ]
اختلف المسلمون فيما اشتبه محرماً من دواب البحر يسمى به فقال
__________
(1) 1- سورة المائدة 3 .
(2) 2- سورة المائدة 3 .
(3) 3- سورة المائدة 5 .
(4) 1- سورة الأنعام آية 121 . (2/69)
صفحة 229
بعضهم حكمه كحكمه حذو النعل بالنعل وقال بعضهم : صيد البحر كله حلال وإنما يذكى كذكاة ما يشبهه من صيد البر وقال بعضهم أنه حرام كمشبهه والأصح إنه حلال بغير تذكية ولو أشبه القرد والخنزير من المحرمات.
مسألة
[ ما كان يعيش في البحر والبر ]
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيرها من الدواب المشبهة
بدواب البر أو غير مشبهة من دواب الدم فلا يحل إلا بذكاة لدخول سبب البر عليه أن كان أغلب أحوله يعيش في البر أكثر فحكمه حكم دواب البر
وصيد البر إن كان صيداً ودمه مفسداً لعيشه في ليل أكثر زمانه.
مسألة
[ ما يعيش في البر والبحر والأغلب في البر ]
وأما إذا كان أغلب عيشته في البحر والماء إلا أنه يعيش في البر عيشته
يفارق بها دواب الماء للتي لا تعيش في البر وإن فارقت الماء هلكت فإنها لا
تحل إلا بالتذكية بسبب دخول البر وتحكم له عليه وبالأغلب من أمره في شأن تسميته بالصيد فإن خفي أغلب أحواله أخذ فيه بالأحوط ذكي ودمه فاسد احتياطاً ولا يأكله المحرم للخروج من الشبهة والحجة في ذلك أهل المعرفة.
مسألة
[ ذبائح المشركين غير أهل الكتاب ]
وكلما كان في أيدي المشركين من غير أهل الكتاب من اللحوم والذبائح
للتي هلكت ولم تدرك فهي في الأصل محجورة لا تحل إلا أن يصح أنها
مذكاة لأن ما في أيديهم من ذلك حرام على من علم حرمته أو جهلها ولا يقبل قولهم من ذبائح المسلمين أو ذبائح أهل الكتاب إلا بالبينة وأقل ما يقبل
في ذلك الثقة المأمون من أهل الإقرار وأما في الأحكام فبشاهدين من أهل
القبلة وليس قول أهل الكتاب حجة هنا على المسلمين إذا شهدوا أنها من ذبائحهم أو من ذبائح أهل الإقرار.
مسألة
[ قول الثقات من أهل الكتاب ]
فإن قيل بقبول قول الثقات من أهل الكتاب مع التسليم له ممن ذلك في
يده وتصديقه لم نقل أن ذلك خلافاً للدين لأنهم مصدقون على ما في
أيديهم ولا يجوز جهل ذلك إذا كان في أيدي المشركين من غير أهل (2/70)
صفحة 230
الكتاب بعلم الواقف عليه ذكاته فإن ركبه على الجهل هلك.
مسألة
[ اللحم المجهول الذبح ]
وأما إذا رأى راكبه ذلك وعزب عليه علم ذلك من كيفية أصل ركوبه له
وقد عاينه لحماً أعضاء أو مذكاراً من البهائم المباحات فلا تحرم عليه ولايته ومحجورة عليه البراءة منه ولا يترك ولايته إلا أن يعلم أنه غير مذكاة من
ذكاة تجوز ذكاته ولم يعلم أن راكبه علم كعلمه فيه وهو في أيدي المشركين
أو لحماً زائل العين فإذا علم أنه لا علم له فيه إلا على هذا فلا يجوز له
الإقدام عليه ولا تجوز له ولايته في الدين ولا ترك ولايته من برأ منه العلماء
على ذلك.
مسألة
[ عدم معرفة حلية اللحم ]
ولو عاين هذا المعاين لهذا اللحم ولم يعلم أحلال هو في الأصل أم حرام
فليس له الإقدام عليه فإن أ قدم عليه سواه ولم يعلم الأصل فيه فليس له ترك ولايته ولا البراءة منه لأنه محتمل حقه و باطله.
مسألة
[ حكم من أكل ا للحم المجهول ]
فإن برئ منه على ذلك عالم من العلماء أو غير عالم ولا يعلم
هذا منه إلا أنه لما رآه يأكل على ذلك اللحم إذ هو في الأصل محجور
إلا بعلة وهي العلم برأي منه وليه ولم يعلم من الذي برأ منه من أوليائه أيعلم أنه علم أنه ذكي أم لا فوليه الأكل على ولايته ووليه المتبري منه على ذلك
على ولايته .
مسألة
[ أثر العلم في ذلك ]
فإن كان عالماً فليس له أن يقف عنه ولا يبرأ منه على ما عاين برأي
ولا بدين.
مسألة
[ كيفية البراءة ]
وأما إن كان ضعيفاً وبرأ من وليه ولم يعرف علي ما برأ منه قد عاين ما برأ
منه مما يحتمل وجهل ما يلزمه الأكل والمتبرئ فله البراءة من المتبرئ برأي ويعتقدان إن كان برئ من وليه بما لا يستحق به البراءة فهو بري منه لم يضق عليه ذلك في الضعيف إذا قد برئ من وليه فحكمه عنده حكم القاذف لوليه ولا يجوز له أن يبرأ منه بدين فإن برأ منه من أجل براءته من وليه هلك.
مسألة
[ جهل البراءة يجيز الولاية ] (2/71)
صفحة 231
وأما إن لم يعلم كيف برى منه العالم والضعيف وضاق عليه أن يبرئ منه
جاز له أن يتولاه بدين ويتولى العالم أيضاً بدين وكذلك الضعيف
وهذا موضع تجوز فيه الولاية على الأصل حتى يعلم أنه مبطل وتجوز منه البراءة حتى يتضح له أنه محق.
مسألة
[ أثر المعاينة في الحكم ]
فكلما ألزمه أن ينزل لوليه الراكب لعذر لما يحتمل أنه محق فكذلك
يلزمه أن ينزل لوليه المتبري من هذا الراكب بما قد عايناه منه جميعاً أنه أتي
ذلك محجوراًَ.
مسألة
[ تحريم ما لم يرد في الآية ]
اختلف المسلمون في تحريم ما عدا ما حرمته الآية من كل ذي ناب وذي
مخلب من الطير بقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً
على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير } (1) فقال بعض(2) مع بعض المسلمين من أهل القبلة أن ليس ولاء هذا شيء من البهائم محرماً وإنما سوى هذا مباح من بهيمة أو طيرة إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير(3) نهي أدب(4) لا نهي تحريم وأن السنة لا تنسخ القرآن لقوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
__________
(1) 1- سورة الأنعام آية 145 .
(2) 2- يظهر لي والله أعلم، أن هذا فيه خلاف في المذهب وأيضاً خلاف في المذاهب
الأخرى) الشافعية...
(3) 3- نص الحديث : عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير وعن
لحوم الحمر الأهلية...» الحديث بالجزئية الأولى أخرجه أبو داود رقم 3790 في
الأطعمة و8306 في الأطعمة باب النهي عن أكل السباع، والنسائي 7/202
في الصيد وهذا النص : أخرجه الترمذي رقم 1474 في الصيد باب ما جاء في
كراهية أكل المصبورة. ورواه أحمد في المسند 4/128 وهو حديث حسن.
(4) 4- نهي أدب : أي كراهة تنزيهه وهذا المصطلح قال به الحنفية. (2/72)
صفحة 232
منها أو مثلها } (1) فالسنة فليست بأخير من القرآن ولا مثله لأنها ليست
بمعجزة في نفسها كمثله (2) .
مسألة
[ تحريم كل ذي ناب ومخلب ]
وأما من قال بتحريم ما ورد حجره في السنة بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «حرم عليكم كل
ذي ناب من السبع ومخلب من الطير»(3) وأن هذا نهي تحريم لا أدب وأن السنة
تنسخ القرآن بقوله تعالى: { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } (4). وقال تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (5) .
مسألة
[ صيغ التحريم ]
واحتج ذلك من جعله نهي تحريم(6) بقوله تعالى في النكاح وما يحرم منه :
{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم } (7) إلى
قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } (8) الآية، ثم صح الإجماع من أهل
القبلة على تحريم كل ما وافق تحريمه من النسب(9) ما كان من جهة الرضاع
بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقوله عليه
السلام : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها لا الكبيرة على الصغيرة»(10)
__________
(1) 5- سورة البقرة آية 16 .
(2) 6- هذه مسألة خلافية قال الجمهور بأن السنة تنسخ القرآن وقال الإمام الشافعي
-رحمه الله- السنة لا تنسخ القرآن - والمقصود بذلك أخبار الآحاد
وليست المتواترة.
(3) 1- رواية الترمذي «حرَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -يعني يوم خيبر- لحوم الحمر
الإنسية والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير». انظر
جامع الأصول في أحاديث الرسول 7/463 رقم 5555.
(4) 2- سورة النجم آية 3 ، 4 .
(5) 3- سورة الحشر آية 7 .
(6) 4- ما ورد في النص بصيغ حرم فهي تدل على التحريم لأنها من أقوى الصيغ سواء
كانت من الكتاب أو السنة.
(7) 5- سورة النساء آية 23 .
(8) 6- سورة النساء آية 24 .
(9) 7- الحديث : ورد الحديث بصيغ متعددة منها : يحرم من الرضاع ما يحرم من =
(10) = الولادة ، وهذا حديث أخرجه البخاري ومسلم. ورواية «إن الله حرم من الرضاع
ما حرَّم من النسب» أخرجه الترمذي رقم 1146 في الرضاع. والعمل على هذا
عند عامة أهل العلم. وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأم حبيبة.
1- هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة
على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح
الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى». أنظر جامع الأصول
11/495 رقم 9055 . (2/73)
صفحة 233
ولا بالعكس.
مسألة
[ عرض الحديث على كتاب الله ]
فإن اعتل معتل بقوله عليه السلام : «ما من رسول ولا نبي قبلي إلا وقد كذب(1) عليه ألا وسيكذب عليّ من بعدي فاعرضوا ما أتاكم عني على كتاب الله فإن وافقه فهو عني قلته أو لم أقله وما خالفه فليس عني قلته أو لم أقله فإن هذا موافق كتاب الله» قلنا له من معنى تحريم الجمع بين الأختين وقد أجمع المسلمون كافة على صحة ذلك والعمل به.
مسألة
[ حكم الصيد ]
وما أهله أربابه من الصيد حتى صار ملكاً فقول أن ذلك من الصيد ولا
يحل للمحرم وقول أن ذلك خارج من حكم الصيد إلى حكم الملك والقول الأول أصح.
مسألة
[ ما حرم صيده على المحل والمحرم ]
وأجمعوا أن الصيد ما عدا الأنعام من الوحوش غير المربوبات المملوكات
وما عدا المحرمات المحجورات بالنص على جملة التحريم على المحل والمحرم مما
هو خارج ذوات المخالب من الطير وذوات الناب من السبع فما عدا هذا فالإجماع من أهل القبلة أن جميع ذلك مما يخرج له مثل في المحللات من
الأنعام المربوبات فهو من الصيد وتصديق ذلك فقوله تعالى : { ومن قتله
منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم } (2) .
مسألة
[ صيد النعم غير ذوات الناب والمخلب حلال ]
فكل ما كان له مثل من النعم خارج من ذوات المخالب الناب فالإجماع
أنه صيد حلال إذا أدركت ذكاته للمحل وحرام على المحرم واختلفوا في
أشياء من ذوات الناب فقول أنه صيد حلال للمحل وحرام على المحرم
كالضبع والثعلب والنسور الوحشي وما أشبه ذلك وقول : إن كل ناشرة
من ذوات الناب فليس من الصيد وهو من المحجورات.
مسألة
[ الاقتصار على ما ورد تحريمه في الكتاب الكريم ]
__________
(1) 2- الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - : «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» حديث
صحيح : أما حديث المصنف بالنص بالمذكور لم أعثر عليه.
(2) 1- سورة المائدة آية 95 . (2/74)
صفحة 234
ولم نعلم أن أحداًَ من أهل العدل قال بتحريم شيء من البهائم غير ما استثنى الله في كتابه بتحريم ما حرم.
مسألة
[ لحم القرد مختلف فيه ]
وقد اختلف المسلمون في القرد فحرم لحمه بعضهم كالخنزير وقال
بعضهم : من أكل لحمه فلا نقول أنه أكل حراماً كمن أكل لحم الخنزير.
مسألة
[ ما اختلف في تحريمه لا يوجب البراءة ]
وإذا وقع التحريم لشيء من بعض المسلمين مما لم يأت فيه نص من باب
التحليل أو ما أشبه ذلك والتوقيف عن تحريمه من البعض وولاية من حرمه
فقد وقع التحريم.
مسألة
[ دليل تحريم القرد ]
ومثله إذا وقع التحليل لشيء من البعض فيما لم يأت فيه نص بالتحريم أو
ما أشبهه ووقف عنه بعض المسلمين وتولوا من أحله فقد وقع التواطؤ على تحليله وقد أثبت الله تعالى في القرد سبب التحريم في كتابه وإن لم يقع
النص بالتحريم فيه بعينه قول الله تعالى : { وجعل منهم القردة
والخنازير } (1) فألحق القردة بالخنازير.
مسألة
[ لا تقاس القردة على قردة بني إسرائيل ]
فإن قيل إن تلك القردة والخنازير متن وإنما هذه القردة والخنازير غيرهن
قلنا فإن كن متن فهذه الحادثات مثلهن وسيان في الحكم الشيء وشبهه
والقول في القرد كالقول في الخنزير في جهالته وجهالة جنسه وزوال عينه
لأنه معروف مع من عرفه من العالمين به.
مسألة
[ ماهية الدم المسفوح ]
فالمجتمع عليه أن الدم المسفوح هو خارج من الذبيحة إبان تذكيتها من
الأنعام المحللة هو رجس حرام وما تابعه من الدم ما لم يغسل المذبحة في
البدن والثوب قل أو كثر الدم من بهيمة أو طيرة من ذوات الدماء الأصلية
ولم تكن من المجتلبات(2) .
مسألة
[ نجاسات الدماء ]
وأما ما عدا دم المناحر أو بعد تطهير المذابح فمختلف فيه قول أنه
الأوداج(3)
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 60 .
(2) 2- المجتلبات : اللواتي يجلبن من خارج المنطقة ولا يُعرف طعامها والله أعلم .
(3) 1- الأوداج : جمع ودج وهو العرق الذي يقطعه الذابح فلا يبقى معه حياة ، ويقال :
في الجسد عرق واحد حيثما قطع مات صاحبه وله في كل عضو اسم فهو في
العنق الودج والوريد أيضاً... أنظر المصباح المنير 2/811 . (2/75)
صفحة 235
لاحق حكمه بالمسفوح وقيل: حكمه حكم المسفوح من في
الأكل والشرب ولا يفسد منه في الثياب إلا ما نما على الظفر على النسيان
وأما على الجهل والعلم والعمد فمفسد للصلاة وما خالط الطهارات فنجس
قل أو كثر.
مسألة
[ حكم الدماء : حكمها حكم دماء الذبيحة ]
وقد قيل أن حكمه كحكم دم اللحم لأنه زائل الذبيحة دم ما كانت عليه
من نجاسة الدم للتي كانت به حية فإذا صارت ذكية وزال الدم الذي كانت
به حية لأن الدم الذي كانت به حياة هو المفسد المسفوح وما سواه
فمختلف فيه قول لا يفسد قل أو كثر في الثوب والبدن ولا يفسد ما مس وحلال لقوله عليه السلام : «أحل لكم ميتتان ودمان الميتتان الجراد
والسمك والدمان اللحم ودم السمك»(1) .
مسألة
[ ما هو دم اللحم ]
وقال بعض : إن دم اللحم هو ما خالط اللحم من العلق وأما ما كان من العروق فليس هو دم اللحم وذلك دم كان قائماً في البهيمة إبان حياتها فلا يتحول طاهراً بذكاتها وهو مفسد حرام وإنما يتحول إلى الطهارة ما كان
داخلاً في اللحم من غير العروق.
مسألة
[ مقدار الدم في الثوب الذي يفسد الصلاة ]
وأما على النسيان فلا يفسد الصلاة على بعض القول إلا ما زاد على
الظفر في البدن والثوب وعلى العمد في الجهل والعلم مفسد قل أو كثر.
مسألة
__________
(1) 2- الحديث : عن ابن عمر قال : قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - «أحلت لنا ميتتان ودمان :
الميتتان : الحوت والجراد، والدمان : أحسبه قال : الكبد والطحال» أخرجه
الشافعي 2 / 425 ، وأخرجه أحمد 2/97 وابن ماجة رقم ( 3314 ) في =
= الأطعمة باب الكبد والطحال من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن
عمر، وعبد الرحمن ضعيف، وأخرجه الدار قطني ص 539، 540 من طريق
علي بن مسلم عن عبد الرحمن... ورواه البيهقي 1/254 من طريق ابن وهب
عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر موقوفاً، ثم قال : وهذا
إسناد صحيح. أنظر شرح السنة للإمام البغوي 11/244 باب أكل الجراد. (2/76)
صفحة 236
[ دماء الرئة والفؤاد ]
وأما دم الرئة والفؤاد فذلك من الدماء المفسدة لأنه على حدثه في البهيمة
في حياتها وليس هو من المشتمل عليهم أحكام اللحم.
مسألة
[ الدماء المفسدة للصلاة حرام ]
وكل دم أفسد قليله وكثيره في الصلاة فهو حرام في المأكولات
والمشروبات ومفسد لما خالطه من الطهارات إجماعاً.
مسألة
[ الدماء الحلال إذا طهيت مع اللحم ]
وما سوى ذلك من دماء الدواب والحلال المذكاة ما عدا دم المذبح والمنحر
والأوداج والعروق والرئة والفؤاد فهو حلال طاهر قل أو كثر في الصلاة ولا يفسد ما خالط من الطهارات.
مسألة
[ ما حرم نصاً حرم الانتفاع به ]
وما عدا دماء المذابح والمناحر إذ طهرت فقد مضى القول في الاختلاف
فيه وكل ما صح رجسه من الكتاب أو السنة أو الإجماع فهو حجر حرام
أكلاً وشرباً.
مسألة
[ دماء المحرمات أكلها حرام مثل الخنزير والقرد ]
وكل دم محجور بالتحريم لجنسه مثل الخنزير والقرد وما
شابههما من المحرمات من البهائم فدمه حرام كحكم الدم المسفوح ذكي
أو لم يذكى.
مسألة
[ قتل الصيد بالكلب المعلم ]
وكلما(1) لم تدركه ذكاته من الصيد والأنعام المستقرة للتي لم يبلغ
إلى تذكيتها إلا بالقتل فقتله كلب معلم أو الصايد بزلّم(2) أو ذابل(3) أو صارم وبلغ إلى ذكاته صار ذكيِاً حلالاً ودمه مذابحة ومناحرة مسفوح قل أو كثر
وما سواه مختلف فيه.
مسألة
[ دماء الحيوانات في المأكولات حرام ]
ودم الميتة من جميع الدواب والطير البرية من ذوات الدماء الأصلية فهو
__________
(1) 1- والأصح : وكل ما لم .
(2) 2- الزلم : جاء في كتاب إزاحة الأعيان عن لغة أهل عُمان ص 64 زلَّ : قوس زلاّ.
يزل السهم عنها لسرعة خروجه. فهذا السهم الذي يصاد به.
(3) 3- ذابل : جاء في المصباح المنير 1/245 : والذبل شيء كالعاج، وقيل : هو ظهر
السلحفاة البحرية. وأقوال سياق النص يشير إلى استعمال العظم أو ظهر
السلحفاة وهو يكثر في عُمان بدل السكين لعدم وجودها. والله أعلم. (2/77)
صفحة 237
حرام في المأكولات والمشروبات لما خالط من الطهارة قل أو كثر في
الثوب أو البدن إجماعاً وما كان من غير ذاتها فلاحق بها كمثل ما
احتملته في أكراشها.
مسألة
[ ما في بطن الحيوان المذبوح ]
وأما ما نتاجها إذا أدركت ذكاته حيّاً بعد موتها فلا يكون تبعاً لها في التحريم وما سواه فحكمه حكمها.
مسألة
[ لا جهل في حرمة المسفوح ]
فإذا وقف المتعبد على الأصل الخارج منه في الدم المسفوح لم يسعه جهل ذلك ولا ركوبه ولا ولاية من ركبه علم بحرمته أو لم يعلم فإذا ركبه هلك وكان عليه الدينونة بالسؤال.
مسألة
[ الدماء المختلف فيها ]
وأما إذا واقع شيئاً من الدماء المختلف فيها بجهله الحكم فيها مع علمه بالأصل الذي خرجت منه فهو سالم ما لم يدن باستحلاله ممن حرمه أو بترك ولاية أحد من العلماء برأي أو بدين وهو دائن إلا أن يواقع المحجور.
مسألة
[ أهمية النية في العمل ]
وأما إن قصد أنه يركب محرماً ولا يبالي هلك بنيتي ولو وافق حلالاً بالكتاب السنة أو الإجماع.
مسألة
[ أهمية النية ]
وإذا لم ينوي ارتكاب المحظور وإنما ركب ما جهل هو حرام أم حلال
وهو دائن بتحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل الله في جملته فواقع حلالاً
مجمع عليه أو مختلف فيه ففي بعض القول لا يسعه على ما لا يعلم أنه حلال وعليه التوبة إذ قد أساء في إقدامه لا ركوبه وقول لا بأس عليه ما لم يركبه
على أنه حرام لا يبالي به.
مسألة
[ عدم معرفة أصل الدماء ]
فإذا غاب عنه الأصل الذي جاء منه ذلك الدم الذي وقف عليه ولم يبن له هو أحلال أم حرام أو لمختلف فيه ففي الأصل أن الدم محرم إلا ما انتشأ
منه إذا كان قائم العين في ذاته حتى يعلمه من أي أصل ولم يعلم جواز
الإقدام عليه إذا أشكل أمره حتى توضح مشكلة حجته والتعبد في
المشكوكات والوقوف عنها.
مسألة
[ ارتكاب ما لم يعرف أصله ]
وأما إن ركبه راكب على الجهل بأصله والحكم فيه على إنه يأتي في ذلك (2/78)
صفحة 238
ما أحل الله ولم يدن فيه بما لا تسعه الدينونة به فوافق ما مجتمع على تحليله أو مختلف فيه فهو سالم.
مسألة
[ أنواع الدماء ]
وكذلك إن علم أن الدماء منها حلال وحرام ومختلف فيه ولم يعلم من
أي دم لم يقف على أصله فحسن عقله في رأيه أنه حلال فركبه فذلك جائز
له إذا وافق الحلال إجماعاً.
مسألة
[ عدم معرفة الدماء المختلف فيها ]
وإن علم أن الدماء منها حلال وحرام ولا يعلم المختلف فيه فحسن في
عقله إنه حلال فركبه فوافق الحلال أو ما يختلف فيه فهو سالم وإن وافق المحجور قائم الغير لا يختلف فيه و هو لا يعرفه من غيره من الدماء المباحة
فإذا ركبه على غير نية فاسدة إلا أنه ركبه بجهله واعتقاد أنه حلال خفنا
عليه من الهلاك وألزمناه التوبة من فعله ذلك.
مسألة
[ إذا كانت الدماء غير معروفة الأصل ]
وإن كان لا يعرفه من يعرف حلاله وحرامه حتى يقف عليه وعلى أصله
المحلل والمحرم معروف عند من عرفه فهو محجور الأصل غير مباح حتى
يعرف أصله.
مسألة
[ الأموال المعمورة ]
وكذلك الأموال المعمورات إذا وقف عليها الواقف فهي محجورة على
من جهلها أو علمها وفي الأصل أن المعمورات من الأموال المباحات بوجوه الحلال للواقف عليها إذا خفي عليه أصل المال أنه محجور أو مباح فهذا
محجور لا إقدام عليه فإن ركبه على أنه لا يبالي بما ركب هلك إجماعاً
وافق حلالاً أو حراماً بنيته.
مسألة
[ ارتكاب الفعل بجهل ]
وإن ركبه الجاهل بأصله على نسيان للتعبد فيه أو أخطأ أو على ما يراي
أنه حلاله أو حسّن في عقله أنه حلال فوافق الحلال فهو سالم وعليه السؤال حتى يخرج مما دخل فيه من المحجور لأنه تدرك معرفته بالعين ولأنه متعلق
عليه حكم الضمان لربه في حكم الظاهر فإذا صح معه أن الذي أتاه كان
مباحاً فهو سالم من الضمان والإثم وعليه التوبة.
مسألة
[ صيد القناص في المباحات ] (2/79)
صفحة 239
وأما الصيد إذا وافقه قناصه(1) في حالة المباحات قد تملك فلا تلزمه فيه
الحجة بالتحريم والملك حتى يتضح له علمه(2) ذلك وأما إذا كان من
الأنعام وغيره مما هو محجور في الأصل فذلك محجور الإقدام عليه حتى
يعلمه حلاله.
مسألة
[ حكم دم الرعاف وما يخرج من الفم ]
اختلف المسلمون مما يأتي من الدماء من غير كلم حادث كدم الرعاف
وما خرج من الفم والأسنان من دم عبيط(3) ودم الحيض(4) والنفاس(5) وكل دم خرج من ذات روح من ذوات الدماء الأصلية من الدواب والطيور البرية فقول أنه مسفوح كله ونجس في الثوب أو البدن قل أو كثر وأما غير
المسفوح فما خرج من جرحٍ قديم.
مسألة
[ حكم ما يخرج من الجراح ]
فكلما خرج من جرح قديم فليس بمسفوح ولا يفسد في الثوب وفي أمر
الصلاة إلا ما كان مقدار ظفر الإبهام على غير العلم.
مسألة
[ ميت ما لا دم فيه ]
واجتمع أهل العلم أن كل ذوات روح من الدواب والطير البرية بما لا دم
فيه أنه لا يفسد ميتته وأنه حلال وأنه خارج على أصل الجراد بسنة الرسول عليه السلام وما شابه الجراد فمثله إجماعاً.
مسألة
[ اختلافهم في ذوات الأرواح ]
واختلف أهل العلم في ذوات الأرواح من ذوات الدماء المجتلبة فقول :
إنه ميتة كدمه لا بأس بها وقول : إن دمه وميتته حرام رجس وقول إنه
__________
(1) 1- القناص : هو الصائد بالبندقية .
(2) 1- الأصح : حتى يتضح له علم ذلك.
(3) 2- جاء في المصباح المنير 1/463 : دم عبيط : طريّ خالص لا خلط فيه.
قال في التهذيب : العبيط من اللحم : ما كان سليماً من الآفات إلا الكسر.
(4) 3- الحيض : لغة : السيلان.
شرعاً : دم أسود ثخين، منتن، فائض بنفسه من فرج يافعة، ومن فوقها ما لم تبلغ
سن الإياس، في حال صحتها. عن النبراس في أحكام الحيض والنفاس ص 5- 6.
(5) 4- النفاس : هو الدم الخارج من المرأة لأجل الولادة سواء كان الولد كامل الخلقة
أم ناقصاً. المصدر نفسه ص 82.
والمرأة النفساء : هي المرأة الواضعة حملها . (2/80)
صفحة 240
يفسد على السعة والغنية غير مباح في الضرورة والحاجة إليه وليس هو
كالميتة المجتمع على تحريمها.
فصل في الأمر عن المعروف والنهي عن المنكر :
مسألة
[ حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
فريضتان على من قدر وحَدُّ القدرة على أن يأمن على نفسه وماله ممن
يقوم عليه ومن تولد مواد تتالد عليه فإذا كان كذلك فهو معذور وبعلم المنكرات والمعروف ما كانت تسعه الجهالة فإذا أتت حاله فلا يسعه جهله وكذلك لا يسعه جهل راكبه فصار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فريضتين فإن جهله في حين لا يسعه جهله هلك.
مسألة
[ جهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
وإن جهل ذلك فيما يسعه جهله فما لم يركبه أو يتول راكبه أو يبرأ
من العلماء فإذا برؤا من راكبه أو يقف عنهم وإن كان المحدث يدين
بتحريم ما ركب غير مستحل ولا هو حاكم من الحكام الذين تلزمهم
إقامة الحدود وإنفاذ الأحكام فيضيع حكماً أو يعطل أو يبطل حقاً فهو
معذور بجهل ذلك.
مسألة
[ السؤال عن كيفية الأمر بالمعروف ]
وأما إذا كان على حد القدر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجهل
ذلك فعليه اعتقاد السؤال عنها يلزمه فيما جهله كان محرماً (1)
كان حاكماً أو سوقه لأنه فرض عليه فعليه السؤال على كل حال فما لم يعطل أو يبطل حقاً أو يضيع حداً حكماً يلزمه فلا يكون عليه حجة فيما يسعه جهله إلا من طريق ما يصح معه علم ذلك من أي وجه صح معه من علماء المسلمين من الواحد فصاعداً فلا عذر له إن شك في الحجة إذا قامت عليه.
مسألة
[ حكم ثقات فقهاء المذاهب الأخرى ]
والثقات من فقهاء(2) قومنا إذا وقفوا وكانوا علماء فيما دخلوا كانوا حجة.
مسألة
[ حكم مستحل المنكر عن علم ]
وإذا كان الراكب للمنكر مستحلاً لما ركب وكان هذا قادراً على إنكاره
__________
(1) 1- بياض في الأصل .
(2) 2- هذا المصطلح معروف في كتب الفقه فمثلاً أصحابنا أي أهل المذهب، قومنا من غير مذهبنا. (2/81)
صفحة 241
عالماً بحرمة ما استحل من دين الله أو حلال ما حرم الله بالدينونة فغير واسع له جهل ذلك بل تقوم عليه الحجة من عقله إذ ذلك مما يخالفه في دينه وأنه من المنكرات وهذا وهو أصح الأقوال وقول أنه واسع له جهله ما لم يكن عالماً بحرمة ما استحل الراكب و استحلال ما حرم من دين الله وكان ذلك من الراكب على التحليل والتحريم فالحكم فيه واحد والجاهل فيه كالجاهل للحدث المحرم والقول فيه واحد(1) .
النهج الرابع
في الأصول في النكاح(2)
مسألة
[ حكم نكاح نساء الآباء ]
قال الله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد
سلف } (3) وما قد سلف فهو حرام أيضاً أي لا تنكحوا ما نكح آباءكم ولا
ما ينكحوا في المستأنف وقوله تعالى قد عفى عنهم ما قد سلف والأول هو الأرجح لأن الخطاب في المستأنف من نكاحهم.
مسألة
[ تحريم الأمهات ]
ثم قال تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } (4)فأجمع العلماء أن
الأم(5) وأمهاتها ما كن وعلون حرام كحرمة الأم.
مسألة
[ تحريم البنات ]
ثم قال : { وبناتكم } فكذلك البنات وبنات البنات(6) وبنات البنين ما
كانوا وتناسلوا حرام إجماعاً من المسلمين.
مسألة
[ تحريم الأخوات ]
ثم قال : { وأخواتكم } فجميع الأخوات(7) من قبل الأب والأم ومن
قبل الأب وحده ومن قبل الأم فجميع ذلك حرام.
مسألة
__________
(1) 3- حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ارجع إلى كتاب الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر د. محمد عبد القادر أبو فارس.
(2) 1- النكاح في اللغة : الضم والتداخل. يقال: تناكحت الأشجار، إذا دخل بعضه
في بعض.
اصطلاحاً : 1- حقيقة في العقد مجاز الوطء - عند الشافعية والمالكية.
2- حقيقة في الوطء مجاز في العقد عند الحنفية.
(3) 2- سورة النساء آية 22 .
(4) 3- سورة النساء آية 23 .
(5) 1- الأم : كل أنثى لها عليك ولادة.
(6) 2- البنت : كل أنثى لك عليها ولادة.
(7) 3- الأخت : كل أنثى لأبيك عليها ولادة. شقيقه أو لأب أو لأم. (2/82)
صفحة 242
[ تحريم العمات والخالات ]
ثم قال : { وعماتكم(1) وخالاتكم(2) } (3) فمن أين كن فهو حرام
وكذلك عمات الآباء وعمات الأمهات وخالات الآباء وخالات الأمهات كلهن بمنزلة العمات والخالات في التحريم.
مسألة
[ تحريم بنات الأخ وبنات الأخت ]
ثم قال: { وبنات الأخ(4) وبنات الأخت(5) } وما تناسلوا فكلهم حرام
نكاحهم إجماعاً.
مسألة
[ تحريم الأم من الرضاعة ]
ثم قال: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم(6) } فهي حرام بالنكاح وأمهاتها أمهاتك ما كن وعلون.
مسألة
[ تحريم الأخت من الرضاعة ]
ثم قال : { وأخواتكم من الرضاعة } (7) فهن حرام لاحق بحكم
الأخوات من النسب لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «يحرم من الرضاع ما يحرم من
النسب»(8) وقد أجمعوا أنه ما هو وافق الكتاب.
مسألة
[ تحريم النساء بالمصاهرة ]
الدليل على تحريم سائر ذوات الرضاع لشبهه بالمحرمات بالنسب وإن كان الكتاب ورد في الأمهات والأخوات من الرضاعة إذا ما شابه الشيء حكم
عليه بحكمه وإن لم يرد له ذلك ذكر ومثله في الأصهار ثم قال :
{ وأمهات نساءكم(9) } فإذا نكح الابنة ورضيت به بعلاً حرمت عليه
أمهاتها ما علون من النسب والرضاع ولو لم يجز(10) .
مسألة
[ تحريم الربيبة ]
ثم قال : { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم
بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } (11) فكان على شرط
__________
(1) 4- أخت أبيك : سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
(2) 5- الخالة : أخت أمك سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
(3) 6- الآيات جميعها من سورة النساء آية 23 .
(4) 1- هي كل أنثى لأخيك عليها ولادة مباشرة.
(5) 2- هي كل أنثى لأختك عليها ولادة مباشرة.
(6) 3- الرضاعة : وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر لتحريمهم بالسعوط والحقنة.
أو هو مص الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص.
(7) 4- الآيات من سورة النساء آية 23 .
(8) 5- سبق ذكره وتخريجه.
(9) 1- أم الزوجة.
(10) 2- تحريم الأمهات بالعقد وقبل الدخول.
(11) 3- سورة النساء آية 23 . (2/83)
صفحة 243
بعد الدخول.
مسألة
[ شروط التحريم ]
فإن قيل : إن الله تعالى أوقع الشرط على الربائب اللواتي في الحجور وما خرجن من الحجور فخارجاً من الشرط قلنا لأن الشرط لم يقع إلا على
الربائب اللواتي في الحجور خاصة وإنما خاطب اللّه بذلك على ما يستدل به
من أغلب الأحوال وأغلب الأحوال أن الربيبة تكون في بيت عمها وفي
حجره وقد تكون في غير الحجور.
مسألة
[ تحريم زوجات الأبناء ]
ثم قال : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } (1) فهذا ليس بخاص
في حلائل الأبناء من الأصلاب ولكن رداً من الله تعالى لقوله من عاب
النبي - صلى الله عليه وسلم - ترويج امرأة زيد وهو يدعا بابنه لعظم منزلته عنده ليس هو ابنه من صلبه فبين الله تعالى ذلك بقوله : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلك
قولكم بأفواهكم والله يقول الحق } (2).
مسألة
[ تمييز الأبناء من الأدعياء ]
ولم يكن استثناءه هذا في الأزواج والأبناء من الأصلاب موضعاً للإباحة
النساء(3) الأبناء من الرضاع وإنما كان نفياً منه للزوم الأبناء من الأدعياءً.
مسألة
[ إجمال المحرمات ]
فإذا كانت الابنة من الرضاع لاحقة في التحريم بالابنت(4) من النسب
فكذلك زوجة الابن من الرضاع محرمة كتحريم زوجة الابن من الرضاع والنسب إذا تزوجها ابنه من الرضاع أو النسب فرضيت به زوجاً ولو لم يباشر فقد حرمت على أبيه من الرضاع أو النسب إذا تزوجها ابنه من النسب والرضاع في المحرمات وفي الاسم وعلى أبيه وأجداده لأنها مبهمة.
مسألة
[ تحريم زوجات الآباء بالعقد ]
وكذلك قول الله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء } (5)
__________
(1) 1- سورة النساء آية 23 .
(2) 2- سورة الأحزاب آية 4 . أنهت الآية الكريمة حكم التبني، وأن المتبنى ليس له
حقوق الولد الصُّلْبي. من وجوب النفقة والحرمة وما إلى ذلك من أحكام.
(3) 3- الصحيح : موضعاً لإباحة نساء الأبناء من الرضاع.
(4) 1- والصحيح : بالابنة من النسب.
(5) 2- سورة النساء آية . (2/84)
صفحة 244
فإذا تزوج الأب امرأة جاز أو لم يجز فقد حرمت على بنيه من
الرضاع والنسب وعلى بني بنيه وبني بناته وما تناسلوا فالنكاح هو عقد
التزويج ورضى المرأة.
مسألة
[ وجوب الميراث بين الزوجين بمجرد العقد ]
وقد أجمع أهل القبلة أنه إذا تزوج الرجل المرأة ورضيت به زوجاً
تزويجاً جائزاً ثم مات أو ماتت فبينهما الميراث وقال الله تعالى: { ولكم نصف
ما ترك أزواجكم } (1) .
مسألة
[ عدم وجوب العدة على غير المدخول بها ]
وقد أجمعوا أن من عقد نكاحاً على امرأة ثم طلقها قبل المباشرة أن لا
عدة عليها منه بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } (2)
فصح أن النكاح هو العقد فقط ولو لم يباشر(3) .
مسألة
[ تحريم الجمع بين الأختين ]
ثم قال: { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } (4) يعني أن تجمعوا
في النكاح بين الأختين على نسق قوله: { ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء } (5) وقوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } (6) .
مسألة
[ شرح ما قد سلف ]
فإن قيل : فما الحجة في قوله تعالى: { إلا ما قد سلف } تكون بمعنى وما
قلنا لو أن أو إن نزول الآية بعل جامع بين الأختين لفرق بينهم إجماعاً ولا
يجوز هذا بعد نزول الحكم في الحرام المؤيد وقد تقوم لا مقام وما قال الله
تعالى: { لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } (7) ومن ظلم أيضاً.
مسألة
[ تعريف المحصنات ]
ثم قال : { والمحصنات من النساء } (8) يعني هن حرام عليكم
والمحصنات(9)
__________
(1) 1- سورة النساء آية 12 .
(2) 2- سورة الأحزاب آية 49 .
(3) 3- يتفق المؤلف مع المالكية والشافعية في تعريف النكاح .
(4) 4- سورة النساء آية 23 .
(5) 5- سورة النساء آية 22 .
(6) 6- سورة النساء آية 3 .
(7) 1- سورة النساء آية 148 .
(8) 2- سورة النساء آية 24 .
(9) 3- المحصنة لها معان متعددة :
أ- المتزوجة، كما في الآية.
ب- الحرة : قال تعالى : { والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب } المائدة 5.
ج - الإسلام : لقوله تعالى : { فإذا أحصن } النساء 170 .
د - العفة عن الزنا : لقوله تعالى : { محصنين غير مسافحين } النساء آية 24 . (2/85)
صفحة 245
هن من ذوات الأزواج فكل امرأة ذات بعل فحرام سواه لها بالنكاح أو بالملك أو النص وحرام على سيد القينة سر سيدها وهي ذات بعل.
مسألة
[ حكم ملك اليمين ]
فإن قيل وما معنى قوله تعالى: { فمن ما ملكت أيمانكم } (1) فهذا عموم
قلنا وما ملكت أيمانكم من ذوات البعول كقوله : { إلا ما قد سلف } (2)
فزالا { إلا من ظلم } (3) فهذا تأويل صحيح إجماعاً من أهل القبلة على
تحريم وطئ ذوات البعولة من الإماء على ساداتهن بالملك كذلك نكاح
ذوات البعولة من الحرائر.
مسألة
[ يحرم من الملك ما يحرم من النكاح في النسب ]
ويحرم من النكاح بالمك ما يحرم من النكاح في النسب والصهر
والرضاع والجمع بين الأختين ذوات البعولة فهذا كله حرام وأحل لكم ما ملكت أيمانكم بالمك ولو لم يكن نكاح إذا كن ذوات بعولة إجماعاً.
مسألة
[ نكاح المسبية ]
وقد اجتمع المسلمون أنها إذا سبيت مشركة وصارت ملكاً للمسلم
حلال له نكاحها بعد أن تعتد ولو كانت تحت بعل في الشرك لأن العصمة
قد انقطعت بينها وبين زوجها فلذلك صار نكاحها بملك اليمين للمسلم وذلك بعد إسلامها.
مسألة
[ عدم جواز الجمع بين الأختين ]
ولا يحل الجمع بين النساء من ذوات المحارم من النسب والرضاع لمعنى
تحريم الجمع بين الأختين ولمعنى تحريم أمهات نسائكم وربائبكم فلما صح
هذا حجر الجمع بين ذوات المحارم كما لا يجوز تزويجهن بالدلالة
من الكتاب على الشبهة.
مسألة
[ تجاوز الحد يوجب العقوبة ]
ثم قال الله تعالى: { وأحل لكم ما وارء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } (4)
والإحصان هو التزويج بما أحله الله مما عدا ما حجره بالملك والنكاح وأما السفاح فما عدا النكاح والملك باليمين والنكاح مما حله الله وهو الزنى وقد توعد الله عليه الحد في الدنيا والوعيد في العقبى.
مسألة
[ تحريم الهبة في النكاح ]
__________
(1) 1- سورة النساء آية 25 .
(2) 2- سورة النساء آية 23 .
(3) 3- سورة النساء آية 148 .
(4) 1- سورة النساء آية 24 . (2/86)
صفحة 246
وقد حرم الله الهبة للفروج من الحرائر إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - في امرأة واحدة لا
نعلم غيرها وإنما كان ينكح بالولي والشهود والصداق.
مسألة
[ أهمية الولي في الزواج ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في
أزواجهم } (1) قلنا هي أن الفريضة إذن الولي في التزويج أو تزويجه بنفسه بحضرة الشهود والزوج أو من ينوب منابه أو من يتزوج عليه ويقبل ذلك له ولا فريضة للمرأة من الصداق وأقل الشهود شاهدين ذواي إقرار وأقله في ذلك رجلان أو رجل وامرأتان على الأصح.
مسألة
[ رضى المرأة في النكاح ]
ولا ينعقد النكاح إلا برضى المرأة الحرة البالغة بعد إيقاع العقد عليها على الأصح وقبله ففيه الاختلاف إذا غيرته بعد العقد ولم تثبته.
مسألة
[ لا بد من شاهدين معاً ]
ولا يجوز التزويج بشاهدين واحد بعد واحد حتى يجتمعا مع العقد
وقال بعض المسلمين جائز ما لم يجز شهادة الواحد.
مسألة
[ الأربع اللواتي يجوز بهن الزوج ]
والأربع اللواتي لا يجوز التزويج إلا بهن تزويج من ولي أو عن إذنه أو
متزوج أو بإذنه واللفظ ينعقد به التزويج وحضرة الشاهدين على الاجتماع
لا على الأرجح وعلى الانفراد على الاختلاف ولا يجوز هبة الفرج نفسه ولا مملوكة.
وأما إذا صار له ملك المملوكة بوجه يصح به الملك وكانت خارجة من جملة ما حرم الله عليه نكاحه من النساء فحلال له نكاحها بعد الاستبراء لفرجها بما يجب عليه من الاسبتراء إجماعاً.
مسألة
[ النكاح بعوض ]
وما صح إيقاع النكاح على غير عوض فلا تثبت أحكامه إلا ثبوت
العوض فإن طلق قبل الجواز وجب عليه العوض بالمتعة وإن وطئ قبل
الاتفاق على الفريضة تثبت عليه العوض في الإجماع وإن واختلفوا فيما
يثبت من العوض.
مسألة
[ ثبوت العوض بالميراث ]
وأما إذا مات ثبت العوض بالميراث في الإجماع واختلفوا في العوض
بعد الميراث وإن ماتت هي فلا عوض لورثتها وللزوج الميراث إجماعاً.
__________
(1) 1- سورة الأحزاب آية 50 . (2/87)
صفحة 247
مسألة
[ استباحة الفروج بكلمة الله ]
وجاء الأثر المجتمع عليه أن الفروج مباحة مطلقة بالنكاح الحلال والملك
الثابت ما لم يعلم الراكب لها حرمتها بوجه مما حرمه الله في كتابه أو من إجماع المسلمين لأن الله تعالى حرم ما حرم وأحل ما أحل بالصفة من
النسب أو الرضاع أو الصهر وذوات البعولة.
مسألة
[ تفسير وأحل لكم ما وراء ذلكم ]
ثم قال: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } (1) بالنكاح والملك لا بسواهما
من زنا وسفاح وغصب ولا يجوز ذلك في محظور ولا مطلق بالنكاح والملك أبداً والمرتكب للمحرم بالملك والنكاح بالزنا والسفاح مرتكب للحجرين محرمين لأنه ركب محظوراً بغير نكاح ولا ملك على العمد والعلم.
مسألة
[ الزنى بالمحارم ]
والزاني بذات محرم على العمد والعلم فحده غرب الحسام اللهذم(2) ولو
جهل ما يلزمه في ذلك إجماعاً محصناً كان أو بكراً.
مسألة
[ عدم جواز نكاح ذات محرم ]
وكذلك لا يجوز تزويج ذات محرم منه مما يجتمع عليه فإن فعل وجاز
بعد علمه بأنها ذات محرم منه من صهر أو نسب أو رضاع جهل الحرمة أو علمها إذا عرف الأصل فوطأ فحده القتل إجماعاً.
مسألة
[ حكمه إذا لم يباشر ]
وإن لم يباشر ولا مس الإست ولا نظر إليه فبنفس العقل يكن ظالماً هالكاً وعليه التوبة على إقدامه لما هو محجور عليه ارتكابه فإذا علم الزوج والعاقد والشاهد والمرأة بأصل ذلك فركبوه بعلمهم بأصله هلكوا معاً ولو لم يدخل
بها إذا رضيت بعلاً.
مسألة
[ لا يعذر الجاهل بالجهل بالعقد ]
فلما أن كان العقد لا يحل في دين الله على ذات محرم جهل العاقد
__________
(1) 1- سورة النساء آية 24 .
(2) 2- عقوبته القتل عموماً، أعزب أم محصن. لأن هنا عقوبة تعزيرية وليست فقط
حدية. فالزنى عقوبته حدية، والمحارم تعزيرية. (2/88)
صفحة 248
الحرمة أو علمها فالجاهل والعالم إذا عرفوا الأصل سيان فكل ذلك جائز بائر والعالم أشد وأعظم حرمة وإثماً إذا ركب الجوب بعلم(1) .
مسألة
[ عدم معرفة أصل النسب ]
وإن غاب عنه أصل النسب الذي يحرم به النكاح من زوج أو مزوج أو
زوجة أو شهود فدخلوا في عقد صحيح في دين الله فيما ظهر لهم أو جهل ذلك بعض الداخلين وعلم بعض فلا يضر من جهل علم العالم وكل
مسؤول عن علمه وهالك بجهله لما لا يسعه جهله.
مسألة
[ اختلاف الظاهر عن الحقيقة ]
وكل راكب مباحاً في الظاهر وعزب عليه علمه أنه حلال أصلاً فوافق
حلالاً لموضع ما غاب عنه من علم ما تجب به الحرمة فهو سالم محق لأنه
وافق المباح لأن علم ذلك مما يسعه جهله ما لم يركبه بعد علمه بالأصل
الذي يجب به التحريم أو يبرأوا من العلماء فإذا برؤا من راكبه أو يقف عنهم برأي أو بدين فإذا فعل أحد ذلك هلك ووجب عليه السؤال وكان كل من عبر له علم ذلك حجة عليه.
مسألة
[ من لم تبلغه الحجة من المسلمين ]
وما لم يقف على الأصل ذلك ولم تبلغه الحجة به من علماء المسلمين
الذين تقوم بهم الحجة فيما يسعه جهله فلا دينونة عليه في السؤال عن شيء
من ذلك مجملاً ومفسراً إلا ما يلزمه الدينونة بالسؤال عنه من أمر دينه
فيعتقد السؤال في جملته من جميع ما يلزمه السؤال عنه كما كان إقراره
بالجملة إقرار الجميع دين الله وكما كان إن علمه بما يلزمه في الجملة علماً
منه بجميع دين الله ما لم يلزمه الانتهاء أو فعل لشيء بعينه فيضيعه فهالك
بخصة السؤال عنه بعينه ديناً.
مسألة
[ من جمع بين المحارم دون علم ]
ولو رأى مثل محمد بن محبوب أو موسى بن علي رحمهما الله رجلاً
__________
(1) 1- لا يعذر الجاهل في دار الإسلام بالجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة إلا
في حالات معينة ذكرها العلماء مثل إسلام جديد، أو مجنون فأفاق أو منقطع في
صحراء لا عامر حوله ولا يعرف شيء . (2/89)
صفحة 249
جمع بين امرأة وأمها أو ابنتها بعقدة واحدة وأقام عندهن وهو لا يتولاه أو وقف عنه لم تسعه البراءة منه ولا الوقوف عنه على ذلك حتى يعلم أنه عالم بنسبهن.
مسألة
[ البراءة من جمع بين المحارم ]
فإذا علم أنه عالم بالنسب الذي تقع به الحرمة في ذلك فهنالك قد لزمته
البراءة منه(1) كان له من قبل عنده ولاية أصلاً.
مسألة
[ المتبرئ بغير حجة ]
ولو أن موسى بن علي ومحمد بن محبوب رحمهما الله تعالى حين
عاين راكباً ولكن بريا منه أنه مرتكب لما حرمه الله عليه في علمه كانا قد
ارتكبا كبيرة ولو كان الراكب في علم الله أنه تعمد لركوب محجور لكان الراكب هالكاً على الإقدام على ما لا يحل له والمتبري منه هالكاً إذا تبرأ منه بغير حجة وكذلك إن وقف عنه.
مسألة
[ من جمع بين المرأة وابنتها دون علم ]
ولو أن موسى بن علي ومحمد بن محبوب لما عاينا ذلك من راكبه أعلمه
أنه جامع بين امرأة وابنتها فلم يصدق فيما رفع له وأقام على نكاحهن وهو
ممن يعلم منزلة موسى بن علي ومحمد بن محبوب إلا أنه لم يلتزم الحجة
بشهادة عدل واحد ما جاز له ولا لأحد أن يقف عن ولايته ولا يبرأ منه وإن فعل ذلك بدين هلك.
مسألة
[ عدد الشهود الذي يثبت بهم الحكم ]
وأما إن اعترف بعلمه الأصل وجهل الحكم فيه فهنالك تجب البراءة منه
من صح معه إقراره وإنما تقوم الحجة في مثل هذا بشهادة عدلين من
المسلمين ولو كانا في المنزلة دون محمد وموسى.
مسألة
[ حكم من وطء أمه أو أخته ]
ولو رآه يطأ أمّه أو أخته ولم يعلم أن ذلك نكاح أو سفاح علم بالنسب أو جهل ما جاز له أن يقف عن ولايته أو يبرأ منه حتى يعلم أنه يأتي ذلك بعلم منه بالنسب فإذ علم ذلك فقد قامت عليه الحجة بارتكابه المحجور وواسع جهل كفره ما لم يركبه أو يتول راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برؤا من راكبه برأي أو بدين في جميع المناكح.
مسألة
[ البراءة ممن يجهل حكم الزنا ]
__________
(1) 1- الصحيح : إن كان له من قبل . (2/90)
صفحة 250
ولو عاينه يباشر امرأة في الطريق أو في غير منزله واسترابه عزب عليه
علم المرأة أنها زوجته أو أمته عارف بالمرأة أو جاهل باسمها أو عينها جاز له الوقوف عنه ولا البراءة منه حتى يعلم منه أنه يأتي ذلك بغير تزويج ولا ملك فإذا صح معه علم ذلك حرمت عليه ولايته بالدين فما لم يتوله بدين أو يبرأ
من العلماء أو برؤا منه بدين أو يقف عنهم برأي أو بدين فهو سالم.
مسألة
[ جهل الزنى ]
وكذلك لو جهل الزنا ومعرفة حرمته مما يسع الناس جهله ما لم يركبوه
ويتولوا راكبه على علم منهم بأصله الذي يوقف على علم حرمته أو يبرأ من العلماء إذا برؤا من راكبه أو تقف عنهم برأي أو بدين بعد علمهم بأصله
ولو كان الزاني مرتكباً في علم اللّه محجوراً وعاين ذلك من لا يعرف
كيفية ركوبه بتزويج أو ملكاً أو بغير تزويج ما وسع العالم منه من ذلك أن يبرأ منه ولا يقف عنه بدين كان الراكب عالماً أو ضعيفاً.
مسألة
[ إتيان ذوات المحارم ]
وأما إذا علم أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك وجهل الواقف الحكم فيه فهنالك لم تسعه ولايته بدين ولا البراءة من العلماء إذا برؤا منه بذلك.
مسألة
[ علم العالم بزنى الزاني ]
وكذلك إذا كان ذلك الفرج من ذوات المحارم وصح معه أنه عالم به أنه
من ذوات محارمه لم تسعه ولايته ديناً ولو لم يعلم أنه يأتيه بغير نكاح ولا
ملك لأن النكاح هنا وعدمه سيان.
مسألة
[ حكم البراءة ]
وإذا علم العالم بزني الزاني أن يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ثم سمع
من يبري منه على ذلك من العلماء ولو لم يعلم أنهم عالمون كعلمه جاهلون
فيه أو لا يعلمون علمه هو فيه فإذا لم يعلم أنهم جاهلون بذلك منه فبرؤا منه على ذلك فليس له أن ينكر على المتبري منه تلك البراءة ولو كان وليّاً له لأنه يحتمله أنهم عالمون منه كعلمه.
مسألة
[ حكم البراءة ]
ولو برءوا منه على ذلك وهم لا يعلمون أنه يأتي ذلك بنكاح أو ملك (2/91)
صفحة 251
وليسوا هما وقد عاين منه هو ذلك وعلم أصل ما يأتي فعليه ولايتهم ولا
يقف عنهم برأي ولا بدين إذا كانوا علماء وخانوا الله إذا برؤا نه بغير علم.
مسألة
[ ما تجب به البراءة ]
وإن وقف عنهم أو برأ منهم وقد علم هو أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا
ملك ولم يعلم أيعلمون مثل علمه أصلاً فهم مأمونون على ذلك لأنه يمكن
أن يعلموا منه مثل ما علم وقد صح معه هو ما تجب به البراءة منه وقد قامت عليه الحجة بعلمه ذلك لأنه مخلوع عنده فيما يدين به ولا حجة على من
علم كعلمه.
مسألة
[ متى تجب البراءة ]
وليس له هو إذا علم أنه يأتي ذلك حراماً بغير نكاح ولا ملك أن يبرأ منه
مع علم أنه يتولاه أو ممن ادعى ولايته ممن يمكن أنه تولاه بحق فليس له أن
يبرأ منه معه ولو علم أنهم قد علموا منه ما علمه هو حتى يعلم أنهم علموا
أنه يأتي ذلك بغير حجة فهنالك يجوز له أن يبرأ منه معهم.
مسألة
[ الأصل الذي تجب به البراءة ]
فإن برأ منه على غير ما ذكرن هلك حتى يعلم أنهم قد علموا منه معاينة الركوب وعلم منه الأصل الذي تجب به البراءة.
مسألة
[ البراءة بغير حق ]
وكذلك إن علم أن المتبرين منه الواقفين على معاينة الركوب غير عالمين
بأصل الحرمة التي بها يجب الكفر لم يسعه أن يتولاهم على ذلك بدين
كانوا علماء أو ضعفاء أو جهالاً لأنهم إذا برؤا منه بوقوفهم على ارتكابه لما
لا يعلمون حجره بعلم ممن علم ذلك منه وبحرمته فقد علم أنهم أتوا
محجوراً في الأصل وكفروا ولا يسعه أن يحملهم على علمه فيما لا حجة
لهم فيه إذ قد علم أنهم انخلعوا في دين الله ببراءتهم منه بغير حق.
مسألة
[ عدم علمه بما يأتي به أنه بلا نكاح ]
وإن كان هو غير عالم بأنه يأتي ذلك بلا نكاح ولا ملك أو بهما وجهل (2/92)
صفحة 252
ذلك ثم عاين منه ذلك وعاينه معه غيره من أولياءه الذين يتولاه المعاين من العلماء والضعفاء من المسلمين أو ممن يستحق معه ولاية فعاينوه معاً وهو لا يعلم أنه يأتي ذلك حراماً فلا يجوز له البراءة على ذلك فإن برأ منه أولياءه والراكب وليّاً له أو قد علموا أنه يتولاه أو ممن تجب ولايته على أهل الدار
فعليه أن يبرأ منهم لأنهم حكموا فيه بغير حجة ولأنهم أتوا محجوراً في
الظاهر الأمر مع من يتولاه.
مسألة
[ الشهادة بعد البراءة ]
ولو شهدوا عليه بعد أن برئ وهم مائة ألف أو يزيدون أنه أتى ذلك غير
محق ما جاز له قبول شهادتهم إذ هم مع من يتولاه قد انخلعوا ولو كانوا
في علم الله من الصادقين لكانوا في دين الله من الفاسقين لأنهم حكموا لأنفسهم بدعواهم بغير حجة لأنه مؤتمن عليه.
مسألة
[ إكراه المرأة ]
وأما إن عاين ذلك منه على وجه المكابرة والقسر للفرج على المرأة وهي
تنكر عليه وتمتنع منه وتدعي عليه أنه يأتي ذلك بغير حجة وعزب عليه هو
علم صدقها من عينها فقد قامت عليه الحجة بإظهار النكير منها عليه إذا
كانت مما لها النكير.
مسألة
[ إذا لم يعلم كذب المدعي من صدقه ]
فإذا كان لم يعلم كذب المدعي من صدقه ولم يوضح وليه على ذلك
حجة أو بينة بعد قيام الحجة عليه من المرأة فقد أتى محجوراً وعليه البراءة
منه حتى يوضح له عذراً يخرجه من البراءة.
مسألة
[ عدم عودته إلى ما أنكر عليه ]
فإن انتهى بعد قيامها بالحجة عليه ولم يعد إلى ما حظر عليه إلا ما سبق
قبل النكير عليه فلا يكفر عنه من عاينه.
مسألة
[ المانعة دون الادعاء ]
وأما إن مانعته ودافعته ولم تنكر عليه ولم تدعي أنه غير محق في مكابرته
لها لم تقم عليه بذلك الحجة لأنه يحتمل أن تمنعه حقه من زوجة أو جارية.
مسألة
[ ادعى أنها زوجته وأنكرت ]
وإذا ادعى أنها عرسه أو قينته وأنكرت واقتسرها فباشر ولم تطلب منه (2/93)
صفحة 253
الحجة ممن حضرها ممن تقوم به الحجة كان محجوجاً وباشر محجوراً وما كان يدعي دعوى يحتمل الحق والباطل من زوجة أو ملك فلا تصح منه البراءة على الإجماع وإنما تحتمل ولايته والبراءة والوقوف عنه إذ مجهول أمره.
وأما إذا قامت عليه الحجة وامتنع عن الإفاءة لما يجب عليه مع القائمين عليه بالحجة ولو قامت عليه الحجة من ذي الكتابيين أو من موحد هلك في حكم الظاهر وإن كان في سريرته محقّاً.
مسألة
[ إذا قامت عليه الحجة من قاصر ]
وإن قامت عليه الحجة من غير متعبد من صبي أو ذي جنة أو غيرهما ولم
تقم عليه الحجة من إنكار المرأة لم يكن محجوجاً ولا هالكاً في الظاهر
وكان على حالته الأولى معنا من ولاية أو براءة أو وقوف.
مسألة
[ إن احتمل الأمر فاختلف في البراءة ]
وإذا ركب محجوراً في الظاهر مما لا يكون فيه مؤتمناً ويكون محجوجاً
في أصل ما ارتكب واحتمل صدقه وكذبه لحقه الاختلاف من الولاية والبراءة أو وقوف بمنزلة القتل المحجور والأموال المحجورة للتي يحتمل فيها الحق والباطل.
مسألة
[ ادعت القسر وادعى المطاوعة ]
وإذا رآه يباشر فرجاً من امرأة طوعاً حين المباشرة ثم ادعت القسر منه بعد
ذلك كانت مدعية للاقتسار بعد المطاوعة في حكم الظاهر ولا يلحق لها
حكم الصداق مع المعاين منه ذلك.
مسألة
[ الوطء بالإكراه ]
فإن وطأها بعد أن أنكرت عليه هلك بالوطء المستأنف لا الأول ولو كان
عند الله من الصادقين.
فصل في القذف(1) :
مسألة
[ حكم القاذف ]
__________
(1) 1- القذف : في اللغة الرمي. قال تعالى : { قل إن ربي يقذف بالحق علام
الغيوب } سورة سبأ آية 48. وقال : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه }
الأنبياء آية 18.
والقذف بمعنى القيء. وقذف المحصنات : سبها.
في الشرع : نسبة آدمي مكلف غيره حراً عفيفاً مسلماً بالغاً أو صغيرة تطيق
الوطء بالزنا أو قطع نسب مسلم. الحدود لابن عرفة ص 497 .
أو نسبة من أحصن إلى الزنا صريحاً أو دلالة» البناية على الهداية 5/674. (2/94)
صفحة 254
ومن قذف بالغاً من الرجال والنساء بالزنى كفر بذلك ولم يكن المقذوف
وليّاً فالقذف لأهل القبلة من أهل القبلة محجور حراماً إجماعاً ومن قذف
بالغاً محصناً حراً من أهل القبلة هلك مع من قدفه معه إلا العالم فيه كعلمه.
مسألة
[ قذف العبيد ]
وأما قذف العبيد من أهل الإقرار مع ذوي الإقرار فمختلف فيه قول أنه
يبرأ منه فوراً وقول حتى يستتاب فإن تاب وإلا برء منه.
مسألة
[ قذف موحد مجهول ]
ومن قذف موحداً مجهولاً بمكفرة غير الزنا مما يمكن صدقه وأفتوه في
ذلك ولا يعلم القاذف معه صدقه من كذبه فقول أن ذلك من الصغائر ويستتاب منه فإن تاب وإلا برئ منه لأنه أقدم على البراءة ممن لم يصح مع القاذف كفره ومعه محجور عليه الإطلاق بالبراءة منه ولا القذف مع من
لم يصح كفره معه أعني مع المتبرئ منه والقاذف له بالكفر وإنما تطلق البراءة والقذف مع من علم كعلمه في المقذوف.
مسألة
[ حكم ولاية المقذوف ]
وإذا لم تجب ولاية المقذوف على أرباب الدار في حينه ذلك كافة ولا
يسع جهل ولايته في ذلك الموضع الذي قذفه فيه أو برئ منه فلا تبعة على القاذف والمتبرئ إلا أن يعلم القاذف والمتبرئ أن الذي يبرأ منه معه أو يقذفه يتولى المقذوف والمتبرئ منه فإذا علم ذلك هلك.
وليس لمن سمعه من الجاهلين لذلك أن يتولوه إذا سمعه يقذف وليه
بالكفر أو يبرؤا منه وقد تولاه محقاً إذا علم ما يجب به كفر القاذف وهو يكون محكوماً على أهل الدار بولاية المقذوف في ذلك أو يعلم أنه يتولاه
ولم يكن محكوماً على أهل الدار بولاية المقذوف أو المتبرئ منه.
مسألة
[ في القذف ]
فإذا وقف الجاهل على أصل ما يكفر به القاذف من الأحكام للتي بها
يهلك القاذف في الإسلام لم يتسع الجاهل ولايته وكان هالكاً في علانيته
وإن كان محقاً في سريرته.
مسألة
[ من خلع الإسلام من رقبته ]
وكل من نزل منزلة ينخلع بها عن الإسلام في دين الله الظاهر فهو عند (2/95)
صفحة 255
الله في دينه كافر في حكم العلانية والسرائر ولا يكون كافر العلانية مؤمن السريرة ولا كاذب العلانية صادق السريرة هذا من المحال.
مسألة
[ أحكام التعبد ثابتة لجميع الأحوال ]
وسيان جهل ذلك من وجب عليه التعبد به فأحكام الله لا تتبدل بجهل
الجاهل ولا بعلم العالم وإذا حرمت على الجاهل ولاية المحدث بوجه فقد
هلك المحدث.
مسألة
[ متولي القاذف ]
والقاذف من المسلمين ذوي الولاية القائمين بما يدينون ولو كانوا
مخالفين في غير ذلك من الحق في سرائرهم مع من يتولاهم بوجه حق
محجوج والمتولى بالبراءة من بري وليه ذلك معه المتبري من ولي مع من
يتولاه ولو كان المتولي له فاسقاً ينتهك ما يدين بتحريمه.
مسألة
[ إذا كان المتولي مرجي أو رافضي ]
ولو كان المتولي مرجيا(1) أو رافضيا(2) وكان قد تولى محق في الظاهر
بوجه يسعه في دين الله ولايته والقاذف لوليّه ذلك على هذه الصفة من أهل النفاق ولو كان في علم الله في دعواه من الصادقين.
مسألة
[ المتولي لآخر بالجهل ]
وإذا علم القاذف والمتبرئ من هذا الذي يتولاه هذا المتولي أنه تولاه بغير
حق بعلم أو بجهل بدين أو برأي فلا حجة لمبطل وليست تلك ولاية وعلى المتولي لذلك المتولى التوبة من ولايته تلك وإذا قذف العبد من أهل الإقرار
من ذوي الإقرار ففيه الاختلاف قول يبرئ منه من جنسه وقول يستتاب فإن تاب وإلا برئ منه.
مسألة
[ قذف الحر أو العبد ]
وإذا قذف الحر أو العبد الحر أو العبد من أهل الولاية بالزنا هلك مع من
__________
(1) 1- مرجي : نسبة إلى المرجئة. وهم الذين يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب.
(2) 2- رافضي : هي فرقة من الشيعة سميت بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي بن
الحسن بن علي رضي الله عنهم لما سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما فأثنى عليهما خيراً وقال : ما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيراً وقد كانا
وزيري جدي. فلما انصرفوا عنه، لذلك قال لهم : رفضتموني، فأطلق عليه
من ذلك الوقت اسم الرافضة. (2/96)
صفحة 256
يتولاه إجماعاً إذا اتضحت له ولايته أو كانت واجبة على أهل الدار في حينه.
مسألة
[ الحر أو العبد بقذف الحر أو العبد الكافر ]
وإذا قذف العبد والحر من أهل الإقرار العبد أو الحر من أهل الشرك فقيل:
يبرأ من حينه، قيل: يستتاب فإن تاب وإلا برئ منه وأرضى أهل الإقرار هم أهل الإقرار حتى يتضح من أحد منهم الإنكار ويحل قذفهم والقاذف لهم
مع نفسه من أهل الدار مخطئ وعليه التوبة منه بعينه.
وأما إذا سمع من يقذفه ولا يعرف أهو موحد أم جاحد أم حرّ أم ذوا رق
فلا يحكم عليه بحكم الكفار حتى يتضح له علمه لاحتمال المقذوف أن
يكون ذا رق أو نصرانياً أو يهودياً أو سائر ملل أهل الشرك ولا يحكم على غيره في مثله كما يحكم على نفسه من الكفر إذا احتمل له مخرج حتى
يصح اضطراره ويدخل في مجتمع عليه.
مسألة
[ قذف الصبيان من أهل الولاية ]
وإذا قذف الصبيان من أولاد أهل الولاية كفر فوراً إذا اتضح له علم ذلك
أو كانت ولاية آباءهم واجبة على أرباب أهل الدار كان الصبي حراً أو عبداً
إذا وجبت ولايته من قبل أبيه وأما أمه ففي ذلك اختلاف فقول : تثبت
ولايته بولاية أمه كما ثبتت بولاية أبيه وقول لا تثبت ولايته بولاية أمه ولا يحمل حكم المختلف فيه على حكم المجتمع عليه وولاية الصبي بولاية أبيه
مجتمع عليها.
مسألة
[ من قذف صبياً بالزنا ]
وأما قاذف الصبي بالزنا إذا لم يكن له ولاية من قبل أبيه وكان من أولاد
أهل الإقرار ففيه اختلاف قول أنه يكفر بذلك من حينه لأنه كاذب لا محالة وقول حتى يصبر على ذلك والأول أصح.
مسألة
[ قذف أهل الإقرار ]
وأما قذف أهل الإقرار بالزنا مع العبيد من أهل الإقرار ومع الأحرار
البالغين من أهل الإقرار مما لا يعلم المقذوف معه كعلم القاذف ولو كان
صادقاً في سريرته فإنه بذلك كاذب مخلوع في العلانية حتى يتوب.
مسألة
[ ولاية المتولي للمتولى تحتمل الحق ]
وإذا كانت ولاية المتولي للمتولى تحتمل الحق فعلم بذلك المتبرئ (2/97)
صفحة 257
والقاذف أو ادعى ذلك المتولي مع المتبرئ أو القاذف فالحجة حجة المتولي والقول قوله والقاذف والمتبرئ محجوج مخلوع.
مسألة
[ المتولي للمتولى بغير حق ]
إلا أن يصح مع المتبري والقاذف أن المتولي هالك بولاية المتولى أو متولياً
له بغير حق على ما يجوز منه البراءة فالولاية باطلة فبرئ منه ولم يقذفه
بالكفر بعلم من المتولي من ركوب المحدث لذلك الحدث فإذا علم ذلك لم
يكن للمتولي حجة عليه فيما بينه وبين الله.
مسألة
[ الإقرار حجة ]
وكلما كان فيه أهل الإسلام من أهل العدل كان فيه جميع من يدين
بالإقرار حجة.
مسألة
[ عدم اختلاف الأحكام باختلاف الأحوال ]
وكلما كان فيه أهل الخلاف من أهل الإقرار مدعين في الأحكام فأهل
العدل في ذلك مثلهم من جميع أهل الإسلام وكذلك الشهادة فالمدع مدع والحاكم حاكم والشاهد شاهد من جميع الخلق ولا تختلف الأحكام في
دين أهل الإسلام.
مسألة
[ المدعي لا يحكم لنفسه ]
فإذا لم يكن للمتولي مخرج من مخارج الحق وكان دعواه في الأحكام
باطلاً كان محجوجاً ولا حجة له فيما ادعاه لأن من نزل منزلة المدعي
فليس له أن يحكم لنفسه فيما ادعاه على المدعى عليه.
مسألة
[ لا يضر جهل جاهل ولا يتبدل الحكم لعلم عالم ]
فإذا نزل المحدث منزلة لا يختلف في كفره مع من نزل عنده من
المتعبدين فهو في دين الله محدث ولو جهل الجاهل منزلة ما به كفر
من المقربين بحجز ذلك كله فلا يضر جهل الجاهل ولا يتبدل حكم
لعلم عالم.
مسألة
[ لا تختلف الحجج لاختلاف الأحوال ]
ومن كان في شيء حجة فهو في دين الله حجة كان عالماً أو جاهلاً
مؤمناً أو كافراً ومثله الشاهد فلا تتحول لحجج الله لتتحول عباده ولو كان ذلك كذلك لفسدت الأرض ولا اختلفت الأحكام.
مسألة
[ قذف أهل الذمة ]
وأما إذا كان القذف مع أهل الذمة من لا يدين بتحريم ذلك أو مع من لم
يتعبد كالصبيان وذوي الجنة(1) وكان القاذف صادقاً في سريرته فلا يكفر
__________
(1) 1- الصحيح - الحنة - أي العداوة . (2/98)
صفحة 258
بذلك ولا ينزل منزلة يتخلع بها عن الإسلام مع المحرمين لذلك ولا هو
كاذب فيكفره كذبه وإنما يكفر بالقذف معنا مع من يدين بتحريمه من أهل الإقرار ولو لم يكن المقذوف عنده يعلم حرمته إلا أنه يدين بتحريمه.
النهج الخامس
في أسماء الله الحسنى(1)
مسألة
[ من أين أخذ اسم الله ]
يقال إن اسم الله مأخوذ من السمو والرفعة وقالت المعتزلة إنه مشتق
من السمة وهي العلامة فالاسم صفة الشيء والصفة ظهوره والاسم للنطق والصفة للنظر والاسم للسان والصفة للنفس.
مسألة
[ الاسم عبارة عن صفة الله ]
عن أبي محمد قال الاسم عبارة عن صفة الله وهو من المتكلم أنه
محدث وكذلك صفة الواصف وهي محدثة المعني بصفته هو الموصوف
وهي لم يزل وهو الله وصفاته الذاتية فعلية والاسم والصفة إنما هو عبارة عن ذكر المسمّى والموصوف.
مسألة
[ أقسام أسماء الله الحسنى ]
فمن أسماء الله تعالى ما هي أسماء ليست بصفات ومنها صفات ليست
بأسماء ومنها ما هي أسماء وصفات فاللاتي أسماء مخصصة لله الرحمن
فهذان مخصوصان لله تعالى واللاتي صفات ليست اسماً فخالق وبارئ
ومصور وما شاء كل هذا واللاتي تجمع الأمرين الرحيم القدير وما
تشابههما مما خرج عن الفصلين المتقدم ذكرهما .
مسألة
[ أسماء الله على ثلاثة أقسام ]
فأسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام فمن أسمائه ما يقال هي هو وهي
__________
(1) 1- أسماء الله الحسنى : وردت آيات في أسماء الله الحسنى منها :
1- ما جاء في سورة الأعراف : قال تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه
بها... } 180 .
2- ما جاء في سورة الإسراء آية 110 . قال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا
الرحمن أيامَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى } .
3- ما جاء في سورة طه آية 8 { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } .
4- ما جاء في سورة الحشر آية 24 { هو الله الخالق البادئ المصور له الأسماء
الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } . (2/99)
صفحة 259
كلمات دلت التسمية به على وجوده ومن أسمائه ما يقال أنها غيره وهي كلمات دلت التسمية على فعل كالخالق والرازق ومنها ما لا يقال هي هو ولا هي غيره وهي كلمات دلت التسمية به على صفة قديمة كالعالم والقادر.
مسألة
[ الخلاف في أسماء الله ]
فإن قيل : إن أسماء الله تعالى قديمة أم محدثة قال الشيخ أبو محمد
أنها محدثة فإن قيل أكان الله والاسم له قال فإن عنيت موجودا أحدث
الأسماء فنعم وإن عنيت بأنه تعالى كان الاسم فلا. لم يزل الله له الأسماء
الحسنى لا يحصيها غيره ولو صح هذا لصح معه غيره.
مسألة
[ أعلم الله الخلق كيف يسمونه ]
قال المؤلف إن الله لم يزل قبل كل شيء ولم يزل بصفاته الذاتية فلما أن
خلق الخلق أعلمهم كيف يصفونه ويسمونه وهذا فصل بين المعلوم والموجود.
مسألة
[ صفات الله العليا ]
فإن قيل : فإن الله تعالى لم يكن موصوفاً حتى وصفه العباد قلنا : إن
عنيت أنه لم يكن عالماً ولا قادراًَ ولا سميعاً ولا بصيراً حتى وصفه بذلك
العباد فهذا خطأ لأن الله تعالى لم يزل عالماً سميعاً بصيراً حيّاً قادراً وإن
أردت لم يصفه أحد متى خلق الواصفين له فهكذا نقول أنه لم يكن
موصوفاً ولا معبوداً ولا مذكوراً حتى خلق من يصفه ويعبده ويذكره ولم
يزل واصفاً لنفسه في الأزل فلما خلق من يصفه أعلمهم ليصفوه.
مسألة
[ معرفة صفات الذات وأسماء الله ]
معرفة صفات الذات وأسماء الله وصفاته تعالى من ذاته فصفاته الذاتية
قديمة ولا يجوز أن يقال هي هو ولا هي غيره ولا هو غيرها وصفاته الفعلية
هي غيره وهي محدثة والاسم عن صفة عبادة الله وهو من المتكلم به
محدث وهو غير الله والموصوف به قديم ولم يزل الله وصفاته.
مسألة
[ معرفة صفات الذات وأدلتها ]
في معرفة صفة الذات وأدلتها أنه الله تعالى يوصف بها ولا يوصف
بضدها وصفات الفعل يوصف بها وبضدها وصفات الذات نحو قولك لم
يزل عالماً وقادراً وسميعاً ونحوه فهذا لا يجوز أن يوصف بضدها ألا ترى (2/100)
صفحة 260
أنك تقول لم يزل عالماً ولا يجوز أن تقول قد كان غير عالم ثم علم وهكذا جميع صفاته الذاتية وصفات الفعل يوصف بها وبضدها فتقول خلق ولم
ينخلق وتقول خالق وقد كان غير خالق هكذا كل صفاته يعرف بها الفعلية.
مسألة
[ الفرق بين الأسماء الذاتية والفعلية ]
فإن قيل : فما الفرق بين الصفات والأسماء الذاتية والفعلية إذا اشتبهت
قلنا : فأدخل عليها آلة التعريف فإنك تصيب الصفة إن شاء الله تعالى وذلك أنك تقول لم يزل الإله ولم يزل الرب لم يزل الله وهو العالم والخالق
والرازق وغير ذلك من الأسماء والصفات.
أما الله فالأصل هو الإله وألقيت الهمزة فأدغمت إحدى اللامين في
الأخرى فصار المعنى أنه تحق له العبادة ويسعى له والعرب كلما تسمي تحقق
له عبادته إلهاً وقيل أنه اسم سمى الله نفسه على الاختصاص كما قال الله
تعالى : { هل تعلم له سمياً } (1) أي هل تسمع أحداً في الأقطار والبر والبحار
اسمه الله غير الله ويوجد في كتاب الله تعالى في معنى اسم الله أنه الخالق
لكل شيء كما ذكر الشيخ أحمد بن النضر(2) في شعره.
مسألة
[ صفة الإله ]
__________
(1) 1- سورة مريم آية 65 .
(2) 2- أحمد بن النضر هو العلامة أحمد بن سليمان بن عبد الله بن أحمد بن العالم
الكبير الخضر بن سليمان بن النضر - وهو جدهم الذي ينتسبون إليه نشأ في
مدينة سمائل وهو قريبة من مسقط تقع بين مسقط ونزوي. نشأ في الثلث
الأخير من القرن السادس وهو عالم شاعر وقيل في حقه أنه أشعر العلماء وأعلم
الشعراء وقيل أنه يحفظ 40 ألف بيت من الشعر وأكثر شعره في التوحيد والفقه
جمع بعض شعره في الدعائم جمعه الشيخ محمد بن وصاف البزار وشرح
الدعائم في الحل والإصابة، وشرحه أيضاً العالم الفقيه خلف بن أحمد بن عبد الله
بن أحمد... الرقيشي. وتوفي رحمه الله شهيداً على يد الطاغية النبهاني
خردلة الجبار بسمائل لقوله الحق وكان عمره 35 عاماً بسمائل. أنظر إتحاف
الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان ص 299 - 311 . (2/101)
صفحة 261
فإن قيل له : هو إله هل له لمن لم يخلق قيل ليس الإله بمعدي إلى مفعول
إنما الإله من تحق له العبادة فإذا خلق من تجب عليه عبادته قيل : إنه إله له
وهو إله قبل خلق الخلق ولو كان إلهاً لأنه معبود لكان كل معبود واجب أن
يسمى إلهاً والله إله ولو لم يعبده أحداً.
مسألة
[ أهمية الدعاء ]
الدعاء مخ العبادة قد أمر الله به عبادة بقوله تعالى : { ادعوا ربكم
تضرعاً وخفية } (1) تضرعاً أي مستكيناً وخفية في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الآخرة ولا تدعو على مؤمن ولا مؤمنة بالشرك اللهم العنه وأخزه عدواناً إن الله لا يحب المعتدين.
مسألة
[ كيفية الدعاء ]
والناس مختلفون في الدعاء وأجازه بعضهم على الشريطة والتقيد وأبا
ذلك آخرون وقولنا أن يسأل الله العمل على جهة التذلل والتضرع له تعالى ويسأل الله أن يقضي له ما هو خير.
مسألة
[ العزم في الدعاء ]
وينبغي للعبد أن يسأل مولاه على العزم والإلجاج والجد في الطلب
ويقول اللهم يسر لي وأعطني كذا واجعل لي فيه خيراً.
مسألة
[ حكم رفع الصوت في الدعاء ]
وقيل : رفع الصوت في الدعاء اعتداء قال أبو سعيد(2) : رفع اليدين
في الدعاء على غير معنى التحديد لله تعالى إذا فعله فاعل على صدق النية فلا مانع له وليس ذلك مما يوجب التحديد.
مسألة
[ حكم رفع الأيدي في الدعاء ]
إلا على الإرادة بسوء المذهب واستحب أصحابنا ألا يحدث الداعي في
دعائه حالاً من رفع اليدين ولا خفضهما.
مسألة
[ حد رفع اليدين ]
وأما إن رفع يديه بحذا وجهه في الطلب في الدعاء على وجه المبالغة جاز
له ذلك ولا أعلم حجر ذلك وأما على النية(3) التحديد فلا يجوز أبداً والله تعالى يجل أن يحد.
مسألة
[ صيغ بعض الدعاء ]
فإن قيل : هل يجور أن يقول الداعي اللّهم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا عيباً
__________
(1) 1- سورة الأعراف آية 55 .
(2) 1- أبو سعيد : هو أبو سعيد الكدمي .
(3) 2- الصحيح : على نية التحديد ( أي تحديد الجهة وهذا لا يجوز ) . (2/102)
صفحة 262
إلا سترته وأمثال ذلك؟ قال أبو الحسن البسياني رحمه الله : إن هذا هو المطلوب من الله أن يفعله وهل يجوز أن يقول الداعي يا غياثي ولجائي ويا همي ومنائي ويا نوري وضيائي لم أعلم هذا من دعاء المسلمين وأما غياثي ولجائي
فعسى أن يجوز أن يقول أستغيث بك وألتجي بك وأما همي ومنائي ونوري وضيائي فالله أعلم فإن كان معناه بالنور والهداية من الضلالة فلا يبعد جوازه.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز على الإطلاق أن يقول اللّهم لا تعرض عني ويجوز اللّهم يا
عظم(1) الرجا أي يا عظيم المرجو.
مسألة
[ صيغ من الأدعية ]
فإن قيل : هل يجوز في الدعاء يا رب ارض عنا برضاك وتب علينا
بتوبتك، قال الشيخ محمد ابن الحسن(2) : أكره أن يدعو الداعي بذلك
لوعثة لفظة وإن نوى أثبنا بثوابك وارحمنا برحمتك فجائز ذلك.
مسألة
[ صيغ من الأدعية ]
وهل يجوز أن يقال : اللّهم اكفنا ظلمة خلقك قيل : ذلك جائز.
مسألة
[ صيغ مكروهة ]
ويكره أن يقال : اعتمدنا بعد الله على فلان وإنما يقال : اعتمدنا على
فلان بعد توكلنا على الله.
مسألة
[ بعض الأدعية ]
ومن قال : أذهب الله بأصل كذا فإن كان شيئاً قد أهلكه الله فقال على
وجه الإخبار فلا بأس وكذلك إذا دعا على أحد من أعداء الله فلا بأس.
مسألة
[ بعض الصيغ ]
وإن قال : كسح الله بأثر فلان إذا كان ظالماً قال لا أرى ظاهر اللفظ
يصلح وإن نوى هلاكه فلا أراه إثماً.
مسألة
[ بعض الصيغ ]
__________
(1) 1- الصحيح : يا عظيم الرجا .
(2) 2- الشيخ محمد بن الحسن : هو الشيخ العالم الفقيه أبو الحسن محمد بن الحسن
السعالي النزوي، قال بعضهم : إنه خروصي من ولد محمد بن الصلت بن مالك
وأنه بويع بالإمامة سنة 282هـ بعد مقتل بيحرة وبقي القتال بينه وبين جند
المعتضد إلى أن توفي ودفن في الشعثعية من سعال نزوي وقبره معروف. ويعد هذا
الشيخ من شيوخ أبي سعيد الكدمي. أنظر إتحاف الأعيان ص 203 - 204 . (2/103)
صفحة 263
ومن قال : طير الله ولا طيرك يعني فعل اللّه وحكمه لا فعلك قال القرا
الطائر العمل لقوله تعالى : { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } (1) .
مسألة
[ بعض الصيغ ]
فإن قيل : هل يجوز أن يقال اللّهم صل على محمد كما صليت على
ملائكتك؟ قال أبو معاوية : جائز. ويقال : اللهم صل على محمد كما
صليت وسلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
مسألة
[ بعض الأدعية ]
ومن قال : اللهم اخترني أو زدني أو عالني على فلان حتى أنتصر منه أو
ارزقني مال فلان أو زوجته أو ما كان من مثل هذا فلا أرى عليه بأساً إذا
كان نيته بالثمن من الوجه الجائز أو زوجته إن طلقها وأما على الوجه الحسد فلا يجوز الحسد للمسلم وجائز للكافر.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ومن لم يكن ذا سئل فلا يجوز أن يسأل الله أن يرزقه ولداً يحمي ماله
عن وارثه وذلك من كبائر الذنوب.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : اللهم ارحم النار مني فهذا من المحال لأنه لا عقوبة له
عليها وإنما هي عقوبة للظالمين.
مسألة
[ صيغ غير جائزة وصيغ جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : إن حلمك أضر بنا فهذا أيضاً محال لأن حلم الله
عن مسيء إذ عفى عنه ولم يعجل عليه بالعقوبة فلا يكون هذا الحلم ضراً.
ولا يقال: يا من ارتدا بالفخر والكبرياء ويجوز أن يقال اللهم اجعل
القرآن ربيع قلوبنا ومعنى الربيع الغيث الدائم ونيته أن يديم الذكر في قلبه.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «يا مقلب القلوب ثبت قدمي على
طاعتك»(2)
__________
(1) 1- سورة الإسراء آية 13 .
(2) 1- الحديث : عن شهر بن حوشب قال : قلت لأم سلمة، رضي الله عنه، يا أم
المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - إذا كان عندك؟ قالت : كان
أكثر دعائه : «يا مقلب...» رواه الترمذي رقم 3581 باب الدعوات رقم 135
وهناك رواية للإمام مسلم «اللهم مُصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك»
رقم 2654 في القدر، باب تصريف الله تعالى للقلوب كيف شاء. (2/104)
صفحة 264
ولا يجوز أن يقال : يا رب لا تجّر علي ولا تظلمني.
مسألة
[ بعض الصيغ المختلف فيها ]
أبو سعيد رحمه الله تعالى قلت : هل يجوز أن يقال اللهم يا حنان يا
ديان أو يا برهان أو يا سلطان أو يا عاقل؟ قيل : أما حنان ففيه اختلاف فأجازه بعض وأباه آخرون.
وإذا نواه على وجه الرحمة جاز وقيل الحنان هو الرحمن والبرهان هو
الحجة والله ذو الحجة ولا يقال الحجة برهان ولا هو الحجة ولا البرهان وأما السلطان فهو القدرة والله ذو القدرة.
ولا أحب أن يقال لله سلطان ولا برهان ولا يقال يا ذا السلطان ويا ذا البرهان وأما يا عاقل فلا يجوز لأنه من أسماء الخلق.
مسألة
[ صيغة جائزة ]
قال الشيخ أبو أحمد المنذري(1) بن أحمد السري : جائز أن يقال يا
مسهل الأمور.
مسألة
[ جواز الدعاء بالصفات ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله تعالى أن المعين صفة من صفات الله
وجائز أن يدعا بها والله هو المستعان.
مسألة
[ من صيغ الدعاء ]
يوجد عن الشيخ أبي عبد الله في دعائه يقول : يا من هو بكل مكان
وليس المعنى أنه بصورة ولا بجنس ولكن بعلمه في كل مكان.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : يا من احتجب بقدرته عن الناظرين لأن القدرة
ليست هي غيره وليس هو مما يتوارى بالحجب.
مسألة
[ في رؤية الله أو عدم رؤيته سبحانه وتعالى ]
فإن قيل : فما معنى قوله : { وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحياً
أو من وراء حجاب } فإن معناه منع الرؤية وليس من دون الله حجاب يستره.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
وجائز أن يقال: اللهم لا تنسينا ذكرك وجائز يا ديان ومعناه أنه متعبد عباده بدين يعبدونه ويا جائز يا جبار الجبابرة بمعنى الممتنع وهو فوق كل جبار قاهر قيل لا يجوز على الإطلاق. وهل يجوز أن يقال يا أمين فنعم إذا نوى
أنه يؤمن منه الجور ولا يقال أمين لأحد ولا يجوز أن يقال يا من ارتدى
بالفخر والكبرياء.
مسألة
__________
(1) 1- أبو أحمد المنذري بن أحمد السري: لم أعثر له على ترجمة . (2/105)
صفحة 265
[ السؤال بأسمائه الحسنى ]
ولا يجوز أن يقال : رب بحق اسمك الأعظم افعل كذا وكذا وإنما
يسأله بأسمائه لأنه ليس عليه حق ويعني بأسمائه نفسه.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال: يا رب بحقك على نفسك افعل لي كذا ولا
بسمواتك ولا بوجهك ولا بقدرتك ولا بملائكتك وأنبيائك وكعبتك
وجميع خلقك ولا بشيء من الحقوق.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال أسألك بأسمائك ولكن يقول أدعوك بأسمائك ولا
يجوز نحو أسمائك ولا يجوز لحق أسمائك واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : اللهم بقدرتك أو بعزتك وما أشبهه افعل لي كذا
ومثله نحو قدرتك لأنك تجعل قدرته وعزته غيره لأن أسماءه وصفاته الذاتية
لا هي هو ولا هو غيره فإذا قلت : بحق قدرتك فكأنك سألته ببعضه وتجعل
لما سألته بحقه حقاً عليه تعالى الله عن ذلك.
مسألة
[ السؤال بأفعاله سبحانه تعالى ]
واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله وجائز أن يسأله بأسمائه وأن يسأله بصفات
فعله ففيه الاختلاف.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
ولا يجوز أن يسأله بلا إله إلا أنت ولا يجوز لا إله إلا أنت ولا تجوز
شهادة أن لا إله إلا الله يا الله يا رحمن يا رحيم وغير ذلك من الأسماء التي
سما بها نفسه.
مسألة
[ صيغ لا تجوز ]
أبو الحسن البسياني رحمه الله : لا يجوز أن يقال يا ساكن السماء يعني
الله تعالى فلا يوصف بالسكون والنزول في السماء ويجوز هو الله في السماء
إله وفي الأرض إله من غير اعتقاد حلول ولكن هو فيها تدبيره واقتداره.
مسألة
[ صيغ من الدعاء ]
وجائز أن يقال : يا من كل ملكان فيه ملان على وجه العلم والإحاطة
والتدبير لأنه ملان لا فيه جيثة وشخص. (هكذا في الأصل).
مسألة
[ صيغ لا تجوز ]
ولا يجوز أن يقال : الحمد حمداً يهنيه ويحجرني عن معاصيه لأنه تعالى
غني عن التهنية والحمد ممن حمده لا يحجر عن معاصيه وإنما ذلك بتوفيق الله.
مسألة
[ صيغ جائزة ] (2/106)
صفحة 266
وهل يجوز أن يقال : يا طاهر فنعم بمعنى أنه طاهر عن الأشياء لأن
القدوس هو الطاهر والتقديس هو التطهير إذا عرف معنى ذلك.
مسألة
[ بعض أنواع الصيغ ]
وما معنى ما يوجد في الآثار يستحب أن يقال في الصلاة : أشهد أن لله
ما ادعى وأنه يرى ممن يرى؟ فمنهم من أجاز ذلك على معنى أن لله الخلق والأمر وله الحكم كما أجازه وأخبر به في كتابه وبعض من أبا ذلك عزماً وكرهه البعض.
مسألة
[ بعض صيغ الدعاء ]
وجائز أن يقال : يا خير الأصحاب بمعنى أنه حافظ ومدبر وأما على غير
هذا المعنى فلا يجوز قال الشيخ أبو الحسن البسياني رحمه الله : جائز أن
يقال : الحمد لله الذي فضلنا على كثير(1) من عباده المؤمنين وبهذا نطق
كتاب الله في الأثر انظر إلى ما فضلت عليه وأحمد الله.
مسألة
[ ما يقال بعد الصلاة ]
وجائز أن يقال : بعد الصلاة اشهد أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله
رب العالمين(2)، إذا كان على نية التضرع والتذلل لله تعالي لا يعتقد تزكية نفسه ولا يكون على وجه العلم بالتزكية ولا أحب أن نبدي كلام الشهادة.
مسألة
[ ما لا يجوز أن يقال بحق الله ]
ولا يجوز أن يقال : أن الله خلق أرزاق العباد قبل خلقهم وإنما يقال :
علمها قبل خلقهم وجائز أن يوصف الله بأنه لم يزل وهو المتكلم ولا يجوز
أن يقال : الله فوق كل شيء حقيقة لأن ما يوصف بالفوقية بمحدود بمكان
فإن وجد ذلك في كلام الله فمجاز وقوله تعالى : { وهو القاهر فوق
عباده } (3) أي المستولي عليهم والمستعلي.
مسألة
[ من الصيغ بحق الله سبحانه وتعالى ]
__________
(1) 1- جاء هذا على لسان داود وسليمان عليهما السلام : قال تعالى : { ولقد آتينا
داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين }
النمل آية 15 .
(2) 2- عند بعض المذاهب يقال في التوجيه بدل وجهت وجهي. يقال : قل إن صلاتي
ونسكي...» والله أعلم.
(3) 3- سورة الأنعام آية 18 ، 61 . (2/107)
صفحة 267
وهل يجوز أن يقال أن الله حكيم في علمه أو حكيم في حكمه ولطيف
في قدرته فهذا لا يجوز لأنه شبيه الصفة الشيء(1) .
مسألة
[ هل يجوز أن يقال : خير أسماء الله؟ ]
وهل يجوز أن يقال : إن اسم الله خير الأسماء فإن عني أن الله اسماً هو
غيره فلا يجوز.
مسألة
[ بعض صيغ الجواز ]
وجائز أن يقال : بصره في خلقه جائز وعلمه بهم محيط ويجوز القاهر
فوق العباد بعزته ويقال : أنشأ الله الخلق بعزته ويقال : أنشأ الخلق بحكمته وأمضى الأمور بمشيئته.
مسألة
[ بعض صيغ الجواز ]
ويقال جائز أن يقال : المتفرد بالقدرة والملكوت المتوحد بالعزة والجبروت
ويقال جعلك الله في حرزه وستره وعاد عليك بفضله ومنه ويقال : أن الله عدل في قضائه متفضل في عدله له أحسن الأسماء وأشرف المدح ويقال :
الأمر لله ثم لك.
مسألة
[ من خطبة الإمام إبراهيم بن عبد الله الحضرمي ]
ومن خطبة الإمام إبراهيم بن عبد الله الحضرمي(2) رحمه الله : فإن الله
الواحد المستعان ومنها الظاهر والباطن والنائي والمتداني ومنها بأعلام يا
غياث المستغيثين ويا مدرك المستدركين ويا غياث من لا غياث له.
مسألة
[ قول نجاد بن موسى ]
نجاد بن موسى(3) جائز أن يقال: بالله توفيقنا وعليه اعتمادنا وبه عصمتنا وهو حسبنا ونعم الوكيل وأقوى معين وأهدى دليل.
مسألة
[ قول موسى بن نجاد ]
__________
(1) 1- الصحيح : لأنه شبيه لصفة الشيء .
(2) 1- الإمام إبراهيم بن عبد الله الحضرمي : لم أعثر له على ترجمة .
(3) 2- نجاد بن موسى : القاضي نجاد بن موسى بن نجاد بن إبراهيم المنحي قتل يوم
السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة 513هـ وكان قد أخرج
من الرستاق في عزل راشد بن علي سنة 496هـ وآخر مطروداً ليلة 30 من
رمضان سنة 512هـ ودخلها الشيخ أبو سعيد بن الحسن بن زياد في دولة
محمد بن حبيش ومحمد بن غسان. وكان قد عاش 102 سنة ومات في حياته
18 رجلاً من ولده. عن سيرة ابن مداد ص 32 ، 33 . (2/108)
صفحة 268
وعنه أن الله حبا أربعاً في أربع حبا وليه في عباده وحبا رضاه في طاعته
وحب غضبه في معصيته وحب إجابته في دعائه.
مسألة
[ بعض الصيغ ]
وجائز أن يقال : متفرد أو متوحد ولا يقال : المتفرد والمتوحد وليس هذا
من أسمائه تعالى.
مسألة
[ قول : يا ذا القدرة القاهر ]
ومن سيرة أبي علي موسى بن علي(1) رحمه الله من الإمام المهنا بن
جيفر(2) رحمه الله جائز أن يقال : يا ذا القدرة القاهر والعظمة الباهرة التي علت بها كل غالب وأدرك بها كل هارب.
مسألة
[ لا يوصف بالموقن ]
ولا يوصف الله أنه موقن لأن اليقين هو العالم الذي يستدل به العالم بعد
الشك والارتياب فلا يجوز على الله أن يعلم بعد الشك تعالى الله.
مسألة
[ بعض الصيغ التي لا تجوز ]
ولا يقال : أنه مستبصر لأن المستبصر في الشيء هو الذي استبصر فيه
بعد الشك فما لم يجز الشك على الله لم يجز أن يقال مستبصراً.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يقال : إنه متحقق لأنه في معنى مسبتصر وموقن وهذا لا يوصف به
في الشاهد إلا من كان شاكاً في أمر غير متحقق.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يوصف الله بأنه يشعر بالأشياء ولا يفطن لأن من شعر ويفطن
بالأشياء هو الذي لم يكن علمها قبل ذلك والله تعالى لم يزل وهو العالم بالأشياء قبل كونها.
مسألة
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يوصف أنه تحسّن بالأشياء لأن الإحساس أول ما يدرك به علم
الأشياء فلم يجز عليه تعالى استدراك العلم إذا كان لم يزل عالماً لم يجز عليه
هذا الوصف.
مسألة
__________
(1) 1- أبو علي موسى بن علي : سبق له ترجمة .
(2) 2- المهنا بن جيفر : هو المهنا بن جيفر الفجحي اليحمدي الأزدي تولى الإمامة يوم
الجمعة في شهر رجب سنة 226هـ أشتهر بالضبط والحزم وقلة الكلام والعدل
في الرعية له أعمال كثيرة تثبت الحزم والعدل توفي رحمه الله يوم 16 من ربيع
الآخر سنة 237هـ مات والمسلمون عنه راضون وله موالون ومؤازرون .
انظر كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص 260 - 263 . (2/109)
صفحة 269
[ صيغ غير جائزة ]
ولا يجوز أن يقال : بأنه تعالى يعقل ويفهم الأشياء كما يوصف بأنه
يعلمها لأنه من علمنا إنما يسمى عقلاً على التوسع وتشبيهاً بالعقل الذي هو الشك والمنع وعلم الله لا يجوز أن يكون منعاً له.
مسألة
[ لا يجوز أن يوصف بالشم والذوق ]
ولا يجوز أن يوصف بالشم والذوق لأن الشم هو الاستنشاق والجسم
المشموم ودخوله الخياشيم والذوق هو مما يشبه الجسم المذوق باللسان
واللهوة وذلك لا يجوز على الباري تعالى.
مسألة
[ لا يوصف بأنه يحرد ]
ولا يوصف بأنه يحرد(1) ويقنط لأن القنط من الغيظ والحرد غرضان في
الإنسان ولا يوصف بأنه يغتاظ كما يوصف بأنه يغضب لأنه ليس معنى
الغيظ معنى الغضب.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : { يا حسرة على العباد } ]
أما قوله تعالى : { يا حسرة على العباد } (2) أراد أن كفرهم وتكذيبهم
حسرة يوم القيامة وقوله : { فلما آسفونا انتقمنا منهم } (3) أي آسفوا رسلنا وقول غضبونا وذكر الأسف توسفاً.
مسألة
[ لا يوصف بأنه يشتهي الأشياء ]
ولا يوصف الله تعالى أنه يشتهي الأشياء كما يوصف بأنه يحبها
والشهوة ليست من جنس المحبة فالشهوة توقان النفس إلى ما توق إليه
وتوقان المحبة لا يجوز على الله تعالى.
مسألة
[ ولا يوصف بأنه عاشق ]
ولا يوصف بأنه عاشق ووامق كما يوصف بالمحبة لأن المحبة هي لإرادته
والعشق ليست كالإرادة للشيء إنما هو شيء يتعلق بقلب الإنسان والوامق مثله ولا يجوزان على الله ولا يجوز على الله الرقة لأن رقة القلب بدل الغلظة.
مسألة
[ لا يقال بأن الله يهجر المعاصي ]
ولا يقال : إن الله يهجر المعاصي كما يقال : إنه يكرهها لأن هجراننا
للشيء هي إرادة الانقطاع عنه وربما ترك المرء كلام من يهجره وهذا لا
يجوز على الله أن يفعله بالمعاصي ويقال أفضل الهجران ما كره الله.
مسألة
__________
(1) 1- الحرد : الزعل والمقاطعة – المصباح المنير 1/155 .
(2) 1- سورة يس آية 30 .
(3) 2- سورة الزخرف آية 55 . (2/110)
صفحة 270
[ لا يوصف سبحانه بأنه زكي ]
ولا يوصف الله تعالى بأنه زكي لأن الزكي من بلغ حداً لم يكن بلغه قبل
ذلك وهذا لا يجوز على الله.
مسألة
[ لا يوصف بأنه نظيف ]
ولا يوصف بأنه نظيف لأن النظيف هو المغسول وهذا لا يجوز على
الله تعالى.
مسألة
[ لا يوصف بالطاقة ]
ولا يقال بأنه يستطيق كذلك لأن معنى الطاقة الجهد فيما يطيقه الإنسان
ولم يجز أن يوصف الله بذلك.
مسألة
[ لا يقال بأنه يطمئن إلى الملائكة ]
ولا يقال بأنه يطمئن إلى أنبيائه وملائكته ويثق بهم لأن الاطمئنان إلى
الشيء إنما هو بمنزلة السكون إليه وهو ضد النور عنه وهذا لا يجوز على الله تعالى ولا يقال أنه ذخر ولا سند لأن الذخر ما ذخره الإنسان والسند ما سند الإنسان ظهره إليه والله تعالى عن ذلك فإن وجد هذا في صفات الله فمجاز.
مسألة
[ لا يوصف بالخيرية ]
ولا يجوز أن يقال أن الله خير من كذا وكذا فهذا صفة فإن قيل أن الله
خير أفعالا منك فجائز قال الحسن في قوله تعالى : { والله خير وأبقى } (1)
خير منك يا فرعون ثواباً وأبقى عقاباً.
مسألة
[ لا يجوز التفاضل والخيار ]
ولا يجوز أن يقال : كذا وكذا دون الله بمعنى التفاضل والخيار لأن
الخيار لا يقع إلا بين الأجناس ألا ترى أنهم يقولون فلان أحسن من فلان لأنهم جنس وهذا لا يجوز على الله تعالى.
مسألة
[ تفسير آية ]
وأما تفسير قول الله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة } (2)قيل :
اتخذوا عبادة الأصنام ليعتبروا بذلك وهي دون عبادة الله.
مسألة
[ لا يقال كان الله ولا شيء ]
ولا يقال: إن الله حيث كان لا حيث مكان معلوم ولكنه يقال: بكل مكان تدبيره تعالى ولا يقال: كان الله ولا شيء وإنما يقال: لم يزل الله ولا شيء.
مسألة
[ لا يجوز أن ينعت ببعض الصفات ]
ولا يقال: لم فعل الله ربنا كذا لأنه تعالى لا يسأل عما يفعل وهم
يسألون ولا يجوز فيه كان ولا ما ولا أين ولا حيث لأن كل ما يجوز فيه
__________
(1) 1- سورة طه آية 73 .
(2) 1- سورة يس آية 74 . (2/111)
صفحة 271
الأين فهو بمكان والمكان أقوى منه لأن الحامل أقوى من المحمول.
مسألة
[ لا يوصف بالشجاعة ]
ولا يوصف بأنه شجاع لأن الشجاعة إنما هي الجرأة على المكان وإلا
والأمور المخفوفة(1) والله تعالى لأنه لا يجوز أن يخاف شيئاً ولا يحذره.
مسألة
[ لا يوصف بأنه وزير أو مساعد لأحد ]
ولا يوصف بأنه وزير لا مساعد لأحد من خلقه ولا أنهم وزراء له لأن
تأويل الوزير هو أن وازر صاحبه ومعناه الموازرة هو أن كل واحد منهما قد شد إزاره مع صاحبه ليعينه.
مسألة
[ لا يوصف بالسكوت ]
ولا يوصف تعالى بالسكوت والترك على الحقيقة لأن الترك هو كف
النفس عن الفعل الذي يتركه.
مسألة
[ ولا يوصف بأنه حادق ]
ولا يوصف تعالى بأنه حادق(2) لأن الحدق في اللغة القطع يقال سكين
حاذق يراد به دحا(3) وخلّ حاذق شديد الحموضة.
مسألة
[ لا يوصف بالذكاء ]
ولا يوصف بأنه ذكي لأن الذكي هو حدة القلب وسرعة تلقنه فلما لم يجز على الله حدة القلب إذا كان ليس بذي قلب حاذق ولا جارحة لم يجز أن يوصف بذلك.
مسألة
[ لا يوصف بالذرابة ]
ولا يوصف بالذرابة لأن الذرابة هي خفة اللسان وسرعته في التحريك
للكلام فلما لم يكن لله لسان لم يجز أن يوصف بذلك.
مسألة
[ لا يوصف بالفرح ]
ولا يوصف بأنه يصف الأشياء على معنى أنه يعلمها كوصفنا لأنفسنا
والحفظ لما علمناه من القرآن وغيره وإن جاز فعلى التوسع ولا يوصف الله تعالى بالفرح لأن الفرح إنما يجوز على من يجز عليه الغم ومن تصل إليه
المنافع والمضار وهذا لا يجوز على الله تعالى ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن
الله أفرح بتوبة العبد إذا ضلت راحلته في أرض فلاة وعليها زاده وماءه فأصابها»(4)
__________
(1) 2- الصواب : الأمور المخوفة والله أعلم .
(2) 1- حادق : لها معنى. وحاذق لها معنى .
(3) 2- الصواب : حاد والله أعلم .
(4) 1- ورد الحديث بروايات متعددة منها ما ورد في مسلم : قال : قال رسول الله -
- صلى الله عليه وسلم - - : «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على
راحلته بأرض فلاة، فانفلت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة
فاضطجع في ظلها - قد أيس من راحلته - فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة
عنده، فأخذ بخطامها. ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبد وأنا ربك -
أخطأ من شدة الفرح» مسلم رقم (2747) في التوبة باب الحض على التوبة.
وانظر البخاري 11/91 ، 92 في الدعوات باب التوبة. (2/112)
صفحة 272
.
مسألة
[ لا يوصف بالعجب أو التعجب ]
ولا يقال : إن الله تعالى عجب من كذا لأن العجب إنما يحدث ممن لم
يعلم فعلم فعجب حينئذٍ مما علم والله تعالى لم يزل عالماً بالأشياء فلا يجوز
أن يعلم منها ما لم يكن علمه فتعجب منه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
النهج السادس
في تفسير أسماء الله تعالى وشيء من آياته
مسألة
[ معنى اسم الله تعالى ]
وإن قيل فما معنى اسم الله قلنا هذا هو اسم قد خص به نفسه فلا يجوز
أن يتسمى به مخلوق لقوله تعالى : { هل تعلم له سميّاً } (1) ومعناه أنه
الذي تحق له العبادة وتجب وقيل معناه أنه تأله إليه الخلق في حوائجها وقيل
هو اسم الله الأعظم.
مسألة
[ معنى الرحمن الرحيم ]
فإن قيل : فما معنى اسم الله الرحمن الرحيم قيل معناه الرحمن بجميع
خلقه والرحيم بالمؤمنين وقيل الرحمن اسم خاص والرحيم مشترك.
مسألة
[ معنى الرب ]
فإن قيل : فما معنى الرب قلنا معناه الملك كقولك رب الدار وقول المصلح.
مسألة
[ معنى الواحد الأحد ]
فإن قيل: ما معنى الواحد الأحد قلنا الواحد في الحقيقة هو الذي لا
ينقسم في وجود ولا وهم المتفرد الذي لا ثاني له ولا يشبهه شيء فيكون
ثانياً والأحد يجيء بمعنى الواحد والأول بمعنى .
مسألة
[ ما معنى الصمد ]
فإن قيل : ما هو معنى الصمد؟ قلنا : الصمد هو السيّد وقيل : هو الذي
يصمد إليه في الحوائج وقيل: هو الذي لا يموت وقيل: هو الذي لا يأكل(2).
مسألة
[ ما معنى الوتر - الظاهر – الباطن ]
فإن قيل: ما معنى الوتر؟(3) قلنا : هو الفرد وفيه لغتان بفتح الواو
وكسرها والشفع الخلق فإن قيل معنى الأول والآخر قلنا الأول أنه لم يزل قبل كل شيء وكانت الأشياء بعده والآخر الذي يكون بعد كل شيء أبديّاً
__________
(1) 1- سورة مريم آية 65 .
(2) 1- أطلق على سورة الإخلاص سورة الصمد .
(3) 2-- لهذا جعل الوتر آخر صلاة العبد دليل الوحدانية لله عز وجل. (2/113)
صفحة 273
فإن قيل : ما معنى الظاهر والباطن قلنا : الظاهر بمعنى الغالب وقيل : معناه الظهور ضعته والباطن لأنه خفي أن تدركه الخلق بكيفيته أو تحيط به
أوهامهم فإن قيل : ما معنى الدائم قلنا أنه لم يزل ولا يزول وهذه صفة ذات.
مسألة
[ ما معنى الخالق، والخلاق ]
فإن قيل : ما معنى الخالق والخلاق والقادر؟ قلنا معنى الخالق لأنه ابتدأ
الخلق أول مرة على غير مثال والخلاق لأن من شأنه أن يخلق كل يوم خلقاً
من بعد خلق وقادر من صفات ذاته.
مسألة
[ صفات الخالق ]
لأن ذاته ذات قادرة .
مسألة
[ ما معنى الباري ]
فإن قيل فما معنى الباري: قلنا: هو الخالق واشتقاقه من بري القلم إذا سواه.
مسألة
[ ما معنى المصور ]
فإن قيل :ما معنى المصور؟ قلنا : لأن ابتداءً تقدير الخلائق وتصورهم فهو
الخالق المصور.
مسألة
[ ما معنى السلام ]
فإن قيل: فما معنى السلام قلنا: السلام سمى الله نفسه بالسلام لسلامته مما
يعتري الخلق من العيب والنقصان والفناء والتغيير وقيل أن ذكره سلامة على من ذكره وهو الذي سلم الناس من جوره.
مسألة
[ ما معنى المؤمن ]
فإن قيل: فما معنى المؤمن قلنا لأنه آمن من أطاعه من عذابه وهو الذي
لا يخشى ظلمه.
مسألة
[ ما معنى المهيمن ]
فإن قيل فما معنى المهيمن قلنا الشاهد وقول هو الأمين.
مسألة
[ ما معنى العزيز ]
فإن قيل ما معني العزيز قلنا انشقاقه من الغلبة والقهر يقال عز إذا غلب.
مسألة
[ ما معنى الجبار ]
فإن قيل : فما معنى هو الجبار؟ قلنا : هو الممتنع على معنى التعزيز.
مسألة
[ ما معنى المتكبر ]
فإن قيل فما معنى المتكبر قلنا التكبر التعظيم والكبرياء هي العظمة
والمتكبر صفة ذات.
مسألة
[ ما معنى التقديم ]
فإن قيل ما معنى التقديم قلنا من التقدمة وكل متقدم للأشياء ويجب
الوصف له مبالغة في الوصف بالتقديم وهو تعالى قديم إلى غير نهاية.
مسألة
[ ما معنى السبوح ]
فإن قيل فما معنى السبوح قلنا هو اسم مبني على فعول من قولك (2/114)
صفحة 274
سبحان الله وهو اسم مضموم أوله معناه التنزيه لله تعالى.
مسألة
[ ما معنى القدوس ]
فإن قيل فما معنى قدوس قلنا اسم مبني أيضاً على فعول مثل قدوس
والتقديس قريب من التسبيح ، من قدس الله فقد نزهه وأخلص له الوحدانية ومعناه التطهير.
مسألة
[ ما معنى الحي ]
فإن قيل فما معنى الحي قلنا هو مشتق من الحياة وهو الدائم الذي لا يفنى سبحانه الحي الذي لا يموت.
مسألة
[ ما معنى القيوم ]
فإن قيل فما معنى القيوم قلنا هو الأول الذي لم يكن قبله شيء وهو
الدائم الذي لا يزول ولا تفينه الدهور ولا يغيره انقلاب الأمور.
مسألة
[ ما معنى الغفور ]
فإن قيل فما معنى الغفور قلنا هو من المغفرة وهو الستر لأنه ستر ذنوب
عباده وأصله من التغطية والغفّار هو الذي يغفر ذنباً بعد ذنب وأما الغافر فإنه يقال غافر الذنب بالإضافة.
مسألة
[ ما معنى ملك ومالك ]
فإن قيل فما معنى ملك ومالك ومليك قلنا ذلك كله اشتقاقه من الملك
والملك وصف به المخلوق لأن ملك المخلوق يضمحل والتسمية بذلك مجاز والله تعالى لا يموت ولا يسلب ملكه أبداً تعالى الله.
مسألة
[ ما معنى الحكيم ]
فإن قيل فما معنى الحكيم قلنا هي صفة ذات وصفة فعل فالذات هو
العليم والفعل لأنها توجد أفعاله متعة محكمة والحكيم يعني العليم.
مسألة
[ ما معنى الواسع ]
فإن قيل فما معنى الواسع قلنا هو الغني أعطى من سعته أي من غنى
ويقال وسع الله على فلان أي أغناه.
مسألة
[ ما معنى العليم ]
فإن قيل فما معنى العليم قلنا أن الله تعالى عليم وعالم وعلام كله بمعنى
العلم وهو صفة ذات لأنه لم يزل عالماً.
مسألة
[ ما معنى الغني ]
فإن قيل فما معنى الغني قلنا لأنه تعالى غني لا يصير إليه نفع ولا ضرّ
وهو الغني عن جميع الأشياء.
مسألة
[ ما معنى الحميد ]
فإن قيل فما معنى الحميد قلنا المحمود وحمد الثناء.
مسألة
[ ما معنى الشكور ]
فإن قيل فما معنى الشكور على سبيل التوسع والمجاز الله هو دون الحقيقة.
مسألة (2/115)
صفحة 275
[ ما معنى الكريم ]
فإن قيل فما معنى الكريم قلنا هو المرتفع من كل شيء وقيل هو الفاضل
قلنا الجواد في اللغة هو المتفضل على من لا يستحق ويعطي من لا يستوجب
هو الذي لا تحصى مواهبه.
مسألة
[ ما معنى اللطيف ]
فإن قيل فما معنى اللطيف قلنا نعم لأنه منعم وبمعنى أنه لطيف التدبير
والصنع لأن تدبيره لطيف لا يغر به العباد للطفه.
مسألة
[ ما معنى الخبير ]
فإن قيل : ما معنى الخبير؟ قلنا : هو العالم بالشيء يقال فلان مخير هذا
الأمر أي يعلمه وهو خبير به.
مسألة
[ ما معنى الجليل ]
فإن قيل : فما معنى الجليل العلي العظيم؟ قلنا: هذه الأسماء بمعنى وهو
أنه سيّد ومالك الأشياء قاهر وأنه على جميع الأشياء مقتدر والعلي يكون
بمعنى الغالب والقاهر قال الله تعالى : { إن فرعون علا في الأرض } (1)
يعني استولى على أهلها.
مسألة
[ ما معنى المجيد الودود ]
فإن قيل فما معنى المجيد والماجد مأخوذ من المجد وهو الجلالة والعظمة فإن
قيل فما معنى الودود قلنا هو المحب لعباده الصالحين وقد تأتي الصفة لله
تعالى ولعبده فيقال للعبد شكور فيه أي يشكر نعمه والله شكور للعبد أي بشكر عمله والعبد تواب إلى الله والله تواب عليه.
مسألة
[ ما معنى الباعث ]
فإن قيل فما معنى الباعث هو المثير المنهض يقال بعث البعير إذا أثرته وأنهضته وبعث الرجل إذا أثرته من مكان قد تمكن فيه.
مسألة
[ ما معنى الوارث ]
فإن قيل فما معنى الوارث قلنا لأنه يبقى بعد فناء الخلق كلهم فلا يكون
مالك غيره سبحانه وتعالى لقوله: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها
وإلينا يرجعون } (2).
مسألة
[ ما معنى الديان ]
فإن قيل فما معنى الديان قلنا الديان مشتق من الدين وهو الطاعة لأن
الخلق كلهم دانوا له وتذللوا فلم يعته شيء من خلقه.
مسألة
[ ما معنى المنان ]
فإن قيل فما معنى المنان قلنا معناه المعطي. يقال منَّ فلان على فلان إذا
__________
(1) 1- سورة القصص آية 4 .
(2) 1- سورة مريم آية 40 . (2/116)
صفحة 276
أعطاه وقيل المنان المنعم على عباده لأن المنة هي النعمة إذا كانت من الله
ومن الخلق هي الامتنان.
مسألة
[ ما معنى الرؤوف ]
فإن قيل فما معنى الرؤوف قلنا هو شديد الرحمة وأوسعها والله عز وجل
هو الرؤوف ومنه نهاية الرحمة لعباده لا راحم أرحم منه ولا غاية وراء رحمته.
مسألة
[ ما معنى الفتاح العليم ]
فإن قيل فما معنى قوله عز وجل: { هو الفتاح العليم } (1) قلنا الفتاح في
كلام العرب هو الحاكم.
مسألة
[ ما معنى الحليم ]
فإن قيل فما معنى الحليم قلنا الذي لا يعجل بالعقوبة يقال حلمت عن
الرجل حلماً إذا لم أعجل عليه وهي صفة مشتركة في الذات والفعل فإذا كانت بمعنى عليم كانت صفة ذات وإن كانت بمعنى تأخير العقوبة كانت
صفة فعل.
مسألة
[ ما معنى المقيت ]
فإن قيل فما معنى المقيت قلنا معناه الحفيظ قيل هو المقتدر.
فصل في تفسير آيات من القرآن :
مسألة
[ تفسير بعض الآيات ]
قال الله تعالى: { يخادعون الله وهو خادعهم } (2) قال مقاتل
مخادعهم بالعذاب عليها وكذلك استهزاء الله بهم ومثله { سخر الله
منهم } (3) ومثله { ويمكر الله } (4) وما كان في القرآن من شبه هذا فإنما هو على المكافآت من الله لهم وهو توسع ومجاز لقوله تعالى : { وجزاء سيئة
سيئة مثلها } (5) والجزاء عدل ليس بسيئة.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى ]
فإن قيل فما قول الله تعالى : { لعله يتذكر أو يخشى } (6) و { لعلكم
تتقون } (7) قلنا هذا على المجاز لا على الشك تعالى الله عن ذلك ويتذكر
ويتعظ ولعل وعسى من الله واجبتان.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فجعلناها نكالاً... ]
فإن قيل معنى قول الله تعالى : { فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما
__________
(1) 1- سورة سبأ آية 26 .
(2) 1- سورة النساء آية 142 .
(3) 2- سورة التوبة آية 79 .
(4) 3- سورة الأنفال آية 30 .
(5) 4- سورة الشورى آية 40 .
(6) 5- سورة طه آية 44 .
(7) 6- سورة البقرة آية 21 . (2/117)
صفحة 277
خلفها } (1) فكيف تكون نكالاً لماضي قبلها من الأمم قيل كان ابن
عباس(2) رضي الله عنه يقول أي لما فيها من ذنوبهم وما خلفها من
بعدهم من بني إسرائيل.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فهي كالحجارة أو أشد... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } (3)
فكيف جاءت أو من الله وهي للشك قلنا إن أو هنا ليست للشك لأنه لا
يجوز على الله فإذا كانت أو بمعنى الزيادة على الشيء منه كانت بمعنى بل
لقوله تعالى : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } (4) وقوله تعالى:
{ فكان قاب قوسين أو أدنى } (5). وإذا كانت بمعنى الإضافة، الثاني إلى
الأول كانت بمعنى الواو.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فلم تقتلون أنبياء الله ]
فإن قيل فما قوله تعالى: { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 66 .
(2) 2- ابن عباس : رضي الله عنه : حَبْر الأمة، فقيه العصر، وإمام التفسير أبو العباس عبد
الله - ابن عم رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم...
صحب النبي - - صلى الله عليه وسلم - - نحواً من ثلاثين شهراً وحدث عنه وهو من الستة
المشهورين بالرواية وحدث عن عمر وعلي ومعاذ ووالده وعن كثير من الصحابة
روى عنه الجمع الغفير من التابعين منهم عكرمة وجابر بن زيد، وأنس بن مالك
وعروة بن الزبير وغيرهم له من الأولاد العباس هو أكبرهم علي أبو الخلفاء
وهو أصغرهم... انتقل إلى دار الهجرة عام الفتح مع والده، ولد في شعب أبي
طالب قبل الهجرة بثلاث سنوات. دعا له النبي - - صلى الله عليه وسلم - - اللهم علمه التأويل وفقه في
الدين» توفي رضي الله عنه بالطائف سنة 68 ، 67هـ وعاش 71 سنة. ومسنده
1660 حديثاً. انظر سير أعلام النبلاء 3/339 - 359 .
(3) 3- سورة البقرة آية 74 .
(4) 1- سورة الصافات آية 147 .
(5) 2- سورة النجم آية 9 . (2/118)
صفحة 278
مؤمنين } (1) قلنا إن هاهنا إذ وإنما جاز إلزام هؤلاء المخاطبين قتل الأنبياء لأنهم رضوا بفعل سلفهم من قتل من الأنبياء وإن كانوا لم يدركوا القتل بأنفسهم.
مسألة
[ ما ننسخ من آية... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
منها أو مثلها } (2) أفي القرآن شيء خير من شيء قلنا قال ابن عباس رضي
الله عنهما وغيره أي العمل بهذه المحدودة خير من العمل بتلك المنسوخة أو مثلها في الفضل وقوله خير بمعنى أسهل عليكم في الأمر والنهي.
مسألة
[ كن فيكون ]
فإن قيل فما معنى قوله : { كن(3) فيكون } (4) كيف قال بقوله له وليس
ثم بعد قيل قلنا يجوز أن يكون عنى بقوله يكون فجعل الفعل قولاً
مثل قولك قل رأسه إذا حركه ولم يقل شيئاً.
مسألة
[ كيفية الأمر ]
عن أبي الحسن رحمه الله أن الأمر قد يكون قولاً وغير قول فالقول ما
أمر به من جميع أوامره فهو أمر بالقول وقد يكون قوله أمرنا هو إشاء المراد
لأن قوله تعالى : { إنما أمرنا لشيء إذا أردناه } (5) أنه يأتي كما أردنا أن
نقول له كن فيكون.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : وما جعلنا القبلة... ]
فإن قيل فما معنى قول الله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليه
إلا لنعلم من يتبع الرسول } (6) وقوله: { حتى نعلم المجاهدين
منكم } (7) وشهد أليس الله قد علم كونه قلنا إن الله قد علم ذلك قبل
كونه ولكن فعل ذلك ليقرر عندكم علمنا بمن يتبع الرسول منكم كمن
قال النار تحرق الحطب قيل له آت بالنار والحطب ليعلم أنها تحرقه.
مسألة
[ معنى قوله تعالى : لئلا يكون للناس حجة... ]
__________
(1) 3- سورة البقرة آية 91 .
(2) 4- سورة البقرة آية 106 .
(3) 1- هذه الجزئية وردت في آيات كثيرة منها : البقرة 117 ، آل عمران 47 ،
59 ، وغيرها.
(4) 2- سورة النحل آية 40 .
(5) 3- سورة النحل آية 4 .
(6) 4- سورة البقرة آية 143 .
(7) 1- سورة محمد آية 31 . (2/119)
صفحة 279
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين
ظلموا منهم } (1) فكيف جاز هذا وليس للذين ظلموا حجة قال أبو
عبيدة(2) إنما موضع الإهناء موضع المعنى الذين ظلموا للاستثناء.
مسألة
[ معنى قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ... ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله
أنداداً يحبونهم كحب الله } (3) وهم مشركون قلنا قال المفسرون أي
كحب الله المؤمنين.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : يريهم الله أعمالهم... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { يريهم الله أعمالهم حسرات
عليهم } (4) فأي أعمال كانت لهم قلنا أعمالهم السوء تصير حسرات عليهم وندمات هل لا علموا غيرها هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فما أصبرهم على النار ]
__________
(1) 2- سورة البقرة آية 150 .
(2) 3- أبو عبيدة : هو مسلم بن أبي كريمة - رحمه الله - كبير تلامذة جابر بن زيد
-رحمه الله - وممن حسنت أخباره، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث
وأحكمها. نسبه إلى قبيلة تميم من نزار، وكان مولى فيهم، توفي في ولاية أبي
جعفر المنصور بعد وفاة حاجب. قال أبو عبد الله : كان أبو عبيدة أفقه من
ضمام وأبي نوح وكان المقدم عليهما وعلى حعفر بن السماك وكان الحجة
في الدين، روى عن التابعين كالإمام جابر بن زيد - رحمه الله - وروى عن العديد
من الصحابة، جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وابن عباس وأبي
سعيد الخدري، وعائشة - رضي الله عنهم أجمعين - درس على يديه الكثير
منهم الربيع بن حبيب، وأبو الخطاب الغافري، وعبد الرحمن بن رستم،
وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن داود الغدامسي. وغيرهم. أنظر طبقات
المشايخ بالمغرب 2/248 - 259 ومقدمة شرح الجامع الصحيح 1/6
عز الدين التنوخي.
(3) 1- سورة البقرة آية 165 .
(4) 2- سورة البقرة آية 167 . (2/120)
صفحة 280
فإن قال فما معنى قوله تعالى : { فما أصبرهم على النار } (1) أعلى النار صبر قلنا أي ما الذي قول ابن عباس وقال أبو عبيدة أن ما هنا بمعنى الذي مجازها ما الذي حراهم أصبرهم على النار ودعاهم إليها وليس هنا تعجب.
مسألة
[ ما معنى : أحل لكم ليلة الصيام ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام } (2) فقال ليلة
وهي ليال قلنا هذا جائز عند العرب قال الله تعالى : { ثم يخرجكم
طفلاً } (3) أي أطفالاً وقال تعالى: { والملائكة بعد ذلك ظهير } (4) أي
ظهراءً وقوله : { والملك على أرجائها } (5) أي الملائكة.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُللٍ
من الغمام } (6) قال: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } (7) ومثله كيف جاز أن يجيء من مكان إلى مكان قلنا معناه أنه جاءوا، أُتيَ أمره وثوابه وحسابه وعقابه وقول ابن عباس كما قال: { أفعصيت أمري } (8) والأمر لا يعصى
وإنما يعصى الآمر.
مسألة
[ تفسير الإتيان ]
فإن قيل فما أنكرتم أن يكون هذا المجيء والإتيان ليس على ما ذكرتم وإنما
هو على ما قال أهل التشبيه من إجازة الزوال والانتقال عليه سبحانه قلنا لا يفعل في كلام العرب إلا ما قلنا لا ما قالت المشبهة فلما بطل ما قالوا أثبت
ما قلنا لأنه لو جاز عليه الانتقال لجاز عليه التحريك والسكون المعقولين.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وإلى الله ترجع الأمور ]
فإن قال فما معنى قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الأمور } (9) وهي
__________
(1) 3- سورة البقرة آية 175 .
(2) 1- سورة البقرة آية 187 .
(3) 2- سورة غافر آية 37 .
(4) 3- سورة التحريم آية 4 .
(5) 4- سورة الحاقة آية 17 .
(6) 5- سورة البقرة آية 210 .
(7) 6- سورة النحل آية 26 .
(8) 7- سورة طه آية 93 .
(9) 1- سورة البقرة آية 210 . (2/121)
صفحة 281
راجعة الآن إليه وإنما يقال رجع الأمر لفلان بعد أن لم يكن في يده قلنا فما معناه أن المسؤولية(1) الأعمال والثواب والعقاب عليها يرجع إليه يوم القيامة لأنهم اليوم غير مسؤولين عن أعمالهم.
مسألة
[ سؤال إبراهيم عليه السلام ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي
الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن } (2) الآية، أكان إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - شاكاً في
أن الله يحيي الموتى قلنا إنما سأل ذلك ليصير علمه عياناً وقيل ليطمئن قلبي
إلى إجابتك أن لا يكون رددتني.
مسألة
[ ما معنى : كلما نضجت جلودهم ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } (3) فكيف يجوز للحكيم تعالى أن يعذب جلوداً لم تعصه قلنا لأن الجلود لم يؤلمها العذاب وإنما تألم النفوس وقيل إنه يعاد الجلد بعينه جديداً
وقيل بل هي إذا نضجت ردت صحاحاً ومعناه غير هذا وهي محرقة.
مسألة
[ ما معنى : يوم تبدل الأرض غير الأرض ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض
والسماوات } (4) أي تميد فتصير أوديتها وأوكامها وكل مضطرب الخلقة
فيها شيئاً واحداً أرضاً مستوية وقد بدلت غيرها في الصورة وكذلك عن
أبي محمد رحمه الله قال تبدل الأرض ألوانها وأما بغيرها فلا.
مسألة
[ ما معنى : اليوم أكملت لكم دينكم ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } (5) أكان
ناقصاً قلنا أكملت عليكم الفرائض والشرائع أنه إنما أنزلها أولاً فأولاً ولم يعن التوحيد لأن التوحيد لم يزل تاماً.
مسألة
[ ما معنى قوله : رب بما أغويتني ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { رب بما أغويتني } (6) و { أن كان اللّه
__________
(1) 2- الصحيح : أن مسألة الأعمال والثواب .
(2) 3- سورة البقرة آية 260 .
(3) 1- سورة النساء آية 56 .
(4) 2- سورة إبراهيم آية 48 .
(5) 1- سورة المائدة آية 3 .
(6) 2- سورة الحجر آية 39 . (2/122)
صفحة 282
يريد أن يغويكم } (1) كيف جاز الأغوى(2) من الله تعالى قال المفضل(3) أي ألفيتني غاوياً ضالاً لردي أمرك بالسجود لآدم ص قال الكلبي(4) أضللتني
عن الهدى لمخالفتي أمرك وأما قوله تعالى : { أن كان الله يريد أن
يغويكم } (5) أي يضلكم ويمنعكم الرشد وقال الحسن(6) أي يعذبكم.
مسألة
[ما معنى قوله تعالى : ورحمتي وسعت...]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء } (7)
__________
(1) 3- سورة هود آية 34 .
(2) 4- الأصح : الأغواء .
(3) 5- المفضل : والصحيح هو الفضل : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو محمد الفضل بن
الحواري الأزكوي السامي، من بني سامة بن لؤي بن غالب من أشهر علماء
عُمان في القرن الثالث وكان معاصراً لعزان بن الصقر، عاصر الفتنة وخرج على
الإمام عزان بن تميم وبايع الحواري بن عبد الله الحداني فقتل هو وإمامه في وقعة
القاع من صحار. أنظر إتحاف الأعيان ص 197 - 200 من مؤلفاته : الجامع
المسمى جامع الفضل بن الحواري.
(4) 6- الكلبي : لعله محمد بن السائب الكلبي أبو النصر روى عن الشعبي وعن أخيه
انظر الجرح والتعديل 7/270 رقم 1478 سلمة بن السائب، روى عنه الثوري
وابن جريج ومعمر وحماد بن سلمة وغيرهم.
(5) 1- سورة هود آية 34 .
(6) 2- الحسن : هو الحسن البصري - والله أعلم - أبو سعيد من أكابر التابعين علماً
وفضلاً ولد في خلافة عمر - رضي الله عنه - ودعا له بالفقه والمحبة بين الناس
يعتبر شيخ أهل البصرة، روى عن جمع من الصحابة سماعاً وعن بعضهم إرسالاً.
عاش في عهد عثمان - رضي الله عنه - وروى عنه وعاصر يوم الدار. كان
معاصر للإمام جابر بن زيد وعلاقتهما وثيقة روى عنه الجمع الكثير من التابعين
وأتباعهم وكان له مجلس للعلم معروف ومجلس خلوة مع بعض أصحابه في
الزهد والورع. توفي رحمه الله سنة 110هـ في شهر رجب وقال عبد الله بن
الحسن إن أباه عاش 88 سنة. انظر سيرة أعلام النبلاء 563 – 588/4 .
(7) 3- سورة الأعراف آية 156 . (2/123)
صفحة 283
فكيف لم تسع الكافر قال الكلبي لما أن قال ذلك تطاول لها إبليس لعنه الله فأخرجه الله بقوله : { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } (1) تمام
الآية فتطاول لها اليهود لأنهم أرباب كتاب فأخرجهم الله بقوله : { الذين يتبعون النبي الأمي } (2) الآية وقال ابن عباس رحمه الله يعني رحمة في
الدنيا وهي نعمة الله.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم
مشركون } (3) قال الكلبي يعني أهل مكة إذا سألوا عن خالقهم ورازقهم
قال الله وهم مشركون ويعبدون الأوثان فمعنى إيمانهم هنا الإقرار فقط لا الإيمان التام.
مسألة
[ تفسير : إذا سألك عبادي عني ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني } (4) فقد تضمن الإجابة وترى من يدعوا
فلا يستجاب له قلنا معنى أجيب أي أسمع ولم يرد وتعالى قريب المسافة
وقول أجيب دعوة الداعي إذا دعاني على الوجه الصحيح وقول دعاني أي عبدني وأجاني له الثواب.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : هو الذي أنزل من السماء ماءً... ]
فإن قال فما معنى قوله تعالى : { هو الذي أنزل من السماء ماءً لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } (5) فإذا كان الشجر ليس ببعض الماء كما
كان الشراب بعضاً له فكيف جاز أن يقول تعالى : { ومنه شجر } بعد
قوله : { منه شراب } وما معنى تسيمون قلنا المراد منه سقي الشجر
فحذف المضاف إليه وأقام المضاف كقوله تعالى : { وأشربوا في قلوبهم
العجل } (6) واليوم هو إرسال النعم للرعي.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد... ]
__________
(1) 4- سورة الأعراف آية 156 .
(2) 5- سورة الأعراف آية 157 .
(3) 1- سورة يوسف آية 106 .
(4) 2- سورة البقرة آية 186 .
(5) 3- سورة النحل آية 100 .
(6) 1- سورة البقرة آية 93 . (2/124)
صفحة 284
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } (1)
فظاهر الآية أنه يقتضي تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان قلنا المراد لا يشدد الله عليهم المحنة في التكليف فيقتضي بهم ذلك إلى زيغ القلوب بعد
الهداية ويكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم بالهداية والإمداد لهم بالألطاف.
مسألة
[ ما معنى قوله : وعلم آدم الأسماء كلها... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم
على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } (2) فكيف
جاز أن يأمرهم الله تعالى أن يخبروا بما لا يعلمون وليس ذلك بأقبح من
تكليف ما لا يطاق قلنا فإن كان ظاهر الآية أمراً فإنه يقتضي التعلق بشرط
وهو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا خبروا عن ذلك صدقوا.
مسألة
[ ما معنى قوله : واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا
أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } (3) قلنا أنه يجوز أن يكون معناه
واسأل أتباع من أرسلنا قبلك من رسلنا ويجري ذلك مجرى قولهم السخا
حاتم والشعر زهير يريدون السخا سخا حاتم والشعر شعر زهير.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : أولئك لم يكونوا معجزين... ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { أولئك لم يكونوا معجزين في
الأرض } (4) الآية فكيف خص الأرض بالذكر وهم لا يغوثون الله في كل مكان ولم بقي(5) من الأولياء عنهم وقد نرى الكفار يتولى بعضهم بعضاً
قلنا ما اختصاص الأرض بالذكر فعادة العرب جائزة بقولهم للمتوحد لا
مهرب لك مني ولا وزر ولا نفق. فالوزر الحبل والنفق السرب وكل ذلك مما يجيء إليه الخائف وهو ليس لهم أن يتخذوا الأولياء من دون الله.
مسألة
[ ما معنى قوله : نحن أعلم بما يستمعون... ]
__________
(1) 2- سورة آل عمران آية 8 .
(2) 3- سورة البقرة آية 31 .
(3) 1- سورة الزخرف آية 45 .
(4) 2- سورة هود آية 20 .
(5) 3- والصحيح : ولو لم يبقى . (2/125)
صفحة 285
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به إذ
يستمعون إليك وإذا هم نجوى } (1) فلم وحد نجوى وهو خبر عن جمع وما معنى مسحوراً قلنا لأن النجوى مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث وهو مقر على لفظه كقولهم الرجال صوم والمناهل حمده
يعني صائمون ومحمدون وقيل معناه أصحاب نجوى فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء
وقلبه } (2) فما معنى هذه الحيلة له وما معنى قوله تعالى لما يحييكم قلنا معناه
أن الله يحول بين المرء وبين الارتفاع بقلبه بالموت وهذا حث من الله تعالى
على الطاعات والحياة هي الطاعة لأن الطائع يسمى حياً والعاصي أنه ميت.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى: { فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين } (3)
الآية أليس ظاهرها يقتضي أنا لا نشاء شيئاً إلا والله تعالى شاءه ولم يخص
إيماناً من كفر ولا طاعة من معصية قلنا إن الكلام متعلق لما قدمه من ذكر الاستقامة لأنه تعالى قال : { لمن شاء منكم أن يستقيم } ثم قال : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } .
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فلا تعجبك أموالهم ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما
يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم
كافرون } (4) فكيف يعذبهم بالأموال والأولاد ومعلوم أن لهم فيها سروراً
ولذة وما تأويل الآية قوله وهم كافرون فالظاهر إنه أراد كفرهم من حيث
__________
(1) 1- سورة الإسراء آية 47 .
(2) 2- سورة الأنفال آية 24 .
(3) 3- سورة التكوير آية 27 ، 28 .
(4) 1- سورة التوبة آية 55 . (2/126)
صفحة 286
أراد أن تزهق أنفسهم قلنا التقدير فلا تعجبك يا محمد ولا يعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار ولا أولادهم في الحياة الدنيا.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني
من أهلي } (1) إلى قوله: { أن تكون من الجاهلين } (2) فظاهر قوله تعالى:
{ إنه ليس من أهلك } (3) يقتضي تكذيب قوله عليه السلام أنه من أهلي والأنبياء لا يجوز عليهم الكذب وكيف جاز أن يخبر عن ابنه أنه عمل غير
صالح قلنا إن نفيه ليس من أهله لم يتناول النفي لنسب وإنما نفي أن يكون
من الذين وعد بنجاته.
فإن قال ما معنى قوله تعالى : { رب السجن أحب إلي مما يدعونني
إليه } (4) الآية فإذا كانت المحنة عندكم هي الإرادة فهذا تصريح من يوسف عليه السلام بإرادة المعصية لأن حبسه معصية من فاعله وقوله : { وإلا تصرف عني كيدهن } دليل على أن امتناعه من القبيح مشروط بصرف كيدهن عنه ومن مذهبكم أن هذا لا يقع من نبي الله صرف عنه كيدهن أو لم يصرف قلنا: ما معنى { رب السجن أحب إلي } أي أهون عندي وأسهل وقوله : { وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن } (5) المراد متى(6) لم تلطف بي إلى ما يدعونني إليه صبوت وهذا منه عليه السلام على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : ولقد همت به وهم بها ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { ولقد همت به وهم بها } (7) الآية
أيجوز للنبي عليه السلام أن يهم بالمعصية قلنا لا يسوغ لذي حجر وإنما
الكلام فيه تقديم وتأخير وتلخيصه ولقد همت به لولا أن رأى برهان لهم
بها كقول القائل قد كدت تهلك لولا تداركي لك.
مسألة
[ ما معنى قوله : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ]
__________
(1) 2- سورة هود آية 45 .
(2) 3- سورة هود آية 46 .
(3) 1- سورة هود آية 46 .
(4) 2- سورة يوسف آية 33 .
(5) 3- سورة يوسف آية 33 .
(6) 4- هنا يأتي بمعنى إن لم تلطف .
(7) 5- سورة يوسف آية 24 . (2/127)
صفحة 287
فإن قيل ما معنى قوله تعالى: { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم } (1) إلى
قوله: { فردوا أيدهم في أفواههم } (2) فلأي معنى الأيدي في الأفواه وأي مدخل كذلك في التكذيب للرسل عليهم السلام قلنا إنهم ردوا أيدهم في أفواههم عاضين عليها من الغيظ والحنق.
مسألة
[ ما معنى قوله : وإلى الله ترجع الأمور ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الأمور } (3) كيف
رجوعها وهي لم تخرج فريدة قلنا أن العباد لما علموا في الدار الآخرة أن لا
نافع ولا ضار إلا اللّه ردوا إليه أمورهم وانقطعت ما لهم من غيره وتيقنوا أن كل ما أملوه من غيره غرور وآفاك رجعوا أمرهم إلى الله.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها
ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون } (4) فلأي معنى ذكر البيوت من ظهورها وأبوابها قلنا إن العرب إذا أرام أحدهم أرباً فلم تيسر له رجع ودخل من ظهر بيته نظيراً فدلهم الله تعالى على أن هذا صعم(5) لا ير فيه وقيل إن العرب سوى قريش ومن يخلوا كانوا إذا أحرموا في سوى أشهر الحرم دخلوا بيوتهم من ظهورها لا من أبوابها.
مسألة
[ ما معنى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى: { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله
سريع الحساب } (6) قلنا أنه سريع العلم بكل محسوب وإنه لما كانوا بنوا الدنيا يستعملون في معاملاتهم الحساب أعلمهم الله تعالى أنه يعلم ما يحسبون بغير حساب.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : والله يرزق من يشاء بغير حساب ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى : { والله يرزق من يشاء بغير حساب } (7)
__________
(1) 1- سورة إبراهيم آية 9 .
(2) 2- سورة هود آية 9 .
(3) 3- سورة فاطر آية 4 .
(4) 1- سورة البقرة آية 189 .
(5) 2- والأصح والله أعلم : أن هذا صعب .
(6) 3- سورة البقرة آية 202 .
(7) 4- سورة البقرة آية 212 . (2/128)
صفحة 288
فأي تمدح في العطاء بغير حساب قلنا إنه تعالى يرزق بغير تقدير من الرزق والاحتساب منه فالحساب هاهنا راجع للمرزوق لا للرازق تعالى.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : قد افترينا على الله كذباً ]
فإن قيل ما معنى قوله تعالى حاكياً عن نبيه شعيب(1) عليه السلام : { قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذا نجانا الله منها وما يكون
لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } (2) فقال أليس هذا صريحاً منه بأنه
تعالى يجوز أن يفعل الكفر لأن ملة قومه كانت كفراً قلنا إن الملة هاهنا العبادة الشرعية التي كان قوم شعيب متمسكين بها وهي منسوخة عنهم
ولم يعتبها الاعتقادات في الله وصفاته.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك
سليمان } (3) إلى قوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } (4) فكيف يليق بملائكة
__________
(1) 1- شعيب : هو نبي الله أرسل إلى شعب مدين بن إبراهيم عليه السلام وكانوا أهل
تجارة، فكانوا يطففون المكيال والميزان ويماكسون الناس في سلعهم إرادة شرائها
بثمن بخس. فأرسل إليه شعيب. وسمه المفسرون خطيب الأنبياء لحسن مراجعة
قومه وبراعته في الحجة عليهم ودحض حججهم. ورد ذكره في القرآن عشر
مرات : في سورة الأعراف : آيات 85، 88، 90، 92، وفي سورة هود : 84،
87، 90، 95 وفي الآية 177 من سورة الشعراء وآية 36 من سورة العنكبوت
إن مسكنهم شمال بلاد الشام ويُقال أنهم في منطقة الحجار. ويقال أنهم في
الكرك جنوب الأردن ولا منافاة. قصص الأنبياء - النجار ص 145 - 49 ي1.
(2) 2- سورة الأعراف آية 89 .
(3) 3- سورة البقرة آية 102 .
(4) 4- سورة البقرة آية 102 . (2/129)
صفحة 289
الله فعل المذكور من تعلمهم الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه قلنا إن ما هنا بمعنى الذي فما كان تعالى أخبر به عن طائفة من أهل الكتاب بأنهم اتبعوا ما تكذب به الشياطين على ملك سليمان وتنظيفه اليد من السحر(1) فبرأه الله تعالى مما زوّروه عليه فقال: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } (2).
مسألة
[ معنى قوله : فأما الذين في قلوبهم زيغ... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما
تشابه من } إلى قوله: { وما يذكر إلا أولو الألباب } (3) قلنا يحتمل أن
يكون الراسخون في العلم معطوف على اسم الله تعالى فكأنه قال وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به فوقع قوله أمنا به موقع الحال.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : لا تثريب عليكم اليوم... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم
وهو أرحم الراحمين } (4) فلم خص اليوم بالقول ومراده العفو عنهم في
جميع مستقبل أوقاتهم قلنا لما كان هذا الوقت الذي أشار إليه هو أول أوقاته للتي كشف فيها نفسه لهم وأطلقهم(5) على ما كان يستره عنهم من أمره وأشار إلى الوقت الذي لو أراد الإنتقام لابتدأ فيه والذي عفا فيه عنهم لم يراجع الانتقام.
مسألة
[ ما معنى قوله : خلق الإنسان من عجل... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { خلق الإنسّان من عجل سأريكم
__________
(1) 1- السحر : له معان متعددة : 1- الخداع وتخيلات لا حقيقة لها.
2- استجلاب معاونة الشيطان.
3- ما يذهب إليه الاغتنام - أي تغير خلق الله -
وعرفه ابن عرفة المالكي : هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى فتنسب إليه
المقادير والكائنات. عن كتاب أحكام الردة والمرتدين للمحقق. باب السحر.
(2) 2- سورة البقرة آية 102 .
(3) 3- سورة آل عمران آية 7 .
(4) 1- سورة يوسف آية 92 .
(5) 2- الصواب : أطلعهم . (2/130)
صفحة 290
آياتي فلا تستعجلون } (1) في الجواب استقلاب والمعنى خلق العجل في
الإنسان والدليل على قوله تعالى: { وقد بلغني الكبر } (2) أي قد بلغت
الكبر وكقوله تعالى: { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } (3) والمعنى أن
العصبة تنوء بالمفاتيح.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : فخر عليهم السقف من فوقهم... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { فخر عليهم السقف من فوقهم } (4) فما الفائدة في قوله: { من فوقهم } والإخرار لا يكون إلا من فوق والإيجاب أفصح قلنا إن من بمعنى عن ومعنى قوله تعالى: { فخر عليهم السقف }
عن كفرهم بالله تعالى كما يقال اشتكى فلان عن دواء شربه فتكون من
وعن بمعنى واحد.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { ومن كان في هذه أعمى فهو في
الآخرة أعمى وأضل سبيلاً } فكيف يجوز أن يكونوا في الآخرة عمياً وقد تظاهر الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الخلق يحشرون كما بدأوا سالمين من
الآفات(5) ، لقوله تعالى: { كما بدأنا أول خلق نعيده } (6) وقوله : { كما بدأكم تعودون } (7) قلنا إن العمى الأول عن تأمل الآيات والنظر في
__________
(1) 3- سورة الأنبياء آية 37 .
(2) 4- سورة آل عمران آية 40 .
(3) 5- سورة القصص آية 76 .
(4) 1- سورة النحل آية 26 .
(5) 2- الحديث : الأحاديث الثابتة غير النص المذكور : منها 1- عن أبي هريرة
-رضي الله عنه- أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : «أهل الجنة جردٌ مُردٌ كحلٌ لا
يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم» وفي الباب عن معاذ بن جبل مثله. عن التاج
الجامع للأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 5/413. 2- وعن أبي سعيد
- رضي الله عنه - عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - قال: «من مات من أهل الجنة من صغير
أو كبير يردون أبناء ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبداً وكذلك أهل النار»
روى هذه الثلاثة في المصدر نفسه ص 413 .
(6) 3- سورة الأنبياء آية 104 .
(7) 4- سورة الأعراف آية 29 . (2/131)
صفحة 291
الدلالات والعمى الثاني عن الإيمان بالآخرة والإقرار وربما يجازى به
المكلفون فيها من ثواب وعقاب.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وجاءوا على قميصه... ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى : { وجاءوا على قميصه بدم كذب } (1) والكذب من صفات الإقرار لا من صفات الأجسام وأي معنى لوصفه
الصبر بأنه جميل ومعلوم أن صبر يعقوب على ابنه يوسف عليهما الصلاة السلام لا يكون إلا جميلاً .
ولو ارتفع الصبر قلنا أما الكذب فمعناه مكذوب فيه وعليه كمثل قولهم هذا ماء سكب وشراب صب أي مسكوب ومصبوب.
وأما وصف الصبر بأنه جميل فلأن الصبر قد يكون جميلاً وغير جميل
وإنما يكون جميلاً إذا قصد به وجه الله تعالى وأما ارتفاع الصبر فمعناه
وشاني صبر جميل والذي أعتقده صبر جميل.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : وقالت اليهود عزير بن الله... ]
فإن قيل فما معنى قوله : { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت
النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم } (2) ومعلوم القول لا
يكون إلا بالأفواه، قلنا إن القول يحتمل معنيين في لغة العرب أحدهما
القول باللسان والآخر بالقلب، لو أطلق القول لجاز التوهم بالقول بالثاني
فلما قيده بالقول بالأفواه نزل التوهم.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { فغشيهم من اليم ما غشيهم } (3)
يقتضي المعنى قلنا للدلالة على أن الذي أغرقهم ببعض الماء لا كله عن
الغرا(4) وقول أنه غشيهم من اليم ما غشي موسى وقومه إلا أن الله أنجى هؤلاء وأغرق أولئك.
فإن قيل فما قوله تعالى : { قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } (5) فكيف
جاز خطاب المثنى بخطاب الجمع وأصله لآدم وحواء عليهما السلام وكيف نسب فيهما العداوة وأي عداوة كان بينهما قلنا أنه يجوز أن يكون
الخطاب متوجهاً لآدم وحواء وذريتهما لأن الوالدين يدلان على الذرية
__________
(1) 1- سورة يوسف آية 18 .
(2) 2- سورة التوبة آية 30 .
(3) 1- سورة طه آية 78 .
(4) 2- الصحيح : عن الغرق .
(5) 3- سورة البقرة آية 36 . (2/132)
صفحة 292
ويجوز أن يكون الخطاب لهما ولإبليس لعنه الله.
وأما العداوة عداوة إبليس لآدم وذريته مشهورة ودليل قوله تعالى: { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } (1)
ولم يرد كفره كما أراد تعذيبهم وتزهق أنفسهم بل أراد أن تزهق أنفسهم
في حال كفرهم.
مسألة
[ ما معنى قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ]
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } (2)
الآية، قلنا لأن الله تعالى أراد التنور وجه الأرض وأن الماء نبع وظهر على
وجه الأرض، هذا قول عكرمة(3) .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما مثله وقوله أن التنور رافع الأرض وأشرفها لأن الماء نبع من أعالي الأرض وقوله إن التنور الحقيقي الذي يختبز
فيه وإن كان تنور الإد(4) عليه السلام.
النهج السابع
فيما يجوز من الشهادة ومن تجوز شهادته(5)
__________
(1) 4- سورة التوبة آية 55 .
(2) 1- سورة هود آية 40 .
(3) 2- عكرمة : هو عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، سيد بني
مخزوم في زمانه، أبو عبد الله، وأخو الفقيه أبي بكر، سمع أباه وابن عمر
والسهمي وأم سلمة، حدث عنه : ابناه، عبد الله، ومحمد. والزهري، ويحيى
بن محمد بن صيفي، توفي بعد المئة الهجرية. انظر أعلام النبلاء - رقم 149 -
4/370 - 371 .
(4) 3- هكذا في الأصل. والصواب والله أعلم : لآدم .
(5) 1- تعريف الشهادة : مفرد جمعها شهادات : أخبار قاطع، والأخبار بالشيء عن
شهادة وعيان. لهذا الشهادة من المشاهدة، المعاينة. وجاء في النهاية في غريب
الحديث والأثر 2/513 - 514 : 1- الأخبار القاطع ، 2-من أسماء الله
الحسنى – الشهيد ، 3- اليمين. 4- البيان بما في النفس ، 5- الحضور،
6- التحمل ، 7- حافظ.
وفي اصطلاح الفقهاء : إخبار عن صدق بلفظ الشهاد في مجلس القضاء
والحكم. عن البناية شرح الهداية 7/120 .
تعريف بن عرفة : قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه والحكم بمقتضاه
وإن عُدّل قائله مع تعدده أو حلف طالبه» الحدود لابن عرفة ص 445 . (2/133)
صفحة 293
مسألة
[ حكم الإشهاد على الدين ]
أجمع المسلمون فيما عرفنا أن الإشهاد على في(1) الدين غير واجب وإنما ورد الأمر من الله تعالى تأديباً لعباده والحب(2) على حفظ الأموال وحجتهم لو كان الأمر على الوجوب في الإشهاد لكان مثله في الكتابة وحجتهم
قول الله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته } ولهم
حجج تركتها اختصاراً.
مسألة
[ حكم الامتناع عن الشهادة ]
وإذا أدعي الشاهد لأداء الشهادة فامتنع كان عاصياً لربه بتخلفه عن
إقامتها إذ الأمة مجتمعة على فرض أدائها فإن قام بأدائها غيره واستغني عنه
كان عليه التوبة إلى الله من امتناعه مما قد وجب عليه من أدائها.
مسألة
[ متى يضمن الممتنع الحق ]
فإذا تعذر حصول عدلين غيره بطل الحق بتخلفه عن الشهادة من غير
عذر ضمن الحق.
مسألة
[ حكم أخذ العوض على الشهادة ]
فإن أبا أدائها إلا بعوض حرم عليه العوض وكان عليه رده إلى من
أخذه منه.
مسألة
[ 1 - الضرر بالأداء على نفسه وماله ]
[ 2- متى يحل العوض ]
فإن حاذر ضرراً يؤدي للتلف أو تلف من يموت بالاشتغال في أداء
الشهادة من طلب قوت له أو لمن وجب عليه عوله كان الاشتغال بأداء
فرض نفسه أقمن فإن دفع إليه رب الحق عوضاً ليقيم به رمقه كان عليه أداء الشهادة وحل العوض.
مسألة
[ متى تسقط الشهادة ]
فإن أدى الشهادة مرة انحط عنه الفرض وجاز له أخذا العوض على
تأديتها ثانياً ولسقوط فرضها عن المرة الأولى وصار بمنزلة من أكرى نفسه
في عمل لا يلزمه فعله مما هو طاعة لله كالحج وشبهه.
مسألة
[ حكم شهادة العبد ]
الدليل على أن شهادة القن(3)
__________
(1) 2- والصحيح : الإشهاد على الدين .
(2) 3- والأصح : والحث حفظ الأموال .
(3) 1- القن : الرقيق ، يطلق على الواحد وغيره ، وربما جمع على أقنان وأقِنَّة قال
الكسائي : القِن من يملك هو وأبواه وأما من يغلب عليه ويستعبد فهو عبد مملكة
ومن كانت أمه أمة وأبوه عربي هو هجين. أنظر المصباح المنير 2/625 . (2/134)
صفحة 294
غير جائزة أنا رأينا الأمور بينت فيها على التفاضل والمراتب وإن العبيد غير مساوين الأجور(1) في المواريث.
مسألة
[ ثبوت البينة ]
وليس للبيّنة أن تشهد إلا على وجه مستقر عنه من ذكر وأنثى ليلاً كان
أو نهاراً على الأرجح من قول أصحابنا.
مسألة
[ متى يكون تحمل الشهادة ]
وعن الشيخ أبي مالك(2) رحمه الله أنه قال ليس للشاهد أن يتحمل
الشهادة في حال يرتاب فيها فإذا زال الريب جاز له أن يشهد في كل حال
ليلاً أو نهاراً. وشهادة غير المرضي(3) مردودة عقوبة له على فسقه بدليل
الكتاب قوله تعالى: { ممن ترضون } (4) وغير ذلك فأخبرنا تعالى أن الخيار حجة على عباده وسواهم فحجتهم داحضة ولا كرامة.
مسألة
[ عدم قبول شهادة النساء ]
ولم يجعل الله للنساء حجة في نقل الشهادة وإن كثرن عدد الرمل
والأحجار أو عدد أمواج الأبحار اجتمعوا على ذلك أو افترقن جل الطلب
أو دق ولو من أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا رجل معهن ولا يجوز قبول
شهادتهن لحسن الظن أن لا يشهدن زوراً .
مسألة
[ الشهادة قبل الطلب ]
اتفق أرباب العلم إن كل من شهد بحق قبل أن يستشهد أن شهادته هدراً
إلا أن تكون شهادته في حق الله تعالى قبلت اتفاقاً.
مسألة
[ الشهادة للعبد العتيق ]
اختلف العلماء في الشهادة في العتيق إذا لم ترم من متحملها فمن جعلها
حقاً للعبد هدرها ومن جعلها حق لله أمضاها ولو لم يطلبها العبد.
مسألة
__________
(1) 2- الصواب : غير مساوين الأحرار في المواريث .
(2) 1- الشيخ أبو مالك : غسان بن محمد بن الخضر (أبو مالك) الصلاني الصحاري
من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري من شيوخه العلامة محمد
ابن محبوب وولداه بشير وعبد الله أبناء محمد بن محبوب وهو شيخ العلامة
ابن بركة البهلوي، وكان جده من رجال العلم. نشأ ببهلا ثم انتقل إلى صلان
حيث كان يسكن جده. أنظر إتحاف الأعيان ص 432 .
(3) 2- غير المرضي : غير العدول .
(4) 3- سورة البقرة آية 282 . (2/135)
صفحة 295
[ شهادة الأعمى قبل ذهاب بصره ]
وشهادة الأعمى لا تجوز إلا في النسب لمن ربي معه في بيت فيما متيقناً
له قبل ذهاب نظره وفيما عدا ذلك فشهادته غير جائزة وفي نفسي من ذلك لأنه إذا قبلت شهادته فيمن ربي في بيته قبلت فيمن ناء عنه إذ هو محجور
البصر عن القاصي والداني أجمعوا فيما تحمله قبل ذهاب بصره من
الشهادات أنها مقبولة.
مسألة
[ متى تجب اليمين ]
الدليل على اليمين(1) لا تجب إلا مع عدم البينة على الطالب لأن الله تعالى
لما شاء أن سوغ لنا بحقوقنا في حالة القدرة والحضر بإشهاد عدلين فإن لم يحصلا فرجل وامرأتان في الحضر والسفر مسلمون وإذا عجزوا من تحصيل العدلين فقبض الرهن(2) إذا لم تكن بينه وفي ترك الإشهاد في الحضر والسفر إذا كنا ندين فيما بيننا إلى وقت قريب كاليوم مراراً أو أكثر من ذلك.
مسألة
[ شهادة مخالفي المذهب ]
أجمع المسلمون أن شهادة ثقات قومنا من جميع أهل الخلاف غير جائزة
على أ حد من المسلمين فيما يجب عليه شهادتهم كفر وخروج من ولاية
إلى عداوة أو وقوف قلوا أو كثروا ولو كانوا كمنزلة الحسن بن أبي
الحسن(3) أو محمد بن بشير(4) في الثقة والعلم إذ هم مدعون.
مسألة
[ الشهادة على أهل الاستقامة ]
__________
(1) 1- الدليل على ذلك قول - - صلى الله عليه وسلم - : «البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر» بلوغ
المرام من أدلة الأحكام رقم 1437.
(2) 2- الرهن : في اللغة : الثبوت والدوام. يقال : ماءٌ راهن. أي راكد، ونعمة راهنة
أي ثابتة ودائمة. والرهن بمعنى الحبس : قال تعالى : { كل امرئ بما كسب
رهين } الطور 21. وقوله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } المدثر 38 .
اصطلاحاً: المال الذي يجعل وثيقة بالدين، ليستوفي من ثمنه، إن تعذر استيفاؤه
من ذمة الغريم. جواهر الإكليل 2/77 .
(3) 3- الحسن بن أبي الحسن : ورد ذكر اسمه في سيرة المحقق عبد الله بن مداد ص 35 .
(4) 4- محمد بن بشير : لم أعثر له على ترجمة . (2/136)
صفحة 296
واختلفوا بعد ذلك في شهادتهم على أهل الاستقامة(1) في الحقوق وما
تعلق حكمه في الأموال والأبشار وما سوى الموجبات للكفر فقال بعضهم:
إن شهادتهم مردودة في جميع ذلك قل ما شهدوا فيه أو أكثر قل الشهود أو كثروا وأجاز بعضهم شهادتهم في الحقوق وما تعلق في الأموال فقط.
مسألة
[ حكم شهادة غير أهل المذهب ]
وأجاز بعضهم شهادتهم عليهم في كل ما وافقوا المسلمين حتى ألقوا
القصاص ويفاد شهادتهم للمسلم أو يقبض منه وهو على ولايته لأن ذلك
يخرج مخرج الحقوق.
مسألة
[ شهادتهم على أهل الاستقامة في الحدود ]
وقيل لا تجوز شهادتهم عليهم في كل شيء ولا فيما يتعلق به الحدود من الحقوق مثل السرقة(2) والمحاربة(3) للتي يجب بها القطع والغرم وقول تجوز شهادتهم في الحقوق ويغرمون المال المتعلق به الحدود. ولا تقام عليهم
الحدود بشهادتهم وذلك مما لا نعلم فيه اختلافاً.
مسألة
[ شهادة العدول من غير المذهب جائزة على بعضهم ]
وأجمعوا أن شهادة عدول قومنا جائزة من بعضهم على بعض من جميع
أهل القبلة لأنهم ملة واحدة.
مسألة
[ شهادة المسلم على الكافر ]
وأجمعوا أن شهادة عدول القوم جائزة على جميع ملل أهل الشرك في
جميع الأحكام من الحقوق والحدود.
مسألة
[ منزلة شهادة أهل الاستقامة ]
[ أ - أهل الفضل والعلم ]
وشهادة أهل الإقرار بنحلة الاستقامة فعلى ضروب فأهل الفضل والعلم فشهادتهم جائزة على بعضهم البعض في كل شيء وعلى ضعفائهم من
المسلمين وعلى أهل العدل من أهل النحلة وعلى فساق أهل الدعوة المتمسكين بالإقرار بالنحلة المنتهكين لما يدينون به بتحريمه وعلى جميع أهل الخلاف من مضل أو مشرك ما لم ينزلوا منزلة دعوى أو قذف أو خصومة إجماعاً.
__________
(1) 1- أهل الاستقامة : يطلق على المذهب الإباضي .
(2) 2- السرقة : أخذ المال خفية من حرز. وسوف تأتي في الحدود .
(3) 3- المحاربة : السرقة الكبرى وهي قطع الطريق. تطلق على من أخاف السبيل وأخذ
المال وقطع الطريق - باب الحدود. (2/137)
صفحة 297
مسألة
[ ب - ضعفاء المسلمين ]
وأما شهادة الضعفاء من المسلمين ممن ثبتت ولايته وهو ضعيف فشهادته
جائزة على أهل الاستقامة من عالم أو ضعيف وجميع أهل الإقرار ما سوى الشهادة منهم على الأولياء بما يجب به الكفر فقد قيل في ذلك اختلاف.
مسألة
[ أهل الثقة ]
وأما أهل الثقة من المقرين بالنحلة ما لم تثبت له ولاية فقيل إن شهادتهم
جائزة على نحو ما يجوز بشهادة أهل الضعف ممن تثبت ولايته في الأحكام
وما سوى المكفران وما ينتقل به المشهود عليه من الإيمان إلى الكفر وعن
حال الوقوف إلى البراءة.
مسألة
[ من الذي تجوز شهادته ]
قول لا يجوز شهادة أحد من أهل الإقرار بنحلة أهل الاستقامة إلا من
تثبت ولايته وإنما العدل منهم هو الولي عالماً كان أو ضعيفاً أو يوجد عن بعض المسلمين أن أهل العدل دون الولي فمن تظاهرت منه الأمانة بفعل معروف أو ترك منكر مما أمر بفعله أو تركه ولم يركب كبيراً ولا أصر على صغير جازت شهادته عليهم فيما خرج مخرج أهل الاستقامة فالعالم هنا والضعيف سيان
في قبول شهادته على أهل الأحكام دون الحدود والمكفرات.
مسألة
[ شهادة أهل الاستقامة على غيرهم ]
واستحسن الشيخ(1) رحمه الله جائزة أهل هذه الصفة على أمثالهم من
ذوي النحلة وعلى فساق أهل الدعوة وعلى جميع قومنا من علمائهم وثقاتهم وغيرهم وجميع أهل الملل في جميع الأحكام من الحدود والحقوق وأحب
الشيخ أن يجوز شهادتهم على جميع أهل الاستقامة دون الحدود والمكفرات.
مسألة
[ شهادة غيرهم ]
وأحب الشيخ رحمه الله أن يجوز شهادة عدول قومنا فيما وافقوا فيه
أصول دين المسلمين من جميع الحقوق وما يتعلق حكمه في الأموال خاصة
دون الحدود والمكفرات والفروج والعتق الذي يتولد منه أحكام الفروج.
مسألة
[ التفريق في الشهادة حسب الولاية ]
وقال الشيخ رحمه الله : إن أهل العدل من أهل نحلة المسلمين ولو لم
__________
(1) 1- الشيخ : هو أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني . (2/138)
صفحة 298
تجب لهم ولاية أعظم منزلة في وجوب الشهادة من علماء قومنا وذوي
الفضل منهم لأن أحكامهم أحكام أهل الاستقامة إلا ما اختلجهم من جهل العالم بهم.
مسألة
[ شهادة أهل النحلة ]
إن شهادة أهل النحلة لا تجوز على المسلمين في جميع الأحكام من
الحدود وذوو الحقوق والمكفرات ولا يخرج ذلك من العدل لثبوت تدينهم
بدين أهل الاستقامة.
مسألة
[ شهادة أهل النحلة على غيرهم ]
واستحسن الشيخ رحمه الله أن تجوز شهادتهم عليهم في جميع
الأحكام ، ما خلا الحدود والمكفرات.
مسألة
[ في الشهادة ]
ولا تجوز شهادة أهل هذه الصفة معنا على من تثبت له الولاية من علماء المسلمين ولا من ضعفائهم في حد ولا مكفرة فينتفل حكم المشهود عليه من الإيمان إلى الوقوف أو البراءة بشهادة من لم يثبت له اسم الإيمان ولا حكم الولاية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:«المسلمون يد على من سواهم يقوم بذمتهم أدناهم»(1)،
ولقوله تعالى: { ما على المحسنين من سبيل } (2) و { لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } (3) .
مسألة
[ شهادة العلماء البصراء ]
وقال بعض المسلمين لا تجوز شهادة ضعفاء المسلمين في الولاية كما لا
يجوز شهادتهم بالإجماع وفي البراءة وإنما ذلك يجوز شهادة العلماء
البصراء، ومثله في البراءة.
مسألة
[ شهادة المجملة غير جائزة ]
__________
(1) 1- الحديث : نص الحديث : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال
رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير
عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدُّهم على مضعفهم ومتسريهم
على قاعدهم ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» أخرجه أبو داود في
الديات رقم 4531 . وإسناده حسن.
(2) 1- سورة التوبة آية 91 .
(3) 2- سورة النساء آية 141 . (2/139)
صفحة 299
وقول أن شهادتهم جائزة على المسلمين في جميع الأشياء من الضعفاء إلا الشهادة بالمجمل من الكفر والفسق والنفاق حتى يبين الشاهدان بماذا كفر المشهود عليه ويكون الذي شهدا به عليه كفراً وأنهما استتاباه فلم يتب فهناك لا تجوز شهادتهما عليه وينتقل عن حال الإيمان والوقوف في حال الكفر والبراءة.
مسألة
[ شهادة الضعفاء على ضعفاء المسلمين ]
وقول لا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين إلا على ضعفاء المسلمين في الأحداث المكفرات وعلى من لا تثبت له ولاية من عدول أهل النحلة
وعامتهم ممن لم يحب له اسم الإيمان والولاية والقفه والعلم من أعلام المسلمين وأئمتهم في الدين.
مسألة
[ الشهادة في الموجبات للكفر ]
وأما ضعفاء المسلمين فلا تجوز شهادتهم في الموجبات للكفر على علماء المسلمين ولا على أئمتهم في الدين ولو وصفوا الحدث وكان مكفراً مع
أهل المعرفة وأنهم استتابوه فلم يتب وإنما الحجة في ذلك علماء المسلمين.
مسألة
[ شهادة أهل الولاية على أهل القبلة ]
واستحسن الشيخ جواز شهادة أهل الولاية من ضعفاء المسلمين على أهل الولاية من الضعفاء وعلى جميع أهل النحلة من ذوي العدالة وجميع أهل
القبلة وأهل الملل في جميع الأحكام والحدود إذا أوضح الشاهدان الحدث
وأنهما استتاباه فلم يتب.
مسألة
[ شهادة العلماء بعضهم على بعض ]
وأحب الشيخ رحمه الله أن تكون شهادة من وصفناه على المسلمين جائزة
وأما على الأئمة في الدين وعلماء المسلمين فلا يكون عليهم حجة إلا شهادة العلماء من المسلمين العلماء منهم فيما ينتقلون به من ولاية إلى عداوة
أو وقوف.
مسألة
[ الشهادة على الأئمة المنصوبين ]
وأما على الأئمة المنصوبين فعلى ضربين في الشهادة إن كان الإمام عالماً
لحق بالعلماء وجازت شهادته فيما تجوز فيه شهادة العلماء وإن كان ليس
بعالم وقد ثبتت ولايته كانت شهادته كشهادة الضعفاء من المسلمين،
وجازت حيث تجوز شهادتهم وبطلت حيث تبطل. (2/140)
صفحة 300
وأما الشهادة عليه فلاحقة بالشهادة على الأئمة العلماء ولا نحب أن تجوز عليه شهادة في المكفرات إلا من العلماء ولو كان هو من الضعفاء لأنه
عظمت منزلته في الإسلام ولحقت بدرجات الأئمة في الدين فالشهادة
ليست كالشهادة عليه.
مسألة
[ شهادة النساء مع الرجال ]
وشهادة النساء مع الرجال في الولاية فيما تجب فيه أحكام البراءة جائزة
على الأصح إلا في الزنا فقد ورد في الأثر بعدم جواز شهادتهن مع الرجال
في الزنا إجماعاً.
مسألة
[ حكم شهادة النساء مع الرجال في الحدود ]
وقول أنه شهادتهن مع الرجال غير جائزة في شيء من الحدود وجائزة
في الحقوق(1) .
مسألة
[ شهادة النساء وحدهن ]
ولم نعلم أن أحداً من أهل العلم قال أن شهادة النساء وحدهن(2) جائزة
في شيء من الأحكام إلا فيما لا يمكن اطلاع الرجال عليه كالشهادة في
العذرة والرتق والعفل وفروج النساء والرضاع وشهادة القابلة وذلك لمعنى
ما لا يطلع الرجال عليه.
مسألة
[ الشهادة على الرضاع ]
وجائزة شهادة المرضعة وحدها على الرضاع إذ هو فعلها خاص في ذلك شهادة الرجال والنساء إلا ما شاء الله مما يشبه ذلك.
مسألة
[ شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ]
فأما إن جازت شهادتهن فيما يكونا لموضع ما لا يطلع عليه الرجال فبطلت شهادتهن في الزنا لعدم جواز اطلاعهن عليه خاصة.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : فإن لم يكونوا رجلين فرجل وامرأتان ]
__________
(1) 1- قال الزهري - رحمه الله - مضت السنة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و الخليفتين =
(2) = من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص. المحلي 9/397 .
1- خالف ابن حزم هذا الإجماع فقال : لا يجوز أن يقبل في شهادة الزنى أقّل من
أربعة عدول من المسلمين أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان فيكون ذلك ثلاثة
رجال وامرأتين أو رجلين وأربع نسوة أو رجلاً واحداً وست نسوة أو ثماني
نسوة فقط. المحلى 9/395 - 396 . (2/141)
صفحة 301
ولما ثبت من قوله تعالى في الأحكام في الشهادة : { فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان } (1) دل على شهادة النساء في غير الزنا جائزة لأنه
لا تجوز فيه سوى شهادة أربعة رجال { فإذا لم يأتوا بالشهداء } (2) كما
قال الله وهم الأربعة فأولئك عند الله هم الكاذبون ولم يستثن نساء.
مسألة
[ عدد الشهود على الزنا ]
فلم خص الحكم في الشهادة من الله بالأربعة في الزنا خاصة ولم يأت
في غيره من الحدود كالسرق والمسكر وغير ذلك لأن ذلك ثابت في جملة الأحكام والمعنى أن نفس الزنا ثابتة فيه شهادة الأربعة فلما ثبتت خصوصية
الزنا ثبت أن مسيناً(3) من سائر الأحكام وثبتت في سائر الأحكام شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
مسألة
[ شهادة المرأة جائز في رفع الولاية ]
وجاء في الأثر عن أهل العلم والبصر أن شهادة المرأة جائزة في رفع
الولاية على قول من أجاز شهادة الواحد في رفع الولاية وإنما التزم الحجة بشهادة الاثنين.
مسألة
[ أ - شهادة النساء في الأحداث ]
وشهادة النساء جائزة في الأحداث على المكفرات بشهادة رجلين فرجل وامرأتان ولا يجوز شهادتهن وحدهن في الإحداث.
مسألة
[ ب - شهادة القن في رفع الولاية ]
وشهادة القن جائزة في رفع الولاية خاصة ولو من أمة وأحدها إذا كانت
ممن تبصر الولاية إجماعاً إلا ما اختلفوا فيه من قبول رفيعة الواحد في الولاية.
مسألة
[ ولاية الأعمى ]
وأما الأعمى فقد اختلفوا في رفع ولايته فأجازها قوم وأبا جوازها آخرون
وأما في سائر الأحكام فلا تجوز إلا فيما اختلفوا فيه على الشهادة في النسب بالصفة على الغير.
مسألة
[ شهادة الأعمى والعبيد في رفع الولاية ]
وأما شهادته في الحدود كالطلاق والعتاق فلا تجوز ولا في شيء من
الأفعال كالبيع والشراء لأنه شهادته تخرج على الظنون ولو عظمت منزلته.
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 182 .
(2) 2- سورة النور آية 13 .
(3) 3- الأصح : أنه مستثنى من سائر الأحكام . (2/142)
صفحة 302
وأما شهادة العبيد الأصحاء الأبصار ففيها اختلاف فالذي يجيز شهادة العبيد في الأحكام يجيز شهادتهم في الأحداث من الزنا وغيره، وحكم
الإماء في الشهادة كحكم الحرائر مع من أجاز شهادة العبيد ولم نعلم دليلاً يبطل قول من أجاز شهادة العبيد إذ هم داخلون في جملة المتعبدين.
مسألة
[ شهادة الضعفاء من المسلمين ]
والضعفاء من المسلمين إذا شهد على الحدث المكفر ولم يتبرءوا من محدثه
فهم حجة على المشهود عليه وإن جهل حكم ذلك الحدث فليس للمشهود
معه على الشهود حجة فإن علم كفر المشهود بما رفعوا إليه جازت البراءة منه.
مسألة
[ متى تكون البراءة من المشهود عليه ]
وأما إذا جهل ما يجب عليه وقامت عليه الحجة بعلم ذلك بوجه حق في المستأنف كان عليه البراءة من المشهود عليه بعد قيام الحجة عليه ممن حجة.
مسألة
[ الشهادة بالحدث ]
وأما إن شهدوا عليه بالحدث وبرؤا منه واتضح للمشهود عنده حكم ما
شهدوا به على المشهود عليه برئ منه.
مسألة
[ متى يكون الشهود قذفة ]
وإذا عزب عليه حكم الحدث وكان المحدث ولياً له ويعلم الشهود ذلك
أو بما تقوم عليهم الحجة بعلمه كانوا قاذفين لوليه ببراءتهم منه عنده ولو لم يبرؤا كانوا حجة بالشهادة وقد أباح الشهود من أنفسهم للمشهود ومعه
حكم براءة الرأي من أجل قذفهم وأما إن شهدوا عليه بالحدث ولم يبرؤا
منه كان حجة عليه وليس على البراءة وليه(1) ولا له ولايته بدين بعد قيام الحجة عليه بالحدث وإن جهل حكم الحدث ولكن له أن يتولى وليه حتى
يتضح له علمه كفره أو بما تجب له البراءة منه.
مسألة
[ حكم البراءة من القاذف ]
وأما إن برؤا من وليه وعلم حكم القذف وكانت له البراءة من قاذف
وليه برأي إن كان حدثه لا يوجب عليه البراءة.
مسألة
[ شهادة الضعفاء على الكفر ]
وأما إذا شهد الضعفاء على الكفر وما أشبهه من غير تفسير لما أحدث
المحدث كانوا قاذفين للولي مدعين فيمن لا ولاية له عند المقذوف معه ولا
__________
(1) 1- الأصح : ولاية . (2/143)
صفحة 303
تجوز شهادة قاذف ولا حجة لمدع ولا منه لأن الضعفاء لا تقوم بهم الحجة في تفسير الأسماء.
مسألة
[ الشهادة بالمعاينة ]
ثم اختلفوا في ثبوت الشهادة على المشهود عليه فمن تجوز شهادتهم فيما
تجوز فيه شهادة الشاهدين على من يجوز عليه فقول : لا تجوز الشهادة على الأحداث الموجبة للبراءة إلا بحضرة المشهود عليه كائناً من كان الشاهدان والمشهود عليه وتفسير منهما بركوب الحدث وحكمه وأنهما عايناه منه أو
سمعا كالشهادة على الزنا أنهم رأوا من الزاني والزانية كالميل في المكحلة.
مسألة
[ متى تهدر الشهادة ]
وأما إذا لم يغير ذلك الشهود على الزنا كائناً من كان الزاني وكائناً من
كان الشهود ما كانوا في ذلك حجة عليه ولهدرت لوجوب الحد.
مسألة
[ الشهادة بالسكر والقذف ]
وكذلك في الخمر والقذف حتى يغير الشهود ذلك وأن القاذف المشهود
عليه قذف هذا بالزنا بلفظ بصفة الشاهد يوجب قذفه للمقذوف بحضرة المشهود عليه.
مسألة
[ إقامة الحد بحضرة الشهود ]
وأما إذا وجب عليه الحد أقيم عليه بحضرة الشهود فلعلهم يرجعون عن شهادتهم قبل إقامة الحد عليه أو لعل المحدث يأتي بحجة يدرأ بها عن نفسه حقيقة ما شهد به عليه المشهود أو توجب بشبهة يدرءوا عنه بها الحد.
مسألة
[ شهادة الشاهدين بحضرة المحدث ]
وقول أن شهادة الشاهدين على المحدث بحضرته جائزة إذا علم أنهما
أدرك الوقت الذي يشهدان عليه فيه أنه أحدث ذلك الحدث فيه وأنه لم
يفسرا الوقت إذا شهدا قطعاً ولم يضيفا ذلك إلى ذلك إلى شهرة ولا يقبل شهادة عن شهادة وكان المشهود عليه حاضرا لا يدري عن سبب نفسه
ببطل شهادتهما لأن الشهود إذا شهدوا قطعاً أحسن بهم الظن.
مسألة
[ الاختلاف في الشهادة في حضرة المشهود عليه ]
واختلفوا في الشهادة عليه في حضرته فقول غير جائز في حضرته حيّاً
كان أو ميتاً عالماً أو ضعيفاً إماما أو رعوانيا وقول تجوز على الحي الغائب ولا تجوز على الميت كائناً ما كان الحي والميت.
مسألة (2/144)
صفحة 304
[ الشهادة على الضعيف من المسلمين ]
وأما الضعيف من المسلمين الحي فقال بعض أهل العلم تجوز الشهادة عليه
ولا تجوز على العلماء والأئمة إلا بحضرتهم كان الشهود علماء أو ضعفاء.
مسألة
[ الشهادة على الضعيف الحي ]
وأما إذا كان الشهود علماء والمشهود عليه ضعيفاً ممن لا تثبت له ولاية
ولا عداوة جازت شهادتهم عليه وبطلت إذا مات وقول تجوز الشهادة على الحي الغائب ولا يبرؤا منه حتى يتوب وتسمع حجته فإذا لم يدرأ الحجة عن نفسه برء منه ضعيفاً كان أو عالماً إماماً أو عامياً.
مسألة
[ الشهادة على العلماء والأئمة ]
واختيار الشيخ رحمه الله أن الشهادة لا تقبل على العلماء ولا الأئمة
العلماء ولو كانوا بحضرتهم وتفسير ما أتوا من على شهادة من شهد عليهم
في ذلك من العلماء.
مسألة
[ الشهادة على الأموات ]
وأما الشهادة على الأموات فمختلف في جوازها إلا على العلماء والأئمة
في الدين الذين ماتوا على حكم الولاية فهؤلاء لا تجوز الشهادة عليهم بالبراءة وأسبابها مما ينقلهم عن حكم ما ماتوا عليه إجماعاً.
مسألة
[ الشهادة على أئمة الضلال ]
وأما ما سوى هؤلاء فمختلف في الشهادة على أمواتهم قول جائز وقول
أنه كل من مات فقد ماتت حجته وغير قائمة عليه الحجة فيما يتعلق منه بالنفس والبراءة حكم في النفس وكائناً من كان في الميت وكذلك اختلفوا
في الشهادة على أئمة الضلال المبتدعين الذين قد هلكوا قول أن من لم
يصح معه حدث هذا الميت قبل موته بنظر أو سماع أو شهرة فلا تجوز عليه، وقول ذلك جائز في أئمة الضلال خاصة ثبت في الأئمة عند من جهل أمره
لا مكان ذلك فيه ولثبوت الإجماع أنه لا يجوز عليه الشهادة.
مسألة
[ منزلة العلماء ]
فإن قيل إن العلماء مأمونون أنهم لا يشهدون على أحد من الأئمة بالضلال
لأن العلماء يحسن بهم الظن قلنا له فتحسن الظن بهم أبطلت حكم الإجماع (2/145)
صفحة 305
أو بحسن الظن أجزت تقليدهم وإن كفروا أو بحسن الظن بهم شهدت لهم بالعصمة فيما غاب عنك أنهم لم يشهدوا زوراً هذا كله باطل.
مسألة
[ شهادة القابلة على الولادة ]
وأما شهادة القابلة فمقبولة إذا قالت أن الولد خرج حياً من بطن أمه إذا
كانت عدلة ولا يقبل قولها أنه ذكر أو أنثى إلا بشهادة عدلين لأن الأول لا يمكن اطلاع الرجال عليه والثاني ممكن.
مسألة
[ الشهادة على الزواج والطلاق ]
وجائزة شهادة غير العدلين في التزويج واختلفوا في الرد من الطلاق
فأجازه بعض وأباه آخرون وهذا هو أرجح القولين ولا تجوز شهادة(1) من
تجر لنفسه نفعاً بشهادته خلا النفع أو نزرا وكذلك من نكث الإثم شهادته مردودة عليه ولا كرامة له.
مسألة
[ عدم جواز شهادة الخصم على خصمه ]
وهدرت شهادة الخصم(1) على خصمه أو دافع مغرماً عن نفسه أو
مجّلب لها نفعاً وكذلك الوكيل لمن وكله باطلة، وأجازوا شهادة وكيل
اليتيم(2) والمعتوه(3) والأعجم(4) وكذلك شهادة وصي هؤلاء والمحتسب(5) لهم
إذا جعله حاكم جائز على الأصح.
مسألة
__________
(1) 1- لأن الشهادة هنا مظنة تهمة. لقوله ص : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة،
ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت». رواه أبو داود.
انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ص 290
رقم 1429 .
(2) 1- اليتيم : جاء في المصباح المنير 2/848 : اليتيم في الناس من قبل الأب فيقال :
صغير يتيم. والجمع أيتام ويتامى وصغيرة يتيمة وفي غير الناس من قِبل الأم
وأيتمت المرأة إيتاماً. فإن مات الأبوان فالصغير لطيم وإن ماتت أمه فقط فهو
عجِي. ودرة يتيمة : أي لا نظير لها.
(3) 2- العته : نقص في العقل من غير جنون أو دهش، المعتوه - المدهوش من غير مس
ولا جنون المصدر نفسه 2/465 .
(4) 3- الأعجم : هو نفسه الذي لا يحسن الكلام وهو عربي أي لكنة في اللسان.
المصدر نفسه 2/469 .
(5) 4- المحتسب : هو الذي يشهد حسبة لله تعالى. (2/146)
صفحة 306
[ حكم شهادة الأقلف والعبد الوثني ]
ولا تجوز شهادة الأقلف ولا العبد الوثني المنتمي لسوى عشيرته ولا
النساء بلا رجل وفي شهادة العبيد اختلاف وأجازوا شهادة النساء على ما
لا يطلعوا عليه الرجال.
مسألة
[ شهادة الأصول للفروع ]
وشهادة الوالدين لولدهما مردودة ولا سيما الأب بأنه يشهد لنفسه إلا
في النكاح والرضاع والحد أو القصاص فجائزة ما لم يأخذ بشهادته ديّة.
مسألة
[ شهادة الفروع للأصول ]
والولد العدل جائزة شهادته لأبويه ولا تجوز شهادة الصبي والأعمى إلا
فيما خص الأعمى من الشهادة في النسب خاصة وإذا شهد العدلان بتحقيق شهادة الأعمى في النسب حكم للمشهود له بالنسب.
مسألة
[ النيابة في الشهادة ]
وتجوز الشهادة عن أهل الأذى إذا كان ذا وصب(1) أو سلطان عنه غته أمور رعيته كالإمام أو القاضي إذا تداعيا الخصمان مع غيرهما أو حملا الشهادة غيرهما ومثلهما النساء المخدورات وليشهد عن كل واحد منهما شاهدان.
مسألة
[ تحمل الشهادة على الميتم ]
وإذا تحملت امرأة شهادة فهلكت فإنها تقبل شهادة امرأة حرة عنها
بعد الممات.
مسألة
[ الشهادة على الرضاع ]
وإذا شهدت امرأة غير عدلة برضاع بين اثنين قبل قولها قبل النكاح
وبعده لا حتى تكون عدلة مسلمة اختلفوا في شهادة الفن وعابدات الوثن
في الرضاع قبل النكاح.
مسألة
[ تعارض البينة ]
وإذا شهدت البنية على حدث وشهدت أخرى ببراءة من شهدت البينة
عليه الحدث فالبينة هي الأولى والأخرى معارضة لا تقبل.
مسألة
[ الشهادة بالشهرة ]
وأما الشهادة على الشهرة في الأحداث على الأحياء والأموات ففي ذلك اختلاف قول لا تجوز على مسلم ولا تكون إلا على السماع والعيان أو
القطع وقول : ذلك جائز على سبيل ما تجوز الشهادة على السماع والعيان
في كل من تجوز الشهادة عليه.
مسألة
[ الرأي الراجح في الشهادة على الشهرة ]
__________
(1) 1- وصب : وجع. شهادة الرجل المريض . (2/147)
صفحة 307
وجائز الشهادة على أئمة الضلال والأصح أن الشهاد على الشهرة غير
جائزة في جميع الأحداث والحدود والقصاص وجميع الحقوق إلا ما خص
من ذلك النكاح والأنساب والموت وما تلد من أسباب الموت.
مسألة
[ الشهادة على النكاح بالسماع أو الشهرة ]
وكذلك ما يكون مخرجه مخرج النكاح من شهرة الأصهار والرضاع
وما أشبهه وكذلك الولي الشاهر فإنه لاحق ملحق الإنسان فالموت وشبهه والنكاح وشبهه والأنساب وشبهها فقيل تجوز الشهادة فيها على الشهرة.
مسألة
[ الشهادة على الضرب والحقوق ]
وأما الشهادة على الشهرة في الضرب والقتل وما يتعلق حكمه في
الأبشار فلا يثبت بذلك قول ولا قصاص ولا ديّة إجماعاً وكذلك الشهادة
على الحقوق كالطلاق والعتاق والإقرار والوصايا والبيع والشراء وما أشبه
ذلك فلا نعلم أن أحداً أجاز الشهادة فيه على الشهرة والبراءة معنا بالحدود أشبه من النكاح والموت والإنساب.
مسألة
[ الشهادة على الحي بالشهرة ]
فإذا شهد الشاهدان على حدث من أحدثه ممن تجوز الشهادة عليه وبينا
أن ذلك من طريق ما صح معهما من الشهرة لحدثه فلا يجوز ذلك فإن
أكذبا عن ذكر الشهرة وشهدا عليه قطعاً وكان حياً جازت شهادتهما عليه.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة في الأحداث ]
وأما الشهادة على الشهادة في على(1) الأحداث في البراءة فغير جائزة إلا
ما جرى اختلافاً من أجازتهما في الحقوق كالنكاح والطلاق والعتاق
والموت والإقرار وما أشبه ذلك.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة في الحدود ]
ولا تجوز الشهادة عن(2) الشهادة في الحدود كلها إجماعاً واختلفوا في
الشهادة عن الشهادة في القتل الموجب للقود(3) والجروح الموجبة للقصاص فأباها قوم وأجازها آخرون وإجازتها أصح لأنها تخرج مخرج الحقوق
__________
(1) 1- الأصح : الشهادة على الشهادة في الأحداث .
(2) 2- الأصح : الشهادة على الشهادة .
(3) 3- القود : القصاص. يقاد الرجل بقاتله . (2/148)
صفحة 308
ولأن بعض العلماء أجازوا شهادة قومنا في الحقوق ولم نعلم أن أحداً أجاز شهادة الشهرة على الحقوق إلا فيما قدمنا ذكر جوازها.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة في الأحداث ]
واختار الشيخ رحمه الله أن الشهادة(2) عن الشهادة في الأحداث والحي والميت فيهما سيان وفي أئمة الضلال لأن البراءة حد من الحدود فما جاز
فيها جاز في الحدود.
مسألة
[ الشهادة على الإقرار ]
وأما الشهادة على الإقرار(1) المحدث بحدثه هدر عنه الحد للشبهة فإذا
وقع عليه أو الحد فلا ينفعه رجوعه إذا كان لزوم الحد عليه من قبل الإقرار
عند الحكم أو شهادة الشهود وهكذا حكمه البراءة ويحسن في هذا
الاختلاف أنه إذا أقروا شهدت عليه البينة لا ينفعه إنكاره كان ذلك قبل
إقامة الحدود عليه أو بعدها.
مسألة
[ الشهادة على الشهادة على الشهرة ]
فإن قال قائل فلم لا تقبلون الشهادة عن الشهادة وعلى الشهرة في الأئمة السالفين الشاهر ضلالهم إذ ذلك لا يدرك علمه إلا عن الشهادة والشهرة قلنا لا تقبل ذلك ما لم يتضح لنا حكم إحداثه ولكنا نجامع المسلمين ويتولاهم
على البراءة منهم إلا أن يتضح لنا خلاف من أحد وفي أحد من العالمين.
مسألة
[ الشهادة على البراءة ]
فلما إن وجدنا الشهادة على البراءة في جميع الأشياء يلحق ملحق
الحدود بل لم تعلوا ألم نحب أن نترك فضل ما عرفنا وعدل ما أبصرنا فيما ألزمنا أو لزم من التمس منا.
مسألة
[ الشهادة على الشهرة في أمر الأحداث ]
وأحب الشيخ رحمه الله أن لا تقبل الشهادة على الشهرة في شيء من
الإحداث في أمر البراءة كائناً من كان الشهود وكائناً من كان المشهود عليه من الأحياء ولا الأموات أو الحاضرون والضاربون في ذلك سيان.
النهج الثامن
فيما يجوز للإمام وما لا يجوز(2)
__________
(1) 1- الإقرار : هو الاعتراف. والإقرار سيد الأدلة. وهو حجة قاصرة على المقر .
(2) 1- هذا النهج يعرف في الفقه من أبواب السياسة الشرعية. والإمام الحق هو الذي
يتم اختياره ممن يستحقون هذا المنصب الخطير وهو الذي يبايع على حماية البلاد
والعباد وتطبيق شرع الله على القوي والضعيف والزعيم والحقير. (2/149)
صفحة 309
مسألة
[ من هو الإمام ]
قال الله تعالى : { يا أيها الذي آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولو
الأمر منكم } (1)فأجمع أهل الإقرار من جميع أهل القبلة أن أولي الأمر هنا
هم الأمراء والأئمة وإن اختلفوا في لزوم طاعة الأئمة على اختلاف أحوالهم.
مسألة
[ وجوب طاعة الإمام ]
وأجمع أهل الاستقامة على طاعة الإمام العدل ما أطاع الله ورسوله وعمل بالكتاب والسنة والإجماع وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لو وليكم حبشي مجدع وأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا»(2) . وقال الله تعالى:
{ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً } (3) و { ولا تطع كل حلاف مهين } (4) .
مسألة
[ خطبة الصديق عندما تولى الخلافة ]
وجاء الأثر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال في خطبته : «إني وليتكم
ولست بأخير منكم فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».
مسألة
[ طاعة الإمام واجبة ما أطاع الله ورسوله ]
وأجمع أهل الإسلام أن الإمام إذا ثبتت إمامته بوجه حق فطاعته لازمة واجبة مالم يخالف الكتاب والسنة والإجماع ممن كان قبله أو من أهل عصره من المسلمين فما لم يأت بشيء مما ذكرنا فطاعته ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.
مسألة
[ طاعة أئمة الجور ]
واختلف الناس سوى أهل الاستقامة في طاعة أئمة الجور وأجمع أهل
الاستقامة على طاعة الإمام العادل لقوله تعالى: { وأولي الأمر منكم } (5)
__________
(1) 2- سورة النساء آية 59 .
(2) 3- نص الحديث : وأخرج البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول =
(3) = الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن
رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله». البخاري 13/108 في الأحكام باب
السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية. وفي الجماعة باب أمام العبد والمولى.
1- سورة الإنسان آية 24 .
(4) 2- سورة القلم آية 10 .
(5) 1- سورة النساء آية 59 . (2/150)
صفحة 310
فلما وقع الشرط من الله أنه منا وتعبدنا بالطاعة والإيمان علمنا أن من لم
يكن منا ليس تلزمنا طاعته.
مسألة
[ الإمام أن يكون من المؤمنين ]
فإن قيل فإذا صح تأويلكم فقد أوجب الله الطاعة لأولي الأمر من
المؤمنين على أولي الإيمان فلا طاعة للإمام عليه قلنا لما أن خاطب الله الناس كافة أن يكونوا مؤمنين فمن الخطاب خلص وهذا خطاب عام إجماعاً.
مسألة
[ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ]
ولو كان ذلك الخطاب خاصاً للمؤمنين بمن فيهم قد كان قد انقضى
لذهاب المخاطبين به ولكن إنما هو خطاب عام بطاعة أولي الأمر من المؤمنين في الطاعة لا للمعصية لأن المعصية ليست معها إيمان.
مسألة
[ الخاطب بصيغة الجمع للفئة المؤمنة ]
ووجدنا الله تعالى لا يخاطب بالأمور الجامعة إلا المؤمنين لثبوت الإيمان
على الكافة لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } (1)
وقوله : { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } (2) وما خاطب الله المؤمنين فهو خطاب للمتعبدين.
مسألة
[ ثبوت ولاية الإمام كما ثبتت طاعته ]
وأما ولاية الإمام فإن لم تكن نصاً من كتاب الله فيه خاصة كما لم تكن طاعته نصاً من كتاب الله فإنها داخلة في جملة من تثبت ولايته من
المسلمين والمؤمنين وحرمت طاعته على كل كفار أثيم وإن تثبت طاعته مع طاعة الله ورسوله تثبت ولايته لقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله
والذين آمنوا } (3) { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } (4) .
مسألة
[ معرفة عدل الإمام ]
وإذا قامت على المتعبد الحجة بشواهد معرفة عدل الإمام لم يسعه جهل
عدل معرفته إذا كان من أهل عصره ومصره فإن جهل ذلك جاهل وضعف عن ولاية الإمام وتولى العلماء على ولايتهم للإمام ولم يضيع ما لزمه من
حق الإمام فواسع له ذلك.
مسألة
[ حكم من لا يطيع الإمام ]
__________
(1) 2- سورة المائدة آية 6 .
(2) 1- سورة النساء آية 135 .
(3) 2- سورة المائدة آية 55 .
(4) 3- سورة المجادلة آية 22 . (2/151)
صفحة 311
فإن أعان على الإمام أو ترك ما يلزمه من نصرته وطاعته أو يبرأ منه
أو وقف عنه بدين أو برأ من العلماء إذا تولوه ونصروه أو وقف عنهم برأي أو بدين أو وقف عن ضعيف ممن تثبت عليه الحجة بولايته بدين هلك.
مسألة
[ هل العلماء أوجب طاعة من الأئمة ]
فإن قيل فالعلماء عندكم أوجب حقاً من الأئمة إذا قلتم أن ولايته للعلماء
تجزيه عن ولايته للإمام العادل وعن براءته من الإمام الجائر قلنا له جاء الأثر
أن يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤا
من العلماء إذا برؤا من راكبه أو يقفوا عنهم.
مسألة
[ في البراءة والولاية للجائر ]
وقال بعض أهل العلم أنه لا يسع جهل ولاية الإمام العادل ولا البراءة من
الجائر كل من شاهدهما وحضر عدل العادل أو جور الجائر.
مسألة
[ تلزم طاعته بتحقق شروط الطاعة ]
وأجمعوا أن لا طاعة على من لم يحمه وتمنعه من الجور والعدوان إلا من
خصه ذلك من إلزام نفسه طاعة الإمام له وإنما تلزم طاعة الأمام أهل مصره والمستولي بالبيعة عليه الذاب له من الجور فهنالك تلزم طاعته أنفذ في رعيته جميع الأحكام.
مسألة
[ الامتحان قبل تولي المسؤولية ]
ولو أن أحداً من رعية الإمام ممن يقدر على نصرته في جميع الأحكام
عافاه من أن يمتحنه الإمام باستعماله في شيء من مصالح الإسلام حتى مات بذلك سالماً ولم تلزمه طاعته في مخصوص أمره.
مسألة
[ تقديم من هو أحق بالإمامة ]
وأما تقديم الإمام إماماً على المسلمين عند المكنة منهم والقدرة وزوال
العذر من التقية(1)
__________
(1) 1- التقية : من أتقى. أي أخذ الحيطة والحذر. أتقي الشر بيدي، أي أحذر الشرور
وأجعل بيني وبينه حائل. والتقية : أن تظهر لشخص المحبة أو السمع والطاعة
وقلبك خلاف ذلك خوفاً من شره. فمن المذاهب الفقهية كالإمامية عندهم
التقية جزء من العقيدة. أما غيرهم تجوز التقية في خوف من تتقي على نفسك
أو أهلك أو مالك. والله أعلم. (2/152)
صفحة 312
وحضرة من هو حجة في تقديمه فقد قيل إن ذلك لازم للمسلمين ولا يسعهم تركه بعد القدرة عليه.
مسألة
[ أهمية العقد والمبايعة ]
وقول إن ذلك لا يلزمهم الدخول فيه ولا العقد له وإنما هم مخيرون في
ذلك فإن دخلوا فيه وجب عليهم القيام به وزال التخيير وكانوا حجة للإمام وعليه فيما قد ألزموا أنفسهم من ذلك وكان قد خرج من حد النفل إلى الفرض وقيل دخولهم فيه لم يلزمهم الدخول في نفل يصير بدخولهم فيه فرضاً.
مسألة
[ لا يجب فرض باختيار ]
وأما إذا لزم الفرض بدخول غيرهم ممن هو حجة لزمهم الدخول في
الفرض والوقاية وهذا أشبه بأحكام الكتاب والسنة أنه لا يجب فرض
باختيار وأن كل اختيار هو نفل.
مسألة
[ عدد من يجب عليهم تنصيب الإمام ]
فإن قيل فكيف يكون ما أصله وسيلة فإذا دخل فيه الداخل صار فرضاً
قلنا لو اجتمع أربعون رجلاً فصاعداً من المسلمين في حال لا يكونون
قادرين ضعفاء وكانوا في حال التقية وفيهم من يقوم به عقد الإمامة فعقدوا الإمام في حال لم يكونوا به مخاطبين بذلك كان ذلك الإمام إماماً وأن له
من الطاعة ما للإمام المعقود له في حال لمن خصه من الناس فهذا ما أصله وسيلة فصار بالدخول فيه فرضاً.
مسألة
[ مثال : كفارة اليمين ]
فإن قال قد جعل الله في كفارة الأيمان الخيار بين العتق والإطعام
والكسوة قلنا لأن هذا أمر قد دخلوا فيه ورام الخروج منه والعقد لم يدخل
فيه فليس عليهم الدخول في أمر هم فيه مخيرون وسالمون قبل الدخول.
مسألة
[ الأصل الذي قيس عليه ]
فإن قيل فبأي عله شبهتهم وعلى أي أصل نستم(1) قلنا بالنكاح لأن أوله باختيار فإذا عقد صار فرضاً ووجب عليه ما للزوجة من معاشرة ونفقة وغير ذلك من ميراث ولا ينحل إلا بطلاق.
مسألة
[ مناقشة القياس ]
__________
(1) 1- الأصح : وعلى أي أصل نسبتهم ، أو على أي أصل قستهم . (2/153)
صفحة 313
فإن قيل إن الإمامة فريضة على كافة المسلمين والنكاح إنما هو فرض على الزوجين قلنا فإذا كانت الفرائض تنعقد بما كان أوله اختيار فسواء كانت
عامة أو خاصة والإمامة أشبه أحوالها بالنكاح ويستدل على الشيء بشبهه.
مسألة
[ الرد على المناقشة ]
فإن قال ليس الإمامة بمنزلة النكاح ولا شبهة به لأن الإمامة فريضة لازمة والنكاح إنما يدخل فيه العبد لقضاء شهواته ولذاته قلنا النكاح أشبه شيء بوجوب الإمامة لعلامات ذلك في كتاب الله ولا نقول أن ذلك على
الفرض بل على إطلاق قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من
النساء } (1) والإمامة ليس لعقدها علامة.
مسألة
[ غصب الإمارة والإمامة ]
واختلف الناس في غصب الإمارة والإمامة والاستبراز لها وأبنوا لها على
ذلك الطاعة وقالوا أنهم أولوا الأمر ولم نعلم أن أحداً قال بذلك في النكاح
من أهل القبلة ولا غيرهم.
مسألة
[ متابعة النقاش والرد ]
فإن قال النكاح اختيار بوجوب فرضاً يراد به بلوغاً لشهوة ولذة والإمامة باختيار يوجب فرضاً لأداء فرائض الله وإزالة محارمه وبلوغ إلى إقامة
حدوده قلنا كذلك عقد النكاح يوجب حقوق للزوجين على بعضهما
لبعض لا تجب إلا بعقد ذلك الفرض الذي صدر على الاختيار من الكسوة والنفقات وحسن الصحبة والمعاشرات.
مسألة
[ متابعة النقاش والرد ]
وأجمعوا على أن الذي يدرك الزوج من الزوجة لا يصح إلا بنكاح
وأجمعوا أن عدم عقدة الإمامة للإمام جائزة لأولي العقدة من علماء
المسلمين أن يقوموا بما يجوز أن يقوم به الإمام من أمر بمعروف ونهي عن
منكر وعقد رايات ومحاربات ونفقات غير ذلك وتزويج من لا ولي له
من النساء.
مسألة
[ من يقيم الحدود ]
وأما الحدود فقد اختلفوا في إقامتها فقول إنها لا يقيمها غير الإمام لقوله
تعالى: { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } (2) الآية.
__________
(1) 1- سورة النساء آية 3 .
(2) 1- سورة النور آية 8 . (2/154)
صفحة 314
وقال بعض جائز أن يقيم الحدود غير الإمام إذا تعذر واحد أنه(1) لقوله
تعالى: { فاجلدوهم ثمانين جلدة } (2) فالخطاب الأول للمفرد والثاني للجمع لأن الحدود ضرب من الأحكام، وما جاز في الأحكام جاز في الحدود.
مسألة
[ مقدار الشهادة على مبايعة الإمام ]
وإذا شهد اثنان فصاعداً من علماء المسلمين من أهل المصر أنهم بايعوا
الإمام وخطب لهم بالإمامة بحضرة من تقوم به الحجة في عقد الإمامة
وكانوا في حال القدرة على الإمام في الإنكار عليه والعاقدين له الإمامة أن
لو أتوا بما لا حجة لهم فيه على المسلمين من الباطل ولم ينكروا حتى افترق المجلس فقد تثبت إمامة الإمام على من حضر وغاب وليس لأحد دفع ذلك والامتناع أن يبيح فيه إلا أن يوضح حجة على المسلمين وإمامهم.
مسألة
[ متى تجب ولاية الإمام وطاعته ]
ومن شهر لديه عقدة الإمامة ولم يشهر له عقدة العاقدين له ولا بين من
الأعلام نكير على الإمام أنه متدين بباطل فقد وجبت ولاية الإمام وطاعته.
مسألة
[ بيعة المنتحل للباطل ]
وإن صدرت بيعة الإمام من منتحل الباطل فهذا الأمام ضلال مبطل لقوله
تعالى: { ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } (3) .
مسألة
[ صدور البيعة من مجهول الحال ]
وإن صدرت بيعته من مجهول الحال وكان المبايعون له العوام فلا نحب
لمن لم يعرف الإمام ولا كيفية عقدته أن تكون له حجة في إمامته ولا في ولايته ولا البراءة منه حتى يتضح أمره فإذا اتضحت سيرته وبلغت دعوته
حكم عليه بما اتضح من أمره ضلالاً كان أو هدى وإن اختصم هو والعلماء صاروا هم أحق بالأمر منه واختاروا لأنفسهم ما وافق الحق وإن دان له
العلماء بالطاعة كانوا له حجة وإن أنكروا كانوا حجة عليه.
مسألة
[ تصديق الإمام وسؤاله ]
وأما تصديق الإمام وسؤاله فهو مصدق وعلى قول من قال بتصديق
__________
(1) 2- الصواب: وجدانه .
(2) 3- سورة النور آية 4 .
(3) 1- سورة النساء 141 . (2/155)
صفحة 315
الواحد في عقد الإمام لأن الواحد إنما هو حجة بمنزلة المدعي والحجة الاثنان على معنى الرقيعة(1) للولاية ولصحة العقدة فإذا كان الإمام بصيراً بالولاية والبراءة مأموناً وادعى أنه أخذ الإمامة عن من يجوز أخذها منه جاز تصديقه لمن أراد تصديقه ولكن حجته على من أبى تصديقه إلا أن يكون بمنزلة من يظهر أمره على الرعية ويدينون بطاعته وتعذرت عليه صحة ذلك لما قد تقدم
من صحة عقد إمامته فإني أحب أن يكون هنا حجة لئلا ينهدم أمر المسلمين.
مسألة
[ زوال إمامة الإمام ]
قال المصنف(2) هذا نظير من ادعى الجهل بما زالت به إمامة الإمام بعد
شهرته في الرعية وأنه لم يعلم ذلك وهذا محال.
مسألة
[ سؤال الإمام ]
وأما سؤاله فلا يجب ولا سؤال غيره ما لم تقم الحجة بباطله فيبرأ منه أو
عدله فيتولاه وإن توسل سؤاله فأخبره وهو ممن يبصر ذلك وسعه.
مسألة
[ الإقرار له بالولاية ]
وأما بيعته فإذا صحت إمامته فإنما عليه الإقرار بالإمامة والطاعة ولا يجدد
له أمراً ولا عليه فإذا صحت عقدة الإمام من أهل الحجة فهو محق وإن
صحت من أهل الباطل فهو مبطل حتى يتضح منه أحد الأمرين.
مسألة
[ استخلاف الإمام عن طريق الوصية ]
وأما إذا كانت أحكام العدل ظاهرة ومات الإمام وعقد لغيره في موضعه
فهو إمام تجب إمامته وولايته ولا يبحث عنه ما لم يظهر عليه الأَعلام نكير.
مسألة
[ من هم العاقدون للولاية ]
وإن كان العاقدون من أعلام المصر المنصوبين للفتيا ولو كانوا عدولاً ولا
__________
(1) 1- الرقيعة: من الرقعة، الرقاع التي تكتب، والرقعة الخرقة. تقول من رقع الثوب.
والرقيع : سماء الدنيا وكذلك سائر السماوات. وفي الحديث : من فوق سبع
سماوات. وفي رواية من فوق سبعة أرقعِة والرقيع والمرقعان بالفتح الأحمق.
والله أعلم.
(2) 1- المصنف : مؤلف الكتاب المشروح . (2/156)
صفحة 316
ليسوا بأعلام من منصوبين وإن كانوا عالمين بما دخلوا فيه من عقدها ويتولى بعضهم بعضا وصحت ولايتهم مع أرباب زمانهم فذلك حد علمهم ولو لم يعلموا فنون العلم كلها.
مسألة
[ مهمة الإمام ]
وأما الإمام فلا نعلم أحداً يقال أنه منصوب للفتيا وإنما المنصوبون الأئمة
في الدين للأحكام وإقامة الحدود وأما العلماء فمتفاضلون في العلم بقدر
منازلهم فيه.
مسألة
[ أحوال الشهادة مع أحوال الأزمنة ]
عن القاضي عيسى(1) في شهادة عقد الإمام عند من خفي عليه أمره فإذا كانت أيام فتنة فلا تقبل شهادة العالم الواحد حتى يشهد عالمان وقبل شهادة الواحد لمن أشكل عليه أمر الإمام مقبولة.
مسألة
[ أهمية معرفة أهل الدار ومذهبهم ]
ومن ولج دار وبها إمام وعزب عليه علم سيرته فوجد أهل الدار على دين
أهل الاستقامة لزمته ولاية الإمام لأن ولايته لازمة وإن وجدهم مختلفين فيه وكلهم على دين المسلمين فهو على إمامته حتى يزيله عنها حدث.
مسألة
[ الإمام حسب الأغلبية ]
فإن كان ضارباً فآب فوجب بالمصر إماماً ورام أن يبايعه فإن كان المصر
غالباً عليه أهل الاستقامة ولم يكن فيه من يضاددهم بالخلاف ولزمت
نصرته وثبتت بيعته أو لم يبايعه وإن غلبت على أهل المصر السائرين بدين(2) الضلالة فهو مبطل وإن كان مختلفاً فمشكوك وكل مشكوك موقوف عنه.
مسألة
[ اختلاف أهل المصر ]
وأما إذا كان المصر الغالب فيه دعوة المسلمين غير أن أهل المصر
مختلفون في مشكل فبرأ بعضهم من بعض فقد خرجوا من حكم أهل
الاستقامة عند الطاري إذا علم البراءة ولم يعلم على ما يبرءون سبقت لهم
عنده حالة فهم على حالتهم.
مسألة
[ التأكد من إمامة الإمام ]
وإذا سئل الإمام عن إمامته فعليه أن يبين لعلماء المسلمين صحة إمامته لتقوم الحجة عليهم وتلزمهم طاعته وليس عليه أن يبين للعوام لأنهم تبع للعلماء.
مسألة
__________
(1) 1- لم أعثر له على ترجمة ولا ذكر فيما اطلعت عليه .
(2) 1- في الأصل : السد بدين الضلالة . (2/157)
صفحة 317
[ سؤال أهل الفضل له ]
وأما إن سئل أهل الفضل ومن تقوم به الحجة في المصر على العوام فعليه
أن يبين لهم ما هو مخفي أمره في أصل إمامته.
مسألة
[ الادعاء يحتاج إلى إثبات ]
وإذا ادعى صحة إمامته فلا تقبل منه إلا أن يظهر ممن عقد له من
المسلمين صحة ذلك.
مسألة
[ إذا لم يسأل لا داعي للإظهار ]
وإذا لم يسأله فليس عليه إظهار ذلك إليهم حتى يسألوه لأن عنده أن
أهل مملكته راضون به وإنما ينبغي له أن يوضح سلامة حاله إذا كان أمره
مخفياً في رعيته وظن أن أمره ملتبساً عند الرعية ليزيح الشك وسوء الظن
عن نفسه.
مسألة
[ قبول ما قبل المسلمون ]
وعن بشير(1) وإذا سئل عن من عقد له فقال قبلتها من المسلمين قبل منه.
مسألة
[ وجوب طاعة الإمام على الغرباء ]
أبو محمد(2) رحمه الله في وجوب طاعة الإمام على الغرباء القادمين من
غير مصره فلا يحتاجون إلى معرفته بالبينة العادلة بل يعلمون بالقلنسوة
وإنفاذ الأمر واجتماع الناس عليه وبالدلائل من قلوبهم.
مسألة
[ إذا عقد الجماعة لا يجوز المخالفة ]
وإذا عقد الجماعة الذين هم حجة الله للإمام فيما ظهر أنهم على الحق
فهو حجة للرعية وعليها ولو عقدوها لزنديقي فيما خفي ولو بايعوه في سرائرهم على بيعة الخوارج(3) والروافض والمرجئة.
مسألة
[ ولاية أئمة العدل ]
وأجمع المسلمون على ولاية أئمة العدل والبراءة من أئمة الجور إذا صح
__________
(1) 1- بشير : هو بشير بن محمد بن محبوب. سبق ترجمته .
(2) 2- أبو محمد : عبد الله بن محمد بن بركة السليمي. سبق ترجمته .
(3) 3- الخوارج : من الخروج. وقيل : الذين خرجوا على علي - رضي الله عنه – في
النهروان. وقيل : هم المحكمة الأولى. وقيل : هم جماعة ابن الأزرق. ويذكر
ذلك عبد الله بن أباض - رحمه الله - في رسائلهم لهم. وينكر الإباضية منذ
نشأتهم أنهم من الخوارج ويعتبرون القدرية والمرجئة هم الخوارج وجماعة ابن
الأزرق. والله أعلم. أنظر الفكر السياسي عند الإباضية - فصل الخوارج ص 90. (2/158)
صفحة 318
العدل أو ضده ولو لم يكونوا في قبضتهما.
مسألة
[ مخالفة حكم الإمام لسائر الأئمة ]
وهل يجوز الوقوف عن الإمام إذا أتى بها(1) ينقل النفوس من أجله
كسائر الأولياء فإن علم أن حكم الإمام في هذا غير حكم سائر الأولياء فهو مخصوص بالاستدامة على أصل ما كان عليه.
مسألة
[ إذا كفر الإمام وعزب على أهل الدار فماتوا على الولاية ]
وإذا حكم الإمام بحكم أكفره وهو لا يدري وعزب على أهل الدار علم
كفره فماتوا على ذلك وهم يتولونه فقد هلكوا بهلاك الإمام وسقطت
ولايتهم وإذا أحدث الإمام حدثاً لا يسع الناس جهله لم يكن إلا البراءة منه والبراءة ممن شك فيه.
مسألة
[ الإمام مصدق فيما يسع جهله ]
وأما الحدث الواسع جهله فالإمام فيه مصدق مأمون ولو ارتكب في
سريرته وعلى رعيته ولايته من عالم وعكسه إلا من عرف باطل الإمام بوجه من الوجوه فإن كان العالم به من العلماء فعليه البراءة منه ومن ضاق عليه علم حكمه وقف عنه ومع وقوفه لا تسعه البراءة من العلماء ولا الوقوف
عنهم برأي أو بدين فإن فعل ذلك وإن تولى الإمام بدين هلك ومن برء ممن تولاه ممن لم يعلم أنه علمه كعلمه هلك.
مسألة
[ للعالم أن يبرأ حسب علمه ]
وليس للعالم بباطل الإمام من عالم وعكسه أن يبرأ منه مع أحد من أهل
الدار ممن تجب عليه ولايته إلا من علمه كعلمه فإن فعل هلك ولزمته التوبة
ولا تسع مجامعته على البراءة من الإمام وعلى العالم بخطا الإمام أن يتولى
العلماء من رعية الإمام والضعفاء على ولايتهم للإمام.
مسألة
[ إذا ارتكب الإمام منكراً لا تجب ولايته ]
وإذا كان المحدث ممن يكون الإمام فيه محجوجاً كشرب الإثم أو أكل
لحم الخنزير أو أكل ربا أو زني أو ما أشبه ذلك فكل من علم ذلك من الإمام حرمت عليه ولايته علم الحكم أولم يعلم بدين بل برأي إن جهل كفره
وعلى من علم حدثه من العلماء أن يبرؤا منه وممن تولاه بدين فالإمام وغيره في هذا سيان.
مسألة
__________
(1) 1- الأصح : بما ينقل النفوس . (2/159)
صفحة 319
[ الحدث فيما لا يسع جهله ]
وإذا كان المحدث مما لا يسع جهله ولم يشتهر فالبراءة سريرة لمن علم من ضعيف أو عالم ولا يسع إظهاره البراءة حتى يشتهر الحدث شهرة تقوم بها الحجة على أرباب مملكته.
مسألة
[ ادعاء عدم العلم ]
ومن ادعى أنه لم يبلغه علم الحدث واحتمل ذلك فقوله مقبول والبراءة
معه من الإمام محجورة لأنه مأمون على دينه.
مسألة
[ الإصرار على الصغائر وارتكاب الكبائر يوجب العزل ]
وإذا كان الدار دار عدل جار عليها حكم الإمام ثم أحدث الإمام حدثاً
تلزمه فيه التوبة فالدار بحالها حتى يستتاب فلم يتب من ركوب كبيرة أو
أصر على صغيرة فعلى المسلمين عزله.
مسألة
[ استيلاء أهل العدل على دار الكفر ]
وإذا كان الدار دار كفر وضلال واستولى عليها أهل الإسلام ونفذ فيها حكمهم فالدار دار عدل.
مسألة
[ كفر الإمام ولم ينكر عليه ]
وإذا كفر الإمام ....... (1) ولم ينكر عليه الأعلام تحولت الدار عنهم
جميعاً أنكر عليه البعض ولم ينكر البعض واختلفوا صارت الدار مع منكر
الجور والداعي للحق حتى يظهرهم الله على من أنكروا عليه.
مسألة
[ إذا كان السلطان جائراً فكيف العمل؟ ]
وإذا كان في الدار سلطان جائر وظلمة فساق يظلمون الناس فإن كان للمسلمين قدرة على الإنكار أنكروا فإن بدؤهم القتال قاتلوهم بعد إقامة الحجة وإن رأوا معروفاً يأمروا به فلهم فضل ذلك.
مسألة
[ كيفية الخروج على الجبابرة ]
وإذا رأى المسلمون الخروج على ديار أهل الجور فالوجه أن يقيموا إماماً
عادلاً لأن الأحكام لا تقوم إلا بإمام يدعو الجبار إلى الإذعان لطاعة الرحمن
بما حكم في القرآن.
مسألة
[ إظهار العدل برد دعوى الباطل ]
ولا يثبت قوم على العدل إذا لم يمنعوا أهل الباطل ويردعوهم عن
باطلهم فيكون ذلك ظهوراً للعدل مع ظهور الباطل باطلهم لم يكن ذلك إلا على أحد الوجهين أما كتمان أهل الحق لأنهم معمورون أو مداهنة حتى
__________
(1) 1- كلمات غير واضحة في الأصل . (2/160)
صفحة 320
يظهر أهل المنكر منكرهم قال الله تعالى: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } (1) .
مسألة
[ صفات الإمام العدل ]
ولا تجوز إمامة الإمام حتى يكون عدلاً ولياً قوياً على نكاية العدو ومن
دان بباطل فلا يكون إماماً للمسلمين وهو خليع وإن كان قال بعض يجوز بإمامة الضعيف.
مسألة
[ إذا عقدوا للمبطل وسار سيرة أهل الحق ]
وإن عقدوا المبطل وسار سيرة أهل الحق فهذه عقدة باطلة ولا تحل له
الإمامة إذ هو ليس كفء لها ولا كرامة له وليس له إنفاذ شيء من الأحكام
لأنه أثبت الفرع.
مسألة
[ خفاء عدل الإمام ]
فإن قيل أليس إذا خفي عدل الإمام نظر إلى سيرته فإن مضت له سنة على العدل ثبتت إمامته قيل له ذلك حيث يكون حكم الموافقة في الدين في
الظاهر ولو خفيت سريرته وأما هذا فقد صحت ضلالته إلا ترى إلى إمامته عمر بن عبد العزيز(2)
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 63 .
(2) 1- عمر بن عبد العزيز : ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
ابن عبد مناف.. الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد السيد أمير المؤمنين
أبو حفص القرشي الأموي، أشج بني أمية. حدث عن جمع من الصحابة منهم
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وسهل بن سعد وغيرهم.
وعن عدد كبير من التابعين منهم سعيد بن المسيب وعروة، وأبي سلمة بن عبد
الرحمن، وعامر بن سعد وغيرهم. حدث عنه : أبو سلمة أحد شيوخه وأبو بكر
بن حزم، ورجاء بن حيوة، وابن المكندر والزهري وغيرهم الكثير. أمه : هي أم
عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. ولد عام 63هـ وكان ثقة مأموناً ورعاً.
وكان إمام عدل ورشد رحمه الله ورضي عنه. توفي رضي الله عنه سنة
101هـ بعدما حكم فعدل وأعاد الحق لنصابه فاستشهد رضي الله عنه.
سير أعلام النبلاء 4/112 - 148 رقم 48 . (2/161)
صفحة 321
وإنما تثبت بالرضى والتسليم لأن المسلمين لم يجتمعوا على عقدة إمامته وإنما قدم سليمان بن عبد الملك(1) فحسنت سيرته فطلبوا
منه إظهار دين الله فأبا ففارقه المسلمون.
مسألة
[ مناقشة الإمامة في قريش ]
تنازع المسلمون في قوله عليه السلام : «الإمامة في قريش»(2) فقول أنها
لا تكون إلا في قرشي وقول تكون في غير قرشي لأنه وصل الكلام بقوله : «ما حكمت فعدلت وقسمت فقسطت فإذا لم يفعل فضعوا سيوفكم على عواتقهم واحصروهم».
مسألة
[ مناقشة لحديث الأئمة من قرش ]
وقول ليس معناه أنها لا تصلح إلا في قريش وإنما معناه تصلح في قريش
وغير قريش لئلا يبطل فرضها مع من لا يصلح لها من قريش هذا عن أبي بكر
الأصم(3)
__________
(1) 2- سليمان بن عبد الملك : بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة أبو
أيوب القرشي الأموي . بويع بعد أخيه الوليد سنة 69هـ ، كان ديّناً فصيحاً =
(2) = مفوهاً عادلاً محباً للغزو. نشأ بالبادية ومات بذات الجنب، ونقش خاتمه : أومن
بالله مخلصاً. وأمه أم الوليد هي ولادة بنت العباس بن حزن العبسية كان ينهى
الناس عن الغناء وكان محباً للأكل. كتب العهد لعمر بن عبد العزيز، توفي
- رحمه الله - سنة 99هـ وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وقيل : عاش 40 سنة
وخلافته سنتان وتسعة أشهر وعشرون يوماً. أنظر سير أعلام النبلاء 4/111 -
113 رقم 47 .
1- حديث الإمامة في قريش : رواية (كلهم من قريش) البخاري 13/81 في
الأحكام ومسلم رقم 1821 في الإمارة. باب الناس تبع قريش. والترمذي رقم
2224 باب ما جاء في الخلفاء وآخر في المسند 5/87 ، 90 ، 92 ، 95 ، 97 ،
99 ، 101 ، 107 ، 108 .
(3) 1- أبو بكر الأصم : لعله أبو عبد الله عثمان الأصم العقري النزوي صاحب كتاب
البصيرة في الأديان والأحكام، التاج، والإبانة في أصول الديانة وكتاب العقود.
انظر نزوى عبر الأيام ص 132 . (2/162)
صفحة 322
إذا اتفق لنا قرشي ونبطي(1) ولينا النبطي لنكون على عزله أقدر.
مسألة
[ عدم جواز إمامة الأعمى والأخرس ]
ولا تجوز إمامة الأعمى لأنه قضيت له ولا شهادة وكذلك الأخرس
الذي لا يعبر بالكلام ولا الأعجم وهو أبعد من الأخرس في الأحكام
وكذلك المجنون الذي لا يفيق حكمه حكم الأخرس والأعجم وإن كان
المجنون يفيق ففي إمامته اختلاف.
مسألة
[ الجنون سبب في عزل الإمام ]
ومما يوجد في الأثر أن الأمام إذا جن ولم يفق عزله المسلمون وقدم غيره
وإن أفاق في بعض أوقاته ففي عزله اختلاف.
مسألة
[ إمامة المملوك ]
ولا تجوز إمامة المملوك(2) ولو كان عدلاً مرضياً لأنه لا تجوز شهادته ولا
تثبت قضيته فإذا هو لا يملك أمر نفسه ومن لا يملك أمر نفسه فكيف يملك أمر غيره.
مسألة
[ إمامة الصبي ]
وإمامة الصبي لا تجوز وإن كان مراهقاً لأنه قد رفع عنه القلم فمن لم
يكن عليه حساب ولا عقاب فكيف يحاسب غيره.
مسألة
[ إمامة المحدود ]
واختلفوا في جواز إمامة المحدود أجازها قوم وأبا جوازها آخرون ومثله
المحدود في الزنا وإجازة إمامته أبعد وجائز إمامة اللقيط(3) واليهودي
والنصراني إذا أسلما وأما ولد الزنا فلا.
مسألة
[ حكم الولاية من غير مشورة ]
أبو عبيدة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن الخلافة ما تمن عليها
__________
(1) 2- النبطي : الذين يعملون في الماء أي حفر الآبار وهم من العرب غير قريش.
أخلاط من الناس. ورد ذكرهم. في أحاديث السَّلم.
(2) 3- لا تجوز إمامة المملوك : لأن الولاية والإمامة ولاية عامة ، و المملوك أصلاً لا =
(3) = ولاية له لأنه ملك لسيده.
1- اللقيط : هو من وجد مرمياً على الأرض في غامر أو عامر ولم يعرف والداه.
وسبب رمي الطفل إما خوف العار، أو خشية الفقر. (2/163)
صفحة 323
أي ما كان عن مشهورة أهل العلم والصلاح والملك ما أخذ بالسيف فمن كانت إمامته عن غير مشهورة(1) العلماء فهي ملك وكذلك من عقد له الأشرار فهي ملك.
مسألة
[ ضروب الإمامة ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله تعالى أن الإمامة على ضربين إمامة
شري(2) وإمامة دفاع فأما الشراء فينقسم على قسمين فإمام الشرى فعالم من العلماء ويصير قوي ورع على ما يؤمرنه من صفات الإمامة.
مسألة
[ حكم إمامة الإمام الضعيف ]
والقسم الثاني : فإمام عنده علم يتولى ببصر نفسه إلا أنه ضعيف في
الشريعة والأحكام وقيل إن إمامته جائزة إذا كان بهذه الصفة وإذا لم يكن
بهذه الصفة فلا تجوز إمامته.
مسألة
[ أقسام إمامة الدفاع ]
وتنقسم إمامة الدفاع على أربعة أقسام فأمام الدفاع عالم من العلماء
يصير مبصر قوي على أمور المسلمين وحاله ومنزلته في أكثر أموره وأحواله بمنزلة الإمام الشاري إلا أنهم أجازوا له الشري وأجازوا عزله عن رضى أو قسراً إذا وجدوا أفضل منه.
مسألة
[ عزل إمام الدفاع ]
واختلف العلماء في عزله إذا لم يجدوا أفضل منه ووجدوا مثله فقول لا
يجوز لأن مثل هذا قد حصل وقول جائز وأما الدفاع الذي أوردنا شرطه
آنفاً فأما الشرط عليه كالشرط في إمام الشاري والدفاع.
مسألة
[ مهمة إمام الدفاع ]
وإمام الدفاع إلى وقت مؤقت فهو كالوكيل للمسلمين وإمام دفاع في
أمر معين مثل أن يدهم المسلمين عدواً أو رباط أو مثل ذلك فإذا زال ذلك
زال حكمه إلا أن يرى المسلمون من يثبته ورأوه مواضعاً لها.
مسألة
[ مهمة إمام الدفاع ]
عن عبد الرحمن الضنكي(3) عن بيعة الدفاع ما هي قال أن يبايع الإمام
__________
(1) 1- الأصح : عن غير مشورة العلماء. من غير مشورة أهل العلم .
(2) 2- إمامة شراء : نسبة إلى أبي حمزة الشاري وبيعة القتال والحرب لقوله تعالى:
{ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله... } البقرة 207.
(3) 1- عبد الرحمن الضنكي : لم أعثر له على ترجمة . (2/164)
صفحة 324
على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحقوق وقبض الصدقات يقيم
ما استقام له الأمر ويتخلف ما رأى التخلف أصلح فإن قيل ما كيفية بيعة
الشري قلنا أن يبايع على طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وعلى أن يطيعه إذا أمرك وتنفر معه
إذا استنفرك ولا تأخذك في الله لومة لائم وعليك ما على الشراة الصادقين
يعني أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
مسألة
[ الفرق بين بيعة الشراة وبيعة الدفاع ]
والفرق بين بيعة الشري وبيعة الدفاع فبيعة الشري تذكر فيها لفظة
الشري وإذا لم تذكر شري فهي دفاع وطاعة الإمام الشاري وإمام الدفاع
على الرعية سيان.
مسألة
[ كيفية الاختيار ]
أبو المؤثر(1) رحمه الله وإذا اجتمع فقهاء المسلمين على بيعة الإمام
واجتهدوا نصحاً لله وعلى نية طاعة الله لا لطاعتهم ولا يملكوه لعمار ما
شاء ولكن ليملك الأمور عدلاً وقسطاً فيختاروا فقهم وأقوالهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشدهم بأساً في نكاية العدو والحفظ لأطراف الرعية وعلى جباية مال الله من حله ووضعه في حله(2) فإن تعذر إيجاد
الفقيه فلا بد من هذه الخصال وأقل ما يكون من علم الإمام والولي أن
__________
(1) 1- أبو المؤثر : هو العلامة الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي
رحمه الله مسكنه قرية بهلا البلد الذي خرج منه علماء عُمان كأبي محمد بن
بركة من علماء القرن الثالث من تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب - رحمه الله.
وكان ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك، وكان أعمى كثير الفتاوى. عاش
إلى أيام الإمام عزان بن تميم ومات في زمانه بعد قتل موسى بن موسى وخروج
الفضل بن الحواري. وكان موته في شوال من سنة 278هـ من مؤلفاته : كتاب
الأحداث والصفات، وله قصيدة في الولاية والبراءة. انظر إتحاف الأعيان
ص 201 - 203 .
(2) 1- في حله : الأصح في أهله أو محله . (2/165)
صفحة 325
يكون بصيراً بالولاية والبراءة ثم لا يترك التعليم ولا مشاورة أهل الفقه من المسلمين فإن شاءوا بايعوه على الشري والدفاع.
مسألة
[ صفات الإمام ]
ويكون الإمام ورعاً بصيراً بما يأتي ما يذر عدلاً فاضلاً مشاوراً أهل النظر
حليماً محتملاً للأئمة رحيماً مصلحاً بين الناس لا تتفاضل رعيته بأتقاهم في العلم لا كذاباً لا مخلفاً ولا حسوداً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا عجولاً ولا مبذراً ولا غداراً ولا مكاراً وجرى من اجتمعت فيه هذه الخصال أن يكون إماماً.
مسألة
[ تولية المفضول نكاية بالعدو ]
وواسع للمسلمين نصب من لم تجتمع له هذه الخصال إذا كان ثقة عدلاً
قوياً على الأمور مأموناً على ما تقلد من أمر الله فقيهاً ولو كان في المسلمين من هو أفضل الله منه إذا كان هو يرجا النكاية العدو أكثر.
مسألة
[ تقدم المفضول على من هو أفضل منه ]
وقد رأينا المسلمين يقدمون الإمام على من هو أفضل منه بدرجات وقد قدم أهل الشورى في الصحابة على من هو أفضل وأجم علماً.
مسألة
[ صفات الإمام عند أبي الحسن ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله وأن يكون خير أهل عصره وأن يكون
أقوى طبائعه عقله ثم اتصل قوة عقله بشدة الفحص وكثرة استماعه بحسن العادة فإذا جمع إلى عقله علماً وإلى علمه حزماً وإلى حزمه عزماً فذلك
الذي يعد لعز الدولة.
مسألة
[ من لا تصح له الولاية ]
ولا تصح الإمامة لذي قسوة وجفاء وخفة وخشونة على المسلمين ولم
ينل منهم ولا يقبل منهم الإمارة وهو قليل العلم والبصر جسور بغير علم
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « من حقر مسلماً فعليه لعنة الله » (1)
__________
(1) 1- الحديث : الحديث بهذه الصيغة لم أعثر عليه. وهناك صيغ أخرى منها : عن أبي
هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : «بحسب امرئ من
الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه...»
التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول 5/38 قال رواه الأربعة. (2/166)
صفحة 326
.
مسألة
[ صفات الإمام ]
عن أبي عبيدة المغربي(1) قال إن الإمامة لا تصلح إلا لذوي الصدق
والورع لأن المسلمين اختاروا أبا بكر لأنه أفضل أهل زمانه واختاروا عمر
لأنه أفضل أهل زمانه وهكذا سيرة المسلمين في أئمتهم إلى أن يلقوا الله.
مسألة
[ حكم مخالفة ما يأمر به الإمام ]
بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين
له عن المنكر الراكبين له»(2) .
مسألة
[ الضرورة في مبايعة الضعيف ]
أبو الحسن رحمه الله اختلف المسلمون في الضرورة إلى الإمام
الضعيف فقوا إذا خافوا على الدولة وأمور المسلمين الذهاب وعلى الرعية والبلدان يبايعوا رجلاً بيعة دفاع إذا كان له قوة فكر وحسن نضر وورع وتوقف ولو كان لا يتولى ببصر ولا يبرأ ببصر وشرط ألا يقدم على الأمر
إلا بمشورة.
مسألة
[ حكم المشورة ]
ولا يصلح للإمامة من لا يهتدي إلى المشورة ولا يعقلها ولا يلزم الناس
طاعته ومعناه أن يكون قليل العلم ولا يشاور غير أهل الرأي.
مسألة
[ مسائل المشورة ]
__________
(1) 1- أبو عبيدة المغربي : هو أبو عبيدة عبد الحميد الجناوي، له قيمة معروفة في دفاعه
عن نفوسه وضيائه، وهو أحد علماء نفوسه عرف بالورع وعدم الحرص على
الدنيا. طبقات المشائخ بالمغرب 2/291.
(2) 2- الحديث : الحديث معناه صحيح وبهذه الصيغة لم أعثر عليه، إنما حديث أبي
زيد أسامة بن حارثة -رضي الله عنهما- قال : سمعت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -
يقول : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار... فيجتمع إليه أهل النار
فيقولون : يا فلان مالك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول :
بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» متفق عليه. (أخرجه
البخاري 59 كتاب بدء الخلق باب (10) فتح الباري 6/329 ، مسلم كتاب
الزهد عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله. (2/167)
صفحة 327
وإذا كان الإمام عالماً ولا بصيراً فلا يجوز له إنفاذ أمر ولا نصب قاض
أو بعث أمير جيش أو التصرف في مال الله إلا بمشورة المسلمين في جميع
الأمور وإن تعدى الشرط بفعل أو ترك زالت إمامته بنقض شرطه الذي بويع عليه اتفاقاً لأنه ليس بأهل للإمامة وإنما دعتهم إليه الضرورة فإذا زالت
الضرورة وراموا وضع الإمامة في أهلها جاز لهم.
مسألة
[ حكم المشورة على الإمام ]
اختلف المسلمون في المشورة على الإمام فقال بعض إنها فرض فإذا
تركها كفر وزالت إمامته كان عالماً أو ضعيفاً وقول أنها ندب فإذا شرطها المسلمون عليه صارت فرضاً واجباً فإن تركها بعد الشرط كفر وزالت
إمامته عن الرعية طاعته.
مسألة
الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى(1) .
مسألة
[ مخالفة المبايع لما بايع ]
وإذا بويع الإمام الضعيف على الشروط المستأنفة ثم حكم في حال أو
نصب حرباً أو بخع نفساً فنوقش فادعى أنه فعل بمشورة المسلمين قبل قوله
وليس عليه تبيين ذلك وقول عليه التبيين نوقش وقول إذا نوقش بين وإلا فلا.
مسألة
[ مشورة من ليس بحجة ]
فإن جنح بمشورة عالم من أهل الدعوة لم يكن له حجة وإن احتج بقوم
قد ماتوا فلا يساء به الظن وهو على منزلة الفتيا في الحكم.
مسألة
[ تحديد موضع الحكم ]
وإذا شرط الإمام أنه لا يحكم إلا في موضع حده فقدر على الذود وفي
غير الموضع المحدود هل له ذلك فقول عليه إقامة الحق في كل موضع قدر
بالقيام بالحق فيه وقول له شرطه.
مسألة
[ بيعة الشراة ]
ومن شرى نفسه يوماً واحداً فعليه ما على الشراة الصادقين ولا ينهدم
عنه قال أبو الحواري(2)
__________
(1) 1- هكذا في الأصل فقط : الشيخ أبو الحسن رحمه الله .
(2) 1- أبو الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة محمد بن الحواري بن عثمان القري
من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما أدرك القرن الرابع اشتهر أنه
من قرية تنوف القريبة من نزوي ونشأ وعاش بنزوي وبها أخذ العلم عن
شيوخه محمد بن محبوب، ومحمد بن جعفر الأزكوي صاحب الجامع ،
ونبهان بن عثمان وأبو المؤثر الصلبت بن خميس وهو أخص شيوخه
وأكثرهم ملازمة له . من مؤلفاته - رحمه الله - جامع أبي الحواري، تفسير
آيات الأحكام قبل أنه توفي في أوائل القرن الرابع للهجرة. عن إتحاف
الأعيان ص 209 - 210. (2/168)
صفحة 328
: ليس عليه إلا ما شرط.
مسألة
[ كيفية الذهاب لصلاة الجماعة ]
ويضم الإمام مؤذناً يؤذن على باب الدار ثم يبرز الإمام من داره ومعه
جماعة الرجال يمشون بين يديه وقد جعلوا صوارمهم على عواتقهم
والمكبر يكبر بهم فرداً بغير تحكيم حتى يصل المسجد أو المصلى ويقيم له
كاتباً في كل الأوقات ثقة عدلاً مأموناً على سره ما غاب عنه من
أمر المسلمين. (2/169)
صفحة 329
النهج التاسع
في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -
مسألة
[ أحاديث في الحث على العلم والتعلم ]
قال - صلى الله عليه وسلم - : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «العلماء ورثة الأنبياء»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : يستغفر للعالم ما في السماوات وما في الأرض»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً وترفع المملوك حتى يدرك مراتب الملوك»(4) .
مسألة
[ أفضل الناس ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الناس المؤمن العالم الذي إن احتيج إليه نفع وإن
__________
(1) 1- رواه البخاري 6/152 في الجهاد باب قول الله تعالى: { فإن لله خمسه }
وفي العلم وفي الاعتصام. ومسلم رقم 1037 في الإمارة. والترمذي
رقم 2647 .
(2) 2- أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وآخرون عن أبي الدرداء زيادة مرفوعاً «إن
الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم» الحديث. المقاصد الحسنة
ص286 رقم 702 .
(3) 1، 2، 3- وردت هذه النصوص في حديثه عن قيس بن كثير رحمه الله قال : كنت
جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاء رجل فقال : يا أبا الدرداء
إني جئتك من مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ما جئت لحاجة، قال فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «من
سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن
الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من =
(4) = في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم
على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب...» جامع
الأصول في أحاديث الرسول 8/3-7 رقم 5825 رواه أبو داود
رقم 3641، 3643 في العلم. الترمذي 3683، 3684 .
1- كنز العمال : 10/146 رقم 28742 عن أنس لأبي نعيم في الحلية . (3/1)
صفحة 330
استغني عنه أغنى نفسه»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جادت(2) به الرسل عليهم السلام وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «موت عالم أشد من موت قبيلة وموت القبيلة أيسر من موت عالم»(4) .
وقول : «يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء»(5) .
مسألة
[ أثر الفقه على الرزق ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب»(6) .
[ احفظ أربعين حديثاً ]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من حمل من أمتي أربعين حديثاً لقي الله يوم القيامة فقيهاً عالماً»(7).
[ محبة العلم ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أوحى الله تعالى إلى نبيه إبراهيم عليه السلام إني عليم وأحب
كل عليم»(8) .
[ صفة العلم ]
__________
(1) 2- لم أعثر على هذا الحديث .
(2) 3- الأصح : ما جاءت به .
(3) 4- لم أعثر على هذا الحديث بهذا النص .
(4) 5- هذا الحديث لا يوجد في الكتب التسعة وجد في كنز العمال جزء من حديث
رقم 28823 10/159، قال: رواه ابن عساكر عن أبي الدرداء .
(5) 1- انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص377 رقم 1005 وكنز العمال 10/141
رقم 28714، 28715 .
(6) 2- ورد نص آخر في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية : باب بركة المعيشة
لطالب العلم : عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من غدا
يطلب العلم صلت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته، ولم ينقص من رزقه،
وكان مباركاً عليه» رقم 87 ورد رقم 196 .
(7) 3- انظر العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لعبد الرحمن بن علي بن الجوزي
120/1/111 ذكر عمن رواة من الصحابة والطرق التي وصلت إلينا
من 161 - 184 .
(8) 4- انظر كنز العمال 10/ باب فضل العلم . (3/2)
صفحة 331
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «العالم أمين الله في الأرض»(1) .
[ أصلح الأصناف ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس العلماء والأمراء»(2) .
[ فضل العالم على غيره ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»(3) .
[ الشفاعة يوم القيامة ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء والعلماء والشهداء»(4) .
مسألة
[ العبادة بالفقه ]
«ما عبد الله شيء أفضل من فقه في دين»(5) .
[ أثر الفقيه على الشيطان ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد»(6) .
[ عماد الدين الفقه ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه»(7) .
مسألة
[ فضل العالم ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «فضل الموفر على العالم سبعون درجة»(8) .
__________
(1) 1- انظر كنز العمال 10/باب فضل العلم.
(2) 2- كنز العمال 10/191 رقم 29007 عن ابن عباس - لأبي نعيم في الحلية.
(3) 3- ورد برواية ثانية : عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «فضل
العالم على العبد كفضلي على أمتي» انظر العلل المتناهية في الأحاديث الواهية
رقم 79 1/68 سبق ذكره في ص 284 .
(4) 4- كنز العمال : 28688 : شفاعة العالم ورقم 28770 – 10/151 المرهبي
في فضل العلم.
(5) 5- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من=
(6) = فقه في دين» مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/121 .
1- انظر كنز العمال 10/155 - رقم 28793 .
(7) 2- روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن لكل شيء دعامة ودعامة
هذا الدين الفقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» عن العلل
المتناهية في الأحاديث الواهية 1/127 رقم 194، 195 .
(8) 3- لم أعثر عليه بهذا النص. (3/3)
صفحة 332
[ أثر الزمان ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه وقليل سائلوه كثير معطوه العمل فيه خير من العلم»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «سيأتي زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه وقليل معطوه كثير
سائلوه العلم فيه خير من العمل»(2) .
[ درجات بين العالم والعابد ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين خصر الجواد المضمر سبعين ألف سنة»(3) .
مسألة
[ أهمية طلب العلم ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من سلك طريقاً يطلب فيه العلم سلك الله به طريقاً إلى الجنة»(4) .
[ علاقة الملائكة بالعالم ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع»(5) .
[ فضل العلم على العبادة ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لأن يتعلم باباً من العلم خير له من أن يصلي مائة ركعة»(6) .
مسألة
[ الحث على طلب العلم ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «اطلبوا العلم ولو بالصين أو بقمطين»(7)
__________
(1) 4- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/127 عن حزام بن حكيم بن حزام.
(2) 5- ورد بصيغة أخرى في كنز العمال 10/206 رقم 29092 وفيه زيادة على ما =
(3) = في الكتاب عن صهيب ومجمع الزوائد.
1- كنز العمال رقم 28774 10/152 عن أبي هريرة ورقم 28914 الديلي
في الفردوس.
(4) 2- هذا الحديث صحيح وهو جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود رقم 3643
باب الحث على طلب العلم ، والترمذي رقم 648 في العلم وهذا حديث
حسن. وانظر جامع الأصول 8/4 - 7 الأرقام : 5824، 5825، 5826 .
(5) 3- سبق ذكره .
(6) 4- كنز العمال 10/131 رقم 28655، 28656 : طلب العلم أفضل عند الله من
الصلاة والصيام والحج الجهاد في سبيل الله - طبراني وابن عبد البر عن أنس.
(7) 1- قال الربيع بن حبيب : حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «اطلبوا العلم ولو في الصين» من شرح الجامع الصحيح
مسند الإمام الربيع بن حبيب 1/42 . (3/4)
صفحة 333
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «العلم خزائن وخير مفاتيحها السؤال ففي السؤال يؤجر أربعة السائل والعالم والمستمع والمجب لهم»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهلة ولا للعالم أن يسكت على علمه»(2) .
مسألة
[ مجالس العلم ]
حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : «لمجلس علم خير من صلاة
ألف ركعة وعيادة ألف(3) مريض وشهود ألف جنازة فقيل يا رسول الله : ومن قراءة القرآن قال : هل ينفع القرآن إلا بالعلم»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين
الأنبياء في الجنة درجة واحدة»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما أتى الله عالماً علماً إلا وقد أخذ عليه الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينه ولا يكتمه»(6) .
مسألة
[ وصية النبي لمعاذ بن جبل ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذ إلى اليمن : «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً
خير لك من الدنيا وما فيها»(7)
__________
(1) 2- المعنى صحيح ولم أعثر على هذه الصيغة وله شواهد في الحث على طلب العلم
وأجر السائل والمسؤول.
(2) 3- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/164 باب فيما ينبغي للعالم والجاهل. كنز
العمال 10/238 رقم 29264 أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن جابر.
(3) 4، 5- حديث أبا ذر. أخرجه ابن ماجة في المقدمة 1/97 رقم 219 قال المنذري: =
(5) = إسناده حسن لكن في الزوائد أنه ضعف عبد بن زياد، علي بن زياد بن
جدعان، وقال : وله شاهدان أخرجهما الترمذي .
1- كنز العمال : 10/1660 رقم 28830 قال : رواه ابن عساكر عن الحسن
مرسلاً، ابن النجار عن الحسن عن أنس وأيضاً 28831، 28832، 28833 .
(6) 2- كنز العمال 10/190 رقم 29000 وهناك أحاديث في ذم كاتم العلم وماله من
عقاب عند رب العباد.
(7) 3- كنز العمال 10/156 رقم 28802 عند الطبراني عن أبي رافع. وأيضاً جامع
الأصول في أحاديث الرسول 8/13 رقم 5838 عن سهل بن سهل الساعدي
أخرجه أبو داود. (3/5)
صفحة 334
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا كان يوم القيامة يقول الله للعابدين ادخلوا الجنة فيقول
العلماء بفضل علمنا وتعبدنا فيقول أنتم عندي كبعض ملائكتي اشفعوا
تشفعوا فيشفعون يدخلون الجنة»(1) .
مسألة
[ العمل بالعلم ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً من الناس بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهب بذهاب العلماء»(2) .
مسألة
[ كتمان العلم ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من تعلم علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نار»(3) .
[ كلمة الخير ]
وقال : «نعم العطية كلمة حكمة تسمعها فتنطوي عليها فتحملها لمسلم تعلمها إياها خير من عبادة سنة»(4) .
[ الصلاة على النبي ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله وملائكته وجميع خلقه يصلون على معلم الناس الخير»(5) .
[ أهمية تعليم الحديث ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما أفاد المسلم أخاه شيئاً أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه»(6) .
مسألة
[ العمل بما يسمع ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «كلمة سمعها المؤمن فيعمل بها وتعليمها خير له من عبادة سنة»(7) .
[ الأجر الذي يصل بعد موته ]
__________
(1) 4- كنز العمال 10/136 رقم 28688 .
(2) 1- رواه البخاري 1/174 ، 175 في العلم باب كيف يقبض الله العلم، وفي
الاعتصام باب ما يذكر من ذم الرأي، ومسلم رقم 2673 باب رفع العلم
والترمذي رقم 2654 باب ما جاء في ذهاب العلم.
(3) 2- جامع الأصول 8/12 رقم 5837 . قال : رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
باب 24 أرقام : 261، 62، 62، 64، 65، 266 .
(4) 3- لم أعثر عليه بهذا النص.
(5) 4- كنز العمال 10/145 رقم 28738 .
(6) 1- كنز العمال 10/ باب فضل العلم.
(7) 2- كنز العمال 10/ باب فضل العلم ص 161 - 162 أحاديث بنفس المعنى. (3/6)
صفحة 335
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به ، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له بالخير»(1) .
[ الدلالة على الخير ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الدال على الخير كفاعله»(2) .
مسألة
[ فيما يكون فيه الحسد ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا حسد إلا في اثنين : رجل آتاه الله مالاً فسلط على إنفاذه في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها أن يعلمها الناس»(3) .
[ العمل بالسنة ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «على خلفائي رحمة الله قال : من خلفائك؟ قال : الذين يحبون سنتي ويعملون بها ويعلمونها الناس»(4) .
[ أثر عدم العمل بالعلم ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه»(5) .
مسألة
[ أهمية العمل بالعلم ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يكون العالم عالماً حتى يكون بعلمه عاملاً»(6) .
__________
(1) 3- أخرجه ابن ماجة في المقدمة 1/88 أرقام : 241 وقال المحقق في الزوائد : ما
يقتضي أنه صحيح، رواه ابن حبان في صحيحه، ورقم 242 فيه زيادة.
(2) 4- أخرجه الترمذي رقم 2672 في العلم، باب ما جاء في أن الدال على الخير
كفاعله وهو حديث حسن. انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول 9/568
رقم 7322 .
(3) 1- حديث : لا حسد... أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عن الفتح
الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 10/144 .
(4) 2- الحديث ورد بصيغة أخرى في اتباع السنة والبعد عن البدعة وأجر الداعي إلى السنة .
(5) 3- الحديث معناه صحيح وقد سيق في عذاب اللذين يطلبون العلم لغير الله ورد في
كنز العمال 10/208 رقم 29099 عن أبي هريرة، ومجمع الزوائد 1/185 .
(6) 4- ورد في كنز العمال 10/208 رقم 29099 : «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة
عالم لم ينفعه الله بعلمه» عن أبي هريرة . (3/7)
صفحة 336
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «العلم علمان : علم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب فهو العلم النافع»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «سيكون في آخر الزمان عباد جهال وعلماء فساق»(2) .
مسألة
[ ظهور البدع، وطلب العلم لغير الله ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من تعلم علماً ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فاليتبوء مقعده من النار»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه لعله أن فعلى ينشر علمه وإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً»(5) .
مسألة
[ عذاب العالم الفاجر ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن العالم الفاجر يعذب عذاباً شديداً ويطلق به على أهل النار استعظاماً لشدته»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لأنا من غير الدجال أيكون أخوف عليكم من الدجال؟ فقيل: يا رسول الله من هم ؟ فقال : علماء مضلون»(7) .
__________
(1) 1- كنز العمال 10/133 رقم 28667، 28947، 10/182 ، وأيضاً العلل
المتناهية من طريقين.
(2) 2- انظر كنز العمال باب آفات العلم 10/188 .
(3) 3- كنز العمال - الطبراني في الكبير عن كعب بن مالك رقم 29015 – 10/193
ورقم 29021، 29032، 29033، 29036، 29057، 63، 64، 29065 .
(4) 4- له شواهد في باب محاربة البدعة - كنز العمال.
(5) 5- كنز العمال - الديلمي في الفردوس عن علي. رقم 29016 - 10/193 .
(6) 1- هذا الحديث جزء من حديث 205 في العلل المتناهية 1/133 عن أبي هريرة. والله أعلم.
(7) 2- كنز العمال 10/191 رقم: 29008 «غير الدجال أخوف على أمتي من
الدجال الأئمة المضلون» أحمد في مسنده عن أبي ذر . (3/8)
صفحة 337
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلاطين فإذا فعلوا ذلك فقد خانوهم»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «العلماء أمناء الرسل على عباده الله ما لم يخالطوا السلاطين فإذا فعلوا فقد خانوا الله فاحذروهم»(2) .
مسألة
[ من هم شرار العلماء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «شرار العلماء الذين يأتون الأمراء وخير الأمراء الذين يأتون العلماء»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : « أكثر الناس أماناً يوم القيامة أكثرهم فكراً في الدنيا، وأكثرهم ضحكاً في الدنيا أكثرهم بكاءً في الآخرة وأشدهم فرحاً في الدنياً أطولهم حزناً في الآخرة»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أحدث في ديننا حدثاً ليس فيه فهو رد»(5) .
مسألة
[ التحذير من الغش ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قال : وما الغش؟ قال : أن يبتدع به بدعة يحمل الناس عليها»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن لله ملكاً ينادي كل يوم من خالف سنة رسول الله لم تنله شفاعتي»(7) .
__________
(1) 3- كنز العمال 10/183 - رقم 28952 عن الحسن بن سفيان، عن أنس.
(2) 4- كنز العمال 10/204 ، رقم 29083 .
(3) 5- كنز العمال 10/186، 191 ورد بصيغ متعددة عن العلماء الذين يأتون السلطان.
(4) 1- هذا مصدق قوله تعالى : { فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا
يكسبون } [التوبة 82].
(5) 2- وفي رواية : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهر رد» أخرجه البخاري تعليقاً
بصيغة الجزم 4/298 في البيوع ووصله في الصلح 5/221 . ومسلم رقم
1718 في الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة. وأبو داود باب لزوم السنة
2/506 وأخرجه ابن ماجة في المقدمة رقم 14 .
(6) 3- لم أعثر عليه بهذا النص وله شواهد تحذر من الغش.
(7) 4- لم أعثر عليه بهذا النص. (3/9)
صفحة 338
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أحب الناس إلى الله من نصب نفسه في طاعة الله ونصح لعباد الله»(1) .
مسألة
[ أهمية الاستشارة والشورى ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «استرشد العاقل ترشده ولا تعصيه فتندم». رواه أبو هريرة رضي الله عنه(2) .
«من أراد أمراً فشاور مسلماً وفقه الله لأرشد أموره». رواه عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الأعمال كلمة حق تقولها عند سلطان جائر»(4) .
مسألة
[ صفة المؤمن ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من ألف ألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أخاف مؤمناً أخافه الله ومن أحزن مؤمناً أحزنه الله ومن أغاظ مؤمناً أغاظه الله»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «المؤمن كالجمل الألوف إن قيد انقاد وإن استنيخ على
صخرة ناخ»(7) .
مسألة
[ التحذير من البدع ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «سيأتي علي الناس زمان لا يكون للمؤمن فضل على عبده في دينه مما يموجون في باطلهم»(8) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «سيأتي على أمتي زمان يكون طفلهم شاطرا وشابهم مقامراً وكهلهم كافراً وشيخهم لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر»(9) .
__________
(1) 5- المعنى صحيح له شواهد كثيرة في من هو أحب الناس إلى الله.
(2) 1- لم أجده بهذا النص.
(3) 2- له شواهد في أهمية الشورى والاستشارة.
(4) 3- بلفظ أفضل الجهاد انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول 1/333
رقم 116، وابن ماجة 2/1329 رقم 4011 وإسناده حسن.
(5) 4- ورد بروايات متعددة في كنز العمال 3/10 وأرقام متعددة.
(6) 5- الحديث له شواهد انظر مسند أحمد 15962 من أخاف أهل المدينة...
(7) 6- ابن ماجة كتاب المقدمة رقم 43 ومسند أحمد مسند الشاميين حديث رقم16519 .
(8) 1- لم أعثر عليه بهذا النص.
(9) 2- لم أعثر عليه بهذا النص. (3/10)
صفحة 339
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «سيأتي على الناس زمان إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيى البدع»(1) .
مسألة
[ صفات مذمومة ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «عليكم أنفسكم أي إذا رأيتم شحاًًِ مطاعاً وهوىً متبعاً ودنياً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليكم بخاصة أنفسكم واعتزلوهم»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «المؤمن يسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : »سيأتي زمان على أمتي أن أمنتهم خانوك وإن شاركتهم أربوك وإن أحدثتهم أكذبوك وإن غبت عنهم اغتابوك»(4) .
مسألة
[ المدح في غير محله، والتفريج على المؤمنين ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا مدح الفاسق اهتز لذلك عرش الرحمن وغضب
لذلك الرّب عز وجل». رواه أنس(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «بشروا هذه الأمة بالسناء والرفعة في الدين والتمكن في البلاد ما لم يعملوا علم الآخرة للدنيا فإن فعلوا ذلك فلم يتقبل الله منهم وليس لهم في الآخرة من نصيب»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أشد الناس شراً لنا من باع آخرته بدنيا غيره»(7) .
__________
(1) 3- مسند الإمام أحمد بن حنبل بلفظ : «يطفئون السنة ويحدثون بدعة» 1، 400 .
(2) 4- أخرجه أبو داود في الملاحم 4/123 رقم 4341 .
(3) 5- وردت أحاديث متعددة في الحب في الله وفي الأرواح جنود مجندة.. ارجع إليها.
(4) 1- لم أعثر عليه بهذا النص.
(5) 2- وردت أحاديث في النهي عن المدح منها : «إن الله يغضب إذا مُدح الفاسق في
الأرض» كنز العمال 3/575 رقم 7966 وعن المقداد «أحثوا في أفواه
المداحين التراب» 7962 كنز العمال 3/572 .
(6) 3- عن المعجم المفهرس 1/181 قال أحمد في مسنده، 5، 124 .
(7) 4- انظر باب الزهد كنز العمال أرقام : 6169، 6146 من أحب دنياه أضر
بآخرته، من أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى 3/197 . (3/11)
صفحة 340
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :«إن أشر الناس عند الله يوم القيامة من يخاف شره ولسانه»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : « من أجرى الله على يديه فرجاً لمسلم فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «خير أمتي الذي بعثت فيهم ثم الذي يليه ثم الأخرى أشر إلى يوم المحشر»(3) .
مسألة
[ خير الأئمة ]
[ الأعين التي لا تمسها النار ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «خير أئمتكم الذي تحبونهم ويحبونكم وشر أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :«ماتوا دائنان في الإسلام وافترقا إلا من ذنب يحدثه أحدهما»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثة أعين لا تمسهن النار عين فقئت في سبيل الله وعين دمعت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله»(6) .
مسألة
[ كيفيه دخول الجنة ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يدخل أهل الجنة الجنة بكثرة الصيام والقيام والصلاة ولكن برحمة من الله وسلامة الصدور». رواه الحسن(7)
__________
(1) 5- انظر كنز العمال رقم 8080 عن عائشة رضي الله عنها ورقم 8081،
8082، 8083 - 3/597 .
(2) 1- جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود في الأدب رقم 4893، الترمذي رقم
1486 في الحدود وإسناده صحيح.
(3) 2- ورد بلفظ خير الناس قرني ثم الذين يلونهم،... أخرجه البخاري ومسلم
والترمذي وأبو داود والنسائي انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
8/547 رقم 6355، 6356 .
(4) 3- أخرجه مسلم رقم 1855 في الإمارة باب خيار الأئمة وشرارهم والترمذي رقم
3265 في الفتن ، باب خيار الأمراء .
(5) 4- لم أعثر على تخريج له في كتب الأحاديث.
(6) 5- المشهود «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس =
(7) = في سبيل الله» أخرجه الترمذي رقم 1639 في فضائل الجهاد. والحديث
المذكور صحيح المعنى ولا يتعارض مع أحاديث الجهاد.
1- المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لن يدخل الجنة أحد منكم عمله الجنة قالوا : ولا أنت
يا رسول الله؟ قال : ولا أنا، إلا أن تغمدني الله منه بفضل ورحمة» هذا في
البخاري 10/109 انظر جامع الأصول لأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 10/304 ، 308
أرقام : 88، 89، 90 . (3/12)
صفحة 341
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «بلغ العبد أربعين سنة ولم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يوشك أن يبدل الكلام ويجر العمل». رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس(3) خصال: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله مما اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أحسن فيما بينه وبين الله تعالى كفاه الله فيما بينه
وبين الناس»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته من عمل لآخرته كفاه الله من آخرته ودنياه»(6) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من انقطع إلى الله كفاه اللّه كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب»(7) .
__________
(1) 2- انظر تفسير قوله تعالى : { حتى إذا بلغ أربعين سنة قال ربّ أوزعني أن أشكر
نعمتك التي أنعمت عليّ.... } [الأحقاف آية 15].
(2) 3- لم أعثر عليه بهذا النص انظر سير أعلام النبلاء سيرة سلمان الفارسي 1/55 .
(3) 4- الصحيح أربع خصال.
(4) 5- رواه التزمذي في كتاب القيامة باب في شأن الحساب والقصاص رقم
2417 - 4/612 وقال : حديث حسن صحيح.
(5) 1- المعنى صحيح وهو التوكل على الله وهناك أحاديث بهذا المعنى وبهذا النص ورد
في كنز العمال 3/25 رقم 5276 في الإخلاص.
(6) 2- حديث رقم 9 جزء من حديث 10 وهو في كنز العمال رقم 5276 في
الإخلاص. قال الطبراني في الكبير عن ابن عمرو.
(7) 3- هذا الحديث يعادل قول الشيخ عن عائشة رضي الله عنها : «من رزقه تقى فقد
رزق خير الدنيا والآخرة». عن كنز العمال 3/91 ورقم 5685 «أبى الله أن
يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب» الفردوس عن أبي هريرة. (3/13)
صفحة 342
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من انقطع إلى الدنيا وكلها الله إليها»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الرطب والماء البارد نعمتان»(2) .
مسألة
[ أول الحساب، ومحاسبة النفس ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أول ما يحاسب الله العبد عليه يوم القيامة يقول له ألم أصح جسمك ألم أروك من الماء البارد»(3) . رواه أبو هريرة.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لكل شيء حصاد وحصاد أمتي ما بين الستين والسبعين»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «خير من تشبه بكهولكم وشر كهولكم من تشبه بالفاسقين من
شبابكم». رواه أبو عمر(5) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تدخل بيتك إلا تقياً لا تول معروفك إلا مؤمناً».
رواية عائشة رضي الله عنها(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «رأس الحكمة مخافة الله وخير ما ألقى الله في القلب اليقين وفي العزلة راحة من خليط السوء»(7)
__________
(1) 4- هناك أحاديث كثيرة في ذم الدنيا منها : «الدنيا دار من لا دار له» المسند. «شحاً
مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة» أبو داود في الملاحم والترمذي في تفسير.
«ومن كانت الدنيا همه جعل فقره بين عينيه» الترمذي قيامة.
(2) 5- انظر قصة أبو الهيثم مع التمر والماء مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/317 .
(3) 1- ورد هذا الحديث بصيغة ثانية : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «خبز ولحم وبسر ورطب
ودمعت عيناه ثم قال : هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» مجمع
الزوائد ومنبع الفوائد 10/318 .
(4) 2- الترمذي في الزهد 2332، 3545 وابن ماجة زهد 4236 وفي الترمذي :
«عمر أمتي ما بين ستين سنة إلى سبعين» وزاد البخاري «وأقلهم من يجوز ذلك»
11/204 في الرقاق.
(5) 3- حكم التشبه بغير الصالحين.
(6) 4- باب الولاية .
(7) 5- قال في المقاصد الحسنة ص222 حديث 507 : رأس الحكمة مخافة الله
البيهقي في الدلائل، والعسكري في الأمثال، والديلمي من حديث عبد الله بن
مصعب بن منظور بن جميل بن سنان عن أبيه... (3/14)
صفحة 343
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا رأى الله يعطي العبد ما يحب وهم مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراجاً منه»(1) .
مسألة
[ أشرف الأمة حملة القرآن ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أشرف أمتي حملة القرآن العاملين عليه وأصحاب
الليل» رواه ابن عباس رضي الله عنهما(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - حملة القرآن عرفاء أهل الجنة يوم القيامة» رواه سكينة(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من بلغه هذا القرآن أو شيء منه فكأنما شاهد نبيه»(4) .
مسألة
[ العمل بالقرآن ]
قال - صلى الله عليه وسلم - : «شر الناس من قرأ القرآن فلا يرعوي عن شيء منه». رواه أبو
سعيد الخدري رحمه الله(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من قرأ القرآن ولم يمنعه عن محظور ذلك والله مسله مستهزئ بقري الذكر لكسب الدراهم»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه». عن أبي سعيد(7) .
__________
(1) 1- لقوله تعالى : { والذي كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون أملي
لهم إن كيدي متين } [الأعراف آية 182 - 183].
(2) 2- كنز العمال 1/510 رقم 2259 عن ابن عباس في الطبراني والترغيب
والترهيب .
(3) 3- كنز العمال 1/514 رقم 2288 الحكيم عن أبي أمامة ورقم 2289
الطبراني عن الحسين بن علي. ورقم 2290 إن جميع في معجمه والضياء
عن أنس.
(4) 4- لم أعثر له على أصل.
(5) 1، 2، 3- أحاديث صحيحة المعنى وهي النهي عن مخالفة القرآن الكريم. وقد
وردت أحاديث تتوعد من يخالف القرآن وخاصة قراء القرآن
وحملة القرآن منها :
1- «أكثر منافق أمتي قراؤها» أحمد في مسنده والطبراني في
الكبير عن كنز العمال 10/1866 رقم 28972 .
(6) 2- «أكثر ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن
يضعه على غير مواضعه» الطيالسي عن عمر - كنز العمال
10/187 رقم 28978 .
(7) 3- «سيكون في آخر الزمان ديدان القراء فمن أدرك ذلك الزمان
فليتعوذ بالله منهم» كنز العمال 28989 - 10/189 . (3/15)
صفحة 344
مسألة
[ خطورة البعد عن نهج الله ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «سيكون من أمتي الذين يقرؤون القرآن ويتفقهون فيوسوس لهم الشيطان لعنه الله أن يتقربوا من السلطان فينالوا من دنياه ويصونوا عنه دينهم ومحال ذلك لا يجني من الشوك العنب»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ليبيتن أناس على أشر وبطر ويصبحون قردة وخنازير
باستحلالهم محارم الله». رواه عطا(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تأتي الساعة حتى يقيض الله العلم ويأتي الزلازل وتظهر
الفتن». رواه أبو هريرة رضي الله عنه(3) .
مسألة
[ أثر جور الحكام ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا جار الحاكم قل المطر وإذا غدر بالذمة ظهر العدو
وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرجفة»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لكل إنسان ثلاثة أخلاقاً أحدهم يقول ما قدمت هلك وما أخرت فللوارث فهو المال والآخر يقول أنا معك ولا أفارقك وهو العمل والثالث يقول أنا معك إلى باب الملك فإذا ولجت الباب فارقتك وهم الأهل»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من قل طعامه عوفي في بدنه ومن كثر طعامه قسي قلبه
وسقم بدنه»(6) .
مسألة
[ أهمية العمل، والأشياء التي تتبع الميت ]
__________
(1) 4- كنز العمال رقم 28988 - عن ابن عساكر عن ابن عباس 10/189 .
(2) 1- ورد حديث أناس يستحلون محارم الله من المعازف وشرب الخمر.
(3) 2- علامات الفتن وقبض العلم ابن ماجة 2/1345 رقمك 4050 - 4051 .
(4) 3- لم أعثر عليه بهذا النص.
(5) 4- انظر ما يتبع الميت بعد موته المال والأهل والعمل فيدخل معه فإذا كان صالحاً جاءه
بأحسن صورة وإذا كان غير ذلك جاءه بأقبح صورة حديث متفق عليه «يتبع
الميت ثلاث» الفتح 11/361 مسلم الزهد حديث 5 أحمد في مسنده 3/110 .
(6) 5- هذا يؤكد على قوله - صلى الله عليه وسلم - : «الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء». (3/16)
صفحة 345
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «والذي نفس محمد بيده ليعمدن أحدكم إلى جبل فيحتطب فيه ويحمله على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله مما أعطاه
الله فيعطيه أو يمنعه». رواه أبو هريرة رضي الله عنه(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أخاف على أمتي بعد ثلاثة ضلالة لا تهتدى واتباع الشهوات في البطون الفروج والغفلة بعد المعرفة»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «سيأتي زمان يأتون الناس المساجد خلقاً يتذاكرون الدنيا فلا
تجالسوهم فليس لله بهم حاجة»(3) .
مسألة
[ تحذير الأغنياء من حق الفقراء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة إذا انجلوا عليهم
بحقوقهم فيقول الله لأقربنكم ولأبعدنهم ثم تلى : والذين في أموالهم حق
معلوم للسائل والمحروم»(4) . رواه أنس بن مالك(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم». رواه أبو هريرة(6)
__________
(1) 1- حديث أخرجه البخاري 3/265 في الزكاة باب الاستعفاف عن المسألة وفي
البيوع كسب الرجل وعمله بيده، ومسلم رقم 1042 باب كراهية المسألة
والموطأ 2/998، 999 في الصدقة والنسائي 5/96 الزكاة باب الاستعفاف
عن المسألة وابن ماجة باب كراهية المسألة 1/588 رقم 1836 .
(2) 2- كنز العمال 10/185 رقم 28967 الحكيم والبغوي وابن مندة وابن قانع وابن
شاهين وأبو نعيم، الخمسة في كتب الصحابة - عن أملح.
(3) 3- كنز العمال أرقام 29085 عن ابن مسعود ورقم 29089 المستدرك عن أنس
ورقم 29087 في الطبراني في الكبير عن ابن مسعود 10/205 .
(4) 1- كنز العمال 6/363 رقم 16079 «ويل للأغنياء من الفقراء» فقط
الطبراني في الأوسط عن أنس.
(5) 2- سورة المعارج آية 24، 25 .
(6) 3- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/523 رقم 4731 قال : أخرجه
البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي وابن ماجة جزء من حديث
طويل «إياكم والظن». (3/17)
صفحة 346
.
قال - صلى الله عليه وسلم - : «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد حاجته وإن أنزلها بالله يسر الله له زرقاً عاجلاً ومالاً آجلاً»(1) .
مسألة
[ أشرف الحديث، أشرف الموت، خير العمل ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «أشرف الحديث ذكر الله وأحسن القصص القرآن وشر الأمور محدثاتها». رواه زيد بن خالد الجهيني(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أشرف الموت الشهادة وأعمى العمى من ابتلي بضلالة بعد هدى»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «خير العلم ما نفع وخير القول ما ردع»(4) .
مسألة
[ عمى القلب، أمان أهل الأرض ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «شر العمى عمى القلب وستر المعذرة عند الموت وشر الندامة ندامة يوم القيامة»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إتلافك لما فرطت من صمتك أيسر من إدراكك لما فات من نطقك»(7) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الكواكب أمان لمن في السماء فإذا طمست أتى ما يوعدون وأنا أمان لأصحابي فإذا ذهبت أتى ما يوعدون وأصحابي أمان
أمتي فإذا ذهبوا أتى ما يوعدون»(8) .
__________
(1) 4- كنز العمال 6/473 رقم 16608 قال أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم عن
ابن مسعود.
(2) 5- الحديث جزء منه في النهي عن البدعة «وشر الأمور محدثاتها» أخرجه البخاري
في الاعتصام 2 ومسلم في الجمعة 42 وابن ماجة في المقدمة 7 .
(3) 6- المعنى صحيح ولم أعثر عليه. وأشرف الموت الشهادة.
(4) 1- حديث صحيح. كنز العمال 10/180 رقم 28940 جزء من حديث العلم
النافع وأحاديث أخرى بنفس المعنى رقم 28945 - 10/182 .
(5) 2- المعنى صحيح والندامة عند فوات الوقت. وبهذه الصيغة لم أعثر عليه.
(6) 3- حديث صحيح - كنز العمال 1/66 رقم 241 زاد ثم حجة مبرورة.
(7) 4- لم أعثر عليه .
(8) 5- مسلم فضائل الصحابة 207 ومسند الإمام أحمد 4، 299 . (3/18)
صفحة 347
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن لله ملكاً ينادي : من أكل حراماً لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يخرجه وأن مات على ذلك فأنا منه براء»(1) .
مسألة
[ التحذير من الأمانة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أخرجوا الأمانة من بيوتكم وردوها إلى أربابها فإن لم تفعلوا فلن تنفعكم الأعمال شيئاً»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من قال : لا إله إلا الله وهو يتغذى بالحرام قال له الله :
كذبت يا عدو الله»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أكل حلالاً وعمل صالحاً وأمن الناس بوائقه
دخل الجنة»(4) .
مسألة
[ أهمية طلب الحلال ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «طلب الحلال فريضة على كل مسلم»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أكل لقمة من حرام لم يقبل الله منه عملاً أربعين يوماً وكل لحم نبت من السحت فالنار أولى به»(6) .
مسألة
[ اللحم الذي ينبت من السحت ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يدخل الجنة لحم ولا دم تغذى بالحرام»(7)
__________
(1) 6- له شواهد عند أحمد في مسنده منها : «من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم
حرام...» 1/246 وحديث : «لا يكسب عبد مالاًَ حراماًَ...» حم 1، 287 .
(2) 1- هذا الحديث لم أعثر عليه بهذا النص وهناك أحاديث كثيرة تحث على أداء
الأمانة وعدم الخيانة.
(3) 2- هذا الحديث له شواهد في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ أبي بكر الهيثم
10/295 باب فيمن أكل طيباً حلالاً.
(4) 3- له شواهد في 10/295 باب فيمن أكل طيباً حلالاً.
(5) 4- مجمع والزوائد ومنبع الفوائد 10/291 رواه الطبراني وفيه عباد بن كثير
الثقفي وهو متروك. وحديث «طلب الحلال واجب على كل مسلم» رواه
الطبراني في الأوسط وإسناده حسن عن أنس بن مالك.
(6) 5- المصدر نفسه فيمن أكل حلالاً وحراماً ، بداية الحديث « يا سعد أطب =
(7) = مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده...» رواه الطبراني
في الصغير وفيه من لم أعرفهم.
1- المصدر نفسه باب فيمن نبت لحمه من الحرام قال : رواه أبو يعلى والبزار
والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات. (3/19)
صفحة 348
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من كسب مالاً حراماً كتب عليه بعدده أوزاراً وما بقي منه بعد موته كان زاده إلى النار»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لو أن مكتسب الحرام استشهد في سبيل الله تسعين مرة لم تكن الشهادة له توبة والتوبة من الحرام رده»(2) .
مسألة
[ التغذية بالحلال ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من تغذى بالحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى
ينابيع الحكمة على لسانه وهداه في الدين»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يذهب الحرام وأهله»(4) .
[ غض البصر ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من لم يغض بصره تملت عينيه يوم القيامة بميل من نار»(5) .
__________
(1) 2- جزء من حديث عبد الله بن مسعود قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله تبارك وتعالى
يعطي الدنيا... إلا كان زاده إلى النار» مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/292
باب النفقة من الحلال والحرام. قال : رواه البزار وفيه من لم أعرفهم.
(2) 3- لم أعثر عليه بهذا النص .
(3) 4- لم أعثر عليه بهذا النص، ورد حديث في كنز العمال : 3/208 رقم 6193 :
« من زهد في الدنيا أربعين يوماً وأخلص فيها بالعبادة أجرى الله على لسانه =
(4) = ينابيع الحكمة» أورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال الذهبي في الميزان :
باطل، وإنما هناك أحاديث تحث على أكل الحلال وتنفر من الحرام. وله شاهد
رقم 6193 - 3/208 : «من زهد في الدنيا أربعين يوماً وأخلص فيها العبادة
أجرى الله على لسانه ينابيع الحكمة من قلبه» أورده ابن الجوزي في الموضوعات.
1- جزء من حديث : «الحرام يُذهب الحلال».
(5) 2- هذا الحديث له شواهد في تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية انظر إلى باب النظر إلى
المرأة في مسند الإمام أحمد. (3/20)
صفحة 349
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «النظر إلى محاسن النساء سهم من سهام إبليس لعنه الله فمن أغض بصره أذاقه الله عبادة يجد حلاوتها في قلبه»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - لعلي:«إياك أن تتبع النظرة النظرة فالأولى لك والثانية عليك»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «خير الناس فقير يعطي جهده»(3) .
مسألة
[ خير الأمة فقراؤها ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «خير هذه الأمة فقرائها وأسرعها نجعاً إلى الجنة»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن لي صفتين فمن أحبهما أحبني ومن قلاهما قلاني الفقر والجهاد»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الفقر أزين بالمؤمن من الغدار الحسن على خد الفرس»(6) .
مسألة
[ الغنى الكامل ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من أصبح منكم آمناً في سربه معافاً في جسده له
__________
(1) 3- انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل 16/74 الحديث عن أبي
أمامة قال: أخرجه علي بن يزيد الإلهاني ضعفه الحافظ في التقريب. وفي
الخلاصة قال البخاري : منكر الحديث.
(2) 4- ورد بروايات متعددة كلها واحدة منها : ما في الكوكب انظر الفتح الرباني
لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل 16/73 أرقام 193، 194، أخرجه
الحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(3) 5- له شواهد في الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل باب ما جاء في
فضل فقراء المهاجرين، 19/117 ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/258 باب
فضل الفقراء.
(4) 1- له شواهد منها : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
«يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام» مسند
الإمام أحمد 19/120 رقم 19، 20 .
(5) 2- لم أعثر عليه بهذا النص.
(6) 3- وهذا أيضاً لم أعثر عليه بهذا النص. (3/21)
صفحة 350
قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر»(3) .
مسألة
[ أثر الغنى على دخول الجنة ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «آخر دخول الأنبياء في الجنة سليمان بن داود عليه السلام وآخر الجنة دخولاً من أصحابي عبد الرحمن بن عوف لأجل غناه»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لأخيركم يملك أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال :
الفقراء الصابرون»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أكثروا معرفة الفقراء واتخذوا عندهم الأيادي فإن لهم
دولة»(6) .
مسألة
[ الصبر وأهميته ]
[ منزلة الفقير عند الله ]
__________
(1) 4- ورد بروايات متعددة منها : «إذا أصبحت آمناً في سربك معافى في بدنك عندك
قوت يومك فعلى الدنيا العفاء» كنز العمال قال : عن أبي هريرة رقم 7082
ورقم 7080 قال : أخرجه ابن عقيل في الكامل والبيهقي عن ابن عمر، 7083
نص المخطوط للبخاري في الأدب والترمذي عن عبيد الله بن محصن.
(2) 5- الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني 19/121 قال : أورده =
(3) = الهيثمي وقال : رواه أحمد وإسناده جيد.
1- ورد في كنز العمال : رقم 7028 شاهد «قال الله عز وجل : لم يلتحف العباد
بلحاف أبلغ عندي من قلة الطعم» الديلمي في الفردوس عن ابن عباس.
(4) 2- ذكر هذا الحديث في تأخر عبد الرحمن بن عوف عن الصحابة في دخول الجنة
ولم يذكر فيه سليمان بن داود عليه السلام. انظر الفتح الرباني لترتيب مسند
الإمام أحمد 19/117 - 118 رقم 17 .
(5) 3- له شواهد في كنز العمال رقم 7141 : «من قنع بما رزق دخل الجنة» ابن
شاهين والديلمي عن ابن مسعود ورقم 4 من الهامش ومجمع الزوائد 20/265
«ألا أخبرك بأهل الجنة».
(6) 4- لم أعثر عليه بهذا النص. (3/22)
صفحة 351
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الفقير الراضي أفضل الناس»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يقول الله تعالى : أين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة عليهم السلام : من هم؟ فيقول فقراء المسلمين القانعين بعطائي »(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا حق لابن آدم إلا في ثلاث: طعام يقيم به صلبه، وثوب يواري به عورته، وبيت يسكنه ومان أو فهو حساب»(3) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس إن هذا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال وإنما الزهد أن تكون بما في يد الله أغنى مما في يدك»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا رأيتم العبد قد أعطي صمتاً وزهداً في الدنيا فاقتربوا من فإنه يلقى الحكمة»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة في قلبه فأنطق بها لسانه»(6) .
مسألة
__________
(1) 1- له شواهد في كنز العمال أرقام : 7091 - 3/390 «إن الله تعالى يحب الفقير
المتعفف أبا العيال» ورقم 7095، عن أبي هريرة ورقم 7126 «خير المؤمنين
القانع وشرهم الطامع» الفردوس للديلمي عن أبي هريرة، 7141 - 3/400 .
(2) 2- لم أعثر عليه بهذا النص.
(3) 3- كنز العمال رقم 7107 - 3/393 أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عن
عثمان رضي الله عنه. ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/277 .
(4) 4- كنز العمال 3/181 رقم 6096 قال : أخرجه الترمذي رقم 2341 وابن ماجة
عن أبي ذر وقال الترمذي : هذا حديث غريب .
(5) 5- كنز العمال 3/183 رقم 6096 قال : أخرجه ابن ماجة والبيهقي وأبو نعيم في
الحلية عن أبي خلاد. وأبو نعيم في الحلية أيضاً عن أبي هريرة.
(6) 1- له شاهد في كنز العمال «من زهد في الدنيا علمه الله بلا تعلم وهداه بلا هداية
وجعله بصيراً أو كشف عنه العمى...» أبو نعيم في الحلية عن علي 3/197 .
وشاهد آخر «من زهد في الدنيا....» 3/208 أرقام 6193 عن العقيلي عن أبي
موسى، وأورده ابن الجوزي في الموضعات وقال الذهبي في الميزان :باطل. (3/23)
صفحة 352
[ التواضع وأثره ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من ترك ثوباً جمالاً وهو يقدر عليه تواضعاً لله كان حقاً على الله أن يدخر له من عبقري الجنة»(1) .
[ إنفاق المال في الماء والطين ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أراد الله بعبده شراً أذهب ماله في الماء والطين»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من بنى فوق ما يكفيه كلف حمله يوم القيامة»(3) .
مسألة
[ الإنفاق في البناء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «كل نفقة يؤجر عليها العبد إلا ما أنفقه في الماء والطين»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «كل بناء وبال علي صاحبه يوم القيامة إلا ما كنه من حرا وقر»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الصبر نصف الإيمان»(6) .
مسألة
[ أهمية الصبر ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من أقل ما أوتيتم العزيمة والصبر واليقين من أعطي حظه منهن فلم ينل بما فاته»(7) .
__________
(1) 2- له شاهد في كنز العمال رقم 5733 من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه
دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حُلل الإيمان شاء
يلبسها» الترمذي والحاكم في المستدرك عن معاذ بن أنس.
(2) 3 ، 4 ، 5- وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الإنفاق الزائد في البناء منها : =
(5) = 1- «يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا في التراب» صحيح الجامع
2/1327 رقم 7 - 8 الترمذي عن خباب.
2- «كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها إلا البنيان» الطبراني في الكبير
عن خباب وأيضاً الجامع الصحيح 2/838 رقم الحديث 4566 .
3- «النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء» عن أنس في صفة يوم القيامة
باب (4) الترمذي.
1- كنز العمال أرقام متعددة في القناعة.
(6) 2- كنز العمال 3/271 رقم 6498 قال : أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي عن
ابن مسعود.
(7) 3- لم أعثر عليه بهذا النص والمعني صحيح. (3/24)
صفحة 353
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الصبر كنز من كنوز الجنة»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس»(2) .
مسألة
[ معرفة الله عز وجل ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من معرفة حق الله إن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من كنوز البر كتمان الألم»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «سيأتي على الناس زمان لا ينال الناس فيه الملك إلا بالقتل والتجبر ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا رأيت من أخيك ثلاثة خصال فأرجه : الحياء والأمانة والصدق»(6) .
مسألة
[ أهمية الصبر والصدق ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «النصر مع الصبر والفرج مع الكرب»(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثة خصال من كن فيه فهو من الأبرار : الرضى بقضاء الله والصبر عن محارم الله والغضب في ذات الله»(8) .
__________
(1) 4- وردت أحاديث كثيرة توضح أن الصابرين لهم الجنة وهذا الحديث بهذه الصيغة
لم أعثر عليه.
(2) 5- وهذا الحديث أيضاً.
(3) 1- الحث على الصبر وعدم إظهار الشكوى انظر رقم 6515/3/276 كنز العمال
6516، 6518، 6522، 6523 .
(4) 2- أيضاً له شواهد الأرقام الأربعة السابقة وانظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/256
للهيثمي. والنص في كنز العمال رقم 6643 أخرجه أبو نعيم في الحلية.
(5) 3- لم أعثر عليه بهذه الصيغة.
(6) 4- الحديث صحيح لأن هذه الصفات الثلاثة يحبها الله ورسوله.
(7) 5- ورد هذا الحديث بروايات متعددة في كنز العمال منها : رقم 6506 - 3/272 ،
6519، 8661 3/754 والحديث صحيح انظر أبو نعيم في الحلية، الطبراني
في الأوسط، والخطيب في تاريخه، والفردوس عن ابن عباس.
(8) 1- له شواهد منها عند البخاري باب رقاق وكنز العمال 3/753 رقم 8659 . (3/25)
صفحة 354
وقال : « الستر في الصدق البر يهدي إلى الجنة»(1) .
مسألة
[ أهمية قول الحق والعمل بالصدق ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الكمال قول الحق والعمل بالصدق»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من تكلم بما لا يعتبربهم حرم عليه الصدق ومن شغل جوارحه بغير ما أمر الله حرم الورع»(3) .
وقال : «يعرف الصادقون باجتناب الأعمال التي أعد الله عليها النار ويعرف الكاذبون بعكس ذلك عن جبرائل»(4) .
مسألة
[ من هم الحامدون ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يناد مناد يوم القيامة ليقيم الحامدون فتقم زمرة فينصب لهم لواءه فيدخلون الجنة قيل : ومن الحامدون؟ قال : الذين يشكرون الله على كل حال وقال الحمد لواء الرحمن»(5) .
وقال : «من نظر في الدنيا إلى من دونه ونظر في الدين إلى من فوقه كتبه الله صابراً شاكراً»(6)
__________
(1) 2- الحديث : «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة...» عليه عن ابن
مسعود في السنن. كنز العمال 3/375 رقم 6859، 6860، 6861، 6863
أحمد في مسنده ومسلم والترمذي وغيرهم.
(2) 3- له شواهد بأن قوله الحق ليس له إلا الجنة والعمل بالصدق يهدي إلى البر والبر
يهدي إلى الجنة.
(3) 4- لم أعثر عليه بهذا النص .
(4) 5- المعنى صحيح ولكنني لم أعثر عليه في كتب الأحاديث من صحاح وسنن ومسانيد.
(5) 1- له شواهد كثيرة منها: «أول ما يُدعى العبد إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون
الله في السراء والضراء» الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك والبيهقي
في السنن عن ابن عباس - كنز العمال 3/354 رقم 6410، وأرقام 6404،
6405، 6406، 6407، 6409 .
(6) 2- له شواهد : جاء في الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني عن أبي
هريرة : «لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو الخلق أو المال ولكن ينظر
إلى من هو دونه، وفي كنز العمال : 3/395 رقم «إذا نظر أحدكم إلى من
فضل الله عليه في المال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم». هناد
- البيهقي في السنن عن أبي هريرة ورقم 7119 نفس النص عند البخاري
وأحمد في مسنده ومسلم عن أبي هريرة - المصدر نفسه. (3/26)
صفحة 355
.
مسألة
[ القرآن غناً لأهله ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من آتيه الله القرآن فظن أن أحداً أغنى منه فقد استهزأ بآيات الله»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «القرآن هو الغنى الذي لا غنى بعده ولا فقر معه»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الرجل تكون له درجة عند الله تعالى لا يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك»(3) .
مسألة
[ كظم الغيظ وأهمي الصبر ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قال : «ما تجرع العبد جرعتين أحب إلى الله تعالى من جرعة غضب ردها بجسم أو جرعة مصيبة صبر لها»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أفضل ما أوتيتم اليقين والعزيمة والصبر»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد»(6) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أول ما يدخل الجنة أهل البلا وإمامهم أيوب - صلى الله عليه وسلم - »(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من شاء لقاء الله فليكثر من خوف الله»(8)
__________
(1) 3- جاء في كنز العمال رقم 2307 - 1/516 :«القرآن غنى لا فقر بعده ولا غني=
(2) = دونه» أخرجه أبو يعلى ومحمد بن نصر عن أنس.
1- جاء في كنز العمال 1/510 رقم 2261 : «أغنى الناس حملة القرآن من جعله
الله في جوفه» ابن عساكر عن أبي ذر.
(3) 2- كنز العمال 3/327 رقم 6786 أخرجه ابن حبان والحاكم في المستدرك عن
أبي هريرة وله شواهد : 6787، 6788، 6822 .
(4) 3- له شواهد في كنز العمال منها : 5818 - 3/130 ، 5819 «ما تجرع عبد
جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ كتمها لله ابتغاء وجه الله» أحمد في
مسنده والطبراني في الكبير عن ابن عمر. وأرقام : 5820، 5821، 5822،
5823 .
(5) 4- سبق ذكره .
(6) 5- لم أجده بهذا النص .
(7) 1- لم أعثر عليه وصبر أيوب عليه السلام معروف ذكره القرآن الكريم.
(8) 2- حديث له شواهد كثيرة الخوف من الله منها : «من خاف الله أخاف الله منه
كل شيء» كنز العمال رقم 5915 - 3/149 ، «لا يلج النار من بكى من
خشية الله» 5917 - 3/149 ، 5916، ورقم 5912 . (3/27)
صفحة 356
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يجمع الله للمؤمن خوفين ولا أمنين فإذا أمن في الدنيا خفته يوم القيامة وإذا خافني اليوم أمنه يوم القيامة»(1) .
مسألة
[ أثر الخوف من الله ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أتمكم لله خوفاً أكملكم عقلاً وأحسنكم فيما أمر به ونهى عنه نظراً»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تعالى تحاتت عنه جناياه كم يتحاتت ورق الشجر»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أوحى الله إلى نبيّه موسى عليه السلام إن خفت ممن يعلم السر والنجوى وأرج ممن يملك الآخرة والدنيا وأحذر ممن يأخذك حيث
يشاء»(4) .
مسألة
[ عمل أهل الجنة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه
وبينها إلا مقدار فواق ناقة فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يموتن أحدكم حتى يؤمن بالله وحسن ظنه أن يحسن
__________
(1) 3- كنز العمال 3/141، رقم 5878 قال : أخرجه أبو نعيم في الحلية عن شداد بن
أوس، ورقم 5868 شاهد هذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن عن سعيد بن
المسيب مرسلاً.
(2) 4- المعنى صحيح وله شواهد ولم أعثر عليه بهذا النص.
(3) 5- كنز العمال 3 / 141 عن الطبراني في الكبير عن العباس وأيضاً ورد في
مسند أحمد.
(4) 1- المعنى صحيح وهو الخوف من الله، ولم أعثر عليه بهذا النص.
(5) 2- حديث صحيح وهو جزء من حديث الخلق عن ابن مسعود رضي الله عنه، فتح
الباري 66/302 بدء الخلق، ومسلم في أول كتاب القدر، وأبو داود في سننه.
(6) 3- متفق عليه رواه البخاري في كتاب التفسير والكسوف والنكاح والرقاق
والإيمان، ومسلم في فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحمد في المسند 2/257 وغيرهم. (3/28)
صفحة 357
العمل لله»(1) .
مسألة
[ أهمية التفكير في خلق الله ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله تعالى سبحانه فإنكم لم تقدروا قدره»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تفكر ساعة خير من قيام ليلة»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «السوم في سوء الخلق»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «بعثت لأتم محاسن الأخلاق»(5) .
مسألة
[ أهمية حُسن التعقل والتدبير ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ما أحسن الله خلق امرء ولا خلقه ليطعمه النار»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من سعادة المؤمن حسن الخلق»(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق».رواه أبو ذر رضي الله عنه(8)
__________
(1) 4- جاء في كنز العمال 3/135 رقم 5752 ورقم 5861 - 3/137 «لا يموتن أحد
منكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» أحمد في مسنده ومسلم وأبو داود وابن
ماجة عن جابر رضي الله عنه وفي رقم 5848 «إن حسن الظن بالله من حسن
عبادة الله» أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة.
(2) 1- ورد بروايات متعددة في كنز العمال : منها أرقام : 5704، 5705، 5706،
5707، 5708 «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» أبو نعيم في الحلية
عن ابن عباس 3/106 .
(3) 2- أخرجه أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس موقوفاً، وقال في كنز العمال رقم
5711 - 3/107 : أخرجه صالح بن أحمد في كتاب التبصرة عن أنس مرفوعاً.
(4) 3- أخرجه أبو داود في الأدب رقم 1266 .
(5) 4- الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 19/75 «إنما بعثت لأتمم
صالح الأخلاق» قال : أخرجه الإمام مالك في الموطأ، والطبراني في الكبير.
(6) 5- لم أعثر عليه بهذا النص.
(7) 6- حديث صحيح له شواهد بنفس المعنى. انظر الفتح الرباني 19/75 والنص في=
(8) = كنز العمال 3/12 رقم 5193 البيهقي في سننه عن جابر.
1- قول مأثور ويجري على ألسنة الناس من الحكم وله شواهد : «رأس العقل بعد الإيمان
بالله التودد إلى الناس» البيهقي في سننه - كنز العمال 9/ رقم 5173، 5172. (3/29)
صفحة 358
.
مسألة
[ أثر السخاء وحسن الخلق ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح تدينكم إلا السخا وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وتشريف المنازل»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أثقل الأعمال يوم القيامة حسن الخلق»(3) .
مسألة
[ أحسن الأخلاق الخلق الحسن ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الأخلاق منايح من الله فمن أراد الله به خيراً أحسن خلقه»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الأعمال وأحسنها وأهونها الصمت وحسن
الخلق»(5) . رواه أبو هريرة رضي الله عنه(6)
__________
(1) 2- كنز العمال 3/13 ورد جزء من هذا الحديث: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».
(2) 3- كنز العمال : رقم 5149 - 3/5 الطبراني في الكبير والضياء عن أنس حديث
أخرجه أبو داود في كتاب الأدب.
(3) 4- ورد هذا الحديث بروايات متعددة في كنز العمال منها : رقم 5150، 5161،
5176، 5175، 5192 الجزء الثالث.
(4) 5- ورد بروايات متعددة وأرقام متعددة منها : 5153، 5156، 5216 - 3/15 .
(5) 1- 3/11 كنز العمال رقم 5188 أخرجه أبو يعلى عن أنس.
(6) 2- ترجمة أبو هريرة : الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو
هريرة الدوسي اليماني، سيد الحفاظ. اختلف في اسمه على أقوال أرجحها :
عبد الرحمن بن صخر الدوسي. حمل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علماً كثيراً« طيباً مباركاً فيه،
حدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، فقيل : بلغ عدد أصحابه
(800) صاحب، قدم المدينة بعد الانتهاء من خيبر السنة السادسة للهجرة
وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع سنين، كان من أهل الصفة وكان ملازماًَ لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فحمل العلم الكثير مسنده «5347 حديثاً» توفي رضي الله عنه سنة 59هـ
وله 78 سنة وصلى على عائشة رضي الله عنها في رمضان سنة 58هـ. انظر
سير أعلام النبلاء ص578 - 632 رقم 126 . (3/30)
صفحة 359
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الدار»(1) .
مسألة
[ أحبكم إلى الله أحسنكم خلقاً ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً الذين يألفون ويألفون
ومن سعادة المؤمن حسن الخلق وهو أن يكون سهل العريكة»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الجنة لكل هين لين سهل الخلق»(3) .
مسألة
[ الحث على الإحسان للجار ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وليقل خيراً أو ليصمت»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر لله فإن ذلك يقسي القلب»(6) .
مسألة
[ أهمية حفظ اللسان وقلة الكلام ]
__________
(1) 3- لم أعثر عليه بهذا النص والمعنى صحيح لا خلاف عليه.
(2) 4- ورد بروايات متعددة : أرقام متعددة في كنز العمال 3/10 وقبله 5154،
5155، 5179، 5199 الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد، خط عن أنس،
البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ثعلبة، البخاري عن ابن عمر والترمذي
والحاكم في المستدرك عن عائشة.
(3) 1- ورد بروايات متعددة منها رقم 5162 - 3/7 كنز العمال «ألا أخبركم بمن تحرم
عليه النار غداً على كل هين لين سهل» الترمذي عن ابن مسعود وعند ابن النجار
عن أبي هريرة رقم 5247 - كنز العمال 3/20 .
(4) 2- حديث متفق عليه أخرجه البخاري في 81 كتاب الرقاق (23) باب حفظ
اللسان، فتح الباري 11/308 ، رواه مسلم في كتاب الإيمان باب تحريم إيذاء
الجار، ورد بروايات متعددة عند أحمد 5/412 .
(5) 3- متفق عليه رواه البخاري في كتاب الرقاق، مسلم في اللقطة باب الضيافة.
(6) 4- له شواهد كثيرة في باب أهمية الذكر والحث عليه رياض الصالحين 570 أرقام
1435، 1436، 1439، والنص في ص 603 رقم 1516 قال : رواه
الترمذي حديث 2411 . (3/31)
صفحة 360
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا من أمر بمعروف أو نهى
عن منكر أو ذكر الله تعالى«(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله تعالى عند لسان كل قائل فليتق الله امرء
فيما يقول»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «وقال من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه دخل النار ». أعاذنا الله وإياكم منها(3) .
مسألة
[ السكوت أفضل الثرثرة ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:«رحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكت عن شر فسلم»(4).
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الصمت يزين للعالم وستر للجاهل»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :«الصمت حكمة وقليل فاعله»(6) .
مسألة
[ أثر اللسان والفرج على الأعمال ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من يكفل لي ما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة»(7)
__________
(1) 1- أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن أم حبيبة
بلفظ : «كلام ابن آدم كله عليه، لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر
الله عز وجل» كنز العمال 3/553 رقم 7865 .
(2) 2- كنز العمال رقم 7842 - 3/549 أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله
عنهما والحكيم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) 3- كنز العمال 3/354 رقم 6901 العسكري في الأمثال عن ابن عمر رضي الله
عنهما، 787 - 3/553 الطبراني في الأوسط عن ابن عمر.
(4) 4- ورد في كنز العمال 3/543 رقم 7836 عن ابن مبارك في الزهد من خالد بن
أبي عمران مرسلاً. له شواهد كثيرة بأرقام متعددة 6894، 6895، 6896،
7850، 7849، 7848 .
(5) 5- كنز العمال 3/350 رقم 6882 أبو الشيخ عن محرز بن زهير.
(6) 6- كنز العمال 3/350 رقم 6880 القضاعي عن ابن أنس، الفردوس للديلمي عن
ابن عمر.
(7) 1- حديث مشهور وله روايات كثيرة : 3/551 فصاعداً أرقام 7853، 7869،
7871، 7873، 7895 . أخرجه أبو يعلى وابن قانع وابن مسندة الضياء عن
صعصعة المجاشعي، والترمذي عن عقبة بن عامر، والبخاري عن سهل بن سعد. (3/32)
صفحة 361
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من وقي شر لقلقة وقبقبة وذبذبة فقد وقي»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»(2) .
مسألة
[ الإحسان للجار ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا رأيتم المؤمن صموتاً وقوراً فادنوا منه فإنه يلقى الحكمة»(5) .
مسألة
[ إمساك اللسان ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثة غانم وسالم فالغانم الذي يذكر الله والسالم الساكت والشاحب الذي يخوض في الباطل. وقال : إن لسان المؤمن وراء قلبه وقلب المنافق وراء لسانه»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله»(7) .
مسألة
[ أثر الكذب والضحك بغير حق ]
__________
(1) 2- كنز العمال 3/553 رقم 3872 البيهقي في شعب الإيمان عن أنس.
(2) 3- كنز العمال شاهد له : 3/554 رقم 7874 «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى
يخزن من لسانه» الطبراني في الأوسط والضياء عن أنس.
(3) 4- رياض الصالحين ص184 رقم 303 قال أخرجه البخاري في الأدب باب «أثم من
لم يأمن جاره بوائقه»، مسلم في الإيمان باب تحريم إيذاء الجار. وأحمد
في مسنده 2/288 .
(4) 5- كنز العمال 3/354 - 6902 الديلمي في الفردوس عن علي ورقم 6897
الديلمي عن عائشة مرسلاً.
(5) 1- لم أعثر عليه بهذا النص.
(6) 2- المعنى صحيح ولكنني لم أعثر عليه بهذا النص.
(7) 3- انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/299 رواه الطبراني في الأوسط
والصغير وحسن إسناده عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزيادة على ما في المتن. (3/33)
صفحة 362
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن من تكلم بكلمة ليضحك بها جليسه يهوي بها أبعد من الثرياً»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الحليم يدرك بحلمه درجة الصائم والقائم»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله يحب الحليم المتعفف»(3) .
مسألة
[ كيفية طلب العلم ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطيه ومن يتوق الشر يوقيه»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «اطلبوا العلم واطلبوا معه الحلم والسكينة»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «اتبعوا الرفعة عند الله وهي أن تصل من قطعك وتحلم عن من جهل عليك»(6) .
مسألة
[ سنن المرسلين ]
[ وأهمية الصدقة ]
__________
(1) 4- نص الحديث في مسند أحمد 3/402 ، وله شواهد الترمذي الزهد 10 ،
وأحمد 3/28 والدارمي الاستئذان 66 . والحديث صحيح، نص الحديث كنز
العمال رقم 7880، 81 - 553 .
(2) 5- كنز العمال 3/129 رقم 5809 أبو نعيم في الحلية عن علي .
(3) 1- لم أعثر عليه بهذا النص والحديث صحيح المعنى .
(4) 2- أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية 1/76 رقم 93 وقال : ساقه الخطيب
127 ج9 بإسناده عن ابن مجالد عن عبد الملك عن رجاء عن أبي هريرة،
ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم الحلية 5/147 .
(5) 3- كنز العمال 10/141 رقم 28717 قال رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي
في الكامل عن أبي هريرة. قال المناوي في فيض القدير 3/53 قال الهيثمي: فيه
عباد بن كثير وهو متروك الحديث.
(6) 4- كنز العمال 3/376 جزء من حديث «من أراد أن يشرف الله له البنيان، وأن يرفع
له الدرجات يوم القيامة فليعف عمن ظلمه، وليعط من حرمه، وليصل من قطعه،
وليحلم عمن جهل عليه» قال : أخرجه الخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة. (3/34)
صفحة 363
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « خمس من سنن المرسلين الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من حرم ثلاثاً أو واحدة منهن فلا يعتد بشيء من علمه تقوى يحجره عن معاصي الله وحلماً يكف به السفيه وخلقاً يعيش به في الناس»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «قال موسى عليه السلام : يا رب أي عبادك أعز عليك؟ قال: الذي إذا قدر عفا»(3) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :«التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة تواضعوا يرفعكم الله»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا يعزكم الله»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا ينمي الله أموالكم»(6) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الناس أكثرهم عفواً وأسهلهم لهم صدراً»(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من ملك نفسه حين يغضب»(8)
__________
(1) 1- الثابت في الأحاديث أربع من سنن المرسلين ولم تذكر الحجامة وإن احتجم
النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(2) 2- المعنى صحيح ولكنني لم أعثر عليه في كتب السنن والمسانيد.
(3) 3- كنز العمال 3/373 رقم 7006 البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة.
(4) 4- ورد بروايات كثيرة منها : في كنز العمال 3/375 رقم 7012، 5719،
3/110 ، 5740 - 3/114 وغيرها. ابن أبي الدنيا ذم الغضب عن محمد بن
عمير العبدي ، والديلمي في الفردوس عن أنس.
(5) 5- كنز العمال 3/375 رقم 7012 ابن لال عن أنس، والفتح الرباني لترتيب
مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 19/82 .
(6) 1- كنز العمال 3/129 رقم 5809 أخرجه أبو نعيم في الحلية عن علي رضي الله عنه.
(7) 2- الحديث يتفق مع قوله تعالى : { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله
يحب المحسنين } [سورة آل عمران آية 134].
(8) 3- ورد بطرق متعددة منها الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني
19/79 قال : أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وكنز العمال 3/521
رقم 7705 قال : أخرجه أحمد والبيهقي في السنن عن أبي هريرة. (3/35)
صفحة 364
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما غضب أحدكم قطاً إلا شقا على جهنم»(1) .
مسألة
[ كظم الغيظ ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من كظم غيظاً قادراً على إمضائه ملأ الله قلبه يوم
القيامة أمناً وإيماناً»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه نوراً»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : « إن الغضب ممرة قلب ابن آدم فمن وجد ذلك فليلصق خده بالأرض»(4) .
مسألة
[ علاج الغضب والعفو عن الناس ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا غضب أحدكم فليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإن سكن وإلا فليجلس إن كان قائماً أو يضطجع إن كان قاعداً»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أربعة مفسدة للقلب مجاراة الأحمق والخلوة بالنساء ومجالسة الموتى. قيل : فمن الموتى يا رسول الله؟ قال : كل شيء غني نظره غناه»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا وقف العباد نادى مناد ليدخل الجنة من أجره على الله. قيل : ومن هم يا رسول الله؟ قال : العافون عن الناس»(7) .
مسألة
[ حكم مدارة الناس ]
__________
(1) 4- يدل على أن الغضب من الشيطان والشيطان من النار.
(2) 5- كنز العمال 3/405 رقم 7161، 7162، 7163 عن أحمد عن معاذ بن أنس
وابن أبي دنيا في ذم الغضب.
(3) 6- الأحاديث السابقة شاهد لهذا الحديث، الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن
حنبل الشيباني 19/78 رقم 19، أخرجه ابن ماجة والبيهقي في سننه.
(4) 1- لم أعثر عليه بهذا النص إنما علاج الغضب ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من حديث.
(5) 2- ورد بروايات متعددة منها : كنز العمال 3/519 رقم 7692، 7720، 3/523،
7721، 8869 وغيرها. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي في شعب
الإيمان عن أبي ذر.
(6) 3- الحديث صحيح المعني ولم أعثر عليه بهذه الصيغة.
(7) 4- هذا مصداق قوله تعالى : { والكاظمين الغيظ والعافين عن
الناس } [آل عمران آية 134]. (3/36)
صفحة 365
[ أهمية الرفق ]
قال النبي- صلى الله عليه وسلم - : «إن الله أمرني بمدارة الناس كما أمرني بقراءة القرآن»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يا عائشة ارفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم على باب الرفق»(3) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من حرم الرفق حرم الخير كله»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أيما ولي ولى فلان ورفق رفق به يوم القيامة»(5) .
[ أثر الرفق، والتأني ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أتدرون من يحرم على النار؟ قالوا : قال :كل هين لين سهل»(6) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الرفق يمن والحزق شؤم»(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «التأني من الله والعجلة من الشيطان لعنه الله»(8) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يا عائشة من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة»(9) .
__________
(1) 1- ورد عن ابن المسيب رضي الله عنه : روي عن زيد عن ابن المسيب عن أبي
هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «رأس العقل بعد الإيمان بالله مدارة الناس»
العلل المتناهية 2/243 ، 244 .
(2) 2- كنز العمال 3/52 رقم 5450 البزار عن جابر ورقم 5455 ابن ماجة عن
جابر 5457 عن عائشة 5456 عن عائشة.
(3) 3- كنز العمال 3/51 رقم 5448 البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة و5449
ابن أبي الدنيا 5450 البزار عن جابر.
(4) 4- كنز العمال 3/51 رقم 5446 الطبراني في الكبير عن جابر.
(5) 5- لم أعثر عليه بهذه الصيغة.
(6) 6- رياض الصالحين ص320 رقم 640 قال : رواه الترمذي حديث حسن.
(7) 1- كنز العمال 3/51 رقم 5447 قال : أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن
مسعود. ورقم 5448 البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة.
(8) 2- كنز العمال 3/98 رقم 5674 أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد.
(9) 3- له شواهد في الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل
19/84 رقم 43، 44 . (3/37)
صفحة 366
مسألة
[ أثر الرفق والسخاء في دخول الجنة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ما جعل الله الرفق في شيء إلا زانه وما أبانه من شيء إلا شانه»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أراد الله بقوم خيراً وفقهم للرفق»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة»(3) .
مسألة
[ أهمية السخاء وأثر البخل ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما جبل الله ولياً إلا على السخاء وأحسن الخلق»(6) .
رواية عائشة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخيّاً أخذ بعضاً منها فما زال به حتى دخل الجنة». والبخيل بعكسه(7)
__________
(1) 4- المصدر نفسه رقم 44 قال : أورده الهيثمي وقال : رواه البزار بإسنادين رجال
أحدهما رجال الصحيح. وجزء من حديث رقم 5461، رياض الصالحين
رقم 633 ص 318 قال : رواه مسلم في باب فضل الرفق حديث رقم 77 .
(2) 5- كنز العمال 3/53 أرقام 5457، 5456، أخرجه البخاري في التاريخ وابن
أبي الدنيا في ذم الغضب والبيهقي في شعب الإيمان وأحمد في مسنده عن
عائشة رضي الله عنها. وأيضاً الخرائطي في مكارم الأخلاق عن عائشة.
(3) 6- كنز العمال 6/337 رقم 15928 - الترمذي عن أبي هريرة والبيهقي في =
(4) = شعب الإيمان عن جابر، والطبراني في الأوسط عن عائشة.
1- كنز العمال 6/337 رقم 15928 ورقم 16210 - 6/393 قال أخرجه
الخطيب والديلمي في الفردوس عن أبي هريرة.
(5) 2- جزء من حديث السابق هامش 7 رقم 15928 .
(6) 3- كنز العمال 6/391 رقم 16204 أخرجه ابن عساكر عن عروة ومرسلاً
أخرجه ابن عساكر والديلمي عن عائشة.
(7) 4- كنز العمال 6/337 رقم 15927 أخرجه أبو نعيم في الحلية عن جابر
والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد، وابن عساكر عن أنس ورقم 16207،
16208 - الخطيب في كتاب البخلاء وابن عساكر عن عبد الله بن جراد،
الخطيب عن أبي هريرة. (3/38)
صفحة 367
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «اطلبوا الفضل من الرحماء من أمتي تعيشوا في أكنافهم»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لله منا عباداً اختص لمنافع العباد فمن بخل بتلك المنافع نقلها الله عنه»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «طعام السخي دواء وطعام البخيل داء»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من عظمت نعمة الله عليه عظمت مؤونة الناس عليه». فمن لم يؤد حقها عرضها للزوال(4) .
[ أثر الشبع على دخول الجنة ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يدخل ملكوت السماوات من أكل فوق الشبع»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الناس من قل طعمه وضحكه ورضي بما يواري له عورته وسد سغبه»(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أفضلكم عند الله وأكثركم نكراً»(8) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أبغضكم عند الله كل نوام أكول وشروب»(9) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله يباهي ملائكته بمن قل طعمه»(10) .
__________
(1) 5- لم أعثر عليه بهذا النص .
(2) 6- يتفق هذا الحديث مع بذل الجاه للناس.
(3) 1- كنز العمال 3/448 - رقم 7384، الخطيب في كتاب البخلاء ، وأبو القاسم
الحزفي في فوئده عن ابن عمرو.
(4) 2- لم أعثر عليه بهذا النص.
(5) 3- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول 1/344 ، 5/30 ، 6/666 ،
11/726 أرقام : 128، 3021 ، 4964 ، 4399 .
(6) 4- ذم الشبع، ولم أعثر عليه بهذا النص.
(7) 5- ذم كثرة الضحك ومدح القناعة.
(8) 6- لم أعثر عليه بهذا النص.
(9) 7- ذم كثرة الأكل وكثرة والنوم والحديث له شواهد.
(10) 1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/677 رقم 2782 أخرجه مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه 26، كنز العمال رقم 5932/3/153 . (3/39)
صفحة 368
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع إذا كثر عليه الماء مات»(1) .
مسألة
[ أثر الجوع على دخول الجنة ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم. قيل : وما باب الجنة؟ قيل : الجوع والظمأ»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «المؤمن يأكل في أمعاء واحد والمنافقين يأكلون بسبعة أمعاء»(4) .
مسألة
[ أمراض الشبع، أحب العفاف ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن الأكل في الشبع يورث المرض»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أحب العفاف إلى الله عفاف البطن والفرج»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «القناعة كنز لا يفنى»(7)
__________
(1) 2- أخرجه ابن ماجة في باب من لا يؤبه له رقم 4115 - 2/1378 في ص191
رقم 4116 - جزء منه، وكنز العمال 5933 ، 5934 - 3/153 .
(2) 3- الواردة في كتب الأحاديث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن أهل الشبع في الدنيا هم
أهل الجوع غداً في الآخرة» أخرجه الهيثمي في الزوائد 10/251 قال : أخرجه
الطبراني وفيه يحيى بن سليمان الحفري، وذكره ابن الأثير في جامع الأصول
7/409 رقم 5478 الترمذي رقم 2480 ورقم 5477 - الترمذي والحاكم
في المستدرك 4/121 وصححه.
(3) 4- لم أعثر عليه بهذا النص والحديث كناية عن كثرة الصوم - والله أعلم -.
(4) 5- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/405 رقم 5472 أخرجه البخاري
9/468 في الأطعمة باب المؤمن يأكل في معي واحد. ومسلم رقم 2060 في
الأشربة باب المؤمن يأكل في معي واحد. الترمذي رقم 1819 في الأطعمة.
(5) 1- له شاهد «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء».
(6) 2- له شاهد «من ضمن لي شيئان ضمنت له الجنة ما بين لحييه وفخذيه».
(7) 3- الهيثمي في مجمع الزوائد 10/256 ، وكنز العمال رقم 7102 «عليكم
بالقناعة فإن القناعة مال لا ينفق» الطبراني في الأوسط عن جابر. (3/40)
صفحة 369
.
وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : «كن ورعاً تكن أعبد الناس»(1) .
مسألة
[ مدح القناعة ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما من موسر ولا مقتر إلا ود يوم القيامة أدنى قوتاً في الدنيا إلا قليل»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملئ عين ابن آدم إلا التراب»(4) .
مسألة
[ أثر العزلة ]
[ خطورة التحاسد والتباغض ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «استأنسوا بالوحدة عن جلساء السوء»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الدين بدأ غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء»(6) .
__________
(1) 4- كنز العمال رقم 7300 قال : ملاك الدين الورع. الديلمي في الفردوس عن
أبي هريرة 3/430 .
(2) 5- كنز العمال 3/392 رقم 7098 الرازي في مشيخته عن أنس ورقم 7100
الطبراني في الكنز الكبير والديلمي في الفردوس عن عبد الله بن حنطب ورقم
1701 الترمذي، وابن حبان والحاكم في المستدرك عن فضالة بن عبيد.
(3) 6- له شاهد وهو النهي عن الشبع في الدنيا والجوع في الآخرة.
(4) 1- حديث صحيح أرقام متعددة في كتب السنن منها كنز العمال 3/220 أرقام
6243، 44، 45، 46.، 47 الطبراني في الكبير عن سمرة، وعن أبي أمامة
وابن عساكر عن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن كعب بن عياض، وعن أبي
بن كعب 7342 باب الحرص أخرجه أحمد والترمذي عن أنس.
(5) 2- برواية عن عمر رضي الله عنه قال : «وإن في العزلة لراحة من خلاط السوء».
أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في العزلة كنز العمال 3/772 رقم 8709 .
(6) 3- جامع الأصول في أحاديث الرسول : 1/275 رقم 62 قال : أخرجه مسلم
145 في الإيمان إن الإسلام بدأ غريباً ورقم 2631 في الإيمان باب 13 . (3/41)
صفحة 370
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «خيركم الأتقياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفقدوا»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ألا أدلكم على أهل الجنة؟ قالوا : بلى يا رسول الله، قال : كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أغبط أولياء الله عبد مؤمن خفيف الوطية على الخلق»(4) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاث هنّ أصل كل خطيئة الكبر وهو المانع لإبليس أن يسجد لآدم والحرص أنه حمل آدم أن يأكل من الشجرة والحسد لأن قابيل قتل هابيل أخاه حسداً له»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «در إليكم داء لأمم قبلكم البغض والحسد»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «كاد الفقر أن يكون كفراً وكاد الحاسد يغلب الفقر»(7) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أخوف ما أخاف على أمتي التحاسد على كثرة المال فينقلبون»(8) .
__________
(1) 4- هذا الحديث صحيح وكان دعاء عمر بين الخطاب رضي الله عنه، مجمع الزوائد
ومنبع الفوائد 10/264 باب من لا يؤبه به.
(2) 5- سبق ذكره وذكر في كتب السنن والمسانيد. وبأرقام 5924، 5925،
5926 كنز العمال 3/152 باب الخمول.
(3) 1- سبق ذكره وله شاهد الحديث السابق.
(4) 2- كنز العمال 3/12 ، 3/3 رقم 5139، 5194، شاهد بهذا الحديث : «من كان
سهلاً هيناًَ ليناً حرمه الله على النار» وحديث : «إن الله يحب السهل الطليق».
(5) 3- المعنى صحيح وله شواهد ولم أعثر عليه بهذا النص.
(6) 4- كنز العمال 3/462 رقم 7443 بقوله : «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد
والبغضاء، وهي الحالقة» أخرجه أحمد والترمذي باب 56 رقم 2512،
والضياء عن الزبير بن العوام.
(7) 5- يؤثر عن علي رضي الله عنه في ذم الفقر وقوله :لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته.
(8) 6- الحديث له شواهد أن الحسد في كثر المال. (3/42)
صفحة 371
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ستة يدخلون النار قبل الحساب الأمراء الجور والعرب بالعصبية والدهاقين بالنكير والتجار بالخيانة والأهل الرساتين بالجهالة
والعلماء بالحسد»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يفظ والمنافق يحسد»(2) .
مسألة
[ خطورة الحسد، وداء الكبر ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»(3) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله أخواناً»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان لها فإن كل ذي نعمة محسود»(5) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن لنعم الله على أعدائهم الذين يحسدون الناس على ما رزقهم الله»(6) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب من الجبارين فيصيبهم ما أصابهم من العذاب»(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال من الكبر«(8) .
مسألة
[ الكبر والتجبر والبخل من الأمراض المذمومة ]
__________
(1) 1- هذا الحديث بأقسامه الستة لم أعثر عليه وهناك بعض الأحاديث في ذم بعض
الخصال مثل الحسد، الجور، العصبية، والخيانة، والجهالة.
(2) 2- لم أعثر عليه، وهكذا في الأصل.
(3) 3- كنز العمال 3/461 أخرجه ابن ماجة عن أنس وأبو داود عن أبي هريرة، وابن
صصرى في أماليه عن الحسن بن علي أرقام 7438، 7442، 7444 .
(4) 4- حديث متفق عليه رواه البخاري في كتاب الأدب فتح الباري 10/481 ،
ومسلم في النهي عن الحسد وأبو داود في النهي عن الحسد. انظر رياض
الصالحين ص 6628 رقم 1565، ص630 رقم 1568 .
(5) 5- حديث صحيح .
(6) 6- لم أعثر عليه بهذه الصيغة.
(7) 1- كنز العمال 3/528 رقم 7749 رواه الترمذي عن سلمة بن الأكوع.
(8) 2- كنز العمال بأرقام متعددة : 7748 - 3/528 مسلم عن ابن مسعود
وأرقام 7774، 7773، 7775، 7776، بزيادات متفقة في المعنى
كنز العمال 3/534 . (3/43)
صفحة 372
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يدخل الجنة جبار ولا بخيل ولا سيء ملكه»(1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «بئس العبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى»(2) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال»(3) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن في النار سجناً يجعل فيه المتكبرين ويطبق عليهم»(4) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «اللهم إني أعوذ بك من نفحة الكبر»(5) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من سلمه الله من ثلاثة رضي الله عنه : الكبر والحسد والعلو»(6) .
مسألة
[ النهي عن الخيلاء ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا ينظر الله إلي رجل جر إزاره بطراً»(7) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه ساخط»(8) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا مشت أمتي وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض»(9) .
النهج العاشر
في كلام الصالحين
مسألة
__________
(1) 3- له شواهد وأجزاء أحاديث كنز العمال 3/546 لا يدخل الجنة خب ولا بخيل
ولا منان ، وجزء 7438، 7442، 7444 .
(2) 4- المعنى صحيح ولم أعثر عليه بهذا النص.
(3) 5- كنز العمال 3/528 رقم 7750 أحمد في مسنده، الترمذي عن ابن عمر.
(4) 6- كنز العمال 3/528 تكملة حديث 7750 .
(5) 7- لم أعثر عليه بهذا النص والاستعاذة من الكبر جائزة بل واجبة.
(6) 1- معنى الحديث صحيح ويتفق مع غيره من الأحاديث الصحيحة.
(7) 2- أرقام متعددة وروايات متعددة بمعنى واحد. كنز العمال 3/529 أرقام
7752، 7754، 7755، 7756، 7757 وهذا نص الموجود البخاري عن أبي
هريرة وأحمد في مسنده عن أبي هريرة.
(8) 3- كنز العمال 3/527 رقم 7746 أحمد في مسنده عن ابن عمرو 3/5366
رقم 7784 البخاري في الأدب وأحمد في مسنده، الحاكم في المستدرك
والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر.
(9) 4- حالة سبقت في الأمة. ولم أعثر عليه بهذا النص. (3/44)
صفحة 373
[ الحث على التواضع ]
قال أبو بكر الصديق(1) - رضي الله عنه - : «لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير».
وقال : «وهب لما خلق الله جنته تعالى جنة عدن نظر إليها فقال : أنت حرام على كل متكبر ومرائي».
مسألة
[ مصائد الشيطان ]
وقال النعمان بن بشير(2) على المنبر : «إن للشيطان مصائداً وقحوفاً وإن
منها البطر بأنعم الله والفخر بما أعطى الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله».
مسألة
[ ذم الكبر ]
وقال محمد بن الحسين بن علي(3) رحمهم الله : «ما دخل قلب امرء من
الكبر شيء قط إلا نقص من عقله بقدره قل أو كثر».
__________
(1) 1- أبو بكر هو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه .
(2) 2- النعمان بن بشير : بن سعد بن ثعلبة، الأمير العالم صاحب رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -
وابن صاحبه، أبو عبد الله، ويقال : أبو محمد الأنصاري الخزرجي، ابن أخت
عبد الله بن رواحة، مسندة 114 حديثاً ولد عام ستين للهجرة وتسمع من النبي
- - صلى الله عليه وسلم - - وعُدّ من الصحابة الصبيان باتفاق. حدث عنه : ابنه محمد، والشعبي،
وحميد بن عبد الرحمن الزهري ، وسماك بن حرب ، وأبو إسحاق السبيعي ، =
(3) = كان من أمراء معاوية، فولاه الكوفة مدة، ثم ولي قضاء دمشق بعد فضاله ثم ولي
إمرة حمص. قتل في حمص بعدما دعي إلى بيعة ابن الزبير - رضي الله عنه – في
نهاية سنة 62هـ. سير أعلام النبلاء 3/411 - 412 .
1- محمد بن الحسين بن علي - رحمه الله - والصحيح : محمد بن علي بن
الحسين بن علي بن أبي طالب. هو السيد الإمام ابن زين العابدين رضي الله عنه.
ولد سنة 56هـ في حياة عائشة وأبي هريرة، روى عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - – وكبار
الصحابة مرسلاً. حدث عنه ابنه وعطاء بن رباح، والأعرج مع تقدمهما،
وعمرو بن دينار وغيرهم كثير. توفي رحمه الله بالمدينة سنة 114 هـ وقيل
117هـ . عن سير أعلام النبلاء 2/401 - 409 . (3/45)
صفحة 374
وقال القرشي(1) : «الإعجاب من الصواب وآفة الألباب».
وقال : «أبرز النعم التي يحسد عليها صاحبها التواضع والبلاء الذي لا يرحم صاحبه في الكبر وأحق بذي الحجي أن يكون المكبر مجانباً
وللإعجاب مبايناً».
قال الفضل بن سهل(2) : «من كانت ولايته فوق قدره تكبر ومن كانت ولايته دون قدره تواضع لها».
مسألة
[ مطلب إبليس من ابن آدم ]
قال إبليس لعنه الله: «إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أبل أن لا لطالبه(3) بغيرهن إذا نسي ذنوبه استكثر عمله وأعجب بنفسه».
مسألة
[ أهمية الموعظة مع قسوة القلب ]
وقال أشعيا(4) عليه السلام لبني إسرائيل : «إن الدابة تزداد على كثرة الرياضة لينا وقلوبكم تزداد على كثرة الموعظة قسوة».
مسألة
[ أهمية التواضع ]
قال عيسى عليه الصلاة والسلام(5)
__________
(1) 2- القرشي : الفقيه الكبير، قاضي العراق أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي
سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى القرشي. جده من السابقين البدريين. حدث
عن عطاء بن رباح والأعرج وزيد بن أسلم وغيرهم. حدث عنه ابن جريج، أبو
عاصم النبل وعبد الرزاق وغيرهم. ولي القضاء لموسى الهادي إذ هو ولي عهد،
ثم ولي قضاء مكة لزياد بن عبيد الله وعاش ستين سنة توفي ببغداد سنة
162هـ . ترجمه رقم 116 سير أعلام النبلاء 7/330 - 332 .
(2) 1- الفضل بن سهل : هو الأعرج، مشهور، ثقة عن البخاري ومسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي. قال أبو حاتم : صدوق. وقال النسائي : ثقة توفي رحمه
الله سنة 255هـ . أدرك يزيد بن هارون ونحوه. عن ميزان الاعتدال :
3/352 ترجمة 6728 .
(3) 2- الأصح : أن لا أطالبه.
(4) 3- اشعيا : نبي من أنبياء بني إسرائيل : فكان في بني إسرائيل نبي ورسول مثل
موسى وهارون عليهما السلام. ونبي فقط يتبع ما جاء به الرسول الذي سبقه.
(5) 1- عيسى : هو نبي الله ورسوله - صلوات الله وسلامه عليه - معجزة الله لبني
إسرائيل فكفروا به. (3/46)
صفحة 375
: «طوبى للمتواضعين في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة طوبى للمصلحين بين الناس هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة».
مسألة
[ القيمة في النتيجة لا في العمل ]
وقال يوسف ابن أسباط(1) : «يجزي قليل الورع عن كثير العمل
ويجزي قليل التواضع عن كثير الاجتهاد».
[ معنى التواضع ]
قال الفضل(2) : «التواضع هو أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي أو من أجهل الجهلاء».
مسألة
[ أثر التواضع ]
وقال قتادة(3) : «من منَّ الله عليه بمنة فلم يتواضع كانت نعم الله عليه وبالاً يوم القيامة».
مسألة
[ نتيجة التواضع ]
وقال مجاهد(4)
__________
(1) 2- يوسف ين اسباط الشيباني: الزاهد الواعظ قال عنه بشر بن الحارث : كان
زاهداً لا يأكل إلا الحلال. وحدث عنه: سفيان الثوري، وثقة يحيى بن معين.
انظر ميزان الاعتدال 4/462 رقم 9856، وسير أعلام النبلاء.
(2) 3- الفضل : ربما يكون الفضل بن سهل أو غيره.
(3) 1- قتادة : هو قتادة بن دعامة بن عزيز، وقيل : بن دعامة بن عكابه، حافظ
العصر، قدوة المفسرين والمحدثين أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير
الأكمه ولد سنة 60هـ روى عن عدد كبير من الصحابة والتابعين من أمثال
أنس بن مالك وأبي طفيل، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري وغيرهم
الكثير. روى عنه أئمة المسلمين أيوب السختياني، وابن أبي عروبة،
والأوزاعي، وحماد بن سلمة. وغيرهم كثير. قال عن نفسه : ما في القرآن آية
إلا وقد سمعت فيها شيئاً. وعنه قال : ما سمعت شيئاً إلا وحفظته. توفي
رحمه الله سنة 118هـ .
(4) 2- مجاهد : هو الإمام شيخ القراء والمفسرين، أبو الحجاج المكي، الأسود مولى
السائب بن أبي السائب المخزومي. روى عن ابن عباس فأكثر وأطاب، وعنه
أخذ القرآن والتفسير والفقه، وعن أبي هريرة وعائشة، وسعد بن أبي وقاص،
وعبد الله بن عمرو وابن عمر ورافع بن خديج وغيرهم - رضي الله عنهم.
حدث عنه : عكرمة ، وطاووس ، وعطاء وعمرو بن دينار ، وأبو الزبير وغيرهم= (3/47)
صفحة 376
: «لما أغرق الله قوم نوح - صلى الله عليه وسلم - شمخت الجبال وتواضع الجودي فجعله الله عز وجل قراراً للسفينة».
مسألة
[ متى يكون التواضع ]
قال عبد الملك بن مروان(1) : «أفضل الرجال من تواضع عند القدرة وزهد عند قدرة وتركت النصرة عند قدرة».
مسألة
[ معرفة النفس ]
وقال أبو سليمان : «لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه».
مسألة
[ ميزان التواضع ]
قال أبو يزيد : «ما دام العبد يظن أن في الخلق لشراً منه فهو متكبر».
وقال يحيى بن خالد البرمكي الشريف(2) : «إذا تنشيك تواضع والسفيه
إذا تنشك تعاظم».
وقال الفضيل(3)
__________
(1) = الكثير. روي عنه قوله : طلبنا هذا العلم ما لنا فيه نية، ثم رزقه الله النية بعد. توفي
- رحمه الله - وهو ساجد سنة 102هـ وقيل غير ذلك. انظر سير أعلام
النبلاء 4/447 - 457 رقم 175.
1- عبد الملك بن مروان : ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة الفقيه أبو الوليد
الأموي، ولد سنة 26هـ سمع عثمان وأبا هريرة وأبا سعيد، وأم سلمة، ومعاوية،
وابن عمر وغيرهم. حدث عنه : عروة، وخالد بن معدان، ورجاء بن حياة
وإسماعيل ابن عبيد الله، والزهري وغيرهم كثير. ولي الخلافة، وقامت في
عهده الحروب في الدولة وكادت دولة بني أمية أن تنتهي. أول من ضرب
الدنانير وكتب عليها القرآن. كان من رجال الدهر ودهاة الرجال، وكان
الحجاج من ذنوبه توفي في شوال سنة 86هـ عن نيف وستين سنة. عن سير
أعلام النبلاء 4/246 - 249 رقم 89 .
(2) 1- يحيى بن خالد البرمكي الشريف : اشتهرت عائلة البرامكة زمن الدولة العباسية
وقضى على نفوذهم هارون الرشيد.
(3) 2- الفضيل : هو الفضيل بن مرزوق المحدث أبو عبد الرحمن العنزي، مولاهم
الكوفي الأغر حدث عن عدي بن ثابت وأبي سلمة الجهني وعطية العوفي
وشفيق بن عقبة وعدة. وحدث عنه وكيع ، ويزيد ، وأبو أسامة ويحيى بن آدم ،
وأبو نعيم وغيرهم. كان من أئمة الهدى زاهداً أو عالماً. توفي رحمه الله
سنة 170هـ . سير أعلام النبلاء 7/342 رقم 124. (3/48)
صفحة 377
: «من يحب الرياسة لم يفلح أبداً».
مسألة
[ من المستحق التواضع له ]
قال يحيى بن معاذ(1) : «التكبر على ذي التكبر عليك بماله تواضع».
وقال : «التكبر في الخلق كلهم قبيح وفي الفقراء أقبح».
مسألة
[ قرناء التواضع ]
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : «وجدنا الكرم في التقوى والغنى
في اليقين والشرف في التواضع».
مسألة
[ صفة قراء الرحمن ]
قال الفضل بن عياض(2) : «قراء الرحمن أصحاب خشوع وتواضع
وقراء الشيطان أصحاب عجب وتكبر».
[ معاملة الأغنياء والفقراء ]
وقال ابن المبارك(3)
__________
(1) 3- يحيى بن معاذ : لم أجد له ترجمة.
(2) 1- الفضيل بن عياض : بن مسعود بن بشر، الإمام القدوة الثبت، شيخ الإسلام أبو
علي التميمي اليربوعي الخراساني، المجاور بحرم الله. ولد بسمرقند وارتحل في
طلب العلم. كتب عن منصور الأعمش، وبيان بن بشر، وحصين بن عبد
الرحمن وليث وعطاء وغيرهم كثير. حدث عنه : ابن المبارك، ويحيى القطان،
وعبد الرحمن بن مهدي، وابن عينية، والأصمعي، وعبد الرزاق، وغيرهم كثير،
هم أقران سفيان بن عينية في المولد، ولكنه مات قبله بسنوات. ترجمة رقم
114 - أعلام النبلاء 8/421 - 442 .
(3) 2- عبد الله بن المبارك : ابن واضح - الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء
في وقته، أبو عبد الرحمن الحنظلي. مولاهم التركي ثم المروزي، الحافظ
الغادي، أحد الأعلام، وكانت أمه خوارزمية. ولد سنة 188هـ طلب العلم وهو
ابن عشرين سنة. سمع من بقايا التابعين من سليمان التيمي، وعاصم الأحول،
وهشام ابن عروة وغيرهم كثير والأوزاعي وأبي حنيفة والليث ومالك
والثوري... حدث عنه : معمر والثوري، وأبو إسحاق وطائفة من أقرانه وأبو
داود، وعبد الرزاق بن همام وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم الكثير. وكان شاعراً
جيداً وكان يحدث من كتاب فقل سقطه. قال الحسن بن الربيع : شهدت موت
ابن المبارك لعشر مضى من رمضان سنة 181هـ ومات سحَراً ودفناه بهيت.
ترجمة 113 - سير أعلام النبلاء 8/378 - 422 . (3/49)
صفحة 378
: «التكبر على الأغنياء من المتواضع والتواضع
للفقراء من التواضع».
مسألة
[ النهي عن الغضب ]
قال نبي الله سليمان ابن داود عليهما السلام : «يا بني إياك وكثرة
الغضب فإن كثرة الغضب تستحف فؤاد الكريم الحكيم».
مسألة
[ النهي عن الغضب ]
قال عكرمة(1) : «في قول الله تعالى : { سيداً وحصوراً } فالسيد الذي
لا يغلبه الغضب».
قال ذي القرنين : «أنه لقي ملكاً فقال له : علمني علماً أزداد به إيماناً، قال : لا تغضب فإن الشيطان أقدر على ابن آدم حين يغضب».
وقال خثيمة : «الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم إذا رضي جث في
قلبه وإذا غضب سكنت في رأسه».
وقال جعفر بن محمد(2) : «الغضب مفاتيح كل شر».
قال ابن مسعود(3)
__________
(1) 1- عكرمة : ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة سيد بني مخزوم في
زمانه سمع أباه وابن عمر والسهمي، وأم سلمة، حدث عنه ابناه عبد الله
ومحمد ، والزهري ويحيى بن محمد صيفي. كان ثقة توفي سنة 103هـ.
(2) 2- جعفر بن محمد : أحسبه جعفر بن محمد بن علي بن الشهيد أبي عبد الله
الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه أمه أم
فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، وأمها أسماء بنت الصديق
-رضي الله عنها- كان يغضب من الرافضية عندما يسبون جده الصديق رضي =
(3) = الله عنه. ولد سنة 80هـ رأى بعض الصحابة مثل أنيس بن مالك وسهل بن
مسعد. حدث عن أبيه أبي جعفر الباقر وعبيد الله بن رافع، عروة بن الزبير
وعطاء بن رباح وغيرهم كثير، حدث عنه ابنه موسى الكاظم، ويحيى بن سعيد
الأنصاري وأبو حنيفة وابن جريج وابن إسحاق وغيرهم كثير، أنظر سير أعلام
النبلاء 6/255 - 270 ترجمة 117 .
1- عبد الله بن مسعود : الإمام، الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي
المهاجري البردي حليف بني زهرة، كان من السابقين والعلماء العالمين، حدث
عنه أبو موسى، وأبو هريرة وابن عباس، ابن عمر، وعمران بن حصن، وجابر
وأنس وأبو أمامة وغيرهم كثير جهاده معروف وإسلامه معروف في كتب السير
فارجع إليها. توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة 33هـ وقد عاش 63سنة. أنظر
سير أعلام النبلاء 1/461 - 50 رقم 87 . (3/50)
صفحة 379
رحمه الله : «انظر إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه وما اطلعت على حلمه إذا لم يغضب وأمانته إذا لم يطمع».
مسألة
[ عدم المعاقبة عند الغضب ]
قال عمر بن عبد العزيز لعامله : «لا تعاقب أيان الغضب فإذا غضبت
على أحد فاسجنه فإذا هدأ غضبك عنه فعاقبه».
مسألة
[ صفات المؤمن ]
قال الحسن : «من معاملات المؤمن قوة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين وعلم في حلم وكياسة في رفق».
[ أركان الكفر ]
وقال وهب ابن منبه(1) : « للكفر أربعة أركان الغضب والشهوة والحزق والطمع».
[ حسن الخلق ]
قال ابن المبارك : «سأجمل لكم حسن الخلق في كلمة وهو ترك الغضب».
قال عمر رضي الله عنه : «من أتقى لم يشف غضبه ومن خاف الله لم يفعل ما يريد ولا لوم يوم القيامة لكان غير ما ترون».
وقال لقمان لابنه : «يا بني لا تذهب وجهك بالمسألة ولا تشف غيظك فتعظم فضيحتك».
قال أبو أيوب : «حلم ساعة تدفع شراً كثيراً وأفضل الأعمال الحلم عند الغضب».
قال محمد بن كعب(2) : «ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله تعالى :
من لا يدخله رضاه في محجور، ولا يخرجه غضبه من طاعة الملك
الشكور، وإذا قدر لم يتناول وأما تجارته في العاقبة تبور».
مسألة
[ الاختبار بالغضب ]
__________
(1) 1- وهب بن منبه : أبو عبد الله اليماني، صاحب القصص، من أحبار علماء التابعين
ولد في آخر خلافة عثمان حديثه عن أخيه همام في الصحيحين روى عن ابن
عباس وعبد الله بن عمرو وروى عنه عمرو بن دينار، وعوف الأعرابي،
وأقاربه. أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. توفي رحمه
الله في سنة 114هـ . أنظر ميزان الاعتدال 4/352 رقم 9433 .
(2) 2- محمد بن كعب : الإمام العلامة الصادق أبو حمزة وقيل أبو عبد الله القرظي
من حلفاء الأوس، كان من علماء التفسير توفي رحمه الله سنة 108هـ وقيل
غير ذلك . حدث عن أبي أيوب الأنصاري و أبي هريرة وابن عباس وغيرهم . = (3/51)
صفحة 380
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «لا نعتمد على خلق رجل حتى تختبره عند الغيظ فإن لم يغضب فهو حليم».
مسألة
[ قبح الكذب ]
قالت عائشة(1) رضي الله عنها : «ما كان من خلق قبيح عند رسول الله وأصحابه عليهم السلام من الكذب فيما ينحل من صدره حتى يحدث لله
منه توبة».
مسألة
[ الصفات القبيحة ]
قال موسى عليه السلام : «يا رب أي عبادك خير عملاً قال من لا يكذب ولا يفجر قلبه ولا يزني فرجه».
مسألة
[ منزلة اللسان ]
قال لقمان الحكيم لابنه : «يا بني إياك والكذب فإنه منهي كالحلم العصفور فعما قليل يغلبه صاحبه».
قال علي رحمه الله : «أعظم الخطايا عند الله للسان الكذب وشر الندامة يوم القيامة».
قال مالك : «الكذب والصدق يعركان في القلب حتى يخرج
أحدهما صاحبه».
مسألة
[ عقوبة الغيبة ]
قال مالك ابن دينار(2)
__________
(1) = انظر سير أعلام النبلاء 5/66 رقم 23 .
1- عائشة : والدها الصديق بن أبي قحافة بن عامر... بن لؤي أمها : أم رمضان
بنت عمير بن عامر بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة. تزوجها
- صلى الله عليه وسلم - في شوال سنة 10 من النبوة قبل الهجرة لثلاث سنين وأنا بنت ست سنين،
وكانت عالمة في علم العربية وأشعارها والطب وعلم الحديث فهي من الذين
اشتهرت روايتهم عن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - توفيت رضي الله عنها ليلة سبع
عشرة من شهر رمضان بعد الوتر فأمرت أن من ليلتها فاجتمع الناس وحضروا
فلم نر ليلة أكثر ناساً منها وصلى عليها أبو هريرة سنة 58هـ وعبد الله بن عمر
- انظر الطبقات الكبرى لابن سعد 8/58 - 81 .
(2) 1- مالك بن دينار : معدود في ثقات التابعين، ومن أعيان كتبة المصاحف ولد في أيام
ابن عباس، وسمع من أنس بن مالك فمن بعده، وحدث عنه الأحنف بن قيس،
وسعيد بن جبير، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين وغيرهم كثير. توفي رضي
الله عنه سنة 127هـ. انظر سير أعلام النبلاء 5/362 - 364 ترجمة رقم 164 . (3/52)
صفحة 381
: «ما من خطيب إلا عرضت خطيئته على عمله
فإن كان صادقاً وإلا قرضت شفتا بمقاريض من النار كلما قرضتا نبتتا».
قال البراء ابن عازب(1) : «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا معشر المؤمنين لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم فإن من يتبع عورة مسلم تبع الله
عورته ففضحه».
مسألة
[ التوبة من الغيبة ]
قال نبي الله موسى عليه السلام : «من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة».
قال أنس :«قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أربى الربا(2) أعراض الناس».
مسألة
[ معنى قوله تعالى {ويل لكل همزة لمزة} ]
قال مجاهد في قوله تعالى : { ويل لكل همزة لمزة } (3) : «فالهمزة
الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس».
قال ابن عباس رضي الله عنه : «إذا أردت أن تذكر عيوب الناس
فاذكر عيوبك».
مسألة
[ صيغ من الغيبة ]
__________
(1) 1- البراء بن عازب : بن الحارث الفقيه، الكبير، أبو عمادة الأنصاري الحارثي المدين
نزيل الكوفة من أعيان الصحابة روى حديثاً كثيراً شهد غزوات كثيرة مع رسول
الله - - صلى الله عليه وسلم - - روى عن أبي بكر الصديق وعن حاله أبي بردة بن دينار حدث عنه
عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة السحائي وعدي بن ثابت، وسعد بن
عبيدة، وإبو اسحاق السبيعي. توفي رضي الله عنه - سنة 72هـ وقيل : 71هـ
قال عن نفسه (روى أبو إسحاق، عن البراء، قال : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
خمس عشرة غزوة. أنظر : سير أعلام النبلاء. 3/194 - 196 رقم 93 .
(2) 2- حديث أربى الربا : عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال : «الربا ثلاثة وسبعون باباً... وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» رواه ابن
ماجة مختصراً والحاكم بتمامه وصححه. عن بلوغ المرام ص101 باب الربا.
(3) 1- سورة الهمزة آية 1 . (3/53)
صفحة 382
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «عليكم بذكر الله وإياكم وذكر الناس فإنه إذا قال ابن جبل(1) رضي الله عنه ذكر رجلاً عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بعض الحكما لعله ما أعجزه فقال لهم اغتبتم صاحبكم».
قالت عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت امرأة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقالت : «إنها قصيرة قال لها : قد اغتبتها».
مسألة
[ صيغ من الغيبة ]
قال الغزالي(2) : «إن إحدى الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه وسيان ذكرته بنقصان أو بزيادة في بدنه أو خلقه في قول أو فعل».
قال المستمع : «لا يخرج من الغيبة إلا أن ينكر بلسانه أو بقلبه والأفضل بين الخطاب بخطاب سواه».
مسألة
[ النهي عن الغيبة ]
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : «لا تغتابوا في مجلسنا أحداً فإن ذكرتم الله أغناكم وإن ذكرتم غيره قمنا وتركناكم».
قال ميمون : «من إذا اغتاب عند أحد فانهوه فإن انتهى وإلا فقوموا عليه فارفضوه».
قال الشيخ أبو محمد ابن صالح عن الشيخ أبو محمد ابن إبراهيم الكندي(3)
كان يقول : «ما أرجو الجنة لأحد من أهل هذا الزمان إلا الصبيان،فقيل له
__________
(1) 2- ابن جبل : معاذ بن جبل - والله أعلم. هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس
بن عائد بن عدي بن كعب... الخزرجي السيد الإمام أبو عبد الرحمن
الأنصاري الخزرجي المدني البدري، شهد العقبة شاباً أمرداً. سوف تأتي ترجمة عنه.
(2) 1- الغزالي : هو حجة الإسلام : الإمام محمد بن محمد بن محمد بن أحمد
الطوسي الشافعي المعروف بالغزالي. ولد عام 450هـ / 1058م وتوفي سنة
505هـ / 1111م، حكيم متكلم، فقيه أصولي، صوفي مشارك من أنواع
العلوم، له تصانيف كثيرة منها : الوجيز في الفقه، المستصفى في الأصول.
إحياء علوم الدين في الزهد وغيرها الكثير. وتوفي في طابران وولد فيها.
انظر سير أعلام المؤلفين 11/266 .
(3) 2- أبو محمد بن إبراهيم الكندي : لعله محمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد = (3/54)
صفحة 383
في ذلك، قال : ليست الغيبة والصبيان أن لا خطاب لهم».
مسألة
[ النهي عن الغيبة ]
قال أبو بكر رضي الله عنه : «إني لأعجب ممن يتورع من تنبيه من حدار أو خلال من حضار وهو يتكلم في أعراض المسلمين بكلام دخله النار».
مسألة
[ هل للفاجر من حرمة ]
قال الصلت ابن طريف(1) : «قلت للحسن(2) : أللفاجر المتعلن بفجوره غيبة؟ قال : إلا إذا ذكرته بما فيه ولا كرامة له».
مسألة
[ أثر النميمة ]
قال كعب الأحبار(3) : «أصاب بني إسرائيل قحط في زمن موسى عليه
السلام فيستسقى ثلاث مرات فلم يستوقى فأوحى الله إليه إني لا أستجيب لكم وفيكم من أصر على النميمة».
مسألة
[ نصيحة بعدم النميمة ]
قال الحسن : «من تم(4) ذلك فإنه ينم عليك ومن اغتاب عندك أحداً فإنه يغتابك مع غيرك».
قال لقمان لابنه : «يا بني : ابسط خلقك للقريب والبعيد وأمسك
جهلك عن الكريم واللئيم واحفظ إخوانك وصل أقاربك وأمنهم من قبول ساعي».
مسألة
[ أثر النميمة ]
__________
(1) = بن عبد الله بن المقداد الكندي السمدي النزوي، صاحب بيان الشرع من علماء
النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. والله أعلم.
1- الصلت بن الطريف : شيخ بصري، حدث عنه ابن عجلان. مجهول.
ميزان الاعتدال 2/318. رقم 3908 .
(2) 2- الحسن : هو الحسن البصري. رحمه الله.
(3) 3- كعب الأحبار : هو كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر، كان
يهودياً وأسلم بعد وفاة النبي - - صلى الله عليه وسلم - - قدم المدينة أيام الفاروق وجالس أصحاب =
(4) = النبي - - صلى الله عليه وسلم - - حَسُن إسلامه كان يروي العجائب حدث عن عمر وصهيب
وغير واحد. حدث عنه أبو هريرة، ومعاوية وابن عباس رواية الصحابي عن
التابعي. اشترك في الجهاد، وسكن بلاد الشام. أنظر سير أعلام النبلاء
3/489 - 494 رقم 111 .
1- الأصح : من نم فإنه ينم عليك... (3/55)
صفحة 384
قال الأصمعي(1) : «شهدت أعرابية توصي ابنها : يا بني إياك والنمائم فإنها تورث الضغائن وتفرق بين الأحباء والأخلاء».
مسألة
[ أثر قبول السعاية ]
قال مصعب بن الزبير(2) : «نحن نرى قبول السعاية اشر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء لمحرزة».
مسألة
[ المدح بما ليس في الإنسان ]
قال معد بن خالد(3) : «من مدح أحداً بما ليس فيه بعثه الله يوم القيامة يعثر بلسانه».
مسألة
[ معنى الإمعة ]
قال ابن مسعود رضي الله عنه : «لا يكون أحدكم إمعة قالوا : وما الإمعة؟ قال الذي يجري مع كل ريح».
مسألة
[ شهادة ابن عباس ]
قال ابن عباس رضي الله عنهما : «إلا أزكي أحداً بعد رسول الله عليه السلام».
مسألة
[ أثر الثناء على النفس ]
قال زياد بن مسلم(4)
__________
(1) 2- الأصمعي : هو عبد الملك بن قريب، أحد الأخباريين والأئمةت الصدوقين قال الأزدي ضعيف الحديث. ميزان الاعتدال 2/662 رقم 5240 .
(2) 1- مصعب بن الزبير : مصعب بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أمير العراقيين
أبو عيسى وأبو عبد الله كان فارساً شجاعاً جميلاً وسيماً، حارب المختار وقتله،
سار لحربه عبد الملك بن مروان، وأمه هي الرباب بنت أنيف الكلبية وكان من
سخائه يسمى آنية النحل. قتل مصعب يوم نصف جمادى الأولى سنة 72هـ
وله أربعون سنة بعد معركة رهيبة مع عبد الملك بن مروان.
(3) 2- معد بن خالد : لم أعثر له على ترجمة.
(4) 1- زياد بن مسلم : لعله زياد بن أسلم : الإمام الحجة القدوة أبو عبد الله العدوي
العُمري المدين الفقيه، حدث عن والده أسلم مولى عمر، وعن عبد الله بن عمر،
وجابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع، أنس بن مالك. حدث عنه : مالك بن
أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي وغيرهم. كان له حلقة للعلم في مسجد
رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال البخاري : كان علي بن الحسن يجلس إلى زيد بن
أسلم فكُلم في ذلك فقال : إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه. انظر سير
أعلام النبلاء 5/316 - 317 رقم 153 . (3/56)
صفحة 385
: «ليس أحد يسمع ثناء عليه إلا تراءَ له الشيطان لعنه الله ولكن المؤمن يراجع».
مسألة
[ الرياء ]
قال عبد الله بن عمر(1) رحمه الله : «من سمّع الناس بعمله سمع الله به
سامع يوم القيامة».
مسألة
[ عمل العلانية وعمل السر ]
قال ابن عباس رضي الله عنهما : «إن عمل العلانية ما يضاعف على
عمل السر سبعين ضعفاً. قال : وكيف ذلك؟ قال : إذا عمل العمل التباسي به إلا ليعلم الناس أنه عمل عملاً صالحاً».
مسألة
[ المحافظة على اللسان ]
قال ابن عباس رضي الله عنهما عن ابن جماحة السلمي أنه قال الرسول
- صلى الله عليه وسلم - : «إني أتيت على ربي وأمدحتك. قال له : أما ما أثبت به على ربك
فهاته وأما ما مدحتني فدعه».
قال معاذ(2) رضي الله عنه : «قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا معاذ اقتد بي
وحافظ على لسانك من الوقيفة(3)
__________
(1) 2- عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل... أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي
ثم المدني. أسلم وهو صغير ثم هاجر مع أبيه واستصغر يوم أحد فأول غزواته
الخندق. وهو ممن بايع تحت الشجرة. روى علماً كثيراً عن أبيه وأبي بكر
وعثمان وعلي وبلال وصهيب ، وعامر بن ربيعة وغيرهم الكثير . روى عنه =
(2) = آدم ابن علي وأسلم مولى أبيه، وأنس بن سيرين، والحسن البصري وغيرهم كثير.
ارتحل إلى الشام والعراق والبصرة وفارس غازياً. توفي رضي الله عنه بمكة سنة
73هـ وكان له من العمر 85 سنة. انظر سير أعلام النبلاء 3/203 – 239
رقم 45 .
1- معاذ بن جبل : ابن عمرو أوس بن عائذ... الخزرجي السيد الإمام أبو عبد
الرحمن الأنصاري الخزرجي البدري. شهد العقبة شاباً أمرد وله عدة أحاديث..
روى عنه ابن عمر وابن عباس، وجابر، وأنس وأبو أمامة وغيرهم الكثير شهد
بدراً وعمره عشرون عاماً.أرسله الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضياً وقال عنه أعلم أمتي=
(3) = بالحلال والحرام معاذ. وقال عمر - رضي الله عنه - عجزت النساء أن يلدن مثل
معاذ. توفي رضي الله عنه في طاعون عمواس في فلسطين في جيش أبي عبيدة،
عامر بن الجراح. وله من العمر قيل 28، 32، وقيل : 34 . انظر سير أعلام
النبلاء 1/443 - 461 رقم 87 .
1- الأصح : الوقيعة. (3/57)
صفحة 386
في إخوانك من حملة القرآن، واحمل
ذنوبك ولا تحملها عليهم ولا تزك نفسك بذمهم».
مسألة
[ مقارنة الدنيا بالمزبلة ]
قال أبو هريرة(1) رضي الله عنه : «قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا أتيك
الدنيا جمعاً؟ قلت :نعم. قال فأشار إلى مزبلة فيها قاذورات من فروس
الرجال، وخرق وعظام، ثم قال : هذه الرؤوس كانت تحرس كحرسكم
وتأمل آمالكم فانظروا إلى مالها كيف هو».
مسألة
[ وصف الدنيا عند عيسى بن مريم عليه السلام ]
قال عيسى بن مريم عليه السلام : «من الذي يبني على موج البحر داراً؟
تلكم الدنياً فلا تتخدوها قراراً» .
مسألة
[ ترك الحلال خوفاً من الحرام ]
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : «إنا لندع سبعين باباً من الحلال خوفاً أن نقع في باب من الحرام».
مسألة
[ وصف طالب الدنيا ]
قال عيسى ابن مريم عليه السلام : «الدنيا قنطرة فاعبروها ولا
تعمروها ومثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر كلما ازداد رياً جنى
قبله عطش»(2) .
مسألة
[ قول لقمان لابنه ]
قال لقمان لابنه : «يا بني إن دار لا يأتي عليك يوم القيامة ولا ليلة إلا ظننت أنك مفارقها فانظر لنفسك ما تزود منها بالله ورسوله».
مسألة
[ ترك الشهوة لما عند الله ]
قال عيسى ابن مريم عليه السلام : «طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لا يدري ما يأتيه».
مسألة
__________
(1) 2- أبو هريرة : الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - أبو هريرة
الدوسي اليماني سيد الحفاظ الأثبات أختلف في اسمه أشهرها عبد الرحمن بن
صخر وأمه - رضي الله عنها - ميمونة بنت صبيح. حمل عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - -
علماً كثيراً، حدث عنه العدد الكبير من الصحابة والتابعين قيل (800 شخص)
وكان رضي الله عنه من أوعية العلم توفي سنة 59هـ وله ثمان وسبعون سنة
ودفن بالبقيع. انظر سير أعلام النبلاء 2/578 - 633 رقم 126 .
(2) 1- جنى قلبه عطشاً والمعنى ازداد عطشاً . (3/58)
صفحة 387
[ وصف حكيم الدنيا ]
قال حكيم : «قد حف الدينا بالشهوات وملأها بالآفات ومزج حلالها بالمؤنات وحرامها بالتبعات».
مسألة
[ وصف الدنيا ]
قال أبو حازم لعذر ما تحزن من الدنيا يخرج هم الآخرة من قبلك».
وقال بشير : «الدنيا يشغل عن كثير الآخرة».
مسألة
[ حسرات النفس ]
قال أبو الحسن : «لا يخرج نفس ابن آدم مفر الدنيا إلا بثلاث حسرات
لم يمتنع(1) بما جمع ولم يدرك بما أمّل ولم يحسن الزاد بما قدم عليه».
مسألة
[ من الذي يصبر على شهوات الدنيا ]
قال أبو سليمان : «لا يصبر عن شوات(2) الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة».
مسألة
[ مزاحمة الدنيا للآخرة ]
قال سليمان : «إذا كانت الآخرة في القلب زحمتها الدنيا وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة والدنيا لميمة».
مسألة
[ منزلة القرآن ]
قال الحسن : «قد حال القرآن بين المؤمنين وبين كثير من شهواتهم».
مسألة
[ كيفية أكل المؤمن والمنافق ]
قال ابن مسعود رحمه الله : «المؤمن يأكل بشهوة أهله والمنافق يأكل أهله بشهوته».
مسألة
[ عاقبة اتباع الشهوات ]
قال حذيفة بن اليماني(3) : «كم من شهوة ساعة أورثت صاحبها خزياً طويلاً».
مسألة
[ مقالة قيس بن عاصم ]
قال قيس بن عاصم(4)
__________
(1) 1- الأصح : لم ينتفع .
(2) 2- الأصح : شهوات .
(3) 1- حذيفة بن اليمان : من نجباء الصحابة - رضوان الله عليهم -، وهو صاحب
السر ويقال :حُسبَل بن جابر العبسي اليماني أبو عبد الله، حليف الأنصار، من
أعيان المهاجرين. حدث عنه أبو وائل، وزيد بن حبيش، وزيد بن وهب، وربعي
ابن حراش وغيرهم كثير. استشهد والده في أحد، قتله أحد الصحابة خطأ،
ولي حذيفة المدائن لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم . توفي بعد مقتل عثمان =
(4) = بأربعين ليلة رضي الله عنهم. سنة 36هـ أنظر سير أعلام النبلاء
2/361 - 369 رقم 76 .
1- قيس بن عاصم : لم أعثر له على ترجمة. (3/59)
صفحة 388
لأولاده : «إياكم والبغي فإنه ما بغى قوم قط إلا ذلوا وكان الواحد منهم يظلم ولا ينتصر مخافة الذل والقلة وكان إذا غزا
ركب معه ثمانون فارساً من أولاده».
مسألة
[ خوف النبي على أمته ]
قال علي(1) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أشد ما أخاف على أمتي خصلتان : اتباع الهوى وطول الأمل فاتباع الهوى العدول عن الحق وبطول الأمل
الركوب إلى الدنيا»(2) .
مسألة
[ أثر الهرم على الإنسان ]
قال ابن مسعود : «والحتوف سوارع للمرء والهرم وراء الحتوف والأمل
وراء الهرم فأيهما مر به انتاشه».
مسألة
[ كيفية الزهد ]
قال الثوري(3) : «الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بكل(4) الغليظ ولا
لبس العباءة».
مسألة
[ من يهتم بالدنيا ]
قال سعيد بن عبد الرحمن(5)
__________
(1) 2- علي : هو علي بن أبي طالب، ابن عم النبي - - صلى الله عليه وسلم - - وزوج فاطمة بنت
محمد - - صلى الله عليه وسلم - ، وأمير المؤمنين ومن المبشرين بالجنة - رضي الله عنه - أول من
أسلم من الصبيان وهو خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة بعد الهجرة .
(2) 3- الحديث : لم أعثر عليه بهذه الصيغة وله شواهد بالمعنى. انظر باب حب الدنيا
وطول الأمل.
(3) 1- سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله، روى عن عمر وبن مرة، وسلمة
بن سهيل وأبي صخر روى عن ابن جريج وشعبه والأوزاعي وحماد بن سلمة
وفضيل بن عياض ومعاوية ين صالح وغيرهم. قال عنه سفيان بن عيينة : ما رأيت
رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وهو فقيه حافظ زاهد إمام أهل
العراق. أنظر الجرح والتعديل للرازي 4/222 - 225 رقم 972 .
(4) 2- الأصح وليس بأكل الغليظ. والله أعلم.
(5) 3- سعيد بن عبد الرحمن : في كتب التراجم أكثر من سعيد : فهناك : سعيد بن
عبد الرحمن الجمحي القاضي المدني. وسعيد بن عبد الرحمن الرقاشي روى
عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب اتقوا الله واتقوا الناس. وسعيد بن عبد
الرحمن الأموي وسعيد بن عبد الرحمن بن شيبة. أنظر ميزان الاعتدال
20/148 - 149 من رقم 3227 - 3230 . (3/60)
صفحة 389
: «إنما عمرت الدنيا بسخافة عقول أهلها».
مسألة
[ زاد سفر الآخرة ]
قال عمر بن عبد العزيز في خطبته : «إن لكل سر زاد لا محالة وتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى».
مسألة
[ حال الدنيا والإنسان ]
قال عمر بن عبد العزيز في خطبته : «الدنيا ليست بدار قراركم كتب الله عليها الفنا وكتب على أهلها الظعن فكم من عابر خرب عما قليل وكم من مغتبط مقيم قلقل إلى التحويل».
مسألة
[ المعجبون بشبابهم ]
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته : «أين الوضاة الحنة ووجوههم المعجبون بشبابهم».
مسألة
[ قول لقمان ]
قال لقمان : «إن المؤمن إذا أبصر العاقبة من الندامة»(1) .
مسألة
[ زينة القلب ]
قال مهل : «لم يتزين القلب بشيء أفضل من علم العبد بأن الله تعالى شاهده حيث يكون».
مسألة
[ كيفية نوال الجنة ]
قال ذا النون المصري(2) : «ينال العبد الجنة بحسن الاستقامة ليس فيهان وغان واجتهاد ليس معه سهو ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية».
النهج الحادي عشر
في الزهد وأحكامه
[ معنى الزهد ]
__________
(1) 1- الأصح : إذا أبصر العاقبة أمن الندامة .
(2) 1- ذو النون المصري : الزاهد العارف قال الدارقطني : روى عن مالك أحاديث
فيها نظر، قلت : اسمه ثوبان بن إبراهيم، ويقال : الفيض بن أحمد. ويقال:
كنيته : أبو الفيض. ويقال : أبو الفياض. كان عالماً فصيحاً، حكيماً أصله من
النوبة مات سنة 245هـ . كان ممن امتحن وأوذي لكونه أتاهم بعلم لم يعهدوه.
كان أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال، وفي مقامات الأولياء، فقال:
الجهلة : هو زنديق. قال السلمي: لما مات أظلت الطير جنازته. انظر
ميزان الاعتدال 2/33 رقم 3701 . (3/61)
صفحة 390
اعلم أن أحرف الزهد ثلاثة : زاؤها وقال فمعنى الزاء أن تترك زينة الدنيا ومعنى الهاء أن تترك هواها ومعنى الدال أن تتركها بأسرها وهكذا صفة الزاهدين وأول الزهد أن لا تريد سوى الله وأن تحسم الطمع من المخلوقين ثم تمسك لسانك وجوارحك عن الغيبة ولا تقل ألا خيراً.
مسألة
[ ما قدر عليك ]
ثم اعلم إنما قدر(1) عليك فلا يخصك وما قدر لك فلا يفوتك ولا تفرح بما نلت من الدنيا ولا تجزع على ما فاتك منها وخاف الله أشد الخوف وحبه أعظم المحبة.
مسألة
[ معنى الزهد في حديثه - صلى الله عليه وسلم - ]
وسأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الزهد ما هو فقال : «مثل الآخرة في قلبك والموت نصب عينيك وأد فرائض الله واكفف عن محارمه ونابذ هواك».
مسألة
[ أثر الطمع على الإنسان ]
واعلم أن الشك والشبهة والطمع والحرص يهلكن مرتكبهن والنجاة في استعمال التواضع والفقه وحسن الخلق ولين الكلام.
مسألة
[ أثر قبول الحق وشكر النعمة ]
واعلم أن قبول الحق هو نعمة من الله حيث ورد الكبر هو النقمة العظيمة على العبد ومثلة البخل والفخر والخيلاء ولا تستصغر نعمة الله ولو قلت.
مسألة
[ ذكر الله في كل وقت ]
واعلم أن مجارات الشكر هي من نعمة الله وهي طاعته واذكر الله في
كل وقت واحمده على كل حال واعف عن من ظلمك وصل من قطعك وأعط من حرمك.
مسألة
[ الصمت المحمود والكلام المحمود ]
واعلم أن الصمت المحمود أن يكون لا صمت بهيمة وإذا نطقت فبذكر
الله وإذا نظرت فاعتبار أو أعمال الفكرة في المعاد واشتق الجنة واستعذ بالله
من النار.
مسألة
[ أهمية الخلق الحسن ]
إن معاشرة الناس بالخلق الحسن من أفضل المكاسب وأعظم المواهب واصبر على النوازل واستهن بالمعاصي وأمر بالمعروف وانهى عن المنكر ولا
تخف في الله لومة لائم.
مسألة
__________
(1) 1- وقد ورد هذا في حديثه - - صلى الله عليه وسلم - - رفعت الأقلام وجفت الصحف وهو حديث قدسي عن ربه عز وجل وهذا معنى الحديث. (3/62)
صفحة 391
[ نعمة الرزق الحلال ]
واعلم أن الرزق الحلال هو نعمة ذي الجلال عليك بالإخلاص لله
والتوكل على الله وابن على أساس التقوى وميز ما تشبه عليك بعقلك.
مسألة
[ الزهد حبل الله في الأرض ]
واعلم أن الزهد حبل الله تعالى في الأرض فمن تعلق به صار إلى ربه.
مسألة
[ أهمية الصبر ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يا عائشة(1) لا تبغي الدنيا لمحمد ولا لآل محمد إن الله لم يرض لأولي العزم(2) من الرسل إلا الصبر على المكروه في الدنيا ثم كلفني ما كلفهم بقوله تعالى : { فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل } (3) » .
مسألة
[ الزهد في الدنيا ]
وروي عن سعيد بن المسيب(4) عن أبي ذر(5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قال :
__________
(1) 1- الحديث : وردت أحاديث كثيرة بذم الدنيا والحرص عليها وبهذه الصيغة
لم أعثر عليه.
(2) 2- أولي العزم من الرسل : محمد، عيسى، موسى، إبراهيم، نوح عليهم الصلاة السلام.
(3) 3- سورة الأحقاف آية 35 .
(4) 4- سعيد بن المسيب : بن أبي وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم بن
تفيطة. الإمام العَلَم، أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة وسيد التابعين
في زمانه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه. رأى عمر وسمع
عثمان وعلي وزيد بن ثابت، وأبا موسى وسعداً وعائشة وأبا هريرة وابن عباس
وغيرهم. روى عن أبي بن كعب مرسلاً وبلال، وسعد بن عبادة وعن الكثير من
ومراسيل سعيد معروفة - رضي الله عنه. روى عنه خلق كثير منهم إدريس بن
صبيح، وأسامة بن زيد الليثي، وإسماعيل بن أمية وبشير، وعبد الرحمن بن
حرملة وغيرهم الكثير. عرف عنه التقوى والورع توفي رضي الله عنه سنة
94هـ أنظر سير أعلام النبلاء 4/217 - 246 رقم 88 .
(5) 5- أبو ذر الغفاري : هو جندب بن جنادة الغفاري أحد السابقين الأوليين من نجباء
أصحاب محمد - - صلى الله عليه وسلم - - كان خامس خمسة في الإسلام . عاد إلى قومه ثم = (3/63)
صفحة 392
«من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة في قلبه فأنطق بها لسانه وعرفه دواء
الدنيا وداءها فأخرجه سالماً روي أن الله أوحى إلى موسى ما تصنع
المتصنعون في الدنيا كالزهد»(1) .
مسألة
[ جزاء أهل الورع ]
واعلم أنه ما تقرب به المتقربون إلى الله بشيء أفضل من الورع وأن والله يفتح لهم يوم القيامة باباً من الجنة فيتبوءون منها حيث شاءوا.
مسألة
[ وصف عيش النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
روي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : لقد كنا ننتظر ثلاثة أهلة لم نوقد في بيت رسول الله ناراً وكنا نعتاش التمر والماء(2) .
مسألة
[ طعام الصحابة رضوان الله عليهم ]
وبلغنا أن رسول الله وأصحابه كانوا يأكلون خبز الشعير وغير مغربل - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم(3) .
مسألة
[ أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في شبعه ]
__________
(1) = هاجر بعد هجرة النبي - - صلى الله عليه وسلم - - ولازمه وهاجر معه. روى عنه حذيفة بن أسيد
الغفاري، وابن عباس، وأنس بن مالك، وابن عمر وجبير بن نفير وأبو مسلم
الخولاني وجمع كبير، فاتته بدر، وشهد المشاهد مع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -
وشهد فتح بيت المقدس مع عمر - رضي الله عنه - له أحاديث كثيرة في
الزهد والورع وكراهية الدنيا والمال أنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ، توفي
رضي الله عنه - وحده تصديقاً لحديثه - صلى الله عليه وسلم - تمشي وحدك وتموت وحدك
وتبعث وحدك. وذلك في سنة 32هـ وصلى عليه بالربذة على قارعة الطريق
رهط من الصحابة على رأسهم ابن مسعود 2/46 - 78 رقم 10 .
1- الحديث معناه صحيح ولم أعثر عليه بهذا النص.
(2) 2- جزء من حديث طويل انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - =
(3) = 4/682 رقم 2792 . قال أخرجه البخاري ومسلم والترمذي .
1- المصدر نفسه ورد الحديث بصيغ متعددة والمعنى واحد نظر 4/685
رقم 2794 . أخرجه الترمذي. 4/689 رقم 2804 . قال أخرجه البخاري
والترمذي والنسائي. (3/64)
صفحة 393
روي عن عائشة أنها قالت : ما شبع رسول الله ص من خبز البر ثلاثة أيام متتابعات حتى توفاه الله(1) .
مسألة
[ أدب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبول الطعام ]
روى أبو هريرة رضي الله عنه : ما عاب رسول الله طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه - صلى الله عليه وسلم - (2) .
مسألة
[ شدة جوع موسى عليه السلام ]
قال ابن عباس رضي الله عنه قال : لما ورد موسى عليه السلام ماء مدين كانت خضرة البقل ترى من بطنه من الهزل.
مسألة
[ أثر الزهد ]
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الزهد في الدنيا راحة القلب والجسد.
مسألة
[ من هو الزاهد الصادق ]
قال يحيى بن معاذ(3) الرأي أن الزاهد الصادق قوته ما وجد ولباسه ما
ستر ومسكنه حيث أدرك الدنيا بسجنه والقبر مضجعه والخلوة مجلسه.
مسألة
[ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة - رضي الله عنها - ]
وعن جابر بن زيد دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابنته فاطمة وهي تطحن بالرحى رضي الله عنها وعليها قميص من أجلة الإبل فلما رآها بكى - صلى الله عليه وسلم - وقال لها: «أتجرعي مرارة الدنيا لنعيم الأبد»(4) فنزل عليه { ولسوف يعطيك ربك فترضى } (5) .
مسألة
[ وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - ]
وأوصى عليه السلام : «يا عائشة إن أردتي اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوباً حتى ترقعيه»(6)
__________
(1) 2- المصدر نفسه : جزء من حديث رقم 4 .
(2) 3- المصدر نفسه 7/411 رقم 5483 قال : رواه البخاري 9/477 في الأطعمة
باب ما عاب النبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً، وأبو داود رقم 3764 في الأطعمة. والترمذي
رقم 2032 في البر والصلة باب ما جاء في ترك العيب للنعمة.
(3) 1- يحيى بن معاذ : لم أعثر له على ترجمة .
(4) 2- له شواهد وبهذا النص لم أعثر عليه .
(5) 3- سورة الضحى آية 5 .
(6) 1- معنى الحديث صحيح ولا يوجد بهذه الصيغة، فلم أعثر عليه في الكتب التسعة
ولا في كنز العمال ولا في الزوائد للهيثمي، ولا الفتح الرباني. (3/65)
صفحة 394
. وعد على قميص عمر اثني
عشر رقعة وبعضها أديم.
مسألة
[ أثر لبس ملابس الأعداء ]
أوحى الله إلى بعض أنبيائه قل لأوليائي لا يلبسون ملابس أعدائي ولا يدخلون مداخل أعدائي فيكونوا كمثلهم أعدائي.
قال علي رحمه الله : أخذ على الأئمة الميثاق أن يكونوا في مثل أداني(1) الناس حالاً ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره.
مسألة
[ أثر الإسبال ]
قال علي لعمر رضي الله عنه : إن أردت للحاق أرقع القميص وأنكس الإزار وأخصف النعل وكل دون الشبع.
مسألة
[ النهي عن تقليد العجم ]
قال عمر رضي الله عنه : أخلق القوي واختشوا شنوي وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر.
مسألة
[ الإسراف في الزينة ]
وجاء الأثر : يأتي على الناس زمان يوشون بتنابهم(2) كما توشي
البرود اليمانة.
مسألة
[ النهي عن البناء ]
قال الحسن : مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصيبة
على قصيبة.
مسألة
[ هيئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ]
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم على سريره مزمول بشريط فجلس فرأى أثر الشريط على جنبه فدمعت
عيناه فقال : ما أبكاك؟ فقال : ذكر كسرى وقيصر.
قال عمر رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل
أن توزنوا وتهيئوا للفرض الأكبر. وإن المؤمن أوثقه الله بالقرآن فحال بينه
وبين شهواته.
وقيل : من لم ينظر في العقاب لم يفرق ومن لم يتفكر لم يصدق ومن لم يذكر الموت لم يتزود ومن لم يذكر الحساب لم يستعد.
مسألة
[ محاسبة الإنسان يوم القيامة ]
قيل إن المؤمن أيسر في الدنيا يسعى في فكاك رقبته ولا يأمن شيئاً حتى يلقي الله لأنه يعلم أنه مأخوذ عليه في جميع جوارحه.
مسألة
[ أثر الشهوة والتفكر في العاقبة ]
__________
(1) 2- المقصود من الكلمة الفقر وضيق اليد.
(2) 1- المقصود بهذا كثر البذخ والإسراف في اللباس والزيادة عن الحد المعقول . (3/66)
صفحة 395
قال حكيم : «إذا أردت أن يكون العقل غالب للهوى فلا تعجل بقضاء الشهوة حتى تنظر العاقبة فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث
خفي الشهوة».
قال لقمان الحكيم : «إن المرء إذا تفكر في العاقبة أمن الندامة».
مسألة
[ استكمال الإيمان ]
قال عليه السلام : «ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان وهو أن لا تخف
في الله لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله وإن عرض له أمران الدنيا والآخرة آثر الآخرة على الدنيا»(1) .
مسألة
[ وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
روى عبادة ابن الصامت(2) : أن النبي عليه السلام قال لرجل يسأله أن يوصيه ويعظه : «إذا أردت أمراً فتدبر عاقبته فإن كان رشداً فامضيه وإن
كان غياً فانته عنه»(3) .
مسألة
[ الله يعلم الظاهر والباطن ]
وروي في بعض الكتب أن الله تعالى قال لملائكته : أنتم موكولون بالظواهر وأنا رقيب على البواطن.
مسألة
[ قدرة الله ]
فإن سئل لم يتزين القلب بشيء أفضل من أن يتحقق بأن الله على كل شيء قدير وأنه بكل شيء بصير يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
مسألة
[ أثر محاسبة النفس في الدنيا ]
المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله تعالى وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا.
مسألة
[ أهمية العبادة ]
__________
(1) 1- انظر الفتح في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير حرف الثاء الجزء الثاني.
(2) 2- عبادة بن الصامت : بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة.. من الخزرج الإمام
القدوة أبو الوليد الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة ومن أعيان البدريين سكن
بيت المقدس. حدث عنه : أبو أمامة الباهلي وأنس بن مالك وأبو مسلم الخولاني
وخالد بن معدان وغيرهم كثير. شهد المشاهد كلها مع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -
كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لا ئم. مات بالرملة
سنة 34هـ وهو ابن 72سنة. انظر سير أعلام النبلاء 2/5 - 11 رقم 1 .
(3) 3- الحديث صحيح المعنى. (3/67)
صفحة 396
قال عليه السلام : رحم الله أقواما يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى وإنما أجدتهم العبادة.
مسألة
[ خوف المؤمن من الله ]
في قوله تعالى: { الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة } (1) قال الحسن: يعملون ما عملوا من البر ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله. روى
أبو ذر رضي الله عنه: لا يكون المؤمن ضاغناً إلا في ثلاث تزود لمعاد أو
مزمة لمعاش أو لذة في غير محرم.
مسألة
[ تقسيم الوقت ]
وقيل : على العاقل أن يكون له أربع ساعات ساعة يناجي بها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر في صنع الله تعالى وساعة لمطعمه ومشربه.
مسألة
[ أثر حب الدنيا ]
قال عبد الواحد بن زيد(2) مررت بصومعة راهب من رهبان الصين فسألته : ما الذي قطع الخلق عن الله عز وجل؟ قال : حب الدنيا وزينتها.
مسألة
[ أثر إجابة الهوى ]
وقيل : من أجاب النفس ذهب عنه الورع ومن أجاب الهوى ذهب منه العقل ومن أجاب الدنيا ذهبت عنه الآخرة.
مسألة
[ من هو أفضل الناس ]
سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أفضل الناس وأهدهم؟ قال : «من لم ينس المقابر والبلى وترك زينة الحياة الدنيا وآثر ما بقي على ما يفنى ولم يعد غداً من أيامه واعلموا رحمنا الله وإياكم أن المنهك في الدنيا على غرورها الراكن
لشهوتها يغفل قلبه عن ذكر الموت وإن خطر بباله كرهه أولئك الذين
ذكرهم الله بقوله : { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } »(3) .
مسألة
[ دعاء حذيفة عند الموت ]
روي عن حذيفة أنه حين حضرته الوفاة قال حبيب: جاء على فاقة لا أفلح من ندم اللهم إن كنت تعلم أن موتي خير لي من الحياة فسهله لي حتى ألقاك.
مسألة
[ أثر ذكر الموت ]
__________
(1) 1- سورة المؤمنون آية 60 .
(2) 1- عبد الواحد بن زيد : لم اعثر له على ترجمة .
(3) 1- سورة الجمعة آية 8، انظر تفسير الآية 8 من سورة الجمعة تفسير ابن كثير4/462. (3/68)
صفحة 397
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» أي انقصوا بذكر هاذم اللذات حتى ينقطع ركونكم إليها فتقبلون إلى الله تعالى(1) .
مسألة
[ علم البهائم ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لو علمت البهائم بما تعلمون من الموت ما أكلت
سميناً»(2) .
قالت عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال : نعم، من يذكر الموت ليله ونهاره»(3) .
مسألة
[ أثر الغفلة عن ذكر الموت ]
يقال : إن الغفلة عن ذكر الموت تدعو إلى الشهوات وذكر الموت
يوجب التجافي عن دار الغرور ويتقاضى لاستعداد الآخرة.
مسألة
[ أثر رياضة النفس ]
قال عليه السلام «تجفة المؤمن الموت» لأن الدنيا سجن المؤمن إذا لم يزل فيها من عنا مقاسات(4) نفسه ورياضة شهواته ومدافعة شيطانه.
مسألة
[ الموت كفارة للمؤمن ]
وقال عليه السلام : «الموت كفارة لكل مؤمن»(5) وهو الذي سلم الناس
من مكائده وتحقق فيه أخلاق المؤمنين ولم يتزين بالمعاصي.
مسألة
[ ذكر الموت ]
__________
(1) 2- رواه التزمذي رقم 2462 في صفة القيامة باب رقم 27، وإسناده ضعيف وله
شواهد رقم 2307 في الزهد باب ما جاء في المبادرة بالعمل.
(2) 3- ورد حديث عذاب القبر : «إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباًَ تسمعه البهائم». في
البخاري 3/186 ، 187 في الجنائز باب عذاب القبر و مسلم رقم 584 =
(3) = والنسائي 4/104 ، 105 في الجنائز باب استحباب التعوذ من عذاب القبر.
1- له شواهد انظر الزوائد لليهثمي باب الموت الجزء العاشر.
(4) 2- جامع الأصول في أحاديث الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - 5/506 . رقم 2062 . قال
أخرجه مسلم في رقم 2956 في الزهد والرقائق. والترمذي 2325 في الزهد
باب رقم 16 .
(5) 3- ورد حديث : لا راحة للمؤمن من دون لقاء ربه. المقاصد
الحسنة 465 رقم 1305 . (3/69)
صفحة 398
قال ابن عطاء الخرساني(1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من جلس لمجلس قد علاه الضحك قال شوبوا مجالسكم بذكر مكدر اللذات، قالوا : وما هو؟
قال : الموت»(2) .
مسألة
[ ذكر الموت ]
عن أنس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن ذكر الموت يمحص الذنوب ويكفر الحوب ويزهد الدنيا وكفى به مفرقاً».
مسألة
[ ذكر الموت ]
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو بقوم يتحدثون ويضحكون فقال لهم : «اذكروا الموت فوالذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً»(3) .
وذكر رجل عند رسول الله وأحسنوا الثناء عليه قال : كيف ذكر صاحبكم الموت؟ قالوا : لم نسمعه يذكره. إن صاحبكم ليس هناك».
مسألة
[ من أكيس الناس ]
قال عمر : «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاشر عشرة فقال رجل : كيس من الأنبياء يا رسول الله من أكيس الناس : قال أذكرهم للموت ذكراً وأشدهم استعداداً أولئك ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة».
مسألة
[ وصف الموت ]
اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الموت هائل وخطره عظيم غفلة الناس عنه لقلة ذكرهم له ومن ذكره فبقلب مشغول بشهوات الدنيا.
مسألة
[ أحاديث عن الموت ]
قال كعب : «من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها» .
قال أبو الدرداء(4)
__________
(1) 1- ابن عطاء الخراساني : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 2- ورد حديث أكثروا من ذكر هاذم اللذات. سبق ذكره أنظر مجمع الزوائد
ومنبع الفوائد 10/3086 .
(3) 3- انظر ذكر الموت في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/386 .
(4) 1- أبو الدرداء : الإمام القدوة قاضي دمشق، وصاحب رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - – أبو
الدرداء عويمر بن زيد بن قيس، ويقال : عويمر بن عامر.. روى عن أنس بن
مالك، وفضالة بن عبيد، ابن عباس، وأبو أمامة، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وغيرهم. كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين. فيقال: من العاقلان فيقول: = (3/70)
صفحة 399
رضي الله عنه : «فإذا ذكرت الموت فأعد نفسك كأحدهم».
قال ابن مسعود رضي الله عنه : «السعيد من وعظ بغيره».
مسألة
[ خشية الحساب ]
روي عن كعب الأحبار أنه قال لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه : »لو لقيت الله بعمل سبعين نبياً لخشيت أنك لا تنجوا من هول يوم القيامة».
وقيل : إن عبداً يجر على وجهه يوم القيامة من أول الدنيا إلى قيام
الساعة في طاعة الله وعبادته لاحتقره إذا رأى زلزال يوم الحساب وأهوالها.
مسألة
[ وصف نزاع الموت ]
وفي الحديث :إن معالجته أشد من سبعين ضربة بالسيف وإن ألم شعره
من الميت لو وضع على جميع الخلق لماتوا وما بين الموت ودخول الجنة مائة
ألف هول.
مسألة
[ أثر تشيع الموتى ]
قال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله : «ألا ترون أنكم تجهزون في كل يوم غادياً ورائحاً إلى الله تعالى وضعونه في صدع من الأرض قد توسد التراب وتخلف الأحباب».
مسألة
[ أهمية زيارة المرضى ]
قيل : إن مشاهدة المرضى تجدد ذكر الموت في القلب حتى نصب عينيه فقد ذلك يوشك أن يستعد له ويتجافا عن دار الغرور.
مسألة
[ أهمية ذكر الموت بقلب واعٍ ]
واعلموا رحمنا الله وإياكم أن ذكر الموت بظاهر القلب وعذبه للسان
قليل الجدوى في التحذير والتنبيه ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا فينبغي له
أن يذكر الموت.
مسألة
[ مقالة ملك الموت للإنسان قبل موته ]
قال بعض العارفين إن ملك الموت عليه السلام إذا ظهر للعبد أعلمه أنه بقي من عمرك ساعة وإنك لا تستأخر عنها طرفة عين فحينئذ يبدو له من الحسرات والأسف ما لو كانت له الدنيا لهانت عليه بزيادة ساعة.(1)
مسألة
[ وصف سكرات الموت ]
__________
(1) = معاذ وأبو الدرداء. وقال يزيد بن معاوية : إن أبا الدرداء من العلماء والفقهاء،
الذين يشفون من الداء. توفي رضي الله عنه - بدمشق سنة 32هـ . قبل مقتل
عثمان - رضي الله عنه. انظر سير أعلام النبلاء 2/335 - 353 رقم 68 . (3/71)
صفحة 400
واعلموا رحمنا الله وإياكم أنه لم يكن بين يدي العبد كرب ولا هول
ساعة سوى سكرات الموت يجدها لكان جديراً بأن يتنغص عليه عيشه.
مسألة
[ وصف سكرات الموت ]
واعلموا رحمنا الله وإياكم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعلم حقيقتها إلا من ذاقها واحتسى قسراً كاسها ومن لم يذقها فمعرفته لها إما بالقياس أو الاستدلال.
مسألة
[ قول مجاهد عن التوبة ]
قال مجاهد قوله تعالى : { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } (1) الآية : فإذا عاين الرسل بدت له صفحة وجه ملك الموت فلا يزال طعم
مرارة الموت في حلقه عند ترادف سكراته.
مسألة
[ دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم - يقول : «اللهم هون على محمد
سكرات الموت»(2) . والناس إنما يستعيذون ولا يستعظمونه لجهلهم به.
مسألة
[ خوف الأنبياء على والأولياء من الموت ]
واعلموا رحمنا الله وإياكم أن الأشياء قبل وقوعها إنما تدرك بنور النبوة وكذلك عظم خوف الأنبياء والأولياء من الموت.
مسألة
[ طلب عيسى عليه السلام من الحواريين الدعاء ]
قال عيسى بن مريم عليه السلام : يا معاشر الحواريين ادعوا الله تعالى
أن يهون علي الموت فقد خفت الموت مخافة أوقعني خوفي من الموت
على الموت.
مسألة
[ شدة سكرات الموت ]
قالت عائشة رضي الله عنها : «لا أغبط أحداً يهون عليه الموت بعد الذي ما(3) من شدة موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » .
__________
(1) 1- سورة النساء آية 18 .
(2) 2- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : رأيت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وهو بالموت
عنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول:
اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت] رواه الترمذي الحديث
رقم (977) جامع الترمذي 3/299 .
(3) 1- الصواب : ما رأيت . (3/72)
صفحة 401
روي عن الرسول عليه السلام أنه يقول : «اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل اللهم فأعني على الموت وهونه علي»(1) .
مسألة
[ أهون الموت ]
وسئل عليه السلام عن الموت وشدته فقال : «إن أهون الموت كمثل حسكة في جزة صوف فلا تخرج الحسكة إلا ومعها مزعة من الصوف»(2) .
مسألة
[ ألم الإنسان عند الموت ]
ودخل عليه السلام على ذي وصب(3) ثم قال : «إني أعلم أنه ما يبقى
منه عرق إلا ويؤلم بالموت على حدثه».
قال الأوزاعي(4) : «بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من حدثه».
مسألة
[ تكفير الذنوب بسكرات الموت ]
عن زيد بن أسلم عن أبيه قال :«إذا بقي على المؤمن شيء من درجاته
لم يبلغها بعلمه شدد الله عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وكربه درجته
في الجنة».
وعن بعض الصالحين أنه كان يسأل كثير عن المرضي كيف يجدون
الموت فلما مرض فقيل له أنت كيف تجده؟ قال: كأن السماء انطبق على الأرض وأنا بينهما وكأن نفسي تخرج من ثقب إبرة.
[ حديث كعب عن الموت ]
__________
(1) 2- جزء من هذا الحديث أخرجه الترمذي وسبق ذكره وأخرجه ابن ماجة
رقم 1623 اللهم أعني على سكرات الموت.
(2) 1- لم أعثر عليه بهذا النص والمأثور شدة سكرات الموت ورد هذا في
أكثر من حديث.
(3) 2- ذي وصب : ذي وجع وألم.
(4) 3- الأوزاعي : عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد شيخ الإسلام وعالم أهل الشام أبو
عمرو الأوزاعي، كان يسكن بمحلة الأوزاع وهي العقيبة الصغيرة ظاهرة باب
الفراديس بدمشق ثم تحول إلى بيروت مرابطاً بها إلى أن مات، وقيل : كان
مولده بعلبك، حدث عن عطاء بن رباح، وأبي جعفر الباقر، وعمرو بن شعيب
ومكحول وقتادة والقاسم بن محيمرة. وغيرهم كثير. وروى عنه ابن شهاب
الزهري، يحيى بن أبي كثير، وهما من شيوخه، وشعبة والثوري، وعبد الله بن
العلاء. وابن المبارك وإسماعيل بن عباس وغيرهم كثير. ولد رحمه الله
سنة 88هـ وتوفي سنة 157هـ . انظر سير أعلام النبلاء 7/107-139 رقم49. (3/73)
صفحة 402
قال عمر رضي الله عنه لكعب الأحبار: «يا كعب حدثنا عن الموت قال: نعم يا أمير المؤمنين الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل
فأخذت كل شوكة عرقاً ثم جذبه رجل شديد القوة جذباً شديداً فأخذ ما
أخذ وأبقى ما أبقى».
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : الرجل يعالج الموت وكربه وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض» وتقول أفارقك وتفارقني إلى يوم القيامة.
مسألة
[ معرفة مصير الإنسان ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لن يخرج أحدكم من الدنيا حتى يعلم أين مصيره
وحتى يعلم مقعده في الجنة أو النار»(1) .
قال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «المؤمن في قبره روضة خضراً ويرحب له في قبره سبعين ذراعاً ويضيء حتى يكون كالقمر
ليلة البدر»(2) .
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : {وبدا لهم من الله} ]
قال الله تعالى : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } (3) فأعلم العلماء وأحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما
لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره .
مسألة
[ الخوف من الموت ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وأحني
الجبهة وأصغى الأذن متى يؤمر فينفخ»(4) .
مسألة
[ كيفية المحشر ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قال : «يبعث الناس حفاة عراة غرلاً قد ألجمهم العرق وبلغ آذانهم».
__________
(1) 1- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - 10/427 رقم 7951 ،
7952 وقال أخرجه الترمذي رقم 3141 في التفسير باب ومن سورة بني
إسرائيل من حديث عن حماد بن سلمة بن علي بن زيد.. عن أبي هريرة
وإسناده ضعيف. والحديث له شواهد.
(2) 2- الحديث له شواهد كثيرة ومروي في كتب السنن النص في سنن
الترمذي 2355 مسند أحمد 18539 .
(3) 3- سورة الزمر آية 47 .
(4) 4- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول 10/420 رقم 7939 أخرجه
الترمذي 2433 وغيره . (3/74)
صفحة 403
وروى أبو ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قال : «يحشر الناس ثلاثة...»(1) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «يحشر الناس ثلاثة أصناف ركباناً أو مشاة
وعلى وجوههم قيل: وكيف المشي على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم
على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم»(2) .
مسألة
[ نفس جهنم ]
وعنه عليه السلام : «اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لي في نفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف. فأشد ما
تحملونه في الصيف من حرها وأشد ما تجدونه في الشتاء من زمهريرها»(3) .
مسألة
[ أقل أهل النار عذاباً ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن أدنى أهل النار عذاباً يوم القيامة كمن ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة دماغه»(4) .
مسألة
[ مدة إيقاد النار على النار ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أمر اللّه تعالى النار حتى أوقدت حول سنه لعله ألف
سنة ثم احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف
سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة»(5)
__________
(1) 1- عن عائشة - رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - يقول :
يحشر الناس حفاة عراة غرلاً، قالت عائشة : فقلت : الرجال والنساء جميعاً
ينظر بعضهم إلى بعض : قال : الأمر أشد من أن يهمهم ذلك. وللنسائي في
رواية «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» رواه البخاري 11/334 في الرقاق
ومسلم رقم 2859 في الجنة، والنسائي 4/114 في الجنائز باب البعث.
(2) 2- جامع الأصول في أحاديث الرسول 10/427 .
(3) 3- أخرجه البخاري 6/239 في بدء الخلق باب صف النار. ومسلم 617 في المساجد
و الترمذي رقم 3595 في صفة جهنم وابن ماجة رقم 4319 في صفة جهنم.
(4) 1- أخرجه مسلم رقم 211 في الإيمان باب أهون أهل النار عذاباً. والبخاري
11/372 في الرقاق بلفظ إن أهون ومسلم رقم 213 في الأيمان بلفظ.
(5) 2- أخرجه الترمذي رقم 2594 في صفة جهنم وابن ماجة 1445 رقم 4320
والموطأ بصيغة ثانية فيه الوصف 2/994 . (3/75)
صفحة 404
.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى : {تلفح وجوههم النار} ]
قال بعض العلماء في قوله الله تعالى: { تلفح وجوههم النار } (1) أي ألفحتهم لفحة فما أبقت لحماً على عظم حتى ألقته على أعقابهم ثم انظر
إلى بعد هادي إلى النتن الصديد الذي سيل من أبدانهم حتى يغرقون فيه
وهو الغساق.
مسألة
[ شراب أهل جهنم ]
أبو سعيد الخدري(2) رحمه الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لو أن دلوا
من غساق جهنم ألقي في الدنيا لأنتنا أهل الأرض فهذا شرابهم إذا استغاثوا
من العطش فيسقى أحدهم { من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه } » .
مسألة
[ وصف ضرس وجلد الكافر ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ضرس الكافر كجبل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة فراسخ»(3) .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن في النار حيات مثل أعناق النجب يلسعن اللسعة
فيجد حموتها أربعين خريفاً»(4) .
النهج الثاني عشر
في الوضوء وأحكامه
مسألة
[ آية الوضوء ]
قال الله تعالى : { يا أيها الذي آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا } (5)
__________
(1) 3- سورة المؤمنون آية 104 .
(2) 1- أبو سعيد الخدري : الإمام المجاهد مفتي المدينة سعد بن مالك بن ثعلبة... بن
الخزرج شهد الخندق وبيعة الرضوان وحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكثر وأطاب وعن أبي
بكر وعمر وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين. حدث عنه الكثير من الصحابة
والتابعين كابن عمر وجابر وأنس وغيرهم وفاته رضي الله عنه سنة 63هـ . انظر
سير أعلام النبلاء 3/168 - 173 رقم 28 .
(3) 2- أخرجه مسلم رقم 2851 في صفة الجنة باب النار يدخلها الجبارون. والترمذي
رقم 2580، 2581، 2582 في صفة جهنم وأنظر إلى نوع ثالث في جامع
الأصول لأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 10/541 روايات متعددة .
(4) 3- مسند أحمد مسند الشاميين رقم 17052 .
(5) 1- سورة المائدة آية 6 . (3/76)
صفحة 405
. وقيل لا يحافظ على الوضوء منافق
ولا تقبل صلاة من غير طهور.
مسألة
[ أفعال الوضوء ]
من رام الوضوء ذكر اسم الله ثم غسل كفيه بالماء الطاهر ثم مضمض فاه ثم استنشق وغسل وجهه ثم غسل يديه إلى المرفقين ثم رأسه ثم أذنه ورقبته
ثم رجليه إلى الكعبين والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل فيغسل كل
عضو ثلاثاً ولا حرج في الزيادة.
مسألة
[ تعريف الوضوء ]
والوضوء بفتح الواو اسم الماء وبضمها اسم الفعل والسحور بفتح السين
اسم الطعام وبضمها اسم الفعل، وإن ترك اسم الله عند وضوئه فقد
قصر و وضوؤه تام(1) .
مسألة
[ حكم المضمضة والسواك في الوضوء ]
ومن لم يتمضمض ولم يجر إصبعه في فيه أو المسواك فلا بأس وفعل
ذلك أفضل وواجب(2) لما في المسواك من الخصال المحمودة.
مسألة
[ حكم نسيان غسل الأذن ]
ومن نسي غسل أذنيه عند الوضوء فلا بأس إذا ذكر بعد أن قضى الصلاة.
مسألة
[ حديث التسمية على الوضوء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه»(3) . وهذا
على المعتمد لا على الناسي».
مسألة
[ ذكر الله بالقلب ]
وإن ذكر الله بقلبه عند وضوئه أجزاه هذا القول منه عليه السلام للتأكيد على النية للوضوء.
مسألة
[ ذكر التسمية على كل شيء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «كل أمر ذي بال لم يذكر اسم الله عليه فهو أجذم»(4)
__________
(1) 1- يظهر من سياق النص : إن التسمية سنة في الوضوء.
(2) 2- الواجب : ليس الواجب الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه وهذا عند أهل
الأصول فهنا الواجب بمعنى المندوب.
(3) 3- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : «لا صلاة لمن
لا ضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر الله عليه » أخرجه أبو داود رقم 59 في =
(4) = الطهارة باب فرض الوضوء، والنسائي 1/87 ، 88 في الطهارة باب فرض
الوضوء. وهو حديث صحيح. وحديث المصنف أخرجه الترمذي رقم 25 في
الطهارة باب ما جاء في التسمية عند الوضوء.
1- ذكر أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة عن رسول الله- - صلى الله عليه وسلم - - قال : «كل أمر
ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع» وقال حديث حسن رواه أبو داود في
الهدى في الكلام وابن ماجة في النكاح باب خطب النكاح. (3/77)
صفحة 406
، أي مقطوع الرأس لا يرجى منه صلاح ولا نجاح .
مسألة
[ حكم تخليل الأصابع واللحية ]
واختلفوا في تخليل اللحية والأصابع عند الوضوء فقال بعض المسلمين بذلك وقول لا بأس بتركه إذا مسح على اللحية.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أشربوا عيونك بالماء لعلها لا ترى ناراً حاميه، وخللوا
أصابعكم قبل أن تخللها النار»(1) .
وليس على المتوضئ فتح عينيه عند الوضوء إلا أن يكون جنباً فليبلهما بالماء ولا له أن يغمضهما. واللحية نفسها ليست من مواضع الطهور ويؤمر بترطيب ظاهر اللحي الأسفل.
مسألة
[ مقدار مسح الرأس ]
ويجزئ مسح الرأي بإصبع أو إصبعين واستيعابه بالكف أفضل إلينا لعله واجب ويجزئ مسح مقدم الرأس ولا يجزئ مؤخره.
مسألة
[ مسح مقدمة الرأس ]
بلغنا عن أبي عبيدة عن جابر رحمه الله أنه كان على رأسه غطاء فاخر ومسح رأسه من مقدمه.
مسألة
[ تكرار مرات المسح ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «واحدة لمن قل ماؤه واثنتين للمستعجل وثلاثة سنتي
وأربع أسرف». وفي رواية «ثلاث وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي»(2) .
مسألة
[ أهمية النية في الوضوء ]
ومن توضأ لنسك أو طهارة أجزاه ذلك لصلاة الفريضة ولم ينو به
الفريضة وإن توضأ ولم ينوه لمعروف لم يجز للفرض، والأصح أن الوضوء للنوافل لا يصلى به الفرائض.
مسألة
[ تحويل النية ]
ومن توضأ للفريضة ثم أثناء الوضوء اعتقده لفريضة ثانية رفع أبو سعيد عن أبي الحسن ما لم يتم وضوؤه جاز له تحويله لفرض ثاني.
مسألة
[ حكم الشك في غسل العضو ] (3)
__________
(1) 1- تخليل اللحية والأصابع سنة من سنن الوضوء أنظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول 7/184 - 186 تخليل اللحية والأصابع.
(2) 2- ورد الرواية الثانية من الحديث عن عثمان -رضي الله عنه- أن رسول الله- - صلى الله عليه وسلم - - =
(3) = توضأ ثلاثاًً ثلاثاً، وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء
إبراهيم» انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول- - صلى الله عليه وسلم - - 7/174 رقم 5171 .
1- الشك في العبادة يغلب أحدهما الشك أو اليقين إذا الأصل اليقين مثلاً وهو
موضئ شك الحدث يغلب الوضوء. إذا لم يكن متوضئ وشك بالوضوء فعليه
الوضوء. وعند المالكية الشك في الوضوء يعيد الوضوء لأن الصلاة عبادة
والعبادة لا تبرأ الذمة منها إلا إذا أداها بيقين في جميع أحوالها. والله أعلم. (3/78)
صفحة 407
ومن شك أنه لم يحكم وضوء عضو من أعضائه بعد أن جاوز العضو
الثاني فلا إعادة عليه ما لم يستيقن.
مسألة
[ الشك في الوضوء كله ]
وإذا شك أنه لم يحكم وضوءه كله فلا إعادة عليه أيضاً ما لم يتضح له الأمر بغير شك.
مسألة
[ الحكم على الفعل بالصحة - مثل غسل الجنابة ]
وإن شك في الغسل من جنابة أو نجاسة أو غيرها بعد أن خرج من الماء
أنه لم يحكم أو بعضاً منه فعن الثقة عن موسى بن علي ومحمد بن محبوب رحمهما الله تعالى أنه إذا تدثر بثيابه ولبسها فلا إعادة عليه ما لم يستيقن.
وعن محمد بن محبوب رحمه الله فيمن اغتسل من جنابة وفرغ ولبس
ثيابه وجد فخذه أو ببدنه جنابة أيفسد وضوؤه؟ قال : نعم. وأما إذا كانت الجنابة أو النجاسة في موضع لا مخرج للثوب من مسها وكانت رطبة فإن الثوب حكمه النجاسة والضوء منتقض. عن أبي عبد الله رحمه الله تعالى
أن من سلح أو بال ولم تفض النجاسة على سمة دبره أو ذبذبه أنه لا استنجاء عليه ووضوءه منتقض.
مسألة
[ حكم ترتيب أفعال الوضوء ]
قال موسى بن موسى(1) : اختلف المسلمون في الوضوء فقال بعضهم
إلا على الترتيب ورأى جوازه آخرون على غير الترتيب والأول أصح(2) .
مسألة
[ حكم وضوء من نسي جارحة ]
__________
(1) 1- موسى بن موسى بن علي بن عزرة من بني سامة بن لؤي ، فقيه وصفه =
(2) = السيابي بأنه كان الوزير الأول (الأكبر) لدى الصلت بن مالك وكان المحرك
الأول وراء الأحداث التي جرت في نهاية إمامة الصلت واستمرت فيما بعد.
وقد قتل إمامة عزان بن تميم، وقد أورد ذكره ابن دريد في بعض شعره.
انظر كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص 264 .
1- فقال قوم : هو سنة وهو الذي حكاه المتأخرون ومن أصحاب مالك من المذهب
وبه قال أبو حنيفة والثوري وداود، وقال قوم هو فريضة وبه قال الشافعي
وأحمد وأبو عبيدة وهذا في الأفعال المفروضة. بداية المجتهد 1/16 - 17 . (3/79)
صفحة 408
ومن نسي غسل جارحة من جوارح الوضوء فإن ذكرها قبل أن يجف وضوؤه أعادها وحدها وإن ذكرها بعد أن يجف وضوؤه استأنف
الوضوء. وقول ولو جف فليس عليه إلا إعادة الوضوء للعضو وحده
والأول أصح.
مسألة
[ حكم نسيان الرأس ]
ومن نسي مسح رأسه فقول يستأنف الوضوء كان وضوؤه رطباً أو يابساً وقول إذ أيبس استأنف وإلا غسل العضو وحده ما لم يدخل في الصلاة
وقول ولو دخل في الصلاة.
مسألة
[ حكم انتهاء الماء أو الانشغال أثناء الوضوء قبل إتمامه ]
ومن شغله عن إتمام وضوئه شاغل أو فرغ ماؤه فقول إذا جف ماء وضأه استأنف وإلا غسل الموضع إلا أن يكون اشتغاله في تحصيل ماء يتوضأ به فإنه يغسل العضو جف أو لم يجف وهذا هو الأصح.
مسألة
[ أخذ ما على اللحية من الماء عند انقطاعها ]
ومن فرغ ماء وضوئه وبقي في لحيته شيء من الماء غسل به ما لم يغسله أولاً. وقال محمد بن المسبح(1) : يغسله بالماء أحب إلي مما في لحيته.
مسألة
[ حكم تجفيف الوضوء ]
ومن توضأ ومسح مواضع وضوئه بثوب حتى جففه فعن أبي سعيد
رحمه لله أنه مكروه ولا يبلغ به إلى نقض وضوئه. وقالوا : إن كل قطرة من
ماء وضوئه يسبح الله حتى يجف إذا يرفيه.
مسألة
[ فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ]
وقيل أنه بلغنا عن أبي جبل(2) رضي الله عنه أنه قال : «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح آثار وضوئه بطرف ثوبه»(3)
__________
(1) 1- محمد بن المسبح : والده المسبح بن عبد الله من قرية هيل قريباً من سمائل من
علماء عُمان انظر قاموس الشريعة 8/362 .
(2) 1- أبي جبل : هو معاذ جبل.
(3) 2- أخرجه الترمذي رقم 54 في الطهارة، باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء.
وفي سنده رشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهما
ضعيفان. وقال الترمذي : وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء. ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن
الوضوء يوزن ، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري، وساق الحديث.
في الباب حديث عائشة قالت كان لرسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - خرقة ينشف بها بعد
الوضوء ، أخرجه الترمذي رقم 53 ما جاء في التمندل. (3/80)
صفحة 409
.
مسألة
[ مقدار ما يجزئ من الماء ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يجزئ للوضوء مد ماء وللغسل للجنابة صاع وسيأتي
قوم بعدي يستقلون ذلك على خلاف سنتي وللآخذ بسنتي ينحشر معي في حضرة الفردوس»(1) .
مسألة
[ حكم الماء المستعمل ]
ولا يجوز الوضوء بالماء المستعمل وأما ما طاز في الإناء الذي يتوضأ منه
من الماء الذي يتوضأ به بذلك.
مسألة
[ بعض أنواع المياه ]
وجائز الوضوء بماء وزق(2) فيه الخوص والجرجة والغزل وما أشبه ذلك. وجائز التوضأ به إذا لم يجد غيره وقول ولو وجد غيره لأنه لم يتغير عن حاله.
مسألة
[ الماء المستعمل كالمطبوخ به ]
وإن لم يجد ماء غير المستعمل كالمطبوخ فيه البسر أو غيره توضأ به وتيمم بالتراب والماء المغسول به الوعاء الطاهر هو أولى من المستعمل إذا لم يتغير.
مسألة
[ مخالطة اللبن بالماء ]
وإذا خالط الماء اللبن فلا بأس بالمتوضئ به إذا كان الماء أكثر وقول يتوضأ به ويتصعد ومثله النبيذ والخل. وقول كل ذلك غير جائز للتوضؤ به
والعدول إلى الصعيد أولى.
مسألة
[ الماء الموجود عند أهل الكتاب ]
وعن محمد بن محبوب رحمه الله أنه يجوز التوضؤ بماء في بيوت
اليهود والنصارى ما لم يعلم مسوه بمعنى الاحتمال وهو كل منهم قول لا
يجوز والمجوس في ذلك غير أهل الكتاب.
[ وضوء من كان به جرح ]
__________
(1) 3- الرواية المعروفة هي : «كان النبي - - صلى الله عليه وسلم - - يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد».
انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول 7/189 ، 190 ، 191 . وهذه
الأحاديث أخرجها البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي في باب
مقدار الماء وكراهية الإسراف في الوضوء.
(2) 1- وزق فيه الخوص والجرجة والغزل : أي لماء الذي نقع فيه الخوص وهو سعف
النخيل، والغزل : الصوف. والله أعلم. (3/81)
صفحة 410
ومن كان في جارحة من جوارح وضوئه جرح أو كسر ولا يستطيع غسله توضأ لبقية الأعضاء وأجزأه عن العضو المتلم وإذا لم يستوعب آلام الجارحة فإذا استوعب آلام الجارحة تيمم له وقول لا تيمم عليه في الحالين.
مسألة
[ نزع الشعر من مكان الوضوء ]
ومن نزع شعراً أو جلداً من موضع وضوئه فليبله ووضوءه تام ما لم يدم وإن لم يبله ففي نقض صلاته اختلاف وكذلك في نقض وضوئه اختلاف.
مسألة
[ حكم وضوء من أخذ شيئاً من أظافره أو شعره ]
وعن محمد ابن المسبح : من حلق رأسه أو قلم أظافره وهو متوضئ فلا بأس وقول يمسحها بالماء وهو أحب إلي.
ومن وجد شعرة من لحيته بسنة عاد وضوءه لأنها سنة وقول لأن فعله
معصية لقوله عليه السلام : «أعفوا اللحاء»(1) .
ومن نسي المضمضة والاستنشاق أو مسح أذنيه تمضمض واستنشق
وأعاد صلاته. وقيل الإعادة عليه إذا كان جنباً.
مسألة
[ حكم صلاة الجنب دون مضمضة واستنشاق ]
فإن لم يدخل الخبب إصبعه في فيه ومنخريه أو نسي المضمضة
والاستنشاق وصلى أعاد صلاتها ناسياً كان أو عامداً(2). وقول لا بأس عليه
في النسيان. وقول ما لم يصل أعاد فعل ذلك وإن صلى فلا بأس ومن وضأ بعض جوارحه ثم رأى دماً في عضو لم يوضئه فإذا غسله له غيره أو مشه
بحجر ولم يمسه وأتم وضوءه تم. وقول أنه يستأنف الوضوء ولو لم يمسه
وهذا هو المعمول به.
مسألة
[ حكم من لبس الثوب الذي به جنابة ]
ولم ير بشير بأساً أن يلبس الثوب إذا كانت به جنابة يابسة وجسده
رطب وحجته أن الرطب لا يأخذ من اليابس شيئاً والعلق الحامل إذ خرج
من منخري المصلي والمتوضئ لا يصري صلاته ولا وضوءه.
مسألة
[ حكم خروج الدم من أنف المصلي ]
قال أبو الحواري رحمه الله : «وإذا خرج من منخري المتوضئ دم
__________
(1) 1- أحاديث اللحية صحيحة تثبت عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - بأكثر من رواية وفي أكثر
من حديث.
(2) 2- من أركان الاغتسال المضمضة والاستنشاق. (3/82)
صفحة 411
منقطع لم يضر وضوءه فإن كان متصلاً أصراه». وقول حتى يكون الدم
غالباً على المخاط.
مسألة
[ كيفية سن الماء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سنوا الماء عند وضوئكم سناً وبثوه بثاً ولا تثجوه ثجاً»(1) .
مسألة
[ الوضوء من الندى ]
وجائز الوضوء بالندا الجاري على قول، وأما إذا كان يعصر فلا هكذا
أنباء نبهان(2) - رحمه الله تعالى - .
مسألة
[ حكم مس الرجل المرأة ]
وإذا مس الرجل من المرأة ما فوق الكف أثم وانصرى طهره. وقول طهره تام و عليه الحوب(3) .
مسألة
[ من أسباب نقض ا لوضوء ]
ونقض الوضوء مختلف فيه من وجهين إثم وضمان. فقول ما كان مأثوم فعله فهو ينقض الوضوء، وقال آخرون : حتى يتعلق بفعله بالضمان.
مسألة
[ وضوء المريض ]
وإذا عجز المريض أن يتوضأ هل له أن يستعين بغيره ممن يجوز له الإعانة به؟ وهل على ذلك إعاشة؟(4) ففي ذلك يجري الاختلاف قول له أن
يستعين بغيره وعلى من قدر على إعانته. وقول إذا عجز عن فعل ما تعبد به سقط عنه فرض ما عجز عن فعله.
[ أثر الوخزة على الوضوء ]
__________
(1) 1- الحديث دليل على عدم الإسراف في الوضوء. وله شاهد : «لا تسرف ولو
كنت على نهر جار».
(2) 2- نبهان : هو الشيخ العلامة نبهان بن عثمان أبو عبد الله السمدي من علماء
النصف الثاني من القرن الثالث وهو جد بني المعمر وأحد الأقطاب الثلاثة الذين
كان عليهم مدار أمور أهل عُمان في زمانهم من الناحية العلمية أحدهم هو
والثاني أبو المؤثر الصلت بن خميس والثالث أبو جابر محمد بن جعفر
الأزكوي. انظر تحفة الأعيان في تاريخ بعض أهل عمان ص : 208 .
(3) 1- مس المرأة : هذه مسألة خلافية بين الأئمة فالحنفية لا ينقض الوضوء، المالكية إذا
شعر بشيء فعليه الوضوء. والشافعية عليه الوضوء فوراً. والله أعلم.
(4) 2- المقصود بذلك أخذ أجرة على ذلك . وفي عصرنا الحاضر ما يقوم به الخدم
والخادمات من إعانة العجزة وأصحاب العاهات يأخذون على ذلك أجراً. (3/83)
صفحة 412
ومن وخزته سلات في إثره وهو متوضئ هل عليه إيضاح الأمر حتى يستقين أنها أدمت أصلاً ليلاً كان أو نهاراً؟ إن كان في غالب ظنه أن مثل تلك الوخزة تدمي أعاد الوضوء بعد غسل الموضع وإلا فلا بأس.
مسألة
[ حكم الوخزة ]
فإن قيل : إذا كان في غالب ظنه أن الوخزة مثله تدمي فلم يتيقن خروج الدم فصلى أما في الحكم فلا حتى يستيقن خروج الدم.
مسألة
[ العمل بالاحتياط ]
وأما على الاحتياط فأحب له إعادة صلاته.
مسألة
[ الوضوء بغير نية الصلاة ](1)
ومن علم أحداً الوضوء وأجرا الماء على أعضاء وضوئه هل تجزيه ذلك؟
فإذا كان على غير نية فمختلف فيه، قول يجزئه لأن هذا من الطاعات.
وقول لا يجزئه بغير نية.
مسألة
[ أثر النظر إلى المرأة على الوضوء ]
ومن جامع الشيخ أبي الحسن رحمه الله أن نظر الكف والوجه من المرأة
لا ينقض لغير شهوة ولو لم تكن من ذوات محارمه.
مسألة
[ أثر نظر لغير الوجه والكفين على الوضوء ]
ومن نظر من النساء من غير محارمه سوى الوجه والكف انتقض
وضوءه ، وأما ذو محارمه حتى ينظر بين السرة إلى الركبة.
مسألة
[ أثر النظر إلى الأمة ]
والقن لا ينقض النظر الوضوء من أبدانهن سوى النظر إلى فروجهن.
مسألة
[ الشك في الطهارة قبل الصلاة وبعد الصلاة ]
ومن شك في الصلاة أنه توضأ أو لم يتوضأ استأنف الصلاة، وإن شك بعد خروجه من الصلاة أو أنه لم يغسل بعض أعضاءه لوضوئه فلا إعادة عليه.
مسألة
[ أثر النظر إلى ركبة الرجل عمداً ]
وعن أبي معاوية(2)
__________
(1) 1- حكم النية في الوضوء : اختلف العلماء في اشتراط النية عند الوضوء : فمنهم
من قال أنها شرط وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وداود.
وذهب فريق آخر إلى أنها ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري
وحسيب اختلافهم تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة وبين أن يكون
عبادة معقولة المعنى. انظر بداية المجتهد 1/8 .
(2) 1- أبو معاوية : هو عزان بن الصقر مسكنه بغلافقة من نزوى، مات بصحار عام
278 وقيل : 268 . عاصر الفضل بن الحواري وكان يضرب بهما المثل في
عُمان لعلمهما وفضلهما وقيل : إنهما كانا كعينين في جبين واحد ولم يفرق
أحد بين عينين في جبين واحد إلا أن عزان بن الصقر مات قبل الفتنة، فلم
يختلف المسلمون في ولايته، يذكره السيابي في الطبقة الثالثة. أنظر كشف
الغمة الجامع لأخبار الأمة ص299 . (3/84)
صفحة 413
أنه لا نقض على من نظر إلى ركبة رجل عمداً أو سرته حتى ينظر العورة، ومن مسح سر رجل من علة فلا بأس عليه.
مسألة
[ أثر النظر إلى العورة المغلظة ]
والنظر إلى عورة البشر ينقض الوضوء، وأما السرة والركبة ففي النظر إليهما اختلاف،قول ينقض الطهارة، وقول إلا الكين نفسه.
مسألة
[ حكم الماء المستعمل ]
وإذا كان الماء نحو ثلاث قرب مستقر في الدفقاء ويستنجي منه ويرجع
فيه بعض الماء المستنجى به هل يجوز الوضوء للصلاة منه؟ أم العدول إلى
الصعيد أولى؟ فأما عند، وجود أو وجدان غيره من الماء فلا يتوضأ منه وإن تعذر حصول غيره فهو أولى من الصعيد.
مسألة
[ أثر الكلب على الوضوء ](1)
وأثر الكلب إذا كانت رطبة ووطأ المتوضئ عليها انتقض وضوؤه وإن كانت يابسة فلا بأس ولو كان أثر المتوضئ رطبة.
وهل يجزئ حركة الماء للمتوضئ دون العرك باليد فنعم إذا استوعبت الحركة موضع الوضوء بقدر عركة واحدة أجزأه ذلك قل الماء أو كثر.
مسألة
[ أصل طهارة الماء ]
وإذا كانت الركبة(2) تردها السباع ومن لا يتقي الأنجاس من الناس لأن
لم يتحقق ذلك نظر العين ولا اتضح له بشهادة عدلين إيقاع نجاسة بتلك
الركبة فعدل عن الماء وصلى على تصعد وصلى هل عليه بأس أملا؟ فلاناً
من عليه وجوب البدل لصلاته والكفارة وإن تحقق ما يفسد الماء وصلى على تلك الحال فقد أصاب الحق وصدف عن الضلال.
مسألة
[ الجهل بأمر الماء ]
وأما إن جهل حكم الوارد على الماء وهو طاهر فترك التوضأ وعدل من الصعيد فيحكم عليه بأيسر القولين وهو البدل ولا تلزمه كفارة.
مسألة
[ أثر استعمال الدلاء في سحب الماء ]
وهل يجوز استعمال الدلاء المركبة على الركايا للزجر والحبال إذا تعذر حصول إناء غيرها لنزع الماء للوضوء جائز الاستقاء بالدلاء المذكورة
__________
(1) 1- أثر الكلب على الوضوء : وذلك لوجود النجاسة فالكلب نجس ينقض الوضوء .
(2) 2- المقصود : البركة أو الحوض التي تردها السباع . (3/85)
صفحة 414
ويستحل أهلها أن قدروا فلا بأس عليه للوضوء والشرب وغيره ما لم
يحدث حدثاً بالدلو فإذا أحدث حدثاً ضمن بقدر ما أحدث هذا إن كانت الدلاء مركبته وإن لم يكن مركبة وأراد استعمالها لما ذكرنا لزمه الضمان للاستعمال نفسه وإن أحدث بها حدثاً تخلص منه لأربابها فبين هاتين دون.
مسألة
[ حكم الماء بعد ولوغ الكلب في الإناء ]
وإذا ولغ الكلب في إناء فيه ماء فلا يجوز التوضؤ منه إذا كان فيما دون المقدار الشرعي والعدول إلى التصعيد أولى ولعل بعض رخص في استعماله(1) .
مسألة
[ هل على الريح استنجاء ]
وهل على من خرجت من دبره ريح استنجاء؟ قال : إذا لم تمازجها
نجاسة سلح وإنما ينتقض وضوءه فقط.
مسألة
[ التيقن بالحدث ]
وإذا سمع صوتاً أو شم عرفاً ولم يستيقن خروج ذلك من دبره فلا بأس عسى أن يكون ذلك من نفخ الشيطان لعنه(2) .
مسألة
[ حكم مس النجاسات الرطبة واليابسة ]
وإذا مس المتوضئ نجاسة ذاوية هل ينتقض وضوءه فقد قيل لا نقض عليه
إلا في مس الميتة فقد اختلفوا في مسها يابسة وفي سائر النجاسات الأرجح
أنها لا تنقض اليابسة والأرجح في الميتة أنها تنقض.
مسألة
[ أثر مس الفرج على الوضوء ]
ومن مس الفرج من الزوجين لا ينقض الوضوء وقول ينقض وضوء الماس دون الممسوس إذ طاوع الممسوس الماس.
مسألة
[ أثر المس على الوضوء ]
وإذا مس عورة جارحة وضوءه في الصلاة هل تنقض صلاته ووضوءه؟
فنعم تبطل صلاته وينتقض وضوءه إذا باسر العورة القضيب في الصلاة
__________
(1) 1- ورد حديث صحيح في غسل الإناء من ولوغ الكلب في الإناء : عن أبي هريرة
- رضي الله عنه - أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : إذا ولغ الكلب في إناء
أحدكم فليغسله سبع مرات.
(2) 1- ما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - إذا
وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ، فلا يخرجك من
المسجد حتى تسمع صوتاً أو تجد ريحاً . (3/86)
صفحة 415
واختلفوا في إذا مست سائر بدنه.
مسألة
[ حكم مس المرأة فرجها ]
وقال جابر : إن حكم المرأة في هذا كحكم الرجل وقول لا نقض عليها إذا مس فرجها عقبها.
مسألة
[ النظر إلى القبر وإلى الميت ]
والنظر إلى والج القبر لا ينقض الوضوء وإنما ينقض الوضوء النظر إلى
الميت إذا لم يكن مزملاً في صلاته وقول يكره ذلك بغير نقض.
مسألة
[ الفتوى على النجوى ]
وإذا أفتى المفتي وهو متوضئ في مسألة على النجوى من غير حفظ
فأصاب الحق هل ينقض وضوءه؟ قال : لا والكف عن الفتي بما لا يعلم له به حق وأولي ومحظورة المخاطرة.
مسألة
[ حكم نسيان مسح الرأس ]
ومن توضأ ونسي مسح رأسه فإن ذكر وهو في الثناء الصلاة أعاد
الوضوء وإن ذكر بعد أن صلى أعاد الوضوء والصلاة، وإن ذكر قبل الصلاة أعاد مسح رأسه ففظ.
مسألة
[ حكم القيء وأثره على الوضوء ]
ومن أساغ ماء فَقَاءَه فإن كان فوراً ففي نقض وضوئه اختلاف وإن تراخى حتى بلغ الجوف فقد تنجس وأصرى وضوءه(1) .
مسألة
[ حكم مس القملة ]
ومس القملة باليد ينقض الطهارة وقول حتى يتيقن خروج نجاسة منها بيده.
مسألة
[ أثر الردة على الوضوء ]
ومن ارتد عن الإسلام انتقض وضوءه وقول إذا استترت ردته وعاد إلى الإسلام فوضوءه تام.
مسألة
[ أثر الكبائر على نقض الوضوء ]
وباخع(2) النفس بغير حق ومسارق ما يجب به عليه القطع وراكب
الكبير(3) والمائن(4) عمداً وأمثال هذا ففي نقض وضوءه فاعل شيء من هذا أرجح القول أنه ينقض.
مسألة
[ أيهما أولى الاستنجاء أم الوضوء عند قلة الماء؟ ]
__________
(1) 1- عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قاء وكان صائماً،
فتوضأ» رواه الترمذي رقم 87 في الطهارة باب ما جاء في الوضوء من القيء
والرعاف. وأبو داود رقم 2381 في الصوم.
(2) 1- باخع النفس : المخيف للنفس.
(3) 2- راكب الكبير : والله أعلم - مرتكب الكبير (الإثم الكبير).
(4) 3- المايك : المائل عن الحق. (3/87)
صفحة 416
ومن لزمه الاستنجاء وله ماء قليل لا يكفيه فبأيهما يبدي؟ فقد اختلفوا
في ذلك وأرجح القولين أن يتوضأ بالماء ويتصعد للاستنجاء لأنه سنة
والوضوء فرض.
مسألة
[ تارك الاستنجاء مختاراً ]
ومن ترك الاستنجاء رغبة لأنه سنة فهذا عندنا خسيس المنزلة ولا ولاية له إذا رغب عن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصالحين وقد مدح الله قوماً بقوله:
{ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } (1) .
مسألة
[ إظهار العورة ]
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ملعون من بدا عورته على الناس سوى زوجته وسرية أو لعذر»(2) وكذلك من نظر عورة أحد
إجماعاً ومفسد للوضوء واختلفوا فيما سوى الفرجين من السرة إلى الركبة، وقال بعضهم يفسد الوضوء وأبا ذلك آخرون.
مسألة
[ مس العورة عمداً ]
وإذا مس المتوضئ عورته عمداً انتقض وضوءه وفي الخطأ فيه اختلاف.
مسألة
[ مس نجاسة الثوب ناقض للوضوء ]
ومن غسل نجاسة في ماء جاري فإذا لم يمس النجاسة فلا بأس عليه في وضوئه وإن باشرها ببعض بدنه انتقض وضوءه ولو لم تلصق بيده.
مسألة
[ أيهما أولى غسل الملاءة أم الوضوء عند قلة الماء؟ ]
ومن معه ماء نزر وله ملاءة نجسة أيغسل الملاءة أولى أم يتوضأ وييمم الملاءة
النجسة للصلاة؟ قال يحيى ابن أبي ميسرة(3) : يتوضأ بالماء، وقال الكوفين : يطهر الملاءة ويتصعد ويصلي وقال أبو الحواري : كلا القولين صواب.
مسألة
[ حكم وضوء من توضأ عارياً ]
__________
(1) 4- سورة التوبة آية 108 .
(2) 1- نهى الشرع الحكيم عن النظر إلى عورة الآخرين لحديثه - - صلى الله عليه وسلم - - أن ينظر
الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة.
(3) 1- يحيى بن أبي ميسرة : قال في الجرح والتعديل 9/189 رقم 787 : روى عن
عبد الرحمن بن المبارك وعبيد الله القواريري ومحر بن عقبة السدوسي سمعت
أبي يقول ذلك وسألته عنه. فقال : شيخ. (3/88)
صفحة 417
ومن توضأ عارياً ففي فساد وضوءه اختلاف لا سيما أن واقع الفعل على طريق، فقال بعضهم : وضوءه فاسد رآه أحد أو لم يره، وقال بعضهم : إذا
لم يره أحد فلا بأس وقول وضوءه تام ولو لم يستر ماء النهر سوأته.
مسألة
[ كيفية وضوء من به جارحة ]
ومن كان بجارحة من جوارح وضوءه دم فنسي أن يطهره فتوضأ ولم
يجد للدم أثر بعد استكمال وضوءه ماذا يلزمه؟ فهذا عليه بدل الوضوء
والصلاة فإن توضأ من إناء غسل ما لاقا الماء من بدنه وثيابه وإن من نهر جار فيغسل من بدنه ما لاقا الماء النجس ولا بأس عليه في ثيابه.
مسألة
[ ثواب الوضوء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من توضأ مخلصاً عمله لله خرجت الخطايا من جوارح
وضوءه حتى من تحت أصول شعره وأطرافه ومن أظفاره»(1) .
مسألة
[ ثواب الإخلاص في الوضوء ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا توضأ العبد مخلصاً عمله لله تحاتت خطاياه كما يتحاتت ورق الشجر أيان أصرامه».
مسألة
[ حكم النية في الوضوء ]
الوضوء فرض وشرط أدائه وجود النية فيه فإن قال الإعمال تثبت بلا نية واعتد أن النية أداء الفرض أن لو كانت فرضاً لاحتاجت إلى نيته قبلها إلى
ما لا نهاية له وإن لم تكن فرضاً فجائز تركها والأول أصح لقوله عليه
السلام «الأعمال بالنيات»(2)
__________
(1) 1- ورد عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - قال : من توضأ فتمضمض واستنشق خرجت خطاياه
من فيه وأنفه، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، حتى تخرج من
تحت إشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت خطاياه من يديه، فإذا مسح رأسه
خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه حتى
تخرج من تحت أظفار رجليه. وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة. سنن ابن
ماجة رقم 282 ص 1/103 وقم 283 .
(2) 2- حديث صحيح : عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال سمعت رسول
الله - - صلى الله عليه وسلم - - يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى...» هذا
الحديث متواتر تواتراً معنوياً وعليه مدار الأعمال. (3/89)
صفحة 418
، ولأن النية عند إيقاع الفعل ابتلاء وتعبّد من
الله ورسوله.
مسألة
[ مقدار وضوءه - صلى الله عليه وسلم - ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ بمد من ماء والمد رطلان، واغتسل بصاع وهو ثمانية أرطال(1) . فهذا كان لمن يسر الله له كيفية الوضوء والغسل
وهذا للاختصار.
مسألة
[ فرائض الوضوء ]
فرائض الوضوء ست خصال الطهارة والنية وغسل الوجه واليدين
ومسح الرأس وغسل القدمين.
مسألة
[ الدليل على وجوب النية ]
الحجة في وجوب النية قول الله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله
مخلصين له الدين } (2) وهي عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح، وقول أنها
قلبية وقول ينضم إليها اللفظ.
مسألة
[ آية الوضوء ]
والحجة في غسل الأعضاء قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم
إلى الصلاة } (3) الآية.
مسألة
[ الحجة على وجوب الغسل ]
والحجة في وجوب غسل القدمين : أن الغسل أولى من المسح سيان لأن بعض القراء نصب وبعض خفض والإجماع على الغسل من الأمة إلا من لا يكون افتراقه حجة(4) .
مسألة
[ حجة الغسل للقدمين ]
والحجة الواضحة والدلائل الأيحة في وجوب غسل القدمين دون
مسحهما قوله عليه السلام : «ويل ليابسين العراقيب من النار»(5) .
مسألة
[ سنن الوضوء ]
__________
(1) 1- جاء في جامع الأصول 7/189 : في رواية الترمذي : أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -
قال : يجزئ في الوضوء رطلان من ماء» .
(2) 2- سورة البينة آية 5 .
(3) 1- سورة المائدة آية 6 .
(4) 2- خالف في ذلك الإمامية فقالوا بالمسح. وجماعة جمعوا بين الغسل والمسح ارجع
إلى تفسير الآية في آيات الأحكام للمزيد.
(5) 3- ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديثه - - صلى الله عليه وسلم - - قوله : ويل
للأعقاب من النار» ورواية ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء ورواية (ويل
للعراقيب من النار) انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول.
7/168 - 169 . رقم 5158 ، 5159 . (3/90)
صفحة 419
السنة في الوضوء ست خصال : التسمية وغسل اليدين والاستنجاء والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين.
مسألة
[ الحجة في التسمية ]
والحجة التسمية قوله عليه السلام :«لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه»(1) .
مسألة
[ الحجة في غسل اليدين ]
والحجة في غسل اليدين قوله عليه السلام : «إذا استيقظ أحدكم من
نومه فلا يغمس يده في إناء الماء حتى يغمسها ثلاثاً لأنه لا يدري أين باتت يده»(2) . قلنا إذا لم تكن بيده نجاسة فلا بأس عليه .
مسألة
[ الدليل على الاستنجاء ]
والحجة في الاستنجاء قوله عليه السلام : «من بال أو تغوط(3)
فليستنج»، ومن التنزيل قوله تعالى : { رجال يحبون أن يتطهروا والله
يحب المطهرين } (4) .
مسألة
[ الحجة على المضمضمة ]
والحجة في المضمضة هو ما نقل عنه عليه السلام من المواظبة على ذلك. والحجة في الاستنشاق قوله : «إذا استنشق فأبلغ»(5) .
مسألة
[ الحجة على مسح الأذنين ]
والحجة في مسح الأذنين مستنبط من الإجماع والوضوء في الفرض
__________
(1) 1- سنن ابن ماجة 1/140 رقم 397 والترمذي رقم 25 في الطهارة باب ما جاء
في التسمية على الوضوء، أبو داود رقم 101 في الطهارة باب التسمية على الوضوء. وقال الهيثمي في الزوائد هذا حديث حسن.
(2) 2- أخرجه البخاري 1/229 - 231 في الوضوء . ومسلم رقم 378 والموطأ
1/21 في الطهارة باب وضوء النائم، وأبو داود رقم 103 ، 104 ، 105 في
الطهارة، والترمذي رقم 24 في الطهارة باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من
نومه، والنسائي 1/6 ، 7 في الطهارة .
(3) 1- ورد الحث على الاستنجاء وكيفية ومتى الاستنجاء انظر تفسير الآية.
(4) 2- سورة التوبة آية 108 .
(5) 3- عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال : قلت يا رسول الله أخبرني عن
الوضوء، قال : «اسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً، سنن
ابن ماجة 1/142 رقم 407 . (3/91)
صفحة 420
واحدة والثلاث سنة، ويستحب للمتوضئ أن يرتدي بثوب على عاتقه إبان وضوئه ومن علم وجوب الوضوء عليه أجزأه ولو لم يعلم سنته من فروضه.
النهج الثالث عشر
في النجاسة وأحكامها
مسألة
[ أقسام النجاسة ]
النجس اسم يقع على معنيين أحدهما يكون نجساً لعينه والآخر لحلول نجاسته فيه فما كان نجساً لعينه فلا تزول النجاسة عنه ما دامت العين قائمة، والضرب الثاني نجساً لحلول نجاسة فيه فزوال ما صار به متنجساً لم يرفع
اسم النجس عنه.
مسألة
[ أثر النجاسة على اللحم المطبوخ ]
وإذا حلت النجاسة لحماً يطبخ فيعتبر الحال فإن حلته النجاسة حين
الغليان فلا يؤكل اللحم ولا المرق فإن كان بعد سكون الغليان ونضاج
اللحم غسل اللحم وإهريق المرق لأنه نجس.
مسألة
[ من شك في غسله بعد الفراغ منه ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : ومن شك أنه لم يحكم
الغسل والاستنجاء بعد فراغه من غسل من جنابة أو نجاسة من سائر
النجاسات فإذا تزمل بملاته فلا إعادة عليه حتى يستيقن وقول إذا خرج من
الماء على أنه منتظر ولو لم يزل بملأته فلا يرجع إلى الشك(1) .
مسألة
[ ملامسة الشيء للنجاسة ]
محمد بن المسبح رحمه الله ومن تطهر من مني فلما خرج من الماء
أصاب في فخذه شيء من المني بعد التدثر فإن كان الثوب اللابسة لا
مخرج له من ملامسته النجاسة فهو نجس وإلا ولا عليه الغسل وعليه
الوضوء المباشر للنجاسة.
مسألة
[ متى يكون الاستنجاء ]
ومن سلح(2) أو بال ولم تلاف(3) النجاسة بشرة الإست والعرد(4)
فلا استنجاء عليه.
مسألة
__________
(1) 1- هذا مبني على أن اليقين لا يزول بالشك.
(2) 2- سلح : سلح الطير أي أخرج. والسلح : التغوط عند الإنسان.
(3) 3- تلاف : تلافي، تمس البشرة.
(4) 4- العرد : يقال : عَرَد الباب يعرد عرداً : خرج كله واشتد، وانتصب، وكذلك
النبات، و كل شيء منتصب شديد : عرد ، و يقال : عردت أنياب الجمل : =
= غلظت واشتدتت. وعرد الرجل : ذكره إذا انتصب واشتد. لسان العرب
2/728 الخياط. (3/92)
صفحة 421
[ كيفية التطهر من الغائط ]
في حد الغسل من النجاسة قول بعشر عركات من الغائط وخمس من البول وقول من البول ثلاث عركات ولم يحد في الغائط حداً إلا إذا تيقن الطهارة وقول إذا اغتسل من نهر وعرك ثلاثاً أجزأه لغسل الغائط إلا أن
يتيقن أن النجاسة لم تضمحل لم تزل وقول حتى يحيق الأديم.
مسألة
[ متى يتنجس الماء ]
وإذا مست يد المستنجي ثوبه أيان الاستنجاء ولم يتيقن أن النجاسة لم تضمحل ولا كم من عركة عمرك فإن كان من نهر وماء جاري أو ماء
متبحر فلا بأس، وإن كان من إناء فقد ورد الاختلاف في الماء الثاني من
الغسل من البول والماء الأول نجس والثاني طاهر إجماعاً ومن الغائط إذا لم يستيقن الطهر فإن الماء نجس وما لاقاه.
مسألة
[ أثر الماء المتطاير من الاستنجاء ]
وقال الشيخ أبو سعيد رحمه الله أنه قال: لا بأس بما طار من الماء في الاستنجاء في أول عركة إذا كان الماء غالباً على النجاسة لأنه يكون مطهراً نجساً أبداً.
مسألة
[ بقاء قليل من النجاسة وأثرها ]
وما بقي من عرف النجاسة في البدن فلا بأس به لأن العرف لا حكم له.
مسألة
[ جواز خياطة أهل الكتاب ]
وأجاز أبو أعلى رحمه الله : خياطة ذي الكتابين للثوب إذا لم يبل الخيط بثغره. وكره محمد بن محبوب رحمه الله غسالتهم.
مسألة
[ لبس الثوب الرطب على الجسد النجس ]
وأجاز بشير(1) لبس الثوب الرطب على الجسد النجس إذا كان يابساً ولعله كان مذهبه أن الرطب لا يأخذ من اليابس شيئاً وأن اليابس يأخذ من الرطب.
مسألة
[ كيفية الطهارة ]
وليس على المستنجي أو المرتعف والمتقي أن يطهر والج فمه عرده أو أسه أو فيه أو منخريه وعليه غسل الظاهر من ذلك أو ما أمكنه غسله ثم لا بأس
عليه فيما خرج من فيه وأنفه من الطاهرات كالبزاق والمخاط.
مسألة
[ تطاير ماء من الاستنجاء ]
__________
(1) 1- بشير : هو الشيخ العلامة أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب. (3/93)
صفحة 422
وما طار من ماء الاستنجاء بعد ثلاث عركات فلا بأس به. وقو ل لأن لسان الماء نجس وما بعده طاهر.
مسألة
[ حكم سلس البول ]
ومن كان به سلس البول فعن موسى بن علي رحمه الله : أنه يدخل
ذبذبه(1) في كيس أو ما أشبهه فيتوضأ ويصلي فلا فساد عليه.
ومن أراق البول وأهمل الاستنجاء نسيانا حين انغمس في النهر فلا بأس عليه إذا كان للماء حركة يذهب مثلها عين النجاسة ومثل موج اليم والمطر.
مسألة
[ زوال النجاسة حكماً ]
وإذا زالت النجاسة بأي وجه ففي الحكم زالت ولو قل العرك على قول.
مسألة
[ إجراء الماء بعد البول ]
فإن قيل فيلزم البائل الاستنسار أم لا؟ قلنا : إن أحوال الناس مختلفة ويروى عن بعض العلماء أن أجزأه(2) الماء على سمة الجرد أن يقطع مادة البول.
مسألة
[ الماء المستعمل في الاستنجاء ]
والماء الراكد إذا كان نحو ثلاث قرب هل يجوز الاستنجاء منه؟ إذا كان
ما يستنجى به يعود عليه فإني أحب رفضه إلا أن لا يجد غيره فهو أولى من الصعيد ولا يفسد ذلك ولا سيما الضارب.
مسألة
[ متى يعدل إلى الصعيد ]
وإذا كانت الركية(3) في مهمهة وظن ظان أنها تردها السباع فعدل إلى الصعيد(4) فماذا يلزمه إذا صلى بذلك؟ فإذا تيقن حلول النجاسة في ماء
الركية وهي مما ينجسها النجس فعدوله إلى الصعود هو الصواب، وإن ترك الوضوء بالماء على الشك وصلى بالصعيد فعليه البدالة والكفارة.
مسألة
[ تغير لون البئر ]
وأما إن رأى وأراد البير يرد الماء وعزب عليه علم صحة حكم ألوانه
فتيمم وصلى فهذا عليه الإعادة فقط.
مسألة
[ أثر وقوع الكلب في الماء الجاري ]
__________
(1) 1- ذبذبه : رأس الذكر.
(2) 2- والأصح : إن إجراء الماء،... والله أعلم.
(3) 1- الركية : حوض الماء في خارج البيت أو الحياض في الصحاري والبراري.
(4) 2- الصعيد : التراب الطاهر الذي يجوز التيمم به. (3/94)
صفحة 423
وإذا وقع الكلب في ماء طاهر كثير كنهر أو يم فبرز وانتفض فطار منه شيء من الماء هل يكون ما طار منه نجساً؟ فلا وهو طاهر ولا بأس به.
مسألة
[ الإشراك النفسي ]
ومن أشرك سراً هل تحرم عليه زوجته؟ وهل يجب عليه الاغتسال إذا
رجع للإسلام؟ ففي ذلك اختلاف، قول قد حرمت عليه زوجته لقوله عليه السلام «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»(1) ، وقول لا تحرم عليه ويجتمعان على النكاح الأول كان شركهما سراً أو علانية وحكم الزوج والزوجة سيان ولهم في ذلك احتجاجات.
مسألة
[ أثر وقوع العظم في البئر ]
وإذا وقع عظم الميتة في بئر ويبس ولم يبق به لحم ولا زهومة(2) ففي تنجيسه اختلاف، والأصح أنه طاهر.
مسألة
[ طهارة الأنفحة ]
والأنفحة(3) لا بأس بها ما لم تصر كرشاً فإذا صارت كرشاً فلا خير فيها.
مسألة
[ أثر السماد النجس على المزروعات ]
والبصل والبقل وما يؤكل من شجره إذا سمد بالسماد النجس في جواز أكله اختلاف، منهم من قال : لا يؤكل حتى يحدوا بنظر ثانية وقول يغسل ويؤكل. أما القرع والبطيخ والحبحب(4) فالأصح أنه يؤكل وقول يغسل ويؤكل.
مسألة
[ أجزاء الذبيحة ]
__________
(1) 1- الحديث سبق ذكره وهو : إنما الأعمال بالنيات.
(2) 2- زهومة : النخاع الذي في داخل العظم.
(3) 1- الأنفحة : جاء في التهذيب لا تكون الأنفحة إلا لكل ذي كرش وهو شيء
يستخرج من بطنه أصفر يُعصر في صوفه مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ولا
يسمى إنفجة إلا وهو رضيع فإذا رعي قيل استكرش أي صارت كرشاً ونقل ابن
الصلاح ما يوافقه فقال : الأنفجة ما يؤخذ من الجدي قبل أن يطعم غير اللبن فإن
طعم غيره قيل مجبنة. وبعض الفقهاء يشترط في طهارة الأنفحة أن لا تطعم
السخلة غير اللبن وإلا فهي نجسة. المصباح المنير 2/754 .
(4) 2- الحبحب : نوع من البطيخ وهذا الاسم يطلقه أهل الجزيرة العربية على البطيخ. (3/95)
صفحة 424
وإذا شربت الذبيحة ولم تتحرق مشافتها ولم يغسل اللحم فلا بأس بأكله وإن احترقت غسل اللحم وأكل وكره أكل المثانة والحيا حتى يغسلا ولا
بأس إن أطعما الدواب.
مسألة
[ دخان النجس نجس ]
ودخان النجس ذاك فهو نجس وجائز غسل الخدم للثياب إذا أزالوا النجاسة وإن لم يكونوا ثقات.
مسألة
[ معرفة المائع من الجامد ]
في الاستدلال على الجامد من المائع أن يطرح فيه خاتماً أو حجراً وما أشبههما بوزن درهمين فإن رسبت إلى أصل الإناء فذلك مائع وهو نجس وإلا فحيث القياس ومن أصاب أحداً بنجاسة فعليه إعلامه فإن لم يعلمها كان عاصياً بذلك خطأ كان أو عمداً.
مسألة
[ تحريم لحم السباع ]
قال أبو محمد(1) رحمه الله تعالى : إن الدليل على من وافقنا في تحريم
لحوم السباع وخالفنا في سؤرها أنا رأينا الخنزير حرام لحمه ولبنه وسؤره نجس بإجماع. واجب أن يكون كل ما حرم لحمه ولبنه من السباع فسؤره نجس.
اتفق أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة ومالك ابن أنس(2) على إجازة سؤره
الكلب وطهارة فضل مائة وكذلك سائر السباع وأكل لحومها وضعف
الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم الخمر وكل ذي ناب ومخلب من الطير وطعنا
في بعض رواية(3)
__________
(1) 1- أبو محمد : ابن بركة. رحمه الله.
(2) 2- مالك بن أنس : شيخ الإسلام وإمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن
مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث.. الأصبحي المدني . أمه عائشة بنت =
(3) = شربك الأزدية ولد سنة 93هـ عام موت خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنس. أخذ العلم عن
الكبار عن نافع، وسعيد المصري، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وابن المكندر،
والزهري، وعبد الله بن دينار، وخلق كثير. روى عنه خلق كثير عمه سهيل
وهو شيخه، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد وهم من شيوخه ومن
أقرانه معمر وابن جريج، وعمرو بن الحارث والأوزاعي والثوري والليث بن
سعد وغيرهم كثير. علماء المدينة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : زيد بن ثابت، عائشة،
ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهري، ثم عبيد الله بن عمر، ثم مالك بن
أنس رضي الله عنهم. دوّن الموطأ، كان مجلسه مجلس علم وهيبة واحترام،
كان الإمام يتصف بالخلق الرفيع والثياب الطيبة والرائحة الجيدة ولا يحدث إلا
وهو على أحسن هيئة - رضي الله عنه - توفي سنة 179هـ بالمدينة. انظر سير
أعلام النبلاء 7/48 - 134 .
1- جاء في بداية المجتهد : بعد أن سرد الأدلة المتعارضة من الكتاب والسنة قال:
فذهب مالك في الأمر بإراقة سؤر الكلب وغسل الإناء منه، إلى أن ذلك عبادة
غير معللة، وأن الماء الذي يلغ فيه ليس بنجس، ولم ير إراقة ما عدا الماء من
الأشياء التي يلغ فيها الكلب في المشهور عنه. 1/30 . (3/96)
صفحة 425
.
مسألة
[ طهارة آسار أكولة اللحم ]
أجمع العلماء تطهير سؤر ما يؤكل لحمه للشرب والوضوء.
مسألة
[ تطهير الإناء من ولوغ الكلب ]
اختلف العلماء في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، فقال بعضهم : بسبع، وقيل بخمس، وقيل بثلاث غسلات، وقيل بسبع والثامنة بالتراب، وقيل
بغسلة واحدة كسائر النجاسات(1) .
مسألة
[ سؤر الفيل ]
وسؤر الفيل طاهر وأكل لحمه طاهر حلال وحكم فيه بعضهم كحكم سائر الأنعام وكره بعضهم أكمل لحمه.
مسألة
[ حكم جلد الميتة ]
وجلد الميتة نجس واختلفوا فيه إذا أدبغ فقد طهر بالدباغ لقول النبي
- صلى الله عليه وسلم - : «أيما إهاب دبغ فقد طهر»(2) . وقوله في شاة ميمونة : «هلا دبغتم
إهابها أو انتفعتم به»(3) ، قوله أنه نجس. وقال عليه والسلام : «لا تنتفعوا من الميتة بشيء»(4)
__________
(1) 1- سبب الاختلاف :1- تعارض الآثار الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
2- مخالفة الراوي لما روى فأبو هريرة يغسل ثلاثاً وهو
الذي روى سبعاً. وانظر نيل الأوطار 1/46 ، 50 .
(2) 2- حديث : أيما إهاب دبغ... رواه مسلم رقم 366، في الحيض باب الطهارة
جلود الميتة. والموطأ 2/498 ، في الصيد، باب ما جاء في جلود الميتة. وأبو داود
رقم 423 في اللباس، باب أهب الميتة. والترمذي رقم 1728 في اللباس باب ما
جاء في جلود الميتة إذا دبغت والنسائي 7/173 باب جلود الميتة، والتاج
الجامع للأصول 1/84 في تطهير جلد الميتة.
(3) 1- جزء من حديث رواه البخاري 4/343 في البيوع باب جلود الميتة قبل أن تدبغ
ومسلم رقم 363 ، 364 ، 365 في الحيض باب طهارة جلود الميتة، الموطأ
2/498 في الصيد أبو داود رقم 4120، 4121 في اللباس باب أهب الميتة.
والترمذي رقم 1727 في اللباس. والنسائي 7/171 ، 172 باب جلود الميتة.
(4) 2- ورد الحديث بروايات متعددة منها : عن عبد الله بن عكيم قال : كتب إلينا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، رواه
الخمسة. وعند الدار قطني : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى جهينة إني كنت
رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتاب هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب
ولا عصب وللبخاري في تاريخه : عن عبد الله بن عكيم قال : حدثنا مشيخة
من جهينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إليهم : أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء. (3/97)
صفحة 426
.
مسألة
[ كيفية طهارة جلد الخنزير ]
وجلد الخنزير(1) والآدمي نجس لا يطهره إلا الدباغ ولا فرق بين سلخ الدواب مائقا(2) كان أو رابلاً كالبعر الجامد من الروث من الدواب.
مسألة
[ حكم ذنب الدابة ]
ونتاج الدابة إذا اضمحلت عنه النجاسة طهر وحكم ذنب الدابة طاهر كحكم سائر بدنها إذا لم تكن به نجاسة.
مسألة
[ مباشرة النجاسة الجامدة ]
وإذا أحلت النجاسة الجامد تنجس ما باشرته ولا بأس بما سواه وإن
كانت النجاسة في جراب تمر فلا بأس بما خالط غسله غسل غيره من
الجرب المنضودة معاً.
مسألة
[ موت ما ليس بذي دم أصلي ]
وموت ما ليس بذي دم أصلي من ذات روح برية لا يفسد إذا وقع في طاهر فهو حلال طاهر على أصله للأكل والشرب والوضوء.
مسألة
[ ما هو الماء الطرد والوهد ]
الماء الطرد : هو الذي تخوضه الدواب وتطرد فيه، والماء الرهد : المتغير، والأبيضان : الماء واللبن، والأشوان(3) : التمر والماء، والأطيبان : النوم
والنكاح، وقيل : الأكل والنكاح، وقيل : الشباب والنكاح، والأحمران: اللحم والزعفران، وقيل : اللحم والخمر.
مسألة
[ مقدار الكثير الذي لا ينجسه شيء ]
__________
(1) 3- هناك اختلاف في جلد الخنزير عند العلماء على النحو التالي :
القول الأول : قال جمهور الفقهاء بأن جلد الخنزير نجس لا يطهره دباغ ولا غيره.
القول الثاني : ذهب أهل الظاهر إلى أن الدباغ يطهر جلود جميع الحيوانات بما
فيها الكلب والخنزير لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أيما إهاب دبغ فقد طهر» رواه مسلم وابن
ماجة والترمذي. انظر المحلي 1/118 .
(2) 4- مائقاً : مائعاً.
(3) 1- الصحيح : الأسودان لأنه ورد في الحديث.
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أنها كانت تقول: «والله يا ابن أختي إن =
= كنا ننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال. وما أوقد في أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
نار. قلت : يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت : الأسودان : التمر والماء» الحديث
متفق عليه. (3/98)
صفحة 427
وكل ماء قائم إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر فهذا كثير لا ينجسه شيء . وقول : إذا كان أربعين قله وهي الجرة ومثل الركية التي لا تنزحها دلوها، فلا ينجسها شيء وإذا وقعت النجاسة في ركية فتطهيرها
إزاحة النجاسة ومثلها نزحها أربعين دلواً بدلوها، وإن انهارت نزحت وبولغ
في إخراج ما لاقته النجاسة من مائها ونزحت نزحاً شرعياً.
مسألة
[ مقدار ما ينزح لأجل الطهارة ]
وإذا نزحت الركية أربعين دلواً بدلوها أو بمقدارها فقد طهرت وإن فرغ ماءها بدون الأربعين طهرت أيضاً وتطهر الدلو معها واختلفوا في تفريق
النزح فأجازه بعضهم وأباه آخرون وهذا أصح.
مسألة
[ ماهية الدلو ]
وجائز نزح البئر النجسة بأربعين دلواً نزحة واحدة إلا أن الدلاء كلها فاسدة إلا الدلو التي تمت بها الأربعون وإن نزحت بدلو أكبر من دلوها
فجائز بقسط دلوها ولو قل العدد.
مسألة
[ النجاسة لا تؤثر على جدران البئر ]
ولا يلزم غسل جوانب البئر إذا نزحت من نجاسة لأن جوانبها طاهرة من جندل وغيره لأن هذا لا يمتنع منه وقول يفسد الدلو والحبل وغيره وكذلك الدلو وهذا رأي أبي المؤثر رحمه الله.
مسألة
[ طهارة الدلو والحبل ]
وقال بعض المسلمين إن الدلو والحبل كلاهما طاهران وإذا خرجت الميتة منهرة من ماء بئر فلا فساد على من مس ماءها قبل ذلك إذ يحتمل وقوعها كما وجدت منهرة أو ألقاها طائر إلا أن يتيقنوا تغير طعم الماء وعرفه فإنه يفسد عليهم ما لاقاه حين علموا إذا لم يحتمل.
مسألة
[ ماء البالوعة ]
وإذا كانت البالوعة من البئر بقدر خمسة أذرع ولم يتغير طعم الماء وريحه
من النجاسة فلا بأس بماء البئر وإن تغير فهو فاسد قربت المسافة أو بعدت.
مسألة
[ تعفير المصب ]
وإذا باشر رشاء الزجر النجاسة وجرى على المصب في الماء أفسده وإن جرى في العفر طهر ولا يفسد الماء إذا لاقاه بعد أن يتغير تعفير يتعفر.
مسألة
[ حكم الماء الراكد ] (3/99)
صفحة 428
فإن انقطع الماء الجاري من أوله وآخره وبقي جار من وسطه فحكمه جار إذا كان يحمل البعرة ومثلها ولا ينجسها إلا ما غلب عليه وما انقطع في السواقي من الماء بعد رفع النهر فلا يجوز الاستنجاء منه ولا بأس أن يتوضأ
منه وإذا اتصل الماء الراكد الجاري فجائز الاستنجاء منه ولو لم يجز إذا كان
إذا حرك من طرف لم يتحرك الطرف الثاني منه.
مسألة
[ المفسد للماء الجاري ]
وإذا تطهر بالمصب جنب أو غيره من سائر النجاسات ورجع من ذلك
الماء شيء في البئر هل يفسدها؟ وهل يكون ما جرى من المصب نجس؟
فهذا ماء جاري لا يفسد إلا ما غلب عليه.
مسألة
[ تطهير مكان بول الصبي والجارية ]
وهل من بون بين بول الصبي(1) والجارية فنعم إذا لم يطعم الصبي الطعام هو أقل من بول الجارية وتطهير بوله يصب الماء عليه مادام الصبي لم يطعم الطعام هو أقل ذوكاً وتطهير بوله يصب عليه الماء بلا عرك وتطهير بول
الجارية بالعرك والله أعلم.
مسألة
[ أثر دم الحجامة ]
ومن أحس بطعم دم في فيه وكان في وقت يعز عليه يتقنه ولم يغسله
حتى بصق وذهب الطعم فلا بأس عليه وحكمه الطهارة.
قال أبو الحسن عن أبي الحواري عن منير رحمه اللّه كان يقول : إذا
غسل موضع الحجامة والجرح فما خرج بعد الغسل ليس بمفسد ولم أعلم
أحداً وافقه على ذلك سواه والمعمول عليه إذا كان دما عيبطاً فإنه نجس
مفسد وإذا خرجت الصفرة والكدرة من الجرح بعد تطهيره فلا بأس بها،
وقيل الصفرة نجسة على قول وقوله إنها طاهرة.
مسألة
[ خروج مع اللبن الدم أو غيره ]
__________
(1) 1- لقد وضح حديثه - صلى الله عليه وسلم - في تطهير الثوب من بول الصبي والجارية : فيما يرويه
علي أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في بول الغلام الرضيع :
«ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية» قال قتادة : هذا ما لم يطعما، فإذا
طعما غسلا جميعاً» انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول 7/81 ، أرقام:
5048 - 5053 . (3/100)
صفحة 429
ومن جواب الشيخ أبي الحواري رحمه الله وإذا خرج من ضرع الدابة
مع اللبن دم أو حمرة أو صفرة أو كدرة فأحكم(1) للبن، فأما الدم فمفسد لما لاقاه وما سواه فلا بأس به إذ لم تكن الحمرة دماً وإنما تغير اللبن. وقيل إن دم البعوض والذباب الأزرق مختلف فيه وقول إذا كان مقدار الصفرة فمسد
وإلا فلا(2) .
مسألة
[ وقوع القملة في البئر ]
وإن وقعت القملة في بئر فلا بأس بها وإن ماتت في الماء وكانت ممن تنجسها الأنجاس فقد تنجست وقول لا بأس بها وإن ماتت.
مسألة
[ حكم نتاج الدواب ]
فإذا تنجس الحذا ومر به على الأرض حتى زالت عين النجاسة طهرت ومثله الدقعا إذا ضربتها الشمس والريح حتى زالت عنها عين النجاسة
طهرت ونتاج الدواب وضروعهن كنحو ذلك.
مسألة
[ أثر تنشيف الأواني على الطهارة ]
وغسل الأواني للتي تنشف الماء بالماء حتى يبلغ مبالغ النجاسة وإن تعذر عزلها خض الماء بها وبولغ في غسلها.
مسألة
[ وزق الإناء النجس ]
وإذا حلت النجاسة إناء ينشف الماء وطهر بثلاثة أمواه والإناء.
وإذا وزق(3) الإناء النجس بالماء فحكم الماء نجس ما لم يطهر الإناء، وقول هو طاهر، وقول أول ماء يصب منه طاهر والآخر نجس.
مسألة
[ أثر عرق الذمي على المسلم ]
وما مس أهل الذمة(4) من رطب ويابس برطب فقد أفسده وإن طهر
الذمي يده فإنها إذا أعرقت أفسدت ما لاقته من يابس ورطب وقيل إذا عجن المجوسي لمسلم دقيقاً وداري طعاماً بعد أن طهر يده ولثم فاه أن يقع منه شيء وهو مشاهد له جاز أكله.
مسألة
[ طعام أهل الكتاب ]
__________
(1) 1- الصحيح : فما حكم اللبن .
(2) 2- حكم دم البعوض والذباب : إذا لم يكن كثير فمعفو عنه. والله أعلم .
(3) 1- وزق الإناء : الزق : الوعاء. وزق الإناء : داخل الإناء، جوف الإناء.
(4) 2- نجاسة المشرك : قال تعالى : { إنما المشركون نجس... } النجس هو النجس
المعنوي لا الحسي في الحقيقة فأجسامهم ليست نجسة بذاتها. إنما هي طريقة
التعبير القرآني. (3/101)
صفحة 430
وقد أحل الله طعام الكتابيين(1) . قول أن النص خص الذباح(2) ، وقول عمر كل الطعام والأول أصح.
مسألة
[ ما يأكل عند اليهود ]
ويوجد أن موسى بن علي رحمه الله كان له جار يهودي فدعاه إلى
الطعام هو وأصحابه فكره أن يجفوه فقال لأصحابه كلوا وقوا ثيابكم وهذا يحتمل أن يكون ما دعاهم إلى أكله يابساً أو يكون من ذبائحهم لعملوه بأنفسهم وإلا فلا فائدة في اتقاء الثياب إذا كان طاهراً، وإن كان نجساً فقد أكلوا حراماً لأن كل نجس حرام.
مسألة
[ لحكم للأصل ]
وآنية الحجام إذا مسني من مائها شيء فلا بأس إذا لم تستيقن حلول النجاسة بالماء وكل شيء طاهر فهو جار على أصله من طاهر ونجس.
مسألة
[ حكم جلد المسك ]
واختلف المسلمون في جلود المسك(3) ودهنه فأجازه بعض وبعض كرهه والأول هو الأرجح.
مسألة
[ حكم غسل الصبيان للنجاسة ]
وغسل الأواني جائز من الصبيان والثياب النجسة لأنهم ليسوا متعبدين بغسل النجاسات.
مسألة
[ شراء المائع من أهل الذمة ]
وجائز شراء المائع من ذوي الذمة(4) إذا لم يمسوها بأيديهم.
مسألة
[ حكم سؤر الخيل والبهائم ]
ولا بأس بسؤر الخيل والإبل والحمير والبقر والمعز والضأن وما أشبه ذلك.
مسألة
[ حكم روث مأكولة اللحم ]
وأرواثها طاهرة إذا كانت حية إلا بولها وقيئها ودم المذبحة منها إذا
ذبحت وما في كرشها طاهر.
مسألة
[ حكم ما بداخل الكرش ]
قال موسى بن علي : ما في الكرش نجس ورخص بعض فيه والوثيقة أولى،
__________
(1) 1- قال تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم... } [المائدة : 5].
(2) 2- الأصح خص الذبائح.
(3) 1- جلود المسك : المسك حيوان من فصيلة الغزلان ولحمه مثل لحم الغزال.
(4) 2- أهل الذمة : هذا المصطلح وجد في العصور الزاهرة وعزة الإسلام وفي ظل دولة
الإسلام وهم اليهود والنصارى وألحق بهم المجوس الذين يدفعون مبلغ من المال
يسمى الجزية للحفاظ على دمائهم وأموالهم . (3/102)
صفحة 431
وقول ما في الخبابته نجس وما في سواها من الأمعاء طاهر وكرش السطر الذي لا يأكل السحر لا بأس به ولو لم يغسل والدسع فاسد وقيل لا بأس بالجرة.
مسألة
[ حكم عرق الدواب ]
وعرق الجمال مختلف في فساده ومثله الخيل والحمير وإن أصينّت فلا
بأس به ورخص بعضهم في الجمال وشرر(1) بولها ما لم يسبغ القدم مع
عدم المكنة.
مسألة
[ حكم ما تحمله الإبل بأذنابها ]
وما تجب الإبل بأذنابها قول نجس حتى يعلم أنه من غير سلحها الممتزج بولها وقول إنه مكروه وقول إنه طاهر حتى يعلم أنه طار منه نجس.
مسألة
[ حكم سؤر الطير ]
وسؤر الطير(2) طاهر إلا ما جاء به الأثر بتحريم أكل لحمه وذرق ما
يؤكل لحمه من الطير طاهر إلا الحمام الأهلي وعده الدجاج.
مسألة
[ حكم سؤر الدجاج ]
ولا بأس بسؤر الدجاج ما لم يكن على منقاره نجاسة وبعضهم رخص
في ذرق الحمام أهلي والأرجح تنجيسه وشدد بعضهم في سؤر الرخم
والغراب وذلك عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله.
مسألة
[ حكم سؤر الكلب ]
واختلفوا في سؤر الكلب(3)
__________
(1) 1- الوارد في السنة ورخص في شرب أبوالها : للحديث : عن قتادة عن أنس أناساً
من عكل وعرينة قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة
فأمرهم النبي بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها...»
الحديث رواه الجماعة انظر في فتح الباري شرح صحيح البخاري 12/111 ،
112 صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 7/169 ، 170 وأحكام الأحكام
لابن دقيق العيد 4/107 .
(2) 1- سؤر الطير : عن الربيع رحمه الله إما يؤكل من الطير ينقض خزقه، وقيل كل ما
يحل أكل لحمه من الطير لا بأس بذرقه... وشدد بعض في سؤر الرخم
والغربان. المصنف 3/136 - 137 بتصرف.
(3) 1- الكلب : سبب غسل الإناء هو ولوغ الكلب فيه وهل الغسل للنجاسة أم
لديدان الكلبية فمن قال بعدم النجاسة استند إلى أحاديث صيد وهي جواز
مسك الكلب للصيد ولا بد من دخول سؤر الكلب إلى الصيد ومن قال
بالنجاسة اعتمد على عموم الأحاديث التي تنهى عن اقتناء الكلاب وتحريم
ثمنها والله أعلم. (3/103)
صفحة 432
وتنجيس بشرته وكره بعضهم سور
الهر(1) وبعر الفأر فيه اختلاف وطرح النسور نجس بلا اختلاف
واختلفوا في مخطمة الهر والفأر وإذ وقعت الفأرة في مائع وأخرجت
حية فلا بأس به وبعر الفأر فيه اختلاف وطرح السنور نجس بلا اختلاف.
مسألة
[ مسائل في الهر والفأر ]
واختلفوا في مخطمة الهر وقرض الفأر الثوب ومختلف فيه أيضاً وإن
ماتت في ماء أفسدته.
مسألة
[ سؤر الزواحف ]
ويوجد أن سؤر الأماحي(2) والحيات والخنار(3) وبعرهن فيه اختلاف
وإنما كرهوا سؤر الحية خوفاً من الضرر واختلفوا فيهن إذا متنا في بئر، بعض نجس ماءها وأبا تنجيسه آخرون.
مسألة
[ حكم الدابة التي لا دم فيها ]
وكل دابة لا دم فيها فهي طاهرة وما ماتت فيه طاهر والضفدع إذا جاءت فمفسد ما خرج من سبيلها وإن ماتت في طاهر نجسته سوى الماء.
مسألة
[ حكم بعر الضفدع ]
واختلفوا في بعر الضفدع، قول إنه نجس على حال، وقول إنه طاهر على حال، واختلفوا فيها إذا ماتت في الخل والطعام.
مسألة
[ حكم لعاب النائم ]
وما خرج من فم النائم من لعاب فلا بأس به وأنجس الأنجاس البول ثم
العذرة ثم الدم ثم المني ولا يؤكل لحم الجلالة وسؤرها نجس حتى تتغذى
بالطاهر أربعين يوماً.
مسألة
[ وحكم أكل الجلالة ]
وصفة الجلالة التي تتغذى بالأنجاس فقط وإن خلطت في المرعى غير
النجس فليست بجلالة من جميع الأنعام.
مسألة
[ سؤر مالا يؤكل لحمه ]
__________
(1) 2- كراهية سؤر الكلب : لما يرويه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : قال نهى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الهر وثمنه» أخرجه الترمذي رقم 1280، وأبو داود
رقم 3480 وإسناده ضعيف.
(2) 1- الأماحي : اسم لحيوان لم يذكر إلا في الكتب العمانية.
(3) 2- الخنار : إذا قلنا أنه من الخنور فهو الضبع - انظر لسان العرب المحيط 1/910
إعداد يوسف خياط والذي يظهر لي أنه ليس الضبع . (3/104)
صفحة 433
واختلفوا في سؤر ما لا يؤكل لحمه، وقال بعض المسلمين إن دم القملة مجتلب وليس هو بأصلي وإن كان ذا عظم وعروق وعصب أصلي وما
سوى ذلك مختلف فيه وإن ماتت في ثوب نجسته.
مسألة
[ حكم ما تبقى من الاستنجاء ]
وإذا بسط الثوب على الأرض بها ثرى بوله قول فلا بأس بالثوب حتى يعلم أنه أخذ من البري وإذ قام المستنجي من النهر قبل تحقق الطهارة فسال الماء على بدنه أو ثيابه فلا بأس به إذا كان جريه متصلاً بالماء الجاري فحكمه حكمه حتى يعلم أن نجاسة الماء غلبت الماء.
مسألة
[ عدم معرفة كيفية الغسل ]
وإذا سلمت الثوب النجس للغسال ولم تعلمه بنجاسته فأتى به مغسولاً
قد زالت به عين النجاسة، فلا بأس به ومحكوم له بالطهارة.
مسألة
[ حكم ما تطاير من الماء ]
وإذا تدرع بثوب نجس وطار به ماء طاهر قبل الثوب ثم لاقى ذلك الماء من ذلك الثوب طاهراً فلا بأس به.
مسألة
[ الشمس مطهرة ]
وإذا مازجت النجاسة التمر فهو نجس وعلاج طهارته إن بقت ويبالغ في تطهيرها بالماء وبتركه في الشمس حتى يجف فقد طهر فلا ضرر ولا أضرار
في الإسلام.
مسألة
[ إذا تنجس السمك والمأكولات ]
وإذا تنجس السمك الممقور وما شابهه كالبصل وغيره فإن كان قد استكفى ونضج فلا بأس بأكله إذا طهر وإن تنجس قبل استكفائه من الطاهر وبلغت فيه النجاسة ومازجته فقد قيل إنه نجس ولا يجوز أكله وقول أنه
يبالغ في تطهيره حتى يلج الماء الطاهر حيث بلغت النجاسة ثم يجفف بالشمس ثم يشوى بالنار فقد طهر.
والعروق واللحم التي يوجد في البيض هي نجسة أم لا؟ فلا بأس بها إذا
لم تكن دم ولا خلقاً ولم تستحيل البيضة عن حالها.
مسألة
[ كيفية تطهير البيض ]
وإذا طبخ البيض قبل تطهيره فإن أنشف عند الطبخ فهو نجس ما أنشف منه وما لم ينشف فلا بأس به إذا لم تباشره القشرة الرطبة باطن البيضة وأما
إن شويت فلا بأس بأكلها ولو انفطرت.
مسألة
[ متى تطهر الدابة ] (3/105)
صفحة 434
وإذ أكلت الدابة نجاسة ثم أكلت لقمة طاهرة ثم شربت ماء من إناء فلا بأس به. وقيل حتى تأكل ثلاث لقمات وتشرب ثلاث جرعات وهذا على الاحتياط والأول واسع.
مسألة
[ طهارة المذبحة ]
وإذا طهرت المذبحة فلا بأس بأكل اللحم وإن لم يغسل قلت يغسلها
بالماء حتى يخرج الماء صافياً، قال : لا يستطيع ذلك ولكن يبالغ في الغسل.
مسألة
[ شواء البهيمة قبل غسل اللحم ]
وإذا شويت البهيمة كلها بعد سلح مسكها فإنها لا تؤكل حتى
تغسل اللحم.
مسألة
[ حكم بعر العفاف ]
وبعر العفاف(1) وبوله فيه اختلاف والأصح أن بعره طاهر وبوله نجس ومثله الأجدل ومن كانت برجله نجاسة فخاض بها الماء أو وقف بها في ماء
له حركة فلم ير للنجاسة أثراً بعد ذلك فلا بأس عليه، وقول حتى يخوض
ثلاث خطوات.
مسألة
[ طهارة الجزء وحكم الكل ]
وإذا تنجست اليد إلى حد الإبط فطهرت إلى المرفق فدلاها هل يكون المغسول منها طاهر وإذا تدلت تنجست إذ الأعلى منها نجس؟ قال : لا وحكمها الطهارة.
مسألة
[ طهارة الأرض ]
وإذا حلت الأرض نجاسة فقول إنها لا تطهر إلا بالماء، وقول بالشمس والريح، وقول لو بأحدهما على الانفراد إذا زالت عين النجاسة(2) .
وإذا وقعت الدابة في بئر هل تفسدها؟ إذا أنقذت حية فلا بأس بها على أكثر القول، وقال بعضهم : تنزح لأن فيها مجرى البول.
مسألة
[ حكم غمس اليد بما فيها من نجاسة ]
__________
(1) 1- العفاف : القليل من اللبن في الضريع، وقيل : بقية الرمث في الضرع ومعنى
ذلك وجود البعر في اللبن. لسان العرب المحيط 2/524 والصحيح : طائر يعيش
في البيوت مثل الحمام وأصغر حجماً. والله أعلم.
(2) 1- حديث الأعرابي الذي بال في المسجد فصب عليه دلو من الماء فطهر. وكذلك
الشمس مطهرة للأرض عند العلماء. والله أعلم. (3/106)
صفحة 435
ومن بيده نجاسة فنسيها وغمس يده في مائع هل يفسد ما لاقت يده من المابقات؟ فإذا تمكنت يده في الطاهر المائع نجس المائع، وأما إن لم تمتزج النجاسة من يده فيما لاقته ونزعها فوراً فلا بأس.
مسألة
[ الشك في حصول الطهارة ]
ومن نوى غسل نجاسة حلت ببدنه قام ثم شك بعد أن برز من الماء أنه غسل النجاسة أم لا فهو على طهارته بيقن تحويل نسيه عن ذلك قبل
ورود الماء.
مسألة
[ حكم المذي إذا لامس الثوب ]
ومن كان يعنيه المذي(1) يجد في بعض الأحيان في رأس ذبذبه شبه ذلك رطباً كان أو يابساً فما حكم ثيابه؟ فإن أمكن أن لا تمس النجاسة الثوب
فهو طاهر وإلا فهو نجس.
النهج الرابع عشر
في الأذان والإقامة والتوجيه وتكبيرة الإحرام(2)
مسألة
[ استحباب الأذان لمن صلى وحده ]
وليس على من صلى وحده أذان فإن كان ضارباً فيستحب له الأذان لصلاة الفجر وإن لم يفعل فلا بأس عليه.
مسألة
[ الأذان على المسافر ]
وهل يجوز للجماعة الضاربين في الأرض الصلاة بغير أذان لغير صلاة الفجر عمداً؟ فإن أذنوا فحسن، وإن لم فصلاتهم تامة. وفي تركهم الأذان لصلاة الفجر في السفر فيه اختلاف في نقض صلاتهم.
مسألة
[ الزمن بين الأذان والصلاة ]
هاشم عن الربيع عن بشير متى يكون الأذان لصلاة الغداة قيل على قدر
ما يتنبه النائم فيغتسل ويدرك الصلاة مع الجماعة.
مسألة
[ من نسي شيئاً من الأذان ]
__________
(1) 1- المذي : سائل يخرج عند ثوران الشهوة وهو نجس يوجب الوضوء.
(2) 1- الأذان : الإعلام بدخول وقت الصلاة. وقال ابن عرفة : له حقيقة لغوية معلومة
وحقيقة شرعية مرسومة وهو النطق بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة
وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي ألفاظ الأذان كما وردت في السنة. شرح الحدود
لابن عرفة 1/160 . (3/107)
صفحة 436
وإذا نسي شيئاً من الأذان فلا إعادة عليه والكلام في الأذان مكروه، وإن تكلم فلا إعادة عليه والأصح أن عليه الإعادة وإن أذن على غير طهارة أو بثوب نجس فلا إعادة عليه في أذانه وصلاته تامة على قول. ويستحب القعود بين الأذان والإقامة وقيل : بين الأذان والإقامة روضة من رياض الجنة.
مسألة
[ مجيء المؤذن يوم القيامة ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المؤذنين أطول أعناقاً يوم القيامة، وقيل : إن
أبواب السماء تفتح عند الأذان وترجى إجابة الداعي. ويجوز إعناقاً بكسر الهمزة وهو ضرب من اليسر. ويستحب لمستمع الأذان أن يقول كقوله(1) .
مسألة
[ الأذان في البيت ]
وإذا لم يكن في المسجد أذان جاز لرجل أن يؤذن في بيته ويدعو. وقد رغب في ذلك بعض الفقهاء.
مسألة
[ حكم الدعاء للصلاة بعد الأذان ]
__________
(1) 1- وردت أحاديث تثبت ذلك وتحث عليه ،منها: 1- عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن»
رواه الجماعة عن المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/256 رقم 643
2- وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا قال
المؤذن الله أكبر الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر . ثم قال أشهد أن =
= لا إله إلا الله، قال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أشهد أن محمداً رسول الله، قال:أشهد
أن محمداًَ رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا
بالله، ثم قال: حي على الفلاح حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا
بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا
الله، قال : لا إله إلا الله - من قبله - دخل الجنة» رواه مسلم وأبو داود. المنتقى
من أخبار المصطفى 1/257 رقم 644 . وقال: رواه البيهقي. وقال المنذري
في الترغيب والترهيب : رواه النسائي. (3/108)
صفحة 437
والدعاء للصلاة بعد الأذان أملا فلا أعلم أنه سنة ولكن يؤمر به
استحباباً وكل صلاة لا يجوز الأذان لها قبل وقتها إلا صلاة الفجر قد
جرت السنة بذلك.
مسألة
[ كيفية أذان المؤذن ]
والمستحب للمؤذن أن يصفح وجهه يميناً عند قوله : حي على الفلاح، ولا يؤذن إلا وهو مستقبل القبلة ولا يصفح.
مسألة
[ إدخال الإصبع في الإذن ]
وواجب دخول إصبع المؤذن أذنه أم ذلك مستحب؟ أما في الأذان
فمأمور به على بعض القول، وتركه في الإقامة أحب إلي.
مسألة
[ استحباب رفع الصوت عند الأذان ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله: أن المؤذن يبالغ في رفع الصوت بما أمكنه.
مسألة
[ حكم الأذان قبل الوقت ]
وإذا تحرى المؤذن الوقت فأذن وتبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت أعادوا الصلاة وعلى الإمام مشاورة من حضره من جماعة المسلمين.
مسألة
[ بدء الأذان ]
وقيل إن بدو الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن الحارث بن
الخزرج(1) رأى في منامه الأذان فأعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : علمه بلال(2)،
فعلمه بما رأى فأذن بلال وكانوا يعلمون للصلاة بالناقوس.
مسألة
[ حكم الأذان ]
اختلف المسلمون في الأذان فقال بعضهم(3)
__________
(1) 1- عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن الحارث بن الخزرج المدني البدري من سادة
الصحابة شهد العقبة وبدر وهو الذي أُري الأذان، حدث عنه سعيد بن المسيب،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى وولد محمد بن عبد الله. توفي رضي الله عنه
سنة 32هـ ، انظر سير أعلام النبلاء 2/375 - 377 رقم 79 .
(2) 2- بلال بن رباح : مولى أبي بكر الصديق وأمه حمامة ، و هو مؤذن رسول الله =
(3) = - صلى الله عليه وسلم - من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله، شهد بدراًَ، شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم -
على التعيين بالجنة وحديثه في الكتب. حدث عنه ابن عمر، وأبو عثمان النهدي
والأسود وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجماعة، وهو مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي
رضي الله عنه بدمشق سنة 20هـ ودفن بباب كيسان. انظر سير أعلام
النبلاء 1/347 - 360 رقم 76 .
1- حكم الأذان : عند الإمام مالك فرض على المساجد والجماعات، وقيل : سنة
مؤكدة، ولم يره على المنفرد. وقال بعض أهل الظاهر هو واجب على الأعيان.
وقال بعضهم : على الجماعة كانت في سفر أو حضر. واتفق الشافعي وأبو
حنيفة على أنه سنة للمنفرد والجماعة إلا أنه آكد في الجماعة. وقال أبو عمر :
واتفق الكل على أنه سنة مؤكدة أو فرض على المصري لما ثبت أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع النداء لم يغر، وإذا لم يسمعه أغار. سبب اختلافهم «معارضة
المفهوم من ذلك لظواهر الآثار» انظر بداية المجتهد 1/107 . (3/109)
صفحة 438
: هو سنة، وقيل : إنه فرض لازم ، وقول هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن من لم يقم به.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يحشر المؤذنون يوم القيامة ورقابهم كرقاب الضبا، وشعورهم من الزعفران وإذا صف قدميه للصلاة لعلة للأذان صفت الملائكة أقدامها، وإذا قال الله أكبر لم يبق ملك في السماء إلا قال : لبيك(1) .
مسألة
[ دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للمؤذنين ]
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم اغفر للمؤذنين ثلاث مرات»(2) .
مسألة
[ فضل الأذان ]
وعن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لو يعلم الناس ما
في الأذان من الفضل لتجالدوا عليه بالسيف»(3) .
مسألة
[ أحوال المؤذنين ]
وعن عمر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «سيأتي زمان على أمتي يكون مؤذنوهم فقراء »(4) . وقال : «أربعة لا تأكلهم الأرض : النبيين والشهداء وأئمة العدل والمؤذنين المخلصين لله»(5) .
مسألة
[ فضل المؤذن ]
__________
(1) 2- الحديث بهذا النص لم أعثر عليه وإنما ورد أجزاء من الحديث : عن مجاهد قال :
«المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة ولا يدودون في قبورهم» كنز العمال
8/353 رقم 23229 ، ورقم 23225 ، عن عطاء قال : «المؤذنون أطول =
(2) = الناس يوم القيامة أعناقاً».
1- جزء من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه - كنز العمال 8/338
رقم 33158 .
(3) 2- نفس الشيء جزء من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه : فقلت : «تركتنا
يا رسول الله ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف» 8/338 رقم 33158 .
(4) 3- ورد بصيغة ثانية من حديث عمر رضي الله عنه قال : «كلا يا عمر إنه سيأتي
على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم» 8/338 رقم 33158 .
(5) 4- ورد بصييغة : «وتلك لحوم حرمها الله على النار لحوم المؤذنين» 8/333 رقم = (3/110)
صفحة 439
وعنه عليه السلام أنه قال : «يستغفر للمؤذن كل من سمع صوته ويخرج يوم القيامة يلبي ويؤذن المؤذنون»(1) .
مسألة
[ ما يكتب للمؤذن من الأجر ]
وعنه عليه السلام أنه قال : الله تعالى يكتب للمؤذن بكل إنسان صلى بأذانه مثل أجره من غير أن ينقص من أجورهم شيء ويعطيه الله بين الأذان والإقامة ما سأل ربه.
مسألة
[ أجر المؤذنين ]
وعنه عليه السلام أنه قال : «للمؤذنين في سبيل الله ما بين الأذان والإقامة كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم يؤذن فيه له أجر خمسين شهيداً وأجر
الصائم القائم»(2) .
مسألة
[ أول ما يكسى يوم القيامة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم خليل الله - صلى الله عليه وسلم - خلته ثم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم النبيون والمرسلون ثم المؤذنون(3) .
مسألة
[ صفة المؤذنين ]
قال عليه السلام : «يحمل يوم القيامة المؤذنون على نجائب من ياقوت
أحمر أزمتها من الزمرد الأخضر ألين من الحرير».
مسألة
[ ما يقال بعد الأذان ]
__________
(1) = 23158 . وفي رقم 23162 . قال - صلى الله عليه وسلم - : «إنها لحوم محرمة على النار لحوم
المؤذنين ودماؤهم...».
1- سبق ذكره في حديث عمر رقم 323158 .
(2) 2- في رواية ثانية : «سهام المؤذنين كسهام المجاهدين وهم فيما بين الأذان والإقامة
كالمتشحط في دمه» كنز العمال 8/339 رقم 23163 .
(3) 1- ورد عن الحسن البصري : قال : أهل الصلاة والحسبة من المؤذنين أول من
يكسى يوم القيامة. وعن الحسن قال: أول من يكسى يوم القيامة المؤذنون
المحتسبون. كنز العمال 8/352 رقم 23219 ، 23220 . (3/111)
صفحة 440
ويستحب أن يقال بعد الأذان : اللهم رب هذه الدعوة المستجابة لها دعوة الحق وشهادة الحق والتقوى أحينا عليها وأمتنا عليها وابعثنا عليها واجعلنا من صالحي أهلها عملاً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(1) .
عن الشيخ موسى بن علي رحمه الله : ثلاث من الجفا: ترك اتباع
المؤذن، وترك مسح الجبهة بعد الفراغ من الصلاة، ومسحها قبل الصلاة.
مسألة
[ مكان الأذان ]
ولا بأس أن يؤذن المؤذن على ظهر الدابة وأذان العبد بإذن سيده جائز، وأذان المكاتب جائز ولا يجوز أذان المرأة ولا الصبي حتى يحتلم وتقيم المرأة للصلاة ولا بأس أن يؤذن المسافر للمقيم والأذان هو إعلاماً للصلاة.
مسألة
[ لا أذان على من صلى وحده ]
ومن صلى واحدة فلا أذان عليه إلا أن الضارب يستحب له أن يؤذن لصلاة الفجر في المواضع المتقطعة التي لا أذان فيها، وإن نسي المؤذن شيئاً
من الأذان لا إعادة عليه.
مسألة
[ صلاة أهل المسجد بلا أذان ]
قال هاشم : لو أن أهل المسجد صلوا بغير أذان لم يكن عليهم بأس إنما الأذان لإعلام الناس واجتماعهم.
مسألة
[ أذان الأصم والأعمى ]
وجائز أذان الأصم والأعمى إذا كان عند الأعمى ثقة يهديه
لأوقات الصلاة.
مسألة
[ أول من قال حي على خير العمل ]
قال الفضل : إذا سمعت مناد الصلاة وأنت لا تعرف الوقت فصل إلا أن يكون المنادي متعارف أنه يؤذن قبل وقت الصلاة. وقيل : إن أول من قال
حي على خير العمل في الأذان أهل قباقيل أنه لما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما قال أهل
قبا في أذانهم قال : أجل هي خير العمل ولم يمنعهم من ذلك.
__________
(1) 2- المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً
الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته.
روي في الكتب التسعة في الصلاة. (3/112)
صفحة 441
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع أن يقال في الأذان حي على خير العمل، فقيل له في ذلك، فقال : إن معنا جيشاً من العجم فإذا سمعوها طلبوا أنه خير من الجهاد فلم يجاهدوا كما تجب.
مسألة
[ لا يجوز الأذان بالفارسية ]
ولا يجوز الأذان والإقامة بالفارسية لأنه عليه السلام أوجب الأذان بصفة معلومة فمن أداه على تلك الصفة أدى ما تعبد به، لأن الألفاظ التي أوقفنا عليها النبي عليه السلام عربية والعربية غير الفارسية.
يروى عن عمر رحمه الله أنه قال لمؤذن بيت المقدس : إذا أذنت فأرسل، وإذا قمت فأجزم. قال الأصمعي : الجزم في الإقامة قطع التطويل.
مسألة
[ ما يقوله المؤذن عند الشهادتين ]
ويستحب للمؤذن والمقيم أن يحضر الذكر عند قولهما : أشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله ، أي اعلم أن محمداً رسول الله علماً لا شك
فيه، ومعنى قوله لا إله إلا الله أي لا ثاني معه.
مسألة
[ يختار المؤذن حسن الصوت ]
ويختار أن يكون المؤذن حسن الصوت عالي. قال بعض المسلمين :
أحب أن يكون مؤذناً وأكره التقدم.
مسألة
[ علم المؤذن ]
وينبغي للمؤذن أن يكون فقيهاً عارفاً بالأوقات بصيراً بما يجب على
المقيم للصلاة مما يفسدها ويثبتها(1) .
مسألة
[ التقدم عن موضع الإقامة ]
ويروى عن محمد بن محبوب رحمه الله رأى رجلاً يقيم الصلاة ثم
أراد أن يتقدم عن موضع الإقامة فمسكه ولعله كان إمام المسجد لأن محمداً يؤكد في الإقامة.
مسألة
[ وقت أذان الفجر ]
اتفق أصحابنا في إجازة الأذان قبل الفجر لصلاة الفجر خاصة، إلا في
شهر رمضان قال : لا يؤذن فيه إلا بعد طلوع الفجر لما في ذلك من منع
الناس من الأكل والشرب ولأن العوام لا يعرفون الأوقات ويرجعون في
ذلك إلى تقليد المؤذنين.
مسألة
[ لا أذان لصلاة التطوع ]
__________
(1) 1- لأن الأذان عبادة ولا تصح العبادة بجهل ويترتب على الأذان إفطار الصائم
وإمساك الصائم ودخول وقت الصلاة وهذه أحكام فقهية تحتاج إلى علم. (3/113)
صفحة 442
واتفقوا أن الأذان المقصود به للصلاة المفروضة واتفقوا أن صلاة
التطوع بلا أذان ولا إقامة، واتفقوا من أدرك شيئاً من الجماعة فلا أذان عليه ولا إقامة.
مسألة
[ لا تقليد في الأذان بل دخول الوقت هو الأساس ]
اختلف المسلمون في تقليد المؤذنين في الصلاة من أدرك شيئاً من الجماعة فلا أذان عليه، فقال بعض المسلمين : لا تقليد في أوقات الصلاة وإن الفرض
لا يؤدى إلا بيقين. وقال الشيخ عن ابن عمر : المؤذنين حجة في أوقات الصلاة، وهكذا قال الجمهور من أصحابنا لأن أهل الإسلام حجة.
مسألة
[ وقت الأذان للجمعة ]
اختلف المسلمون في أذان صلاة الجمعة قبل دخول الوقت فأجازه
بعضهم وأباه آخرون ورد قياساً على أذان بلال لصلاة الفجر قبل الوقت.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « من سمع ندانا فارغاً فليجب» فكانت الجماعة عنده إذا فاتت لم تلحق وكذلك الجمعة إذا اشتغل عنها الناس بنوم أو غيره وفاتت لم تلحق، وغير الجمعة يلحقها من فاتته مع إمام أو غيره.
مسألة
[ الأذان عند بدء الوقت لا قبله ]
قال عليه السلام : «إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقمنا »، فهذا الخبر يوجب أن لا يجوز الأذان قبل دخول الوقت للصلاة فصار جواز الأذان للفجر قبل دخول وقته مخصوصاً بالسنة.
مسألة
[ صفة الأذان ]
وإذا كان المؤذن عارفاً فقيهاً بأوقات الأذان جازت الصلاة بأذانه لمن
عزب عليه علم الوقت ببعض الأسباب وإن لم يكن فقيهاً فحتى تجتمع له
المعرفة والورع.
مسألة
[ عدد كلمات الأذان والإقامة ]
اتفق أصحابنا أن عدد الأذان خمس عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة
كلمة والمؤذنون في أيام النبي عليه السلام ثلاثة : بلال وابن أم مكتوم(1)
__________
(1) 1- ابن أم مكتوم : مختلف في اسمه فأهل المدينة يقولون عبد الله بن قيس بن زائدة
ابن الأصم بن رواحة القرشي العامري وأهل العراق سموه عمراً... كان ضريراً
مؤذناً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع بلال وسعد القرظ وأبي محذورة مؤذن مكة. هاجر
بعد بدر، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلفه على المدينة. وهو الذي عوتب النبي - صلى الله عليه وسلم -
بشأن قوله تعالى : { عبس وتولى أن جاءه الأعمى } قاتل يوم القادسية رجع إلى
المدينة وتوفي بها - رضي الله عنه -. انظر سير أعلام النبلاء 1/360 - 365 . (3/114)
صفحة 443
وأبو محذورة(1) رضي الله عنهم.
مسألة
[ حجية من قال أن الأذان سنة ]
ومن قال إن الأذان سنة فاحتج لو كان فرضاً لا يجز تركه في الحضر ولا في السفر وقد أمر بلالاً عليه السلام يوم الخندق وقد تهون الليل أن يقيم ويصلي ولم يأمره بالأذان.
مسألة
[ حجية من قال أنه فرض ]
وقال بعض المسلمين أن الأذان فرض واحتج من ذهب إلى إيجابه إنه لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذان لفوت وقتها لأن الأذان إعلام للصلاة فلما فات وقتها صارت قضاء.
مسألة
[ حكم أذان المرأة ]
وليس للمرأة أن تؤذن وأن أذنت أحببنا إعادته لأنها مأمورة بخفض الصوت ورفع الصوت للرجال ألا ترى إنها مأمورة أن تصفق في الصلاة إذا عناها أمر والرجل يسبح.
مسألة
[ حكم الكلام خلال الأذان ]
ولا يتكلم المؤذن في أذانه لأنه مشغول بغير ذلك فإن فعل ذلك
فالإعادة أحب إلي.
مسألة
[ حكم الأذان والإقامة للمسافر ]
ويؤمر المسافر بالأذان والإقامة فإن ترك الأذان والإقامة المسافر فحاله
أيسر لأجل ما له من التخفيف في السفر، ويجلس المؤذن بين الأذان
والإقامة إلا في صلاة المغرب لما روي عنه عليه السلام أنه قال : «بين كل
أذانين جلسة إلا المغرب»(2) .
مسألة
[ صفة الشيطان عند الأذان ]
__________
(1) 2- أبو محذورة الجمحي : مؤذن المسجد الحرام، وصاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أوس بن معير
بن لوذان بن ربيعة بن سعد بن جمح وقيل اسمه سمير بن معير بن لوذان...
وأمه خزاعية، حدث عنه ابنه عبد الملك وزوجته، والأسود بن يزيد، وعبد الله
بن محيريز، وابن أبي مليكة... قال الواقدي : كان أبو محذورة يؤذن بمكة إلى
أن توفي سنة 59هـ فبقي الأذان في ولده وولده إلى اليوم بمكة. سير أعلام
النبلاء 3/117 - 119 رقم 24 .
(2) 1- هذه الجلسة من أجل اجتماع المصلين ومن أجل الدعاء لأن الدعاء بين الأذان
والإقامة مستجاب. (3/115)
صفحة 444
ويروى عنه أنه قال : «إن الشيطان لعنه الله إذا سمع الأذان أدبر وإذا سكت المؤذن أقبل»(1)، ومن أذن قبل دخول الوقت للصلاة استأنف الأذان.
مسألة
[ صفة الإقامة ]
الإقامة مثنى مثنى ويستحب الجزم في الإقامة ومن نسي شيئاً من الإقامة حتى صلى فلا إعادة عليه وإن ذكر ما نسي قبل أن يفرغ من الصلاة أعاد ما نسيه وحده، ومن تكلم في الإقامة فأحب له الإعادة وإن لم يعد فلا نقض عليه.
مسألة
[ إقامة المتخلف عن الجماعة ]
وقال بعض الفقهاء : إن من جاء إلى الصلاة والإمام قد سلم إلا أن الصفوف لم تنتقض، اكتفى بإقامتهم. وقول حتى يكون داخلاً في صلاتهم
وهذا القول أصح.
مسألة
[ حكم تارك الإقامة عمداً ]
اختلف المسلمون في تارك الإقامة عمداً، فقال بعضهم : لا نقض عليه، وقال بعضهم : عليه البدل وهذا الرأي أحب إلينا وأما من نسيها وذكر
بعدما صلى فلا إعادة عليه.
مسألة
[ حكم نسيان الإقامة ]
وروى أبو المؤثر عن محمد بن محبوب رحمه الله عن أبي زياد عن
هاشم الخرساني رحمهما الله : ومن نسي الإقامة في السفر أعاد ولو صلى،
وإن كان نسيها وهو في الحضر وذكرها بعد أن صلي فلا إعادة عليه.
مسألة
[ حكم الكلام بعد الإقامة ]
ومن نصب لاستماع الإقامة من المؤذن وصلى بها في نيته أجزاه على قول ويكره الكلام بعد الإقامة إلا بذكر الله وإن تكلم بغير محظور فلا بأس عليه.
مسألة
[ حكم من أقام مستدبراً القبلة ]
ومن أقام مستدبر القبلة فسدت إقامته وقيل لا فساد عليه ولا ينبغي له
فعل ذلك إلا من عذر.
مسألة
[ من أقام على غير وضوء ]
ومن أقام على غير وضوء وصلى مصل بإقامته فلا نقض على من صلى بذلك على بعض القول.
مسألة
[ ثبوت المصلي على وضعه عند الإقامة ]
ومن أقيمت الصلاة وهو قائم فلا يقعد حتى يدخل في الصلاة وإن قعد
فلا نقض عليه.
مسألة
__________
(1) 2- ورد هذا في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي 1/334 وقال : رواه
الطبراني في الأوسط وفيه زمعة بن صالح وقد ضعفه الناس. (3/116)
صفحة 445
[ صف الجماعة بعد الإقامة ]
وإذا قال المقيم قد قامت الصلاة صف الجماعة إن كان الإمام حاضراً وإن كان غير حاضر فحتى يحضر وينتصب قائماً.
قال تعالى : { وإذا قيل لكم انشزوا فانشزوا } (1) يعني القيام في
الصلاة ومن قبل الإقامة في الصلاة فريضة.
مسألة
[ لا يقيم إلا من أذن ]
وقال بعض الفقهاء : إنه يجوز أن يقيم الصلاة غير المؤذن إذا اضطر إلى
ذلك ولا يكون يتخذه إعادة.
مسألة
[ كيفية الإقامة ]
وعن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان(2) أن الإقامة ترسلاً فإن قيل
ما معنى الترسل قال : يقول الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد
أن محمداً رسول الله ولا يثني.
مسألة
[ حكم الإقامة على من انتقضت صلاته ]
ومن انتقضت صلاته ورام الصلاة في مكانه فقول عليه بدل الإقامة
وقول يجتزئ بالإقامة الأولى إذ كان ليصلي الصلاة التي أقام لها أولاً.
مسألة
[ الإقامة ماشياً مستقبل القبلة ]
فإن أقام المقيم وهو يمشي مستقبل القبلة يريد الصف وأرخص من ذلك أن إقامتهم تجزئه ما لم يبرزوا من المسجد والمستحب له على كل حال إذا سلم الإمام أن يقيم لنفسه ولو لم تنتقض الصفوف لأنه ليس من الصلاة في شيء.
مسألة
[ إنهاء الصلاة عند الإقامة ]
وإذا أقيمت الصلاة قطع من في المسجد صلاته لقوله عليه السلام : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» وإقامتها تكبيرة الإحرام(3)
__________
(1) 1- سورة المجادلة آية 11 .
(2) 1- عبد الله محمد بن سليمان : هو العلامة القاضي عبد الله بن محمد بن سليمان
بن عمر الكندي النزوي أحد أركان دولة الإمام محمد بن إسماعيل الحاضر من
أئمة النصف الأول من القرن العاشر الهجري. عن نزوى عبر الأيام ص148 .
(3) 1- وردت أحاديث بنفس المفهوم منها : عن ابن عباس قال : أقيمت صلاة الغداة
فنهضت أصلي الركعتين قبل الغداة فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي فجذبني وقال
أتصلي الصبح أربعاً. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «لا صلاة لمن دخل المسجد والإمام قائم يصلي فلا ينفرد
وحده بصلاة يدخل مع الإمام في الصلاة» رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى
بن عبد الله البابلي وهو ضعيف. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 2/75 . (3/117)
صفحة 446
.
مسألة
[ الصلاة بإقامة غير المتوضئ ]
ومن أقام إلى الصلاة وأنت تعلم أنه بغير وضوء فعليك إعلامه وإن
صليت بإقامته جازت صلاتك.
مسألة
[ موضع التوجيه ]
في التوجيه هو أول الصلاة بعد الإقامة التوجيه الأول هو توجيه النبي إبراهيم عليه السلام وهو إلي ولا إله غيرك وقيل : من تركه فعليه النقض والباقي في توجيه النبي إبراهيم عليه السلام ولا نقض على تاركه(1) .
مسألة
[ نسيان التوجيه ]
ومن ترك التوجيه كله ناسياً أو متعمداً ففي ذلك اختلاف وعلى النسيان الأرجح أنه لا نقض على من نسيه ومن تعمد لتركه فعليه النقض.
ويروى عن أبي الأزهر بن علي(2) أن من حاذر سبق الإمام وجه
سبحانه تعالى وبحمده ثم أحرم لقوله تعالى: { وسبح بحمد ربك
حين تقوم } (3) .
مسألة
[ توجيه من خاف فوت الصلاة ]
ومن خاف فوت الجماعة بدأ بالتوجيه حين يدخل المسجد وقيل إذا
عرف مكانه في الصف.
مسألة
[ صيغة التوجيه ]
والتوجيه سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين(4) .
مسألة
[ حكم التوجيه ]
__________
(1) 2- حكم التوجيه في الصلاة : ذهب قوم إلى أن التوجيه في الصلاة واجب وهو أن
يقول بعد التكبير : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ، وهو =
(2) = مذهب الشافعي، وإما أن يسبح وهو مذهب أبي حنيفة وإما أن يجمع بينهما وهو
مذهب أبي يوسف صاحبه، وقال مالك : ليس التوجيه بواجب في الصلاة ولا
سنة. وعند الإباضية التوجيه بعد الإقامة وقبل تكبيرة الإحرام لأن الصلاة لا
يكون فيها إلا كلام الله. والله أعلم.
1- الأزهر بن علي بن عزرة الأزكوي أخو العلامة موسى بن علي من فقهاء زمانه
ومن علمائهم المشهورين. انظر إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل
عُمان ص424 .
(3) 2- سورة الطور آية 48 .
(4) 1- اتفاق الإباضية والشافعية في صيغة التوجيه وهذا مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . (3/118)
صفحة 447
والتوجيه من سنن الصلاة وهو أول الدخول في الصلاة وقول إنه فرض وقول إنه سنة مؤكدة وهذا القول عن أبي الحسن رحمه الله واختلفوا فيه
قول هو قبل تكبيرة الإحرام وقول بعدها والأول أصح.
مسألة
[ معنى سبحانك اللهم ]
وأمّا تفسير التوجيه قال الشيخ أبو محمد رحمه الله : معنى سبحانك
اللهم وهو التنزيه له جل ذكره عما لا يليق به من الصفات.
مسألة
[ معنى وبحمدك ]
وأما معنى وبحمدك أي أحمدك كأنه يقول سبحانك يا الله وأحمدك وأنه
لا يستحق حقيقة غيرك لأن الله تعالى هو المنعم على عباده من غير استحقاق.
مسألة
[ معنى تبارك اسمك ]
وأما معنى تبارك اسمك من البركة لأن اسم الله بركة على من ذكره.
مسألة
[ معنى تعالى جدك ]
وأما معنى تعالى جدك : من العلو والأصل أنه تعالى علواً فتعالى وهو
ارتفاع القدر والمنزلة من طريق العلو الذي هو بعد المسافة والجد هو العظمة، وقال أبو مالك : هو الشأن.
مسألة
[ معنى وجهت وجهي ]
وأما معنى وجهت وجهي لك أي قصدت بوجهي وذهبت به نحو
الموضع الذي أمرتن به يا الله فاطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين : أي ما أنا من أهل الزيغ و الاعوجاج عن الحق.
مسألة
[ حكم نسيان التوجيه ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : اختلف فيمن يصلي وينسى التوجيه قول لا إعادة عليه على قول من يقول أنه سنة،وقول عليه الإعادة لأنه فرض.
مسألة
[ حكم إقامة المرأة ]
وليس على المرأة إقامة وإن قالت المرأة : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين فقد أجاز ذلك أبو إبراهيم.
مسألة
[ حكم تكبيرة الإحرام ]
في تكبيرة الإحرام إنها فرض فمن تركها ناسياً أو متعمداًِ فسدت صلاته ومن سبق إمامه بها فسدت صلاته ومن لم يسمع تكبيرة الإمام فلا يكبر
حتى يركع الإمام(1)
__________
(1) 1- لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» انظر
جامع الأصول في أحاديث الرسول ج5/428 رقم 3583، 3584 . (3/119)
صفحة 448
.
مسألة
[ كيفية أداء تكبيرة الأصم والأعجم ]
والأصم والأعجم يجزيه إذا سمع التكبيرة ممن خلف الإمام كبر هو
تكبيرة الإحرام أجزأه ذلك.
مسألة
[ تكبيرة الأصم ]
وأن يهمس من حوله وغلب على ظنه أن الإمام كبر كبر هو وأجزاه
وقيل يوافق شخصاً بحركة إذا أحرم الإمام قبل أن يحرم.
مسألة
[ صيغة تكبيرة الإحرام ]
وقال بعض المسلمين أنه قال في تكبيرة الإحرام الله أكبر والله
أعظم(1) أنه لا نقض عليه ومن أحرم قبل التوجيه جاهلاً فقد اختلف
المسلمون في نقض صلاته وقال بعضهم : لا نقض عليه وأنزله منزلة الناسي وقول عليه النقض وأنزله منزلة المتعمد.
مسألة
[ الشك في تكبيرة الإحرام ]
وإن لم يسمع المسمع المكبر تكبيرة الإحرام أذنيه فلا بأس عليه وهذا
القول يرفع عن هاشم.
مسألة
[ حكم الشك في تكبيرة الإحرام ]
ومن شك في تكبيرة الإحرام وهو في التحيات الآخرة فعليه أن يبتدئ الصلاة على قول ولا يخرج منها إلا بتيقن.
مسألة
[ نسيان الإمام الجهر بالتكبير ]
وإذا نسي الإمام أن يجهر بتكبيرة الإحرام فإن كان الجماعة كبروا من خلفه فلا نقض عليه وإلا فصلاتهم منتقضة.
مسألة
[ الشك في تكبيرة الإحرام ]
ومن شك في تكبيرة الإحرام من بعد أن استعاذ فمضى ولم يستأنف الإحرام فصلاته تامة. قال الشيخ ابن محبوب رحمه الله : يستحب له
أن يكبرها.
مسألة
[ حكم نسيان تكبيرة الإحرام ]
ومن نسي تكبيرة الإحرام أعاد صلاته ومن شك فيها دخل القراءة مضى ولا نقض عليه لأن تكبيرة الإحرام حد فإذا جاوز الحد إلى غيره فليس عليه
أن يرجع إليه على الشك.
مسألة
[ الرجوع إلى تكبيرة الإحرام ]
اختلف المسلمون رحمهم الله في تكبيرة الإحرام بعد مجاوزتها فرجع
__________
(1) 1- هذا اتفاق مع الحنفية فقال أبو حنيفة : يجزئ من لفظ التكبير كل لفظ في
معناه. مثل الله أعظم، والله الأجل. وسبب اختلافهم هو : هل اللفظ هو المتعبد
به في الافتتاح أو المعنى. انظر المبسوط 1/10 - 11 وبداية المجتهد 1/123 . (3/120)
صفحة 449
فقال بعضهم صلاته فاسدة لأنه رجع على الشك فأبطل عمله على غير
يقين، والله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } (1) ، وقول إذا رجع احتياطاً وظن جواز ذلك فصلاته تامة.
مسألة
[ الشك في التكبيرة بعد الاستعاذة ]
اختلف المسلمون رحمهم الله في الشاك في تكبيرة الإحرام بعد
الاستعاذة وهو ممن يستعيذ بعد التكبيرة فلا بأس عليه، رجع أو لم يرجع للتكبيرة وإن كان ممن يستعيذ قبل التكبير أعاد التكبيرة.
مسألة
[ الشك دون إهمال ]
عن الشيخ عزان بن الصقر(2) : ومن أقام إلى الصلاة فوجه وأحرم
واستعاذ وقرأ ثم شك أنه لم يتم التوجيه فاستأنف التوجيه والإحرام ولم ينو إهمال الإحرام الأول فصلاته تامة.
مسألة
[ التكبير أكثر من مرة ]
قال أبو المؤثر رحمه الله : من تعمد ليكبر بتكبيرة الإحرام غير مرة
كانت التكبيرة الإحرام الأخرى منهن ولا نقض عليه في صلاته.
مسألة
[ حكم صلاة السنن بغير إحرام ]
ومن صلى السنن بغير إحرام فسدت صلاته فإن لم يعرف العدد احتاط وتجزيه كفارة واحدة مع التوبة لله تعالى.
مسألة
[ حكم التكبير قاعداً ]
ومن كبر خلف الإمام قاعداً فلا يجزيه ويرجع ويكبر قائماً.
مسألة
[ الشك في تكبيرة الإحرام ]
ومن أحرم خلف الإمام ثم أنصت مستمعاً والإمام في فاتحة الكتاب ثم
شك في تكبيرة الإحرام قال : فإذا كان مستمعاً فلا بأس عليه.
مسألة
[ التوجيه قاعداً والتكبير قائماً ]
ومن وجه قاعداً فأحرم قائماً جازت صلاته إذا تعذر قيامه بسبب عذر
ضعف أو غيره.
مسألة
[ السهو عن تكبيرة الإحرام ]
__________
(1) 1- سورة محمد آية 33 .
(2) 2- عزان بن الصقر : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو معاوية عزان بن الصقر النزوي
العقري مسكنه غليفقة من عقر نزوى ولا زال منزله معروفاً بها إلى الآن. وهو
أول عالم من بني الخروص من أكابر علماء عُمان. انظر إتحاف الأعيان
ص195 - 196 . (3/121)
صفحة 450
ومن سهي عن تكبيرة الافتتاح استأنف الصلاة لعدم دخوله فيها وأما إن شك أكبر فالأصل أنه لم يكبر فليكبر(1) .
__________
(1) 1- لأن تكبيرة الافتتاح ركن وهي تكبيرة الإحرام لأن جمهور العلماء قالوا بأنه
ركن من أركان الصلاة والركن لا يجبره سجود سهو، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أردت
الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ». البخاري الاستئذان
5782 ، 6174 ، والصلاة 602 ، وابن ماجة 1050 . (3/122)
صفحة 451
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
القطعة الأولى
الكوكب الدري والجوهر البري
تأليف
الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي
- رحمه الله -
من علماء القرن الثاني عشر الهجري
الثاني الجزء
تحقيق
د. جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك ورئيس قسم الفقه وأصوله في جامعة الزرقاء الأهلية حالياً
وأستاذ الفقه في جامعة السلطان قابوس بعمان سابقاً
1419 هـ - 1998م
النهج الخامس عشر
في الاستعاذة(1) في الصلاة
مسألة
[ حكم الاستعاذة في الصلاة ]
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة قول إنها سنة وقول إنها فرض واختلفوا في صلاة تاركها عمداً قول تتم والأرجح إبطالها، وفي النسيان الأرجح إتمامها، وإن ذكر وهو في الصلاة أعادها وقول لا إعادة عليه(2) .
مسألة
[ كيفية الاستعاذة ]
وهل على المصلي أن يسمع أذنيه الاستعاذة في صلاة يجهر فيها بالقراءة وإن فعل فلا فساد عليه في صلاته.
مسألة
[ موقع الاستعاذة ]
__________
(1) 1- الاستعاذة : الاستعاذة في كلام العرب : الاستجارة والتحيز إلى الشيء، على
معنى الامتناع به من المكروه، يقال : عذت بفلان واستعذت به، أي لجأت إليه.
وهو عياذي، أي ملجئي. ويقال : عوذٌ بالله منك، أي أعوذ بالله منك. قال
الراجز :
قالت وفيها حيدة وذعر عوذٌ بربي منكم وحُجْرُ
عن الجامع لأحكام القرآن 1/89 .
(2) 2- حكم الاستعاذة : عند ابن سيرين والنخعي وعطاء واجبة هذا في القرطبي وفي
المغني 1/343 قال : الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة سنة وبذلك قال الحسن
وابن سيرين، وعطاء والثوري والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب
الرأي، وقال مالك : يستعيذ لحديث أنس. ولنا - صاحب المغني - قول الله
تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [16 : 98]
و عن أبي سعيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم = (4/1)
صفحة 452
وإن قال : أستعيذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم فالأصح أن يقول : أعوذ لقوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم } [سورة النحل : آية 98] وأن يوقعها بعد الإحرام قبل القراءة.
مسألة
[ حكم ترك سمع الله لمن حمده ]
وإن ترك الإمام قول سمع الله لمن حمده عمداً فسدت صلاته وصلاة من صلى خلفه وإن نسيها فلا فساد عليه ولا على من صلى بصلاته. قال أبو عبد الله تفسد صلاته وتتم صلاة من صلى خلفه(1) .
مسألة
[ تعمد الجهر بالاستعاذة ]
ومن جهر بالاستعاذة ناسياً فلا فساد عليه، وإن تعمد فصلاته وصلاة من صلى خلفه فاسدة(2) . واختلفوا في الاستعاذة قول هي بعد تكبيرة الإحرام وقول قبل كل قراءة في كل ركعة(3) .
مسألة
[ حكم ترك الاستعاذة ]
قال بعض المسلمين لا بأس على من ترك الاستعاذة خلف الإمام
واختلفوا فيمن يصلي تطوعاً فقال بعضهم :تجزي الاستعاذة في أول ركعة
ولو نوى مائة ركعة وقال بعضهم إذا كبر استعاذ وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ مقدار رفع الصوت بالاستعاذة ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : المصلي وحده إذ أسمع أذنيه الاستعاذة فلا بأس عليه أن يسمع أذنيه الاستعاذة والتوجيه والتشهد والتكبر ولا ينبغي له أن يرفع صوته.
مسألة
[ حكم الصلاة ]
__________
(1) = يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخة ونفثة»
عن المغني 1/343 .
1- لأن الجهر بالتحميد سنة. وقول : ربنا ولك الحمد، تشرع في حق كل مصلي
في المشهور عن أحمد، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم : ابن مسعود، وابن
عمر، وأبو هريرة، وبه قال الشعبي، وابن سيرين، وأبو بردة والشافعي، وإسحاق
وابن المنذر. عن المغني 1/365 .
(2) 1- لأنها ليست بآية من القرآن.
(3) 2- لورود القرآن بصيغة العموم قبل كل قراءة وفهم من رأي عند افتتاح الصلاة
فقط وهم الجمهور من العلماء . (4/2)
صفحة 453
واعلموا رحمنا الله وإياكم أن الصلاة للدين عماد(1) وبها يرضى الله عن العباد. قال الله تعالى في كتابه العزيز: { واستعينوا بالصبر والصلاة }
[سورة البقرة : آية 45] يعني بالصبر بذلك على طلب الآخرة.
مسألة
[ ثواب المصلي ]
وإذا نصب المصلي قدميه للصلاة فكأنه قائم علي باب الجنة يستفتح
وناداه مناد يا أيها المصلي لو تدري من تناجي ما انقلبت وركعتان يقولهما المصلي أفضل من صلاة كثيرة.
مسألة
[ أفضل أوقات الصلاة ]
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن أفضل صلاة التطوع بالليل من نصف الليل إلى آخره وفي النهار بين صلاة الظهر والعصر(2) .
مسألة
[ وقت صلاة الأوابين ]
وأما وقت صلاة الأوابين(3) في الضحى(4) إذا رمضت الفصال(5)
__________
(1) 1- حكم الصلاة أنها فرض وتاركها عمداً خارج من الملة وتاركها كسلاً إن لم
يؤدها قتل حداً. وهي عماد الدين وركنه الأساسي وردت في كتاب الله في
أكثر من مائة آية.
(2) 2- وردت أحادث كثيرة في الحث على صلاة الليل وهي فرض في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -
وسنة في حق أمته والله أعلم.
(3) 1- الأوابين : مفردها أواب وهو الراجع من سفره وهنا الراجع إلى الله عز وجل
وهو التائب من ذنبه قال تعالى : { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب }
[30 : ص] وقال تعالى : { إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب }
[44 : ص] وقال تعالى: { هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ } [32 : ق].وقال
تعالى : { إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً } [25 : الإسراء].
(4) 2- الضحى : من الضحاء بالفتح والمد امتداد النهار وهو مذكر لأنه اسم للوقت
والضحوة مثله والجمع ضحى مثل : قرية : قرى، وارتفعت الضحى أي
الشمس. المصباح المنير 2/422 .
(5) 3- رمضت الفصال : الرمض : شدة الحر. والفصال : جمع فصيل وهو الصغير من
الإبل. جاء في الحديث : «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» رواه
مسلم 1/515 . (4/3)
صفحة 454
وأفضل ذلك الساعة التي يكون فيها العبد أحسن نشاطاً وإقبالاً ما كانت
من الساعات.
مسألة
[ أول صلاة فرضت ]
وذكر عن ابن عباس إن أول صلاة فرضت الظهر فذلك سميت
صلاة الأولى.
مسألة
[ أول صلاة ]
وجاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة حين زالت الشمس فصلي به صلاة الظهر والمسلمون من خلفه وهو خلف جبرائيل.
مسألة
[ وقت صلاة العصر والمغرب ]
ثم جاء في وقت العصر وصلى به ووقتها أوله إذا صار ظل كل شيء
مثله بعد الزوال إلى أن يغيب قرن من الشمس ثم جاءه غروب الشمس
وصلي به المغرب ثم جاءه حين ذهب بياض الصبح ووقتها منذ ينفجر الفجر الصادق إلي طلوع قرن من الشمس وإذا صلى مصل والحمرة قائمة فلا
نحب له ذلك ولعل فيه ترخيصاً للمسافر المضطر والمريض وأشباههم ومن
فعل ذلك وقد أشبكت النجوم فلا نراه إلا قد أدَّى الفرض وتواري الشفق
هو الوقت المتعمد عليه(1) .
مسألة
[ اختلافهم في الظل بعد الزوال ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله تعالى اختلف المسلمون في الظل بعد
الزوال، فقال قوم : إذ صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال قول ستة أقدام
وسدس وقول ستة أقدام ونصف وقول ستة أقدام وثلثي قدم وقول سبعة أقدام لأن أقدام الناس تختلف.
مسألة
[ حكم من صلى دون معرفة القبلة ]
ومن عميت عليه القبلة وانكشفت الريبة وهو في الصلاة تحول وإن تم صلاته على ذلك فلا إعادة عليه.
مسألة
[ الصلاة لغير القبلة ]
وقيل خرج أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فحضرت الصلاة في يوم غيم فتحروا
القبلة فكل منهم أحرم على جهة فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت فيهم { ولله
المشرق والمغرب } الآية [البقرة : آية 115].
مسألة
[ وضع الكعبة لأهل الحرم ]
ويروى أن الكعبة قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم
قبلة لأهل الآفاق.
__________
(1) 1- أحاديث أوقات الصلاة معروفة في كتب السنن والصحاح والمسانيد فارجع إليها. (4/4)
صفحة 455
عن أبي مروان سليمان بن عبد الرحمن الرحيم عن الحكيم بن بشير قال : إذا صليت الفرائض فكن موجزاً فيها من غير مطول فإنه أحرى أن لا يثنك الشيطان - لعنه الله - وإذا أدمت الإطالة في القراءة للنوافل فشأنك.
مسألة
[ شهادة ولد الزنا ]
قال الوضاح بن عقبة شهادة ولد الزنا(1) إذا الصلاح والعدالة جائزة وجائزة الصلاة خلفه وإن مات دخل الجنة(2) .
مسألة
[ إيقاظ النائم للصلاة ]
وجائز تنبيه النائم للصلاة والطعام، وروي عن أبي الحواري رحمه الله
عن محمد بن خالد أن ذلك لا بأس به.
مسألة
[ من معاني النوم : الأمن ]
فإن قيل : فما معنى قول المسلمين : ولا توقظ نائماً أقر بالعدل عن مرقده؟ قال : إنما النائم هنا الآمن وإنما يسمى نائماً لأنه أمن بالعدل.
مسألة
[ الصلاة في الموضع النجس ]
وإذا لم يجد المصلي موضعاً طاهراً صلى كما أمكنه ولو في موضع
نجس فإن ترك الصلاة لتعذر الموضع الطاهر وجهل ذلك فعليه البدل
والكفارة(3) .
مسألة
[ صلاة أصحاب الأعذار ]
قال الشيخ رحمه الله إن من صار يجد التكبير كالغريق في اليم
والمريض والمستأنف إن جهل هؤلاء الصلاة فلم يصلوها كان عليهم بدلها وكفارة عليهم.
مسألة
[ الصلاة على النجاسة ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله إذا تعذر على المصلي حصول بقعة
__________
(1) 1- في الأصل بياض : وتكون : وشهادة والد الزنا إذا ثبت الصلاح والعدالة...
والله أعلم.
(2) 2- الإسلام لا يحاسب الإنسان بذنب غيره قال العلماء : يجوز لابن الزنا أن يتولى
القضاء ولا يحكم بالزنا والقضاء أشد من الشهادة.
(3) 1- طهارة الثوب والمكان شرط في صحة الصلاة وأما الإضرار خوفاً من خروج
الوقت وليس هناك مكان غير المكان النجس أو الذي به نجاسة يحاول موضع
سجوده ووقوفه فلا يكون فيه نجاسة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «جعلت الأرض لي مسجداً
وطهوراً » والله أعلم . (4/5)
صفحة 456
طاهرة ففي ذلك اختلاف، قول يصلي قائماً على النجاسة ويومي للركوع والسجود قائماً، وقول يركع ويومئ برأسه للسجود، وقول يركع ويومئ
إلى موضع سجوده حتى لا يبقى من السجود إلا ما يمنعه من مماسة النجاسة
إن أمكنه، وقول يسجد حيث ما كان لغرض السجود وقدرته عليه ببدنه، وقول ليس عليه أن يصلي على النجاسة حتى يجد موضعاً طاهراً.
مسألة
[ الحركة في الصلاة ]
ومن أحس رطوبة في أنفه وهو يصلي فمثها بثوبه هل عليه فساد أم لا؟ قال : إذا خاف إيلامها وأن تشغله فلا بأس وإلا يفعل فإن فعل فلا أقدر على إفساد صلاته، وقول إن صلاته فاسدة وأنا أحب إتمام صلاته إذا لم يشغله
ذلك عن الصلاة.
مسألة
[ الصلاة بالتيمم مع وجود الماء ]
ومن صلى في الحضر بالتيمم فوجد الماء قبل فوت الوقت قبل(1) أبو الحواري لا إعادة عليه، والأصح أن عليه الإعادة إذا كان وقت الصلاة قائماً ووجد الماء(2) .
مسألة
[ صلاة المسجون والخائف ]
والمسجون والخائف إذا صليا بالتيمم وآمن الخائف وفك المسجون وأدرك الماء قبل فوت الوقت هل عليهما إعادة بالوضوء؟ فالأرجح عليهما الإعادة
وإن لم يعدا جهلاً فلا فساد عليه.
مسألة
[ الصلاة على الجص ]
وهل تجوز الصلاة على الجص(3) ففي ذلك اختلاف قول لا يجوز إذا مسته النار وقول إنه من نبات الأرض.
مسألة
[ صلاة المتلثم من عذر ]
__________
(1) 1- الأصح : قول بدل قبل .
(2) 2- وجود الماء ينقض التيمم فإذا وجد قبل الصلاة فعليه الوضوء وإذا وجد بعد
الانتهاء من الصلاة فلا إعادة عليه لأنه أنهى العبادة. وإذا وجد الماء أثناء العبادة
اختلف العلماء في ذلك.
(3) 1- الجص : بكسر الجيم معروف وهو معرب لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في
كلمة عربية ولهذا قيل : الإجاص معرب وجصصت الدار عملتها بالجص. ولغة
أهل الحجاز الفصّ، رحل جصاص : أي صانع الجص وهو طلاء الشيء باللون
الأبيض. لسان العرب 1/463 ، المصباح المنير 1/124 . (4/6)
صفحة 457
وهل يجوز للمتلثم بثوبه في الصلاة علي فيه ومنخريه؟ فإذا كان من
عذر فلا بأس عليه كالزمهرير والسموم(1) .
مسألة
[ كيفية الصلاة حول الكعبة ]
أجمع العلماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه عند الكعبة خلف مقام
إبراهيم وجعل المقام بينه وبين الكعبة وصف أصحابه خلفه صفوفاً
مستديرة كالحلقة.
مسألة
[ حكم النية للقبلة ]
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله النية للقبلة تجزئ مرة للمصلي في مقامه
ما لم يتحول إلى غيره، وقال آخرون : إذا أدان باستقبال القبلة أجزأته النية
مرة مدة عمره.
مسألة
[ معاينة الكعبة يوجب التوجه نحوها ]
ومن كان مشاهداً للقبلة وجب عليه استقبالها و(...) بالدلائل المنصوبة كالشمس والقمر والنجوم والأرياح وما أشبهها فإذا خفيت عليه سقط عنه فرض التوجيه ولزمه فرض التحري فإذا صلى بعض صلاته على التحري ثم اتضحت له الدلالة، توجه وبنى.
[ تحويل القبلة ]
روي عن عمر قال بينما الناس في صلاة الصبح في قباء إذ أتاهم آت
فقال : إن الرسول عليه السلام أنزل عليه القرآن وأمر باستقبال الكعبة فاستقبلوها وفي هذا الحديث دليل على قبول خبر الواحد الثقة(2) .
مسألة
[ فرائض الصلاة ]
__________
(1) 2- ورد عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل
فاه، رواه أبو داود. ولابن ماجة النهي عن تغطية الفم. انظر المنتقى من أخبار
المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/280 أرقام 688، 689، 690 .
(2) 1- خبر تحويل القبلة : «عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي نحو بيت المقدس
فنزلت { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك
شطر المسجد الحرام } فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر
وقد صلوا ركعة فنادى : ألا إن القبلة قد حولت ، فمالوا كما هم نحو القبلة» = (4/7)
صفحة 458
والفرائض التي لا تتم الصلاة إلا بها سبع : النية، والطهارة، والسترة الطاهرة وطهارة الوضع الذي يصلي فيه والعلم بالوقت والتوجيه إلى القبلة والانتصار(1) عند فعل الصلاة .
مسألة
[ حكم تارك الصلاة ]
والفرائض التي في الصلاة خمس اتفاقاً : تكبيرة الإحرام والقراءة
والركوع والسجود والجلوس للتشهد الأول. اختلف أصحابنا في تارك
الصلاة عمداً يقتل إذا فات وقتها، وقال آخرون : يضرب حتى يصلي أو يقتله الضرب. والنظر يوجب أن لا يقتل إذا كان مقراً بها وبفرضها وإن أنكر فرضها قتل لأن مؤخر الحج والصيام والزكاة لا قتل عليه ما لم ينكر فرضهن.
مسألة
[ قول الصديق في الصلاة والزكاة ]
يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإذا هدر القتل عن تارك الزكاة فتارك الصلاة مثله(2) .
مسألة
[ حجة من قال تارك الصلاة يقتل ]
الحجة لأصحابنا أن من قال تارك الصلاة يقتل أنه لما كان الإيمان عملاً على البدن لا يقوم به غيره ولا يسد مسده بمال وكانت الصلاة على البدن
مثله وجب التساوي بينهما.
مسألة
[ بما يحل دم المسلم ]
وقال عليه السلام : «لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس ظلماً وعدواناً»(3)
__________
(1) = رواه مسلم وأحمد وأبو داود وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنه انظر المنتقى
من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/344 رقم 829 .
1- الأصح : الانتصاب أي النية واقفاً .
(2) 2- هذا قول الصديق في رده على عمر - رضي الله عنهما - في محاربة المرتدين =
(3) = الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة. ووردت أحاديث توضح عقوبة تارك الصلاة
فارجع إليها، وانظر كتابنا أحكام الردة والمرتدين حكم تارك الصلاة.
1- الحديث : روي الحديث بروايات متعددة كلها تؤدي إلى حصر الثلاثة انظر:
البخاري 12/176 في الديات، ومسلم رقم 1676 في القسامة باب ما يباح به
دم مسلم، وأبو داود رقم 4352، 4353 في الحدود، والترمذي رقم 1402،
2159 في الديات باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم... والنسائي 7/90 ،
91 في تحريم الدم وفي القسامة والقود. (4/8)
صفحة 459
. فلما لم يدخل تارك الصلاة في هؤلاء دل على سقوط القتل عنه.
مسألة
[ لزوم الصلاة للغلام ]
وإذا دخل الصبي في الصلاة ثم بلغ وجب عليه الخروج مما هو فيه ولزمه
التطهر للصلاة ويصليها إذا أدرك وقتها، ومن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها إذا أمكنه التطهر لها.
مسألة
[ صلاة من لم يعرف العربية ]
ومن لم يعرف القراءة العربية سبح ثلاثاً موضع القراءة وإذا لم يعرف التحيات بالعربية سبح أيضاً مكانها ثلاثاً وإن عرف كلمة وآية قرأها في
موضع القراءة وسبح ثلاثاً(1) .
مسألة
[ قراءة شيء من الفاتحة ]
ومن عرف من فاتحة القرآن ثلاث آيات فردهن في الصلاة تمت صلاته.
مسألة
[ فوت الصلاة بلا بدل ]
ومن حضرته الصلاة وهو في التعليم فلم يفهم شيئاً حتى فات الوقت فلا بدل عليه والمعذور من عذره الله.
مسألة
[ آداب الصلاة ]
وإذا أقام المصلي للصلاة فيكون بالخضوع والخشوع فإنه مقام عظيم بين يدي رب كريم وأولى أوقات الصلاة أولها أفضلها(2) ويستحب أن تكون القراءة في الركعة الأولى أطول من الثانية ويكون بين قدميه قدر مسقط نعل
في عرضها.
مسألة
[ وضع اليدين في الصلاة وبعض الأفعال الأخرى ]
ويؤمر المصلي أن يرسل يديه في قيامه ويكون نظره في جميع موضع سجوده ولا يؤم بنظره ناحيته فإذا رفع رأسه قال سمع الله لمن حمده حتى
__________
(1) 1- من شروط التكليف المقدرة على الفعل والعلم بما يفعل فهنا لا يكلف الله نفساً إلا وسعها فيعذر المسلم بالجهل وعليه التعلم حتى يؤدي العبادة كما ينبغي.
(2) 1- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال
أفضل؟ قال : الصلاة على وقتها. قلت : ثم أي؟ قال : بر الوالدين. قلت : ثم
أي؟ قال : الجهاد في سبيل الله». متفق عليه، أخرجه البخاري فضل الصلاة
لوقتها ومسلم في الإيمان. (4/9)
صفحة 460
يستوي قائماً فإذا استوى قائماً قال ربنا لك الحمد والحمد لله لا شريك(1) .
مسألة
[ حكم نسيان سمع الله لمن حمده خلف الإمام ]
ومن صلى خلف إمام ثقة ويتولاه فلم يقل سمع الله لمن حمده فلا بأس وقيل ولو لم يكن وليّاً ومن نسيها فلا فساد عليه وإن ذكرها في أثناء الصلاة قالها.
[ كيفية السجود ]
ولا ينبغي للمصلي أن يكون اعتماده في السجود على جبهته وإنما يمكنها في الأرض ويكون اعتماده علي يديه وجعل كفيه حذا أذنيه وبسط أنامله
تلقاء القبلة وضمها وفتح بين مرفقيه وسوى ظهره معتدلاً.
مسألة
[ سجود المرأة ]
وليس على المرأة التجافي في السجود كالرجل وتلصق بطنها بفخذها
ولا ترفع عجزها ولا تقعد كقعود الرجل وعلى المصلي أن يسجد على المساجد السبعة ولا يكف شعرا وهو أشد من كف الثوب وإن فعل ذلك
فاعل ففي نقض صلاته اختلاف.
مسألة
[ كيفية الجلوس للتحيات ]
واختلفوا فيه إذا قعد للتحيات أن يكون كفه على فخذه ويضم أنامله ويرسلها نحو القبلة وقول يجعلها على ركبتيه ويفرق بين أنامله وإذا سجد
وضع ظاهر أصابع قدميه مما يلي الأرض.
مسألة
[ كيفية أفعال الصلاة ]
وعن أبي عبد الله رحمه الله أنه على من تعمد في قعوده للصلاة على
قدميه جميعاً أو على يمينه أو تمس أنفه الأرض واعتمد على إحدى يديه في ركوعه وسجوده ولم يضعهما على فخذيه في قعوده ولا على ركبتيه في ركوعه ولم يضعهما على الأرض في سجوده فلم أبلغ إلى فساد ولو من
غير عذر ولو تعمد لذلك في جميع ذلك ولا ينبغي فعل ذلك.
مسألة
[ النهي عن الإقعاء ](2)
ولا يجوز الإقعاء في الصلاة إلا من عذر قال أبو عبد الله :لم أقدم على فساد صلاته.
مسألة
[ مسح الوجه في الصلاة ]
__________
(1) 2- انظر أحاديث صفة ركوعه - صلى الله عليه وسلم - واعتداله من الركوع.
(2) 1- الأفعال المنهي عنها في الصلاة : ارجع إلى كتب السنن في باب ما يباح وما
ينهى وما يكره عنه في الصلاة مثل الكلام ، والاقعاء ، والالتفات... (4/10)
صفحة 461
ومن مسح وجهه بثوب من غبار أو عرق أو نفض كفيه من تراب انتقضت صلاته ويكره الالتفات في الصلاة من غير عذر ولا نقدم على
نقض صلاته إذا لم ير ما خلفه وأما إن نظر عن يمنة وعن يسرة وإمام فلا
نقض عليه ولا يحقق منظور حتى يشغله عن صلاته ولا نحب له ذلك(1) .
مسألة
[ حكم النظر في الصلاة ]
ومن نظر شيئاً وهو في الصلاة وتيقن ضبطوره(2) فسدت صلاته وقيل لا فساد عليه ما لم يشتغل عن صلاته.
مسألة
[ الحركة المفسدة للصلاة ]
ومن نفخ الأرض أو قلب الحجارة في صلاته فسدت وكذلك إذ تمطى
أو نقع(3) أنامله أو تزايد في التثاؤب أو غطا فاه من غير عذر وقيل إن ذلك كله مكروه.
مسألة
[ غض العينين ]
ومن أغضى عينيه في الصلاة فسدت صلاته قل أو كثر من غير عذر
وقول حتى يجاوز حداً وقول حتى يجاوز ركعة وقول حتى يغض في
الصلاة كلها وقول لا تنقض صلاته ولو غض في الصلاة كلها وقول ما لم يتعمد وقول ولو تعمد.
مسألة
[ النظر إلى السماء ]
ومن شبك أنامله أو نظر السماء(4)
__________
(1) 2- عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يزال الله عز وجل
مقبلاً على العبد ، وهو في صلاته ما لم يتلفت، فإذا التفت انصرف عنه». أخرجه
أبو داود رقم 909 في الصلاة ، والنسائي 3/8 ، وفي الباب غيره .
(2) 1- ضبطوره : والله أعلم المرأة وهي لغة أهل عُمان. انظر لسان العرب المحيط إعداد يوسف خياط 2/528 .
(3) 2- أو نفع أنامله : الصواب : فرقع أنامله.
(4) 1- حكم النظر إلى السماء : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم -
مال بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فاشتد قوله في ذلك،
حتى قال : لينتهين عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم» أخرجه البخاري 2/193
في صفة الصلاة، وأبو داود رقم 913 في الصلاة باب النظر في الصلاة
والنسائي 3/7 ، في السهو باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة . (4/11)
صفحة 462
متعمدا لذلك ففي نقض صلاته اختلاف وأما على الخطأ فمعفو عنه وقول لا نقض في الحالين.
مسألة
[ السجود على عود الخشب ]
ولا يسجد المصلي علي عود خشب إلا أن يكون عوداً قد استوى بالأرض ووقع سجوده عليه والأرض معاً فلا بأس وصفته أن يرفع العود والوسادات إليه ومن حرك خاتمه بإبهام يديه التي فيها الخاتم فلا بأس.
مسألة
[ حكم الشم في الصلاة ]
ومن شم عرقاً متعمداً ففي نقض صلاته اختلاف ما لم يشغله عن صلاته وإن تعمم بيديه ففي نقض صلاته اختلاف.
مسألة
[ الحركات الجائزة ]
ثوبه(1) من رأسه أو رفعه أو تعمم بيد واحدة وإن استرخت عمامته فلا بأس أن يشدها.
مسألة
[ الحركات الجائزة ]
وإذا ألقى المصلي ثوبه من رأسه أو رفعه وارتدى أو التحف سوى ثيابه وهي مستمسكة فلا بأس إذا كان من جهة اللباس واحتاج لذلك.
مسألة
[ الأماكن المكروهة ]
ومكروهة الصلاة في المقبرة والمجزرة والمنحرة والمزبلة قارعة الطريق
والحمام ومعاطن الإبل إلا إذا كان مضطراً(2) .
مسألة
[ حكم استعمال النار ]
ويكره للمصلي استعمال النار الموقودة والميت من دابة أو بشراً إذا لم
تكن بينه وبين ذلك الميت ما ذكرناه سترة طَهر الميت أو لم يطهر.
مسألة
[الحركات المكروهة]
ويكره للمصلي أن يدخل إصبعه في أنفه ليخرج القذى منها أو في فيه أو أذنيه لغير معنى وقول تنتقض صلاته والأول أصح وقول حتى يخرج شعره
وقول حتى لو أخرج شعره.
مسألة
[ إذا دخل شيء في أنف المصلي ]
وإن ولج مناسم المصلي شيء مما يؤذيه فأنقذه فلا بأس وإن قتله ففي
__________
(1) 1- نقص في الأصل : أما (من لبس ثوبه أن نزع ثوبه...) والله أعلم.
(2) 2- وردت عدة أحاديث في ذلك منها : ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «نهى أن يصلي في سبعة مواطن :في المزبلة، المجزرة،
والمقبرة وقارعة الطريق، وفي الحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله»
أخرجه الترمذي رقم 346 في الصلاة. (4/12)
صفحة 463
نقض صلاته اختلاف وقول يمسحه بيده وإن أخرجه ممسكاً له ففي نقض صلاته اختلاف.
مسألة
[ قتل الفواسق في الصلاة ]
وإن حجفت به حية أو عقرب وهو يصلي وحاذر الضرر وقتلها فليستأنف الصلاة وقول يبني ولا فساد عليه لقوله عليه السلام «اقتلوا الحية والعقرب ولو كنتم في الصلاة(1) .
مسألة
[ الأفعال التي تقطع بها الصلاة ]
وإن اغدودق غيث الضهر على مصلٍ وحاذر ضرره أو كان ضارباً فنفرت دابته أو دابة تأكل حرثه أو خاف هلاك أحد كصبي أو أعمى أن يتردى من أرعن أو في بئر وقطع صلاته لينقذه فلا بأس ويستأنف على الأرجح(2) .
مسألة
[ إصغاء السمع لغير الإمام ]
ومن أصغى بسمعيه لتسبيح رعد أو نطق ناطق أو تغريد طير أو ما أشبه ذلك حتى يتحققه فعليه النقض إلا أن يولج مسامعه من غير قصد وقول لا نقض عليه حتى يشغله عن صلاته .
مسألة
[ صلاة موسى بن علي بهذا الشأن ]
وقد كنت صليت خلف موسى بن علي صلاة الفجر وصاح صائح وهو في القراءة فأمسك حتى ظننا أنه تحقق الأمر ثم نبا في صلاته .
مسألة
[ إنقاذ الغريق وأنت في صلاة ]
وإذا تردى مترد في بئر والجماعة في الصلاة فلا بأس عليهم إن سعوا في إنقاذه فإن خافوا فوت الوقت بنوا ولا استأنفوا وقول يستأنف على كل حال.
__________
(1) 1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « اقتلوا الأسودين
في الصلاة الحية والعقرب » ، وفي رواية النسائي « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل =
(2) = الأسودين في الصلاة» رواه أبو داود رقم 921، في الصلاة والترمذي
رقم 390 في الصلاة والنسائي في الصلاة ، المستدرك 1/456 .
1- انظر حديث الأزرق بن قيس وفيه كنا على شاطئ النهر بالأهواز فقد نضب عنه
الماء فجاء أبو برزة على فرس، فصلى، وخلى فرسه فانطلق الفرس فترك صلاته
وتبعها حتى أدركها فأخذها ، ثم جاء فقضى صلاته. جامع الأصول في أحاديث
الرسول 2/502 رقم 3719 قال : أخرجه البخاري 3/65 - 66 العمل
في الصلاة . (4/13)
صفحة 464
مسألة
[ المشي في الصلاة ]
ولا بأس على المصلي أن يتقدم أو يتأخر بقدر ثلاث خطوات من عذر، وقال الشيخ محمد بن المسبح : إذا تقدم عن موضع سجوده أو تأخر عن
موضع قيامه عراه النقض.
مسألة
[ التخلص من البصاق ]
عن الشيخ محمد بن سلمان رحمه الله : وإذا أذى المصلي بصاق أو
مخاط أو نحوهما فألقى ذلك على يساره أو في ثوبه أو في الدفعي فلا بأس
إذا دفنها فإن كفارتها دفنها، وإن بصق في حذاه أو رفع البساط وبصق تحته
فلا بأس عليه(1) .
مسألة
[ حكم الحركة القليلة في الصلاة ]
ولا بأس بالعبث القليل في الصلاة لإصلاح الصلاة في حال الصلاة وقد كره بعض المسلمين الحفر للبصاق وكرهوا أن يبصق في طاقة نعله ويجعل الأخرى فوقها.
مسألة
[ حكم البصاق في الثوب ]
ولا يجوز للمصلي أن يبصق في ثوبه إلا في الكعبة شرفها الله رواه ابن عباس رضي الله عنه.
مسألة
[ حكم مس العين والأنف ]
وإذا مث المصلي ما خرج من منخريه من المخاط ولم يتعمد إخراج الكامن فلا بأس عليه وإن دمعت عينيه أو أنتجت وخاف أن يولج الدموع
فاه شغله فلا بأس أن يمثه ويحكم عينيه إذا أنتجت.
مسألة
[ تنحية الثوب عن مكان السجود ]
وإن وقع ثوب المصلي على غيره أو ثوب غيره عليه فنحاه فلا بأس عليه وإن وقع في موضع سجوده نحاه .
مسألة
[ البكاء في الصلاة ]
ومن تنشج أو بكى في الصلاة من خوف الله فلا بأس عليه وإن كان
لغير ذلك وسمعه من خلفه انتقضت صلاته وإن غلبه البكاء من غير عمد
فلا فساد عليه إذا لم يستطع رده.
مسألة
[ حكم النخاعة وإخراجها في الصلاة ]
__________
(1) 1- عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «البصاق في المسجد خطيئة،
وكفارتها دفنها» متفق عليه. البخاري في الصلاة كفارة البزاق في المسجد،
ومسلم في كتاب المساجد النهي عن البصاق في المسجد. (4/14)
صفحة 465
ومن أساغ طعاماً أو نخاعة بعد أن ظهرت على لسانه وصار قادراً على قذفها فعليه النقض فإن أخرج من بين أسنانه لفظة فأساغها فلا بأس عليه ولا سيما إذا أشغله عن صلاته وأما الناسي فلا فساد عليه.
مسألة
[ أثر مكان النخاعة ]
وعن أبي معاوية(1) رحمه الله أن النخاعة إذا خرجت من الصدر إلى الفم فسرطها عمداً انتقضت صلاته وإن كانت من الحلق أو الرأس لا بأس عليه.
مسألة
[ ما يخرج من فم المصلي ]
وإن كانت في فم المصلي لغطة فأحالها بلسانه خوفاً أن تشغله عن صلاته فلا بأس عليه ولو أزاحها بيده وقول يحيلها ولا يخرجها وإن أخرجها
فألقاها فعليه النقض على قول.
مسألة
[ حكم التثاؤب الكثير ]
ومن تزايد في التثاؤب انتقضت صلاته ولو لم يسمعه من خلفه وإن لم يتزايد فلا نقض عليه ولو سمعه من خلفه عليه النقض إذا سمعه من خلفه
من الصفوف وإن لم يتزايد فلا نقض عليه ولو سمعه من خلفه.
مسألة
[ وضع الظهر عند الركوع ]
وعلى المصلي أن يسوي ظهره عند ركوعه حتى لو حط عليه إناء ماء لم ينهر وفي هذا حديث وارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -(2)
__________
(1) 1- أبو معاوية : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو معاوية عزان بن الصقر النزوي العقري
مسكنه غليفقة من عقر نزوى ولا زال منزله معروفاً بها إلى الآن وقيل أنه كان
ينتسب إلى الخروصي وهو أول عالم من بني خروص، يعد من أكابر علماء
عُمان وكان في عصره أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي...
توفي بصحار سنة 268هـ بعد وفاة شيخه محمد بن محبوب بنحو ست سنين
وفي رواية كانت وفاته 278هـ . إتحاف الأعيان 1/196 .
(2) 1- عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «لا تجزئ صلاة
أحدكم حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود» أخرجه أبو داود رقم 855 في
الصلاة، والترمذي رقم 265 في الصلاة باب رقم 84، والنسائي 2/143 في
الافتتاح باب إقامة الصلب في الركوع وإسناده صحيح.
عن سالم البراء قال : أتينا أبا مسعود فقلنا له : حدثنا عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقام بين أيدينا ، فكبر ، فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه وجعل أصابعه =
= أسفل من ذلك، وجاء بين مرفقيه حتى استوى كل شيء منه، ثم قال سمع الله
لمن حمده ، فقام حتى استوى كل شيء منه» انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 5/361 رقم 3486 . (4/15)
صفحة 466
.
مسألة
[ حكم صرف الذباب في الصلاة ]
ومن وقع عليه الذباب وهو يصلي فلا بأس أن يصرفه بيده إذا شغله وإن وقع على عينيه فغمضهما فلا نقض عليه وإن وقع على أنفه فنفخه ففي
نقض صلاته اختلاف والنقض أرجح.
مسألة
[ حكم وضع اليد على الفم عند التثاؤب ]
ومن تثاؤب في الصلاة فليضع ظاهر أصابع يده اليسرى على فيه وإن لم يضعها فلا نقض عليه وبعض كره ذلك ونهى آخرون أن يرفع يده إلى فيه.
مسألة
[ فضل قراءة آية الكرسي ]
والإمساك عن الضحك في الصلاة مفارق للضحك.
وروي أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام أنه قال : من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة أعطاه الله قلوب الشاكرين وثواب النبيين وأعمال الصديقين وبسط عن يمينه الرحمة.
مسألة
[ أثر وسواس الشيطان ]
عن أبي عبد الله رحمه الله ومن حسب حساباً في صلاته فعليه النقض
وقول لا نقض عليه حتى يتحقق جملته (...) وكان ذلك من وسواس
الشيطان لعنه الله.
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجود بنفسه ويقول الصلاة الصلاة وهي
أول فريضة فرضت عليه وهي آخر ما أوصى به أمته وهي آخر ما تذهب
من الإسلام وهي أول ما يسأل عنها المكلف يوم القيامة وليس بعد
ذهابها دين.
مسألة
[ مدافعة البول والغائط والريح ]
ولا تجوز صلاة القارن وهو الذي يدافع البول(1)
__________
(1) 1- عن عبد الله بن الأرقم - رضي الله عنه - كان يؤم أصحابه، فحضرت الصلاة
يوماً فذهب لحاجته، ثم رجع. فقال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «إذا
أراد أحدكم الغائط فيبدأ به قبل الصلاة،» الموطأ 1/159 في قصر الصلاة، وأبو
داود رقم 88 ، والترمذي رقم 142 في الطهارة والنسائي بهذا النص 2/110 ،
111 في الإمامة وأحمد في مسنده 3/383 ، والحاكم في المستدرك 1/68
وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «لا صلاة
بحضرة الطعام ولا لمن يدافعه الأخبثان» أخرجه مسلم رقم 560 في المساجد . (4/16)
صفحة 467
والغائط حتى يشغله عن صلاته أو عن شيء منها أو تغير عليه عقله فعليه التخلص منه ولو فات
الوقت وإن لم يشغله ولم يغير عقله فلا فساد عليه من كتاب الضياء، ومن
وجد ريحاً وهو في الصلاة فيدفعها كيف أطاق حتى ترجع فإن ركبته
وكان يدفعها يشتغل عن صلاته ولم تكن تأتي وتذهب فصلاته فاسدة.
مسألة
[ حكم طهارة المشرك الجنب والحائض ]
وشعر المشرك والجنب الحائض إذا وقع في ثوب المصلي شيء منه أفسد عليه صلاته وأما شعر الأقلف ففيه اختلاف، قال أبو عبد الله رحمه الله إن الجنب والحائض والأقلف سيان(1) .
مسألة
[ مس عقب العورة ]
وعن جابر بن زيد رحمه الله والمصلي إذا مس عقبه عورته ففي فساد صلاته اختلاف والأصح الفساد والمرأة أرخص في هذا إذا مست عورتها
موضع وضوئها.
مسألة
[ الشك في النقصان ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من شك في النقصان في الصلاة فليأت بما بقي حتى
يشك في الزيادة ومن شك في أربع ركعات أنهن ثلاث أو في ثلاث أنهن
اثنتين فليس هذا شك إذا بان ما جاوزه فليتم ما بقي عليه إنما الشك فيمن لا يدري ما جاوز من صلاته ولا يجوز الانصراف من الصلاة على الشك(2)
__________
(1) 1- المشرك نجس : نجاسة معنوية وليست حسية هكذا قال العلماء - رحمهم الله -
وأما الحائض والجنب فهي جنابة وليست نجاسة، وأما الأقلف : غير المختون فهو
الذي لم يختن، حث العلماء على الاقتداء بالسنة والأقلف له أحكام
كثيرة ارجع إليها.
(2) 1- الشك عند الفقهاء والأصوليين : قال النووي رحمه الله : واعلم أن مراد الفقهاء
بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والصوم والطلاق والعتق وغيرها هو
التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء كان الطرفان في التردد سواء أو أحدهما
راجحاً. وأما أصحاب الأصول : ففرقوا بينهما فقالوا : التردد بين الطرفين إن
كان على التساوي فهو الشك وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم .
الدليل على عدم المحاسبة على الشك : حديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاًَ فأشكل عليه أخرج
منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» وهذا
الحديث مستند القاعدة الفقهية اليقين لا يزول بالشك .
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا شك
أحدكم في صلاه فلم يدر كم صلى، ثلاثاً أو أربعاً؟ فيطرح الشك، وليبن على
ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان خمساً شفعن له صلاته
وإن كان صلى إتماماً لأربع ، كانتا ترغيماً للشيطان» انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 50/534 رقم 3761، وانظر 3760 و 3757 ،
3762، 3763 . (4/17)
صفحة 468
.
مسألة
[ الشك في القراءة أثناء النزول للركوع ]
ومن شك في القراءة وهو في الركوع أو شك وهو خار للسجود ففي الهوية اختلاف بين الفقهاء فمنهم من قال : إن الهوية التي تكون بين القراءة والركوع هي من القراءة فعلى هذا القول عليه أن يرجع إلى القراءة ما لم
يصل في هبوطه إلى ركبته راكعاً وعلى قول من يقول إن الهوية ما بين
القراءة إلى الركوع فليس عليه الرجوع إلى القراءة لأنها وإن احتاط بذلك فحسن ذلك .
مسألة
[ شك في بعض أفعال الصلاة ]
وإن شك في الركوع وهو خار في السجود فالقول فيه سيان فإن
انتصب من سجوده يريد القيام وهو في حال التجافي ثم شك في السجود
فله أن يرجع إلى السجود ما كان في حال التجافي فإن خرج من حال
التجافي إلى حال الارتفاع للقيام دخل في الاختلاف المذكور آنفاً ومن شك
أنه نواها للفريضة أم لا، فإذا جاوز النية وكان مراده الفرض ولم يرجع إلى الشك بعد اليقين.
مسألة
[ الإخبار عن السهو ]
ومن سهى في صلاته فأخبره مخبر كان عنده أنها تامة هل يقبل قوله؟
قال أبو الحواري رحمه الله تعالى : إذا كان يصلي بصلاته وقبل قوله ولم
يكن عدلاً وإن كان يصلي بصلاته فحتى يكون عدلاً(1) .
مسألة
[ الشك في القراءة ]
وأما إن هوى للركوع وقبل أن يستوي راكعاً شك في السور قرأ السورة أم لا ، قال يقوم فيقرأ السورة ثم يركع.
مسألة
__________
(1) 1- هذا حصل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث صلى الظهر ركعتين. عن أبي هريرة رضي الله
عنه «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين؟ أقصر الصلاة أو
نسيت يا رسول الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أصدق ذو اليدين ؟ فقال الناس : =
= نعم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر ثم سجد مثل
سجوده أو أطول» أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والنسائي. انظر
جامع الأصول رقم 3764 في السجود وبعد التسليم 5/537 . (4/18)
صفحة 469
[ الشك في القراءة خلال النزول للركوع ]
وأما إن شك في القراءة وقد هوى للركوع وأخذ في التكبير فليمض على صلاته فإن دخل في التكبير وهو قائم ثم شك في القراءة قبل أن يخر للركوع فإذا شك في فاتحة الكتاب فلم يدر كان فيها أم لا وقد هوى للركوع قبل أن يستوي راكعاً قبل أن يأخذ في التكبير فإنه يمضي على صلاته.
مسألة
[ الشك في القراءة ]
وأما إن شك وقد قرأ السورة قبل أن يأخذ في الركوع فلما أن هوى للركوع قبل أن يستوي راكعاً شك في قراءة السورة وقراءة فاتحة الكتاب فإن شك في ذلك قبل أن يستوي راكعاً فليقم وليقرأ فاتحة الكتاب والسورة جميعاً وليركع إلا أن يكون الشك بعد أن أخذ في التكبير وهوى للركوع فليمض
في صلاته.
مسألة
[ متى يجوز الرجوع للقراءة ]
فإن استوى في الركوع الذي يحجر بينه وبين القيام فإذا وضع كفيه على ركبتيه فما لم يضعها على ركبتيه ولم يستوي راكعاً فإن شك قبل وضع
يديه في القراءة قام فقرأ على ما وصفت لك إلا أن يكون قد أخذ في
التكبيرة وهوى فليمض على صلاته.
مسألة
[ الشك بعدم القراءة ]
وإذا لم يقرأ شيئاً من السورة فشك فلم يشعر أنه قرأ فاتحة الكتاب أم لا فإنه يقوم فإن استيقن أنه قد كان في قراءة فاتحة الكتاب فليقرأ سورة ولا
يرجع إلى قراءة فاتحة الكتاب.
مسألة
[ الشك في القراءة ]
وأما إن شك في بعض فاتحة الكتاب ولم يدر أكان فيها أم لا فليقرأها ثم يقرأ السورة التي نسيها ثم يقضي صلاته ويسجد سجدتي الوهم.
مسألة
[ اليقين بعدم القراءة ثم الشك ]
وأما إذا استيقن أنه على ترك السورة ولم يعرض له في فاتحة الكتاب
شيء فإذا استوا قائماً ليقرأ السورة ثم شك(1) الفاتحة أنه قرأها أم لا فليبتدئ بقرائتها ثم يقرأ السورة. والله أعلم وبه التوفيق(2)
__________
(1) 1- ثم شك في الفاتحة... أصوب والله أعلم .
(2) 2- معالجة الشك : وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معالجة الشك
وإرغام الشيطان تحت باب السهو فارجع إليها . (4/19)
صفحة 470
.
النهج السادس عشر
فيما يقطع الصلاة ومالا يصلى عليه
مسألة
[ أثر ممر الحائض والجنب والسباع ]
ويقطع صلاة المصلي ممر الحائض والجنب وجميع السباع والقرود ولا
يقطع لحم ما ذكرنا من السباع المهر وقيل لا يقطع من السباع إلا الكلب والقرد والخنزير(1) .
مسألة
[ ما وجد ابن بركة في السترة ]
عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة أنه وجد في حدوق
السترة ثلاثة أقاويل : قول كالأسلة وقول كالشعرة وقول كالسيف وعن
غيره كالمسواك .
مسألة
[ قول هاشم بن غيلان - رحمه الله - ]
جابر بن النعمان(2) إن طالوت السمولي(3)
__________
(1) 1- وردت أحاديث في سترة المصلي، منها : عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار» وفي رواية «الكلب الأسود، لأن الكلب
الأسود شيطان» أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن جامع الأصول
في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 5/507 رقم 3721 .
ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا صلى
أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته : الحمار والخنزير، واليهودي،
والمجوسي، والمرأة» عن جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال أخرجه
البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي. وقال أبو داود : في
نفس من هذا الحديث شيء... أقول : وعلته أن ابن عباس شك في رفعه فقال :
أحتسبه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه أيضاً عنعنة يحيى بن أبي كثير.
(2) 1- جابر بن النعمان : بن المعلى من علماء القرن الثالث كان أيام الشيخين هاشم بن
غيلان وموسى بن علي وهو الذي رفع إلى الشيخ هاشم تلك المسألة التي
اختلف فيها علماء صحار في ذلك الوقت (في الذي يعمل الحسنات والسيئات)
انظر إتحاف الأعيان 1/420 - 421 .
(3) 2- طالوت السمؤلي : من علماء النصف الثاني من القرن الثاني وأوائل القرن
الثالث كان في زمن هاشم ين غيلان وفي الأثر عن جابر بن النعمان أن طالوت
السمؤلي سأل هاشم بن غيلان عما يقطع الصلاة فقال هاشم : ليست الصلاة
حبلاً ممدوداً... ا.هـ) المصدر نفسه 1/429 . (4/20)
صفحة 471
سأل هاشم بن غيلان(1) عن
ما يقطع الصلاة، فقال : ليست الصلاة حبلاً ممدوداً وإنما هي يعرج بها إلى السماء وإنما يصلها بر القلب ويقطعها فجوره(2) .
مسألة
[ حكم مرور المشرك والأقلف ]
أبو زياد عن الربيع بن حبيب ورحمه الله قال : لا يقطع الصلاة شيء من فعل غير المصلي، وقيل إن مرور المشرك فيما دون خمسة عشر ذراعاً يقطع الصلاة ومثله الأقلف البالغ إذا لم يكن مسلماً .
مسألة
[ حرم المصلي ]
ولو اغتسل الجنب والحائض ومر بين يدي المصلي فيما دون المقدار الشرعي(3) ، أفسد عليه صلاته وإن كان مروره خلف ستره فلا بأس.
مسألة
[ حكم وجود النجاسة في قبلة المصلي ]
والصلب(4) تقطع الصلاة كالكلاب ومن كان يصلي وبين يديه ثوب فيه جنابة فإن ينحيه عن قبلته ولا فساد عليه.
مسألة
[ وجود الكنيف في قبلة المصلي ]
وأما الكنيف(5) إذا كان في قبلة المصلي فإنه لا يجري عنه إلا سترتان أو حضاراً أو غمايان وقول يمد ثوبين واحد بعد واحد وإذا نصبت خشبة بعد خشبة ففي ذلك اختلاف.
__________
(1) 3- هاشم بن غيلان : هو الشيخ العلامة أبو الوليد هاشم بن غيلان السيجاني نسبة
سيجا بلد من أعمال سمائل ولا أدري إلى أي قبيلة ينتسب إلا ما ذكره لي بعض
الأفاضل أنه سليمي وكان ينزل بمسافي بني هميم من سيجا، كان أخوه عبد
الملك بن غيلان وابنه محمد بن هاشم من رجال العلم، وكان الشيخ معدوداً من
كبار علماء زمانه بعمان في آخر القرن الثاني وأول القرن الثالث وهو والشيخ سليمان
بن عثمان من تلاميذ الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوي: انظر إتحاف الأعيان1/176 .
(2) 1- الشيخ هاشم لا يرى أن المذكوران تقطع الصلاة بمرورهما وهذا هو الراجح في
المسألة والله أعلم.
(3) 2- المقدار الشرعي هو حرم المصلي مكان سجوده .
(4) 3- الصلب : هكذا في الأصل ولعل هذه الكلمة: الكلبة. والله أعلم .
(5) 1- الكنيف : بمعنى الحظيرة، وقال في المصباح المنير وقيل للمرحاض كنيف لأنه
يستر قاضي الحاجة والجمع كنُفُ 20/656 . (4/21)
صفحة 472
مسألة
[ ما يقوم مقام الجدار ]
وأما الجدار الغليظ فلا يقوم مقام السترتين وإذا انحط الكنيف عن مقام المصلي مثلاً لو كان في الأرض وهو يصلي على ظهر بيت فلا بأس.
مسألة
[ تجاوز سترة المصلي ]
وإن مر شيء مما يقطع الصلاة فوق ستر المصلي فإن كان بقي شيء من السترة بقدر الإصبعين بين المار والمصلي فلا فساد عليه وقيل بإصبع وإن
استفر(1) عنها فسدت صلاته .
مسألة
[ فساد صلاة الإمام فساد لمن خلفه ]
والإمام سترة للمصلي بصلاته فإن نقض عليه شيء فسدت صلاته
وصلاة من صلى خلفه وفي قول أبي عبد الله : تنقض صلاة الإمام وحده
ويقدم للجماعة إماماً يتم لهم صلاتهم.
مسألة
[ مرور من يقطع الصلاة أمام الصف الأول ]
وإن مر مما يفسد الصلاة بين الأمام والصف الأول فسدت صلاة الصف الأول ومن مر عليه منهم ولا بأس على الإمام ولا من خلف الفاسدة صلاتهم.
مسألة
[ أهمية السترة ]
وإن مر أمام الصف الأول ولم يجاوز الإمام فلا فساد عليهم وإن جاوزه انتقضت صلاة من مر أمامهم(2) .
مسألة
[ أثر الفرجة في الصلاة ]
__________
(1) 2- أي وإن تجاوزها .
(2) 1- مسألة مرور أمام المصلي من يقطع الصلاة : اختلف العلماء رحمهم الله في
ذلك فالجمهور على أنه لا يقطع الصلاة شيء وغيرهم قالوا بقطع الصلاة من
المرأة والكلب والحمار، وسبب الاختلاف معارضته القول للفعل فهذا من قوله
- صلى الله عليه وسلم - . وأما من فعله ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه فقال : أُقبلت راكباً على
أتان وأنا يومئذ ناهزت الاحتلام ورسول الله ص يصلي بالناس، فمررت بين
يدي بعض الصفوف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر
عليَّ ذلك أحد » وأيضاً حديث عائشة - رضي الله عنها - ولا خلاف بينهم =
= في كراهية المرور بين يدي المنفرد والإمام إذا صلى لغير سترة أو مر بينه وبين
السترة لما جاء فيه من الوعيد في ذلك، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «فليقاتله فإنما هو شيطان»
انظر بداية المجتهد 1/180 . (4/22)
صفحة 473
وإن انقطع في جانب الصف خلف الإمام الثاني إلى ما فوقهما فلا فساد عليهم وفي الصف الأول أشد وإن خرج من الصف أحد فأراد أهل الصف ليسدوا الفرجة وإن انقطع أحد في طرف الصف فسدت صلاته.
مسألة
[ الصلاة بين الصفين للمنفرد ]
وعن أبي عبد الله إذا كان بينه وبين الصف قدر مقام رجل وهو في
طرف الصف انتقضت صلاته وأما من صلى بين الصفين وحده فإذا لم يجد مدخلاً في الصف فلا فساد عليه وقول ولو وجد فلا بأس عليه.
ومن كان يصلي قصد الإمام من خلفه ولو كان خلف الصفوف وحده فلا بأس عليه وقول إذ انقطع الصف الأول اثنان فصاعداً فلا بأس عليهم وقول عليهم النقض.
مسألة
[ إتمام الصف الأول ]
وإذا جهل المنقطع في الصف الأول أن يزحف إلى الجماعة فلا
فساد عليه وإن تعمد فعليه النقض وإن نسي فلا بأس، وأما الصفوف
الأخيرة فإذا كان الأول تاماً فلا بأس على من انقطع فيهن واحد كان
أو أكثر.
مسألة
[ درء المار بما استطاع ]
وجائز للمصلي أن يدرأ عن نفسه ما استطاع بلا علاج .
مسألة
[ كيفية درء المار ]
وإذا حسّ المصلي بمرور شيء أمامه مما يصري صلاته فإن كان قائماً تقدم قليلا،ً وإن كان قاعداً أومئ إليه برأسه لينْزاح من قبلته وإن أشار إليه بيده من غير علاج فيكره له ذلك والأصح أن صلاته تامة.
مسألة
[ كيفية درء الحيوان المار ]
ويكره للمصلي أن يشير إلى المار في قبلته من حيوان من سبع أو غيره
كان يرميه ليصرفه عنه فإن فعل ذلك فلا فساد عليه وإن رماه بجلمود صخر
أو غيره فسدت صلاته.
مسألة
[ وجود النار في قبلة المصلي ]
والنار(1) الموقدة إن كانت أمام المصلي أصرت صلاته أما الجمر والسرج فلا بأس.
مسألة
[ الصلاة في مكان مرتفع ]
ومن صلى في مكان مرتفع بقدر ثلاثة أشبار فلا بأس بما مر أمامه إذا
لم يمسه .
مسألة
[ السجود على ذي روح ]
__________
(1) 1- وردت أحاديث تنهى عن استقبال النار . (4/23)
صفحة 474
ومن سجد على ذي روح كالسقاط والصرصر وغيره فعن نجدة بن الفضل(1) رحمه الله لا فساد عليه إذا كانت جبهته تنال الأرض.
مسألة
[ أثر مرور ذوات الأرواح أمام المصلي ]
وإذا مر بين المصلي وبين سجوده شيء من ذوات الأرواح فسدت
صلاته سوى الذباب والبعوض وما لا يستطاع الامتناع منه واختلفوا في الخنافس وما أشبههن، روي هذا عن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي(2) .
مسألة
[ انتصاب الدابة أمام المصلي ]
وإذا احتكت الدابة بالمصلي وانتصبت أمامه فلا بأس عليه.
مسألة
[ حمل المرأة ولدها في الصلاة ]
وجائز للمرأة المصلية أن تحمل ولدها في الصلاة ترضعه إذا اضطرت إلى ذلك من تعذر قائم به إذا أنابته عن موضع سجودها ولها حمله إذا صاح
ودين الله يسر ويروى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حمل ابن ابنته وهو في الصلاة(3) .
مسألة
[ حكم القهقهة في الصلاة ]
عن الشيخ سعيد بن محرز(4)
__________
(1) 2- نجدة بن الفضل : من أشياخ محمد بن طالوت النخلي من علماء القرن الخامس
ونجدة من علماء القرن الرابع والله أعلم. إتحاف الأعيان 1/435 وهو أبو محمد
ذكره بن مداد في علماء عُمان ص15 .
(2) 1- محمد بن أحمد السعالي (أبو علي) من شيوخه أبو عبد الله محمد بن الحسن بن
الوليد السمدي. إتحاف الأعيان 1/434 .
(3) 2- عن علي بن حابس حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن البهي، قال : دخل علينا ابن
الزبير، فقال : رأيت الحسن يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ساجد يركب على ظهره،
ويأتي وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر» قالوا
إسناده ضعيف لضعف علي بن حابس وشيخه أورده الهيثمي في المجمع
9/175 عن سير أعلام النبلاء 3/249 .
(4) 1- سعيد بن محرز : بن محمد بن سعيد النزوي (أبو جعفر) من علماء القرن
الثالث وأحد العلماء المشهورين في زمانه وولداه الفقيهان عمر بن سعيد
والفضل ابن سعيد عاصره العلامة محمد بن محبوب وغيره من العلماء.
إتحاف الأعيان 1/426 . (4/24)
صفحة 475
أن من كشر في الصلاة انتقضت صلاته ،
ومن قهقه انتقضت صلاته ووضوءه والقهقهة إذا على الصوت وانتفض
البدن(1) .
مسألة
[ أثر الضحك على الصلاة ]
وأمّا تحريك القلب بالضحك فلا نقض على المصلي فيه وقول أنه ما دون القهقهة فلا ينقض الصلاة ومن سدّ فاه من الضحك في الصلاة وأطبق على شفتيه ليريحه فلا بأس عليه.
مسألة
[ الإمساك عن القراءة ]
ومن أدرك الضحك في صلاته فأمسك عن القراءة هنيئة حتى ذهب
فلا بأس عليه، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى ابنه يصلي ويكف شعوره فدلك شعره بالتراب وضربه وأمر الحجام فقصه.
مسألة
[ حكم النفخ في الصلاة ]
والنفخ في الصلاة مكروه(2) .
مسألة
[ الجهر في مكان السر ]
ومن جهر فيما يسر به في الصلاة حذر الوسوسة فلا بأس عليه.
مسألة
[ التعمد الإسرار عند الجهر والجهر عن الإسرار ]
ومن تعمد بجهر ما يسر به في الصلاة أو يسر ما يجهر به فقول إن
صلاته منتقضة ويستأنف، وقول إن صلاته تامة، وقول إذا جهر فيما يسر به بنى وإن أسر فيما يجهر به استأنف .
مسألة
[ حد الجهر ]
فإن قيل ما حد الجهر؟ قلنا : إذا سمع أذنيه فقد جهر، وقول إذا سمعه من صلى خلفه إذا كان إماماً .
مسألة
[ التسليم في الشفع في الظهر أو العصر ]
عن أبي سعيد رحمه الله : وإذا سلم المصلي في الشفع الأول من
الهاجرة(3) والعصر جاهلاً لذلك من موضع التمام، قول صلاته فاسدة
وقول لا فساد عليه لأجل جهله.
مسألة
[ مخالطة العمل الرياء ]
ومن خالطه الرياء والإعجاب في صلاته بعد أن دخل فيها فعليه التوبة
__________
(1) 2- يتفق المذهب الإباضي مع الحنفي في هذه المسألة .
(2) 1- عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلاماً لنا، يقال له :
أفلح ، إذا سجد نفخ، فقال : يا أفلح ، قرِّب وجهك ، وفي أخرى مولى لنا ، يقال
له : رباح» أخرجه الترمذي رقم 381 في الصلاة باب كراهية النفخ في
الصلاة، إسناده ضعيف.
(3) 1- صلاة الظهر . (4/25)
صفحة 476
إلى الله ولا فساد عليه، وإن كان إنما ابتدأها على تلك النية فهذا عليه البدل والتوبة ما لم يفت الوقت وإن فات الوقت فعليه الكفارة(1) .
مسألة
[ صفة القدمين في الصلاة ]
ومن اتكأ على إحدى قدميه في الصلاة فريضة كانت أو نافلة فيكره له ذلك من غير نقض، ومن صلى بثوب فيه شعر جنب فسدت صلاته.
وروى أبو الحواري عن بعض الفقهاء : إن صلاته تامة، وقول : حتى يزيح الشعر عنها بعد التطهر.
مسألة
[ حكم كشف الرأس في الصلاة ]
وهل يجوز للمصلي أن يكون كاشفاً رأسه أو قد دثره بثوب أو شبهه
فقيل في ذلك باختلاف. قال أبو الحواري رحمه الله جائز ذلك للمضطر
من حر أو زمهرير(2) .
مسألة
[ أثر تعديل العمامة في الصلاة ]
ومن دخل في الصلاة مقنعاً رأسه فانكشف قناعه فرده فلا بأس عليه ولا نحب له فعل ذلك إلا من ضرورة ومن استرخت عمامته وهو في الصلاة
فشدها بيد واحدة فلا فساد عليه.
مسألة
[ أثر الحركات في الصلاة ]
ومن رفع يده على رأسه وهو في الصلاة لغير عذر ففي نقض صلاته اختلاف الأصح النقض، وقال أبو مالك(3) : صلاته منتقضة.
مسألة
[ ترك الصلاة عامداً ]
وعن الشيخ أبي سعيد رحمه الله تعالى إن من ترك الصلاة عامداً
متجاهلاً ففيه قولان : قول عليه لكل صلاة كفارة، وقول عليه كفارة
__________
(1) 2- لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» الحديث. فالرياء
محبط للعمل.
(2) 1- غطاء الرأس من علامات العدالة عند العلماء واليوم حسر الرأس من علامات
التقدم وغطاء الرأس من علامات التأخر وهذا للأسف الشديد الذي انتشر بين
الأمة فلا تميز بين الغث والسمين والعدو والصديق ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(3) 2- أبو مالك : هو أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري ذكره
السيابي في الطبقة الثالثة من علماء عُمان. عن كشف الغمة ص297 . (4/26)
صفحة 477
واحدة تجزيه بعد التوبة والكفارة صيام شهرين متتابعين أو عتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً مخير في ذلك لكل صلاة ضيعها كفارة.
مسألة
[ اشتمال المصلي بالثوب ]
وعن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : وإذا اشتمل المصلي بثوب
ورد ثوبه على رأسه فلا بأس عليه ولو لم تعنه ضرورة حر أو قر، وقول حتى يضطر إلى ذلك.
مسألة
[ أثر الإحساس بالرطوبة في الصلاة ]
وإذا أحس المصلي برطوبة في رأس عوده فما فرغ نظر لم يجد شيئاً
فذلك رأس الذبذب فخرج منه بلل فلا فساد عليه في صلاته.
مسألة
[ كيفية التثبت من الرطوبة ]
وقال بعض المسلمين : إذا حس المصلي بلل إحليله نظره فلم يجد في
رأس إحليله رطوبة ولو كان في الصلاة، وقول يجعل رأس حروانه على فخذيه ويلمس موضعه فلم يجد شيئاً فلا فساد عليه.
مسألة
[ أثر الدماء في الثوب ]
ومن رأى في ثوبه دماً دون مقدار الظفر وهو يصلي له فمضى في صلاته متعمداً فسدت صلاته ولو رأى ذلك الدم قبل أن يصلي فنسيه فصلى به ثم ذكر بعد أن قضى صلاته فصلاته تامة.
مسألة
[ الزيادة أو النقصان في القراءة ]
ومن قرأ في صلاته: { كلا إن إلى ربك الرجعى } (1) أو قرأ : { فذلك الذي يدع اليتيم } (2) ، قول تفسد صلاته، وقول الزيادة والنقصان في
القرآن لا ينقضان الصلاة، وأما إن قرأ يدع اليتيم بالتخفيف فذلك عليه
النقض لأنه بدل المعنى على الأرجح.
مسألة
[ الصلاة بثوب نجس عند الخوف أو الحرب ]
ومن كان أوصب(3) في حد من يصلي بالتكبير أو صلاة الخوف أو
المسايفة(4) والموافقة فصلى بثوب نجس أو صلى قاعداً فبعد بري المريض
وحط أوزار الحرب وأمن الخائف فإنه يبدل تلك الصلاة تماماً قائماً إلا أن يكون صلاة صلاها قصراً في السفر فعليه بدلها قصراً ولو في موضع التمام.
مسألة
[ صفة لصلاة منقوضة ]
__________
(1) 1- سورة العلق آية 8 . قال تعالى : { إن إلى ربك الرجعى } .
(2) 2- سورة الماعون آية 2 .
(3) 3- الوصب : المرض .
(4) 1- المسايفة : الحرب. (4/27)
صفحة 478
ومن عقد في صلاته التكبير والآيات بأنامله فعليه النقض في الفرائض ويكره له ذلك في صلاة النفل والسنن، وإن عقدها في نفسه فلا فساد عليه.
مسألة
[ التفكر في الصلاة ]
ومن تفكر في صلاته في أمر الآخرة فلا فساد عليه وإن تفكر في
الدنيا فسدت صلاته إذا تعمد لذلك، ومن أصغى في صلاته لغير معنى
فسدت صلاته.
مسألة
[ التردي من كان مرتفع أثناء الصلاة ]
ومن كان يصلي في مكان مرتفع فتردى هل تنتقض صلاته؟ فلا بأس
عليه ويبني على صلاته.
مسألة
[ تغطية الوجه في الصلاة ]
ومن غطى فاه أو وجهه أو لحيته في الصلاة هل تفسد صلاته؟ قال : فأما الذي غطى وجهه كله أو أكثره في حد من صلاته عامداً فعليه النقض وعلى النسيان ففيه اختلاف، وتغطية الفم فيه اختلاف ومن غطى لحيته فقد أساء(1) .
مسألة
[ أثر رفع القدمين في الصلاة ]
ومن تعمد لرفع قدميه في الصلاة انتقضت صلاته وإن لمعنى أو نسيان
فلا فساد عليه، ومن تنحنح لغير عذر فسدت صلاته وإن كان لمصالح
صلاته فلا بأس وإن دل على معنى في تنحنحه كأحد يسأل عن حاجة
فسدت صلاته.
مسألة
[ النحنحة في الصلاة ]
ومن تنحنح لتنبيه إمامه إذا سهي ولم يسبح له ففي ذلك اختلاف،
قول : إن صلاته فاسدة وقول : تامة، والأول أصح إذا كان لإصلاح
الصلاة فلا بأس(2) .
مسألة
[ الصلاة على الصفا ]
__________
(1) 1- الدليل على ذلك ما أخرجه الترمذي رقم 378 في الصلاة وأبو داود رقم 643
في الصلاة باب ما جاء في السدل: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه». وكان من عادة العرب
التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة، فإن عرض للمصلي
التثاؤب في الصلاة فيلغط فاه فإنه في حديث مسلم رقم 2995 في الزهد.
(2) 1- روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - : «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» متفق عليه. (4/28)
صفحة 479
ومن صلى على الصفا هل تبطل صلاته؟ فبعض كره ذلك وبعض أجازه إذا لم يكن الصفا منقطعاً بعضه من بعض والمنقطع لا تتم الصلاة عليه.
مسألة
[ من نسي نية الوضوء لصلاة الفريضة ]
ومن سعى ليتوضأ للصلاة الفريضة ثم نسي النية عن وضوئه واعتقد أنه لصلاة الفرض فنسي أن يحضر النية عند الصلاة وذكر وهو في الصلاة أو
لم يذكر حتى قضى الصلاة، ونيته قد تقدمت عند خروجه أنه توجه
لوضوء الصلاة فصلاته تامة وله نيته فيما قام له حتى يعلم أنه أحالها.
مسألة
[ كشف العورة للأرض عمداً ]
ومن كشف عورته إلى الأرض عامداً في الصلاة كمن كشفها إلى
السماء وقد فسدت صلاته.
مسألة
[ السجود على ما يستوعب الجبهة ]
ولا يجوز سجود المصلي على ما لم يستوعب جبهته من غير عذر فإن فعل فسدت صلاته واستيعاب نصف الجبهة فيه اختلاف وفي أكثرها لا بأس.
مسألة
[ متى يكبر ويحمد المصلي في الصلاة ]
والمصلي إذا لم يبدأ بالتكبير عند انحطاطه للركوع وإنما كبر حين استوى قائماً فصلاته تامة وقد أساء في فعله، وأما إن قال : سمع الله لمن حمده بعد
أن سجد لغير عذر من نسيان أو شبهه فهذا كمن لم يقل ذلك وإن قالها قبل أن يدخل في السجود فقد أساء ولا نقض عليه.
مسألة
[ صلاة من لم يعرف السنن من الفرائض ]
ومن قرأ قبل استوائه قائماً تمت صلاته وقد أساء، وإذا كان المصلي لا يعرف السنن من الفرائض هل يسعه أنه إذا اعتقد يصلي الصلاة التي تعبده
الله بها؟ فنعم واسع له ذلك ولا نقض عليه.
مسألة
[ العطس في الصلاة ]
ومن عطس في الصلاة ففي نقض صلاته اختلاف والأصح إذا تعمد
لذلك فسدت صلاته وعلى الجهل والنسيان فلا فساد عليه.
مسألة
[ أثر التجشؤ في الصلاة ]
ومن تجشأ أو نفخ في الصلاة عمداً أو جهلاً أو نسياناً فإن تعمد لذلك فسدت صلاته وعلى الجهل والنسيان ففي نقض صلاته اختلاف
والأصح الإتمام.
مسألة
[ من عطس فحمد الله في الصلاة ]
والمصلي إذا عطس وحرك شفتيه بالحمدلة ففي ذلك اختلاف.
مسألة (4/29)
صفحة 480
[ الطحر في الصلاة ]
وإذا طحر المصلي أو قال آخ آخ فأما الطحار عبث وأما آخ آخ فهذا كلام والصلاة على العبث عمداً فاسدة لغير معنى وبالكلام أيضاً تفسد.
مسألة
[ صلاة المرأة ]
وإذا تركت المرأة في الصلاة وارتفعت رجليها اليمنى عن اليسرى فإذا
لم تتعمد لذلك فلا فساد عليها ولا تعود لذلك وإن كان ذلك من سب
برين(1) في رجلها فتخلعهما.
مسألة
[ أثر من سهى عن نية الاستقبال ]
ومن سهى عن نية الاستقبال الكعبة وهو يعلم أن الكعبة قبلته فلا بأس عليه.
مسألة
[ حجة من قال أن النفخ كلام ]
والناسي لا لوم عليه إذا أتى بالعمل على منواله وإنما سهي عن اعتقاد النية. وحجة من قال أن النفخ كلام قوله تعالى : { ولا تقل لهما أف } (2) .
وإن صلى المصلي على بساط صوف أو شعر فسدت صلاته وإن وقف عليه وسجد على ما يجوز السجود عليه جاز له ذلك.
مسألة
[ موضع المصلي ]
ويجوز السجود على الأدم للضرورة وعلى الصوف والشعر جائزة
الصلاة بجميع ذلك والصلاة به غير الصلاة عليه.
مسألة
[ ما يصلى عليه من الأشياء ]
وإذا سجد المصلي على ما أنبتت الأرض ناسياً ففي نقض صلاته اختلاف، وقول ولو سجدة واحدة فسدت صلاته ناسياً كان أو عامداً،
وقول حتى يسجد ركعة تامة وقول حتى يكون أكثر سجوده وقول حتى
يسجد في صلاته كلها وهذا إجماع.
ومن صلى على الحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضة وجميع المعادن فسدت صلاته ولا بأس بالسجود على الحب والتمر إذا أمكن
وذلك يرفع عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله.
مسألة
[ الصلاة في الخز والقز ]
وتجوز الصلاة للرجال في الخز ولا تجوز في الحرير والقز إلا في الحرب أو الضرورة والخز هو وبر الجمال والقز هو أصل الإبريم.
مسألة
[ الصلاة في الحلي ]
__________
(1) 1- المقصود به : ما يوضع في أرجل النساء من الزينة ويعرف بالخلاص يقابلها
الأساور في اليد.
(2) 1- سورة الإسراء آية 33 . (4/30)
صفحة 481
وتكره الصلاة للرجال والنساء في حلي الحديد والرصاص والنحاس والشبه ولا يبلغ بهم ذلك إلى فساد إذا لم يعلموا كراهية ذلك ويتعمد
مخالفة المسلمين.
مسألة
[ صلاة النساء بالحلي ]
وأما ما غطي من ذلك من ذلك تبر(1) أو لجين(2) فلا بأس به للنساء وما
غطي بالفضة فلا بأس به للرجال ومن صلى بحلي تبر من الرجال فعليه
النقض خاتماً كان أو غيره.
مسألة
[ انكشاف جزء من العورة ]
وإذا نقد ثوب الإمام مما يلي العورة بقدر ظفر فسدت صلاته وقيل حتى يستفرغ عضواً كفخذ أو ركبة أو إلية أو فرج من قبل أو دبر وقول إذا انكشف أكثر العورة وقيل ربعها وأما إذا برز الكوين(3) من قبل أو دبر فسدت الصلاة.
مسألة
[ نسيان قراءة قل هو الله أحد ]
وعن أبي عبد الله رحمه الله : ومن نسي قراءة قل هو الله أحد بعد فراغه من قراءة الفاتحة في الركعة الثانية من صلاة الفجر فلما رفع رأسه من
الركوع ذكرها فقرأها ثم ركع وسجد وأتم صلاته هل تفسد صلاته؟ قال:
لا وقيل : نعم.
مسألة
[ من قال صدق الله في صلاته ]
من قال بعد قراءة القرآن في الصلاة : صدق الله وكان إماماً فعن بشير
أن صلاتهم منتقضة ولم ير نقضها مسعدة.
مسألة
[ نعس المأموم في التحيات ]
__________
(1) 1- التبر : ما كان من الذهب غير مضروب فإن ضرب دنانير فهو عين، وقال ابن فارس : التبر ما كان من الذهب والفضة غير مصوغ وقال الزجاج : التبر كل جوهر قبل استعماله كالنحاس والحديد وغيرهما. المصباح المنير.
(2) 2- اللجين : جاء في لسان العرب 3/346 اللجين: الفضة، لا مكبر له جاء مصغراً =
(3) = مثل الثريا والكميت ، وقال ابن جني : ينبغي أن يكون إذا ألزموا التحقير هذا
الاسم لاستصغار معناه ما دام في تراب معدنه فلزمه التخلص وفي حديث
العرباض : بعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكراً فأتيته أتقاضاه ثمنه فقال : لا أقضيكها
إلا لجينة.
1- الكوين : العورة المغلظة. (4/31)
صفحة 482
ومن كان مأموماً فنعس في التحيات ثم انتبه بعد أن قام الإمام فقضى التحيات والتشهد ثم قام بعد أن ركع الإمام فقول إنه يتبع الإمام وإن
سبقه بالركوع وهو قول سليمان، وقول يهدر ما مضى ويستأنف ما
أدرك مع الإمام(1) .
مسألة
[ من استيقظ بعد أن سلم ]
ومن كان مأموماً فلما كان في الركعتين الأولتين غشيه النعاس
فاستيقظ بعد أن سلم الأمام فعليه إعادة الصلاة. قال أبو عبيدة : يتم ما يبقى من صلاته.
مسألة
[ أثر الوسواس في الصلاة ]
ومن تشاغل خلف الأمام بوسواس أو غيره حتى يسبقه الأمام فما لم
يكن بينه وبين الأمام حد فلا نقض عليه وإن كان بينهما حد ليس أحدهما
فيه نقض عليه.
مسألة
[ من أصابه ا لنعاس خلف الإمام ]
ومن نعس خلف الأمام ولم ينتبه حتى سلم الإمام فإنه يبني على صلاته ومن تشاغل في التحيات الأولى حتى قام الإمام فقرأ وركع ثم قام فأدرك الركوع مع الإمام إنه لا نقض عليه وليست القراءة هنا حداً عليه وقيل
ذلك حد وعليه الإعادة وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل قيامه هو
فسدت صلاته.
مسألة
[ انكشاف صدر المصلي ]
وإذا انكشف صدر الرجل المصلي عنه الثوب فلم نر يزمله حتى جاوز حداً فسدت صلاته.
مسألة
[ حكم تغطية الصدر في الصلاة ]
وإن زمله قبل مجاوزة حد ولو بقدر تسبيحة فلا فساد عليه.
__________
(1) 1- أثر النعاس : ما ذكرته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «إذا نعس
أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو
ناعس لا يدري : لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» وفي رواية : إذا نعس
أحدكم وهو يصلي فلينصرف ، فلعله يدعو على نفسه وهو لا يدري» أخرجه
البخاري 1/271 ، 272، في الوضوء ، ومسلم رقم 786 في صلاة المسافرين
والموطأ 1/118 في صلاة الليل، وأبو داود رقم 1310 في الصلاة باب النعاس
في الصلاة والترمذي رقم 355 في الصلاة، والنسائي 1/99 - 100 في
الطهارة، باب النعاس. (4/32)
صفحة 483
وإذا أحس الإمام ولوج مصل في المسجد فانتظره بتطويل القراءة أو
سجود هل عليه فساد أم لا؟ فقد اختلف المسلمون في ذلك، قول لا بأس
عليه، وقول يلزمه النقض لقوله تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } (1) .
مسألة
[ حكم الزيادة في الصلاة ]
ومن كان مأموماً فإذا قرأ الإمام السورة قرأها هو حتى يتمها فبان نقض معه عمداً فيما يجهر به في الصلاة فبئس ما صنع ولا فساد عليه وقيل إذا
تعمد لذلك فسدت صلاته.
وهل نقض على من زاد ركعة تامة في صلاته عمداً كان أو ناسياً؟ فأما العمد فتفسد صلاته وأما على النسيان ففي ذلك اختلاف فقول : إنها تامة
ولو كان ذلك في وسط الصلاة،وقول إنها منتقضة لأن الصلاة فرض
مخصوص لا تجوز فيه الزيادة ولا النقصان.
مسألة
[ الزيادة رفعاً للشك ]
وإن زاد فيها ركعة على التحدي عند الشك هل يكون مثل النسيان؟ فقد قيل بذلك، وقول ليس هو كحكم النسيان بل هو أشد، وقول ولو زاد حداً واحداً في وسط الصلاة فسدت صلاته وإن كان ناسياً وفي التعمد أشد والاختلاف فيه(2) .
مسألة
[ حكم معالجة النعاس في الصلاة ]
ومن اعتراه نعاس في صلاته فغمض عينيه فتعذر عليه فتحهما من سدته
هل له معالجتها بما يرى؟ وإن صلى كذلك هل تنقض صلاته؟ فإذا لم يشغله ذلك عن صلاته فلا فساد عليه.
مسألة
[ كيفية صلاة المعرس في بلده أو بلدها ]
وعن أبي حفص(3) عن أبي مروان(4)
__________
(1) 1- سورة الكهف آية 11 .
(2) 1- الشك أو النسيان في الصلاة : إذا نسي ركن فعليه الإتيان به وإتمام الصلاة وإذا
شك فيبني على اليقين ويسجد سجود السهو.
(3) 2- أبو حفص : لم أعثر له على ترجمة.
(4) 3- أبو مروان قال في كشف الغمة ص262 : هو على الأرجح سليمان بن عبد
الحكم ممن بايعوا الصلت بن مالك من علماء الطبقة الثالثة. كان أبو مروان عاملاً
للإمام المهنا على صحار وكان يشدد على المخالفين في المذهب وقد عزله الإمام = (4/33)
صفحة 484
أنه قال : إذا أنكح البعل عرساً على
شرط سكناها في دارها إن عليها التمام كما هي تصلي فإذا ضربت معه صلياً قصرا وإن أقرا في بلده هو أتمت وإن رجعا لدارها أتما معاً.
مسألة
[ صلاة عمر بالناس وإعادته للصلاة ]
عن عمر بن المفضل(1) عن عمر بن الخطاب(2) رضي الله عنه صلى بالناس صلاة المغرب فأسر حتى قضى صلاته فسأل أسهوت أم تلقفت عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : بل سهوت كنت أجهز جيشاً إلى الشام فأعادوا صلاتهم.
مسألة
[ الصلاة بمسجد فيه نقوش ]
ومن صلى في مسجد قد طررت جدره بالنقش هل عليه بأس؟ فإن لم ينتظروا ويشتغل عن صلاته فلا بأس عليه.
ومن قرأ كتاباً فحقق ما قرأ فسدت صلاته.
مسألة
[ البساط على العذرة ]
ومن بسط بساطاً على عذره وصلى عليه هل تفسد صلاته أم لا؟ فإن
فعل ذلك فاعل فما يلزمه؟ فإن كانت العذرة يابسة ذواية فلا بأس عليه وإن مازجت البساط وكانت أمامه أو في حيث وقوفه فصلاته منتقضة وإن
كانت في ناحية البساط ففي نقض صلاته اختلاف زياد بن مثوبة عن هاشم الخراساني رحمه الله(3) .
مسألة
[ حكم صلاة : من سبح أو حمد أو ذكر الله في غير موضعه في الصلاة ]
ومن أومأ في صلاته للركوع والسجود ولم يحرك جسده إن صلاته منتقضة، ومن قال : سبحان الله أو بسم الله أو لا إله إلا الله وأستغفر الله
أو صدق الله أو تعالى الله في غير موضعه عمداً فعليه النقض وفي قوله
ناسياً اختلاف.
مسألة
[ الاستغراب في الضحك ]
__________
(1) = الصلت بن مالك ، فخرج أبو مروان إلى نزوى فأقام بها حتى توفي رحمه الله.
1- عمر بن المفضل : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 2- عمر بن الخطاب : أشهر من أن يعرف فهو ثاني الخلفاء الراشدين أبو حفص
رضي الله عنه.
(3) 1- هاشم الخراساني : لم أعثر له على ترجمة. (4/34)
صفحة 485
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من أشار في صلاته بشيء يفهم عنه فليعد الصلاة »(1) . وفي حديث الحديث الحسن إذا
استغرب المصلي ضحكاً في صلاته انتقضت صلاته والاستغراب القهقهة(2) .
مسألة
[ أثر النعاس المؤثر في الصلاة ]
قال الفضل : «من نعس في الصلاة حتى تكلم بكلام سوى ما يقال فيها انتقضت صلاته».
مسألة
[ الصلاة بجوار النجاسة ]
وإذا كان بجنب المصلي نجاسة فإذا سجد وقعت صلاته عليها فلا بأس
عليه إذا كانت ذواية ولم تمتزج بالثوب إلا أن تمس شيئاً من بدنه فهنالك تنتقض صلاته.
مسألة
[ أثر إلقاء الملاءة في الصلاة ]
ومن ألقت الريح ملائته عن منكبيه معاً وهو في الصلاة واستأنف وإن ألقتها عن منكب واحد ردها وبنى.
مسألة
[ التصفيق في الصلاة ]
ومن كان يصلي فاستأذن إليه أحد فصفق بيديه فقال بعضهم لا تنتقض عليه ، وأوجب آخرون عليه النقض وهو الأرجح(3) .
مسألة
[ من أكل في صلاته ]
__________
(1) 2- الثابت في السنة أنه - - صلى الله عليه وسلم - - رد السلام بالإشارة في صلاته : منها : 1- عن
ابن عمر قال : قلت لبلال : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم حيث
يسلمون عليه، وهو في الصلاة؟ قال : يشير بيده. رواه الخمسة عن المنتقى من
أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/486 رقم 1084 . 2- وعن ابن عمر عن صهيب أنه
قال : مررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلمت ، فرد إلي إشارة ، وقال : لا =
(2) = أعلم إلا أنه قد أشار بإصبعه. رواه الخمسة إلا ابن ماجة، رقم 1085، وفي
1087 ، 1088 : من حديث عائشة، وجابر، لما صلى بهم جالساً في مرض له ،
فقاموا فأشار إليهم ، أن اجلسوا.
1- الاستغراب : والله أعلم - الاستغراق في الضحك .
(3) 1- لأن المطلوب من الرجال التسبيح وليس التصفيق . (4/35)
صفحة 486
والمصلي ممنوع عن الأكل والشرب وأجمعوا على إعادة صلاته إذا تعمد فعل ذلك واختلفوا فيه إذا كان ناسياً فرضاً كان أو نفلاً.
مسألة
[ إزاحة الثوب في الصلاة ]
وإذا أزاح المصلي من ثوبه لقطة متعمداً فسدت صلاته وفي النسيان اختلاف حرك ناعساً في الصلاة ليستيقظ ففي نقض صلاته اختلاف.
مسألة
[ أثر نفض اليدين من التراب ]
ومن صلى على التراب فإذا قام من سجوده نفض يديه من التراب
فعليه النقض.
وعن أبي مالك رحمه الله : إن من اغتصب ماء وتوضأ أو أرضاً فصلى فيها إن صلاته منتقضة، وقول إنها طاعة وقعت من عاص وينحط عنه الفرض(1) .
مسألة
[ الحركات المبطلة للصلاة ]
ومن صلى بقميص وأولج يده فيها إلى بدنه فسدت صلاته وروي ذلك عن محمد بن محبوب وإن تكنس وأرخى طرفي ثوبيه إلى الدقعاء فيكره
له ذلك.
مسألة
[ أثر ظهور الصدر والظهر في الصلاة ]
وإذا برز من صدر المصلي أكثره ومن ظهره فسدت صلاته إلا من عذر وإن برز أقله فلا بأس.
ومن سدل ثوبه على منكبيه ولم يدثر صدره فتلك ليست السدل التي تفسد الصلاة.
مسألة
[ انحلال الإزار ثم رفعه ]
ومن انحل إزاره وهو في الصلاة حتى جاوز ركبتيه دفعه فوراً فلا بأس
عليه وإلا فصلاته فاسدة.
مسألة
[ رفع الرجلين في السجود ]
ومن رفع رجليه معاً في سجوده انتقضت صلاته وفي رفع الرجل
الواحدة اختلاف.
مسألة
__________
(1) 1- الصلاة في الأرض المغصوبة : ذهب الشافعية والمالكية والحنفية إلى صحة
الصلاة في الدار المغصوبة، لأن النهي راجع إلى أمر خارج عن الصلاة وهو
الجناية على حق صاحب الدار، والجناية حاصلة سواء أكان بواسطة الصلاة أم
بغيرها. وذهب أحمد إحدى الروايتين عنه إلى أن هذه الصلاة باطلة، لأن النهي
يقتضي تحريم الفعل واجتنابه، والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعاً بما هو عاص به
ممتثلاً بما هو محرم عليه. انظر : الفروق للقرافي 2/85 ، روضة الناضر ص24 ،
المغني 2/55 - 56 ، المجموع شرح المهذب 3/169 . (4/36)
صفحة 487
[ حكم صلاة : من أومئ برأسه في الصلاة ]
ومن أومأ برأسه في الصلاة مخاطباً بلا أو نعم فيكره له ذلك والبدل
أولى. ويكره للمصلي قلبه صورة النفس يروى هذا عن عمر بن سعيد(1) .
مسألة
[ كيفية لي العمامة في الصلاة ]
وينبغي للمصلي أن يلوي طرة عمامته على حلقه ومن صلى وفي قبلته
نائم أو متحدث أو رامي أو ذاهب فما لم يشغله فلا بأس عليه.
النهج السابع عشر
في الغسل من الجنابة
مسألة
[ الدليل على وجوب الغسل من الجنابة ]
الغسل من الجنابة فرض لقوله تعالى: { وإن كنتم جنباً فاطهروا } (2)
ولا عذر لجاهله ، وهو أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة. ويروى أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - اغتسل بصاع من ماء(3) .
مسألة
[ مقدار الماء الكافي للغسل ]
قال أبو عبيدة(4) رحمه الله : على المتعبد أن يعلم أن الصاع من الماء
يجزي للغسل من الجنابة وإنه عليه السلام اغتسل هو عائشة(5)
__________
(1) 1- عمر بن سعيد : هو الشيخ الفقيه أبو حفص عمر بن سعيد بن راشد بن ورد
البهلوي من علماء النصف الأخير من القرن الثامن وأول القرن التاسع وهو من
فقهاء زمانه وكان ممن يقول الشعر، له قصائد وأراجيز في الفقه أكثرها في
الأديان. انظر إتحاف الأعيان 1/405 .
(2) 1- سورة المائدة آية 6 .
(3) 2- ورد بروايات متعددة انظر البخاري 1/263 في الوضوء باب الوضوء بالمد
ومسلم رقم 325 ، الحيض باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وأبو
داود رقم 95 في الطهارة ، والترمذي رقم 906 في الصلاة والنسائي 1/57 ،
58 في الطهارة .
(4) 3- سبق أن ترجم له في الجزء الأول من الكتاب .
(5) 1- روى البيهقي في سننه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تغتسل هي
والنبي - صلى الله عليه وسلم - في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك وأيضاً رواه الإمام
مسلم انظر المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/155 رقم 442 ، ورقم 441 عن
عائشة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، من قدح يقال له
الفرق. متفق عليه. والفرق ستة عشر رطلاً بالعراقي. (4/37)
صفحة 488
من الجنابة بصاعين ونصف من الماء .
مسألة
[ كيفية الاغتسال ]
ومن اغتسل من إناء فليبتدئ بغسل كفيه أولاً ثم الأذى ثم(1) يتوضأ ثم يطهر سائر بدنه غسل تعبد لا غسل نجاسة وإذا علم أن الصاع يجزي
فليتعلم كيفية الغسل بالصاع وإن تطهر من نهر فبدأ بالتطهر قبل الوضوء
فلا حرج عليه.
مسألة
[ استحباب الترتيب ]
والمستحب للمتطهر من الجنابة أن يبتدئ بالمضمضة والاستنشاق(2) بشق رأسه الأيمن ثم وجهه وعنقه وسائر جسده ترتيباً، وإن أهمل الترتيب فلا
بأس لأن تحت كل شعرة جنابة.
مسألة
[ كيفية غسل المرأة ]
وعلى المرأة(3) تنقض ضفائر شعر رأسها عند الاغتسال فإن لم تفعل فدلكتها دلكاً جيداً حتى يبلغ الماء أصول الشعر أجزأها ذلك وإن تكن عاقدة ظفرتها بخيط فلتحله(4) .
مسألة
[ الجزء الذي لم يصبه الماء ]
وإن كان على جسد الجنب حائل كالقار والجبائر وأمثال ذلك وكان بحيث لا يجاوزه الماء إلى البشرة أو لم يستطع غسل الموضع بالماء غسل ما
أمكن غسله من الجسد وتيمم ما بقي، وإن كان الحائل أقل من الظفر أو
أكثر وقول إذا كان أقل من الظفر فلا بأس.
مسألة
[ نسيان موضع في الجنابة أو الوضوء ]
ومن اغتسل من الجنابة أو توضأ فوجد حائلاً حقير كزفطة حوت أو ما أشبهها هل عليه إعادة؟ وأما المغتسل من الجنابة فأحب له أن يغسل موضع
الحائل أما المتوضئ فلا إعادة عليه وإن صلى قبل غسل الموضع الحائل أعاد.
مسألة
[ لا بد للجنب من التبول قبل الاغتسال ]
__________
(1) 2- الأصح : تم إزالة الأذى.
(2) 3- الأصح : ثم بشق رأسه الأيمن.
(3) 1- الأصح : وعلى المرأة نقض ظفائرها... أو على المرأة أن تنقض..
(4) 2- عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ظفر رأسي أفأنقضه
لغسل الجنابة؟ فقال : «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم
تفيضين عليك الماء، فتطهرين» رواه الجماعة إلا البخاري انظر المنتقى من أخبار
المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/152 رقم 431 ، 432 ، 433 . (4/38)
صفحة 489
وعلى الجنب إراقة البول قبل التطهر وإن لم يرق وخرج منه بعد التطهر مني أعاد وإن لم يخرج فغسله تام، وأما إذا أراق البول قبل الاغتسال لا
يضر خروج النطفة من بعد لأن حكمها حكم الميتة.
مسألة
[ الاغتسال قبل التبول ]
ومن خاف فوت وقت الصلاة أن أراق البول طهر عرده وحشاه واغتسل وصلى ثم أعاد الغسل إن خرج منه شيء بعد أن يرق البول.
مسألة
[ اختلاف المرأة عن الرجل ]
الوضاح بن عقبة(1) عن عبد الله بن محمد عن سليمان بن عثمان(2) أنه
قال : إذا اغتسل الجنب ولم يرق البول لم ينتفع بغسله وليس على المرأة أن
ترق البول بعد المباضعة قبل الاغتسال.
مسألة
[ الإيلاج دون الحشفة ]
ومن أولج ذبذبه في فرج حتى توارت الحشفة لزمه الغسل وإن لم يمن
وكان دون ذلك فلا غسل عليه ولا يلزمه الغسل من خروج مذي أو وذي.
مسألة
[ حكم العابث بذكره ]
والعابث بأيره حتى خرج شيء لزمه الاغتسال كان في نوم أو يقظة.
مسألة
[ الحلم لا يوجب الغسل إلا بسبب ]
ومن رأى في نومه حلمة المباضعة ولم يقذف فلا غسل عليه إلا أن يرى
مع المباضعة سبباً(3)
__________
(1) 1- الوضاح بن عقبة : من علماء عُمان وقد عمل والياً للإمام مهنا بن حيفر على
توأم، وقد قتل في فتنة بني الجلندي ومن عقبه من العلماء ابنه زياد وحفيده
الوضاح بن العباس بن زياد، وهو من الطبقة الرابعة من علماء عُمان. من كشف
الغمة الجامع لأخبار الأمة ص258 .
(2) 2- سليمان بن عثمان : أبو عثمان : من عقر نزوى وهو من علماء النصف الثاني =
(3) = من القرن الثاني وأوائل القرن الثالث وهو قاضي الإمام غسان بن عبد الله وقد أخذ
الإمام بفتواه في فلج الخطم من منح لإخراجه أروض أهل نزوى بالثمن بعد أن
اجتاحته السيول ولم يعرف مكانه فأفتى بالجواز ثم أراد الرجوع عن الفتوى فلم
يقبل الإمام منه.. أخذ العلم عن العلامة موسى بن علي بن أبي جابر الأزكوي.
1- فيما أخرجه الترمذي وأبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يجد البلل ، ولا يذكر احتلاماً ، قال : يغتسل، وعن الرجل
يرى أنه قد احتلم ، ولا يجد بللاً ، قال: لا غسل عليه، قالت أم سلمة والمرأة
ترى ذلك أعليها غسل؟ قال : نعم، النساء شقائق الرجال» أبو داود الطهارة = (4/39)
صفحة 490
يوجب عليه الغسل كالمني والبلل.
مسألة
[ خروج المني دون انتشار ]
وحفظ الثقة عن بعض العلماء أنه لا غسل على من خرجت منه النطفة الميتة وهي التي تكون بغير انتشار ولا شهوة.
مسألة
[ المعالجة من أجل الإنزال عليه الغسل ]
ومن أوقع شيئاً لنزول منيه كمعالجة امرأة فلم ينزل منه فوراً فامتنع فلما سكن جزم أنه أنزل هل يلزمه غسل؟ فإني أرى عليه غسلاً لأنه من
شهوة أنزل.
مسألة
[ الغسل من نزول المني ]
ومن عالج حتى أحس بنزول المني قبض على عرده خوف الإنزال ولزوم الغسل فلما أن فتر القضيب أنزل فعليه الغسل. ومن رأى في حلمه المباضعة والانتشار وخروج المني فلما ذهب ولمس لم يجد شيئاً فلا غسل عليه. وإذا اضطرب عرد الرجل بلا سبب وخرج منه مني بلا شهوة فهذه جنابة ميتة
ولا غسل عليه حتى يستيقن(1) .
مسألة
[ الذي يرى البلل ولم ير جماعاً ]
ومن رأى في ذكره بللاً ولم ير جماعاً ولا شهوة ولا إنزال ففي الغسل
عليه اختلاف قول لا غسل عليه حتى يستيقن أن ما خرج منه مني وقول
عليه الغسل حتى يستيقن أنه غير مني ويعتبر بالشم(2) والاحتياط أولى.
مسألة
[ خروج مقدار الظفر من بين الأسنان ]
ومن اغتسل من جنابة وتوضأ وصلى ثم خرجت من بين أسنانه لفظة من طعام أو مسواك وكان قد أدمى فوه قبل الاغتسال، قال أبو المؤثر رحمه الله
__________
(1) = رقم 236 ، والترمذي في الطهار رقم 113 .
1- الاغتسال من الإنزال بشهوة فلو حصلت الشهوة ولم ينزل لا شيء عليه وقد
ورد هذا في حديثه - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه الإمام أحمد والنسائي عن خولة بنت الحكيم
أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال : «ليس عليها
غسل حتى تنزل ، كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل» انظر المنتقى من =
(2) = أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/137 رقم 379 .
1- المني له رائحة خاصة تعرف به ويعرف بها. (4/40)
صفحة 491
إن خرج بعد التطهر والصلاة مقدار الظفر أعاد الوضوء والغسل والصلاة.
مسألة
[ من لم يعم الماء بدنه ]
وإذا تطهر الجنب فوجد في بدنه مقدار الدرهم(1) ولم يباشر الماء أعاد التطهر وقول يكفيه تطهر الموضع ويصلي وقول يغسل الموضع ويتوضأ
ويصلي، وقول عليه إعادة غسل الموضع ما لم يخف فوت الغسل وإن جف فعليه إعادة الغسل.
مسألة
[ حكم الوضوء قبل الاغتسال ]
ومن توضأ قبل الاغتسال من الجنابة هل يجزئه وضوءه ذلك للصلاة؟
قال: نعم إذا لم يأت بما لم ينقض الوضوء كخروج ريح أو مس عورة أو
قيء أو ما أشبه ذلك(2) .
مسألة
[ أثر نجاسة الثوب على غيره ]
وإذا تنجس الثوب من الجنابة هل ينجس ما خلفه إذا كانت تحته شيء من الثياب؟ الذي حلته النجاسة نجس بلا اختلاف وما لاصقه ففي تنجيسه اختلاف والثالث طاهر بلا اختلاف.
مسألة
[ قول العلماء في أثر النجاسة على الثوب ]
عن الشيخ أبي الحسن(3)
__________
(1) 2- هذه المسألة وهي إمرار اليد على جميع أعضاء الجسم مسألة مختلف عليها منهم
من أوجب الإمرار والتدليك ومنهم من قال إفاضة الماء على سائر الجسد تكفي
وهنا إفاضة الماء ربما لا تلامس جميع الجسد والله أعلم، أما إذا ترك موضعاً
عامداً فعليه الإعادة والله أعلم. انظر بداية المجتهد بتصرف 1/44 .
(2) 1- جاء في الحديث : عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ
فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه
للصلاة ثم يأخذ الماء، ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد
استبرأ، أحفن على رأسه ثلاث حثيات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل
رجليه. أخرجاه البخاري ومسلم. انظر المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم -
1/150 رقم 242 .
(3) 1- أبو الحسن : هو الفقيه العلامة الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد
بن الحسن البسيوني الأزدي اليحمدي هكذا قال المؤرخ ابن زريق في نسبه إلى
اليحمد، والمشهور مع أهل بسيا أنه شكيلي من شيوخه العلامة الأصولي أبو
محمد بن بركة البهلوي ومنهم العلامة محمد بن أبي الحسن النزوي، كان أبو
الحسن أصم ثقيل السمع. من مؤلفاته - رحمه الله - الجامع المسمى جامع أبي
الحسن مطبوع ومختصر البسيوني مطبوع، اختلف في وفاته وفي الأغلب أنه من
أبناء القرن الرابع والله أعلم. انظر إتحاف الأعيان ص 229 - 236 . (4/41)
صفحة 492
رحمه الله عن أبي الحواري(1) رحمهم الله
تعالى أنه قال : إذا حلت الجنابة ثوباً فالثاني طاهر حتى يعلم أن الجنابة
مازجته ، وقال محمد بن خالد(2) : إن شك فيه فالغسل أحوط.
مسألة
[ الاغتسال من الجنابة الميتة ]
ومن رأى الجماع في نومه والاضطراب ثم بعد سكون الإحليل خرج
منه مني بلا شهوة فتلك الجنابة الميتة، قال الشيخ ابن المسبح(3) : عليه
الاغتسال ، وقول : لا اغتسال عليه.
مسألة
[ الإنزال يقظة بشهوة ]
وأما من اشتهى وهو مستيقظ باضطراب عقله وارتعاش بدن بالشهوة وإنزال فعليه الغسل وإن تأخر الإنزال عن ذلك المحال.
مسألة
[ احتلام المرأة ]
وإن رأت المرأة ما يراه الرجل في نومها ففي الغسل عليه(4) اختلاف لأنها متعبدة كمثله(5)
__________
(1) 2- أبو الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو الحواري محمد بن الحواري بن
عثمان القري من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما أدرك أول القرن
الرابع، نشأ وعاش في نزوي وأخذ العلم عن شيوخها وهم الشيخ محمد بن
محبوب، ومحمد بن جعفر الأزكوي صاحب الجامع المعروف، ونبهان بن
عثمان وأبو المؤثر الصلت بن خميس وهو أخص شيوخه وأكثرهم ملازمة له
وكان أبو الحواري أعمى. انظر إتحاف الأعيان 1/209 - 210 .
(2) 3- محمد بن خالد : لم أعثر له على ترجمة ذكر في إتحاف الأعيان محمد بن خالد
البهلولي 1/436 .
(3) 1- الشيخ ابن المسبح : ثم أعثر له على ترجمه.
(4) 2- الأصح : وإن رأت المرأة ما يراه الرجل في نومه ففي الغسل عليها اختلاف.
(5) 3- ثبت من طريق السنة أن المرأة مثل الرجل : عن أم سلمة - رضي الله عنها – أن
أم سليم - وهي امرأة طلحة - قالت : «يا رسول الله، إن الله لا يستحي من
الحق، فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال : نعم، إذا رأت الماء، فقالت أم
سلمة : أو تحتلم المرأة؟ فقال : تربت يداك، فبم يشبهها ولدها؟» أخرجه
البخاري 1/202 في العلم ومسلم رقم 313 في الحيض والموطأ 1/51 في
الطهارة ، باب غسل المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل ، والنسائي 1/112 -
115، في الطهارة وأبو داود رقم 237 في الطهارة. (4/42)
صفحة 493
.
مسألة
[ العبث بالمرأة ]
وإن عبث بالمرأة عابث من بعل أو غيره أو بنفسها فيما دون الفرج حتى قذفت(1) ففي الغسل عليها اختلاف إلا إذا تعمدت لإيلاج النطفة من فرجها لزمها الغسل(2) .
مسألة
[ الغسل بلا نية ]
ومن لم يعلم أنه جنب فاغتسل من غير نية فلا بأس عليه وقيل إذا عم الجنب بدنه بالماء مع(3) العرك على أنه للغسل والوضوء أجزأه ما لم يمس
فرجاً أو يفعل فعلاً يبطل وضوءه.
مسألة
[ جواز التيمم عند فقدان الماء ]
وإذا وجد الجنب الماء فتعذر عليه نزعه من ركية واغترافه نهر أدلى فيه
ثوبه فعصره واغتسل فإن لم يمكنه فالتيمم.
مسألة
[ من شك في طهارة الماء أو أشكل عليه الماء الطاهر ]
ومن كان له في ثلاثة أواني فواحدة نجسة وعزب عليه علمها فإنه يغتسل ويتوضأ بماء واحدة منهن ويعتزل ملائته حتى يجف الماء ثم يدثر ويصلي
وهكذا يفعل بماء الآنية الثانية والثالثة فلا بد له أن يكون صلي بماء الطاهر وعليه التطهر بالماء بعد ذلك خوفاً من أن يكون النجس هو الآخر وإن تحر الطاهر واغتسل به جزاه على قول.
مسألة
[ قول أبي الحواري ]
قال أبو الحواري رحمه الله : يصب ماء الأولى في بعضها ويعدل إلى
التيمم للإشكال وسواء تنجس أقلها أو أكثرها وكل مشكوك موقوف.
مسألة
[ صفات الماء الطاهر ]
قال الشيخ أبو عبيدة(4)
__________
(1) 1- الأصح : قذف.
(2) 2- الغسل متفق عليه هو من الإيلاج أنزل أو لم ينزل.
(3) 3- اختلف العلماء هل من شرط الطهارة النية فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو
ثور وداود وأصحابه إلى أن النية من شروطها وعند الإباضية كما ورد عن
القطب في شرح النيل 1/104 - 105 وذهبت الحنفية وأبو ثور وقول آخر غير
معتمد عند الإباضية بأن الطهارة تجزئ بغير نية كالحال في الوضوء. انظر شرح
النيل وشفاء العليل 10/104 ، المغني لابن قدامة 1/91 ، بداية المجتهد 1/45 .
(4) 1- الشيخ أبو عبيدة : هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي نسبة إلى تميم قبيلة
من نزار، وكان مولى فيهم، توفي في ولاية أبي جعفر المنصور بعد وفاة
حاجب، تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث، وهو أشهر من أن يعرف = (4/43)
صفحة 494
إذا لم تغير هذه النجاسة هذه المياه عن كونها
وحالها من ريح أو طعم أو لون فلا بأس بها ولا ينجس الماء إلا إذا غلب
عليه(1) .
مسألة
[ الاغتسال من الماء الجاري جائز ]
ويجزئ الجنب إن اغتسل في مغدوف أو يم أو نهر له حركة ولو لم يعرك بدنه إذا انزاحت منه النجاسة.
مسألة
[ حكم عدم التتابع في الغسل ]
ومن غسل جارحة من جوارحه ثم عناه شغل فإذا فرغ غسل ما بقي ولو جف الغسل.
مسألة
[ ما يكره للجنب ]
ويكره للجنب الأكل والشرب والنعاس والبروز إلى الناس حتى يغتسل
أو يغسل فاه وقيل أن الجنب يستحب له أن يشرب سبع جرع ماء ليرجع ما خرج منه وهذا من جهة إصلاح البدن .
مسألة
[ استحباب الغسل قبل النوم ]
وأمّا كراهة النوم للجنب قبل الاغتسال فكراهته من جهة التقصير في المبالغة في الطهارة لأن المؤمن مأمور أن لا ينام إلا على طهارة ووضوء فإذا كان كذلك فأحرى أن لا ينام جنباً.
مسألة
[ عدم استحباب التعري ]
وإذا تعذر على الجنب حصول الماء الغسل لمشقة زمهرير كمرض أو خوف تصعد فإذا استطاع الغسل اغتسل.
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم الإنسان عريانا من غير عذر ولو وحده وعنه عليه السلام قال : « إن الله يحب المستحين فاستحوا من أن تباشروه»(2)
__________
(1) = في المذهب أدرك جابر بن زيد - رحمه الله - وروى عنه وعن عدد كبير من
الصحابة والتابعين مثل جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن
عباس... حمل عنه العلم الجم الغفير من طلبة العلم منهم الربيع بن حبيب، وأبو
الخطاب المعافري ، والإمام العادل عبد الرحمن بن رستم ، وعاصم السدراتي
وغيرهم. انظر مقدمة الجامع الصحيح شرح مسند الربيع 1/6 - 7 .
1- وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إن الماء الطهور لا ينجسه شيء» الجامع الصحيح 1/216 .
فالماء إذا لم يتغير لونه وطعمه ولا رائحته فهو طاهر.
(2) 1- ورد النهي عن التعري في أحاديث كثيرة منها عدم جواز أن ينظر أحدنا إلى
أخيه عرياناً، ومنها عن يعلى بن أمية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «إن الله عز وجل
حيٌّ ستر يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» رواه أبو داود
والنسائي» المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/447 رقم 445 . (4/44)
صفحة 495
.
ومن انتشره أيره فأحس برطوبة فرنا فلم يجد شيئا ومن عادته يعتريه
ذلك فحيناً يرى بللاً وحيناً لا يرى شيئاً فلا بأس عليه حتى يتيقن النجاسة.
[ حكم سلس البول ]
روي ذلك عن الشيخ محمد بن محبوب(1) رحمه الله تعالى : ومن
حشى ذكره قطناً من سلس البول ابتلي به فترطبت القطنة من والج فلا
فساد عليه حتى تترطب القطنة من فوق ويستيقن ذلك.
مسألة
[ سحب القطن ]
ومن رام الاحتشا ظهر رأس ذبذبه وأدخل فيه قطنة يحشيه فجذب
الخشبة(2) .
مسألة
[ حكم عدم خروج القطنة ]
ومن احتشى من مذي فلما بال لم تخرج القطنة من فم الإحليل كيف يصنع؟ فإنه يجتهد في إناء الحشو ويتوضأ ويصلي ومن بال واحتشى قبل الاستنجاء أو توضأ وصلى فلا بأس.
مسألة
[ الوضوء من تغسيل الميت ]
ومن غسل الميت الجنب وهو متوضئ أعاد وضوءه وذلك إذا مس الأذى ولا يتوضأ الموضئ وهو عريان ولا قائم فإن فعل ذلك فلا بأس عليه.
مسألة
[ الاغتسال دون غسل داخل الفم والأذن ]
وإن كان المتوضئ في نهر يواري عورته فلا بأس عليه ومن اغتسل من جنابة ونسي أن يولج يده في فيه وأذنيه فإنه يغسل أذنيه وليس عليه بدل الغسل(3) .
مسألة
[ حكم التدليك ]
__________
(1) 1- محمد بن محبوب : هو شيخ المسلمين في زمانه محمد بن محبوب بن الرحيل
بن سيف بن هبيزة القرشي المخزومي وشيخ زمانه ومرجعهم في الفتوى، كان
مضرب المثل في الزهد والتقوى نشأ أيام إمامة الإمام غسان بن عبد الله وعاصر
الإمام مهنا بن جيفر، وتألق نجمه في أيام الصلت بن مالك وبايعه سنة 237
وتقلد القضاء على صحار سنة 251هـ من شيوخه : موسى بن علي الأزكوي.
انظر إتحاف الأعيان 1/191 - 92/1 .
(2) 2- الأصح : الحثية .
(3) 1- سبب الاختلاف هل هما ركن من أركان الغسل أم لا؟ فذهب قوم إلى عدم
وجوبهما وممن قال بذلك مالك والشافعي ، وذهب قوم إلى وجوبهما ومنهم أبو
حنيفة وأصحابه. سبب الخلاف معارضة ظاهر حديث أم سلمة للأحاديث التي
نقلت صفة وضوئه - صلى الله عليه وسلم - . (4/45)
صفحة 496
ومن اغتسل من جنابة ولم تنل أنامله عرك بعض ظهره فلا تكليف عليه فيما لم يطق ويجزيه إمرار الماء على ما لم ينل عرك بيده(1) .
مسألة
[ حكم الوضوء مع الجرح ]
ومن كان بيده جرح في موضع الوضوء فله أن يوضئ ما بقي من جوارحه وأما حول الجرح يصعده لموضع الجرح، وقول لا تصعد عليه ولا يلزمه عبادتان.
مسألة
[ حكم الخائف حكم من لم يجد الماء ]
ومن لم يمكنه غسل جارحة مورية من وضع وضوءه غسل بقية جوارحه وتيمم للذي له يمكنه غسلها وكل البدن فرض واحد في معنى الغسل،
ويروى أن حكم الخائف كحكم من لم يجد الماء ومن ثبت عليه وجوب
الغسل بوجه من الوجوه ولم يزل عنه حكمه زال عنه حكم التيمم لأنها
فريضة واحدة ومن وجب عليه حكم التيمم بوجه زال عنه حكم الغسل
ولا يبعد هذا في ثبوت معنى الحكمين الواجبين في كتاب الله.
مسألة
[ الجهل بعدم الغسل ]
ومن باشر زوجته فأولج الحشفة فلم يغتسلا حيث أنه لم ينزل جهلاً
منهما حتى مضى وقت صلاة فلا ينتفعان الجهل وعليهما الغسل وإعادة
الصلاة والكفارة(2) .
مسألة
[ من جهل الغسل وتوضأ وصلى ]
ومن اجتنب وعدم الماء إلا الوضوء فتوضئ وصلى وجهل التيمم للغسل فعليه إعادة الصلاة وفي الكفارة عليه اختلاف.
مسألة
[ حكم صلاة الجاهل في الغسل ]
وقول إن صلاته تامة.
مسألة
[ كيفية اغتسال من كان به جرح لا يرقى ]
عن الشيخ أبي سعيد(3)
__________
(1) 2- جميع الأحاديث التي وردت في صفة غسله - صلى الله عليه وسلم - من الجنابة لم تشترط العرك أو
التدليك انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/279 ، 291 رقم
5316 ، 5317 ، 5318 ، 5319 بروايات متعددة 5320 ، 5321 .
(2) 1- الجهل هنا استناداً لحديثه - صلى الله عليه وسلم - : «إنما الماء من الماء» وحديث عند الترمذي رقم =
(3) = 110، 111 في الطهارة باب ما جاء أن الماء من الماء «إنما كان الماء من الماء
رخصة في أول الإسلام ثم نهى عنه» أخرجه الترمذي وأبو داود رقم 214،
215 في الطهارة باب في الأكسال ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
والذي أثبت الغسل أحاديث منها : حديث عائشة الذي رواه مسلم رقم 349،
والموطأ 1/46 في الطهارة ، والترمذي رقم 108 ، 109 في الطهارة من
حديث... «فإنما أنا أمك» قلت : «فما يوجب الغسل؟ قالت : على الخبير
سقطت ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان
فقد وجب الغسل».
1- أبو سعيد : هو الشيخ العلامة أبو سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد
الناعبي الكدمي رحمه الله ، وكدم من أعمال ولاية الحمراء. ويعد من
كبار العلماء المحققين المبصرين و أئمة المذهب المقتدى بهم ، له كتاب الاستقامة =
= والمعتبر وتعقيبه على كتاب الأشراف لابن المنذر النيسابوري... ولد على التقريب
سنة 305هـ عاصر الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب والإمام راشد
بن الوليد. أخذ العلم عن محمد بن روح بن عربي الكندي السمدي النزوي
والشيخ رمشقي بن راشد. انظر إتحاف الأعيان 1/215 - 219 . (4/46)
صفحة 497
رحمه الله ومن به جرح لا يرقى دمه فإنه يتيمم
لسيلان الدم ويتوضأ للصلاة وقول لا تيمم عليه فعلى قياس هذا يجري الاختلاف لأن الوضوء بالماء آكد ، وقول عليه بدل ما مضى ولو تيمم
وتوضئ عند وجود الماء فات الوقت أو لم يفت.
مسألة
[ حكم الغسل من تداخل الجنابة مع الحيض ]
وإذا اجتنبت المرأة وحاضت وقول يجزيها غسل واحد وقول عليها غسلان.
مسألة
[ الغسل دون انقطاع البول تماماً ثم الإنزال لشهوة ]
ومن تطهر من جنابة ولم يرق البول فصلى ثم وجد شهوة واضطراب
عرد وإنزال مني بعد أن صلى هل عليه بدل الصلاة والغسل فإذا كان من
شهوة حادثة فصلاته تامة وعليه الاغتسال وإن كان من غير شهوة حادثة
ففي بدل الغسل والصلاة عليه اختلاف.
مسألة
[ وصول الماء إلى الجسم بغير الاغتسال ]
وإذا عم الماء بشرة الجنب بحركة منه في الماء أو بحركة الماء عليه قام
ذلك مقام العرك وقيل إذا استوعب الماء البشرة أجزأه الجنب عن العرك لأن غسله تعبد من الله تعالى وكل تعبد فهذا سبيله إذا لم تكن نجاسة في بشرته.
مسألة
[ حكم اغتسال من رأى في نومه الجماع ]
ومن رأى في نومه الجماع فلما وهب(1) وجد بلل اشتبه عليه أنه مني أو وذي فهل يجب عليه الاغتسال؟ فإذا رأى الجماع والبلل فعليه الغسل
احتياطاً وقول إيجاب وقول لا عليه غسل حتى يستيقن بأنه مني(2) .
مسألة
[ التبس الأمر عليه فما حكم الاغتسال ]
وإذا لم يجد النائم أسباب الجماع إلا أنه لما هب وجد بللاً في أيره وتعذر عليه تمييزه من غيره فقول عليه الغسل حتى يعلم أنه ليس بمني.
مسألة
[ احتلام الناعس دون إنزال ]
وأما إذا وجد الناعس الاضطراب والجماع والشهوة فلمّا هب لم يجد
__________
(1) 1- الأصح : فلما هب، أي قام أو استيقظ.
(2) 2- هنا الغالب أنه مني والعبادة تحتاج إلى يقين واليقين لا يحصل إلا إذا انتقى الشك
وهنا الغسل هو النافي والمثبت لليقين وهو الطهارة. سبق أن ذكرنا أحاديث
الاحتلام فارجع إليها. (4/47)
صفحة 498
تأثيراً كبلل أو مني فلا غسل عليه ولم أعلم في ذلك اختلافاً.
مسألة
[ الاحتلام وعدم الإنزال ثم الإنزال بعد الهدوء ]
وأما إذا وجد الشهوة وهو مستيقن فلم ينزل شيئاً في حين ذلك ثم أنزل المني بعد هدوء الاضطراب فهنا يلزمه الاغتسال إجماعاً(1) .
مسألة
[ التذكر بعد مضي الوقت ]
وإذا وجد شيئاً مما يوجب الإنزال كوجود الشهوة والاضطراب فلم
يلمس فوراً عند انتباهه من نومه فلمس في حين ما يمكن أنه يجف ما خرج
منه فهذا عليه الاغتسال احتياطاً وقول لا غسل عليه.
مسألة
[ من وجد الجنابة في ثوبه ]
وإذا لم ير في نومه الجماع وأشبهه ثم رأى في بد نه أو ملائته جنابة
يحتمل كونها منه ويحتمل من غيره فعليه الغسل احتياطاً على معنى العرف والعادة.
مسألة
[ كل شيء على أصله لم يتغير ]
وكل شيء أصله طاهر فهو على طهارته إذا كان قائم العين ولا تحلية شهادة الشاهدين الذين تقوم بهم الحجة في الشهادة حتى يقسر الشاهدان
بماذا تنجس فحينئذ تقوم بهم الحجة.
مسألة
[ من وجد في ثوبه النجاسة بعد أداء الصلاة ]
ومن رأى في ثوبه الذي صلى به نجاسة قال أبو عبد الله عليه بدل صلاة من آخر نومة نامها إن يكن حس منها وقال أبو زياد من آخر جلسة جلسها للغائط هذا إذا كان غائطاً بالثوب الذي صلى به لم يلبسه غيره وإن لبسه
غيره لم يحكم عليه ببدل(2)
__________
(1) 1- الإنزال تم نتيجة الشهوة فيترتب عليه الاغتسال للأحاديث الصحيحة التي
توجب الاغتسال من الاحتلام. والله أعلم.
(2) 1- إذا صلى الإنسان وهو لا يرى النجاسة ثم رآها فقال الفقهاء رحمه الله :
1- قوم رأوا قليلها وكثيرها سواء ، وممن قال بهذا القول الشافعي.
2- قوم رأوا قليل النجاسات معفو عنه ، وحدوه بقدر الدرهم البغلي ، وهذا قول
أبو حنيفة وشذ محمد بن الحسن فقال : إن كانت النجاسات ربع الثوب
فما دونه جازت به الصلاة.
3- وقال فريق ثالث: قليل النجاسات وكثيرها سواء إلا الدم ، وهو مذهب
الإمام مالك سبب الخلاف هل الرخص يقاس عليها أم لا ، وهل النجاسة = (4/48)
صفحة 499
صلاته.
مسألة
[ حكم جماع الصبي البالغة ]
وهل على المرأة البالغة غسل جماع من الصبي؟ قال الشيخ رحمه الله :
من أوجب على الصبية الغسل من جماع البالغ أوجب على البالغة الغسل
من جماع الصبي وهذان القولان مرفوعان عن أبي الحواري رحمه الله
وقول لا غسل عليهما(1) .
مسألة
[ قذف المرأة دون جماع ]
وإذا قذفت المرأة من غير إفضاء فقد اختلفوا في الغسل عليها فأثبته
بعضهم وأبا آخرون إلا من إيلاج حشفة آدمي أو دابة في فرجها.
مسألة
[ من استوحش فعليه التيمم ]
ومن أجنب فاستوحش فأخر الغسل وهو (.....)(2) استوحش من
السباع والحيات أو من تالد ضرر فله تأخير الغسل وإن كانت وحشة من
الجن ففي جواز تأخير الغسل اختلاف، وإن أحرز الصائم صومه بغسل
فرجه ورأسه فلا بأس عليه في تأخير الغسل.
وإذا قضى الزوج شهوته في سائر بدنها أعني زوجته فلا غسل عليها إلا إذا أولجت النطفة الفرج لزمها الغسل هذا عن أبي الحواري بن عثمان رحمه الله.
مسألة
[ كيفية الغسل ]
قال أبو مالك رحمه الله إذا عرك الجنب كل عضو ثلاث عركات أجزاه والفرض واحدة مع صب الماء وأجمعوا أن غسل داخل الأذن واجب ومثله الإبط وإذ غلب الظن أن الماء استوعب البدن تم الغسل وإن قدم غسل
السوءة وأخر في الغسل الأعضاء فلا بأس وهو الأصح.
مسألة
[ حكم التتابع في غسل الجوارح ]
وأجمعوا أن من غسل بعض جوارحه من الجنابة وأخر البعض إلى وقت حضور الصلاة فلا بأس قول ما لم يجف الأول قول ولو جف.
مسألة
[ نسيان المضمضمة والاستنشاق ]
__________
(1) = مغلظة ومخففة... انظر بداية المجتهد 1/81 بتصرف قليل.
1- الغسل من الإيلاج بالغ أم صغير، أنزل أم لم ينزل للحديث «إذا مس الختان
الختان وجب الغسل» ولم يحدد الحديث البلوغ أو الإنزال إنما أطلق العموم وهو
الأصح والله أعلم.
(2) 2- البياض : والله أعلم (هو صائم). (4/49)
صفحة 500
وعن أبي الحواري رحمه الله أن من نسي المضمضة والاستنشاق(1) في الغسل من الجنابة وقد صلى فعليه إعادتهما وإعادة الصلاة وإن لم يجزي
الجنب يديه بين اليتية حتى صلاها أجزأها مع الماء وأعاد صلاته.
مسألة
[ الوضوء قبل الغسل ]
وليس على من اغتسل من الجنابة أن يتوضأ كوضوء الصلاة قبل
الاغتسال وإنما عليه الاغتسال فقط وإنما ذلك استحباب وأن يتوضأ قبل
الغسل للصلاة ونوى به للصلاة والغسل أجزأه ما لم ينقضه بشيء من
نواقض الوضوء(2) .
مسألة
[ حكم النية في الاغتسال ]
ومن لم ينو بغسله من الجنابة لم يجزه رسوبه في الماء واغتساله به ولو أنه وضع في كفه ثم زج به في لجة خضم بحر ولو غاص وطفا غير مرة في الماء
لما أجزأه ذلك الغسل ولو اغتسل بصاع ماء ونوى به الغسل أجزأه ، وقول بصاع ونصف(3) .
مسألة
[ حكم نسيان النية ]
قال الشيخ أبو مالك رحمه الله(4) : إذا اغتسل الجنب بغير نية للغسل من الجنابة أو قد نسيها أجزأه ذلك الغسل، قال الشيخ أبو محمد رحمه الله :
الغسل من الجنابة عبادة والعبادات لا تؤدى إلا بنية واعتقاد وهذا هو
الأصح لمن قال أن بدن الجنب نجس والنجاسة إذا زالت عينها أطهر ما حلته ولو بغير نية.
مسألة
[ كيفية التيمم ]
__________
(1) 1- لأن المضمضة والاستنشاق من أركان الغسل والركن لا يجزئ إلا بالإتيان به .
(2) 1- وهذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - في كيفية غسله وقد سبق ذكر
الأحاديث.
(3) 2- يظهر لنا رأي الإباضية في النية وهي من شروط الاغتسال كما سبق رأيهم مع
جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة.
(4) 1- أبو مالك : هو أبو مالك بن غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري
ذكره السيابي في الطبقة الثالثة من علماء عُمان. كشف الغمة ص297 رقم 476 . (4/50)
صفحة 501
قال الله تعالى: { فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً } (1) أي نقياً حلالاً، ويضع المتيمم كفيه على الأرض ويمسح بهما وجهه ويضربهما ثانية فيمسح بهما يديه من ظاهر كفيه إلى الجوزة وقول إلى المرفقين والأول أصح.
مسألة
[ مبدأ التيمم ]
ويبدأ المتيمم بيده اليمنى ثم اليسرى وإن علقت بيده عوثت حكها
بالأخرى بلا أن يخرج التراب كله هذا، عن موسى بن علي رحمه الله(2) .
قال ابن المسبح : يجعل الإبهام مع الإبهام عند ضربه بالتراب(3) .
مسألة
[ الترتيب في التيمم ]
وإن بقي من وجه المتصعد أو يديه شيء لم يمسه شيء التراب فلا
بأس عليه إذا لم يتعمد لذلك وإن بدأ بيديه قبل وجهه فلا نقض عليه ولا
يمسح المتيمم التراب من وجهه ويديه قبل أن يصلي، فإن ذلك فلا فساد
عليه في تيممه.
مسألة
[ مما يجوز التيمم به ]
__________
(1) 2- النساء آية 43 والمائدة آية 6 { فلم تجدوا ماءً... } .
(2) 1- موسى بن علي : هو الشيخ العلامة أبو علي موسى بن علي بن عزرة الأزكوي
كان هو وأخوه محمد بن علي والأزهر بن علي من أجلة علماء زمانهم وهم
فيما قيل من بني سامة بن لؤي بن غالب. ولد ليلة العاشر من جمادى الآخر،
وقيل لثلاث عشرة منه سنة 177هـ قبل وفاة جده لأمه موسى بن أبي جابر
بنحو ثلاث سنين، نشأ في أزكى أخذ العلم عن والده وعن هاشم السيجاني
وغيرهم توفي رحمه الله لثمان ليال من ربيع الأول سنة 230هـ وعمره
53 سنة. إتحاف الأعيان 1/181 - 183 .
(3) 2- كيفية تيممه - - صلى الله عليه وسلم - - عند النسائي : «تيممنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمسحنا
بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب» وفي أخرى لأبي داود «أنه تمسحوا وهم مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم بالصعيد مرة أخرى ،
فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب، والآباط من بطون أيديهم» أبو داود رقم
318 ، 319 ، 320 في الطهارة باب التيمم، والنسائي 1/166 - 168 في
الطهارة باب التيمم. (4/51)
صفحة 502
وجائز بالتراب وما كان منه من الأرض إلا أن يكون نجساً ولا يجوز التيمم بتراب قد تيمم منه وفيه ترخيص ولا يجوز التيمم بالجص والرماد
وفي الجص ترخيص ولا يجوز التيمم بالسبخ والملح.
مسألة
[ التيمم للغسل والوضوء واحد ]
والتيمم للغسل والوضوء واحد ومن كان راكباً فرفع إليه تراب فتيمم به أجزأه وإن ضرب بيده على أراثة فطار منها غبار أجزأه إذا تعذر عليه
حصول التراب.
مسألة
[ التيمم في السفينة ]
ومن كان في سفينة في اليم وتعذر عليه حصول التراب لعلة الماء فإنهم يتيممون بتراب الأمتعة فإن تعذر ذلك ضرب بيده الهواء ونوى التيمم فإن تعذر من شدة الخب نوى التيمم في نفسه وصلى وأعاد الوقت مع الإمكان لوجود الماء ولو فات الوقت وقول لا إعادة عليه إذا فات الوقت(1) .
مسألة
[ عدم وجود التراب الجاف ووجود الرطب ]
ومن تعذر عليه حصول ماء أو تراب يتيمم به إلا تراباً رطباً عرك كفيه حتى يبس فإذ يبس وثار منه بعض الغبار تيمم به وصلى ومن تيمم ثم وجد
الماء بطل تيممه وإن لم يقدر على تناوله فتيممه تام.
مسألة
[ مقدار العبادات بالتيمم الواحد ]
ويجزئ المتيمم بتيمم واحد لجمع الصلاتين وللوتر فإن رام صلاة أخرى تيمم لها وصلى وقو ل إذا لم يتحول من مقامه جاز له أن يصلي ما شاء
بتيممه للفريضة.
مسألة
[ التيمم بدل الماء في كل شيء بالنسبة للعبادة ]
ومن رام تلاوة قرآن وهو غير طاهر ولا ماء له تيمم وقرأ ومن صلى الفرض بالتيمم ثم رام بدل شيء من الصلاة أحدث تيمماً وصلى البدل.
مسألة
[ الجمع بين نية الغسل والوضوء في التيمم ]
ومن تيمم تيمماً واحداً للغسل من الجنابة وللصلاة أجزأه إذا نوى
ذلك لهما.
مسألة
[ التيمم لإحراز الصوم ]
__________
(1) 1- المعروف لدى الفقهاء أن البحر الطهور ماءه الحل ميتته ، ولا أدري لماذا التيمم
في السفينة. (4/52)
صفحة 503
عن أبي علي رحمه الله : ومن أجنب ليلاً في شهر رمضان فتيمم لإحراز صومه له أن يصلي بتيممه ذلك فريضة فإن نوى بتيممه لإحراز صومه
ولصلاة الفريضة أجزأه ذلك وإلا فلا.
مسألة
[ التيمم للصوم قبل الفجر ]
قال الشيخ أحمد بن المسبح(1) رحمه الله : التيمم للصوم يكون قبل
الفجر وأما التيمم للصلاة قبل دخول وقتها. عن الشيخ محمد بن
محبوب(2) رحمه الله : إن أرسل التيمم أجزأه للصوم والصلاة.
مسألة
[ الأفضل لكل عبادة تيمم ]
والأفضل للمتيمم أن يحدث للصلاة تيمماً وللصوم تيمماً وكذلك المستحاضة تيمم للغسل بين الصلاتين تيمماً واحداً للغسل والوضوء نوت أو
لم تنو إذا أرادت به الصلاة.
مسألة
[ للحائض أن تتيمم إذا عدمت الماء ]
وإذا طهرت الحائض ولم تجد الماء تيممت وجاز لزوجها غشيانها ومن باضع عرسه مراراً في السفر بالتيمم من عدم الماء فلا بأس وبعض شدد في ذلك، وقول : يطأها مرة واحدة.
مسألة
[ وجود الماء قبل فوات الوقت ]
وإذا صلى المصلي بالتيمم فوجد الماء فإن وجده والوقت قائم أبدل صلاته وإن فات الوقت فلا بدل عليه(3)
__________
(1) 1- أحمد بن المسبح - رحمه الله - لم له أعثر على ترجمه.
(2) 2- محمد بن محبوب : هو أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل وبشير ابنه
من آل الرحيل بن سيف بن هنبيرة بن أبي وهب، أبو عبد الله وبه يعرف في
المؤلفات العمانية من أهل بيت في العلم، والده محبوب بن الرحيل من العلماء
المبكرين وأخواه سفيان ومحبر وكان الأخير يسمى بالثقة، وابنه بشير صاحب
كتاب المحاربة.. ومنهم الإمام المشهور سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب.
قدم صحارى عام 249هـ وولي القضاء عليها للإمام الصلت بن مالك وبها
توفي في 3 / محرم / 260هـ له كتاب يقع في 70 جزءاً . عن كشف الغمة
ص236 رقم 460 .
(3) 1- اختلف العلماء في هذه المسألة على النحو التالي : قال الجمهور بعدم الإعادة
وجد الماء قبل فوات الوقت أو بعده وهم أبو سلمة والشعبي والثوري ومالك
والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وقال عطاء وطاووس والقاسم
ابن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة يعيد الصلاة. والدليل على
عدم الإعادة وعلى مشروعية الإعادة هو ما رواه أبو داود عن أبي سعيد : أن
رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة ، وليس معهما ماء ، فتيمما صعيداً طيباً =
= فصلياً، ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر
ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا له ذلك فقال للذي لم يُعد : «أصبت السُنَّة
وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي أعاد : «لك الأجر مرتين» واحتج أحمد بفعل
ابن عمر رضي الله عنهما أنه تيمم وصلى ودخل المدينة ولم يعد الصلاة. المغني
لابن قدامة 1/179 . (4/53)
صفحة 504
.
مسألة
[ التيمم من خوف فوات الوقت ]
ومن تعذر عليه حصول الماء من تزاحم الناس ولم يصل حتى كاد
الوقت يفوت فإذا خاف فوت الوقت فتيمم وصلى وله تركها حتى يفوت الوقت لطمعه أن يصليها بالماء وعليه بدلها إذا وجد الماء قبل فوت الوقت.
مسألة
[ التيمم من الجنابة ثم وجد الماء ]
وأما الضارب إذا صلى بالتيمم فلا بدل عليه ولو وجد الماء في الوقت إلا أن يكون تيمم من جنابة ووجد الماء في الوقت فعليه إعادة الصلاة بالماء.
مسألة
[ تيمم المسافر ]
وقد قال بعض المسلمين إن تيمم في موضع وصلى في غيره جاز له
ذلك، وقول إن الضارب إذا صلى بالتيمم فلا بدل عليه إذا وجد الماء في
الوقت وبعد فوت الوقت جنباً كان أو غير جنب.
مسألة
[ لا يجوز إبداء العورة من أجل الغسل ]
ومن لم يبلغ الماء للتطهر إلا بإبداء سوءته للناس ولم تكن له حيلة بغير ذلك فليس له إبداء سوءته للناس والدين يسر والحق لا يقوم بالباطل والمبدي عورته للناس من غير عذر ملعون(1) .
مسألة
[ التيمم كاف ولو إلى سنين ]
روي أن رجلاً من ربيعة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إنا نبدو لنا الأهلون وليس لنا ماء إلا لسد سغبنا ، فقال له عليه السلام : الصعيد الطيب كاف ولو إلى سنين.
مسألة
[ جواز التيمم لمن لا يجد شراء الماء ]
__________
(1) 1- وردت أحاديث تحث على عدم النظر أو كشف العورة لغير الزوجة : عن بهز
بن حكيم عن أبيه عن جده قال : قلت : «يا رسول الله عورتنا ما نأتي منها وما
نذر؟ قال : احفظ عورتك، إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك. قلت : فإذا
كان القوم بعضهم في بعض؟ قال : إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها.
قلت : فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال : فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحى منه»
رواه الخمسة إلا النسائي، المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/266 رقم 656 . (4/54)
صفحة 505
ومن وجد الماء بشراء وكان ثمنه يضر به مضرة من قبل نفقته ونفقة من يمون فعليه شراءه بأعدل الثمن ويتوضأ ويصلي جنباً كان أو غير جنب.
مسألة
[ شراء أفضل من التيمم ]
وإذا كان الماء موجوداً إلا أنه بثمن فوق ثمنه من الغلاء وكان قادراً على شراءه هل عليه شراءه؟ قول عليه شراءه ولو غلا وقول يتيمم ويصلي ولا
بأس عليه.
مسألة
[ قاعدة لا ضرر ولا ضرار ]
ومن حاذر تالد ضرر من الاغتسال بالماء من برد أو علة يهيج عليه من سبب ذلك تيمم وصلى جنباً كان أو غير جنب ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام(1) .
مسألة
[ لا جناح على المريض في التيمم ]
وكل ذي وصب حاذر ضرراً من الماء عدل إلى الصعيد جنباً كان أو غير جنب، وإذا تعذر حصول الماء لغسل الميت أو كانت به علة لا تستطاع
مباشرة كثهري(2) بشرته من جدري أو مرض أعاذنا الله وكافة المسلمين والمسلمات من ذلك وإن تيمم بالتراب بدلاً من الماء جاز.
مسألة
[ قلة الماء يقدم الاستنجاء على الوضوء ]
ومن له ماء نزر لا يكفيه للاستنجاء والوضوء استنجا به وتيمم للوضوء ، وقو ل تيمم للاستنجاء لأنه سنة ويتوضأ بالماء لأنه فرض ومن يمم وجهه ومكث هنية فيمم كفيه فلا بأس ومن تيمم للطهارة فرا به ما شاء الله .
مسألة
[ حاجته للماء تجيز التيمم ]
والمسافر إذا كان له ماء يخاف أن تلجئه الحاجة إلى شربه وهو ناء عن القرية أو غير ناء تيمم وصلى إلا أن يعلم يقيناً أنه قد استغنى عنه ولا عذر لتارك التيمم عمداً وعليه بدل ما صلى والكفارة إن فات الوقت.
مسألة
[ مسح اليدين إلى المرفقين ]
ومن مسح بدنه جهلاً في تيممه أو عمداً فلا بأس عليه لأن التيمم جعل بدلاً من الماء للوضوء والمتوضئ عليه غسل يديه إلى المرفقين.
مسألة
[ نسيان الجنابة وتيمم للصلاة ]
__________
(1) 1- لا ضرر ولا ضرار : أساس لقاعدة فقهية رئيسية وهي الضرر يزال. وهذا النص جزء من حديث صحيح.
(2) 2- الأصح : كتهري بشرته . (4/55)
صفحة 506
والضارب إذا أجنب ونسي فتطهر من غير قصد تيمم وصلي واكتفى بذلك وقيل الغسل من الجنابة تعبد لا يصح إلا بنية للضارب والأهل عليه البدل.
مسألة
[ التيمم خشية فوات الوقت ]
ومن كان يرجو وجود ماء فعليه طلبه ما أمكنه ما لم يفت الوقت فإذا حاذر فوت الوقت تيمم بعد ملاحظة وصلى فإن كان جنباً فإذا وجد الماء أمسه (.....)(1) .
مسألة
[ قول معاذ بن جبل ]
وكان معاذ بن جبل(2) رضي الله عنه يروي من أيس من وجود الماء تيمم وصلى في أول الوقت للصلاة وإن كان الماء غير ناء عنه إلا أنه لا يناله إلا
بمؤنه ومعالجة.
مسألة
[ من وجد مشقة فعليه بالتيمم ]
وليس على الضارب في الأرض أن يشق على نفسه وأصحابه في طلب الماء إذا ظن إدراكه بالمشقة وإذا أمن على نفسه وماله ودابته والضرر فعليه السعي في طلبه، قال موسى بن علي رحمه الله : من خرج من منح(3) يريد نزوى(4)
__________
(1) 1- المحذوف : - والله أعلم - أمسسه جلدته أو بدنه.
(2) 2- معاذ بن جبل : ابن عمرو بن أوس بن عائد.. بن الخزرج السيد الإمام أبو عبد
الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني البدري، شهد العقبة شاباً أمرد، وله عدة
أحاديث. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر وأنس وأبو أمامة وغيره،
وكان من علماء الصحابة ومن أعلمهم بالقرآن الكريم، وقال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - «أعلم
أمتي بالحلال والحرام معاذ» وقال عمر : يأتي معاذ بين يدي العلماء برتوة.
بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضياً. توفي رضي الله عنه في الأردن سنة 17 أو
18هـ وله من العمر 33 أو 34 وقبره موجود في الأغوار الشمالية وكانت وفاته
في الطاعون رضي الله عنه. انظر سير أعلام النبلاء 1/443 - 461 .
(3) 1- منح : من قرى داخلية عُمان، انظر كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص268 .
(4) 2- نزوى : عاصمة عُمان الأولى، وهي همزة الوصل للمواصلات بين عدد من
المناطق في السلطنة، كمنطقة الظاهرة والجنوبية، ويبلغ عدد قراها 43 قرية
ومدينة تقع مدينة نزوى في قلب داخلية عُمان، تحدها ولاية أزكى شرقاً وبهلا
غرباً وأدم جنوباً والجبل الأخضر شمالاً وتبعد عن مسقط 180 كما تشتهر
نزوى قديماً وحديثاً بمركزها التجاري الهام، وتشتهر بقلعتها المشهورة تاريخياً
قام بتشييدها الإمام سلطان بن سيف اليعربي، وتشتهر بفلجها المسمى (دارس)
ويعد من أفلاج عُمان، ومن أهم آثارها مسجدها الذي بني في السنة الثامنة
للهجرة ومسجد الشواذنة الذي كان مقراً للإمام عبد الله، وأول مسجد أعيد
ترميمه في السنة السابعة بعد المائة والعديد من المساجد الأخرى، فهي عاصمة
الدولة وبيضة الإسلام وجامعة العلماء ومركز اتصالات ومواصلات ومركز
اقتصادي هام. عن نشرة وزارة الإعلام - مسير الخير - المنطقة الداخلية. (4/56)
صفحة 507
ولم يجد في طريقه ماء فليس عليه أن يذهب لطلب الماء إلى كرشا(1) والناس أحوالهم مختلفة فكل محكوم عليه لما يناسبه من خوف وأمان.
النهج الثامن عشر
في غسل الميت والصلاة عليه وصلاة الإمام وصلاة السفينة
[ كيفية ماء الغسل ]
ومن رام تطهير هالك ملاءته سوى خرقة تستر سوءته ثم طهر كفيه فوضأه ويكون ذلك في ستر وتحت كن (كلمة غير معروفة) مع وجود
سدراً أو خمطي أو ما أشبههما وبدأ بشق رأسه الأيمن علي الترتيب إلى
قدميه وإن لم يرتب فلا بأس وإن تعذر حصول السدر(2) والخمطي(3) فلا بأس ويستحب أن يكون في الماء شيء من الكافور(4) .
مسألة
__________
(1) 3- كرشا : من قرى نزوى المحيطة بها.
(2) 1- السدر : عبارة عن شجر مفردها سدرة ورقها يدق ويستعمل مع العسل وهو
ورق السدر الذي ينبت في الأرياف. وهو الورق الذي يغلى مع الماء لغسل الميت
والله أعلم. انظر المصباح المنير 1/321 ، الجامع لأحكام القرآن 14/287 .
(3) 2- الخمطي : ورد في قوله تعالى : { وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط
وأثل وشيء من سدر قليل } [سبأ : آية 16]. قال القرطبي رحمه الله : قال
أهل التفسير والخليل : الخمط : الأراك، الجوهري : الخمط ضرب من الأراك
له حمل يؤكل، وقال أبو عبيدة : هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة لا يمكن
أكله. المبرّد : الخمط كل ما تغير إلى مالا يشتهى. الجامع لأحكام القرآن
14/286 .
(4) 3- الكافور : في اللغة : كم النخل لأنه يستر ما في جوفه، وقال ابن فارس :
الكافور : كم العنب قبل أن ينور لأنه كفر الوليع أي غطاه . المصباح المنير =
= 2/648 وعاء طلع النخل، جمع الكافور : كوافر ، والكافور : أخلاط من
لطيب تركب من كافور الطلع. قال ابن دريد : لا أحسب الكافور عربياً. وقد
ورد في قوله تعالى : { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً }
قيل عين في الجنة. انظر لسان العرب 3/275 مادة كفر. وقال ابن سيدة :
الكافور : نبت طيب الريح يشبه بالكافور من النخل. والله أعلم. (4/57)
صفحة 508
[ كيفية التحنيط ]
فإذا تم غسله لفه في خرقة طاهرة تنشف عنه الماء وحنطه بقميص قطن مجرود مندوق وذريرة يجلعه على فيه وأنفه وعينه وسمعيه ويأتيه من قبل ودبر ويستحب عند كل غسلة عصر قبقبه برفق ليزاح أذاه.
مسألة
[ المستحب من الأكفان ]
فإذا أكمل تحنيطه أدرجه في أكفانه بما أمكن وتيسر ويستحب في الكفن البياض أو بما كان يلبس أن يكون طاهراً وإلا طهر وجفف ثم لفه فيه ولو
دبرا ولا نمية ثم يسره وقول يؤزر بثوب ثم يلف بالثاني وينبغي أن يكون
الإزار على الصدر تحت القميص إذا كان قميصاه.
مسألة
[ عدد الأكفان ]
ويجزي الكفن بثوب واحد للرجال والمأمور به ثلاثة أثواب وجائز
الكفن بثوب الكرفس(1) والعهن(2) والكتان(3) وما سواهن ففيه اختلاف بين العلماء والأسلاف.
مسألة
[ كفن المرأة ]
وأما المرأة فتكفن في إزار ودرع ولفافة ويستحب أن يكون إزارها تحت الدرع وإن لم يحصل سوى ثوب واحد كفى جديداً كان أو عتيقاً ويكون طاهراً ويرسل شعرها ولا يعقل ويجزئ المرأة ثوب والمأمور به أربعة أثواب.
مسألة
[ جواز تكفين المرأة بالحرير ]
ولا بأس أن تكفن المرأة بالحرير مصبوغاً كان أو غير مصبوغ وتطهير المصبوغ أحب والكفن الأبيض للرجال والنساء أحب إلينا وإنما الكفن على أربعة أثواب فلا بأس.
مسألة
[كيفية وضعه في اللحد]
__________
(1) 1- الكرفس : القطن .
(2) 2- العهن : الصوف المصبوغ، ولا يقال للصوف عِْهن إلا أن يكون مصبوغاً وقال
الحسن عن قوله تعالى : { وتكون الجبال كالعهن } [المعارج : 9] الصوف
الأحمر وهو أضعف الصوف. انظر الجامع لأحكام القرآن 18/284 .
(3) 3- الكتان : من كتن وهو الوسخ إذا تراكم بعضه على بعض، والكتان الشجر
المعروف وله بزر يعتصر ويستصبح به، وقال ابن دريد : الكتان : عربي وسمى
بذلك لأنه يكتن أي يسود إذا ألقي بعضه على بعض. وهو نوع من القماش مثل
القطن... انظر المصباح المنير 2/655 بتصرف . (4/58)
صفحة 509
فإذا حط في لحده(1) حل عقد اللفائف عنه وقال الشيخ هاشم بن
غيلان(2) عن الشيخ موسى بن علي رحمه الله تعالى : يكشف عن عينه
اليمنى حتى تظهر إلى الأرض. وقال الشيخ أبو سعيد(3) رحمه الله :
يكشف عن شق وجهه الأيمن.
مسألة
[ التكفين بالقميص والسروال ]
وإذا كفن بقميص وسراويل كانت القميص تحت السراويل ويعقد ولا يشد بكتة وإن أمكن أن يفتق ويكون الرجلان كأنهما في كم واحد فحسن وإلا فكما أمكن.
مسألة
[ استئناف الغسل عند خروج السوائل من جسم الميت إلى خمس ]
وإن خرج من الميت قذى أو غيره فإن كان سائلاً أو قاطراً استؤنف غسله إلى خمس مرار على بعض القول، وإن لم فيغسل الموضع فقط وذلك
قبل إدراجه في أكفانه فإذا درج فلا يعاد غسله وقول يعاد غسله إلى سبع
مرار ولا يعاد بعد من السبع إلا غسل الموضع.
مسألة
[ قال البعض : لا يعاد الغسل ]
__________
(1) 1- اللحد : هو الشق في الأرض، وهو القبر الذي يوضع فيه الميت.
(2) 2- هاشم بن غيلان : هو الشيخ العلامة أبو الوليد هاشم بن غيلان السيجاني نسبة إلى
سيجا بلد من أعمال سمائل، وكان ينزل بمسافي بني هميم من سيجا وكان أخوه
عبد الملك بن غيلان وابنه محمد بن هاشم بن غيلان من رجال العلم في زمانهما إلا
أن الشيخ كان معدوداً من كبار علماء زمانه بعمان في آخر القرن الثاني وأول
القرن الثالث هو الشيخ سليمان بن عثمان من تلاميذ موسي بن جابر الأزكوي
المتوفى سنة 181هـ ويقال أنه أدرك إمامة محمد بن أبي عفان، وعاصر الأئمة
الذين جاءوا بعده كالإمام الوارث وغسان بن عبد الله، وعبد الملك بن حميد،
ويظن أنه توفي في أيام عبد الملك. انظر إتحاف الأعيان بتاريخ بعض أهل
عُمان 1/176 - 179 .
(3) 3- الشيخ أبو سعيد : هو الشيخ العلامة أبو سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي
الكدمي. سبق ذكره. (4/59)
صفحة 510
وقال بعض المسلمين : لا يعاد غسل الميت إلا لما برز من فرجيه وما سواهما فلا إلا الموضع والسنة غسل واحد لا يعاد غيره لحدوث وإن وسخ القذى اكفارته(1) طهرت.
مسألة
[ الغسل كغسل الجنابة ]
وليس غسل الميت بأشق من غسل الحي لنفسه من جنابة أو حيض إذ فرض ذلك غسله واحدة فإذا خرج من الميت دم ولم يرق عولج بما أمكن من تسكير أو غيره فإذا لم يرق أدرج وأطرح ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
مسألة
[ إذا لاقت أكفانه نجاسة ]
وإذا لاقت أكفان الميت نجاسة من غيره فإذا كان في الوقت سعة
طهرت إلا الحد كما هو .
مسألة
[ جواز تغسيل الزوجين لبعضهما ]
وجائز للزوجين أن يغسل الحي منهما الهالك وهما أولى بعضهما ببعض
في المحيا والممات إذ العصمة بينهما باقية لقوله عز وجل : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } [سورة النساء : آية 12] ومن قال إن العصمة بينهما قد انقطعت بالموت محتاج إلى دليل(2) .
مسألة
[ عقد النكاح على الأخت يحرم غسل الأخت ]
ومن عقد نكاحاً على أخت زوجته بعد موتها فلا يحل له تطهير زوجته والرجل أولى بغسل الرجل من نسائه غير الزوجة من ذوات محارمه إلا إذا تعذر إيجاد مغسل من الرجال غسلته وتقين فرجه .
مسألة
[ الزوج أولى من الأب والأخ والأولاد ]
والنساء أولى بغسل أزواجهن والزوج أولى بغسلها من أبيها وأخيها وأولادها، وإن لم يكن نساء غسلها هؤلاء واتقوا المس(3) السوءة ونظرها.
مسألة
[ إذا انعدم المسلمون ووجد اليهودي أو النصراني ]
وإذا لم يحصل رجل للتغسيل الرجل والمرأة لتغسيل المرأة وحصل
__________
(1) 1- الأصح : أكفانه .
(2) 1- اتفقوا على جواز غسل المرأة زوجها واختلفوا في غسله إياها، فالجمهور على
جواز ذلك، وقال أبو حنيفة : لا يجوز غسل الرجل زوجته وسب اختلافهم هو
تشبيه الموت بالطلاق فمن شبهه بالطلاق قال لا يحل ومن لم يشبهه بالطلاق
وهم الجمهور قالوا : يحل. انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/229 .
(3) 1- الأصح : لمس السوءة . (4/60)
صفحة 511
يهودي أو نصراني أو يهودية أو نصرانية وعلموا كيفية الغسل فغسل الرجل الرجل المرأة المرأة فلا بأس وما سوى ذوي المحارم صبوا الماء على ثيابها من
فوق الثياب ومثله إذا مات الرجل مع النسوة الأجنبيات.
مسألة
[ موت المرأة مع الرجال، والرجل مع النساء ]
روي عن سفيان بن أبي سعيد إذا ماتت المرأة مع الرجال يمموها بالصعيد وكذلكم إذا مات الرجل يممنه مع تعذر حصول مغسل جنسه(1) .
مسألة
[ حكم تغسيل الرجل للمرأة والعكس ]
وعن أبي المؤثر رحمه الله : إذا مات الرجل مع ذوي محارمه من النساء
ممن لا يحل له نكاحهن فلا بأس أن يطهرنه متقين مس العورة
وتطرها(2) ويدخلن أيديهن في خرقة ويغسلن فرجه وكذلك إذا ماتت المرأة
مع محارمها من الرجال(3) .
مسألة
[ جواز غسل المرأة الصبي ]
وجائز للنساء غسل الصبيان من الرجال ومثله جائز من ذوي المحارم أن يغسلوا الصبية إذا كانت بحد من لا يستحيي ويستتر للضرورة والصبية أشد.
مسألة
[ كيفية تكفين المحرم للحج ]
والمحرم يغسل بالماء ويكفن في ثوبيه الذين أحرم فيهما أو مثلهما ولا يلف رأسه ووجهه ولا يحنط.
مسألة
[ تكفن الشهيد ]
وإذا ثوى الشهيد مقتولاً في حومة الحرب فلا يغسل ويكفن في ثيابه
التي قتل فيها ولا ينزع عنه إلا الخفان والكمة وإن كان فوق الكمة عمامة تركت بحالها وإن كان جنباً غسل للجنابة.
مسألة
[ جواز غسل من قتله اللصوص ومن مات جريحاً ]
ومن قتله اللصوص والمكلوم إذا حمل من الحومة حياً غسلاً وإن عمر بن الخطاب غسل وكفن وصلى عليه وكان شهيداً وإنما إلا يغسل من قتل ملاقياً عدوه ومات في المعركة.
مسألة
[ حكم تغسيل من قتله اللصوص ]
قال بعض الصحابة لا تغسلوا عني دماً ولا تنزعني إلا الخفين وأرسوني
__________
(1) 2- هذا قول جماعة من الفقهاء منهم الشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء.
(2) 1- الصحيح : وتطهرها .
(3) 2- هذا قول قوم من الفقهاء ذكره ابن رشد في بداية المجتهد 1/227 . (4/61)
صفحة 512
في الدقعا فإني رجل أحاج يوم القيامة، قال الشعبي(1) : من قتله اللصوص
لا يغسل، وقال سفيان(2) : من قتل مظلوماً فلا يغسل ونحب تغسيلهما.
مسألة
[ تغسيل المكلوم ]
وقال بعض العلماء من قتل في الجنان والصراط في المفارز لا القرى فإنه
لا يغسل ومن قتل في طريق القرى غسل وقول إذ أوسي المكلوم بعد أن
حمل من الحومة فمات غسل وإلا فلا.
مسألة
[ حكم السقط ]
وكل من قتل فتكاً في القرية غسل والسقط التام الخلق يطهر ويحنط ويكفن ولا يصلى عليه إلا إذا استهل ومات صلي عليه(3)
__________
(1) 1- الشعبي : هو عامر بن شراحيل بن عبد من ذي كبار، قيل : أقيال اليمن علامة
عصره أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي، ولد لست سنين خلت من خلافة ابن
الخطاب رضي الله سنة21هـ عام جلولاء وقيل:سنة28هـ رأى علياً وصلى خلفه
وسمع من كبار الصحابة رضوان الله عليهم منهم سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن
زيد وأبي موسى الأشعري، وعدي بن حاتم، وأسامة بن زيد، وأبي هريرة وابن
عمر، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس. روى
عنه خلق كثير : منهم الحكم وحماد، وأبو إسحاق، وداود بن أبي هند، وأبو
حنيفة وابن أبي ليلى وأمم سواهم. قال الشعبي : أدركت خمسمائة صحابي، علاقته
بالحجاج معروفة، شارك في الخروج عليه ثم عفا عنه توفي رضي الله عنه سنة
104هـ وهو من كبار التابعين وعمره 82 سنة وقيل توفي سنة 105هـ عن سبع
وسبعين سنة وقيل غير ذلك. انظر سير أعلام النبلاء 4/294 - 319 رقم 113 .
(2) 2- سفيان : هو سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب... بن ثور من ثور =
(3) = همدان. وهو شيخ الإسلام إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه أبو عبد الله
الثوري الكوفي المجتهد مصنف كتاب (الجامع) ولد سنة 97هـ اتفاقاً وطلب العلم
وحدث عن الكثير عن والده سعيد بن مسروق تلميذ الشعبي وكان من ثقات
التابعين ومن ثقات أهل الكوفة والده من صغار التابعين، روى له الجماعة الستة في
دواوينهم توفي والده سنة 126هـ من شيوخ أبي عبد الله كثير والده، إبراهيم بن
عبد الأعلى، وإبراهيم بن عقبة، إبراهيم بن مزيد الخوزي، ويعد شيوخه بالمئات.
وأما الرواة عنه فقيل يفوق الذين رووا عن مالك وعددهم 1400 وقيل أكثر.
وقال العلماء أصحاب الحديث ثلاثة : ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه،
وسفيان في زمانه له مدرسة فقهية ولكنها لم تنتشر مثل غيرها من المدارس، توفي
رضي الله عنه سنة 161هـ في شهر شعبان وأرّخ الواقدي سنة 162هـ . والله
أعلم. انظر سير أعلام النبلاء 7/229 - 279 رقم 82 .
1- الصلاة على السقط : اختلف العلماء في الصلاة على السقط فقال جابر بن زيد
رحمه الله لا يصلى عليه نقل ذلك عنه الساعاتي عن ابن المنذر وحكاه صاحب = (4/62)
صفحة 513
.
مسألة
[ وضع الأسنان المقطع ]
ومن وجد مقتولاً باير(1) الرأس من الجثة غسل وصلي عليه، وإن وجدوا نصفه مما يلي الرأس غسل وصلي عليه وإن وجد نصفه مما يلي العجز فلا
يصلى عليه ويغسل وإنما يغسل ويصلى على ما يقع عليه اسم إنسان وأما العضو فلا يغسل ولا يصلى عليه كالرأس منفرداً أو غيره من الجوارح.
مسألة
[ كيفية تطهير ذو وصب ]
وذو الوصب إذا حوذر من تطهيره الماء الضرر كثهري بشرته يمم
بالتراب وقول يصب عليه الماء صباً وهو الأرجح.
مسألة
[ كيفية تكفين السقط ]
وإذا ألقت المرأة جنيناً ميتاً فماتت جاز رمسهما في رجم لا في كفن واحد، إذا قتل المسلمون من بغى عليهم من ذوي الإقرار صنعوا لهم أخدوداً فدفنوهم فيه ولا يصلون عليهم إذا كانوا حزباً لهم.
مسألة
[ من تقطعت أوصاله من المرض ]
ومن هريت أعضاؤه تقطيعاً وأمكن غسله غسل وإن بانت الأعضاء من بعضها بعض جمعت وغسلت كل جارحة على حدة لم يضيق فإن لم
يمكن غسله يمم فإن تعذر الإمكان لتيممه دفن ولا بأس ولا يكلف الله
نفساً إلا وسعها.
مسألة
[ تسليم ما على الميت من حوائج ]
ومن دعي لتطهير ميت فإلى من يسلم ما ينزعه عنه إذا كان وارثه لا
__________
(1) = المجموع، وروي هذا عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وبه قال الزهري والثوري
وهو قول الحسن وإبراهيم النخعي والحكم وحماد ومالك والأوزاعي وإليه
ذهب أبو حنيفة وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
وذهب فريق آخر إلى وجوب الصلاة على الجنين إذا مضى عليه في بطن أمه
أربعة أشهر ولو لم يتحرك، وهو قول الإمام أحمد وأبو داود، وروي ذلك
عن عبد الله بن عمر وابن سيرين وابن المسيب وإسحاق لقوله - صلى الله عليه وسلم - :
«السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» انظر فقه الإمام جابر
بن زيد 1/244 .
1- باير : أي مقطوع الرأس، والله أعلم. (4/63)
صفحة 514
يملك أمره فإذا أمكنه أن ينزع ما على الهالك غيره فأسلمه له وإلا فيسلم ما استأمنه بنزعه لمستحقه من الوارثين فهذه تجارات المتقين وأعمال البر
محفوفة بالمكاره.
مسألة
[ أجرة الغسل والتكفين ]
وقد قيل إنه يدفع ما ينزعه من الميت لمن أمره بتغسيله وإن فضل شيء من ملاءة الكفن وأمكنه رده على من قبضه جاز له وإلا فسبيل ذلك سبيل غيره من الميت.
مسألة
[ مختلف في الصلاة عليه ]
ومن سم با وبابه(1) بخع نفسه فهذا هالك إثم واختلفوا في الصلاة عليه فأجازها قوم وأباها آخرون والإجازة أرجح لقوله عليه السلام : «صلوا على موتاكم»(2) .
مسألة
[ أصحاب الكبائر وحكم الصلاة عليهم ]
والحجة لذوي الرأي الأول أن قاتل نفسه والمقتول في الزحف باغياً والمرجوم على الزنا وهما مصران أن الصلاة عليهم مختلف فيها.
مسألة
[ جواز التيمم لمن خشي فوات الصلاة ]
ومن حاذر فوت الصلاة على الميت إذ هو على غير وضوء تيمم وإذا أدرك الصلاة مع الإمام صلى وإن كان هو ولي الصلاة عليها وتعذر عليه
وجود الماء تيمم وصلى، ومن فاته شيء من الصلاة على الميت فلا بدل عليه فيما فات ويصلي ما أدرك.
مسألة
[ حكم غسل الميت ]
وغسل الموتى فرض كفاية(3)
__________
(1) 1- هكذا في الأصل، وتعني: المنتحر أو شارب السم. والله أعلم.
(2) 2- روي هذا الحديث برواية : «صلوا على صاحبكم» أخرجه الموطأ 2/458 ، في
الجهاد، وأبو داود رقم 2710 في الجهاد، والنسائي 1/64 وفي المنتقى من
أخبار المصطفى رقم 1717 2/81 عن جابر بن سمرة أن رجلاً قتل نفسه
بمشاقص فلم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - . رواه الجماعة إلا البخاري.
(3) 1- فرض كفاية : هو ما طلبه الشارع من مجموع المكلفين لا من جميعهم. مثل :
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رد السلام. فهذا إذا أتى به البعض سقط عن
الباقين وإذا لم يأت به أحد أثموا جميعاً. (4/64)
صفحة 515
لقوله عليه السلام : «فرض على أمتي غسل موتاهم والصلاة عليهم»(1) ، ولا يبادر إلى تغسيل الميت إلا بتحقيق موته
خوفاً من موته بالسكتة والريح العارضة.
مسألة
[ كيفية معرفة موت الإنسان ]
واعتبر قوم حقيقة الموت ببروز شبر الأسنان من عرده فإنه قل من مات
إلا وأمنى واعتبر آخرون بعدم تلوح العين واعتبر قوم بحس العرق الذي بين الكعب والعرقوب وبحس العرق الذي في الدبر.
مسألة
[ يطيب الإنسان بما كان يحب في الدنيا ]
ويحنط الرجل بما يصلح له في حياته من الطيب ويحبب ما كان له لون كالزعفران وغيره، عن قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسله الفضل بن العباس(2)
وعلي بن أبي طالب(3)
__________
(1) 2- لم أعثر عليه بهذا النص، ولكن الفقهاء الذين قالوا بأن غسل الميت فرض كفاية
استدلوا بأحاديثه - صلى الله عليه وسلم - «اغسلها ثلاثاً أو خمساً» وبقوله في الحرم «اغسلوه» انظر
بداية المجتهد 1/226 ، روضة الطالبين 2/98 ، المغني 2/345 .
(2) 1- الفضل بن عباس : بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن
عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكنى أبا محمد وأبا عبد الله، وكان أسن ولد العباس وأمه أم
الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي
- صلى الله عليه وسلم - غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وحنيناً وثبت يومئذ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث
ولي الناس، وشهد معه حجة الوداع وحديثه مع الخشعمية مشهور، وكان ممن
غسل النبي وولي دفنه، ومات في طاعون عمواس سنة 18هـ في خلافة عمر ، ولم
يترك ولداً إلا أم كلثوم تزوجها الحسن بن علي رضي الله عنهم ثم فارقها فتزوجها
أبو موسى الأشعري رضي الله عنه. سير أعلام النبلاء 3/444 رقم 86 .
(3) 2- علي بن أبي طالب : بن عبد مناف بن عبد المطلب (واسمه) شيبة بن هشام.. ابن
عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، ووالد الحسن والحسين سيدا
شباب أهل الجنة، ولد في السنة 33 من مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلم وهو دون العاشرة
ونام في فراشه - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الهجرة، هاجر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - . تولى الخلافة بعد مقتل
عثمان بن عفان رضي الله عنه عُرف بالعلم والتقى ولم تجتمع عليه الأمة ، واشتهر
علي بالقضاء حيث قال - صلى الله عليه وسلم - : «أقضى أمتي علي» وقال عمر : أقضانا علي وأقرأنا
أبي. انظر كتابنا القضاء في صدر الإسلام تاريخه ونماذج منه ص 228 - 239 . (4/65)
صفحة 516
وكان أسامة بن زيد(1) يصب عليه الماء رضي الله عنهم.
مسألة
[ حكم غسل الميت ]
اختلف المسلمون في حكم الميت، فأصحابنا يغسلوه بطهر وقال
مخالفوهم هو طاهر وغسله إنما هي عبادة من الله على الأحياء.
مسألة
[ حكم الصلاة على الميت ]
ومن سنن الإسلام الصلاة على الميت بعد تطهيره وتكفينه.
مسألة
[ حكم من ترك صلاة الجماعة والجنازة والجهاد ]
قال هاشم : ثلاث يكفرن إذا اجتمع على تركهن : صلاة الجماعة
وصلاة الجنازة ولجهاد في سبيل الله(2) .
مسألة
[ عدد تكبيرات صلاة الجنازة ]
في الصلاة على الميت وقيل كانوا يكبرون على الميت ستاً وخمساً فلما
ولي عمر رضي الله عنه أجمع أصحابه وقال : إن اجتمعتم اجتمع من
بعدكم فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات(3)
__________
(1) 3- أسامة بن زيد بن حارثة بن امرئ القيس الأمير بن الأمير المولى حِب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - =
(2) = ومولاه وابن مولاه، أبو زيد، ويقال : أبو محمد، أبو حارثة استعمله النبي
- صلى الله عليه وسلم - على جيش الشام وفي الجيش كبار الصحابة منهم عمر رضي الله عنه
حدث عنه أبو هريرة وابن عباس وأبو وائل، وأبو عثمان قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم -
يأخذ بي والحس فيقول : «اللهم إني أحبهما فأحببهما» أخرجه البخاري. أمه أم
أيمن حاضنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان شديد السواد وكان زيد أبيضاً. توفي رضي الله عنه
بالجرف في آخر خلافة معاوية. سير أعلام النبلاء 2/496 - 507 رقم 104 .
1- لأن هذه الفروض الثلاث من فروض الكفايات بل هناك من الفقهاء من يقول
صلاة الجماع فرض عين، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» أو
كما قال - صلى الله عليه وسلم - . والجهاد وإن كان فرض كفاية فيكون أحياناً فرض من فروض
الأعيان و لما يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - « من لم يغزو و لم يحدث نفسه بالغزو فهو على =
(3) = شعبة من شعب النفاق» والله أعلم.
1- انظر اختلاف الصحابة في عدد تكبيرات صلاة الجنازة بداية المجتهد ونهاية
المقتصد 1/234 - 235 ، وفقه الإمام جابر بن زيد 1/246 - 247 ، ورواية
المصنف في عمدة القاري 8/117 ، وفقه إبراهيم النخعي ص630 . (4/66)
صفحة 517
.
مسألة
[ كيفية المشي مع الجنازة ]
ويستحب المشي خلف الجنائز ولا يتقدمها إلا من رام حملها، وقيل إن فقيهاً رأى راكباً(1) خلف الجنازة فقال : له أتركبون وملائكة الله مشاة؟
قال أبو المؤثر : الماشي مع الجنازة لا بأس عليه إن تقدم أو تأخر وأما الراكب فلا يتقدم.
مسألة
[ الكلام خلف الجنازة ]
ويكره الكلام خلف الجنازة إلا بذكر الله حتى يصلي على الميت وقول حتى يدخل في قبره، وقول حتى يرمس ولا بأس لمصالح الميت ومن
انصرف إذا صلى فذلك إليه وإلا فحتى يصرح وقول حتى يرمس في قبره.
مسألة
[ من أولى الناس بالصلاة على الميت ]
ويستحب أن يقال خلف الجنازة لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت ، وكل ذكر الله حسن ، وأولى بالصلاة على الميت الأب ثم الابن فالأقرب إلى الميت.
مسألة
[ إذا أوصى من يصلي عليه فليصلي عليه ]
ومن أوصى موص أن يصلي عليه شخص فليصلي عليه من هو أولى بالصلاة عليه لأنه لا يكون له من يصلي عليه فتقتفى وصيته، قال أبو الحسن : يصلي عليه من أوصى أن يصلي عليه ولا يصري الصلاة على الميت ما
يصري صلاة الفريضة.
مسألة
[ الإعادة إذا لم يقرأ بفاتحة الكتاب ]
وإذا كبر الإمام أربع تكبيرات في الصلاة على الميت بلا قراءة فاتحة
الكتاب أعاد ما لم يصرح الميت ويستحب أن يكون قيام الإمام في الصلاة
على الرجل مما يلي الصدر والمرأة مما يلي الرأس(2)
__________
(1) 2- هذا القول ورد في حديثه - صلى الله عليه وسلم - عن ثوبان قال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة،
فرأى ناساً ركباناً فقال : «ألا تستحيون، إن ملائكة الله على أقدامهم ، وأنتم
على ظهور الدواب» رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. المنتقى من أخبار
المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 2/95 رقم 1874 .
(2) 1- قراءة الفاتحة لأنه ركن من أركان الصلاة فإذا فقد الركن بطلت الصلاة، والله
أعلم. وهذا أيضاً عند الشافعية. ولا تقول به الحنفية والمالكية. بداية المجتهد
1/235 ، واختلف العلماء أين يقوم الإمام لاختلاف الآثار الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
في هذا الباب : حديث سمرة بن جندب على أم كعب، وصلاة مالك بن
أنس. انظر بداية المتجهد ونهاية المقتصد 1/236 ، 237 . (4/67)
صفحة 518
.
مسألة
[ ما يقوله واضع الميت في قبره ]
ويستحب عند وضع الميت في جدثه(1) أن يقول : بسم الله وعلى ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. ولكل بيت باب وباب القبر من ناحية الرجلين.
مسألة
[ كيفية إتمام التكبيرات ]
وإن كبر الإمام ثلاثاً كبر من خلفه أربعاً ليستقر، هكذا فعل موسى بن
علي أنه جهر بالتكبيرة الرابعة لما أن اقتصر إمامه على الثلاث وكبر الجماعة
معه إن لم يكبروا الرابعة فلا بأس.
مسألة
[ انتقاض الوضوء، أو نسيان النجاسة ]
ومن انتقض وضوءه وهو خلف الإمام في صلاة الجنازة فليتيمم ويصلي
ما أدرك ولا يستأنف وبعض لم ير له ذلك، ولا يصلى على الميت بثوب
نجس وقيل : إذا حلته النجاسة في طريقه فنسيها حتى حضرت الصلاة ذكر فصلى به فلا بأس.
مسألة
[ إذا فسدت صلاة الإمام ]
وإذا أصرى(2) الإمام صلاته بخروج ريح أو قهقهة أو غير ذلك مما
يصري الصلاة تأخر وصلي بالجماعة غيره وإن أتم الصلاة على حالته تلك أعادوا ما لم يدفن الميت وقول ولو دفن الميت لأن تلك ليست صلاة.
مسألة
[ عند تعدد الجنائز يقدم الأفضل ]
إذا اتفقت الجنائز من الرجال قدم أقرأهم نحو القبلة وأفضلهم وكذلك
في القبر قدم الرجال ثم الصبيان الأصغر بعد الأكبر وإن كانوا عبيداً كان
الذكر من الصبيان الأحرار ولو كان العبيد بالغين(3)
__________
(1) 2- المقصود بوضع الميت في لحده (قبره) أن يقوم الواضع... .
(2) 1- أي إذا فسدت صلاة الإمام.
(3) 2- هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهداء أحد كما تقول كتب السيرة وقياساً على صفوف
الصلاة . عن هشام بن عامر قال : «شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، فقلنا : =
= يا رسول الله، الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعمقوا
واحفروا، وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، قالوا : فمن يقدم، يا
رسول الله؟ قال : قدموا أكثرهم قرآناً. وكان أبي ثالث الثلاثة في قبر واحد» رواه
النسائي والترمذي بنحوه، وصححه، انظر المنتقى في أخبار المصطفى 2/98 ،
99 رقم 1890 . (4/68)
صفحة 519
.
مسألة
[ موضع النساء الحرائر من الإماء في القبر ]
وإن كن نساء حرائر وإماء كن النساء الحرائر من العبيد الذكران من بعد ثم الإماء من بعد النساء الحرائر، ويكون الأفضل نحو القبلة والأدنى نحو
الإمام وقيل بالعكس.
مسألة
[ لا مانع من دفن العدد معاً ]
وجائز أن يصرح عدة أنفس معاً من ضرورة ويكون أفضلهم نحو القبلة ولو كانوا رجالاً ونساءً فلا بأس ويكون الرجال نحو القبلة على الترتيب
السابق فلا بأس.
مسألة
[ جواز صب الماء على القبر ]
وإذ تعذر حصول الماء ليرش على القبر فلا بأس، وإن حصل ولو قدر
صاع رش به حيث بلغ، وإن أمكن صب الماء على القبر كله واستوعب.
[ كيفية الصلاة على الميت ]
ومن رام الصلاة على الميت وجه كتوجيه الصلاة وإن قال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله أجزأه عن التوجيه، فإذا أحرمت فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم واتل الفاتحة ثم كبر الثانية واتل الفاتحة ثم كبر الثالثة واقرأ
ما يسر الله لك من الدعاء ثم كبر الرابعة وسلم كتسليم الصلاة.
مسألة
[ كيفية الدعاء للميت ]
ويستحب أن يقال في الدعاء : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله
والله أكبر الذي يميت الأحياء ويحيي الموتى ويبعث من في القبور، الحمد
لله الذي منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى، ويصلي
على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -(1) ، وإن تلا الآية: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً } الآية، إلى قوله : { وذلك هو الفوز العظيم } (2)
__________
(1) 1- هناك أدعية متعددة وردت في السنة انظر كنز العمال 15/586 أرقام 42299،
42300 ، 42301 ، 42302 ، 4209 .
(2) 2- سورة غافر آيات : قال تعالى: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر
للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. وربنا وأدخلهم جنات عدن
التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز
الحكيم. وقهم السيئات ومن تقي السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو
الفوز العظيم } [غافر : 7 - 9] . (4/69)
صفحة 520
.
مسألة
[ الدعاء لأهل الولاية ]
وإن كان الميت من أهل الولاية فادع له بعد أن تدعو لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات وتقول لمن يتولاه : اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك توفيته وأبقيتنا بعده والبقاء بعده إلا قليل، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، اللهم أبدله داراً خير من داره وقراراً خير من قراره، اللهم اغفر له ذنبه وألحقه بنبيه
محمد - صلى الله عليه وسلم - وأفسح له في قبره وعظم له أجره وارفع درجته .
مسألة
[ ما يقال عند وضع الميت في القبر ]
وإذا وضع في قبره يقال : بسم الله وعلى ملة رسول الله ، اللهم أفسح له في قبره ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واخلفه في أهله وبارك لهم في موته واكفهم فقده(1) .
[ جنازة الكافر ]
والجنازة بالفتح : الميت، وبالكسر : السرير. ومن كان له ابن أو أب أو ذوا قرابة مشرك فلا يصلي عليه، ولا يقيم على قبره، وإن تبع جنازته فلا
بأس، وجائزة الصلاة على الجنازة ليلاً أو نهاراً.
مسألة
[ جواز صلاة المرأة على المرأة ]
عن الشيخ أبي عبد الله رحمه الله: إنه إذا تعذر حصول رجل ليصلي على
جنائز النساء فجائز أن تصلي امرأة وتكون نسوة إماماً لهن وقيامها
في وسطهن.
ويكره النظر إلى القبر إذا ستر بالثوب ولا بأس على من فعل ذلك.
مسألة
[ كيفية تكفين الرجل والمرأة ]
وقيل لا يعمم الرجل ولا تخمر المرأة.
ومن وجد مقتولا ً فقول لا يصلى عليه يصح أنه وثني، وقول إذا كان في مصر أهل الإسلام صلي عليه وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ تقديم صلاة الجماعة على الجنازة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة
على الجنازة إذا كان في الصلاة من يقوم بها على الجنازة.
__________
(1) 1- كنز العمال 10/600 رقم 42376 أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني في
الكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي عن ابن عمر ، ورقم 42396، وانظر
بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ص112 – 113
أرقام 587 ، 588 ، 589 . (4/70)
صفحة 521
[ حكم الصلاة على السقط ]
والسقط التام الخلق إذا خرج ميتاً ففي الصلاة عليه اختلاف فإن التبس أمره فحكمه علي ما خرج عليه وهو الموت(1) .
مسألة
[ تقديم صلاة الجماعة على الجنازة عند وجود من يصلي عليها ]
ومن حضر جنازة في وقت لا يمكنه إدراك الصلاة الجماعة إن لو صلى عليها فما الأولى؟ فإذا كان للجنازة من يقوم بالصلاة غيره فالأفضل له أن يصلي مع الجماعة بلا ضرر على الجنازة.
مسألة
[ إمامة المتيمم بالمتوضئين ]
وجائز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئين على الجنازة.
قال أبو الحواري رحمه الله : السنة في دفن القبور أن يساوى بها الأرض، وقال : فما زاد فللشيطان. وقال عليه السلام : «خير القبور دوارسها»(2) .
مسألة
[ حكم من لم يصل على الميت عند التعين ]
ومن وارى ميتاً من غير أن يصلي عليه فعليه التوبة لأنه ارتكب حوبا،ً ويجوز أن يصلوا عليه بعد دفنه حيث كانوا.
مسألة
[ الصلاة على الغائب ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه خبر وفاة النجاشي وهو بأرض الحبشة
صلوا عليه بالمدينة، والواحد يجزئ إذا تعذر حصول الجماعة(3) .
مسألة
[ مدة الصلاة على الغائب ]
__________
(1) 1- سبق الحديث عن الصلاة على السقط فارجع إليها .
(2) 1- هذا الحديث له شواهد منها عن أبي الهياج الأسدي عن علي قال : أبعثك على
ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تدع تمثالاً إلا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلا
سويته» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. وعن سفيان التمار أنه رأى قبر
النبي - صلى الله عليه وسلم - مُسحَّاً رواه البخاري في صحيحه. انظر المنتقى في أخبار المصطفى
1/100 - 101 ، 102 .
(3) 1- عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على أصحمة النجاشي، فكبر أربعاً. وهناك في
المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إباحة الصلاة على الغائب بالنية أرقام 1821،
1822، 1823، 1824، 1825 . (4/71)
صفحة 522
وهل تجوز الصلاة على الميت قبل دفنه من غير مشاهدة له؟ قال : لا،
وإنما وردت السنة بعد دفنه. اختلف المسلمون في الصلاة على الميت بعد أن يحدث، قول : إذا مضت ثلاثة أيام منذ موته سقط عنهم وجوب الصلاة وصارت نفلاً، وقول إلى شهر، وقول لا غاية لذلك.
مسألة
[ حمل الجنازة ]
ولا بأس بحمل الجنازة من ناحية الشمال واليمين بطهور أو بغير طهور، ولا بأس بالقعود قبل أن توضع الجنازة.
مسألة
[ حكم زيارة القبور ]
وإذا اتبع الرجل الجنازة ولم يحملها لاستغناء الحاملين لها عنه فلا بأس،
وإن فعل فأفضل.
وجائزة زيارة القبور لقوله عليه السلام : «ألا فزوروها ولا تقولوا
هجراً»(1) أي كلاماً فاحشاً.
مسألة
[ كيفية الدعاء عند زيارة القبور ]
والتسليم على القبور أن يقال : السلام على المؤمنين والمؤمنات من أهل القبور أنتم لنا سلف ونحن لكم لاحقون، بارك الله لنا ولكم في الموت وما
بعد الموت(2) .
مسألة
[ صيغة من صيغ الدعاء ]
ويقال : اللهم رب الأجسام البالية والعظام النخرة التي خرجت من
الدنيا بك مؤمنة، اللهم أضل عليها روحاً منك وسلاماً مني وفي ذلك
الفضل العظيم.
مسألة
[ صلاة الجنازة في السفينة وكيفية دفنه ]
__________
(1) 1- الحديث رواه الإمام مسلم بروايته : عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله
تعالى عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»
رواه مسلم، زاد الترمذي «فإنها تذكر الآخرة» بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص
116 رقم 607 .
(2) 2- انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص 117 أرقام 617 رواه مسلم، 618
أخرجه الترمذي صيغ من الدعاء عند زيارة المقبرة وانظر كنز العمال 15/647
أرقام 42560 ، 42561 ، 42562 ، 42563 ، 42564 . (4/72)
صفحة 523
وأما إذا مات الميت في السفينة صلى عليه قائماً إن أمكن وإلا قعوداً، فإن حاذروا تسته قبل بلوغ البر قذف به في البحر وإن قذفوا به في اليم قبل أن يصلوا عليه جهلاً أو نسياناً صلوا عليه كما صلى النبي عليه السلام على النجاشي، وإن كبروا عليه دون الأربع استأنفوا الصلاة عليه إذا لم يتموا
الصلاة عليه فكأنهم لم يصلوا عليه.
[ كلفة كفن الزوجة ]
والمرأة إذا لم يكن لها مال أخذ زوجها بتكفينها لقوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } (1) ، وقيل ليس على أحد من الورثة كفن ميت لأنه
ليس بعد الموت تعبد، وقيل على الورثة على قدر حصصهم من ميراثه(2) .
مسألة
[ هل يكفي الماء الصافي لغسل الميت ]
وإذا تعذر حصول السدر والكافور لغسل الميت وغسل بماء القراح أجزأه وقيل لا يجزئ والأول أصح.
أحكام المسافر في الصلاة
مسألة
[ دار الإمام وإتمام الصلاة ]
في الإمام إذا عقدت الإمامة للإمام وتبوأ المقام أتم الصلاة ولو لم تكن تلك داره وجب له أن ينو المقام فيها.
مسألة
[ إتمام الإمام وقصره في الصلاة ]
وإن ضرب الإمام قصر حتى يئوب لموضع مقامه، وقيل : على من وصل إليه من الشراة والمدافعة الذي ينفق عليهم وتلزمهم طاعته أن يتموا بتمامه إذا كانوا لا يخرجون إلا برأيه، وقول إذا لم ينوا المقام قصر والأول أرجح.
مسألة
[ المرابطون وقصرهم الصلاة ]
ومن وجهه الإمام في رباط معني ومعروف أو لوقت محدود من ولاية وغيرها فعلى أولئك القصر في ذلك الموضع إذا كانوا سفار فيه إلا القالي
الذي يوليه الإمام فإنه يتم الصلاة إذا لم يجد له حداً.
مسألة
[ صفة صلاة الولاة ]
__________
(1) 1- سورة النساء آية 24 .
(2) 2- كفن الميت من رأس مال التركة لأن للميت حقوق منها حق التجهيز وتسديد
الديون و إخراج الوصايا . فالكفن من التجهيز ، فإذا عجزت التركة عن ذلك =
= ولم يبق شيء هنا اختلف الفقهاء - رحمهم الله - في ذلك. ارجع إلى الحقوق
المتعلقة بالتركة في كتب الفرائض. (4/73)
صفحة 524
وأما صفة الحد فهو الذي أن يقول للوالي : قد وليتك قرية كذا كذا سنة أو ما حد له فهنالك لا يلزمه الإتمام ومن أخذه من أصحابه أوصل إليه
فعليهم الإتمام وكذلك من ولاهم الوالي على القرى قبل أن يتمون عنده
حتى يرجعوا إلى أوطانهم.
مسألة
[ مسافة إتمام الصلاة وقصرها ]
ومن أتم الصلاة في قرية ثم اعتزل عن ولايته منها فهو على إتمامه حتى يخرج منها مسافراً(1)
__________
(1) 1- موقف الفقهاء من قصر الصلاة في السفر : اختلف العلماء في قصر الصلاة في
السفر فمنهم من قال : قصر الصلاة في السفر واجبة ومن أتم فعليه الإعادة
وبهذا قال الحنفية الظاهرية والإباضية وقول عند المالكية وهو قول أبو بكر
وعمر ، وابن مسعود وعلي وجابر وابن عباس وابن عمر (ولم يرد عن الصحابة =
= الإعادة) وعند الإباضية رواية بالإعادة مع الكفارة ، ورواية بالإعادة دون الكفارة
ورواية بعدم الإعادة.
ومنهم من قال القصر سنة أو مباح وهم الشافعية وجمهور الحنابلة وقول عند
المالكية، وقال النووي : أكثر العلماء. وروي عن عائشة وعثمان وابن عباس
ولكل فريق أدلته أرجع إلى المطولات وكتب الفقه.
2 - مسافة القصر أيضاً مختلف فيها كثيراً أشهرها :
1- ما روي عن الإمام جابر بن زيد أن المسافة اللازمة لتقصير الصلاة ستة
أميال أو فرسخين، نقل ذلك الجيطالي، والعيني وابن حزم. وهذا قول علي
ابن أبي طالب، وابن عباس من الصحابة وأبو عبيدة مسلم بن كريمة، قال
الجيطالي والشماخ : هذا محل اتفاق المذهب.
2- ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد وذلك
مسيرة يوم بالسير الوسط أي مسيرة مرحلتين وهما ثمانية وأربعون ميلاً
هاشمية وهو قول فقهاء أصحاب الحديث.
3- قال أبو حنيفة والكوفيون : لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل وقيل ثلاثة أيام
بسير الإبل وهو مروي عن عثمان وابن مسعود وحذيفة. وهناك أقوال غير
هذه توجد في مظانها في كتب الأمهات. انظر فقه الإمام جابر بن زيد
1/218 - 219 . المحل لابن حزم 5/2 ، بداية المجتهد 1/166 - 168 . (4/74)
صفحة 525
ناوياً مجاوزة الفرسخين(2) فإذا خرج قصر، فإن رجع
إليها قبل مجاوزة الفرسخين أتم وإن تعد الفرسخين ثم رجع قصر.
مسألة
[ صلاة المسافر مقتدياً بالمقيم ]
والضارب إذا صلى مع الإمام المقيم فسدت صلاته بنجاسة ثوب أو غيره فنسي ذلك أو ذكر والوقت قائم أبدل الصلاة قصراً وإن فات الوقت صلاها تماماً. وإذا كان للضارب دابة وحان عليه وقت الصلاة تعذر عليه الممسك
لها أو ما يشدها به وخاف هزلها أو ذهاب ما عليها فله أن يمسك حبلها
بيده ويصلي(1) ، وإن جذبته وجذبها ولم يخف فوت الوقت ولا محاذرة
منفردة استأنف الصلاة وإلا فليصلي كما أمكنه.
مسألة
[ نية المسافر المقتدي بالمقيم ]
وإن صلى المسافر بصلاة الإمام المقيم واعتقدت التمام فسد صلاته وإنما ينو بها صلاة الإمام فقط.
مسألة
[ أثر نية المسافر في القصر ]
ومن خرج مسافراً ناوياً مجاوزة الفرسخين إلا أن نيته المقام أياماً دون الفرسخين فعليه الإتمام حيث أقام دون الفرسخين وإنما يقصر أو أن
خروجه من المكان الذي نوى فيه المقام دون الفرسخين إذا كان ذلك
المكان خارجاً من عمران بلده، وقول لا يقصر حتى يخرج من عمران
بلده القائم بها.
مسألة
[ متى يقصر المسافر ]
__________
(1) 1- صلاة الممسك بالدابة : فيما أخرجه البخاري - رحمه الله - 3/65 ، 66 في
العمل في الصلاة، باب إذا انفلت الدابة في الصلاة «كنا على شاطئ النهر
بالأهواز وقد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة على فرس، فصلى وخلى فرسه،
فانطلقت الفرس فترك صلاته وتبعها، حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى
صلاته وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول : انظروا إلى هذا الشيخ؟ ترك صلاته من
أجل فرس، فأقبل فقال : ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : وقال :
إن منزلي متراخ، فلو صليت وتركته لم آتِ أهلي إلى الليل. وذكر أنه صحب
النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى من تيسيره» رواه البخاري . (4/75)
صفحة 526
وإن سافر سفراً يتعدى فيه الفرسخين ولم ينو مقاماً بقريته فيما دون الفرسخين وعنته حاجة للقيام فإنه يصلي قصراً ولو تطاول قيامه على قول، وقول : لا يقصر المسافر دون الفرسخين.
مسألة
[ المسافر في البحر ]
ومن ركب اليم ناوياً سفراً يتعدى فيه الفرسخين(1) قصر حين ركب في السفينة ولو لم يجاوز الفرسخين أو كان محاذياً للقرية التي يتم فيها ولو أقام
في موضعه ذلك برهة.
مسألة
[ الصلاة في السفينة ]
قال الشيخ أبو عبد الله رحمه الله تعالى : من قدر على القيام في السفينة صلى قائماً وسجد على نبات الأرض وإلا فليصل قاعداً وأومئ وإن وجد خشبة وسجد عليها جاز له ذلك.
مسألة
[ صلاة الجماعة في السفينة ]
وإن استند إلى شيء من خشب السفينة مما هو موثق بها لا يندرج فلا
بأس لأهل السفينة أن يصلوا جماعة.
مسألة
[ عدم جواز تقدم الإمام ]
ولا يجوز تقدم الإمام في بر ولا بحر، وإن حاذره فلا بأس وليس عليهم صفوف ويجوز للإمام.
مسألة
[ وضع المأموم بالنسبة للإمام ]
ويجوز للمأموم أن يكون أسفل من الإمام إذا كان يراه أو يرى شيئاً من الصفوف إلى خلفه.
مسألة
[ ما يطلب من الإمام ]
وإن أمكن الإمام القيام والسجود ولم يمكن المأمومين فلا بأس.
مسألة
[ اتباع المأموم الإمام ]
ولا يجوز أن يكون الإمام قاعداً والمأموم قائماً(2)
__________
(1) 1- الفرسخ : السكون، وقالت الكلابية : فراسخ الليل والنهار ساعاتهما وأوقاتهما،
وقال خالد بن جنية : هؤلاء قوم يعرفون مواقيت الدهر وفراسخ الأيام، قال :
حيث يأخذ الليل من النهار، والفرسخ من المسافة المعلومة من الأرض : ثلاثة أميال
أو ستة، وسمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى واستراح من ذلك كأنه سكن. وفي
حديث حذيفة : ما بينك وبين أن يصب عليكم الشر فراسخ إلا موت رجل.
لسان العرب 2/1073 ماد فرسخ.
(2) 1- وضع الإمام والمأموم : الصحيح لا تصح صلاته إلا قائماً لقوله تعالى : { وقوموا
لله قانتين } وإذا كان المأموم صحيحاً والإمام صلى قاعداً :
1- قال قوم : المأموم يصلي خلفه قاعداً وممن قال بهذا القول : أحمد وإسحاق.
2- قال قوم : يصلون خلفه قياماً. قال أبو عمر بن عبد البر وعلى هذا
جماعة فقهاء الأمصار وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر
وأبو ثور وغيرهم.
3- روى ابن القاسم : إنه لا تجوز إمامة القاعد وإنه وإن صلوا خلفه قياماً أو
قعوداً بطلت صلاتهم، وقد روي عن مالك أنهم يعيدون الصلاة في
الوقت. انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/152 . (4/76)
صفحة 527
.
مسألة
[ تعدد الأئمة ]
ولا بأس بالصلاة أن يكون إماماً بعد إمام في التعبد، ولا يجوز للمأموم
أن يركع ويسجد إذا كان الإمام يومي، وجائز أن يصلوا كل جماعة
بإمامهم معاً في صلاة واحدة.
مسألة
[ الصلاة في السفينة ]
وإن سجد المصلي على شيء في السفينة فإن نح سجد على غيره كما أمكنه وإن أومئ لبقية صلاته فلا بأس.
مسألة
[ ابتداء الصلاة في السفينة ]
وإن ابتدأ الصلاة بالإيماء فحصل له ما يسجد عليه أتم بقية صلاته بالسجود.
مسألة
[ الإحرام للصلاة ]
فإن أحرموا إلى القبلة وتحولت السفينة صلوا على ما هم عليه وليس
عليهم استقبال القبلة بعد أن أحرموا إليها(1) .
مسألة
[ الصلاة على السفينة بمنزلة الصلاة على الراحلة ]
والمستحب أن تكون الصلاة في السفينة قعوداً جارية أو راسية وأنزلوها بمنزلة الصلاة على الراحلة.
مسألة
[ كيفية سجود المصلي في السفينة ]
ثم إن أرباب هذا الرأي اختلفوا فقال بعضهم لا يسجد المصلي في
السفينة على شيء منها، وينوي إيماء لأن صلاة القيام سجود وصلاة القعود
__________
(1) 1- الصلاة في السفينة أو السيارة أو الطائرة أو المركبة الفضائية جميعها تأخذ حكم
الصلاة على الراحلة لأن وسائل الموصلات تتطور على اختلاف الأزمنة. فقد
ورد في السنة كيفية الصلاة على الراحلة وفي السفينة : عن ميمون بن مهران
عن ابن عمر قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في السفينة فقال : كيف أصلي
في السفينة؟ فقال : «صلي فيها قياماً إلا أن تخاف الغرق» السنن الكبرى للبيهقي
3/155 باب القيام في الفريضة وإن كان في السفينة مع القدرة.
وحدثني حميد الطويل قال : سئل أنس بن مالك عن الصلاة في السفينة فقال
عبد الله بن عتبة مولى أنس وهو معنا في المجلس سافرت مع أبي الدرداء وأبي
سعيد الخدري وجابر بن عبد الله يصلي بنا إماماً قائماً في السفينة، ونصلي خلفه
قياماً ولو شئنا لخرجنا. المصدر نفسه 3/155 . (4/77)
صفحة 528
إيماء وفيهم موسى بن علي رحمه الله براً كان أو بحراً، وقال بعضهم :
يسجد في البر ولا يسجد على الراحلة ولا في بطن السفينة وقول إن
المصلي في السفينة يصلي قائماً إذا رست وقاعداً إذا جرت وهذا قول الشيخ خالد بن قحطان(1) والأول قول الشيخ محمد بن محبوب رحمهم الله،
وقول لا يصلي على الأمتعة التي تتحول والتي تنتقل.
مسألة
[ بسط الفرش للصلاة ]
ولا بأس أن يبسط فراشاً يصلي عليه إذا أمكنه بلا ضرر عن الفضل بن الحواري(2) وعزان بن الصقر(3) والربيع بن حبيب بن عمر البصري(4)
__________
(1) 1- خالد بن قحطان : هو العلامة الفقيه أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاوي
الخروصي. من علماء النصف الأول من القرن الرابع هو أبو مالك غسان بن
الخضر الصلاني. وقد أخذ العلم عن علماء عصره منهم الشيخ عبد الله بن
محمد بن محبوب وبشير بن محمد بن محبوب. من مؤلفاته (الجامع المسمى
جامع أبي قحطان). انظر إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل عُمان 1/205 .
(2) 1- الفضل الحواري : هو الشيخ العلامة أبو محمد الفضل بن الحواري الأزكوي
السامي من بني سامة بن لؤي بن غالب من أشهر علماء عُمان في القرن الثالث
وكان هو وعزان بن الصقر في زمن واحد. عاصر الفتنة وقام فيها وقعد وخرج
على الإمام عزان بن تميم وبايع الحواري بن عبد الله الحداني فقتل هو وإمامه في
وقعة القاع من صحار. انظر إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل عُمان 1/197 .
(3) 2- عزان بن الصقر : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو معاوية عزان بن الصقر النزوي
العقري مسكنه غليفقة من عقر نزوى ولا زال منزله معروف بها إلى الآن
ولست أدري إلى أي قبيلة ينتسب وأحسب أن بعضاً قال أنه خروصي، يعد من
أكابر علماء عُمان وكان في عصره أبو المؤثر، له آثار كثيرة في الفقه الإسلامي.
انظر إتحاف الأعيان 1/195 - 196 .
(4) 3- الربيع بن حبيب بن عمر البصري : سبق له ترجمة في الجزء الأول. (4/78)
صفحة 529
، ومن وافقهم من العلماء أن فرض القيام لا ينحط إلا بالعجز عنه براً كان أو بحراً.
مسألة
[ جواز التيمم في السفينة ]
وذو الوصب إذ عجز عن الوصول للماء في السفينة وكره رب السفينة
أن يحمل له الماء إلي موضعه خوف الضرر على أمتعة الناس من بلل الماء
فجائز له التيمم وكذلك في الخب الشديد.
مسألة
[ حكم صلاة الجماعة في السفينة ]
عن أبي الوليد عن محفوظ عن سعيد بن محرز(1) أن من صلى قاعداً في السفينة فذكر أن صلاته تلك منتقضة وقد وصل البر، قال أبو سعيد :
يصليها في البر قائماً واختلفوا في ثبوت صلاة الجماعة في السفينة فأثبتها
قوم وأبا ثبوتها آخرون.
مسألة
[ إحرام من أدرك الجماعة دون القبلة ]
وإذا أحرم الإمام للصلاة في السفينة وتحولت السفينة عن القبلة كيف يصنع الداخل؟ فلا يجوز له الدخول في الصلاة معهم حتى يستقبلوا كما
أحرموا وإن أدبرت من بعد فلا بأس.
مسألة
[ صلاة المرأة في السفينة ]
وجائز للنساء أن يصلين في البلاليج في السفن بصلاة الإمام ولو لم يكن سمعن تكبيرة الإحرام إذا كن خلفه وبينهن وبين الإمام باب مفتوح.
وإذا ارتفع المأموم عن مقام الأمام ثلاثة أشبار فسدت صلاته وجعلها
كالصلاة في البر هذا عن أبي المؤثر(2)
__________
(1) 1- سعيد بن محرز : بن محمد بن سعيد النزوي (أبو جعفر) من علماء القرن
الثالث وأحد العلماء المشهورين في زمانه وولداه الفقيهان عمر بن سعيد
والفضل بن سعيد. عاصره العلامة محمد بن محبوب وغيره من العلماء. انظر
إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل عُمان ص1/426 .
(2) 1- أبو المؤثر : هو العلامة الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي
- رحمه الله - مسكنه قرية بهلا البلد الذي خرج منه علماء كثيرون كان أعمى،
وهو من علماء القرن الثالث ومن تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب وكان ممن
حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك عاش إلى أيام عزان بن تميم ومات في زمانه
في شوال سنة 278هـ انظر إتحاف الأعيان 1/201 . (4/79)
صفحة 530
والأرجح الجواز لأن بينها وبين
الصلاة في البر بون.
مسألة
[ الصلاة في البلج ]
وإذا كان البليج كوة بقدر ما يدخل فيها رأس الإنسان جازت الصلاة
فيه بصلاة الإمام إذا كان خلف الإمام ولو بليجين بينها فرجة أحدهما مطلق والآخر له باب إلى أسفل فلا بأس أن يصلوا أهله جميعاً بصلاة الإمام.
النهج التاسع عشر
في صلاة الجماعة وأحكامها
مسألة
[ فضيلة صلاة الجماعة ]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «رهبانية هذه الأمة الجلوس في المساجد»(1) وهي بيوت الله وزوارها هم زواره. وقال : «من حافظ على صلاة الجماعة ملأ
الله نحره عباده»(2) .
مسألة
[ فضيلة صلاة العتمة ]
وقيل : بات رجل يصلي ليلته ولم يصل جماعة العتمة والفجر وآخر صلى الفجر والعتمة(3)
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص وهناك أحاديث كثيرة تحث على الجلوس في المساجد
منها : «من يكن المسجد بيته ضمن الله له الروح والرحمة والجواز على
الصراط» كنز العمال 7/579 رقم 20344 . الطبراني في الأوسط والخطيب
عن أبي الدرداء ورقم 20345 الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء. ورقم
20346 : بقوله : «المساجد بيوت الله، وقد ضمن...» البيهقي في الإيمان
عن أبي الدرداء، ورقم 20347 : «المساجد بيوت الله والمؤمنون زوار الله
وحق على المزور أن يكرم زائره» وللحاكم في تاريخه عن ابن عباس كنز
العمال 7/580 .
(2) 2- لم أعثر عليه بهذا النص ، إنما وردت أحاديث في أجر المحافظة على صلاة الجماعة
والحث عليها في باب المحافظة على صلاة الجماعة .
(3) 1- وردت أحاديث تحث على صلاة العتمة والفجر منها : «بشر المشائين في الظلم إلى
المساجد بنور عظيم من عند الله يوم القيامة» الطبراني في الكبير عن أبي موسى.
كنز العمال رقم 20286 - 7/566 ، ورقم 20284 : «بشر المشائين في الظلم
إلى المساجد للصلاة في جماعة بالنور التام من يوم القيامة» أبو نعيم في الحلية عن
حارثة بن وهب الخزاعي. وغيرها من الأحاديث. ورقم 20287 ، 20288 . (4/80)
صفحة 531
جماعة ولم يجيء ليلته إن هذا أفضل من ذلك وإن الذاهب
إلى صلاة الجماعة بكل خطوة له حسنات درجات ويكفر عنه سيئات
ذاهباً وراجعاً(1) .
مسألة
[ ما يسن عند دخول المسجد والخروج منه ]
وروي عن بعض الفقهاء كان بعضهم إذا قصد المسجد للصلاة ويسن ذكر ذي المن إذ أولج المسجد وإن قال الحمد لله وسلام على المرسلين فحسن، يقول اللهم صل على محمد وآله وافتح لنا أبواب رحمتك ويستحب للخارج من المسجد أن يقول : اللهم صلي على آل محمد وآله وافتح لي أبواب فضلك
بعد الصلاة على النبي وآله. والداخل يقدم رجله اليمنى ويقول : بسم
والحمد لله والسلام على رسوله وعلى أوليائه ويقل كما قدمنا في أول
المسألة والخارج من المسجد يقدم رجله اليسرى ويقول اللهم بك
انصرفت وبذنب اعترفت اللهم إني أسألك بسوء ما اقترفت. ويقول
زيادة بما قدمنا في المسألة الأولى وأولى بالقرابة(2) .
مسألة
[ ما يقوله المصلي بعد الصلاة ]
__________
(1) 2- وردت أحاديث تفيد المعنى المذكور من تكفير الذنوب والخطايا : «ما من عبد
يخرج من بيته إلى غُدوٍ أو رواح إلى المسجد إلا كانت خطاه خطوة كفارة
وخطوة حسنة» أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن عتبة بن عبد، وأورده
الهيثمي في مجمع الزوائد 2/29 . وأحاديث كثيرة بنفس المعنى من رقم
20294 ، 95 ، 96 ، 97 ، 98 ، 99 ، 202300 ، 301 ، 302 ، 303 ،
304 ، 305 ، 7/569 - 571 كنز العمال.
(2) 1- الدعاء المأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دخول المسجد : «إذا دخل أحدكم
المسجد فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا
خرج فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل : اللهم اعصمني من الشيطان» النسائي وابن
ماجة وابن حبان والبيهقي في السنن عن أبي هريرة. ورقم 20784، «اللهم
أسألك من فضلك» عند الخروج. كنز العمال 7/659 . (4/81)
صفحة 532
ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا صلى مسح جبهته بيده اليمنى وقال : «اللهم عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم أسألك أن تذهب عني الهم والحزن وقني الفتن ما ظهر منها وما بطن»،وكان عليه السلام إذا انصرف
قال: «اللهم بنعمتك انصرفت وبذنبي اعترفت اللهم إني أسألك بسوء
ما اقترفت»(1) .
[ من أولى الناس بالإمامة ]
وأولى بالإمامة من القوم وأقرأهم للكتاب و أعلمهم بالسنة، فإن استووا فأورعهم وأصلحهم، فإن استووا فأسنهم.
مسألة
[ صاحب المنزل مقدم في الإمامة ]
وقيل إن أبا سعيد الأنصاري(2) صنع طعاماً فدعا له أبو ذر(3) وابن
مسعود(4)
__________
(1) 2- وردت صيغ متعددة فيما يقوله المصلي عقب الصلاة من ذكر الله من تسبيح
و تحميد وتهليل ، ودعاء .
(2) 1- أبو سعيد الأنصاري : أعتقد أنه أبا سعيد الخدري لأنه : سعد بن مالك بن سنان
بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن الحارث بن الخزرج.
(3) 2- أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد
- صلى الله عليه وسلم - كان خامس خمسة في الإسلام، ثم رد إلى قومه بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن هاجر
منها فهاجر إلى المدينة - رضي الله عنه - روى عنه : حذيفة بن اليمان بن أسيد
الأنصاري وابن عباس، وأنس بن مالك، وابن عمر، وجبير بن نفير وأبو مسلم
الخولاني وزيد بن وهب، وأبو الأسود الدؤلي، وربعي بن حراش، وغيرهم كثير،
كان رضي الله عنه رأساً في الزهد، والصدق، والعلم، والعمل، قوالاً بالحق، لا
تأخذه في الله لومة لائم، على جدة فيه. وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر
- رضي الله عنهما - توفي رضي الله عنه وحده كما أخبر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -
: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» وصلى عليه عبد
الله بن مسعود رضي الله عنهم. انظر سير أعلام النبلاء 2/46 - 71 .
(4) 3- عبد الله بن مسعود : بن غافل بن حبيب بن إلياس بن مضر بن نزال رضي الله
عنه الإمام الحبرُ، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري البدري
حليف بني زهرة. كان من السابقين الأولين، ومن النجباء العالمين شهد بدراً
والمشاهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حدث عنه أبو موسى وأبو هريرة، وابن عباس، وابن
عمر، وعمران بن حصين، وجابر وأنس وأبو أمامة في طائفة من الصحابة
رضوان الله عليهم والعديد من التابعين، وهو أول من جهر بالقرآن بعد النبي
- صلى الله عليه وسلم - توفي رضي الله عنه المدينة سنة 32هـ ودفن بالبقيع. سير أعلام النبلاء
1/461 - 500 بتصرف، رقم 87 . (4/82)
صفحة 533
وحذيفة(1) فآن وقت الصلاة فتقدم أبو ذر فقال له حذيفة :
ورائك رب البيت وهو أحق بالإمامة منك، فقال أبو ذر : كذلك يا ابن مسعود؟ قال : نعم فتأخر وتقدم ذو المنزل فصلى بهم رضي الله عنهم.
مسألة
[ كيفية القراءة ]
وإذا نوى الإمام الصلاة أن يكون إماماً لمن يأتي فليجهر بالتكبير في
صلاة النهار وبالقراءة والتكبير في صلاة الليل، فإن لم يجهر فلا نقض
عليه، وقول : لا جهر عليه لمن يأته إذا كان وحده وهذا لإحياء سنة الجماعة ولو لم يكن خلفه مأمومين.
مسألة
[ صلاة الداخل على الإمام ]
فإذا جاء الداخل معه جهر وإن لم ينو أنه يأته تمت صلاة الإمام
وانتقضت صلاة الداخل وقول : لا نقض عليه إذا صلى بصلاته وأعلمه أنه داخل معه في صلاته والأول أرجح.
مسألة
[ كراهية انتظار الإمام للمأموم ]
ويكره للإمام انتظار المأموم في الصلاة إذا أحس بدخوله معه ويصلي بهم صلاة أضعفهم لأن فيهم الضعيف وذا الحاجة ممن هو مواظب على صلاة الجماعة وعمارة المسجد.
مسألة
[ مراعاة أحوال المصلين ]
ولا ينبغي للإمام أن تكون صلاته مخصوصة بصلاة وإنما تكون بحال المتوسط الذي يلحقه في الضعيف في جميع أحوال صلاته إلا أن يكون
لمعنى ضرورة أ و لسبب حادث يرجو فيه الإسراع للفضل فلا بأس(2)
__________
(1) 4- حذيفة : هو حذيفة بن اليمان من نجباء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، و هو صاحب =
= السر، حدث عنه : أبو وائل، وزر بن حبيش، وزيد بن وهب، وربعي بن
حراش، وصلة بن زفر وغيرهم، آخى بينه وبين عمار بن ياسر رضي الله عنهم.
ولي إمرة المدائن لعمر، وبقي إلى بعد مقتل عثمان، وتوفي بعده بأربعين ليلة
-رضي الله عن الصحابة- انظر سير أعلام النبلاء رقم 76 - 2/361 - 369 .
(2) 1- جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم
الكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» أخرجه البخاري في صحيحه
كتاب الصلاة باب أمر الأئمة بالتخفيف. وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة . (4/83)
صفحة 534
.
مسألة
[ صلاة النبي ]
وقيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في أول ركعة من صلاة الفجر بكهيعص وقرأ في الثانية قل هو الله أحد فسئل عن ذلك فقال : «سمعت صياح طفل وظننت
أن أمه خلفي تصلي فرحمته»(1) .
مسألة
[ متابعة الإمام ]
وعلى المأموم اتباع إمامه ولا يسبقه في شيء مما يجهر به الإمام ولا يكون المسافر إماماً بالمقيمين إلا أن يكون المسافر في محل هو المتولي للصلاة فيه
فيكون أولى بالإمامة لفضله وعلمه من المقيمين وقيل : ولو لم يكن في
موضعه فإذا سلم الإمام أتم المقيمون صلاتهم فرادى.
مسألة
[ جواز إمام المسافر للمقيم والعكس ]
قال الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد(2) : ليس ذلك إجماعا،ً وقيل : من الإجماع صلاة المقيم بالمسافر وصلاة المسافر بالمقيم ويتم المقيم صلاته.
مسألة
[ تقديم الإمام الأكبر ]
وأما الإمام الأكبر فهو أولى بالتقديم إذا حضر فإن كان مسافراً فإن قضى
صلاة السفر تم الذين من خلفه من المقيمين صلاتهم فرادى ويؤمر الإمام إذا سلم من صلاته أن يتحول من مقامه ويلتفت لمن خلفه.
مسألة
[ لا صلاة لجار المسجد إلا في ا لمسجد ]
وفي الأثر أن من سمع الإقامة من جيران المسجد فلم يجب فلا صلاة له
__________
(1) 2- جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - « والله إني لأسمع بكاء الصبي و أنا في الصلاة فأخفف =
(2) = مخافة أن تفتن أمه» أخرجه الترمذي عن أنس وعند ابن ماجة عن عثمان بن أبي
العاص. انظر كنز العمال 7/594 رقم 20418 ، 20419 ، 20420 ورقم
20431 ، 20422 .
1- أبو بكر أحمد بن محمد : هناك أكثر من عالم بهذا الاسم والمشهور - والله
أعلم- شيخ مؤلف المصنف -رحمه الله- أحمد بن محمد بن صالح (أبو
بكر) الأزدي العقري النزوي من مشهوري علماء زمانه في النصف الأول من
القرن السادس. توفي رحمه الله منتصف ليلة الاثنين لليلة خلت من شهر صفر
سنة 576هـ إتحاف الأعيان 1/417 . (4/84)
صفحة 535
إلا من عذر، وقال أبو عبد الله : صلاته تامة ولا يعتاد ذلك ويبدد بدنه(1) .
مسألة
[ التشديد على صلاة الجماعة ]
عن ابن العباس ورضي الله عنه : إن صلاة الجماعة فريضة لقوله تعالى :
{ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } (2) ، وفي تركها من غير
عذر تشديد من الفقهاء ولا يقوم البعض عن البعض على هذا القول.
مسألة
[ حكم صلاة الاثنين ]
قال بعض المسلمين : إن الاثنين لا يلزمهما صلاة الجماعة إن لم يكونا في
مسجد ولم يكونا مسافرين والأرجح أن الاثنين جماعة وتلزمهما الصلاة والأرجح أنها على الكفاية.
مسألة
[ صلاة الجماعة في غير المسجد ]
وإذا كان بالقرية مسجد هل يسع أهلها أن يصلوا فرادى وفيهم من يقرأ القرآن؟ كان في القرية جماعة أو لم تكن فإذا قدروا على عمارة المسجد
بصلاة الجماعة لزمهم ذلك ولا سيما إذا لم تكن في القرية صلاة جماعة.
مسألة
[ وجوب صلاة الجماعة ]
والعجب ممن قال يعذرهم والنبي عليه السلام لم يعذر ابن أم مكتوم(3)
__________
(1) 1- عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «من سمع النداء فلم
يأت فلا صلاة له إلا من عذر» رواه ابن ماجة، والدارقطني وابن حبان والحاكم
وإسناده على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفة.
(2) 2- سورة الشعراء آية 218 - 219 .
(3) 1- ابن أم مكتوم : مختلف في اسمه. فأهل المدينة يقولون عبد الله بن قبس بن
زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري. من السابقين المهاجرين وكان
ضريراً مؤذناً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع بلال وسعد القرظ، وأبي محذورة، كان
يستخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة وهو الذي بحقه عوتب النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد العتاب
بقوله تعالى : { عبس وتولى إن جاءه الأعمى } [عبس : 1]. شارك في بعض
المعارك كالقادسية. قيل إنه استشهد في معركة القادسية سنة 15هـ في نهاية
شوال. انظر سير أعلام النبلاء 1/360 - 365 رقم 77 . (4/85)
صفحة 536
في التخلف عن صلاة الجماعة وهو ضرير نازح عن المسجد.
مسألة
[ التأخر عن الصلاة وقيام الإمام بذلك ]
يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد رجلاً من الجماعة فأتى
داره فصوت به فأجابه فسأله ما حبسه فأخبره أنه ذو وصب وقال : لو
سمعت صوتك ما خرجت فقال له عمر: دعوة الله أوجب عليك من
إجابة دعوتي.
مسألة
[ قول أبي جابر ]
عن يحيى(1) عن بعاد بن عبيد(2) عن أبي جابر(3) قال : إن صلاة الجماعة
لا تفوت إلا بذنب.
مسألة
[ صلاة المنفرد بعد العصر وقبل طلوع الشمس ]
ومن صلى بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر قبل أن تطلع الشمس
ورفض صلاة الجماعة بغير عذر استتيب فإن تاب وإلا برئ منه لأنه
ترك السنة(4) .
[ حكم من رفع رأسه قبل الإمام ]
ومن رفع رأسه قبل الإمام ناسياً أو سجد فيرجع حيث كان ويتبع الإمام وإن تعمد لذلك فعليه النقض.
[ حكم الائتمام بالمكبول والمجبوب ]
ويكره الائتمام بالمكبول المقيد والمجبوب إلا أن يصلى بمثلهما ورخص أبو عبد الله في إمامة المجبوب بغير مثل إذا كان أهلاً لها ولا يصلى خلف المولى إذا قال إنه عزي ولا المنتحي ولا الصبي ولا الضرير ورخصوا في الائتمام بالعبد والضرير لا تجوز الصلاة الليل لمن اعتره عشى بالأصحاء وجائز بالنهار(5)
__________
(1) 1- يحيى : هو يحيى بن سيعد النزوي صاحب كتاب الإيضاح والله أعلم.
(2) 2- بعاد بن عبيد : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 3- أبو جابر : هو الشيخ العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي من مشاهير
العلماء في زمانه ومن المؤلفين المجيدين وهو من علماء النصف الأخير من القرن
الثالث وكان أصم. من أشياخه العلامة محمد بن محبوب وغيره من علماء
زمانه عمر بن محمد القاضي الضبي من مؤلفاته كتاب الجامع المعروف بجامع
ابن جعفر. إتحاف الأعيان 1/207 .
(4) 1- سبب ذلك ورود النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة.
(5) 2- الإمام يفضل أن يكون سليماً من العيوب لأن الإمامة ولاية والأئمة ضامنون.
والمقيد تنتفي عنه صفة الحرية والمجبوب : صفة الإنسان الكامل. والصبي عدم
البلوغ. والولى إذا قال عربي (والأصح والله أعلم) إذا قال عربي : فهو كاذب
وغير مؤتمن على الصلاة. (4/86)
صفحة 537
.
مسألة
[ الصلاة خلف المنافق ]
وقيل لا بأس بالصلاة خلف المنافق وآكل أموال الناس ظلماً إلا لمن ألجأته الضرورة إلى ذلك وتكون كصلاة المنفرد وإن كان يصلي في مسجد
فالصلاة خلفه أفضل من صلاة المنفرد لإحياء سنة الجماعة(1) .
مسألة
[ الصلاة خلف من يقنت ]
ومن صلى خلف من يعلمه أنه يقنت فقنت في الصلاة فصلاتهما معاً فاسدة وإن لم يعلم أنه يقنت فقنت سراً فصلاة المأموم تامة(2) .
مسألة
[ حكم الصلاة خلف من يوجه بعد تكبيرة الإحرام ]
ومن صلى خلف من يرى التوجيه بعد تكبيرة الإحرام فصلاتهما فاسدة
لأن التوجيه كلام وقول إن صلاتهم تامة وصلاته فاسدة، قال أبو عبد الله صلواتهم جميعاً تامة .
مسألة
[ أفضل الصفوف ]
والصف المقدم من الرجال أفضل، ومن النساء المؤخر أفضل(3)
__________
(1) 1- لأنه ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين من بعدهم أنهم صلوا خلف
حكام الجور والظلم مثل الحجاج بن يوسف الثقفي.
(2) 2- القنوت : مصدر من باب قعد للدعاء ويطلق على القيام في الصلاة ومنه قوله
تعالى : { وقوموا لله قانتين } وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الصلوات طول القنوت».
وإذا أطلق فهو الدعاء في الصلاة. المصباح المنير 2/625 .
القنوت عند الفقهاء : هو الدعاء في الصلاة سواء كانت فريضة أم نافلة وقد
اختلف الفقهاء في القنوت منهم من أجازه في جميع الصلاوات كابن حزم
- رحمهم الله - ومنهم من اعتبره في حكم الواجب في صلاة الفجر كالشافعية
والمالكية مع الاختلاف في الهيئة. ومنهم من أجازه في الوتر كالحنفية والحنابلة.
والإباضية اعتبرت القنوت مبطل للصلاة. وكل فريق له الأدلة ما يسنده. ارجع
إلى كتب الفقهاء في القنوت.
(3) 1- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «خير صفوف
الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» رواه
مسلم رقم 440 في الصلاة باب تسوية الصفوف وإقامتها، وأبو داود رقم
678 في الصلاة، والترمذي رقم 224 في الصلاة، باب ما جاء في فضل
الصف الأول. والنسائي 2/93 في الإمامة باب ذكر خير صفوف النساء وشر
صفوف الرجال. (4/87)
صفحة 538
. ومن
صلى خلف الإمام صلاة قد صلاها فلا بأس عليه ولا يتديدن ذلك ولا
أحب له الجهر بالصلاة مع من يصلي نافلة إلا أن يكون معه غيره.
مسألة
[ صلاة الإمام بمن قد صلى ]
قال بعض العلماء لا يجوز أن يصلي الإمام بمن قد صلى تلك إذ هي نافلة إلا في المسجد ، قال الشيخ محمد بن المسبح رحمه الله(1) : جائز ذلك مجملاً .
مسألة
[ موقف الواحد من الإمام وموقف المرأة ]
وإذا صلى رجل وامرأة بصلاة الإمام صف الرجل خلف الإمام عن يمينه
والمرأة خلف الرجل كعرف الديك وإن كن أكثر من واحدة صف الرجل
عن يمين الإمام والنساء خلف الرجل(2) .
مسألة
[ كيفية صفوف النساء ]
وإذا اختلف المسلمون في إيجاز الصفوف على النساء في الصلاة، قول : عليهن كالرجال، وقول : لا صفوف عليهن والأصح أن عليهن أن يصففن
في الفريضة في المسجد وغيره ولا عليهن في النوافل في المسجد وغيره وهذا
هو الأصح(3)
__________
(1) 2- محمد بن المسبح : والده المسبح بن عبد الله من قرية هيل قريباً من سمائل من
علماء عُمان : انظر قاموس الشريعة 8/262 .
(2) 1- لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : صليت إلى جنب رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعائشة خلفنا تصلي معنا ، وأنا إلى جنب النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلي معه.
أخرجه النسائي 2/86 في الإمامة باب موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة.
(3) 2- لا بد من تصحيح الصفوف للرجال والنساء وثبت هذا في الحديث التالي عن
النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «لتسوُّن
صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» وأخرج أبو داود قال : أقبل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه، فقال : «أقيموا صفوفكم - ثلاثاً - والله لتقيمُنَّ
صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، قال : فرأيت الرجل منا يلزق ومنكبه
بمنكب صاحبه، وركبته وكعبه بكعبه» وله في أخرى قال : «كان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة، فإذا استوينا كبر» رواه البخاري 2/173 ،
ومسلم رقم 436 في الصلاة، وأبو داود رقم 662 ، 663 ، في الصلاة باب
تسوية الصفوف. والترمذي رقم 227 ، والنسائي 2/89 في الإمامة. (4/88)
صفحة 539
.
مسألة
[ إمامة المرأة للنساء ]
ولا تكون المرأة إماماً في الفرائض للنساء وفي النوافل جائز وقيل يجوز
في الفرض والنفل ويكون قيامها وسطهن وقد أمرهن عليه السلام بذلك(1) .
مسألة
[ كيفية صلاة الداخل مع المنفرد ]
وإذا صلى الإمام برجل ورام آخر الدخول في الصلاة معهما جر المأموم
إلى خلف الإمام بعد أن يعلمه أني أريدك أن تتأخر معي لا دخل في
صلاتهما وإن حاذاه فجائز.
مسألة
[ كيفية الصف مع الإمام ]
ومن صف عن يسار الإمام وحده جهلاً أو نسياناً فلا بأس عليه ومن صف عن يمين الإمام وصف آخر خلفهم أو صلى عن يسار الإمام فقد
أخطئوا ولا فساد عليهم، قال محمد بن المسبح : من صلى عن يسار الإمام فصلاته تامة وقول : من صلى خلفهم فصلاته فاسدة.
مسألة
[ حكم صلاة الثاني بجوار الأول عن يمين الإمام ]
وإذا صف المأموم عن يمين الإمام وصف آخر عن يمين المأموم ففي نقض صلاة من صلى عن يمين الإمام يجري فيها الاختلاف وقول إنها تامة وقول
إنها منتقضة.
مسألة
[ في الجهل أن نسيان في الصف على اليسار أو اليمين ]
ومن صف عن يمين الإمام ثم جاء جماعة فصفوا خلف الإمام فلم
يتأخر معهم فإذا كان علم بهم وتعمد لذلك فسدت صلاته وأما على
الجهل والنسيان فصلاته تامة وكذلك صلاتهم تامة على الحالين
والمأموم إذا صف عن يمين الإمام أو عن يساره فصف الآخر عن يمين
الإمام أو عن يسار من صف عن يساره قول صلاتهم تامة على حال
وقول فاسدة علي حال والجاهل والناسي في هذا سيان وقول تتم على
النسيان وتبطل على الجهل وقول إن صلاتهم تامة إلا أن يعتقدوا
إخلاف السنة.
مسألة
[ صلاة المأموم خلف الإمام وحده ]
عن أبي عبد الله محمد بن محبوب وأبي المؤثر الصلت بن خميس وعبد
__________
(1) 1- لما رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة عن أم ورقة رضي الله عنها أن الني - صلى الله عليه وسلم -
أمرها أن تؤم أهل دارها. انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص84 رقم 447 . (4/89)
صفحة 540
الله بن محمد بن روح(1) وأبي الحواري(2) وأبي علي موسى بن علي وأبي
سعيد رحمهم الله أن المأموم إذا صف وحده عن يمين الإمام فهو حسن وإن صف خلف الإمام وقد أخذ من قفوة الإمام شيئاً فصلاته تامة إذا لم يكن
بينه وبين الإمام خمسة عشر ذراعاً.
مسألة
[ كيفية إصلاح صلاة المصلي ]
ومن أراد أن يجر المصلي لإصلاح صلاته أعلمه أولاً ووجه وجره ثم
يحرم فيصف معه بعد الإحرام وإن تأخر قبل الإحرام الداخل فلا بأس
وذلك عن أبي عبد الله وأبي المؤثر رحمهم الله.
مسألة
[ ماذا يعمل الإمام إذا أحدث ]
وإذا أحدث الإمام حدثاً في الصلاة تأخر وتقدم غيره ليتم بهم الصلاة، وقول يكون صلاتهم أنفسهم وإذا سجد المأموم حذا منكب الإمام أو رأسه فعليه النقض وقول إذ سجد حذا منكبيه تمت الصلاة وهو الأصح ويسجد محاذياً ركبتي الإمام.
مسألة
[ كيفية إمامة المأموم بالإمام ]
قال بعض العلماء : إذا تقدمه الإمام بشيء ولو قل تمت صلاته وقول لو سجد حذا رأس الإمام فصلاته على التمام.
مسألة
[ صلاة المرأة مع زوجها ]
__________
(1) 1- عبد الله بن روح : والده محمد بن روح من علماء عُمان من النصف الأول من
القرن الرابع ويكنى بأبي عبد الله وهو من شيوخ أبي سعيد الكدمي. إتحاف
الأعيان 1/210 .
(2) 2- أبو الحواري محمد بن الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو الحواري محمد
ابن الحواري بن عثمان القري من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما
أدرك أول القرن الرابع. اشتهر أنه من قرية تنوف القريبة من نزوى، وقيل : من
قرية بني صبح من كدم وبها مسجد يسمى مسجد أبي الحواري، من شيوخه
محمد بن محبوب ومحمد بن جعفر الأزكوي صاحب الجامع ونبهان بن
عثمان. كان أبو الحواري أعمى، من مؤلفاته جامع أبي الحواري. توفي رحمه
الله في أوائل القرن الرابع والعلم عند الله . عن إتحاف الأعيان 1/210 . (4/90)
صفحة 541
وإذا صلت المرأة حذا الإمام ولم تتأخر عنه فسدت صلاتها وتمت صلاته ولعل هذه لم تصل بصلاته ويكره لغير ذات محرم أن تصلي مع رجل فإن
فعلت فلا بأس وإذا صلت المرأة مع بعلها تأخرت بقدر ما يتقدمها من رأسه.
مسألة
[ قول أبو المؤثر في ذلك ]
عن أبي المؤثر : إذا صلت المرأة مع زوجها فسجودها حذا منكبيه فإن جاوزت فأخاف فساد صلاته هو وقول لا بأس.
مسألة
[ إمامة الرجل بالنساء ]
وجائز للإمام أن يصلي بالنساء صلاة الفريضة ويكن خلفه صفاً وإذا تعايى الإمام بالقراءة وسكت جاز للجماعة أن يفتحوا عليه ولم يضطر.
مسألة
[ جواز الفتح على الإمام ]
عن أبي المؤثر عن نافع(1) مولى بني عمر(2) أنه قال : صلى بنا عبد الله بن عمر صلاة المغرب فما فرغ من قراءة الفاتحة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فكررها فحرس عليه فتلوت له إذا زلزلت الأرض زلزالها فاستمر في القراءة
ولم ينكر علي.
مسألة
[ حكم تنحنح الإمام في الصلاة ]
ومن تنحنح في الصلاة حين حرس عليه القراءة لغير إصلاح فصلاته فسدت وقيل حتى يتنحنح لمعنى مقصود كرد جواب أو غيره قال أبو عبد الله رحمه الله : إن التبست عليه القراءة فتنحنح فلا بأس عليه .
مسألة
__________
(1) 1- نافع مولى ابن عمر : الإمام المفتي الثبت، عالم المدينة، وأبو عبد الله القرشي
مولى ابن عمر وروايته، روى عن ابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة، ورافع بن
حديج ، وأبي سعيد الخدري وغيرهم. روى عنه الجم الغفير منهم الزهري،
وعبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله، وزيد بن واقد، وحميد الطويل وأسامة بن
زيد ، وابن جريج، وعقيل وبكير بن عبد الله الأشج.. قال البخاري أصح
الأسانيد عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قيل : إن نافع
بربري وقيل : نيسابوري، وقيل : فارسي. توفي رضي الله عنه سنة 117هـ
وقيل : سنة 119هـ انظر سير أعلام النبلاء 5/95 - 101 رقم 34 .
(2) 2- بني عمر : المقصود ابن عمر وهو الصحابي المعروف - رضي الله عنه - . (4/91)
صفحة 542
[ الجهل بموقع الإمام في الظلام ]
وإذا صف المأموم خلف إمامه في ليلة مدلهمة في المسجد فإذا هو قد
صف حذا الإمام عن يمين أو عن شمال فإذا لم يتقدم الإمام فلا بأس عليه.
مسألة
[ إمامة من أحدث في الصلاة ]
وإذا أحدث الإمام حدثاً مما ينقض الصلاة فقرأ آية بعد أن أحدث ومضى في صلاته فسدت صلاته وصلاة من صلي خلفه، وقول إذ تلى آية واحدة
فلا فساد على الجماعة ويقدموا إماماً يتم بهم الصلاة.
مسألة
[ كيفية قراءة الإمام الثاني بعد إحداث الأول ]
عن محمد بن المسبح رحمه الله أنه ما لم يركع فلا فساد عليه في
تلاوة آية ويستأنف الإمام الثاني القراءة التي قرأها الأول حين أحدث ولا
يفتند(1) بها ويبني على ما قرأه الأول قبل الحدث.
مسألة
[ من متعمداً على غير وضوء إماماً ]
ومن صلى بقوم وهو على غير وضوء أو بلباس تنجس على علم منه
بذلك فصلاته وصلاة من خلفه منتقضة وإن لم يعلم إلا بعد أن قضى
الصلاة فصلاته فاسدة وصلاة من صلى خلفه تامة(2) .
مسألة
[ إذا صلى الإمام وهو على جنابة ]
وأما إن كان الإمام جنب البدن فإن صلاة الكل منتقضة وعليه إعلامهم إن حضروا أو إن غابوا عرفهم بما يمكن من طرس أو غيره وإن أحدث الإمام حدثاً ولم يتقدم غيره حين خرج من المسجد ففي نقض صلاة الجماعة اختلاف(3) .
مسألة
[ صلاة الإمام وهو على جنابة ]
__________
(1) 1- الكلمة غير واضحة والذي يفهم من السياق على الإمام الثاني متابعة الإمام الأول.
(2) 2- انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/156 .
(3) 3- اختلف العلماء في هذه المسألة : وسبب اختلافهم هل صحة انعقاد صلاة
المأموم مرتبة بصحة صلاة الإمام أم ليست مرتبطة؟ فمن لم يرها مرتبطة قال :
صلاتهم جائزة، ومن رآها مرتبطة قال : صلاتهم فاسدة، ومن فرق بين السهو
والعمد. قصد إلى ظاهر الأثر وهو أنه عليه الصلاة والسلام كبر في صلاة من
الصلوات. ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جسمه أثر الماء.
بداية المجتهد 1/156 . (4/92)
صفحة 543
واختلفوا في صلاة الإمام إذا صلى بقوم وهو جنب أو على غير وضوء، فقال محمد بن جعفر(1) : صلاة الجميع منتقضة، وقال محمد بن محبوب :
صلاة الجماعة تامة وإن الجنب لا يقطع الصلاة، وقال سليمان بن عثمان(2) : إذا كان جنب البدن فسدت صلاته وحده، وقال أبو سعيد : فنتم صلاة الجماعة إلا من كان خلف الإمام وحده.
مسألة
[ إقامة الصلاة تنهي النافلة ]
ومن صلى في مسجد ثم أقام الإمام صلاة الجماعة فإن غلب ظنه أنه يتم ركعتين أتمهما وجعلهما نفلاً وصلى مع الإمام، وإن كان في الصلاة
حسمها وصلى مع الإمام. قال محمد بن المسبح : إن حاذر أيلاً بينهما شفعاً وأتمهما وتراً.
مسألة
[ تقدم الإمام برأيه بعد حدث الأول ]
فإن أصرى صلاة الإمام حدث فقدم كل حزب من الجماعة إماماً يتم
بهم فسدت صلاة الكل لتعذر صلاة الإمامين في صلاة واحدة وإن صلى
بعضهم بصلاة الذي قدموه وصلى بعضهم فرادى انتقضت صلاة الفرادى
وإن تقدم الإمام الثاني برأيه من غير أن يجره الأول فلا بأس.
مسألة
[ أحدث الإمام في ركوعه ]
وأما إذا أحدث الإمام حدثاً في ركوعه أو سجوده فرفع الجماعة
رؤوسهم من الركوع بلا إمام هل يجوز لأحد أن يتقدم بهم؟ فنعم جائز
ذلك، وإن صلوا فرادى فلا بأس.
مسألة
[ انفصال الجماعة عن بعضها البعض ]
__________
(1) 1- محمد بن جعفر : هو أبو جابر - صاحب الجامع وقد تقدم ذكره.
(2) 2- سليمان بن عثمان : أو عثمان من عقر نزوى وهو من علماء النصف الثاني من
القرن الثاني وأوائل القرن الثالث وهو قاضي الإمام غسان بن عبد الله وقد أخذ
الإمام بفتواه في فلج الخطم من منح لإخراجه في أروض أهل نزوى بالثمن. أخذ
العلم هو والشيخ هاشم بن غيلان عن العلامة موسي بن أبي جابر الأزكوي.
ولم تعرف وفاته. (4/93)
صفحة 544
وإذ نأى الجماعة عن الإمام أو الجماعة من بعضها بعض هل تفسد صلاتهم؟ وهل لذلك حد؟ قال أبو المؤثر إذا انفسخ الصف عن الصف خمسة عشر ذراعاً انتقضت صلاة الصف المؤخر وكذلك إذا انفسخ المقدم من الإمام خمسة عشر ذراعاً فسدت صلاة أهل الصف وصلاة الإمام تامة(1) .
مسألة
[ الائتمام بالمنفرد ]
ومن أحرم في صلاته ولا يبطل عمله وإن دخل فأتاه آت فدعاه أن يصليا معاً الفريضة جماعة هل يجوز له أن يصري صلاته ويصلي بالآتي جماعة؟
فإنه يؤمر ألا يصري صلاته ولا يبطل عمله وإن دخل الآتي معه في الصلاة
تمت صلاتهما وإن ترك صلاته وابتدأ الصلاة الذي هو فيها وابتدأ صلاة
الجماعة بلا آتٍ فلا يضيق عليه.
مسألة
[ من أم قوماً وهم له كارهون ]
قال أبو المؤثر أنه رفع إليه في الحديث أن سلمان الفارسي(2)
__________
(1) 1- وردت أحاديث تحث على تسوية الصفوف وتحذر من الفصل بينها منها :
1- ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن النعمان بن =
(2) = بشير رضي الله عنه قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : «لتسون صفوفكم أو
ليخالفن الله بين وجوهكم» جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
5/606 رقم 3863 .
2- عند أبي داود والنسائي عند عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما – أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدا الخلل
ولينوا بأيديهم إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل صفاً
وصله الله، ومن قطعه قطعه الله» أخرجه أبو داود والنسائي انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 605 رقم 3866 .
1- سلمان الفارسي : أبو عبيد الله سابق الفرس إلى الإسلام. روى عنه ابن عباس،
وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو عثمان الهندي،، وشرحبيل السمط
وغيرهم، قصة إسلامه معروفة في كتب السيرة، استرق عند يهودي ونال حريته
قبيل الخندق فشهدها وهو حر، وقصته فيها معروفة. توفي رضي الله عنه في= (4/94)
صفحة 545
رضي الله
عنه أقام الصلاة بقوم ثم قال لهم : يتقدم أحدكم، فقالوا سبحان الله يا أبا
عبد الله ما كنا نتقدم بك، قال : أكلكم راضون؟ قالوا : نعم فصلى بهم،
فلما قضى الصلاة قال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «ثلاثة يصلون
فلا تقبل صلاتهم : امرأة إذا منعت زوجها من حق يجب له عليها، ورق
أبق من ربه حتى يرجع ويرضى سيده، وإمام صلى بقوم وكلهم له
كارهون»(1) .
مسألة
[ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب ]
عن محمد بن محبوب عن محمد بن غسان عن أبي المؤثر أن رجلاً
صلى خلف الإمام الظهر والعصر فلم يقرأ فيها شيئاً إلا أنه يركع ويسجد ويكبر فأجازوا صلاته وأدنى عمار المسجد ثلاثة.
مسألة
[ حكم الركوع مع الإمام دون سماع القراءة ]
واختلفوا في الذي يركع مع الإمام أي يدرك الركوع فقول إذا أحرم وركع مع الإمام ولم يدرك القراءة فلا إعادة عليه في القراءة كان ذلك في
صلاة الليل أو النهار، وقول يجزئه ذلك في صلاة النهار وأما في صلاة
الليل فلا، وقول لا يجزئه في الحالين حتى يكون إحرامه قبل ركوع الإمام، وقول لا يجزئه ولو أحرم قبل ركوع الإمام حتى يسمع مقدار آية من
القراءة وقول حتى يسمع ثلاث آيات، وقول لا يجزئه حتى يسمع نصف
الحد، وقول حتى يسمع أكثرها وإلا فعليه الإعادة.
مسألة
[ أعذار في ترك الجماعة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله إنه يختلف في الإمامة بمن لا تلزمه صلاة الجماعة من النساء والقر إذا لم تأته جماعة قول إنه جائز للرجل أن يؤم
__________
(1) = المدائن في خلافة عثمان هكذا قال الواقدي. وهي سنة 36هـ. انظر سير أعلام
النبلاء 1/505 - 558 رقم 91 .
1- أخرجه الترمذي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم
آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع، وزوجة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم
وهم له كارهون» المنتقى من أخبار المصطفى رقم 1457 - 1/461 - 642 . (4/95)
صفحة 546
بهؤلاء في كل موضع على الإطلاق وقول لا يجوز إلا في مسجده الذي
يؤم فيه لأن من ذكرنا لا جماعة عليهم.
مسألة
[ صلاة الإمام في المسجد وحده ]
وجائز لإمام المسجد أن ينو الصلاة بالجماعة إذا لم تحضره جماعة
ويجهر بالقراءة فيما يجهر فيه الإمام القراءة من الصلاة ولو كان وحده فإن دخل أحد معه في الصلاة وإلا فصلاته تامة وكره ذلك من كرهه.
مسألة
[ ما فاته من الصلاة مع الإمام ]
وبلغنا عن علقمة(1) والأسود(2) صاحبي عبد الله بن مسعود رحمهما
الله أنهما دخلا في صلاة إمام فقضى أحدهما ما فاته وجعل ما مضى أول
صلاته وهو الذي فاته وجعل أحدهما ما فاته آخر صلات واستأنف فذكر
__________
(1) 1- علقمة : فقيه الكوفة وعالمها ومُقرئها، الإمام، الحافظ، المجود المجتهد أبو شبل
علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة.. النخعي. عم الأسود بن يزيد
وأخيه عبد الرحمن، وخال فقيه العراق إبراهيم النخعي ولد في أيام الرسالة
وعداده في المخضرمين، هاجر في طلب العلم والجهاد، نزل الكوفة ولازم ابن
مسعود حدث عن عمر وعثمان وعلي وسلمان وأبي الدرداء، وخالد بن الوليد
وحذيفة وخباب وعائشة وسعد وعمار وابن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم.
حدث عنه الجمع الغفير أبو وائل، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن
سيرين وغيرهم. وثقة علماء الحديث، توفي رحمه الله في خلافة يزيد سنة
61هـ وقيل : سنة 65هـ وعاش تسعين سنة. انظر سير أعلام النبلاء
4/53 - 61 رقم 14 .
(2) 2- الأسود بن يزيد بن قيس الإمام القدوة أبو عمرو النخعي الكوفي وقيل يكنى أبا
عبد الرحمن، وابن أخي علقمة بن قيس، وخال إبراهيم النخعي وكان مخضرماً
أدرك الجاهلية والإسلام. حدث عن معاذ بن جبل وبلال وابن مسعود وعائشة
وحذيفة بن اليمان وطائفة أخرى. وهو نظير مسروق في الجلالة والعلم والثقة
والسن يضرب بعبادتهما المثل توفي - رضي الله عنه - سنة 75هـ . انظر سير
أعلام النبلاء 4/50 - 53 رقم 13 . (4/96)
صفحة 547
ذلك لعبد الله بن مسعود فأتم ضبعهما(1) قال : بعض أهل العلم والأصح أن يجعل صلاته آخر صلاة الإمام ويقضي ما فاته وهو الأول من صلاة الإمام.
مسألة
[ إمامة القاعد على القائم ]
وإذا أم القاعد القائم ففي نقض صلاة المأموم اختلاف، بعض أتمها وبعض نقضها(2) .
مسألة
[ من سهى عن قراءة الإمام ]
ومن سهى عن استماع قراءة الإمام فقول عليه البدل وقول لو سمع
تلاوة آية أجزأه.
مسألة
[ أثر الفرجة الحادثة في الصف ]
وإذا انقطع واحد في الصف وبقيت في الصف فرجة فإن كان عالماً أن
عليه أن يزحف فلم يزحف فصلاته فاسدة إجماعاً، وإن كان جاهلاً أو ناسياً ففي نقض صلاته اختلاف، والجاهل أشد من الناسي(3) .
مسألة
[ الائتمام في الليلة المدلهمة ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : ومن صلى خلف الإمام في ليلة
__________
(1) 3- الأصح والله أعلم : فأتم صنيعهما، أي أجاز ما فعلا.
(2) 1- دليل من قال بعدم النقض : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : «صلى النبي
- صلى الله عليه وسلم - في بيته، وهو شاكٍ، فصلى جالساًَ، وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم (أن
اجلسوا) فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا
رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلى جلوساً». المنتقى من أخبار المصطفى
- صلى الله عليه وسلم - 1/634 رقم 1443 .
(3) 2- الحث على رص الصفوف ورد في أكثر من حديث منها : جاء في كنز العمال
7/624 رقم 20579 : « رصوا الصفوف فإن الشيطان يقوم في الخلل » =
= أحمد في مسنده عن أنس. ورقم 20580 رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا
بالأعناق» أخرجه النسائي كتاب الإمامة عن أنس رضي الله عنه. ورقم
20584 «من وصل وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله» النسائي وأبو داود
في كتاب الصلاة - تسوية الصفوف. والحاكم في المستدرك عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - وأرقام أخرى : 20556 ، 20557 ، 20559 ،
20563، 20564 ، 20577 ، 20584 . (4/97)
صفحة 548
مدلهمة فظن أنه لاصق بالصف فلما قضى صلاته صح أن معه بينه وبين
الصف مقام رجل قال : لا بأس عليه.
مسألة
[ من صلى خلف الإمام على غير وضوء ]
ومن صلى خلف الإمام وهو على غير وضوء فإن كان أخذ قفوة
الإمام كلها ولم يتصل لعله ينل الصف من الإمام شيئاً فأكثر القول أن
صلاتهم منتقضة، وإن كان الجماعة نالوا من قفوة الإمام شيئاً فالأصح
إتمام صلاتهم.
مسألة
[ متى يدرك فضيلة الجماعة ]
ومن صلى خلف إمام فلم يثبت إلا تكبيرة الإحرام قال محمد بن المسبح
عليه النقض وقول لا نقض عليه، ومن شك في ركعة أقل أو أكثر وهو يصلي بصلاة الإمام فلا نقض عليه إذ هو تابع للإمام.
مسألة
[ انتقاض وضوء الإمام لا يفسد صلاة القوم ]
وإذا انتقض وضوء الإمام بحدث لم تفسد صلاة الجماعة ويقدم بهم
غيره يتم صلاتهم.
مسألة
[ إذا سهى الإمام ولم يرجع ]
وإذا سهى الإمام في الصلاة فسبح له المأموم ولم يشعر فإذا لم يرجع
الإمام إلى الصواب فقد بطلت إمامته.
مسألة
[ الجماعة بعد سهو الإمام ]
ويصلي الجماعة صلاة أنفسهم.
مسألة
[ إذا ركع مع الإمام أدرك الجماعة ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : قال بعض المسلمين : من أدرك بالركوع
فوجه وأحرم وركع مع الإمام ولم يقرأ شيئاً فقد أدرك الصلاة وليس عليه
إتيان القراءة إذا سلم الإمام أدركهم في الأولى والثانية أو الثالثة أو الرابعة.
مسألة
[ متابعة الإمام حتى في شكه ]
عن أبي المؤثر رحمه الله : أن الإمام الأكبر لا يؤمه أحد في الصلاة وإذا شك الإمام في تكبيرة الإحرام في نفسه فكبرها ثانية ولم يكبرها من خلفه
ثانية لأنهم على يقين أنه قد كبر فإذا أهمل الإمام التكبيرة الأولى وجعل
الثانية إحرامه فلم يكبروا بعده فصلاته هو تامة وصلاتهم منتقضة والقول
قوله في ذلك(1) .
مسألة
[ متى يحق للمصلي سد الفرجة ]
__________
(1) 1- لأن الإمام وجد ليؤتم به ونية الإمام في الصلاة بهم جماعة والشك لا
يزول إلا باليقين. (4/98)
صفحة 549
وإذا صف المصلي خلف الإمام في الصف المؤخر ورأى في الذي قدامه فرجة هل له أن يسد الفرجة؟ فإن كان بقي وحده في الصف المؤخر فتقدم وسد الفرجة فلا بأس عليه وإن كان عنده من يجز صلاته فتقدم فلا أحب له ذلك والحكم بفساد صلاته.
مسألة
[ أعذار لترك الجماعة ]
أخبرني سعدة بن المفضل الأبروي(1) قال : كنا بمكة فلما دخلت أيام
العشر كثر الزحام في المسجد فتهانا محبوب أن نصلي جماعة في المسجد
وقال صلوا فرادى عند الازدحام وقيل : يصلي ولو يسجد المصلي على
ظهر رجل لفضل صلاة الجماعة، وقيل ينتظر الجماعة ويسجد محلهم.
مسألة
[ صلاة المؤذن وحده جائزة عند انعدام الجماعة ]
بلغنا أن من أذن وأقام وصلى ولم يصلي معه أحد صلى وحده لأن ورائه صفوف من الملائكة كأمثال الجبال.
مسألة
[ حكم التردد والاستعاذة جهراً ]
وإذا خزنت القراءة على الإمام في صلاة يجهر فيها فترددوا واستعاذ
جهراً هل تفسد صلاته وصلاة من خلفه؟ قال : لا فساد عليهم ، وقد عني الإمام عبد الملك بن حميد(2) رحمه الله مثل ذلك في صلاة الجمعة فأمر
العلاء بن أبي حذيفة(3) بالإعادة فعيب ذلك على العلاء، وقال أبو عبد الله : لا إعادة عليه وإن كان الإمام نفسه تبع فأحس شيئاً فظن أنه من وسواس
الشيطان لعنه الله فمضى في صلاته فلما فرغ رنا عرده فرأى بللاً تقرب
عليه علمه أنه مني حدث عليه فالأحسن له و للجماعة أن يعيد احتياطاً واستحساناً.
مسألة
__________
(1) 2- لم أعثر له على ترجمة.
(2) 1- عبدا الملك بن حميد : من بني سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء
الأزدي ولي يوم الاثنين لثماني ليال بقين من شهر شوال سنة 208هـ حكم
بالعدل والإنصاف وكانت عُمان دار استقامة إلى أن كبر وشاخ فحكم موسى
بن علي عن طريق العسكر وهو في بيته ولم يعزل فمات وهو إمام سنة 226
فكانت ولايته ثماني عشرة سنة . انظر كشف الغمة ص 259 رقم 459 .
(3) 2- العلاء بن أبي حذيفة : ذكر في إتحاف الأعيان أنه من علماء عمان 4/433 . (4/99)
صفحة 550
[ حكم إقامة جماعة ثانية ]
وإذا صلى جماعة في صرحة المسجد المؤخرة وشاء قوم صلاة جماعة
في ذلك المسجد وهو قدام الصرحة فإذا جاوز الباب الأول فلا بأس.
مسألة
[ وضع الإمام بالنسبة للمؤتمين ]
وقد قال أهل العلم : يصلي الأعلى بصلاة الإمام إذا كان الإمام أسفل
ولا يصلي الأسفل بصلاة الإمام إذا كان الإمام أعلى، وقال : إذا صلى
بصلاة الإمام على زمزم وعلى ظهر المسجد فإن صلاتهم تامة بصلاة الإمام
إذا كانوا أكثر من واحد.
مسألة
[ متى تنتقض صلاة الإمام بالحركات ]
وإذا سهى الإمام فلم يشعر بما صلى بأنه يرنوا يمنة ويسرة فإن رأى الجماعة يقومون قام، وإن رآهم قاعدين قعد، وإن أعلموه بعد أن أتم
انتقضت صلاة الجميع إذا كان ما أعلموه به ينقض الصلاة.
مسألة
[ صلاة المنفرد والجماعة قائمة ]
وإذا صلى الإمام جماعة في أقصى المسجد كمسجد السوق في الصرحة المؤخرة وصلى رجل في مقدمته الفريضة قال : أكره له ذلك وإن صلى فلا نقض عليه ولا بتدنِّ ذلك وأما إن صلى الإمام في مقدم المسجد فصلى
أحد في مؤخره وحده فهذا أشد وعليه النقض وإن كان الأمام يصلي نافلة فذلك مكروه ولا نقض عليه.
مسألة
[ انتقاض صلاة المنفرد ]
قال بعض أهل العلم : عليه النقض في الوجهين لأنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :
الصلاة مع مأموم أو إمام أفضل من صلاة المنفرد وما كثر ضوعف أجره(1) .
مسألة
[ قول أبي الدرداء وابن مسعود في صلاة الجماعة ]
عن أبي الدرداء(2)
__________
(1) 1- له شواهد من أحاديث كثيرة ترغب في صلاة الجماعة منها : صلاة الرجل في
جماعة تفضل على صلاته وحده خمساً وعشرين درجة الطبراني في الكبير عن
ابن مسعود. وهناك باب في الترغيب في صلاة الجماعة في كتب الأحاديث
انظر كنز العمال 7/552 - 580 تحمل معنى الحديث.
(2) 2- أبو الدرداء : الإمام القدوة، قاضي دمشق، وصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عويمر بن
قيس ويقال : عويمر بن عامر ويقال : ابن عبد الله الأنصاري الخزرجي . حكيم = (4/100)
صفحة 551
وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا : إن الله
تعالى سن لكل نبي سنة وسن لنبيكم سنة فمن سنة نبيكم الصلاة الخمس
جماعة وأن لو صليتم في منازلكم لتركتم سنة نبيكم عليه السلام وإن
تركتم سنة نبيكم لضللتم.
مسألة
[ حكمة صلاة الجماعة ]
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : تفقدوا إخوانكم في الصلاة فإذا فقدتموهم فإن كانوا مرضى فعودوهم وإن كانوا أصحاء
فعاتبوهم(1) .
مسألة
[ حكم صلاة الجماعة ]
قال الشيخ أبو عبد الله رحمه الله : صلاة الجماعة فرض كفاية(2) وينبغي لمن سمع الأذان والإقامة أن لا يتخلف عن الجماعة لقول الله تعالى : { يا
أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } (3) ، قال
النبي - صلى الله عليه وسلم - : من سمع النداء فارغاً صحيحاً فلم يجب فلا صلاة له(4) .
قال الشيخ أبو محمد : الائتمام بالصبي(5)
__________
(1) = هذه الأمة وسيد القراء بدمشق، روى عن الني - صلى الله عليه وسلم - عدة أحاديث. روى عنه :
أنس بن مالك، وفضالة بن عبيد، وابن عباس، وأبو أسامة وعبد الله بن عمرو بن
العاص وغيرهم. توفي رضي الله عنه بدمشق. انظر سير أعلام النبلاء
2/335 - 353 رقم 68 .
1- هذه من حكم صلاة الجماعة تفقد شؤون الرعية ومعرفة أحوال المصلين فمن
غاب سئل عنه وعرف شأنه.
(2) 2- فرض كفاية : هنا فرض كفاية على من كان بعيداً عن المسجد أما من كان قريباً
على المسجد فهي فرض عين لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا صلاة لجار المسجد إلا في
المسجد» أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - .
(3) 1- سورة الأنفال آية 24 .
(4) 2- كنز العمال 7/583 رقم 20359 ، الحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه عن
أبي موسى.
(5) 3- إمامة الصبي : إذا لم يوجد من يحفظ القرآن غيره فإمامته أجازها البعض لما ورد
في السنة عن عمرو بن سلمة قال : لما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم
بإسلامهم، وبادر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال : جئتكم من عند النبي
- صلى الله عليه وسلم - حقاً فقال : صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا
حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ولؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فلم يكن أحد
أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو
سبع سنين..» وعند أحمد وأنا ابن سبع أو ثمان سنين. انظر المنتقى من أخبار
المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 1/630 رقم 1433 .
والذين يرون عدم الجواز يستدلون بحديثه - صلى الله عليه وسلم - عن ابن مسعود قال : «لا يؤم
الغلام حتى تجب عليه الحدود». وعن ابن عباس قال : «لا يؤم الغلام حتى
يحتلم». رواهما الأثرم في سننه. المصدر نفسه 1/631 . (4/101)
صفحة 552
لا يجوز فرضاً ولا نفلاً وفيه
قول لبعض أصحابنا يجوز في النفل.
مسألة
[ رد المخالف على عدم جواز إمامة الصبي ]
فإذا احتج محتج كيف أثبتم للصبي حجاً فما أنكرتم أن تثبت له الصلاة؟ قيل له : ليس كل من ثبت له شيء من العبادات جاز الائتمام به لأن الإجماع
على المرأة الصلاة ولا يجوز الائتمام بها فإثبات الصلاة لا يكون دليلاً على انعقاد الجماعة ولسنا نذكر أن يكون للصبي صلاة كما يكون له حج.
مسألة
[ موقف الخنثى في الصلاة ]
والخناثا لا يكون مؤذناً ولا إمام جماعة ويصلي وحده مع الجماعة
ويكون قدام صف النساء ولا يصف مع الرجال ولا مع النساء.
مسألة
[ لا يستحق العبد الثواب على طاعته ]
وطريق الثواب التفضل لأنه لا يستحق العبد الثواب على طاعته بنفس الفعل لأن نعم الله على العبد لو قوبل بها فعله من طريق الطاعة لصغر
عندها(1) .
مسألة
[ صلاة من صلى قبل الإمام ]
وإذا صلى قوم جماعة قبل أن يصلي إمام المسجد ثم جاء الإمام فصلى بأصحابه فما حال من صلى قبل صلاة الإمام جماعة؟ فصلاتهم منتقضة.
مسألة
[ أهمية النية ]
وإذا لم ينو الإمام أنه يصلي بمن معه بصلاته ولمن يأتي فلا يجوز لمن يأتي بعد أن يحرم الإمام أن يدخل في صلاته وإذا نوى ذك جاز لمن أتى أن يصلي بصلاته ولا عليه سؤال الإمام إذا نوى ذلك أم لا.
مسألة
[ صلاة الجماعة دون علم الإمام ]
ومن أراد صلاة جماعة في مسجد ولم يعلم أصلاً إمام المسجد تلك
الصلاة أم لا فليس لهم ذلك أن يصلوا عن غير يقين وأما في الصحاري فلا
بأس إذ لم تتصل الصفوف.
مسألة
[ تغير نية الإمام ]
__________
(1) 1- وقد سبق حديثاً أنه «لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله
- - صلى الله عليه وسلم - - ؟ قال : ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله برحمته» فكلنا في مشيئة الله عز
وجل، نسأل الله العفو والعافية وحسن العاقبة. (4/102)
صفحة 553
وإذا صلى الإمام بخمسة أنفس ونيته أن يصلي منهم دون الباقين ولم يعلمهما حتى قضى الصلاة ثم أعلمهما أنه لم ينو أنه يصلي بهما فلا بدل
عليها إذا كان معروفاً أنه إمام ذلك المسجد وليس عليهم العلم بنيته قبل
الصلاة ولا قبول قوله بعدها.
مسألة
[ تقديم الخيار في الإمامة ]
قال أبو الحسن : إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدوما خياركم فإنهم وفدكم إلى ربكم.
مسألة
[ صلاة القاعد بالقائم ]
واختلفوا في صلاة المريض القاعد بالقائم فأجاز ذلك بعض واحتج بأن النبي ص فعل ذلك(1) .
مسألة
[ القراءة خلف الإمام ]
ومن قرأ السورة خلف الإمام متبعاً للإمام فيما يجهر به فيه بالقراءة فبئس ما صنع ولا نقض عليه ومن لم يقرأ خلف الإمام شيئاً فبئس ما صنع ولا
نقض عليه، وقيل : لا تجوز الصلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب(2) .
مسألة
[ ما يدرك مع الإمام ]
ومن أدرك من أول صلاة الجماعة سجدتين ولم يدرك الركوع فاستفتح وكبر وسجد معهم سجدتين، قال محبر بن محبوب(3) : يعيدها فإذا سلم
الإمام قضى ما فاته من صلاة الإمام وإذا رفع رأسه من الركوع فقد تمت صلاته فإن شاء سلم قائماً وإن شاء قاعداً والقعود أصح.
مسألة
__________
(1) 1- سبق الحديث عنها في الإمامة .
(2) 2- حكم القراءة خلف الإمام : قال جمهور الفقهاء على وجوب قراءة الفاتحة في
الصلاة وفي كل ركعة خلف الإمام في السرية والجهرية، وروى عن عمر بن
الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وخوات بن جبير، والأوزاعي، وأبي ثور لقوله
- صلى الله عليه وسلم - : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وحديثه - صلى الله عليه وسلم - «من صلى صلاة لم
يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام». وخالف الحنفية في هذا والثوري وابن
عيينة وجماعة من أهل الكوفة إلى أن المأموم لا يقرأ خلف إمامه لا في السرية ولا
في الجهرية لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».
(3) 1- محبر بن محبوب : لم أعثر له على ترجمة. (4/103)
صفحة 554
[ ما يجزئه من القرآن مع الإمام ]
ومن أدرك مع الإمام في صلاة المغرب آية أجزأته وفي صلاة العتمة آيتان وفي صلاة الفجر ثلاث آيات.
مسألة
[ كيفية إتمام المسبوق ]
قال الشيخ أبو محمد رحمه الله تعالى : من أدرك مع الجماعة ركعة
ثم قعد وهي أول صلاة الداخل وآخر صلاة الجماعة فله أن يقرأ التحيات
معهم في الركعة الأولى ثم يقوم فيأتي بعد تسليم الإمام بالركعة التي فاتت
ثم يقعد ويسلم من غير قراءة التحيات ثانية فإن قرأ معهم التحيات فليقل إلى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فإذا استأنف بعد تسليم القوم ركعة وهي
تمام صلاته فلا يبتدأ من بعد وتجزيه التحيات الأولى.
مسألة
[ كيفية إتمام صلاة المغرب ]
ومن فاتته ركعة من صلاة المغرب وقعد معهم للركعتين اللتين أدركهما وأراد البدل لما فاته فإنه فليقم ثاني بقراءة فاتحة الكتاب ويسجد ثم يقوم ويسلم عن قعود بغير قراءة التحيات ثالثة وعليه الوثبة بالتكبير التي يجب عليه ويسلم.
مسألة
[ من فاتته ركعتين من المغرب ]
وأما إن فاتته الركعتان من المغرب فقرأ فاتحة الكتاب وسورة وركع وسجد ثم أتى بالركعة الثانية وقرأ الحمد وسورة وركع وسجد وقرأ
التحيات ثم قام بتكبيرة فإذا بلغ الموضع الذي لحق فيه الإمام تمت صلاته
وأمر أن لا ينحط بتكبيرة ليكون انصرافه عن قعود فليسلم وينصرف.
مسألة
[ قضاء الفاتحة ]
ومن أدرك الإمام في القراءة وجه وأحرم وقرأ الحمد إلا أن يخاف أن لا يدرك من القراءة شيئاً مع الإمام فإنه يحرم ثم يستمع القراءة فإذا تم الصلاة
قام فليبدل ما فاته من قراءة الحمد وفي ذلك اختلاف فإن كان في صلاة
النهار أحرم وقرأ الحمد وإن ركع الإمام قبل أن يتم قراءة الحمد ركع معه ومنهم من أهدر عنه البدل فيما بقي من قراءة الحمد وأثبته عليه آخرون(1)
__________
(1) 1- هذا القول في قضاء الفاتحة استناداً إلى رواية الإمام الربيع بن حبيب في المسند :=
= عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول : «إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة
والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا، فإن أحدكم في صلاة ما كان
يعمل إلى الصلاة» شرح الجامع 1/321 - 322 . (4/104)
صفحة 555
.
مسألة
[ كيفية قضاء المسبوق ]
وأما من سبقه الإمام في العتمة بركعتين فإذا أتم الإمام قام هو وقرأ الحمد وسورة فركع وسجد ثم قام فقرأ الحمد وسورة ثم ركع وسجد وقعد فقرأ التحيات فإذا فرغ من التحيات قام بتكبيرة فإذا صار قائماً في حال دخل فيه مع الإمام قعد وسلم.
مسألة
[ التأخر دون طلب من المصلي ]
ومن صف عن يمين الإمام فلما أحرم الإمام قدم رجل يريد الدخول في صلاة الإمام فصف خلف الإمام فلما أحس به المأموم تأخر من غير أن يأمره الداخل أن يتأخر معه ولا جره ومر الإمام على هيئة من الإجهار في التلاوة
ففي صلاتهم يجري الاختلاف، قول : إن صلاة الإمام والداخل تامة
وصلاة المتأخر منتقضة لأنه تأخر من غير يقين فأفسد عمله، وقول : إن
صلاة المأمومين معاً فاسدة هذا بتأخره وهذا بصلاته مع من قد فسدت
صلاته وصلاة الإمام وحده تامة لأن الإمام لا يكلف علم ما عزب عليه
علمه بالغيب وقد دخل في الصلاة بيقين وقول صلاة الجميع منتقضة لأن
الإمام جهر بالقراءة خلفه من قد فسدت صلاته فصار مصلياً وحده ومنهم
من أجاز صلاة الإمام لأنه جائز له أن يجهر بالقراءة ولو كان وحده إذا نوى أن يكون إماماً لمن يصلي ولمن يأتي.
مسألة
[ القراءة خلف الإمام ]
ومن دخل في صلاة الجماعة فكبر وأحرم وفرغ الإمام من قراءة الحمد فالمستحب له الإمساك عن قراءة الحمد ويستمع تلاوة الإمام للسورة فإذا
سلم الإمام قام هو وأبدل ما فاته من صلاته الحد الذي دخل فيه الإمام وترك قراءة الحمد وقوم يقرأ الحمد وقول يستمع ولا يقرأ ولا إعادة عليه في شيء
من قراءة تلك الركعة(1) .
مسألة
[ أثر إبدال النية ]
__________
(1) 1- السبب في ذلك قوله تعالى : { وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا }
[الأعراف : آية 204]. وقوله - صلى الله عليه وسلم - : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا،
وإذا قرأ فأنصتوا» رواه الخمسة إلا الترمذي وقال مسلم : صحيح. انظر
منتقى الأخبار 1/145 . (4/105)
صفحة 556
وأما من نوى عند دخوله في صلاة الإمام إن كان عليه صلاة فائتة فهذه بدلها ثم تحقق أن عليه صلاة توافق هذه الصلاة التي عليه فلا يجزئه ذلك
حتى يدخل على علمه بتلك الصلاة فيبدلها بنية وقصد وإنما يجزئه ذلك عن صلاة فائتة لا يعلمها هو أبداً.
مسألة
[ الداخل مع الإمام ولم يجد من يصف معه ]
والداخل في صلاة الإمام إذا لم يكن عليه في الركعة التي يصل إليها فلا يتحي وعليه القيام للوثبة لتمام ما بقي في الصلاة من الحد الذي دخل فيه فأما التحيات فإنها موضع معروف فإذا قرأها في حدها فلا قراءة عليه في غيرها
من الحدود فيما صلى مع الإمام ومن أتى إلى الصلاة وقد تلاصقت الصفوف ولم يجد موضعاً وتعذر عليه حصول رجل يصف معه فليلصق بالصف
خلف الإمام فإن ركعوا تأخر وركع وسجد إذا سجدوا فإذا نهضوا من سجودهم قائمين للصلاة لصق بالصف فعلى هذا يكون حتى يتم صلاته.
النهج العشرون
في الصلاة خلف الجبابرة والجمع والقصر
مسألة
[ حكم الصلاة خلف الجبابرة ]
اختلف المسلمون في الصلاة خلف الجبابرة وأهل الفسق وقول يصلى خلف البار والفاجر وقول يصلى خلف الجبار إذا جاس خلال الدار، قال أبو المؤثر رحمه اللّه : فلا جاز المسلمون الصلاة خلف من لا ولاية له والرواية
عنه عليه السلام أنه قال : «ليؤمكم خياركم فإنهم قربانكم فيما بينكم وبين ربكم الله فقدموا بين أيديكم»(1) . وأما من قال بالصلاة خلف من لا يؤتمن إذا لم يأت فيها بما عليها لا يبطلها فذلك رأي(2)
__________
(1) 1- هذا الحديث له شواهد منها : «اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم
وبين الله » قال في كنز العمال أخرجه الدارقطني في سنته والبيهقي 7/596
(رقم 20432) ورقم 20433 (إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم
خياركم) ابن عساكر عن أبي أمامة. والخطيب 20388 عن أبي هريرة.
(2) 2- بنى أصحاب هذا القول أقوالهم على صلاة الصحابة ابن عباس وابن عمر خلف
الحجاج ولحديثه - صلى الله عليه وسلم - عن مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
«الجهاد واجب عليكم مع كل أمير ، براً كان أو فاجر ، والصلاة واجبة عليكم = (4/106)
صفحة 557
.
مسألة
[ أهل الصف الأول ]
وقال عليه السلام : «ليليني في الصف الأول أهل الحجي والأحلام»(1) . وكان يمنع ذوي الفجور أن يكونوا في الصف الأول ولا الثاني ولا الثالث فكيف يطمع أن يكون إماماً روي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
مسألة
[ وصف الأمة من بعده - صلى الله عليه وسلم - ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ستكون بعدي أمة يقتدون بي ولا يهتدون بهدي ربهم فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم نافلة»(2) .
مسألة
[ الصلاة خلف من لا يثق به ]
قال أبو المؤثر رحمه الله الصلاة خلف الإمام أفضل ومن صلى خلف من
لا يثق به فصلاته تامة إذا صلاها في وقتها ولم يأت ما ينقضها وقد صلى
جابر بن زيد رحمه الله خلف الحجاج(3) بن يوسف صلاة الجمعة.
مسألة
[ أماكن جواز الصلاة ]
عن أبي الحواري رحمه الله تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة في
الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب رحمه الله وأما في سواها فلا.
مسألة
[ الاستمتاع بمال الغير وأثره على الصلاة ]
__________
(1) = خلف كل مسلم براً أو فاجراً، وإن عمل الكبائر» رواه أبو داود والدارقطني
وقال : مكحول لم يلق أبا هريرة. وعن عبد الكريم البكاء قال : أدركت عشرة
من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي خلف أئمة الجور» رواه البخاري في تاريخه.
1- ورد ذكر الحديث بصيغة ثانية : ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين
يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشان
الأسواق» أخرجه مسلم عن ابن مسعود وكنز العمال 7/626 رقم 20592 .
(2) 2- لا تعارض بين هذا الحديث والأحاديث المذكور سابقاً.
(3) 1- الحجاج بن يوسف الثقفي : سيف بني مروان ، اشتهر بسفك الدماء وقتل
العديد من العلماء والصالحين وصلب عبد الله بن الزبير وهلك بعد ما قتل سعيد
ابن جبير بحوالي 15 يوماً في عهد عبد الملك بن مروان . (4/107)
صفحة 558
ومن كان بيده مال حجر يستمتع به هل تجوز الصلاة خلفه فعن موسى بن علي رحمه الله إنه ينصح له فإن قبل قبل منه وإن أبى وتولى فلا يصلى
خلفه ولا كرامة له.
مسألة
[ الصلاة خلف أهل الخلاف ]
وهل تجوز الصلاة خلف أهل الخلاف؟ فنعم إذا كنا في حكمهم وأما في حكم المسلمين أهل الاستقامة في الدين فإن علمنا منهم خلافا لديننا فلا
نصلي معهم وأما الحكم بالظن فمحجور.
مسألة
[ الصلاة خلف مرتكب الكبائر ]
ولا تجوز الصلاة بأذان من تديدن الإفك والمين ولا تؤدى خلف الجنب صلاة افترضها رب العالمين ومن لا تأمنه على قطمير ولا تجوز شهادته على الترس الحقير فكيف تأمنه على صلاة افترضها عليك العلي الكبير.
مسألة
[ عدم جواز التقية بالفعل ]
ولا تجوز التقية(1) بالفعل ولا يجوز للمسلم أن يعصي الله بالفعل لما
حرم الله بالتقية وإنما التقية بالقول وإن حيل بينه وبين الفرائض من صلاة أو غيرها ما أمكنه فعلى ما أمكنه ولو بالتكبير والإيماء.
مسألة
[ حكم الجمع والقصر ]
في الجمع، الجمع سنة(2) وفي إحياء سنن الإسلام أعظم الثواب وقد
جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل يجوز جهل الجمع ولا يجوز جهل القصر(3)
__________
(1) 1- التقية : إظهار الشيء على غير حقيقته، خوفاً من الحاكم.
(2) 2- السنة : في اللغة : الطريق المسلوك، والسنة : الاتباع لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من سن في
الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في
الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
والسنة عند الفقهاء : المندوب، وعند الأصوليين : ما ورد عن النبي من قول أو
فعل أو تقرير. وقد جمع النبي وجمع الصحابة من بعده في السفر والحضر هذا
ما قاله الفقهاء عدا الحنفية فلا يقولون بالجمع إلا في المشاعر المقدسة.
(3) 1- القصر : في اللغة : عدم بلوغ الشيء كقولهم : قصرت عن بلوغ الشيء أي
لم أصل إليه ولم يتحقق، وقصرت النفقة لم تبلغ مقصدنا. وتأتي بمعنى
المحدود كقولهم : قصرت الناقة على العيال. أي لا تتعداهم إلى غيرهم أي
محبوسة عليهم.
وفيها إنقاص الشيء : مثل قصر الصلاة الرباعية إلى ثنائية. وهكذا انظر المصباح
المنير 2/609 .
وقد ورد القصر في كتاب الله وسنة رسول الله منها : قوله تعالى : { فلا جناح
عليكم أن تقصروا من الصلاة } .
من السنة : عن عائشة رضي الله عنها أ«ن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في السفر ويتم
ويفطر ويصوم» رواه الدارقطني وقال : إسناده صحيح. (4/108)
صفحة 559
لأنه
فريضة.
مسألة
[ مسافة القصر ]
ومن نوى سفراً يتعدى الفرسخين فإذا خرج من عمران بلده الذي يتم
فيه لزمه القصر وقيل حتى يجاوز الفرسخين ولو نوى مجاوزتهما.
مسألة
[ كيفية قياس المسافة ]
والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع قول يكون القياس من المسجد الأكبر
وقول يكون القياس من العمران إلى العمران.
مسألة
[ من شك في المسافة ]
عن أبي معاوية(1) رحمه الله تعالى : ومن اشتبه عليه قياس الفرسخين أتم حتى يستيقن على مجاوزة الفرسخين، قول يكون القياس بالذراع العمري بذراع الناس اليوم وهو الأرجح.
مسألة
[ متى يكون الجمع ]
والأفضل للضارب الجمع وللماكث القصر إلا أن ينوي الجمع لإحياء السنة وإن جمع الماكث فلا بأس عليه وجمع المغرب والعتمة منذ غروب
الشمس إلى انقضاء ثلث الليل على الأصح ومن آخر صلاة العتمة إلى
دخول نصف الليل فعليه البدل والكفارة وجمع صلاة الظهر والعصر منذ
تزول الشمس إلى آخر وقت صلاة العصر وللمسافر تقديم الصلاة سفراً
وله تأخيرها.
مسألة
[ متى يصلي جمعاً ]
عن الشيخ محمد بن المسبح : إذا أراد المسافر الارتحال وقد حضر وقت الأولى صلى جمعاً وارتحل وإن كان ضارباً أخرها إلى العصر وإن توسط
للوقتين وكان ذا علم بمعرفة الأوقات جاز له ذلك.
مسألة
[ الجمع الصوري ]
والماكث جائز له إن شاء صلى أول الوقت وإن شاء أخرها إلى العصر، والأفضل له أن يصلي آخر وقت من الأولى وأول وقت من الآخرة إن أمكنه وعليه اعتقاد النية للتأخير.
مسألة
[ صلاة المسافر قصراً ]
ولا يجوز للمسافر إتمام ما نوى السفر حتى يحول النية للمقام ولو طال الوقت، والجمع والقصر له في سفره سيان.
مسألة
[ إذا رجع قبل الفرسخين ]
ومن نوى سفراً فلما جاوز عمران داره قصر الصلاة ثم نوى الرجوع إلى داره فإنه يصلي تماماً إذا لم يكن جاوز الفرسخين وإن نوى أيضاً سفراً أتم على ما كان حتى يرتحل من موضعه ضارباً.
مسألة
__________
(1) 1- أبو معاوية : عزان بن صقر رحمه الله . (4/109)
صفحة 560
[ القوم تبع للأمير في الصلاة ]
والصبي تبع لأبيه في الصلاة حتى يبلغ والعبد تبع لسيده والمرأة تبع لزوجها إلا أن يكون لها شرط سكن في موضع فإنها تتم حيث شرطها أو
تنوي المقام معه.
مسألة
[ اشتراط المرأة ]
عن أبي حفص(1) عن أبي مروان(2) : إذا نكح البعل عرسه وشرط لها السكنى في بلدها فعليه التمام وإن خرجت هي معه إلى بلده أتمت فإذا
رجعت إلى بلدها أتما معاً.
مسألة
[ إذا نوى العودة دون مسافة القصر ]
ومن رام ضرباً فلما أن صار دون الفرسخين نوى الرجوع وقد فات وقت الأولى لأنه نوى تأخيرها قبل تحويل نيته للرجوع فإنه يصلي الأول
تماماً ثم يقف هنيئة فيصلي العصر تماماً، هذا إذ نوى الرجعة قبل فوت
الوقت فإنه يصلي الظهر ركعتين.
مسألة
[ المسافرون كل حسب بلده بعداً وقرباً ]
ومن نكح امرأة من دارها ولم يكن لشرط سكن فإنه تتم في بلدها
ويقصر زوجها إن لم تكن له نية مقام حتى يسافر بها فإذا سفرت معه ثم رجعت إليه فهي فيه تبع لزوجها وإن كان بلدها هذا.
مسألة
[ أثر عقد النكاح على القصر ]
وإذا نكح بعل عرساً من بلدهم يتم هو فيه الصلاة وتقصر هي فقول ما لم تجز على نفسها فهي على القصر وقول ما لم ينقدها عاجلاً وقول ما لم ترض
به زوجاً فهي على حالها وقول متى عقد عليها لنكاح برضاها أتمت لتمامه.
مسألة
[ أثر الطلاق على القصر ]
وأما إن طلقها تطليقة أو تطليقتين في هذه القرية فهي تتم الصلاة حتى تنقضي عدتها فإن انقضت عدتها جمعت كما كانت وإن خالعها(3)
__________
(1) 1- أبو حفص : لم أعثر له على ترجمة .
(2) 2- أبو مروان : هو سليمان بن الحكم : ممن بايعوا الصلت بن مالك من علماء
الطبقة الثالثة. كان أبو مروان عاملاً للإمام المهنا على صحار وكان يشدد على
المخالفين في المذهب، وقد عزله الإمام الصلت بن مالك فخرج إلى نزوى وبها
توفي. عن كشف الغمة ص262 رقم 460 .
(3) 1- المخالعة: لغة: خلع الشيء يخلعه خلعاً، واختلعه، كنزعه إلا أن في الخلع مهلة،
وسوى بعضهم بين الخلع والنزع. والخلع بالفتح : إزالة الثوب أو نزعه حسياً،
وأما الخلع بالضم فهو المستعمل في إزالة الزوجية المعنوية حقيقة. انظر لسان
العرب مادة خلع.
اصطلاحاً : هو إزالة ملك النكاح، المتوقفة على قبول المرأة بلفظ الخلع أو ما
في معناه.
وعند المالكية: طلاق بعوض. وعند الحنابلة: الخلع فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه
الزوج منها، أو من غيرها بألفاظ مخصوصة. انظر الخرشي 4/12 ، المغني 7/58 . (4/110)
صفحة 561
أو
أبانها بثلاث تطليقات في هذه القرية رجعت إلى الجمع إلا أن تنوي المقام
فيها فحينئذٍ تتم.
مسألة
[ أثر الزوجين على القصر والإتمام ]
وإن كان الرجل يتم في دار قد اتخذها وطناً وكانت زوجته تتم بتمامه
ثم رجع عن نية الإقامة في تلك الدار ورجع إلى بلده ثم عاد لتلك الدار
فقصر فيه فقول أنها تتم حتى تسافر سفراً يتعدى الفرسخين وقول تصلي
قصراً كصلاة زوجها إذا كان إنما لزمها التمام لسببه.
مسألة
[ أثر الزوجية بقاءً أو عدماً متوفى أو مطلقة على القصر ]
وإن تزوجها في بلد تتم فيه الصلاة وهو يقصر فهذه غير الأولى فإنه تتم لأن التمام لزمها من قبل نفسها حتى تسافر وتجاوز الفرسخين فإذا رجعت
إليه كانت الآن تبعاً لزوجها في قصر الصلاة وإن هلك زوجها في البلد
الذي يقصر فيه الصلاة وكانت هي تصلي بصلاته وقد نوت المقام في عدة الوفاة هل ترجع إلى التمام؟ فنعم إذا نوت المقام أتمت إذا ملكت نفسها.
وإذا أقبل الزوجان من سفر حتى إذا دنا دارهما أمر عناهما فقعدت
الزوجة قبل دخولها عمار دارها وأولج البعل الدار لغرض ثم رجع إليها وهو
يتم الصلاة فعليها أن تصلي تماماً بصلاته لأنها تبع له وأما إن أقبل الزوج من سفره ثم أعناه أمر أقعده عن ولوج الدار فخرجت له زوجته حيث يقصر الصلاة فإنها تتم ويقصر هو وليست هاهنا تبعاً له لأنها في وطنها .
مسألة
[ متى يقصر العبد ]
وأما العبد فحين يباع فهو تبع للمشتري.
مسألة
[ الترتيب في الصلاة ]
ومن كان عليه بدل صلاة فائتة وهو ممن يقصر فإنه يصلي الفائتة أولاً ثم
يصلي الحاضرة إلا أن يحاذر فوت الحاضرة صلاها أولاً ثم صلى الفائتة
وذلك رأي.
مسألة
[ البدء والانتهاء ]
ومن نوى سفراً يجاوز فيه الفرسخين فإذا خرج من عمران بلده لزمه القصر وكذلك في أوبته عليه القصر حتى يدخل عمران داره.
مسألة
[ معرفة اتصال البلدان ]
عن أبي عبد الله رحمه الله قال : إنما العمار بين القرى اتصال النخل (4/111)
صفحة 562
بالنخل ولو عاضد واحد وكذلك اتصال المنازل وأما اتصال الزرع فلا
يلتفت إليه.
مسألة
[ مسألة العمران ]
عن الفضل بن الحواري(1) رحمه الله إن العمران النخل والبيوت
والزراعة وكذلك الأطوى إذا كانت متصلة بالعمران وإذا كانت القرى
ترى من بعضها بعض وكانت بائنة من بعضه بعض قصر حتى يلج قريته.
مسألة
[ أثر اتصال النخل على القصر ]
وأما إذا كانت الباسقات(2) متصلة مختلطة فحكمها حكم قرية واحدة
لا قصر على المسافة منها حتى يخرج من العمران وأما الأودية التي في هذه القرى فليس هي مما يقطع الاتصال إلا أن يكون واد قطع على قليل من
النخل من بعد اضمحلال الباسقات والدور كنحو الوادي في صحار من
قبل أن يصل البحر فإنه يقطع كل شيء نزر من الباسقات فقيل يقصر عنده ولا اعتبار فيما بقي من النخل.
مسألة
[ أثر نية السفر أكثر من فرسخين ثم العودة دون ذلك ]
ومن خرج في طلب حاجة ونيته يتعدى الفرسخين وصلى الصلاة
الأولى قصراً لما أن جاوز عمران داره فلقي حاجته دون الفرسخين فإذا كان على نية السفر قصراً ما كان هنالك، وإن نوى الرجوع لزمه التمام وإن نوى السفر قصر أيضاً ما أقام.
مسألة
[ تحويل النية من الإفراد إلى الجمع ]
والمسافر إذا نوى قصر الصلاة فتوانا حتى فات وقتها هل عليه بأس إذا حول نيته ليجمعها؟ فلا بأس عليه ولا حرج.
مسألة
[أثر وصول الإنسان داره قبل انقضاء وقت الصلاة على القصر والجمع]
__________
(1) 1- الفضل بن الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو محمد الفضل بن الحواري
الأزكوي السامي من بني سامة بن لؤي بن غالب من أشهر علماء عُمان في
القرن الثالث وجاء في التراجم أنه والشيخ عزان بن الصصقر في زمان واحد
وكان يضرب بهما المثل في علمهما إلا أن عزان مات قبلة الفتنة والفضل أدرك
الفتنة فاختلف في الولاية. إتحاف الأعيان 1/197 .
(2) 2- الباسقات : الأشجار الطويل النخل وما شابه النخل فهي تشتهر بالطول . (4/112)
صفحة 563
والمسافر إذا رام ولوج داره إن له أن يجمع الصلاتين في وقت الأولى وقد فعل ذلك موسى ابن علي رحمه الله ولو لم يكن فات وقت الأولى ولا بأس على قول وقول عليه العصر إذا دخل القرية قبل دخول وقت العصر.
مسألة
[ أثر وجود الماء بعدما صلى متيمماً ]
ومن صلى في السفر بالتيمم ثم وجد الماء في وقت الصلاة الأولى فقول
عليه إعادة الآخرة فقط وقول عليه إعادة الأولى والآخرة والأصح عليه إعادة الآخرة(1) .
مسألة
[ أثر وجود الماء ]
وأما إذا صلاهما بالوضوء فقد مضت الأولى والآخرة ومن صلى في
القرية بالتيمم ثم وجد الماء قبل خلو وقت الصلاة قال أبو الحواري رحمه
الله : لا إعادة عليه وقول عليه الإعادة وهو الأصح.
مسألة
[ أثر انتهاء الخوف على إعادة الصلاة ]
والمسجون والخائف إذا صليا بالتيمم ثم فك المسجون وأمن الخائف
وأدرك الماء قبل فوت الصلاة فالأصح أن يعيدا صلاتهما بالوضوء وإن لم
يعيدا فلا بأس عليهما.
مسألة
[ إذا خرج من منزله بعد دخول الوقت وأثر ذلك ]
ومن خرج من داره بعد أن دخل وقت الصلاة الأولى فصار في حذا
القصر في وقتها أيضاً فقول يصلي هذه الصلاة تماماً وحدها والثانية قصراً
ولا يجمعهما، وقول يصلي الأولى والثانية قصراً و يجمع، وقول يصلي
تماماً الأولى وحدها ولا يجمعها والرأي الأول أصح.
مسألة
[ دخول الوقت قبل السفر ]
ويروى عن بعض العلماء أنه قال : تصلي تماماً في وقتها ويؤخر الثانية
__________
(1) 1- أثر وجود الماء على الصلاة بالتيمم :
1- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن وجود الماء ينقضها.
2- ذهب قوم إلى أن الناقص لها هو الحدث. وأصل هذا الخلاف : هل وجود
الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب أو يرفع ابتداء الطهارة
به؟ فمن رأى أنه يرفع ابتداء الطهارة به قال : لا ينقضها إلا الحدث. ومن
رأى أنه يرفع استصحاب الطهارة قال : إنه ينقضها فإن حد الناقض هو
الرافع للاستصحاب. بداية المجتهد 1/72 - 73 . (4/113)
صفحة 564
إلى وقتها ويصليها قصراً، وقول يصلي الأولى في وقتها قصراً ويصلي الثانية قصراً في وقتها أيضاً ومن دخل عليه وقت الصلاة وهو في وطنه ثم خرج
ضارباً ولم يجاوز عمران داره حتى فات وقتها ولم يصليها فقد أساء وعليه
بدلها وفي الكفارة عليه اختلاف قول عليه الكفارة وأسقط عنه الكفارة
الشيخ أبو محمد بن المسبح ويستغفر الله ويصنع معروفاً.
مسألة
[ فوات الصلاة في وقت الحضر ]
وأما إن فات وقت الصلاة وهو في الحضر فلم يصليها فعليه البدل والكفارة إجماعاً(1) ومن دخل عليه وقت الصلاة وهو في السفر فأخرها
ودخل بلده ووقتها قائم صلاها تماماً.
مسألة
[ نوى الجمع فتوانا حتى فات الوقت ]
وأما من أراد أن يجمع الأولى إلى الأخرى في السفر فتوانا حتى فات
الوقت ودخل موضع تمامه فقد أخطأ فإن كان من عذر أو نسيان أو جهالة
فلم أقدم على إلزام الكفارة وعليه أن يصلي الأولى قصراً كما لزمته ويصلي الثانية تماماً.
مسألة
[ قول محمد بن المسبح ]
عن الشيخ محمد بن المسبح رحمه الله : إذا فات وقت الأولى وهو في
السفر ثم ولج داره في وقت الآخرة جمعهما معاً تماماً.
مسألة
[ أثر الوقت بين الصلاتين جمعاً ]
ومن جمع الصلاتين فلا ينبغي له أن يفصل بينهما بشيء من صلاة ولا غيرها وقول ولو ركع بينهما ركعات وأكل لقمات وشرب جرعات أو
تكلم كلمات أو قعد ساعات أو تخطى خطوات أو نفرت دابته وردها من الفلوات وخاف على ماله وطعامه أن تذهب به الآفات فأحرزه حذر من
المهلكات فلا بأس عليه ولا يلزمه شيء من الحوب ولا التبعات.
مسألة
[ قول محمد بن المسبح في الوقت ]
ومن صلى الأولى وانتقض وضوءه توضأ وصلى الثانية إلا أن يكون الماء بعيداً أخر الآخرة إلى حون وقتها وإن كان يصلي الأولى في وقت الآخرة فإعادتها الأرجح، قال الشيخ محمد بن المسبح : ليس عليه إعادة الأولى
__________
(1) 1- الإجماع هنا داخل المذهب الإباضي و غيرهم عليه التوبة و البدل أي قضاء =
= الفائتة. والله أعلم. (4/114)
صفحة 565
ويصلي الثانية.
مسألة
[ تحويل النية من الجمع إلى الإفراد ]
وإن صلى الأولى في وقتها وقد نوى الجمع ثم حول نيته لتأخيره الآخرة
إلى وقتها فلا بأس عليه ويستحب له أن يمضي على ما نوى عليه إلا من عذر.
مسألة
[ نسيان الجمع ثم تذكر النية بعد فوات الوقت ]
وإن صلى الأولى فنسي فظن أنه قد جمعهما فانصرف ثم ذكر فإن كان صلى الأولى في وقتها وأخر الآخرة إلى وقتها إن أراد ذلك وإن كان في
موضعه أو قريباً منه صلى الآخرة ومضى على إرادته من الجمع فذلك إليه.
مسألة
[ أثر النسيان ]
وإن صلى الأولى بعد وقتها ونسي حتى تباعد ذلك فالأحوط إعادتهما.
مسألة
[ حكم الإتمام في السفر ]
ومن صلى في سفر تماماً عمداً فعليه الكفارة إن فات الوقت، قال الشيخ أبو محمد : لا كفارة عليه، وقال أبو عبد الله : لا كفارة عليه.
مسألة
[ حكم الإتمام في السفر والقصر في الحضر ]
وأما إن صلى قصراً في موضع التمام فعن الشيخ محمد بن المسبح : أن
لا كفارة عليه والأصح إذا تعمد لذلك فعليه الكفارة وإن أتم في محل
القصر لا كفارة عليه.
مسألة
[ أثر تبديل النية ]
ومن صلى صلاة بديانة أو رأي ثم تاب فلا بدل عليه ولا كفارة، ومن نسي وهو مسافر فنوى الصلاة تماماً ثم ذكر وهو في التشهد الأول أنه
مسافر فإنه يتم التحيات وقد تمت صلاته. قال الشيخ محمد بن المسبح :
يسلم ثم يستأنف الصلاة وهكذا يروى عن أبي الحواري وأبي الحسن
رحمهم الله والمقيم إذا نوى القصر ناسياً حتى صلى ركعتين ثم ذكر وهو
في التشهد فإنه يبني على ما صلى ويتم الصلاة وقيل إذا أحرم المقيم على نية القصر أعاد وكذلك إذا أحرم المسافر على نية التمام وقول ما لم يتما ما
دخلا عليه من النسيان فلا إعادة عليهما وقول ولو أتما.
مسألة
[ صلاة ذوي الوصب ]
وإذا وجد ذو الوصب نشاطاً بعد أن صلى الأولى أخر الآخرة إلى وقتها (4/115)
صفحة 566
إن كان صلى في وقت الأولى وإن كان صلى في وقت الآخرة صلاهما معاً ويستحب لذوي الوصب إذا رام الجمع أن يؤخر الأولى إلى الآخرة.
مسألة
[ أثر الظروف الحادثة على الصلاة ]
قال الشيخ محمد بن المسبح : يصلي الآخرة في وقت الأولى حذر
الحوادث وإذا كان للزوجة شرط سكن مع أهلها وهم بداة لا وطن لهم
فهذا شرط مجهول وهو منتقض فما دامت عندهم أول مرة فلم تخرج
فعليها التمام وإن سافرت فصلاتها صلاة زوجها وكذلك إن رجعت إليهم.
مسألة
[ أثر الشروط على القصر ]
قال محمد بن المسبح رحمه الله : إن كان الزوج بادياً فالشرط ثابت
وقول إنه ثابت على حال لأن الشروط التزويج لا تضرها الجهالة وهذا يوجد عن أبي الحواري رحمه الله .
مسألة
[ أثر انتقال الزوجة إلى زوجها على الصلاة ]
وإذا كان للزوج زوجة وأولاد صغار وعبيد في بلد وتزوج في بلد
أخرى ونوى فيها التمام فخرجوا إليه ما حال صلاتهم فمات الولد في
الطريق فإذا جاوز الفرسخين قصروا وأما عبيده فإن كانوا خرجوا برأيه
فعليهم التمام في تلك البلد وإن كان بغير رأيه قصروا حتى يرجعوا فإن
أمرهم بالمقام معه أتموا.
مسألة
[ أثر انتقال العبيد إلى سيدهم ]
يروى عن الشيخ محمد بن المسبح : إذ صار عبيده عنده أتموا ولا يعتبر خروجهم برأيه أو بغير رأيه وأما بنوه الصغار فهم تبع له وأما الكبار إلا أن يتخذوا وطناً.
مسألة
[ حكم الصلاة بالائتمام بمن فسدت صلاته وكيفية إعادتها ]
وإذا أدرك المسافر من صلاتهم المقيم التشهد فعليه أن يصلي أربع ركعات قالوا أبو محمد : إذا صلى مسافر جماعة عند من فسدت صلاته من
المقيمين وعلم فسادها في الوقت قضاها صلاة السفر وإن علم بعد فوت الوقت قضاها تماماً روي هذا عن الفضل بن الحواري رحمه الله .
مسألة
[ مخالفة الإمام وأثر ذلك على الصلاة ]
وإن صلى مسافر خلف مقيم فلما صلى ركعتين سلم المسافر ورأى أن عليه القصر وجهل أن عليه اتباع الإمام فعليه أن يصليها في الوقت قصراً (4/116)
صفحة 567
وإن فات الوقت فعليه البدل والكفارة.
مسألة
[ صلاة البادي ومتى يقصر ]
والبادي(1) يصلي تماماً حيث نصب عموده ونوى المقام إلا أن يكون نصب عموده لمبيت ليلة أو نحو ذلك فإنه يقصر.
مسألة
[ صلاة البادي ]
يروى عن موسى بن جابر رحمه الله : والبدوي إذا كان في وطن
يتحول فيه من جهة إلى جهة فإنه يتم فيه ضرب أو نصب عموده فإذا سافر
منه سفراً جاوز الفرسخين بيته ضرب قصراً ولو ضرب عموده أتم، وإذا
سافر قصر وطنه وغير وطنه سيان وهو الأصح.
مسألة
[ متى يتم البادي ]
وإذ حضر البادي قيضا فنصب عموده في قرية ولم ينو بها المقام فإنه
يقصر إلا أن تكون قرية يحضرها كل برهة في ذلك الوقت، فينبغي أن
ينوي بها المقام ويتم الصلاة.
مسألة
[ متى يقصر البادي ]
وإذا ارتحل البادي من الموضع الذي ضرب فيه عموده وقلع عموده
قصر وإن كان أهله في موضع وخرج هو في حاجة فتعدا الفرسخين فإذا
كان بيته مجاوزة الفرسخين. ويروى عن بشير أنه قال بعض المسلمين :
قول إن البادي إذا ضرب قصر إذا تعدى الفرسخين عن موضعه بقدر ما لا تسمع الأصوات.
مسألة
[ متى يتم البادي ]
وإن كان للبادي وطن معروف يتم فيه فإذا خرج ورجع إليه ولم ينو
المقام إلا فيه فإنه يقصر حيث خرج فإن رجع إلى وطنه ذلك أتم وإن لم
يتعمد المقام في موضع إلا حيث الكلأ والخلا فهذا إذا ضرب عودة أتم.
مسألة
[ متى تجب على البادي الجمعة ]
وإذا ضرب البادي عموده ولزمه التمام وكان بينه وبين المكان الذي تلزم فيه صلاة الجمعة أقل من فرسخين فعليه الجمعة(2)
__________
(1) 1- البادي : ساكن البادية .
(2) 1- على من تجب الجمعة : اختلف العلماء على وجوب الجمعة على من هو خارج
المصر. فقال قوم : لا تجب على من خارج المصر، وقوم قالوا : بل تجب،
واختلفوا في المسافة :
أ- من كان بينه وبين الجمعة مسيرة يوم وجب عليه الإتيان إليها.
ب- تجب عليه الإتيان عليها على ثلاثة أميال.
ج- تجب على من يسمع النداء.
وسبب اختلافهم اختلافهم في الآثار الواردة في ذلك.
1- كان الناس يأتون الجمعة من العوالي في زمانه - صلى الله عليه وسلم - وذلك ثلاثة أميال من المدينة.
2- روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة على من سمع النداء وروي :
«الجمعة على من آواه الليل إلى أهله» وهو أثر ضعيف. انظر بداية
المجتهد ونهاية المقتصد 1/165 . (4/117)
صفحة 568
.
مسألة
[ منزلة يوم الجمعة ]
في صلاة الجمعة. وصلاة الجمعة واجبة حيث تقام الحدود. ويروى أن
الله خلق آدم يوم الجمعة وأسكنه الجنة يوم الجمعة وفيها تاب عليه وفيها
تقوم الساعة وهو عيد المسلمين وصفوة الله من الأيام(1) .
مسألة
[ من سنن يوم الجمعة ]
ويستحب الغسل يوم الجمعة وليس هو بواجب، وللغاسل بكل قطرة قطرت من غسله حسنة وقيل : كان عمر بن الخطاب إذا عاتب أحداً من
أهله قال له : أنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة.
مسألة
[ جواز ترك الغسل يوم الجمعة ]
عن علي بن علي بن حيان الأعرج(2) عن جابر بن زيد رحمهم الله أنهما قال : لا بأس على من ترك الغسل يوم الجمعة حذر المضرة من برد أو غيره.
مسألة
[ خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ]
عن زيد بن أسلمة(3) عن جابر بن عبد الله(4) أنهما قال : خطب رسول
__________
(1) 2- سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، أعظم من يوم النحر والفطر، وفيه خمس
خلال : فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة إلى الأرض، وفيه توفي، وفيه ساعة لا
يسألُ العبد فيها الله شيئاً إلا أعطاه إياه ما لم يسأل إثماً أو قطيعة ، وفيه تقوم =
(2) = الساعة، وما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا ريح ولا جبل ولا حجر،
إلا هو مشفق من يوم الجمعة» كنز العمال 7/708 رقم 2038 عن الشافعي
وأحمد في مسند عن سعد بن عبادة.
1- علي بن علي بن حيان الأعرج : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 2- زيد بن أسلمة، والله أعلم أنه زيد بن أسلم، مولى عمر - رضي الله عنه – ورد
ذكره في الكامل، ثقة حجة. قال عنه عبيد الله بن عمر ما نعلم به بأساً إلا أنه
يفسر القرآن برأيه. ميزان الاعتدال 2/98 رقم 2989 .
(4) 3- جابر بن عبد الله : بن عمرو بن حرام بن ثعلبة.. بن كعب بن سلمة. الإمام = (4/118)
صفحة 569
الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة فقال : «أيها الناس توبوا قبل أن تموتوا وبادروا إليه بالأعمال الصالحة تؤجروا وتوبوا إليه بالصدقة سراً وجهراً ترزقوا»(1) .
مسألة
[ حكم صلاة الجمعة ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «يا معاشر المسلمين إن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في ساعتي هذه في جمعتي هذه في شهري هذا في
عامي هذا فريضة واجبة إلى يوم القيامة فمن تركها جحداً لها أو استخفافاً
بها وعليه أمير بار أو فاجر فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ولا صلاة
له ولا زكاة له إلا أن يتوب»(2) .
والجمعة واجبة على أهل الأمصار وليس على المرأة وذي القن(3)
__________
(1) = الكبير المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أبو عبد الله الأنصاري
الخزرجي السلمي المدني الفقيه. من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة
العقبة الثانية موتاً. روى علماً كثيراً عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي عبيدة ومعاذ
بن جبل وطائفة. حدث عنه الجمع الغفير ابن المسيب، وعطاء بن رباح، وسالم
بن أبي الجعد، والحسن البصري، وأبو جعفر الباقر، وأبو الزبير، ورجاء بن
حيوه، وغيرهم كثير. كان مفتي المدينة في زمانه عاش بعد ابن عمر عاش
حوالي تسعين سنة واشترك في المشاهد والفتوح، توفي - رضي الله عنه – سنة
78هـ وقيل : 77 . وكان ضريراً آخر حياته رضي الله عنه. انظر سير أعلام
النبلاء 3/189 - 194 رقم 38 .
1- الحديث له شواهد منها : ما أخرجه مسلم في كتاب الذكر رقم 41 والترمذي
في التفسير 5/383 . وأبو داود في الوتر وابن ماجه في الأدب : «يا أيها الناس
توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة».
(2) 2- أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة باب في فرض الجمعة رقم 1081 =
(3) = والبيهقي في سننه. والحديث في كنز العمال 7/721 رقم 21092 وفيها زيادة :
«يا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا اليوم بالأعمال الصالحة قبل
أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكرك بكثرة الصدقة في السر
والعلانية تؤجروا وتحمدوا وترزقوا وتنصروا وتجبروا واعلموا أن الله افترض
عليكم الجمعة.... ولا صلاة له ألا ولا وضوء له، ألا ولا حج له، ألا ولا صدقة
له، ألا ولا زكاة له...».
1- القن : الرقيق يطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره وربما جمع على أقنان، وأقنة.
قال الكسائي : القن : من يملك هو وأبواه، وأما من يغلب عليه ويستعبد فهو
عبد. المصباح المنير 2/625 . (4/119)
صفحة 570
وذي الوصب جمعة فمن استغنى بلهوه فإن الله غني حميد.
مسألة
[ حكم الاغتسال يوم الجمعة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة رضي الله عنه : «عليك بالاغتسال في يوم
الجمعة فهو طهر إلى يوم الجمعة الثانية إذا أخلص العبد العمل لله(1) .
مسألة
[ كتابة الملائكة لأسماء الناس ]
وقيل : يبعث الله ملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد يكتبوا كل
امرئ جاء ساعة كذا(2) .
مسألة
[ أول من جلس على المنبر ]
وقيل : أول من قعد على المنبر يوم الجمعة وقت الخطبة سيدنا عثمان بن عفان لما كبر سنه جعل يتروح ولا يتكلم حتى ينهض. ولا تجوز الصلاة
نصف النهار في شدة الحر إلا يوم الجمعة يروى ذلك عن موسى بن علي
رحمه الله .
مسألة
[ عدد ركعات الجمعة ]
وصلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بقراءة فاتحة الكتاب القراءة وما قرأ الإمام فحسن.
مسألة
[ أقل الخطيب يوم الجمعة ]
وقيل : إذا لم تكن خطبة صلوا أربعاً من الخطبة ولا بد من الخطبة يوم الجمعة وأقل الخطبة أن يحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستغفر لذنبه
والمؤمنين والمؤمنات(3) .
مسألة
[ وضع الإمام في صلاة الجمعة ]
وإن ذهب الجماعة عن الإمام قبل أن يحرم صلى وحده أربع ركعات
وإن نفروا بعد الإحرام صلى صلاة الجمعة ركعتين.
مسألة
[ إذا حضر من لا جمعة له صلى أربعاً ]
__________
(1) 2- هناك باب كامل عن الغسل يوم الجمعة 7/750 - 764، وحديثنا هذا رقم
21244 عن أبي قتادة عند الحاكم.
(2) 3- انظر كنز العمال 7/735 ، 736 ، 738 ، أرقام: 21167 ، أحمد في مسنده=
(3) = والضياء عن أبي سعيد. ورقم 21169 أحمد عن أبي أمامة، ورقم 21171،
21175 ، 21176 ، 21177 ، 21178 ، 21185 ، 21186 .
1- خطبة الجمعة ركن من أركان الجمعة وهذا مذهب الجمهور وقال الشماخي في
الإيضاح 2/226 : والخطبة من شروط صحة الصلاة للجمعة، وإذا لم تكن
خطبة لم تكن جمعة... وانظر بداية المجتهد 1/160 . (4/120)
صفحة 571
وإذا حضر الصلاة مع الإمام نساء أو عبيد أو صبيان ولم يكن أحد غيرهم صلى أربعاً لأن هؤلاء لا جمعة عليهم(1) .
مسألة
[ حكم الجمعة خلف العدول والجبار ]
وإن كان بعمان إمام أخذ الإمامة عن مشورة العلماء والأعلام ولم
يحدث حدثاً يزيل إمامته فالجمعة معه لازمة والمعطل معطل الفريضة وقيل :
لا بأس بتركها خلف الجبابرة(2) .
مسألة
[ وجوب الجمعة عند محمد بن المسبح ]
عن الشيخ محمد بن المسبح : إن الجمعة لازمة بصحار خلف البار والفاجر ولو لم يكن بها سلطان.
مسألة
[ الجمعة بأرض الأعاجم ]
أما أبو عبيدة: فكان لا يرى بأرض الأعاجم جمعة. وكان طمام(3) يقول: كل أرض من أرض أهل الذمة والعرب أقيمت فيها الحدود فيها جمعة.
مسألة
[ وجوب الجمعة في الأمصار ]
قال أبو عبيدة : إن الأمصار(4) التي مصرها عمر بن الخطاب رضي الله
عنه مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام واليمن والبحرين وعمان مصر
واحد والجمعة ثابتة بصحار ما كان أمر المسلمين قائماً ولو مات الإمام.
مسألة
[ لزوم الجمعة في صحار ]
وإن صلى بالناس مسافر ركعتين جاز والجمعة في غير صحار(5)
__________
(1) 1- لأن الجمعة على الرجال الأحرار البالغين وأما النساء والصبيان والعبيد فلا
جمعة عليهم.
(2) 2- الجمعة خلف الجبابرة الأغلب أنها جائز وصلى جابر بن زيد خلف الحجاج.
انظر فقه الإمام جابر بن زيد 1/197 .
(3) 1- ضمام : هو ضمام بن السائب - رحمه الله - عرف بالرحمة والعلم سجنه
الحجاج مع أبو عبيدة وبقي في السجن حتى هلك الحجاج. انظر طبقات
المشائخ بالمغرب 2/346 .
(4) 2- الأمصار : جمع مصر، والمصر : كل كورة يقسم فيها الفيء والصدقات وقال
ابن فارس : وهذا يجوز فيها التذكير فتصرف والتأنيث فتمنع وأول من مصر
الأمصار عمر بن الخطاب رضي الله عنه أي قسم الدولة الإسلامية إلى أقاليم
والله أعلم.
(5) 1- صحار : مدينة ساحلية من أشهر مدن عُمان، وتنسب إلى صحار بن آدم بن سام
بن نوح عليه السلام وتقع على خليج عمان وعلى الساحل الرملي المنخفض
لمنطقة الباطنية، وهي مدينة قديمة، وهي مركز تجاري هام وحلقة وصل بين الهند
والصين وإفريقيا والشرق الأدنى وأوروبا. وقد استقبل فيها عيد وحيضر أبناء
الجلندي وملكا عُمان رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهما إلى الإسلام في السنة
السادسة للهجرة أو الثامنة في رواية. وقد رآها وكتب عنها عدد من الجغرافيين
والمؤرخين والرحالة منهم : الاصطخري، وابن حوقل، والمقدسي، والمسعودي،
وأبو الفداء وغيرهم. انظر السير والجوابات ص 28 ، 55 ، 67 . (4/121)
صفحة 572
غير
لازمة إلا مع الإمام، فإن مات أو سافر صلى الناس أربع ركعات.
مسألة
[ حكم من ترك الجمعة أربع مرات ]
وقيل : ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر حيث تلزم الجمعة هلك إلا أن يتوب إذا تركهن متواليات. قال ابن عباس رضي الله عنه : «من ترك أربع
جمع متواليات بلا عذر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره»(1) .
مسألة
[ الصلاة خلف غيرهم (الإباضية) ]
ولا بأس بالصلاة خلف قومنا في الجمعة قال أبو عبد الله محمد بن
محبوب رحمه الله : لا تجوز صلاة الجمعة خلف قومنا ولا غيرها وأما ما
نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء أنه لا بأس إذا قاموها لوقتها.
مسألة
[ الائتمام بغير الإباضي ]
يروى أن جابر بن زيد كان يصلي الجمعة خلف الحجاج. ومن قال أنه
لا تجوز صلاة الجمعة خلف أئمة قومنا ولم يخط المسلمين فيما فعلوا فلا
حرج عليه.
مسألة
[ حكم الاحتياط يوم الجمعة ]
والاحتياط يوم الجمعة مكروه، وقيل : لا بأس به.
وتكره الصلاة في المسجد في حال الخطبة وإن من أراد ذلك خرج من المسجد وصلى إن شاء، وقيل : إن صلي في المسجد فلا بأس.
مسألة
[ حكم الإنصات والصلاة أثناء الخطبة ]
قال محمد بن المسبح(2) : الإنصات في الخطبة أفضل من خروجه إلى
صلاة النافلة.
ويكره البيع والشري إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، وكذلك يكره إذا زالت الشمس ولو ينادي للجمعة(3) .
مسألة
[ الحديث أثناء الخطبة - وأحكام الجمعة ]
ومن تكلم في حال الخطبة يوم الجمعة فإنه يؤمر أن يخرج من باب
__________
(1) 2- كنز العمال 7/731 رقم 21148 قال الشيرازي في الألقاب عن ابن عباس
رضي الله عنهما.
(2) 1- حكم الإنصات إلى الخطبة يوم الجمعة واجب لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال لصاحبه
يوم الجمعة والإمام يخطب : أنصت، فقد لغا».
(3) 1- لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا
إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } [الجمعة : 9]. (4/122)
صفحة 573
المسجد حيث لا تجوز الصلاة عند الإمام ثم يرجع، فإن لم يخرج وصلى
فقيل : إن صلاته منتقضة. عن أبي عبد الله رحمه الله : من قال لآخر : اتق
الله ، والخطيب يخطب ،فسدت صلاته، وقول : من أمر بمعروف كتسوية
صف أو إصلاح صلاة أو ما أشبهه فلا بأس عليه.
وعلى الخطيب أن يتم كلامه بقول الله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } (1) الآية. ولا بأس على الخطيب أن يعظ الناس ومن السنة أن الخطبة متصلة بالأذان، والإقامة متصلة بالخطبة، والصلاة متصلة بالإقامة.
وإذا كان الخطيب في حال الخطبة وعنا الجماعة أمر يشغلهم عن استماعهم كان عليهم أن يبدءوا الخطبة ثانية.
ولا جمعة على من كان في فرسخين من المواضع الذي تلزم فيه الجمعة،
ولا بأس على من تخلف من الجمعة حذر ضرر أو مطراً أو حراً أو برداً
أو خوف سيل أو وصب أو قيام بذي وصب أو ما أشبه ذلك.
مسألة
[ بعض أحكام المصلي حال الجمعة ]
ويروى أن بين صلاة الجمعة من الصلوات المفروضة بون ومن صلاها في سربه لظنه أن الإمام سبقه ثم أدركها مع الإمام فتكون صلاته الأولى نافلة وصلاة الفريضة هي التي صلاها مع الإمام، وقول : إن الفريضة هي الأولى والثانية نافلة في كل الصلوات جمعة كانت أو غيرها ولا بأس على من لا
تلزمه صلاة الجمعة أن يبيع ويشتري إذا نودي للصلاة.
ومن قال: لا أصلي الجمعة في جماعة أو يقول بأن الله تعالى لم
يفرضها علي فهذا قد رد(2) عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن رد على رسول الله
فقد رد على الله ، ومن رد على الله فقد هلك. ومن قال : ليس بعمان
__________
(1) 2- سورة النحل آية 90 .
(2) 1- المرتد في الشريعة الإسلامية هو من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة
فالجميع يعلم بالصلوات الخمس وبأن الجمعة فريضة بالنص القرآني والنص
النبوي فهذا يستتاب وإن لم يتب يقتل كفراً وليس حداً لأنه منكر ما هو معلوم
من الدين بالضرورة. انظر كتابنا أحكام الردة والمرتدين. (4/123)
صفحة 574
جمعة، فإذا كان بها إمام عدل أخذ الإمام عن مشورة العلماء ولم يحدث
حدثاً يزيل إمامته فهذا هالك أيضاً.
مسألة
[ حكم الجمعة في غير صحار ]
وأما إذا كانت في أيدي الجبابرة فدان بذلك لم تسقط ولايته وأما في صحار فقد قيل إنها ثابتة على كل حال لا يعتبر عادل من جائر فإذا قال : لا
جمعة في صحار فقد خالف الحق ودان بغير ما دان به المسلمون وهلك.
مسألة
[ ما يفعله المصلي أثناء الخطبة ]
وإن استفتى أحد عالماً في الجمعة عن إصلاح شيء من صلاته فأفتاه فلا
بأس عليهما ولغير ذلك فلا تحية إلا بالإيماء فإن أجابه بالكلام خرجا من المسجد ورجعا(1) من باب آخر ولا بأس على من قرأ القرآن والخطيب يخطب وكذلك ذكر الله على بعض القول.
ومن فسدت عليه صلاة الجمعة والخطيب يخطب فليبدل صلاة نفسه
أربع ركعات إذا كان ممن يلزمه التمام فات الوقت أو لم يفت وكله سيان
هذا في الجمعة خاصة، وقيل إذا كان الوقت قائما ًقضاها أربعاً صلاة نفسه
وإن فات الوقت قضاها صلاة الإمام.
مسألة
[ حكم الجمعة بعد فرسخين ]
وإذا كان البلد طوله ثلاثة فراسخ فمن خرج من داره من الفرسخين لم تلزمه الجمعة.
النهج الحادي والعشرون
في الوتر وركعتي الفجر وصلاة العيدين وصلاة الحرب وسجدة القرآن
مسألة
[ حكم ترك الوتر والختان ]
عن أبي عبد الله رحمه الله : من ترك الوتر(2)
__________
(1) 1- لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب : أنصت فقد لغا
ومن لغا فلا جمعة له».
(2) 1- حكم من ترك الوتر : واجب عند الحنفية وسنة مؤكدة عند الجمهور لقوله - صلى الله عليه وسلم - :
«الوتر حق على كل مسلم»، وفي حديث آخر «الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا»
أخرجه أبو داود بسند لين وصححه الحاكم وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله أمدكم بصلاة هي
خير لكم من حُمر النعم» قلنا ما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر» رواه ابن حبان. (4/124)
صفحة 575
والختان(1) استتيب فإن لم
يتب ودان بتركهما قتل لأنه خلع ربقة الإسلام ولا يصلى عليه، وقال أبو
عبد الله : من ترك الوتر حتى أصبح لزمته الكفارة، وأما أبو أعلى(2) وأبو
مروان(3) رحمهم الله فأسقطا عنه الكفارة والقتل. قال محمد بن المسبح : تاركه كافر وتجب عليه العقوبة إلا القتل.
مسألة
[ حكم الجهل بالوتر ]
ومن صلى الوتر زوجاً جهلاً لا يسعه ذلك وعليه البدل والتوبة فإن فعل وإلا هلك، وفي لزوم الكفارة عليه اختلاف فمن جعله فرضاً أوجب على تاركه الكفارة وهو رأي محمد بن محبوب رحمه الله ، وأما موسى بن علي أسقط الكفارة على تاركه جهلاً وعمداً ويجعله سنة.
مسألة
[ وقت وعدد ركعات صلاة الوتر ]
وصلاة الوتر بعد صلاة العتمة إلى الفجر وهو ثلاث ركعات يتلى فيهن فاتحة الكتاب وما يتيسر من القرآن والفصل والوصل سيان والركعة
للضارب وذوي الوصب مجزئة(4) .
مسألة
[ وتر العاجز ]
وقد صلى جابر بن زيد رحمه الله الوتر ركعة ليتأسى به أصحابه وأحيا
ليلته وقال : هذا وتر العاجز وكان معاوية يوتر بركعة، والمسافر جائز له أن يوتر بركعة وثلاث.
مسألة
[ الشك في عدد الركعات ]
ومن صلى ثلاثاً فشك فأبدلها ثلاثاً وإن أوتر بواحدة وعن أبي عبد الله رحمه الله : من شاء أن يوتر بثلاث ثم حول نيته واحدة جاز له والمستحب
__________
(1) 2- حكم الختان : اختلف العلماء في حكم الختان فعند جماعة واجب في حق
الرجال والنساء، وهذا قول الشافعي والعترة. وعند آخرون سنة فيهما وبهذا
أخذ الحنفية والمالكية والمرتضى من الزيدية.
وثالث : واجب في حق الرجال سنة في حق النساء وهذا قول الإباضية في نشار
الجوهر والإمام يحيى والناصر.
سبب الاختلاف تعارض الآثار.
(2) 3- أبو علي : هو موسى بن علي وقد سبق ذكره.
(3) 1- أبو مروان : هو سليمان بن الحكم وقد سبق ذكره.
(4) 2- أقل الوتر ركعة وما تركه - صلى الله عليه وسلم - في حضر ولا سفر. (4/125)
صفحة 576
له أن يمضي على نيته التي دخل في الصلاة بها ولم تر أصحابنا يصلون الوتر جماعة إلا في شهر رمضان إلا عبد الله بن نافع(1) فإنه كان يصليها بمن معه جماعة في غير مضان.
مسألة
[ أثر النية وإبدالها ]
عن أبي معاوية عزان بن الصقر رحمه الله : إن من أراد أن يوتر بركعة فلينوي قبل الإحرام فإن لم ينو صلى ثلاثاً وليس له بعد الدخول في الصلاة
أن يحول نيته إلى ركعة.
مسألة
[ الوتر مع جمع المغرب والعشاء ]
ومن صلى الوتر ولم يقرأ في الركعة الآخرة إلا بفاتحة الكتاب فلا إعادة عليه على الأرجح.
ويروى أن أبا عبيدة كان لا يوتر في السفر إلا بركعة واحدة، قال أبو سفيان(2) والربيع : من جمع المغرب والعشاء الآخرة في وقت المغرب
أوتر بركعة.
مسألة
[ حكم من ترك الوتر ]
وقيل : من ترك الوتر صنع معروفاً ولا كفارة عليه، عن أبي سعيد رحمه الله تعالى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بواحدة وثلاث وخمس إلى إحدى عشر(3) .
مسألة
[ ما ورد بفضل الوتر ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله زادكم صلاة سادسة في هذه الليلة هي خير
لكم من حمر النعم»(4)
__________
(1) 1- عبد الله بن نافع : يعرف به أكثر من واحد منهم رواية ابن عمر وهذا غيره،
ومنهم صاحب الإمام مالك، وغيرهما انظر ميزان الاعتدال 2/513 - 514 .
(2) 1- أبو سفيان : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 2- عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «الوتر حق على كل مسلم،
من أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب
أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه الأربعة إلا الترمذي ورجح النسائي وقفه
- انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص74 رقم 393 .
(4) 1- له شواهد منها : عن خادمه حذافة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
«إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم» رواه الخمسة إلا النسائي
وحديث المصنف ورد في شرح الجامع الصحيح 1/277 . (4/126)
صفحة 577
، وهي الوتر بين عشاء الآخرة والفجر وفي خبر :
ختم الله لكم صلاة سادسة.
مسألة
[ حجة من قال أن الوتر ركعة ]
وحجة من قال إن الوتر ركعة واحدة قوله عليه السلام : «صلاة الليل مثنى مثنى فمن خاف أن يفجأه الصبح فليوتر بواحدة»(1) فتحمل أن تكون هذه الركعة موصولة ويحتمل أن تكون مفضولة.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوتر أول الليل، وكان عمر بن الخطاب يوتر آخر الليل فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر : كيس وعمر
قوي معان، وقال أبو عمر والربيع : من قدر على قيام الليل أفضل له ومن حاذر أن يغلبه النعاس والكسل أوتر أول الليل.
ومن صلى الوتر جماعة ولم يكن إمام المسجد صلى الوتر جماعة فلا
نقض عليه لأن الوتر غير العتمة.
مسألة
[ حكم ركعتي الفجر ]
في ركعتي الفجر. فمأمور بها وليس على تاركها كفارة ويستحب أن لا يتكلم بينهما وبين صلاة الفريضة إلا بتلاوة القرآن والذكر ولا يصلي
بينهما، وقيل : إن تكلم بغير قذع فلا بأس.
مسألة
[ فعله - صلى الله عليه وسلم - قبل ركعتي الفجر ]
وعنه عليه السلام كان إذا انفجر الصبح لعله الفجر صلى ركعتين قبل صلاة الفجر يقرأ في الأولى بالفاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وفي
الثانية قل هو الله أحد بعد فاتحة الكتاب(2) .
مسألة
[ وقت ركعتي الفجر ]
واختلفوا في وقت ركعتي الفجر، قول : وقتها إذا انفجر الفجر، ،وقول :
منذ يدخل النصف الآخر من الليل إلى صلاة الفجر فمن صلاها في ذلك
الوقت بالنصف أو كان في صلاة الفجر اكتفى بذلك وهو الأصح.
مسألة
__________
(1) 2- الحديث متفق عليه أخرجه ابن حجر في بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص74
رقم 390 عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) 1- ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر والحديث المذكور
بنص عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ركعتي الفجر { قل يا أيها الكافرون }
و { قل هو الله أحد } رواه مسلم. (4/127)
صفحة 578
[ لا بد من النية في ركعتي الفجر ]
وقول : من صلى ركعة قبل ولوج نصف الليل الآخر أجزأه ولو لم ينو
إذا كان بعد صلاة الوتر، وقول : حتى ينوي أنه يصلي ركعتين الفجر وهذا
هو الأرجح.
مسألة
[ إعادة ركعتي الفجر بعد آذان الفجر ]
ومن نام أو باضع واحتلم بعد أن صلى ركعتي الفجر فعليه إعادتهما والأصح إذا صلاهما قبل الفجر فعليه إعادتهما والأصح إذا صلاهما قبل
الفجر فنام أو باضع أعادهما وأما في باقي الأحداث فلا بأس عليه كالمغمي
عليه أو المنتقض وضوءه وغير ذلك ومن أمنى تيره أعادهما.
مسألة
[ حكم صلاة ركعتي الفجر مع قيام الجماعة ]
ومن حاذر فوت صلاة الفجر جماعة صلى مع الجماعة وأخرها حتى
تطلع الشمس فإذا طلعت صلاها في مكانه أو حيث شاء وقول : إن رجا أن يدرك ركعة من صلاة الجماعة صلاها ودخل مع الجماعة وهذا رأي محمد
بن المسبح(1) .
مسألة
[ تأخير ركعتي الفجر ]
وأما إن كان هو الإمام فانتظره الجماعة حتى يصليهما فيستحب له ذلك وإن صلى بهما الفرض وأخرهما إلى أن تبزغ الشمس فلا بأس.
مسألة
[ ولا تجوز ركعتي الفجر مع الجماعة ]
ولا تجوز صلاة ركعتي الفجر في حال صلاة الجماعة ورخصوا في
المسجد الكبير إذا صلاهما في أقصى المسجد والإمام يصلي في صدر
المسجد ثم يدخل في صلاته.
مسألة
[ لا صلاة إلا مع الإمام ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إذا أقيمت الصلاة في المسجد فلا
صلاة مع الإمام وفي رواية : إلا ركعتي الفجر أولاً ولو حاذر فوت
الجماعة والأول أصح، وقيل : من كان عليه بدل ركعتي الفجر فلا بأس
أن يبدلهما بعد صلاة والعصر، وقيل : من صلى جماعة في مسجد قبل
أن يصلي إمامه فللإمام أن يصلي من بعدهم تلك الصلاة جماعة لأنه أولى بذلك وقول : لا صلاة إلا مع الإمام ورخصوا للغرباء وغير عمار المسجد
في ذلك.
مسألة
[ حكم الائتمام بالمفرد ]
__________
(1) 1- لا صلاتين في آن واحد فإذا أقيمت الصلاة توجه المصلي إلى المفروضة وهذا
يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما. (4/128)
صفحة 579
وإذا صلى الإمام وحده ونوى للجماعة فلم يصل معه أحد فقد قيل : يجوز لمن جاء بعده أن يصلي تلك الصلاة في ذلك المكان جماعة لأن
صلاة الإمام تلك لم تكن جماعة، وقول : لا يجوز.
مسألة
[ صلاة الفطر والنحر ]
في صلاة الفطر والنحر(1) . وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفطر والنحر ركعتان وهي أربعة أوجه، وقال بعض أهل العلم : تصلى بسبع تكبيرات، وقول : بتسع، وقول : بإحدى عشر، وقول : بثلاث عشرة تكبيرة،
وجدت قولاً للشيخ أبي مالك(2) سبع عشرة تكبيرة.
مسألة
[ عدد تكبيرات صلاة العيد ]
فمن شاء أن يكبر ثلاث عشرة تكبيرة كبر بعد الإحرام خمساً ثم استعاذ وقرأ فاتحة الكتاب وسورة ثم ركع وسجد ثم قرأ في الركعة الثانية الحمد وسورة ثم كبر بعد القراءة خمساً ثم ركع بتكبيرة فإذا رفع رأسه من الركوع وقال : سمع الله لمن حمده كبر ثلاثاً وخر بتكبيرة وتحى وسلم وتمت صلاته.
مسألة
[ عدد التكبيرات ]
وإن نوى أن يكبر إحدى عشرة تكبيرة فإنه يكبر بعد أن يحرم ستاً فإذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر خمساً.
مسألة
[ كيفية تكبيرات تسع تكبيرات ]
وأما من رام أن يكبر تسعاً كبر بعد الإحرام أربعاً ثم قرأ وصلى ركعة فإذ فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر خمساً، وقول : يكبر بعد الإحرام ستاً ويكبر بعد فراغه من القراءة الركعة الثانية ثلاثاً.
مسألة
[ التكبير سبعاً ]
وأما إن شاء تكبير سبع كبر بعد الإحرام أربعاً ثم قرأ وصلى، فإذا فرغ
من الركعة الثانية كبر ثلاثاً(3) .
مسألة
[ كيفية التكبير سبع عشرة تكبيرة ]
وأما إن نوى أن يكبر سبع عشرة تكبيرة كبر بعد الإحرام سبعاً بعد فراغه
__________
(1) 1- صلاة عيد الأضحى .
(2) 2- أبو مالك : هو غسان بن الخضر الصلاني .
(3) 1- تكبيرات صلاة العيد مختلف في عددها حسب نقل الرواة لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -
وعمل الصحابة من بعده، وجميع الصور المذكورة مأثورة عن الصحابة رضوان
الله عليهم. والله أعلم. (4/129)
صفحة 580
من القراءة في الركعة الثانية سبعاً وبعد اعتداله من الركوع الثاني ثلاثاً.
مسألة
[ كيفية تكبير ثلاث عشرة تكبيرة ]
قال الشيخ محمد بن المسبح: وإن شاء أن يكبر ثلاث عشرة تكبيرة
كبر بعد الإحرام ستاً وكبر بعد فراغه من القراءة في الركعة الثانية سبعاً
والأول أولى.
مسألة
[ لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين ]
وقول : يكبر بعد الإحرام ثماناً وفي الركعة الأخيرة بعد القراءة خمساً.
وليس في صلاة العيدين أذان ولا إقامة، وقيل : إن معاوية(1) أحدث الأذان والإقامة لصلاة العيدين.
مسألة
[ الإنصات وقت الخطبة ]
ويكره الكلام أوان الخطبة يوم العيد ويؤمر من حضر خطبة العيدين بالإنصات لهما كإنصاته لخطبة الجمعة.
مسألة
[ من سنن العيدين الغسل ]
ويستحب الاغتسال قبل صلاة الفطر والنحر وليست بواجبة، ولا بأس على من صلى قبل صلاة العيد وبعدها.
مسألة
[ أقل الجماعة ]
وإذا اجتمع يوم العيد رجلان وإمام صلوا جماعة، وقول : حتى يكونوا خمسة، وقول : سبعة، وقول : حتى يكونوا عشرة. وإذا صلوا خطب بهم أحدهم بما فتح الله(2) .
مسألة
[ عدم حضور الرجال وحضور النساء ]
وإذا لم يحضروا صلاة العيد إلا نساء حرائر كن أو قينات أوصبيان لم يتعبدهم الله بأداء شيء من الصلاة فأحب لهم أن يصلي بهم الإمام لفضل
صلاة الجماعة بغير إلزام ويكفي عن قراءة الخطبة قراءة شيء من القرآن.
مسألة
[ من سنن يوم الفطر الأكل قبل الخروج ]
ويستحب الأكل لخروج لصلاة(3)
__________
(1) 1- معاوية : هو معاوية بن أبي سفيان ، أول من أخذ الخلافة وجعلها ملكية بعد عام
الجماعة من كتبة الوحي أسلم بعد فتح مكة ، ويعتبر مؤسس الدولة الأموية.
(2) 1- عدد المصلين في صلاة العيد : كعدد صلاة الجمعة والله أعلم.
(3) 2- الأصح : و يستحب الأكل قبل الخروج... و ذلك لفعله - صلى الله عليه وسلم - عن أنس قال : =
= كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً. رواه أحمد
والبخاري، عن المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 2/38 رقم 1654 . (4/130)
صفحة 581
يوم الفطر ومن لم يدرك الصلاة مع
الإمام يوم الفطر والأضحى صلى في الجبان وحده فيصلي ركعتين ويكبر
فيهما تكبيرة صلاة العيدين، وإن صلى في بيته جاز له، وإذا جاء خبر
الهلال بعد زوال الشمس أخر البروز إلى الضحى من غدهم وإن جاء الخبر
بعد ذلك برزوا، وقول : يبرزوا متي جاء الخبر ولو بالعشي، والأول أرجح.
مسألة
[ موقع صلاة العيد ]
فإن تعذر عليهم الوصول إلى الجبان لخوف مطر أو غير ذلك صلوا حيث أمكنهم في مسجد أو غيره.
مسألة
[ تعجيل الصلاة ]
قال الشيخ محمد بن المسبح : الذي قال بالتعجيل أصح ما لم يصلوا
العصر لأن يوم الفطر أحل الله فيه الأكل وحرم الصوم وختم به شهر
رمضان وليس على الحيض فيه بروز وقيل يبرزن ويجتنبن المصلى.
مسألة
[ متى يكون الذبح ]
ويستحب الذبح بعد تلاوة الخطبة.
ومن سبقه الإمام بشيء من صلاته العيدين أبدله على ما كبر الإمام، عن أبي عبد الله رحمه الله تعالى : من سبقه الإمام بركعة في صلاة العيدين
وهو لا يحسن التكبير فليصل ركعة، وقيل : من فاتته الصلاة مع الإمام
لعذر صلى وحده بلا تكبير صلاة العيد.
مسألة
[ من لم يسمع التكبير خلف الإمام ]
عن أبي المؤثر رحمه الله : ومن لم يسمع تكبيرة خلف الإمام فلم يكبرها وكبر ما سمع أو نسي فلم يكبرها فلا نقض عليه، وقول : من زاد تكبيرة أو نقصها في صلاة العيدين متعمداً لذلك فعليه النقض، وقول : النقض على
من أنقص ولا نقض في الزيادة، وقال أبو أعلى رحمه الله : لا نقض في
الحالين، وهو الأصح.
مسألة
[ كيفية معالجة النقصان في صلاة العيدين ]
وإذا صح أن الإمام أنقص تكبيرة بعد أن صلوا فإن ذكروا قبل الزوال من يومهم أدوا الصلاة جماعة في الجبان أو في غيره حيث شاءوا وإن ذكروا
بعد الزوال من يومهم فلا جماعة عليهم وصلوا فرادى هذا على قول من
يقول : إن النقصان يصري صلاتهم.
مسألة
[ صلاة الأصم ]
والأصم إذا لم يسمع التكبير كبر ما أمكنه وقيل يكبر أكثر التكبير (4/131)
صفحة 582
ثلاث عشرة وقيل يكبر على أي وجه شاء من وجوه التكبير الخمسة
وكل ذلك جائز.
مسألة
[ المسبوق في صلاة العيد ]
ومن سبقه الإمام في صلاة العيد، قول : يصلي صلاة الإمام، وقول : يصلي ركعتين.
مسألة
[ متى يبدأ التكبير وينتهي ]
قال أبو عبد الله رحمه الله في التكبير في أيام التشريق(1) : فإنه يبدءوا بعد النحر على أثر صلاة الفجر، وقول : بعد صلاة الظهر ويقطعه بعد صلاة
العصر من آخر أيام التشريق لقوله تعالى : { واذكروا اسم اللّه في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } (2) ،
فهذه الثلاث أولهن ليلة النحر على أثر صلاة المغرب وآخر ذلك في صلاة العصر من اليوم الثالث(3) .
مسألة
[ صلاة جابر بن زيد في منى ]
وقيل : إن جابر بن زيد صلى بأصحابه بمنى ولم يكبّر، ولم يكبّر موسى ابن علي ومن وافقه من الفقهاء، وكل ذلك جائز، والمسافر إذا كبر بعد أن صلى فحسن.
مسألة
[ كيفية صلاة من فاتهم الجماعة ]
وإذا خرج جماعة لصلاة العيد فوجدوا الجماعة قد صلوا فلا بأس أن يصلوا جماعة وإن صلوا فرادى فلا بأس.
مسألة
[ صلاة النساء يوم العيد ]
ومن سبقه الإمام بالتكبير في صلاة العيد فلما سلم الإمام لم يأت بما
سبقه به فصلاته فاسدة.
وإذا اجتمعن النسوة يوم العيد وصلين كل واحدة منهن على حدة ولا تأمهن إحداهن هذا رأي موسى ومن وافقه.
مسألة
[ المسافر وصلاة العيد ]
وإذا اجتمع ثلاثة نفر ضاربون في الأرض وكان فيهم ممن يحسن صلاة العيد صلوا جماعة.
مسألة
[ موعد صلاة العيد ]
__________
(1) 1- أيام ذبح الأضاحي سميت بذلك لأن الحجيج يشرقون الأضاحي وينشرونها
على الصخر وفي حر الشمس من أجل أن تجف .
(2) 2- سورة البقرة آية 203 .
(3) 3- هذه الأيام المذكورة هي الأيام التي يمكث فيها الحاج في منى لرمي الجمار . (4/132)
صفحة 583
ويستحب أن تصلى صلاة العيد في ربع النهار الأول بعد طلوع الشمس ولا تؤخر عن ذلك فإن أفضلها في الربع الأول من النهار فإن أخرها فما لم ينتصف النهار فلا بأس.
مسألة
[ تأخير صلاة الفطر وتعجيل صلاة الأضحى ]
ويستحب تأخير صلاة الفطر انتظاراً في صدقة الفطر يستحب تعجيل صلات الأضحى لما فيه من الأضاحي بعدها والأكل والترغيب والتصدق
بها والأكل منها والمستحب أن لا يأكل يوم النحر حتى يصلى وينحر
والأكل بعد الصلاة يوم النحر استحباباً لا إيجاباً.
مسألة
[ حكم صلاة العيد ]
في صلاة العيد. وصلاة العيد سنة واجبة(1) لا يجوز التخلف عنها إلا
من عذر ولا بد من الخطبة بعد الصلاة وإذا وجهت للصلاة واستعذت بعد
تكبيرة الإحرام ثم قرأت التكبير على ما بيناه أولاً ثم قرأت أجزأتك
الاستعاذة الأولى.
مسألة
[ حكم خروج النساء ]
وليس لربات الخدور عذر عن الخروج للجبان والحيض نجس جس(2) ويعتزلن المصلى. ومن خاف على منزله فتخلف عن صلاة العيد فلا بأس
عليه، ومن خاف فوت صلاة العيد تصعد وصلى إذا حاذر فوت الجماعة
ولو وجد الماء.
مسألة
[ تأخير صلاة العيد لسبب ]
وإذا تعذر الحال عن تأدية صلاة العيد لبعض الأسباب حتى زالت الشمس فلا صلاة بعد زوال الشمس كما لا جمعة بعد خروج وقت الظهر.
مسألة
[ جواز الإفطار في يوم الصوم للعيد ]
وإن وصل كتاب الإمام إلى الوالي بيد ثقة فلا بأس أن يفطر بعد
خروج وقت الظهر.
مسألة
[ متى يقبل قول منادي السلطان ]
__________
(1) 1- حكم صلاة العيد : من العلماء من قال أنها فرض كفاية إذا قام بها البعض سقط
عن الباقين. وقال الحنفية : واجبة على الأعيان، وقيل : سنة مؤكدة غير واجبة وبه
قال مالك وأكثر أصحاب الشافعي لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين ذكر
خمس صلوات، قال : هل علي غيرهن؟ قال : «إلا أن تطوع» وقوله عليه السلام :
«خمس صلوات كتبهن الله على العبد» الحديث انظر المغني 2/272 .
(2) 1- هكذا في الأصل. (4/133)
صفحة 584
وإذا نادى منادي السلطان عدلاً كان أو جائراً في أهل البلد بأن هذه
الليلة من رمضان أو هذا يوم الفطر وادعى صحة ذلك جاز للناس قبول قوله منه إذا كان يدين المين(1) ومن أجاز شهادة غير العدول ويستحل تقديم
الشهر وتأخيره فجرى أن لا يقبل قوله.
مسألة
[ كيفية قبول منادي السلطان ]
وإن شهر في الدار أن منادي السلطان أن هذا اليوم يوم الفطر ويوم النحر فإن ذلك يقبل منه بصحة الشهرة وقول لا يقبل على هلال شهر شوال إلا بشهادة عدلين.
مسألة
[ استقبال القبلة إلا الخطيب ]
وعلى من حضر صلاة العيد والخطيب يخطب استقبال القبلة إلا الخطيب نفسه، وإن أذن للعبد سيده أن يخطب جاز وإن خطب بغير رأي سيده وانصرف الجماعة فلا بأس.
مسألة
[ الإذن للعبد بالصلاة بالناس ]
وإذا أذن المولى لعبده أن يصلي بالناس صلاة العيد ورضوا به جاز
وإن صلى بهم بغير رأي سيده أعادوا صلاتهم وإن كانوا قد انصرفوا فلا
إعادة عليهم.
مسألة
[ أثر محبة الإمام على الصلاة ]
ولا يجوز للإمام أن يصلي بالناس صلاة العيد إذا كرهوا إمامته وعلى
كل من حضر صلاة العيدين.
مسألة
[ سجدة السهو تجبر السهو في صلاة العيدين ]
ومن ترك أن ينصت لاستماع الخطبة سمعها أو لم يسمعها وإن سهى
الإمام في صلاة العيدين فعليه سجدتا السهو.
مسألة
[ أعذار ترك الصلاة ]
ومن ترك صلاة العيدين ديانة فهذا لا حظ له في ولاية المسلمين وأقل عقوبته الكف عن ولايته وإن تركها لعذر كمن يحفظ داره أو خود بكر
منعها الحياء عن البروز أو غير ذلك فلا بأس.
مسألة
[ عدم جواز منع المرأة من البروز ]
وتستأذن المرأة بعلها إذا رامت البروز لصلاة العيدين وليس زوجها أو لمن يتولى أمرها منعها عن ذلك ولا أحب لها مخالفتهما إن منعاها، وإن
خرجت بعد المنع فلا إثم عليها بغير رأيهما.
مسألة
[ استئذان القن ]
__________
(1) 1- هكذا في الأصل. (4/134)
صفحة 585
وعلى القن استئذان مواليهم في الخروج لصلاة العيدين فإن لم يأذنوا لهم وخرجوا برأيهم فلا آمن عليهم الإثم.
مسألة
[ متى يؤذن لليتيم ]
وليس على البكر استئذان أبيها أو من يتولى أمرها للبروز للعيدين وعبد اليتيم يستأذن وصيه فإن لم يكن على اليتيم ضرر فلا بأس على وصيه أن
يأذن له.
مسألة
[ ترك صلاة العيد لعذر ]
ومن تعذر عليه البروز لصلاة العيدين لسبب فليصل في داره أو حيث
شاء ركعتين وإن صلى أربعاً فحسن فإن لم يفعل فلا بأس عليه.
مسألة
[ الصلاة بعد الخطبة مخالفة للسنة ]
وإذا صلى الإمام بعد الخطبة فقد خالف السنة وعليه التوبة من مخالفته للسنة وإن تعمد فلا نقض عليه ولا على الجماعة ولا ينبغي له أن يبتدع
وعليه أن يتبع.
مسألة
[ أثر الإحداث أثناء الخطبة ]
ولا يجوز الإجزاء بالقراءة عن الخطبة وإن أحدث الخطيب فلا بأس عليه
أن يخطب وهو غير متوضئ إذا كان قد قرأ منها شيئاً.
مسألة
[ المشي إلى الصلاة ]
وينبغي للخارج للجبان أن يكبر الله ويثني عليه ويصلي على النبي محمد
- صلى الله عليه وسلم - ولا يخطب الخطيب إلا قائماً(1) .
مسألة
[ حدود صلاة العيد ]
وحدود صلاة العيد سبعة حدود أولهن تكبيرة الإحرام ثم التكبير كله
بعد تكبيرة الإحرام ثم القراءة ثم التكبير الثاني والركوع ثم السجدتان فإن
كل سجدة حد ثم القراءة حد.
مسألة
[ نماذج من صلاة العيد ]
ولو أن الإمام كبر في صلاة العيد في الركعة الأولى خمساً ثم قرأ أو
ركع وسجد وقام فكبر خمساً عمداً ثم قرأ ثم ركع وقام فكبر ثلاثاً لم نر
__________
(1) 1- هذا ما فعله - صلى الله عليه وسلم - . عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان إذا غدا إلى
المصلى كبر، فرفع صوته بالتكبير. وفي رواية : كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر
إذا طلعت الشمس فيكبر، حتى يأتي المصلى، ثم يكبر، حتى إذا جلس الإمام
تركه. رواهما الشافعي عن المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - 2/37 - 38 أرقام
1652 ، 1653 . (4/135)
صفحة 586
الكتاب: الكوكب الدري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] عليه نقصاً.
مسألة
[ كيفية دخول الإمام ]
ويقدم الخطيب رجله اليمنى على العتبة ويستحب له أن لا يتمسك
بشيء إن أمكنه وليس على النساء الذهاب إلى عرفة.
مسألة
[ صلاة من فاتهم الجماعة بعد الخطبة ]
وإذا أتى جماعة إلى الجبان فوجدوا الخطيب يخطب فلهم أن يصلوا
جماعة وإن كان قد فرغ الإمام من الخطبة فليصل بهم أحد ويخطب بهم
ولو في الجبان لأنه مصلى ولا بأس.
مسألة
[ حكم إعادة الصلاة ]
وجاء الأثر أن يصلي جماعة بعد جماعة في موضع صلاة العيدين وإذا
صلى المأموم خلف إمامه صلاة العيدين ثم انتقضت صلاته أعادها صلاة
إمامه متى ذكر ولو بعد المدة.
مسألة
[ من فاته مع الإمام شيء ]
وقد رخص المسلمون لمن أدرك مع الإمام شيئاً من صلاة العيدين وفاته شيء أن يعيد ما فاته بلا تكبير هذا إذا لم يحسن التكبير.
مسألة
[ صلاة الحرب ](1)
في صلاة الحرب عند مواقعة العدو. فأما صلاة الحرب عند مواقعة العدو فلكل طائفة منهم ركعة فإذا أقيمت الصلاة قام الإمام وقامت معه طائفة ووجهت طائفة منهم نحو العدو ووجهوا وأحرموا جميعاً فإذا رفع الإمام
رأسه من السجدتين انصرفت الطائفة التي صلت معه إلى مقام الطائفة التي
لم تصل وجاءت الطائفة التي لم تصل صلت مع الإمام الركعة الثانية وليس
على الذين في نحر العدو تحيات ولا تشهد ولكنهم إذا سلم الإمام سلموا
ولا بأس أن يتقدموا الإمام.
مسألة
[ عدد ركعات صلاة الحرب ]
ولا يجوز لهم أن تصلي طائفة منهم ركعتان خلف الإمام إلا كل
طائفة منهم ركعة.
مسألة
[ كيفية صلاة الخائف على الراحلة ]
__________
(1) 1- هذه تسمى صلاة الخوف وأول صلاة حصلت في غزوة ذات الرقاع وسميت
بذلك لأن أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق. وكانت في جمادى الأولى سنة
أربع للهجرة. والله أعلم. ونزل بشأنها قرآن يتلى في كتاب الله إلى قيام الساعة. (4/136)
صفحة 587
والصلاة في الحرب عند المواقفة ركعتان في المغرب وغيرها ولا يصلون الوتر جماعة ويوترون فرادى وفي السفر والحضر سيان وإذا لم يستطع
الراكب النزول مخافة العدو وصلى على ظهر دابته واقفاً أو سائراً حيث
توجه وإذا خاف الطلب ولم يكن باغياً.
مسألة
[ صلاة المسايفة ]
وإذا كان هو الطالب صلى صلاة نفسه وإن كان منهزماً مطلوباً صلى صلاة المسايفة خمس تكبيرات لكل صلاة حيث توجه ولا يجوز أن يجمع الصلاتين بالتكبير عند الضراب وإنما التكبير للخائف على دمه.
مسألة
[ كيفية صلاة الحرب ]
ويوجه الإمام وتوجه الطائفتان جميعاً وهم مقبلون إليه، ثم يحرم الإمام وتحرم الطائفتان ولا يتكلمون وإن تكلمت طائفة التي لم تصل بعد وهي في مواقفة العدو وفسدت على من تكلم صلاته.
مسألة
[ حكم الكلام في صلاة الحرب ]
وأما إن عناهم من عدوهم أمر فاضطروا إلى الكلام فلا بأس أن يتكلموا فيما عناهم وإن تكلم واحد من الطائفة الأولى التي صلت فلا بأس.
مسألة
[ القراءة في صلاة الحرب ]
ثم يقرأ الإمام والطائفة الذي خلفه فاتحة الكتاب والإمام يقرأ في صلاة المغرب والعشاء الآخرة والفجر مع الفاتحة ما تيسر من القرآن فإذا ركع
ركعت الطائفة التي خلفه وإذ سجد سجدوا.
مسألة
[ كيفية صلاة الحرب مع الإمام ]
وأما إذا رفع الإمام رأسه وقام قامت الطائفة التي خلفه من السجود وذهبت إلى موضع الطائفة التي في نحر العدو فإذ وصلوا إليهم رجعت
هذه الطائفة إلى مقام الأخرى التي خلف الإمام فقرأ بهم وركع وسجد
فركعوا معه وسجدوا فإذا رفع رأسه من السجود وقعد وتحى بهم التي معه التحيات وليس على الطائفة التي في نحر العدو تحيات لأنهم قد صلوا معه
الركعة الأولى فإذا تحى الأمام وسلم سلموا جميعاً.
مسألة
[ عدم الزوال المصلى من موضعه ]
وليس لإحدى المصلين أن يزول عن موضعه من الذين هم في منحر
العدو إلا أن يزحف صف العدو عليهم فلا بأس وليس لهم الالتفات إلى (4/137)
صفحة 588
خلفهم إلا إذا اضطروا من هجوم العدو من خلفهم فإن التفتوا وزالوا عن مواضعه لغير معنى خفت عليهم النقض.
وإن أراد أحد الدخول معهم وسبقه الإمام ينثني هل له ذلك؟ فإذا كان الداخل معهم من الطائفة التي في نحر العدو ولم أدرك ذلك وإن كان من الطائفة التي خلف الإمام ودخلوا بدل ما سبقه به إذا كان في السفر وأما إذا كان في الحضر لم أرى عليه الدخول في الصلاة من صلاة السفر.
مسألة
[ حكم صلاة الحرب ]
والأذان والإقامة ثابتتان في صلاة الحرب وللإمام أن يأمر من يصلي بالجيش ويكون خلف من يصلي بأمره.
وهل يجوز للإمام ومن معه أن لا يصلي صلاة الحرب ويصلوا تماماً
فردي أو جماعة وصلي كل فرقة منهم صلاة تامة وتكون الطائفة التي لم
تصل في نحر العدو وإن كانوا في الحضر صلوا تماماً أو في السفر قصراً
عليهم ذلك إذا استطاعوا وهو أفضل إنما صلاة الحرب رخصة من الله تعالى وهي سنة في إحياء سنن الإسلام أعظم الثواب.
ومن انتقضت عليه صلاة الحرب أبدلها أربع ركعات في الحضر وإن
كان في السفر فركعتين في الوقت أو بعده.
مسألة
[ وقوف المسلمين في صلاة الحرب ]
وثوب الملحَّم لا يصلى به إلا في الحرب.
قال أبو عبد الله رحمه الله : صلاة الحرب إذا وقف المسلمون
عدوهم ولم تستعر بينهم نار الحرب أن يقوموا جميعاً فيصفوا ويتقدم
بهم إمامهم فيوجهوا معاً فإذا أحرم ووجوههم إلى القبلة ثم تثبت مع
الإمام طائفة منهم وتنصرف طائفة يستقبلون بوجوههم نحو عدوهم فيقومون ولا يتكلمون ويصلي الإمام بالطائفة التي خلفه ويقرأ ويقرءون
وإذا ركع وسجد وركعوا وسجدوا، ثم يقوم الإمام فيمسك عن القراءة وتنصرف الطائفة التي خلفه يصلون ويمشون على هيئتهم حتى يقفوا في
مقام الطائفة التي كانت وجوههم تلقاء العدو ولا يتكلمون ولا يقرءون
وترجع هذه الطائفة وتقوم خلف الإمام فيقرأ ويقرءون ويركع ويركعون ويسجد ويسجدون ثم يجلس بهم وتكون همتهم جميعاً إلى تكبير (4/138)
صفحة 589
الإمام فإذا علمت الطائفة التي في نحر العدو أن الإمام قد جلس بالذين
خلفه فقرءوا التحيات وهم قيام على حالهم ووجوههم تلقاء العدو فإذا قرأ الإمام ومن خلفه التحيات سلم الإمام فأسمعهم سلموا جميعاً كل طائفة
منهم كما هي فإن قيل لكم فكم يكون بين الطائفة التي خلف الإمام
والطائفة الأخرى التي كانت صلت مع الإمام قيل ليس لذلك حد ولكن يكونون حيث يستمعون تكبيرة الإمام وحيث يرون أنه منع لهم من
عدوهم(1) .
مسألة
[ حكم السجدة في القرآن ]
في سجدة القرآن. السجدة سنة معمول بها وليست بفرض ولازم
سجودها لمن قرأها أو قرأت عليه فأنصت لتلاوتها في صلاة فريضة أو نافلة
أو غير صلاة وأما القارئ لها فيسجد ولو في الصلاة إذا قرأها ويسجد
بتكبيرة ويسبح فيها كتسبيح كسجود الصلاة وإن قال في سجوده :
سبحان الله وبحمده جاز إماماً كان أو مأموماً(2)
__________
(1) 1- ما ورد من قرآن في صلاة الخوف :
{ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم
أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً، وإذا كنت فيهم
فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا
فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا
حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم
فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليك إن كان بكم أذى من مطر أو
كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً
مهيناً، فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماًَ وقعوداً وعلى جنوبكم فإذا
اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباًَ موقوتاً } [سورة
النساء : آيات 101 - 103].
(2) 1- ما يقوله المصلي في سجود التلاوة : سجد وجهي للذي شق سمعه وبصره
وخلقه فتبارك اللهم أحسن الخالقين، اللهم تقبل سجدتي كما تقبلتها من عبدك
ونبيك داود. أو يقول كما قال المصنف والله أعلم. والأولى رواية الحاكم،
وأخرى : اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني
بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. عن سبل السلام
1/210 حديث 17 . (4/139)
صفحة 590
.
مسألة
[ حكم السهو عن السجدة وأحكام السجدة ]
وإذا قرأ الإمام السجدة سجد من خلفه من المأمومين.
ومن سهى عن السجود عند قراءة السجدة في الصلاة ثم ذكر وهو في الصلاة سجدها متى ذكر وعليه سجود السهو على قول وقيل إذا جاوزها
ناسياً فلا سجود عليه.
ومن قرأها أو قرأت عليه بعد صلاة العصر فلا سجود عليه حتى تغرب الشمس ولا بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.
وإذا قرأ المصلي آية السجدة فنسي أن يسجدها فقول : إذا تركها في صلاة الفريضة ناسياً وهي بمنزلة حد من الصلاة وقول حتى تتركها عمداً والإمام والمأموم في ذلك سيان والرجال والنساء سيان، وإذا سمع بعض
المأمومين قراءة السجدة من إمامهم ولو(1) سمعها البعض فقول : لا سجود
على من لم يسمعها وقول : السجود على كل من ائتم بالإمام فإن لم
يفعلوا كان في فساد صلاتهم اختلاف.
وجائز سجودها حيث توجه والمستحب سجودها إلى القبلة لأن بعضها شبهها بالصلاة إذا هي جائزة في الصلاة ويجوز سجودها لغير القبلة إذا لم يكونوا في الصلاة.
ومن سمعها من غيره وهو في الصلاة فلا سجود عليه وإنما إذا أنصت لاستماعها سجد إذا فرغ من صلاته وقيل إذا قضي صلاته قرأها وسجد
وإن شغله الإنصات لها عن صلاته فسدت عليه صلاته.
مسألة
[ حكم من سمعها وهو حامل، ومن سمعها غير طاهر ]
ومن سمعها وهو حاملاً ثقلاً فأنصت لها وتعذر عليه حط حمله
فإذا حطه سجد وقول : يومي إذا كان غير طاهر فإذ تطهر سجد ولا يسجد إلا وهو طاهر وقال : وآيل من أنصت لتلاوة السجدة وهو مار أومئ، وقيل يسجد إن أمكنه وقول : لا بد من سجودها ولو غير متطهر قال محمد بن المسبح : من سمعها وهو غير طاهر سجد وهذا هو الأصح.
مسألة
[ من استمع السجدة من امرأة أو صبي ]
ومن غفل عن استماع السجدة فلا سجود عليه وإنما السجود على من أنصت لها.
__________
(1) 1- الأصح : ولم . (4/140)
صفحة 591
وإذا سمع الرجل تلاوة السجدة من امرأة سجد قبلها ولا يأتم بها، وقال أبو علي : وكذلك الصبي وقيل يقرؤها ويسجد.
ومن تهجا آية السجدة فلا سجود عليه ومثله إن كتبها ولم يجهر بها،
روي ذلك عن أبي عبد الله رحمه الله ومن تعلم القرآن فمر بآية السجد
سجدة مرة وإن كررها فلا سجود عليه.
وعلى المرأة السجود لتلاوة السجدة ولو من غيرها، ومن ترك سجودها فمنزلته خسيسة ولا يبرأ منه إذا لم يخطئ من قال بالسجود لها(1) .
مسألة
[ حكم صلاة من سجد سجدتين للتلاوة ]
ومن قرأ من السجدة شيئاً فلا سجود عليه حتى يتمها وكان بعض الفقهاء يفعل ذلك.
ومن تعمد لترك قراءتها في الصلاة لحال السجود فيكره له ذلك ولا
نقض عليه، ومن ترك سجودها عمداً في الصلاة فقيل لا نقض عليه.
وليس على الحائض والجنب سجود القرآن إلا إذا طهروا وقيل ولو طهروا والأول أصح.
ومن قرأ آية السجدة في الصلاة فسجد سجدتين فإن سجد الثانية متعمداً فسدت صلاته وإن كان ناسياً فلا فساد عليه فإذا قضى الصلاة سجد
سجدتي الوهم.
مسألة
[ حديث أبي هريرة ]
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا
__________
(1) 1- حكم سجود التلاوة : قال جمهور الفقهاء أنها سنة مؤكدة وليس بواجب وبهذا
قال مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وهو مذهب عمر وابنه عبد الله
- رضي الله عنهم - وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه لقول الله عز وجل : { فما
لهم لا يؤمنون وإذا قرء عليهم القرآن لا يسجدون } [سورة الانشقاق : آيات
20، 21] ولا يذم إلا على ترك واجب ولأنه سجود يفعل في الصلاة فكان
واجباً كسجود الصلاة. وللفريق الأول : ما روى زيد بن ثابت قال : قرأت على
النبي - صلى الله عليه وسلم - النجم فلم يسجد منا أحد. متفق عليه، ولأنه إجماع الصحابة. انظر
المغني 1/446 . وفيها زيادة على ما كتبنا. (4/141)
صفحة 592
قرأ ابن آدم السجدة فسجد فر الشيطان يبكي ويقول : يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار»(1) .
ومن استمع السجدة من عبد بالغ سجد وأما الأمة فبمنزلة الصبي والمراهق المحافظ على الصلاة إذا قرأ آية السجدة فسمعها أحد سجد على قول.
وإذا سهي الإمام عن السجود للسجدة وسبح له الجماعة فلم يشعر أخروا سجودهم فإذا سلم سجدوا وإذا أعلمهم أخرهم بعد فراغهم من الصلاة سجدوا ولو بعد الكلام.
ومن سجد وهو يضحك أعاد وضوءه وسجوده.
ومن قرأ إمامه السجدة فسجد قبله أو رفع رأسه قبله فسدت صلاته.
__________
(1) 1- أخرجه مسلم في الإيمان رقم 81 باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك
الصلاة. والحديث عن أبي هريرة بلفظ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل
الشيطان يبكي، يقول : يا ويلتي....» وانظر جامع الأصول في أحاديث الرسول
- صلى الله عليه وسلم - 5/533 رقم 3783 . (4/142)
صفحة 593
النهج الثاني والعشرون
في الزكاة
مسألة
[ تعريف الزكاة والترغيب فيها ]
الزكاة(1) فرض على من تعبده الله تعالى، قال الله تعالى : { أقيموا
الصلاة وآتوا الزكاة } (2) ، أوجب الله لأهلها الجنة ورضاه وآية من الله
وفكر ورخصة خص بها أهل النصر لعبد لم يكن شيئاً فكونه الله بشراً سوياً
ثم خوله من رزقه جزيلاً وفضله على كثير ممن برئ تفضيلاً ثم اختبره واستقرضه جزءاً من أجزاء رحمته مما أولاه ، فالشقي من كفر وتولى ولم
يمتثل ما أمره به المولى ولم يستح من الله حين اختبره بإخراج اليسير من
الكثير ، ولا حاذر عن مخالفته عذاب السعير.
مسألة
[ مضاعفة الحسنات ]
عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعف له أضعافاً كثيرة } (3) قال : ألفي ألف حبة وزيادة.
مسألة
[ أهمية الزكاة ]
في قوله تعالى : { وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون } (4) يعني يضاعف بالواحدة من عشرة إلى سبعمائة، والصدقة
فكاك من النار وغسل من الخطايا.
مسألة
[ منزلة التصدق ]
قال بعض العلماء : المسكين غسال الحوب، وقيل : مثل الصدقة كمن أخذ بدم فجعل يعطي قليلاً قليلاً حتى فك رقبته.
مسألة
__________
(1) 1- فرضية الزكاة ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أما الكتاب فآيات كثيرة من
كتاب الله منها : قال تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا
سبيلهم } [التوبة : 5]. وأحاديث كثيرة من السنة : حديث معاذ لأهل اليمن
فقال : «وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في
فقرائهم» متفق عليه. وحديث أركان الإسلام الخمس وغيرها. وأما الإجماع :
أجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال
مانعيها وحرب المرتدين معروفة في التاريخ الإسلامي في عهد أبي بكر الصديق
رضي الله عنه.
(2) 2- سورة البقرة : آية 43 .
(3) 1- سورة البقرة : آية 245 .
(4) 2- سورة الروم : آية 39 . (5/1)
صفحة 594
[ الحث على التصدق ]
في قوله تعالى : { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة } (1) أي لا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا، وقال بعضهم : لا تمسكوا عن الجهاد فتهلكوا.
مسألة
[ تعريف الكنز ]
قال الله تعالى : { الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } (2) معناه من كان له مال على ظهر الأرض أو
في بطنها تجب فيه الزكاة فلم يزكه فهو كنز.
مسألة
[ ثواب المتصدق ]
قال الله تعالى : { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } (3) يقال : إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اشترى سبعة نفر من المسلمين كان كفار مكة يعذبونهم ليرتدوا إلى الكفر منهم بلال بن رباح فاشتراهم أبو بكر فأعتقهم، قال الله تعالى : { وأما من بخل واستغنى
وكذب بالحسنى } (4) يقال : هو المعاند أبو سفيان بن حرب بخل بالمال في
حق الله واستغنى عن الله أبعده الله.
مسألة
[ آخر ما أوصى به - صلى الله عليه وسلم - ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين احتضر قال : «الصلاة والزكاة وما ملكت اليمين ثلاثا»(5) فلم يتكلم بعدها حتى مات رحمة الله عليه.
مسألة
[ أصناف آية الزكاة ]
وقد سمى الله الصدقات فقال : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله
وابن السبيل } (6) فتفسيره أن الفقراء : فقراء المسلمين الذين لا يسألون
__________
(1) 1- سورة البقرة : آية 195 .
(2) 2- سورة التوبة : آية 34 .
(3) 3- سورة الليل : آيات 5 ، 6 ، 7 .
(4) 1- سورة الليل : آيات 7 ، 8 .
(5) 2- جاءت وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتظهر أهمية الصلاة والزكاة وهما من أركان
الإسلام وجعل ملك اليمين من الأهمية وإحسان المعاملة إليهم قرين المحافظة على
أركان الإسلام .
(6) 3- سورة التوبة : آية 60 وهي آية مصارف الزكاة. (5/2)
صفحة 595
الناس، والمساكين : الذين يسألون الناس،والعاملين عليها : الذين يجبونها، والمؤلفة قلوبهم : اثنا عشر رجلاً من قادة العرب دخلوا في الإسلام كرهاً
منهم أبو سفيان بن حرب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم من الصدقة ليتألفهم، وقد انقطع اليوم حق المؤلفة إلا أن ينزل أحد منزلهم، وفي الرقاب : هم
المكاتبون، والغارمين : هم الذين يلزمهم غرم في غير باطل، وفي سبيل الله : وهو الجهاد، وابن السبيل : وهو المسافر.
مسألة
[ تفضيل الزمن وذوي العيلة ]
وإذا كان إمام عدل أعطيها ليوصل كل ذي حق حقه، وتقسم صدقة كل ذي جهة في فقرائها، ولا بأس بتفضيل الزمن(1) وذوي العيلة(2) وأهل
الفضل، ومن كان غنياً في حضره فقيراً في سفره أعطي من الصدقة، ومن
كان غائباً من أهل الصدقة فلا بأس أن ترفع حصته.
مسألة
[ مخارج الزكاة ]
وأما إذا لم (بياض في الأصل)(3) يعط الإمام أحد من تلك السهام أو لم يكونوا مثل الغارمين والعاملين وابن السبيل كانت الصدقة للفقراء
والمساكين وإن كان أحد من أولئك أعطاهم الإمام على ما يرى، وإن احتاج الإمام الصدقة لينفذها في عز الدولة ولإصلاح الدعوة إلى الإسلام وينفقه
على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجائز له ذلك(4) .
مسألة
[ المتولي للإخراج ]
وأما إذا لم يكن إمام وكان رب الصدقة هو المتولي لها لإنفاذها فمن
أعطي من أهل هذه السهام فقد برئ وجائز توفير الأرحام وأهل الورع من الإسلام إذا كانوا فقراء وكذلك الجيران وكل نفقة في غير سبيل الله فهي
تبذير وإن قلت.
مسألة
[ من لا يعطى من الزكاة ]
__________
(1) 1- الزمن : المرض.
(2) 2- ذوي العيلة : أصحاب العيال الكثيرة وقد ورد ذكر العيلة في القرآن الكريم
بقوله تعالى : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى
ألا تعولوا } [النساء : آية 3].
(3) 3- وأما إذا لم يجد الإمام... والله أعلم.
(4) 1- استناداً إلى قوله : (وفي سبيل الله...). (5/3)
صفحة 596
ولا يعطى من الصدقة في دين ولا كفن ميت ولا لبناء مسجد ولا لشراء مصحف ولا في حج ولا لمملوك(1) ولا لغني غير الضارب ولا لمن يمونه
الغني ولا يستأجر منها ربها في إنفاذها إلى مستحقها لأن عليه إيصالها
لأربابها وذلك للإمام خاصة.
مسألة
[ حكم شراء كتب العلم من الزكاة ]
وإذا اشترى مصحفاً مما يأخذه لفقره جاز، و أما أن يشتري بالزكاة
مصحفاً فقيل : إلا إذا كان أخذه لذلك وله أن يشتري كتب العلم أو
قرطاساً ينسخ فيه الأثر ولم نر حجة تفرق بين ذلك وشراء المصحف أءكد ولعل معناه أنه المصحف الموقوف لغير مالك فهذا لا يجوز فيما ثبت في المصاحف ثبت في الكتب.
مسألة
[ حكم الحج من مال الزكاة ]
واختلفوا فيمن أخذ الزكاة ليحج بها وهو فقير، وقول : ليس له ذلك وقول : لا بأس بذلك، والمستحب أن يؤخذ جوزته سنة فإذا حج منها
جاز(2) ولا يأخذ للحج خاصة وليس للغني أن يأخذ من الزكاة ليحج به.
مسألة
[ متى يجوز الحج من أموال الزكاة ]
وجائز أن يحج من الصدقة من أغنى الله المسلمين بوجوده كالفقيه وذوي العنا : هو الذي له العنا في قبض الصدقة قيل : إن ذلك في أيام الدولة، وقيل : في كل وقت.
مسألة
[ من وجب عليه الحج ]
ومن وجب عليه الحج في ماله فلم يحج حتى فقر فلا يجوز الأخذ من الصدقة ليحج به، وقيل : يجوز.
مسألة
[ شراء السلاح من الصدقة ]
وجائز أعطي(3) الفقير من الصدقة لمئونته وليتزوج به إذا احتاج إلى ذلك وفيه اختلاف، وإذا أراد الجهاد فجائز له شراء السلاح من الصدقة ليجاهد
به في سبيل الله.
مسألة
[ إعطاء زوجة الغني ومن عليه دين ]
__________
(1) 2- المملوك : لا يعطى إذا لا يريد الحرية وأما المكاتب فيعطى من أجل الإسراع في
الحصول على الحرية.
(2) 1- قال المالكية بوجوب الحج على الفورية ولهذا قالوا بجواز التكسب في الطريق
لبلوغ غايته ومنها أخذ الزكاة وقبول الصدقة وما إلى ذلك من طرق التبرع.
والله أعلم.
(3) 1- الأصح : وجائز إعطاء الفقير... (5/4)
صفحة 597
في إعطاء زوجة الفقير لو كان زوجها غني وكذلك أولاد الغني، وإن
كان على الفقير دين فقيل جائز أن يعطى من الصدقة لقضاء دينه.
مسألة
[ حكم إعطاء أولاد الغني وهم فقراء ]
واختلفوا في إعطاء زوجة الغني من الصدقة وأولاده الصغار فأجازه
بعضهم إذا لم ينصفهم أبوهم وكذلك الزوجة، وأبا جواز ذلك آخرون،
وقول : جائز إعطائهم على حال لأنهم فقراء وأغناه(1) لا يضرهم.
مسألة
[ حكم إخراج الزكاة لزراعة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله في الأجرة لإصلاح الزراع وشوافتها قبل الدراك : إن ذلك فيه الزكاة من المجمل قبل القسم إجماعاً لأن ضمان
الأجرة على مشاجرها في ذمته.
مسألة
[ الزكاة على الزراعة ]
وأما الأجرة منذ دراك الزراعة إلى أن تصير حباً ففيه اختلاف، منهم من رأى الزكاة على ذوي الزراعة على قول من يرى الزكاة في الذمة وليست شريكاً فلا غرم عليها مثل الشركاء ومنهم من لم ير في تلك الأجرة زكاة
لأن الزكاة عنده بمنزلة الشريك فكل أجرة في إصلاح الثمرة فهي من رأس الثمرة على جميع الشركاء إذ هي شريك(2) .
مسألة
[ الزكاة من الطعمة ]
في الطعمة التي يأخذها العمال في الحزاز فإن كان سنة قد ثبتت لهم
ففيها الزكاة فيما بقي من الثمر على جميع الشركاء بالحصص وإن احتج
مخرج الأجرة فقد مضى القول فيه بالاختلاف.
مسألة
[ متى تستحق الأجرة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن الإجارات الثابتة هي بمنزلة الدين إلا أنهم اختلفوا في ثبوت الكراء إذا آنت أجرة سنة معروفة ففي بعض القول إذا كانت الأجرة صحيحة كان المال مستحقاً من حيث ما وقعت الأجرة وقول حتى تنصرم المدة التي وقعت عليها الأجرة من العمل والسكن ثم حينئذٍ
يستحق المؤجر أجرته فإذا استحقها بأحد من الوجهين كانت له حلالاً.
مسألة
__________
(1) 1- الأصح : وغناه لا يضرهم.
(2) 2- إخراج الزكاة من صافي المال بعد إخراج الدين وما عليه من حقوق وأما الحبوب
فمن مجموعها إذا بلغت خمسة أوسق. والله أعلم. (5/5)
صفحة 598
[ أخذ الزكاة من الدين ]
فإذا كان على مقدرة من استيفائها كانت بمنزلة الدين القادر على
استيفائه وإن عجز عن أخذها بسبب كانت كالديْن الميؤوس منه ولم يبين لي
في الأجرة فرق عن الدين إلا أن يكون أثراً لم أقف عليه.
مسألة
[ الزكاة من الحب في سنبله ]
فهل لرب الزراعة قسمها سنبلاً ويعطي زكاتها للفقراء سنبلاً؟ فإذا سلم
ما يجب عليه بحكم واحتياط فليس عليه أكثر من ذلك.
مسألة
[ أخذ العمال من الزرع ]
وأما الشايف(1) والراقب(2) والدايس(3) أيكون على رب الزراعة في
أجرتهم زكاة أم لا؟ فنعم عليهم أجرة الشايف فقط لأنها وجبت قبل الزكاة وأما الدايس والراقب فحكم أجرتهم كحكم أجرة الجزاز فقد مضى
الاختلاف فيه وكذلك أجرة حمل السنبل من الزرع إلى الجنور(4) .
مسألة
[ هل على الكرا زكاة؟ ]
ومن زرع في قرية وأهلها في أخرى وأخرجوا زكاته فحملها بكرى
__________
(1) 1- الشايف : هذه الكلمة تختلف في المعنى حسبما تقع في الجملة فمثلاً كقولهم
استأصل الله شأفته : أي أذهبه كما أذهب القرحة في القدم. وكقولهم مالي
أراك شائف عني : أي مباعد رافع أنفك أو نفسك عن التعامل معنا وهنا بمعنى
حارس البستان الذي يطرد الطيور من أكل الحبوب. والله أعلم انظر مختار
الصحاح باب الشين ص326 ، وإزاحة الأعيان عن لغة أهل عُمان ص77 .
(2) 2- الراقب : أيضاً حسب موقع الكلمة في الجملة، راقب الله تعالى : الخوف من
الله عز وجل وقولهم : من راقب الناس مات هماً، من مراقبة الناس وهنا والله
أعلم بمعنى الحارس أو الناطور. انظر مختار الصحاح فصل رقب.
(3) 3- الدايس : من الدوس وهو الحركة الكثيرة يميناً وشمالاً وأعتقد والله أعلم أنها من
الدرس الذي يدرس الحب في البيدر بواسطة حيوانه المعد لذلك. والله أعلم.
(4) 4- الجنور : من الجرن وهو مكان جمع الحصاد من أجل درسه واستخراج حبه
وبعض البلاد يسمى البيدر وله من الأشعار في لغة أهل الريف يتغنون بأيام
وليالي البيدر، والله أعلم. (5/6)
صفحة 599
أعلى الزكاة حصتها من الكرى قال : نعم.
مسألة
[ العمل على الزراعة بأجرة وحكم الزكاة في الناتج ]
ومن بلغت زراعته ثلاثمائة صاع بأجرة بيدارا وشايفها ودائسها هل فيها زكاة؟ قال : نعم على الأصح والمعمول به.
مسألة
[ حكم إخراج الزكاة للأبوين ]
اختلف المسلمون في الأبوين قول لولدهما أن يعطيهما من زكاته إذا كانا فقراء فقيرين، وقول : لا يجوز، وقول : جائز ما لم يصيرا بحد من يلزمه عولهما، وقول : ما لم يحكم عليه بذلك.
مسألة
[ الفقير وزكاته من الغلة ]
وإذا تلفت الزراعة بعد أن كيلت وكانت تبلغ النصاب هل لزراعها
أن يبرئ نفسه من الزكاة إذا كان فقيراً في وقته ذلك فلم أعلم أن أحداً
قال بذلك.
مسألة
[ حكم أخذ الغني من الزكاة ]
ومن أخذ من الزكاة وهو غني فأتلفها في حاله تلك ثم افتقر هل له أن يبري نفسه منها؟ ففي ذلك اختلاف وإذا لزمته للفقراء وهو فقير وتعذر
عليه الخلاص(1) .
مسألة
[ حكم حبس الزكاة على نية الإخراج ]
ومن حبس زكاته على نية إعطائها السؤال فكان إعطاءه لهم على
الانفراد والتراخي حتى أنفذها هل يجزيه ذلك؟ قال : نعم يجزيه إن شاء
الله تعالى لقول تعالى : { للسائل والمحروم } (2) .
مسألة
[ أخذ الفقير الزكاة بغير رأي المزكي ]
ومن ميز زكاته فأخذها الفقراء بغير رأيه إلا أنه راض بفعلهم في قلبه هل يجزه ذلك؟ ففي ذلك اختلاف، قول : يجزئ ذلك عنه رضي أو لم يرض، وقول : لا يجزئ في الحالين وقول يجزئ إذا رضي وإلا فلا ، وذلك أخذوه
على أنه زكاة.
مسألة
[ تفريق السلطان للزكاة ]
وإن أخذها السلطان وفرقها على الفقراء على أنها زكاة فهذه كالأولى
وإن أخذها على نية الاغتصاب لها لزمه بدلها.
مسألة
[ سرقة الزكاة هل يبرأ صاحبها ]
__________
(1) 1- السبب في ذلك أنها أصبحت متعلقة بالذمة فحق الفقير لا يسقط إلا بالأداء
وهنا تحقق حق الفقير في ماله، والله أعلم.
(2) 2- سورة المعارج : آية 25 . (5/7)
صفحة 600
ومن ميز زكاته وأحرزها فتوقع عليها مختلس فاختلسها من منزله أو غير منزله هل يبرأ منها؟ فإذا أخذها الفقراء على وجه التذلل لأخذه الزكاة
ورضي لهم وعلم أنها قد صارت إليهم برء منها على قول، وإن أخذوها
على وجه التخلس والسرق فرضاه لا يحلها لهم وعليهم ضمانها له وعليه
هو تسليمها لمستحقها.
مسألة
[ السرقة لا تبرأ الذمة ]
وقال بعض العلماء أنه لا يبرأ منها على حال حتى يسلمها للفقراء على
نية دفع الزكاة لأنها مضمونة عليه ولأنها مال الله تعالى ولأن له التصرف
فيه على ما شاء ويبدل به من ماله ما شاء ولأنه لو تلف ضمنه وهو الأصح والأول واسع على قول من يقول : إن الزكاة شريك.
مسألة
[ أخرجت الزكاة دون إذنه ]
عن الشيخ أبو سعيد رحمه الله : ومن أخرجت زوجته عنه زكاته بلا
إذنه ولم تكن بينها إباحة متقدمة فأتم فعلها وهي مأمونة على ما قالت له زوجته إني سلمتها للفقراء فإنه مجزي عنه وتبرأ هي إذا أتم فعلها وإن أبى
فلا يجزي ذلك وعليها ضمان ماله.
مسألة
[ أخرج بدل الزكاة ]
ومن وجبت عليه الزكاة من الورق(1) والتبر(2) فرام إنفاذ غيره كالثوب فيشتريه ويسلمه للفقراء أيجوز أم لا؟ ففي ذلك اختلاف، فعن أبي الحواري رحمه الله : إذا اشترى البدل من عند غيره جاز وإن حاك الثوب بنفسه أو
__________
(1) 1- الورق : بكسر الراء، الدراهم المضروبة وكذا (الرقة) بالتخفيف وفي الحديث
«في الرقة ربع العشر» وفي الورق ثلاث لغات : (وِرقٌ، ورِق، وَرْقُ) ورجل
ورّاق : كثير الدراهم. المصباح المنير 713 . وقد ورد ذكر الورق في سورة
الكهف في قوله تعالى : { فابعثوا أحدكم بوِرِقِكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها
أزكى طعاماً... } [الكهف : آية 19].
(2) 2- التبر : ما كان من الذهب غير مضروب، فإذا ضرب دنانير فهو عين ولا يقال
تبرٌ إلا للذهب. المصباح المنير ومختار الصحاح 74 . (5/8)
صفحة 601
جعل البدل من ماله ففيه اختلاف، قول : يجوز وهو قول معاذ بن جبل(1) رضي الله عنه ، وقول : لا يجوز.
مسألة
[ حكم إعلام الفقير أو عدم إعلامه ]
وسيان إعلام الفقير وعدم إعلامه واليتيم والبالغ إذا صار في قبضته ولو
اشترى للفقير لحماً أو ضحية في يوم العيد من زكاته جاز إن شاء الله، وأما
إن أعطاه البدل من ماله فقدره على الفقير بثمن والأصح فساده.
مسألة
[ الأكل مع الفقير من مال الزكاة ]
ومن أعطى الفقير من زكاة ماله هل له أن يأكل منها فإذا صار للفقير ملكاً جاز له ذلك(2) .
مسألة
[ الحلية في دفع الزكاة لليتيم ]
وأما الحيلة في دفع الزكاة لليتيم فإنه يشتري له من غيره ما شاء ويزن الثمن لرب الثوب ويلبسه اليتيم أو الصبي إذا كان فقيراً وإن دفعت له الثمن وأمرته يسلمه لرب الثوب ولبسه وأنت تراه جاز، وعائل الصبي والصبي في
هذا سيان إذا كان ثقة. وإنما الزكاة أمانة عندك فأي حال صارت لأربابها فأنت بريء الذمة منها.
مسألة
[ اشتراك الجماعة في النصاب ]
وإذا دفع من يكفل الأ(3) لهم إلى عامل ليزرعها فجاء بنصاب أعليهم
زكاة أم لا؟ فلا زكاة عليهم حتى يبلغ في نصيب كل واحد منهم النصاب
ومن لزمته الزكاة فاستنجد نجد من زكاته بغير إعلام هل يسعه ذلك؟ فإذا
كان المستنجد في حالة الفقر جاز له ذلك ولو لم يعلمه فإذا شك فيه
__________
(1) 3- قول معاذ بن جبل رضي الله عنه عند أخذ زكاة أهل اليمن أخذ ما يحتاج إليه
الصحابة رضوان الله عليهم بقوله : (ائتوني بخميس أو لبيس مكان الذرة
والشعير فإنه أيسر عليكم، وأنفع لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار) وبالقيمة
يقول الحنفية لأن الزكاة لمصلحة الفقير ومصلحته فيما يسد به الخلة والعوز.
الاختيار لتعليل المختار 2/103 في أدلة وجوب الزكاة.
(2) 1- النية هنا هي في الأساس في الحل أو الحرمة، والله أعلم.
(3) 2- بياض في الأصل، والسياق يدل على : الأيتام مالهم إلى عامل... (5/9)
صفحة 602
عرفه، وقول : حتى يعرفه لأنه يحتمل أن يكون عند نفسه غير مستحق
من الزكاة شيئاً.
مسألة
[ من أخذ منه السلطان جزء ماله فلا زكاة علي ]
ومن جزم عليه السلطان جزماً في ماله فلا زكاة فيما ذهب به السلطان
من دراهم أو غلة وإنما الزكاة فيما بقي من جزم السلطان.
مسألة
[ حكم خرص المال من قبل السلطان ]
عن أبي الحواري رحمه الله : إن السلطان إذا خرص(1) على رب المال
ماله بدراهم فأدى خرص السلطان من غلة ذلك المال فإن بقي من الثمرة
شيء بعد ربها فإنما عليه زكاة ما بقي من بعد الخرص، وقال نبهان : على
رب المال زكاة جميع المال إذا كان رب الغلة يلي بيعها بنفسه وإن
استولى تصرفها السلطان كان على رب المال زكاة ما بقي منها ويحتج
في ذلك نبهان بقول من قال : إن ميز زكاته فاحتاجها وآيل واختلسها
بائق فعليه زكاتها.
مسألة
[ هلاك الغلة قبل حصرها ]
وأما إذا لم يكن لرب المال غلته ولم يزنها ويتحقق معرفتها فاجتاحها غرم أو غلها محرم أو تلفت بسبب فلا زكاة عليه فيما توى.
مسألة
[ غصب السلطان جزءاً من المال ]
ومن غصب السلطان له ما لا يجب في غلته النصاب وعزب عليه علم
ما حصده السلطان ثم صار إليه بعض غلتها فإذا كان الأغلب من أمرها
تجب في ثمرتها الزكاة بلا شك فحكمها على الأغلب فيما صار إليه منها
الزكاة وما حيل بينه وبينها فلا زكاة فيه عليه.
مسألة
[ الزكاة على ما يملك ]
قال الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله : إنه زكاة عليه فيما صار إليه منها حتى يكون ما صار إليه تجب في الزكاة.
مسألة
[ عدم جواز الزكاة لغني ]
ولا يجمع بين العرب والسيخ(2) حتى تبلغ الزكاة كل واحد منهما على
حياله لا تجوز الزكاة لغني ولا لذي مرة سوي في حضر ولا في سفر إلا أن يكون فقيراً في سفره جاز أخذه لما يغنيه إلى موضع غناه.
مسألة
__________
(1) 1- الخرص : التقدير ، والتخمين.
(2) 1- المقصود - والله أعلم - الهنود لأن السيخ ما زالوا على شركهم والزكاة لا
تخرج إلا لمسلم. (5/10)
صفحة 603
[ قضاء الزكاة ]
ومن كان غار ما جاز له الأخذ من الزكاة غنياً كان أو فقيراً في قضى ما عليه وقد وجب من غير إسراف في الحضر والسفر.
مسألة
[ من كان على غير دين أهل الاستقامة ]
ومن كان على غير دين أهل الاستقامة هل يعطى من الزكاة؟ فلا على الأرجح ولا سيما إذا وجد فقراء أهل المذهب.
مسألة
[ حكم أخذ متولي اليتيم زكاة اليتيم ]
وإذا كان المتولي لليتيم فقيراً هل له أن يأخذ من زكاة مال اليتيم ما يسد به سغبه؟ فنعم له ذلك جائز وجائز له أن يعطي زوجته من زكاة مال اليتيم
لما تحتاج إليه مما يلزمه هو.
مسألة
[ حكم شراء الزكاة من الفقير بعد قبضه لها ]
وإذا سلم المتعبد زكاة ماله للفقير هل له شراءها منه قبل القبض أو بعده؟
قول جائز ذلك في الحالين، وقول : لا يجوز في الحالين، وقول : لا يجوز قبل القبض ويجوز بعده وهذا القول أصح.
مسألة
[ لمن تخرج الزكاة ]
وإن قبض الزكاة الإمام العدل أو نائبه فأخذ بقول من أجاز ذلك وجائز بعد القبض كان القابض لها الفقراء أو الإمام أو نائبه من يدين بشرب النبيذ
فلا يعطى من الزكاة وتقطع عنه مواد ما يتقوى به على معصية الله ولا سيما إذا تظاهر منه التجاهل وإنما الصدقات لمن سمى الله في كتابه العزيز :
{ الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم
الجاهل أغنياء من التعفف } الآية(1) .
مسألة
[ حكم تسليم الزكاة للصبي ]
وهل يجوز تسليم الزكاة للصبي أو والده ففي ذلك اختلاف، ومن أجاز ذلك فعلى الاطمئنانة وقول : لا يجوز على حال وأما والده فإذا كان ثقة
جاز وقول : ولو لم يكن ثقة على قول من أجاز الوكالة في قبض الزكاة.
مسألة
[ إعطاء الزكاة للمسترفد ]
ومن استرفده مسترفد وقال له : أعطني من مالك أو واسني بشيء هل له أن يعطيه من زكاته؟ فإذا علم أنه ممن يستحق الزكاة فجائز له أن يعطيه ولو
لم يعلمه على قول وإن ارتاب فحتى يعلمه.
مسألة
__________
(1) 1- سورة البقرة : آية 273 . (5/11)
صفحة 604
[ حكم إعطاء الزكاة لغير مستحقها ]
وإن أعطى المعطي جهلاً منه فإذا كان المعطى فقيراً فلا بأس إذا قصد بذلك أداء ما لزمه من الزكاة وقد صارت لأربابها على قول.
مسألة
[ دفع الزكاة لأهل القبلة ]
ومن وجبت عليه الزكاة بأرض أهل القبلة وميزها لغائب يرجو أوبته وهو قادر على تسليمها علي قول من يقول بتسليمها لأهل القبلة أو لينفقها في
قرية يجد بها من لا يتولاه فنوت هل عليه غرمها؟ فأما في المجمل من القول
فإنه ضامن لها ومن قال : إنها لا تدفع إلا للولي فلا ضمان عليه.
مسألة
[ وجوب الزكاة في غير دار الإسلام ]
ومن كان بأرض الحرب فوجبت عليه الزكاة فلم يجد من فقراء المسلمين من يسلمها إليه حتى تلفت إنه لا ضمان عليه.
مسألة
[ إذا لم يجد من يأخذ الزكاة ]
ومن كان بأرض الإسلام فوجبت عليه الزكاة فلم يجد من يستحقها
حتى تلفت فهو بمنزلة من كان بأرض الحرب فيها نظر، قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } (1) قول : هو الزكاة، وقول :
هو المعروف لأنه قال : { يوم حصاده } والحصاد هو الجزاز والزكاة إنما
تخرج بعد الدوس.
مسألة
[ حكم تفضيل بعض الفقراء على بعض ]
قال أبو القاسم سعيد بن محمد : يوجد في كتاب الأصفران الجاز يعطي ظبطاً أو ظبطين والناس أحوالهم مختلفة في التفضيل لأن منهم من يستحق
لفقره ودينه أكثر من الآخر.
مسألة
[ عدم جواز إعطاء غير المستحق ]
في قوله تعالى : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } (2) أي لا تعطوا من لا يستحق من الصدقة شيئاً وأما مال المرء فلو أعطى كله فلا يسمى مسرفاً.
مسألة
[ إخراج الكفارات ]
وهل يجوز إعطاء فقراء قومنا من الكفارات أم هي كالزكاة؟ فليست الكفارات كالزكاة ولا بأس بإنفاذها في فقراء أهل القبلة وفقراء المذهب أولى.
مسألة
[ من تلفت الزكاة عنده بعد وجوبها ]
__________
(1) 1- سورة الأنعام : آية 141 .
(2) 2- سورة الأنعام : آية 141 وجزء من آية 31 من الأعراف. (5/12)
صفحة 605
ومن وجبت عليه الزكاة في قرية فهل له حملها وتفريقها في قرية أخرى؟ فنعم له ذلك إلا أنه يؤمر أن يفرق زكاة كل قرية في أربابها لأنه إذا وجد مستحقها فحملها فتلفت ضمنها إجماعاً وأما إذا لم يكن في القرية من
يستحقها ففي ذلك اختلاف إذا ملها فتلفت وإسقاط الضمان عنه أرجح.
مسألة
[ من هلكت زكاته وهو بانتظار الإمام ]
وأما من ميز زكاته في قرية فتلفت فإنه ينتظر بها الإمام أو أعوانه فلا ضمان عليه إجماعاً ويتعذر عليه إنفاذها إلا بانتظارهم.
مسألة
[ هلاك الزكاة وهو في انتظار الفقراء ]
وأما أن تنتظر بها فقراء غائبين هم أحق بها من الحاضرين فنوت فإن يبرأ بتسليمها للحاضرين فأخرت فتلفت ففي ذلك اختلاف بعض ضمنه وأبا تضمينه آخرون.
مسألة
[ اشتراك أكثر من واحد في النصاب ]
ومن كان له قطع متفرقة فأقعدها لقوم ستي(1) فوجبت في جملتها
الزكاة فعلى رب الأرض الزكاة في حصته وإن لم تبلغ في حصته نصاباً لأن المال المزروع ماله وهو جامع للمال إذ هو شريك لهم فكأن الزراعة واحدة.
مسألة
[ عدم وجوب الزكاة إذا لم يكن الأصل نصاباً ]
ويروى عن بعض العلماء أنه لا زكاة عليه يصيب هو متفرقها نصاباً أو يصيب أحد الشركاء من حصته ما تجب فيه الزكاة فيكون عليه في حصته الزكاة وذلك إنما تجب الزكاة في الزراعة حين حصادها فوجدناها حين ذلك متفرقة غير مجتمعة إلا ما جمعه الأصل وليس الأصل مبني على الزكاة إلا بالزراعة معاً.
مسألة
[ زكاة من سقي من الأواد ]
ومن زرع قطعة له فسقاها بالزجر ثلاثة أواد في شهر ثم سقاها بالنهر ثلاثة أواد(2)
__________
(1) 1- هكذا في الأصل، والصحيح، والله أعلم : فأقعدها لقوم سني أي سنين.
(2) 2- أواد : وحدة قياس سقي المزرعات من الفلج وتحسب على ضوء القمر وهذا نظام
مستعمل في عُمان لأنها بلد تشتهر بأفلاجها العجيبة وهي كقناة الغور في بلادنا. (5/13)
صفحة 606
في ثلاثة أشهر وأدركت على الفلج(1) كم تكون زكاتها؟ فقيل : عليه
العشر تام، وقيل : نصف العشر وقيل عشر ثلاثة أرباعها ونصف ربعها.
مسألة
[ دفع الزكاة إلى الولد ]
والولد البالغ إذا لم ينبه والده من حجره فأجاز بعضهم له إعطاءه من زكاته لأنه لم تلزمه نفقته، وقال بعضهم : إذا لم تلزمه عوله فلا يجوز له
إعطاءه من زكاته وهذا على التنزه، وأما في الحكم فليس بإجماع.
مسألة
[ حجة من قال بإعطاء الوالدين والأولاد من الزكاة ]
قال الشيخ أبو اسعيد رحمه الله : إن هذا في الذكر من الأولاد وحجة
من قال بإعطاء الزكاة للوالدين والأولاد وغيرهم قول الله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } (2) وأما ولده الصغير فأبعد من الجواب لعلم الجواز وأما مملوكه صغيراً كان أو كبيراً فلا يجوز إجماعاً وسوى هؤلاء
مختلف فيه.
مسألة
[ جواز إعطاء ابن الأخ أو الأخ من الزكاة ]
ومن كان له ابن أخ أو أخ يعوله فلا بأس أن يعطيه من زكاته ما لم يجب
عليه عوله، وقول : ما لم يحكم عليه بعوله.
مسألة
[ أثر النية في إعطاء الزكاة ]
وهل لمن عليه زكاة أن يخص بها من يخدمه ويعينه إذا كان فقيراً؟ فأما لأجل منفعته فقط فلا، وإن نوى بعطيته لأجل فقره وعيلته أو لكثرة فضله
فلا بأس، وإن قال له : أعطيك هذا لفقرك لا لمنفعتك لي فحسن.
مسألة
[ جواز إعطاء من كان زوجها موسراً ]
وجائز أن تعطى المرأة ذات البعل من الزكاة وإن كان بعلها موسراً وكان ممن يلزمه عولها موسراً من عصبة أو غيرها.
مسألة
[ أثر الحيلة في الزكاة ]
عن أبي الحواري رحمه الله عن أبي المؤثر(3)
__________
(1) 3- الفلج : هو مكان تجمع الماء ثم انسيابه منه نحو القنوات المفتوحة من الجانبين =
(2) = بنظام معين، وهذا النظام في الري تشتهر به عُمان فهو متوارث من الأجداد للآباء
وللأبناء وأبنائهم.
1- سورة التوبة : آية 60 .
(3) 1- أبو المؤثر : هو العلامة الفقيه أو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي
رحمه الله. من علماء القرن الثالث من تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب، وكان
ممن حضر بيعة الصلت بن مالك، عاش إلى أيام الإمام عزان بن تميم ومات في
زمانه بعد قتل موسى بن موسى وخرج الفضل بن الحواري ومبايعته للحواري
بن عبد الله. أنظر إتحاف الأعيان 1/201 . (5/14)
صفحة 607
رحمه الله : ومن عليه
زكاة ومال مرده للفقراء هل له أن يبايع الفقراء عروضاً ويجعل ثمن
العروض لهم؟ قال : لا إن ذلك غير جائز وليس هو بخلاص له. قال
الشيخ محمد بن أبي غسان(1) : جائز ذلك إذا اجتهد في ذلك وأخلص
النية والطوية لله ومن لم يجز ذلك يجعلها حيلة والحيل على الله لا تجوز
ولأن هذه ليست بحق فقير معلوم وإنما يجوز ذلك لمن أوجب له الحق
كالأقربين وذوي الحقوق.
مسألة
[ لا يجوز إعطاء الزكاة لمن لك عليه دين ]
ومن كان له على فقير ومفلس دين لا ينال استيفاءه منه بمطالبة ولا حكم فلا يجوز له إعطاءه من زكاته شرطاً على أن يوفيه إياه مما عليه، وقال الشيخ أبو المؤثر رحمه الله : إنه لا يطق عليه ذلك لأن الفقير إذا صار إليه الحق ولم
يرد قضاء فيما عليه لم يحكم عليه أن يوفيه عن نفسه بعينه مخصوصاً.
مسألة
[ حكم تبديل عين الزكاة ]
عن الشيخ أبي اسعيد رحمه الله : ومن لزمته زكاة فميزها ليؤديها
لمستحقها فأخذها وأبدلها مكانها أيجوز له ذلك أم لا؟ فإذا ميزها ولم
ينفذها فله الخيار في إنفاذها أو أفضل منها وإن كانت عن غيره فلا يجوز إلا برأي ربها وإن كان البدل أكثر إلا أنه أضعف ففي تسليم البدل في الزكاة اختلاف إلا أن يكون القابض لذلك سلطان عادل لأن الزكاة لهم خاصة
فلهم الخيار في أخذها أو عوضها وليس الفقير كذلك، وأما إذا كان البدل
دون المبدل إلا أنه من جنسه لم يكن كالعروض ولو كان عروضاً لحقه الاختلاف وكذلك لا دون من الجنس غير اختلاف في الأجناس من
الأنواع على الأقل.
مسألة
[ حكم إعطاء الصبي من الزكاة والكفارات ]
وهل يجوز إعطاء الصبي من الكفارة والزكاة أم لا؟ فأما من الزكاة
فجائز ومن الكفارات ففيه اختلاف قول : جائز، وقول : لا حتى يكون
بالغاً والأول أصح.
مسألة
[ كيفية توزيع الشركاء الزكاة ]
__________
(1) 1- محمد بن أبي غسان : لم أعثر له على ترجمة وهو من علماء عُمان. (5/15)
صفحة 608
فإذا وجبت الزكاة على الشركاء في زراعتهم فأخذ أحدهم ما يجب
عليه من الزكاة قبل فأعطاها شريكه وفعل الشريك كفعل شريكه هل يجوز ذلك؟ للمعطي والمعطى ولو علموا سرائر بعضهم بعضاً فإذا أخذه على وجه القرض أو أنه من حقه ثم سلمه عما لزمه وسعه ذلك ما لم يكن ما أخذه لشريكه الذي سلمه إليه فيه حصة.
مسألة
[ زكاة المستقرض ]
عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما فيمن استقرض
وينفق على أهله وعلى ثمرة ماله، قال ابن عباس : يوفي قرضه ويزكي
ما بقي، وقال ابن عباس : يقضي قرضه على الثمرة من الثمرة ثم يزكي
ما بقي.
مسألة
[ تسليم الزكاة بشرط الرد ]
وإن سلم زكاته لفقير بشرط أن يردها عليه فلا براءة له منها وإن سلمها على غير شرط فردها عليه الفقير بعد أن ملكها فلا يضيق عليه ولو كَمَنَ
ذلك في نفس إذا الفقير إن شاء ردها وإلا فلا يحكم عليه بردها.
مسألة
[ إعطاء الزكاة لشخص مع أن النية لغيره ]
ومن سلم لزوجة رجل زكاة ماله ونيته أنه للزوج ونسي أن يخبر المرأة
بنيته فأتلفتها المرأة قبل أن يعلم فإن كانت هذه المرأة يجب لها الزكاة
وأتلفتها فيما يجوز فيها إنفاذ الزكاة وأتم لها ذلك برأي إن شاء الله.
مسألة
[ الإنابة في توزيع الزكاة ]
اختلف المسلمون من أصحابنا فيمن سلم زكاته لرجل من العوام ينفذها عنه فتلفت قول : إذا قبضها ثقة فقد زال عنه حكم ضمانها قبل أن تصل
أهلها وشبهوه كقبض الإمام أو عماله وفي الإمام أو من ينوب منابه اتفاق
على إسقاط الضمان عن المزكي وقول : إذا دفعها إلى ثقة عنده فتون(1)
ضمنها لأنه دفعها إلى أمينه فكأنها لم تخرج من يده وهذا هو الأصح.
مسألة
[ إنابة الجبار أو الفاسق ]
ومن دفع زكاة ماله إلى جبار أو فاسق من الرعية ليسلمها لأربابها هل يسقط عنه ضمانها؟ علم أنها صارت إليهم أو لم يعلم فإن كان جعلهم
__________
(1) 1- الصحيح : فتوانا، أي أبطأ في تنفيذ الزكاة وإخراجها. (5/16)
صفحة 609
رسلاً بها إلى الفقراء فعلم بلوغها إليهم فقد زال عنه ضمانها وإلا فهو
ضامن لها.
مسألة
[ وجوب حقوق غير الزكاة في المال ]
فإن قيل : هل يجب على الناس حقوق للفقراء غير الزكاة؟ قلنا : نعم لقوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر
من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال
على حبه ذوي القربى واليتامي والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي
الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة } (1) إلى تمام الآية. معناه أنهم اتقوا النار والنار لا تتقى إلا بأداء الفرائض فهذا يدل على وجوب أشياء في الأموال
غير الزكاة.
مسألة
[ نماذج من الحقوق الواجب ]
وأما وجوب ذلك من السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ليس بمؤمن من بات شبعاناً وجاره طاوياً»(2) فهذا دليل على أن المسلمين مواساة فقرائهم من أموالهم
إذا استطاعوا من غير الفروض لأن المفروض محصور بوقت وسوء حال
الفقراء مختلف.
مسألة
[ أثر البلوغ والعقل في أداء الزكاة ]
الزكاة تجب في مال المسلم بالغاً كان أو صبياً مغلوباً على عقله أو عاقل لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنياءكم وأردها في فقراءكم»(3) فالخطاب راجع إلى البالغ والطفل.
مسألة
[ مناقشة شروط وجوب الزكاة ]
فإن قيل : الخطاب بالمفروض لا يقع إلا على مكلف والطفل(4) غير
مكلف قيل له : إن الزكاة فيها معنيان : أحدهما حق يجب على الأغنياء من زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زواله مبطلاً لما يجب لغيره في ماله
__________
(1) 2- سورة البقرة : آية 177 .
(2) 1- الحديث له شواهد منها : «أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم
ذمة الله».
(3) 2- جزء من حديث معاذ بن جبل حينما بعثه على اليمن «إنك تأتي قوم أهل
كتاب...» الحديث صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. انظر جامع
الأصول 4/550 .
(4) 3- هذا قول الحنفية فهم يشترطون البلوغ والعقل في وجوب الزكاة. (5/17)
صفحة 610
اختلف أصحابنا في حمل الشعير على البر في الصدقة فأجاز ذلك محمد بن محبوب رحمه الله وأباه آخرون منهم وائل بن أيوب وقال : إنهما جنسان مختلفان وثمرتان متفاوتتان وخالفه في أيامه موسى بن جابر رحمه الله(1) .
مسألة
[ حكم زكاة المال إذا خفي مكانه ]
اختلف أصحابنا في زكاة المال إذا خفي مكانه أو عزب عليه علم مستودعه إياه حتى خلت عدة سنين وهو يبلغ النصاب وكذلك المال الغائب للتجارة فيخفى حاله ثم يعود إلى ربه وكذلك الدين على المفلس أو على
المنكر وقد حلف عليه فقول : عليه زكاة سنة، ولا زكاة فيما مضى وقول : عليه زكاة كل سنة خلت ولو استفرغت المال وقول : عليه زكاة كل برهة خلت إلا مقدار الزكاة التي وجبت فيه لأن فيه حقاً للفقراء فإذا صار إلى
دون النصاب ثم لا زكاة فيه فالقول الأول أصح وأرجح(2) .
مسألة
[ فروض الزكاة ]
فروض الزكاة ثلاثة : استكمال النصاب لقوله عليه السلام : «ليس دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون
خمسة أوسق صدقة وليس دون عشرين ديناراً صدقة وليس دون مائتي درهم صدقة»(3) واستقرار الملك لقوله عليه السلام : لا زكاة في مال حتى يحول
عليه حول واستكمال النصاب(4)
__________
(1) 1- هذا الخلاف وجد بين الفقهاء فمثلاً الشافعية والمالكية وجمهور الفقهاء قالوا
بضم الذهب إلى الفضة في الزكاة. وقال غيرهم لا يضم الذهب إلى الفضة لنفس
العلة المذكورة.
(2) 2- هذه المسألة تسمى زكاة المدفون، والخلاف بين الفقهاء كالخلاف الوارد في
مسألة زكاة الدين.
(3) 1- أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، والترمذي وأبو داود والنسائي ولم
تذكر الرواية «وليس دون عشرين دينار صدقة...» انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/587 - 590 أرقام 2668 ، 2669 ووجدت
أحاديث مستقلة توضح زكاة النقدين.
(4) 2- أخرجه مالك في الموطأ والترمذي في الجامع الصحيح : عن نافع مولى ابن عمر
- رضي الله تعالى عنهما - أن ابن عمر كان يقول : لا تجب في مال زكاة،
حتى يحول عليه الحول» انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/629
أرقام 2717 ، 2718 . (5/18)
صفحة 611
.
مسألة
[ من هو الفقير ]
اختلف أصحابنا في مستحق الصدقة من الفقراء وقول : إذا ملك
الفرد درهماً أو دونه حل له أخذ الصدقة، وقول : إذا ملك مائتي درهم
جاز له أخذ الصدقة، وقول : ما لم تدرك ثمرته ثمرة أخرى، وقال
بعضهم : إذا لم يكن له مال مستغن عنه، وقول : ما لم تكفيه ومن يمون
غلة ماله جاز له أخذ الزكاة ويعتبر في ذلك اختلاف مكاسب الناس ومصاريفهم(1) .
النهج الثالث والعشرون
في صدقة الثمار وما شابهها
مسألة
[ أنواع من الحبوب تجب فيها الزكاة ]
والصدقة في الثمار من التمر والزبيب. عن أبي الحواري رحمه الله : إن الزبيب يحمل على التمر في الصدقة والحنطة من الشعير والسلت، وقيل :
إن السلت هو الشعير الأقشر، قال أبو علي بن أحمد: هو جميع الحبوب.
قال بعض الفقهاء : الصدقة في السمسم والعدس والدرسق والدخن والمنج واللوبيا والجرجر(2) .
مسألة
[ نصاب الزكاة في الزروع ]
فإذا بلغت الصدقة ثلاثمائة صاع بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي كل عشرة
أصواع صاع وليس فيما دون العشر شيء بعد أن تتم ثلاثمائة صاع وهو
العشر فيما سقته الأنهار والسماء(3) .
مسألة
[ ما سقي بالدلاء ]
وأما ما سقته الدلاء والنواضح فيه نصف العشر.
مسألة
[ ما سبقي بماء مشترك ]
وأما ما سقي من الثمار بالأنهار والأمطار مدة وسقيت بالزجر مدة، فقول : صدقتها على ما أسست، وقول : على ما أدركت، وقول : بالحصص.
__________
(1) 1- هذه المسألة تختلف من عصر إلى عصر فربما الغني في القرون الماضية فقير
في أيامنا هذه، والله أعلم.
(2) 1- هذه كلها تعتبر من فصيلة الحبوب إلا أن السمسم يستخرج منه زيت
السيرج وتختلف استعمالات كل نوع من هذه الحبوب المذكورة.
(3) 2- تطبيقاً لحديثه - صلى الله عليه وسلم - : « فيما سقت السماء العشر » وحديثه - صلى الله عليه وسلم - : « ليس فيما = (5/19)
صفحة 612
ومن نضد ثمره قبل أن يزكيه فجرا منه عسل ففي العسل الزكاة وإذا غرست الباسقات على الزجر ثم رفع الزجر عنها فأما الثمرة التي سقيت بالزجر ففيها نصف العشر وما كان من ثمره بعد رفع الزجر ففيها العشر تام.
مسألة
[ ما لا تجب عليه الزكاة ]
ولا زكاة على ذوي النشب(1) فيما أطعموه الفقراء من رطب أو تمر إذا كان على نية أداء الزكاة ولا زكاة فيما أكلوه أرباب الأموال ومن أعطى المكافآت سبقت أو فيما يرجو ففيما إعطاء الصدقة.
مسألة
[ مقدار النصاب ]
ومن أصاب من ماله أو زراعته ثلاثمائة صاع فأطعم الفقراء منها عشرة
أقل أو أكثر فلا زكاة فيما طعم والزكاة فيما بقي ولا زكاة إلا فيما صار تمراً يابساً إذا بلغ النصاب(2) .
مسألة
[ ما أكل من البستان هل يحسب من الزكاة ]
عن أبي سعيد رحمه الله : ومن أطعم من غلة ماله غنياً أو فقيراً أو بالغ ثم تعذر عليه معرفة ذلك أنه أكله في وقت الرطب أو التمر ولم يميز كم أعطى
من النوع فعلى قول من يقول : ليس في الرطب زكاة فلا زكاة فيه حتى
يعلم أنه صار تمراً هذا في الأحكام أو يكون الأغلب من أحواله أنه يصير تمراً ففي الزكاة عليه فيه اختلاف.
مسألة
[ استهلاك بعض الثمار ]
وما أكله رب المال تمراً قبل الكيل ففي الزكاة أيضاً عليه فيه اختلاف إذا أكله بغير كيل إذ هو مستهلك بوجوب حق العيال فيه كاستهلاكه في الدين.
مسألة
[ ترك النصاب على الشجر وحكم زيادته ]
ومن أعطى غلة باسقات فتركها إلى أن أدركها فلما جذها جاءت
ثلاثمائة صاع فليس عليه زكاة كان المعطي متراً أو مقتراً. وقال الشيخ علي
ابن الحسن : إذ كانت العطية قبل الإدراك فإذا أدركت في يد المعط كان
عليه فيها الزكاة وإذا التقط الفقير تمراً من أموال الناس فحصل له ثلاثمائة
__________
(1) = دون خمسه أوسق صدقة».
1- ذوي النشب : أصحاب الأموال.
(2) 1- لأن الوسق ستون صاعاً والخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع. (5/20)
صفحة 613
صاع فإذا التقطه بلا رأيهم أو على الوجه الذي يحل له فلا زكاة عليه.
مسألة
[ إذا بلغ مال الفقير نصاب من الزكوات فهل عليه زكاة ]
وما اكتسبه الفقير من كده كالاستئجار على عمل النخل أو مما التقطه أو تصدق به عليه وبلغ النصاب في مجمله ففي الزكاة عليه اختلاف، وقول :
لا زكاة فيه، وقول : الزكاة على ما جمعه المصطاح والأول أرجح.
مسألة
[ متى تكون الزكاة ]
والعامل تبع الهنقري في الزكاة فيما عمل من جليل ونزر فعليه بقدر
حصته وقول : إن العامل إن كان شريكاً لم تجب عليه الزكاة حتى تجب
عليه الزكاة في المال الذي يعمل فيه وإن كان أجيراً لم تلزمه الزكاة في
أجرته والأول أصح.
مسألة
[ حكم النصاب إذا قُسم بين الشركاء ]
وإذا كان المال شركة بين عدة فأصابوا من غلته ثلاثمائة صاع فعليهم فيه الزكاة بالحصص، وأما إن ميزوه عذوقاً قسمة بينهم فبلغ الكل نصاباً ففيه الزكاة لأن القسم ضعيف وكذلك إن قسموه أملا من بعد إدراك الثمر، وأما إن قسموه نخلاً قبل إدراك الثمرة فلا صدقة فيه إلا أن يبلغ في حصة كل
واحد منهم زكاته نصاب وإن كان لأحد الشركاء مال غير ذلك جمل على هذا نصيبه من جهة الشركة فإذا تم النصاب سلم زكاته.
مسألة
[ على من أجرة العامل ]
وإن كان العامل يعمل لجماعة الشركاء الذين لم تلزمهم الزكاة فهو تبع لهم ولمن لزمته الزكاة منهم ويكون على العامل بقدر ذنوبه من الصدقة.
مسألة
[ إذا كان مال الزوجة في يد الزوج ]
وإذا تفاوض الزوجان في الثمار حمل بعضهما على بعض والمفاوضة أن يكون مالها بيده يفعل فيه ما شاء.
مسألة
[ العطية إذا أثمرت عليها زكاة ]
ومن أعطى السلطان وأعوانه نخلاً من ماله فتركها حتى أثمرت فهذا
عليه الزكاة لأنه أعطاه تقية لأن الإعطاء للتقية أو المكافآت أو لجنة عن تشبه
لا يسقط عنه فرض الزكاة.
مسألة
[ العطاء لوجه الله لا زكاة عليه ] (5/21)
صفحة 614
وأما من أعطى لوجه الله فلا زكاة فيه إذا حمل ما أعطاه على ما بقي من غلة ماله فبلغ الكل نصاباً ففيه الزكاة ومثل ذلك من أعطى فقير باسقة
فأصاب من ثمرتها جري تمر وأصاب المعطي من بقية ماله تسعة وعشرون
جرياً بالفقير جملاً جرى المعطي على غلة المعطي فأدى زكاتها.
مسألة
[ إذا كانت الزكاة في يد أمين تعطى للحاكم حين الطلب ]
وإذا قدم عامل الإمام العدل لقبض زكاة من وجبت عليه الزكاة فوجدها في يد أمين فطلبها منه فأبى تسليمها إلا بمحضر ربها فإذا أوجبت الزكاة
فليس في قبضها تأخير ولا انتظار غائب وعلى من بيده الزكاة تسليمها لأن الحكم قد وجب ولأن الجابي لا يقبضها لنفسه فإن أبى حُكم عليه بتسليمها فإن أبى سجن فإن أبى ميز الغلة الجابي وأخذ منه مال الله ولم أره ضامناً بالمقاسمة إذا نوى بشيء مما قاسمهم به ولا يلزمه حفظه حكماً ولم يجعلوا
المقاسمة للزكاة كالمقاسمة لسائر الشركاء.
مسألة
[ الزكاة تؤخذ على الفور ]
وتؤخذ الزكاة من رأس مال الشركاء كان الشركاء أيتاماً أو أغياباً ولا ينتظر بها أوبة الغائب ولا حضرة وكيل اليتيم أو محتسبه لأن القبض إذ صدر
عن رأي الإمام كان حكماً لأن الحكم فيه لله ليس هو للإمام ولأن الزكاة تؤخذ من الغاصب ولم يلزموا الجابي ولا الإمام ضمان للمغصوب منه.
مسألة
[ أخذ الزكاة من دار الجور ]
وإذا كان في الدار أموال لا يستحل المسلمون الدخول فيها هل تؤخذ
منها الزكاة؟ فنعم تؤخذ الزكاة لأن ا لزكاة حق للفقراء المسلمين إذا لم
يكونوا قواماً بالعدل من أئمة المسلمين، فلهم أخذها وقبض حق المسلمين حيث كان أو ممن كان واختلفوا في انتظار الغائب في الزكاة.
مسألة
[ وجوب طاعة الإمام ]
وعلى الرعية الانقياد للإمام الذي يقيمه الأعلام والانقياد له والمعاونة لما يحتاج إليه من جباية وغيرها وأداء الزكاة إليه تقليداً له ولمن أقامه واختلفوا
في براءتهم من الزكاة التي دفعوها إليه إذا فسدت إمامته.
مسألة (5/22)
صفحة 615
[ عدم سقوط الزكاة إذا أديت لظلمة الحكام والجبابرة ]
ومن سيرة الشيخ أبي عبد الله محمد(1) بن محبوب رحمه الله إلى أهل
المغرب فيمن دفع لزكاة ماله للقائم من أهل الدعوة فعمل بها بغير حكم الله تعالى فلا يسعه ذلك ولا يبرأ منها إلا بتسليمها لمستحقها إلا أن يتوب فإن تاب وأداها لمستحقها برئ منها وإن أبى وأصر استحق البراءة. وإن اقتسر
الجبار الزكاة من أربابها لم يكن ذلك الاقتسار يبريهم من ضمانها وعليهم إخراجها ثانية حتى يسلموها لأئمة العدل أو للفقراء مع عدمهم. عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : وإذا أولى الإمام والياً على دار وجاء بعهد الإمام
فعلى الرعية السمع والطاعة، وكذلك على الوالي الأول للوالي الثاني إذا
جاءه بعهد الإمام إلا أن يعلم منه حدثاً يكفره، فإذا علم ذلك منه فليس له دفع أمانته إليه وإنما يدفعها لمن لم يعلم كعلمه للوالي من ثقات المسلمين
فيسلمه للوالي كما أمر به الإمام.
مسألة
[ شهادة الوالي على المتهم ]
ومن كان في سجن الوالي الأول فعلى حالهم ويأمر الوالي الثاني بالقيام بهم وكان الوالي الأول شاهداً على جنيايتهم غير مقبول قوله بنفسه بعد عزله.
مسألة
[ قصة زياد مع عثمان بن عفان رضي الله عنهم ]
__________
(1) 1- أبو عبد الله محمد بن محبوب : بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي
المخزومي من أشهر علماء زمانه وشيخ المسلمين ومرجعهم في الرأي والفتوى
وكان مضرب المثل في العلم والزهد والتقوى، نشأ في أيام الإمام غسان بن عبد
الله وعاصر الإمام المهنا بن جيفر ثم تألق نجمه أيام الإمام الصلت بن مالك.
حيث كان على رأس العلماء المبايعين للصلت سنة 237هـ وقلده القضاء على
صحار وتوابعها سنة 251هـ من أشياخه موسى بن علي الأزكوي رحمه الله
توفي رحمه الله يوم الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر محرم سنة 260هـ
بصحار ودفن فيها وقبره مشهور هناك. (5/23)
صفحة 616
يروى أن زياد(1) كان والياً لسيدنا عثمان بن عفان(2) رحمه الملك المنان فأتاه يوماً بمال ففرقه عثمان بالأصحاب على أقاربه فبكى زياد، فقال له : ما يبكيك؟ فقال له زياد : جئت يوماً بمال إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي
الله عنه فأخذ صبي من أقاربه درهماً فجر به فاتبع عمر أثره حتى انتزعه منه
أو من فيه، فقال له عثمان : إنما منع عمر أقاربه رجاء لما عند الله، وأعطيت أقاربي رجاء لما عند الله، فألقى زياد المفاتيح للمسلمين وامتنع القيام.
مسألة
[ لمن تجب الزكاة ]
__________
(1) 1- زياد : لعله زياد بن أبيه وهو زياد بن عبيد الثقفي وهو زياد بن سمية وهي أمه
استلحقه ولد عام الهجرة أسلم زمن الصديق وهو مراهق وهو أخو أبي بكرة
الثقفي الصحابي لأمه، ثم كان كاتباً لأبي موسى الأشعري زمن إمرته على
البصرة. قال الشعبي : ما رأيت أخطب من زياد، قال أبو الشعثاء : كان زياد أقتل
من الحجاج لمن يخالف هواه. توفي سنة 53هـ بعدما أصابه الطاعون بدعوى ابن
عمر رضي الله عنهما. انظر سير أعلام النبلاء 3/494 - 497 رقم 112 .
(2) 2- عثمان بن عفان : بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن مناف، أمه أروى
بنت كرير بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ولد رضي الله عنه في السنة
السادسة من عام الفيل، أسلم والدعوة سرية وقبل دار الأرقم، وعذب في الله
من قبل عمه الحكم بن أبي العاص، تزوج ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقية وأم كلثوم
فسمي ذي النورين. كان يتصف بالحياء والكرم والشهامة، قتل رضي الله عنه
يوم الجمعة ثمان عشرة خلت من ذي الحجة ودفن فيها في حش كوكب
بالبقيع. وقيل غير ذلك. انظر كتابنا القضاء في صدر الإسلام تاريخه ونماذج منه
حياة عثمان. (5/24)
صفحة 617
ومن كان له جيران فقراء أرامل وأيتام هل له أن يؤفرهم(1) من زكاة ماله؟ فاعلم أن الزكاة لمن سمى الله باراً كان أو فاجراً، والبار أولى بالتفضيل فيها إلا العاملين عليها فإنهم لا يستحقونها بأحكام حتى يعلموا فيها بالكتاب والسنة، وإذا خص بها فقراء أهل الدعوة فجائز من سكان البلد.
مسألة
[ إعطاء العوام الذين ليس لهم حقيقة ]
ومن كان من العوام الذين هم ليس لهم حقيقة في الإسلام وإنما هم لا يدينون بتخطئة المسلمين فلا يحرمون الزكاة.
مسألة
[ إعطاء هل الخلاف من الزكاة ]
ومن كان من أهل الوطن من ذوي الخلاف للمسلمين ممن يجب عليك مواساتهم في المخمصة بمالك ما يسدون به رمقهم فلا بأس عليك في
إعطائهم من زكاتك ولو دانوا بالبراءة من المسلمين لأن الله تعالى قال :
{ ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء } (2) .
مسألة
[ مواساة الجار والرحم وإن كان فاسقاً ]
وواجب على المسلم مواساة الجار وذوي الرحم إذا كان فقيراً من
الزكاة ولو كان فاسقاً(3) .
مسألة
[ حكم منع الماعون ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبته في حجة الوداع التي خطبها في
المدينة آخر عمره : «ومن منع جاره الماعون وهو محتاج منعه الله فضله
ووكله إلى نفسه هلك إلا أن يتوب»(4) والماعون هو الزكاة المفروضة على
قول ولم يخص باراً من فاجر.
مسألة
[ استعمال الصدقة في الدفاع عن البلاد ]
__________
(1) 1- يؤفرهم: أي يقدمهم على غيرهم من أصناف الزكاة. والله أعلم.
(2) 1- سورة البقرة : آية 272 .
(3) 2- وردت أحاديث كثيرة توصي بالإحسان للجار فالقريب المسلم له حق القرابة
وحق الإسلام وحق الجوار والجار المسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وغير
المسلم له حق الجوار. والحمد لله رب العالمين.
(4) 3- مصدق قوله تعالى : { أرأيت الذي يكذب بالدين ... الذين هم عن صلاتهم
ساهون. الذين هم يراءون ويمنعون الماعون } [سورة الماعون]. (5/25)
صفحة 618
عن محمد بن الحسن رحمه الله : أنه جائز الاستئجار من الصدقة من
يحمي البلاد عن الظلم والفساد وذلك في سبيل الله وبعض لم ير ذلك إلا
أن تكون حماية من الفقراء خاصة.
مسألة
[ من وسائل استخدام الزكاة ]
وإذا سلم المتعبد زكاة ماله لمن صحت معه فيه سيما الفقر وهو غني فكتم عليه غناه ثم أنه افتقر قبل إتلافها هل يجوز له أخذها لفقره لما افتقر ويبرئ
من سلمها إليه منها؟ فنعم جائز له ذلك، من جاره فاسق هل له أن يعطيه من زكاته ولو كان يبرأ من المسلمين لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة الوداع :
«ومن منع الماعون منعه الله فضله ولعل الجار محتاج إليه ووكله نفسه ومن وكله نفسه هلك» من جامع ابن جعفر(1) : ومن حاذر العنت وهو مقتر
أخذ من الزكاة وتزوج وإنما يأخذ لفقره لا ليتزوج فقط.
مسألة
[ عطاء المرأة أكثر من الرجل ]
عنه أبي سعيد وأبي علي موسى بن علي رحمهم الله : إن بعض الفقهاء
أعطى امرأة لها حلي شيئاً من الصدقة وأعطى عاطلاً أقل من ذلك فقيل له
في ذلك فقال : نعم هذه مخدورة وتلك دواره.
مسألة
[ إعطاء المرأة التي تمتلك الحلي من الزكاة ]
اختلف المسلمون في إعطاء المرأة ذات الحلي من الزكاة قول : لا تعطى شيئاً مادام لها شيء وقيل : إذا أغناها سنة أن لو باعته لم تعط وإن لم يغنها
سنة أعطت لتمام السنة قيل : إنها تعطى على حال إذا حاذرت لزوم تبعته أو قد لزمتها لتريح به ضمان ما لحقها وجعلوها بمنزلة الدراهم.
مسألة
[ إعطاء الفقير لمن يعول ]
قال أهل العلم : جائز أن يعطى الفقير من الزكاة لما يعوله ومن يلزمه عوله سنة ويفضل معه مائتا درهم يستظهر بها على زمانه، وقيل : يفضل خمسين درهماً، وقيل : لا غاية لذلك.
مسألة
[ مقدار ما يعطى الفقير ]
__________
(1) 1- سبق وأن قمت بتحقيق القطعة الثانية من الجامع لابن جعفر . (5/26)
صفحة 619
قال بعض الفقهاء : إن أول ما يعطى الفقير من الزكاة ما شاء لا غاية لذلك لما يعوله وما يلزمه عوله سنة، وقول : يعطى من الزكاة ما شاء لا غاية ثم من بعد ما لا غاية به لسنته.
مسألة
[ الهدية لا تعطى من الزكاة ]
ومن أهدى ثمرة نخلة لآخر هل عليه فيها زكاة أم الزكاة على المهدى
إليه؟ ففي ذلك اختلاف إذا لم يكن لمكافآت مضت أو يرجوها فلا تدافع عن ماله وكان ذلك لله في متر أو مقتر فلا زكاة عليه، وقيل : عليه الزكاة حتى يريد به الزكاة لأنه إذا لم ينو به الواجب وقع موقع النفل.
مسألة
[ كيفية زكاة الزراعة المختلفة الأصناف ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : ومن زرع زراعة مختلفة
الأسماء وبعضها أقدم من بعض فإذا حصد الأولى استفرغها أكلاً قبل إدراك الثانية فإذا كان ما حصده أولاً تجب فيه الزكاة أدى زكاته ولا فلا شيء عليه حتى يدركا معاً وما أتلفه ببيع أو أكل فلا زكاة عليه فيه وما بقي في يده إلى حصاد الثمرة الأخرى فإن كان من جنس زكاة معاً.
مسألة
[ جمع النتاج معاً وزكاته ]
قال بعض أهل العلم : إذا أدركت ثمرة القطعة الأخرى قبل قسم الأولى حملت عليها وقيل ما لم يحصد الأولى حملت عليها وتكون بمنزلة ثمرة
واحدة. قال أبو الحواري رحمه الله : إذا أدركت الثمرة الأخرى فيما دون
ثلاثة أشهر وكانتا من نوع حملت عليها وإلا فلا. وفيه قول : إذا حضرت
الثمرة الثانية قبل حصاد الأولى حملت عليها ولا فلا.
مسألة
[ جواز إخراج التكلفة قبل الزكاة ]
وما كان من المؤونة التي لا تصلح الثمرة إلا بها فجائز إخراجها قبل
إخراج الزكاة، وبعدها أحوط وأسلم.
مسألة
[ حكم نقصان النصاب بعد إخراج الأجرة ]
وأما على قول من يقول بإجازة إخراج أجرة قبل إخراج الزكاة وقد كانت الثمرة نصاباً قبل إخراج الأجر، فلم يبلغ النصاب فيما بقي فعليه إخراجها مما بقي ولو لم يكن ما بقي نصاباً.
مسألة
[ ما أخرج دون معاناة ففيه العشر ] (5/27)
صفحة 620
وإذا غرست باسقة أو نشأت من غير غرس في دار رجل فأثمرت هذه النخل من غير سقي فما حكم ثمرتها في الزكاة؟ وكذلك ما سقي من
النخل على الزجر فإذا أثمرت هذه النخل على غير سقي ففيها العشر تام
وإن كانت إذا عطلت الأرض من الزرع لم تثمر ففيها نصف العشر ولا
ينظر في نمو الثمرة ونقصانها.
مسألة
[ الزرع يسقى بالزجر ففيه نصف العشر ]
وحكم الزرع كحكم الباسقات فإن أدركت على الزجر ففيها نصف العشر وإن أدركت على غير الزجر كالأنهار والأمطار ففيها العشر.
مسألة
[ نصاب الزروع ]
قال أبو المؤثر رحمه الله : إذا أدركت الزراعة على الأنهار وكانت قد سقيت أكثر عمرها بالآبار ففيها نصف العشر وأن سقيت أكثر عمرها
بالأنهار وأدركت على سقي الآبار ففيها العشر تام.
مسألة
[ حكم زكاة الحب في سنبله ]
ومن له زرع فلما أسبل باعه بدرهم أو قبل إسباله هل تجب عليه الزكاة فيه؟ قال : لا، وأما إن باعه بعد أن صار حبّاً ففي سنبله إخراج الزكاة وإذا كانت الدراهم المباع بها لا تبلغ فيها الزكاة كالحب وأخرج زكاته.
مسألة
[ حكم زكاة مال المسلم من المرتد ]
وإذا كان الولد مسلماً ووالده قد ارتد عن الإسلام وله مال ففي ماله الزكاة وإذا أسلم أحد والديه كان تبعاً له في زكاته(1) .
مسألة
[ جمع مال الأولاد مع مال الأب ]
وهل يحمل مال لابنة على مال أبيها في الزكاة؟ فقد قيل : ما كان أصله من مال والديها حمل عليهما وما اكتسبه ففي ذمتها زكاته من ثمرة أو
ورق وإن كانت صبية فمجمول مالها على مالهما.
مسألة
[ حكم المنحة في الزكاة ]
ومن منح ولده أرضاً ليزرعها فلا تحمل تلك الزراعة على من منحه إلا أن يكون الولد في حجر والده فمحمولة زراعته على مال والده.
مسألة
[ جمع مال الابن مع مال الأب في الصدقة ]
وإذا أورث الولد والأب مالاً فشرطاه ثم اتصاف الولد إلى والده في
__________
(1) 1- انظر كتابنا أحكام الردة والمرتدين باب أموال المرتد . (5/28)
صفحة 621
المعيشة غير أن ماله متميز من مال أبيه فأما الولد الصبي فمحمول ماله على
مال أبيه في الصدقة.
مسألة
[ مال ولد الولد ]
وهل يحمل من مال ولد الولد في الزكاة على مال جده إذا كان أب ولد الولد حيّاً وكان في حجر أبيه فإذا كان الأوسط منهم حيّاً حمل وإن يكن
ميتاً لم يحمل مال ولده على مال جده.
مسألة
[ زكاة الشركاء ]
وإن كان المال بين شريكين فدفع أحدهما حصته للآخر والمال مما يجب
فيه النصاب فأراد المد فوع له أن يسلم زكاة المال للدافع فإذا كان الدافع قبل إدراك الثمرة وأحرزها جاز ذلك على قول من يثبت عطية المشاع وإن أقر بالحصة فأكدوا ما بعد إدراك الزكاة فعلى الدافع.
مسألة
[ من وكل بالعمل والإعمار فعليه زكاة ما أخذ ]
ومن سلم مال لمن يعمره ويقوم بمقامه وخراجه فإذا كان على أن له فيه جزءً معلوماً فعليه زكاة تلك الحصة وإن كان يجب شيء أو بعرضه منه ما
أراد بطيبة نفسه فليس على رب المال زكاة تلك الحصة.
مسألة
[ حكم زكاة الشركة التي تبلغ نصاباً فقط ]
عن أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله : ومن كان له مال شركة لا تجب فيه الزكاة إلا إذا حمل حصة شركة شركائه هل تجب عليه وعلى
شركائه زكاة إذا بلغت في حصص الكل الزكاة فإذا كانت الشركة من
قطع لتبلغ ثلاثمائة صاع وجبت على جميع الشركاء فيها الزكاة ولو وقع
لأحد الشركاء صاع.
مسألة
[ الجمع بين متفرق والتفريق بين مجتمع ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين
مجتمع»(1) وأما إذا لم يبلغ مال الشركاء ثلاثمائة صاع فلا زكاة عليهم إلا
__________
(1) 1- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/576 ، 594 الأول جزء من
حديث عمرو بن حزم رقم 2665 أخرجه البخاري وغيره، والثاني رقم 2671
أخرجه مالك بن أنس في الموطأ عن كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (5/29)
صفحة 622
أن تكون لأحدهم زراعة غيرها إذ حمله على حصته من هذه الشركة بلغت نصاباً كان عليه الزكاة.
مسألة
[ حكم زكاة الشريك إذا لم يحصل على النصاب ]
وإذا كانت أرضاً لشريكين فأجراها بنصف غلتها فبلغت مائتي مكوك وكان لأحدهم زراعة أخرى فإذا حمل نصيبه من زراعته هذه على الآخر
بلغت نصاباً فهل على شريكه زكاة ويحمل زرعه على زرع شريكه؟ قال :
بل يحمل عليه العامل ثم تؤخذ به إن بلغ عليه.
مسألة
[ وجوب الزكاة إذا بلغ نصاباً من جهات متعددة ]
وإذا كان كل واحد من الشركاء بالأصل إذا حمل حصته مما وقع له من هذه الأرض حمل على حصته له من مال آخر بلغت نصاباً فتكون على
العامل الزكاة ولو لم تبلغ على بعض الشركاء في أصل ماله الزكاة وأن لو
حمل فلا زكاة عليه في ماله على هذه الصفة إذا حمل هذه على أصل ماله
وإنما على العامل الزكاة فيما يقع من حصته الذي تجب عليه الزكاة.
مسألة
[ الجمع بين المتعدد ]
وإذا زرع أحد الشريكين قطعاً فجاءت إحداهما بلغت نصاباً والأخرى مائتي صاع فإن زراعتهم تحمل بعضها على بعض ويؤخذ منهم الزكاة من
جملة القطع.
مسألة
[ زكاة شركة الأبدان ]
وإذا وقع الشرط بين قوم أما إن أصابوا من عملهم فهو شركة بينهم فعمل كل واحد منهم ناحيته فأصابوا من عملهم مجملاً نصاباً ولو انفرد كل
واحد منهم بحصته لم تبلغ نصاباً فلا زكاة عليهم وتلك الشركة فاسدة
لأنها تخرج مخرج شركة الأبدان وشركة الأبدان(1) غير ثابتة.
مسألة
[ ما أكل من الثمر قبل النضج لا يحسب ]
وإذا كانت النخلة شركة بين قوم تبلغ في جملة ثمرتها الصدقة فلما
أثمرت قسموها على رؤوس النخل فأكل بعضهم حصته رطباً وبسرا
والبعض أثمرها فمن أكل حصته معوا أو زهوا فلا زكاة عليه ومن أتمر
__________
(1) 1- شركة الأبدان : وهي قسم من أقسام شركة العقد عند الشافعية، والحنابلة مثالها :
كشركة الحمالين وسائر المحترفة. انظر زاد المحتاج بشرح المنهاج 2/237 -
238 ، والأم للشافعي 2/206 . (5/30)
صفحة 623
حصته حمل بعضها على بعض فإذا بلغ ما بقي نصاباً زكى وقول : ولو
أكلت الثمرة معواً أو زهواً ففيها الزكاة لأنها أدركت معاً.
مسألة
[ شركة المسلم والذمي ]
وإذا كانت شركة بين ذمي(1) ومسلم فلا زكاة على المسلم في حصته
ولو بلغت غلة جميع الأرض نصاباً حتى يتم النصاب في حصته هو وأما إن
كان الشريك ممن تلزمه الصدقة إلا أنه لم يخرجها فعلي هذا إخراج الصدقة
من حصته.
مسألة
[ شركة الحرث ]
وإذا اشترك مصل وذمي في حرث(2) حملت حصصها على بعضها
بعض وهو الأصح.
مسألة
[ كيفية حسبة شركة الحرث ]
وقول لا حتى يبلغ النصاب في حصة كل واحد منهما على الانفراد إلا
أن تكون الأرض لأحدهما ويأخذ الثاني بزراعتها وعليه الماء والبذر بنصيب معروف فلا يحملان على بعضهما بعضاً حتى يقع لأحدهما نصاباً إجماعاً.
مسألة
[ الزكاة على الأرض من ذمي ومصلي ]
وأما إذ كانت الأرض للذمي التي سبق فيها العشر ففيها الزكاة على
الذمي والمصلي وكذلك إن كانت للمصلي.
مسألة
[ حكم الزكاة إذا كانت الأرض لذمي ]
وإذا كانت الأرض لذمي مما لا يجري العشر ففي ذلك الاختلاف، قول :
على المصلي الزكاة في حصته، وقول : لا زكاة عليه حتى تبلغ حصته نصاباً ومحمول على ماله من غير هذه الحصة، وقول : لا زكاة عليه على حال
لأنها أرض لا زكاة عليها وفيها الجزية.
مسألة
[ قول ابن جعفر في مسألة الحماية ]
عن الشيخ أبي جابر محمد بن جعفر رحمه الله : إذا حمى الإمام رعيته
سنة استوجب منهم صدقة الورق والماشية ولا تجب قبل ذلك إلا بطيب أنفسهم كذا فعل المسلمون.
مسألة
[ شركة البالغ واليتيم ]
__________
(1) 1- الشركة بين الذمي والمسلم، أجازها العلماء تحت شركة العنان. وهذه الشركة
جائزة عند الجميع ومن العلماء من كره هذه الشركة في غير هذه الصورة
وبشكل عام لأن الذمي يتعامل بالخمر والربا.. انظر كتابنا المعاملات المالية
في الشريعة الإسلامية.
(2) 1- شركة الحرث : عند العلماء هي المزارعة. (5/31)
صفحة 624
وإذا كان المال شركة بين بالغ ويتيم والبالغ غير ثقة فإن الزكاة تؤخذ منه لمستحقها على من أوجب الزكاة في مال الأيتام.
مسألة
[ زكاة مال الغائب ]
ومن كان بيده مال لأغياب يقوم بما صالحه وحصاد ثمرته أيجوز قبض الزكاة منه؟ فإذا كان مأموناً على مثل ذلك فإنه لا يفعلها إلا برأي أهله جاز بمعنى الاطمئنانة وإن تهم فلا يؤخذ منه وأما إن كان المال في يده ولم يعلم
أنه لغيره وسلم زكاته قبل منه.
مسألة
[ الأرض التي تبلغ غلتها نصاباً ]
ومن كان (1) لا تبلغ غلته نصاباً فإن كان أعطاه معط ما لو أضيفت العطية إلى غلة ماله بلغت نصاباً فإن كان أعطاه ثمرة فلا زكاة عليه وإن
أعطاه أصلاً وكانت العطية قبل الإدراك فعليه الزكاة وإن كان بعد الإدراك
فلا زكاة عليه ومن كانت غلة ماله عشرة أجربة تمراً ثم التقط خمسة
أجربة فلا زكاة عليه.
مسألة
[ هل الزكاة تسقط عن العطية لوجه الله ]
ومن جواب أبي علي رحمه الله : ومن أعطى أرباب قرية كل نفر نخلة فبلغت جملة الغلة نصاباً هل عليه صدقة فإن كان المعطي متر وكانت العطية بعد الدراك حملت على بقية ماله وإن كانوا مقترين فلا زكاة على الجميع
فإن أعطوه من مصاطيحهم فعليه زكاة ما أعطوه إذا كانوا ممن تجب عليهم الزكاة. قال أبو المؤثر : لا زكاة عليهم على حال. قال بعض العلماء : لا
زكاة على المتعبد فيما أعطاه من غلة ماله لوجه الله تعالى وإنما تجبر به الزكاة وقول : لا زكاة عليه ولا تجبر به الزكاة.
مسألة
[ أخذ الفقير من الزكاة وله حسب آخر هل عليه زكاة ]
ومن أعطى آخر حباً قبل حصاد الثمر والمعطى فقير فإذا كان الحب كمثل
حب زرعه أو أفضل منه جاز وأما إن كانت العطية قبل الدراك فلا يبرأ من الزكاة على قول، وإن كان أكثر الثمرة قد نضج فقد آن دراكها.
مسألة
[ العطاء من أجل حسبتها من الزكاة ]
__________
(1) 1- هكذا في الأصل. (5/32)
صفحة 625
ومن أعطى ذا أقنار شيئاً من ماله ونيته أن إذا آن وقت حصاد ثمرته ثم حسبه من زكاة ماله ثم هلكت غلة ماله هل له أن يرجع فيما أعطاه من الثمر؟
فإن أعطاه بشرط أن يعطيه من الزكاة فله ذلك وإن نوى في قلبه فلم يعلم المعطى فليس له ذلك.
مسألة
[ رجوع المعطي ورد المعطى ]
وإن كان للمعطي الرجوع وعلى المعطى الرد فلم يعطه أله أن يقطع ذلك من زكاة وجبت في ماله من نوع آخر فلم نعلم أن أحداً قال ذلك أنه يدفعه ذلك من زكاته بغير مقاصصة وتراض وإن قيل ذلك فشاذ.
مسألة
[ زكاة الهبة عن الواهب ]
ومن وهبت له زوجته غلة زرعها قبل أن تزكيه فأخرج عنها زكاة فإن كانت فوضت إليه ذلك جاز.
مسألة
[ جواز الإنابة في الزكاة ]
وإذا كانت الزراعة شركة بين قوم هل لهم أن يسلموا زكاتهم لأحدهم ينفذها عنهم كان ثقة أو غير ثقة مأموناً جاز لهم ذلك، وقول : إذا كان
أميناً جاز.
مسألة
[ الكفالة والصدقة ]
ومن جواب أبي علي إلى أبي مروان رحمهم الله : ومن كفل على آخر بكفالة وللذي كفل عليه متاع فضرب قبل أداء ما قبله فطلب إلى الكفيل صدقة المتاع فأبا أيجبر على تسليمها أم لا؟ فإن لم يكفل بأداء الزكاة على
من كفل عليه فلا يجبر على تسليمها.
مسألة
[ هل في أجرة الأجير زكاة ]
ومن استؤجر على عمل زراعة إلى كيلها هل في الأجرة زكاة فأما منذ
يقع الجزاز فصاعداً إلى الكفيل ففيه اختلاف، قول : فيه الزكاة، وقول : لا زكاة فيه وما كان من وقت الزرع إلى لجزاز فيه الزكاة.
مسألة
[ استأجر الأجير للعمل في الزراعة ]
ومن اتجر أجيراً يحمل زرعه بجزء منه هل تحمل حصة الأجير على من
استأجره؟ فالصدقة في الجملة على الأجير حصته من الأجرة، وقيل : إن
الصدقة على المحمول ولا صدقة على الحامل ولو بجزء من الثمرة لأن ذلك إنما هو بعد وجوب الزكاة في حصته ودراك الثمرة ولو استحق جزء من الثمرة قبل دراكها بوجه من الوجوه، فإذا دركت كانت عليه الزكاة في حصته.
مسألة (5/33)
صفحة 626
[ أجرة المزارع في إصلاح الزراعة قبل الدرك فيها زكاة ]
ومما يوجد عن أبي سعيد رحمه الله في الأجرة في إصلاح الزراعة قبل الدراك : إن ذلك فيه الزكاة من رأس المال قبل القسم إجماعاً لأن ضمان الأجرة في ذمة المستأجر وما كان من الأجرة بعد الدراك إلى الدوس ففيه اختلاف، فمنهم من رأى الزكاة على أرباب الزراعة وذلك من قول أن
الزكاة في الذمة فليس عليها غرم مع الشركاء.
مسألة
[ كيفية نصاب الشركة ]
قال بعض الفقهاء : ليس في تلك الأجرة زكاة لأنها شريك وكل أجرة إصلاح الثمرة فهي من رأس الثمرة على جميع الشركاء.
مسألة
[ لقطة الثمر من نخل له وحكم الزكاة ]
ومن التقط ثمراً من نخل له فيها شركة حمل التقطه على سائر غلله، فإذا
بلغ نصاباً سلم زكاته بقدر حصته وأما أن التقط من أموال الناس فلا زكاة عليه فيه.
مسألة
[ لا زكاة على ذي المسغبة ]
وإذا التقط ذو المسغبة ثلاثمائة صاع من التمر فإذا التقطه بوجه يحل له
فلا زكاة عليه فيه كرضى رب المال وكذلك ما اكتسبه من قبل استئجار أو تصدق به عليه.
مسألة
[ كيفية حسبة زكاة الثمار ]
قال بعض أهل العلم : إن الزكاة من الثمار لا يطرح منها الدّين وإنما تؤدى قبل الدين. قال أبو سعيد رحمه الله : من أعطى آخر نخلاً معواً أو
زهواً هل له أن يحسبها من زكاة ثمرته؟ فلا يجزئه ذلك إن ذلك بمنزلة
العروض على قول حتى يصير تمراً يابساً.
مسألة
[ زكاة الخضروات ]
ومن باع من ثمرته معواً بقل أو حوت فعليه فيه الزكاة، وقيل : ما
اشترى للآدم لمن يمون كالباقلاء والحرت وما أشبه ذلك فلا زكاة فيه فهذا
في التمر اليابس، وأما المعو ففيه أيضاً اختلاف، وقول : تجب فيه الزكاة،
وقول : لا.
مسألة
[ زكاة البسر ]
وإذا أخرجت زكاة البسر المطبوخ تمراً فقيل : يكفي ذلك، وقيل :
لا يكفي.
مسألة
[ فيما تكون الزكاة ]
ومن كتاب أبي جابر رحمه الله : إن الزكاة فيما صار تمراً وبلغ نصاباً، (5/34)
صفحة 627
قول : إن الصدقة فيما جمعه المصطاح والأول أولى.
مسألة
[ عسل تمر الزكاة ]
ومن ميز زكاة تمره ونضدها وتمره معاً فهل عليه أن يتحرى ما خرج
من تمر الزكاة من غسل(1) ويسلمه لمستحقه فقد ورد الاختلاف في
زكاة العسل إذا لم يضر بالتمر خروجه وينقصه من ثمنه وعلى المبتلي الاحتياط.
مسألة
[ كيفية قبض الزكاة ]
ومن وجه زكاة تمره لعمر مع زيد فأعلم زيد عمرواً فقبله وأمره أن يتركه معه ففعل ما أمره هل يكون قد وصل عمرو أم لا؟ فعلى قول : إنه قد بلغه
وصار ماله وإن كان إنما هو رسول ليسلمه إليه فليس هذا قبضاً حتى يقبضه كما أمره رب الزكاة.
مسألة
[ العطية للسلطان فيها زكاة ]
وإذا أعطى رب الزرع السنبل لجيرانه وأرحامه أو تصنع به إلى السلطان وأعوانه وما دفعه لعماله من سنة أهل البلد كالعشاء وغيره فما إعطاء الجيران وذوي الأرحام لوجه الله وهم فقراء لا لمكافآت فلا زكاة عليه فيه، وأما ما أعطاه السلطان وأعوانه دفعاً عن ماله ففيه الزكاة.
مسألة
[ لا زكاة على المقتطع من المزرعة ]
ومن كان له قطع نخل فاستأجر على إصلاحها بثمرة قطعة منها فهل
على رب المال زكاة تلك القطعة المستأجرة بها؟ فما نرى عليه زكاة بها
وهي على مستحقها إلا أن يكون اشترط على العامل أن لي من ثمرة نخلك
هذه السدس ولي ثمر ة نخلك هذه خاصة فنرى على رب المال زكاة تلك القطعة التي قاطع العامل عليها.
مسألة
[ على من زكاة الضمان ]
ومن تضمن مالاً لآخر فعلى من الزكاة؟ فإذا كانت المقاطعة فاسدة بلا
اختلاف فالزكاة على رب المال، قلت له : فإن دخل في ذلك جهلاً هل
له عنا؟ قال : له العنا وما أنفق فتكون من ماله وتكون زكاة ما أخذ على
رب المال.
مسألة
[ حكم العامل لسنة في الزكاة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله تعالى : إن العامل لسنة كسائر الشركاء
__________
(1) 1- الصحيح : من عسل. (5/35)
صفحة 628
في معنى الزكاة وذلك أنه إذا وجبت الزكاة على ذوي المال في أصل ماله وجبت على العامل فيما شارك فيه رب المال ولو لم تجب في الشركة التي بينهما زكاة وقيل : حتى تجب فيما تشاركا فيه وليس كذلك كسائر
الشركاء في الأصول ولا في الزراعة ولا في الخراج.
مسألة
[ زكاة أجرة الثور ]
ومن أصاب من زرعه وإجارة ثوره نصاباً هل تؤخذ منه الزكاة فإذا
كانت الأجرة بحب مسمى فلا زكاة عليه في الأجرة وإن كانت الأجرة
بسهم من الزرع كانت بمنزلة الشريك وعليه فيها الزكاة.
مسألة
[ لا زكاة فيما دون النصاب ]
ومن جواب الشيخ أبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر رحمهم الله :
ومن أجر رجلين أرضاً له بجزء منها فزرع كل واحد منهما قطعة لنفسه فأصاب منها خمسة عشر جرباً وأصاب الآخر مثله فلا زكاة عليهما حتى
يتم النصاب في قطعة على حدتها وأما رب المال فمحمول ماله على بعضه بعضاً على قول وقول : حتى تبلغ حصته نصاباً.
مسألة
[ حكم الزكاة في النصاب المشترك ]
وإذا زرع رجلان أرضاً وعمل كل واحد منهما مع صاحبه الخمس من العمل وأصاب كل واحد منهما مائتين وخمسين مكوكاً فمنهم من أوجب
عليه الزكاة في ذلك وأسقطها آخرون.
مسألة
[ جمع الحبوب من أماكن متفرقة ]
ومن أربض غنمه في أرض لآخر بنصف غلة زرعها فأصاب منها خمسة عشر جرياً وأصاب من أرض له خاصة خمسة عشر جرياً فعليه في الخمسة
عشر الجري التي أصابها من أرضه الزكاة لأنها محمولة على ما أصابه من
تربيض غنمه لأن العامل محمول عليه ما أصاب مما زرعه لنفسه.
مسألة
[ الزكاة على الشريك وليس على الأجير ]
ومن استؤجر على قطع باسقات لأناس شتى ولم تجب على من يعمل
لهم زكاة وإنما يجتمع له هو ما يبلغ نصاباً فإذا عمل معهم مشاركة فعليه الزكاة، وإن عمل بالأجرة فلا زكاة عليه.
مسألة
[ زكاة أجرة الأرض ]
وأجرة الأرض فإن كانت بجزء ففيها الزكاة التي وجبت في الأرض (5/36)
صفحة 629
الزكاة وإن وجبت على رب الأرض من غير تلك الأرض وإن كانت تلك القعادة بأجرة معلومة لم تكن في القعادة زكاة على رب الأرض وإنما هي
على المعتقد.
مسألة
[ أقاعد الأرض ]
وإذا اشترط القاعد على المستقعد أن يقعده هذه الأرض بجزء منها على أن ليس عليه في ذلك مؤونة ولا زكاة وقبل المستقعد الشرط، فأما المؤونة فشرطه ثابت على قول، وقول : لا لأنها مجهولة، وأما الزكاة فشرطها باطل.
النهج الرابع والعشرون
في زكاة الطناء وزكاة البحر(1)
مسألة
[ حكم زكاة الطناء ](2)
اختلف المسلمون في وجوب الطناء وزكاته، قول : إذا عرفت النخل بألوانها جاز طناؤها، وقول : حتى يكون الفضح(3) غالباً، وقول : حتى
يصير العذق(4) إذا انكسر تمراً.
مسألة
[ قول أبي عبد الله ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : إذا ظهر الفضح في قطعة نخل جاز طناؤها
إذا كان في الأغلب منها، وقال محمد بن رياسة إذا نقض المشتري وكان
الطناء قبل الدراك جاز له ذلك.
مسألة
[ ضم بعض الأنواع بعضها لبعض في زكاة ]
__________
(1) 1- زكاة البحر : المقصود بها الأموال الخارجة من البحر مثل العنبر واللؤلؤ والأشياء
الثمينة، لأن هناك من الفقهاء يقولون بعدم وجوب الزكاة على الخارج من البحر
كالحنفية رحمهم الله.
(2) 2- الطناء : الطنأ، والطني، تذكر بالهمزة ودون همزة لها معان متعددة منها
المرض ومنها الموت، ومنها الريبة والتهمة، والإطناء : الأهواء، والطنْي : شراء
الشجر، وقيل : هو بيع ثمرة النخل خاصة، أطنيتها : بعتها، وأطنيتها :
اشتريتها، وأطنيته : بعت عليه محله. لسان العرب - تحقيق الخياط 2/619 .
(3) 3- الفضح : الصحيح : الفضخ : وهو شراب يتخذ من البسر وحده دون أن تمسه
النار. مختار الصحاح ص505 . والمقصود هنا هو البسر نوع من ثمار النخل
قبل نضجه التام والله أعلم.
(4) 4- العذق : درجة من درجات ثمار النخل قبل أن يصبح تمراً والله أعلم وهو
متعارف عليه في عُمان. (5/37)
صفحة 630
ومن أطنا ماله وله مال غيره يبلغ الكل نصاباً فعليه الزكاة فيما أطناه وإن لم يكن له إلا ما أطنا فلا زكاة عليه حتى يبلغ نصاباً والخيار للجابي إن شاء أخذ تمراً أو دراهم،وقول : إنما أكله من رطب أو تمر قبل الكيل حمل على الزكاة وجبرت به.
مسألة
[ لا زكاة فيما دون النصاب ]
ومن أطنا بمائة درهم ما لا يبلغ نصاباً ولم يكن له مال غيره يتم به
النصاب فلا صدقة في ذلك وإنما يرجع هذا إلى أصل الثمرة في أصل المال
ومثله في زكاة العنب فلا صدقة في ذلك.
مسألة
[ لا زكاة فيما أُكل ]
ومن أطنا باسقاً له فأكلها المستطني رطباً أو بسراً باعه كذلك قول لا
زكاة فيه وهو بمنزلة رب المال وقول فيه الصدقة إذا كان لرب المال غلة تجب فيها الصدقة أو كان هذا الطناء يبلغ النصاب يروى هذا عن أبي مهاجر
والأول أصح.
مسألة
[ أخذ الزكاة إذا ساوى ثلاثمائة صاع ]
ومن أطنا نخله ولم يكن له غيرها أو غاب عنه ما أصيب منها أو أكله المستطني رطباً فعلى قول من يرى الصدقة في ذلك فينظر ثمن المال و ينظر
سعر التمر وإن كان يحصل بالتمر ثلاثمائة صاع من التمر أخذت الصدقة
من تلك الدراهم وإلا فلا.
مسألة
[ تقسيم البستان بين الأفراد وكيفية الزكاة ]
ومن تقبل حائطاً سنة بدراهم معروفة وأطنى نخلاً ويتحرى دون النصاب أو تحل لأناس عدة أطنوها مشاعة بلا أن يعرف ثمن ما لكل واحد منهم من تجب عليه الصدقة ومنهم لا تجب فالوجه أن تترك هذه النخل حتى أوان حصادها ويتبين ما يصاب منها ويقوم قيمته وسطاً حتى يتميز قيمة النخل من الشجر وقيمة ما لكل واحد من أرباب النخل ثم تؤخذ الزكاة ممن بلغت عليه.
مسألة
[ لا زكاة فيما يأخذه العامل ]
وإذا كان في مال أحد حصة لعامل أجرته فأطنى رب المال ماله وأكل
العامل حصته رطباً وبسراً فلا زكاة عليه فيما أكل وإن أتمرها حملت على
رب الأصل فإن بلغت نصاباً فعلى العامل ما ينو به وإن لم تف بالنصاب فلا شيء على العامل.
مسألة (5/38)
صفحة 631
[ لا زكاة فيما دون النصاب ]
وإن كان المال شركة بين قوم فأطنى أحد حصته وأكل الباقون حصصهم معواً(1) وزهواً(2) فهي كالأولى.
مسألة
[ عودة الشريك على شريكه ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : وإذا كانت النخل شركة بين حاضر وغائب وحاسب الجابي الحاضر في الصدقة إنه لا بأس أن يأخذ من حصة الغائب
على ما حاسب عليه شريكه.
مسألة
[ إتلاف الثمرة قبل إخراج الزكاة ]
وإن تلفت الثمرة من يد المطني قبل أن يعرف مبلغها أتجب عليه الزكاة أم لا؟ فعلى من يرى في المعو والزهو زكاة فلا زكاة عليه وعلى قول من يقول يرى ذلك فعليه الزكاة والأول أصح.
مسألة
[ بقاء نصاب بعد التلف ]
قال بعض العلماء : إذا ذهبت بعد الدراك وصارت تمراً ففيها الزكاة
وقول أن بقي منها ثلاثمائة صاع ففي الدراهم الزكاة وإن بقي أقل من ذلك ولم يكن لرب الأصل غلة يتم بها النصاب فليس في تلك الدراهم صدقة
لأن الأصل قد نوى ومن الشيخ أبي علي رحمه الله.
مسألة
[ علاقة المزكي بالمطني ]
ومن أطنى ماله بثمن فيطلب المطني حط شيء فأجابه الطاني فإن لم
يحط عنه محابات فلا زكاة عليه فيما حط وإن اختار المصدق أخذ التمر
فله ذلك.
مسألة
[ الزكاة من الطناء ]
ومن أطنى ماله بثمن وأطنى بجزء الثمن مالاً وأكله معواً فهل عليه فيما
أطناه زكاة إذا طلب أن يحط عنه زكاة ما أطنا به فعليه الزكاة ما أطنا به ولا يحط شيء لأنه أطنا ماله وأكل سواه.
مسألة
[ وجوب الزكاة على أصل الثمرة ]
ومن أطنا ماله بمائة درهم وأطنى منه المطني بخمسين درهماً فلا زكاة
__________
(1) 1- معواً : مرحلة من مراحل نمو ثمرة النخيل قبل نضجه كاملاً ولكن في مرحلة
يأمن العاهة. إذ لا يجوز بيع الثمار قبل الاحمرار والاصفرار.
(2) 2- زهواً : البسر الملون يقال : إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل فقد ظهر فيه
الزهو، وأهل الحجاز يقولون : (الزُهو) بالضم. وقد (زها) النخل من باب عدا.
والزهي أيضاً لغة حكاها أبو زيد ولم يعرفها الأصمعي. (5/39)
صفحة 632
فيما أطنا المطني وإنما الزكاة في أصل الثمرة.
مسألة
[ وجوب الزكاة فيما باع ]
ومن باع ماله وبه باسقات وكرم قد أدركا معاً فالبيع منفسخ لأن الزكاة فيه قد وجبت للفقراء لأنه باع ماله ومال غيره وإنما له بيع تسعة أعشار الثمرة.
مسألة
[ أثر الزكاة في الحشف ]
يروى عن الملا بن عبد الله أنه سئل هل في الحشف(1) زكوة؟ فقال له : بلى ولا والرأي إن كان يقتات منه ذو المخمصة فبلى وإلا فلا.
مسألة
[ جمع النصاب من العطايا هل فيه زكاة ]
ومن أعطاه عدة أناس من كل شخص نخلة فأصاب من الكل نصاباً
أو فوقه فإذا وقعت العطية بعد الدراك فلا زكاة على المعطى وإن أعطاها قبل الدرك فأدركت في يده فعليه الزكاة ومن طنى ماله بمبلغ النصاب فلم يزكه
حتى حال عليه الحول وهو في يده فقول يطرح عنه ما وجبت فيه الزكاة ويزكى ما بقي، وقول : يزكى الكل وذلك إذ وجبت الزكاة في الدراهم.
مسألة
[ الإطناء بالعروض فيه زكاة ]
ومن أطنا ماله بعروض فما يزكي إذا لم يكن تأسيس الطنا على الورق فعلى قول من يجعل للجابي الخيار فما اختار من أخذ الثمرة وتقويم
العروض فكل ذلك جائز.
مسألة
[ الاقتراض والرد بالمثل أو زيادة ]
ومن افترض معواً فهل له رد تمر مكانه قبل أن يزكي ثمره فإن رده رطباً فلا زكاة عليه وإن رد عليه تمراً كان عليه زكاته ولا بأس أن يعطي التمر
عن الرطب.
مسألة
[ زكاة المعو ]
ومن أطنا باسقة من ماله فأكلت معواً فقول : لا زكاة فيها وهو الأصح وإن أتمرت حملت على بقية ماله فإن شاء أدى زكاته تمراً أو دراهم وإن
عزب عليه علمها أكلت تمراَ ورطباً ففي الاحتياط عليه أداء الزكاة وعلى
قول من يقول : إن المعو لا زكاة فيه فحتى يعلم أنه صارت تمراً وقول على الأغلب في حال الباسقة أنها مما تؤكل رطباً أو تمراً.
مسألة
[ إطناء الثمرة نسيئة وأثره على الزكاة ]
__________
(1) 1- الحشف : أرد التمر. وفي المثل : أحشفاً وسوء كيل. مختار الصحاح ص138 . (5/40)
صفحة 633
ومن أطنى ثمرة ماله نسيئة فيها ثلاثة أقاويل، قول تقوم الثمرة وتؤخذ معجلة وقول : حتى يحل الأجل، وقول : تؤخذ الصدقة منه معجلة على ما أطنى لأنه هو الذي أخر الزكاة، قال هاشم بن غيلان : هذا رأي الأزهر
رحمه الله.
مسألة
[ قول أبي عبد الله ]
قال أبو عبد الله : للمصدق إن اختاره إلا أن يشبه أمره بالاحتياط بغيره.
مسألة
[ حكم المال الذي لا يزكي ]
ومن وكل في طناء مالاً فأمر الموكل أن لا يخرج الزكاة فإذا كان الوكيل
يعلم أن من وكله لا يخرج الزكاة ماله فلا يسعه ذلك وقيل : قبح الله مالاً
لا يزكى وقبح أهله(1) .
مسألة
[ زكاة الشركاء ]
ومن له شركة في مال هل له مقاسمة شركاءه؟ فنعم له ذلك أن يأخذ حصته ويترك للشركاء حصصهم بزكاتها كانوا ثقات أو غير ثقات لأن
كلا تعبده الله في ذات نفسه ولا تزروا وازرة وزر أخرى(2) .
مسألة
[ دين الزكاة كيف يقدر ]
ومن أطنى ثمرة ماله واتجر بالثمن قبل إخراج الزكاة فربح ثم رام إخراج الزكاة فعليه زكاة ثمن الثمرة فقط وليس عليه فيما زاد شيء إلا أن يحول
عليه الحول أو تجب عليه زكاة الورق فيجعله على ورقه وأما ما حصل
الثمرة وبقيت أحوالاً فلا يحملها على ورقه ما لم تنتقل الثمرة إلى الجين أو
تبر أو عروض يراد بها التجارة(3)
__________
(1) 1- الوكيل : من الوكالة والوكالة تطلق على معان في اللغة : الحفظ والإنابة.
واصطلاحاً : نيابُ ذي حقٍّ غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير مشروطة
بموته. شرح الحدود لابن عرفة 2/437 .
الوكيل : هو الذي يعينه الأصيل صاحب الحق ليقوم مقامه فيما وكل فيه، ضمن
الضوابط الشرعية.
(2) 2- زكاة الشركاء تختلف من شركة إلى شركة لأن الشركة من الاختلاط
والشيوع والامتزاج.
(3) 1- تحويل الثمر إلى مال وكيفية زكاته : المتفق عليه عند العلماء أن زكاة الثمر عند
حصاده وكما حدد الحديث لا زكاة فيما دون خمسة أوسق يطبق هذا المبدأ.
وإن أصبحت الثمار عروض تجارة كأن بيعت قبل الحصاد فهنا كما قال المؤلف
عروض تجارة. (5/41)
صفحة 634
.
مسألة
[ اشتراط الزكاة على المشتري ]
ومن باع ثمرة ماله واشترط على المشتري زكاتها فذلك مكروه وإن كان لا ينو به وقول : إن كان ذلك من جهة الثقة على الزكاة فذلك كذلك وإن كان من جهة الشرط فذلك لا ينقض البيع وإن كان ثقة فذلك جائز(1) .
مسألة
[ زكاة الثمر بعد موعد الزكاة ]
ومن أطنى ثمرة نخله فلم يزكها حتى حال عليها الحول أيزكها أم يزكي الجميع؟ فقول : أنه يطرح ما وجبت فيه الزكاة ويزكي الباقي، وقول :
يزكي الباقي عن الجميع وذلك إن كانت الزكاة في الدراهم خاصة، وقول :
إن من أطنى ماله وزكاه وكان له مال يزكيه سواه فحل أجل زكاته زكى
جميع ما في يده من ورق وقول : لا زكاة عليه فيما زكاه من ثمرة نخله
وهذه هو المعمول به.
مسألة
[ حصول الآفة في الثمار وأثره على الزكاة ]
ومن أطنى ثمرة ماله فأذهبتها آفة وهي معواً وزهواً فلا زكاة عليه هذا رأي الشيخ محمد بن بن جعفر(2)
__________
(1) 2- البيع مع الشرط مختلف فيه عند العلماء لتعارض الأحاديث الواردة في ذلك
وهي :
1- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
نهى عن بيع وشرط وبهذا أخذ أبو حنيفة رحمه الله.
2- الحديث الذي يروي شراء بريرة من عائشة وتحريرها واشتراط سيد بريرة
أن يكون الولاء له... فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولاء لمن أعتق» أي العقد صحيح
والشرط باطل وبهذا أخذ ابن أبي ليلى.
3- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى منه ناقة وشرط
له ظهرها إلى المدينة فهنا العقد صحيح والشرط صحيح وبهذا أخذ ابن
شبرمه. وبكل حديث من الأحاديث السابقة أخذ فريق من الفقهاء
رحمهم الله.
(2) 1- محمد بن جعفر : هو العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي صاحب
كتاب الجامع وهو كتاب معتمد في الفقه الإباضي. وحقق القطعة الثانية منه
د. جبر الفضيلات. (5/42)
صفحة 635
وإن أذهبتها الريح بعد أن يبست في المصطاح بعد الصرام فلا زكاة عليه وإن يبست في روس النخل فما أكل
منها أحصى كيله للزكاة وما أطعمه العمال للصرام فإن كيل ففيه الزكاة وإلا فلا، وقول : لا شيء فيه كيل أو لم يكل.
مسألة
[ زكاة الشيء المشترى ]
ومن اشترى علفاً لدوابه فتركه حتى أدرك وبلغت ثمرته نصاباً ففيه
الزكاة وهو على البائع إلا أن يشترطها البائع أن يكون على المشتري فهي
على المشتري.
مسألة
[ زكاة الثمرة إذا يبس ]
ومن بلغ من ثمرة نخله رطباً فثمره المشتري فلا يرى عليه فيه زكاة، قال
أبو المؤثر رحمه الله : عليه الزكاة إذا صار تمراً فإن تحقق كيله سلمها تمراً
وإلا زكاة دراهم واحتياط.
مسألة
[ زكاة المال المتلف ]
ومن كان له مال تبلغ ثمرته نصاباً فأطنى شطراً منه فلم يقبض الثمن حتى مات المطني ولم يوص بشيء هل تجب عليه زكاة ما تلف؟ فنعم عليه الزكاة.
مسألة
[ دين الزكاة ]
وإن كان دين بقدر طناه هذا وكان يتأمل قضاءه من ذلك فمات المطني من ذلك وأنكره هل تنحط عنه الزكاة؟ فقد اختلفوا في زكاة الورق وأما زكاة
الثمار فمن أخذ بقول من يقول : لا زكاة في دراهم الطنا إذا أتت على الثمرة جائحة فأهلكتها قبل الحصاد فلا زكاة عليه ما لم تصر في حد الحصاد.
مسألة
[ البيع إلى الذمي وأثره على الزكاة ]
وإذا اشترى الذمي ثمر باسقات لم تصرم فإذا اشترها بسراً وصرمها قبل الدراك فلا صدقة عليه إلا في الورق وإن وقع البيع في زمن ما يزكى فيه
ورقة وإلا فهي مع ورقة فإن أتمر الذمي الثمرة فالزكاة على رب الأرض
والمال وإن اشترط رب المال على الذمي الصدقة إن صرمتها لزمه ذلك وليس لرب المال أن يبيع ثمرتها إلا على شرط أداء صدقتها وأما إن كان المطني ثقة مأموناً وقال : إنه أدى الزكاة قبل منه.
مسألة
[ متى يتوجب العشر ]
ومن أطنا ثمرة نخله بدراهم وعنده مال يبلغ النصاب فإن كانت الثمرة (5/43)
صفحة 636
تبلغ النصاب فعليه العشر في ثمنها فإن أدى عشرها فلا شيء عليه حتى
يحول عليها الحول وإن أخرج منها كان أفضل وبعض يرى عليه العشر إذا
كان له دراهم غيرها تبلغ نصاباً زكاها معها.
مسألة
[ الأصل في الزكاة الثمرة وليس القيمة ]
ولا ينظر في الزكاة لكثرة الثمن وقلته وإنما ينظر إلى الثمرة فربما يطني
المال بثمن بخس وهو مما تبلغ ثمرته نصاباً ففيه الزكاة وربما يطني المال بثمن جليل ولا تبلغ ثمرته نصاباً فلا زكاة فيه.
مسألة
[ أثر الآفة على الزكاة ]
ومن أطنى ثمرة ماله فأذهبتها آفة وهي معواً أو بسراً فلا زكاة فيها وإن ذهبت بعد الدراك ففيها الزكاة فإن بقي منها ثلاثمائة صاع ففي الدراهم
الزكاة وإن بقي مالا يبلغ النصاب ولم يكن لرب المال غلة يتم بها النصاب سواها فليس في ثمنها صدقة لأن الأصل قد نوى.
مسألة
[ أثر الوكالة في الزكاة ]
ومن وكل في بيع غلة ماله فباعها الوكيل قبل الدراك فما حكم زكاتها؟ على قول من يقول : لا زكاة في الرطب فباع المأمور الثمرة وأمره رب المال أن يسلم الثمن لآخر فسلمها فهل على البائع ضمان الزكاة إذا صار عن المشتري تمراً يابساً؟ فلا ضمان عليه لأن حين باعها لم يكن فيها زكاة فلما
أن يبست عن المشتري وجب زكاتها على رب المال.
مسألة
[ أثر بيع الثمار وقت وجوب الزكاة ]
وإن كان باعها وقت الصرام ووجوب الزكاة فيها فمختلف في لزوم
ضمان الزكاة عليه وهل على قول من يقول : إن الزكاة شريك فإذا علم أن الشريك أنصف شريكه الآمر بالبيع فليس على البائع ضمان وإلا فالضمان
عليه حتى يعلم أن رب المال سلمها. قال بعض المسلمين : إن الزكاة
مضمونة في الذمة فعلى هذا القول ليس على البائع ضمان.
مسألة
[ إرسال الزكاة وخمانها ]
عن الشيخ أبي زكريا(1) : من وجبت عليه زكاة فتعذر عليه مستحقها
في بلده فوجه بها لأحد معنيين فنوت أنه ضامن كان الحامل لها ثقة أو
__________
(1) 1- أبو زكريا : عالم من علماء عُمان لم أعثر له على ترجمة. (5/44)
صفحة 637
غير ثقة إجماعاً.
مسألة
[ حكم إرسال الزكاة للإمام ]
وليس على أرباب الصدقات حملها إلى الإمام كانت ورقاً أو ماشية أو
من الغلل وعليه إعلام الجابي استحباباً برسول أو كتاب إن تعذر عليه
الوصول بنفسه والوالي يقوم مقام الإمام إذا جعل له ذلك.
مسألة
[ تسليم الصدقة لغير الإمام ]
وهل يجوز تسليم الصدقة لذوي الإمام مع جود الإمام العدل؟ فلا تجوز
إلا إليه مع وجوده فإن سلمها ضمنها على الأصح وإلا شهر والأرجح.
مسألة
[ سؤال الفقير الزكاة مع وجود الإمام ]
وإن كان الإمام قائماً فليس للفقير سؤالها من ربها إلا أن تقع الاطمئنانة
أن ذلك على رأي الإمام لرب الزكاة أن يسلمها للفقراء وكان ثقة مأموناً
جاز له ذلك ولو لم يعرف الإمام ما هذه ولا كم هي فلا بأس.
مسألة
[ إجبار الإمام المصر على الزكاة ]
أبو سعيد رحمه الله : إذا ملك الإمام المصر وقد حال على أربابه حول لم يزكوا أموالهم قول : يجوز له جبرهم على تسليم الزكاة له بالحماية لأنه في بعض القول لو أدرك زكاة الثمار قبل إخراجها ولو في الدوس جاز له
جبرهم عليها، وقول : حتى يحميهم منه غرس الزرع إلى ذلك الثمرة.
مسألة
[ متى يحق له إجبارهم ]
وأما في الماشية والورق فحتى يحميهم سنة إلا أن يدينوا بتسليم ذلك عن رضى منهم وإلا فلا.
مسألة
[ حكم إخفاء الصدقة من أجل مستحقيها ]
ومن وجبت عليه زكاة في أيام إمام العدل وعزب عليه علمها على الإمام
وعماله هل لربها إخفاءها وينفذها في مستحقها؟ فليس له ذلك على قول
إذا كان الاختلاف في استحقاق الإمام الصدقة.
مسألة
[ متى يستحق الإمام الصدقة ] (5/45)
صفحة 638
فإن قيل : متى يستحق الإمام الصدقة؟ قلنا إذا حمى المصر سنة هذا لا يختلف فيه وإن حمى المصر شهراً دون الحول هل يستحق الزكاة؟ قلنا : لا يستحقها إجماعاً إذا حماهم كالشهر والشهرين. فإن قيل : ففيم يدخل الاختلاف؟ قلنا : أما في زكاة الثمرة فقد قيل : إذا أدركها قيضاً قبل أن تنصرم، وقول : ما لم يحمها منذ ثبت النخل فليس له ذلك، وأما الورق
والماشية فحتى يحمها سنة، وقول : يحمي حتى المصر كله، وقول : ولو
حمى الكورة، وقول : ولو القطر من المصر وأما القرية والقريتان فلا، وقول:
ما حمى منه فله زكاته قل أو كثر(1) .
مسألة
[ زكاة مال الغائب والمفقود ]
وهل تؤخذ الزكاة من مال الغائب والمفقود واليتيم إذا لم يكن لهم
وكيل؟ فإذا كان الإمام ممن يجوز له الجبر على أخذ الزكاة أخذت من
مال هؤلاء وإلا فلا إلا أن تسمح نفس رب المال بأدائها وحكم المرأة
المخدورة كحكم الغائب والمفقود. وإن عزب على الجابي وجوب زكاة مال الغائب واليتيم ولم يكن لهما وكيل وأقر بمن بيده مالهما أن هذه زكاة قد وجبت عليهما في مالهما، فإن كان المخبر ثقة جاز قبضها منه وإلا فحتى
يعلم الإمام أو من ينوب منابه أن الزكاة قد وجبت في مالهما.
مسألة
[ جواز تسليم الصدقة لأصحابها ]
__________
(1) 1- في هذه المسألة وردت أسماء المصر والقطر والقرية. ففي الوقت الحاضر المصر
يشتمل على أكثر من قطر فأول من مصر الأمصار عمر بن الخطاب ومن بعده
عبد الملك بن مروان أي قسم الدولة الإسلامية إلى ولايات كبرى. والمصر في
اللغة الحد من كل شيء وهنا الحد من الأرض. ومصر هي المدينة المعروفة والآن
جمهورية مصر العربية. وأما القطر أقل من المصر كأن يقال : محافظة أو ولاية
ويطلق القطر على الدولة: القطر السوري ، القطر المصري ، بمعنى الإقليم وهكذا.
والقرية أصغر من القطر وأصغر من المدينة فالمدينة مجموعة من القرى. انظر
لسان العرب تصنيف يوسف الخياط 2/115 ، 493 . (5/46)
صفحة 639
وجائز للإمام تسليم الصدقة لمن حضره من ذوي السهام الذين سمى الله تعالى(1) في كتابه وجائز له حبس ما أراد لمن غاب منه نوى ما حبسه فلا ضمان عليه، وأما رب المال فجائز له أيضاً ذلك إلا أنه إذا حبس شيئاً فتوى فعليه الضمان لأنها لم تخرج من ذمته ولو لم يقصر في حفظها.
مسألة
[ لا تجب الزكاة على من لا يدخل تحت سلطة الإمام للإمام ]
ولا يجوز للإمام جباية من لم يحمه ويمنعه من الظلمة والعدوان ولو أن عمان(2) كانت في حكم الجبابرة ثم خرج عليهم المسلمون في صحار(3) أو توام(4) لم يجز لهم جبايتهم حتى يملكوها كلها لأنها مصر واحد.
مسألة
[ نوعية الجباة ]
وجائز للإمام بعث جباة الزكاة من أرباب الحلي والماشية قبل أن يحميهم سنة إذا كان أرباب الأموال عالمين بأن لا زكاة عليهم إلا بعد الحول
وأعلمهم الجباة فمن أداها رغبة منه جاز قبضها منه.
مسألة
[ عمل الإمام عبد الله بن يحيى ]
ومما كتب الإمام عبد الله بن يحيى(5) إلى عامله عبد الرحمن بن
__________
(1) 1- قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة
قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله
والله عليم حكيم } [التوبة : 61].
(2) 1- عُمان : سلطنة عُمان الحالية وهي دولة في الخليج العربي تطل على المواقع البحرية
الهامة في العالم كمضيق هرمز، وبحر عُمان، وبحر العرب وكانت في السابق
إمبراطورية واسعة تمتلك جزءاً من السواحل الإفريقية والهندية وهي دولة عضو في
المحافل العالمية والمحافل العربية والإقليمية. وهي عضو فاعل تمتاز بالسياسة الهادئة.
(3) 2- صحار : سبق ذكرها.
(4) 3- توام : تطلق على واحة البريمي وهي منطقة عمانية إماراتية ما بين صحار والعين
وحتى الآن هناك مستشفى تابع للإمارات المتحدة باسم مستشفى توام.
(5) 4- الإمام عبد الله بن يحيى : الحضرمي الذي يدعي ( بطالب الحق ) هو عبد الله = (5/47)
صفحة 640
محمد(1) رحمهم الله : إن أخذ مال الزكاة على سنة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن
يجعلها إلى أمانتهم ولا يستخلفهم عليها.
مسألة
[ كيفية قبض زكاة الثمار والورق ]
وجائز للوالي أن يبعث إلى الزكاة ليجيئوا بها إلى موضعه ليسألهم عنها. وقد اختلف المسلمون في الزكاة على قولين : أما الثمار فعلى الوالي قبضها
من موضعها، وأما زكاة الورق فعلى أربابها بعثها للوالي وعلى كلا
الوجهين له إحضارهم يستخبرهم.
مسألة
[ سير الإمام منير بن النير الجعلاني ]
ومن سيرة الإمام الشيخ منير بن النير الجعلاني رحمه(2) الله : لا يجوز
أخذ الصدقة بغير حقها ولا يضعها في غير موضعها ولا استحلالها من
الناس بغير الامتحان في الأرض والحماية والذود عن حمى المسلمين والله
عزيز حكيم.
مسألة
[ تسليم الزكاة لأصحابها مع وجود الإمام ]
وجائز تسليم الزكاة للسلطان العدل وأن يسلمها ربها للفقراء مع
وجود الإمام العدل، فقول : جائز ذلك وقد سلمها إلى مستحقها والأصح عدم الجواز.
مسألة
[ لا يجوز تسليم الزكاة للخوارج ]
__________
(1) = ابن يحيى الكندي الحضرمي الملقب بطالب الحق، التقى بأبي حمزة المختار بن
عوف الأزدي في موسم الحج عام 128هـ وثار ضد الأمويين عام 129هـ ثم
احتل صنعاء ووجه حملة إلى مكة للاستيلاء عليها على أن تواصل الحملة إلى
الشام، فسقطت مكة دون قتال وتلتها المدينة بعد معركة قديد عام 130هـ ثم
استردها الأمويون وقتل بمعركة جنوب مكة في مواجهة مع الجيش الأموي
بقيادة عبد الملك بن عطية السعدي وتشكل حركته قيام أول إمامة ظهور
للإباضية في الجزيرة العربية. كشف الغمة ص299 .
1- عبد الرحمن بن محمد : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 2- هو الشيخ العلامة الشيهد المنير بن النير بن عبد الملك بن وساد بن وهب بن عبيد
ابن صلت بن يحيى بن حضرمي بن ريام الجعلاني. كان رحمه الله من المعمرين = (5/48)
صفحة 641
وإذا استولى على المصر خارجي(1) فلا يحل تسليم الصدقة إليه لأنهم
أهل جور وعدول عن حكم كتاب الرب الغفور. فمن سلم صدقته أوجزوا على من لا يأمن فقد ضمنها.
مسألة
[ سير الإمام مع المخالفين ]
وليس للإمام إذا ظهر على دور الجبابرة ومملكتهم أن يسأل الرعية عن صدقاتهم فيما سلف قبل وقته وهم إلى أماناتهم وليس له حط ما أثبته الله
عليهم ولا إثبات ما حط عنهم.
مسألة
[ حكم ضمان الزكاة إذا أخذها الحاكم عنوة ]
وإذا جبر السلطان الرعية على تسليم صدقاتهم ولم يكن منهم إذعان ولا تسليم إليه فلا ضمان عليهم على هذا الوجه وإن أمكنهم إنفاذها فلم
ينفذوها حتى غصبها السلطان ففي ضمانها عليهم اختلاف.
مسألة
[ شرط جمع الزكاة من قبل الإمام ]
عن الشيخ محمد بن جعفر رحمه الله : وجائز للإمام إذا ملك قرية أو
أقام فيها بالعدل كما أمر أن يجبي صدقتها وإذا لم يكن كذلك فلا.
مسألة
[ لا ضمان على الأمين ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : وإذ قبض الوالي الزكاة إذ الوالي أمين والأمين لا ضمان عليه.
مسألة
[ مطالبة الولي الرعية بالزكاة ]
وعلى الوالي مطالبته أخذ الزكاة من عامله واقتسرها كان الأخذ لها والي أو غيره لأن عليه تخليص أمانته إذا علم أخذها ولم يكن في ذلك حاكماًً
__________
(1) = فقد عاش (110) مائة وعشر سنين وهو من العلماء الأربع الذين نقلوا العلم عن
الإمام الربيع بن حبيب من البصرة إلى عُمان، لا يعرف تاريخ وفاته على الأرجح
ودفن بصحار. انظر إتحاف الأعيان ص170 - 171/1 .
1- خارجي : من الخوارج، والخارجي في اللغة هو المفارق للجماعة الخارج
على أمرهم. والخارجي في الإسلام : هو المرتد الذي خرج على الإسلام
وأنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وأما المصطلح السياسي الذي
اشتهر في الفرق والمذاهب الإسلامية فأطلقه الإباضية على ابن الأزرق
وأتباعه كما ورد في رسالة مؤسسهم عبد الله بن إباض لعبد الملك بن مروان
الخليفة الأموي. (5/49)
صفحة 642
لنفسه إلا أن يكون الوالي أخذها برأي الإمام وقول : إن كان الأخذ لها وال ومن له سبب مع المسلمين بثقة فلا بأس عليه أن يترك مطالبته.
مسألة
[ حكم الهدية لعامل الصدقة ]
ومن جامع الشيخ أبي محمد(1) رحمه الله : ولعامل الصدقة قبول الهدية
إذا لم تكن من طريق الرشوة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهدية وقال : لو أهدي إلي ذراع لقبلت ونهى العمال(2) عن قبول الهدية إلا إن كان بينه وبينه جارياً
قبل ذلك.
مسألة
[ فعل عمير بالشام في أموال الزكاة ]
ويروى أن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى عمير(3) على
الشام(4)
__________
(1) 1- الشيخ أبو محمد : يظهر لي - والله أعلم - أنه الشيخ عبد الله بن محمد بن
بركة السليمي البهلوي صاحب جامع ابن بركة.
(2) 2- قبول هدايا العمال : ورد النهي عن ذلك في السنة النبوي و عمل الصحابة =
(3) = الكرام رضوان الله عليهم : منها .
1- عمير : عمير بن سعد بن شهيد بن قيس بن النعان بن عمرو الأنصاري الأوسي
العبد الصالح الزاهد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عنه عمر نسيج وحده. تولى
على حمص في عهد عمر رضي الله عنهم وبعد وفاة عمر جمعت حمص
لمعاوية مع الشام رضي الله عنهم. حدث عنه أبو طلحة الخولاني، وراشد بن
سعد، وحبيب بن عبيد وكان ممن شهد فتح دمشق مع أبي عبيدة رضي الله
عنهم، عرف عنه أنه من زهاد المدينة وتوفي رضي الله عنه وليس له من الدنيا
شيء وقال عنه ابن عمر رضي الله عنهما : ما كان رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
أفضل من أبيك مخاطباً عبد الرحمن بن عمير. رضي الله عن الصحابة أجمعين.
سير أعلام النبلاء 2/103 - 105 ، 557 - 562 .
(4) 2- الشام : كانت في السابق تطلق على دمشق وما حولها وما زالت هذه التسمية
عند السوريين إذا قال أنا ذاهب إلى الشام فالمتعارف عليه أنها دمشق. وعرفت
الآن بالجمهورية العربية السورية، وكانت جغرافية بلاد الشام تضم : الأردن
وفلسطين وسوريا ولبنان. سبحان الله مغير الأحوال. (5/50)
صفحة 643
وكانت بلدة ذات أموال حتى قيل : إن مال الله يحمل منها على البغال لأمير المؤمنين لكثرته ففرقه عمير على الفقراء فواف الأمير بغير شيء فسأله عنه فقال : أخذته من أغنيائهم ووضعته في فقرائهم فلا يعنفه أمير المؤمنين(1) .
مسألة
[ جواز تصرف الوالي بأموال الزكاة ]
وإذا وجبت على الجابي الزكاة أمر الإمام رضيه الله بقبضها منه وينبغي للوالي أن لا يبسط يده في مال الله كل البسط إلا برأي الإمام وإن فعل
جائز التاسي بعمير إذا لم تكن للإمام حاجة للمال أقمن من تفريقه على
الفقراء لنكاية العدو وعز الدولة.
مسألة
[ شروط عدم إعطاء الإمام من الزكاة ]
وإذا جبا عمال الوالي جباية ثم عزل جاز له قبضها منهم ولو بعد العدل ولا يجوز له أن يجبيهم بعد العزل وإذا أحدث الإمام حدثاً يخرجه من
الإمامة فلا يعطى الزكاة ولا براءة لمن أعطاه تقية ولا وغيرها.
مسألة
[ من شروط أخذ الزكاة ]
ومن دان بإمامة الإمام ثم صح خروجه من الإمامة معه فلا يعطيه زكاته وما أعطاه من زكاته آنفاً فلا ضمان عليه فيه.
مسألة
[ إعطاء من حالهم الفقر ]
وإذا حضر الوالي عند قسم الصدقة قوم عليهم سمة الفقر وأقروا بأنهم
فقراء فلا بأس بإعطائهم منها إذا حكمهم فقراء.
مسألة
[ عدم سؤال أهل الأموال عن حولهم ]
عن أبي سليمان بن الحكم(2) ومروان هل علينا أن نسأل أهل الأموال أحال على أموالهم حول قال : لا، لأن الدعوة قد قامت والزكاة قد فرقت.
مسألة
[ حبس مانع الزكاة ]
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمهم الله : هل يجوز
__________
(1) 3- هذا عمل صحابي أن الزكاة توزع على فقراء المنطقة ولا تخرج إلا إذا زاد عن
حاجة الولاية أو المنطقة والله أعلم.
(2) 1- سليمان بن الحكم : أبو مروان : وأخوه أبو المنذر بن الحكم من عقر نزوى من
علماء القرن الثالث، وأبو مروان ممن حضر بيعة الصلت بن مالك رحمه الله.
انظر إتحاف الأعيان 427 . (5/51)
صفحة 644
للقائم أن يحبس على الزكاة؟ قال : لا وإن شهد عليه غير عدلين أن له مالاً يبلغ النصاب فلا يجوز حبسه فإن حبسه حتى(1) أقر هل يؤخذ منه قلت :
فإن شهد عليه عدل واحد هل يحبس؟ قال : لا حتى يشهد عليه عدلان.
مسألة
[ وجوب الزكاة قبل استيلاء الإمام ]
وما صار للفقراء قبل استيلاء الإمام على المصر فجائز للإمام قبضه إذا سلمه أربابه ولم يعطوا مستحقه قبل ذلك ولا يقبل قول وكيل اليتيم أنها
وجبت في ماله الزكاة إلا أن يكون ثقة أو يعلمه ذلك ولاه الأمر.
مسألة
[ حكم زكاة أموال الغائب ]
عن محمد ابن إبراهيم(2) وقيل ليس في ورق الغائب والمفقود زكاة لأنه
لا يدرى حاله وليس للجابي ذلك وإن سلمها له وكيله من غير جبر فجائز.
مسألة
[ مقدار ما يصرف للفقراء ]
عن بعض الفقهاء : إن للفقراء ثلث الصدقات والثلثان يدفعان للإمام لعز الدولة وللغارمين(3) وفي الرقاب(4)
__________
(1) 2- حبس مانع الزكاة : المعروف أن مانع الزكاة إما جحوداً أو كسلاً فجحوداً حكم
ما نعي الزكاة في عهد الصديق رضي الله عنه. وكسلاً تأخذ منه عنوة ومن
الفقهاء من رأي وشطر ماله كالحنابلة، وهنا الحبس عقوبة تعزيرية. والله أعلم.
(2) 1- والله أعلم : هو محمد بن إبراهيم الكندي السمدي النزوي وليس محمد أبو
إبراهيم كما في الكتاب.
(3) 2- الغارمين : جمع غارم، والغارم : هو الذي عليه دين. أما الغريم فهو الدائن. وقد
يطلق على المدين. وأصل الغرم في اللغة : اللزوم، ومنه قوله تعالى في جهنم : { إن
عذابها كان غراماً } ومنه سمي الغارم، لأن الدين قد لزمه والغريم لملازمته المدين.
(4) 3- الرقاب : جمع رقبة، والمراد بها في القرآن : العبد أو الأمة : وهي تذكر في
معرض التحرير أو الفك. والإسلام جاء لتحرير العبيد مع أن الرق كان تجارة
رائجة في الجاهلية فعالج الإسلام هذه المشكلة عن طريق تجفيف منابع الرق بعدة
طرق منها مصارف الزكاة، والكفارات، والاحتساب عند الله عز وجل، وقد
مدح المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من أعتق رقبة مما شجع على تحرير الرقاب، وهي من قبيل
إطلاق الجزء على الكل. (5/52)
صفحة 645
وابن السبيل(1) وقول للفقراء النصف
والأول أصح. ويروى عن أن الإمام عبد الله بن يحيى طالب الحق عمل
بالقول الآخر.
مسألة
[ زكاة أموال البحر ]
في زكاة البحر. وهي كزكاة الأموال واعلم أن زكاة البحر كزكاة البر من أموال المسلمين القادمة ولم يحولها البحر غنماً كانت كما فرض الله تعالى.
مسألة
[ التعامل مع الأموال القادمة من دار الحرب ]
وإذا قدمت أموال أهل عمان من أهل الشرك اختلف الرأي فيها فما قدم لأرض الإسلام من بلد أهل الحرب لأهل الحرب فرأى المسلمون أخذ
زكاتها وإن قدموها كمثل ما يأخذ سلطانهم من أموال المسلمين إذا قدمت أرض الحرب.
مسألة
[ متى تؤخذ الزكاة من الغرباء ]
وقيل : إن قوماً من أهل العراق اتجروا في أروض الحرب الشرك فقدموا بأموالهم عمان ثم مضوا إلى فارس فلم يرى المسلمون أخذ الزكاة من
أموالهم حيث لم يحموهم مما خرجوا ولا فيما إليه قدموا من الدور وهو
الأصح عندهم. قال بعض الفقهاء : إنه إذا قامت أموال هؤلاء الغرباء بعمان سنة أخذوا زكاتها وكذلك إن قلبوا أموالهم هذه في تجارة أخرى بعمان
فباعوها واشتروا غيرها حين قدومهم أخذت منهم الزكاة.
مسألة
[ عدم إجبار الغرباء على الزكاة ]
وأما إن قدموا إلى عمان تبراً(2) ولجين(3) وأقروا أنهم لم يخرجوا زكاتها
عدة برة ولم يبيعوها فرأى المسلمون لهم الخيار فإن دفعوها برأيهم قبلوها
منهم وإلا فلم يجبروهم على تسليمها.
مسألة
[ جواب الشيخ أبي سليمان ]
__________
(1) 4- و ابن السبيل : عند جمهور العلماء : كناية عن المسافر الذي يجتاز من بلد إلى =
= بلد، والسبيل الطريق. وقيل للضارب فيه (ابن السبيل) للزومه إياه كما قال
الشاعر:
أنا ابن الحرب ربتي وليداً إلى أن شبت واكتهلت لداتي
وقيل هو المسافر المنقطع عن أهله واحتاج إلى المال مثل طالب العلم وكالحاج في
سبيل الله...
(2) 1- الكتاب : بترا : والصواب : تبراً. وهو الذهب غير المسكوك.
(3) 2- لجين : الورق، وهو الفضة. (5/53)
صفحة 646
ومن جواب الشيخ أبي سليمان هداد بن سعيد(1) رحمه الله : إن
الأموال التي تقدم من بلد أهل الإسلام لا زكاة فيها حتى يحول عليها
الحول وما تقدم من بلد الشرك لذوي الشرك فإذا قدموا عمان وباعوا
متاعهم أخذت الزكاة منهم فوراً.
مسألة
[ حكم أموال أهل الصلاة إذا قدمت عُمان ]
وأما أموال أهل الصلاة إذا قدمت من بلد أهل الشرك إلى عمان ففيها قولان : قول لا زكاة فيها حتى يحول عليها حول بعمان ثم تؤخذ منهم
الزكاة، وقول : إذا باعوا أموالهم أو قلبوها في نوع آخر غير ما قدموا به من أرض الشرك أخذت منهم الزكاة.
مسألة
[ زكاة الدراهم المشكوك فيها ]
وأما الدراهم المشكوكة فلا زكاة فيها حتى يحول عليها برهة وأما غير المشكوك من تبر أو لجين فسبيله سبيل المتاع فتجري فيه الزكاة ومحمول
ثمنه على ثمن أمتعتهم إذا باعوها على قول.
مسألة
[ حكم زكاة الأموال الخارجة إذا دخلت البلد ]
وأما أرباب عمان فمن خرج منهم بتشب للتجارة أو غيرها فأقام بماله سنين في أرض الشرك أو سواها ثم قدم بماله ذلك عمان ولم يكن أدى
زكاته أخذت منه الزكاة لما مضى من البرة التي لم يؤدي زكاته فيها.
مسألة
[ زكاة المال الخارج والداخل مراراً ]
قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : من قدم بمال من أرض الشرك
إلى عمان فباعه وأخذت زكاته ثم عاد إلى أرض الشرك ثم قدم به عمان في أربعة أشهر فقال : كلما خرج بماله إلى أرض الشرك ثم عاد إلى أرض عمان وهي أرض الإسلام أخذت زكاته ولا غاية لذلك. قال الشيخ سليمان بن الحكم : لا زكاة عليه إلا في كل حول مرة واحدة ولو عاد به مراراً إلى دار الشرك فوقف محمد بن محبوب رحمه الله عن رأيه.
مسألة
[ قدوم الغرباء بالمال وحكم الزكاة فيه ]
وكل مال قدم به أربابه في تجارة أو غيرها من أرض أهل الإسلام فإن
كان أرباب الأموال من أهل عمان أخذت زكاتها لكل سنة وإن كانت
__________
(1) 3- الشيخ أبو سليمان هداد بن سعيد : لم أعثر له على ترجمة. (5/54)
صفحة 647
لغرباء فقدموا به إلى عمان فباعوا أو اتجروا به في عمان لم تؤخذ منهم زكاة حتى يحول على أموالهم هذا برهة وهو بعمان.
مسألة
[ ادعاء أداء الزكاة خارج البلد ]
وإذا قدم مسلم من أرض أهل الشرك والحرب وقد أقام بماله في بلد أهل الشرك سنين ثم قدم به إلى عمان فباعه واتجر به كان غريباً أو عمانياً فلما
طلبت منه الزكاة احتج أن لزكاته وقتاً وأنه قد أخرج زكاته في وقتها لمستحقها لما رأينا عليه في ماله زكاة حتى يحول على ماله حول أو يحل
وقتها بإقراره ومن ادعى أنه أخرج زكاته في بلد غير(1) عمان قبل منه.
مسألة
[ ادعاء عدم حولان الحول يصدق ]
ولو أن قادماً قدم من بلاد الشرك بأموال جمة أو نزرة وباعها بعمان وهو غريب أو عماني فلما طلبت منه الزكاة احتج إنما ملك هذه الأموال منذ
شهر أو نحوه(2) ما رأينا عليه زكاة في أمواله هذه حتى يحول عليها حول
مذ ملكها وهذا دليل عل أن قدومه من البحر لم يوجب عليه من الزكاة غير
ما وجبت عليه في البر.
مسألة
[ حكم الزكاة في اشتراك الاثنان في النصاب ]
ولو أن اثنين حمل كل واحد منهما مائة درهم فاشتركا في تجارة بها فضربا لأرض الشرك فقدما بمتاع فباعاها بثلاثمائة درهم وحال عليه عام ما رأينا فيها زكاة حتى يقع لكل واحد منهما مائتا درهم فصاعداً أو يحول
عليها حول منذ ملكها.
مسألة
[ من ادعى أن المال ليس له يصدق ]
ولو أن قادماً من أرض الوثنية بمال جمة فباعه بعمان وادعى أنه يهودي أو قال إنه مسلم والمال الذي في يده لذمي ما رأينا أن تؤخذ منه زكاة وإن قال
إنه لمسلم من بلد ناء ما أخذنا منه الزكاة لعل على رب المال ديناً يريد قضاءه من هذا المال أو له فيه حجة.
مسألة
[ ادعاء أن الأموال لمصالحه الخاصة ]
ولو أن عمانياً قدم بماله واحتج أن بعض الرقيق يحبسه لخدمته وبعض
__________
(1) 1- في الأصل لا يوجد غير ، والمعنى لا يتم إلا بوجود غير.
(2) 2- في الأصل : تحموه ، ولا يتفق المعنى إلا أو نحوه. (5/55)
صفحة 648
البز(1) لكسوته وبعض الطعام لمتاعه فله ذلك فلو أعطى زكاته ومضى وقتها
ثم باع ما حبسه فلا زكاة عليه فيما باعه حتى تحول عليه برهة.
مسألة
[ ادعاء أنه قضى ديناً ]
ولو أن قادماً قدم من بلد ذوي الأوثان بأمواله جملة فباع بعمان شطراً منها وادعى أنه قضا دراهم ما باعه فيه ودين عليه وأنه يحمل ما بقي من
متاعه إلى سوى عمان ما رأينا عليه زكاة.
مسألة
[ ادعاء أن الأموال من أرضه ]
ولو أن قادماً قدم بأجناس من التجارة كالنارجيل والأزر وغيرهما فادعى أن النارجيل قطعه من نخله والأزر من زراعته ما رأينا عليه زكاة حتى يحول عليه سنة حول بعد بيعه وإن لم يبعه جمة بره ما كان عليه فيه زكاة.
مسألة
[ ادعاء أن المال لقطة أو من البحر ]
ولو أن قادماً قدم من أرض الصين(2) بعنبر وعود وغير ذلك ما يساوي مالاً جزيلاً وهو عماني وادعى أن اللؤلؤ والعنبر التقطه من البحر والعود
أخرجه من الشجر ما رأينا عليه فيه زكاة في ذلك ولو حبسه عدة سنين
ومثله لو كان القادم بذلك من الغرباء.
مسألة
[ إسلام الحربي لا زكاة على أمواله ]
وإذا قدم حربي مال ثم أسلم لم تؤخذ من زكاة حتى يحول على ماله
حول منذ أسلم.
مسألة
[ قدوم الحربي دار الإسلام ]
وإن قدم مال الحربي أرض الإسلام وأخذوا منهم ثم قدم به عمان فينظر فإن كان إذا قدم مال المسلمين إلى أرض الحرب أخذ منهم كل ملك مضوا
به أخذ منهم كذلك وإن كان إنما يأخذون مرة يتولى الأخذ قائم منهم
معروف أخذت منهم كذلك.
مسألة
[ غصب الأموال ]
__________
(1) 1- البز : نوع من أمتع الثياب.
(2) 1- الصين : بلد معروف منذ القدم وكانت لها علاقات طيبة مع الدولة المسلمة منذ
الصدر الأول بها أقلية إسلامية بالنسبة إلى عدد سكانها. وهي أكثر دولة في
العالم عدد السكان حوالي مليار حالياً وهي الآن عضو دائم في مجلس الأمن
الدولي النظام السائد فيها النظام الشيوعي تربطها بالعالم الإسلامي علاقات
متبادلة قائمة على المصلحة. (5/56)
صفحة 649
وكذلك إن غصبوا لهم مالاً وقدموا إلى عمان أخذ منهم كمثله والمعنى
إلى ما تأخذ ملوكهم لا عوامهم لا ما يأخذ عوامهم كالسرق ونحوه.
مسألة
[ قول أبي مروان في مال الحربي ]
وكان أبو مروان رحمه الله يقول : لا يؤخذ منهم أقل من عشرين درهماً ولعل ذلك كان هو المعروف من أخذهم وما كان أقل من ذلك فكأنه على التعدي ممن فعله منهم والموجود في الأثر لو أخذوا من درهمين درهماً
لأخذنا منهم كذلك (1) .
مسألة
[ يؤخذ منهم بمقدار ما يؤخذ منا ]
وإن زاد ملكهم وقدم لهم مال في حال لم يكن لهم ملك إذ المستحب
أن يؤخذ من أموالهم كما كان يأخذ ملكهم الأول قدم مال الحربي عمان وليس بعمان إمام عدل أخذ منهم فإن كان إذا قدم مال المسلمين إلى بلدهم أخذوا منهم ولو لم يكن لهم سلطان فإن تولى الأخذ منهم أحد من
المسلمين المقتدى به في المصر القادمين إليه من عمان جاز ذلك وجعل ما
يأخذه منهم في فقراء المسلمين وعز الدولة يحسن إن شاء الله.
النهج الخامس والعشرون
في زكاة الماشية وقسم الغنيمة
وكنز الجاهلية والصوافي
مسألة
[زكاة الأنعام]
في المعز والضأن والنجب والبقر والجواميس صدقتهن واحدة والضأن
والمعز واحدة ولا يؤخذ منهما دون الخمس من الإبل فإذا بلغت خمساً
وحال عليهن حول منذ صرن ملكاً لربهن ففيهن شاة وسط.
مسألة
[ مقدار زكاة الإبل إلى 25 ]
فإذا بلغت النجب عشراً ففيهن شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي العشرين أربع شياه فإذا بلغ خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض(2)
__________
(1) 1- ما يؤخذ من الحربي : الأصل في هذا ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
لما نصب العشار قال لهم : خذوا مما يمر به المسلم ربع العشر ومما يمر به الذمي
نصف العشر. قالوا : فمن الحربي؟ قال: مثل ما يأخذون منا، فإن أعياكم فالعشر=
= وذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير. انظر الاختيار لتعليل المختار 1/116 .
(2) 1- بنت مخاض : وهي أنثى الإبل التي أتمت سنة وقد دخلت في الثانية. وقد تكون
أمها في مخاض الوضع بالثانية. (5/57)
صفحة 650
من الإبل
فإن لم يجد من الإبل بنت مخاض فابنة لبون(1) ذكر.
مسألة
[ زكاة الإبل من 36 - 61 ]
فإذا بلغن ستاً وثلاثين ففيهن بنت لبون فإذا بلغت ستاً وأربعون ففيها
حق طروقة للفحل(2) فإذا بلغت ستين فما فوقها ولو واحدة ففيها جذعة(3) وليس فيها جذعة إلا في هذا الموضع.
مسألة
[ من 76 - 120 فما زاد ]
وإذا بلغت الإبل ستاً وسبعين ففيها ابنة لبون فإذا بلغن تسعين فما
فوقها ولو واحدة ففيهن حقتان فإذا بلغن عشرين ومائة فما فوقها ولو
واحدة فيهن ثلاث بنات لبون فإن تمت على ذلك فكلما زادت فليس
فيما دون العشر منها بشيء فإذا بلغت عشر زيادتها أخذها المصدق
على حساب ذلك.
مسألة
[ مقدار ما زاد على المائة وعشرين ]
فكلما زادت الإبل عشراً ففي الأربعين بنت لبون وفي الخمسين حقة ومن أي هذين الشيئين وجد أخذ المصدق أخذ هذه الفرائض ولا يفرق بين
مجتمع ولا يجمع بين متفرق فراراً من الصدقة(4) .
مسألة
[ كيفية اختيار الصدقة ]
ويقسم الإبل شطرين فيأخذ ربهن شطراً ثم يختار أيضاً من الشطر الثاني رأساً ثم يختار المصدق رأساً وجائز للمصدق بيع ما تحقق من الصدقة ولو
قبل قبضه.
مسألة
[ للجابي التصرف في أخذ الزكاة ومقداراها ]
__________
(1) 2- بنت لبون : وهي أنثى الإبل التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة.
(2) 1- الحقة : وهي أنثى الإبل التي أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وسميت
طروقة الفحل.
(3) 2- جذعة : وهي أنثى الإبل التي أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة.
(4) 1- وهذا رأي جمهور الفقهاء رحمهم الله، من مالكية وشافعية وحنابلة استناداً
لحديث أنس الذي يرويه عن أبي بكر الصديق لما وجهه إلى البحرين، وفيه: «فإذا
زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة..».
انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 4/62ط مصطفى الحلبي، ونيل
الأوطار 4/1109ط الحلبي أيضاً. (5/58)
صفحة 651
وإن كان لرب الصدقة جذعة فتعذر وجدانها أخذ حقه ويرد رب الإبل الفضل وكذلك إن وجد الجذعة ولم يجد الحقة أخذ الجذعة ورد على رب الإبل الفضل وما كان على هذا النحو فهو مثله.
مسألة
[ التسامح في المقدار ]
وإذا وجدت على رب الإبل أربع شياه في إبله فليس له معز وطلب
المصدق أن يعطيه فريضة من إبله ذكراً كان أو أنثى ويرى المصدق الوفاء
فيما عرض عليه ويرى رب الإبل أنه قد أحسن إليه فهذا على وجه شاذ من الأثر ونحب له أخذ ما فرض الله له.
مسألة
[ للجابي أخذ العين الموجودة ويتصرف لمصلحة الفقير وصاحب المال ]
ومن كان له عليه فريضة في إبله فعدم تلك الفريضة بعينها أعطى الذي رفع منها ويرد عليه الساعي الفضل من بنت مخاض إلى الجذعة فإذا لم يجد السن الأرفع ودفع ثنية إلي بازل عام بما عليه قبل منه إذا لم يطلب الفضل
وإن زاد بطيبة نفسه فالزيادة مقبولة، وإن طلب صاحب الفريضة فضل
فريضته إلى المصدق رد عليه ثمن فضلها، وإن لم يجد بنت مخاض أخذ
بنت لبون ذكراً وقيل أنثى ويرد الفضل على بنت مخاض وكذلك يأخذ
بنت مخاض عن بنت لبون إذا لم يجد السن ويأخذ الفضل، وقيل :عليه
رد الفضل وليس له ذلك فيكون قد باع الصدقة قبل قبضها وقيل لا يرد ولا يرد عليه.
مسألة
[ زكاة البقر كزكاة الإبل ]
وصدقة البقر والجواميس كصدقة الإبل(1)
__________
(1) 1- وهذا قول بعض أئمة السلف رضوان الله عليهم منهم ابن المسيب والزهري
من التابعين وسبب الاختلاف عدم ورود نص ثابت في البقر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن =
= القول المعمول به عند جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة الفقهاء في
كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة، وعند ابن جرير الطبري وبه أخذ ابن حزم
- رحمهما الله - نصاب البقر خمسون وقالا : صح الإجماع المتيقن المقطوع
به ، الذي لا اختلاف فيه : أن في كل خمسين بقرة بقرة. فوجب الأخذ بهذا،
وما دون ذلك مختلف فيه، ولا نص في إيجابه. انظر الحافظ في التلخيص
ص172 عن فقه الزكاة للشيخ القرضاوي 1/196 ، والله أعلم. (5/59)
صفحة 652
حذواً النعل بالنعل في الخمس
منهن شاة وفي العشر شاتان وفي الخمس عشرة ثلاث شياه وفي العشرين
أربع شياه.
مسألة
[ مقدار الخارج من البقر من 25 - 46 ]
وأما إذا بلغت البقر خمساً وعشرين ففيها بقرة جذعة في سن ابنة
مخاض فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها ثنية سن من بنت لبون فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها بقرة رباعية سن الحقة من الإبل.
مسألة
[ ومن 61 - 76 ، 300 ]
وأما إذا بلغت إحدى وستين ففيها سدس سن الجذعة من الإبل فإذا
بلغت ستاً وسبعين ففيها ثنيتان من البقر ثم يجري على ما جرت عليه
صدقة الإبل فإذا تمت ثلاثمائة فليس دون الأربعين شيء.
مسألة
[ زكاة الغنم ]
في زكاة الغنم لا تجب صدقة الغنم فيما دون الأربعين فإذا بلغت الأربعين ففيها شاة إذا حال على الأربعين حول ثم لا شيئاً في الزيادة حتى تبلغ مائتين ففيها ثلاث شياه ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أربعمائة ففيها أربع شياه
ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ الزيادة مائة ففي كل مائة شاه.
مسألة
[ المأخوذ من الغنم ]
وليس للمصدق أن يأخذ ذكراً ولا ما خضا إلا بإذن رب الغنم ولا عليه أن يأخذ عوراء ولا جرباء ولا جذعة ولا هرمة فإن أوصله رب المال حقه
فهو المأمون في ذلك، وإن اختلفا وقفاً على الغنم فصدعها نصفين فيختار
رب المال أي النصفين شاء ثم يختار من النصف الثاني شاة فيختار المصدق
شاة فهم على ذلك حتى يستوفي.
مسألة
[ زكاة الشركاء في الماشية ]
وإذا كان لشريكين ثمانون شاة فإذا لم يعرفها المصدق أخذ شاة واحدة فكأنها لمالك واحد فإن فرقها أخذ شاتين لأنها صارت شطرين ولك شطر أربعين شاة وله من كل أربعين شاة شاة.
مسألة
[ اختيار الجابي للمأخوذ ]
وقول : إذا اختار رب المال أحد النصفين اختار المصدق من النصف
الثاني ما كان له حتى يستوفي والأول أصح.
مسألة
[ زكاة العدد المختلط ] (5/60)
صفحة 653
وإذا اجتمعت الماشية سنة بين عدة ولو كان لكل شخص شاة ففيها الصدقة على الشركاء كأنه بالحصص على مقدار الأنصباء ولا يجوز
تفريقها بعد وجوب الصدقة فيها وما كان متفرقاً فحتى يجتمع سنة بجمعه
أربابه في المحلب والمربض.
مسألة
[ عدم وجوب الزكاة على المختلط إذا لم يحل الحول ]
قال بعض أهل العلم : لا يرى الاجتماع حجة لوجوب الزكاة والأول أرجح وما كان من ذكران الغنم فيجمعه المربض وما كان منها يسفر عليه ويرجع في المربض المعروف وليس هذا مما يفرقها.
مسألة
[ نصاب الشاة المشتركة ]
عن أبي عبد الله رحمه الله : ومن كان له أربعين شاة فيها شاة وللآخر
أربعون شاة إلا شاة والذي تجب للمصدق فيها ففيها شاتان ويطرح عن صاحب التسعة والثلاثون بقدر حصته من الشاة التي ليست له.
مسألة
[ نقصان النصاب قبل موعد الزكاة ]
وعنه رحمه الله : ومن كان عليه زكاة خمسة أبعرة فباع أحدهن قبل صدقته فبقي في إبله حتى آن وقت الصدقة إنه لا صدقة عليه إلا أن يكون المشتري تركه عنده برهة كاملة.
مسألة
[ الجمع بين الأبعر ]
وإذا كان للزوجة بعير ولزوجها أربعة أبعر فإن كان متفاوضين
فعليهما الصدقة.
مسألة
[ الهبة بعد إخراج زكاتها ]
ومن ملك نعماً تبلغ نصاباً فوهب له آخر نعماً قد زكاها قبل أن يهبها له بشهر قال : عليه أن يزكيها مع نعمه هذا عن أبي صفرة(1)
__________
(1) 1- أبو صفرة : اختلف في اسمه فقيل ظالم بن سارق وقيل : ظالم بن سارف وقال
ابن هشام في شرح الدريدية أنه معدود من الصحابة وكان يلبس حلة صفراء
وكان جميلاً وطويلاً. قال : أنا ظالم بن سارق بن ظالم بن عمر بن شهاب
بن الهلقام ابن الجلند بن الشكر الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً ، أنا الملك بن =
= الملك، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنت أبو صفرة، ودع عنك سارق بن ظالم، فقال :
أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله حقاً حقاً. شارك في الفتوحات،
وكانت تؤدى إليه الصدقات من قومه. انظر إتحاف الأعيان 1/15 . (5/61)
صفحة 654
.
مسألة
[ الهبة قبل إخراج الزكاة ]
وأما إذا وهبها له قبل محل صدقتها لم يكن عليه إخراج صدقتها وعلى
من وهبت له إخراج صدقتها مع نعمه.
مسألة
[ ضياع الأموال قبل حولان الحول ]
ومن ذهبت شرذمة من نعمه التي كانت الصدقة تتم بها ثم استفاد ما تم
به الصدقة قبل خلو وقت صدقته فالصدقة عليه وإن لم يبق من الأولة شيء فحتى تمضي برهة منذ استفاد ذلك، وقول : إذا أدى في الماشية الصدقة أخذ المصدق زكاتها ولو لم يحل عليها حول والمعمول على الأول. قال أبو
سعيد رحمه الله : لا زكاة عليه حتى يحول الحول وهي ملك لربها وتبلغ النصاب وإذا خرج المصدق للصدقة في وقتها فرآها مجتمعة أخذ صدقتها
وليس عليه سؤال على بعض القول.
مسألة
[ بيع المصدق الصدقة ]
وإذا باع المصدق الصدقة على ربها أو غيره فلما طلب منه الثمن ادعى
المشتري أنه فرق الثلث على الفقراء فأما رب الفريضة فيقبل قوله، وأما سواه فلا فإن اتهم جاز تحليفه وإن لم يحلفه فلا بأس هذا في رب المال خاصة.
مسألة
[ إحالة المصدق الصدقة للفقراء ]
وإذا حال المصدق للفقراء مع رب المال بثلث الصدقة وكان ثقة جاز فإن رجع عليه الفقراء فقالوا : إنه لم يعطهم شيئاً استرجعوا منه.
مسألة
[ زكاة الخلطة في الماشية ]
ومن كان له أربعون شاة والآخر عشرون وحال الحول عليها فالصدقة على رب الأربعين لأنه بلغت عليه في غنمه حتى تتم لكل شخص أربعون فيكون على واحد منهم شاة.
مسألة
[ زكاة 120 + حمل ]
عن الشيخ أبي عبد الله : ومن كان له مائة وعشرون شاة ونتجت
إحداهن ليلة آوى الجابي فلا تتم الصدقة بذلك.
مسألة
[ الخلطة في البقر ]
ومن كان له أربع بقرات فاقتنى واحدة ولآخر أيضاً أربع بقرات فكانت
الخامسة بينهما ففي كل واحد منهم شاة ويسقط عن كل واحد منهما بقدر نصف بقرة ويقاس على هذا ما شاكله.
مسألة
[ الخلطة في البقر ] (5/62)
صفحة 655
ومن له أربع بقرات وله بنت أخ يتيمة ولها بقرة وهما متفاوضان قال الإمام المهنا بن جيفر(1) رحمه الله : إن التفاوض في الماشية ليس في اجتماع العشر ولكن إن كانت بقرة العم وبقرة ابنة أخيه مجتمعان في المسرح
والمضوى فصدقتها واحدة بالحصص وقيل لا صدقة فيها لأن الاجتماع بالشركة ضرورة الاختيار.
مسألة
[ زكاة الخلطة في البقر ]
وإذا كان لأم الأيتام بقرة وللأيتام أربع بقرات أو بالعكس وكذلك
الأخوة فإن كانت البقر مجتمعة أيان قدوم المصدق تسرح وتضوي معاً
زكاها وتحاصص الشركاء.
مسألة
[ إنتاج البقر قبل أخذ الزكاة ]
ومن كان له ست بقرات فلما أباها الساعي ادعى إنما ضرب معه من مدة يسيرة وذلك إن ثلاثاً من بقره نتجن ففيه قولان : قول : لا شيء فيها حتى يحول عليها الحول، وقول : إذا قدم الساعي فرآها مجتمعة زكاها إذا
وجبت الزكاة فيها.
مسألة
[ الخلطة في المرعى ]
وإذا تجر راع الإبل راع يرعى لهم إبلهم فتجتمع عنده عندما تبلغ فيه الصدقة هل يحملون على بعضهم بعض؟ فنعم إذا رآها الساعي مجتمعة
زكاه وتحاصص القوم فيما بينهم.
مسألة
[ كيفية إخراج الزكاة ]
ومن وجبت عليه شاة زكاة فليس له أن يزكيها ويفرقها على الفقراء لحماً مهرا وإنما يدفعها للفقراء بعينها، وقول : جائز تفريقها لحماً إذا لم توكس الذكية ثمنها عن أيان حياتها.
مسألة
[ زكاة الحمير والخيل ]
في تفسير الزكاة التحة والحمير والكسفة العوامل من الإبل والحمير والبقر
__________
(1) 1- الإمام المهنا بن جيفر : ولى المسلمون المهنا بن جعفر الفجي اليحمدي الأزدي
بعد الإمام عبد الملك بن حميد وعقد له يوم الجمعة في شهر رجب سنة 226هـ
وضبط وحزم البلاد وعدل بينهم وكانت سيرته سيرة عطرة. وبقي إلى أن توفي
يوم سادس عشر من ربيع الآخر سنة 237هـ وكانت إمامته عشر سنين وأشهر
وأياماً، ومات والمسلمون عنه راضون وله موالون ومؤازرون. انظر كشف الغمة
الجامع لأخبار الأمة ص261 - 263 رقم 459 . (5/63)
صفحة 656
والجبهة الخيل وعنه عليه السلام أنه قال : «عفوت لكم عن زكاة الخيل».
مسألة
[ قوله - صلى الله عليه وسلم - في زكاة الحمير ]
وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن زكاة الحمير أنه قال : «لم ينزل علي فيها شيء إلا قوله تعالى: { من يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شر
يره } »(1) .
مسألة
[ أسنان الإبل ]
في أسنان الإبل فابن المخاض لسنة وبنت لبون لسنتين وحق الثلاث سنين وجذع لأربع سنين واثني الخمس سنين والرباع(2) لست سنين والبازل(3)
لثمان والمخلف(4) لتسع وليس بعد الأخلاف سن ولكن يقال : بازل عام وبازل عامين وخلف عام ومخلف عامين.
مسألة
[ من أسماء الماشية ]
وأما التبع فأربعون من الغنم واليتمة يقال : إنها الزائدة على الأربعين
حتى تبلغ الفريضة الأخرى، ويقال : إنها الشاة التي يقتنيها ربها للمحلب
وليس سائمة.
مسألة
[ ما يعطى من السائمة في 5 - 10 من الإبل ]
وأما الشتق فقيل ما بين الفريضتين في الإبل ما بين خمس إلى عشر، وقيل:
إنها الغنم التي تعطى عن الإبل والبقر في الزكاة حتى تبلغ الفريضة.
مسألة
[ فطرة الأبدان ]
في فطرة الأبدان وفطر شهر رمضان هي زكاة الأبدان وهي سنة
مؤكدة(5)
__________
(1) 1- رواه مسلم وأحمد - نيل الأوطار 4/117 وفي هذا الحديث عدم الدلالة على
عدم وجوب الزكاة ولكن الحديث يفيد عدم نزول الحكم الفصل، لذا إذا كانت
معدة للتجارة ووسيلة لجلب المال ففيها زكاة النماء كزكاة عروض التجارة.
(2) 2- الرباع : يطلق على حيوان الإبل الذي بلغ ست سنين.
(3) 3- البازل : يطلق على الإبل الذي بلغ ثماني سنين.
(4) 4- المخلف : يطلق على الإبل الذي بلغ تسع سنين.
(5) 1- سنة مؤكدة : وهي ما واظب على فعله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتركه إلا نادراً، وثبت بدليل
ظني. وصدقة الفطر ثبتت عن طريق ا لسنة أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : «أدوا عن كل حر
وعبد صغيراً أو كبيراً نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاعاً من شعير»
وهناك أحاديث غير هذا. (5/64)
صفحة 657
تسليمها من أيسرها بلا تحمل دين وهي عن كل نفس صاع ولداً كان أو بالغاً أو مملوكاً ممن يمون يخرجها الأغنياء إلى الفقراء ويستحب ذلك غداة الفطر قبل الخروج إلى الجبان(1) .
مسألة
[ جواز تقديم صدقة الفطر ]
وجائز تقديم الفطرة إذا رأى بالفقر خصاصة ويخرجها مما يقتات وعليه أغلب عيشته والتمر والحب سيان والأفضل أفضل وقول : من أعطى تمراً فبالصاع الأكبر.
مسألة
[ الفطرة عن المولود ]
ومن ولد له مولود أو اشترى رقيقاً ليلة الفطر إلى ما قبلها أدى زكاته، وقيل : لا زكاة عليه، ومن أبق رقيقه وأبهم عليه أمره من غداة الفطر أو
قبلها فليس عليه أداء الزكاة عنه.
مسألة
[ الفطرة عما مات ليلة العيد ]
قال أبو الحواري : من مات ليلة الفطر أخرجت عنه الزكاة، والأصح لأن تخرج زكاة اليتيم وعن خدمه ما لم يتحملها بدين يضر بماله.
مسألة
[ الفطرة عن العبد الذمي ]
عن أبي عبد الله رحمه الله : ومن كان له عبد ذميّ أخرج عنه صدقة الفطر إلا ما كان للتجارة.
مسألة
[ إعطاء الزكاة لغير المسلم ]
ومن أعطى زكاته فقراء أهل الكتابيين بدلها لفقراء المسلمين إلا أن يشق عليه حصول مسلم أو من أهل القبلة(2) .
مسألة
[ الإخراج عن الأولاد الفاسقين ]
وعلى سيد العبد الكتابي إخراج صدقة الفطر عنه، وقول : ليس عليه
ذلك وإنما هي زكاة الأبدان على المسلمين لفقرائهم، ومن له أولاد فاسقون فعليه أن يؤدي عنهم صدقة الفطر.
مسألة
[ لا تكلف الأم بإخراج صدقة الفطر ]
قال أهل العلم : ليس على الأم دفع الفطرة عن أولادها من مالها وإن
كان لهم مال فمن مالهم. وإذا كان المماليك للتجارة فليس عليهم
زكاة الفطر.
مسألة
__________
(1) 2- الجبان : الصحراء، وهي الأرض الفضاء التي تقام بها صلاة العيد.
(2) 1- أهل الكتاب يدفع إلى فقرائهم من بيت مال المسلمين وأما الزكاة فالراجح عند
العلماء أنها لا تخرج إلا لمسلم لحديث معاذ بن جبل عندما أرسله - صلى الله عليه وسلم - إلى
اليمن، والله أعلم. (5/65)
صفحة 658
[ الزكاة عن العبيد ]
عن زياد بن مثوبة(1) عن القاسم بن شعيب(2) عن أبي عثمان : إن العبيد إذا بلغت في عملهم الزكاة من الحرث فليس عليه زكاة الفطرة.
مسألة
[ حكم صدقة الفطر ]
وصدقة الفطرة سنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أكثر القول لا يسع جهلها وتاركها مع القدرة على أدائها عاص لله وإنها لا حقة بالفرائض فإن لم
يؤدها من وجبت عليه ولم يوص بها فقد هلك(3) .
مسألة
[ دين صدقة الفطر ]
ومن مات دائناً بترك زكاة الفطرة هلك أوصى أو لم يوص وكذلك إن لحقته الحجة ولم يقبلها هلك وأما إن جهلها ولم تقم عليه الحجة بمعرفتها
فيرد الحجة ولم يمت على ذلك فهو سالم إن شاء الله .
مسألة
[ الحكمة من مشروعية صدقة الفطر ]
وسن النبي - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر لاستغضاء الفقراء إبضاعها في ذلك اليوم العظيم شأنه عند الله وليست أحكامها بأشد من أحكام الزكاة، وقد فرض الله الزكاة تعبدا منه ولاستغناء الفقراء أيضاً(4) .
مسألة
[ الحث على إخراج الزكاة ]
ويروى عنه عليه السلام أنه قال : «لو يرى أرباب الأموال في إخراج الزكاة وبثوها على الفقراء بجملتها لم يبق فقير إلا استغنى بذلك مع
الاقتصاد من الفقراء وإنما لم ينصف الأغنياء في الأداء ولا الفقراء في
الإنفاق« ومن لزمه أدائها فهو على الأغلب مما يقتات مع عامة أهل البلد
ومن لزمته كان غنياً أو دون ذلك ففي حكم أدائها سيان.
مسألة
[ نوعية صدقة الفطر ]
__________
(1) 1- زياد بن مثوبة : أبو صالح. من عقر نزوى من فقهاء القرن الثالث ومن
العلماء المبايعين للصلت بن مالك بالإمامة. إتحاف الأعيان 1/424 .
(2) 2- القاسم بن شعيب : ورد ذكره في إتحاف الأعيان أنه من سمد نزوى 1/434 .
(3) 3- الهلاك هنا الخسران وهو حبوط العمل لأنه مرتكب إثماً كبيراً لأن صدقة
الفطر زكاة الأبدان.
(4) 1- لما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : «اغنوهم عن السؤال في يومهم». (5/66)
صفحة 659
واختلفوا فيما يعيش به الإنسان مما يلزمه أداءها قول مما يعيش به سنة على الأغلب وليس عليه ما تعيش به من مخصوصات يقتات به في بعض أحواله وقول : يفطر مما يعيش به في شهر رمضان إذا وجبت عليه بسببه،و قول : يؤدي مما يقتات به يوم الفطر.
مسألة
[ مما تكون صدقة الفطر ]
ومخير من وجبت عليه زكاة الفطر أن يؤديها مما شاء من أصناف ما يقتات به من الأطعمة عن كل نفر صاع ممن يمونه وقول : بالوسط، وقول : بالأجزاء.
مسألة
[ الإخراج مما يأكل ]
قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : إذا كان يقتات في سنة البر والتمر أخرج من كل نوع نصفاً وإن أعطى دون ما يقتات من الأطعمة فقد
ترك الفضل ويجزئ عنه ولا غرم عليه.
مسألة
[ مقدار الصاع ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن عبارة الصاع ثلاثة أمنان إلا ثلث
والمن هو الرطل المكي وهو رطلان بالعراقي من حب منح وهو الصاع الذي عليه ثبوت الأحكام والمحتسب عليه إخراج زكاة الفطر عمن احتسب له
على قول، وقول : ليس عليه ذلك.
مسألة
[ الشدة في إخراج صدقة الفطر ]
عن أبي عبيدة رحمه الله : أن سائلاً سأله عن زكاة الفطر وعليه ثوبان
مثمنان فقال له أبو عبيدة : اذهب فبع ثوبيك هذين واشتر دونهما وإخراج زكاة الفطر.
مسألة
[ صدقة الفطر على المستطيع ]
وليس على رب الزرع والأصل بيع شيء منهما لزكاة الفطر وليس عليه أن يتحمل ديناً على غلته والكسوة والحلي فعلى ما قال أبو عبيدة.
مسألة
[ لا تجتمع زكاة وصدقة الفطر في آن واحد ]
وأما ما كان من العبيد للتجارة فإن كان ثمنهم تجب فيه الزكاة وكان
في المال الزكاة فلا فطرة عليهم وإن لم تجب فيهم زكاة التجارة ففيهم
زكاة الفطرة.
مسألة
[ أثر النية في زكاة الفطر ]
ويستحب لمن يسلم الفطرة أن يقول : هذا الصاع عن فلان واحداً من عياله يخبر الفقير وإن أحضر النية القلبية فكاف.
مسألة
[ أيهما أفضل العين أم المال ] (5/67)
صفحة 660
ويكره إعطاء زكاة الفطرة دراهم روينا ذلك عن ضمام(1) ويرى أخرج
الطعام أفضل ثم رأي لا فقال : الدراهم أفضل.
مسألة
[ من تلزمه فطرة رمضان ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : إنما فطرة رمضان تلزم من دخل عليه
ليلة الفطر وقول : من انشق عليه الفجر وهو حي فمن مات قبل ذلك أو
ولد بعد ذلك فلا شيء عليه.
مسألة
[ صدقة العبد على سيده ]
عن أبي سعيد رحمه الله : من باع عبده ليلة الفطر على البائع الزكاة، وقول : على المشتري والأول أصح، وإن باعه في آخر يوم من رمضان
فالزكاة على المشتري.
مسألة
[ من ولد يوم الفطر ]
قال أبو سعيد رحمه الله : من ولد له ولد يوم الفطر قبل خلو اليوم
وجبت عليه زكاة الفطر واختلفوا في الطفل الثري قول : على أبيه إخراج
زكاته من ماله، وقال أبو الحسن : يؤدي ذلك عنه من ماله وإن أدى عنه من ماله ضمن.
مسألة
[ زكاة الولد الغني من ماله ]
وإن كان للولد الصغير ثروة وله عبيد أخرجت عنهم الزكاة من ماله لا من مال أبيه إجماعاً، وإذا لم يكن لهم ففي ذلك اختلاف والأصح أنه لا
يلزمه زكاة عبيد أولاده الصغار وأما المكاتب ولو لم يؤد من كاتبه جزيلاً
ولا حقيراً فهو حر وليس على من كاتبه زكاة عنه إذا كاتبه قبل دخول ليلة الفطر، وأما العبد الأبق(2) والمغصوب من رقيق الإنسان ففيهم اختلاف،
قول : يزكى عنهم سيدهم، وقول : لا.
مسألة
[ زكاة عبيد التجارة ]
وما كان من العبيد للتجارة فقط فعلى سيدهم زكاتهم لثبوت السنة على العبد والحر.
مسألة
__________
(1) 1- ضمام : هو ضمام بن السائب الندابي أصله من عُمان و مولده بالبصرة و هو =
= من علماء الأصحاب وقد أخذ عنه الربيع بن حبيب فهو من جملة شيوخه، وقد
اعتنى الشيخ أبو صفرة عبد الملك بن صفرة بجمع روايات الربيع عن ضمام وهو
رواها عن جابر. سجن زمن الحجاج مع أبي عبيدة ثم خرج من السجن وتوفي
بالبصرة والله أعلم. انظر إتحاف الأعيان 1/162 - 163 .
(2) 1- العبد الآبق : العبد الهارب. (5/68)
صفحة 661
[ زكاة العبد الذمي ]
واختلفوا في العبد الذمي إذا ملكه المسلم قول : عليه زكاته لأن حكمه
عبد، وقول : لا زكاة عليه فيه لأنه ممنوع تملكه وبيعه في الأعراب.
مسألة
[ زكاة العبد الموصى به ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : وإذا وصى بعبد لأمراء وأوصى
بخدمته لآخر فإذا قبل الموصى له بالرقبة الوصية كانت عليه زكاته وليس
على من أوصي له بالخدمة عوض ولا زكاة في العرض.
مسألة
[ زكاة العبد المغصوب ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن العبد المغصوب زكاته على سيده
لأنه ملكه لم يخرج من يده لأنه لو قدر على أخْذِه أخَذَه ولو أعتقه لعتق.
مسألة
[ زكاة الفطر عن المماليك ]
واختلفوا في وجوب زكاة الفطر عن المماليك، قول : بمعنى : الملك، وقول لأجل المتعة لما وجبت عليه إذا ولد في المدة القريبة لتعذر منفعته لطفوليته.
مسألة
[ زكاة العبد على شرط الخيار ]
وإذا بيع العبد خياراً فإن كان الخيار للمشتري فالزكاة عليه، وإن كان للبائع فمثله، وقول : إذا كان للمشتري فالزكاة على البائع لأنه لم ينتقل عنه
ملكه، وقول : لا زكاة على أحد منهما لتعذر إثبات الملك لأحدهما.
مسألة
[ زكاة العبد المدبر ]
والعبد المدبر(1) زكاته على مدبره لأنه يملك رقبته وماله إذا ملكه باق في يده وجائز له وطئ المدبرة الأنثى وأولاد المدبرة عبيد للمدبر ولورثته ما لم يستحق المدبر العتق بموت مدبره إجماعاً.
مسألة
[ زكاة المرأة على نفسها من مالها ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن على المرأة ما على الرجل من زكاة وجبت عليها واختلفوا في ثبوتها على البعل لحليلته، قول : هي عليه غنية
كانت أو مفتقرة لثبوت عولها عليه وبنيه الصغار ومماليكه، وقول : لا زكاة عليه كانت ذا نشب أو فقيرة لثبوت التعبد عليها في نفسها فإن تكن ذات
__________
(1) 1- العبد المدبر : هو العبد الذي وعد بالحرية بعد إدبار سيده أي بعد موته يصبح حراً. (5/69)
صفحة 662
ثروة أدت عن نفسها وإلا فلا شيء عليها، وقول : إن كانت غنية أخرجت زكاتها من مالها وإن كانت فقيرة فعليه زكاتها لزوال الكلفة عنها وثبوتها في عياله. ومما أعجب الشيخ رحمه الله أن يدفع لها الزكاة وتخرجها عن نفسها ليخرجا معاًً من الاختلاف.
مسألة
[ تقسيم الغنيمة ]
وأما قسم الغنيمة(1) فإنها تقسم على خمسة أسهم فأربعة منها للمقاتلين وللفارس سهمان وللراجل سهم وإن لم يكن فيهم فارس فلكل واحد منهم سهم وللوالي والصراري والمقاتلة سيان، ويرضخ للملوك والذمي وليس لهم سهم معين.
مسألة
[ مقدار ما يعطى العبد من الغنيمة ]
قال بعض المسلمين : يعطى العبد والذمي كربع ما يعطى الحر المقاتل وأما السهم الخامس فيشطر أربعة أشطار : فشطر لله ولرسوله ولذي القربى ،
وشطر لليتامى، وشطر للمساكين، وشطر لابن السبيل.
مسألة
[ نصيب الإمام يتصرف به كيف يشاء ]
فأما ما كان لله ولرسوله فالإمام أولى به يضعه في إصلاح المسلمين، وما كان لذوي القربى فاليوم سبيله كسبيل سهم الله ورسوله لتعذر وجدانهم
فإن وجدوا أعطوا كما كان يعطيهم أبو بكر رضي الله عنه يزوج الأيم
ويخدم من لا خادم له وينفق على فقرائهم.
مسألة
[ تقسيم كنوز الجاهلية ]
وكذلك قسم كنوز الجاهلية وأقل ما يكون فيه الخمس خمسة دوانيق
وهي للتي عليها سمة الجاهلية وأما كنوز أهل الإسلام فهي التي عليه سمة
الإسلام وهي سبيلها سبيل اللقطة.
مسألة
[ ما يأخذه من الصوافي ]
وأما الصوافي فإنها من الغني وحلال لذوي الثروة وكذلك الأقنار إذا احتاجوا لذلك وإن كان الإمام عدل فالرأي فيها إليه وإلا فكما قلنا فيها آنفاً وجائز أخذ التراب منها بلا مضرة للمعسر والموسر برأي الإمام مع وجوده ومع عدمه فلا بأس.
مسألة
[ حكم بيع الصوافي ]
ولا يجوز بيع الصوافي إلا إذا عنى الإمام أمران فيه الضرورة إلى ذلك
__________
(1) 1- الغنيمة : هي ما أوجف المسلمون عليها بالخيل والركاب وأخذ بالحرب. (5/70)
صفحة 663
فجائز إذا حاذر ضرراً على الدين والدولة وذلك بمشورة أهل الحجة وإذا
باع الإمام برأيه جاز.
مسألة
[ سيطرة غير الإمام ]
وإن باع غير الإمام العدل من الصوافي ثم استقام إمام عدل على المصر
فله نزعها من مشتريها ولا عليه رد الثمن وليس له رد الغلة.
مسألة
[ ماهية الصوافي ]
وقيل إن الصوافي فيها ثلاثة أقاويل : إنها أموال كانت للمجوس فلما أن ظهر الإسلام خيروا بين الدخول في الإسلام أو الانجلاء، وقول : أنها أموال وجدت في يد السلطان، وقول إنها أموال قوم جار عليهم السلطان فتركوها وانجلوا هذا على قول من حجرها.
مسألة
[ التصرف في الصوافي ]
ولا يجوز للإمام شراء أصل من الزكاة إلا منزلاً يسكنه القوم بلا أمر وأما من غلة الصوافي فيشتري ما شاء من الأصول مما يحتاج إليه المسلمون وليس
في الصوافي شفعة وليس لها.
مسألة
[ حكم ما غنمه المسلم من المشرك ]
وكل ما غنمه المسلمون من المشركين فهو صافية وهذا فعل سيدنا
عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما غنم من أموال أهل فارس(1)
والأهواز(2) وغيرهن لما استحقهن جعلهن أصلاً لمستخفهن ولمن أتى بعده
من المسلمين.
مسألة
[ حجة عمر في عدم التقسيم ]
فإن قيل : فما الحجة لعمر في ذلك؟ قلنا : قول الله تعالى : { للفقراء والمهاجرين والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } (3) .
مسألة
[ حكم الصوافي والجزية وأموال النصارى ]
__________
(1) 1- فارس : هم أهل فارس وكانوا يعرفون بالحضارة الفارسية التي انتهت
بعد معركة القادسية على يد القائد المسلم الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص =
(2) = رضي الله عنه ودخلت في الحضارة العربية الإسلامية وهم الآن إيران وما
حولها من بلاد العجم الذين يتكلمون اللغة الفارسية.
1- الأهواز : منطقة بلاد فارس واليوم من الجمهورية الإيرانية الإسلامية.
(3) 2- سورة الحشر : آية 10 وآية 8 . (5/71)
صفحة 664
والصوافي والجزية وأموال نصارى العرب وأموال الحرب ومصالحة أهل العهد فهذه كلها فيء(1) وليست هي كالصدقة وليس فيها سهم ثابت
للفقراء وإن أعطاهم الإمام برأيه جاز إذ لم يحتج الإمام إليه.
مسألة
[ قول موسى بن أبي جابر في الصوافي ]
قال موسى بن أبي جابر رحمه الله : ما جاء من الصوافي فهو لذوي
الهاذم الذابين عن البلاد الحامين لأعراض المسلمين، قال هاشم بن غيلان(2)
رحمه الله : ما وجد من أموال الصوافي في يد الجبابرة فجائز الأكل منها إذ احتاج لذلك لأنها أموال المسلمين.
مسألة
[ جواز الأكل من الصوافي ]
يروى عن الشيخ بشير بن المنذر(3) رحمه الله تعالى عن بعض الفقهاء أنه كان يحب أن يأكل من الصوافي ولا يأكل من الصدقة وإن كانت بيد
الإمام العدل جعلها في عز الإسلام وما أعطى منها بالمعروف فواسع له وإن كانت في بلد لا سلطان فيها فأحب أن يتولى أمرها الصالحون من أرباب
البلد ويقيموا لها من يحفظها ويقم بمصالحها وحصاد غللها.
مسألة
[ حكم شراء غلة الصوافي ]
__________
(1) 3- الفيء : هو ما اكتسب دون حرب. قال تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من
أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي
لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } [الحشر : آية 7].
(2) 1- هاشم بن غيلان : هو الشيخ العلامة أبو الوليد بن غيلان السيجاني نسبه إلى
سيجا بلد من أعمال سمائل يعد من أكابر علماء عُمان في نهاية القرن الثاني
وأوائل القرن الثالث وهو أحد الذين نقلوا العلم من البصرة إلى عُمان. إتحاف
الأعيان 1/176 - 178 .
(3) 2- بشير بن المنذر : هو الشيخ العلامة أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي العقري جد
بني زياد كان من تلامذة الربيع وأحد الأربعة الذين حملوا العلم من البصرة إلى
عُمان، وهو أحد أكابر العلماء في عصره وقد أدرك عصر الإمام الجلندي
وكان له دور في إعادة الإمامة بعد هزيمة بني الجلندى الذي تغلبوا على عُمان مدة= (5/72)
صفحة 665
ولا يجوز للسلم شراء غلة الصوافي من يد الجبابرة أو عمالهم إن أمكنه على قول، وإن دفع إليهم الثمن فهو أولى بماله إلا أن ينوي إعانتهم على المسلمين ولا يجوز تسليمها لذوي الجور وإن أخذوها استبرازاً فلا ضمان على الإمام ولا على المسلمين إذا رفعوا أيديهم عنها عند العجز عن الذود عنها ولا نحب تسليمها مع رجاء السلامة إذ هي أمانة عنده.
مسألة
[ أكل الأزهر بن علي من مال الصوافي ]
قال الأزهر بن علي : رأيت أبي يأكل من بقل الصوافي قبل ظهور إمام العدل فلما ظهر إمام العدل اشترى له منها فأكل.
مسألة
[ أثر غصب الجبابرة للأموال ]
وأما ما غصبه الجبابرة من الأموال فمردود إلى أربابه فإذا فقد العدل فمن بيده صافية فهي بيده وله حصة منها وقسم باقي على فقراء المسلمين.(1)
مسألة
[ إصلاح مال الصوافي ]
وإن وجد الصافية ضائقة وقام بمصالحها قائم من زرع وغيره جاز له وإن رام شراء شيء منها وهي في أيدي الجبابرة فما نرى عليه بأساً مما يجوز
أخذه بنفسه للحاجة إليه هذا عن أبي المؤثر رحمه الله.
مسألة
[ كيف التعامل مع أرض الصافية ]
وعن أبي سعيد رحمة الله اختلف أهل العلم في دفع أرض الصافية على سبيل الغرس وإن يكون للفارس جزء مما يغرسه بما يستحق من الأرض فقول : لا يجوز لأن ذلك إزالة أصل عن حاله، وقول : جائز على معنى الإصلاح ويقوم المسلمون في ذلك مقام الإمام مع عدمه.
مسألة
[ حكم صرف الصدقة على عمال الصوافي ]
وأما عمال الصوافي فقد اختلفوا في الصدقة عليهم والأصح أنه إذا
صاب العامل نصاباً كان عليه الزكاة وقول : إذا بلغت حصة الجميع ثلاثين أخذت الزكاة منهم جميعاً، وقول : صوافي عمان بمنزلة قطعة واحدة.
مسألة
[ أموال المحاربين بعد ترك الديار ]
__________
(1) = تزيد على أربعين سنة. قيل توفي سنة 178هـ أيام الإمام الوارث بن
كعب الخروصي، رحمهما الله. إتحاف الأعيان 1/167 . (5/73)
صفحة 666
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين من بعده كانوا يدعون المشركين إلى الإسلام فيمتنعون ويحاربون ويطهر وينجلوا من ديارهم فتبقي صوافي
وقسمها كما أخبر الله تعالى ويقسمها الإمام بمشورة العلماء.
النهج السادس والعشرون
في الجزية وزكاة ما وصي به ونبذة فيها في
الزكاة والمضاربة والعروض والماشية
[ من لا جزية عليهم ]
وليس على نساء أهل الذمة جزية(1) ولا الصبيان و لا الزمنا ولا المماليك ولا الرهبان وهم مقيمون في الصوامع للعبادة.
مسألة
[ لا جزية على المساكين والفقراء ]
ومن ظهرت عليه سمة المسكنة فلا جزية عليه وما سوى هؤلاء أخذ من هم لكل شهر درهم وعلى المثري درهمان لكل شهر وأما الدهقان فتؤخذ
منه لكل شهر أربعة دراهم فإذا هل الهلال أخذت الجزية.
مسألة
[ ما يؤخذ من الدهقان ]
وقالوا إن الدهقان من ملك أربعون ألف درهم أو ثمنها أصلاً ولا يؤخذ
منهم أقل من درهم ولا أكثر من أربعة دراهم وإذا صح هذا أنه من خيبر(2)
فلا جزية عليه.
مسألة
[ أخذ الجزية بأثر رجعي ]
ومن كان من أهل الذمة وله مال وعيال بعمان فغاب إلى بلد أهل الأوثان ثم وافى عمان أخذت منه الجزية لما مضى إذا لم يكن أعطى الجزية.
مسألة
[ الغيبة في دار الإسلام وأثرها على الجزية ]
وأما إن غاب إلى الأرض الإسلام لم تؤخذ منه الجزية لما مضى إذا وافى عمان وإن كان له بها أهل ومال واعترف بعد أخرجها أخذت منه لما مضى.
مسألة
__________
(1) 1- الجزية : مبلغ من المال يؤخذ من كل رجل من أهل الكتاب والمجوس مقابل
أن نحميهم مما نحمي منه نساءنا وأطفالنا.
(2) 1- خيبر : مدينة من مدن الحجاز وكانت آخر معقل من معاقل اليهود في الجزيرة
العربية أقرهم عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يخرجهم متى شاء، وأخرجهم عمر رضي
الله عنه منها، حتى لا يجتمع دينان في جزيرة العرب. وتشتهر بالنخيل. وهي الآن
مدينة من المدن العامرة بالمسلمين وهي محطة للحجاج وعُمار بيت الله الحرام. (5/74)
صفحة 667
[ متى تؤخذ الجزية ]
ومن نشأ من أهل الذمة في بلد الشرك ثم قدم إلى عمان فلا تؤخذ منه الجزية حتى يمكث ثلاثة أشهر ثم تؤخذ منه لما يستأنف، وقول : لما مضى، : وقول إذا أقام شهراً أخذت منه الجزية وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ مقدار ما يؤخذ من نصارى العرب ]
ويؤخذ من نصار ى العرب ضعف ما يؤخذ من نصارى المسلمين من الصدقة وهو الخمس(1) ولا جزية عليهم ولا تجب الصدقة في أموالهم حتى
تبلغ كأموال المصلين ويحول على الورق عندهم حول من ملكوه وهكذا
قيل في يهود العرب على قول.
مسألة
[ مقدار ما يدفعه عامل النصارى المسلم ]
وعامل النصارى الذين يلزمهم الخمس إذا كان مسلماً فإنما عليه في
حصته العشر وافي حصة النصارى الخمس وتؤخذ الصدقة من أموال
الرجال منهم والصبيان على ما يؤخذ من ذوي الإسلام إلا أن عليهم
الضعف مما على المسلمين.
مسألة
[ شراء العربي للنصراني وما عليه من مال ]
وأما إذا اشترى العربي النصراني أو ورثه أو صار إليه بوجه من الوجوه
ففيه عليه الضعف من في الصدقة.
مسألة
[ ما يشتريه الذمي وما يترتب على ذلك ]
وما اشترى الذمي من أصل أو ماشية من أرض المسلمين ففيها الزكاة ولو تداولها مالك على مالك على أي ذمي وليس له الخروج بماشيتهم من أرض المسلمين إلى أرض الشرك إذا جرت فيها الصدقة.
مسألة
[ شراء الأرض من النصارى وما يترتب عليها من العشور ]
__________
(1) 1- وذلك لما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع نصارى تغلب، عندما صالحهم
عمر بن الخطاب على أن تضاعف عليهم الجزية بدون اسم الجزية، لأنهم قالوا :
إذا وضعت علينا الجزية لحقنا بأعدائك من الروم، وإن أخذت منا ما يأخذ
بعضكم من بعض وتضعه علينا فافعل، فشاور عمر الصحابة رضوان الله عليهم،
فأجمعوا على ذلك، وقال عمر : هذه جزية فسموها ما شئتم. انظر الاختيار
لتعليل المختار 1/115 الهامش دار المعرفة. (5/75)
صفحة 668
وأما ما اشتراه المسلمون من أرض نصارى العرب التي كان يجري فيها الخمس فإنما عليهم فيها العشر. قال الشيخ أبو علي بن الحسن بن أحمد(1) :
إنما عليهم فيها الخمس لأن الخمس أصل ثابت فيها حيث ما تحولت.
مسألة
[ الإنفاق على المرضى والشيوخ من أهل الذمة ]
بلغنا عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مرّ بذمي ذي وصب ملقى على قارعة صراط فلما رآه قال : أخذنا منه الجزية صحيحاً ونضيعه مريضاً، وكأنه يريد أن ينفق عليه من مال الله(2) .
مسألة
[ ادعاء اليهودي أنه من خيبر ]
من جواب أبي علي إلى هاشم بن الجهم رحمهم الله : وإذا أخذ
اليهودي بالجزية فادعى أنه خيبري وأنه يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا جزية عليه
ولا يقبل منه ذلك لأنه يدعي إزالة حق عن نفسه.
مسألة
[ تردد الذمي بين الدارين ]
وإذا كان الذمي يختلف من دار الإسلام إلى ديار الحرب وأهله بدار
الحرب فلا تؤخذ منه الجزية، قال الشيخ أبو محمد رحمه الله : إن من أقبل
من دار الجزية فأقام بدار المسلمين شهراً أخذت منه الجزية.
مسألة
[ لا جزية على رهبان النصارى ]
الرهبان(3)
__________
(1) 1- الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد : هو الشيخ العلامة الفقيه القاضي أبو علي
الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان العقري النزوي رحمه الله من علماء القرن
السادس ومن أشهر علماء عُمان في زمانه وهو شيخ العلامة محمد بن إبراهيم
الكندي توفي رحمه الله سنة 576هـ . انظر إتحاف الأعيان 1/248 .
(2) 1- هذا يدل على سماحة الإسلام وحسن معاملة أهل الذمة.
(3) 1- الرهبان مفردها راهب. والراهب معتزل الحياة للعبادة ورد ذلك في قوله تعالى :
{ ورهبانية ابتدعوها ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها
فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } [سورة الحديد : آية 27]. (5/76)
صفحة 669
هم زهاد النصارى المنقطعون في صوامعهم الحاسبون أنفسهم من مضارب فهؤلاء لا جزية عليهم وأما الشماسون(1) فهم القوام على
بيعهم وكنائسهم وبيوت نارهم فهؤلاء عليهم جزية.
مسألة
[ لا زكاة ولا جزية على يهود خيبر وقريظة ]
ويهودي خيبر وقريظة(2) إذا كان له جمة نسب فلا زكاة عليه ولا جزية لأن جرى عليه صلح النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من كان منهم من يهود العرب فإنه
يؤخذ من ماله الخمس.
مسألة
[ حكم دخول اليهودي المسجد ]
وعن أبي عبد الله رحمه الله : ولا بأس بيهود خيبر أن يلج المسجد،
وقيل بقول إن يهود خيبر تؤخذ منهم الجزية.
مسألة
[ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمجوس ]
عن عبد الرحمن بن عوف(3) رحمه الله أنه قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب(4)
__________
(1) 2- الشماسون : ما يعرف بالسدنة، أو قيم الدار الذي يقوم على شؤونها العامة.
(2) 3- قريظة : هم آخر القبائل اليهودي انتهاءً من المدينة بعد نكثهم العهد مع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الأحزاب وقد حكم فيهم سعد بن معاذ في نهاية غزوة بني
قريظة أن يقتل الرجال وتقسم الأموال والنساء والأطفال جزاء خيانتهم.
(3) 1- عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن كعب
بن لؤي، أبو محمد أحد العشرة وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين
البدرين القرشي الزهري، وهو أحد الثمانية الذي بادروا إلى الإسلام. له عدة
أحاديث روى عنه ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك وبنوه : إبراهيم
وحميد وأبو سلمة وعمر، ومصعب بنو عبد الرحمن بن عوف وغيرهم. له
حديث في قتل الساحر والجزية...، كان كثير المال ينفق منه في سبيل الله توفي
رضي الله عنه بالمدينة سنة 35هـ ودفن بالبقيع وعاش 75 سنة رضي الله عنه.
انظر سير أعلام النبلاء 1/68 - 92 .
(4) 2- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 2/660 رقم 1151 قال :
أخرجه الموطأ 1/278 في الزكاة باب جزية أهل الكتاب والمجوس ورجاله
ثقات، لكنه منقطع، فإن محمد بن علي لم يلق عمر وله شاهد من حديث
مسلم بن العلاء الحضرمي من رواية الطبراني بلفظ «سنوا بالمجوس سنة أهل
الكتاب في أخذ الجزية فقط». (5/77)
صفحة 670
روي ذلك عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - ، قال أبو معاوية رحمه الله : هذا مخصوص في الجزية.
مسألة
[ إعطاء فقراء أهل الذمة من الجزية ]
وجائز للإمام إعطاء فقراء أهل الذمة من الجزية إذا احتاجوا لذلك فإن
تعذر حصول شيء من الجزية أعطوا من الصلح بين المسلمين فإن لم يكن
شيء فمن الصدقة وكل ذلك جائز.
مسألة
[ جواز تحويل الْمَسقى للمصلحة ]
ومن له مسقي في الصافية هل يجوز تحويله؟ فإذا كان في تحويله صلاحاً للصافية فلا بأس.
مسألة
[ زكاة الثمار المنتقلة من يد صاحبها ]
وإذا اشترى اليهودي ثمرة مال المسلم قبل الصرام فإن اشتراها فصرمها بسراً قبل الدراك فلا صدقة عليه إلا في الورق إن كان وقع البيت في زمانه الذي يزكي فيه ورقه وإلا فهي مع ورقه، وإن تركها حتى صارت تمراً
فزكاتها على رب الأرض إلا أن يشترط على اليهودي أن الصدقة عليه إذا أتمرها فله شرطه، ومن اشترى ثمرة ليهودي أو نصراني فلا صدقة عليه وله
شراء ثمرة أهل الذمة ومواشيهم وأمتعتهم، وقيل : إذا اشترى الثمرة بعد دراكها فلا زكاة فيها حيث ما كانت على المشتري وإن صارت له قبل
الدراك وأدركت يده زكاتها.
مسألة
[ زكاة أصحاب الصنائع ]
ومن اشترى عبداً للخدمة كالحياكة وغيرها من الصنائع هل يحمل على
زكاة ماله في القيمة أم حتى يكون قصده في الشراء للتجارة خاصة؟ فإذا
اشتراه للغلة لم تحمل على التجارة إلا ما انشغل منه.
مسألة
[ زكاة العبد الموروث ]
ومن اشترى عبداً للتجارة ثم مات فاقتناه الوارث للغلة هل يحمل على
ماله في الزكاة؟ فإذا اقتناه للغلة فلا زكاة عليه.
مسألة
[ زكاة التجارة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن كل ما ليس فيه الأصل زكاة أنها إذا دخلت في التجارة ثبت فيها زكاة التجارة وكل ما كان في أصله زكاة
فأدخله مدخل التجارة ففي الزكاة فيه اختلاف، قول : لا تتحول زكاته
زكاة التجارة، ،وقول : بل فيه زكاة التجارة على حال، وقول : إذا وجبت (5/78)
صفحة 671
في التجارة الزكاة كان هو تبعاً لها وإلا ففيه زكاة نفسه.
مسألة
[ أثر الخسارة على الزكاة ]
ومن اشترى للتجارة بمبلغ النصاب وحال عليه الحول وقد انحطت
قيمته، قول : يزكيه على أصل الشراء ولا ينظر في الحط من الثمن ولا نموه عن الأصل، وقول : يحسب ثمنه أوان وجوب الزكاة فيه هذا إذا لم يكن معه
مال غيره تجب فيه الزكاة.
مسألة
[ كيفية زكاة التجارة ]
عن الشيخ أبي جابر رحمه الله : وكل ما كان من مال التجارة وبلغ النصاب ووجبت فيه الزكاة ولم يبعه أخرج الزكاة منه بسعر يومه، قال أبو صفرة : فإن كان فيه ربح قوم عند حلول زكاته وإن كان فيه وضيعه فمن رأس ماله تكون فيه الزكاة وإن باعه ببخس فلا زكاة عليه إلا مما في يده.
مسألة
[ أثر النية في زكاة الأشياء ]
ومن حفظ أبي الحواري رحمه الله : ومن كانت له دراهم تجب فيها
الزكاة ثم أنفق منها على زراعة فإن زرعها للتجارة وأنفق عليها من هذه الدراهم ففيها زكاة التجارة وإن لم يكن زرعها للتجارة ولم يبلغ الحب
نصاباً فلا زكاة في الزراعة وإن أنفق من الدراهم بعد محل الزكاة ففيها
الزكاة خاصة.
مسألة
[ زكاة الزروع المعدة للتجارة ]
ومن اشترى أصلاً يريد به التجار فأثمر فعليه زكاة الثمر بإجماع، عن الشيخ أبي محمد : ومن اشترى محظوراً للتجارة فربح فيه فالزكاة على
رأس ماله وفي الحرام زكاة وهو لأهله وإن كانت خمراً إهراقها أو لحم
خنزير دفنه.
مسألة
[ زكاة المال عند نصابه وحلول حلوله ]
ومن بعث بمال يشتري به بدن وتنحر بمنى أو بالحرم ويفرق لحمها على الفقراء فحل وقت زكاته قبل إنفاذ ذلك ففيها الزكاة ويبدل ربها ما أخرج منها استحباباً وإن لم يبدله فلا شيء عليه إلا أن يكون شيئاً واجباً.
مسألة
[ زكاة المال عند حولان الحول ]
وكل ما حال عليه حول في بلد فصدقته ينفذ فيها ولو لم يكن لرب
المال، وإذا لم يحل عليه فصدقته مع صدقة ربه في بلاده.
مسألة
[ زكاة الآنية ] (5/79)
صفحة 672
وإذا اشتريت الآنية للانتفاع لا للربح فلا زكاة فيها وإن نوى بها للربح ففيها الزكاة وإن اشترى شيئاً للربح ثم حول نيته عن التجارة للانتفاع هل تجب فيها الزكاة؟ إذا لم تكن وجبت فيه من قبل فإذا حول نيته قبل الحول
لم تكن فيه زكاة التجارة.
مسألة
[ تحول النية وأثرها على الزكاة ]
وأما إن اشترى شيئاً للربح وحال عليه الحول منذ وقع الشراء هل عليه
زكاة؟ إذا كانت تلزم في جملته الزكاة فما استحال عن حال التجارة ثم
حوله بالنية إلى التجارة لم يتحول بالنية وهو على حالته حتى يحوله في
غيره مما يريد به للتجارة أو في تبر أو لجين.
مسألة
[ تحويل الماشية من التجارة إلى السائمة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : وإذا حول ما اشتراه من الماشية للتجارة إلى السائمة قبل وجوب الزكاة فيه تحول للتجارة وكذلك ما حول من العروض للمنافع ومن الرقيق للخدمة وللغلة فإذا كان ذلك قبل وجوب
الزكاة تحول من التجارة إجماعاً، وأما إن حول من السائمة إلى التجارة فلا تتحول النية عن أصله إلا أن ينقله إلى غيره ببيع أو ببدل يريد به التجارة فإذا آن محل زكاته وليس له عروض قومت العروض عليه وحملت على ما معه
من الدراهم إن كانت دراهم فإذا أكملت النصاب أدى منها الزكاة.
مسألة
[ زكاة الدين المؤجل ]
ومن كان له دين آجل هل يحمل على ماله في تسليم الزكاة؟ فلا زكاة عليه فيه فإذا آن أجله وكان قادراً على استيفائه سلم زكاته ولو لم يقبضه
وإن كان على غائب أو مقتر فلا زكاة عليه إلا فيما قبض منه.
مسألة
[ إذا كان الدين سلفاً ]
وأما إذا كان الدين سلفاً فآن وقت زكاته فإنه مخير في تسليم الزكاة من رأس ماله أو من حب السلف والأوفر منهما أفضل ومن له مال يبلغ نصاباً وعليه ديون تستغرق ماله فإن نوى أداء ما عليه قبل محل زكاته فلا زكاة
عليه وإلا فعليه الزكاة.
مسألة
[ تقويم البضاعة على التاجر ] (5/80)
صفحة 673
ويقوم على التاجر ما كان في يده للتجارة قيمة وسط على سعر البلد ويترك له ما يكفيه ويكفي ما يمون إلى ثمرة أخرى هذا يوجد في كتاب أبي جابر عن أبي علي رحمهم الله.
مسألة
[ زكاة الأمتعة الشخصية ]
وقالوا : إن الدراهم والعروض فلا يترك له منها شيء وكذلك الكسوة
فلا يحبس له منها شيء، وقيل : إذا قال أنه يحبس شيئاً من الكسوة
لكسوته وشيئاً من الرقيق لخدمته أو شيئاً من الدواب لضيعته أو متاعاً لبيته
قبل وقت الزكاة أو بعده فلا زكاة عليه فيه حتى يأتي وقت زكاته من قابل ويزكي ما بقي.
مسألة
[ زكاة ما حبس مع التجارة ]
وإن أدخل ما حبس بعد ذلك في التجارة فلا زكاة عليه فيه حتى يأتي وقت زكاته من قبل.
مسألة
[ تحويل النية من السائمة إلى التجارة ]
ومن كانت له غنم وبقر سائمة تجري فيها الصدقة قبل حولها حولها للتجارة وله تجارة غيرها تجب فيها الصدقة أو لم يكن له فيها شيء غير ما
نوى تحويله فحال الحول وهي في يده ففيها زكاة السائمة ما لم يحولها
بضاعة أخرى ويبدل بها غنماً أخرى أو بقراً.
مسألة
[ أثر النية في الزكاة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الأعمال بالنيات»(1) فإذا نواه للتجارة وكان مما تجب
فيه الزكاة أو كان له مال يزكيه كان فيه الزكاة والقول هو الأول.
مسألة
[ زكاة الأموال التجارية ]
قال بعض المسلمين : ما نواه للتجارة أو في يده من غلة ماله أو غيره ففيه الزكاة ولو يحوله إلى غيره وقول : إنما ذلك فيما استن وليس ذلك مما أصاب.
مسألة
[ أخذ الماشية للتجارة ]
ماشية ينوى بها للتجارة فحال عليها الحول ففيها زكاة الماشية لأنها
__________
(1) 1- هذا الحديث صحيح وهو حديث آحاد في بدايته ومشهور في وسطه ومتواتر
في الحلقة الثالثة وهو متواتر تواتراً معنوياً وعليه مدار كثير من الأحكام التعبدية،
وكان العلماء رحمهم الله يفتتحون به كتبهم لأهمية النية وإخلاص العبودية
لله عز وجل. (5/81)
صفحة 674
ليست سائمة ولو لم يرد بها النتاج، وقول : يقوم في الحول ثم يؤد عنها
زكاة التجارة وبالقيمة تأخذ، وقول : إذا وجبت فيها زكاة التجارة زكيت زكاة التجارة ولو وجبت فيها الزكاة السائمة، وقول : فيها زكاة الماشية، وقول : فيه زكاة الورق، وقول : بالأوفر.
مسألة
[ مبادلة الماشية بالماشية ]
ومن كانت له ماشية فبادل بها ماشية أخرى فعليه زكاتها بعد ذهاب الحول، وإن بادل بها قبل الحول غيرها كالإبل والبقر هي غنم كأنه باعها بدنانير فلا زكاة عليه حتى يحول منذ بادل بها.
مسألة
[ مبادلة الماشية بغيرها ]
ومن له ماشية فبادل بها بشيء وبقي البعض في يده وحال عليه الحول
وهي تبلغ نصاباً أدى زكاتها فعليه زكاة العروض.
مسألة
[ متى تزكى العروض ]
ومن ملك دون مائتي درهم أو دون عشرين مثقال ذهب فاشترى به عروضاً للتجارة فباع العروض بما يبلغ نصاباً فعليه زكاة العروض يوم ملك العروض لا يوم ملك الدراهم.
مسألة
[ تغير العملة بعملة أخرى وأثرها على الزكاة ]
ومن ملك مائة دينار ثم اشترى بها مائة دينار مثلها بعد أن ملك الأولى عشرة أشهر واشترى ألف درهم فلا زكاة في الدراهم الأخيرة ولا الدنانير
منذ ملكها وهكذا إذا اشترى سائمة.
مسألة
[ اختلاط التجارة بغيرها ]
ومن كان عنده طعام من حرثه أو غير ذلك مما لم يكن للتجارة فأدخله
في تجارته فلا زكاة عليه.
مسألة
[ كيفية زكاة أصناف التجارة ]
عن أبي الحسن رحمه الله : ومن له تجارة بضاعة فمخير إن شاء زكى
كل صنف منها أو قومها دراهم فأخرج زكاتها دراهم فإن أخرج زكاتها
منها أخرج من كل أربعين جزءً جزءً، وإن قومها فبسعر يومها.
مسألة
[ زكاة العروض جائزة بالدراهم أو عين البضاعة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إنه يزكي العروض من التجارة بما يثبت فيها من النقد، وقال قوم : يقيمها يوم تجب فيها قيمة وسطه وقول بقيمة
يقدر على بيعه بالنقد لأنه إنما عليه في الأصل زكاة النقد، وقول : له الخيار (5/82)
صفحة 675
أن يزكي من نفس العروض أو من القيمة.
مسألة
[ الزكاة في بلد الشرك ]
ومن حفظ أبي صفرة رحمه الله : ومن كان في بلد الشرك يتجر بما
عنده من الزكاة في تجارة السائمة فإن ربح فلهم وإن خسر فليس عليه وهو كالأمين. قال أبو عبد الله : هو ضامن للزكاة أن خلطها وإن ميزها فالربح له والضمان عليه ولا ربح للمسلمين وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ التجارة بمال المقترض ]
ومن اقترض من مال المسلمين فتجر به بالربح له والضمان عليه لرأي المال إذا اقترضه من إمام أو نائب وإن اقترضه مما في يده من غير مقرض ففي
ذلك اختلاف والأصح أن الربح له والضمان عليه وإن تجر به بلا قرض فعليه ضمان ولا ربح له.
مسألة
[ حبس الوصية وأثر الزكاة عليها ]
ومن دفع دراهم لآخر وأوصى عليه إن مات ليدفعها لعدة أناس فحبسها بعد موت الموصي بره هل فيها زكاة قال : لا لأن حصة الواحد منهم لم
تبلغ نصاباً وليس هم شركاء على هذا الوجه.
مسألة
[ اليمين في الزكاة ]
عن الشيخ هاشم بن غيلان رحمه الله : ومن أتى بصدقة ماله فحنث
فوقع عليه في الثمن مائة درهم فطلبت إليه الزكاة من حلي له فقال : إن
كان يعطي المائتي درهم(1) وإلا فلا يرفع عنه.
مسألة
[ زكاة المال الموصى ]
ومن أوصى للحج بمال فلبث في يده عدة برهة عليه زكاه؟ قال : نعم
على كل مال موص زكاة إذا لم يكن عينه الموصي وإن عينه فلا زكاة فيه
على الأصح عن محمد بن محبوب الرحيلي رحمه الله.
مسألة
[ زكاة المال الموصى به للفقراء ]
ومن جواب أبي مروان إلى أبي علي رحمهم الله : ومن أوصى بنخلة للفقراء أو للأقربين هل فيها صدقة إذا بلغت ثمرتها نصاباً؟ إن كانت للفقراء
فلا زكاة فيها وإن كانت للأقربين فإن كان أحدهم تجب عليه الزكاة من
ماله غير هذه الوصية حملت حصته على ماله وأخذت منه الزكاة.
مسألة
[ زكاة المال الموصى به إذا حال عليه الحول ]
__________
(1) 1- في الأصل : الدرهم. (5/83)
صفحة 676
ومن جواب محمد بن محبوب رحمه الله إلى موسى بن خالد(1) رحمه
الله : ومن أوصى لآخر بمال وحالت عليه أحوال منذ أوصى له به فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضوه ويحول عليه حول على الأرجح.
مسألة
[ أثر وصية الحج على الزكاة ]
ومن أوصى بحجة تبلغ النصاب فباع الوصي من مال الموصي أصلاً
فدفعها للأجير فتعذر عليه الخروج للحج حتى مضت عدة برهة فهل فيها زكاة؟ فلا زكاة إذا كان قد دفعها للأجير، وعن أبي الحسن رحمه الله :
ومن أوصى بوصية وحدها في شيء من ماله فباع الوصي ذلك الشيء أو
الورثة وبقي في يده حتى حال حول ففيه الزكاة إذا كان من أنواع البر
وليس لمن أوصى بدراهم محدودة مميزة.
مسألة
[ أثر أفراد الوصية على الزكاة ]
من كتاب أبي جابر رحمه الله : ومن أوصى بشيء من ماله للمسلمين أو للشد أو للفقراء فإذا كان ميزها الهالك قبل موته ولو كثرت ومكثت أعواماً فلا زكاة فيها ومن أوصى بشيء من أنواع البر كالحج ولم يميز وكانت ما أوصى بها من الدراهم بل ميزها الوصي والوارثون أو السلطان وبقيت
حولاً وكانت مما تبلغ النصاب ففيها الزكاة وعلى الوارثين بدل ما يخرج
منها ولو أحوالاً من ثلث مال الهالك فإذا نوى الثلث فلا زكاة فيها وإن
أخذها الجابي بعد إنفاذ الثلث في الوصايا فعليه رد ما أخذ.
مسألة
[ 1 - تلف المال بعد إخراج الزكاة ]
[ 2 - مرور الحول على الوصية ]
وأما إن تلف المال كله بعد أن أخذ المصدق الزكاة بقي ما نقص من ثلث الوصايا على نقصانه ولم يكن علي المصدق رد لأنه أخذهما في وقت من وجبت له، وإن كان الحاج قد قبض الحجة وضمنه إياها الوصي والوارثون أو غيرهم مما يلي ذلك فلا زكاة عليهم فيما قبض منها وعلى القابض في
هذه الصفة زكاة ما صار له من ذلك إذا حال له عنده حول وهو مما
تجب فيه الزكاة.
مسألة
[ زكاة الوصية إذا لم تدفع إلى الأجير ]
__________
(1) 1- موسى بن خالد : من علماء عُمان في عصره ومعاصر لمحمد بن محبوب المتوفي
سنة 260 . (5/84)
صفحة 677
وأما إذا لم يأخذه الأجير بالضمن وإنما أخذها على أنها عنده للورثة
فإذا حج دفعوها له وهي عندهم ولم يقبضها هو فلا زكاة(1) فيها والزكاة
على الورثة.
مسألة
[ أخذ الأجير الزكاة ثم تلفت في يده ]
وأما لو أخذ منهم الدراهم وقاطعوه على الحجة فتلفت الدراهم فلا زكاة عليه فيها وإن بقيت في يده حتى دخل وقت زكاة هذا المال ففيه الزكاة
على الورثة في ثلث مال الهالك لأنه لم يستحق المال بالأجرة وإنما هو عنده أمانة فإذا قضى الحق استحق الأجرة فإن حال عليها الحول من استحقها
وهي مائة درهم فعليه الزكاة وإن آن وقت زكاة الدراهم قد استحقها هو
فلا زكاة عليه ولا على ورثته حتى يحول عليها الحول.
مسألة
[ تعذر إنفاذ الوصية وأثر ذلك على الزكاة ]
ومن أوصى بوصية على وصي وجعل بيده شيئاً من الذهب والفضة
فتعذر إنفاذ الوصية حتى حال الحول أو أحوال وهو على الشركة تجب فيه
الزكاة أم لا؟ وإن وجبت أعلى الموصي أم الورثة؟ وإن كان الموصي لم يأمن الورثة إن أخبرهم كيف يصنع الذي ميزه الموصي في حياته للحج ومثله فلا زكاة فيه وإن ميزه الورثة ففيه الزكاة.
مسألة
[ لا زكاة على الوصية إلا بعد حولان الحول ]
ومن أوصى لأولاده بصداق أمهم أو دين غير الصداق بعشرة آلاف
درهم فلا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول بعد أن يقضوها ثم الزكاة على
كل واحد منهم في حصته.
مسألة
[ الوصية بالثمار وأثر الزكاة عليها ]
ومن أوصى بقطعة من ماله للفقراء فإن كانت الثمرة حين الوصية مدركة فالزكاة فيها وإلا فلا زكاة فيها، وقول : إن كانت الثمرة مدركة فالزكاة في حال الموصي والوصية جائزة على من يقول إن الزكاة في الذمة وعلى قول
من يقول : إنها شريك فلا تجبر الوصية إلا في حصة الموصي، وأما الزكاة
فإذا وجبت فلأهلها وإن لم تكن الثمرة مدركة فلا زكاة على الموصي ولا
في مال الفقراء.
مسألة
[ الشك في إخراج الزكاة ]
__________
(1) 1- الأصل : ولم يقبضها فلا زكاة هو. والأصح : ولم يقبضها هو... (5/85)
صفحة 678
ومن جواب أبي الحواري رحمه الله : ومن أخرج زكاته ثم خالجه
الشك في شيء أنه لم يخرج زكاته ولم يستيقن فإذا لم ينقضي وقت
زكاته أخرج زكاة ما شك فيه حتى يتيقن أنه زكاه وإن انقضى وقت زكاته فحتى يستيقن أنه لم يزكه.
مسألة
[ موت الإنسان قبل موعد الزكاة ]
عن موسى بن علي والأزهر بن علي رحمهم الله : ومن مات بعمان وبها
له ماله وله وارث بالبصرة(1) فقال الأزهر : تؤخذ منه الزكاة ولا ينظر إلى حال وارثه أنه ذوا دين أم لا، قال موسى بن علي : لا تؤخذ منه الزكاة حتى يتضح حال وارثه فإن كان مديوناً رفع له دينه وأخذت مما بقي، وقال أبو
زياد: إذا مات قبل شهره فلا تؤخذ من المال شيء حتى يتحقق حال الوارث.
مسألة
[ زكاة مال الميت قبل تقسيمه على الورثة ]
عن الشيخ مسعدة بن تميم(2) : إن من مات قبل محل زكاته وترك مالاً
فالمال بحاله حتى يحول شهر للهالك الذي يزكي فيه وإن أخذ الورثة شيئاً
من مال الهالك من قبل خلو وقت الزكاة حمل ثمنه على ما خلفه الهالك وأخذت زكاته هذا إذا لم يقتسم الورثة المال.
مسألة
[ إخراج الزكاة من المال الذي لم يزكى ]
ومن كتاب أبي جابر : ومن أدى زكاة ماله فمات ثم صح له جملة مال
لم يؤدي زكاته فإن الزكاة تؤخذ مما لم يؤد الهالك زكاته وإن بيع شيء مما خلفه من ورثة أو غيرها حمل على ماله الذي لم يؤدي زكاته وأحب النظر
في ذلك.
__________
(1) 1- البصرة : مدينة من مدن العراق التاريخية القديمة وهي ملتقى نهري دجلة والفرات
وتقع على الخليج وهي ميناء البصرة المعروف وله أهمية استراتيجية وبها حياة
تجارية وعلمية منذ صدر الإسلام وتعتبر من أهم المدن القديمة للخليج العربي.
(2) 2- مسعدة بن تميم : من علماء النصف الثاني من القرن الثاني الهجري وربما أدرك
أوائل القرن الثالث، وعلى رأسه كانت بيعة الإمام غسان بن عبد الله الخروصي
سنة 192 وكان من أبرز العلماء الحاضرين وأقواهم عزيمة. وله بعض الآراء
الفقهية انظر إتحاف الأعيان 1/440 . (5/86)
صفحة 679
مسألة
[ اقتسام الورثة قبل حلول موعد الزكاة ]
قال أبو أعلى رحمه الله : من مات قبل محل زكاته فإن اقتسم الورثة
ماله فلا زكاة فيه حتى يحول على مال كل واحد منهم حول وهو مما يبلغ النصاب وإن بقي مجتمعاً حتى جاء وقت زكاة الميت أخرجت منه إن بلغ
نصاباً هذا فيما خلفه من لجين أو تبر.
مسألة
[ تجارة الهالك وأثر القسمة على الزكاة ]
وأما إن ترك الهالك طعاماً للتجارة أخرج الورثة مئونتهم ومؤنه من يمونه
لسنة، وقول : إلى ثمرة أخرى وإن مات رب المال قبل أن يحول حوله على
ماله فلا زكاة فيه ولو بقي يرها لم يقسم إلى أن يصل كل واحد منهما
نصاب ويحول عليه حول ويكون ممن يؤد الزكاة من الورق فمن كان له
مال حمل علي الورق ما معه في وقت زكاته.
مسألة
[ لا زكاة على المقسوم حتى يحول الحول ]
وقال بعض فقهاء المسلمين : من مات قبل وقت صدقته وخلف نصاباً
فلا صدقة عليه فيه حتى يحول عليه حول عند من صار إليه، وقول : إذا
بقي مجتمعاً حتى آن وقت صدقة الهالك فيه الصدقة وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ لا صدقة على مال الهالك حتى تجب على من انتقل إليه ]
وأما إذا لم تجب في مال الهالك صدقة من قبل فلا صدقة فيه حتى تجب على الذي صار إليه صدقة ببعض الأسباب التي تلزمه الصدقة فيها ولو بقي مجتمعاً حتى حال عليه الحول مذ صار للوارث.
مسألة
[ أثر هلاك صاحب الزرع قبل حصده على الزكاة ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : إذا مات الميت وله زرع لم يحصد فإنه تجب
فيه الزكاة إلا أن يقسم شجراً وإن مات بعد الحصاد ففيه زكاة الحب ولم
يملك الوارث منه إلا تسعة أعشار وإن مات قبل الدوس فأوصى بدين عليه
أن يقضي من زراعته فلما حصده الورثة بلغ نصاباً فالزكاة فيه مجملاً ولو
لم تبلغ حصة كل واحد منهم نصاباً.
مسألة
[ المال الذي لا وارث له فلا زكاة عليه ] (5/87)
صفحة 680
وكل مال لا وارث له فلا زكاة فيه ومن مات وترك ولداً مملوكاً فلا زكاة في المال حتى يشتري منه الولد وإن عتق وصار المال له وحال عليه الحول
وهو نصاب ففيه الزكاة ولا زكاة عليه فيما خلا من البر إلا أن يكون مال تجب فيه الزكاة فبقي مجتمعاً حتى آن وقت زكاته وله وارث ففيه الزكاة.
مسألة
[ موت المزكي قبل وجوب الزكاة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : من مات قبل وجوب محل زكاته
وصح أن الهالك لم يؤدها بإقرار أو بينة فإن قال : الزكاة شريك فهي ثابتة
في المال مخروجة منه وما بقي للورثة أوصى بذلك أو لم يوص، ومن قال:
إنها مضمونة في الذمة فإن أوصى بإنفاذها ففي ذلك اختلاف، قول:
تؤدى من رأس المال، وقول : تؤدى من الثلث، فمن قال: من رأس المال سلمت عنه أوصى بها أو لم يوص لأنها دين في ذمته، ومن قال : من الثلث فحتى يوصي بها، وقول : تقدم على سواها من الوصايا إلا ما كان مثلها من اللوازم إذا لم يوف الثلث بجميع الوصايا، وقول : هي وسواها من الوصايا
سيان، قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : من سلم زكاة ماله لمن عليه سمة
الفقر وأقرانه فقير ثم صح غناه فقول : عليه ضمانها لأنه وضعها في غير موضعها، وقول : ليس عليه ضمان لثبوت ذلك في الحكم الظاهر.
مسألة
[ زكاة بعض المال وتلف الآخر قبل الزكاة ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : ومن أدى بعض زكاة ماله فتلف ما
بقي من المال ثم استفاد فائدة مالاً لم يبلغ نصاباً إلا أن يحمل الفائدة على ما بقي وحال حوله الذي يزكي فيه قال : لا يبين لي ذلك لأن ذلك عليه لا له، قلت : فإن كانت الزكاة مميزة من المال قائمة بعينها وتلف المال ثم استفاد
فائدة فإن حملت عليه الزكاة المميزة في الأول وجبت في الفائدة الزكاة ،
وإن لم تحمل لم تبلغ فإن كانت من المال ولم ينفذها فإن الزكاة عليه
مضمونة، إذا استفاد فائدة قبل وجوب زكاته.
مسألة
[ مضي الحول الثاني على الزكاة من غير أداء ] (5/88)
صفحة 681
وأما من حال عليه حوله وله مال تجب فيه الزكاة فلم ينفذها وقد ميزها حتى حال حول ثاني فأنفذ زكاة الحول الثاني ولم ينفذ المميزة ثم تلف ماله
ثم استفاد قبل الحول ما تجب فيها الزكاة أن لو حملت الزكاة الأولة المميزة
قبل الحول فعلى هذا تجب عليه الزكاة لأنه ماله حتى ينفذها.
مسألة
[ هل يزكي الحولين أم حول واحد ]
وأما على من ماله نصاب يزكيه في شهر من سنة معروفة فحال حوله
ولم يزك مدة فاستفاد في المدة هل عليه حمل الفائدة على ما في يده؟ فنعم
عليه ذلك وإن لم يستفد حتى حال حول ثاني والمال ماله لم يؤد زكاته هل
عليه تأدية الحولين؟ فنعم عليه ذلك على قول، وقول : عليه زكاة الحول
الأول وليس عليه للحول الثاني لأن النصاب نقض بإخراج زكاة الحول
الأول إذ لم ينفذ عوضها.
مسألة
[ كيفية إخراج الزكاة الفائتة ]
وأما إذا استفاد في سنة وأذهبه فيما يقتنيه وحال الحول الثاني وما بقي من الفائدة شيء إلا النصاب الأول هل عليه إخراج زكاة الحولين معاً إذا جبرت الزكاة بالفائدة كانت في يده حتى حال الحول؟ فقد قيل : إن عليه ذلك.
مسألة
[ بقاء الزكاة هل تعتبر ديناً في الذمة ]
وأما من حال حول زكاته فلم يزك حتى حال الحول الثاني فزكى عن الثاني ولم يزك عن الأول هل تكون الزكاة للبرهة الأولى ديناً عليه؟ ولا
زكاة فيما استفاد وبعد إخراج زكاة الحول الثاني فإذا أدى زكاة الحول
الذي هو فيه انقطعت عنه أحكام ما مضى من دخول زكاة الفائدة إلا ما
عليه مما مضى من زكاة وفائدة.
مسألة
[ زكاة أموال الهبة ]
ومن جواب الشيخ أبي سعيد رحمه الله : ومن دفع للمرأة دراهم لتصلح بها نفسها فحال عليها الحول ولم يدر ما صنعت بها، فإن حولتها للعروض كالثياب وجنسها فلا زكاة فيها وإن حولتها للحجرين ولم يكن أعطاها
إياها عطية وقبلتها فمحمولة زكاتها عليه.
مسألة
[ أثر جميع الأنواع على الزكاة ] (5/89)
صفحة 682
ومن كان له مال مائتا درهم صحاح مغراة يحلى به أولاده وله أيضاً عشرون ديناراً مغراة لحلي أولاده والكل يبلغ نصاباً أيجزيه إخراج زكاته
دراهم كسوراً؟ قول : يزكي عن كل شيء منه أو من مثله أو أفضل منه وإن زكى كسوراً عنها بصرفها جاز على قول.
مسألة
[ إخراج الكسور عن الصحاح ]
وأما إن كانت الكسور والصحاح في الضرب في سعر البلد فأخرج الكسور عن الصحاح في حال استوائهما في النقد فلا ضمان عليه وإن
تفاوتت القيم فاحتاط جاز إن شاء الله.
مسألة
[ زكاة ذي الإقتار ]
ومن رأى بذي الإقتار خصاصة ولزكاته وقت معروف هل له أن يقدمه من زكاته قبل حلولها؟ فأجازه ذلك بعض المسلمين، والأصح الجواز إذا
كان الفقير مستحقاً لذلك(1) .
مسألة
[ إعطاء الزكاة للفقير فثبت أنه غني ]
وأما من حال أوان زكاته والفقر مستغن فعليه بدل ما أعطاه، وقول : إذا كان الاستغناء من سبب الزكاة فلا غرم على المعطي وإن كان من غيرها فلا تجزيه، وقول : هو غني على حال.
مسألة
[ أثر المقاصصة على الزكاة ]
ومن أقرض فقيراً دراهم ونيته إن دخل وقت زكاته قاصصه بما عليه، قال: إذا قاصصه أجزأه، وإن تركه له بلا مقاصصة لم يجزه والأصح أن يرد
الفقير القرض لربه ويدفع له من الزكاة ما شاء.
مسألة
[ عدم جواز تصرف الجد في مال الورثة ]
وليس بجائز للجد أن يعطي في بنيه من زكاته إذا مات أبوهم وهم فقراء لأن عولهم عليه وهكذا سائر من يرثه المرء(2) .
مسألة
[ زكاة من غني بسبب الزكاة ]
ومن ملك من الورق نصاباً فلا يعطى من وجبت عليه الزكاة من الزكاة،
وقال أبو الحواري رحمه الله : إذا لم يملك من عليه الزكاة غلة مال أو تجارة
أو حرفة ما تكفيه وتكفي من يمون سنة وكان في ملك ذلك الذي وجبت
__________
(1) 1- ورد ذلك عن الحنفية لما روي أنه عليه الصلاة والسلام استسلف العباس زكاة
عامين. الاختيار لتعليل المختار 1/103 .
(2) 1- وهذا اتفاق بين العلماء رحمهم الله. (5/90)
صفحة 683
عليه فيه الزكاة فلا حرج أن يعطى من الزكاة ويضاف ما يعطى على ما
يملك ويزكي معاً.
مسألة
[ زكاة مال العرس والإنفاق منه ]
وللبعل(1) أخذ زكاة عرسه وله ذلك أن تعطيه إذا كان مستحقاً وله أن ينفق عليها من صدقتها ولها أن تستنفق منه لأن ذلك رده إليها الحق.
مسألة
[ حكم إعطاء الولد أباه من الزكاة ]
أبو سعيد رحمه الله : اختلف أصحابنا في إعطاء الولد أبوه من زكاته
قول : يجوز لهما معاً، وقول : لا يجوز لهما معاً، وقول : يجوز للوالدة ولا
يجوز للأب على قول من يقول : إن مال الولد لأبيه، وقول : حتى تكون
الأم لا تراد للتزويج لأن عولهما عليه، وقول : لأن عولهما عليه إذا اقترا،
وقول : لا يجوز ولو كانت بحد من لا تراد للتزويج، وقول : يجوز ما لم
يحكم عليه الحاكم بعولهما.
مسألة
[ عدم جواز إعطاء الزوجة من الزكاة ]
ولا يجوز للزوج أن يعطي زوجته من زكاته إذ عليه عولها على بعض القول، وقال بعض : جائز إذا قصد وجه الله بذلك ولم يقصد تقية لماله لأن
لها أن تتصرف في ذلك في غير ما أوجب الله لها عليه من الحق(2) .
مسألة
[ الدين على الولد يحسب من الصدقة ]
عن أبي عبد الله رحمه الله : ومن كان له على ابنه حق فمحسوب في صدقته إلا أن يبرأ الولد نفسه بعد محل الصّدقة لم يبرئ الولد وتحسب على
الولد مع صدقته وقد برئ الولد منها.
مسألة
[ عدم إعطاء الزكاة لمستحقيها ]
ومن ميز زكاة ماله ولم يدفعها لمستحقها وله دراهم مضاربة نسيها عن تميز زكاته تركها حتى حال عليها أحوال ثم ذكرها فالزكاة عليه وليس
النسيان يحط عنه ما يحط عنه العدم للمال، وإنما كان معذوراً بما قد كلفه
من طريق النسيان فإذا ذكر وجبت عليه الزكاة في الشيء الذي وفي الفائدة
__________
(1) 2- البعل : الزوج.
(2) 1- من القواعد المقررة في الفقه الإسلامي أن لا زكاة لمن تجب نفقته على المزكي،
كالفروع والأصول الذين هم تحت ولايته. (5/91)
صفحة 684
وما تولد عليه من سبيل ذلك فإنه يخص ما استفاد فعليه الاحتياط وإن
كانت دراهم المضاربة أقل بأربعين درهماً فعلى قول من يقول : إن الزكاة
في الكسور فعليه الزكاة.
مسألة
[ عدم تزكية الماشية حتى أنتجت ]
ومن رام أداء زكاة ماشيته من الجابي فأغل باشتغال ببعض الأسباب حتى مضى وقته ونتجت الماشية، قال أبو الحواري بن محمد : لا زكاة عليه في النتاج، قال نبهان بن عثمان : يحمل عليه ذلك إلا أن يدفعها للمصدق
وحين وجبت عليه ويأتي قبضها ويشهد أن هذه صدقتي فما استفاد بعد
ذلك فلا زكاة عليه.
النهج السابع والعشرون
في الصوم والأحكام
مسألة
[ منزلة رمضان عند الله ](1)
في الصيام وما جاء فيه ومن شرائع الدين ما افترضه الله على المسلمين
من صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وأكرم به أهل الإيمان وجعله
سبباً للغفران والرضوان، فأجزل فيه النعم وفضل الله به نبيه محمداً على
سائر الأمم فليله من قامه عند الله(2) مرضي. وقد بلغنا فيما أوحى الله إلى
نبيه موسى عليه السلام يا موسى إني ألهم السموات السبع والأرضين السبع
وما بينهما أن يستغفروا لصائمي شهر رمضان.
مسألة
[ فضل شهر رمضان ]
ولشهر رمضان فضل لا يحصر ولا يحويه دفتر، قال تعالى : { يا أيها
الذي آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } (3) فكانوا يصومون يوم عاشوراء(4)
__________
(1) 1- منزلة شهر رمضان :
1- ورد ذكره في كتاب الله في أكثر من موضع.
2- وردت أحاديث تتحدث عن أهمية رمضان وفضله.
3- أجمعت الأمة على عظم منزلة رمضان عند الله.
4- أجمعت الأمة على وجوب صومه.
5- من أنكر صيام شهر رمضان فهو خارج عن الملة.
6- حث الله سبحانه وتعالى المسلمون على التصدق في رمضان،
فتضاعف فيه الحسنات.
(2) 2- بياض مقدار كلمتين.
(3) 1- سورة البقرة : آية 183 .
(4) 2- يوم عاشوراء : صيامه سنة وسبب ذلك أن الله نجى موسى من فرعون فقال - صلى الله عليه وسلم - :
«نحن أولى بموسى منهم - أي اليهود - لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع
والعاشر» وهذا مخالفة لليهود عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (5/92)
صفحة 685
فأنزل الله هذه الآية وهم أهل الإنجيل أمة عيسى عليه السلام.
مسألة
[ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في معرفة الهلال ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «صوموا لرؤية شهر رمضان وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأتموا الشهر ثلاثين يوماً»(1) .
مسألة
[ حكم من رأى هلال رمضان أو شوال ]
ومن رأى هلال شهر رمضان وجب عليه صومه ولو لم ير الهلال غيره فإذا
صام ورأى هلال شوال لتسعة وعشرين يوماً فله الإفطار إذا أفلت الشمس وليس له إظهار ذلك فيقتدي به الناس إلا أن يصح هلال رمضان بغيره(2) .
مسألة
[ مقدار الشهود على صيام رمضان والإفطار ]
وجائز الصيام بشهادة عدل على رؤية هلال رمضان ولا يفطر بخبر
عدل على رؤية هلال شوال حتى يشهد عدلان، وقول : يلزم الصوم
والإفطار بشهادة العدل.
مسألة
[ الصيام بشهادة الواحد ]
وإذا صام الناس بشهادة عدل واحد صاموا ثلاثين يوماً غير اليوم الذي كان من شعبان وشهد الثقة أنه من شهر رمضان إلا أن يصح هلال شوال
هو فيفطرون فإن صح الخبر بذلك اليوم على أنه من رمضان ولو بشاهد
عدل فلا بدل على من صامه.
مسألة
[ صيام يوم الشك ]
وأما إن صح في الشهر بدل ذلك اليوم وإن صح بعد دخول الشهر فلا
بدل عليه أيضاً، وقول : عليه البدل على حال لأنه صامه على الشك والأول أولى، ومن صام يوم الشك منقولة من فواكه العلوم في يوم الشك ليلة
الثلاثين إذا كان سحاب أو غمام، عن الشيخ الفقيه محمد بن عمر(3)
__________
(1) 3- حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك في الموطأ
انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/265 رقم 4377 ، 4378 ،
روايات متعددة والمعنى واحد.
(2) 1- لأن العلماء أجازوا ذلك في حق نفس الشخص فالعبادة يجوز الدخول فيها
بشهادة الواحد والخروج منها بحق الأمة لا بد أن يكون اثنين.
(3) 1- محمد بن عمر بن أحمد بن عبد الله بن عمر بن النضر الفلوجي من علماء
القرن السادس توفي يوم الاثنين لست ليال بقيت من شهر محرم سنة 585هـ،
وفلوج موضع بنزوى ينسب إليه عدد من العلماء منهم صاحب المصنف إتحاف
الأعيان 1/436 لعل هذه الترجمة لغير الرجل المذكور بنفس الاسم والله أعلم. (5/93)
صفحة 686
والشيح مسعود بن رمضان(1) عن الشيخ الفقيه عبد الله بن محمد القرن(2) : يعجبه الصوم في تلك اليوم إذ حال السحاب على رؤية الهلال ولم تحل بينه وبين رؤية الهلال من سحاب أو غبار أو حمرة فيعجبه الانتظار إلى الوقت
الذي يقدمون فيه السفار فمن أخبر مخبر ممن يطمئن بقوله أتموا صيامهم
وإلا أفطروا والنية في صوم يوم الشك إن كان سحاب بينه إن كانت من شعبان يكون تطوعاً وإن كان رمضان فهو مؤدياً لفرضه خوفاً أن يكون من رمضان اقتداء بعائشة رضي الله عنها زوجة(3) النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه إن كان
من رمضان فهو صيامه وإن كان من شعبان فتطوع، فإذا جاء الخبر يومه
ذلك فقد تم صومه، وقول : عليه البدل كان من رمضان أو سواه وإن صح الخبر أنه من رمضان أو في رمضان أبدل اليوم على قول، وإن صامه على أنه
من رمضان فقد صامه وإلا كان تطوعاً فلا بدل عليه على قول(4)
__________
(1) 2- مسعود بن رمضان : النبهاني الرستاقي حسب السيابي الذي أورده في الطبقة
السادسة وهو السمدي النزوي حسب السماليي توفي قبل 1050هـ، انظر
كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص351 رقم 500 ، 503 .
(2) 3- هو الإمام عبد الله بن محمد القرن نصب إماماً في منح يوم الجمعة لخمس
عشرة يوماً خلت من شهر رجب سنة 967هـ ودخل حصن بهلا يوم الاثنين
لليلتين بقيتا من هذا الشهر من هذه السنة، وأخرجه من الحصن محمد بن
إسماعيل الذي يبرأ منه ابن مداد. انظر كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة
ص322 رقم 486 .
(3) 4- في الأصل : زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - والأصح زوجة.
(4) 1- صيام يوم الشك منهي عنه وقد ورد ذلك في السنة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا
تصوموا قبل رمضان، صوموا للرؤية، وأفطروا للرؤية، فإن حالت دون غيابه
فأكملوا الثلاثين» وأخرجه أبو داود : قال : «لا تقدموا الشهر بصيام يوم أو
يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم» انظر جامع الأصول لأحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/270 . (5/94)
صفحة 687
.
مسألة
[ بدل إفطار أول رمضان بعد ثبوته ]
وأما إذا لم يصم ذلك اليوم وصح الخبر بعد خلو رمضان فلا بدل عليه
إذا لم يهله أرباب قريته ولو أهل غيرهم من أهل القرى وإن صح من رمضان فعليهم بدل ذلك اليوم.
مسألة
[ حكم صيام 28 يوماً ]
ومن أهل رمضان فصام ثمانية وعشرين يوماً فرأى هلال شوال فصيامه مجزئ ولكل قوم هلالهم، وقيل : هذا الأصح.
مسألة
[ حكم الإمساك عن يوم الشك ]
ويؤمر الناس بالإمساك عن يوم الشك إلى مجيء الدعاة والسفار فإن
صح الخبر أتموا الصيام ولم يجز لهم الإفطار ولو بشاهد عدل وإن لم يصح
الخبر إلى صدر النهار حل لهم أن يأكلوا.
مسألة
[ ثبوت هلال رمضان والناس مفطرون، عليهم الإمساك والقضاء ]
وإن صح هلال رمضان وقد أفطر من أفطر فعليهم الإمساك بعد بلوغ الحجة، فإن اعتمد معتمد على الأكل بعد الصحة فهو كمن أفطر في شهر رمضان، وإن فعل ذلك جهلاً يحجر ذلك فعليه البدل كالحائض إذا أكلت
في بقية الشهر لعله اليوم الذي طهرت فيه، وقول : لا بدل عليها ولا عليه على قول من شبه الجاهل بالناسي.
مسألة
[ إفطار المسافر جهلاً ]
والمسافر إذا أفطر في سفره ثم يقدم بقية يوم في بلده فجهل فأفطر فلا كفارة عليه وعليه البدل، وقول : ولو تعمد للأكل بعد دخول بلده فليس
عليه سوى البدل.
مسألة
[ إسلام المشرك وبلوغ الصبي وأثره في الصوم ]
ومن أسلم من شركه أو بلغ الحلم في شهر رمضان أن ليس لهما أن
يأكلا في بقية يومهما فإن أفطرا ففي الكفارة عليهما اختلاف، واختلفوا
أيضاً في إثبات بدل رمضان ما مضى منه أثبته قوم وأباه آخرون والرأي
بإثبات البدل أرجح.
مسألة
[ إفطار أصحاب الأعذار ]
وإذا حاضت المرأة في يوم رمضان أفطرت بقية يومها، وأما التي طهرت من الحيض فيستحب لها الإمساك، وكذلك القادم من سفره.
ومن أكل ناسياً في شهر رمضان ثم اعتمد الأكل لظنه أنه يجوز له الإفطار بعد الأكل ناسياً فهذا لا يعذر بالجهل وعليه ما على من تعمد الإفطار. (5/95)
صفحة 688
مسألة
[ إفطار المضطر خوفاً من الهلاك ]
ومن حاذر هلاكاً فأحيا نفسه بأكل أو شرب في شهر رمضان ثم أمسك عن الأكل مع الأمن على نفسه، فإن أحيا نفسه فأمسك فعليه بدل يومه،
وإن زاد لزمه ما يلزم المتعمد على الإفطار.
مسألة
[ إفطار الزمن عليهم الفدية ]
في قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } (1) فقيل إن ذلك في الزمن والزمنة الذين كانا يصومانه فعجزا عن صومه أنه يطعم عن
كل مسكين واحد سحوراً أو فطوراً أو طعاماً كما يجب للمسكين من
الإيمان، قال بعض الفقهاء : إن المراهق(2) إذا صام فعجز أطعم ويستحب له ذلك بالإلزام.
مسألة
[ حكم الصيام عن المريض ]
وسئل جابر بن زيد رحمه الله عن امرأة زمنت فلم تستطع الصوم ولها ولدان فأمرهما بالصيام عنها فتنافسا فرغب كل واحد منهما أن يصوم عنها فصام أكبرهما فأتياه الحول الثاني فأمرهما بالإطعام عنها.
ومن لم يطق الصوم لعلة وهو حي أو قد مات وعليه صوم من شهر رمضان وأوص على ورثته أن يصوموا عنه كل بقدر نصيبه، وإذا أفطر
الأول صام الثاني على أثره. ولا يفرقوا بين الصيام ولا يصوموا معاً وإذا
انتقض على الآخر صومه في مثل ما إذا فعله الصائم لنفسه بعض نقض عنه
ما مضى من صومهم لأنه صوم واحد.
مسألة
[ سقوط التكليف ينتقل العوض في ماله ]
وقد قال بعض أهل العلم : إنه إذا سقط التكليف عن مكلف لم يلزم
غيره ما كلفه وإنما ذلك في ماله إذا وصى به أطعم عنه، وقول : يستأجر عنه من ماله من يصوم ما لم يستطع صومه.
مسألة
[ خصال الصوم ]
الفرض في الصوم خمس خصال : العلم بالشهرة، والنية، والإمساك عن الأكل والشرب والجماع، واستفراغ في طلب المفترض.
مسألة
[ حكم الكفارة وحكم النية في الصوم ]
وأجمعوا أن المباضع نهاراً في شهر رمضان عليه القضاء والكفارة.
__________
(1) 1- سورة البقرة : [ آية 184 ] .
(2) 2- المراهق : مرحلة يمر بها الشباب بعد مرحلة البلوغ والله أعلم. (5/96)
صفحة 689
ولا يجوز صيام نفل إلا بتثبيت نية من الليل لقوله عليه السلام(1) : «لا صوم لمن لم يثبت نيته من اللّيل»(2) وهذا عموم يشتمل على كل صوم.
مسألة
[ هل الكذب يبطل الصوم ]
اختلف أصحابنا فيمن تعمد الكذب وهو صائم، قال بعضهم : ينقض الصوم، وقال بعضهم : لا ينقض. وأجمعوا أنه ينقض الوضوء وأجمعوا أنه
لا ينقض طهارة الاغتسال من الجنابة.
مسألة
[ أثر الغيبة في الصوم ]
وأجمعوا(3) أن غيبة المؤمن تنقض الصوم والوضوء لما روي عن أنس
بن مالك أنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «النميمة الكذابة والكذب والغيبة
ينقض الوضوء».
مسألة
[ حديث أبي هريرة في أثر قول الزور ]
الرواية على صحة قولنا من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن قال : قال عليه السلام : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله به حاجة أن يدع طعامه وشرابه»(4) .
مسألة
[ حظ الصائم القائم الذي لا يطبق ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «كم من صائم حظه من صومه الجوع والعطش، وكم
__________
(1) 1- حكم النية في الصوم : شرط من شروط الصحة لأن النية تميز العبادات عن
العادات، والفرض عن النافلة لهذا في النافلة من النية أما في رمضان حكم يقول
العلماء كل صوم في رمضان ينقلب إلى رمضان ما عدا أصحاب الأْعذار.
(2) 2- الحديث ورد بروايات متعددة منها : «من لم يُجمع الصيام من الليل...» ومنها :
« من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له » انظر جامع الأصول في أحاديث =
(3) = الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/284 - 285 ، 286 أرقام : 4399 ، 4400 ، 4401 .
1- الإجماع هنا المقصود به والله أعلم إجماع علماء المذهب وليس إجماع علماء
الأمة على مر العصور والله أعلم. وهذا الحديث ورد في الفردوس للديلمي عن
أنس : «خمس يفطرن الصائم ونقضن الوضوء : الكذب والغيبة والنميمة والنظر
بشهوة واليمين الكاذبة» كنز العمال 8/500 رقم 23820 .
(4) 2- أخرجه البخاري 4/99 ، 100 في الصوم باب من لم يدع قول الزور و العمل = (5/97)
صفحة 690
من قائم حظه من قيامه السهر»(1) .
مسألة
[ رخص ذوق الطعام ]
والاكتحال للصائم كرهه بعض الفقهاء، وأبا تكريهه آخرون، والأصح إجازته لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يجيز للصائم طعم العيش والخل ما يلج حلقه، وقد أجاز أصحابنا ذلك للطباخات في شهر رمضان(2) .
مسألة
[ وجوب الصوم في الحضر ]
والصوم في الحضر واجب وفي السفر التخيير بين الصوم والفطر إذ ليس
كمن قال بوجوب الإفطار في السفر من ذهب عنه دليل الصواب في تأويل السنة والكتاب(3) .
مسألة
[ السنن في الصوم ويوم الفطر ]
ويستحب للمسلم يوم الفطر من رمضان أن يأكل شيئاً من الطعام قبل
أن يغدو إلى المصلى اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يجوز الوصال في الصوم،
ويؤمر الصائم بالأكل قبل الصلاة ليقوم إليها بقلب فارغ إلا أن يخاف
__________
(1) = به في الصوم وأبو داود رقم 2362 في الصوم باب الغيبة للصائم والترمذي
رقم 707 في الصوم باب ما جاء في تشديد في الغيبة.
1- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث قال : مسند أحمد 2/441 ، والدارمي في
الرقاق 12 .
(2) 2- ورد في السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتحل وهو صائم : عن أنس بن مالك رضي الله
عنه قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟
قال : نعم. أخرجه الترمذي رقم 726 .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يكتحل وهو صائم. أخرجه أبو داود
رقم 2378 في الصوم باب الكحل عند النوم للصائم.
(3) 1- الصوم في السفر : فيما أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي
والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -
أأصوم في السفر؟وكان كثير الصيام فقال : إن شئت فصم وإن شئت فأفطر»
جامع الأصول رقم 4583 - 6/497 وهناك في الباب أحاديث غير هذا تشير
إلى جواز الأمرين. (5/98)
صفحة 691
فوت الصلاة(1) .
ويستحب للصائم السحور لقوله عليه السلام : «تسحروا فإن السحور بركة»(2) والأمر به ندب على جهة الترغيب والتأكيد للنية، وقيل: إن السحور كان محرماً على أهل الكتاب فأباحه الله لنبيه فضلاً منه ورحمة.
مسألة
[ حكم الإكثار من السواك ]
ويستحب للصائم الإكثار من السواك لما روت عائشة رضي الله عنها
أنها قالت : قال عليه السلام : «خير خصال الصائم السواك»(3) .
مسألة
[ حكم أفعال الناس في رمضان ]
ومن ذرعه القيء وهو صائم فلا نقض عليه، ومن تقيأ عمداً قاصداً لهتك حرمة الصوم فعليه القضاء والكفارة، وقول : يقضي ما مضى، وقول :
يقضي شهراً، وقول : يقضي يوماً، وإن لم يهتك حرمة الصوم فالأصح أنه يقضي يوماً.
ومن باضع ناسياً فعليه قضاء يومه إجماعاً، وإن تعمد كان عليه القضاء والكفارة، واختلفوا في القضاء على ما مضى. والكفارة عتق، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً(4) .
مسألة
[ حديث الموقع على أهله في رمضان ]
قيل جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله : إني هلكت وأهلكت.
فسأله عن شأنه، فقال : وقعت على امرأتي نهاراً وأنا صائم. فقال له : هل
__________
(1) 2- لأن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأكل تمرات قبل الخروج في عيد الفطر تصديقاً لما أمره
الله عز وجل وعدم الشك.
(2) 3- حديث صحيح أخرجه النسائي انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
6/362 أرقام 4530 ، 4531 .
(3) 1- كنز العمال 8/507 رقم 23861 قال البيهقي في سننه عن عائشة رضي
الله عنها.
(4) 2- الترتيب في الكفارة ورد في السنة في حديث المجامع في نهار رمضان. (5/99)
صفحة 692
تجد عتق رقبة؟ قال : لا. قال : هل تستطيع صوم شهرين متتابعين؟ قال : لا. فقال : هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال : لا. فآتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر فأمره أن يتصدق به عن نفسه. فقال : ما بين لابتيها(1) أفقر مني، فضحك
النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يطعم أهله ولا يجزي أحداً غيره. وقال بعض العلماء :
هو مخير في الكفارة بين العتق والصيام والإطعام(2) .
مسألة
[ حكم إذا كانت الزوجة مطاوعة ]
وإذا أطاعت(3) المرأة زوجها للمباضعة وهما صائمان كان على كل
واحد منها الكفارة والقضاء.
مسألة
[ الوقاع ثم جاء الحيض فما حكم الكفارة ]
وإذا قدم الزوج من سفره فوطأ زوجته ثم حاضت يومها فعليها البدل والكفارة لأنها منهية عن ذلك قبل طربات الحيض عليها وإذا صامت المرأة
البدل من رمضان والكفارة ثم قطع الحيض عليها بنت على صومها إذا
طهرت إجماعاً.
مسألة
[ وجوب إفطار الحامل والمرضعة ]
وللحامل والمرضعة الإفطار إذا حاذرتا على ولديهما ونفسيهما فإن فعلتا مع الخوف كان ذلك معصية وكذلك الشيخ الزمن(4) .
مسألة
[ الإفطار في يوم التطوع ]
ومن دخل في صوم تطوع ثم أفطر فلا شيء عليه.
مسألة
[ متى تكون ليلة القدر ]
__________
(1) 1- في الأصل ما بين ليتها. والصحيح لابتيها.
(2) 2- الحديث أخرجه البخاري 4/141 - 149 باب إذا جامع في رمضان ومسلم
في الصيام باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم والموطأ 296،
297 في الصيام، وأبو داود رقم 2390، 2391 2392، 2393، والترمذي
رقم 724 في كفارة الفطر في رمضان.
(3) 3- في الأصل : طاعت والأصح أطاعت.
(4) 1- هذه رخص من الإسلام لأن المشقة تجلب التيسير وهؤلاء هم أصحاب الأعذار. (5/100)
صفحة 693
اختلف الناس في ليلة القدر، قول : هي ليلة أربعة وعشرين، وقول : هي ليلة سبعة وعشرين، وقول : إحدى وعشرين. واختلفوا أيضاً في معناها ليلة الحكم والقضاء والتقدير لتقدير الله تعالى فيها أحوال الخلق، وقول : معناها قدرت فيها الرجفة على العباد، وقول : إنها ذات قدر وخطر، وقول : إنها
تنزل فيها الملائكة ذوا قدر على بني ذو قدر، وقيل : لأنها أنزل فيها الكتاب ذوا قدر على نبي ذي قدر(1) .
مسألة
[ في أي عشر تكون ]
واختلفوا في كينونتها في أي عشر من رمضان، قول : هي في العشر الأواخر لقوله عليه السلام : «التمسوها من العشر الأواخر من شهر
رمضان»(2) ، وقيل : في تاسعة منه أو سابعه أو خامسه.
مسألة
[ فعله في العشر الأواخر ]
وقيل : كان عليه السلام إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقظ
أهله وشد المئزر، وقيل ذكر ليلة القدر ثلاث مرات كل مرة فيه تسعة
أحرف فتسعة في ثلاثة فذلك سبعة وعشرين وذلك قيل إنها ليلة أربعة وعشرين(3) .
مسألة
[ اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر ]
وفي الحديث عنه عليه السلام أنه اعتكف في العشر الأوائل من رمضان
ثم اعتكف العشر الأواخر وقال : «إني ألتمس ليلة القدر فمن أحب منكم رؤيتها فإني أسجد صبيحتها على ماء وطين» فأصبح ليلة تسعة وعشرين
فمطرت السماء فاعتكف المسجد، فلما قضى صلاة الصبح خرج في أصحابه
فإذا جبهته وأنفه عليهما آثار الطين(4) .
مسألة
[ عدم الإخبار لمن حصلت له ]
__________
(1) 2- سبب الاختلاف للأحاديث الواردة في ذلك فهي لم تحدد ليلة بعينها.
(2) 1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 9/245 رقم 6840 ، وفي 9/241
- 260 أحاديث كثيرة عن تحديد وفضل هذه الليلة المباركة.
(3) 2- هذا ورد في السنن عن فعله - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر من رمضان.
(4) 1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 9/247 ، 248 ، 249 ، 250 . (5/101)
صفحة 694
وينبغي لمن رأى ليلة القدر أن لا يخبر بها فإنه أعظم ثواب.
مسألة
[ معنى الإمساك ]
الصيام في اللغة : هو الإمساك، ومن طريق الشريعة : عن الإمساك عن المطعم والمشرب وغض النظر عن المحارم وحفظ الفروج ومنع القلق عن
القول المحظور، وقول مريم عليها السلام : { إني نذرت للرحمن
صوماً } (1) أي صياماً، وقول : أي صمنا وذلك أنهم صاموا لم يتكلموا،
وقيل في اللغة للقائم : صائم، ولغة تميم : صيم، وقول : إن صوم الصبر
عن اللذائذ.
مسألة
[ الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما ]
ويروى عنه عليه السلام قال : «الصيام والقرآن يشفعان يوم القيامة
للإنسان، يقول الصيام : ألهي(2) منعته بلوغ شهواته بالنهار فشفعني فيه،
ويقول القرآن : منعته من لذيذ النوم فشفعني فيه» أبو هريرة رضي الله عنه. وعنه عليه السلام أنه قال : «أجازي على الحسنة عشراً إلا الصوم فهو لي
وأنا أجزي عنه لأنه ترك شهوته طاعة لي»(3) .
مسألة
[ فرحات الصائم ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «للصائم فرحتان : فرحة عند فطوره، وفرحة حين يلقى ربه بما أعد له من الثواب»(4) .
مسألة
[ فضل الصوم بعد رمضان ]
وسئل عليه السلام عن فضل الصوم بعد رمضان قال : «شهر الله الأصم»(5)
__________
(1) 2- سورة مريم : آية 26 .
(2) 1- في الأصل هي، والأصح : ألهي.
(3) 2- هذا الحديث ورد بروايات متعددة عن علي رضي الله عنه، وعن ابن مسعود وعن
أبي هريرة انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 9/455 رقم 7139 ،
عن ابن مسعود 7140 . وكنز العمال عن أبي هريرة 8/148 رقم 23590 .
قال أخرجه أحمد ومسلم في كتاب فضل الصوم 3/164 عن أبي هريرة.
(4) 3- الحديث صحيح ورد ذكره في جامع الأصول في الأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وأيضاً كنز العمال 8/448 رقم 23593 .
(5) 4- لم أعثر عليه بهذا النص إنما وجد أحاديث في فضل صيام رجب انظر
كنز العمال 8/653 أرقام 24580 ، 24581، 24582 .وجامع الأصول في =
= أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/315 رقم 4454 . (5/102)
صفحة 695
وهو شهر رجب، ويقال : شهر الله المحرم لعظمته، وقيل : سمي
أصم لأنه حرم أن تسمع فيه قعقعة السلاح.
مسألة
[ لا يجوز صوم يوم الفطر والأضحى ]
ولا يجوز صوم يوم الفطر والنحر فمن صامهما تطوعاً كان آثماً ظالماً
ومن صامهما عن واجب لم يغنياً عنه، وكان النبي داود عليه السلام يصوم
يوماً ويفطر يوماً.
مسألة
[ صوم الأيام البيض ]
ويستحب صيام أيام البيض وهن ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، وقيل صيام أيام البيض يذهب الغل والحسد من القلب.
مسألة
[ أفضل الصوم من الأشهر ]
وقيل أفضل الصوم من الأشهر أشهر الحرم والعشر من المحرم. وأشهر
الحرم : رجب اتفاقاً، والمحرم وذو القعدة، واختلفوا في ذي الحجة وشوال والأصح أنه ذو الحجة.
مسألة
[ صوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وإفطاره ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصوم حتى يقال : إنه لا يفطر، ويفطر
حتى يقال : إنه لا يصوم(1) .
مسألة
[ فضل صوم يوم عرفة ]
وكان يقال : من صام يوم عرفة كفر عنه صيامه ذلك سنته التي هو فيها والمستتقبلة(2) .
مسألة
[ صوم الستة من شوال ]
__________
(1) 1- روي هذا الحديث بروايات متعددة جميعها تعطي نفس المعنى انظر جامع الأصول
في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/302 ، 303 ، 304 أرقام 44320 البخاري ومسلم
والترمذي ، 4433 البخاري ومسلم والنسائي ، 4434 ، 4435 .
(2) 2- وردت أحاديث في فضل صيام يوم عرفة : ما ورد في السنن الكبرى للبيهقي
2/150 رقم 2796/1 أنبا عبيد الله بن سعيد قال : حدثني منصور عن مجاهد
عن إياس بن حرملة عن أبي قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «صوم عاشوراً يكفر السنة
الماضية وصوم عرفة يكفر السنين الماضية المستقبلة» ورقم 2797/2 نحوه
ولغاية 2813/18 ص153 . (5/103)
صفحة 696
ويستحب أن يتبع رمضان بصيام ستة أيام من شوال لما روى أبو أيوب أن من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام سنة(1) .
مسألة
[ صوم النافلة يكره له الإفطار ]
ومن دخل في صوم نافلة فيكره له الإفطار واختلفوا في الإعادة عليه، وحجة من أوجب الإعادة لأنه عاهد الله ولزمه إتمام ما عاهد الله عليه،
وحجة من أهدر عنه البدل أن الإنسان إذا دخل في عمل متطوعاً فإن فعله استحق الثواب وإلا فلا لوم عليه، والله تعالى عدل من أن يلزم عبده فعلاً لم يفرضه عليه.
مسألة
[ لا صيام عن التطوع ]
روت أم هاني(2) عنه عليه السلام أنه جاءه بشراب فشرب منه ثم سقاني فكرهت رد سؤره فشربت ثم أخبرت أنها صائمة فكرهت رد سؤره فقال
لها : إن كان قضى من رمضان فعليك بدله وإن كان تطوعاً فلا بدل عليك.
مسألة
[ الإفطار تطوعاً عليه بدل الصيام ]
ومن دعي إلى طعام وهو صائم تطوعاً فأفطر فعليه بدل يومه، قال بشير: من صام تطوعاً بنية قلبية فعليه البدل. وقال موسى : حتى ينوي نية لفظية. ومن صام وهو جنب ولم يعلم حتى أفلت الشمس فعليه الإعادة، وقال أبو المؤثر : إذا لم ينو أن في الغسل فلا بدل عليه.
مسألة
[ قول ابن عباس في الإفطار في صوم التطوع ]
__________
(1) 3- حديث صحيح انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/319 رقم =
(2) = 4459 : «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر» أخرجه
مسلم والترمذي. مسلم رقم 1164 ، والترمذي رقم 759 . وأبو داود رقم
2433 في الصوم.
1- أم هانئ : واسمها فاختة ابنة أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
بن قصي، وأمها فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، تزوجها
هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ولدت له جعدة بن هبيرة، وأطعمها رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بخيبر أربعين وسقاً. ولها مواقف خير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . انظر الطبقات
الكبرى لابن سعد 8/47 . (5/104)
صفحة 697
ورخص ابن عباس رضي الله عنهما فيمن أفطر في صوم التطوع فلم ير عليه قضاء. ويكره صوم النفل لمن كان عليه بدل من رمضان، وإن فعل ذلك فاعل فلا بأس.
مسألة
[ نهى عن الوصل - صلى الله عليه وسلم -]
ومن عليه بدل من رمضان فله صيام النذر(1) وصيام العمرة، ونهي عن الوصال في الصوم ومن لم يجد الطعام فنية الإفطار تجزئه.
مسألة
[ كراهية صوم أيام التشريق ]
ويكره صوم أيام التشريق(2) ويستحب الأكل فيهن إلا إلزام كالنذر والكفارة.
مسألة
[ الوفاء بالنذر في صوم أيام التشريق ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : لا يصام يوم الفطر والنحر ولا أيام التشريق لنذر ولا غيره إلا من نذر أن يصوم أيام التشريق بعينها.
مسألة
[ صوم أيام التشريق في غير منى ]
وكان مسلم يرى صيام السنة حسناً إلا يوم الأضحى والفطر وأيام التشريق بمنى، فمن لم يكن بمنى فلا بأس في صوم أيام التشريق في غير منى.
مسألة
[ استحباب صوم يوم عرفة ]
ومن كان عليه صوم سنة فصام أيام التشريق بمنى وغيرها قال أبو سعيد رحمه الله : يستحب صوم يوم عرفة، وقول : يستحب الإفطار ليقوى فيه
نفسه بالدعاء لأن الدعاء ذكر والذاكر(3) أفضل من صوم النفل.
مسألة
[ النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم ]
__________
(1) 1- صيام النذر : النذر ما أنذره الإنسان لسبب من الأسباب شكراً لله عز وجل
أو لتحقيق ما أنذر من أجله. وعند العلماء : أوجب الإنسان على نفسه ما لم يكن
واجباً، فالوفاء به واجب، والنذر يستحب من البخيل.
(2) 1- أيام التشريق : هي أيام عيد الأضحى وسميت بأيام التشريق ولأنها أيام أكل
وشرب بعال. عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره
أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب. انظر السنن الكبرى للبيهقي
2/165 - 167 .
(3) 1- في الأصل : أو الذكر، والأصح : والذكر. (5/105)
صفحة 698
ونهى عليه السلام عن صوم يوم الجمعة إلا أن يتقدمه بصوم أو بعده، قال أبو سعيد رحمه الله : إن صوم يوم الجمعة مكروه لأنه يوم عيد وهو من أيام الأكل والشرب، وكان بعضهم يقصده بالصوم لفضله ويكره استقبال
رمضان بصوم التطوع إلا من كان عادته إدامة الصوم لما روي عنه عليه
السلام : «لا تستقبلوا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق أحدكم
صوم ما كان يصومه(1) .
مسألة
[ كراهية الصوم بعد نصف شعبان ]
قال أبو هريرة رضي الله عنه : قال عليه السلام : «إذا مضى نصف
شعبان فأمسكوا عن الصوم لرمضان»(2) . وكان أبو عبيدة يأمر بصوم
النوروز. وقال عليه السلام : «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا
ليلتها بقيام»(3) .
مسألة
[ معنى قوله تعالى { شهر رمضان } ]
قال الحسن في قوله تعالى : { كتب عليكم الصيام كما كتب علي
الذين من قبلكم لعلكم تتقون } (4) فرأي فرض الله على أهل الكتاب صوم شهر رمضان كما كتب علينا فصام النصارى زماناً.
مسألة
[ مدة الشهر ]
قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } (5) يعني نزل من اللوح المحفوظ في ليلة القدر ثم قال هذا : { هدى للناس } والفرقان يعني
__________
(1) 2- وردت أحاديث مؤكدة لهذا الحديث منها : «نهى عن صوم يوم قبل رمضان
والأضحى والفطرة وأيام التشريق» كنز العمال 8/317 رقم 23920 عن
أبي هريرة.
(2) 3- وردت روايات متعددة منها : «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» أخرجه أبو داود
وهذا عن أبي هريرة عند أبي داود والترمذي. «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»
انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/354 رقم 4515 .
(3) 1- ورد بروايات متعددة من هذه الرواية وهذا لفظ مسلم وله لفظ آخر : «لا
يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو بعده» وهذا لفظ البخاري
انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/359 رقم 4525 .
(4) 2- سورة البقرة آية : 183 .
(5) 3- سورة البقرة آية : 185 . (5/106)
صفحة 699
بينات الحلال والحرام.
مسألة
[ مدة الشهر ]
الشهر مدة بين طلوع الهلالين لشهريه عند الخاص والعام في مواقيت عقودهم و أحكامهم ويستحب لمن رأى الهلال أن يذكر الله كثيراً ويسأله التوفيق لما يقربه(1) .
مسألة
[ ما يقال عند رؤية الهلال ]
يروى عنه عليه السلام أنه يكثر ذكر الله عند رؤية كل هلال ويسأله
بركة الشهر المقبل ويتعوذ من شر القدر وسوء المحشر. وسمي الهلال هلالاً
لرفع الأصوات به وتنادي الناس لرؤيته.
مسألة
[ شهرة شهر رمضان ]
وشهر رمضان مكيف بشهرته وحصول معرفته ورد النص عن الله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } (2) فلم يحتج العلماء إلى تعريفه
من الشهور والمحتاج احتاج غيرهم إلى المسألة عنه.
مسألة
[ موقع شهر رمضان ]
قال عليه السلام : «إن الشهر المفروض صومه هو شهر رمضان وهو ما بين شعبان وشوال» فلن يتكلف الرواة إيراد هذا الخبر ولا غيرهم للمعرفة به وإنما التكلف وقع لحفظ صومه واختلاف أحكامه في الحضر والسفر.
مسألة
[ وقت الليل والنهار ووقت الإفطار والصوم ]
ومن لم يحفظ الشهور والأيام فلا بأس عليه إذا علم الأوقات التي يجب عليه الفرض فيها. والليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، واليوم من طلوع الفجر إلى الليل، والنهار من طلوع الشمس إلى أفولها فإذا أفلت
الشمس فقد حل الإفطار. ولا ينبغي لمن كان له قلب أن يبني صومه على
__________
(1) 1- ما يستحب ذكره عند رؤية الهلال : عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى الهلال قال : «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان
والسلامة والإسلام ، ربي وربك الله ، هلال رشد وخير» رواه الترمذي،
وقال: حديث حسن.
(2) 2- سورة البقرة : آية 185 . (5/107)
صفحة 700
أذان المؤذن إلا أن يكون ثقة بصيراً بطلوع الفجر فإن الله لم يأمره أن يقتدي بالمؤذن، وقد وقت له الصوم من طلوع الفجر والإفطار بدخول الليل وهو أفول الشمس(1) .
مسألة
[ المبالغة المقصودة ]
وإذا أرادت العرب في تفخيم شيء والمبالغة في مدحه وصفوه بالفرض
قال الله تعالى: { وجنة عرضها السماوات والأرض } (2) أي واسعة،
وقوله تعالى : { فذو دعاء عريض } (3) أي كثير ولم يرد الطول والعرض يوجب الطول ولا يوجب الطول العرض.
مسألة
[ على من يجب الصيام ]
قال الله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } (4) يعني شهر
رمضان في أهله فأوجب صومه على من يطيق ففرضه لازم جميع المؤمنين والمتعبد بالصيام يتوصل إلى علم دخول الشهر بثلاثة أوجه : أحدهما من
طريق مشاهدة الأهلة، والآخر لكمال عدد ثلاثين يوماً لأن الشهر تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، والثالث خبر من تقوم به الحجة بخبره(5) .
مسألة
[ الإفطار برؤية هلال شوال ]
ومن رأى هلال شوال وحده فلا يظهر إفطاره للناس إلا يقتدوا به وهو غير حجة عليهم إلا أن يصح الهلال برؤية غيره فإن أظهر فأكل آكل بقوله
__________
(1) 1- قال تعالى : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } [سورة البقرة : آية 187]. وقول
- صلى الله عليه وسلم - : «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار [من هاهنا] وغابت الشمس فقد
أفطر الصائم» أخرجه البخاري ومسلم. وأحاديث غير هذا تدل متى يفطر
الصائم ومتى يمسك.
(2) 1- سورة آل عمران : آية 132 .
(3) 2- سورة فصلت : آية 51 .
(4) 3- سورة البقرة : 184 .
(5) 4- هذه الطرق الثلاث وردت في السنة :
1- في الحكم بشهادة عدلين برؤية هلال رمضان.
2- «فإن غم عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان.
3- أهل الخبرة هي الرؤية الفلكية وفيما أخرجه الموطأ ومسلم «فإن غمَّ عليكم
فاقدروا له» جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/266 رقم 4377 . (5/108)
صفحة 701
لم آمن عليه الضمان.
مسألة
[ صوم الأعمى وأفطاره ]
وإذا كان الأعمى في سفر فأخبروه مع نفر فأخبروه بأوقات الصلاة والصوم جاز له قبول قولهم إذا كانوا ممن يدين بذلك ولو لم
يكونوا ثقات وكذلك من كان في قرية لا يثق بأهلها لأن الله قد
أيمتهم(1) على ذلك.
مسألة
[ من أفطر متأولاً ]
ومن أفطر في حين ما رأى هلال شوال في آخر يوم من رمضان فبئس ما صنع وعليه بدل يومه واختلفوا في الكفارة عليه لأنه أفطر متأولاً برؤية
الهلال وقيل : عليه بدل ما مضى.
مسألة
[ من أفطر جهلاً بفرضيته ]
ومن أسلم في دار الحرب قبل شهر رمضان ثم مر به شهر رمضان فلم يصمه لأنه لا يعلم أنه مفترض عليه ثم دخل دار الإسلام فقامت عليه الحجة فعليه قضاء ومن عزب عليه علم شهر رمضان فلم يصمه فعليه القضاء
بإجماع الأمة.
مسألة
[ عدم القدرة على معرفة شهر الصوم ]
ومن لم يعرف رمضان فتحرى شهراً فصامه فإن صام شعبان وما قبله فلا يجزئه وإن صام شوال أجزأ عنه وإن صام رمضان فهو المراد(2) .
مسألة
[ صيام الأسير الذي لا يعرف رمضان ]
ومن أسر بدار الحرب فعزب عليه علم رمضان فتحرى شهر فصامه أجزأ عنه إذا صامه أنه من رمضان كان قبل رمضان أو بعده وهو سالم إن شاء
الله ما لم يعلم أنه صام سوى رمضان فإن علم وتيقن أنه صام شعبان وعليه البدل إجماعاً.
مسألة
[ الخطأ بصوم رمضان ]
وإن قصد المتعبد لصومه رمضان فأخطأ بغيره من بعده ففيه اختلاف، بعض ألزمه البدل وأسقط عنه آخرون لأنه أوقع الصوم في الصوم في
الشهر الذي بعد رمضان وقع صومه البدل.
مسألة
[ حكم الصيام في شهر رمضان عن رمضان الغائب ]
ومن وافق صوم شهر رمضان الثاني ونيته ببدل الأول بتحريه له ففي ذلك قولان : قول : يكون صومه عن الأخير إذا نوى، وقول : هو عن الأول
__________
(1) 1- هكذا في الأصل والصواب أئمتهم على ذلك.
(2) 1- لأن قضاء العبادة بعد فوات وقتها وأداء العبادة قبل وقتها لا تبرأ الذمة وهي نافلة. (5/109)
صفحة 702
ولكل قول حجة واضحة والأصح إن يكون عن الشهر الذي هو فيه لأنه
تعبد بصومه ولأن الآخر وقته يفوت يدرك قضاء ولو بشهر قبل أن يموت(1) .
مسألة
[ مقدار الشهادة على الصوم والإفطار ]
قول : يصام بشهادة عدل ولا يفطر بشهادته، وقول : يصام ويفطر بشهادة العدل لأن هذا من حقوق الله وإذا أخبر الشاهدان بالنهار أنهما رأيا الهلال ليلاً قبلت شهادتهما روي أن أعرابياً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني
رأيت هلال رمضان. فقال : «اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله» فقال : نعم. فأمر النبي بلالاً أن يؤذن بالناس ليصوموا غداً(2) ومن لم
يقم بشهادة العدل فلا كفارة عليه وذلك رأي.
مسألة
[ حجية خبر الواحد ]
ومن علم برؤية الهلال بخبر الواحد فلا يجوز له التزام الحجة بقبول خبر الواحد ولا يعتقد أن ذلك من رمضان إن كان الشاهد واحد أو اثنين إلا بأن الاثنين التزام الحجة التي لا تجوز له مخالفتها وشهادة الواحد مخير.
مسألة
[ إذا غم الهلال أكملت عدة شعبان ]
قال بعض العلماء : على الناس الصيام بخبر العدل فإن غم عليهم الشهر
فلا يحسبوه ذلك اليوم من الثلاثين إذا غمي عليهم هلال شوال(3) وهذا
دليل أن خبر الواحد لا تقوم به الحجة.
مسألة
[ مقدار الشهود على الصوم والإفطار ]
فإن قيل : لم أوجبتم الصوم بخبره ولم تجيزوه في الإفطار؟ قلنا : لأنه في
الأول شاهد على نفسه وفي الثاني شاهد بها لنفسه ولأن خبر الثقة يوجب
__________
(1) 1- لأن شهر رمضان واجب مضيق لا يتسع لغيره فكل صوم واجب في رمضان
ينقلب إلى رمضان والله أعلم.
(2) 1- هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال في بلوغ المرام من أدلة
الأحكام ص131 رقم 674 رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان،
ورجح النسائي إرساله، والله أعلم.
(3) 2- استناداً لرواية الإمام البخاري «فأكملوا العدَّة ثلاثين» . (5/110)
صفحة 703
قبوله من طريق العبادة وأما الفرض لا يزول إلا بشهادة عدلين، ولأن الله وتعالى تعبدنا بأشياء مختلفة، فأما في الأبدان فبشهادة عدل لقوله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } (1) علمنا أنه أمر بقبول
غير الفاسق، وأما في الأموال أمرنا أن لا تقبل غير شهادة العدلين.
مسألة
[ حكم شهادة النساء ]
ولا يجوز الصوم بشهادة امرأة ولو كانت عدلة ولا بشهادة أهل الذمة
ولو كانوا عدولاً في دينهم.
مسألة
[ الشهادة على هلال رمضان ]
عن أبي المؤثر رحمه الله تعالى أنه أجاز شهادة المرأة والمملوك ذكراً كان
أو أنثى إذا كانوا عدولاً وإذا شهد عدلان أو عدلتان على هلال رمضان جاز الصوم بشهادتهما وأما على هلال شوال فلا.
مسألة
[ إفطار يوم الشك بعد خبر الثقة ]
ومن أفطر يوم الشك بعد خبر الثقة متأولاً فعليه البدل و الكفارة والأصح
إهدار الكفارة عنه إذ ذلك رأي.
مسألة
[ الإفطار بشهادة اثنين ]
وإذا أخبر برؤية هلال شوال عدل مسلم فلا يجوز الإفطار بخبره لأن الخروج من العبادة لا يكون إلا بحجة.
مسألة
[ مناقشة شهادة الواحد ]
فإن لم يجب(2) عليه أن يصوم بخبره ويقيم قبول خبره ولعل أحداً يفطر بخبره؟ قلنا : هذا شاهد وليس بمخبر وإنما عليه تأدية لشهادته عند الحاجة
إليها ولأنه يمكن أن غيره رآه فيصيرا شاهدين تقوم بهما الحجة والله يقول:
{ ولا تكتموا الشهادة } (3) .
مسألة
[ لا عذر بالجهالة ]
فإن امتنع عن الشهادة حذر أن يفطر أحد بشهادته فلا عذر له في ذلك ولو جاز هذا لجاز لكل من رأى الهلال ليكتم علمه فيه، وليس جهل الجاهل بأحكام الشريعة موجباً على قائل الحق إثماً وجوباً.
مسألة
[ حكم أخبار أهل القرية برؤية الهلال ]
__________
(1) 1- سورة الحجرات : آية 6 .
(2) 1- في الأصل : فإن لم وجب، والأصح : فإن لم يجب.
(3) 2- سورة البقرة : آية 283 . (5/111)
صفحة 704
عن أبي الحواري رحمه الله : من رأى هلال شوال وحده فأخبر أهل قريته فصدقوه وأمروه أن يصلي بهم صلاة الفطر فأخبرهم بالجواز أنه لا يجوز له الإعلان بفطره فمن أفطر منهم فعليه البدل والكفارة وعليه هو التوبة.
مسألة
[ إذا رأى الوالي وحده الهلال فما حكمه ]
ومن كان ولياً للمسلمين فشهد أنه رأى هلال شوال فلم يفطر بشهادته أحد فأفطر وادعى صحة دعواه برؤية الهلال فلا يقبل منه ولا يصدق قوله ويستتاب وإلا وجبت عقوبته وسقطت ولايته، وأما فيما بينه وبين الله
فواسع له الإفطار متكتماً(1) .
النهج الثامن والعشرون
في رؤية هلال شعبان
وفي صوم النساء والمماليك
وفي صوم المسافرين
مسألة
[ أثر النية في الصوم ]
ومن رأى الهلال يوم الثلاثين من شعبان نهاراً بعد الزوال لم يجز له صوم بقية اليوم إذ الصوم لا يصح إلا بالنية لقوله عليه السلام : «لا صوم لمن لم يثبت الصوم بنية من الليل»(2) وإذا رأى هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان لم يكن يجز له الإفطار إجماعاً.
مسألة
[ رؤية هلال شوال وأثرها ]
ومن رأى هلال شوال قبل الزوال جاز له الإفطار وذلك إذا كان يوم
الثلاثين من شهر رمضان متأولاً لقوله عليه السلام : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»(3)
__________
(1) 1- لأن الشهادة على الدخول في العبادة أقل من الشهادة على الخروج منها فلا بد
من شاهدين عدول ، أما إذا رأى الهلال بنفسه فله الحق في الإفطار وكتمان
إفطاره إذا تأكد أنه هلال شوال وليس خيال ، والله أعلم .
(2) 1- في الترمذي رقم 687 في الصوم بلفظ : «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا
صيام له» وفي أخرى : «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» أبو داود
رقم 2454 في الصوم.
(3) 1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/267 النص في مسلم رقم 1080 .
والبخاري 4/102 - 104 في الصوم. والموطأ 1/286 ، وأبو داود 2320 في
الصوم والنسائي 4/134 . هناك تفاوت في الرواية والمعنى واحد. (5/112)
صفحة 705
أعني الهلال ففي أي وقت رأينا هلال شوال جاز لنا الإفطار
بالخبر إلا موضعاً معنا منه دليل.
مسألة
[ متى تثبت هلال الليلة القادمة ]
واختلفوا في رؤية الهلال بالنهار، قول : إذا رآه أمام الشمس فهو هلال الليلة الثانية وإن رآه خلف الشمس مما يلي المشرق فهو هلال الليلة الآتية.
مسألة
[ رؤية الهلال بعد الزوال ]
واختلفوا في رؤيته بعد الزوال وقبله فإن رآه بعد الزوال فهو هلال الليلة المستقبلة ولا يجوز الإفطار، وإن رآه قبل الزوال فهو هلال الليلة وجائز
لهم الإفطار.
مسألة
[ أثر الهلال على الحكم ]
وقال بعض المسلمين : إذا رأوا الهلال بكرة فأفطروا فقد أجمعوا
بوجوب الكفارة عليه وإن رآه آخر النهار فأفطر فقول : عليه بدل يومه،
وقول : بدل شهره.
مسألة
[ متى يفطر السجين ]
ومن كان مسجوناً فأخبر أن شوال قد هل هلاله وأن الناس قد عيدوا وسمع هو حركات الخروج كالدصر والطبول فلا يجوز له الإفطار حتى
يشهدا عنده شاهدا عدل برؤية الهلال.
مسألة
[ أثر شهادة الزور ]
وإذا شهد عدلان على هلال شوال فأفطر بشهادتهما ثم صح أنهما شهدا زوراً وماتا بإقرار أو بينة فذلك حكم قد ثبت ولا يحل نقضه ولو رجعا فلا يقبل رجوعهما وعليهما التوبة والاستغفار وعليهما كتمان ذلك لأنه مردود ولا يقبل منهما(1) .
مسألة
[ شهادة العدول مقبولة ]
قال أبو المؤثر رحمه الله : لو أن عدلين شهدا على هلال الشهر قبلت شهادتهما وإن شهدا في يوم قد سمياه وقد انقضى الشهر هدرت شهادتهما
ولو كانا عدلين في شهر رمضان أو في غيره، فإن صح مع الإمام أن
__________
(1) 1- أ- لأن الحكم مبني على طريق الإثبات والإثبات تم عن طريق الشهادة والعدد
الموافق لشروط الشهادة.
ب- لأن هذا الحق ليس من حقوق العبيد إنما حق من حقوق الله عز وجل
فالصوم لي وأنا أجزي عليه. وخاصة لا فائدة من الرجوع بعد نفاذ
الحكم ، والله أعلم. (5/113)
صفحة 706
الشاهد الذي شهد على رؤية هلال رمضان أو الشاهدين الذين شهدا على هلال رؤية هلال شوال شهدا زوراً أدبهما الحاكم بقدر ما يراه ردعاً لهما ولغيرهما لئلا يجترئ سواهما على مثل ذلك.
مسألة
[ المباضعة جهلاً أو خطأً ]
عن أبي الحسن رحمه الله : إذا أخبر البعل عرسه أنه رأى هلال شوال
يوم الثلاثين من رمضان فصدقته فباضعها فعليها بدل ما مضى وأهدرت
عنها الكفارة لأنها فعلت على التصديق وعليه الاستغفار إذ ليس له أن
يحملها على هذا بقوله وحده.
مسألة
[ صيام يوم الشك ]
وإذا جاء الخبر أن يوم الشك من رمضان في ذلك اليوم اعتد به وعليه بدله على حال لأنه صامه على الشك، وإن جاء الخبر في غد أو في الشهر إنه من رمضان فعليه بدله وإن صح بعد انقضاء الشهر فالأصح أنه لا بدل عليه.
مسألة
[ من صام 28 يوماً ]
وقوم أهلوا رمضان وصاموا فلما كان ليلة تسعة وعشرين رأوا هلال شوال فكان صيامهم ثمانية وعشرين يوماً فصيام تام ولكل قوم هلالهم
وقيل غير هذا(1) .
مسألة
[ تبيت النية من الليل ]
ومن نوى الصيام من الليل ثم ذهب به النوم حتى أصبح تم صومه ولا
بدل عليه.
مسألة
[ حكم إهمال النية ]
ومن أهمل النية فلا صوم له، قال أبو عبد الله رحمه الله : من أهمل النية
في فعل الفرائض ففعله هدر لا فائدة فيه.
مسألة
[ انعقاد الصوم بنية الشهر ]
ومن نسي النية ثم فعله والمؤمن على نيته ومن صام بنية يحدثها نهاراً فلا صوم، وقيل : إن عقد الشهر بنية واحدة من أول ليلة أجزأه ذلك على قول، وإن عقد لكل ليلة نية فأحوط للخروج من الاختلاف ووقت النية مستطير
__________
(1) 1- لم يثبت أن رمضان أقل من تسع وعشرين يوماً لحديثه - صلى الله عليه وسلم - الشهر هكذا...
وحصل هذا الفعل في عهد علي رضي الله عنه فأفطر القوم وصام الجميع بدل
عن التاسع والعشرين يوماً مكانه لأنه تبين أن الثلاثين من شعبان أول أيام
رمضان، والله أعلم. (5/114)
صفحة 707
من أول الليل إلى الفجر فإذا حصلت في أي وقت كان منها صح الصوم بها ولا يحصل الصوم الشرعي إلا بتقديم نية لأن الإجماع من ترك الأكل
والشرب بغير نية للصوم فلا فائدة له في ذلك.
مسألة
[ أنواع الصوم ]
الصوم على ثلاثة أوجه : وجه صوم واجب في وقت بعينه كصوم في رمضان، والثاني هو صوم التطوع وصومه هو ثابت في الذمة كقضاء
رمضان وصوم النذر والكفارات وكله لا يجوز إلا بنية من الليل عند
أصحابنا لأن العبادة لا يجوز تقديمها على النية ولا تأخيرها عنها.
مسألة
[ اختلاف الصوم عن سائر العبادات ]
فإن قيل : إن الصوم مباين لسائر العبادات إذ جائز تقديم النية على الفعل وليست النية مقارنة للصوم. قيل له : قد ثبت عنه عليه السلام أن لا صيام
لمن لم يثبت الصيام من الليل، فغروب النية بعد عقدها لا يقدح شيئاً.
مسألة
[ أثر تحول النية ]
قال بعض العلماء : نية المسلم أداء الفرائض وعمل الطاعات وهو على نيته ما لم يحولها، ومن اعتقد بعد صيامه لرمضان لغير أداء الفرائض
أو تطوعاً، وقول : هو مؤد للصوم ولا تضره النية.
مسألة
[ تحويل النية من الصوم إلى الإفطار ]
عن الشيخ محمد بن المسبح رحمه الله : من أصبح صائماً في رمضان ثم حول نيته إلى الإفطار ولم يأت بمنقضات الصوم إلى الليل فصيامه تام وهو
آثم في تحويل النية.
مسألة
[ حديث إنما الأعمال بالنيات ]
فإن قيل : ولم أثبتم صومه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الأعمال بالنيات؟ قلنا
لأن الصوم ثبت بالنية والفعل ولا تزول حكم ما ثبت بعقدين بزوال
أحدهما حتى يجتمعا ولا يزيل حكم العقود بالأفعال إلا والأفعال.
مسألة
[ متى يكون البدل ]
قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : لا شيء عليه، قال أبو عبد
الله : عليه بدل يوم والتوبة، وقول : عليه بدل ما مضى، وقول : عليه البدل والكفارة وإن لم يأت بما ينقض الصوم.
مسألة
[ الفرق بين السحور والإفطار ] (5/115)
صفحة 708
الإفطار حكمه مخالف كحكم السحور لأن الإفطار يحصل للصائم بدخول الليل أكل أولم يأكل والسحور لا يحصل إلا بالأكل فيهما سنتان والإفطار يحصل للصائم بدخول الليل وذهاب النهار، و السحور يحرم عليه بدخول النهار، وذهاب الليل والإفطار واجب لنهيه عليه السلام عن الوصال وهو ترك الأكل لمن قدر عليه والسحور غير واجب بالشقاق لأمة فلذلك
قلنا : بينهما بون.
مسألة
[ نية صوم الكفارة ]
قال بشير : لا أعلم أن أصحابنا اختلفوا فيمن يفعل شيئاً من الفروض أنه لا يقدم نيته في ذلك، وقيل : يجزئ عن صوم الكفارة نية واحدة، وقيل:
لكل يوم نية. والسحور بفتح السين اسم الطعام، وبضمها اسم الفعل.
مسألة
[ بركة السحور والقيلولة ]
وكان عليه السلام يسمي السحور الغذاء المبارك(1) . ويروى عنه أنه قال:
«تسحروا فإن في السحور البركة»(2) ، وكان يعجل الفطور ويؤخر السحور، وكان يقول: «استعينوا على الصيام بالسحور وعلى القيام بنومة القيلولة»(3) .
مسألة
[ تعجيل الفطور وتأخير السحور ]
قال أبو المؤثر رحمه الله عنه عليه السلام أنه قال : «لا تزال أمتي على الفطرة ما عجلوا بالفطور وأخروا السحور»(4) وتعجيل الإفطار إذا دخل
الليل. وقال : إذا حضر العشاء والعشاء فابدأ بالعشاء».
مسألة
[ بقاء الطعام في الأسنان ]
__________
(1) 1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/361 - 362 رقم 4529 =
(2) = أخرجه البخاري ومسلم ، والترمذي والنسائي، ورقم 4530 ، 4531 .
1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/363 أرقام 453 أبو داود
والنسائي ، 5435 النسائي ، 5436 أيضاً النسائي.
(3) 2- كنز العمال رقم 23956 - 8/523 قال الحاكم في المستدرك والبيهقي
والطبراني في الكبير عن ابن عباس.
(4) 3- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/374 رقم 4553 قال : أخرجه
البخاري ومسلم والموطأ والترمذي. (5/116)
صفحة 709
ومن تسحر وبقي الطعام بين أسنانه فلا بأس عليه لأن ما في الفم لا يبطل الصوم وإن قدر على التخلل فلم يفعل ثم ولج الطعام حلقه فإن في موضع
أمن إنه لا يلج فولج فلا بأس عليه، وإن لم يكن فعل فعلم به بعد الفجر
فتركه حتى أساغه ناسياً أو من غير اختيار ففي نقض صومه اختلاف.
مسألة
[ سنن الإفطار ]
ويستحب للصائم أن لا يستاك قبل الإفطار ويفطر على عرف الصوم أن ريح الصائم عند الله كريح المسك ويستحب الإفطار على ما لم تمسه النار
وأن يشرب قبل أن يمج فاه.
مسألة
[ ما يقوله عند الإفطار ]
وكان معاذ يقول عند الفطور : الحمد لله الذي أعانني فصمت فأفطرت. وكان الربيع يقول عند الإفطار : اللهم لك صمت وبك آمنت وعليك
توكلت وعلى رزقك أفطرت(1) .
مسألة
[ إلى متى يأكل الصائم ]
وللصائم أن يأكل ويشرب حتى لا يشك أنه الصبح، وأما من لا يعرف الصبح فلا يحب له الأكل والشرب إذا توهم دخول النهار.
مسألة
[ من تسحر بعد الفجر ]
وإذا شك الصائم في طلوع الفجر فهو على أصل الإباحة لأن الليل قد
تيقنه. وفي الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما عنه عليه السلام أنه قال : «كل حتى تشك» وقول : «كل حتى« لا تشك» والمعنى سيان. ومن تسحر من غير أن ينظر الوقت فصح أنه أكل بعد الفجر أعاد صومه ولا يعود لمثل ذلك، وقول : لا قضاء عليه وليس عليه كفارة. الدليل للأول على ذلك قوله تعالى : { وأتموا الصيام إلى الليل } (2) وهذا لم يتم صومه.
مسألة
[ الإمساك عن الطعام والشراب عند الفجر فوراً ]
ومن بفيه طعام فصح معه طلوع الفجر لفظه ومضمض فاه، وكذلك المباشرة إذا علم بانفجار مسك عن الحركة إلا حركة إخراج الذبذب فإن
أنزل عند الإخراج فلا بدل عليه وإن أنزل في الفرج أعاد صومه إذا تعمد.
مسألة
[ فعل أبي بكر وابن عباس رضي الله عنهم في التسحر ]
__________
(1) 1- هذه الأدعية مأثورة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(2) 1- سورة البقرة جزء من آية 187 . (5/117)
صفحة 710
يروى إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لغلامه وهو يتسحر : أوثق علي الباب أن لا يفجأنا الصبح. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لغلاميه اسقياني، فقال : أحدهما : أصبحت، قال الآخر : لا. فقال : اسقياني فإني أشرب حتى تصطلحا. وحاشاهما مع علمهما وورعهما وما يعلمان من اقتداء الناس بهما أن يكون فيهما شراهة النفس وقلة الصبر.
مسألة
[ من أكل أو تسحر ظناً عليه البدل ]
ومن ظن أن الليل قد حضر وأن الشمس قد أفلت فأفطر أنه نهار، فقول : عليه بدل ما مضى من صومه، وقول : عليه بدل يومه. وكذلك من ظن
الفجر قد انفجر فأكل فإذا هو أكل نهاراً فهي كالأولى.
مسألة
[ متى يكون على الصائم البدل ]
ومن أذن في وقت ارتكام(1) حون ويرى أن الليل قد دخل، فعليه أن
يؤذن ثانية إذا صح معه أنه أذن بالنهار ومن أفطر بأذانه فعليه بدل يومه وعليه أن يعلم على من قدر على إعلامه وإن هو أفطر فعليه أيضاً بدل يومه.
مسألة
[ إذا أنزلت المرأة فعليها البدل ]
وإذا رنت الخود عرد بشر أو دابة وهي صائمة رمضان فأنزلت فعليها بدل ما مضى من صومها وإن عليها الإنزال من غير مطاوعة منها فعليها بدل يومها، وقول : عليها ما على الرجل من البدل والكفارة.
مسألة
[ أثر تأخير غسل الجنابة ]
وإذا وطأ الخود بعلها ليلاً في رمضان فلما رامت الغسل توانت حتى
انفجر عمود الصبح، فقول : عليها ما على الرجل، وقول : ليس النساء في
هذا كالرجال وتستغفر ربها وتتوب إليه من ذلك ولا بدل عليها.
مسألة
[ أثر صوم الحائض دون اغتسال ]
قال بعض الفقهاء : إن لم تعلم بالوطء فعليها بدل يومها وإن علمت فعليها بدل ما مضى وإن تركت الحائض الاغتسال في رمضان، قول : عليها بدل شهر رمضان ولا كفارة عليها، وقول : عليها بدل شهر والكفارة صيام شهرين متتابعين.
مسألة
[ أثر الجنون على الوطء ]
__________
(1) 1- هذه العبارات «ارتكام حون» هكذا في الأصل والمعنى حسب النص وقت
الغروب وقد ظن أن الليل قد دخل، والله أعلم. (5/118)
صفحة 711
وإذا جن الزوج في رمضان فأمكنته الزوجة غشيانها فعليها الكفارة دونه والقضاء وكذلك إذا ذهب عقلها هي فباشرها وهو سليم العقل فعليه البدل والكفارة دونها والقضاء.
مسألة
[ إفساد الصوم بالجماع ]
وإذا أفسدت المرأة صومها بالجماع نهاراً ثم حاضت فعليها البدل
والكفارة. وكذلك الرجل إذا باشر ثم مرض، ومن أجبر زوجته في الصيام
على البضاع فعليه وزره ووزرها وإذا طهرت ذات المحيض في شهر رمضان
في النهار فهي مخيرة بين الإمساك والإفطار وكذلك في اليوم الذي
حاضت فيه.
مسألة
[ أثر إجبار المرأة على الجماع ]
والصائمة للكفارة إذا اقتسرها بعلها فباضعها فإن اجتهدت في ممانعته
عليها فغلبها بدل يومها، وقول : لا بدل عليها، فعلى قول من لا يلزمها
البدل فعليه الضمان مما يتعلق عليها والأصح إن لا يلزمه ضمان، وقول : هو إطعام ستين مسكيناً وعليها بدل يومها، وإن استكانت له لزمها ما مضى.
مسألة
[ أثر إجبار الزوج زوجته في صيام البدل ]
وإذا صامت المرأة بدل رمضان فاقتسرها زوجها على المباشرة لزمها
بدل الذي كانت فيه ولا كفارة عليها وللمرأة أن تغزل وتبل الغزل بريقها وتبزق وجائز للمرأة صوم التطوع بغير زوجها ولا تمنعه حقه، وقول : لا
يجوز إلا برأيه.
مسألة
[ حكم صوم التطوع للمرأة ]
عن أبي هريرة رضي الله عنه : لا تصوم المرأة تطوعاً وزوجها شاهد إلا
برأيه(1). ويكره للصائم الاستنقاع في الماء.
مسألة
[ بقاء أثر الجماع بعد الغسل ]
وإذا غشيت المرأة ليلاً في رمضان فلما أصبحت رأت في فرجها نطفة
فإن كانت غسلت قبل الغشيان فلا يفسد عليها ذلك صومها ولا نجد عليها غسلاً آخر.
مسألة
[ حكم تقديم البدل على الكفارة ]
وإذا صامت المرأة الكفارة قبل إتمام الشهرين وهلّ رمضان فصامت منه أياماً ثم حاضت فلما هل شوال فبعد يوم الفطر أخذت في بدل ما أفطرت
__________
(1) 1- بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر ص138 رقم 703 ، قال : متفق عليه. (5/119)
صفحة 712
من رمضان ثم وصلت صيام ما بقي عليها من الكفارة فإنه يفسد عليها ما صامت الكفارة لأن الواجب عليها تقدم الكفارة وتأخير بدل رمضان.
مسألة
[ أيهما يقدم البدل أم التطوع ]
وللحائض إفطار أيام حيضها وتقضي إذا طهرت وتؤمر بالتعجيل للبدل وإن أخرت فجائز لأن أيام البدل غير محصورة بوقت لقوله تعالى : { فعدة
من أيام أخر } (1) .
مسألة
[ إمساك المسافر والحائض ]
ويؤمر المسافر بالإمساك في اليوم القادم فيه من سفره وكذلك الحائض بالإمساك في اليوم الذي تطهر فيه فإن أكلا فلا بأس عليهما.
مسألة
[ جواز إمساك المرأة البدل بعد الحيض ]
وإذا صامت المرأة البدل من رمضان أو الكفارة ثم حاضت وطهرت
وبنت على ما صامت إجماعاً.
مسألة
[ أثر الجهل بأيام الحيض على الصوم ]
وإذا حاضت المرأة في رمضان ثم طهرت في أقل من عشرة أيام ثم
راجعها الدم فظنت أنه حيض فتركت الصلاة والصيام فإنه ينتقض عليها صومها وعليها إعادة الصلاة ولا كفارة عليها.
مسألة
[ حكم الكدرة والصفرة ]
وإذا تقدم حيض المرأة صفرة أو كدرة وهي صائمة فأفطرت جهلاً منها ظناً أنه يسعها فعليها بدل الصلاة والصوم، وقول : بدل يومها، وقول : بدل ما مضى والأرجح أن عليها ما مضى من صومها.
مسألة
[ حكم إفطار المرأة خطأً ]
عن الشيخ أحمد بن محمد بن خالد(2) : وإذا أحست المرأة الصائمة
رطوبة في إستها فتركت الصلاة والصوم لظنها أنه محيض فلما رأت لم تجد
شيئاً فإن عليها بدل الصلاة والصوم وأهدر عنها الكفارة.
مسألة
[ إفطار المستحاضة ]
وإذا أفطرت المستحاضة في رمضان قال عبد المقتدر(3) : عليها صوم شهر، وقول : بدل ما مضى. قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : عليها بدل
ما أفطرت.
مسألة
[ أثر طهارة النفاس في اليوم العاشر على الصوم ]
__________
(1) 2- سورة البقرة جزء من أية 185 .
(2) 1- أحمد بن محمد بن خالد : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 2- عبد المقتدر : لم أعثر له على ترجمة. (5/120)
صفحة 713
وإذا وضعت الحبلى أول يوم من رمضان فطهرت على عشرة أيام فلم تطهر حتى خلت أربعون يوماً فعليها أن تغتسل وتصلي وعليها بدل ما أفطرت بعد أن طهرت وأهدر عنها الكفارة بالجهل، وقول : لا تعذر بالجهالة.
مسألة
[ الحيض وأثره على الكفارة ]
ومن تركها المحيض بعد أربعة أشهر فصامت كفارة ثم رأت الدم يومين فأفطرت فيهما وتركت الصلاة فانقطع عنها وانتظرت يوماً جهلاً بعد اليومين فإذا انتظرت رجعة الدم جهلاً فعليها الإعادة على الأصح وإن
تجاهلت فعليها الإعادة. وإذا رأت المرأة الدم يوم طهورها يوم تاسع أو عاشر في رمضان فأفطرت تظن جواز ذلك فعليها بدل يومها على قول من جعل الجاهل كالناسي.
مسألة
[ رخصة السفر ]
ومن سافر ومملوكه في رمضان فأفطر وصام أو بالعكس فواسع لهما ذلك.
مسألة
[ تخير العبد في السفر والحضر ]
وليس للسيد جبر عبده على الإفطار في السفر ولا في الحضر على
الصوم وهو أعلم بضعفه من قوته وهو مخير بينهما.
مسألة
[ إجبار العبد على صوم البدل ]
وأما إن أجبره سيّده على الإفطار فلما استوطن أمره بالبدل فضعف عن
عمد مولاه فالصوم لازم للعبد على السيد إزاحة العمل عنه في أيام صومه للبدل لأن البدل لزمه بجبر سيّده له على الإفطار في حالة استطاعته على الصوم.
مسألة
[ أصحاب الأعذار ]
ومن اشترى رقيقاً في رمضان فجبرهم على الإفطار فإن كانوا بالغين
فعلى السيد ما لزمهم من الكفارة وعليهم البدل، وإن لم يجبرهم وكانوا
ممن لا يلزمهم التعبد فلا بأس عليه.
وليس للقن صوم النفل إلا بإذن المولى إذ هو مال ومن عنده عبد أقلف(1)
__________
(1) 1- أقلف : غير مختون. والختان من سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومن علامات المسلم. وقد
أثبت الطب أن الختان أمر صحي يتفق مع الطب ويزيل النجاسة ويمنع الالتهابات
ويزيد من الرغبة والتوافق بين الزوجين والله علم. (5/121)
صفحة 714
أو صبي في رمضان هل له أن يطعمهم كان القن ممن يقصر أو يتم فإن كان السيد ضارباً كان القن تبعاً له فإن أطعمه فلا يلزمه شيء وإن كان ممن يتم هناك فليس له ذلك إلا أن يكون في حال ضعف يوصب أو نصب وإلا
فعليه الكفارة.
وأجمعوا على أن الشيخ المزمن والشيخة العاجزين عن الصوم أن يفطروا ثم اختلفوا فيما يلزمهما بعد الإفطار، قول : يطعم عن كل واحد منهما كل يوم مسكين، وقول : مد من الطعام، وقول : لا شيء عليه من كفارة ولا غيرها. قال أبو سعيد رحمه الله إن أيسرا طعم عنهما، وإلا صام عنهما
بعض أرحامهما ومتى طاقا أبدلاً، وقول : عليهما أن يتجرا(1) من يصوم عنهما بدل ما أفطرا إذا كانا موسرين.
مسألة
[ العجز مسقط للحكم ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله إن استطاعا أبدلا وإلا فلا شيء
عليهما ولا على ورثتهما وليس فطرهما تخيير إلا إذا عجزا.
مسألة
[ صوم الصبي ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : إن استطاع الصبي الصوم صام وقول :
لا صوم عليه حتى يبلغ الحلم ومن بلغ وصام فأفطره أحد فعلى من أفطره الكفارة وإذا صام المراهق(2) برأيه فعجز فأفطر فالأصح ليس لأحد أن يصوم عنه ولا بدل عليه هو ولا إطعام.
مسألة
[ صوم الخود ]
وإذا بلغت خود(3) في آخر رمضان فأتمته صياماً بعد أن طهرت فالمستحب
لها أن تبدل ما مضى على قول من يرى أن الشهر فرض واحد كله، وقول : ليس عليها إلا صوم ما أدركت إذ كل يوم عنده من الشهر فرض.
مسألة
[ جن سنة ثم أفاق وأثره على الصوم ]
وإذا ذهب عقله سنة ثم أفاق ففي بدل رمضان عليه اختلاف. ومن
__________
(1) 1- وهنا أجاز الإباضية الاستئجار على الصوم كالاستئجار على الحج وهذه قضية خلافية بين الفقهاء رحمهم الله.
(2) 2- المراهق : هنا - والله أعلم - هو قبل البلوغ فلو كان بالغاً لوجب عليه الصوم ويعاقب بتركه، لأن الصوم يجب على البالغ العاقل المقيم السليم.
(3) 3- الخود : الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفاً ، و قيل الجارية الناعمة = (5/122)
صفحة 715
أغمي عليه شهر رمضان فأكله فلا بدل عليه كما لو أكل يوم الشك ولم
يصح أن من رمضان إلا بعد إسلاخ رمضان إنه لا بدل عليه وهو أرجح(1) .
مسألة
[ أثر الإغماء قبل الفجر على الصائم ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : من أغمي عليه قبل طلوع الفجر فعليه بدل يومه والأصح لا بدل عليه لأنه دائن بالصوم معذور بالإغماء وهو
بمنزلة النائم وإذا مر عليه وقت الفجر وهو سليم فلا يضره ذهابه بعد ذلك
ولو أغمي عليه ليله ونهاره إلا في هذا الوقت في الشهر كله.
مسألة
[ حكم الأيام التي أغمي عليه فيها ]
وإذا عقد صوم رمضان من بعد وجوبه عليه من أوله ثم أغمي عليه أعليه بدل صومه ومن أغمي عليه في يوم رمضان فلبث أياماً فلا إعادة عليه وإن
أعاد فحسن. قال ابن عبد الله : عليه الإعادة في جميع الأيام إلا اليوم الذي أصبح فيه صحيحاً ثم أغمي عليه.
مسألة
[ أثر الإغماء بعد الفجر إلى المساء على الصوم ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله من نوى الصيام من الليل ثم أغمي عليه
قبل الفجر حتى أفلت الشمس فإن صومه تام وبعض قال : إن طلع الفجر
وهو يعقل أتم صومه وإلا فلا. وحجة القول الأول أنه نوى صومه في وقت
ما أمره به ولم يحدث نية تبطل صومه وتهدمه.
مسألة
[ أثر الجنون قبل رمضان أو خلاله ]
__________
(1) = والجمع خودات، وخُود، بضم الخاء، مثل رمح لدن ورماح لدن، ولا فعل له.
والتخويد : سرعة السير، وقيل : سرعة سير البعير. لسان العرب لابن منظور،
إعداد يوسف الخياط 1/317 .
1- السبب في ذلك المجنون غير مكلف وغير شاهد للشهر وكذلك المغمي عليه
فهو فاقد للوعي. لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «رفع القلم عن ثلاثة : الصبي حتى يبلغ والنائم
حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق» ولقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر
فليصمه } والله أعلم. (5/123)
صفحة 716
ومن نوى الصيام من الليل حتى أصبح تم صومه ولا قضاء عليه ومن جن قبل رمضان فلم يفق حتى مضى فلا بدل عليه لأنه مرفوع عنه القلم وأما من جن بعض الأيام فأفاق فعليه بدل ما جن فيه في شهر رمضان كله فعليه إعادته.
مسألة
[ أثر الجنون والإغماء على الصوم ]
وحجة من أهدر البدل عن المجنون إذا لم يفق الشهر كله لقوله تعالى:
{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه } . وهذا لم يشهد الشهر ولا شيئاً منه
وأما المغمي عليه فإنه في عموم قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو
على سفر فعدة من أيام أخر } والمغمي عليه صحيح العقل كالنائم وآفته في جسمه، والمجنون إذا أفاق آخر الشهر لزمه بدل ما مضى لأنه قد شهد شهر ولأن الصوم يلزم بشهود بعضه كما يلزم بشهود كله.
مسألة
[ الإغماء قبل رمضان إلى شوال ]
ومن أغمي عليه قبل دخول رمضان فأفاق في شوال ففي البدل عليه اختلاف.
مسألة
[ المرض المفطر ]
واختلفوا في المرض الذي يفطر الصائم من أجله، فقول : إذا غلب أفطر وما أطاق صام وقول ما لم يطق له أن يأكل ما يقوى به إلى الليل وهذا يشبه صرف الضرر، وقول : ما لم يشته من الطعام لزوال المشقة.
مسألة
[ صوم المريض وإفطاره ]
وإذا كان المريض لا يهلكه الصوم إلا أنه يضعفه الصوم ويزداد مرضه فإذا
لم يأكل ما يسد رمقه جاز له الإفطار، وإن اعتراه ضعف في نهاره حاذر منه ضرراً على نفسه أفطر بقدر ما يحيي به نفسه به ويبدل يومه وإن كان يضعف من الصوم فالأصح أن ينوي الإفطار من الليل وقيل له أن يفطر متى عجز.
مسألة
[ الوصية بالبدل ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إذا أكل المريض من الطعام ما يقوى به على الصوم فقد حق عليه البدل في الحكم وصار ديناً فإن لم يقضه قبل موته أوصى به وإن لم يستطع الصوم حتى مات فلا بدل عليه ولا وصية فإن
احتاط فحسن وأنفذت عنه الوصية إذا خرجت من ثلث ماله.
مسألة
[ العجز عن الصوم ولم يستطع البدل ] (5/124)
صفحة 717
قال أبو سفيان : من عجز عن صوم رمضان من وصب حتى حال الحول فاستطاع صيام الثاني صامه وأطعم عن كل يوم من الأول مكانها فطوراً وسحوراً فإذ فرغ من صوم الثاني أبدل الأول ولم يعتد بما أطعم.
مسألة
[ الأمراض المفطرة ]
قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر } (1)
إن الآية محمولة على بعض الأمراض لا على كلها ولولا ذلك لكان
للمفلوج(2) ومن به علة النفوس أن يفطر لأنه مرض والإجماع أنهما خارجان من جملة من رخص له الإفطار.
مسألة
[ الإفطار في السفر أولى من الصوم ]
قال الله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من
أيام أخر } (3) فقد عم الخطاب المثري والمقتر وهي رخصة جائزة لمن قبلها
أن يفطر إذا سافر، وقد يحتمل أن يكون الإفطار في السفر أفضل إذا
حاذر المرء عجز عن أداء المفترضات والمقصور عن بلوغ ما لا بد منه
بسبب الصوم(4) .
مسألة
[ الإفطار في عرفة أفضل ]
والإفطار في عرفة أفضل من الصوم للاستطاعة عن أداء ضعف
مفترضات الحج حتى يكون المتعبد قادراً على الحالين فلا بأس وله الثواب
عند الغني الوهاب.
مسألة
[ الصوم أفضل إذا أمنت المشقة ]
قال أبو سعيد رحمه الله : إن الصوم في السفر أفضل إذا أمنت المشقة
وإلا فقبول الرخصة أفضل، قال تعالى : { وأن تصوموا خيراً لكم } .
مسألة
[ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 185 .
(2) 1- هو من به شلل نصفي ولا يجدي به العلاج.
(3) 2- سورة البقرة آية 185 .
(4) 3- علة الإفطار المشقة فإذا تحققت تحقق الإفطار وليس الإفطار في رمضان كالقصر
في الصلاة فالقصر في أصله تعبدية. ووردت أحاديث في جواز الإفطار وجواز
الصوم فيما أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي
والنسائي أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أأصوم في السفر، وكان
كثير الصيام، فقال : «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». (5/125)
صفحة 718
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام في السفر وأفطر في السفر، قال بعض العلماء : ليس على المسافر أن يصوم في سفره لقوله تعالى : { فعدة من أيام
أخر } ، فمن قال هذا القول ذهب إلى إيجاب الإفطار في السفر. جاء رجل
إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : أجدني أستطيع في السفر. فقال له : «الإفطار
رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن وإذا اختار الصوم فلا جناح عليه»(1)
لقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } (2) .
مسألة
[ النهي عن صوم التطوع في السفر ]
وأما قوله عليه السلام : «ليس من البر الصيام في السفر»(3) يعني صوم التطوع وقيل عليه السلام مر بزحام فسأل عنه فقيل له إنه صائم أجهده الصوم، فقال : «اقبلوا رخصة الله»(4) فدل أنه ليس بواجب. ومن سافر
سفراً جاوز فيه الفرسخين(5) فهو مسافر وله ما للمسافر وعليه ما عليه،
__________
(1) 1- ورد ذم الصوم في السفر لعلة المشقة لأن الأحاديث التي وردت أشارت إلى
حدوث مشقة. انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - . 6/393 -
397 أرقام 4576 - 4582 .
(2) 2- سورة البقرة جزء من آية .
(3) 1- الرواية المأثورة «ليس من البر أن تصوموا في السفر» ورواية عند البخاري ومسلم :
«ليس من البر الصوم في السفر» وقال في جامع الأصول للنسائي رواية أخرى
«ليس من البر الصيام في السفر» انظر البخاري 4/161 ، 162 في الصوم
ومسلم رقم 1115 في الصيام، وأبو داود رقم 2407 ، والنسائي 4/176 .
(4) 2- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/395 رقم 4579 .
(5) 3- الفرسخ : جاء في لسان العرب حرف الفاء - فرسخ : ص173 فراسخ الليل
والنهار ساعاتها وأوقاتها. وفراسخ الأيام : حيث يأخذ الليل من النهار. والفرسخ :
ثلاثة أميال أو ستة سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك. (5/126)
صفحة 719
وقول : لا يسافر في رمضان إلا لحاجة لا بد له منها أو كان فقيراً يحتاج إلى الكسب على نفسه ومن يمون، وأما ذوا الثروة فإن ضرب فأفطر للمكاثرة
فعليه الكفارة والأصح جواز الإفطار للمسافر مثراً كان أو مقتراً.
مسألة
[ الرخصة في المعصية ]
ومن سافر في معصية ففي إجازة الفطر اختلاف، قول : له ما للمسافر وعليه ما عليه، وقول : لا فإن فعل فعليه البدل الكفارة، وقول : عليه بدل ما
أفطر، وقول : بدل ما مضى(1) .
مسألة
[ جواز السفر هروباً من الحر ]
ومن اشتد عليه الصوم لشدة الحر فسافر فراراً من ألم الصوم ونيته أن يبدله إذا برد الوقت له ذلك ولا حوب عليه.
مسألة
[ تقديم البدل على غيره ]
قال أبو سعيد رحمه الله : وإذا كان على المسافر بدل من رمضان فرام صوم كفارة يمين أو نذر أو غير ذلك ويصوم بدل رمضان أولاًَ فإن فعل فلا يجزاه ذلك(2) .
مسألة
[ لا إفطار في يوم السفر ]
قال أبو سعيد رحمه الله : والمسافر لا يجوز له الإفطار في اليوم الذي
سافر فيه إذا أصبح في وطنه، وإن سافر نهاراً فلا يعتقد الإفطار ما لم يخرج
من وطنه لأنه إذا أصبح في وطنه فقد لزمه حكم الصوم.
مسألة
[ اختلافهم فيمن كان داخل العمران ]
اختلف أبو عبد الله وأبو معاوية في المزرع الخارج من العمران الوالج في حد الفرسخين، فقال أحدهما : إن لمن خرج من البلد مجاوز الفرسخين ثم
رجع إلى المزرع أفطر لأنه في حكم السفر لمجاوزته الفرسخين ما لم يلج في العمران، وقال أحدهما : لا يجوز له الإفطار لأنه حيلة.
مسألة
[ مسافة القصر والإفطار ]
اختلف المسلمون في المسافر متى يجوز له القصر والإفطار، قول : إذا
سافر(3) سفراً يتعدى فيه الفرسخين فخرج من عمران داره حل له الإفطار، وقول : حتى يجاوز الفرسخين.
مسألة
__________
(1) 1- لأن الفقهاء يقولون : الرخص لا تناط بالمعاصي.
(2) 2- لأن كل صوم في رمضان ينقلب إلى رمضان.
(3) 1- في الأصل عدم وجود سافر، والنص لا يصح إلا إذا قلنا سافر سفراً. (5/127)
صفحة 720
[ تبيت النية من الليل ]
ولا يجوز اعتراض الإفطار نهاراً للمسافر وذوي الوصب على الأرجح
حتى ينوياه من الليل وإن اعترض الإفطار في نهاره لعذر عن ضرب أو
وصب فأجبى نفسه فلا بأس عليه.
مسألة
[ العودة قبل مجاوزة الفرسخين ]
ومن نوى في سفره مجاوزة الفرسخين ونوى الإفطار ثم نوى العودة
قبل مجاوزة الفرسخين فلا ينبغي له إفطار ذلك وأن يحول نيته للصوم إذا
حولها للعودة، فإن أكل قبل أن يلج داره أو بعد فعليه بدل يومه، وإن أفطر
بعد ذلك اليوم فعليه الكفارة وبدل ما مضى.
مسألة
[ حكم الإفطار قبل الفرسخين ]
ومن طلب دابة وتردد دون الفرسخين ماذا عليه؟ فإن ردت عليه دابته دون الفرسخين فعليه التمام والصوم لرمضان وإن قصر وأفطر أبدل وكفر
وإن أفطر بعد اليوم الذي كان فيه مسافراً انتقض صومه ولزمته الكفارة لأنه أفطر في الحضر.
مسألة
[ حكم إفطار من كان له أكثر من وطن ]
ومن أفطر بين قريتين كان ينزلهما بعد أن صام في إحداهما فإن كان
مقيماً بهما وهما وطن له فعلى قول من أجاز له وطنين ثم له ما صام في
وطنه وعليه ما أكل في سفره وبدل ما صام في القرية التي لم يتخذها وطناً.
مسألة
[ أثر النية للمسافر ]
وإذا رام الضارب أو ذو الوصب الإفطار نواه من الليل أو من قبل طلوع الفجر، فإذا أصبح مفطراً وإن عناه أمر حاذر منه ضرراً أحيى نفسه من صدا
أو سغب وعليه بدل يومه ومثله الأهل لأن الدين يسر .
مسألة
[ حكم الإفطار في وطنه قبل السفر ]
ومن نوى مجاوزة الفرسخين فأفطر في وطنه نهاراً فسد عليه ما مضى من صومه وعليه الكفارة، وقول : صوم شهر والكفارة.
مسألة
[ ليس للمسافر الإفطار في بلده ]
و ليس للمسافر أن يفطر في يوم أدركه الصبح في بلده نوى الإفطار في الليل أو لم ينوي وعليه صوم ذلك اليوم في السفر وإن أفطر فيه، فعن هاشم
بن غيلان وموسى بن علي رحمهما الله : إن عليه بدل ما مضى فإن ظن (5/128)
صفحة 721
جواز ذلك بدل يوماً، وإن علم حجر ذلك الإفطار فقول : عليه صوم شهر عن يومه، وقول : ما مضى من الشهر وعليه عتق رقبة للكفارة أو صيام شهرين متتابعين أو طعام ستين مسكيناً.
النهج التاسع والعشرون
في صوم البدل والكفارة في الصوم
مسألة
[ البدل عند عائشة - رضي الله عنها - متتابع ]
ومن كان عليه بدل من رمضان قول : يجزئه متتابعاً لقوله تعالى:
{ فعدة من أيام أخر } (1) قالت عائشة رضي الله عنها : أي متتابعات
فسقطت تاء متتابعات.
مسألة
[ البدل بنفس القدر ]
قال أبو سعيد رحمه الله : إن البدل من كل شهر بأي وجه يكون لزم متفرقاً كان أو متتابعاً لأن الصوم بدل عنه، وقيل : إن البدل لا يصح إلا
متتابعاً فإن انتقض على الصائم صومه بسبب فإنما ينتقض عليه البدل.
ومن اعترض صيامه البدل صام ثلاثين يوماً وإن ابتدأ الهلال صام إلى الهلال ولو تسعة وعشرون يوماً ولو صام الناس ثلاثين فلا يجزي بدله إلا
ثلاثين يوماً وإن كان شهر رمضان تسعة وعشرون يوماً أجزأه بدل شهر ولو
تسعة وعشرون يوماً، فإن انتقض عليه من شهر البدل الناقص أياماً فعليه إتمام الثلاثين على أثر صيامه، فإن انتقض ما صامه.
مسألة
[ كيفية صوم الحائض ]
وإذا صامت المرأة بدل رمضان فحاضت فإذا طهرت وتطهرت بنت على صومها، وكذلك ذو الوصب(2) والضارب(3) .
مسألة
[ كيفية صوم الكفارة والبدل ]
عن الشيخ أبي محمد رحمه الله : وإذا صام المتعبد البدل فأكل قبل إتمام
ما عليه هل ينتقض ما صامه؟ فلا ينتقض. فإن قيل أليس قد فرق؟ قلنا : كذلك الأكل في رمضان فصام تسعة وعشرين يوماً فظن أنه قد أتم الشهر فأفطر ثم ذكر فعليه بدل يوم. اختلف أهل العلم فيمن أفطر في صوم
الكفارة والبدل مختاراً، فبعض أفسد عليه صومه وألزمه إعادته متصلاً،
وبعضهم أجاز صومه متفرقاً، وبعض شدد في الكفارة.
مسألة
[ حكم تأخير القضاء ]
__________
(1) 1- سورة البقرة جزء من آية 185 .
(2) 1- ذو الوصب : المريض.
(3) 2- الضارب: المسافر. (5/129)
صفحة 722
ومن عليه أيام من رمضان فأخر القضاء حتى هل رمضان الثاني فعليه
صيام الحاضر ويصوم البدل بعد الفطر، وأما الشيخ سليمان بن عثمان فقد
حرم الأكل والشرب على من أخر البدل عن أول شوال فلم يوافقه على
ذلك أبو بكر الموصلي(1) وجملة من الفقهاء.
مسألة
[ إثم المتوفى وهو قادر على البدل ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : من توانى في بدل رمضان
حتى مات وهو قادر على الصوم هلك.
مسألة
[ صيغ من صيغ اليمين ]
ومن أقسم بطلاق عرسه أن لا يصوم شهر رمضان فخرج ضارباً فأفطر فصام لما آب فلا حنث عليه إذا البدل غير الشهر.
مسألة
[ من أفطر سنين متعددة عليه الصيام حتى الاطمئنان ]
ومن أفطر سنين لم يعرف عددها فإنه يحتاط على نفسه حتى يعلم أنه لم يبق عليه من البدل شيء وكذلك الكفارة.
مسألة
[ لا يجوز الاستئجار للصوم ]
ولا يجوز الاستئجار للصوم عن الحي، ومن صام بدل رمضان ثم أهدمه بفطر فقد أساء وعليه استئناف الصوم ولا كفارة عليه، وبعض أوجب عليه الكفارة هذا جواب المسألة الأولى. فإن قيل : إن قضاه قائم مقامه قبل
انقضاء غير المقضى اسماً ووقتاً وبينهما بون.
مسألة
[ من كان عليه بدل أشهر رمضان ]
ومن كان عليه بدل أشهر رمضان فلا بأس أن يفرق صيامهن وليس عليه صومهن متتابعات وعليه الإطعام عن الأشهر الخالية عن كل يوم مسكين
فطوراً وعشاء.
مسألة
[ الوصية بالصوم ]
ومن أفطر أياماً من رمضان لحدوث وصب به فإن كان عليه عشرة أيام فعوفي خمساً فعليه الوصية فيما عوفي فيه من الأيام، فإن صام البدل
فانتقض عليه من عذر لحقه الاختلاف وإن تعمد فعليه الوصية به بقدر ما
قدر عليه من الصوم ففطر فيه، وإن طلب الورثة أن يصوموا عنه ولم يأمنهم الوصي على ذلك فالوصي أولى بإنفاذ ذلك.
مسألة
[ عدم جواز استئجار الصبي للصوم ]
ولا يجوز استئجار الصبي أن يصوم عن الهالك ويتجر له ثقة، وجائز
__________
(1) 1- أبو بكر الموصلي : لم أعثر له على ترجمة. (5/130)
صفحة 723
صوم المرأة عن الرجل. قال أبو سعيد عن ابن عباس رضي الله عنه : ما كان من شهر رمضان أطعم عنه، وما كان من نذر قضي عنه.
مسألة
[ لا بد من تنفيذ الوصية ]
وما أوصى به الموصي صوماً أنفذ عنه صوماً، وما أوصى به إطعاماً أنفذ عنه إطعاماً، ولا يجوز أن(1) يطعم عنه إذا أوصى بصيام ولو أطعم عنه
ألف مسكين.
مسألة
[ التقيد بألفاظ الوصية ]
ومن أوصى بصيام شهرين هل يجوز أن يصوم عنه اثنان شهراً واحداً؟
فلا يجوز ذلك وإنما يجوز أن يصوم عنه رجل أو رجلان شهرين.
مسألة
[ حكم من دعي إلى طعام فقال إني صائم ]
ومن دعي إلى طعام فقال : إني صائم لم يكن صائماً فعليه صيام ثلاثة
أيام، قول : إن لم يكن صائماً فهذا قد مات ويستغفر ربه ولا يلزمه شيء إلا أن يقول : على صيام ثلاثة أيام إني صائم أو نوى ذلك حين قال فعليه صيام ثلاثة أيام.
مسألة
[ حكم الأكل ناسياً ثم واصل الأكل متعمداً ]
وإذا أكل الصائم ناسياً ثم اعتمد الأكل لظنه جواز ذلك لم يعذر بجهله وعليه ما على المفطر في شهر رمضان، وكذلك من أحيا نفسه من صدى ثم اعتمد الأكل في يومه ففي الكفارة عليه ألد اختلاف.
مسألة
[ إفطار الضارب بدون نية ]
والضارب إذا لم ينو الإفطار جهلاً فعليه بدل يومه. قال أبو مالك رحمه الله : عليه بدل ما مضى.
مسألة
[ متى يحق للصائم الشرب ]
ومن ضرب فوجد ماء فشرب حذر أن لا يجد غيره إذا جاوزه فيهلك فليس عليه بدل صومه الماضي، وليس له أن يشرب ما لم ير النصب المؤدي لهلاك نفسه ويشرب بقدر إحياء نفسه وإن اشتد ظمأه فله أن يشرب عللاً.
مسألة
[ حكم المباشرة المتعددة في نهار رمضان ]
__________
(1) 1- في الأصل : ولا يجوز يطعم، والأصح : ولا يجوز أن يطعم ، والله أعلم. (5/131)
صفحة 724
ومن باشر نهاراً في رمضان مراراً فعليه البدل والكفارة ما لم يكفر لأول مباشرة فإن كفر للمباشرة يوم ثم باشر لزمه لكل مباشرة كفارة لأن الله تعالى جعل الكفارة زجراً وردعاً لعباده وقاسوا ذلك على الحدود. ومن تعمد لهتك صوم رمضان، قول : عليه بدل ما مضى وكفارة شهرين لكل يوم، وقول : صوم شهر، وقول : يبدل ثلاثين شهراً ويكفر بصيام شهرين. قال هاشم:
عليه صوم شهر، وقول : صوم الدهر حتى يلقى يوماً كالذي أفطر فيه. ومن باضع نهاراً متعمداً فعليه العتق بالإجماع والسنة، ومن أكره أحداً على إفطار يوم من رمضان فعلى من أكرهه الكفارة وعلى المكره البدل لما أفطر.
مسألة
[ أثر المضمضة والاستنشاق على الصوم ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : إذا مضمض الصائم فاه للازم فأساغ
ماء فلا شيء عليه، وإن كان غير لازم وهو ذاكر صومه فأساغ خطأ فلا
شيء عليه سوى بدل يومه، وقول : لا بدل عليه، والاستنشاق أرخص.
وقال قوم : هما سيان إذا ولج الماء وجاوز الحنجرة وكان من سبب فعله.
مسألة
[ حكم المبالغة في المضمضة ]
ومن توضأ لفرض فأساغ الماء خطأ فإن كان وقت الفرض قد دخل فلا
شيء عليه، وإن توضأ قبل دخول الوقت لحقه في نقض صومه الاختلاف،
وإذا زاد على الثلاث فأساغ لزمه البدل.
مسألة
[ حكم من بلع الريق بعد المضمضمة ]
ومن مضمض فاه فقذفه وسلط ريقه قبل أن يبصق فلا بأس عليه والمستحب أن يبصق بصقة بعد قذف الماء من فيه.
مسألة
[ حكم الانغماس في الماء ]
وللصائم دلك فاه والاستنشاق برفق ويكره الانغماس والرسوب والاستنقاع للصائم في الماء، فإن رسب وولج الماء أذنه أو ولج حلقه ففي نقض صومه اختلاف ومثل ذلك إن ولج حلقه من أنفه والأذن أحق.
مسألة
[ أثر غسل الجنابة والحيض على الصوم ]
ومن رسب في الماء لغسل واجب كالجنب والحائض والنفساء في
رمضان فإن لم يمكنه أداء الفرض إلا بذلك فلا بأس عليه وإن أمكنه وفعل
ولم يتعمد ساعة فعليه بدل يومه.
مسألة (5/132)
صفحة 725
[ حكم تعمد الغرغرة اختباراً لنفسه ]
ومن تعمد الغرغرة بالماء ليعتبر إنه يلج الحلق أم لا وهو صائم فأساغه
فعليه البدل والكفارة وليس على من ذاق طعاماً بلسانه عند المداراة له
والطبخ أن يمضمض فاه والتمضمض أحب إلينا.
مسألة
[ حكم دخول الجوف الغبار والذباب... ]
ومن رمي بنبل أو وخز برمح فولج جوفه فلا ينتقض صومه. ومن وقع
في فيه شيء من غير الطعام كاللجين أو التبر أو الحجارة وما أشبه ذلك والدواب كالذباب وغيره خطأ أو غلبه من غير اختيار فلا نقض عليه، ومن تعمد لإساغة شيء ولو قل معدنا كان أو دابة أو طير فعليه البدل والكفارة، هذا رأي أبو سعيد. وقول : لا كفارة عليه.
مسألة
[ حكم دخول الدخان ورائحة الأطعمة الأنف... ]
ومن ولج جوفه دخان متى وجد طعمه في حلقه فلا نقض عليه وشمام الأراك لا بأس عليه ولو وجد حرارته في خيشومه، وقول : إذا ولج الدخان حلق الصائم مكروه ومن يجوز «أو اسعارنا»(1) ، ولا بأس على من كال دقيقاً أو سفي تراباً ودخل خياشمه وحلقه وينبغي له أن يلف فاه ومنخريه بملاءة
ومن ولج دخان السماد خياشمه وفاه وهو صائم فأجازه في حلقه قبل أن
يبصق فإذا كان على استطاعة من قذفه قذفه فلا شيء عليه، وإن كان الدخان ذات عالج في إخراجه بما قدر وإن ساغ حلقه اضطرار فلا فساد عليه.
مسألة
[ حكم دخول الدموع والمخاط حلق الإنسان ]
وإذا ولج حلق الصائم دموعه أو مخاطه عمداً أو خطأ من حزن أو
سرور، فإن تعمد لإساغته فعليه بدل يومه إذا كان عند إيلاجه الحلق خطأ، وإن تعمد للإيلاج والسرط فهو كمن أفطر عامداً وعليه ما على من أفطره.
مسألة
[ حكم الاكتحال في الصوم ]
ويكره الكحل للصائم وقيل بإباحته وهو الأرجح(2)
__________
(1) 1- والله أعلم أن العبارة أو أشعل ناراً.
(2) 1- وذلك لوروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : «جاء
رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اشتكت عيني ، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال : نعم»
أخرجه الترمذي. (5/133)
صفحة 726
، وأجاز ابن عباس رضي الله عنه طعم الأطعمة والخل للصائم ما لم يسغه أو يختبر حلوه من مره.
مسألة
[ حكم مضغ الطعام للصبي ]
ومن أكل طعاماً ليلاً أو مضغ طعاماً لصبي نهاراً ولم يمضمض فاه فلا
بصق فلا بأس عليه وإن رام اجتناب ذلك فحسن، وكرهوا مضغ العلك من
الطعام. قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إذا يلج حلقه شيء فلا بأس عليه، وكل من أكل شيئاً من الأغذية فسد صومه (....)(1) لكل واقع عليه وقد
حرم الله الأكل على الصائم. ومن أكل غير الأغذية فلا يستحق اسم صائم ليس كما قال : من ذهب عنه دليل الصواب ولم يتضح له فصل الخطاب.
مسألة
[ اكتحال النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
وإذا اكتحل الصائم فحس شيئاً في حلقه مجه وقذفه إن قدر لأن الحديث ورد عنه عليه السلام أنه كان يكتحل وهو صائم، ويروى أنه كان يكتحل بالإثمد لأنه ليس للجوف منفذ من العين وما أبيح فعله فلا يخص إلا بدليل.
مسألة
[ حكم دواء العين ]
ومن داوى عينه من رمد فوجد طعم الدواء في حلقه فلا بأس عليه، وإن رام قذفه فحسن، وإن وجده في فيه بصقه.
مسألة
[ حكم السواك في نهار رمضان ]
ومن وجد في نخاعه شيئاً مما داوى به عينه فلا بأس عليه ويقذفه.
وللصائم أن يستاك في صدر النهار بالدوي والرطب وفي دبر النهار بالدوي
فقط هذا مما يستحب له(2) .
مسألة
[ عدم جواز استحالب السواك ]
ولا يتعمد الصائم لإساغة ما تجمع في فيه من السواك بعود رطب وإذا تجمع لجرحه، وقيل : لا بأس بالسواك بعود الرطب كان في صدر النهار أو دبره ويكره السواك قبل الفطور مع أوانه.
مسألة
[ حكم الاستواك بالداروف ]
__________
(1) 1- بياض في الأصل مقدار كلمتين.
(2) 1- لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : «يستاك أول النهار الصائم
وآخره» أخرجه البخاري في ترجمة باب اغتسال الصائم 4/133 . (5/134)
صفحة 727
ومن استاك بالداروف ليلاً وتمضمض بالماء فلا بأس عليه فيما بقي من أثره ولو أزاله الريق وسرطه مع ريقه لأنه لا قوام له حتى ينحل وإنما هو زوك.
مسألة
[ حكم السعوط في الصوم ]
ومن استعط وهو صائم، فقول :عليه البدل إذا حل دخل حلقه أو لم يدخل، وقول : إذا لم يدخل فلا بأس عليه وإن دخل حلقه فعليه البدل،
وقول : ليس عليه البدل دخل حلقه أو لم يدخل، وقول : عليه أن يقذف ما دخل حلقه هذا إذا استعط من ضرر.
مسألة
[ حكم إدخال الدواء في الأذن ]
ومن ألقى في أذنه دواءاً مائعاً فهذا أرخص من الاستعاط وكره ذلك محبوب رحمه الله. وقول : عليه بدل يومه، وأما سليمان بن عثمان فلم ير
به بأساً.
مسألة
[ حكم الاحتقان في الدبر أو القبل ]
ومن احتقن في رمضان لحدوث وصب قد عاقه منه نصب فبعض ألزمه بدل ما مضى من صومه، ومنهم من ألزمه بدل يومه. وإذا احتقنت المرأة في قبلها فالأرجح لا بدل عليها، ودبر المرأة والرجل سيان، واحتقان الرجل في دبره كاحتقان المرأة في موضع البول وفيه اختلاف، واحتقان المرأة في
موضع المباشرة لأنه لا بأس به. وإذا بال الصائم في الماء أو تغوط أو تريح فلا بأس عليه في صومه وذلك مكروه من جهة الطب والأدب.
مسألة
[ 1 - إدخال الدواء في ذبذبة الإنسان ]
[ 2 - حكم الحجامة ]
ومن قطر في ذبذبه دهناً فوصل مثانته فعليه القضاء على قول، وقول : إن احتقان الرجل في عرده أليس بضائر صومه وكذلك المرأة. إذا جاوزت
الحقنة في دبر المتعبد حتى لا تكاد تخرج إلا بخروج السلح فقول : عليه
بدل يوم، وقول : ما مضى.
واختلف الناس في الحجامة(1)
__________
(1) 1- الحجامة : هي فصد الدم وإخراجه من جسم المحجوم عن طريق مص الدم وما
ورد من حديثه : أفطر الحاجم - لأنه لا يأمن دخول الدم إلى جوفه -
والمحجوم من الضعف. (5/135)
صفحة 728
للصائم ودليل إباحتها للصائم ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم محرم(1) وأفعاله تفيد الإباحة حتى يتضح
دليل الخصوص له دون غيره.
مسألة
[ حكم إزالة الأسنان في رمضان ]
ومن أزال سناً أذاه في رمضان أو سخنه أو رتبه فلا بأس، وإن كواه
فيكره له.
مسألة
[ حكم وجود طعم الدم ]
ومن شكى أنفه فرفع له فوجد طعم الدم في حلقه فلا بأس عليه فرفع
ذلك محمد بن الوليد عن أبي المؤثر رحمه الله.
مسألة
[ حكم خروج الدم من الأسنان ]
ومن خلل أسنانه فاه دماهن فإن كان ليس بسائل فلا بأس، وإن كان عبيطاً سائلاً بصقه واحتاط ببدل يوم. وفي صوم التطوع لا بأس عليه إذا
بصقه ولم يلج الجوف.
مسألة
[ حكم لبس الرطب والاستنقاع بالماء ]
ويكره لبس الملائة الرطبة للصائم وينزه صومه عن فعل ما يستلذ به وكرهوا الاستنقاع للصائم وهو الذي يريد به القوة والاستعانة على صومه.
مسألة
[ أثر النظر إلى عورة المرأة ]
عن هاشم : من نظر إست امرأة في الماء فعليه بدل يوم لعل المسألة قد صحفت وهو إذا نظر ظل الفرج في الماء في نظر الفرج نفسه اختلاف.
مسألة
[ حكم من غلبه القيء ]
ومن غلبه القيء وهو صائم فلا بدل عليه، وإن تعمد لهتك حرمة الصوم كان عليه القضي والكفارة، قال المصنف هذا إذا أزاع قيئه متعمداً أي رده
إلى جوفه بعد أن جاوز الحنجرة إلى فيه وإلا فلا بأس عليه إذا لم يتعمد.
مسألة
[ تعمد القيء وارتدد وأثره على الصوم والصلاة ]
__________
(1) 2- لقول - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاث لا يفطرن الصائم، الحجامة والقيء والاحتلام» أخرجه
الترمذي رقم 719 . وفي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم ، واحتجم وهو
صائم» جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/293 رقم 4410 . (5/136)
صفحة 729
ومن قاء طعاماً فزاعه أو شيئاً منه متعمداً إن صلاته وصومه يفسدان إذا كان بعد مقدرة من لفظه، وإن كان ناسياً فلا بأس وكذلك إن رجع شيء
لم يعلمه فلا بأس، ومن تقيأ على غير تعمد فرجع قيئه على الغلبة فلا شيء عليه، وإن تعمد على القيء ولم يتعمد على رجوعه فهذا قد تعمد على
القيء فعليه بدل يومه، وقول : بدل ما مضى.
مسألة
[ عدم ارتداد القيء إلى الجوف ]
ومن تقيأ عمداً ولم يرد شيئاً إلى جوفه فمختلف في فساد صومه، قول : عليه بدل يومه وهو الأصح، وقول : لا شيء عليه.
مسألة
[ أثر محاولة القيء ثم ارتداده على الصوم ]
وإن سرط ريقه بعد زوال عين النجاسة من فيه فلا بأس عليه. ومن رام التقيؤ عمداً أو ذرعه ثم رده دون البروز إلى فيه فلا بأس عليه قال الشيخ
أبو سعيد رحمه الله : إذا تقيأ لمعنى فلم يرجع فلا بأس عليه، وإن رجع فعليه بدل يومه. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن
تعمد فعليه القضاء»(1) .
مسألة
[ حكم غيبوبة الحشفة على الصوم ]
وغيبوبة الحشفة تنقض الصوم في قبل أو دبر في بشر أو حيوان ليلاً
أو نهاراً.
[ حكم البلغم ]
ومن تعمد لإساغة ما خرج من صدره واستطاع لفظه من قيئه فعليه بدل يومه ولا بأس بما انحدر من رأسه وعجز عن قذفه ولو تعمد، وقول : إذا
تعمد على ما كان أساغه ما كان قادراً على قذفه مما خرج من صدره فعليه بدل ما مضى، من صومه ومن وجد في حلقه شيئاً وأبهم عليه أمره من
الحلق أو سواه ففي الحكم هو الحلق حتى يصح من غيره.
مسألة
[ حكم البلغم إذا لم يخرج ]
ومن طلع من جوفه شيء حتى طعمه إلا أنه لم يبرز فلا بأس عليه حتى يجاوز أصل اللسان فإن رده جهلاً ولم يقذفه فعليه بدل يومه هذا عن
الوضاح(2)
__________
(1) 1- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/291 رقم (4405) و رقم =
(2) = (4406) قال أخرجه الترمذي رقم 720 ، وأبو داود رقم 2380
والموطأ 1/304 في الصيام ، وهو حديث صحيح.
1- الوضاح : هو الوضاح بن عقبة أبو زياد، من أجل الفقهاء بالقرن الثالث
الهجري ، حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك، وكان يصلح ذات البين.
انظر نزوى عبر الأيام ص91 . (5/137)
صفحة 730
.
مسألة
[ حكم التجشؤ ]
ومن تجشأ فوجد الماء السخن والطعام، فإن برز على لسانه وقدر على لفظه فرده فعليه بدل يومه، وقول : بدل ما مضى.
مسألة
[ خروج الدم من فم الإنسان ]
ومن أدمى فوه وعدم الماء لتطهيره فبصقه أعني النجيع حتى ابيض
البصاق وكان يسترط ريقه عند ذلك فلا بأس عليه.
مسألة
[ ما لا يفسد الصوم من الكلام ]
ومن أخبر غيره (...)(1) تعبيره فعبره بلفظ سوى ما سمع لم يكن كاذباً
أو استباح سر قوم أو نظر في بيتهم أو قرأ كتاباًَ بغير رأي ربه أو قال لبشر أو دابة قبحه الله أو غضب الله عليه، فكل هذا لا يفسد الصوم إلا النظر
للفروج عمداً والصوم ليس كالوضوء.
مسألة
[ حكم صوم من نظر إلى فرج امرأة عمداً ]
ومن توسم امرأة فنظرها من فوق ثيابها لشهوة فسد صومه، أما النظر
لفرج امرأة عمداً، قول : عليه بدل يومه هذا رأي بشير وهاشم وعلي
بن عبد الله.
مسألة
[ حكم النظر إلى إست الصبية ]
ومن نظر إست صبية أو ذات محرم فسد صوم يومه، والنظر للوجه لا يفسد الصوم إلا لشهوة وعلى الشهوة اختلاف، والأصح أن لا بدل عليه،
وأما سائر البدن غير الفرج من عورات النساء على التعمد لشهوة فعليه
بدل يومه.
مسألة
[ حكم النظر بغير العمد ]
وأما من نظر لغير شهوة عمداً لسائر العورات دون الفرج، ففيه اختلاف وأما الفرج فعليه البدل بلا اختلاف.
مسألة
[ حكم مس ذات زينة على الصوم ]
وأما مس ذات زينة محرماً عليه لشهوة عمداً فعليه البدل، وعلى غير
العمد ففيه اختلاف والأرجح البدل.
مسألة
[ حكم شراب المسكر في الصوم ]
ومن شرب مسكراً كالإثم وغيره في رمضان فلا فساد صومه ولا بدل
عليه ولا كفارة عليه وعليه التوبة إلى الله تعالى من سيئ صنيعه ومن أفطر
على حرام فمحروم أجر صومه وقد أدى ما عليه وعليه ضمان ما أكل.
مسألة
[ حكم إيلاج الحشفة ]
ومن أولج حشفة عوده في قبل أو دبر من بشر أو دابة، ذكراً كان أو
__________
(1) 1- بياض مقدار كلمتين. (5/138)
صفحة 731
أنثى، أنزل أولم ينزل، فعليه القضاء والكفارة لقوله عليه السلام للمجامع في الصوم عليه عتق رقبة ولم يسأله عن الإنزال، فلو كان الإنزال شرطاً لسأله.
إن الأحكام المتعلقة بالجماع لا يراعى فيها الإنزال كالغسل والحد وثبوت الإحصان وإباحة المرأة للفروج الأول(1) .
مسألة
[ حكم المجامع ناسياً ]
ومن باضع ناسياً في رمضان فسد صومه عن أبي علي، وقال محمد بن محبوب : ليس البضاع كالأكل والشرب ناسياً فهذا أرخص والبضاع أقبح. قال أبو سعيد : المباضعة والأكل والشرب سيان وعليه بدل يومه بلا كفارة.
مسألة
[ قول حاجب في الحكم المجامع ]
ومن باضع ناسياً وعله عمداً لظنه جواز ذلك الصوم انهدم بالنسيان فعليه بدل ما مضى من الاختلاف، ومن تعمد لهتك حرمة الصوم فعليه الكفارة. وقد روي عن حاجب أن من جامع زوجته نهاراً في رمضان في الحضر فرق بينهما ولا يجتمعان أبداً.
مسألة
[ حكم الإنزال لشهوة ]
من نظر امرأة لشهوة فألقى شيره فهو كالمجامع إذا تعمد الإنزال وإن كان على المحبة فأنزل فعليه بدل يومه، وقول : بدل ما مضى.
مسألة
[ غلبته شهوته فأنزل وحكم صومه ]
__________
(1) 1- حديث الجماع في رمضان : فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
والموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ
جاء رجل فقال : «يا رسول الله هلكت. قال مالك؟ قال: وقعت على امرأتي
وأنا صائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال : فهل
تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال : لا. قال : هل تجد إطعام ستين مسكيناً؟
قال : لا، قال : اجلس. قال : فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينما نحن على ذلك أتى النبي
- صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر قال : أين السائل؟ قال : أنا، قال : خذ هذا فتصدق به...»
الحديث جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/422 رقم 4616 . (5/139)
صفحة 732
ومن غلبته الشهوة بلا سبب منه فأنزل فقول : عليه بدل يومه لحصول
بروز شيره وهو في حال التعبد غير نائم ولا ذاهب العقل، وقول : لا
شيء عليه.
مسألة
[ حكم الإمذاء ]
ومن داعب عرسه فأمذى فلا شيء عليه، وقول : عليه بدل يومه لمعنى المداعبة لا المذي.
مسألة
[ الإنزال دون معالجة ]
ومن لغط جرادانه بلا سبب منه فأمنى فعليه إعادة يومه هذا عن أبي الحسن، وأما أبو عبد الله قال : لا شيء عليه إذا لم يعالج ذلك ولم ينوه.
مسألة
[ العبث حتى الإنزال وأثره على الصوم ]
ومن عبث بإيره في رمضان فأمنى شيره فإن رام الإنزال فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يرد الإنزال إلا أنه عبث وتشهي فعليه بدل ما مضى عن موسى بن علي رحمه الله، وإذا عبثت المرأة بعرد بعلها وهو نائم في رمضان فأمنى فلا شيء عليه إذا لم ينتبه ويرض فعلها وهو بمنزلة المحتلم.
مسألة
[ المجامع في بدل رمضان ]
ومن جامع في بدل رمضان قال أبو سعيد : عليه بدل ما مضى.
مسألة
[ أثر الوصب على البدل والكفارة ]
ومن جامع نهاراً في الصوم فاعتراه وصب فأجهده النصب فلا عذر له
من البدل والكفارة، وقول : إذا أتى على المفطر والمجامع حالة يعذر بها عن الصوم فإن الكفارة مهدورة عنه.
مسألة
[ حكم القُبلة والتشهي لغير أهله عليه البدل ]
ومن نظر أو تشهى لغير أهله فعليه بدل ما مضى، وأما لأهله فعليه بدل يومه. وكرهت القبلة للصائم لأنها من دواعي الجماع والجماع مفسد
للصوم. فإن قيل : ولم وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
يقبّل وهو صائم(1) ؟ قيل له : قد روت في نفس الرواية : أنا أملككم باريه.
مسألة
[ كراهية القبلة للحدث الصغير ]
__________
(1) 1- أخرجه مسلم رقم 1107 في الصيام باب بيان أن القبلة في الصوم ليست
محرمة. ولكن للشباب فيها خطورة لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ترويه عائشة
رضي الله عنها : «وكان أملككم لإربه» البخاري 4/131 . (5/140)
صفحة 733
قال ابن عباس رضي الله عنه : مكروهة للحدث النظير ولا بأس للشيخ الكبير. ويكره للزوج مس فرج امرأته وهو صائم إذا لم يحدث منه حدثاً
فلا بأس عليه ويستغفر ربه ويتوب إليه.
مسألة
[ الغسل قبل الفجر ]
ومن أجنب ليلاً في رمضان فإن اشتغل بمداراة الغسل لم يتمكن من السحور وإن تسحروا لم يتهيأ له الغسل قبل الفجر فإن كان لا يقدر على الصوم إلا بالسحور أحرز صومه بغسل رأسه وفرجه إن أمكنه وإلا بالتيمم ثم يغتسل.
مسألة
[ حكم اغتسال من به سلس بول ]
ومن بلي بالاستبراء حتى تنقطع مادة بوله طلع عليه الفجر وإن اغتسل رجع عليه البول قال أبو علي رحمه الله : يغتسل فإن انقطع وللاستبراء بعد الاغتسال فإذا انقطع توضأ وصلى فإنه يدرك من وقت الصلاة ما لا يدرك
من وقت الصوم.
مسألة
[ أثر طلوع الفجر قبل الاغتسال في رمضان ]
ومن أجنب نهاراً وأراق البول واستبرأ حذراً من تنجيس ثيابه فإذا أمكنه الغسل الذي يحرز به صومه وتشاغل بغيره فسد صومه. قال أبو سعيد
رحمه الله : في الجنب إذا أكربه البول والسلح وأدركه الفجر فبأي شيء
يبدئ إذا حاذر ضرراً قضى أربه أولاً ثم اغتسل، وإن طلع عليه الفجر،
فقول : عليه بدل يوم.
مسألة
[ نوم الإنسان وهو جنب وأثره على الصوم ]
ومن نام وهو جنب نيته الاغتسال قبل الفجر فلم يشعر حتى ضاق
الوقت، فإذا لم يشتغل بغير أمر الغسل فلا بأس عليه، وإن أدركه البول وهو
في الماء فإذا لم يقدر على الامتناع منه فيعجبني ألا يبرز من الماء إلا من
عذر، فإن فعل ما يصلح غسله فلا بأس عليه.
مسألة
[ تقديم الغسل على غيره ]
ومن تبعه بعد الجنابة تبع فينبغي له تقديم الغسل وإحراز صومه ولا
ينظر انقطاع ذلك فإن جهل ولم يرق عنه فأصبح فقد فسد عليه ما مضى
من صومه.
مسألة
[ وجوب الغسل قبل الفجر ]
وإذا أجنب الصائم وكان بمنزله ركية أن لو اغتسل منها لفرغ قبل (5/141)
صفحة 734
انشقاق الفجر ففرع إلى النهر فانفجر عليه عمود الصبح قبل تمام الاغتسال، فإذا لم يتوان إلا في تركه الاغتسال من الركية التي في بيته فلا بأس عليه،
ولا حد عليه في الغسل ولو حاذر نهراً إلى نهر وهو يجد الشتر(1) في الأول
إلا لمعنى.
مسألة
[ حكم إفطار المسافر ]
وليس للمسافر أن يفطر في اليوم الذي أدركه الصبح في وطنه ولو نوى الإفطار من الليل فإن فعل فعليه البدل لما مضى من الشهر على الاختلاف
قبل ظن جواز ذلك فعليه بدل يومه، وإن أفطر على علم بحجر الإفطار عليه ألزمته الكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً وعليه البدل. وللمريض اعتراض الإفطار نهاراً خوف الضرر. وإذا مرض المسافر في سفره
ثم نوى الإفطار في أثناء نهاره ونوى الصيام فقد انقضى عليه ما مضى من صومه في السفر لأنه أصبح على نية الإفطار، وأما من أصبح على نية الصوم
ثم نوى الإفطار فلم يأت بما ينقض من أكل و شرب وبعال وغير ذلك فلا شيء عليه.
مسألة
[ الضارب نهاراً وحكم إفطاره ]
وإذا اعترض الضارب الإفطار نهاراً من غير عذر فقول : عليه البدل والكفارة ويبدل ما صام، وقول : ما صامه وهو ضارب ولا كفارة عليه،
وقول : عليه بدل ما أفطر وهو مسيء.
مسألة
[ اشتراط الضارب في صومه ]
وإذا اشترط الضارب إن قدر على الصيام صام وإن عجز أفطر. فعن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : له شرطه ومن سافر أول يوم مجاوز
الفرسخين وهو صائم ثم أصبح مفطراً وهو في سفره ذلك ثم أعاد لوطنه
فليس عليه الإبدال ما أفطر إجماعاً لأن من صام في الحضر ولو لحظة ثم أتم
يومه في سفره كان حكمه كحكم صوم الحضر لحظة فأتم يومه في لحظة فحكمه كحكم صوم الحضر.
مسألة
[ حكم إفطار الهارب من داره ]
ومن هرب من داره فنوى أجلي حتى جاوز الفرسخين أفطر، وإلا فهو على صومه فلم يجاوز الفرسخين فله شرطه، وأما إن أصبح في عمران بلده
__________
(1) 1- هكذا في الأصل. والصواب والله أعلم الستر. (5/142)
صفحة 735
فقد لزمه صيام ذلك اليوم ولا تنفه النية والشرط من الليل لأنه صوم حضر، فإن أفطر جهلاً أو متأولاً ففيه قولان، قول : عليه البدل والكفارة ولا عذر له
بالجهالة، وقول : عليه ما مضى، وقول ثالث : إذا أفطر متأولاً لبعض الكفارة ولا الآراء فلا بدل عليه، وفيه قول رابع : حتى يتأول رأياً يراه في مذهبه.
مسألة
[ نوى السفر وأصبح في وطنه ما حكم إفطاره ]
ومن أراد سفراً يجاوز فيه الفرسخين فنوى الإفطار من الليل وأصبح في وطنه، ثم جاوز الفرسخين في يومه ذلك فقد أجيز له الإفطار على بعض
القول والأصح عذر الجواب.
مسألة
[ الصوم بين فطرين أو العكس ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : إن كل صوم في السفر أعقبه الإفطار
في السفر أفسده. وقول : كل صوم بين فطرين فهو منتقض إذا ابتدأهما في السفر وإن كان موصولاً بصوم في الحضر ثم أعقبه الإفطار في السفر فلا
بأس لأنه قد اتصل بصوم في الحضر تقدم صوم الحضر أو تأخر فسيان،
وقول : ينتقض كل صوم بين فطرين في السفر ولا ينتقض ما ابتدأه في
السفر من أول الشهر لأنه لم يكن بين فطرين في الشهر، وقول : صومه كله
تام ولو بين فطرين.
مسألة
[ إفطار الضارب ثم صومه لا بأس عليه ]
وإذا أفطر الضارب ثم عاد لوطنه ثم ضرب ثم أفطر فلا فساد عليه فبما
صامه في سفره ولو ضرب مراراً في شهر رمضان وإن أفطر في سفره ثم أتم صيام شهره لم يلزمه إلا ما أفطر لأنه لم يتبع صومه، وقول : كل صوم في السفر أعقبه إفطار في السفر اهدمه. قال أبو سعيد : وإذا صام المسافر في
السفر فاعتراه وصب فأفطر لما ناله من النصب، فلما عوفي بقي على إفطاره فصومه تام، وليس إفطاره هذا بعد أن عوفي بمفسد عليه ما صامه في سفره
وهو مقام ابتداء الصوم في الحضر وذات المحيض.
مسألة
[ ما يحرز الصائم صومه ]
ويحرز الصائم صومه بغسل رأسه وفرجه قدم أو آخر فلا بأس.
مسألة
[ الإنزال نهاراًَ وحكم الاغتسال ] (5/143)
صفحة 736
ومن أمنى نهاراً في رمضان فبدأ بتطهير خرقه قبل ذبذبه فعليه بدل ما مضى، وإن لم يتشاغل لغير معنى الاغتسال فلا فساد عليه، ومن أحرز
صومه بغسل رأسه وفرجه وصلى بذلك فسدت صلاته وتم صومه. ومن
وجد برأس عرده بللاً ولم ير احتلاماً فحكمه مذي ولا بأس عليه في صومه
ولا غسل عليه إلا موضع النجاسة. قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه
الله : من اغتسل بماء نجس لم يحتسب بذلك الغسل، وقول : إذا علم
تجاسته فكما ورد وإلا فلا بأس عليه في صومه إذا لم يتوان في الغسل. (5/144)
صفحة 737
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
القطعة الأولى
الكوكب الدري والجوهر البري
تأليف
الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي
- رحمه الله -
من علماء القرن الثاني عشر الهجري
الثالث الجزء
تحقيق
د. جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك ورئيس قسم الفقه وأصوله في جامعة الزرقاء الأهلية حالياً
وأستاذ الفقه في جامعة السلطان قابوس بعمان سابقاً
1419 هـ - 1998م
النهج الثلاثون
في الحج(1) وأحكامه وقدوم مكة
والمواقيت(2) في الحج
مسألة
[ أول بيت وضع للعبادة ]
قال الله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مبارك وهدى للعالمين } (3) . قيل : إن اليهود فضلوا بيت المقدس وعظموه على الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وسميت أرضه أرض(4) المقدس.
مسألة
[ ما يذكر عن البيت الحرام ]
قال المسلمون : بل الكعبة أفضل، فأنزل الله الآية المتقدمة فيه ثم قال:
{ فيه آيات بينات مقام(5) إبراهيم } (6) وليس ذلك في بيت المقدس. وقيل:
إن أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماوات والأرض هو البيت الحرام قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض من تحته(7) .
مسألة
[ الطواف بالبيت ]
__________
(1) 1- الحج : القصد إلى معظم. وهو أفعال مخصوصة في وقت مخصوص بتروك
مخصوصة إلى جهة مخصوصة.
(2) 2- المواقيت : مفردها : ميقات. والميقات زماني ومكاني فالزماني هو زمن الحج.
والمكاني : الأماكن التي فيها الحاج وهي التي حددتها الأحاديث «هن لهن ولمن
أتى عليهن».
(3) 3- سورة آل عمران : آية 96 .
(4) 4- الأصح : أرض بيت المقدس. وهي مسرى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومعراجه إلى
السموات العلى.
(5) 1- مقام إبراهيم : هو المكان الذي وقف فوقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند
بناء البيت.
(6) 2- سورة آل عمران : 97 .
(7) 3- هناك أحاديث تثبت أن أول بيت بني هو الكعبة وكما ورد في كتاب الله عز
وجل ما يثبت ذلك . (6/1)
صفحة 738
وسئل بعض العلماء عن ابتداء الطواف فقال : إن الله تعالى خلق العرش ووضع تحته البيت المعمور، وأمر الملائكة بطوافه فطافوا به، ثم أمر الله
الملائكة الذين يسكنون في الأرض أن يبنوا بيتاً على قدره ومثاله، وأمر خلقه
أن يطوفوا كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
مسألة
[ قول ابن عباس والضحاك عن البيت ]
قال ابن عباس رضي الله عنه : هو أول بيت بناه آدم عليه السلام في الأرض، وقال الضحاك : هو أول بيت وضعت فيه البركة واختير من الفرد ومن الأعلى، وقيل : أول بيت أمر الناس بحجته، وقيل : أول بيت وضع
قبلة للناس، وقيل : أول مسجد وضع للناس يعبدون الله فيه.
مسألة
[ معنى بكة ]
قال الله تعالى : { أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً } (1) فبكة
هي مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم فيقولون : ضربه لأرب ولازم.
وقيل : بكة : المسجد والبيت، ومكة : الحرم كله، وقيل : مكة اسم البلد وبكة موضع البيت والمطاف لأن الناس يتباركون فيه أي يتزاحمون، وقيل : لأنها تبك أعناق الجبابرة : أي تدقها، وقيل : سميت مكة لقلة ماءها، روي
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ما أعلم على وجه الأرض بلدة الحسنة به بمائة ألف حسنة ويكتب لمن يصلي فيها ركعة بمائة ألف
ركعة غير مكة(2) . وقيل : فيها شراب الأبرار ومصلى الأخيار وما مس أحد
فيها شيء إلا كان تكفيراً لذنبه وخطاياه وإذا دعا فيها أحد أمنت الملائكة
__________
(1) 1- سورة آل عمران : 96 .
(2) 2- تصديقاً لحديثه - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «صلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من
ألف صلاة فسما سواه إلا المسجد الحرام» جامع الأصول في أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم -= (6/2)
صفحة 739
على دعائه ومن نظر الكعبة كتب له كأجر قائم الدهر وصائمه(1) ونصب مباركاً على أنه حال وهدى للعالمين أي قبلة للمؤمنين فيه آيات بينات يعني مقام إبراهيم والحجر(2) الأسود الحطيم وزمزم(3) والمشاعر كلها قبلة ومن
دخله كان آمناً من أن يهاج فيه لأنه حرم الله بدعاء إبراهيم عليه السلام
حيث قال : { رب اجعل هذا البلد آمناً } (4) لأن الجاهلية كانوا إذا دخلوا
أمنوا الغارة والقتل وازداد بالإسلام شرفاً.
مسألة
[ الأمن في الحرم ]
وقيل : من دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام عمرة القضاء كان آمناً لقوله تعالى:
__________
(1) = 9/286 رقم 6897 ، 6898 وغيرها. «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف
صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة
صلاة» الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء.كنز العمال 12/195 أرقام:
34631 ، 34632 ، 34633 ، 34634 .
1- انظر كنز العمال 12/212 رقم 34714 : النظر إلى لكعبة عبادة والنظر إلى
وجه الوالدين عبادة والنظر في كتاب الله عبادة » ابن أبي داود في المصاحف
عن عائشة.
(2) 2- الحجر الأسود : وردت فضائل كثيرة في ذكر الحجر الأسود وأنه من حجارة
الجنة وأن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطّاً» انظر كنز
العمال 12/214 - 217 أرقام 34721 - 34741 .
(3) 3- زمزم : هو البئر الذي تفجر من بين أقدام إسماعيل عليه الصلاة والسلام وقد
وردت أحاديث كثيرة في فضل هذا البئر منها : «إنها مباركة وهي طعام طُعم
وشفاء سقم» (الطيالسي - كنز العمال 34769 ). «يرحم الله أم إسماعيل لو
تركت زمزم - أو قال : لو لم تَغرِف من الماء - لكانت عيناً معيناً» البخاري عن
ابن عباس. 34772 ، 34773 . «وماء زمزم لما شرب له» أخرجه أحمد في
مسنده والبيهقي في السنن عن جابر والطيراني في الكبير عن ابن عمرو وغيرها.
كنز العمال 34774 ، 34705 وأحاديث كثيرة.
(4) 4- سورة البقرة : آية 126 . (6/3)
صفحة 740
{ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين } (1) فظاهر لفظ الخبر والمراد
به الأمر أي ومن دخله فأمنوه تطيره { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } (2) أي لا تفعلوا ذلك. وقيل : من دخل القضاء شك معظماً له عار فألحقه متقرباً إلى الله عز وجل كان آمناً يوم القيامة. وقيل: من الذنوب التي اقترفها وتاب إلى الله منها وقيل : آمناً من النار إذا دخل كما يدخله الأولياء طاعة لله ولرسوله.
مسألة
[ دخول الحاج مكة ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «من صبر على حر مكة ساعة نهار نأت عنه جهنم مسيرة مائة عام ودنت منه الجنة مسيرة مائة عام(3) وجائز للحاج
دخول مكة ليلاً أو نهاراً ودخولها بالنهار أحسن وأوجب.
مسألة
[ فرضية الحج ]
قال الله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلاً } (4) فاللام من الله لام الإلزام ولله فرض واجب على الناس حج
البيت من استطاع إليه سبيلاً.
مسألة
[ شرائط الحج ]
وشرائط الحج : الإسلام والحرية والبلوغ وإمكان المسير والعقل ووجود الزاد والراحلة وأمن الطريق ووجود الدليل والرفيق.
مسألة
[ كيفية الاستطاعة ]
وأما استطاعة الحج فعلى وجهين : صحة الجسم والقدرة على المشي، والآخر وجود المال والراحلة. وسئل عليه السلام عن الاستطاعة فقال : الزاد والراحلة(5) ومن قدر على بلوغ البيت ماشياً سمي مستطيعاً ووجد السبيل
إلى الحج.
مسألة
[ قول العلماء في الاستطاعة ]
اختلف العلماء في الاستطاعة، قال قوم : من وجد زاد وراحلة من فضل ماله لا من بيع أصل ماله وجب عليه الحج. وقيل : بيع الأصل إذا بقي من
__________
(1) 1- سورة الفتح : آية 27 .
(2) 2- سورة البقرة : آية 197 .
(3) 3- لم أعثر له على أصل.
(4) 1- سورة آل عمران : 97 .
(5) 2- الزاد والراحلة : هما الاستطاعة المالية والجسدية ووجود وسيلة السفر وتأمين
معيشة الأهل والولد مدة غيابه عن البلاد. (6/4)
صفحة 741
ماله ما تكفيه غلته ومن يمون إلى إيابه، وقال آخرون : الاستطاعة مال
واحتيال، وقول : صحة البدن والمال.
مسألة
[ قول ابن عباس فيمن يجب عليه الحج ]
قال ابن عباس رضي الله عنهما : من ملك مائتي درهم وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح القن(1) . ولا يمكن عموم هذا في كل المتعبدين لأن منهم
من داره شطير ومنهم القريب من مكة وإنما الاعتبار في هذا بقدر المؤونة ولا ينبغي ذلك أن يكون محدوداً.
مسألة
[ الاستطاعة ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : من كان نشبه نخل وأرض
وعليه عيلة فإن كان إذا باع من نشبه ما لم تكفيه غلة الباقي لما يلزمه من
نفقة وكسوة لا يلزمه الحج وإن كفاه باع وحج، وقول : يجب الحج على
من ملك مالاً يغنيه سنة هو ومن يمونه ويبلغه الحج.
ولم أعلم وجوب حج القن إذا كانوا للخدمة وإن كانوا للتجارة أضاف أثمانهم على ماله فإن استطاع حج وإلا فلا.
مسألة
[ نوع الاستطاعة ]
ومن ملك ما يبلغه الحج وأراد أن يحج فتسوق حتى ثوى حطامه فقد
لزمه الحج وكان ديناً عليه، فعليه أن يحج إن قدر وإلا وصى به ولو لم يكن
له حطام حين الوصية.
مسألة
[ حكم الحج على الأعمى والزمن ]
والأعمى والزمن إذا كانا أهل ثراء ولم يستطيعا الخروج إلى الحج فلا
حج عليهما، ورب الصناعة مستطيع إلى الحج إذا اجتمع له من صنعته ما يستطيع به الحج(2) .
مسألة
__________
(1) 1- القنُّ : الرقيق الذي لم ينعقد له سبب عتق، ويقول في باب الأدب : عبدُ قنّ إذا
مُلك هو وأبواه، ويستوي فيه الواحد وما فوقه، والذكر والأنثى. انظر طُلبة
الطلبة في الاصطلاحات الفقهية ص107 .
وعدم إجازة ابن عباس زواج من ملك مائتي درهم من الأمة لأن الآية القرآنية
تقول: { ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت
أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم } [سورة النساء : آية 25].
(2) 1- من شروط الاستطاعة الجسمية عدم المرض ولكن إذا كان غنياً عليه أن يوصي. (6/5)
صفحة 742
[ وجوب الحج على صاحب الصنعة ]
قال بعض العلماء : إن على رب الصنعة أن يبلغ بها من دار إلى دار
ويحج، والأصح إنه لا يلزمه ذلك.
مسألة
[ عدم إهمال النية على صاحب الصنعة ]
والمقتر الذي لا يستطيع الحج ليس له إهمال النية للحج لإياسه في وقته وعليه أن يعتقد إنه إذا وجد السبيل إلى الحج حج.
مسألة
[ الوصية بالحج ]
ومن لزمه وصب فأدركه من نصب وهو متر فلا يلزمه الحج وعليه
الوصية به لأنه مخاطب بالحج، ومن كان داره مكة واستطاع الحج ببدنه
من غير راحلة ولا زاد فعليه الحج وكذلك غير المكي وإنما شرط الزاد
والراحلة لمن احتاج إلى ذلك.
مسألة
[ أثر الخراج على الحج ]
وعلى النسوة فرض الحج كالرجال والمثري إذا طالبه السلطان بالخراج وحاذر ضرره أن لم يسلمه له وإذا سلم إلى السلطان خراجه لم يبلغه ما بقي معه للحج، فقول : له العذر بذلك وعليه فكاك نفسه وعلى عياله من الجائز،
وقول : عليه الحج والباطل لا يعلو الحق، وقول : له العذر بذلك وإن فدى نفسه بماله كان الحج عليه ديناً.
مسألة
[ استطاع خلال أشهر الحج ]
قال أبو الحسن البسياني(1) رحمه الله : من ملك في أشهر الحج ما يجب به عليه الحج فلا يسقط عنه بعد أن وجب بظلم من ظلمه لأن الخراج ظلم ولا يدري الله لمحو الظالمين وإن ثوى نشبه قبل دخول أشهر الحج فلا شيء عليه.
مسألة
[ تفضيل الحج على الجهاد ]
__________
(1) 1- أبو الحسن البسياني : هو الفقيه العلامة صاحب التصانيف المفيدة الشيخ أبو
الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن البسياني الأزدي اليحمدي
من شيوخه ابن بركة العلامة المعروف في المذهب، وكان أبو الحسن أصم ثقيل
السمع من كتبه : جامع أبي الحسن مطبوع في ثلاثة أجزاء، وكتاب المختصر
المعروف بمختصر البيسوي. انظر إتحاف الأعيان 1/229 . (6/6)
صفحة 743
قال أبو عبد الله رحمه الله : إن الشاري إذا لزمه الحج فعليه أن يؤديه ولو لم يأذن له الإمام ومن عليه فرض الحج فلم يستطع تأديته و استطاع الجهاد فمستحب له أن يبدأ بالحج.
مسألة
[ لا عذر في ترك الحج من المستطيع ]
ومن لزمه فرض الحج وله نساء يلي تزويجهن وكل في تزويجهن من يثق
به ويحج ومن له عوله يخاف عليهم الضرر ولزمه فرض الحج، فإذا كان له
مال لنفقتهم وما يحتاجون له إلى إيابه فعليه الحج ولا عذر له لأجل ذلك،
ولا يترك الفرض لضياع المال، والضرر في المال أيسر من الضرر في الدين.
مسألة
[ من شروط الاستطاعة الأمن على العيال ]
ومن لزمه الحج وحاذر جور السلطان على عياله في تخلفه عنهم فجائز
له تأخير الحج حتى يأمن على عياله، كما يجوز له أن يتأخر إذا لم يأمن على نفسه في الطريق ويكون الحج ديناً عليه إلى أن يأمن على عياله ويوصي به
عند موته.
مسألة
[ تقديم الزواج على الحج ]
ومن ملك مالاً يجب به عليه الحج في أشهر الحج لزمه الحج وإن ملك
قبل أشهر الحج فتزوج منه جاز له لأنه لم يلزمه في حينه ذلك، ومن حاذر العنت وقد لزمه فرض الحج فأحب له أن يتزوج بأقل الصداق ويحج.
مسألة
[ فقدان الاستطاعة خلال أشهر الحج ]
ومن ملك مالاً يجب به عليه الحج قبل أشهر الحج فثوى لم يلزمه الحج حتى تدخل عليه أشهر الحج وله مال يجب به عليه الحج.
مسألة
[ الوصية بالحج ]
ومن ملك مالاً يجب به عليه الحج فلم يستطع لمعنى عذر فقد لزمه الحج فإن حج وإلا فعليه الوصية ولو لم يوسر.
مسألة
[ متى تطرح ولاية الإنسان ]
قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : من ملك مالاً يجب به الحج
في أشهر الحج ولم يحج فمات ولم يوص به طرحت ولايته، وقول : تطرح ولايته ما دام حياً.
مسألة
[ فقدان المال خلال أشهر الحج ]
ومن ملك مالاً في غير أشهر الحج فنوى المال قبل دخول أشهر الحج فلا شيء عليه، وإن خرج حين وجب عليه فثوى المال في طريقه فلا يسقط عنه فرض الحج.
مسألة (6/7)
صفحة 744
[ الوصية بالحج ]
ومن ملك مالاً يجب به عليه الحج فلم يحج فثوى ماله ولم يوصي به
هلك، ومثله من لا يؤدي زكاة ماله حتى ذهب ماله ولم يوص بأدائها،
وكذلك من لزمه بدل شهر رمضان فلم يصم حتى مات ولم يوص به وهو مستطيع للصوم إبان حياته هذا عن الشيخ محمد بن محبوب رحمهم الله.
مسألة
[ التهاون في الحج ]
قال بعض العلماء : من وجد استطاعة الحج فتهاون به حتى ثوى نشبه فليصم ويصنع معروفاً وعليه الحج لازم إذا كان ذلك في أشهر الحج.
مسألة
[ مقدار الاستطاعة المالية ]
عن الشيخ محمد بن روح(1) رحمه الله : ومن حضره الموت وله نشب نزولا يستطيع ثلث نشبه للحج من وطنه حج عنه من مكة شرفها الله
وعليه الوصية بذلك، وقيل : من ملك ثلاثين ديناراً لزمه الحج، وقيل:
مائتي درهم لزمه الحج.
مسألة
[ الحج ماشياً ]
وقيل : يجب على من قدر ماشياً وإلا حتى يجد الزاد والراحلة وبفضلة
من ماله ما يكفي من يمون.
مسألة
[ تفضيل خدمة الأبوين على الحج ]
ومن له أبوان زمنان ولزمه فرض الحج فإن حاذر ضرراً عليهما فإن أمكنهما اتخاذ من يكفلهما وإلا فلا يلقي بهما إلى الضرر ويوصي بالحج.
مسألة
[ من يجب عليه الحج ]
عن هاشم عن موسى رحمهم الله : الحج هظم الحوب فمن عوفي في
بدنه وفي نشبه وأمن ميسرة فقد قامت عليه الحجة إلا أن يغفر الله له.
مسألة
[ تقديم مؤونة العيال على الحج ]
__________
(1) 1- محمد بن روح : هو الشيخ العالم الفقيه أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي
الكندي النزوي السمدي من علماء النصف الأول من القرن الرابع وهو من
شيوخ أبي سعيد الكدمي ومن شيوخه العلامة أبو الحواري ومن شيوخه أيضاً
غسان بن خليد. انظر إتحاف الأعيان 1/211 . (6/8)
صفحة 745
عن أبي الحواري رحمه الله : ومن لا تفضل غلة ماله عن مؤونة عياله وإن باع منه شيئاً أضر بنفسه وبمن يمون وعليه صدقات أيلزمه الحج أم لا؟ فإن بعض الفقهاء أعذره بذلك عن الحج، وإن أصاب هذا المال من قبل الدين والعيال فلا عذر له عن الحج ولو باع جميع ماله ويحتال بما قدر على الحج.
مسألة
[ وجوب الحج على المرأة ]
قال أبو زياد عن منازل عن جهم بن صالح : إذا كان للمرأة على بعلها صداق عاجل فإنها ترفع عليه فإن أيسر بالأداء وهو مما يبلغها الحج فعليها
الحج ومن كان ثمن ماله جماً ولا تكفيه الغلة لمئونته ومن يمون فقول : لا
يجب عليه الحج إلا فيما يفضل من غلة ماله عن ما يحتاج إليه، وأما إخراج السلطان فلا يعتبر به لأنه ليس بلازم.
مسألة
[ الاستطاعة في الحج ]
ومن كان لا يأمن على نفسه وماله إلا بأداء الخراج كان ذلك عذراً له وهو أشد من المؤونة لأن الحج يجب بإيجاد أربع : الزاد والصحة والراحلة وأمان الطريق والمرء أشد حاجة في منزله إلى الأمان من حاجته إليه في الطريق.
مسألة
[ الحج مرة في العمر ]
وأجمعوا أنه لا يجب على المتعبد الحج في عمره إلا مرة(1) واحدة لأن
الحج من أعمال الأبدان، وقول : إذا لم يستطع جاز بنفسه أن يحج عنه
غيره، فإن مات قبل الاستطاعة أجزأه، وإن استطاع لزمه أيضاً الحج بنفسه
على قول.
مسألة
[ التشديد على من لم يحج وهو مستطيع ]
__________
(1) 1- هذا ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما سأل الأقرع بن حابس عن الحج أكل عام
يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لو قلت نعم لوجبت، ثم إذا لا تسمعون ولا
تطيقون، ولكنه حجة واحدة» هذه رواية النسائي ا نظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أرقام متعددة 1266 ، 1267 ، 1628 - 3/4 - 6 . (6/9)
صفحة 746
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من استطاع الحج فلم يتعذر عليه الحج فمات ولم يحج فإن شاء فليمت يهودياً أو نصرانياً أو فليمت موتة جاهلية»(1) .
مسألة
[ حكم من مات بحادث ولم يوص بالحج ]
ومن وجب عليه الحج(2) ونوى أداءه أو الوصية به فمات ولم يحج ولم يوص به لم يبرأ منه إذا فاجأه حمامه(3) قبل القفل ولم تمكنه الوصية كان ذا خرس لسانه أو اعتجم أو احترق أو غرق في اليم أو وقع عليه جدار أو
انهدم عليه دار وأمثال ذلك.
مسألة
[ حكم قضاء الوارث ]
ومن قصر عن الخروج لعذر وقضى عنه وارثه من ماله أجزأه وإن تعمد
فلا يجزئه إذا استؤجر عليه من ماله لأنه أمر.
مسألة
[ حكم من مات ولم ينو الحج ]
ومن لزمه فرض الحج فلم ينو أداءه حتى مات وغص به الحلقوم وندم وأناب للحي القيوم لم يحلق عليه بالبراءة ولا يقدم عليه بالهلاك، وقول:
إنه يهلك بنيته، وقيل بالوقوف عنه لما أشكل من أمره.
مسألة
[ قياس الحج على ديون العباد ]
ويجب على من لزمه فرض الحج تعجيله لقوله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } (4) وقو ل : له تأخيره في عمره كله، وقول : عليه تأديته فوراً أيان وجوبه، وقيل : من لزمه الحج فلم يحج ومات ولو لم يوص به
ولم يحج عنه مسلم، وقيل : جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له : إن أبي
__________
(1) 1- الحديث : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »من ملك
راحلة، وزاداً يبلغه إلي بيت الله الحرام، ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً
أو نصرانياً» ذلك أن الله تعالى يقول { ولله على الناس حج البيت من استطاع
إليه سبيلاً } [آل عمران: 97]. الحديث أخرجه الترمذي رقم 812 في الحج
باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج.
(2) 2- في الأصل : من وجب الحج عليه.
(3) 3- حمامه : المقصود به الموت.
(4) 1- سورة آل عمران : آية 133 . (6/10)
صفحة 747
شيخ كبير ولزمه الحج ولم يستطع الركوب أفأحج عنه؟ فقال لها: ولو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية؟ قالت : نعم. قال : فدين الله أقمن أن يقبل(1) .
وقيل : قال رجل للنبي عليه السلام : إن أبي لزمه فرض الحج فتعذر عليه الخروج حتى هلك أفأحج عنه؟ فسأله: أنت أسن أولاده؟(2) فقال : نعم.
فأمره أن يحج عنه. وقيل : يقضى عن الميت الحج والعمرة والعتق والصوم.
قال ابن عباس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «من رام الحج ليعجل الخروج فإن أحدكم لا يدري متى يفرض له ما يحجبه عن ذلك»(3) والمنفق
في الحج كالمنفق في سبيل الله الدرهم بسبعمائة درهم.
مسألة
[ علامة الحجة المبرور ]
قال أبو عبد الله الخرساني رحمه الله : إذا أراد الله بعبد شراً حمله براً أو
بحراً إذا لقيه بمكة وعصاه. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الراكب
كثير والحاج قليل. وعلامة الحجة المبرورة أن يكون صاحبها بعدها خير منه قبلها. والحجة من عمان تعدل حجتين من غيرها(4) .
مسألة
[ أفضل الحج ]
__________
(1) 2- هذا الحديث روي بروايات متعددة في البخاري ومسلم والموطأ والترمذي
وأبو داود والنسائي. انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
3/418 - 419 ، رقم 1746 ، 1747 ، 1748 ، 1749 .
(2) 1- أخرجه النسائي بهذا النص أكبر ولده 2/117 - 118 وأحمد في المسند وفي
سنده يوسف بن الزبير المكي ، ولم يوثقه غير ابن حبان.
(3) 2- أخرجه أبو داود : بلفظ : «من أراد الحج فليتعجل» رقم 1732 في المناسك
وأخرجه أيضاً أحمد في المسند رقم 1973 ، 1974 والحاكم في المستدرك
1/448 والبيهقي في سننه 4/340 وفي سنده مهران أبو صفوان وهو
مجهول ، وابن ماجة رقم 2883 .
(4) 3- كناية عن بعد المسافة فكلما بعدت المسافة كثر الأجر وكما يقول العلماء الأجر
على قدر المشقة ، والله أعلم. (6/11)
صفحة 748
عن ابن عباس رضي الله عنه : أن العج رفع الصوت بالتلبية، والثج صب دم النسك والضحايا وقيل : «إن أفضل الحج العج والثج».
مسألة
[ ما يقوم به الحاج قبل السفر ]
ومن أراد الحج يتخلص أولاً من التبعات من قضاء دين وتكفير أيمان
ووفاء نذر وصلة أرحام والصفح عن مجرم والتجاوز عن ظالم ويوسع الزاد ليتسع خلفه وترك المماكسة ولا يساوم فما امتنع بالغلاء تركه(1) .
مسألة
[ قضاء الدين قبل الحج ]
ومن لزمه الحج وطولب بدين أدى دينه ثم حج ولم يقض تبعاته تم حجه
إذ لم يصر على ظلم أموال الناس.
[ كراهية الوحدة ]
ويستحب له أن يصحب ذا ورع عدل وعفة محافظاً لحق الصحبة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لو يعلم الناس ما أعلم في الوحدة ما سار أحد بليل وحده»(2) ،
ففي الخبر دليل على الحث على الصاحب الأمين خصوصاً على النفس.
مسألة
[ من أخلاق الحاج في السفر ]
ولا أحب لمن أراد الحج أن يصب في كلامه قذى(3) ولا هجر(4) ومن طبعه غلظ وخشونة ولا ذا بدعة فيحمل على سوء الخلق وتغير الطبع.
مسألة
[ من أخلاق الحاج ]
والواجب على من أراد الحج أن يتواضع جهده وأن يخلص نيته لله
وحده ، وأن يصرف همته على ما عند الله ويجتنب الرياء والسمعة فإنه في
سفرة عبادة.
مسألة
[ يكثر من ذكر الله ]
__________
(1) 1- ما يقوم به من نوى الحج من إبراء الذمة.
(2) 2- انظر الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير 3/50 قال : عن ابن عمر =
(3) = رضي الله عنه قال أخرجه أحمد في مسنده والبخاري والترمذي «لو يعلم الناس
من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» وانظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - رقم 2994 - 5/16 «لو أن الناس يعلمون...».
1- قذى : هو ما تخرجه العين، وهذا في الحقيقة ولكن معنى الكلمة هنا
هو الكلام السيئ.
(4) 2- الهجر : ضد الوصل، وهنا أيضاً الكلام المؤذي القبيح. والله أعلم لأن الحديث
يقول : «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». (6/12)
صفحة 749
وينبغي للحاج الإكثار من الدعاء وذكر الله في كل أحواله إلا في حال
منع فيه الكلام، ويذكر الله في كل شرف ويذر الإكثار من ذكر الدنيا،
ويذكر الله براً وبحراً وإذا تسنم ظهر عيره أو ركب سفينته(1) .
مسألة
[ ما يقوله المسافر عند ركوبه ]
قال الله تعالى: { والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون، لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا
استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا
إلى ربنا لمنقلبون } (2) . ويروى عنه عليه السلام أنه إذا ركب راحلته تلا
هذه الآية المتقدمة ذكرها قال : «اللهم إني أسألك في سفري هذا البر
والتقوى والعمل لما تحب وترضى، اللهم هون علينا السفر واطوي لنا
الأرض، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا
في سفرنا واخلفنا في أهلنا»(3) .
مسألة
[ الدعوات المستجابة ]
ويروى عنه عليه السلام أنه قال : «ثلاث دعوات مستجابات : دعوة
المظلوم على من ظلمه، والدعوة على العاق من الأولاد، ودعوة الحاج حتى يؤب لأهله». ويستحب السفر يوم الخميس أول النهار(4) .
مسألة
[ ما يقوله في منزله ]
وعنه عليه السلام : «من نزل منزلاً فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يقفل منه»(5) .
مسألة
__________
(1) 1- لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الحج العج والثج».
(2) 2- سورة الزخرف : آيات 12 ، 13 .
(3) 3- أحاديث السفر كثيرة منها هذه الصيغة وهي موجودة في صحيح مسلم في
كتاب الحج باب ما يقوله إذا ركب دابته للسفر أو نوى الحج. وهذا أخرجه
الترمذي وغيره. انظر رياض الصالحين ص435 .
(4) 1- أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة - باب الدعاء بظهر الغيب ورواه الترمذي في
كتاب الدعوات حديث رقم 3448 - الجزء الخامس /502 وقال حديث حسن.
(5) 2- رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء - باب التعوذ من سوء القضاء ودرك
الشقاء، حديث رقم 54 - 4/2080 وحديث 55 - 4/2081 . (6/13)
صفحة 750
[ حق الإبل في السفر ]
ويروى عنه عليه السلام أنه قال : «إذا سافرتم في الخصب قال أعطوا الإبل حقها، وإن سافرتم في الجدب فأسرعوا في السير، وإن أردتم التعريس فنكبوا عن الطريق»(1) . رواه أبو هريرة رضي الله عنه.
مسألة
[ خطر الركوب في البحر ]
روي عنه عليه السلام أنه قال : «البحر نار في نار أي نار في إسراع الهلاك النفس والمال لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل
الله(2) »، وقال : «الغريق في البحر له أجر شهيدين إذا قبل الله عمله وسبقت له منهم السعادة»(3) .
مسألة
[ ما يفعله الحاج ]
وإذا فات الحاج الإحرام والمواقيت بعرفة أو أحدهما بطل الجميع ولم
يمكن له إصلاحه إجماعاً. وزيارة البيت يوم النحر بعد الذبح والطواف به
فرض متفق عليه فمن فاتته واحدة من هذه الخصال الثلاث أو أفسدها بما
يفسد به الحج فلا حج له.
مسألة
[ حكم العمرة ]
وقيل في العمرة : إنها فرض، وقول : هي من شروط الحج. والنية فرض في جميع الأعمال والطواف والزيارة للبيت فرض.
__________
(1) 3- رواه مسلم في كتاب الإمارة - باب مراعاة مصلحة الدواب في السير والنهي
عن التعريس في الطريق رقم 178 - 3/1525 ، والترمذي رقم 2862 في
الأدب باب 75 وأبو داود رقم 2569 في الجهاد.
(2) 1- الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لا يركب البحر إلا حاجاً أو معتمراً، أو غازياً في سبيل الله، فإن تحت البحر نار
وتحت النار بحر» أخرجه أبو داود رقم 2489 في الجهاد باب في ركوب البحر
في الغزو ، وإسناده ضعيف. انظر جامع الأصول 5/32 رقم 3024 .
(3) 2- وردت أحاديث في عدد الشهداء فمنهم الغريق وحديثنا هذا : أخرجه أبو داود
عن أم حرام رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «المائد في البحر، الذي
يصيبه القيء له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين» جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - رقم 1245 - 2/742 . (6/14)
صفحة 751
مسألة
[ ما يستحب ذكره عند المشاعر ]
وأما التسبيح في الطواف سنة، وأما الوقوف عند ركن الحجر وعند الميزاب وما يقال في ذلك من الدعاء فمستحب وليس بواجب إلا ما فتح
الله، وكذلك ما يقال عند الصفا والمروة مستحب وليس هو شيئاً محدداً.
مسألة
[ حكم مناسك الحج ]
وأما رمي الجمار والإفاضة قبل طلوع الشمس فيها سنة، ومن أفاض قبل الغروب من عرفات لم يتم حجه لأن الوقوف بعرفة إلى الليل فرض والدعاء
فيه والذكر لله سنة وهو غير محدود ، والوقوف عند المشعر الحرام سنة،
وقيل : إنه فرض(1) .
مسألة
[ حكم الوقوف عند المشعر الحرام والذبح والحلق ]
وأما الإفاضة قبل طلوع الشمس عند المشعر الحرام والذبح والحلق كل
هذا سنة، ومن فاته الوقوف بعرفة حتى أفلت الشمس فقد فاته الحج ويحج
من قابل وعليه دم ولا يسع جهل ذلك ولا تركه.
مسألة
[ حكم بقية أفعال الحج ]
والفرض على المحرم أن لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل. والرمل سنة وهو فوق المشي ودون العدو. ومن دخل في عمل من أعمال الحج لم يكن له الخروج منه لقوله تعال : { وأتموا الحج والعمرة لله } (2) وهذا خطاب لا
يرد إلا على من دخل في الشيء. وقد تعارضت الأخبار في العمرة وليس
فيها دلالة أنها فرض.
مسألة
[ حكم الإفاضة إلى ومن عرفات ]
وأما الإفاضة قبل طلوع الشمس من جمع فإنها سنة خالف بها النبي - صلى الله عليه وسلم - المشركين وكذلك الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس.
مسألة
[ رؤية الهلال ]
قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : وإذا اختلف الناس في رؤية
الهلال فلكل قوم هلالهم، وقيل : من رأى هلال ذي الحجة وحده ولم
يخرج الأمير للجبل لعدم رؤيتهم للهلال فينبغي له أن يكون خروجه للجبل
__________
(1) 1- لأن الوقوف في عرفة ركن ولأن الحج عرفة كما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(2) 1- سورة البقرة : آية : 196 . (6/15)
صفحة 752
سراً ولا يتخلف مع الناس ومن سمع منادي السلطان أن اليوم الفطر فعليه الإجابة إذا شاع الخبر مع الناس(1) .
مسألة
[ أسباب تسمية أيام الحج ]
وقيل في تسمية أيام الحج يوم التلبية، ويوم التروية يوم عرفة، يوم المزدلفة وهي ليلة النحر : لأن الناس يزدلفون فيها من عرفات إلى المسجد الحرام، وتسمى أيضاً لمة الجمع والنحر للحاج بمنى، ومنى بين مكة والمشعر،
والمشعرين منى وعرفات، وعرفات في الحل خارجة من الحرم، والحرم مكة
كلها وبكة بين الجبلين.
مسألة
[ حد مكة وتفسير أشهر معلومات ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله في معنى قوله تعالى : { الحج أشهر
معلومات } (2) : إنه شوال، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وقيل: حد
مكة مفترق طريق العراق وطريق منى.
مسألة
[ حكم ذي الحج ]
وقيل: إن شهر ذي الحجة كله من أشهر الحج، وقول: إلى ثلاثة عشر من ذي الحجة لأن في أيام التشريق تمام بقية مناسك الحج. وأقل التسمية في
الأشهر ثلاثة في معنى اللغة، وأما في معنى الشرع فالإجماع من الأمة أنه
ليس بعد أيام التشريق عمل في الحج إلا من إعتاق من طواف الزيارة إلى انقضاء أيام التشريق. وأما رمي الجمار وسائر المناسك فذلك في أيام التشريق.
مسألة
[ سنن الحج (أفعال الحج) ]
والتلبية للإحرام سنة(3)، ورمي الجمار والحلق كله سنة، والزيارة فرض(4)
__________
(1) 1- هذا نوع من الالتزام بالأحكام الشرعية من أجل مقاصد الشريعة ومن
أهمها الحفاظ على حقوق الآخرين.
(2) 1- سورة البقرة : آية 197 .
(3) 2- التلبية ثابتة بالسنة النبوية لأن أفضل الحج العج والثج. والرجال يرفعون الصوت
بالتلبية لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إن جبريل أتاني فأمرني أن آمر أصحابي -أو من معي- أن
يرفعوا أصواتهم بالتلبية» انظر جامع الأصول 3/93 رقم 1376 .
(4) 3- الزيارة فرض أي طواف الزيارة والذي يعرف بطواف الإفاضة وهو الركن الثاني
من أركان الحج ويسمى أيضاً بطواف الصدر وطواف الركن. (6/16)
صفحة 753
، والتسبيح والتكبير فيه سنة، والركعتان سنة، والسعي بين الصفا والمروة قيل: سنة وقيل : فرض، والتكبير بين الصفا والمروة سنة، والوداع سنة(1) .
مسألة
[ فرائض الحج ]
قال أبو سعيد رحمه الله : فرائض الحج : الإحرام، والتلبية، واعتقاد
النية للحج في أشهر الحج، والوقوف بعرفة بعد الزوال من يوم عرفة إلى
دخول الليل، والطواف بالبيت للزيارة يوم النحر أو بعد يوم النحر، ورمي جمرة العقبة(2) .
مسألة
[ حكم السعي بين الصفا والمروة ]
وأما السعي بين الصفا والمروة فمختلف فيه في الزيارة بعد الطواف بالبيت، قول : إنه فرض، وقول : إنه سنة، والاتفاق على وجوبه في الزيارة.
مسألة
[ رؤية هلال ذي الحجة ]
عن أبي المؤثر رحمه الله : إذا رأى هلال ذي الحجة متعبد فعليه الوقوف بعرفات يوم عرفة، وإذا لم يره غيره فإن لم يفعل فلا حج له ، وإن حاذر
ضرراً فعل ذلك مستتراً.
مسألة
[ حكم الوقوف بعرفة والأفعال التابعة ]
وإن شهد قوم أنهم رأوا الهلال فحج الناس بشهادتهم، ووقف الإمام بعرفات قال الشاهدون : شبه لنا، فالناس والإمام يقفون ويفيضون إذا أفلت الشمس إلى مزدلفة، فإذا صلوا الفجر وذكروا الله عند المشعر الحرام دفعوا
إلى منى، فإذا طلعت الشمس رمى جمرة العقبة ثم يرجعون إلى عرفات
ويقفون بها وهم على إحرامهم فيفعلون كفعلهم أول مرة. فعلى من اشتبهت عليهم رؤية الهلال فعلوا كما سبق، وإذا رموا جمرة العقبة بعد طلوع
الشمس من يوم الثاني ووفوا نذورهم ويذبحون ذبائحهم، ويقضون تفثهم، ويحلقون رؤوسهم والأخذ من عفا لحاهم وقصوا شوربهم، وتقليم أظافرهم.
مسألة
[ أيام منى ]
__________
(1) 4- هذه الأمور التي ذكرها المصنف مختلف في حكمها من مذهب إلى مذهب =
(2) = آخر وهناك اتفاق في طواف الزيارة بأنه ركن.
1- الأمور التي ذكرها الشيخ أبو سعيد منها يجبر بتركه دم ومنها لا يجبر إلا
بحج قابل وهما ترك الوقوف بعرفة وطواف الزيارة. (6/17)
صفحة 754
وإذا رمى بقية الجمار فإذا زالت رموا الجمار ثم زاروا البيت فرجعوا إلى منى ثم يقضوا حجهم ويرموا الجمار ثلاثة أيام غير اليوم الذي ذبحوا فيه
وأتم حجهم وأخذوا بالاحتياط هكذا قال أبو الحسن رحمه الله(1) .
مسألة
[ حكم شاهد الزور ]
وإن شهد شاهدا زور على رؤية الهلال للحج وحج الناس بشهادتهم أما التوبة فلا يلزمهما إظهار ذلك لأنه ليس على الناس قبول ذلك منهما إلا أن يكون الوقت لم ينتقض فعليهما إظهار ذلك للناس وإعلامهم بإفكهما.
مسألة
[ التعبد برؤية الهلال ]
وإذا رأى الهلال متعبد ولم يره غيره فعليه الحج وحده، وإذا لم يحج
وخرج مع الناس ووقف معهم فلا يجزئه ذلك وعليه الحج من قابل.
مسألة
[ مواقيت الحج ]
وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن لملم(2) ، ولأهل العراق ذات عرق(3) .
مسألة
[ أهمية المواقيت ]
قال عليه السلام : «من وقتنا له وقتاً فهو له»، ولمن مر به من غير أهله
حاجا ومعتمراً فليس له مجاوزته إلا محرماً. ومن أراد المكوث بجدة لغرض
يبدوا له لا فرار من الإحرام من الميقات أحرم منها إن بدا له أن يحج أو يعتمر أو كان من سكانها وإن أحرم من الميقات وأقام بجدة أياماً محرماً فلا بأس.
مسألة
[ كراهية التجارة للحاج ]
وتكره التجارة للحاج حتى يقض نسكه، ومن رام حجاً أو مسكنه وأهله دون الميقات أحرم حيث أهله فإن جاء لحاجة فأراد الحج والعمرة أهل ولا يرجع إلى أهله. ومن رام الإحرام بحجة فأحرم بعمرة أو بالعكس أو أراد أحدهما فقرنها فهو على نيته ولا يضره ما أخطأ به من ذلك. وقال أبو
__________
(1) 1- رمي الجمار يجبر بتركه بدم وعدد الحصيات في اليوم الأول سبعة والثاني
واحد وعشرون أو الثاني والثالث أي سبعين حصاة بحجم حبة الحمص.
(2) 1- الصحيح : يلملم.
(3) 2- هذا ما يعرف بالمواقيت المكانية أي المكان الذي لا ينبغي أن يتجاوزه الحاج
أو المعتمر إلا محرماً. (6/18)
صفحة 755
مودود النية في التلبية تجزئ عن التسمية.
مسألة
[ التلبية في الميقات ]
ولا بأس بالإحرام بالثياب الدنسة إذا كانت طاهرة. ومن أحرم ولم يلب حتى جاوز ميقاته فإنه يرجع إلى الميقات فيلبي فيه.
مسألة
[ إحرام الجنب والحائض بفقدان الماء ]
قال النبي عليه السلام : إذا أحرم المحرم ولبى أجابه الأفق الذي يليه ثم
الذي يليه حتى ينتهي الأفق الأعلى. وإذا تعذر حصول الماء للجنب
والحائض تيمما وأحرما.
مسألة
[ إحرام أهل الشام ]
ومن لبث محرماً بمكة ولم يركع ولم يسع بين الصفا والمروة فقد أخطأ
ولا شيء عليه، وجائز للمدني إذا مر بالجحفة أن يحرم منها، وإن مر
الشامي على ذي الحليفة وأحرم منها جاز وشذ عن المواقيت فجائز له
الإحرام إذا حاذاها.
مسألة
[ الإحرام من الميقات ]
ويجوز الإحرام من أول الميقات وأوسطه وآخره مما يلي مكة.
مسألة
[ تعيين الميقات تعبدي ]
وما وقته النبي - صلى الله عليه وسلم - من قرية للإحرام ثم انتقلت القرية فلا ينتقل الميقات
عن موضعه بانتقال القرية لأن المواقيت هي البقاع لا الأبنية. وقيل : إن سعيد بن جبير رأى رجلاً قاصداً ذات عرق ليحرم منها فأخذه بيده حتى جاوز البيوت وقطع الوادي، فلما وافى به المقابر قال له : هذه ذات عرق الأولى.
مسألة
[ جواز الإحرام قبل الميقات ]
ومن كان في الحل دون الميقات ورام أن يعتمر، فإذا كان دون الميقات
مما يلي الحرم أحرم حيث هو، ومن أحرم من قبل أن يلج الميقات
فلا بأس عليه.
مسألة
[ الإخبار حجة على الجميع ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : لو أن قوماً وصلوا ذات عرق فأتاهم أعرابي خاف فأخبرهم أن هذه ذات عرق فلا يسعهم مجاوزتها إلا محرمين وكان حجة عليهم.
مسألة
[ إحرام أهل مكة من مكة ]
وقيل : إن ابن عمر أهل من مكة بالحج ثلاث مرات ومعه غلامه فقال:
يا أبا عبد الرحمن هذا الهلال، فنظر إليه فنزع قميصه وأهل ثم أهل مرة (6/19)
صفحة 756
أخرى من جوف الكعبة وهو قاعد ثم أهل مرة يوم التروية من البطحاء حين راح إلى منى.
مسألة
[ إحرام ابن عباس رضي الله عنهما ]
قال ابن عباس رضي الله عنه : لا يهل مكي حتى يروم الخروج إلى منى. وكان بعضهم إذا أراد الإحرام وهو بالمسجد استلم الركن ثم خرج.
مسألة
[ إحرام عبد الله بن الربيع ]
وقيل : أقام عبد الله بن الربيع(1) بمكة بها سبع سنين، فكان يهل إذا رأى هلال ذي الحجة ويطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى منى.
مسألة
[ إهلال المتمتع من حيث شاء من مكة ]
وقال الحسن(2) : دخلت مكة متمتعاً، فقلت : يا ابن عباس، من أين
أهل؟ فقال : من حيث شئت. ووقت عليه السلام لأهل مكة التنعيم(3) ،
وقيل : إن أهل مكة يخرجون من العمرة ويهلون بالحج من بيوتهم. روى
ابن المسيب أنه عليه السلام وقت المواقيت بعد عمرته من الجعرانة لأهل
الآفاق، ثم قال : «هن لهم ولمن جاء من بعدهم ولمن أتى عليهن من سواهم
ممن أراد الحج والعمرة»(4) .
مسألة
[ إحرام ابن عمر من القدس ]
وقيل : إن ابن عمر أحرم من البيت المقدس، وقال : علي تمام حجكم وحج أحدكم أن يحرم من حيث يبدأ. وعنه أيضاً في قوله تعالى:
__________
(1) 1- عبد الله بن الربيع : لعله عبد الله بن الربيع بن خيثم الثوري روى عن أبيه وعن
أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود : سمعت أبي يقول ذلك. وروى عنه سفيان
الثوري وعبد الواحد بن زياد. انظر الجرح والتعديل 5/54 رقم 251 .
(2) 2- الحسن : هو الحسن البصري والله أعلم لأنه تابعي روى عن ابن عباس
رضي الله عنهم.
(3) 3- التنعيم : هو الحد الفاصل بين الحل والحرم، وهو المكان الذي قتل فيه الصحابي
الجليل خبيب بن عدي رضي الله عنه وما يعرف اليوم بعمرة عائشة والله أعلم.
(4) 4- نص الحديث : عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : قال وقت رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة : ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد : قرن المنازل، = (6/20)
صفحة 757
{ وأتموا الحج والعمرة لله } (1) ، أن تحرم من دويرة أهلك، وهكذا قال
سعيد بن جبير(2) .
النهج الحادي والثلاثون
في الأحكام بالعمرة ومن أحرم بالحج
وفاته وفيما يجوز للمحرم
مسألة
[ معنى التلبية ]
التلبية مأخوذة من قولهم : لبى يلبي أي ألب فلان بالمكان إذا لزمه،
ومعنى لبيك : أي أنا مقيم على طاعتك وعن أمرك غير خارج من ذلك(3) .
مسألة
[ النية وكيفية التلبية ]
وتكرير التلبية المراد بها الإدامة على الطاعة والإقامة عليها، أي طاعة بعد طاعة. وأحرم الرجل إذا دخل في الإحرام. قال ابن عباس : كانت تلبيته
عليه السلام في الحج : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد
__________
(1) = ولأهل اليمن : يلملم، قال : فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان
يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذلك حتى أهل مكة
يهلون منها. انظر البخاري 3/307 في الحج ، باب مهل أهل مكة للحج
والعمرة ، ومسلم رقم 1181 في الحج باب مواقيت الحج ، وأبو داود
رقم 1738 في المناسك باب المواقيت، والنسائي 5/123 ، 124 ، 125 في الحج.
1- سورة البقرة : آية 196 .
(2) 2- سعيد بن جبير : تابعي جليل وهو الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد أبو محمد
ويقال أبو عبد الله الأسدي الوالبي مولاهم الكوفي روى عن ابن عباس فأكثر
وجوَّد وعن عبد الله بن مغفل وعائشة وعدي بن حاتم، وأبي هريرة، وأبي سعيد
الخدري وغيرهم رضي الله عنهم. حدث عنه الجم الغفير من التابعين وأتباعهم،
منه : أبو صالح السمان، وآدم بن سليمان، وأشعث بن أبي الشعثاء ، وأيوب
السختياني ، وبكير بن شهاب، وثابت بن عجلان وغيرهم الكثير. استشهد
رضي الله عنه على يد الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 95هـ في شهر شعبان.
انظر سير أعلام النبلاء 4/321 - 343 رقم 116 .
(3) 1- الرواية المتفق عليها وأخرجها أيضاً الموطأ والترمذي وأبو داود والنسائي :
فيها : إن الحمد لله والنعمة لك والملك لا شريك لك، 3/90 جامع الأصول. (6/21)
صفحة 758
والنعمة لك والملك لك(1) لا شريك لك لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك.
وأما من أراد الإحرام بالعمرة تمامها وبلاغها عليك، وإن قرنها بحجة وعمرة تمامهما وبلاغهما عليك، وإن حج عن غيره قال : عن فلان ابن فلان، وعليه تقديم النية للحج أو العمرة، وإن نوى بقلبه ولفظ بلقلقة بالنية فأجزي
ويقول : اللهم إني أريد الحج أو العمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني(2) .
مسألة
[ رفع الصوت بالتلبية ]
ويستحب لمن رام الإحرام أن يكون وجهه إلى منى ، ويستحب
رفع الصوت بالتلبية على أثر الصلاة أو على الشرف وعند قيام الراحلة ، و إذا
__________
(1) 2- قال النووي 1/375 : قال القاضي : قال المازري : التلبية مثناة للتكبير
والمبالغة ومعناه: إجابة بعد إجابة، ولزوماً لطاعتك، فثنى للتوكيد، لا تثنية حقيقة.=
(2) = وقال يونس بن حبيب البصري : «لبيك» اسم مفرد لا مثنى. قال : وألفه إنما
انقلبت ياء : لاتصالها بالضمير كالذي» و«علي» ومذهب سيبويه : أنه مثنى
بدليل قلبها ياء مع المظهر. وأكثر الناس على ما قاله سيبويه. قال ابن الأنباري:
ثنوا «لبيك» كما ثنوا «حنانيك» وأصل «لبيك» لبيك، فاشتقوا الجمع بين ثلاث
باءات، فأبدلوا من الثانية ياء، كما قالوا : من الظن : تظنيت، والأصل تظننت.
واختلفوا في معنى «لبيك» واشتقاقها : فقيل : معناها : اتجاهي وقصدي إليك
مأخوذ من قولهم : داري تلب دارك. أي : تواجهها، وقيل معناها : محبتي لك،
مأخوذ من قولهم : أم لبه : إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه. وقيل : معناها :
إخلاص لك. مأخوذ من قولهم : حسب لباب، إذا كان خالصاً محضاً. ومن
ذلك لب الطعام ولبابه.
وقيل : معناه : أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم : لب الرجل
بالمكان وألب : إذا أقام فيه ولزمه. عن هامش جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/88 - 89 .
1- هكذا وردت سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإهلال بالعمرة والحج والدعاء بالتيسير
والتوفيق، والله أعلم. (6/22)
صفحة 759
ذهب من نومه أو على كمة أو هبط وادياً وإذا لاقا إنساناً ليعلموا أنه حاج ليدعوا له(1) .
مسألة
[ جواز الإحرام من البيت ]
وقيل : أحرم الأسود بن يزيد(2) من الكوفة ، وأحرم ابن عباس من الشام. ويستحب لمن يحج أول مرة أن يحرم من بيته(3) .
مسألة
[ حكم مجاوزة الميقات دون الإحرام ]
ومن جاوز الميقات عامداً غير محرم رجع إليه وأحرم وعليه دم، وقول:
ما لم يدخل الحرم فلا دم عليه إذ رجع الميقات وأحرم منه ولبى وإن دخل
الحرم لزمه دم. قال بعض العلماء : من جاوز ميقاته غير محرم ورجع أحرم
__________
(1) 1- عن السائب بن خلاد الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «إن
جبريل أتاني فأمرني أن آمر الصحابة - أو من معي - أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية
أو بالإهلال، يريد أحدهما». هذه رواية الموطأ والترمذي أبو داود. وفي رواية
النسائي قال : «جاءني جبريل، فقال لي : يا محمد، مر أصحابك أن يرفعوا
أصواتهم بالتلبية». انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/93 .
(2) 2- الأسود بن زيد والأصح كما في كتب السير الأسود بن يزيد بن قيس الإمام
القدوة أبو عمرو النخعي الكوفي، وقيل : يكنى أبا عبد الرحمن، وهو أخو عبد
الرحمن بن يزيد ووالد عبد الرحمن بن الأسود، وابن أخي علقمة بن قيس،
وخال إبراهيم النخعي، فهؤلاء أهل بيت من رؤوس العلم والعمل. وكان
الأسود مخضرماً، أدرك الجاهلية والإسلام وحدث عن معاذ بن جبل، وبلال
وابن مسعود وعائشة وحذيفة بن اليمان وطائفة سواهم حدث عنه الكثير منهم
ابنه عبد الرحمن وأخوه إبراهيم النخعي وعمارة بن عمير وأبو إسحاق السبعي
والشعبي وآخرون وهو نظير مسروق في الجلالة والعلم والثقة والسن يضرب
بعبادتهما المثل توفي رضي الله عنه سنة 75هـ . انظر سير أعلام النبلاء
4/51 - 53 رقم 13 .
(3) 3- هذا الفعل ورد عن غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، مثل ابن عمر
رضي الله عنهما أهل بحجته من إيلياء. (6/23)
صفحة 760
منه فلا دم عليه ما لم يدخل بيوت مكة، وقول : ما لم يطف بالبيت. وإن
لم يرجع يحرم من الميقات فيحرم منه فلم أقدم على إبطال حجه ، وأما الدم فلازم عليه(1) .
مسألة
[ مجاوزة الميقات لغير الحاج ]
ومن لم ينو الحج وجاوز الميقات فلا معنى يوجب عليه بسبب الإحرام
ففي حينه ذلك غير مخاطب به، فإن حول نيته أن يحج أحرم حيث حول
نيته ويهل من مكانه ذلك لا من مكة، لأنه ميقاته وراء ذلك وإنما زال عنه حكم ميقاته لزوال الإحرام عنه لنيته المتقدمة، وقول : عليه الإحرام من
ميقاته. والأول أولى.
مسألة
[ مواقيت الحج ]
وقال أبو عبد الله رحمه الله : ذا عرق وقتها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل العراق، لأن البصرة قد استفتحت في خلافته. وقال أبو صفرة(2) :
كنا نحرم من جدة في الصيف، فلما أشتانا شق علينا ذلك فصرنا نحرم
من ذات عرق.
مسألة
[ الأشياء التي يتم بها الحج ]
ولا يتم الحج إلا بخمس أشياء : النية، والإحرام، والوقوف بعرفات بعد زوال الشمس فمن أدرك ساعة من ذلك اليوم فقد أدرك الوقوف، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة على بعض القول(3) .
مسألة
[ حكم العمرة ]
__________
(1) 1- هناك خلاف في كل مذهب حول هذه المسألة ولا تخرج المذاهب الفقهية عن
الأقوال المذكورة انظر بداية المجتهد مسألة الميقات الجزء الأول والاختيار لتعليل
المختار 1/مسألة الميقات ، وفقه الإمام جابر بن زيد 1/330 .
(2) 1- أبو صفرة : لعله أبو صفرة ظالم بن سراق ويقال ابن سارق من العتيك من
الأزد، أسلم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفد عليه، ويختلف فيما إذا كان قد وفد
على أبي بكر أو على عمر في عشرة من ولده بينهم المهلب بن أبي صفرة.
انظر كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة. ص240 رقم 452 .
(3) 2- الأفعال الخمسة منها أركان لا تجبر بدم فمن تركها فعليه دم وحج قابل
وهي الوقوف بعرفة وطواف الزيارة (الإفاضة) أما بقية الخمسة فهي فروض
تجبر بدم، والله أعلم. (6/24)
صفحة 761
والعمرة قول : إنها سنة، وقول : إنها من الواجبات، ومن أحرم بها فعليه إتمامها إجماعاً ، ولا تتم إلا بالنية والإحرام والسعي بين الصفا والمروة . و تجوز
في كل الأوقات إلا في وقت يكون فيه محرماً بالحج، ويجوز أن يعتمر في
السنة مراراً إذا كان من المواقيت، وقول : لا يجوز إلا مرة واحدة في السنة، والأول أكثر وتجزئه عمرة واحدة كالحج. وقيل : إن الحج والعمرة ينقيان الفقر، وليس للحج المبرور(1) جزاء إلا الجنة.
مسألة
[ سنن الحج ]
وسنن الحج : الإحرام من الميقات، والغسل له والوضوء ويكون خلف صلاة فريضة أو نافلة، ويحرم الحاج في إزار ورداء طاهرين أو غسلين لم
يلبسا مذ غسلا، وأن يدهن قبل الغسل بما لا طيب فيه(2) .
مسألة
[ حكم إدامة التلبية ]
وعلى الحاج إدامة التلبية لا سيما إذا علا شرفاً أو هبط وادياً مع رفع الصوت بذلك حتى يرمي جمرة العقبة. والسعي لازم بعد كل طواف على
قول من جعله سنة، ولا يجوز الطواف إلا بطهارة البدن واللباس(3) .
مسألة
[ حكم لبس المخيط والأخذ من الشعر ]
ولا يلبس المحرم ثوباً مخيطاً، ولا يتطيب، ولا يحدث في بدنه ولا يأخذ
من شعره وأظافره، ولا يفعل ذلك بغيره(4)
__________
(1) 1- في الأصل : الحجة المبرورة. نص الحديث : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» متفق عليه. رواه البخاري في كتاب العمرة باب وجوب العمرة وفضلها، ومسلم في كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة».
(2) 2- هذه السنن ثبتت في بالسنة النبوية ارجع إلى أبواب سنن الحج.
(3) 3- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « الطواف =
(4) = حول البيت مثل الصلاة ، إلا الكم تتكلمون فيه ، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير»
وأحاديث طواف الحائض حتى تطهر. انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/190 ، 3/74 .
1- جميع ما ذكر في المسألة يستند إلى أدلة من السنة فيما ينهى عنه الحاج
أو الأفعال المحظورة على الحاج والتي تستوجب الفدية، والله أعلم. (6/25)
صفحة 762
.
مسألة
[ أفعال الحاج في منى ]
وإذا بات الحاج بمنى(1) ليلة عرفة فعليه أن يصلي بها صلوات الخمس ولا يجاوز بجمع إلا بعد طلوع الشمس، ويبيت بمزدلفة إلى طلوع الشمس ليلة النحر، ويرمي جمرة العقبة يوم النحر، ويذبح الهدي بمنى بعد أن يرمي
جمرة العقبة إن تمتع أو قرن، والحلق بعد الذبح وهو أفضل من التقصير،
وعلى الحاج أن يرمي بقية الجمرات يوم الحادي عشر والثاني عشر فإن
وقف إلى الليل فلا ينفر حتى يرمي الجمار كلها يوم الثالث عشر بعد الزوال ويثبت بمنى ليالي التشريق، ويطوف يوم النحر بعد طواف الزيارة، ويصلي ركعتين قبل السعي خلف كل طواف، وعلى الحاج أن يكثر من ذكر الله
والدعاء لأمور دينه ودنياه في طوافه وسعيه، وجميع(2) ولا يقطع التلبية
حتى يرمي جمرة العقبة، والذكر عند المشعر الحرام واجب لقوله تعالى :
{ واذكروا الله عند المشعر الحرام } (3) .
مسألة
[ إحرام الجنب ]
وسنن العمرة والحج سيان. ومن أحرم بالحج من المسجد ثم طاف فقد أخطأ ولا شيء عليه، ومن أحرم وهو جنب أجزأه لأن الإحرام يلزمه على
كل حال ، ويستحب له الاغتسال تأسياً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) .
مسألة
[ إحرام الحائض والنفساء ]
والحائض والنفساء يستحب لهما الاغتسال لما روي أن أسماء ولدت
محمد بن أبي بكر في البيداء فذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك للنبي عليه
السلام، فقال : «أمروها بالغسل ثم لتهل»(5) .
مسألة
[ التطيب قبل الإحرام ]
__________
(1) 2- وهذا في اليوم الثامن وما يعرف بيوم التروية.
(2) 1- هكذا في المتن، والسياق يقول : وجميع حجه ولا...
(3) 2- سورة البقرة : آية 198 .
(4) 3- من سنن الإحرام تقليم الأظافر والاغتسال والتطيب، والصلاة ركعتين ثم نية الحاج.
(5) 4- أخرجه الموطأ 1/322 ، ومسلم 1209، وأبو داود 1834 في المناسك وابن
ماجة رقم 2911 ، والنسائي 5/127 ، 128 . انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/71 - 72 . (6/26)
صفحة 763
عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تطيب سيّد الأنام قبل الإحرام،
وتحله قبل أن يطوف بالبيت أي تغسله. وفي رواية : طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي بذريرة(1) في حجة الوداع للحل والإحرام ولا يطيب ثوبه(2) .
مسألة
[ التعليق في الإهلال ]
والأفضل أن يحرم الحاج إذا انبعثت به راحلته وجائز أن يعلق إحرامه بإحرام غيره ويقول إهلال كإهلال فلان، والأفضل تعيين ما نواه بحج أو
عمرة أولهما وجائز له إذا نوى نية قلبية، وإن جمعها فأفضل.
مسألة
[ ما يكره للحاج (محظورات الإحرام) ]
ولا يجوز للمحرم أن يلبس الملاءة المعصفرة ولا المنحرة ويحرم عليه أكل الطيب وكذلك السعوط والكحل والطيب كالكافور والمسك والصندل
والورد والياسمين والزعفران، وأما المعصفر والحنا فليسا من الطيب لما يروى أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يختضبن بالحناء وهن محرمات.
مسألة
[ حكم إنكاح المحرم ]
ويحرم على المحرم إن ينكح نفسه ولا غيره بالوكالة والوصاية لما روي
عن عثمان رحمه الله أنه قال : لا ينكح المحرم(3) ولا ينكح، ويحرم عليه
الوطء فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، فإن وطء
فعليه الكفارة وعليه دم في التقبيل.
مسألة
__________
(1) 1- بذريرة : ضرب من الطّيب مجموع من أخلاط.
(2) 2- أخرجه البخاري 3/315 - 317 في الحج باب الطيب عند الإحرام، ومسلم
رقم (1189) في الحج باب الطيب للمحرم عند الإحرام ، والموطأ 1/328 في
الحج ، والترمذي رقم 917 في الحج باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل
الزيارة. وأبو داود رقم 1725 ، 1746 ، في الحج ، والنسائي 5/136 ، 137 ،
138 ، 139 ، 140 ، 141 في الحج باب إباحة الطيب عند الإحرام.
(3) 1- عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «لا ينكِح المحرمُ ولا
يُنكِح ولا يخطب» وهذه رواية الإمام مسلم رقم (1409) والموطأ 1/348 ،
349 في الحج باب نكاح المحرم، والترمذي رقم (840) في الحج. (6/27)
صفحة 764
[ ما يحرم على الحاج ]
وتحرم عليه جميع الحرم(1) الصيود البرية من وحش وطير غير ذلك لقوله تعالى: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً } (2) ومن أتلف شيئاً من صيد البر فعليه الجزاء لقوله تعالى : { ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاءه مثل ما قتل من النعم } (3) والخطأ والعمد في الجزاء سيان.
مسألة
[ يحرم تنفير الصيد ]
ويحرم على المحرم تنفير صيد مكة لقوله عليه السلام : «لا تنفروا
صيدها»(4) ومن نفر صيداً فنوى بسببه ضمنه، وتحرم عليه الإعانة على قتل الصيد بدلالة وإعارة ولا يأكل ما صيد له لقوله عليه السلام : «الصيد غير حلال لكم أصدتموه أو يصاد لكم»(5) .
مسألة
[ حكم ابتياع الصيد ]
وحرام على المحرم أن يبتاع صيداً أو يسأل هبة، وما ليس بمأكول
ولا متولد من مأكول فالحرام والحلال فيه سيان.
مسألة
[ الفواسق الخمسة ]
روت عائشة رضي الله عنها أنه قال عليه السلام : «خمس يقتلن
في الحل أو الحرم : الغراب والحدأة(6) والعقرب والفأرة والحية والكلب
العقور(7)
__________
(1) 2- الأصح في العبادة (وتحرم عليه جميع لحوم الصيود).
(2) 3- سورة المائدة آية 96 .
(3) 4- سورة المائدة آية 96 . انظر أحاديث عدم جواز الصيد للحوم والإشارة...
(4) 1- انظر أحاديث عدم جواز الصيد للحوم والإشارة...
(5) 2- النص الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوا أو يصاد لكم»
أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي انظر جامع الأصول 3/64 .
(6) 3- الحدأة : بكسر الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، وبالهمز مع التاء وعدمه
على وزن عنبه وهو الطائر المعروف من الجوارح. انظر النهاية في غريب الحديث =
(7) = والأثر 1/349 .
1- العقور : العضوض، فعول بمعنى فاعل، وهو من أبنية المبالغة، والمراد به كل سبع
عاقر كالكلب والأسد والنمر ونحوها. (6/28)
صفحة 765
»(1) .
مسألة
[ حكم أكل بيض الصيد ]
ويحرم على المحرم أكل بيض الصيد الذي يحرم على المحرم أكله، وإن قده لزمه الجزاء.
مسألة
[ حكم اضطرار لبس الثوب ]
وإن اضطر المحرم للبس ثوب لنصب برد، أو للطيب لوصب، أو حلق رأسه لأذى، أو أكل لحم صيد لسغب، جاز له فعله ولزمته الكفارة لقوله
تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه } (2) الآية.
مسألة
[ من أحرم بملابس ناسياً ]
وإذا فعل ذلك ناسياً لإحرامه لم تلزمه فدية لما روى يعلا بن
أمية(3) : إن أعرابياً أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة بالجيم، وعليه جبة، معصفر
لحيته ورأسه، فقال له : إني أحرمت لعمرة وأنا كما تراني. فأمره بغسل
الصفرة ونزع الجبة، وأمره بما كان صانعاً في حجه فليصنعه في عمرته ولم
يأمره بالفدية لنسيانه ولجهله بالتحريم.
مسألة
[ محظورات الإحرام ]
وحكم الجماع(4) كحكم الطيب في بعض القول، وإن قلم ظفراً أو حلق شعراً أو بخع صيداً ناسياً أو جاهلاً بالتحريم، وجب عليه دم، وإن حلق
__________
(1) 2- الحديث أخرجه البخاري 4/29 في الحج باب ما يقتل من الدواب، ومسلم
رقم (1199) في الحج باب ما يندب للحوم وغيره قتله من الدواب في
الحل والحرم.
(2) 3- سورة البقرة آية 196 تكملة الآية { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } .
(3) 1- يعلى بن أمية : بن أبي عبيدة التميمي المكي، حليف قريش أسلم يوم الفتح
وحسُن إسلامه وشهد الطائف وتبوك وله عدة أحاديث حدث عنه بنوه، صفوان
وعثمان ومحمد، وأخوه عبد الرحمن، ومجاهد وعكرمة وعطاء وآخرون. قال
ابن سعد : كان يعلى بن أمية بمكة وقيل : ولي نجران لعمر. وكان من أجود
الصحابة اشترك مع عائشة والزبير في المطالبة بدم عثمان. توفي في عهد معاوية
رضي الله عنهم. انظر سير أعلام النبلاء 3/100 رقم 20 .
(4) 2- جاء في فقه الإمام جابر بن زيد 1/349 : وقال الإباضية : إن لم ينزل لزمه ذبح
بمكة ، وقالوا : يلزم الدم بكل ما حرك الذكر ويفسد حجه بكل إنزال. (6/29)
صفحة 766
محل رأس محرم فالفداء على المحرم وإن اقتسره على حلقه أو حلقه وهو نائم فالفدية على الحالق ويطالبه المحلوق بإخراجها. ويجوز للمحرم دخول
الحمام والاغتسال لما روى أبو أيوب الأنصاري(1) قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم -
يغتسل وهو محرم.
مسألة
[ ما يجوز للمحرم فعله ]
وجائز للمحرم غسل شعره بالماء والسدر لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : عليه السلام قال في المحرم أنه يغسل شعره بالماء والسدر،
ويجوز له أن يحتجم ما لم يقطع شعراً لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه
أنه قال أنه عليه السلام احتجم وهو محرم(2) .
مسألة
[ تلبية الجاهلية ]
وجائز للمحرم إذا نزل استظل أو إذا ارتحل وينزه إحرامه عن كلام الهجر و القذع ، قال ابن عباس : الفسوق المنابزة بالألقاب ، و يروى عن أبي هريرة
__________
(1) 3- أبو أيوب الأنصاري: الخزرجي البدي السيد الكبير الذي خصه النبي - صلى الله عليه وسلم - =
(2) = النزول عليه في بني النجار إلى أن بنيت حجرة أم المؤمنين سودة، بنى المسجد
الشريف. حدث عنه جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، والمقدام بن معد
يكرب وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير وغيرهم كثير من الصحابة
والتابعين له عدة أحاديث (155) حديثاً شهد العقبة الثانية وجميع المشاهد مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي رضي الله عنه عند أسوار القسطنطينية في عام غزا يزيد
القسطنطينية في خلافة أبيه وكان سنة 56هـ . انظر سير أعلام النبلاء
2/402 - 412 رقم 83 .
1- أخرجه البخاري 3/43 ، في الحج باب الحجامة للمحرم ، ومسلم رقم (1203)
في الحج باب جواز الحجامة، وأبو داود (1835) و (1836) في المناسك باب
المحرم يحتجم ، والترمذي رقم (839) في الحج والنسائي 5/193 في الحج - باب
الحجامة، وابن ماجة رقم (3081) في المناسك، والدارمي في سننه 2/37 في
المناسك وأحمد في مسنده 1/90 ، 134، 135، 241، 244، 250، 258 . (6/30)
صفحة 767
رضي الله عنه: عنه عليه السلام أنه قال : «من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»(1) قال الله تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } (2) وذلك أن القبائل من قريش وكنانة وخزاعة وعامر وصعصعة كانوا يقولون في إحرامهم في الجاهلية يقولون : لبيك اللهم لبيك
لا شريك لك تملكه وما ملك.
مسألة
[ حكم من لبى ولم يسم ]
وقيل : من لبى بالحج ولم يسم بلسانه فعقد النية مع التلبية يجزئه عن التسمية إذا كان ذلك في أشهر الحج، والتلبية الإهلال وهي فرض الحج بالتسمية والتلبية كان أو كد.
مسألة
[ حكم الجهل بالتلبية ]
ومن جهل التلبية وقال : أحرمت بحجة سماه على نفسه بالتسمية في أيام الحج فقد ثبت له الحج وعليه دم.
مسألة
[ حكم ترك التلبية ]
وقيل : إذا ترك التلبية لزمه دم إن لم يلب إلى أن يحل من إحرامه، وإن لم يحرم ولم يقل شيئاً ونوى الحج وقضى حجه على ذلك، فلا يتم حجه ولا يجتزئ بالنية إذا قدر على الكلام كما لا تجزئه الصلاة بغير إحرام إذا قدر
على الكلام.
مسألة
[ حكم الإحرام دون تلبية ]
وأما من أحرم ولم يلب ثم لبى عند السعي للزيارة فقد قيل لآدم
عليه السلام : إذا لبى من قبل أن يحل من إحرامه وإن لم يلب حتى أحل
إحرامه لزمه دم.
مسألة
[ حكم دخول مكة بلا إحرام ]
ومن ولج مكة ونيته بالحج ولم يحرم وخاف أن رجع إلى الميقات فاته
الحج فأحرم فأتى عرفة فوقف بها أجزأه ولزمه دم لتركه الرجوع إلى الميقات.
مسألة
[ وجوب الدم على من دخل مكة دون إحرام ]
عن الربيع : من ولج مكة بغير إحرام فعليه دم يهريقه إلى الحطابين
والبقالين فعليهم الطواف قبل خروجهم من مكة، قال ابن أبي ميسرة : من
جاء من خلف عرفة من الحل وحاذر فوت الموقف فإنه يحرم حيث جاء،
__________
(1) 1- الحديث متفق عليه رواه البخاري في كتاب الحج - باب فضل الحج المبرور،
ومسلم في كتاب الحج في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.
(2) 2- سورة الحج آية 30 . (6/31)
صفحة 768
فإذا أدرك الموقف تم حجه. ومن دخل مكة محرماً يريد الحج فلما أحل يريد الزيارة لقبر النبي عليه السلام فنحب أن لا يفعل حتى يقضي حجه.
مسألة
[ حكم تعدي الميقات دون إحرام ]
وأما من خرج إلى دون الميقات، فإذا كان وقت الحج فليحج من حيث كان ويأتي حجه، وإن تعدى المواقيت فلا يلج مكة إلا محرماً ولا يتعدى
الوقت غير محرم أحب إلينا. بلغنا عن جابر بن زيد رحمه الله أنه قال : لا بد
لمن تعدى الميقات أن يحرم منه ويلج مكة محرماً ويطوف ويسعى ويحل
ويكون إحرامه بحجة فحتى يقضي حجه، ومن خرج إلى الحوائط دون
الميقات فالأصح أن لا يدخل إلا محرماً ويحل، ومن دخل بغير إحرام فلا
بأس عليه.
مسألة
[ مجاوزة الميقات دون تلبية ]
ومن أحرم ولم يلب حتى جاوز ميقاته رجع ولبى من الميقات، وإن مضى تم حجه وعليه دم على قول، ومن داره دون الميقات وولج مكة بغير إحرام للحج والعمرة فلا يجاوز منزله إلا محرماً، وقول : يحرم من مسجد الجن
ويقال له مسجد الحرس الذي هو بالأبطح.
مسألة
[ حكم من حج وهو جنب ]
وإذا تعذر على حصول الماء للجنب تيمم وأحرم وإن أجنب المحرم فنسي أن يغتسل حتى قضى نسكه فليهد بدنه وليحج من قابل.
مسألة
[ أثر مخالفة النية في الحج ]
ومن رام الإحرام بحجة فأحرم بعمرة أو بالعكس وباضع عرسه، فإن
قدر على الرجوع إلى الميقات رجع وأحرم منه، وإلا فقد لزمه ويحرم
حيث ذكره.
مسألة
[ من أحرم بعمرة في أيام الحج ]
وكان أبو مالك(1) يأمر أن لا يحرم من الميقات إلا بعمرة، وقال : إن
النبي عليه السلام فعل ذلك وأمر به، ومن دخل محرماً بعمرة في أشهر
الحج فالهدي لازمه، وإن أحرم بحجة في أشهر الحج وغيرها فلا هدي عليه ويكون على إحرامه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر.
مسألة
[ حكم من فاته الوقوف بعرفة ]
__________
(1) 1- أبو مالك : هو غسان بن الخضر الصلاني الصحاري ذكره السيابي في الطبقة
الثالثة من علماء عُمان، عن كشف الغمة رقم 476 . (6/32)
صفحة 769
وأجمعوا أن من فاته الإحرام والوقوف بعرفات أو كلاهما بطل حجه، ومن أحرم من دار ثانية فاحتاج لحلق رأسه أو عانته فلا يفعل ذلك وإن فعل فعليه دم على إحرامه حتى يطوف ويسعى، وأصحابنا لا يحرمون إلا من المواقيت.
مسألة
[ ما يكفي في النية ]
ومن أحرم بعمرة وحجة فلم يلب فعليه دم للعمرة ومن علم غيره
بالإحرام فلا يجزئه حتى ينوي به عن نفسه. ومن قتل مسلماً وهو محرم فلا يبطل إحرامه ومن أحرم وتطيب فإحرامه تام وعليه دم.
مسألة
[ إحداث نية الحج بعد تجاوز الميقات ]
قال بشير(1) : من خرج تاجراً إلى جدة لا على نية الحج فلما وافاها
أحدث نية الحج أجزأه ذلك وإن خرج من داره وهو ناوي أنه محدث نية
الحج من جدة على هذا لم يجز بذلك.
مسألة
[ حكم إنكاح المحرم ]
واختلفوا في المحرم ينكح وينكح فمن جاز له ذلك احتج بالنبي عليه
السلام تزوج وهو محرم.
[ إحرام الجنب ]
وإن أحرم الجنب قبل الميقات فلا يجزئه ويحرم من الميقات، ومن دخل
في غير أشهر الحج بعمرة ثم رجع إلى المدينة ثم رجع في أشهر الحج محرماً
بعمرة فعليه هدي المتعة، ومن أحرم وأهمل النية أنها بحجة أو بعمرة فهو
محرم بحجة. عن أبي مودود : ومن أحرم ولم يدر أنه أحرم بحجة أو عمرة فنحب له أن يطوف ويسعى لا يحل إلى يوم التروية ويقضي حجه، وإن
تقدمت له نية فله نيته، وإن أحرم بإحرام رفقائه فهو مثلهم.
مسألة
__________
(1) 1- بشير : هو الشيخ العلامة أبو المنذر النزوي العقري جد بني زياد وهو من نافع
من بني سامة بن لؤي بن غالب كان من تلامذة الربيع وأحد الأربعة الذين
حملوا العلم من البصرة إلى عُمان عن الربيع رحمه الله. وهو أحد كبار علماء
عُمان في زمانه وقد أدرك عصر الإمام الجلندي وله دور بارز في إعادة الإمامة
إلى عمان بعد هزيمة بني الجلندي، وإذا أطلق الشيخ أو الشيخ الكبير في أثر
المشارقة فهو الشيخ بشير، توفي رحمه الله سنة 178هـ أيام الإمام الوارث بن
كعب الخروصي ، إتحاف الأعيان 1/166 - 167 . (6/33)
صفحة 770
[ من قلد الهدي ]
ومن ساق هدياً وأم البيت وقلّده فإن كان نوى حجة فعليه الإحرام، وإن نوى عمرة وجبت عليه، وإن أهمل النية في إحداهما فهو بالخيار فإن شاء
أحرم بحجة وإن شاء بعمرة ويمسك عن ما يمسك عنه المحرم حتى ينحر
الهدي وليس كذلك إن حالها.
مسألة
[ من أهل على نية أصحابه ]
ومن أحرم على ما أحرم عليه أصحابه فاختلفوا في إحرامه، فإن كان في أشهر الحج فهو مهل بالحج، وإن كان في غير أشهر الحج فهو معتمر، وإن كانت نيته كما يراه المسلمون فهو متمتع.
مسألة
[ من نسي شيئاً من النية ]
ومن رام التلبية فنسي فلبى بحج فلا شيء عليه، وإن نسي أن يقول:
بعمرة فهو على نيته التي خرج عليها، فإن خرج على أنه يصنع كما يصنع أصحابه فاعتمر فهو مثلهم، ومن أحرم بالحج في غير أشهر الحج له أن
يقلبها عمرة ولا يلزمه ما عقد على نفسه لما روي عن ابن عباس رضي الله
عنه أنه قال : لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
مسألة
[ وقت انعقاد الحج ]
قال الله تعالى: { الحج أشهر معلومات } (1) قال الشيخ أبو سعيد رحمه
الله : لا ينعقد الحج إلا في أشهرهن، فإن أحرم محرم قبل أشهر الحج فينعقد عليه الإحرام بعمرة وعليه تمامها لأنه جعل عليه الإحرام في غير موضعه ولأن قصده الإحرام بالنية لا ينحل عنه والإحرام بالعمرة ثابتة في أشهر الحج وغيرها.
مسألة
[ حكم الإهلال بحجتين أو عمرتين ]
ومن أهل بحجتين ولم يفرد النية بأحدهما بطل إحرامه لأن الواجب على المتعبد حجة واحدة والثانية تطوع أو نذر، ولا يجوز قضاءهما في حال
واحد، ولا يجوز الإهلال بعمرتين إذا نوى بهما نية واحدة.
مسألة
[ كيفية حج من عليه فريضة ونذر ]
ومن وجبت عليه حجة فريضة وأخرى من نذر، فأهل لهما إهلالاً
واحداً وإحراماً واحداً لم تصح له حجة الفرض للإجماع إن قصده ذلك
فاسداً والفاسد(2)
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 197 .
(2) 1- في العبادات تقدم الفرائض على النوافل، والنذر هناك واجب ولكن تقدم عليه
حج الفريضة، فإن أدى الفريضة طُلب منه أن ينوي بالنذر ولا يجوز الجمع في
آن واحد لأن الحج مضيق موسع لا يتسع لغيره فيه. (6/34)
صفحة 771
مردود لقوله عليه السلام : «من عمل عملاً ليس عليه
أمرنا فهو رد»(1) .
مسألة
[ جواز الجمع بين نية الحج والعمرة ]
أجمع المسلمون أن لمن أهل بالعمرة في أشهر الحج إدخال الحج عليهما
ما لم يفتتح الطواف، فإذا دخل في الطواف لم يجز له ذلك، ولولا
الإجماع على جواز ذلك لم يجز، لأن الإحرام أوقعه دون الحج إلا أنه
لاحظ للنظر مع ورود الأثر.
مسألة
[ حكم إضافة العمرة إلى حج الإفراد ]
ومن أهل بالحج مفرداً لم يجز له إدخال العمرة لأن الله تعالى لم يأمر
بذلك ولا رسوله ولا أجمع المسلمون على ذلك، والإحرام قد حصل للحج
فلا ينقله إلى غيره.
مسألة
[ حجة من قال بالجواز ]
وقيل أنه عليه السلام إنه أمر محرماً بحجة أن ينقلها إلى عمرة، واختلفوا
في الوقت الذي أمرهم بذلك فيه، فمن حج ذلك قال : إن الأمر مردود في
غير أشهر الحج، وقال من أجاز ذلك : لم يرد الخبر وقتاً معلوماً، فإذا لم
يحضر الخبر وقتاً وجب عمومه، وعلى مدعي التخصيص إقامة الدليل.
ومن لا عقل له سقط عنه التكليف للحج وغيره من العبادات. ومن أغمي عليه وهو يؤم البيت قول : يهل عن أصحابه، وقول : لا يجزئه ذلك حتى يفعل هو بنفسه.
مسألة
[ حكم حج من أغمي عليه بعرفة ]
ومن وقف بعرف فتوقع عليه عدو فحصره أو أغمي عليه حتى ذهب أيام المناسك، فحجه تام ولا يخرج من مكة حتى يزور البيت، وإن لم يقف
بعرفة لزمه الحج من قابل.
مسألة
[ حكم حج من أغمي عليه في البيت ]
ومن أم البيت فأغمي عليه فأهل عنه أصحابه بالحج ووقفوا به المناسك كلها فيجزئه ذلك، وإذا عافاه الله فعل هكذا قال الربيع رحمه الله.
مسألة
[ حج المغمى عليه والمجنون والمعتوه ]
ومن نام أو أغمي عليه في منى حتى طلعت الشمس فلا بأس عليه إذ
__________
(1) 2- الحديث : رواه مسلم في كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد
محدثات الأمور رقم 1343 والفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير
3/213 قال : أخرجه أحمد في مسنده ومسلم. (6/35)
صفحة 772
هو مغلوب، وقيل : عليه دم. وذو النشو إن وقف بعرفة فلا إعادة عليه،
وأما المجنون والمعتوه إذا وقفا على ذلك الحال فلا حج لهما، وإذا أفاق
المجنون فله الحج(1) .
مسألة
[ وقف التلبية للمعتمر ]
وعلى المحرم بالعمرة الإمساك عن التلبية إذا دخل المسجد الحرام ورنا
البيت وإن لبى فلا بأس عليه، وكذلك إن لبى حين استقبل الحجر الأسعد والعتبة فلا بأس عليه أن يمسك، وقيل : من أحرم بعمرة ولم يلب فعليه دم.
مسألة
[ حرمة الميقات ]
ومن رام الإحرام من الميقات فصلى ثم تكلم بجهل أو تعمد ثم أحرم بعد أن تكلم أو مشى وهو في الميقات أو أكل أو شرب، فإذا كان إحرامه من الميقات فلا بأس عليه.
مسألة
[ حكم البيع والشراء بعد الإحرام ]
عن أبي الحواري رحمه الله : إن من باع واشترى بعد الإحرام يوم
التروية وهو يريد منى أنه يرجع يحرم وعليه دم.
مسألة
[ حكم إحرام الراكب أو الذي يأكل ]
وعن جابر : إن الإحرام للراكب جائز على قتيب راحلته، وجائز لمن رام الإحرام أن يحرم وهو يأكل. ومن ترك التلبية في أدبار الصلاة كلها فعليه
دم، ومن نوى الحج فما لم يحرم فله الرجوع عن نيته وبعد الإحرام فلا.
مسألة
[ كيفية تلبية المرأة ]
وينبغي للمحرم أن يحفظ صوته بالإهلال عند إقامة الصلاة حذراً عن أن يشغلهم عن حفظ صلاتهم، وأما المرأة فمأمورة بخفض الصوت في التلبية
وغيره وإن رفعت صوتها بالتلبية فلا أعلم عليها وجوب شيء.
مسألة
[ حكم من اختلط عليها الإهلال ]
ومن أهل من الميقات فلم يدر بما أهل فليرجع إلى الميقات ويهل منه بما شاء وإن خاف فوت الحج حج ولزمه دم، وإن أمكنه الخروج من الحرم ثم
يهل بالحج فليفعل وإلا فيهل من موضعه فعليه دم.
مسألة
__________
(1) 1- لأن الحج عبادة والعبادة تجب على المكلف والمجنون فاقد التكليف فلا يعقل ما
يقول. والمعتوه : أخف من المجنون فإذا كان يعقل ما يقول فحجه مقبول
وصحيح وإذا لم يعقل ما يقول فمثله مثل المجنون، والله أعلم. (6/36)
صفحة 773
[ من وصل بعد انقضاء الحج ]
ومن فسد عليه الحج من قبل أن يقضيه فإنه يتم ما بقي عليه في سنته مع الناس وله أن يباشر النساء ويصطاد لأن هذا غير محرم ولا هو في الحج ولا إعادة عليه في سنته بعينها.
ومن فسد عليه حج النافلة فعليه الحج من قابل، وإن أحرم بحجة أو عمرة فعارضه شغل حتى ولج مكة وقد فاته الحج فليقض عمرته ويطوف بالبيت ويسعى، وليس لعمرته تلك وحجه هدي. ويجزئه الأسبوع الواحد في
الطواف بالبيت والصفا و المروة وعليه الحج من قابل لأنه قدم مكة و الناس قد
قضوا حجهم ولكنه يحل ويطوف لإحرامه طوافين لحجه وعمرته.
مسألة
[ حكم من فاته عرفة ]
والحاج إذا فاته الوقوف بعرفة أنه يقضي جميع المناسك الباقية التي أدرك منها ويحل ويطوف ويسعى ويخرج من حال حجه وإحرامه وعليه الحج
وعليه دم لفوات حجه.
مسألة
[ قول ابن جعفر في ذلك ]
من جامع ابن جعفر ومن أحرم بحجة وفاته الوقوف بعرفة إنه يصنع
كصنع المسلمين بمنى ويحل ويقفل الدار ولا يصطد ولا يباشر حتى يحج
من قابل، وعليه دم، وقول : لا دم عليه.
مسألة
[ من أدرك بعد أفول الشمس ]
ومن أحرم بعمرة ولم يدرك الحج سنة فحل من إحرامه فله مباضعة عروسه ولا شيء عليه، وإن لم يكن حج فعليه الحج والعمرة، ومن لم يدرك الحج والوقوف بعرفات حتى أفلت الشمس(1) فلا حج له ويصنع كصنع الناس،
ويجعلها عمرة، فإن كانت واجبة فعليها بدلها وإن كانت تطوعاً فعليه فعمرة.
[ حكم الطيب ]
ولا يطيب المحرم بطيب ويبقى أثره عليه بعد الإحرام، فإن فعل فعليه
الجزاء دم على الأصح إذا تعمد لذلك، وإن طهره وبقي عرفه لا لونه ففي الجزاء عليه اختلاف لأنه يتعذر عليه إماطته من بشرته.
مسألة
__________
(1) 1- هذه المسألة خلافية قال ابن رشد رحمه الله : واختلفوا فيمن وقف بعرفة بعد
الزوال ثم دفع منها قبل الغروب، فقال مالك : عليه حج قابل إلا أن يرجع
قبل الفجر، وقال جمهور العلماء: من وقف بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع = (6/37)
صفحة 774
[ من قبل من به طيب ]
ومن قبل طفلاً مطيباً وأصابه شيء من الطيب فليهرق دماً، وإن لم(1) فلا شيء عليه. ومن حمل آنية طيب أو مس شيئاً مطيباً وهو محرم فلا يجوز له ذلك، وإن لم يكن معه تجارة طيب أمر المشتري أن ينظر ويقلب، وأما حمل آنية الطيب والشيء المطيب كالثوب وغيره فلا بأس به.
مسألة
[ حكم من اكتسى وهو محرم ]
ومن اكتسى ملاءة مصبوغة بورس أو زعفران فعليه دم إذ هو من
الطيب، وأما الشوران فعليه اختلاف أنه من الطيب أو لا، وقيل : إن ماء
الورد والياسمين هما من الطيب.
مسألة
[ حكم من أصاب الطيب بغير قصد ]
ومن أصابه طيب على غير قصد فغسله فلا بأس عليه، من شم الحجر الأسعد وفيه طيب ولم يعلم به فلا بأس عليه ومن وجد عر ق طيب فلم
يشمه فلا بأس عليه وإن تعمد للشم لزمه دم.
مسألة
[ حكم من حمل طيباً ]
ومن أصاب طعام المحرم وشرابه طيب أكله كان مما مست النار أو لا، وكره بعض ذلك. ولا بأس عليه بشم الريحان وإن أحمل المحرم طيباً على نية حفظ المال فلا بأس عليه للضرورة، وكره ابن عباس رضي الله عنهما
الطيب للمحرم قبل أن يحرم، وقال أبو المؤثر رحمه الله : بيومين، وقيل :
قبل الإحرام وعنده وبعده لا يجوز.
مسألة
[ محظورات الإحرام ]
والطيب ضربان: فما كان له عرف ولون فهو للنساء، وما لا لون له فهو للرجال. ومن لبس ثوباً وفيه طيب فإحرامه تام وعليه دم.
مسألة
[ موضع إحرام الرجل والمرأة ]
ولا يجوز للمحرم الاكتحال بما لا طيب فيه ولا زينة كالحضض والصبر والأنذروت، وكحل المرأة ككحل الرجل، فإن فعلا تصدقا، وإن أعلا ثلاثاً فعلى الفاعل دم، ومن اكتحل بإثمد عار من الطيب من وصب فلا بأس.
__________
(1) = قبل الغروب، إلا أنهم اختلفوا في وجود الدم عليه. وهناك أحاديث يستند إليه
كل فريق. انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/348 مسألة شروط الوقوف بعرفة.
1- الأصح : وإن لم يفعل. (6/38)
صفحة 775
ويكره للمحرم النظر في المرآة ، ورخص بعض ذلك إذا لم يكن لزينة(1) .
وإحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها، وتلبس المرأة ما شاءت سوى الحرير والثوب المصبوغ والطيب، ولا تلبس حلياً جل أو قل من كلا الحجرين أو غيرهما من الزينة، وإحرامهما وميقاتهما سواء. وجائز لها لبس الخف، ويكره للمرأة عقد شعر رأسها ولا بخيط، ولا تعقد بعنقها خيطاً ولا غيره. ولها ستر وجهها بالمروحة تجعلها حائلة بين وجهها وبين من لا يجوز
لها النظر إليه من غير أن تمس وجهها.
مسألة
[ حكم إرخاء المرأة على وجهها ]
وللمرأة إرخاء ثوبها على وجهها وترفعه بيدها حذار أن يمس وجهها لما روت أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : كنا يمر بنا الركب ونحن محرمات فنسدل أثوابنا على وجوهنا من غير أن يمس الثوب الوجه(2) .
مسألة
[ ما تلبس المحرمة ]
ولا يجوز للمحرمة لبس المعصفر ولا الخز ولا تبرقع ولا
المتشبع بالشوران ولا بالورس والزعفران، إلا ما ظهر وذهب عرفه. ولا
يجوز لها كشف رأسها. واختلفوا في لباس السوار والخاتم للمحرمة، قال
محمد بن محبوب رحمه الله : ولا على الرجل في لبس الخاتم دم.
مسألة
[ حكم لبس الحلي للمرأة ]
عن ابن المهاجر(3) أنه لا يرى بلبس الحلي للمحرمة بأساً، وأما وائل(4) ومن وافقه فأوجبوا في لبسه دم.
مسألة
__________
(1) 1- انظر ما يجوز للمحرم وما لا يجوز في باب محظورات الإحرام في السنن وفي
كتب الفقه فهي كثيرة.
(2) 2- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/24 رقم 1292 عن عبد الله =
(3) = بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
1- ابن المهاجر : لم أعثر له على ترجمة.
(4) 2- وائل : هو أبو أيوب بن وائل بن أيوب الحضرمي رحمه الله صنو الربيع وتلوه له
آثار بالعراق والمغرب وعُمان وحضرموت. من أقواله رحمه الله : إنما الفقيه
الذي يعلم الناس ما يسع الناس فيها عما سألوه عنه، وله من الفضائل الكثيرة.
انظر طبقات المشائخ بالمغرب 2/278 . (6/39)
صفحة 776
[ حكم كسر حلي المرأة ]
وإذا تعذر على المرأة سلخ حليها كسرته إذا لم يمكن بكسره حتى القرطين.
مسألة
[ حكم اكتحال المرأة ]
وتلبس في إحرامها ربط الغزل القبعص المقطن لهن الصوف والكتان تكتحل ما يلايق إذا آذتها عينها كالصبر والأنذروت وأشابهه مما لا طيب
فيه، ويحرم على المحرمة ما يحرم على المحرم.
مسألة
[ ما تلبسه المحرمة ]
إلا أنها يجوز لها لبس السراويل والخفين والقفازين لهما ضرب من
الحلي. ولا تختضب المحرمة بالحناء، فإن فعلت لزمها دم.
مسألة
[ حكم تقليم الأظافر ]
وإن قلمت المحرمة ظفراً فلتطعم مسكيناً بمكة أفضل، فإذا أطعمت في غيرها جاز. وإذا جس المرأة وصب وقد أحرمت بثياب كره لها لبسها، أو تداوت بدواء فيه طيب، فلتفعل كفعل الرجل.
مسألة
[ حكم لبس الحرير للمرأة في الحج ]
ورأى محبوب امرأة وضعت خرقة حرير على رأسها وعلى يدها خاتم فضة، فبعض لم ير عليها في الخاتم شيئاً، وقال بعضهم : ليس لها ذلك.
مسألة
[ ما تلبسه المحرمة على رأسها ]
ولا يلبس المحرم ولا المحرمة شيئاً ينزع عنهما إذا ماتا، ولا تعقد خمارها على رأسها وإنما تغرزه غرزاً . وإن كان بالمحرم كلم فلوى عليه خرقة غرزها ولا يعقدها لزمه الفداء، ولا يعقد طرفي إزاره. وعلى المحرمة في تغطية
وجهها(1) على المحرم في تغطية رأسه.
النهج الثاني والثلاثون
في مس النساء ونظرهن وملامستهن
وما يجب على المحرم من الجزاء
مسألة
[ حكم نظر المحرم إلى فرج امرأته ]
ومن أولج أنامله في دبره عند الاستنجاء وهو محرم فلا بأس عليه، وإن رنا فرج عروسه، قول : عليه دم، وقول : لا شيء عليه، وفي الخطأ فلا بأس عليه.
مسألة
[ حكم إنزال المحرم لشهوة ]
__________
(1) 1- الأصح : ما على المحرم في تغطية رأسه. (6/40)
صفحة 777
وإن وجد شهوة من غير نظر فرج فخرج منه شيء فما لم يعن على نفسه فلا شيء عليه، وأما إن أعانه لزمه دم، وقول : إذا عان بنزل الماء الدافق فهو بمنزلة المباشر، وقول : عليه بدنه ويفسد إحرامه ويرجع ويحرم من الميقات
إن أمكنه ويقضي مناسكه وعليه الحج من قابل.
مسألة
[ حكم من مس فرج امرأته ]
ومن مس فرج امرأته وهو محرم فما لم ينزل الماء الدافق فعليه دم ويتم
على إحرامه، وقول : قد أسيء ولا شيء عليه.
مسألة
[ مس الفرج بالفرج ]
وإذا مس المحرم فرج امرأته بفرجه فأمذى، قال أبو معاوية(1) : عليه دم، وقول : بقرة، وقول : لا شيء عليه ما لم يمن، فإن تعمد لإنزال الماء الدافق فسد حجه والتعمد للنظر للفرج كحكم المس إذا أمنى. ومن مس عرسه
حتى أمنى فإن أعان حتى أمنى فسد حجه ويتم ما بقي عليه من المناسك وعليه الحج من قابل، وإن طاوعته على ذلك بطل حجها أيضاً إذا أنزلت الماء
وإلا فحجها تام.
مسألة
[ حكم المباشرة قبل التحلل الأكبر ]
عن جعفر النعماني(2) عن محمد بن محبوب رحمه الله : إذا حاضت
المرأة قبل أن تزور البيت فلا يجوز لزوجها سرها حتى تزور البيت إذا
طهرت وتطهرت وإن وطأها كان عليها الحج من قابل، وقال منازل بن
جعفر(3) : عليها دم، وقال ابن عثمان : فسد حجها. ويروى عن بعض
العلماء : إنها إذا لم تطهر حتى تنقضي أيام التشريق لعله منى رجعت إلى
مكة ومكثت بها حتى تطهر وتطوف وتسعى ثم لم يلزمها شيء. عن
الربيع : من لم يطف طواف الفريضة وباشر بطل حجه ولزمه دم لقوله
تعالى : { ثم محلها إلى البيت العتيق } (4) ، وقال أبو المؤثر رحمه الله : من
باشر بعد الطواف وقبل السعي من العمرة والزيارة فإنه يجزئه وينحر بدنه
وعليه السعي.
مسألة
__________
(1) 1- أبو معاوية : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو معاوية عزان بن الصقر.
(2) 2- جعفر النعماني : لم أعثر على ترجمة له.
(3) 1- منازل بن جعفر : لم أعثر له على ترجمة.
(4) 2- سورة الحج آية 33 . (6/41)
صفحة 778
[ حكم المباشرة بعد رمي الجمرة ]
ومن باشر عرسه بعد رمي الجمرة فسد حجهما ولكل واحد منهما
بدنة إذا اتفق رأيهما على ذلك، ومن باشر قبل الوقوف بعرفة فسد
إحرامه وعليه دم.
مسألة
[ حكم الجنابة في ثوب الإحرام ]
ويروى عن عمر : من أجنب في ثوبي إحرامه فلا بأس أن يبدل غيرهما
ولا يترك التلبية لأجل جنابته.
مسألة
[ حكم مضاجعة المحرم زوجته ]
ويكره للمحرم مضاجعة عرسه في فراشه(1) .
مسألة
[ حكم من عبث بنفسه وهو محرم ]
ومن أحرم في غير أشهر الحج فعبث بذبذبه حتى اندفق شيره فعليه ما
على من أحرم في أشهر الحج وعلى كل واحد منهما بدنة والحج من قابل.
مسألة
[ حكم من أفسد عمرته ]
عن أبي سعيد رحمه الله : من أفسد عمرته في أشهر الحج بوطء أو
غيره، فسد حجه في عامه ذلك لأن العمرة في أشهر الحج من أسباب الحج، وقيل : تفسد عمرته لا حجه ويمضي في تمامها، وإن أمكنه الرجوع إلى
الميقات ليحرم منه فأولى وعليه دم.
مسألة
[ حكم الوقوع على الزوجة بعد عرفات ]
و من وقع على امرأته بعد وقوفه بعرفات قبل الزيارة فعليه بدنة وعليه إتمام
حجه وعليه الحج من قابل، ومن أحرم وباضع وفاته الوقوف بعرفات فإنه يطوف ويركع ويسعى ويحلق وعليه بدنة وعليه الحج من قابل.
مسألة
[ ما هو التحلل الأصغر ]
وإذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم النحر فذبح وحلق فقد حل له الحلال كله إلا النساء والصيد فلا يحلان للحاج حتى يطوف طواف الزيارة ويركع ويسعى فقد حل له الحلال إلا صيد الحرم وشجره فإنه لا يحل لمحل ولا
محرم، وإن اصطاد قبل الزيارة فعليه الجزاء، وإن باشر قبل الزيارة فعليه أن يقضي زيارته وعليه بدنه وعليه الحج من قابل وعلى زوجته مثل ما عليه.
مسألة
[ كيفية حج القضاء ]
__________
(1) 1- هنا الحكم سد لذريعته، لأن المضاجعة سبيل إلى الجماع في النهاية فمن البداية
يمنع حتى لا يقع في المحظور. (6/42)
صفحة 779
قال أهل العلم : إذا حجا من قابل فبلغ الموضع الذي أصابهما فيه افترقا ولا يجتمعان عقوبة لهما على فعلهما حتى يقضيا الزيارة، ولا بأس أن
يشداهما على الراحلة ويحط عنها إذا أنزلت ويبعث لها بما تحتاج من
الطعام، ولا يجتمعان في خبا ولا بيت ولا رحل، ولا يؤاكلها ولا يكلمها
ولا ينظر لها، وإن سألها عن شيء فلا بأس.
مسألة
[ حكم مباشرة الأمة ]
و من باشر أمته قبل أن يزدئر فعليه الحج من قابل ، و لم أحفظ فيها هي
شيئاً فأقول فيما لم أعلم والله أعلم.
مسألة
[ قياس الحج على الصوم في النسيان ]
ومن لزمه الحج من قابل فعليه أن يوصي به إذا حضره الموت. وإذا وطأ المحرم ناسياً فالأصح أن يكون كالصائم إذا وطأ نهاراً ناسياً، قول : عليه بدل يومه، وقول : لا شيء عليه وحجه تام.
مسألة
[ حكم مس ذات محرم ]
ومن مس فرج ذات محرم ناسياً أو عامداً، فإذا لم تنزل شهوته بسبب
ذلك فلا يبطل حجه على قول.
مسألة
[ حكم حج من حصل له معنى الجماع ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : من حصل عليه معنى الجماع في قبل أو دبر، من ذكر أو أنثى، في مباح أو محظور، من آدمي أو حيوان، فأولج أو
عبث يريد إنزال النطفة، أنزل أو لم ينزل، فهو رافث مفسد لحجه، والدبر
أقبح من القبل من زوجة أو دابة أو أجنبية.
مسألة
[ حكم غطاء الوجه ]
وإذا تبرقعت المحرمة يوماً وليلة متعمدة فعليها دم.
مسألة
[ ما تقوم به الحائض ]
وإذا حاضت المرأة بعد الطواف قبل السعي أتمت سعيها ولو لم تطهر،
وإن أدركها الحيض قبل إن تركع ركعتي الطواف انتظرت حتى تطهر
وتتطهر فتصلي وتسعى، وإن أعجلها الرفقاء وسعت وركعت حيث شاءت وعليها دم. قال أهل العلم : إن كان هذا من عمرة، وإن كان لطواف الزيارة للحج فإن ركعتهما جاز ما لم يباشرها حليلها قبل ركوعها، فإن فعل فعليها دم، وتركع حيث شاءت في الحل والحرم، وسعي للحج والعمرة إذا طهرت، وسبيل النفاس سبيل ذات المحيض في الحج ومنزلة المستحاضة بمنزلة الطاهرة. (6/43)
صفحة 780
مسألة
[ حج المستحاضة ]
وأما المستحاضة فعليها أن تغتسل وتحرم تفعل ما يفعله الطاهرات من النساء، فإذا رامت الطواف اغتسلت وطافت وصلت ركعتي الطواف
وعملت بأعمال الحج كلها حتى تقضي وتسعى ولا عذر لها من الوداع.
مسألة
[ ما تفعله الحائض ]
وإذا حاضت القارنة والمتمتعة فإنها تقيم على إحرامها إلى أن تحرم بالحج ولا بد لها أن تحرم من الميقات في بدو أمرها، وإن اغتسلت فلا بأس، وتفعل أفعال المحرمة إلا الطواف فليس لها دخول المسجد، وإن وقفت بباب المسجد فذكرت الله فحسن.
مسألة
[ حكم الحبلى ترى الدم ]
وإذا رأت المرأة الحبلى الدم فإنها تصنع كما تصنع المستحاضة، وإن حاضت المحرمة بعد(1) أن طافت بعض الطواف فتمكث حتى تطهر ، فإذا طهرت وتطهرت اغتسلت وبنت على طوافها ولا تحرم حتى تتم ما بقي.
مسألة
[ حيض المرأة قبل الصلاة وبعد الطواف ]
وإن قرنت بعمرة ثم حاضت وقد طافت قبل أن تركع فإنها تسعى وتقفل لدارها فإذا طهرت صلت ركعتين وبعض استخار لها الركوع في الحرم وإلا تركع حيث شاءت وتهريق دماً.
مسألة
[ حكم انتهاك بعض المحظورات ]
وإذا متعكن المحرم في ظل لا يمس رأسه ماس فإن غطى رأسه ناسياً ولبى، وجائز له حمل ما يحتاج إليه على ظهره وجفوه، فإن ألم به وصب فاحتاج
لحلق رأسه حلقه وكفر بذبح أو طعام أو صيام(2) .
مسألة
[ حكم لبس العمامة والقميص ]
ويجوز للمحرم لبس العمامة والقميص إذا اضطر لذلك من حر أو قر أو وصب وعليه دم، ومن شرط المحرم أن يكون أشعث أغبر، وجائز له
الاغتسال بالماء ويكره له أن يغطط في الماء ليميت القمل، وإن شرب رأسه بالماء من غير ذلك فلا بأس(3)
__________
(1) 1- في الأصل : بعد والأصح بعض.
(2) 1- لقوله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام
أو صدقة أو نسك } [البقرة آية 196].
(3) 2- للحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما سئل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يلبس المحرم؟ قال : «لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا
البرنس، ولا السراويل ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد
نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» أخرجه الجماعة البخاري
ومسلم والموطأ والترمذي وأبو داود والنسائي. انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/21 رقم 1291 . (6/44)
صفحة 781
.
مسألة
[ حكم مداواة المحرم ]
وإن تداوى المحرم بما لا طيب فيه فلا بأس، وإن تداوى بما فيه طيب فعليه الفداء. وإن حك جسده فلا بأس ما لم يدمه(1) أو يفد شعراً أو ينجع قملاً، ويجوز له حك رأسه بباطن كفه أو أنامله(2) .
مسألة
[ حكم غطاء الرأس ]
وإن مس جسده أو لحيته فسقط منها شعر ميت فلا بأس إذا لم يتعمده لإخراج الدم، ويغطي أنفه إن هاج عليه عرف نتن، وكرهوا غطية وجهه،
ومن غطا رأسه ناسياً يوماً كاملاً أو ليلة فعليه دم، وكرهوا تغطية الفم، ومن تعمد أن يكفر رأسه فعليه الداء قلت المدة أو كثرت، وإذا آذاه رأسه فعصبه
فلا بأس.
مسألة
[ حك كشف الرأس ]
وقيل : ما فوق الذقن من الرأس. ولا يجوز للمحرمة كشف رأسها بإجماع، وللمحرم إلقاء المضرات عن عينه كالقردان والذباب والبعوض وما أشبهه فإن ثوى منه شيء عند ذلك فلا بأس. ويكره الاغتسال بما يتسنن من الماء من ميزاب الكعبة ولا بأس به من زمزم. ومن عقص رأسه فقصر حين أحل إحرامه من عمرته ونشره وغسله فعليه هدي.
مسألة
[ حكم وضع اليد على الرأس والحمل عليه ]
__________
(1) 1- وهذا ثابت من سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي من طريق نبيه بن وهب رحمه الله أنّ عمر بن عبيد الله بن معمر
اشتكى عينه وهو محرم، فأراد أن يكحلها، فنهاه آبان بن عثمان، وأمره أن
يضمدها بالصبر (دواء معروف) وحدثه عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعله»
انظر المصدر السابق نفسه 3/48 - 49 رقم 1327 .
(2) 2- روي إجازة ذلك عن عائشة رضي الله عنها عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه
قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تُسأل عن المحرم يُحك جسده؟
قالت: نعم، فليحككه وليشدد، قالت عائشة : لو ربطت يداي ولم أجد إلا
رجلي لحككت. أخرجه الموطأ نفس المصدر السابق 3/78 - 79 رقم 1358 . (6/45)
صفحة 782
قال أبو سعيد رحمه الله : إذا وضع المحرم يده على رأسه فلا بأس. واختلفوا في حمل زاده فأجاز ذلك بعض وأباه آخرون، وعدم الجواز
أصح لأنهم قالوا : إن الحمل على الرأس كتغطيته إلا أن يكون لما
لا يستطيع بغير ذلك.
مسألة
[ أحكام الرأس ]
وإذا لم يغط المحرم أكثر رأسه فلا يقع عليه حكم تغطية رأسه في معنى الجزاء، وإن غطا رأس غيره وهو نائم أو وجهه بثوب أو قلع شعره فعليه
دم إذا غطاه يومه. وقال الربيع : لا شيء عليه، وكذلك قول أبي الحسن
إنه لا من عمله وإلا أمره. ومن حلق رأسه من ضرورة افتدى بصيام ثلاثة
أيام أو أربعة أو خمسة أيام، والصدقة : إطعام ستة مساكين إلى عشرة،
والنسك : شاة ثنية فما فوقها لقوله تعال : { فمن كان منكم مريضاً أو به
أذى من رأسه } (1) وله التخير فيه ويذبحها بمنى أو بمكة يوم النحر ولا
يأكل منها شيئاً.
مسألة
[ حكم الحلق والتغطية ناسياً ]
ومن حلق رأسه ناسياً فنسي ذبيحته يوم النحر فلا حرج عليه ويذبحها بالغداء ثم يحلق بعد الذبح.
وإن كفس(2) المحرم رأسه بملائته وهو نائم من غير قصد فإذا هب أخرج الكفاس ولبى فلا شيء عليه، وحكمه كحكم من غطى رأسه ناسياً، وذكر
قبل أن يتم يومه كشف الغطاء ولبى ولا شيء عليه وحكمه حكم من غطى رأسه ناسياً.
مسألة
[ حكم من غطى رأسه أقل من يوم ]
ومن غطى رأسه ناسياً وذكر قبل أن يتم اليوم كشف الغطاء ولبى ولا شيء عليه، وإن استوعب يوماً كاملاً فعليه دم.
مسألة
[ يسر الإسلام ]
وليس للمرء أن يحمل على نفسه الضرر والدين يسرو لا يكلف نفس ما
لا يطيق. وللمرأة ما للرجل عند الضرورة.
ومن أحرم بقميص أو سراويل نزعهما وافتدى بشاة، ومن لبس المنطقة ناسياً نزعها وافتدى ولا شيء عليه.
مسألة
[ حكم اللبس للمحرم ]
وإذا عني المحرم حرب فلبس ما لا يحل للمحرم لبسه فعليه الفدية إذا
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 196 .
(2) 2- كفس : تأتي هنا بمعنى غطى رأسه والله أعلم. (6/46)
صفحة 783
لبسه في وقت، وإن لبسه في أوقات مختلفة فعليه لكل لبسة دم.
مسألة
[ حكم لبس الخفين ]
ومن أولج رجله في خف حتى جاوزت الكعبين لزمه دم. وللمحرم أن يضاعف على إحرامه ما شاء من الثياب من البرد، ويلج الحمام لتطهير ثيابه وبدنه، ويتسوك، ويلبس النعلين والخفين القصيرين إذا لم يصلا الكعبين(1) .
مسألة
[ أحكام للمحرم في اللباس ]
وإذا انكسر ظفر المحرم قده، وإن انشق أديمه طلاه ما لا طيب فيه
كالصبر والأنزروت، ويداوي كلمه بما لا طيب فيه، ويغمر دمله ليطلع
قيحه، ولا يلبس الحسام إلا من خوف، وإذا تعذر على المحرم إيجاد إزار أو
رداء ولا قميصاً أو سراويل أحرم فيها كيف أمكنه ولا يقدمهما فيرتدي بالبعض ويتأزر بالباقي، وإن سرق إحرام المحرم بعد أن أحرم أحرم فيما
أمكنه إلا محرماً(2) .
مسألة
[ جواز الإحرام بالقديم ]
قال أبو المؤثر رحمه الله : إذا أهل المحرم بعمرة ثم جاء وقت الحج أحرم
__________
(1) 1- وهذا ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله
عنهم أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخول
مكة ولوقوفه عشية عرفة. أخرجه الموطأ. انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/42 ، 43 رقم 1317 ، 1319 ، 1320 ، 132 . =
(2) = عن نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أن ابن عمر
وجد القُرَّ فقال : ألق علي ثوباً يا نافع، فألقيت عليه برنساً، فقال : تلقي
علي هذا وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلبسه المحرم. أخرجه أبو داود
المصدر نفسه 3/24 رقم 1297 .
1- وهذا ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال : «من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين
فليلبس خفين» المصدر نفسه قال أخرجه البخاري ومسلم و الترمذي
والنسائي 3/25 رقم 1294 ، 1295 ، 1296 . (6/47)
صفحة 784
بما أحرم للعمرة من الثياب ما لم تتوسخ، فإذا توسخت غسلها وأحرم فيها.
مسألة
[ حكم تعميم المحرم ]
وإذا اعترض للمحرم عدو فلا بأس أن يلبس آلة الحرب، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدى إذا أتى بما يبطل إحرامه، وإن لبس ثم ألقى ثم لبس فعليه لكل لبسة دم، وإن تعمم فانحلت فشدها فعليه دم ما لم يضع العمامة ثم يلبسها ثانية فإن فعل لزمه دمان، وإن ألقى القبا على ظهره فلا بأس، وإن ولج يده في كمه لزمه دم، وإن لبس ملاءة مصبوغة فأصابها وابل أو طل غسل صبغه ألزمه دم. ومن أحرم في ثوب نجس فقد قصر ولا يصلي فيه ولا يطوف به(1) .
مسألة
[ متى يلبس الخفين ]
[ حكم المجامع في إحرامه ]
وإذا تعذر على المحرم وجود النعلين لبس الخفين مقطوعين من أسفل الكعبين(2) . قال أبو سعيد : إن على المجامع في حجه وعمرته بدنة على الأصح، وقول : يجزئه شاة ثنية، وعلى المرأة إن طاوعته مثله،
و قول : يلزمهما هدي واحد لأنه فعل واحد و لأن على المحرمين إذا قتلا صيداً
واحداً قول : عليهما جزاء واحد، وقول : على كل واحد جزاء. قال
بعض العلماء : إذا جاءا محتكمين أو مستفتين ألزما جزاء واحداً. وإن تفرقا
ألزم كل واحد منهما الجزاء على الانفراد.
مسألة
[ حكم فساد الإحرام قبل عرفة ]
واستحسن بعض العلماء أنه إذا كان الفساد قبل عرفة كان عليهما
هديان، وإن كان بعدها قبل الزيارة كان عليهما هدي واحد، وأما في
الأصل إذا تعدى المتعبد المنع لزمه الجزاء وحده. والهدي على المجامع بدنة،
فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد شاة(3)
__________
(1) 1- انظر محظورات الإحرام من حيث اللباس فهي في باب محظورات الإحرام
في كتب السنن.
(2) 2- هذا ورد في السنة انظر البخاري 3/318 ، 319 ، 320 ، 321 باب مالا يلبس
المحرم من الثياب، وباب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، ومسلم
رقم 1177 ، والموطأ 1/324 ، 328 والترمذي رقم 833 وغيرهم.
(3) 1- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سئل عن رجل وقع بأهله وهو
بمنى قبل أن يفيض؟ فأمره أن ينحر بدنة. أخرجه الموطأ 1/384 في الحج
باب من أصاب أهله. (6/48)
صفحة 785
.
مسألة
[ حكم الجماع المتكرر ]
ومن جامع امرأة أو امرأتين في مقام فعليه كفارة واحدة، وإن جامع في مقامين لزمه دمان، وإن أكثر فأكثر، وقول : عليه في هذا كفارة واحدة. وإن أكره امرأة محرمة فباشرها فعليه ما عليه وعليها من الجزاء، ومن باشر امرأة وهي نائمة أو مستكرهة وهو محل وهي محرمة، فقيل : عليه أن يهدي عنها
في قضاء حجها وعليه التوبة ولا يلزمه شيء من أسباب الحج إذا كان محلاً.
مسألة
[ حكم المباشرة في حج القران ]
وإن أقرن في إحرامه بحج وعمرة فباشر قبل تمام حجه، فقول : عليه كفارتان، وقول : عليه بدنة لحجه وشاة لعمرته، وقول : شاتان وعليه الحج والعمرة من قابل.
مسألة
[ أثر الجراح على الإحرام ]
ومن رام النزول من قبته فأكلمه بعض خشبه فأدماه، فقول : عليه دم، وقول : لا دم عليه لأنه خطأ وإنما الدم في العمد وهو الأصح.
مسألة
[ حكم جرح الغير ]
ومن أكلم غيره فأدماه خطأ وهو محرم فلا يلزمه دم من جهة الإحرام، ويلزم الفاعل أرش الكلم في الإحرام كإلزامه في الإحلال.
مسألة
[ إذا قتل المحرم رجلاً فما عليه ]
و من نجع(1) رجلاً في الحل أو في الحرم و هو محرم فعليه تحرير رقبة
مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وعليه بدنة أو بقرة سمينة يذبحها بمكة أو
بمنى للفقراء.
مسألة
[ يجوز للمحرم عمل ما لا بد منه ]
وإن تخلل المحرم فلا بأس فإذا لم يزدد في الخلال فأدمى فوه فلا يلزمه دم
وإن زاد وأدمى لزمه دم، وإن تحكك بظفره أو بعوده فعليه إطعام مسكين وجائز للمحرم عمل ما لا بد له منه، وإن كلمته مدية أو خشبة خطأ فلا
شيء عليه وللمحرم عليه خياطة شقه وإبانة سنه إذا آذاه، ولا يداوي كلمه
وله فعل ذلك في غيره، وله ضرب راحلته دون التبريح.
مسألة
__________
(1) 1- النجع : القتل. لأن القتل في الحرم أشد تحريماً في غير الحرم لهذا وجب عليه
الكفارة ، والدية التي تجب في الحل والبدنة أو البقرة فدية عما ارتكبه وهو
محرم في الحرم، والله أعلم. (6/49)
صفحة 786
[ حكم ازدحام الحجيج ]
وإن ازدحم المحرمان صرعا أحدهما فأدمى لم يلزمه شيء، وإن اتكى
بجدار فانسلخ أديمه أو أنتف شعره، فإن تعمد لزمه الجزاء طعام مسكين إذا انسلخ بعض أديمه، وإن لم يتعمد فلا شيء عليه إذا لم يدمي فعليه.
مسألة
[ معالجة المحرم نفسه ]
وإن أصابته سلاة فأبانها فأدمت فلا شيء عليه، وإن عصر موضعها حتى أدمت فعليه الجزاء، ومن بط دمله فأخرج ما فيه فلا شيء عليه، وإن رعف
فله أن يتمخط من غير أن يتعمد لإخراج الدم و إن تعمد لإخراج الدم فعليه
دم وإن قصد إماطة المخاط فلا بأس ولو خرج معه دم. وإذا تكلم لسان المحرم وأدمى فوه عند الأكل أو انكسر سنه أو عقر إصبعه بأسنانه فلا شيء عليه
وإن أبان دواء كلمه ليداويه فأدماه فلا شيء عليه، وإن أبانه عابثاً فأدماه فعليه دم. ومن ضرب دابته فأدماها فعليه أرش بقدر ما أضر بها لربها وإن لم يضر
بها ضربه فعليه التوبة. وإن شج عبده وهو محرم فعليه دم أوجب له أن يعتق العبد، وإن شج محل محرماً في الحرم فلا شيء عليه غير القصاص.
مسألة
[ حكم ما يصيب الحاج من فصد وإسقاط للشعر ]
ومن جرح نفسه أو غيره أو أدمى ففي الدم دم، ومن لاعب صبياً فنتف من لحيته ثلاث شعرات أو أدمى جسده فعليه دم، وإن انكسر منه عضو جبره. ويجوز له أن يفصد من علة فعليه الفدية وأقل ما يلزمه صيام ثلاثة أيام، وقيل: يجوز للصائم إبانة سنه ولا يجوز للمحرم، فإن فعل لزمه الجزاء.
مسألة
[ حكم قتال السراق ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : إذا لقي الحاج السراق حل قتالهم وإن جبن فواسع له، وإن سلبوا غيره ولم يعرضوا له جاز له قتالهم مع رفقائه إذا رجي الظفر، وكذلك من حج عن غيره إذا كان له وفاء.
مسألة
[ حكم تفلية المحرم للمحل والعكس ]
ومن قد شعرة مرتين لزمه إطعام مسكين إذا كان في مقام واحد، ولا
يفلي المحرم للمحل وإن فلى المحل للمحرم بلا إذنه فلا بأس عليه.
مسألة
[ حكم نتف الشعر ] (6/50)
صفحة 787
وقيل : من نتف شعرة فعليه صاع وللشعرتين صاعان وللثلاث فما فوقهن دم، ومن أسعر ناراً فحملت الريح فأحرقت شعره، فقول : إنه لا دم عليه لأن هذا خطأ إذا أسعرها لمداراة الطعام، وقول : عليه دم ولا يعذر بالخطأ.
مسألة
[ أخذ الشعر من الدابة ]
ومن أخذ دابة ليذبحها فانفلتت من يده فانجز ما كان قابضاً عليه من شعرتها فليصم يومين أو ثلاثة أيام، قل أو كثر الشعر .
مسألة
[ حكم تقليم أظافر المحل من المحرم والعكس ]
وإن قلم المحرم أظافير المحل فعليه أن يتصدق بشيء على ذوي المسغبة وإن كان المقصوص له محرماً وأقص أظافير كفيه لزمه دم، وقال الربيع : إذا لم
يأمره فلا شيء عليه . و قيل: خرج قوم مهلين بالحج فنزلوا دون الحرم فلسع
رجل منهم فأمرهم عبد الله بن مسعود أن يهدي الملسوع إلى مكة، وإن
يجعلوا بينهم وبينه علامة فإذا ذكى الهدي أحل، وعليه قضاء عمرته.
مسألة
[ حكم انقلاع ظفر المحرم ]
وإذا انقلع ظفر المحرم فله إخراجه، ومن أراق البول على راحلته فتعذر
عليه حصول الماء للاستنجاء فله أن يلوي ملاءة على رأس إبرة ولا يعقد طرفيها، وإن لوى على الملاءة خيطاً بلا عقد فلا بأس.
مسألة
[ حكم عقد الإزار للمحرم ]
قال أبو سعيد رحمه الله : جائز للمحرم حمل هميانه(1) مربوطاً على
حقويه، ولا يعقد المحرم إزاره ولا رداءه، وحكم العقدة الواحدة كالعقدتين.
مسألة
[ ربط الإحرام ]
إذا كان في معنى واحدة.
مسألة
[ حكم عقد المحرم في الثوب الواحد عقد ]
وإن عقد المحرم في ثوب واحد عقدات متفرقات لمعنى واحدة فلا يبعد
أن يكون بمعنى العقدة الواحدة، ويحتمل أن يكون كالعقدات المتفرقات،
ولكل عقدة من ذلك جزاء على حدته وانفراده.
مسألة
[ حكم نجع السبع ]
قال الربيع : لو اجتمع عدة نفر على نجع سبع لأجزأتهم كفارة واحدة، ولا شيء على من قتل صيداً ولو لم يجحف به.
مسألة
[ حكم نبيذ الذرة ]
__________
(1) 1- أجاز الفقهاء لبس الحزام في الحج فوق الإزار حماية له. (6/51)
صفحة 788
ولا بأس بنبيذ الذرة والقراد وما أشبه ذلك، قال ابن عمر مسعود انبذه عنك فإن حياته وموته بإذن الله.
مسألة
[ حكم قتل النملة والذرة ]
وعلى باخع الزرع أن يتصدق بقبضة من طعام، وفي قتل الذرة والنملة والسقاط قبضة من طعام ما يعطا فيهن خير منهن وكذلك ما أشبه ذلك من قملة أو بعوض أو غيره.
مسألة
[ حكم إقراد البعير ]
وقال عمر رضي الله عنه : التمرة خير من الجرادة، وقيل : إنه كان يقرد بعيره وهو محرم. ومن قتل القرد تصدق بلقمة أو تمرة، وقيل : لا شيء
عليه. وفي قتل الحلمة والذبابة قبضة من طعام.
مسألة
[ حكم إبعاد الأذى عن المحرم ]
وقيل: إذا لصق بكل شيء ليس منك ألقه عنك، وإن كان منك فألقيته فقبضة من طعام، وفي القملة تمرة أو حبة من بر وهو خير منها، وفي
الضفدع قبضة من حب أو تمر أو دقيق.
مسألة
[ كراهية قتل القملة في الحج ]
وبعض كره قتل القملة ولم يلزمه فيه جزاء، وقيل: أبا صفرة(1) قتل ذراً جماً فأمره محبوب أن يشتري بدرهم تمراً و يتصدق به. ولا جزاء في قتل المؤذيات معاً، وإذا وقع الذباب في طعام المحرم مقله وألقاه.
مسألة
[ حكم إخراج القملة ]
وللمحرم إخراج القملة من بدنه ويجعلها في ثوبه ولا يقتلها أو يلقها لئلا تؤذي أحداً، ولأنه ورد في الحديث عنه عليه السلام في الكراهية في نبذ القمل.
مسألة
[ حكم ذبح الدجاج ]
ولا بأس على المحرم في ذبح الدجاج ولا في أكل بيض أورده أبو المؤثر رحمه الله، ونستحب أن لا يذبح شيئاً من الدجاج حتى يعلم أنه أهلي
وليس هو بصيد، وفي ذبح الدجاجة غير الأهلية شاة يحكم بها ذوا عدل.
مسألة
[ حكم قتل الحرباء... والعصفور ]
و إذا قتل المحرم السلمة(2)
__________
(1) 1- أبو صفرة: سبق ذكره وترجمته ويظهر أن هذا الرجل غير الأول لأن الأول
أسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ذكره في عهد محبوب بن الرحيل سنة 207هـ .
(2) 1- السلمة : يظهر لي أن هذه الكلمة خاصة بأهل عُمان لأن لسان العرب السلم :
شجرة ذات شوك يدبغ بورقها وقشرها ، ويسمى ورقها القرظ ، لها زهرة صفراء
فيها حبة خضراء طيبة تؤكل شتاءً وهي في الصيف تخضر. وقال الشاعر:
كل سلم الجرداء في كل صيفة فإن سألوني عنك كل غريم
إذا ما نجا منها غريم إني معك بالدين غير سئوم
وإذا دبغ الأديم بورق السَّلَمِ فهو مقروظ، وإذا دبغ بقشر السلم فهو مسلووم.
انظر 2/194 لسان العرب وغير ذلك من المعاني ولكنها في الأشجار. قال في
لسان العرب لابن منظور 1/702 قال: دويبة شبيهة. (6/52)
صفحة 789
والحلكة(1) والعسالة(2) فعليه صاع من طعام
يحكم به ذوا عدل منكم، وفي الحرباء صاع من بر ولا بأس بقتل اللغ(3) ،
وفي العصفور صاع من طعام، وما كان من صيد البحر فلا بأس على المحرم
في قتله.
مسألة
[ حكم قتل الكلب والحدأة ]
وإن أصاب المحرم كلباً مكلباً فعليه ثمنه لربه ولا جزاء عليه، ومن قد
بيضة في الحرم فعليه درهم وفي فرخ الطير جدي، ولا بأس بقتل الحدأة إذا عرض المحرم حل له قتله(4) ، وإن يعرض له فالمستحب أن يتصدق بتمرة.
مسألة
[ حكم قتل السبع والعقاب ]
ويكره للمحرم طرد السبع ليقتله وإن حاذرها على نفسه فله قتلها وله رمي العقاب(5) إذا أم راحلته أو طعامه، ولا يتعمد لقتله، وإن رماه على
الوجه الجائز فلا شيء عليه.
مسألة
[ حكم إقامة الحدود في الحرم ]
وإذا ابتدأ المحرم السبع فقتله فلا بأس عليه، وإن ابتدأ المحرم السبع فقتله فعليه حكومة، وإن تمت قيمته على دم فليس عليه إلا دم. وليس على المحرم شيء في قتل الكلب العقور والذئب ابتدأهما أو ابتدءاه ، وله رمي الغربان
عن رحله والقارن بالحج والعمرة إن ابتدأ سبعاً فقتله فعليه جزاء واحد، وللمحرم طرد الحمام وكل ما أضر به من ما شاكله. ومن وجب عليه حد
__________
(1) 2- الحلكة : بالعظاءة، وقال الأزهري : دويبة تغوص في الرمل.
(2) 3- العسالة : النحل، انظر مختار الصحاح ص432 .
(3) 1- اللغ : يظهر لي والله أعلم أن اسم لحيوان أو حشرة ضارة تعرف عند أهل
عُمان، لعدم وجودها في المعاجم اللغوية أو العلمية التي اطلعت عليها.
(4) 2- ورد ذكرها فيما يباح للمحرم قتله وسبق ذكر ذلك.
(5) 3- عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
«خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب،
والفأرة، والكلب العقور». هذه رواية البخاري ومسلم والموطأ والنسائي.
انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/76 - 77 ، رقم 1357 . (6/53)
صفحة 790
ثم ولج البيت الحرام فلا ينجيه من حد(1) هو عليه ولو تعلق بأستار الكعبة أخرج منها وأقيم عليه الحد في غير المسجد.
مسألة
[ حكم المستجير بالحرم ]
ومن قتل نفساً فآوى الحرم مجتاراً فلا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى تلجيه الضرورة للخروج فإذا خرج قتل.
مسألة
[ حكم إقامة الحدود ]
وعن أبي عبد الله رحمه الله : من جنا جناية من نخع أو أباق أو تحسى
أثم أو زنا بعد إحصان وهو في الحرم أو في الحل فالتاذ بالحرم أقيم عليه حد
ما أتى وهو في الحرم، إلا القتل فإنه يبرز من الحرم ويقتل، وقيل : من قتل
في الحرم قتل فيه، وإن سرق المحرم أمره الإمام أن يطوف ويسعى وحده(2)
__________
(1) 1- الحدود تقام في الحل والحرم ولو كان اللاجئ للمحرم ينجو من الحد لتعطلت
الحدود. ولكن لا يقام الحد في المسجد لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «جنبوا مساجدكم صبيانكم
ومجانينكم ورفع أصواتكم، وشراءكم وبيعكم وإقامة حدودكم وجمروها
في جمعكم، وصفوا على أبوابها المطاهر» الهداية 4/129 .
(2) 1- إقامة العقوبات في الحرم من قصاص وحدود :
أ- من جنى جناية توجب قتلاً خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه وهذا
قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي
وأبي حنيفة وأصحابه. أما غير القتل فلا مانع من إقامة الحد عليه وبهذا قال
جمهور الفقهاء رحمهم الله وقال مالك والشافعي وابن المنذر : حتى القتل
يقام عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بجزية ولا دم» وقد أمر
النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن حنظل وهو متعلق بأستار الكعبة.
ب- من قتل أو أتى حداً في الحرم أقيم عليه في الحرم. وقال في المغني 9/103 :
لا نعلم فيه خلافاً، وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس أنه قال : من
أحدث حدثاً في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء. وقد أمر الله
تعالى بقتال من قاتل في الحرم، فقال تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد
الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم، فاقتلوهم } [سورة البقرة 191]
فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم، والله أعلم. (6/54)
صفحة 791
.
مسألة
[ توديع البيت ]
ومن ودع البيت الحرام بعد الزيارة فنام بعد أن خرج من درب
مكة، فقول : لا شيء عليه، وقول : حتى يتعدى بيوت مكة كلها من
خارج الدرب.
مسألة
[ النوم جالساً ]
[ البقاء في مكة بعد طواف الوداع ]
ومن نام جالساً حيث لا يجوز له النوم فلا شيء عليه ما لم ينضجع لمعنى أو لغير معنى.
ومن طاف لوداعه ثم نوى الصلاة فيستحب له أن يصلي ثم يودع ، وقيل: طاف وائل لوداعه ثم نوى صلاة العصر فانتظر حتى صلى، فقال له أبو المهاجر : عد طوافك لوداعك، فقال وائل : صلاتي لا تحدث علي وداعاً. فلم أدري بأي رأي أخذ وائل. ومن ودع ثم أمر أن يشتري له حاجة فلا شيء عليه إذا مضى متوجهاً ولزومه لقوله عليه السلام : «من خرج من مكة فليكن آخر عهده طوافاً بالبيت»(1) إلا أنه رخص للحائض إذا استعجلت. و من لم يودع فما لم يخرج من الحرم ورجع فودع فقد أدرك الوداع، وإذا جاوز الحرم بغير وداع فقد لزمه معنى ترك الوداع، فقول : عليه دم، وقول : لا شيء عليه.
مسألة
[ حكم المكث في مكة بعد الوداع ]
والوداع سنة لازمة، ولا بأس على من توانى في مكة بعد الوداع ما لم يتطاول ذلك، ومن خرج من مكة ولم يعد الوداع عامداً أو جاهلاً بما يلزمه فعليه دم تجزئه التثنية من المعز والضأن فصاعداً.
مسألة
[ ما يجوز في الهدي ]
ولا يجوز في الهدي سوى المعز والضأن. ومن ودع ثم التفت إلى البيت
فلا بأس، وقيل : إن عمر بن عبد العزيز(2)
__________
(1) 1- كنْز العمال 5/59 عن الحارث بن أوس الثقفي أخرجه أحمد في مسنده،
وحديث آخر أخرجه أحمد وأبو داود عن ابن عباس رقم 12041.
(2) 1- عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب الإمام الحافظ المجتهد الزاهد العابد أمير
المؤمنين حقاً أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري الخليفة الزاهد الراشد
فقال له : ما رأيت أشجج بني أمية حدث عن العدد الكبير من الصحابة
والتابعين وأم بأنس بن مالك. فقال : ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -
من هذا الفتى. وحدث عنه أيضاً الجم الغفير من الصحابة والتابعين سار برعيته
سيرة الخلفاء الأطهار رضوان الله عليهم فحكم فعدل فرضي الله عنه ورضيت
عنه الرعية. توفي رحمه الله سنة 101 يوم الجمعة لخمس بقين من رجب. انظر
سير أعلام النبلاء 5/112 - 148 رقم 48 . (6/55)
صفحة 792
كتب كتاباً بعد أن ودع
فأعاد الوداع.
مسألة
[ حكم وداع البيت ومتى ]
ومن ودع البيت في غير وقت الصلاة فلا يخرج من المسجد حتى
يصل، فإن خرج فعليه دم. وإن احتاج إلى ماء لوضوء أو شرب فلم يجده
إلا بالقيمة اشتراه ولا يتمهل. وليقض ما عليه من دين وهو مار فلا بأس أن يوصي أصحابه بما يحتاج ولا يجزئه أن يوصي أصحابه أن يودعوا عنه، فإن
لم يرجع يودع فعليه دم. ومن خرج إلى فج فلا وداع عليه، وإن خرج إلى الحوائط وتعدى الحرم فعليه الوداع، وإن تعدى المواقيت ولم يودع لزمه دم.
النهج الثالث والثلاثون
في الدلالة على الحج
وفي زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -
مسألة
[ آداب من نوى الحج ]
ومن أراد الخروج إلى تأدية فرض الحج كفر أيمانه وأدى نذره وقضى دينه وتخلص من تبعاته ووصل أرحامه وأرضى من وجد عليه من جيرانه وإخوانه ووسع له الزاد وليسع الخلق(1) على المراد. فمن أراد الحج صلى في منزله ركعتين، وقال : اللهم إنك فرضت الحج وأمرت به فاجعلني ممن استجاب
لك واجعلني من وفدك الذي رضيت وارتضيت وكذبت وسميت(2) .
مسألة
[ ما يقوله عند ركوب دابته ]
فإذا أراد المسير تسنم ظهر دابته وسلم على أهله وودعهم وأظهر لهم الشفقة، فإذا ركبت فقل : الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم أنت الصاحب
في السفر والخليفة في المال والأهل والولد، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا
في أهلنا بحسن صنعك(3)
__________
(1) 1- التوسعة على الحاج وتوسعة الحاج على نفسه من أفضل الأعمال أورد كنز
العمال 5/10 رقم 11824 : «النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة
ضعف». قال أخرجه أحمد في مسنده والضياء عن بريدة.
(2) 2- من آداب السفر عموماً والحج خصوصاً التوبة لأن الحاج نوى العبادة والتوبة
تعيد الإنسان كيوم ولدته أمه، والحث على الوصية من آداب الإسلام.
(3) 1- رواه مسلم في كتاب الحج - باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره ونص
الحديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استوى على
بعيره خارجاً إلى سفره، كبر ثلاثاً ثم قال : «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا
له مقرنين، وإنّا إلى ربنا لمنقلبون ، اللهم إنّا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى
ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت
الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر،
وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد». (6/56)
صفحة 793
.
مسألة
[ الإضافة على دعاء السفر ]
ويستحب أن يضيف على هذا الدعاء : اللهم أنت معي في سفري وأهلي وأنت مع خلقك أينما كانوا، فاحفظني في سفري واخلفني في أهلي(1) .
مسألة
[ ما يقوله بعد الركوب ]
فإذا ركب قال : الحمد لله الذي هدانا للإسلام وعلمنا القرآن ومنّ علينا بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
مسألة
[ ما يقوله بعد السفر ]
فإذا نوى المسير وسافر قال : الحمد لله الذي حملني في البر والبحر
ورزقني من الطيبات وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون والحمد لله رب العالمين(2) .
مسألة
[ ما يقوله عند بلوغه منزله ]
وإذا صعد شرفاً كبر وإذا انخفض سبح، وإذا نزل منزلاً قال : الحمد لله الذي(3) بلغنا سالمين، اللهم أنزلاً منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، اللهم ارزقنا بركة منزلنا هذا واصرف عنا شره وبأسه ووباءه، فإذا قدمتنا من منزل إلى منزل فأبدلنا الذي هو خير منه. ومن استطاع توديع المنزل بركعتين فحسن(4) .
مسألة
[ ما يفعله عند الميقات ]
فإذا انتهى المواقيت(5)
__________
(1) 2- انظر كنز العمال 6/732 - 733 أرقام متعددة ما يقوله المسافر عند سفره
(آداب متفرقة).
(2) 1- هذه الأدعية كلها وردت في السنة في آداب السفر بصيغة وبأخرى.
(3) 2- في الأصل : واصرفنا عنا ، والصواب واصرف عنا.
(4) 3- هذه الأحاديث في هذه المسألة وردت في البخاري في كتاب الجهاد - باب
التسبيح إذا هبط وادياً، فتح الباري 6/135 ، وأبو داود في الجهاد باب ما
يقول الرجل إذا سافر، ومسلم في الحج أرقام 1344 ، 1345 ، 2/980 .
(5) 1- المواقيت : جمع ميقات، والميقات مكاني وزماني، الزماني أشهر الحج، والمكاني
الأماكن التي قال عنها - صلى الله عليه وسلم - هل لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن وهن : آبار
علي ، ورابغ ، والجحفة ، ويلملم ، قرن المنازل. (6/57)
صفحة 794
ورام الإحرام تدهن بدهن لا طيب فيه من سليط سمسم أو زيت أو ما أشبهه(1) ، ثم اغتسل بماء وسدر(2) وخمطي(3) إن
أمكن وإلا فالوضوء كاف، ثم يلبس ثوبي إحرامه جديدين أو مطهرين لم
يلبس مذ طهرا فإن لم يكن فثيابه لا بسها إذا لم يكن بهن نجاسة.
مسألة
[ سنة لبس الإحرام ]
وعلى المحرم إذا لبس إحرامه أن يصلي لله تعالى ركعتين إذا لم يكن حضره وقت الصلاة، وقيل : يصلي قبل أن يحرم بعد أن يتطهر للإحرام(4) .
مسألة
[ ما يقوله في النية ]
فإذا سلم وأحرم بالعمرة واعتقده قال : اللهم لبيك لا شريك لك لبيك
إن الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك، تقول في ذلك مقامك ثلاث مرات(5) .
مسألة
[ أثر الطهارة على التلبية ]
وإذا تسنم الحاج ظهر عيره لبى كما سبق وقرأ الآية المزبورة(6) آنفاً، ولا يقطع التلبية ولا سيما سبحان الله، ويكثر من حمد الله والثناء عليه، ولا بأس
أن يلبي وهو على غير وضوء والمتوضئ أفضل، وقيل : يلبي ولو كان جنباً.
مسألة
[ محظورات الإحرام ]
__________
(1) 2- عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدهن
بدهن مقتت. يعني غير مطيب. والقت : تطيب الدهن بالريحان. انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/39 رقم 1312 .
(2) 3- السدر : قال في مختار الصحاح ص293 : السدر : شجر النبق، الواحد سدرة.
(3) 4- وخمطي : الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل. وقرئ : { ذواتي أُكل
خمطٍ } بالإضافة. مختار الصحاح ص190 .
(4) 5- انظر إحرامه - صلى الله عليه وسلم - في سنن أبي داود رقم 1770 .
(5) 1- انظر التلبية وكيفيتها في جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أرقام 3/88 -
94 ، 1371 ، 1372 ، 1373 ، 1374 ، 1375 ، 1376 ، 1377 .
(6) 2- قال تعالى : { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين و إنا إلى
ربنا لمنقلبون } [سورة الزخرف آية 13 - 14]. (6/58)
صفحة 795
وعلى المحرم اجتناب غشيان النساء والحلي ولبس الحرير وما صبغ من الثياب بالورس والزعفران والمشبع بالشوران(1) غير الملون، ولا يلبس
السروال و لا القميص و لا العمامة و لا الخفين ولا الكمة ولا بأس بالنعلين،
ويجتنب كل الطيب وما كان ينزع منه إذا مات، فإذا قدم مكة شرفها الله ووقف على باب المسجد ونظر البيت أمسك حينئذ عن التلبية، ونظر لنفسه مسكناً، فإذا نزل منزلته وإلا اغتسل إن استطاع وإلا أجزأه الوضوء(2) .
مسألة
[ ما يقوله عند معاينة البيت ]
فإذا أتى البيت ونظر إليه قال : الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم زد
بيتك هذا شرفاً وتشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً، وزد من كرمه وشرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تكريماً وإيماناً واجعله من عبادك الصالحين(3) .
فصل في قدومه مكة وما يقال من الأدعية من واجب ومستحب :
فإذا رام ولوج الحرم قال : اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام فحيينا بالسلام وأدخلنا دارك دار السلام.
مسألة
__________
(1) 3- الشوران : حب نباتي يستخرج منه العصفر والله أعلم.
(2) 1- استناداً لقوله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما سئل
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم؟ قال : «لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا
البرنس ولا السراويل ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين، إلا أن لا يجد
نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين» هذه رواية البخاري ومسلم 3/318،
319 ، 320 ، 321 في الحج ومسلم رقم 1177 في الحج ، والموطأ 1/324 ،
325 ، 328 في الحج ، وغيرهم.
(3) 2- رواه الشافعي عنه - صلى الله عليه وسلم - من مرسل بن جريج الأم 2/169 وترتيب المسند
1/339 وأخرجه الطبراني عن حذيفة بن أسيد مرفوعاً في المعجم الكبير
والأوسط ومجمع الزوائدت 3/238 ، والبيهقي في السنن الكبرى 5/73 ،
وانظر نيل الأوطار 5/36 - 37 ، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/483 . (6/59)
صفحة 796
[ ما يقوله في دخوله الحرم ]
فإذا أمضيت قاصداً البيت فقل إذا شئت : الله أكبر الله أكبر الله
أكبر، اللهم إن البلد بلدك والبيت بيتك جئتك أطلب رضاك وإتمام
طاعتك متبعاً لأمرك راضياً بقدرك، أسألك مسألة البائس الفقير وأدعوك
دعاء الخائف المستجير.
مسألة
[ ما يزيده على الدعاء ]
وإن أضاف إليه هذا الدعاء فمستحب : اللهم إني أدعوك دعاء المضطر إليك، المستسلم لأمرك، الخائف من عقوبتك، المشفق من عذابك، أن
تستقبلني بعظيم رحمتك، وأن تجود علي بمغفرتك، وأن تعينني على أداء فرائضك. ثم تحمد الله وتهلله وتكبره وتسبحه، وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
ويستغفر لذنبه وللمؤمنين وللمؤمنات(1) .
مسألة
[ ما يقوله عند الحجر ]
فإذا أتى الحجر قال : اللهم كثرت ذنوبي، وضعف عملي، فاغفر لي
ذنوبي ، و تقبل توبتي ، و أقلني عثرتي ، و تجاوز عن خطيئتي ، وحط عني
وزري. فإذا رمت استلام فقل : اللهم لبيك بسطت يدي، وفيما عندك عظمت رغبت، فاجعل جائزتي فكاك رقبتي من النار، وأسعدني في
دنياي وآخرتي(2) .
مسألة
[ ما يقوله حيال الحجر ]
ثم إذا وقفت حيال الحجر قلت : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وتثني على الله، وتهلله وتسبحه وتكبره، وتكثر
من الحوقلة والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -(3) .
مسألة
[ ما يقوله في بدء الطواف ]
__________
(1) 1- الأدعية الواردة في الحج كثيرة فللحاج أن يتخير الأدعية الجامعة المأثورة عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن صحابته الكرام والتابعين رضوان الله عليهم.
(2) 1- وجدت هذا الدعاء في كتاب الحج ولوازمه للشهيد الفقيه العالم الرباني السيد
الرئيس جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي ما يقوله عن وصوله الحجر.
(3) 2- انظر نفس الكتاب ونفس الباب. (6/60)
صفحة 797
فإذا رمت الطواف بالبيت فلذ بركن الحجر على يسارك قليلاً ما لا تقابل الباب، ثم تأخذ بالطواف على يمينك من ركن البيت وتقول عند ذلك : الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إني أسألك إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك،
ووفاء بعهدك، وإقراراً بربوبيتك واتباعاً لسنتك وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -(1) .
مسألة
[ ما تقوله في مشيك في الطواف ]
فإذا مشيت في الطواف قلت : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وتصل على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة
[ ما تقوله عند الباب ]
فإذا أتيت الباب قلت : الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم اغفر لنا
ذنوبنا، وقنا شح أنفسنا، واجعلنا من المفلحين، ثم تمشي وتسبح الله وتهلله وتكبره كما سبق، وتصلي على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة
[ ما يقوله عند الميزاب ]
فإذا أتيت الميزاب فتكبر ثلاثاً كما سبق وتقل اللهم إني أسألك الراحة
عند الموت والعفو عند الحساب والنجاة من العذاب وتمشي وتقول سبحان
الله ثلاثاً وتهلله وتحوقل وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة
[ ما يقوله عند الركن اليماني ]
فإذا أتيت الركن اليماني فكبر الله ثلاثاً وقل اللهم ربنا آتنا في الدنيا
حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار واستلم الركن اليماني إن قدرت
على ذلك، وإلا فكبر حياله وامسحه ولا تؤذ أحداً(2) .
مسألة
[ ما يقوله في الطواف وعند باب ملتزم ]
ثم تأخذ في الطواف وتمشي وتسبح الله وتحمده وتكبره وتحوقل وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا انتهيت ركن الحجر فاستلمه إن قدرت وإلا قابله واقرأ الدعاء كما سبق، تأخذ بالطواف كما دبرناه، وتقرأ آنفاً كما قلنا لكل
ركن، وتطوف سبع تطويفات، وقيل : تكبر وتقول : اللهم إني أعوذ بك
__________
(1) 3- المصدر السابق.
(2) 1- كثرة الزحام لا تسمح باللمس فالسنة عدم إيذاء الآخرين. (6/61)
صفحة 798
من الكفر والفقر وضيق الصدر ومن عذاب القبر وموقف الذل في الدنيا والآخرة. وتقول ذلك وأنت ترفل ثلاثة أشواط وتمشي أربعة أشواط، فإذا أتممت سبعة أشواط من الحجر فقد تم الطواف ثم ائتِ زمزم وتصب على رأسك وتشرب من مائها، وقل : اللهم إني أسألك إيماناً تاماً ويقيناً صادقاً
ثابتاً ودينا وعملاً صالحاً وعلماً نافعاً ورزقاً حسنا واسعاً وشفاء من كل
سقم، ثم صل ركعتين خلف مقام نبينا إبراهيم عليه السلام أو حيث أمكنك
من المسجد، فإذا صليت ركعتين فأت الركن الحجر وقم حياله واحمد الله وسبحه وهلله وكبره واثني عليه، وصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وآله واستغفر
لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، واسأله حوائجك لدنياك وآخرتك، وقل:
اللهم إن هذا مقام العائذ بك من النار فحرم لحمي على النار ، وادع
بذلك ولا تطل.
مسألة
[ ما يقوله عند باب الصفا والسعي ]
ثم اخرج من باب الصفا وهو بين الاسطوانتين المذهبتين، وقل : اللهم
افتح لنا أبواب رحمتك. فإذا أتيت الصفا فاصعد بقدر ما تقابل من الكعبة
ولا تعلون عليها وقيل : خمس درجات، فإذا صعدت فكبر الله بسبع
تكبيرات، وتكبر الله ثلاثاً ثم تقول لا إله إلا الله، والله أكبر كبيرا لا إله إلا
الله والله أكبر تكبيراًَ والحمد لله حمداً كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً لا
إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا وأولانا وعافانا، والحمد لله على ما أعطانا
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو دائم
لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه،
لا إله إلا الله إلها واحداً ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله إلهاً واحداً ونحن
له عابدون ، لا إله إلا الله ونحن له مخلصون.
ويستحب إضافة هذا الدعاء : لا إله إلا الله إلهاً واحداً فرداً صمداً أبديّاً مبدعاًَ لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، لا إله إلا الله أهل التهليل والتكبير (6/62)
صفحة 799
والتحميد والتمجيد والثناء الحسن المجيد، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه
مخلصين له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له
صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وصلى الله على محمد
النبي وآله وصحبه وسلم. وتستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات، اللهم
استعملنا بسنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن،
ثلاث مرات.
فإذا انحدرت من الصفا قصدت المروة وأنت تقل : اللهم اجعل هذا
المشي كفارة لكل مشي كرهته مني. فإذا أتيت العلم هرولت بين العلمين،
وقل : رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، واهدنا طريق الأقوم، إنك أنت الأعز، وأنت الرب، وأنت الحكم، اللهم نجنا برحمتك من النار سراعاً
سالمين ولا تخزنا يوم الدين(1) .
مسألة
[ ما يفعله الحاج والمعتمر في السعي واليوم الثامن ]
فإذا أتيت العلم الذي يلي المروة أمسكت عن الهرولة ومشيت إلى المروة فإذا أتيتها فاصعد عليها بقدر ما تقابل باب الكعبة ثم ادع بدعائك على
الصفا ثلاث مرات في كل شوط، فإذا أتممت سبعة أشواط من الصفا إلى
المروة تبدأ بالصفا وتختم بالمروة فانحدر من المروة واحلق رأسك واحلل من عمرتك، فقد حل لك الحلال كله إلا الصيد في الحرم إذا هو حرام على
المحلين والمحرمين(2) ، فإذا كان يوم التروية وهو ثامن من شهر الحج إن أردت الإحرام بالحج فادهن رأسك بما لا طيب فيه، ثم اغتسل إن أمكنك وإلا
أجزأك الوضوء، ثم البس ثوبي إحرامك، وات البيت وطف به سبعة أشواط وصل ركعتين لطوافك ثم أحرم من المسجد بعد صلاة الركعتين، فإذا
صليت الركعتين لبيت ثلاثاً ثم امض إلى منى وأنت تقول : اللهم هذه منى
__________
(1) 1- هذه الأدعية محببة وللإنسان أن يذكر اسم الله والدعاء بما أحب لأنها
مواقف يستجاب فيها الدعاء إن شاء الله.
(2) 2- لأن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام هو الذي حرم مكة على الجميع. (6/63)
صفحة 800
وهي مما دللت عليه من المناسك فامنن علي فيها وفي غيرها كما مننت به
على أوليائك وأهل طاعتك، وصل فيه الخمس صلوات.
مسألة
[ مكان إحرام أهل مكة ]
ومن أحرم من مكة ولم يحرم من الميزاب ولا من الحرم ولا من مسجد الجن عمداً أو جهلاً لم يلزمه شيء، والمستحب له أن يحرم من تحت الميزاب
أو من مسجد الجن(1) .
مسألة
[ ما يفعله الحاج في عرفات ]
ثم امض إلى محسّر فلا تجاوزها حتى تبزغ الشمس، ثم امض حينئذ إلى عرفات ولا تقطع التلبية، فإذا نزلت بعرفات فقل : اللهم هذه عرفات
فاجمع لي جوامع الخير كله واصرف عنه جوامع الشر كله وعرفني بما
عرفت به أوليائك وأهل طاعتك، فإذا زالت الشمس فاغتسل فيها بالماء إن أمكن وصف خلف الإمام وعن يمينه فإذا قضيت الصلاة فقف مع الناس
وادع بما فتح الله لك واجتهد في الدعاء والمسألة وادع كدعائك على الصفا
و المروة ، و قيل: يسبح الله ويهلله ويكبره مائة مرة ، ويحوقل مائة مرة ويقرأ
سورة الإخلاص وآية الكرسي مائة مرة.
وعلى الواقف بعرفات الإكثار من الدعاء والطلب، ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي دائم لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وتصل على النبي محمد وآله - صلى الله عليه وسلم - ، وتستغفر(2) لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، وتسأله حوائجك كلها، فإذا
أفلت الشمس وحل الإفطار أفضت من عرفات وأنت تقول : اللهم إليك قصدت وإياك طلبت، وما عندك أردت، ومن عذابك أشفقت، فاغفر لي
ذنوبي وتقبل توبتي إنك أنت التواب الرحيم.
مسألة
[ ما يقوله الحاج في المشعر الحرام وعند جمرة العقبة ]
__________
(1) 1- مسجد الجن : يظهر لي والله أعلم أنه المكان الذي نزل فيه قوله تعالى : { قل
أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنَّا سمعنا قرآناً عجباً } فهذا المكان
اتخذ مسجداً أو أطلق عليه مسجد الجن، والله أعلم.
(2) 1- في الأصل لا يوجد وتستغفر والأصح وجودها. (6/64)
صفحة 801
ثم سر مع الناس ولا تتعب راحلتك حتى تأتي جمع وهي المشعر الحرام وتسمى المزدلفة، فإذا أتيت جمعاً فانزل بها وقل : اللهم اجمع لي فيها
جوامع الخير كله، واصرف عني جوامع الشر كله، وعرفني فيها بما عرفت
به أوليائك وأهل طاعتك، فانزل بجمع وبت بها وهي منها سبعين حصاة
مثل حصى الحذق(1) ، ويستحب أن يغسل وإلا فلا بأس، فإذا طلع الفجر فصل بغلس ثم قف عند المشعر الحرام فادع كدعائك على الصفا والمروة
وأحمد الله و اثني عليه وصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - و استغفر لذنبك و للمؤمنين
والمؤمنات، ثم أفض من جمع قبل طلوع الشمس وأنت تلبي في جميع ذلك
حتى تصل جمرة العقبة، فإذا انتهيت إليها فأمسك عن التلبية وآتيها من نحو الوادي من بطنه ثم قل : اللهم اهدني بالهدى ووفقني للتقوى وعافني في
الآخرة والأولى، ويستحب إضافة هذا الدعاء : اللهم اهدني بالهدى من
عندك وانشر علي من رحمتك، وأنزل علي من بركتك، وترميها بسبع
حصاة وتكبر مع كل حصاة تكبيرة وقل مع كل حصاة : الله أكبر الله
أكبر ثلاثاً لا إله إلا الله والله أكبر، وفي آخر حصاة تقول : ولله الحمد فإذا فرغت من رميها فقل : اللهم هذه حصياتي وأنت أحصى لهن مني فتقبلهن
عني واجعلهن في الآخرة ذخراً لي وأثبني عليهن غفرانك ورضوانك(2) .
مسألة
[ ما يرمى من الجمار في اليوم الأول ]
ثم انصرف عنها حيث جئت من بطن الوادي ولا تقف عندها إذا
رميتها، ولا ترم يومئذ من الجمار غيرها.
مسألة
[ أعمال الحاج في اليوم الأول ]
__________
(1) 2- مثل حصى الحذق : والحذق هو إتقان الشيء، والصحيح الحذف حذفه بالسيف:
ضربه بالسيف ، وحصى الحذف مثل حبة الحمص صغيرة لا تؤذي الحاج كثيراً.
(2) 1- الأدعية كثيرة، ولك أن تدعي ما تشاء من الأدعية وخاصة جوامع الكلم. (6/65)
صفحة 802
ثم ائت منزلك فاذبح ذبيحتك وقل : اللهم هذا نسكي فتقبله مني، بسم الله منك وإليك فتقبله مني. وإن شئت فامسحه وقل : اللهم هذي نسكي فتقبله مني و ائتني عليه غفرانك و رضوانك . و أطعمه من أردت ، و كل ما
أردت، فإذا أذكيت ذبيحتك فاحلق رأسك وأحف شاربك اعف لحيتك
وقلم أظافرك واحلق عانتك، وإن استطعت صليت ركعتين ثم صل صلاة
العيد بمنى، وقد حل لك الحلال كله إلا النساء والصيد حتى تزور البيت.
مسألة
[ طواف الزيارة ]
ثم امض من يومك إلى زيارة البيت، وإن أخرت إلى الليل فلا بأس، وأفضله أعجله، فإذا رمت الطواف فاغتسل إن أمكن وإلا أجزأك الوضوء،
فإذا أتيت البيت فقف على باب بني شيبة وقل : اللهم قد أعنتني على
نسكك فتقبله مني وسلمه لي.
مسألة
[ ما يفعله في الطواف ]
فإذا أخذت في طواف البيت فافعل كما وصفت لك آنفاً من التكبير والدعاء فإذا وقفت بإزاء الكعبة واستلمت الركن إن أمكنك، وإلا مددت
يدك وقلت كما وصفت لك في العمرة، ثم قف حيال الكعبة ودعوت كدعائك أولاً.
مسألة
[ ما يقوله عند طوافه وبعد الانتهاء منه ]
فإذا أردت الطواف فلذ بركن الحجر على يسارك قليلاً بقدر ما تقابل
باب الكعبة لكي تستكمل الطواف ثم تأخذ على يمينك من الركن مقابل
باب الكعبة وتقول كما سبق من التكبير والتهليل والتحميد والدعاء عند
الباب والميزاب والركن اليماني إلى أن تصل ركن الحجر وأنت تسبح بين الأركان، فإذا أتممت سبعة أشواط وخرجت من الطواف صليت ركعتين
خلف مقام النبي إبراهيم عليه السلام.
مسألة
[ ما يفعله عند زمزم والسعي ]
ثم ائت زمزم وافعل كفعلك أولاً من الدعاء، ثم اخرج إلى الصفا من
بابها فإذا أتيتها فاصعد عليها بقدر ما تقابل الكعبة ثم كبر الله وقل كما سبق من الدعاء ثم ائتِ المروة، فإذا أتممت سبعة أشواط فقد حل لك الحلال كله
إلا صيد الحرم، ثم اخرج من يومك أو ليلتك إلى منى ولا تبت بمكة أيام (6/66)
صفحة 803
منى قعدت بها ثلاثة أيام التشريق بعد يوم النحر، وترمي الجمار فإذا رميت الجمار فإذا زالت الشمس اغتسلت إن أمكنك وإلا أجزأك الوضوء.
مسألة
[ ما يقوله بعد الفراغ من الجمرة الأولى ]
فإذا رمت الجمار فابدأ بالجمرة الأولى التي تلقاء المشرق فارمها بسبع حصايات وتكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإذا فرغت من رميها فتقدمها
واستقبل البيت وقل : اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً
مغفوراً وارزقنا نظرة وسروراً.
مسألة
[ ما يفعله الحاج في منى وما يقوله من الدعاء ]
ثم تقدمها إلى القبلة واستقبل الكعبة وادع كدعائك على الصفا والمروة، وسل حوائجك تقول ذلك ثلاثاً، ثم امض إلى الجمرة الوسطى فاجعلها عن يمينك وارمها بسبع حصايات وتكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإذا فرغت من رميها فتقدمها على يسارك عن المسبل ثم ادع كما دعوت عند الأولى، ثم جاوزها قليلاً وقف عند الأولى واطل وادع بما فتح لك كدعائك على
الصفا والمروة، ثم امض إلى جمرة العقبة فأتها من بطن الوادي وقل : اللهم اهدني بالهدى ووفقني للتقوى وعافني في الآخرة والأولى، وارمها بسبع حصايات وتكبر مع كل حصاة تكبيرة وتقل عن آخر حصاة : ولله الحمد،
قل : اللهم اجعله حجاً مبروراً، وادع كدعائك الأول، ثم انصرف إلى
رحلك من حيث جئت من بطن الوادي فتفعل ذلك أيام التشريق وكبر
تكبيرة التشريق، ومستحب على أثر الصلاة، فإذا فرغت من رميك لها
وصليت يوم الثاني والثالث فانصرف إلى مكة، وإن تعجلت في يومين فلا
إثم عليك فترمي في يومين، وادفن ما بقي من الحصى عند جمرة العقبة.
مسألة
[ وقت الخروج من منى ]
ثم امض إلى رحلك، وصل ثم امض إلى مكة شرفها الله، ولا تمكث إلى الليل لأنك إذا مكثت إلى الليل بمنى لزمك إلى اليوم الثالث من أيام التشريق.
مسألة
[ ما يفعله في مكة ] (6/67)
صفحة 804
فإذا وصلت مكة فأقم بها ما بدا لك وطف بالبيت بما شئت، وإن رمت ولوج البيت مرة فجائز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال أنه دخله مرة واحدة ومشى
على ثوبه، وصل فيها تطوعاً ما شئت.
مسألة
[ آخر عهدك بالبيت ]
فإذا رمت الخروج من مكة فليكن آخر عهدك بالبيت فطف به سبعة أشواط وصل ركعتين وات زمزم واشرب من مائها وصب منه على رأسك، وقل كما في العمرة وكذلك عند الزيارة تقل من الدعاء.
مسألة
[ القيام بين الحجر الأسود والباب ]
ثم قم بين الباب والحجر الأسود فاعتمده بيدك اليمنى على استكف الباب من حيث تبلغ يدك يدك اليسرى قابضة على أستار الكعبة، ثم الصق بطنك بجدار الكعبة وادع بما فتح الله لك بما شئت من حوائج الدنيا والآخرة.
مسألة
[ ما يقوله في موقفه ]
وقل : اللهم لك حججنا، وبك آمنا، ولك أسلمنا، وعليك توكلنا، وبك وثقنا ، وإياك دعونا، فتقبل نسكنا، واغفر ذنوبنا، واستعملنا بطاعتك، اللهم إنا
استودعتك وأنبنا وإيماننا وسرائرنا وخواتم أعمالنا، وصل على محمد وآله.
ويستحب أن يضاف إليه : اللهم اقلبنا منقلب المدركين رجاء المحطوطة خطاياهم، الممحاة سيئاتهم، المطهرة قلوبهم، منقلب من لا يعصي لك
بعدها أمراً، ولا يحمل لك وزراً، منقلب من أعمرت بذكرك لسانه،
وزكيت بزكاتك نفسه، ودمعت من مخافتك عيناه.
ثم تقول أيضاً : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على دابتك، وسيرتني في بلادك حتى أقدمتني حرمك وأمنك، فقد رجوت
بحسن ظني أن تكون قد غفرت لي فإن تكن قد غفرت لي فازدد عني
رضا، وقربني إليك زلفى، وإن كنت لم تغفر لي فمن الآن بالغفران على
قبل أن أتباعد عن بيتك، فهذا أوان انصرافي غير راغب عنك ولا عن
بيتك، ولا مستبدل بك ولا ببيتك، اللهم لا تجعل هذا آخر العهد مني ببيتك الحرام، فاغفر لي وارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، اللهم إذا أقدمتني إلى
أهلي فاكفني مئونتي ومؤونة خلقك فأنت أولى بخلقك مني، اللهم إني أعوذ (6/68)
صفحة 805
بك من وعثاء السفر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد، إنا تائبون
عائدون آيبون، إلى ربنا منقلبون، ولربنا حامدون، وإليه راغبون، وإنا إلى
ربنا لمنقلبون.
واخرج وأنت محزون على فراق البيت إذا ودعت فقل : اللهم اقلبني منقلب المدركين رجاءهم، المبرور حجهم، منقلب من أعمرت بذكرك
لسانه، وشرحت للإسلام صدره، وأقررت بدينك عينه، وخوفت
بطاعتك قلبه ، و اطمأنت بعبادتك نهاره ، و زكيت بزكاتك قلبه وشيبت
بهول وعيدك رأسه، وأدمعت من مخافتك عينه، وأحصنت بتقويك
فرجه، واستعملت بطاعتك أركانه، وعصمت من المآثم جنانه وآمنت في سبيلك نفسه.
مسألة
[ ما يقوله في رجوعه لبلده ]
يروى عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا
أقبل من حج أو عمرة أو غزو كبر على كل شرف من الأرض ثلاث
تكبيرات ثم يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد
يحيي ويميت وهو حي دائم لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، سبحانه له ملكوت السماوات والأرض وما فيهن، وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون.
مسألة
[ ما يقوله عند رؤية المدينة ]
قال أبو الحسن رحمه الله : إذا أتيت المدينة وقابلت لعله البنيان قلت:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وتلوت الآية
الشريفة : { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم أن يتخلفوا عن
رسول الله } الآية(1) .
مسألة
[ آداب زيارة المسجد النبوي ]
في زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ولجت سد سكك المدينة تلوت : { لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم
بالمؤمنين } (2)
__________
(1) 1- سورة التوبة آية 120 .
(2) 1- سورة التوبة آية 127 - 128 . تكملة الآية { بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن
تولَّوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } . (6/69)
صفحة 806
تمام الآية ، إلى قوله: { رب العرش العظيم } فإذا رمت إيلاج المسجد المشرف توضأت وأميته، فإذا وقفت على بابه أعلنت بتلاوة هذه الآيات ووجهك تلقاء القبر ولا تشتغل بشيء ولا بتسليم من مررت به، فإذا انتهيت القبر ووقفت تلقاء وجهه عليه السلام وأنت مقبل إليه مدبر بالقبلة فاستلم الركن، فإذا رمت التسليم عليه تأخرت قليلاً وأشرت بيدك اليمنى
نحوه وأنت تقول : السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا صفي الله، السلام عليك يا أمين الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا محمد بن عبد الله السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته(1) .
مسألة
[ ما يقوله عند قبره - صلى الله عليه وسلم - ]
ثم تقول : أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، وأنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل ربك، وعبدت ربك حتى أتاك اليقين صلى الله عليك حياً وميتاً، وجزاك عنا أفضل ما جزئ نبي عن أمته، وذكرك بخير ما يذكر به الذاكرون. ثم
تتقدم وتجعل وجهك مع الحائط تلقاء وجهه ثم تقول : يا رسول الله، أنا فلان ابن فلان، من أرض كذا من قرية كذا، جئت زائراً مسلماً مستشفعاً بك إلى
الله عز وجل أن يحط عني أوزاري، ويغفر ذنوبي ويستر عورتي، ويعصمني
__________
(1) 2- حكم زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا والمسجد الحرام،
والمسجد الأقصى» أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. فإذا زار الحاج المدينة
وصلى في مسجده - صلى الله عليه وسلم - فعليه أن يسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . (6/70)
صفحة 807
في بقية عمري، ولا يكلني إلى نفسي وإلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل ولا أكثر، فكن شفيعي صلى الله عليك وسلم تسليماً كثيراً.
مسألة
[ تكملة الدعاء ]
ثم تتأخر عن يمينك مما يلي المشرق ثم تقول : السلام عليك يا رسول
الله، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى وزيرك
وناصريك وصاحبيك ومؤنسيك ومشيريك وضجيعيك.
مسألة
[ما يقوله الزائر عند السلام على الصديق والفاروق رضي الله عنهما]
ثم تتأخر قليلاً عن يمينك فتقول : السلام عليك يا خليفة رسول الله ،
السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عبد الله ابن عبد الرحمن
ابن عثمان، السلام عليك يا عيتق ابن أبي قحافة، السلام عليك يا شيخ الافتخار ومعدن الوقار والصاحب في الغار، السلام عليك أيها الشيخ
ورحمة الله وبركاته. ثم تتأخر قليلاً وتقول : السلام عليكما يا أمير
المؤمنين، السلام عليك يا فاروق الدين، السلام عليك يا أبا حفص، السلام عليك يا عمر بن الخطاب ورحمة الله وبركاته، السلام عليكما يا شيخي الإسلام، وجزاكما الله عنا وعن نبيكما وعن الإسلام خيراً. ثم يقول:
اللهم صل على سيدنا نبيك ورسولك وصفيك وأمينك على وحيك
وخيرتك من خلقك كأفضل وأكمل ما صليت به على أحد من أنبيائك ورسلك وأهل الكرامة عليك إنك حميد مجيد، فعال لما شاء ويريد، وصل
على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
إبراهيم. ويستحب الإكثار من الدعاء لأن الله تعالى ندب إليه، ويقول:
اللهم اقض لي كل حاجة سلكتها علمتها ولم أعلمها، وأن تتولى لي نجاح
جميع قضاء حوائجي كلها نزرها وجلها.
مسألة
[ ما يفعله بعد الزيارة ]
ثم تقدم إلى مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصل ما فتح الله لك وهو خلف الاسطوانة المحلقة التي هي أكبرهن حلقاً واجعلها بين يديك، وقم أمام التي تليها من (6/71)
صفحة 808
خلفها وتكون بين كعبيك، ويكون مجلسك حيث تسجد في الصلاة
وليكن أسفلها بين كتفيك ومنكبيك الأيسر خارج منها مما يلي قبر
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة
[ الحث على الصلاة في المسجد النبوي ]
فإذا فرغت من صلاتك فقم إلى المنبر والصق به منكبيك الأيمن مستقبلاً القبلة وخل الرمانة الداخلة بيدك اليمنى واثن على الله واسأل حاجتك فإذا رمت البروز من الحرم فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ومهما مكثت من الأيام بالمدينة فأكثر فيها من الصلاة في الحرم المشرف عند الاسطوانة(1) .
مسألة
[ كيفية توديع النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
فإذا رمت القفول من المدينة فاغتسل إن استطعت، وإن لم فتوضأ ائتِ
القبر فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، واصنع كما صنعت أولاً عند دخولك.
مسألة
[ أجر الزيارة والصلاة في المسجد النبوي ]
يروى عنه عليه السلام أنه قال : «من زارني ميتاً كمن زارني
حياً»(2) ، وفي خبر : «من زارني فقد وجبت له شفاعتي»(3)
__________
(1) 1- لأن الصلاة في مسجده - صلى الله عليه وسلم - بألف صلاة، ولأن ما بين قبره - صلى الله عليه وسلم - ومنبره روضة
من رياض الجنة. وهذا الحديث قوله ص : «ما بين بيتي ومنبري روضة من
رياض الجنة» أخرجه البخاري ومسلم والموطأ والنسائي والترمذي. انظر
جامع الأصول 9/329 .
(2) 1- لم أعثر عليه بهذا النص. جاء في كنز العمال 5/135 رقم 12368 : «من حج
فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» أبو الشيخ عن الطبراني في
الكبير والبيهقي في السنن عن ابن عمر.
(3) 2- قال في المقاصد الحسنة ص413 حديث رقم 1125 : «من زار قبري وجبت
له شفاعتي» قال أبو الشيخ وابن أبي الدنيا وغيرهما عن ابن عمر، وهو في
صحيح ابن خزيمة وأشار إلى تضعيفه، وهو عند أبي الشيخ والطبراني وابن
عدي والدار قطني والبيهقي ولفظهم «كان كمن زارني في حياتي» وانظر الفتح
الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير 3/195 . (6/72)
صفحة 809
، وفي خبر :
«من زارني في المدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة»(1) .قال
النبي - صلى الله عليه وسلم - من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة»(2) أي من مات على طاعة الله، وقال : «الصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة
في غيره من المساجد إلا ما فضل به البيت الحرام فإن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في مسجدي».
مسألة
[ أفضل الزيارة بعد الحج ]
وقال عليه السلام: «من حج ولم يزرني فقد جفاني»(3) . قال أبو عبد
الله رحمه الله كره بعض الفقهاء لمن وجب عليه الحج أن يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يحج عن نفسه، ولا بأس لمن فعل ذلك. قال - صلى الله عليه وسلم - : «منبري هذا عليه ترعة من ترع الجنة، وما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»(4)
والترعة بالتاء المنقوطة من فوق بنقطتين والراء والعين المهملتين، وتاء الترعة مضمومة، والترعة هي الباب، وقيل : هي الدرجة، وقيل : هي الروضة.
__________
(1) 3- جاء في كنز العمال 12/ رقم 34928 «من جاءني زائراً لا يعمده حاجة إلا
زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون شفيعاً يوم القيامة» الطبراني في الكبير عن ابن عمر.
(2) 4- ورد في كنز العمال 5/135 رقم 12371 : «من زار قبري كنت له شفيعاً
وشهيداً، ومن مات في إحدى الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة» قال:
رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الحج 5/245 وفي سنده مجهول.
(3) 5- ورد ذكره في المقاصد الحسنة للسخاوي رقم 1110 ، ص410 ، و لم يعقب =
(4) = عليه بشيء. وفي رقم 1178 قال : ذكره الغزالي في الإحياء بلفظ : «ومن وجد
سعة ولم يفد إليه فقد جفاني» وقال : وآخرون كلهم عن ابن عمر مرفوعاً :
«من حج ولم يزرني فقد جفاني ، ولا يصح» ص428 .
1- ورد هذا الحديث بروايات متعددة والمعنى واحد. انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 9/329 أرقام 6951 ، 6952 ، 6953 ، 6954 .
وهي في البخاري ومسلم ، والموطأ والترمذي والنسائي. (6/73)
صفحة 810
مسألة
[ حديث ما بين قبري ومنبري ]
في قوله عليه السلام هي روضة من رياض الجنة وليست هذه كذلك
على التحقيق وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاة فيها والذكر يؤديان إلى الجنة، فكأنها قطعة منه إذ هي بسبب يتوصل به إليها، قال جابر ابن عبد الله : خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ارتقوا في رياض الجنة. قلنا : وأين هي؟ قال:
مجالس الذكر. وقيل : إن بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة وإن منبره
حذا ترعة من ترع الجنة الحوض فجعلها من الجنة والأول أحسن(1) .
مسألة
[ فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
وليس لزيارة قبره مناسك إلا السلام. عن أبي مليكة : من أحب أن
يقوم تجاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فليجعل القنديل الذي في القبلة على رأسه ويتلو
الآية الشريفة: { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين
آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } (2) صلى الله عليك يا محمد
يكررها سبعين مرة فإنه يناديه ملك صلى الله عليك يا فلان، قد غفر
الله لمن أطاع.
مسألة
[ حفاوة الله سبحانه وتعالى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ]
عن وهب(3) أنه قال : ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألف ملك
يحفون بقبره - صلى الله عليه وسلم - ويضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا
أمسوا عرجوا ونزل غيرهم وصنعوا كصنيعهم حتى إذا انشقت الأرض
خرج سبعين ألفاً من الملائكة يوقرونه.
مسألة
[ رد النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسلم ]
__________
(1) 2- نفس الحديث الثاني.
(2) 1- سورة الأحزاب ، آية 56 .
(3) 2- وهب : يطلق على العديد من المحدثين والمشهود في القصص هو وهب بن منبه،
والله أعلم. ولد في آخر خلافة عثمان فهو تابعي من أحبار التابعين. انظر ميزان
الاعتدال 4/352 رقم 9433 . (6/74)
صفحة 811
وقال سليمان بن سحيم(1) : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقلت : يا رسول الله هؤلاء الآتوك المسلِّمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال : نعم وارد عليهم. قالت عائشة رضي الله عنها قال عليه السلام : «ما من مسلم يزور
قبر أخيه ويجلس إلا استأنس به ويرد عليه حتى يقوم»(2) .
النهج الرابع والثلاثون
في الشك بالحج ومنشورة
مسألة
[ حكم الطواف أثناء الصلاة ]
وإذا قام الإمام وصلى صلاة الفريضة فإذا كبر الإمام تكبيرة الإحرام قطع من كان في الطواف طوافه، ودخل في صلاة الإمام، وإن لم يدخل في
صلاة الإمام ووقف حتى أتم الإمام صلاته وبنى على طوافه أجزأه، وصار مقصراً في ترك صلاة الجماعة ولا يسعه إلا من عذر(3) .
مسألة
[ ترك الطواف لسبب من الأسباب ثم البناء على ما مضى ]
ومن جبر على ترك الطواف وقد طاف البعض، فإذا أمن بنى على ما قد طاف، ومن انتقض وضوءه وهو يطوف انصرف إلى الماء وتوضأ وبنى على قول ، وإن تكلم لما يعنيه من مصالح و ضوئه فلا بأس ، وقد ورد في التشديد
في الكلام لغير مصالح الطواف في الطواف، ولم أعلم أن أحداً أفسده إذا
لم ينطق بالقذع والهجر، ولو تطاول تشاغله في طلب الوضوء(4) .
مسألة
[ أثر القراءة والأحاديث على إعادة الطواف ]
__________
(1) 1- سليمان بن سحيم : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 2- ورد برواية أخرى. جاء في المقاصد الحسنة ص372 رقم 984 : «ما من مسلم
يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه» أحمد وأبو داود عن أبي هريرة
به مرفوعاً وهو صحيح.
(3) 1- لأن صلاة الجماعة قائمة ولكن جهل الحاج بأداء صلاة الجماعة وخوفه من
إبطال الصلاة هو المانع لأن الفهم لدى عامة الناس لا يجوز للحاج أن يصلي أي
صلاة قبل إتمام الطواف ولكن هذه جماعة وفريضة يجوز له ذلك، والله أعلم.
(4) 1- لأن الطواف صلاة ولكن أجاز الله سبحانه وتعالى الكلام فيها. (6/75)
صفحة 812
ومن سعى في طلب الماء للوضوء ليتم طوافه فقرأ كتاب أثر وقرأ القرآن فإذا كان لغير مصلحة الوضوء فإنه إذا توضأ بنى على ما طاف واستأنف
طوافاً سواه لأداء فرضه ولا أعلم أن الأول يجزيه.
مسألة
[ الزيادة على حكم الطواف ]
ومن طاف ثمانية أشواط فليصل ركعتين ثم يطوف ستة أشواط ثم يركع ركعتين أيضاً هذا في طواف النافلة، وأما في طواف الفرض فعليه الإعادة.
مسألة
[ لا يخرج من الطواف إلا لسبب ضروري ]
وليس لمن يطوف الخروج إلا لما لا بد له منه كبول أو سلح أو ما أشبهه لا يطيق احتماله كان الطواف لنفل أو فرض حتى يتم طوافه.
مسألة
[ حكم من شك في طوافه ]
ومن طاف للفرض ستة أشواط وهو يرى أنها سبعة أشواط فلما أحل استيقن أنها ستة فإنه يتم طوافه السابع ويركع ركعتين وعليه دم، وقيل:
يعيد الطواف كله وعليه دم، وقيل : يتم طوافه الأول ويطوف طوافاً غيره
حتى يستيقن على سبعة أشواط، ومن شك في طوافه فإنه ينصرف على
زيادة أفضل من أن ينصرف على شك في نقصان.
مسألة
[ من شك في طواف الوداع ]
ومن شك في طواف الوداع أنه سبعة أشواط أو ستة فأتى يطوف
حتى استيقن أنه سبعة فإن خرج من مكة وعدى المواقيت فنحب أن
يجزئه ذلك، وإلا فليعد طوافه إذا لم يخرج من مكة حتى يطوف طوافاً
لا شك فيه.
مسألة
[ من طاف ستة ]
ومن طاف ستة أشواط سهواً ثم، ركع وسعى، ثم ذكر ولو من الغد فإنه يطوف تمام الطواف، ثم يركع، ثم يعيد يسعى بعد الطواف، وقول:
يطوف ثمانية أشواط ويركع و يطوف طوافاً جديداً لحجه ولعمرته، وقول: يطوف تمام أربعة عشر شوطاً و يركع ويأتي بطواف جديد ، وقول: قد
وجب عليه إتمام ذلك الطواف ويركع ويطوف ثمانية أشواط ثم يركع
ويأتي بطواف جديد.
مسألة
[ حكم نقصان الطواف ]
ومن طاف ثمانية أشواط ناسياً فإنه يركع ثم يطوف ستة أشواط ثم يركع ويستأنف الطواف سبعة أشواط بلا زيادة ولا نقصان، ثم يركع، فإن لم
يفعل حتى ينفر لزمه دم.
مسألة
[ حكم الزيادة على السبعة ] (6/76)
صفحة 813
ومن طاف ثمانية أشواط طواف نافلة ناسياً فإنه يركع، ثم يطوف ستة أشواط ثم يركع. وقد أخبرني فإن لم يطف الستة ويركع ومضى على
طوافه الأول فعليه أن يرجع حتى ينفر وعليه دم.
مسألة
[ الزيادة على الطواف ناسياً ]
ومن طاف للفرض ثمانية أشواط ناسياً فذكر وركع وسعى وحلق فعليه
أن يستأنف الطواف وعليه دم لحلقه، ومن خرج من الطواف على يقين فلا يرجع إلى الشك.
مسألة
[ البناء على اليقين في الطواف ]
وقال الربيع(1) : من استيقن على شيء من طوافه فليبن على يقينه، فإن شك أنه طاف ثلاثة أو أربعة أقل أو أكثر، فليتم ما استيقن ويركع ويستأنف طوافاً صحيحاً، ومن طاف ستة أشواط فركع ثم زاد عليهن فطاف ثمانية ثم ركع استأنف طوافاً تاماً صحيحاً.
مسألة
[ حكم النفرة قبل إتمام الطواف ]
ومن نفر قبل أن يطوف طوافاً تاماً لم يتم حجه عليه الحج من قابل. ومن زاد في سعيه، فإذا ختم بالمروة فلا بأس. ومن طاف للفرض بعد العصر
وركع وقص وقصر وباشر قبل أن يسعى قبل أفول الشمس أعاد ركعتين،
فإذا أفلت الشمس فعليه للمباشرة قبل السعي دم، وقول : يجزئه دم
للمباشرة والتقصير، وإذا لم يباشر إنما هو ركع بعد العصر وسعى وقصر فإنه يعيد الركعتين إذا أفلت الشمس ولزمه دم.
مسألة
[ حكم المباشرة بعد التقصير وقبل الطواف ]
وأما إن قصر قبل الطواف ثم باشر بعد أن قصر وقبل التقصير قبل طواف الفريضة، رجع إلى الميقات وأهل لعمرته ويقضي عمرته التي باشر بها إن كانت في سوى أشهر الحج.
مسألة
__________
(1) 1- الربيع : بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري الفقيه المشهور كان طود المذهب
الأشم وبحر العلم الخضم صحب أبا عبيدة فنال وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل
نزل البصرة فتعلم وعاد إلى عمان وسكن غضفان من أرض الباطنة أدرك الإمام
جابر بن زيد وأخذ الفقه عن أبي عبيدة وضمام وأبي نوح وعنه أخذ طلبة العلم
الذي عرفوا بحملة العلم. عن ترجمة الربيع في شرح مسند الربيع 1/3 - 5 . (6/77)
صفحة 814
[ حكم التذكر بفاسد الطواف لعدم الوضوء ]
ومن اعتمر فطاف وسعى لعمرته وأحل إحرامه وطاف لحجه ثم ذكر أنه طاف أحد الطوافين على غير وضوء فالأحوط إذا كان الطواف الفاسد من عمرته فعليه دم لأنه أحل على غير طواف، وإذا حل على طواف فاسد، فلما أحرم بالحج كان متمتعاً وذلك إذا كان في أشهر الحج، فلما حج وطاف طواف الزيارة أجزأه عن الطواف الأول وعليه حينئذ أن يطوف ويسعى
ويحلق ويحل وعليه دم، وكذلك إن علم أنه طاف أحد الطوافين ناقصاً ولم يعرف أيهما فهذا ما لم يباشر أجزأه.
مسألة
[ قول ابن عباس رضي الله عنهما لمعاوية ]
عن الربيع عن ابن عباس(1) أن ابن أبي سفيان(2) استلم الأركان بحضرة
ابن عباس رضي الله عنه فقال : يا معاوية، هذه الأركان لم تكن تستلم،
فقال: امض عنا يا ابن عباس ليس في بيت الله شيء مهجور، فأخبر بذلك
أبو عبيدة(3) فاستحسنه. وقيل : إن بعضهم كان يقول في طوافه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو
على كل شيء قدير. وإذا مر على الركن اليماني قال : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
مسألة
[ حكم نسيان طواف الوداع أو طواف الزيارة ]
__________
(1) 1- ابن عباس : هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الصحابي المشهور عالم الأمة
بن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(2) 2- ابن أبي سفيان : هو معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية وكان من =
(3) = الصحابة الذي يشهد لهم بالدهاء والحكمة وكان من كتبة الوحي رضي الله عنه.
1- أبو عبيدة : هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال.. القرشي المكي أحد
السابقين الأولين ، يجتمع في النسب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في فهر، شهد له - صلى الله عليه وسلم - بالجنة
وسماه أمين الأمة، ومناقبه شهيرة جمة توفي في طاعون عمواس في بلاد الشام
وله مقام في الأغوار الشمالية في الأردن. انظر سير أعلام النبلاء 5 - 23 . (6/78)
صفحة 815
وقيل: من نسي طواف الوداع(1) حتى رجع إلى أهله لزمه دم، فإن نسي طواف الزيارة فعليه الحج من قابل، وينحر بدنة. وإن ترك طواف الوداع
حتى رجع إلى أهله فعليه شاة يبعث بها إلى مكة تنحر عنه، وإن ذكر في
مكة قضاه. ومن طاف بغير وضوء يوم النحر كان قارناً أو مفرداً بالحج ولم يطف طواف الصدر حتى وافى أهله، فإن غشي وحل بطل حجه وعليه بدنة
وإحلاله قبل الطواف، لأن من لم يطف بعد إيابه من عرفات وهو حاج أو
قارن حتى أحل بطل حجه، وعليه لترك الوداع دم.
مسألة
[ حكم القدوم إلى مكة في أيام منى لغير الحاج ]
ومن قدم أيام منى إلى مكة في حاجة أو حمل متاع فيؤمر أن لا يطوف بالبيت وإن طاف فلا شيء عليه(2) .
مسألة
[ وجوب التأخر للحائض حتى انتهاء طواف الزيارة ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن جمال الحائض إذا ثبت عليه
الكراء في حملها حبس لها وليس له أن ينفر عنها ويدعها شرطت عليه
أو لم تشترط، لأن ذلك معتاد في النساء ، وفي تركها طواف الزيارة
فساد حجها، وليس له أن يضر بها ولي ولو لحقه ضرر من مسير رفقائه
عنه لأن ضررها أعظم إن نفر عنها، فلا أجرة له إذا استأجر صفقة
وكذلك المريض(3) .
مسألة
[ ما يدفع مقابل الدم ]
قال الشيخ أبو محمد(4) رحمه الله : من وجب عليه دم في الحج فلم
يجد نعماء قوم، ألزم واشترى بثمنه طعاماً وفرقه على الفقراء، وإن عسر
__________
(1) 2- حج الوداع : حكمها عند العلماء سنة من سنن الحج وهذا فيما قاله ابن رشد:
وأجمعوا فيما حكاه أبو عمر بن عبد البر أن طواف القدوم والوداع سنة الحاج.
(2) 1- السبب في ذلك أن النية ليست من أجل الحج أو العمرة إنما من أجل التجارة
أو الحاجات الشخصية.
(3) 2- هذا تطبيقاً للقاعدة الفقهية إذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما ضرراً.
هنا ضرر السفر دون إتمام الحج وفساده وتأخر المحرم أو القافلة مع زيادة
الفلوس والأجرة.
(4) 1- الشيخ أبو محمد : هو عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي. (6/79)
صفحة 816
صام عن كل نصف صاع بُر يوماً.
مسألة
[ حكم ركعتي الطواف ]
وقيل : إن ركعتي(1) الطواف فرض ولا يتم الطواف إلا بهما، ومن
تركهما أعاد طوافه وسعيه وتقصيره. قال أبو سفيان : إن كان عمرة فعليه
دم، وإن كانت حجة فعليه الحج من قابل ولا دم عليه ولا إعادة عليه لطوافه.
مسألة
[ حكم ولوج الكعبة وفضل ماء زمزم والاستراحة في السعي ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إن دخول البيت ليس بواجب ولا من
المأمور به في المناسك، وقد ورد في الحديث عنه عليه السلام : دخل مرة
واحدة وخرج وعليه شبه الكآبة والغم، فدخل على بعض أزواجه فسأله عن حاله فقال : فعلت فعلاً أخشى على أمتي أن يتعبوا أنفسهم فيه، فقالت : ما هو؟ قال : دخلت الكعبة(2) . والصلاة في الكعبة غير متفق عليها، وليس لمن يطوف أن يلج الكعبة قبل أن يتم طوافه، ويكره ولوجها للمحرم، ويجوز للمحل ولوجها في عمرة مرة واحدة، وإن ولجها مراراً فلا بأس، وكان
بعض الفقهاء يستحبون ولوجها، ويستحب لمن يلج الكعبة أن لا ينصرف
إلا عن طواف وصلاة، وقيل : تجوز صلاة التطوع في الكعبة تأسياً برسول
الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه قيل: صلى فيها ركعتين تطوعا وضعف بعضهم الخبر وقالوا :
__________
(1) 2- حكم ركعتي الطواف عند الفقهاء : واجبة عند الحنفية والمالكية وسنة مؤكدة
عند الشافعية والحنابلة. واستدل المالكية بمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى:
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وعند المالكية يشترط الموالاة فمن خرج
من مكة عليه دم يبعث إلى مسجد فداء عما ارتكب من عدم صلاة ركعتي
الطواف.انظر هامش حاشية العدوي 1/467 ، 469 حاشية القليوبي وشرح
المنهاج 2/108 - 109 ، المجموع شرح المهذب 8/56 .
(2) 1- ذكره أبو داود رقم 2029 في المناسك ، والترمذي رقم 873 في الحج ما جاء
في دخول الكعبة. وأخرجه ابن ماجة رقم 3063 في المناسك باب دخول الكعبة. (6/80)
صفحة 817
إنه دعاء وخرج(1) .
ويستحب للحاج أن يشرب من ماء زمزم ويكثر من ذلك. ومن دخل
في السعي وهو متوضئ ثم انتقض وضوءه تم سعيه ولا بأس عليه، وكذلك رمي الجمار. ومن تعذر عليه صعود الصفا والمروة من عي أو نصب أو تألد وصب فلا جناح عليه إذا وقف في أصلها، ومن أعيي في سعيه استراح وإن رجع إلى منزله ثم رجع فبنى على سعيه جاز.
مسألة
[ فدية غطاء الرأس والمباشرة قبل السعي ]
ومن غطى رأسه في السعي قبل أن يحلق فيصنع معروفاً، ومن ترك
السعي حتى عاد لداره فباشر فحجه تام وعليه دم وقيل : بدنة. ومن طاف
ولم يركع للعمرة وطواف الزيارة فباشر فعليه دم وأعاد الصلاة، ومن بدأ في سعيه بالمروة وختم بالصفا فعليه دم ويختم بالمروة ويهتدي ما ابتدأ به من الطواف، ومن سعى وأهمل استأنف، وإن خرج لما لا بد منه رجع وبنى.
مسألة
[ أثر الزحام على السعي ]
ومن منعه الزحام عن صعود الصفا والمروة ووقف حاليهما فلا بأس،
ومن جاوز في سعيه سبعة أشواط فلا بأس إذا ختم بالمروة، وقال الربيع : إذا سعى سبعة أو أكثر وختم بالمروة أعاد شوطاً آخر من الصفا إلى المروة، وإن بدأ بالمروة أجزأه ذلك.
مسألة
[ أحوال السعي في الطهارة وعدمها ]
قال الربيع : من تعمد لترك السعي حتى نفر بطل حجه، وإن سعى وهو جنب أوسعت وهي ذات محيض فلا بأس، والراكب لا يلزمه صعود
الصفا والمروة(2) .
مسألة
[ حكم الركوب في السعي ]
__________
(1) 2- ذكر الدعاء وليس الصلاة أخرج هذه الرواية مسلم 1/429 شرح النووي
ومسلم رقم 1330 ، 1331 ، في الحج استحباب دخول الكعبة، والبخاري
3/375 في الحج ، 8/14 في المغازي والنسائي 5/219 ، 220 في الحج
والمسند 1/237 و311 .
(2) 1- عدم اشتراط الطهارة للسعي و الوقوف بعرفة لأن بنت عميس لما نفست أمرها =
= النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل ثم تهل بالحج وتصنع ما يصنع الناس، إلا أنها لا تطوف
بالبيت. أخرجه النسائي 5/138 . (6/81)
صفحة 818
ومن سعى قبل الطواف فهو كمن لم يسع. ويكره الركوب لمستطيع السعي بلا تحريم.
مسألة
[ حكم الرمل في الطواف والسعي ]
ولا بأس أن تسعى المرأة والرجل معاً، وإن تمسكت به ولم تشغله عن الهرولة فلا بأس إذا كانت ذات رحم أو زوجة، ومن لم يرمل في شيء من طوافه فعليه دم، ويعيد سعيه إن قصر، وإلا أعاد وأهدر عنه الدم.
مسألة
[ أثر التقصير قبل إتمام النسك ]
وإن قصر قبل أن يعيد وقد ترك من السعي لزمه دم، وإن ترك الأقل فعليه بكل شوط طعام مسكين، وإن نسي أن يرمل حتى جاوز رجع ورمل، وإن تخطى بثلاث خطوات مضى ولا شيء عليه.
مسألة
[ أثر عدم الرمل وحكم ترك السعي ]
وإن تعمد لترك الرمل في سعيه فقد خالف السنة ولا شيء عليه وقد
أسيء إلا من عذر، وكذلك من رمل في سعيه كله، وإن نسي الرمل فلا
بأس عليه، الرمل على الرجال دون النساء، قال أبو أيوب(1) : ما نرى على
من ترك السعي عمداً إلا دماً.
مسألة
[ حكم من سعى راكباً من غير عذر ]
ومن سعى راكباً من غير عذر، فإن لم يتباعد عن مكة أعاد سعيه، وإن نأى حيث يشتق عليه الرجوع فقيل : عليه بدنة، لا بأس على من سعى مشتملاً لفرض أو نفل.
مسألة
[ حكم تقديم السعي على الطواف ]
ومن قدم السعي على الطواف أعاد، وإن تعذرت عليه العودة فعليه دم، ولا يجوز تقديم نسك قبل نسك، ومن طاف ونسي الصلاة حتى سعى
فعليه الصلاة ولا سعي عليه، ومن سعى ولم يطف لم ينتفع بسعيه لعمرة
كان أو زيارة ولا ينبغي للساعي أن يتكلم إلا بذكر الله ولما لا بد منه وإن سعى بملاءة نجسة فلا فساد عليه.
مسألة
[ سبب السعي ]
__________
(1) 1- أبو أيوب : وائل أيوب الحضرمي رحمه الله صنو الربيع وتِلوه، وكان عالم
من العلماء المشهورين وأقرب الناس عهداً بالربيع ابن حبيب رحمهما الله. (6/82)
صفحة 819
وقيل : إن سبب السعي أن إسماعيل عليه السلام عطش هناك وهو طفل فوردت أمه تطلب له ماء في تلك القيعة حتى أنبع الله له ماء زمزم. ولا رمل على طواف البيت في حج ولا عمرة، ومن رمل منهم فلا يلزمه شيء.
مسألة
[ تعريف الصفا والمروة ]
قال جعفر بن محمد(1) : نزل آدم على الصفا وحوى على المروة عليهما الصلاة والسلام، وقيل : إن الصفا جمع صفاة وهي الصخرة الصلبة
والملساء، والمروة من الحجارة ما لان وصغر، وإنما عني بهما الجبلين المعروفين بمكة دون سائر الصفا والمروة. والشعائر هنا مناسك الحج، قال الله تعالى :
{ إن الصفا والمروة من شعائر الله } (2) أي الطواف بهما من شعائر الله،
وأهمل ذكر الطواف إذا كان معلوماً عند المخاطبين.
مسألة
[ فضل متابعة الحج والعمرة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينميان الرزق، ويزيدان في العمر، وينقيان الذنوب كما ينقي الكير خبث الحديد»(3) .
مسألة
[ الصفا والمروة في الجاهلية والإسلام ]
قال أنس(4)
__________
(1) 1- جعفر بن محمد : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 2- سورة البقرة آية 158 .
(3) 3- رواه الترمذي رقم 810 في الحج باب ما جاء في ثواب الحج و العمرة و النسائي =
(4) = 5/115 في الحج باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة وإسناده حسن
والحديث صحيح بشواهده.
1- أنس : هو الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الإمام
المفتيي المقرئ المحدث رواية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري
المدني ، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآخر الصحابة موتاً روى عنه الجم الغفير وروى
هو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الخلفاء الأربعة دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكثر ما له وولده فقال
لقد دفن من صلبه حتى مقدم الحجاج 129 نفس وكان من أكثر الأنصار مالاً. (6/83)
صفحة 820
: إن المسلمين كانوا يكرهون الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من شعائر المشركين في الجاهلية فهجر في الإسلام فأنزل الله:
{ إن الصفا والمروة من شعائر الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان على الصفا وثن على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم صورة امرأة تدعى نائلة فلذلك ذكر هذا وأنثت هذه، وقيل : إن التطوف بهما
تطوع وليس على تاركه شيء، ومن طاف للزيارة فله أن يشتري ويبيع ما احتاج له قبل السعي وبعده، ويستحب أن لا يطوف لنافلة بعد أن يطوف للزيارة، وإن قام بمكة بعد طواف الزيارة لزمه دم. وطواف الزيارة واجب، وإن تركه محرم وأحل بطل حجه،وإن باشر لزمه دم وعليه الحج من قابل.
مسألة
[ حكم تأخير طواف الزيارة ]
ومن أخر الزيارة حتى مضت أيام التشريق فقد أسي ترك الفضل و لا بأس
عليه. والمشي في طواف الفريضة أفضل، ومن رمل متعمداً أو ناسياً فلا
شيء عليه.
مسألة
[ حكم ترك طواف الزيارة حتى رجع إلى بلده ]
قال أبو سعيد رحمه الله : من ترك طواف الزيارة حتى رجع إلى داره
فعليه بدنة، وقول : عليه دم، وله أن يطوف متى شاء(1) ما لم يباشر أو يفعل
ما يفسد حجه وذلك قبل الحول وإن حال الحول لزمه الفداء.
مسألة
[ حكم الحلق أو التقصير قبل الذبح ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : من حلق أو قصر قبل أن تموت ذبيحته فليس له ذلك لأنه لم يبلغ الهدي محله ألزمه لحلقه دم وذبيحته تامة ويجري
الحلم على رأسه بعد أن تموت ذبيحته ويحل له وإلا فما لم يحل بعد إباحة الإحلال لم تنفعه إباحته.
مسألة
[ ما يعمله المحل من إحرامه من الحلق أو التقصير ]
ومن أحل من إحرامه فيستحب له أن يقصر له غيره من المحلين، وإن قصر لنفسه فلا بأس ، وإن حلق محرم محلاً فلا شيء عليه ، وإن حلق محرماً
__________
(1) 1- متاشا : الصواب : متى شاء. (6/84)
صفحة 821
بأمره فعلى المحلوق الفدية، وإن حلق بغير أمره فقول : على الحالق الفدية، وقول : على المحلوق ويرجع بها على الحالق(1) .
مسألة
[ تقصير المرأة ]
ويكفي المحرم أن يقصر بقدر صبع(2) فما فوقها، وكذلك المحرمة، وقول : تأخذ المرأة من أطراف شعر رأسها لحلقها والحلق أفضل من التقصير.
مسألة
[ وقت رمي جمرة العقبة الأولى وقت النحر ]
وجائز رمي جمرة العقبة ولو إلى الغروب من يوم النحر، ومن لم يرم
حتى أفلت الشمس فلا ينحر ولا يحلق حتى يرمي، فإذا رمى فليحلق. والمستحب في يوم النحر أن يحلق وينحر ويذبح ، وإن أخر لغد أو إلى اليوم الثاني فلا بأس، وقول : ولو نحر في اليوم الثالث من أيام التشريق.
مسألة
[ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحلق ]
وكان عليه السلام إذا رام الحلق من الإحرام استقبل القبلة، وأعطى
الحلاق شق رأسه الأيمن ثم الأيسر(3) . ولا بأس أن يقصر المحرم للمحرم إذا أحلاً جميعاً، ومن حلق رأسه للعمرة فلم ينبت شعره للتقصير أجرا على
رأسه الجلم، ومن لبد رأسه فعليه الحلق، ومن حلق بالنورة(4) أجزأه.
مسألة
[ التقصير من اللحية ]
والقنية إذا أحرمت برأي ربها ولم يكن شعرها يجاوز شحمة أذنيها فلا تقصير عليها. جائز للمحرم أن يأخذ من لحيته لإحلاله بعد القبضتين(5) .
مسألة
__________
(1) 1- السبب : أن الحلق للغير أو لنفسه من محظورات الإحرام فما دام محرماً
فلا يحلق لغيره ولا لنفسه، والله أعلم.
(2) 2- المراد هنا والله أعلم، بقدر إصبع.
(3) 1- انظر البخاري 1/228 ، ومسلم رقم 1305 ، والترمذي رقم 912 في الحج
باب ما جاء أي جانب الرأس يبدأ الحلق وأبو داود رقم 1981 في المناسك.
(4) 2- النورة : عبارة عن مسحوق لونه أبيض يستعمل لإزالة الشعر عن جسم
الإنسان ويعرف لدى عامة الناس بالزرنيخ.
(5) 3- فيما رواه مالك في الموطأ 1/396 عن نافع مع أن ابن عمر رضي الله عنهم -
كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه». (6/85)
صفحة 822
[ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذبح ]
ويروى عنه - صلى الله عليه وسلم - : أنه بعث بهدي عند علي رحمه الله وأمره إن عطب
أن يذبحه ويضرب صفحته في دمه ليعلم أنه هدي ولا يأكل منه هو شيء،
ولا يجزئ ذبح هدي المتعة قبل طلوع الفجر من يوم النحر.
مسألة
[ كيفية الذبح والنحر ]
وإذا كان الهدي بين عدة فذكاه أحدهم يوم النحر جاز، وإذا كان بالهدي لبن فينضح ضرعها بالماء الثيم ليضمحل لبنها، ولا يعقل البقرة والمعز عند
الذبح كالإبل، ويستحب أن يذبح هديه بيده ويقول عند ذبحه : بسم الله الرحمن الرحيم، الله أكبر. والإبل تنحر قائمة علي ثلاثة قوائم، وقيل:
باركة لكي لا تؤذي أحداً بدمها، وجائز الذبح والنحر للإبل والبقر، أما
المعز والضأن فالذبح فقط(1) .
مسألة
[ جواز تبديل الهدي ما لم يقلد ]
وجائز حمل ما لا يضر بالهدي على الهدي، ومن ساق هدياً ولم يقلده
ولم يشعره فله أن يعود فيه ويبدله ما يلفظه بلقلقة إنه هدي، وله أن يحمل
عليه وينتفع بألبانه، وإذا قلد أو شعر فلا ينتفع منه بشيء إلا إذا اضطر.
مسألة
[ حكم من ساق الهدي ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : من ساق هديه للحج والعمرة فقد
وجب عليه الإحرام ويلبي ويهل، وإن ساقه نفلاًَ فلا أعلم وجوب الإحرام
عليه لأنه هذا من أسباب الإحرام.
مسألة
[ أقسام الهدي ]
والهدي ثلاثة أقسام : هدي تطوع، وهدي تمتع، وهدي جزاء.
والأفضل في جميعه أن يوقف به في عرفة وينحر في يوم النحر أو بعدها،
وإن عطب هدي التطوع في الحرم قبل بوم النحر نحره وتصدق به على
الفقراء، وإن أطعم منه غنياً ضمن ثمن ما أطعمه.
مسألة
[ حكم الإقامة بمنى ]
__________
(1) 1- انظر كيفية الذبح والنحر في جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
3/351 - 356 . (6/86)
صفحة 823
ومن السنة أن يقيم الناس بمنى ليالي أيام التشريق، إلا من نفر النفر الأول فإنه يسقط عنه خروجه من منى المقام بها النفر الكبير، إلا أهل السقاية من أهل بيت رسول الله عليه السلام، فإنه مأذون لهم المبيت بمكة ليالي منى والرعاة.
مسألة
[ حكم من ترك المبيت في منى ]
واختلفوا فيمن بات في غير منى ليلة من ليالي منى، قول : عليه درهم، وقول : يطعم شيئاً وليس عليه لذلك وقت، وإن بات ليلتين تصدق برهمين
وفي الثلاث ليالي دم(1) .
مسألة
[ حكم ما يفعله الحاج من التجارة في منى ]
ومن نام بمكة بعد أن زار البيت أو قبل ذلك، فعليه دم، وإن نعس قاعداً فلا شيء عليه حتى ينضجع، وإن غلبه النوم فلا شيء عليه، وإن أصبح بمكة لحاجة لا بد له منها فلا بأس عليه، وإن باع أو اشترى بعد رجوعه إلى منى
فلا بأس.
مسألة
[ حكم النوم في غير منى ]
ومن انتظر رفقائه في الطريق فانضجع فغلبه النوم من غير قصد فلا بأس عليه ولو في مكة. ومن نام ناسياً أو جاهلاً في أيام منى، فأما الجهل فلا عذر
له ، وفي النسيان فلا بأس.
مسألة
[ حكم ما يحكم عليه بالمبيت ]
ومن نام بعض ليلة من أيام التشريق بمكة فلا يحكم عليه بالمبيت إذا لم
يبت ليلة كلها، وإن بات أكثر الليل خفت عليه أن يحكم عليه أنه بائت
على قول، والنوم في الزيارة في النهار كالنوم بالليل.
مسألة
[ حكم ترك الصلاة والمبيت بالمزدلفة ]
ومن نام بمكة فلما هب وأراد الخروج أدركه الصبح قبل أن يصل منى
__________
(1) 1- حكم المبيت في منى : عند الحنفية سنة ليس بواجب، وعند الأئمة الثلاثة
والإباضية واجب أوجبوا بتركه دم الشافعية في الليالي الثلاث المالكية في
ترك الليلة الواحدة إلا لمن أجاز لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم الرعاة وأهل السقاية، ويقاس
لهم من هو في حكمهم والله أعلم. انظر شرح مختصر خليل 2/284 ، و حاشية =
= العدوي 1/480 ، شرح المنهاج 2/134 نهاية المحتاج 2/432 - 433 ،
المغني لابن قدامة 3/449 - 450 . (6/87)
صفحة 824
لزمه دم، ومن لم يقف بالمزدلفة ولم يصل بها صلاة الصبح فلا بأس، ومن
قدم منى إلى ليلة جمع فعليه الرجوع إليها إذا أصبح بمنى لزمه دم.
مسألة
[ حكم المبيت بجمع ]
ولا بأس على الخائف أن يصبح بالمزدلفة ويقف بعد طلوع الشمس حتى يدبر عنه الناس، ومن بات بجمع إلى نصف الليل أجزأه، وقال - صلى الله عليه وسلم - :«جمع
كلها موقف إلى محسر»(1) وأوجب المبيت في هذه الموضع، ومن قدر على إحياء ليلة بها فليفعل.
مسألة
[ حكم من فاته الوقوف بعرفة ]
ومن أدرك الناس بالمزدلفة غداة النحر ففاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، ومن لم يقف بالمزدلفة فعليه دم وهو مسيء بذلك، ومن وقف بالمزدلفة بعد الفجر ثم أفاض قبل الإمام فقد أسيء ولا شيء عليه.
مسألة
[ حكم من أفاض من جمع قبل الفجر ]
والأصح أن من أفاض من عرفات فجاوز جمع إلى بطن محشر قبل
الفجر فعليه دم وحجه تام، وإن رجع إليها وصلى فيها صلاة الفجر فلا
شيء عليه، وقال جابر بن زيد(2) رحمه الله : الدفع من جمع حين يرى
الناس آثار دوابهم وقوائمهم.
مسألة
[ قول عثمان بن عفان رضي الله عنه بالمشعر الحرام ]
__________
(1) 1- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/243 - أرقام 1532 عن
جابر بن عبد الله و1533 عن علي بن أبي طالب أخرجهما أبو داود.
(2) 1- جابر بن زيد: أبو الشعثاء فهو بحر العلم وسراج الدين أصل المذهب، ولد في
خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، صحب ابن عباس رضي الله عنهما
روى عن العديد من الصحابة وعن أهل بدر، ذكره ابن عباس بالعلم الغزير
وقال : لو أن أهل المشرق والمغرب سألوه لوسعهم علمه وقال عنه قتادة بن
دعامة السدوسي : اليوم مات عالم العرب، وروى عنه العدد الكبير من أتباع
التابعين قتادة وعمرو بن دينار، وأيوب، وأبو عبيدة وغيرهم كثير. توفي رحمه
الله قيل : سنة 93هـ وقيل: سنة 103هـ وغير ذلك. انظر مقدمة شرح الجامع
الصحيح 7 - 8/1 . (6/88)
صفحة 825
ويروى عن عثمان(1) أنه قال : من مر بالمشعر الحرام ولم يحط بها رحله فعليه دم، ومن حط بها رحله ثم مضى فلا بأس عليه. ومن أجنب ليلة جمع فاغتسل أجزأه عن غسل الإفاضة، وإن نام بعد الاغتسال من الجنابة لزمه
غسل الإفاضة.
مسألة
[ حكم الغسل بجمع وحكم ذكر الله بها ]
والغسل بجمع مستحب ومن صلى الفجر عند المشعر الحرام ولم يعد الاغتسال من الجنابة لزمه الغسل للإفاضة فانصرف فلا دم عليه، وإن وقف
بها ولم يذكر الله لزمه دم فرض الذكر عنده بالنص.
ومن أفاض من عرفات بعد أن وقف بها وذكر الله قبل أفول الشمس فحجه تام وعليه دم ولو لم يرجع حتى أفلت الشمس، وأما إن عاد فأدرك الوقوف قبل الأفول فلا دم عليه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من
أفاض من عرفات قبل أفول الشمس ولم يعد من غير عذر فحجه هدر.
وقال عليه السلام : «أيها الناس، ليس البر في سنابك الخيل ولا تحت أخفاف الإبل، وإنما البر في السكينة والوقار»(2) .
مسألة
[ حكم من وقف قبيل الغروب وحكم من حبسه الزحام عن الإفاضة ]
ولا بأس على من حبسه التزاحم بعرفات عن الإفاضة. ومن مر بعرفات فصلى بها العصر أو صلى دونها فذكر الله فيها ومر فلم يقف فبئس ما صنع وعليه الرجوع إليه والوقوف بها ويذكر الله حتى تأفل شمس يومه، وإن لم
يرجع حتى أفاض الحاجون فحجه تام وعليه دم، ومن وقف بعرفات بعد
غيوبة الشمس فلا حج له ، ومن ولج أول عرفات و قد غاب قرن الشمس فقد
فاته الحج ويؤمر أن يطوف ويركع ويسعى ويحلق ويقصر ويحل وعليه الحج
من قابل، وإن دخل عرفات قبل أن يغيب قرن من الشمس فذكر الله فحجه تام ولو لم يصل حيث الناس لأن عرفة كلها موقف إلا عرنة والأراك(3)
__________
(1) 2- عثمان : عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
(2) 1- لم أعثر عليه بهذا النص ومعنى هذا النص صحيح فالبر حقيقة في السكينة والوقار.
(3) 1- وقت الوقوف بعرفة : اختلف العلماء رحمهم الله في القدر المجزئ في الوقوف
فعند المالكي : قال مالك : وقت الوقوف هو الليل، فمن لم يقف جزءاً من الليل
لم يجز وقوفه وعليه الحج من قابل، وأما الوقوف نهاراً فواجب ينجبر بالدم
بتركه عمداً لغير عذر. وهذا قول المصنف من لم يقف بعد الغروب فعليه حج
قابل. وعند الجمهور حج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دفع بعد الغروب وهذا متفق عليه بين
الفقهاء. وقال الجمهور : من وقف بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع قبل
الغروب، واختلفوا في وجوب الدم عليه. وحجتهم الحديث الصحيح : حديث
عروة بن مضرس : قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجمع فقلت له : هل لي من
حج؟ قال : «من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى نفيض أو
أفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» أخرجه
الترمذي 891 وأبو داود 1950 والنسائي 5/263 وابن ماجه رقم 3016
في الحج وأحمد في المسند 4/261 ، 262 وإسناده صحيح وقال الترمذي:
حسن صحيح. (6/89)
صفحة 826
.
مسألة
[ حكم وقوف الجنب ]
ومن حاذر فوت الموقف قبض على دابته بالسير فلا بأس إذا رجى بلوغ المأمول ونجاح السؤال، وإن كان راجلاً فعليه السعي، وإن وقف هنيئة أجزأه ويستحب له أن يغتسل للموقف ويتوضأ إن استطاع ولا يقف جنب، وإن
فعل فلا فساد عليه.
مسألة
[ أقل الوقوف بعرفة ]
ومن وقف بعرفات بقدر ثلاث تسبيحات أجزأه ذلك إذا حاذر أمنا أو أفاض من عذر قبل الغروب فعليه دم، ومن أفاض من غير عذر أتم ما بقي
عليه وقيل : عليه الحج من قابل، وعليه بترك الإفاضة دم، والجاهل كالمتعمد
في ذلك، وأما الناسي فلا لوم عليه ومن نام بعرفة حتى أفاض الناس ثم هب
من منامه بعد المغرب فإنه يغتسل ويتوضأ ويصلي المغرب ويذكر الله في
مكانه ويلبي ويستغفر الله فيما صنع إلى يوم القيامة ثم يفيض إلى المشعر
وعليه دم لأن النائم معذور وقيل : عليه الحج من قابل.
مسألة
[ حكم حج من مات بعرفة ]
وإن مات الحاج بعد أن وقف بعرفة قبل أن يقضي مناسك قضى عنه وليه أو رفيقه، وإن مات قبل الوقوف فلا يجزئ منه قضاء وليه، ومن عجز عن الطواف بوصب أو نصب فهو على إحرامه حتى يبرأ ويطوف وإن هلك
طاف عنه وليه أو رفيقه.
مسألة
[ حكم حج المغمى عليه قبل الوقوف إلى نهاية الوقوف ]
ومن أغمي عليه قبل أن يقف بعرفات فإن أفاق وأدرك شيئاً من الوقوف أجزأه إذا كان صحيحاً عند إحرامه وإلا فلا ، و الثمل إذا لم يفقه ما تفوه به
فلم يصح حتى أفلت الشمس فلا حج له وعليه الحج من قابل وعليه أن يتم المناسك إذا صحا وقيل : إن حجه تام لأنه لا يقع طلاقه وعتاقه ويثبت عليه حكم الحد، وحجة من أبطل حجه إذا لم يقف من نشوه أن أداء المفترضات
لا تصح إلا بنية وقصد الناشئ لا نية له وهو جدير بحرمان الأجير وقمين ببطلان الحج وجرى بسبب صنعه وسوء فعله بالقصور عن مراتب أهل
السبق وحقيق بالإبعاد عن منازل أهل الحق وأرباب الصدق.
مسألة
[ عدد ما يصلى بمنى وأفضل أماكن الوقوف بعرفة ] (6/90)
صفحة 827
وصلاة العشاء بين جمع أفضل، ويصلي بمنى خمس الصلوات إذا فاض
من مكة إليها، فإذا كان غداة عرفة مضى بعد الصلاة من منى إلى عرفات
ولا يجاوز حدود منى حتى تطلع الشمس إلى شناحيب الرعان(1) ، وأفضل الموقف بعرفة عن يمين الإمام وشماله.
مسألة
[ أحكام متعددة في عرفة ومنى ومكة ]
ومن السنة النوم بمنى ليلة عرفة، وقيل : كان ابن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لا يحث ناقته إذا أفاض من عرفات، فإذا ارتحل من محسِّر حثها حتى يرمي الجمر. وقيل: اسم جبل عرفة ديلك، واسم جبل المزدلفة فرح. ومن
أصبح بمكة غداة عرفة فعليه دم، إلا أن يكون ولج مكة غداته، ويستحب الإفطار يوم عرفة إذا جاوز القارن والمتمتع فوت الوقت، فترك الطواف
وأفاض وقضى مناسكه وزار البيت أجزأه ذلك، ولا دم عليه إلا للمتعة،
وعليه طواف وسعي، وكذلك ذات المحيض المتمتعة إذا لم تطف لعمرتها وأفاضت وقضت مناسكها أجزأها طواف وسعي للحج والعمر. ومن حاذر فوت العشائين دون جمع صلى حيث أمكنه من الطريق إذا جاوز حرم
الموقف، ومن جمع العشائين بعرفات ثم أفاض كره له ذلك، ولا إعادة عليه، وقيل : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عباد ابن السيد(2) على الناس في الحج وهو مكي
فصلى بهم قصراً، ثم أتم بهم بمكة وعرفات سيدنا عثمان ومعاوية، ثم بنو
مروان، فلما قامت دولة بني العباس قصروا تأسياً بالرسول عليه السلام.
__________
(1) 1- شناحيب الرعان : أعتقد والله أعلم أنه الحد التي تجوز فيه صلاة الضحى وهي
قدر رمح أو أكثر.
(2) 1- عباد بن السيد : والصحيح هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد
شمس الأموي، أبو عبد الرحمن ويقال : أبو محمد، أسلم يوم الفتح واستعمله
النبي - صلى الله عليه وسلم - على مكة لما صار إلى حنين واستمر وحج بالناس سنة الفتح وأقره أبو
بكر الصديق على مكة - رضي الله عنهم - وكان صالحاً فاضلاً، اختلف في
وفاته. الإصابة في تمييز الصحابة 6/372 رقم 5383 لابن حجر. (6/91)
صفحة 828
وإذا بلغ الصبي، أو أسلم الوثني، وحرر القن الدني في بقية يوم عرفة
بقدر ما يحرمون ويسبحون الله ثلاث تسبيحات قبل غروب الشمس
فحجهم تام. ومن رمى جمرة العقبة من فوقها يوم النحر أعاد رميها من
بطن الوادي فإن ذبح وحلق قبل أن يعيد لزمه دم وإن كان في غير يوم
النحر أعاد ما كان بمنى ولا شيء عليه، وإن لم يذكر حتى دخل مكة لزمه
دم. ومن ترك التكبير كله يوم النحر عند الرمي أعاد الرمي بتكبيرة.
النهج الخامس والثلاثون
في النفر بالحج والإحلال والجمار والمحظور
وحج المريض والمرتد والمغمي عليه والمرأة والصبي
مسألة
[ متى ينفر من منى، وحكم النفر قبل الوقت ]
ومن رام النفر فلا ينفر حتى يطوف بالبيت ويودع والنفر الأول يوم
الثاني من أيام التشريق بعد الهاجرة والنفر الثاني يوم الثالث من أيام التشريق وقيل : من نفر في النفر الأول لزمه دم، وقيل : دمان، وقيل: ثلاثة دماء ،
ومن أدركه الليل أخر النفر إلى غد(1) .
مسألة
[ الأفعال في منى ومتى تتم ]
ومن نفر ليلته فعليه ثلاث شياه، والنفر والذبح والرمي كله بالنهار. ويوم النحر من أيام التشريق، ومن تعجل في بقية الدور دفن الحصى في أصل
العقبة، ومن هلك قبل الرمي رمى عنه رفقائه.
[ حكم إتمام المكي بعرفة ]
قال أبو سعيد(2)
__________
(1) 1- استناداً لقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين
فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم
إليه تحشرون } [سورة البقرة آية 203].
(2) 1- أبو سعيد : هو الشيخ العلامة والحبر البحر الفهامة أبو سعيد بن محمد بن
سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكدمي رحمه الله، وكدم من أعمال ولاية
الحمراء وأبو سعيد من كبار علماء عُمان المحققين المبصرين من أئمة
المذهب المقتدى بهم ولد عام 305 على الأغلب، ولم يعرف تاريخ وفاته.
إتحاف الأعيان 1/216 - 223 . (6/92)
صفحة 829
رحمه الله : إذ أتم المكي بعرفات فلا صلاة له، ولا لمن صلى بصلاته لأن المكي مسافر في عرفات، ويصلي المكي في منى تماماً لأن
ما بينهما أقل من فرسخين، وقيل : أربعة أميال وهو دون الفرسخين وإنما هو فرسخ وثلاث، وعرفة من حدود مكة أحد عشر ميلاً، ومنى خمسة أميال.
مسألة
[ كيفية الصلاة بعرفة ]
وإذا صعد الإمام المنبر يوم عرفة أذن المؤذن فإذا فرغ قام الإمام فخطب، وأثنى على الله وصلى على النبي محمد وآله، ووعظ، ثم نزل وأقام
المؤذن، فصلى الإمام الظهر، فإذا فرغ أقام المؤذن للعصر إذا دخل وقتها
فهو أذان وإقامتان.
مسألة
[ وضع المصلي مع الإمام في عرفة ]
ومن أدرك مع الإمام صلاة العصر وقد جمع الظهر والعصر فإن الصلاة الأولى تجزه وإن صلاها مع الإمام تطوعاً جاز ومن صلى الظهر فقبل إتمامها أحرم الإمام لصلاة العصر انتقضت صلاته فإذا فرغ الإمام من صلاة العصر أبدل هذا صلاة الظهر والعصر.
مسألة
[ حكم استخلاف الإمام غيره ]
وإذا أحدث الإمام فاستخلف في عرفة وتوضأ وبنى ، وأحب له أن يستأنف الصلاة ولا يبني إلا في الرعاف والقيء إذا لم يتكلم. ولا ينبغي له
أن يخطب قبل الزوال، وإن فعل ذلك فلا بأس عليه وقد أسي فيما صنع.
مسألة
[ حكم الصلاة قبل وقتها ]
ومن صلى في يوم غيم فتحقق كونها قبل الوقت أعاد.
مسألة
[ حكم استخلاف من لم يحضر الخطبة ]
وإذا أحدث الإمام فاستخلف من لم يحضر الخطبة جاز له قياساً على
صلاة الجمعة.
مسألة
[ متى يلزم الرامي الدم ]
ومن تعمد لترك رمي حصاة من جمرة العقبة فعليه دم وقد أسي، ومن نسي رمي جمرة العقبة كله حتى أصبح رماها ولزمه دم.
مسألة
[ حكم من أخطأ جمرة العقبة ]
ومن رمى الجمرة رمية بكل الحصى لزمه دم إن فات وقت الرمي وإلا أعاد الرمي على السنة ولا شيء عليه، ومن رمى الجمرة الوسطى يوم النحر لظنه
أنه جمرة العقبة فذبح وحلق ثم تحقق غداً أنه أخطأ أعاد الرمي وعليه دم،
وقيل : دمان.
مسألة (6/93)
صفحة 830
[ حكم من رمى الوسطى والصغرى ثم تحلل ]
ومن رمى الجمرة الوسطى والتي دونها لظنه أنها جمرة العقبة فذبح
وحلق وطاف وأفاض وغشي وسعى ثم علم خطأه فعليه بدنة والحج من
قابل. ومن رمى جمرة العقبة يوم النحر فكفر رأسه ونتف شعره وقلم أظافره قبل أن يذبح كان متمتعاً فعليه جزاء ما فعل وأزاح الغطاء ولا يلبي لأنه إذا رمى جمرة العقبة سقطت عنه التلبية، وإن كان غير متمتع فلا شيء عليه.
مسألة
[ السنة في الرمي ]
وليس غسل حصى الجمار. ومن كان مستقراً في داره مقتر في سفره، فإن عليه أن يذبح هدياً قبل الحلق والتقصير إذا رمى جمرة العقبة لو باع كساه
ولا يجوز حصي الرمي من الحرم كان من جمع أو غيرها، ومن رمى
بحجارة كبيرة فقد خالف السنة ولا شيء عليه.
مسألة
[ بأي الحجارة يتم الرمي ]
ومن رمى بحجارة من المسيل من منى فلا بأس عليه، ومن رمى بحجارة
من غير الحرم أعاد الرمي بحجارة الحرم، وإن نفر قبل أن يعيد فهو كمن لم
يرم وعليه عن كل جمرة لم يرمها دم يبعث به إلى مكة، ومن رمى بحجارة
قد رمى بها فهو كمن لم يرم ولا يصح الرمي بحجارة نجسة إلا أن يطهرها.
مسألة
[ حجم الحجارة التي يرمى بها ]
ولا يجوز الرمي الجمار بلؤلؤ ولا بالدر ولا بالعظم وبآجر ولا بجصي
ولا بخشب ولا بطين ولا مدر ولا بشيء غير حصى الحرم، ومقدار الحصى كالحمص والباقلاء، وقيل : كالجوز والبندق ومن نقص حصاة أو ضاع
أخذ حصى غير ما رمى به فرمى به لأنه ما رمى به يصير كالمستعمل.
مسألة
[ جواز الرمي بما يقع عليه اسم الحجر ]
وكلما وقع عليه اسم الحجر جاز الرمي به ولو كان مكسراً أو الصغير
من أصله أولي، ولا بأس على المستقيم ظهر دابته أن يرمي، ورمي الراجل أفضل، ومن رمى بأكثر من سبع حصايات فقول : لا بأس عليه ولا يتعمد ذلك، وقول : يفسد رميه والآخر أصح.
مسألة
[ كيفية الرمي ]
ومن رمى حصاه دفعة واحدة أعاد الرمي، فإن كان في مقامه اعتد (6/94)
صفحة 831
بالرمية الأول واحدة ورمى شيئاً غيرها، وإن انصرف رمى سبع حصايات وعدد الحصى سبعون حصاة، ومن نسي التكبير كله عند الرمي وإن ذكر
في مقامه أو قريباً منه قاعداً سبع تكبيرات ولا عليه إعادة الرمي، وإن نأى
فلا عليه إعادة التكبير. ولا يرم الجمار قاعداً رجلاً كان أو امرأة إلا من
عذر. والخنثى يكون عند النساء في رمي الجمار. ومن أكلم بشراًَ من رميه فعليه أرش الكلم خطأ، وإن وقعت رميته على شيء دون الجمرة فأطارت فأصابت الجمرة أجزأه ذلك، وإن لم تصب الجمرة لم يجزئه.
مسألة
[ السنة في الرمي ]
وإذا قصد الرامي للجمرة فتعداها أجزأه ، وإن وقع دونها أو حاذاها فلا
يجزئه، وإن نوى برميته مجاوزتها فلا يجزئه إذا تعداها، وإن وقع بها
أجزأه. ومن دنا من الجمرة فوضع عليها الحصى بيده لم يجز هو وإن وقف بإزائها فطرح عليها الحصى طرحاً أجزأه.
مسألة
[ عدم اشتراط الطهارة عند رمي الجمرات ]
وذو الجنابة وذات المحيض يرميان الجمار على هيئتهما ولا غسل عليهما. ويستحب لمن يرمى جمرة العقبة يوم النحر أن يصلي في مسجد الخيف
ركعتين، وإن لم يستطع صلى في رحله وذبح وقضى تفثه ولا تكبيره فيها كتكبير صلاة العيد، وكان عليه السلام يزدار بنساءه. ومن رمى جمرة
العقبة ثم الوسطى ثم الأولى فقد أخطأ، وإن أعاد الرمي فأوثق فلا بأس
عليه. ومن رمى الجمار في اليوم الثالث بالحصى جميعاً فلا شيء عليه، ومن ازدار قبل أن يرمي جمرة العقبة فليعد رميها أو يذبح ويحلق ويزدار ولا
شيء عليه.
مسألة
[ حكم الحلق قبل الرمي ]
ومن رمى ثم ازدار قبل أن يذبح ويحلق ثم يزدار فإن لم يفعل لزمه دم،
وإن حلق قبل أن يرمي لزمه دم، وكلما أخطأ في تقديم أو تأخير ثم رجع فيه أجزأ عنه ما لم يقصر أو يحلق، وكل حصاة يقبل رميها رفعت، وإلا كان كأحْبُلٍ أُخِذ وبُتر.
مسألة
[ أيهما يقدم الصلاة أم الرمي وحكم ترك الرمي ] (6/95)
صفحة 832
ومن أدركته صلاة الظهر قبل أن يرمي حاذر فوت الصلاة إذا بدأ بالرمي صلى فلا شيء عليه، ومن شك كبر عند الرمي أم لا فلا شيء عليه، وإن
رمى ثم شك أنه رمى سبعاً أم لا أجزأه إذا كان عالماً عدد الحصى قبل الرمي.
وإن تحقق أنه رمى جمرة العقبة بأقل من سبع ثم ترك الرمي عامداً حتى انقضت أيام الرمي لزمه دم، وما دامت أيام الرمي قائمة فعليه بدل الرمي. وإذا لم يقدر الصبي على الرمي رمى عنه رفقائه، ومثله ذو الوصب، فإن
عوفي في أيام الرمي ذو الوصب وقدر الصبي، وإلا فلا إعادة عليهما.
مسألة
[ حكم من ترك الرمي والمبيت في منى ]
ومن لم يشعر أين وقعت رميته أعادها، وقيل : من رمى بأكثر من سبع تم رميه و من لم يرمي الجمار الثلاث في الأيام الثلاث فنفر، بعث بتسع شياه يذبحن عنه ويفرق لحمهن بمكة أو بمنى، وإن نفر في يومين بعث بست
شياه، وقيل : بسبع شياه.
مسألة
[ حكم التقليد في الرمي ]
ومن تعمد لرمي خمس حصايات أو ناسياً أعاد رمي حصاتين، وإن نفر حتى انقضت أيام التشريق فعليه لكل حصاة تركها إطعام مسكين، ومن
رمى الجمرة يوم النفر الأول وشك في الزوال وحاذر خوفاً على نفسه وماله وإن رمى وعنده أنه يرمي في وقت الرمي ثم شك بعد فلا بأس عليه، وإن
رمى وهو شاك وقلد غيره معرفة الوقت مع ظهور الأدلة على معرفة النهار، فإنه غير مؤد ما وجب عليه.
مسألة
[ حكم المحصر ]
عن أبي الحواري(1)
__________
(1) 1- أبو الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو الحواري محمد بن الحواري بن عثمان
القري من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما أدرك أول القرن الرابع
ونشأ وعاش رحمه الله في نزوى وبها أخذ العلم عن شيوخه وهم الشيخ محمد
ابن محبوب ومحمد بن جعفر صاحب الجامع ونبهان بن عثمان وأبو المؤثر
الصلت بن خميس وهو أخص شيوخه وأكثرهم ملازمة له. رحمهم الله وكان
أعمى، من مؤلفاته (جامع أبي الحواري) مطبوع في خمسة أجزاء وله زيادات
على جامع ابن جعفر رحمه الله، انظر إتحاف الأعيان 1/209 - 210 . (6/96)
صفحة 833
رحمه الله : من أخذ إحدى وعشرين حصاة فرمى الجمار وبقيت في يده واحدة لم يدر من أيتهن رمى بالأولى ويعيد عن
الباقين سبعاً وسبعاً، وقول : يجزئه برم بكل جمرة بحصاة، وإن بقي في يده
أكثر من النصف أعاد الرمي، وما كان دون النصف فكما سبق، قال الله
تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } (1) قيل : إن ذلك في
الحرم الذي يعرض له المرض والخوف ولا يستطيع المضي، فإن أحرم بعمرة ذهب حيث شاء و هو على إحرامه و بعث بالهدي إلى مكة وعاهده به أن
ينحره في يوم معلوم، فإذا أتم العهد حلق وأحل حيث كان إلا النساء
والصيد حتى يقضي عمرة مكانها.
مسألة
[ أحكام للمحصر ]
ومن أحرم بالحج أو بالحج والعمرة قارناً(2) ثم أحصر(3) ذهب حيث أراد وهو على إحرامه، فإن أقرن بالحج بعث هدياً واحداً، وإن قرن قول: يبعث هديين ويأمر من يبعث بهما معه أن ينحره عنه يوم النحر بمنى، فإذا انقضى الوقت الذي عاهده عليه أحل إلا النساء والصيد، وعليه الحج أو الحج
والعمرة إذ كان قارناً، وإن اعتراه وصب فرجع قبل أن يحرم فلا شيء عليه.
مسألة
[ الكفارة عن الأخطاء ]
قال جابر ابن زيد رحمه الله(4)
__________
(1) 2- سورة البقرة : جزء من آية 196 .
(2) 1- حج إقران : أو قارناً : هو الذي يجمع العمرة مع الحج دون الإحلال بينهما
والفرق بينه وبين التمتع أن المتمتع يتحلل بعد مناسك العمرة، ومن العلماء
من اشترط تقليد الهدي معه حتى ينحر يوم النحر.
(3) 2- الإحصار: المنع ، وجود سبب من الأسباب التي تمنع الحاج من إتمام حجه كما
حصل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية فيبعث شاة أو ثمنها للحرم فتذبح هناك،
وفي الحديبية أنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - مناسكه عند الحديبية، والله أعلم.
(4) 3- جابر بن زيد : هو جابر بن زيد الأزدي الجوف البصري من قبيلة اليحمد
العمانية ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما بين 18 - 22هـ
و توفي رضي الله عنه سنة 103هـ و كنيته أبو الشعثاء ، و هو اسم ابنته ، بيته = (6/97)
صفحة 834
: من آذاه رأسه فحلقه أو جسده فداواه ،
فكفارته ما قال الله : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } (1) فالصيام
ثلاثة أيام أو ستة أيام، والصدقة ستة مساكين إلى عشرة والنسك شاة.
فالذبح والإطعام بمكة والصيام حيث كان أجزأه. والإحصار من طريق اللغة
هو المنع للمحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله عليه في إحرامه، ولم يستطع وصول البيت مما به من مرض أو عائق، كفراغ زاد أو ضلال راحلة
أو ما أشبه ذلك من العذر، فإنه يقيم على إحرامه في مكانه ويبعث بهديه أو ثمنه، فإذا نحر هديه أحل.
مسألة
[ الفرق بين المحضر والمحصر ]
وفي اللغة ما كان من مرض وذهاب نفقة قيل فيه أحضر فهو محضره،
وما كان من سجن أو محاذرة عدو قيل : فيه حصر فهو محصور، وإن
أحصن الحاج ومعه هدي قد قلده فإنه لا يجزئ عنه وينحر آخر معه لأن
الأول وجب لله ويجب عليه للإحصار غيره.
مسألة
[ ضياع هدي المحصر ]
وإن بعث المحصور هديه فتوى ولم يعلم فحلق للموعد فلا بأس فقد حل، ويبعث بهدي غيره، وإذا تعذر حصول من يبعث معه الهدي فهو كمن لم
يجد، فإن كان مثر بعث بعد ذلك.
مسألة
[ مقدار الفدية ]
ومر - صلى الله عليه وسلم - بكعب بن عجره(2)
__________
(1) = بيت علم وفروسية. أخذ العلم عن العديد من الصحابة رضوان الله عليهم
أشهرهم ابن عباس، وقال عنه : لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد
لأوسعهم علماً عما في كتاب الله، وكان مفتي البصرة في زمانه وهو يعد
كالحسن وابن سيرين. انظر سير أعلام النبلاء 4/481 رقم 184 .
1- سورة البقرة آية (جزء من 196).
(2) 1- كعب بن عجرة : الأنصاري السالمي المدني، من أهل بيعة الرضوان له عدة
أحاديث، روى عنه بنوه : سعد ومحمد، وعبد الملك، وربيع وطارق بن
شهاب، ومحمد بن سيرين، وأبو وائل وعبد الله بن معقل، وأبو عبيدة بن عبد
الله بن مسعود. حدث بالكوفة توفي رضي الله عنه سنة 52هـ . قال كعب:
كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية... الحديث. (6/98)
صفحة 835
والقمل ينتثره من هوام رأسه وهو محرم،
فقال له : أيؤذيك هوام رأسك يا كعب؟ قال : نعم. فأمره أن يحلق ويفتدي بشاة أو إطعام ستة مساكين ثلاثة أصواع حنطة، أو صيام ثلاثة أيام(1) .
فنزلت الرخصة فيه قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من
رأسه } (2) الآية.
مسألة
[ متى يحلق المحصور ]
وينبغي للمحصور أن يمسك عن الحلق بعد الأجل حتى لا يشك أن هديه قد ذكي. والمتمتع يصوم الثلاثة في العشر والسبع إذا رجع، وإن صامها في الطريق أو في أهله. وتجب البدنة على من فاته الحج، وتجزئ العنز عن المحصور.
مسألة
[ حكم إحصار المستأجر ]
ومن استؤجر أن يحج عن الميت فأحصر فعليه إتمام الحج إذا لم يشترط
على الأجير أن يحج في سنة معلومة، وعليه ما على المحصر في الحج من أمر
ما تقلده هو في الإحرام، وعليه في معنى الحج التمام والقيام على من
استؤجر وإن شرط عليه الحج في سنة معروفة فأحضر فيها فقيل : له أجر ما بلغ من الطريق، وليس له حجة ولا له فيما بقي وعلى الوصي إتمام الحجة
من حيث ما بلغ.
مسألة
[ ما يترتب على المحصور بعد إحلاله ورجوعه ]
واختلفوا في المحصور إذا حل ورجع، فقول : عليه الحج من قابل، وقول : إن شاء جاء بحجة، وقول : لا قضي عليه إلا أن يكون لم يحج حجة
الفريضة فحجها فإنه قدر عذر فلا يجب عليه إلا الحج الواجب إذا استطاعه.
مسألة
[ حكم من أحصر بعد الوقوف بعرفة ]
ومن وقف بعرفة ثم حصر وبقي عليه الطواف والزيارة لزمه بترك
الطواف والوقف بالمزدلفة دم، ولتأخير الحلق دم، ولكل جمرة تركها دم،
وأما في تأخيره الزيارة فلا بأس إذا قضاها إلا أن يحدث حدثاً، ولا أحب
تعجيل الزيارة وإن مات قضيت الزيارة عنه.
__________
(1) 2- أخرجه البخاري 7/351 في المغادي ومسلم في الحج (1201) باب جواز
حلق الرأس للمحرم، وأبو داود (1856 ، 1857 ، 1858 ، 1859 ، 1860 ،
1861) والترمذي (953) والنسائي (5/194 ، 195) وابن ماجه (3079).
(2) 3- سورة البقرة جزء من آية 196 . (6/99)
صفحة 836
مسألة
[ إحصاره - صلى الله عليه وسلم - ]
ومن أحصر بعد أن أحرم فإنه يحل وينحر هدياً إن وجد ويحلق حيث
منع، وليس عليه قضاء، لما روي عنه عليه السلام أنه أحل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي وحلقوا وحلوا قبل أن يطوفوا، ولم نسمع عنه
عليه السلام أنه أمر أحداً بإعادة الحج.
مسألة
[ الحج عن الميؤوس عنه ]
وإذا أويس من ذي الوصب وكان في التعارف إن أمثله لا يبرئ جاز له
أن يحج عنه بالأجرة ولو لم يمت، وإن مرض المعتمر وعجز عن قضاء
عمرته أحرم بالحج وحمل حتى يقضي حجه ويجزئه طواف لحجه وعمرته، ويفعل بمنى كفعل الحاج من رمي أو غيره وإلا رمى له غيره.
مسألة
[ شفاء المريض في منى وإعادة الرمي ]
وإن عوفي المريض قبل أن يخرج من منى في اليوم الذي رمى عنه غيره، فنحب له إعادة الرمي بنفسه، وأما ما مضى فيجزئه. ويحمل ذو الوصب ويطاف به، ويسعى إن قدر وإلا فيتولى ذلك وليه، وإذا تعذر حصول رجل
أن يرمي عن ذي الوصب جاز أن ترمي عنه امرأة.
مسألة
[ حكم إحرام المرتد ثم إسلامه ]
والزُّمَن العاجز عن المشي والركوب حج عنه غيره، وقول : إذا استطاع فعليه الحج، وقول : إذا رام وصيه حتى قضى عنه الحج فقد أجزأه، وقول:
ما دام حياً فلا يجوز أن يحج عنه غيره إلا ما ذكرنا من المناسك، وإذا أحرم المسلم ثم ارتد ثم أسلم فهو على إحرامه.
مسألة
[ أثر الردة على الحج ]
وإذا حج المسلم ثم ارتد ثم أسلم أجزأه حجه الأول، وإن ارتد قبل أفول الشمس لم ينفعه وقوفه بعرفة، وإذا ارتد بعد أفولها ففيه اختلاف، والأصح
أنه إذا لم يطف طواف الزيارة فحجه غير تام.
مسألة
[ حكم حج المرأة بلا ولي ]
ولا يصح خروج المرأة بغير ولي لحج ولا غيره، إلا إذا تعذر عليها
حصول الولي ووجب عليها الحج وحاذرت الحوادث، جاز لها أن تخرج مع ثقات من المسلمين الأمناء مع نساء مؤمنات، وإذا لم تجد ولياً ولا أميناً (6/100)
صفحة 837
أوصت أن يحج عنها بعد أن تموت(1) .
مسألة
[ متى يجب الحج على المرأة ]
وإذا كان للمرأة يسر ولها بعل مقتر وليس لها أحد من تصحبه للحج ممن يجوز لها أن تصحبه، فلا خروج عليها وتوصي به، فإن كان لها ذووا محرم
ولا نشب لها فليس عليها حج موجباً.
مسألة
[ على من يجب حج المرأة ]
وإذا وجب على المرأة الحج ولم تحج حتى تؤوي نشبها، ولها أولاد
موسرون صغار، فليس لها أن تحج بمالهم، وإن كان لها مسكن وخادم
باعت الخادم وحجت بثمنه إن بلغها واستطاعت به.
مسألة
[ متى يحق للزوج منع زوجته من الحج ]
واختلفوا في منع البعل عرسه عن الخروج للحج، قول : له منعها عن
النفل دون الفرض، وقول : له منعها في النفل والفرض. ونحب إن لا يكون
له منعها في الفرض لأنه لا طاعة في معصية الله.
مسألة
[ إجماع العلماء بالنسبة للحائض والنفساء ]
أجمع علماءنا المسلمون أن الحائض والنفساء لا ينفرون حتى يطفن
طواف الزيارة وطواف الصدر، وإن نفرن لزمهن دم، وإن خافتا التخلف
عن رفقائهما أنسكتا بشاة وخرجتا معهم، ولا تعذرا عن ذلك.
مسألة
[ سقوط طواف الوداع عن الحائض ]
وإن بقي على الحائض والنفساء طواف الوداع وقفت على باب المسجد ودعت بما أمكنها، وضربت مع أصحابها، ولا شيء عليها(2) .
مسألة
[ حكم مجيء الحيض أثناء الطواف ]
وإن حاضت وقد بقي عليها من الطواف شوط أو شوطان، قطعت طوافها، فإذا طهرت وتطهرت استأنفت، وقيل : تبني.
مسألة
[ حكم الركعتين بعد الظهر من الحيض ]
وإن طافت طواف الزيارة ثم حاضت قبل أن تركع فانصرفت فلما جاوزت الحرم طهرت، فلها أن ترجع وتصلي ركعتين في الحرم إن قدرت، وإلا صلت حيث شاءت وعليها دم.
مسألة
__________
(1) 1- هذا قول الشافعية والمالكية في حج الفريضة، وقال أبو حنيفة وأحمد
وجماعة وجود ذي محرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب. انظر بداية
المجتهد ونهاية المقتصد 1/322 .
(2) 1- لأن طواف الوداع سنة وليس بواجب فلا يتوجب بتركه دم. (6/101)
صفحة 838
[ حكم المباشرة للمتطهرة من الحيض قبل الطواف ]
قال أبو سعيد رحمه الله : إذا حاضت المرأة قبل أن تطوف طواف
الزيارة، فإن مكثت حتى تطهر وتطهر وتطوف، فلا شيء عليها، وإن
باشرها بعلها قبل أن تزور فسد حجها أخرجت أو مكثت، وإن خرجت
قبل أن تزدار فقول : عليها بدنة، وقول : عليها دم.
مسألة
[ حكم أخذ الرجل الأجرة من زوجته في الحج ]
ومن كان عليه لزوجته صداق فاتفق على أن يحج بها وتبرئه منه، أو
يكون بدل خروجه بها إلى مكة، فإن حج بها ثبت ما جعلته له من
الصداق. عن أبي سفيان(1) عن الربيع(2) : إذا أحرم الصبي أو الصبية بالحج، وفعلا ما يجب على المكلف، فقد أجزأهما عن حجة الإسلام، وإن جنيا
جناية فعلى من أمرهما بالإحرام الكفارة.
مسألة
[ إحرام القن حيث حرر ]
وإن حررت القن بعد مجاوزة الميقات أحرم حيث حرر، وقيل : إذا
حج الصبي في حال الطفولية والقن في حال العبودية، لم ينحط عنهما
الفرض لأنهما غير مخاطبين في تلك الحال، فإذا بلغ الصبي وعتق العبد
واستطاعا حجا.
مسألة
[ ما يجب على القن في حجه ]
وإذا حج القن بإذن سيده أجزأه، وقيل : إذا حرر حج إن استطاع، فإن أحدث في حجه فما لزمه على سيده، ومن أذن لعبده في الحج فأصاب
صيد قوم وصام العبد ما يجب عليه، وإن باضع أتم حجته تلك، وإن عتق واستطاع حج من قابل، وإن تطيب العبد أصاب ما يلزمه فيه دم، فذلك في ماله، وإن أعتق، وإن حلق من أذى وتداوي بما فيه عرف طيب، فعليه
__________
(1) 1- أبو سفيان : يرد ذكر هذا الاسم في الروايات عن أبي عبيدة وعن حاجب
وعن لربيع ولكنني لم أعثر على ترجمة انظر حياة أبي عبيدة والربيع وحاجب
في طبقات المشائخ بالمغرب.
(2) 2- هو الربيع بين حبيب : الإمام المحدث الثبت الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي=
= العماني وقد أدرك جابر بن زيد وأكثر ما حمل عن ضمام عن جابر بن زيد
وهو إمام المذهب. انظر الجزء الأول والثاني فهناك ترجمة وافية. (6/102)
صفحة 839
الصيام بنفسه ولا يجزئ عنه إطعام سيده، ولا يجوز للعبد أن يحج عن
غيره، ولو أذن له مولاه، وكذلك الصبي.
مسألة
[ حكم حج القن ]
وإن أحضر القن فعلى مولاه أن يبعث عنه بهدي إذا حج بإذنه، وعليه إذا عتق حجة وعمرة، وقيل : إذا حج القن بإذن ربه فما جناه في إحرامه
فعلى ربه قل أو كثر. ومن حرر قنه بعرفة وقد أحرم القن أجزأه عن
حجة الإسلام على قول.
مسألة
[ حكم حج العبد عن الحر ]
قال أبو المؤثر : إذا حج العبد عن حر بإذن مالكه فلا إعادة عليه، ولو وجد حراً ليستأجره، وقول : إذ لم يجد الحر جاز حج العبد.
مسألة
[ أجر النيابة في الحج ]
قال ابن عباس رضي الله عنه : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «ليدخل الجنة بالحجة الواحدة ثلاثة : الحاج، والمحجوج عنه، والمنفذ لها إذا كانوا على طاعة
الله»(1) واختلفوا فيمن يحج عن من لا يتولاه، فأجازوا ذلك بشرط أن لا
يدعو له، وأباه آخرون ولو لم يدع له. قال هاشم(2) : إذا لم يدع له فقد
خانه ، و إذا كانت دار المحجوج عنه أدنى إلى مكة ودار الحاج أقصى جاز له
أن يخرج بالحجة من داره الأقصى. ومن حج عن ميت فعجز عن شراء
النسك وصام الأيام بدلاً من أن يذبح وحلق فحجه تام وعليه شاتان واحدة لمتعته وواحدة عن صاحب الحجة ينحرهما بمنى.
مسألة
[ النذر بالحج ]
ومن نذر أن يخرج إلى دار أدنى إلى الحرم من داره فخرج فنوى الحجة
من حيث وصل جاز له، وعليه أن يمون رجلاً من داره إلى حيث نوى من
نفقة وكرى أو يجعل بقدر مؤونة الحج وكرائه من داره إلى تلك الدار في
سبيل الحج، لأنه وجب عليه من داره.
مسألة
[ من يجوز له الحج عن الغير ]
عن ابن عباس رضي الله عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمع ملب يلبي عن
__________
(1) 1- كنز العمال 5/5 رقم 11791 قال : أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وسعيد
بن منصور.
(2) 2- هاشم : هو الشيخ العلامة أبو الوليد هاشم بن غيلان السيجاني نسبة إلى = (6/103)
صفحة 840
غيره، فقال : أحججت أنت، فقال : لا، فقال له : حج عن نفسك أولاً ثم عن غيرك، ولا تحج المرأة عن الرجل، وتحج المرأة عن المرأة، ويحج الرجل
عن الرجل والمرأة(1) .
مسألة
[ كيفية الإحرام عن الغير ]
ومن أحرم عن غيره نوى بالتلبية عمن أحرم عنه وكذلك سائر الدعاء. ومن أخذ حجة وشرط على من استأجره أن ينحر غيره لحج لها، فإذا رضي
له جاز، فإذا وافى الميقات أحرم عن نفسه تم حجه، وقيل يعطي الأجير الثاني
ما بقي عنده من دراهم الحجة ولا غرم عليه فيما نوى من ذلك الموضع، هذا إذا اشترط إن لم يستطع أن يحج بها بنفسه استأجر من يحج بها.
مسألة
[ الحج عن الآخرين من ماله ]
ومن حج آخر من ماله اجتز الحاج بذلك وسقط عنه الفرض، ولو ملك بعد ذلك ما يجب به عليه الحج.
مسألة
[ الحج عن الغير ]
ومن لزمه أن يحج عن غيره من ماله لحنث لزمه، فقيل إنها تجزئه لأن
الحجة للحاج لا لمن أحجه.
مسألة
[ حكم حج المرأة عن الرجل ]
وقيل يجوز أن يحج امرأتان عن رجل.
مسألة
[ حكم من حلف أن يحج ماشياً ]
ومن حلف أن يحج ماشياً جاز أن يحج امرأة والرجل أفضل، ويجوز
تحج الأم عن البنت وبالعكس، وذات رحم عن رحمها وتحج المرأة عن
__________
(1) = سيجا بلد من أعمال سمائل. يعد من كبار علماء عُمان في عصره في آخر القرن
الثاني وأول القرن الثالث وهو من تلاميذ موسى بن أبي جابر الأزكوي وعاصر
إمامة محمد بن أبي عفان، والله أعلم. انظر إتحاف الأعيان 1/176 - 177 .
1- الملبي عن غيره: هو شبرمة: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
«إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال : ومن شبرمة؟ قال: =
= أخٌ لي، أو قريب لي، فقال : أحججت عن نفسك؟ قال : لا، قال : فحج عن
نفسك، ثم حج عن شبرمة» أخرجه أبو داود رقم 1811 في الحج وابن ماجه
رقم 2903 وابن حبان في صحيح رقم 962 والشافعي في مسنده 15/287
والحافظ في تخليص الجير 2/223 ، 224 موقوفاً. (6/104)
صفحة 841
الرجل في الكفارة، ومن أوصى بحجة فالحجة والعمرة له، إلا أن يشترط
الأجير له أن العمرة له، فله شرطه ويستحب أن لا يعطي الحجة لحماله، لأن حماله لا بد أن يصحبه، ومن حج عن سواه فأحرم عن نفسه بعمرة فلما
وافى مكة أحل، فأفتى أن ذلك لا يجوز، إلا بشرط فإنه يرجع إلى الميقات، فيحرم منه عمن حج عنه وأهدر ما صنع سابقاً.
مسألة
[ جواز الاستئجار للحج ]
وقيل: يجوز أن يتجر مجهول الحال للحجة، ولا تعطى فاسقاً، ومن
استأجر من ينتهك ما يدين بتحريمه فحج بها عن الموصي، تم حجه وجاز،
لقوله أنه أداها إذا علم أنه أحرم من الميقات، وأما مجهول الأمر فقوله مقبول
مع النية، ولو لم يعلم أنه أحرم من الميقات.
مسألة
[ جواز حج المقتر عن غيره قبل نفسه ]
وللمقتر أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه على قول، لأنه لم
يخاطب بالحج لعدم استطاعته، وأما من وجب عليه الحج فلا يحج عن غيره
حتى يقضي فرضه، وإذا نسي الأجير اسم من يحج عنه، فقول : لا يتم
حجه، وقول : حجه تام، ويدعو له في المشاهد كلها والله أولى بعذره، وإن تعمد لترك ذكر المحجوج عنه في جميع المشاعر، فقد أسيء فيه وظلم نفسه
إذا خالف الأثر، لأن المسلمين قالوا : من حج عن أخيه المسلم فليذكر اسمه عند إحرامه ويدعو له في كل المشاهد.
مسألة
[ قول الشيخين في الاستئجار على الحج ]
عن الشيخين محمد بن محبوب وموسى بن علي رحمهم الله أن من
اتجر على حجة أو مسير إلى موضع فالدعي أنه فعل قبل قوله إذ هو أمين ولا يمين عليه، إلا أن يشترطوا الإشهاد على الإحرام وغيره فعليه ضمن به.
مسألة
[ نيابة من عليه دين ]
وفي حج حاج عن غيره بأمر القاضي أو الوالي أو الموصي، فلما غاب
صح أن على المحجوج عنه دين يستغرق ماله، فإنه يؤخذ منه ما كان باقياً
بيده من دراهم الحجة بعد بلوغ الحجة، وإن لم تبلغه فلا غرم عليه ولا
للغرماء إلا ما فضل.
مسألة
[ إثراء المقتر وأثره على النيابة ] (6/105)
صفحة 842
ومن أخذ حجتين فحج بواحدة وأقام بمكة ليحج بالأخرى من قابل فلا يجوز له ذلك وعليه أن يخرج من بلد من له الحجة. ومن استؤجر علي
حجة ثم أثري قبل أن يقضي فعليه ردها لأهلها، وإن أثري بعد أن جاوز
داره حج بالحجة التي استؤجر عليها ثم حج عن نفسه، وقول : يحج عن
نفسه أولاً.
مسألة
[ كيفية تنفيذ الوصية بالحج ]
وعن أبي عبد الله فيمن أوصى بحجة وسمى لها دراهم فاستأجر الوصي
على أن له ما فضل من الحجة وعليه ما نقص، وإن لم يسم الوصي الدراهم فسيان. وإن مات الحاج وتوت الدراهم فعلى الورثة أن يتموا الحجة عن هالكهم من ثلث ماله إن كان فيه سعة، وإن لم يبق من الثلث شيء فلا
حجة عليهم.
مسألة
[ حكم ادعاء الحاج تلف المال ]
وإن ادعى الحاج تلف المال فهو أمين، ويستحلف على قول، وإن تصرف في المال في متاجرة فتوقع عليه سارق فسرقه، فلا ضمان عليه. وينبغي لمن أخذ حجة تامة لا يمشي، وله أن يوسع على نفسه وعلى عياله من الزاد وغيره.
مسألة
[ حكم الاشتراط في النيابة ]
ورخص أبو سفيان لمن أخذ حجة وأباحوه في فضلها، وأحب أبو
أيوب(1) أن يوضح عدد الفضلة للورثة، فإن تركوه له، وإلا رده عليهم. وإن اشترط الفضل له جاز، وقيل : يكره الشرط.
مسألة
[ خبر الخشعمية ]
وإذا آذى المرء وصب أو أجهده نصب لا يرجى براه أو مقعداً أو أغمي أو زمناً، جاز أن يحج عنه وهو حي لخبر الخشعمية التي سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أبي شيخ كبير وقد أدركته فريضة الحج أفحج عنه؟ قال : نعم(2) .
مسألة
[ معنى الاستطاعة عند العلماء ]
ومن منعه عن الخروج خوف الطريق، فقيل : لا شيء عليه،
وقيل: يبعث بحجة من غير إيجار. قال الربيع بن حبيب والإمام ابن
__________
(1) 1- أبو أيوب : هو وائل بن أيوب الحضرمي، سبق ذكره.
(2) 2- حديث متفق عليه وهذا اللفظ للبخاري. انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام
رقم 732 ص143 . (6/106)
صفحة 843
عبد الوهاب المغربي(1) رحمهم الله: و من منعه الإقتار وعدم الزاد ، فمن قال:
إن الاستطاع زاد وراحلة فلا شيء عليه، وعلى قول من قال : إن الاستطاعة صحة البدن فعليه أن يحج بنفسه.
ومن أخذ الأجرة للحج عن ميت فمات قبل أن يقضيها، قول : له من الأجرة ما بلغ، وقول : الأجرة إذا خرج من دار الميت، وإلا فلاشيء له،
وقول : لا يستحق شيئاً حتى يتم المناسك كلها، والقول الأول أصح.
مسألة
[ أحوال أخذ الأجرة على الحج ]
وقيل: من أخذ أجرة على حجة فليست له الأجرة إلا بإتمامها، وإن
أخذها لضمان فقد لزمته بنفسه وماله، فإن أدركه الموت أوصى بها وعليه
أربها أوصى بها، وإن أخذها محتسباً جاز، ويلزمه رد ما فضل.
مسألة
[ الحاج عن غير لا يؤجر نفسه لغيره ]
ولا تعطى الحجة إلا الثقة وقوله فيها مقبول، وقيل يجوز غير الثقة ويشترطوا عليه الإشهاد على الإحرام والوقوف والزيارة وغير ذلك. ومن حج عن غيره فلا يجوز له أن يؤجر نفسه لأعمال الناس وله أن يعمل عمل نفسه.
مسألة
[ أحكام لمن خرج حاجاً عن غيره ]
ومن خرج حاجاً عن غيره غير حجة حنث فليس عليه القيام بأفعال الحج إذا بلغ المواقيت إلا أن يشارطه المستأجر له على إيجار ذلك عليه والقيام به
وإن لم يشارطه وكان عقد الإجارة على المشي فقط، فوجوب ما لزومه قد زال عنه بذلك لأنه لم يوجب على نفسه فرضاً في يمينه سوى وجوب المشي عليه، فإذا أداه سقط عنه ما لزمه إلا أنه ينو يفعل ذلك بنفسه، ولا خير بعمل في حجه كعمل الحاج عن نفسه.
مسألة
[ حكم أخذ الأجرة على الحج ]
__________
(1) 3- الإمام ابن عبد الوهاب المغربي : هو والله أعلم ابن عبد الرحمن الذي تولى
الإمامة بعد أبيه وهو عبد الوهاب بن عبد الرحمن . انظر طبقات المشائخ =
= بالمغرب 1/35 ، 46 ، 47 . (6/107)
صفحة 844
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : كره بعض أهل العلم الأجرة على الحج وأجازها آخرون. وإذا حج الوارث عن الهالك بغير أمر الوصي فإن لم يكن وارث سواه جاز وكذلك إذا كان الورثة بالغين، وإذا نوا له بذلك وإذا فعل ذلك بغير رأي الورثة وأتموا فعله جاز إذا كان وارثاً فإتمام الورثة مع ثبوت الفعل يجزئ ولو تطوع بذلك أجنبي وأتم له الوصي لعلة الورثة ممن تجوز
لهم الإتمام جاز، واختلفوا فيمن لزمته حجة الإسلام، قول لا يجزئه أن يحج
عنه غيره بعد وفاته وكانت حجة فرض أو نفل أو نذر عن يمين لقوله تعالى:
{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } (1) أوصى به أو لم يوص، وقول : إذا
لزمه حق الله فأوصى به جاز إنفاذه عنه.
مسألة
[ إذا مرض الأجير فله أن يستأجر من ينوب عنه ]
قال الحسن بن أحمد(2) رحمه الله : ومن أخذ حجة بلا أجر فاعتراه
وصب بعد أن أحرم، فللأجير أن يستأجر من يتم عنه الحج، وإن مرض قبل الإحرام فليس له ذلك إلا أن يجعل له من استأجره، وإن انشغل بسبب عن
أداء الحجة فأجر بها من يحج عنه جاز، ويكره للمتحنف أن يحج عن القوم وبعض رخص إذا لم يجد من يحج عنه من المتحنفين.
مسألة
[ كيفية عقد الإجارة على الحج ]
لفظة الحجة المضمونة هو أن يقول : قد أخذت هذه الحجة على أن أحج بها إلى بيت الله الحرام واقفاً بها في مواقيت الحج بكذا وكذا دينار
مضمونة، فإن نقصت فعلي، وإن زادت فلي، وإن كانت أمانة فيقول:
__________
(1) 1- سورة النجم آية 39 .
(2) 1- الحسن بن أحمد رحمه الله : هو العلامة الفقيه أبو علي الحسن بن أحمد بن
محمد بن عثمان العقري النزوي رحمه الله من علماء القرن السادس ومن
أشهر علماء عُمان في زمانه مسكنة بالعقر من نزوى وقد بنى به مدرسة على
نفقته الخاصة لطلاب العلم، وهو شيخ العلامة محمد بن إبراهيم الكندي مؤلف
بيان الشرع وكان قاضياً للإمام الخليل بن شاذان، توفي سنة 576 . انظر
إتحاف الأعيان 1/248 . (6/108)
صفحة 845
أخذت هذه الحجة أمانة فإن زادت فلكم، وإن نقصت فعليكم.
مسألة
[ لا يجوز للمستأجر أن يستأجر غيره ]
ومن استؤجر على أداء حجة فليس له أن يستأجر غيره إلا بأمر من استأجره، وإن فعله برأيه لزمه أن يحج بنفسه، وإن أتم الورثة صنيعته جاز، وتلزمه الأجرة لمن أجره فإن أخذها له لا ليستأجر بها فاستأجر بدون ما استأجر هو فإن أعان الأجير بشيء فأفضل له إذا أتمم الورثة فعله، وإلا
فالفضل له مصروف في سبيل الحج، هكذا عن أبي الحواري رحمه الله.
مسألة
[ على المستأجر إتمام العمرة والحج على ما تم الاتفاق عليه ]
ومن خرج حاجاً عن غيره فلما بلغ الميقات أحرم بعمرة وطاف وسعى ودخل العدو مكة قبل أن يحرم بحجه، فإن عليه إتمام الحجة، فإن أذن لها
أربابها أن يحج بها حيث وصل جاز له، فإن شاء خرج واستأجر غيره أو
بعث من يستأجر له من حيث وصل، وإن أبوا عليه إلا أن يحج بنفسه أو
يرد عليهم مالهم، ذلك إلا أن يكون بينهم شرط فلهم شرطهم.
مسألة
[ ضمان ورثة المستأجر للحج ]
ومن أخذ حجته بضمان فأخذ البعض وترك الباقي عند الورثة فمات في أثناء الطريق، فلورثة الأجير الخيار بين القيام بالحجة من حيث مات صاحبهم
ولهم ما بقي من الأجرة ، وبين أن يردوا ما أخذ هو من الأجرة من ماله
وأخرجت الحجة من دار الهالك.
مسألة
[ حكم تحويل نية الحج عن غيره لنفسه ]
ومن أخذ حجة ولم يشترط لتلك السنة، ثم ضرب وحول نيته أن يحج لنفسه أو لغيره بحجة أخرى واعتقد الحج للقوم من قابل حيث اعتقد
لنفسه، فهذا بمنزلة من قعد في ذلك الموضع حتى حج سنة ثانية، وإن شرط
عليه الجج لتلك السنة فعليه رد ما أخذ لمخالفته أمرهم، وقو ل : حتى يرجع لبلد الهالك، إلا أنه أبطل الحجة الأولى لما اعتقد سواها وليس له الإحرام من الموضع الذي نوى تركها أو تأخيرها فيه.
مسألة
[ قول محمد بن روح في تحويل النية ]
عن محمد بن روح(1)
__________
(1) 1- محمد بن روح : هو الشيخ العالم الفقيه أبو عبد الله محمد بن روح بن
عربي الكندي، النزوي السمدي من علماء النصف الأول من القرن الرابع، وهو
من شيوخ أبي سعيد الكدمي ، ومن شيوخه العلامة أبو الحواري، ومن
أشياخهم الشيخ مالك بن غسان بن خليد وله رأي في عزل الإمام الصلت.
انظر إتحاف الأعيان 1/211 - 213 . (6/109)
صفحة 846
رحمه الله : من عقد حجة عن غيره فحج عن
نفسه فأقام حولاً فحج بالتي خرج بها، فهذا خان لأمانته وحجه لنفسه تام وعليه التوبة لله تعالى، ولا له أخذ أجرة إلا عن تراض وإتمام، وإذا منعوه
الأجرة فجزي لمخالفته، وإذا كان المحجوج عنه مثر ، فلا يجوز الصوم للأجير
دون الذبح في هدي المتعة إذا تمتع بالعمرة إلى الحج.
مسألة
[ المكان الذي يخرج منه للحج ]
وجائز للحاج بالأجر أن يخرج من أرضه وبلده، وإن كانت أقرب من
بلد الموصي إلى مكة إذا أذن له من استأجره على قول، والأصح أن يخرج بالحج(1) من بلد الموصي. ومن استؤجر على أداء حجة هالك، فحج وهو
غير عالم بما يلزمه من قول أو عمل في المناسك فشك في ذلك، فإذا لم
يستيقن في تضيع شيء من أمر الحجة وقد فعل ما يفعله الحاجون، فلا
بأس عليه.
مسألة
[ ما يفعله المستأجر ]
ومن استؤجر على حج وزيارة، فينبغي له أن يحج أولاً خوف الحوادث ويزور، فإن زار أولاً فلا بأس. وإن قدم الموصي الوصية بالحج وجب اتباعه، ومن أخذ حجة فاستأذن في الاستئجار عليها لشخص معلوم، فما فضل فهو
له وتضمن بها، فقول: جائز له ذلك على قول لأنه ضمن بها، وقال أبو الحواري رحمه الله : لا يجوز، وهو الأصح.
مسألة
[ حكم استئجار الولد حاجاً ]
وإذا استأجر الولد حاجاً عن أبيه فاحرم عن الولد فسد حجه، ولا تجزئ تلك الحجة عن الحاج ولا عن الولد.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من جهز حاجاً أو غازياً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الآخر شيء»(2) .
[ مقدار ما يأكل من الذبيحة ]
وإذا شرط على الأجير بالحجة أن يذبح عنه، فدخل بعمرة في غير أشهر الحج، لم يكن عليه سوى ذبيحة واحدة المشترطة، وإن لم يشترط عليه
__________
(1) 1- في الأصل : بالحجة : والصواب بالحج.
(2) 1- له شواهد في كنز العمال 5/14 - 15 أرقام 11839 ، 11843 ، 11844 ،
11845 ، 11847 . (6/110)
صفحة 847
وأحرم بعمرة في غير أشهر الحج فلا شيء عليه، وإن أحرم في أشهر الحج بعمرة وقد شرطت عليه الذبيحة، لزمه ذبيحتان : واحدة لنسكه، والأخرى المشترطة عليه، وإن أحرم بعمرة في أشهر الحج ولم يشترط عليه ذبيحة، لم
يكن عليه سوى ذبيحة عن نسكه، وله إن أراد أن يأكل منها إلى ثلثها.
مسألة
[ جواز الحج عن الميت ]
اختلف العلماء في جواز الحج عن الميت، فأجازه أكثرهم، وقالوا : له
ثوابه إذا أوصى أن يؤتجر عنه من ماله ، وقال بعضهم: له ثواب الدراهم
الموصى بها، وثوابها للحاج ، وقال بعضهم : لهما ثوابها معاً إذا أوصى
الموصي وحج الأجير على منوال الشرع، وكانا على الطاعة لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عنه ص أنه قال : «إن الله يدخل الجنة بالحجة
ثلاثة : الحاج، والمحجوج عنه، والمنفذ لها»(1) .
مسألة
[ سبب اختلاف العلماء في جواز أو عدم جواز الإنابة في الحج ]
وقيل : إن الحج من عمل الأبدان، وعمل الأبدان لا ينتقل إلى الغير كالصلاة والصوم وأمثالهما. ومن أوصى أن يباع بعض ماله ويخرج من
ثمنه حجة، فهلك الموصى عليه قبل إنفاذ الوصية، فلا يجوز قسم المال قبل
إنفاذ الوصية. ومن أوصى أن يباع غلامه ويخرج من ثمنه حجة، وله مال
فتوى المال وبقي الغلام، فإن كان الغلام قد صار في يد الورثة وقبضوه فتلف
من أيديهم، فلا سبيل لهم على الغلام ولا على ثمنه، وإن يصر في قبضتهم
حين تلف ثم وجدوه، فلهم أن يرجعوا في ذلك بالثلثين ويبقى الثلث
للحجة. وإن قال : قد جعلت نخلي هده في حجتي، فالنخل كلها في
الحجة. ومن قال : قد جعلت حجتي في هذه النخل أو في هذه الدراهم،
أخرج الوصي منها حجة وسطة من دار الموصي. ومن أوصى بحجة
وزيارة بأجر أعلمه مجملاً ولم يميز أجر الزيارة، فإن لم يكن له عذر في
ترك الزيارة فليس له شيء ، وإن تركها من عذر انتظر إلى عام قابل، وقول:
إن كانت الحجة من عمان فأجرة الزيارة الربع ، وقول: أقل ، وقول:
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص. (6/111)
صفحة 848
الثلث، والأول أرجح.
مسألة
[ حكم تنفيذ الوصية إن رفض الموصى له ]
ومن أوصى بمال في حجة وأوصى على وصيه أن يدفعها لزيد يحج بها
عنه، فأبى زيد قبضها، فعليه أن ينفذها هذا الوصي فيما أوصى بها عن
الهالك في الحجة ولا يردها إلى الورثة.
مسألة
[ عدم إلزامية تنفيذ الوعد بالحج ]
ومن أوصى بحجة يحج بها عنه زيد، فأنعم زيد له وهلك الموصي فلا يلزم زيد الخروج بالحجة لأن قوله نعم وعد وعده فهو مخير في إنجازه وتركه.
مسألة
[ جواز استعانة الوصي بما يعينه على تنفيذ الوصية ]
ومن كان ببلد وأوصى بحجة يخرج بها عنه من بلد أخرى، فتوت في
الطريق فلا ضمان على الوصي ولا الأمين وإن لم يوص بإنفاذها على أحد
ولم يستطع الوصي الخروج إلي تلك الدار فللوصي أن يستعين بمن يعينه
على إنفاذها، ومن توت من يد من يستعين به وكان ثقة فلا ضمان عليه،
وإن أخذ منها شيئاً فتوت لزمن الضمان وليس رده ذلك بشيء.
ومن ميز دراهم حجته فمات وأوصى بإنفاذها فأنفذ الورثة عروضاً أو
دراهم غيرها فضاع، فلزمهم بدله من أموالهم. ومن أوصى بحجة وميز لها الأجرة فصرف منها وجعل ما صرفه في شيء من ماله، فهذا ثابت عليه في ماله، وللورثة الخيار في دفع ما أوصى به في الحجة أو عوضه دراهم، وإن عجز الأجير عن إنفاذ الحجة ورد الأجرة على الوصي فله قبضها ولا ضمان عليه.
مسألة
[ عدم ترك الوصي فالورثة هم المنفذون للوصية ]
ومن أوصى بحجة ولم يترك وصياً في إنفاذها أنفذها ورثته، وإلا فحاكم المسلمين أو جماعة المسلمين مع عدمه، وإذا ترك الأجير شيئاً مما تلزم فيه الكفارة ولا يفسد به الحج فحجه تام والكفارة مضمونة في ذمته. وإن
استأجر أحد أجيراً أن يحج عن هالكه واستأجره آخر أن يعتمر عن هالكه، فجمع الإحرام عنهما ونوى أن تكون الحجة عن ربها والعمرة عن ربها،
فقول : إن ذلك جائز لأنه أتى بالعملين جميعاً ولأن الحج والعمرة إذا قرنتا كانتا مؤدتين، وقول : لا يجوز ذلك وعليه رد الأجرة.
مسألة (6/112)
صفحة 849
[ جواز استئجار الرقيق والأنثى للحج ]
قال بعض العلماء : إنفاذ الحجة من رأس المال، وقول من الثلث، وهو الأرجح. وتدفع حجة الهالك لمن جمع الجزية والذكورية والعقار
و الإسلام. وفي الجزية والذكورية اختلاف، قول : لا يجوز الأجير للحجة
الأجر ذكر عن ذكر أو أنثى، وقول : تجوز الأنثى عنهما، وقول : لا تجوز الأنثى إلا عن مثلها، والأصح أن الرقيق جائز استئجاره للحجة بإذن سيده.
مسألة
[ تنفيذ الوصية بالحج والعمرة بما أوصى ]
ومن أوصى بحجة حج عنه، ومن أوصى بعمرة اعتمر عنه، ومن أوصى بشيء لاحتياط الحج ولطريق مكة حج عنه به، ومن أوصى بحجة وأبهم
الأجرة حج عنه بما وجدوا، ومن أوصى بحجة وأعلم الأجرة فحج عنه
بدون ما أوصى استأجروا ما بقي في العام المقبل لمن يحج.
وكذلك في الثالث والرابع، فإن لم تف الفضلة أن يخرج بها من دار الموصي خرج بها ولو من الميقات، فإن لم تف شركوها مع حجة سواها،
وإلا فأعانوا بها حاجاً أو معتمرا.
مسألة
[ حكم الوصية بالحج ]
ومن أوصى أن حجوا عني لزمهم الحج عنه. وإن أوصى أن حجوا فلا يلزمهم، ومن أوصى بورق أو دنانير دفعت للأجير بعينها، وإن أوصى
بعروض وقبلها الأجير دفعت إليه، وإلا فتباع ويدفع إليه ثمنها وتكون
الحجة من بيت الموصي، وقول : من قبره، وقول : من مصلاه، وقول : إذا كان من دون الميقات، وقول لا تشرك حجة الرجل مع حجة المرأة ولا
الخنثى وقيل :جائز ذلك.
مسألة
[ عدد المشتركين في البدنة وأهمية الوصية بالحج ]
وقيل: في البدنة(1)
__________
(1) 1- هذا العدد ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنا نتمتع مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة، فتذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها. وفي رواية قال:
نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. انظر
جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/319 رقم 1628 . (6/113)
صفحة 850
يشترك ما دون الستة. ومن لزمه الحج فلم يحج حتى مات، ولم يوص ولم يمنعه عذر فليس على ورثته أن يحج عنه، ومن أوص باستئجار ثقة قد حج عن نفسه، فعن محمد بن محبوب(1) رحمه الله : يقتفي
ما أوصى به، ومن أوصي بجميع حججه فالمستحب أن يؤتجر عنه في كل سنة، وإن حاذر الحوادث فأنفذوها في سنته جاز، عن أبي علي وعن الأزهر.
مسألة
[ الوصية بثلث المال للحج ]
ومن أوصى بثلث ماله في حجة وهو يفي بحجة، قال أبو أيوب : يحج
عنه ولو من مكة، وإن أعين بها حاج جاز ذلك.
مسألة
[ تنفيذ الوصية بالحج ]
ومن أوصى أن يحج عنه من مكة، والموصي ذو ثروة فالمستحب أن يحج عنه من داره، وإلا فيحرم عنه من الميقات. ومن أوصى بألف درهم في
حجة، قول : نعطي في حجة واحدة كما أوصى الموصي، وقول : في
حجتين إذا قبلها أجيران.
مسألة
[ الوصية بالحج تنفذ مهما كان المقدار ]
وإن أوصى بألف درهم بحج بها أنفذت ولو في حج جمة إذا حصل من يحج عنه بها، ومن عين الحجة في صنف من ماله فتوى، فلا ترجع الحجة
فيما بقي من ماله، ومن أوصى بدين في صنف من ماله فتوى(2) ، فالدين
متعلق فيما بقي من المال بخلاف الحج، وإن أفسد الأجير حجه بما يفسد به الحج فلا أجرة له ، وليس للموصي أن يحج بنفسه عمن أوصى عليه إذا كان
إنما أوصى في إنفاذها إلا أن يحج بها حتى يوصي بذلك.
مسألة
__________
(1) 2- محمد بن محبوب : هو الشيخ العلامة الفهامة شيخ المسلمين في زمانه محمد
ابن محبوب ابن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي ومن أشهر العلماء
في زمانه وشيخ المسلمين ومرجعهم في الرأي والفتوى وكان مضرب المثل في
العلم والزهد والتقوى. من أشياخه موسى بن علي الأزكوي رحمه الله، كان
رئيس المسلمين في بيعة الصلت بن مالك، ومات قبل الإمام بصحار يوم الجمعة
لثلاث ليال خلون من شهر المحرم سنة 260هـ وقبره بصحار -رحمه الله- .
إتحاف الأعيان 1/191 - 193 .
(2) 1- فتوى : أي ضاع. (6/114)
صفحة 851
[ جواز الحج عمن أوصى وإن استغرقت التركة الدين ]
ومن أوصى على وارثه أن يخرج عنه حجة من ماله بكذا جاز له
أن يحج بها ، وقيل: يجوز ذلك للوصي أيضاً. و إن أنفذ الوصي الحجة بغير
رأي أهل الحجة فصح على الهالك دين يستغرق ماله ضمنها، وإن أنفذها برأي من هو وراث فلا ضمان عليه ولا على الحاج.
وإن صح قبل أن يقضي الحجة رد ما فضل عنده، ومن أوصى بحجة في ماله على وصية وأوصى بها الوصي على الوصية في مال معلوم يفي ثمنه
للحجة فتوان الوصي الأول في إخراجها حتى ضعف المال، والحجة تخرج
من ثلث مال الهالك الموصي بها أولاً، فإن كان الوصي الأول قد أتلف المال قبل إنفاذ الوصية كانت الحجة ديناً عليه في جملة ماله، وإلا فينفذ ثمن المال
في الحجة والمال، زاد المال أو نقص.
مسألة
[ جواز تنفيذ الوصية ما دامت دون الثلث ]
عن أبي المؤثر(1) رحمه الله : ومن أوصى بحجة ولم يفرضها، فإن كان الوصي بها ولياً للمسلمين استؤجر له بها عدل بما عز وهان، ما لم يجاوز ثلث ماله، وإن كان مجهول الحال استؤجر له بما يتفق عليه الورثة والأجير قل أو كثر. وإن هلك الأجير قبل أن يحرم بها، أخرجت من دار الموصي ثانية، وإن أذنوا للأجير في الاستئجار عليها إذا عاقه نصب أو اعتراه وصب، ففعل جاز.
مسألة
[ موت الأجير وإتمام الورثة العمل ]
وإن هلك الأجير فللورثة الخيار في إتمام العمل ورد الأجرة. وقول : لا خيار لهم ولهم أجرة ما استحقه هالكهم، ويخرجوا حجتهم من حيث
هلك الأجير إذا كان الأجيرة بالحج، وإذا كانت على أن يحج فمات فلا
__________
(1) 1- أبو المؤثر : هو العلامة الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي
رحمه الله، مسكنه قرية بهلا البلد الذي خرج منه علماء كثيرون، كالعلامة
الأصولي أبي محمد بن بركة، كان أعمى وكان من علماء القرن الثالث ومن
تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب، وكان ممن حضر بيعة الصلت بن مالك،
من مؤلفاته : الأحداث والصفات، انظر إتحاف الأعيان 1/20 - 203 . (6/115)
صفحة 852
أجرة له إلا بتمام العمل.
فصل في حكم العدلين(1) :
مسألة
[ أهمية حكم العدلين ]
وحكم العدلين عبادة تعبد الله بها عباده، ولو أنهما حالف الشرع في حكمهما هدر ولا يكونان من غير أهل مذهب الاستقامة، وإن قالا أنهما يحفظان كذا ويجدان في الأثر كذا فليس ذلك بحكم وإنما هو خبر، والفتيا حتى يقولا قد حكمنا عليك بكذا وقد ألزمناك كذا، وإن قال ذلك أحدهما
لم يجز حتى يقولا معا.ً وإن قال أحدهما : قد حكمنا عليك، وقال الآخر:
نعم كذا، أو نحو هذا مما يدل على أنه يقول كقول صاحب، فلا ،حتى
يحكمان عليه معاً.
مسألة
[ حكم العلماء في جزاء الصيد بأنواعه ]
قال أبو سعيد(2) رحمه الله : من لزمه شيء من جزاء الصيد حكم به
عليه عدلان، فإن لم يجد الهدي اشترى بثمنه طعاماً فتصدق به، فإن تعذر
عليه حصول الطعام صام عن كل نصف صاع برٍ يوماً، وأما ظاهر الكتاب فيوجب التخير، ومن قتل صيداً فعليه كبش يذبحه بمكة أو شاة ، والكبش النعجة أفضل من المعز لقوله تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } (3) ، والإجماع
أن كبش، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام..
وإن قتل وعلاً فعليه بقرة، فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكيناً. فإن لم يجد فصيام عشرين يوماًَ.
وفي النعامة وحمار الوحش بدنة من الإبل، فإن لم يجد فإطعام ثلاثين مسكيناً، وإن لم يجد فصيام شهر تام ولا يحكم الجاني على نفسه ولو عرف الحكومة(4) من الكتاب والسنة والأثر. ومن شرط الحكمين ولاية
__________
(1) 1- العدلين : مفردها عدل والعدل : هو المعدل الذي يشهد للناس بالتزكية،
فالعدلين مثل الحكمين حكمهما نافذ، والله أعلم.
(2) 1- أبو سعيد : هو العلامة أبو سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد
الناعبي الكدمي رحمه الله، سبق ذكره.
(3) 2- سورة الصافات آية 107 .
(4) 3- الحكومة: مقدار العقوبة المترتبة على ما ارتكبه من محظورات الحج
والله أعلم ، والحكومة من الحكم. (6/116)
صفحة 853
بعضهما بعض، وقد حكموا ببيضة الحمام نصف صاع من طعام.
النهج السادس والثلاثون
في النذر(1) بالحج والخروج والعقود والزيارة
والهدي والنحيرة(2) والصوم والصدقة
مسألة
[ حكم الوفاء بنذر المشقة ]
ومن نذر أن يحج حافياً وكان مقتراً حج حافياً، ولا يزم(3)
نفسه ، فإنه لا يحل له ذلك ، فإن لم يستطع حافياً حج راكباً و أحج معه
سواه وأنفق عليه، قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : يحج منتعلاً ماشياً إن
قدر، وإلا ركب وكفر نذره . وقيل : لا كفارة عليه فيما لم يستطع وفيما
لم يملك، ولا في معصية الله.
مسألة
[ حكم من نذر أن يطوف مائة أسبوع ]
ومن نذر أن يطوف مائة أسبوع، فطاف بعض الأسابيع فمات، فإذا أوصى تمم عنه نذره، وإلا فيتم عنه الأسبوع الذي طاف بعضه.
مسألة
[ جوب الوفاء بالنذر ]
قال نافع : لا أعلم في النذر إلا في الوفي، فإن لم يستطع حتى مات
كفر عنه بالعتق. عن الليث(4)
__________
(1) 1- النذر : مصدر وفعله نذر، وله معان متعددة حسب موقعها في الجملة نذر على
نفسه : أوجب على نفسه، وفي الحديث أن عمر وعثمان رضي الله عنهما قضيا
في الملطاة بنصف نذر الموضحة، أي بنصف ما يجب فيها من الأرش والقيمة
وأهل الحجاز يسمونه الأرش نذراً، ونذور أنذر، وعلم أعلم. وفي التنزيل
{ وأنذرهم يوم الأزفة } أي أعلمهم، تناذر القوم : خوف بعضهم بعضاً.
والنذر ما يقدمه الرجل لربه. انظر لسان العرب 7/54 - 57 ، المعجم الوسيط
2/919 - 921 . اصطلاحاً : عند الماوردي الشافعي : التزام قربة غير لازمة
بأصل الشرع، وعند ابن عرفة في الحدود 1/218 : إيجاب امرئ على نفسه
لله تعالى أمراً.
(2) 2- النحيرة : من النحر. والجمع نحور وهو موضع القلادة من الصدر، وهنا
المقلدة للنحر يطلق عليها النحيرة المنحورة.
(3) 3- ولا يزم : الأصح ولا يلزم.
(4) 1- الليث : هو الليث بن سعد الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو الحارث الفهمي شيخ
الديار المصرية مولى خالد بن ثابت بن طاعن. ولد بقرقشندة من قرى مصر سنة
94هـ وقيل : 93 ، سمع من العدد الكبير من أتباع التابعين ومن التابعين منهم:
عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب الزهري، وأبا الزبير المكي، ويزيد بن حبيب
وغيرهم الكثير. روى عنه خلق كثير منهم : ابن عجلان وابن لهيعة وابن وهب
وابن المبارك، وأشهب ، وسعيد بن شرحبيل ، وسعيد بن عقير وغيرهم الكثير.
توفي رضي الله عنه يوم الجمعة ليلة النصف من شعبان سنة 175هـ . انظر سير
أعلام النبلاء 8/136 - 163 . (6/117)
صفحة 854
عن ابن شهاب(1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الخثعمية أن
تحج عن أبيها وهو شيخ كبير لا يستطيع الركوب على الراحلة(2) .
مسألة
[ سداد النذر عمن توفي ]
عن ابن شهاب عن عبد الله ابن مسعود(3) عن عبد الله ابن عباس عن سعيد أبو عبادة(4) أنه قال : استفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عمن كان نذر على أمه
فتوفيت قبل أن تقضيه، فأمره أن يقضيه عنها.
مسألة
[ حكم الوفاء عن الميت ]
ومن نذر فلم يقضه فمات ، قول: للورثة أدائه إذا علموا أن على الهالك
نذر ولم يوص به، كان الحق للخلق أو للخالق، وقيل : في حقوق الله حتى يوص بها، وفي حقوق العباد ولو لم يوص إذا الحق معهم ولم يعلموا بأدائه
__________
(1) 2- ابن شهاب : محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله
بن الحارث بن زهرة.. العالم الإمام القدوة حافظ زمانه أبو بكر القرشي الزهري =
(2) = المدني نزيل الشام، ولد عام خمسين فهو من التابعين روى عن ابن عمر وجابر
بن عبد الله وأبو هريرة وعن سهل بن سعد وأنس بن مالك وغيرهم رضي الله
عنهم. حدث عنه عطاء بن أبي رباح وهو أكبر منه، وعمر بن عبد العزيز ومات
قبله، وعمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب، وقتادة بن زعامة، وزيد بن أسلم،
وغيرهم كثير رحمهم الله. صحب عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وعمر بن
عبد العزيز وغيرهم. توفي رضي الله عنه سنة 123هـ في أول أعمال فلسطين.
انظر سير أعلام النبلاء 5/326 - 350 رقم 160 .
1- سبق ذكره الحديث وتخريجه.
(3) 2- عبد الله بن مسعود : صحابي جليل هو ابن أم عبد خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان
عالماً بالحديث من الستة المشهورين بالرواية، هاجر من مكة إلى المدينة واشترك
في المشاهد وأوفده عمر رضي الله لبلاد العراق، فأسس فيها مدرسة أهل الرأي
فهو المؤسس لهذه المدرسة رضي الله عنه، قالوا عنه : كنيف علي علماً.
(4) 3- سعيد أبو عبادة: الصواب: سعد بن عبادة. وهو من أهل العقبة ومن
الصحابة المعروفين. (6/118)
صفحة 855
ولا احتمل ذلك..(1) .
مسألة
[ حكم من نذر بما لا يطيق ]
ومن نذر بما يعجز عن الوفاء به طاعة أو معصية، قول : لا وفاء عليه به ولا كفارة، وقو ل : عليه الكفارة فقط.
مسألة
[ من نذر بالحج فليحرم من الميقات ]
ومن نذر بالحج أحرم من الميقات إلا أن يكون عقد النذر أنه يحرم من دون الميقات فعليه ما جعل على نفسه، وليس علي النذر بأشد من اللازم،
عن أبي سعيد.
مسألة
[ من كان عليه حج فرض وحج نذر ]
وعنه رحمه الله : ومن لزمه حج فرض وحج نذر ابتدأ بالفرض قبل
النذر، وإن ابتدأ بحج النذر أجزأ عنه، وقول : إذا أدى حج الفرض قبل
النذر أجزأه عن النذر والفرض، وقيل : لا يجزئه.
مسألة
[ حكم نذر صوم رمضان ]
ومن نذر صوم شهر فصام رمضان ففيه اختلاف، قول : يجزئه
للفرض والنذر، وقول : لا يجزئه للنذر. وإن نوى بالحج الفرض والنذر
معاً قول : يجزئ لهما، وقول : لا يجزئه للفرض ولا للنذر، وأعجب
الشيخ أن يجزئه للنذر.
مسألة
[ من صيغ النذور ]
ومن نذر أن يحبس دابة له نفرت حيث أصابها أياما وأن يبيعها ويتصدق من ثمنها بجزء، فأصابها فحبسها فأباعها بائق، فإذا لم يتوان في بيعها فلا
شيء عليه، وإن توانى تصدق بالنذر على الفقراء ولا شيء عليه.
مسألة
[ صيغة لنذر المعافاة من المرض ]
عن هاشم(2) و مسبح(3) : ومن قال : اللهم عاف مريضي و بعيري هذا
__________
(1) 1- حقوق الله التي على الميت مختلف في تسديدها فالحنفية يقولون لا بد أن يوصي
الميت وإذا لم يوص لا تسدد إلا بإجازة الورثة. الشافعية يرون أنها تسدد وأيضاً
المالكية والحنابلة مع اختلافهم في تقديمهما على ديون العباد، والله أعلم.
(2) 1- هاشم : هو هاشم بن غيلان، والله أعلم.
(3) 2- مسبح : هو مسبح بن عبد الله قاضي ولاه الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي
القضاء في نزوى وكان كفيف البصر ومع ذلك أصر الإمام غسان على توليته
للقضاء رغم معارضة بعض المسلمين. عن نزوى عبر الأيام أعلام عُمان 152 . (6/119)
صفحة 856
صدقة للفقراء، فعوفي ثم هلك البعير، فإن لم يتوان في إنفاذ نذره وأمسك واشتغل بعد أن عوفي مريضه فعليه ثمن مثله أو مثله، وإن نوى الوفاء ولم يتوان فلا شيء عليه.
مسألة
[ صيغة أخرى لنذر المعافاة ]
وإن قال اللهم عاف مريضي وعلي عتق رقبة من ولد إسماعيل، فعوفي لزمه ما قال، فإن لم يجد من ولد إسماعيل فمن ولد إسحاق، هذا رأي مسبح.
مسألة
[ صيغة ثالثة ]
ومن قال : إن فعل الله لي كذا فعلت كذا، ففعل الله ما قال، فعن أبي صفرة(1) ومحبوب : عليه ما ألزم نفسه ومن نذر إن عافا الله زيداً أعطيته
كذا فلم يعطه حتى هلك المنذور عليه فقد حنث، وإن أعطى وارثه فقد بر، وإن كان النذر وارثاً فله ذنوبه، وإن أبى فقد خان ومسألة له .
مسألة
[ صورة من كفارة النذر ]
ومن نذر أن يصوغ لصبي قرطين فلم يفعل حتى بلغ الصبي، فأحب له
أن يكفر بإطعام فقير أو فقيرين، أو يصوم يوماً أو يومين ويتم النذر، فإن أبى المنذور له قبوله فلا شيء على الناذر للمنذور له.
مسألة
[ وجوب الوفاء بالنذر ]
ومن نذر لآخر بشيء فأحله المنذور له ، فلا يجوز الحل في ذلك ، والنذر حق يجب على الناذر للمنذور.
مسألة
[ صورة من نذر المعصية ]
ومن نوى في نذره رياءً أو حيفاً على وارثه فهذا نذر في معصية الله وهو باطل، واختلفوا في لزوم الكفارة عليه.
مسألة
[ من صيغ النذور ]
ومن نذر بجميع نشبه لزيد إن عافاه الله، فعافاه لزمه ما نذر به على قول، ولا رجعة له. ومن نذر إ ن عافا الله مريضه أطعم شخصين، فمات
__________
(1) 1- أبي صفرة : يظهر لي أنه من أبناء أبو صفر سارق بن ظالم وهو معدود من
الصحابة قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: دع عنك سارقاً وظالماً فأنت أبو صفرة فشهد
شهادة الحق ثم قال إن لي ثمانية عشر ذكراً ورزقت بنتاً سميتها صفرة فيظهر لي
أنه ينسب إلى هذا الصحابي والله أعلم، انظر إتحاف الأعيان 1/15 - 16 . (6/120)
صفحة 857
أحدهما، فإنه يدعو فقيراً مع الحي ليأكل عوضاً عن الهالك. ومن نذر بنذر وسمى به للفقراء والمساكين فعجز عن الوفاء إلا من بيع الأصل،فعليه بيع
أصل ماله والوفاء بنذره إذا لم يضر بنفسه أو من يجب عليه عوله، فإن كان كذلك كفر نذره ولا حكمه عاجز، ولا يعطي أولاده الصغار من هذا النذر كانوا أغنياء أو فقراء، ويجزئ تسليم ذلك لثلاثة فقراء إذا لم يستغنوا بذلك. ومن نذر لعمرو نذراً فمات عمرو، فهل يعطي وارثه ؟ وإن كان عمرو فقيراً فنوى إعطاءه لفقره، فلا يعطي وارثه، وإن لم يكن له نية جاز أن يعطيه وارثه غنياً كان أو فقيراً.
مسألة
[ صيغ من النذور وحكم حيازة المنذور ]
ومن نذر إن عافا الله ولده ينحله كذا من ماله ، فعوفي فنحله والولد طفلاً، لم يحرز فأكلها الأب حتى مات. قال أبو عثمان : هو للولد لأنه نذر، وأبا ذلك مسعدة حتى يحرز، والأول أولى ولا رجعة فيه ولا انتزاع. ومن تذر بجميع ماله صدقة فلا يلزمه الوفاء ولا الكفارة، لقوله تعالى : { ولا تبسطها كل البسط } (1) الآية، فلما كان منهياً عن ذلك صح أن نذره معصية.
مسألة
[ من صيغ نذور الحاجة ]
ومن نذر أن يفرق شيئاً من ماله معلوماً، فلم يفرق حتى ثوى المنذور به
أو للفقراء، فإن لم يقل على الفقراء ولا نوى ذلك، فإنما عليه كفارة نذره إطعام عشرة مساكين ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن نواه للفقراء فرق
مثلها، وكفر نذره على قول ، وقول : لا كفارة عليه. ومن نذر وقال:
اللهم افعل لي كذا فإذا انتهيت داري فرقت كذا، ففعل الله له فأنهى(2) داره فلم يفرق ذلك من يومه فلا بأس عليه ، لأنه لم ينذر تفريقه من يومه ،
ويفرقه متى أمكنه.
مسألة
[ صيغ من نذر المرض والمعافاة ]
ومن نذر إن عافا الله زيداً أعطى عمرو كذا من غلة ماله الفلاني، فعافى الله زيداً هل له أن يعطيه من زكاة غلتها إذا بلغت نصاباً عن نذره؟ ففي
__________
(1) 1- سورة الإسراء آية 29 .
(2) 1- في الأصل : فانتهى، والأصح : فأنهى. (6/121)
صفحة 858
ذلك اختلاف، فأجاز بعضهم وأباه آخرون، فإن نوى أن يعطيه من غير
الزكاة فأعطاه من الزكاة فغير جائز على قول من يوجب النذر والإيمان بالنيات، وقول : إن ذلك جائز علي القول الآخر.
مسألة
[ حكم النذر بعد هلك المنذور له ]
ومن نذر أن آب غائبه أعطى زيداً الفقير كذا، فآب الغائب وهلك زيد فالأصح أن يسلم ذلك لورثته ويكفر نذره على قول، هذا إذا لزمه النذر قبل موت الفقير، وإن لزمه بعد موت الفقير، فلا فزكاة عليه لعدم استطاعته
لدفع الحمام(1) عن زيد، ولم يقصر بعد إيجابه عليه.
مسألة
[ حكم النذر العام ]
ومن نذر إن فعل الله له كذا صنع طعاماً دعوة ودعا لأكله من سمى
ومن لم يسم، ففعل الله له ذلك، فإنه يدعو لتلك الدعوة الفقراء وإن دعا الأغنياء لا رياء ولا مكافآت جاز.
مسألة
[ حكم النذر المعدوم كالتحرير رقبة في عصرنا ]
ومن نذر ليحرر رقبة، فإن لم يجد فصام شهرين متتابعين، وقول : إذا لم يجد كفر نذره، وقيل : لا كفارة عليه. وإن جعل الناذر النذر لفلان جاز
فيه، وإن نذر أن يعطيه لم يجزئه الحد.
مسألة
[ نذر التصدق ]
ومن نذر إن رزقه الله دينار تصدق بجزء منه، فله أن يعطي بقيمة الجزء دراهم أو عروضاً.
مسألة
[ صورة من كفارة النذر ]
ومن قال : علي مائة نذر ، أو مائة حجة، أو مائة يمين، أو مائة عبد،
أو أقل أو أكثر، فعليه كفارتها كاملة كما حلف بقليل أو كثير.
مسألة
[ حكم من نذر أن ينحر نفسه ]
عن ابن عباس من نذر أن ينحر نفسه، قال : عليه أن ينحر بدنه، ثم لما انصرف الرجل، قال ابن عباس : لو أدركناه لأمرناه أن يفتدي بذبح عظيم وهو كبش(2) .
مسألة
[ حكم نذر المعصية ]
__________
(1) 2- الحمام : الموت.
(2) 1- قياساً على قصة إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام. (6/122)
صفحة 859
ومن نذر أن يقد جارحة من بدنه، أو يفقأ عينه ، أو ينجع نفسه ، فليس الوفاء واجباً عليه، لأن هدا معصية، وأما إن نذر بفعل شيء في جسده من المصالح، كبط دمل، أو قطع عرق، أو كي، أو حجامة، فلا بأس، فإن شاء
وفى وإلا كفر نذره. وفي قول الناذر : اللهم إطعام عشرة مساكين أو صيام عشرة أيام، فلا شيء عليه.
مسألة
[ صور من النذر بنحر نفسه وصورة من الكفارة ]
ومن جعل ابنه هدياً أهدى بدنة، وإن جعله هدياً أو نحيرة ينحر بدنة، أو يعتق رقبة، والجاموس جنس من البقر. وقيل من نذر أن ينحر نفسه وكان في مقام إبراهيم عليه السلام فعليه أن ينحر في كل سنة عشراً من الإبل بمنى.
مسألة
[ صور من النذور وصورة من الكفارة ]
ومن نذر على فعل شيء ثم بدا له قبل كون ما نذر عليه، فإذا عقد
النذر فقد لزمه ولا رجعة له، ولو أحله. ومن نذر في معصية فلا وفاء
عليه، واختلفوا في الكفارة والأصح أن لا كفارة عليه، لأن الكفارة
عقوبة لمن ضيع لازماً، وهذا غير لازم. ومن نذر أن يصلي ليلة فلم
يستطع، صلى ما استطاع ثم يعود ويصلي ما استطاع، فإذا تمت الليلة
على حسابه بر، وإن لم يصل حنث، ولزمته الكفارة، ولا يجوز أن
يصلي مرة بعد مرة ، ومن اعتراه ألم في رجله فنذر قال : اللهم احملني
على رجلي وأنا أصلي ما فتح الله، وأمشي ما قدرت، ونوى بالمشي
حتى يتعب فإن فعل بر، وإن صلى ولم يمش كما نذر كفر للمشي إطعام
عشرة مساكين لكل واحد نصف صاع براً ، وصيام عشرة أيام شكراً
لله فأفضل.
مسألة
[ صيغ من نذر الصلاة والوفاء بها ]
ومن نذر أن يصلي يوماً إلى الليل، فإنه يترك الصلاة في الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها، أو يبدلها في يوم آخر ما ترك من ذلك الوقت، وقول : لا صلاة عليه فيما ترك في تلك الأوقات، وفي الكفارة أيضاً اختلاف. ومن
نذر إن عافاه الله ليصلين في البيت المقدس، فعوفي فأتى مسجد رسول الله (6/123)
صفحة 860
- صلى الله عليه وسلم - لأنه قال : « الصلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من
المساجد إلا مسجد الكعبة(1) ». جاز رواه نافع.
مسألة
[ صور من نذر الصلاة في المساجد ]
عن أبي صفرة عن جهانة : من نذر أن يصلي في عدة مساجد، فعجز، فأفتاه أبو عبيدة أن يبرز إلى الجبان ويصلي فيه ما نذر، وقول : من نذر أن يصلي في مائة مسجد صلى في مسجد مائة صلاة.
مسألة
[ صور من نذر النساء بالصلاة في مسجد بعيد ]
وإذا نذرت الخود القعود في مكان أياماً وقعدت بعض الأيام فحاضت، فإن سارت قعدت حيث نذرت، فإذا طهرت وتطهرت أتمت ما بقي عليها وصلت في المسجد الذي نذرت أن تصلي فيه، لأنها بعد أن نذرت أن تتم الأيام، أن تصلي في مسجد، وأما إن اشتق عليها القعود في المكان الذي نذرت من أجل عصت بعلها فرجعت وشق عليها العود ثانية، تصدقت بمئونة سفرها وصلت في مسجد دارها، وأما محمد بن محبوب رحمه الله قال : تتصدق بالكرا ذاهبة وتصلي في مسجد دارها.
مسألة
[ صورة من نذر الصلاة ]
ومن نذر أن يصلي في مساجد معروفة فيطعم مسكين أو مسكينين، ويصلي حيث شاء.
مسألة
[ حكم من نذر أن يصلي في مسجد بعينه فزال المسجد ]
ومن نذر أن يصلي في مسجد بني فلان فخرب وجعل محله كنيفاً،
فليصلي في مسجد سواه يكفر نذره. وإذا نذرت امرأة صوما ولها بعل، فلا تصوم إلا بإذنه، وقول : إذا صامتا النذر والكفارات بغير إذنه تم صومها.
مسألة
[ صور من نذر النساء وصورة من كفارة ما رفض زوجها الوفاء به ]
وإذا نذرت المرأة صوماً في موضع فأبى بعلها عليها فإنها تصوم في بيتها
ما لزمها، وإن قالت : اللهم افعل لي كذا وأنا أفعل كذا، ففعل الله لها ما قالت، فكره زوجها أن تف بنذرها، قال : تصوم في بيتها ما نذرت،
وتصوم كفارة نذرها في قولها : اللهم عشرة أيام.
مسألة
[ حكم الوفاء بنذر الوصال ]
__________
(1) 1- في الأصل العقبة، والصحيح الكعبة. حديث صحيح أخرجه النسائي
3/33 في المساجد. (6/124)
صفحة 861
ومن كان نذره في قرية نائية فليتصدق بالكرا لذلك البلد ذاهباً غير
راجع، وإن لم يستطع فليصم لكل نصف صاع يوماً، ومن نذر صوم ثلاثة
أيام بلياليهن، وأن لا يتكلم فيهن فإنه يصوم ستاً عن الأيام ثلاثاً وعن الثلاث الليالي ثلاثة أيام، وقيل : لا شيء عليه عن الليالي لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال(1)
في الصوم، ويطعم عن نذر الصمت ستة مساكين.
مسألة
[ حكم من نذر بصوم الأضحى ]
ومن نذر أن يصوم الأضحى فإنه يصوم يوماً ببدله، لأن صوم الأضحى غير جائز، وإن نذر صوماً في قرية فمنعه عذر صام حيث أمكنه وتصدق
بالكرا ذاهباً وراجعاً، وقيل : ذاهباً فقط، وذلك رأي محمد بن محبوب
ورحمه الله.
مسألة
[ حكم نذر عدم الأكل يوم الجمعة ]
ومن نذر لا يأكل يوم الجمعة، فإنه يأكل ويكفر نذره، ،كذلك إن نذر
لا يعمل عملاً خص أو عم ،فإنه يعمل ويكفر نذره.
مسألة
[ من نذر أن يصوم يوماً بعينه فعليه الوفاء ]
ومن نذر صوم يوم فعليه صومه إلا من عذر عدم استطاعة، وإن أفطر فعليه كفارة بدل نذره.
مسألة
[ كيفية الوفاء بالصوم المبهم ]
ومن قال : اللهم افعل لي كذا وأنا أصوم في قرية كذا، فإن لم يذهب فعليه المؤونة. عن أبي علي موسى بن علي(2)
__________
(1) 1- حكم الوصال في الصوم : نهى - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال في رمضان فعند البخاري أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «إياكم والوصال - مرتين - فقيل : إنك تواصل؟ قال : إني
أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من الأعمال ما تطيقون» ولمسلم نحوه،
والمواصلة في الصوم : هو أن يصوم يومين أو ثلاثة لا يفطر فيها. انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/379 - 382 باب ترك الوصال.
(2) 1- أبو علي موسى بن علي بن عزرة الأزكوي هو وأخوه محمد بن علي والأزهر
بن علي من أجلة العلماء في زمانهم، وهم فيما قيل من بني سامة بن لؤي بن
غالب، ولد ليلة عاشر من جمادى الأخرى سنة 177هـ نشأ في وطنه أزكى،
أخذ العلم عن والده العلامة علي بن عزرة، والشيخ هاشم بن غيلان السيجاني.
توفي رحمه الله قبل الإمام المهنا بن جيفر 8/ ربيع أول سنة 230 . (6/125)
صفحة 862
رحمه الله : وإن نذر صوم يوم خصه إن فعل الله له كذا ففعل الله له كذا فعليه صومه حياته فإن فاجئ يوم فطر أو نحر صام بدله يوماً، فإن أصبح جنباً فعليه البدل والكفارة، وإن
كان خطأ فعليه البدل وإن باشر فيه عمداً أبدله وكفر، وفي الخطأ البدل.
قال الحواري محمد بن الأزهر(1) عن أبي علي موسى ابن علي رحمه الله :
من نذر نذراً فله أن يكفره إذا لم يفعله،. وإن فعله فأفضل إن كان طاعة.
ومن قال يا رب افعل لي كذا وآنا أصوم في مسجد جدة يوماً فهد المسجد
أو تعذر الصوم عليه فيه صام في بقعته، وإلا صام حيث شاء وكفر.
مسألة
[ كيفية الوفاء بالصوم ]
ومن نذر صوم يوم وأهمل النية أنه ما بدا أم لا فإلى ما نوى، وقيل : عليه صومه حتى ينوي صومه مرة واحدة، وقيل : بالعكس. وإن قال : إن فعل
الله لي كذا ففعل الله له فلم يستطع الصوم فإنه يطعم عشرة مساكين
كفارة لنذره، وقول : يطعم عن كل يوم مسكين إذا لم يتوان، وإنما إذا لم يستطع قول : عليه الكفارة والصوم إذا حنث، وقول : متى أطاق صام، ولا شيء عليه. وقول : إذا أطعم فلا صوم عليه لأن الإطعام يجزئ عن الصوم
في الأيمان، إلا الظهار والقتل فإنه لا يجزئ عنه وإن أطاق الصوم فتوان
حتى لم يطق، فهذي عليه الكفارة.
مسألة
[ من نذر أن يصوم عدة أشهر ]
ومن جعل على نفسه صوم عدة أشهر، هل له أن يفطر فيما بينها إن استطاع الصوم أو لم يستطع؟ فليس له ذلك مع الاستطاعة، وله مع العجز وعليه بدل ما أفطر، ويطعم عن كل يوم مسكين، وإن مع الاستطاعة على الصوم انهدم صومه السابق ومن أدعي لدعوة وقال إني صائم وهو غير
صائم فنحب أن يصوم يوماً.
مسألة
[ من نذر أن يصوم شهر فعليه الصوم ]
ومن جعل على نفسه صوم شهر فتم نذره بعد طلوع الفجر أمسك عن الأكل والشرب وما ينقض صوم ذلك اليوم، وتتبعه ببقية الشهر.
مسألة
[ من نذر أن يصوم ]
__________
(1) 2- محمد بن الأزهر : لم أعثر له على ترجمة. (6/126)
صفحة 863
ومن جعل على نفسه صوم سنة فاعترض الصوم فصام ثلاثمائة يوم وثلاثين يوماً غير شهر رمضان، هذا إذا خص سنة، وإن أبهم صام سنة
كاملة غير شهر رمضان.
مسألة
[ نذر صوم يوم الجمعة أو طول حياته ]
ومن نذر صوم يوم الجمعة ويوماً معيناً، فهل عليه بدل جمع رمضان؟ فلا بدل عليه، لأنه قد صامها وعليه بدلها لأن صوم رمضان مفترض عليه. ومن نذر صوم حياته كيف يصنع يوم الفطر والنحر وبدل رمضان وكذلك ذات المحيض؟ تطعم عن كل يوم مسكيناً.
مسألة
[ نذر صوم الدهر ]
ومن نذر صوم دهره ، فلم يف بنذره فقد حنث وعليه فيما ضيع التوبة والاستغفار والصوم لما يستقبل، و عليه الوصية فيما ضيع إذا كان ذا ثروة،
وإلا فيرجى له العفو إذا أخلص التوبة لله. ومن نذر صوم شهر صام ثلاثين
يوماً إذا اعترض، وإن عين فيصوم شهراً من أوله إلى آخره، ومن نذر صوم
أيام فمن الثلاث إلى العشر، والعشر أحوط، وإن نذر صوم الأيام فعن أبي
سعيد رحمه الله عن أبي المؤثر رحمهم الله أنه يصوم سبعة أيام.
مسألة
[ حكم نذر صوم الدهر ]
ومن نذر صوم الدهر فنذره مضمحل بالباطل ، وفي الكفارة عليه
اختلاف، قال أبو محمد : إن عجز عن الصوم أطعم عن اليوم مسكيناً، وهو رأي موسى بن علي، وقيل : عليه كفارة النذر فقط ومتى استطاع صام.
مسألة
[ حكم الاستئناف في النذر ]
ومن قال : إن عوفي صام عشرة أيام طائعاً لله، أو تصدق بعشرة دراهم
إن شاء الله بلا نذر مني ولا إلية علي.، فلم أر عليه شيئاً، من أراد نذراً فقد
قيل : إن الاستثناء ينفع في النذور وقيل : لا ينفع.
مسألة
[ الوفاء بالنذر واجب ]
ومن قال : اللهم افعل لي كذا وأنا أصوم شهراً من غير نذر، فإن فعل الله له ما قال، لزمه صوم الشهر، وعليه الوصية به إن لم يصمه، هذا عن الشيخ هاشم بن غيلان رحمه الله. ومن لزمه صوم بدل نذر فهل له أن يفصل بين
البدل أو المبدل منه؟ ففي ذلك اختلاف، والأصح جوازه إذ هو ليس بأشد (6/127)
صفحة 864
من رمضان. ومن حلف لا يصوم كل جمعة لا يحنث حتى يستوعب
الجمع كلها ولو بقيت جمعة واحدة من جمع الدنيا.
مسألة
[ صورة من نذر الصوم في بقعة معينة ]
ومن نذر صوماً في بقعة، فقول : لا يجزئه حتى ينفجر عليه الفجر فيها، وقول : جائز ولو دخلها بعد أن انفجر عليه الفجر وعليه بدل ما فاته من الوقت في يوم أخرى يقعده في البقعة.
مسألة
[ صيغ من نذور الصيام ]
ومن نذر صيام عدة أيام على معنى واحد، ففي الأصح أن يصومهن متتابعات، ما لم يعجز، وأجاز أبو المؤثر رحمه الله صومهن متفرقات. وجائز للمعتكف قتل القمل ما لم يلقه في المسجد المعتكف فيه. ومن نذر صوم
غدا فوافق فطراًِ أو نحراً من غير إرادة منه لصوم العيدين، ففي ذلك
اختلاف، قول : يفطر وعليه قضي يومه، وقول : ليس عليه قضي وعليه الكفارة في القولين.
مسألة
[ صور من نذر الصوم والكفارة ]
و من نذر صوماً فلم يطق بعد أن أخذ في الصوم، فلا صوم عليه و لا
إطعام، لأنه لا نذر على المرء إذا لم يطق إذا لم يتوان، و إن توانى ثم عجز
لزمه الإطعام، ومن قال : اللهم افعل لي كذا وأنا أصوم كذا من غير إلية ولا نذر، ففعل الله له، فعليه صوم ولا ينفعه هذا الاستثناء ومن قال : اللهم افعل
لي كذا وأنا أصوم كذا ففعل الله له فعليه صوم ما قال، ومن نذر صوماً في منزل فلان فانتقل فلان من المنزل صام فيه، وأن تعذر عليه فيه الصوم
بسبب صام حيث استطاع وعليه الكرا للموضع الذي نذر أن يصوم فيه،
وإن لم يعين المنزل صام حيث سكن فلان، وإن نذر الصوم حيث يكون
فلان فحيث. ومن نذر إن عافا الله فلاناً فعوفي ثم مات من بعد فلزمه
النذر، فإن كان صوماً صام وإن عجز أطعم إذا لم يتوان، وإن تعمد للإفطار بعد أن صام لزمه البدل والكفارة.
مسألة
[ صورة من نذر الصوم ]
ومن نذر صوم شهر فصام شطراً وأطعم عن شطر فجائز، إذا
وصل بالصيام.
مسألة
[ صور من الوفاءت بالنذر ] (6/128)
صفحة 865
ومن نذر إن آب من غاب، فعليه صوم شهر شوال فآب، وكان عليه بدل في رمضان فصام البدل وأتم شهر شوال لنذره ببعض أيام من ذي القعدة
فهذا قد حنث، ولزمته الكفارة وهي إطعام عشرة مساكين.
مسألة
[ صورة من نذر الذبح ]
ومن نذر أن يمشي لموضع كذا، ركب وحمل معه راكباً ومن كان بمكة وحلف أن ينحر بدنة فعليه الوفاء بالنذر وإن لم يقل بعمان نحرها بمكة أو
بمنى. عن أبي عبد الله رحمه الله : من جعل ابنه عليه بحيرة ثم حنث أنه
يهدي بدنة جذعة، يعتق رقبة . والبدنة الجذع من النجيب والبقر. ومن قال أباه عليه بحيرة(1) أو اجنبيتا(2) ، فقول : كل من جعل عليه بحيرة لزمه
ما يلزمه في الولد، وقول : ذلك خاص في الولد.
مسألة
[ نذر عدم الكلام ثم تكلم ]
ومن نذر إن كلم زيداً أهدى بحيرة عند مقام إبراهيم عليه السلام، ثم
كلمه فقيل : يصوم يوماً أو يومين ويهدي شاة تنحر بمكة، وقيل : ثلاثة أيام وينحر بدنة ويعتق رقبة، وقول : يهدي كبشاً. وهل من فرق بين بحيرة
وبحيرة فتعم بونتهما بينهما بون، وإن يبن لي معنى بحيرة وقد قال الله
تعالى : { ما جعل الله من بحيرة } (3) .
مسألة
[ كفارة تحرير رقبة ]
ومن قال : من حرر رقبة هو هدي، فإن حرره فهو هدي وهو كفارة له، ولو قال : إن حرر رقبة فهو عليه هدي فأعتقه عتق وكان عليه بدنة، ومن جعل نفسه أو ولده بحيرة عند الكعبة، إذ لم يفعل كذا، فلم يفعل فعليه بدنة
من الإبل، أو بقرة إذا لم يجد بدنة ولا كبشا، وقد فدى الله إسحاق بكبش.
مسألة
[ كفارة عدم الكلام ثم كلم نفس الشخص ]
__________
(1) 1- بحيرة : علامة على أذن الناقة تدل على أنها محرمة على الركوب، والآية نزلت
في ذكر أفعال الجاهلية. كان أهل الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها
ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها. صفوة التفاسير 1/368 - 369 .
(2) 2- هكذا في الأصل.
(3) 3- سورة المائدة آية 103 . (6/129)
صفحة 866
ومن نذر إن كلم زيداً أو جعل زيداً بحيرة عند مقام إبراهيم عليه السلام ثم كلمه فإنه يصوم يوماً أو يومين ويهدي شاة، وقيل ثلاثة أيام ويهدي بدنة ويعتق رقبة، ومن قال : عليه نذر لله فحنث فصيام ثلاثة أيام، وإن لم يقل
لله فصوم يوماً وقيد يومين في الوجهين، ومن قال : إني كل شيء أهديه
أكله من دار جاري أو من عنده، فأهدي له شيء فعليه يهدي قيمته.
مسألة
[ من صيغ النذر ]
ومن قال : هذا علي هدي إن دخلت منزل فلان، وعلي هدي إن لبست ثوباً، وعلي هدي إن كلمت فلاناً فقول : إذا كان في شتى لزمه لكل معنى هدي، وهو الأصح ، وقول : ولو كان في معنى واحد كان عليه بعدد ما حذف، لأن الهدي والحج فعل لا كفارة أيمان، إنما ذلك في الكفارات.
مسألة
[ صيغة من نذر الإهداء ]
ومن قال : علي أن أهدي مالي أو داري أو شطراً منه بثمنه، وقال أبو المؤثر : إذا أهدى ثلث ماله فأكثر القول، فعليه عشرة، وهو الأرجح، عن زياد(1) عن موسى بن علي رحمهم الله : من حلف أن يشرب بعض مالا يستطيع كشرب خضم أو تسنم أرعن أصم، فإنه يهدي بدنة. وكذلك قال أبو جعفر(2) ، وقيل حتى يسمي هدياً.
مسألة
[ نذر الإهداء صيغ متعددة ]
ومن قال : زيد عليه هدياً، حرر رقبة وأهدى بدنة وذوا الخصاصة إذا أهدى شيئاً على عن نفسه إن فعل كذا، ثم حنث، فإنه يهدي ما قدر
ولو درهماً، ومن قال عليه بدنة ولم ينوي أن ينحرها بمكة أو بمنى، وقيل
حيث شاء، وإن نوى نيته.
مسألة
[ من نذر ببدنة ]
ومن قال عليه بدنة صدقة، فعليه تحرير نسمة، وقيل قد أسى ولا
شيء عليه. وعن أبي مالك(3) رحمه الله: ومن قال لسواه أنا أهديك إلى مكة،
__________
(1) 1- هناك أكثر من واحد بهذا الاسم.
(2) 2- أبو جعفر : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 3- أبو مالك : هو غسان محمد بن الخضر الصلاني الصحاري. (6/130)
صفحة 867
فليس عليه حتى يقول علي هدي، فعليه ذلك، قال موسى كله سيان. ومن أهدى مالا يملك فلا شيء عليه، هذا رأي أبي سعيد رحمه الله، وقيل عليه الكفارة، ومن أهدى قرية وله فيها نشب وقع الهدي في ماله، فإن كان دون الثلث فيستوعبه الهدي، وإن كان فوق فالعشر، ومن جعل على نفسه بدنة وكان إذا اعدم عليه صوم خمسين يوماً، فإن صام ثم أثرى فلا شيء عليه،
قال أبو المؤثر رحمه الله : يقوم بدنة ثم يجعل ثمنها طعاماً، فيصوم عن كل
صاع نصف بر يوماً، ومن قال عليه مائة بدنة، فإن كان ثمنها يستوعب
ملكه فعليه عشرة، وإن كان دون الثلث أو الثلث فعليه ما قال.
مسألة
[ صور من النذر ]
ومن قال إذا : أكلت من منزل فلان شيئاً، فأنا أحمله بأضراسي إلى بيت الله، فأكل فلا شيء عليه، حتى يقول فعلي أن أحمله، فإن قال فعليه بدنة
وقيل يهدي ثمنه.
مسألة
[ صيغ من النذر ]
ومن قال هذه الدار عليه هدي، فإن كانت له أهدى ثمنها إذا كان ثمنها دون ثلث ماله،وإن كان ثمنه ثلث ماله، وإن كان فوق أهدى عشرة.
مسألة
[ صور من نذر الاستقرار ]
ومن نذر أن يقيل بدار فلان، فأتى الدار فلم يجد ربها فوقف هنيئة،
وأقفل ولم يقل، فعليه كفارة النذر إن أراد بالمقيل طاعة، وإن استقر في
البيت فذلك هو المقيل، إذ أراد به ذلك لقوله تعالى : { خير مستقراً
وأحسن مقيلاً } (1) .
مسألة
[ صور من النذر ]
ومن نذر مقاماً أياماً في مكان، فدخله آخر الليل فأصبح فيه بعد تلك
اليوم مما عليه، فلا حتى يتم الأيام بلياليهن، وقيل يعتد بذلك وإن خرج
لقضاء غرض من المحل لعيادة ذوي وصب أو في طلب ما بقرب المحل فلا
بأس، والأصح أن زيارة المريض تفسد عليه. وإن نذر أن يزور فلاناًً فهلك
فلان حنث، إذا كان عليه مقدرة فتوانا، وقيل عليه الكفارة على حال، وإن نذر زيارته على دابة فتوت فعليه كفارة نذره إذا عينها.
مسألة
[ نذر الزيارة فمات المزار ]
__________
(1) 1- سورة الفرقان آية 24 . (6/131)
صفحة 868
وإن نذر أن يزوره هو وزيد، فمات زيد حنث، وإن نذر زيارته في
يوم كذا فانقضى اليوم فلم يزره فيه فإنه يحنث ، و من فعل شيء هو وزيد
فقام زيد، فما دام زيد حياً فلا يحنث، فلعله يقدم ويزوره معه، وقيل لا
شيء عليه.
مسألة
[ نذر الزيارة ]
ومن نذر عيادة ذي وصب ولم يجد أحداً، فإذا وصل وقعد معه وتمكن أجزاه، فإن كان المزار لا يمكنه القعود عند الزائر، كذات خدر أخبر أحداً بقدوم الزائر معه، ويجزئه ذلك.
مسألة
[ نذر الصلة ]
ومن نذر أن يزور فلاناً ولا نية له، فإذا وصل داره فقد بر، وإن كان له موضع يقعد فيه أو في مسجد فوصله فيه فقد بر، وإن لقيه في الطريق فلا
يبر، وإن كان ممن لم تجب عليه صلته أيجزئه أن يكفر نذره ولا يصله. قال: نعم وأما الرحم والجار ومن تجب صلته فحتى يصله.
مسألة
[ نذر الخروج ]
ومن نذر خروجاً لدار لغير معنى إلا الخروج نفسه، فإن خرج فقد بر
وإلا كفر نذره ولا كراء عليه، على الأصح، ومن نذر ولوج دار ويسلم
على أحد فولج الدار بر، ولو لم يسلم على أحد، وقيل يحنث حتى يسلم على أحد ممن نواه . و من نذر إن فعل الله له كذا جنح إلى قرية سماها ، ففعل
الله له ذلك فلم يخرج فعليه إطعام عشرة مساكين، فإن لم يستطع فصيام
ثلاثة أيام.
مسألة
[ نذر الخروج من الدار فلم يخرج ]
ومن نذر الخروج لدار أبهمها، وقال : اللهم فلم يقدر، أطعم عشرة مساكين أو يصم عشرة أيام، فإن قال يا رب، إطعام عشرة مساكين فإن لم
يجد فصيام ثلاثة أيام، ومن نذر أو حلف على وصول دار فمتى يجب عليه الحنث؟ فإذا لم يكن لنذره ويمينه أجل فحتى يصير إلى حالة يتعذر عليه
وصول ذلك البلد. ومن نذر ولوج دار فاقتسره السلطان على دخولها، فإن نوى بدخوله ذلك وفاء عن ندره أجزأه، وإن دخل بغير نية لم يجزه، لأنه مدخل لم يدخل، ومن نذر مرابطة أيام ببلد شطير عن داره، فإن فعل بر (6/132)
صفحة 869
وإن عجز جعل من يرابط عنه في ذلك، وعليه مئونته وكراه ذاهباً وراجعاً، وعلى الناذر صوم عشرة أيام أو إطعام عشرة مساكين. ومن نذر مرابطة
وأبهم المدة فما رابط فهو رباط، وإن عين فكما عين. وإن عجز بإقتار أو
عدم استطاعة فالله أولى بعذره، فعليه أن يصوم الكفارة في منزلة والمرابطة
تكون ديناً.
مسألة
[ صور من نذر المعافاة ]
ومن نذر إن عافاني الله من كذا فأنا أفعل كذا، فعافاه الله فعليه الوفاء
بنذره، فإن لم يفعل فعليه صيام عشرة أيام أو إطعام عشرة مساكين. وقال بعض المسلمين : من نذر طاعة فعجز فلا كفارة عليه، والأصح عليه الكفارة.
مسألة
[ النذر المطلق ]
ومن نذر فيما لم يكن طاعة ولا معصية فمخير بين الوفاء به وعدمه،
وقيل: هو بمنزلة نذر الطاعة، وعليه الوفاء به.
مسألة
[ النذر المعلق ]
ومن نذر إن قدم غائبه رعى المعز مدة حدها، فقدم فقيل عليه صوم التي للرعي ويكفر نذره، وقيل : يطعم ثلاثين مسكيناً.
النهج السابع والثلاثون
في النذر بالعافية عن فعله أو فعل غيره
والعطية والحيوان والأيمان
مسألة
[ متى يجوز الوفاء بالنذر ]
ومن نذر على برئ مريض فمتى يجب عليه الوفاء؟ فإذا قام على رجليه
بلا معين ولا ممسك، فقد وجب عليه النذر، فإن نقص عقله أو ضعف قبله
ولم يكن به ذلك قبل السقم، فهذا قد عوفي وعلى الناذر الوفاء، إلا أن
يكون نوى شيئاً فإلى نيته.
مسألة
[ أثر النية في الأيمان والنذور ]
والنية بالأيمان فيها اختلاف، قول : له ولا عليه، وقول : عليه ولا له ، وقول: لا له ولا عليه. ومن نذرت إن عافى الله مريضها نثرت عليه جوزاً
أو ما أشبهه، فإنها تتصدق به على ذوي الفقراء، وقول : إن كان له في
النذر نية فعليه الوفاء، وإن كان لرياء أو لغير طاعة، فكما أفتى. ومن نذر إن عافى الله مريضه نثر عليه شيئاً من الجوز أو ما أشبهه ، فأجاز ذلك الشيخ (6/133)
صفحة 870
جابر بن زيد رحمه الله، وأباه سواه، وقالوا : يتصدق به علي الفقراء، وقول: إن هذا معصية لا يلزم الوفاء به، وفي الكفارة عليه اختلاف(1) .
مسألة
[ حكم نذر من نذر أن يطعم أهل الملاهي ]
ومن نذر أن يطعم أرباب الملاهي واللعب طعاماً، أطعمه الفقراء أو باع مثله أو قوم بثمنه وأنفذه على الفقراء، نذره هدر. وامرأة نذرت خروجاً من دارها، فإن كانت عارية من بعل لزمها الوفاء بنذرها، وإن كانت ذات بعل فحتى يأذن الله لها، وإن أبى فلا خروج عليها، وعليها أداء نذرها متى
أمكنها. ومن نذر أن يعتكف في مسجد ناء عن داره فرق الكراء على
الفقراء، واعتكف في مسجد داره، وهذا رأي العالم محمد بن محبوب
رحمه الله.
مسألة
[ نذر الاستعانة ]
وعنه أيضاً أن من نذر فعلاً بالاستعانة بسواه، فله نفسه إن أبى المنذور
عليه وأطاق الناذر.
مسألة
[ متى تجب الكفارة ]
من نذر إن فعل الله كذا فليصم فلاناً كذا ، ففعل الله له وأبى فلان
إعطاءه فعليه .كفارة نذره، فإن قيل : أليس هذا نذر فيما لا يملك؟ فلنا : لا، وذلك لو قال : وغلام عمرو حر وزوجة خالد طالق، وهما بين قول الناذر
وأنا أفعل ذا، وبين قوله : وعلى ذا بون فنعم، علي رأي البشير، وأما موسى فقال: سيان.
مسألة
[ النذر بالنية واللفظ ]
ومن نذر فعلاً هو وزيد فقال زيد : نعم أن يفعل مع الناذر لأن النذر بالنية واللفظ معاً. ومن نذر إن عافى الله مريضه فهو يعطيه كذا فعوفي فلم يعطه حتى احتضر، فأوصى بذلك، فإنه يخرج من الثلث، هذا رأي ابن عثمان.
مسألة
[ حكم إخراج المنذور قبل النذر ]
ومن قال في مرضه : إني كنت نذرت إن يعافى ولدي وأنا أعطيك كذا وقد أعطيته، فذلك جائز. ومن نذر إن عوفي مريضه أعطاه عبده فعوفي،
فللعبد زوجة هل للناذر تطليقها؟ كان المنذور صبياً أو بالغاً، فأما الصبي فإلى بلوغه، وإن يكن له نية فإلى نيته.
مسألة
__________
(1) 1- السبب لا فائدة من نشر الجوز وهو إسراف منهي عنه من الشارع الحكيم. (6/134)
صفحة 871
[ حكم نذر القن ]
وليس للقن(1) نذر ، لقوله عليه السلام: «لا نذر للمرء فيما لا
يملك»(2) ، وقال الله تعالى : { عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } (3) . ولا
ينعقد نذره وطلاقه وإظهاره وإيلاه بلا رأي سيده، واختلفوا في الكفارة
على العبد إذا نذر بغير رأي سيده، والأصح هدرها، وهو رأي محمد بن
محبوب رحمه الله.
مسألة
[ صيغ من النذور ]
ولمن حكم الجوز المنذور به على السنة الجارية، وجائز يصرف على العادة المتقدمة بين الناس، وما مضى عليه تعارفهم. ومن نفرت دابته فنذر إن قدر على إمساكها فعليه، وتمكن منها وتركها، ثم باعها أو وهبها، فلا بأس عليه.
ومن نذر إن قدم غائبه رعى المعز مدة حدها، فقدم، فقيل : يصوم المدة التي حدها للرعي ويكفر ما نذره، وقيل : يطعم ثلاثين مسكيناً. ومن نذر قعوداً في محل أو وقوفاً في موضع، فلا يصح في الفعل طاعة ولا معصية،
فله الخيار إن شاء كفر نذره ولم يف ولو استطاع، وإن شاء وفى به ما لم
يكن معصية.
مسألة
[ نذر الاعتكاف وكفارته إن لم يعتكف ]
ومن نذر اعتكافاً في مسجد خصه يوماً، فله أن يصوم يوماً مكان ذلك اليوم ويتصدق بمثل المؤونة والكراء ذاهباً، وقيل: راجعاً، ويطعم عشرة
مساكين كفارة نذره ويصوم ثلاثة أيام، كذلك في جميع النذور.
مسألة
[ نذر الطعام ]
ومن نذر أن يعمل طعاماً ويجمع من يأكله، ثم جمع له الفقراء، وإن
جمع عليه الأغنياء فجائز ما لم يرد رياءً أو اتخاذ يد يرجوها أو مكافئة لما
سلف إذا نوى الوفاء بنذره إن لم تكن له نية، فإن كانت فإليها.
__________
(1) 1- القن : هو العبد.
(2) 1- رواه أبو داود رقم 3273 ، 3274 في الأيمان والنسائي 7/12 في الأيمان
والنذور، وإسناده حسن. ونص الحديث : «لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم،
ولا معصية ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها
فليدعها ، وليأت بالذي هو خير ، فإن تركها كفارتها».
(3) 2- سورة النحل : آية 75 . (6/135)
صفحة 872
ومن قال: إن فعل الله له كذا تصدق بمائة درهم، فإنه يتصدق بما نذر، وكلما كان فمثل هذا كولوج دار أو خروج منها. ومن وقت لنذره وقتاً
فإلى ما وقت، فإن قصر في الأداء كفر نذره ووفاء به.
مسألة
[ نذر عدم الطلب ثم وقع في الطلب ]
ومن نذر أن لا يطلب من زيد عوضاً فنسي فطلبه ففي ذلك اختلاف، والأصح أنه يحنث. عن أبي معاوية عزان بن صقر(1) رحمه الله : من نذر
اعتكاف يوم فإنه يدخل قبل الفجر، ومن نذر اعتكاف يومين فعليه يومان وليلة، وكذلك في الأكثر، فإنما عليه الدخول قبل الفجر. وليس للمعتكف
أن يعمل عملاً من أعمال الدنيا وذلك مكروه لغير المعتكف، فكيف
للمعتكف وذلك في المساجد، وله نسخ الكتب وليس له أن يتحدث بأمر الدنيا، ولا يضحك.
مسألة
[ حكم من حنث في الفعل ]
ومن قال إن فعل الله له كذا فحنث، فعليه صوم يوم أو يومين، أو يطعم مسكيناً أو مسكينين، أو صيام ثلاثة أيام إذا لم يجد عن الشيخ أبي سعيد
رحمه الله.
مسألة
[ الألفاظ التي يترتب عليها كفارة ]
ومن نذر فلم يشعر قال : اللهم أو يا رب ، فقال : فعليه كفارة يا رب وكفارة اللهم، ويا الله سيان، وقيل : مخير في الكفارة بين الإطعام والصيام.
مسألة
[ حكم من نسي صيغة النذر ]
ومن لم يعلم من نفسه أنه نذر طاعة أو معصية وعزب عليه علم قدرها والنية
فيها والسبب الذي أوجبها عليه، فإن يلزمه أن يكفر ويأخذ بالأحوط حتى يعلم أنه كفر نذره، إذا كان النذر طاعة، وفي الكفارة في نذر المعصية اختلاف.
مسألة
[ حكم من نذر ألف نذر في صيغة واحدة ]
__________
(1) 1- أبو معاوية عزان بن الصقر : هو عزان بن الصقر النزوي العقري، مسكنه
غليفقة من عقر نزوى ولا زال منزله معروفاً بها إلى الآن ، وهو أول عالم من بني =
= خروص ، يعد من أكابر العلماء وكان في عصره أبو المؤثر الصلت بن خميس
الخروصي. انظر إتحاف الأعيان 1/196 . (6/136)
صفحة 873
ومن جواب أبي غسان مالك ابن غسان : ومن نذر ألف نذر في عقد ومقام، فعليه كفارة واحدة إذا كان لمعنى واحد، وإن كان لمعان فلكل معنى كفارة، قلت المعاني أو كثرت.
مسألة
[ الحنث في اليمين يوجب الكفارة ]
ومن قال : والله وإلا فعلي نذر. فحنث فكفارته كفارة يمين مرسلة، وكفارة النذر. ومن قال : اللهم يا رب اللهم يا رب مرتين ثم حنث،
فكفارتها واحدة وهي كفارة اللهم.
مسألة
[ صيغة من صيغ الأيمان ]
ومن قال : لله على أن أفعل كذا، فبعضهم رأى ذلك كالتغليظ إذا
حنث، وقيل : إنها يمين مرسلة، من جامع ابن جعفر(1) عن أبي الحواري.
ومن قال : إن مات فلان صمت كذا فمات، فقول : إنه يحنث قول لا
حنث عليه، عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله.
مسألة
[ بعض الصيغ المختلف فيها ]
ومن قال : إن فعل الله له ذا وذا، فبعض جعله نذراً، وأبا ذلك بعض. ومن قال : لئن فعل الله لي كذا فعلت كذا ولأفعلن كذا، قال : ليس عليه اليمين، وعليه أن يف بنذره، وقول : عليه يمين. ومن قال : نذرت فلم يف، فعليه يومين، وقيل : إن النذر كله لله ولو لم يقل، عن أبي مروان(2) .
مسألة
[ حكم عدم الوفاء بالنذر بعد موت الناذر ]
ومن قال : اللهم اشف هذا المريض وأنا أعتكف في مسجد سماه
أو أصم، فشفي المريض ولم يف حتى مات فإنه يطعم عنه عشرة مساكين.
مسألة
[ من قال على أعظم النذر كيف يكفر ]
ومن قال عليه أعظم النذور أو يحج كل عام مائة حجة أو يصوم الدهر فهذا مالا يستطاع، ولا يلزمه الوفاء به بل وعليه كفارة نذره، وكذلك
أكمل النذور وأتمها وأوفاها. عن أبي علي رحمه الله : ومن قال هذا الطعام
__________
(1) 1- تم تحقيق الجزء الرابع والخامس والسادس من قبل المحقق.
(2) 1- أبو مروان : هو سليمان بن الحكم وأخوه المنذر بن الحكم من عقر نزوى من
علماء القرن الثالث ، وأبو مروان ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك
رحمه الله. عن إتحاف الأعيان 11/428 . (6/137)
صفحة 874
عليه كظهر أمه، أن عليه كفارة التغليظ، وينظر في ذلك. ومنقطع على
نفسه اللعنة و لم يشترط فعلاً فلا كفارة عليه وعليه التوبة . عن أبي معاوية
عزان بن الصقر رحمه الله : ومن قال : إنه مجوسي أو يهودي أو نصراني
أو يهودي أو يصلي لغير القبلة أو غضب الله عليه فكفارة مثل هذا إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، وقال : ليس هو بأشد من يقسم بالله،
وقيل بالتغليظ فإذا أفرد اللفظ فلكل لفظة كفارة،وإن جمعها لمعنى فعليه
كفارة واحدة، وقول له التخيير، وقول لا تخيير له.
مسألة
[ ما حكم من قال لعنه الله إن فعل كذا وفعله ]
ومن قال لعنه الله وقبح الله وجهه، أو أخزاه الله وهو من الظالمين إن فعل كذا، ثم حنث فإن نوى يميناً فعليه كفارة يمين إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام إذا لم يجد، عن أبي الحواري بن محمد بن الأزهر في جواب أبي
جابر محمد بن جعفر : ومن قال إنه مشرك إن فعل كذا فحنث، فإذا لم
يقل أنه مشرك فلا شيء عليه، وقيل : عليه الكفارة حتى ينوي أنه مشرك
بغير الله، أو تكون له مندوحة تبرئه.
مسألة
[ متى تكون الكفارة المرسلة ]
عن أبي الحواري محمد بن الأزهر عن أبي جابر محمد بن جفعر : من
نذر عتق قنه، فأغضبه فقال : لا أعتق أعتقه لله من النار إن أعتقه ثم أعتقه،
فإن أعتقه حنث وعليه كفارة التغليظ، وإن لم يعتقه فلا حنث عليه، وقيل: عليه كفارة مرسلة.
مسألة
[ التشديد في الكفارة على الحنث المتكرر ]
وعنه عن موسى بن علي : من قال : ألبسه الله الخزي وسقاه الحميم
ونحو هذا في شيء ثم حنث، فعليه كفارة ثم حنث، فعليه كفارة التغليظ
لأن من فعل الله به ذلك فقد أحرمه رحمته.
مسألة
[ حكم التلفظ بالألفاظ لا ترغب الجنة ]
ومن قال : لا زوجه الله الحور العين ولا أسقاه الله من عسل الجنة ونحو هذا في شيء حنث فيه، فلا كفارة عليه، وقيل : عليه الكفارة. ومن قال:
قد مقته الله، فعليه الكفارة ومثله الغضب والسخط.
مسألة (6/138)
صفحة 875
[ حكم الكفارة على من عاهد الله ثم حنث ]
ومن قال: عليه عهد الله فحنث، فكفارتها صيام شهرين واليمين
كفارتها إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد
فصيام ثلاثة أيام، ومن حلف بمكفرة يوجب الله عليها النار فهو كافر لزمته كفارة التغليظ للخروج من الكفر، وعليه التوبة لثبوت كفارة القتل، لقوله تعالى في كفارة الأيمان : { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } (1) وأجمعوا
أن من وجد الإطعام في اليمين المرسل فلا يجزئه الصوم ولو صام شهراً.
مسألة
[ كفارة اليمين ]
ومن حلف بالله لا إله إلا هو لأفعلن كذا وإلا فأنا نفئ من دين النبي
محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فعليه بقوله الذي لا إله إلا هو إطعام عشرة مساكين، فإن لم
يجد فصيام ثلاثة أيام، ويقول أنه نفي من دين محمد - صلى الله عليه وسلم - صيام شهرين
متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً.
مسألة
[ حكم حمل الكلام على غير محمله ]
ومن قال أنه يعبد من دون الله أو أنه من ملة من ملل أهل الشرك أو أنه يصلي إلى الشمس أو مرتداً(2) أو قرمطي(3) أو رافضي(4) أو مرجي(5)
أو ذمي(6) ، فهذا كله كفارته كما تقدم إلا قوله : فإنه يصلي إلى المشرق،
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 89 .
(2) 1- المرتد : هو الخارج عن الإسلام، والردة بمعنى الرجوع، حكمه القتل.
(3) 2- قرمطي : نسبة إلى القرامطة مؤسسها حمدان قرمط لها معتقدات خارجة عن
الإسلام، في 317هـ سيطرت هذه الفرقة على مكة وقلع أميرها الحجر الأسود،
وقال عليه لعنة الله: أنا الله والله أنا أين الطير الأبابيل أين حجارة من سجيل.
(4) 3- رافضي : هم الذي يرفضون إمامة أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما
انتشرت بعد رفضهم زيد بن علي بن زين العابدين.
(5) 4- مرجي : هم المرجئة وهي فرقة تقول : بالإرجاء.
(6) 5- ذمي : اليهودي أو النصراني وأيضاً المجوسي لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «سنوا بهم سنة أهل
الكتاب» وهي أخذ الجزية منهم. (6/139)
صفحة 876
فإن نوى به خروجاً من الإسلام فعليه التغليظ، وإن أرسل القول في
المذبذب فلا شيء.
مسألة
[ حكم من قال إنه من الخاسرين ]
ومن قال إنه من الخاسرين، فإن أرسل القول فعليه يمين مرسل، فإن نوى خسران الآخرة وحنث لزمه التغليظ.
مسألة
[ حكم من قال إنه من المغيرين أو المبدلين أو أنه زان... ]
ومن قال إنه من المغيرين أو المبدلين، فإن عنى في الإسلام فعليه التغليظ، وإن أرسل فلا شيء عليه. ومن قال : لا بارك الله فيه إن فعل كذا فحنث
فعليه صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، قال أبو الحواري : وكذلك من قال لا بارك الله علي، عن أبي علي ومن قال أنه نفل فحنث
لزمته كفارة يمين مرسلة، وقيل : هو كلام قبيح، ولا يلزم فيه شيء. وأما إن قال هو زان فعليه كفارة التغليظ.
مسألة
[ حكم من قال : أدخله الله النار ]
ومن قال أدخله الله النار فحنث، فإن أرسل فعليه التغليظ، إلا أن ينوي نار الدنيا، وقول : حتى ينوي الآخرة.
مسألة
[ ما هي كفارة القبحة ]
ومن قال قبح الله وجهه ، والقبحة عليه صيام عمره ثم حنث، قال أبو
سليمان مروان بن محمد بن راشد(1) : إن عليه كفارة القبحة، ولا يلزمه
ما حلف عليه حتى يقول، وكفارة القبحة عليه صيام عمره.
مسألة
[ حكم التلفظ بكفارة القبحة ]
قال أبو سعيد أنه لو قال : وكفارة القبحة هل عليه صيام وعمرة؟ لم
تلزمه إلا كفارة القبحة وهو كفارة يمين مرسل.
مسألة
[ ماهية الكفارة المرسلة ]
ومن قال قبح وجهه، فإن أراد قبحه من الله، ففي ذلك اختلاف فبعض لزمه الكفارة، أهدرها آخرون، وقال بعض : إن نوى يميناً لزمته الكفارة، واختلفوا في كيفيتها وقد ورد الاختلاف آنفاً. والقبح واللعن وأمثالهما إذا حلف بذلك حالف فحنث قول : عليه صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً مخير في ذلك أو تحرير رقبة مخير في ذلك، وقول : صيام عشرة أيام أو
__________
(1) 1- أبو سليمان مروان بن محمد بن راشد : لم أعثر له على ترجمة. (6/140)
صفحة 877
إطعام ستين مسكيناً مخير في ذلك، وقول : ثلاثة أيام أو إطعام عشرة
مساكين مخير في ذلك، وقول : كفارة يمين مرسلة إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة مخير في ذلك، لقوله تعالى : { ذلك كفارة
أيمانكم } (1) وليس هذا بأشد من الأيمان بالله تعالى.
مسألة
[ صيغ من الأقوال وأنواع من الكفارات ]
ومن قال قولاً تجب به النار على قائله فجائز له في كفارة يمينه أن يعتق وثنياً من إلى ملة سوى المجوسي، وقد رخص بعض في عتق رقبة المجوسي(2)
لأن الله تعالى أبهم العتق في كفارة الأيمان المرسلة، والأصح لا يجوز إلا عتق رقبة مؤمنة قد ثبتت لها الولاية، وقيل : يجوز عتق رقبة من حدة ولو لم تثبت لها الولاية لقوله تعالى : { ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة } (3)
فأفاض الأيمان إليهما جميعاً، فإذا لم يجز في الكفارة غير الولي فكذلك لا
يثبت لغير الولي، ولا يجوز عتق أرباب الصلب(4) في هذا، فإن لم يجز العتق فالصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً على قول.
مسألة
[ كفارة الظهار ]
ومن قال بصيام عشرة أيام أو إطعام عشرة مساكين فاستوى الصوم فلعله تعلق في ذلك إنما كان في الظهار الصوم ستين يوماً والإطعام(5) ستين
مسكيناً فاستوى الصوم والإطعام في العدد.
مسألة
[ ما يجب على من قال : قبح الله وجهه ]
ومن قال : قبح الله وجهه ألف قبحة والقبحة صيام شهرين ثم حنث،
فإذا نوى أن القبحة عليه صيام شهرين ولم يفه به نطقاً، فعليه كفارة يمين مرسل إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام إذا لم يجدوا الإطعام.
مسألة
__________
(1) 2- سورة المائدة آية 89 .
(2) 1- المجوسي : نسبة إلى المجوس، وهم عبدة النار روي أن النبي ص قال فيهم : «سنوا
فيهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائكم» وهذا عن عبد الرحمن بن
عوف رضي الله عنه.
(3) 2- سورة النساء آية 92 .
(4) 3- أرباب الصلب : هم عبدة الصليب وهم النصارى.
(5) 4- الأصل : والطعم، والأصح : الإطعام. (6/141)
صفحة 878
[ حكم من قال : قبح الله وجهه ألف مرة والترتيب في الكفارة ]
ومن قال : قبح الله وجهه ألف قبحة وعليه لكل قبحة صيام شهرين ثم حنث فعليه ما جعل على نفسه، وإن قال : وكفارة كل قبحة على صيام شهرين، فإنما عليه صيام شهرين، وقيل : عليه صوم ألفي شهر. ومن قبح الله وجهه وكفارة هذه القبحة صيام شهرين، فعليه صيام شهرين إذا حنث. واليمين(1) المغلظ أن يحلف يميناً بالله على أن يعلم أنه عليه ليقطعه يمينه أو يحلف بعهد الله كاذباً أو بشيء من الشرك بالله أو بما تجب النار لفاعله فإذا
فعله لزمه عتق نسمة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وهو مخير إلا في الظهار(2) فلا خيار فيه، وعليه الأول فالأول.
مسألة
[ حكم من قال : لا أراه الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - والملائكة ]
ومن قال : علي ألف لعنة ولم يقل من الله، ولا نوى ذلك، فلا شيء
عليه، وإن قال : لله، فعليه كفارة واحدة للألف، إلا أن تكون له نية، ومن
قال : لا عفا الله عنه ثم حنث، فعليه كفارة التغليظ. ومن قال : لا أراه الله وجه محمد، فعليه كفارة التغليظ والأصح في هذا كفارة مرسلة، ومن قال:
لا أراه الله الملائكة والنبيين، فقيل : لا شيء عليه، لأن الله قادر أن
يرحمه، وإن لم يرهم، وقول : إذا حنث فعليه كفارة التغليظ لأن الله أخبر
أن أهل الجنة يرافقون الأنبياء وتدخل عليهم الملائكة.
مسألة
[ ما يلزم من أقسم على الله محنثا ]
عن أبي الحواري محمد بن الأزهر عن عزان بن الصقر عن أبي جابر
__________
(1) 1- الأيمان إما أن تكون منعقدة فتستوجب الكفارة وأما الأيمان الكاذبة فهي
الغموس التي تغمس صاحبها في النار وليس لها إلا التوبة.
(2) 2- الظهار : من الظهر، وهو أن يخاطب الرجل من تحل له أنتِ علي كظهر أمي،
وهنا الأم أشد حرمة فتأخذ المظاهر منها نفس الحكم ولا تحل إلا بالكفارة الواردة
في سورة المجادلة. انظر كتابنا أحكام الظهار في الإسلام - للمحقق. (6/142)
صفحة 879
محمد بن جفعر رحمهم الله، ومن قال : إن فعل الله .ذا وذا فعليه أن
يعمل بطاعة الله كفعل من خلق وبراً وذراً من النوم إلى يوم القيامة، فحنث
فهذا قد حمل على نفسه ما لا يطاق، فعليه كفارة التغليظ وقيل مرسلة.
مسألة
[ حكم من قال إن فعل كذا فهو عبد للشيطان ]
ومن قال إن فعلت كذا فأنا عبد لفلان، أو للشيطان لعنه الله، ثم فعل فليستغفر ربه ولا شيء عليه وإن نوى مطيعاً للشيطان فعليه الكفارة.
مسألة
[ حكم من قال أدخله الله مدخل فرعون ]
ومن قال أدخله الله مدخل فرعون أو غيره من أهل المعاصي، فأما فرعون فقد أخبر الله خبره وعليه كفارة، وأما غيره من أهل الشرك، وكذلك
الأموات من أهل الأوثان فلا وقيل عليه الكفارة من قوله مدخل فرعون ومن مثله ممن قد صحت شقوته وأنه من أهل النار، ومن جواب أبي علي الأزهر
ابن محمد بن جعفر(1) ، ومن قال عليه ألف لعنة وألف عهد وألف حجة فحنث. فأما في ألف حجة فعليه ما قال، وأما فيما بقي عن محمد أنه لا شيء عليه حتى من الله.
مسألة
[ من قال : أنه يعبد ما يعبد الكتابيون ]
عن الحواري بن محمد عن هاشم بن غيلان رحمهم الله، ومن قال : أنا أعبد ما يعبد أرباب الكتابين فعليه كفارة التغليظ إذا أحنث، لأن النصارى يعبدون الصليب(2) ، واليهود يزعمون أن عزير ابن الله، ومن قال : هذا الطعام عليه حرام كحرمة أمي فعليه كفارة التغليظ إذا حنث، عتق رقبة أو صوم شهرين أو إطعام ستين مسكيناً لأنها لا تحل على حال وقيل : كفارة مرسلة.
مسألة
[ من قال : إن فعل كذا فهو ظالم لنفسه ]
__________
(1) 1- أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر : من علماء عُمان معاصر لأبي المنذر وأبي
محمد بشير وعبد الله بن محمد بن محبوب وأبي الحواري المعروف بالأعمى.
انظر كشف الغمة ص293 رقم 473 .
(2) 2- الأصل : يعبدون الصلب والأصح يعبدون الصليب. (6/143)
صفحة 880
ومن حلف لا يأكل من هذا الحب فعليه صيام ثلاثة أيام، ومن قال : إن فعل كذا فهو ظالم لنفسه أو ظالم نفسه، قال أبو المؤثر رحمه الله : أما قوله
فهو ظالم لنفسه فلا شيء عليه، وأما قوله ظالم نفسه فعليه صوم شهرين،
وقيل : عشرة أيام.
مسألة
[ حكم من قال : أنه وثني ولم ينوي مروقاً ]
ومن قال أنه وثني ولم ينوي مروقاً من الملة فلا شيء عليه، ومن قال هو بريء من دين محمد - صلى الله عليه وسلم - فقيل : عليه كفارة التغليظ، وقيل : كفارة يمين مرسلة. ومن قال جد الله جارحة من بدنه أو نفي من والديه فلا شيء عليه.
مسألة
[ حكم من قال : لعنة الله على فلان وعلى من أوصاه ]
ومن قال : لعنة الله على فلان وعلى من أوصاه، فأوصاه فقد قيل : لا حنث عليه حتى يعني نفسه، ومن عنى نفسه فعليه كفارة التغليظ.
مسألة
[ حكم مخاطبة الوثني بالثناء عليه ]
ومن قال لوثني : فعلت كذا فأنت خير مني، ففعل، فعليه كفارة التغليظ.
مسألة
[ حكم المخاطبة العادية ]
وقيل : إذا قال لوثني بعينه فلا شيء عليه، لأنه قد يكون خيراً منه إذا
تاب وأناب إلى الكريم الوهاب.
مسألة
[ حكم من قال أنه يأكل الميتة ويحتسي الإثم ]
ومن قال هو يأكل الميتة ويحتسي الإثم(1) ، فإن أكل الميتة مضطراً فلا
شيء عليه، وأما على غير الاضطرار فعليه التوبة والكفارة.
مسألة
[ حكم من قال أنه برئ من ربه والعياذ بالله ]
ومن قال أنه برئ من ربه أو ربه برئ منه، وإن فعل ذا، ففعل فعليه كفارة التغليظ ولا يكون مشركاً.
مسألة
[ من حول نيته في الصلاة ]
ومن قال : كل صلاة صليتها إلى الغروب فهي في الشرق فحنث، فإن نوى مروقاً من الإسلام فعليه التغليظ، وإلا فلا شيء عليه.
مسألة
[ حكم من لعن نفسه ]
ومن قبح وجهه على فعل في مجلس ثم عاد في مجلس آخر، فلعن نفسه
على الفعل الذي قبح عليه نفسه، ثم قال في مجلس آخر : عليه عهد الله،
__________
(1) 1- يشرب الخمر : فالإثم معروف لدى العلماء أنه الخمر. (6/144)
صفحة 881
فقد قيل : تلزم كفارة واحدة، وقيل : لكل لفظة كفارة على الانفراد، وأما قوله عليه عهد الله لا يفعل ذا ففعل حنث. ومن جواب أبي علي إلى عبد الله رحمهم الله : ومن قال هو من المتكبرين إن كلم فلاناً وهو من الجبارين إن مشى مع فلان، فإني أخاف عليه التغليظ. ومن حلف بعهد الله، قول عليه كفارة التغليظ، وقول : يمين مرسل لقوله تعالى : { ذلك كفارة
أيمانكم } (1) . والكفارات التي يكفر بها مضيعها، هي كفارة اليمين التي في كتاب الله، والكفارة التي تجب في الاعتكاف(2) ، ومن قال هو من المشركين
أو عليه غضب الله أشباه هذا. وكذلك من ترك كفارة الصيد والقتل.
مسألة
[ حكم الحلف الكاذب ]
ومن حلف بما اتخذ يعقوب على نبيه فعن خالد بن محمد عن سليمان
بن عثمان(3) أنه لا شيء عليه، ومن قال : قبح الله دبره إن فعل كذا ، فما
أبعده من صيام شهرين. ومن حلف على الكذب لزمته الكفارة فصام إذ
هو مقتر ثم أثري قبل إتمام الصوم فعليه الإطعام ولا يجزئ عنه الصوم، وإن
أتم صومه أجزأ عنه. وإذا لزمت الكفارة ذا مسغبة عن يمين مرسلة فصام
عشرة أيام عن يمينه ثم اتضح له الحق، فعليه صوم ثلاثة أيام فقط فقد أجزأه.
مسألة
[ صيغ من الأيمان ]
ومن جامع ابن جعفر : ولكل مقسم أن يكفر قبل الحنث أو بعده إلا يمين الظهار، وقال أبو عبد الله : لا يكفر إلا إذا حنث في الظهار وغيره. وعن
أبي عبد الله : ومن استخبر عن شيء فأقسم أنه لا يعلمه أين هو، فإن كان
أيان القسم عالماًَ به فعليه كفارة التغليظ، وقيل : كيمين مرسل، ومن تناسى فعله أنه لا يفعل فعليه الكفارة، وإذا تعمد للقسم على علم فعليه كفارة
__________
(1) 1- سورة المائدة : آية 89 .
(2) 2- الاعتكاف : حبس النفس على طاعة الله في مسجد جامع لمدة زمنية. اختلف
العلماء في أقل الاعتكاف، والمسجد المعتكف فيه.
(3) 3- سليمان بن عثمان (أبو عثمان) من عقر نزوى وهو من علماء النصف الثاني = (6/145)
صفحة 882
التغليظ ولو كانت اليمين مرسلة، ولو لم يحلفه حاكم ولا قطع مالا يقوله
تعالى : { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } (1) تمام الآية، فهذا قد
وجبت له النار، وهم يعلمون، فقد يوجد عن بعض الفقهاء أن المائن في عينه إذا لم يكن أقسم بحكم حاكم ولا قطع مالاً لأحد فعليه كفارة يمين مرسلة، وهو رأي أبي معاوية رحمه الله. ومن أقسم بعتق أو في المساكين وهو ذووا
عيلة إن فعل كذا فحنث، فعليه العتق وعليه ما جعل على نفسه للمساكين، وقول : عليه كفارة يمين مرسلة. وقال أبو محمد عبد الله بن عمر وأبو
أيوب : فعليه ما جعله على نفسه وهو إلى ميسورة دين عليه.
مسألة
[ حكم من سئل عن شيء فأنكره وهو موجود ]
ومن سئل إعارة شيء فأقسم ما هو بالبيت ثم رآه والج البيت فعليه
الحنث إذا تعمد للقسم على اليمين، وإن نسي ففي الحنث عليه اختلاف، والأصح أن حلف صادقاً في النية ثم اتضح كذبه فلا شيء عليه.
مسألة
[ حكم من قال : والله لا أفعل كذا ويفعل ]
ومن جواب الحسن رحمه الله : ومن قال والله لا فعلت كذا وهي عليه صيام شهرين ثم حنث، فعليه ما جعل على نفسه. ومن قال : لا جزاء الله
يعلم أني أحبك وأحب لقاءك ومواصلتك فعليه كفارة التغليظ.
مسألة
[ كفارة اليمين المرسلة ]
ومن لزمته كفارة يمين مرسلة إطعام عشرة مساكين إذ هو مثر فسوف فأقتر فإنه يصوم عشرة أيام عن كل مسكين يوماً، فإن أثرى أطعم، وقيل: يجزئه صوم ثلاثة أيام.
ومن وجب عليه الكفارة وهو ممن يجب عليه الصوم فلم يصم حتى صار بمنزلة من يلزمه الإطعام، حنث إجماعاً، وإن كان ممن يجب عليه الإطعام
فلم يطعم حتى أعدم، فقول : عليه الإطعام متى استطاع، وقول: يجزئه
__________
(1) = من القرن الثاني وأوائل القرن الثالث وهو قاضي الإمام غسان بن عبد الله. أخذ
العلم هو والشيخ هاشم بن غيلان عن العلامة موسى بن جابر الأزكوي.
انظر إتحاف الأعيان ص 1/428 .
1- سورة المجادلة : آية 14 . (6/146)
صفحة 883
الصوم وقد قصر في التسويف في حقوق الله، لا نتحول من تعبد إلى تعبد.
مسألة
[ كفارة صوم رمضان ]
ومن وجبت عليه الكفارة بالصوم عن رمضان فلا يجوز له الاستئجار،
ولو لم يقل بذلك أحد.
مسألة
[ متى يتوجب بدل رمضان ]
ومن أتى بما ينقض صومه في شهر رمضان وهو في الحضر فعليه بدل الشهر والكفارة صوم شهرين أو عتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً، وهو
على الترتيب لا التخيير. ومن قال لآخر : احنث وكفارتك علي، فحنث
فصح أنها مغلظة فقد لزمته، ومن قال لأخر : اترك فلاناً وحقك علي الذي عليه، فغاب من عليه، لزم الضامن من تسليمه كما قال ربه، وقيل : هذا مما تدخله الجهالة حتى يوضح الحق.
مسألة
[ تقديم بعض الحقوق على بعض ]
ومن لزمه الحج والكفارات مما تستغرق نشبه، فإنه يبدأ بالحج قبل الكفارات، قيل : في المحيا والممات. وقيل : من لم يكفر الكفارات كلها إلا كفارة اليمين بالله، وكفارة الصيد والقتل، أنه لا بأس عليه وهو على ولايته عند من يتولاه ما لم يخط من دان بذلك إلزاماً على من وجبنا عليه إذ دان بأدائهن ولو لم يؤدهن، فيرجى له من الله السلامة فيما عليه من حق الله.
مسألة
[ أهمية الدين في المنع من الجنة ]
وقيل: أتى أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : إذا ضربت بقضيبي هذا في
سبيل الله ما لي من الأجر يا رسول الله؟ فقال له : لك الجنة، فانصرف
الأعرابي فنزل جبريل عليه السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : إلا الدين يا
رسول الله، فأخبر الأعرابي بذلك(1)
__________
(1) 1- الحديث صحيح، روي برواية ثانية عند الإمام مسلم في الإمارة باب ثبوت الجنة
للشهيد.. فقام رجل، فقال : يا رسول الله : أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر
عني خطاياي؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «نعم. وإن قتلت في سبيل الله وأنت
صابر محتسب مقبل غير مدبر» ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كيف قلت؟ قال:
أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم
وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لي بذلك». (6/147)
صفحة 884
.
مسألة
[ أقسام الذنوب ]
الذنوب ثلاث : فذنب يغفره الله تعالى، وهو ما بين العبد والمعبود،
وذنب لا يغفره الله، وهو الإشراك بالصمد الموجود، وذنب لا يتركه الله،
فكان علي العبد من حق لمن هو بعد العدم موجود مفرد موجود.
مسألة
[ ترتيب كفارة الظهار ]
عن الشيخ أبي الحسن(1) رحمه الله : وأما من يجب عليه العتق في
كفارة الظهار، فإن كانت غلة نشبه تغنيه سنة، فهذا يجب عليه العتق، وما
كان غير ذلك فغير مستغن، وعليه الصوم وجائز أخذ الكفارة والصدقة.
مسألة
[ حد من يلزمه العتق ]
ومن فضلت غلة ماله عن عوله وعول من يلزمه عوله، لأن الفضلة لا تجزئ للعتق إلا بتحمل دين وتكليف، أو يتربص في معيشته على عياله فنقول أن هذا ليس هو بحد من يلزمه العتق.
النهج الثامن والثلاثون
فيمن يجب عليه العتق وفي كفارة الظهار(2)
__________
(1) 1- أبو الحسن : هو علي بن محمد البسيوني، الفقيه العلامة صاحب التصانيف
المفيدة ، الأزدي اليحمدي. من شيوخه أبو محمد بن بركة البهلولي ، وكان
ثقيل السمع. من مؤلفاته الجامع المسمى بجامع أبي الحسن. انظر إتحاف
الأعيان 1/229 - 236 .
(2) 1- كفارة الظهار : الظهار مصدر ظاهر يظاهر ظهاراً. والظهر في قوله عليه
الصلاة والسلام : «لا صدقة إلا عن ظهر غني» وظاهر بين ثوبين لبس أحدهما
فوق الآخر والتظاهر من التباعد. وفي الاصطلاح : قال العيني : تشبيه المحللة
بالمحرمة على وجه التأييد. وعند القطب : تشبيه المسلم المكلف من تحل له أو
جزء منها بظهر محرم أو جزء، وإن بصهرٍ أو رضاع. شرح النيل وشفاء العليل
7/94 - 95 . انظر كتابنا أحكام الظهار.
قال تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة
من قبل أن يتماسا ذلك توعظون به والله بما تعملون خبير. فإن لم تجدوا
فصيام شهرين متتابعين ممن قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين
مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله تلك حدود الله وللكافرين عذاب
أليم } سورة المجادلة 2 - 4 . (6/148)
صفحة 885
ومن تجوز له كفارة الأيمان
مسألة
[ الذي يحق عليه العتق دون الصوم ]
ومن كان من ذوي الصناعات فإذا كفته صناعته لما يحتاج له سنة
ولمن يمون، فإذا لم يكن بذلك الحد فلا عتق عليه، وعليه الصوم إذ حكمه
غير مستغن.
مسألة
[ عدم تحميل الإنسان فوق طاقته ]
وليس على أرباب الصناعات بيع آلتهم ولا على التجار أن يعتقوا من رأس مالهم، إلا إذا كان ممن لا يضر بهم ولا يحتاجون إلى تحمل مشقة بمئونتهم بسبب ذلك وإنما ذلك في الغالة خاصة.
مسألة
[ على من تجب زكاة الفطر ]
عن الشيخ أبي الحواري رحمه الله : فحتى يفضل عنه من غالة ماله بعد
ما يحتاج إليه خمس عشرة درهماً، وكذلك يرفع عن الشيخ محمد بن
محبوب رحمه الله في زكاة الفطر أنها تجب على من لا يتحملها بدين، ولا
ضرر بنفسه ومن يمون، وسأل سائل أبا عبيدة رحمه الله عن زكاة الفطر
وعليه ثوبان مثمنان، فأمرهما أن يبعهما ويشتري دونهما ويزكي الفطر.
مسألة
[ متى تنتقل الكفارة إلى الصوم ]
ومن كان ذا ثروة فلزمته أيمان فكفر بالإطعام، ثم عجز عن تكفير بعضها بالإطعام لحدوث إقتار عليه، جاز له أن يكفر الصوم، ثم إذا بقي عليه شيء فأثرى كفره بالإطعام.
مسألة
[ أيهما يقدم الدين أم الكفارة ]
ومن كان ذا ثروة وعليه دين هل يجب عليه العتق في الكفارات؟ فإذا
كان دينه حالاً فإذا قضاه زال عنه حكم الغني، فقد زال عنه حكم العتق والإطعام في الكفارات في الأيمان، وأما زكاة الفطر فإن كان بعد قضاء دينه
لا يضر به إخراجها، وإلا فلا.
مسألة
[ ترتيب كفارة اليمين ]
وأما كفارة اليمين، فإذا كان يجد من يلزمه الإطعام في اليمين فعليه
إطعام ولو يبيع أصله ماله أو سواه.
مسألة
[ قضاء حق الله من ثلث المال بعد الموت ]
ومن وجبت عليه زكاة الفطر فصارت عليه ديناً، ورام قضاءها في
حياته، باع فيها الأصل وقضى عن نفسه، قضيت عنه من ثلث ماله إذا احتضر، وقول : هي كالدين من رأس المال، والأصح أنها بعد الموت من
ثلث المال. (6/149)
صفحة 886
مسألة
[ قول القضاء من رأس المال ]
فإن قيل : فعلى قول من يجعل الزكاة من رأس ماله(1) بعد الموت هل
يجعل كفارة الأيمان والنذر اللازم؟ فنعم قد قيل ذلك.
مسألة
[ عدم استطاعة الإطعام ]
وإذا كان قادراً على إطعام خمسة مساكين هل له أن يصوم؟ قال : إنما عليه الإطعام، وقيل : يصوم.
مسألة
[ حكم بيع الحلي والآنية لقضاء الحقوق ]
وإذا كان للبضة حلي وكسوة ومسكن وآنية مثمنة هل لها الاستبطال بدونها وتأكل فضل ثمنها؟ فما كان مستغنية عنه من جميع ذلك باعته
وأكلت ثمنه، وليس لها أخذ الصدقة إذا كان ما باعته لا يضر بها ولا تنقص
غلة مئونتها عن سنة إذا كان للبيت غلة.
مسألة
[ حكم كفارة المستغنية بالبعل ]
وإذا كان للخدلجة بعل يلزمه عولها، ولها مال، لو لم يكن البعل لم
تكفيها غلته سنة ، ولزمته كفارة ، فإذا لم تكفها غلة مالها سنة إن لو تكن
ذات بعل وتفضل معها خمسة عشر درهما فليس له(2) عليها بيع أصل
مالها، وقيل : إن هده مستغنية بسبب البعل وتكفر بالإطعام ولا تعطي من الزكاة إذا كانت تبقى فضلة من الغلة.
مسألة
[ متى يحق له أخذ الصدقات ]
وكل ما استغنى عنه المرء أن لو باعه من ماله باعه في الكفارات، ولا
يحل أخذ الصدقات إذا استغنى في حين لزوم الكفارات.
مسألة
[ حكم إعطاء الأصول والفروع من الكفارات ]
وجائز أن يعطي الوالد لولده أو بالعكس من الكفارات إذا لم يحاذر منه خيانة، وكذلك لمن يمون، وللوصي أن يعطي ذلك من ماله من أوصى عليه
من الكفارات.
مسألة
[ متى يضمن الوصي الكفارة ]
وإذا أعطى الوصي عبداً من الكفارات أو ذا ثروة جهلاً بحالهما أو جهلاً بحجره، فإن جهل حاله ثم علم ففي ثلث مال الهالك وليس عليه غرم، وإن جهل حجره فعليه غرم، وإن أعطاه على علم بغنائه أو أنه مملوك ضمنه.
مسألة
[ حكم إعطاء المشرك من الكفارة ]
__________
(1) 1- لا يوجد في الأصل ماله.
(2) 1- في الأصل لها، والأصح له. (6/150)
صفحة 887
وأما إن أعطى مشركاً علم أنه مشرك أو لم يعلم، ولا غرم على
الوصي وليس هو في ثلث مال الهالك وقد أجزأه ذلك. ومن له غلة مال
لا تكفيه لسنة أخذ من الصدقة لتمام السنة، وإن كان يكفيه وادعى ديناً
أو وصية قد لزمته، أعطي من الزكاة، ومن ادعى الإقتار قبل قوله إذا لم
يصح غناه.
مسألة
[ يعطي الثقة الأمين من الزكاة لغيره ]
وإذا ادعى آخذ الصدقة أنه يطعمها الفقراء من أرحامه وجيرانه، جاز له إعطاؤه إذا كان ثقة أميناً. ومن أخذ من الزكاة لمئونته، فجائز أن يشتري
منها المصحف والقرطاس لينسخ فيه كتب العلم بعدما صار ملكاً له لا على
نية أنه يأخذه لذلك.
مسألة
[ جواز الأخذ بالطرق الشرعية ]
ومن أخذ من الزكاة عن المنوال الشرعي جاز له التصرف فيه لما شاء.
مسألة
[ متى يجب الحج على المرأة ]
وإذا كان للخرعوبة(1) مال ولها بعل يمونها أن لو باعت منه بلغها الحج، فلا يلزمها الحج حتى يكون لها مال إن لو باعت منه بقي من أصله ما
يكفيها غلته سنة، ولأن الزوج تدركه الحوادث كالموت والطلاق وغير
ذلك، وحكمها في هذا حكم من ليس لها زوج.
مسألة
[ عدم جواز بيع كتب العلم لسداد الديون ]
وآلة الصناعات وكتب العلم لا تباع في الدين على الأصح، ولا في الكفارات ولا في فطرة رمضان، وتباع كتب الأشعار إذا لم يكن أثر أو
لا نفع لأرباب الدين.
مسألة
[ مقدار ما يعطى الفقير من الكفارات ]
والكاغد(2) الذي لا كتاب فيه، وبمنزلة العروض وجائز بيعه، ويجوز
إعطاء ذي المسكنة من الكفارتين والثلاث وما فوقهن، ويعطى الفقير
__________
(1) 1- الخرعوبة : من الخرْوَع : من الخرْوَع : وزان مقود نبت لين وزنه فعول على
زيادة الواو ومنه قيل للمرأة تمشي وتنثني وتلين خريع. (المصباح المنير 1/200) .
(2) 2- الكاغد : عبارة عن ظرف أو جلد يحفظ به الأشياء والجلد يدبغ فهو نوع من
الحقائب الصغير، تكثر هذه الكلمة في بلاد العراق، والله أعلم. (6/151)
صفحة 888
الواحدة من الكفارات، الواحدة نصف صاع من البر وسدسين وربع ذرة.
مسألة
[ عدم جواز الحج من الزكاة ]
ومن لزمته الكفارة فليس له أن يأخذ من الزكاة ليقضي الكفارة ويجزئه الصوم، ولا يسلم صدقة الفطر مما يأخذه من الزكاة، ومن لزمه الحج فافتقر فليس له أن يحج من الزكاة.
مسألة
[ بقاء الزكاة في ذمة الشخص وإن أقتر ]
ومن لزمته كفارة فأقتر، فليس له أن يأخذ من الزكاة لما يلزمه من زكاة نفسه. وإن مرض وحاز الهلاك، وأخذ زكاة سواه وهو مثر وإبقاء الزكاة
في ذمته، أله أن يبرئ ذمته من زكاة سواه؟ فليس له ذلك.
مسألة
[ متى يجزئ الصوم عن العتق في كفارة الظهار ]
وإذا احتضر وكانت في ذمته زكاة، أوصى بها وسلمها عنه وصيه من الزكاة. عن أبي الحواري رحمه الله : ومن لزمته كفارة الظهار وله مال
وعليه دين، وعليه لزوجته المظاهر منها حق يستغرق نشبه، فهذا لا عتق عليه ويجزئه الصوم.
مسألة
[ جواز الكفارة على من يملك قوت سنة ]
عن سليمان عن هاشم : من أغناه ماله من ثمرة إلى ثمرة بلا تحمل دين
ولا ضرر على نفسه ومن يمون، فالطعم واجب عليه عن الكفارة.
مسألة
[ جواز إخراج الكفارة في غير البلد ]
والولد البالغ إذا كان مقتراً وأبوه مثر، ولزمته الكفارة فهل له أن يسأل أباه أن يكفر عنه يمينه؟ قال : لا، وعليه الصوم، وليس له أن يدخل على أبيه المشقة، ومن لزمه عتق أن يعتق في سوى داره، قالوا أبو المؤثر رحمه الله :
من كان عليه عشرة أيمان مرسلة فسلمها لعشرة فقراء جاز ذلك، وجائز تفريقها في غير بلد الموصي.
مسألة
[ مقدار الكفارة ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله أنه يعطي الفقير نصف صاع
من الشعير، ونصف صاع بر عن الكفارة، وجعل حكمه كحكم البر
والذي عليه جل أصحابنا هو بمنزلة الذرة وهو صاع الأربع.
مسألة
[ جواز إعطاء الفطيم من الكفارات ] (6/152)
صفحة 889
وجائز أن يعطي في كفارات الأيمان من الفطيم فصاعداً، وأما إن أراد الإطعام أطعم من أخذ جوزته وتعطى حصته لمن يعوله ولو كان يتيماًَ إذا
ائتمن على ذلك.
مسألة
[ إعطاء الكفارات لفقراء المسلمين ]
ولا تعطى الكفارة إلا لفقراء المسلمين، وقيل : ليست هي كالزكاة، وجائز أن تعطى جميع الفقراء، وجائز أن تجمع حصص الفقير من جملة الكفارات إذا كانت جمة وإعطاءه من كل كفارة على حدتها أحسن.
مسألة
[ تفريق الكفارة على الفقراء ]
ويستحب إن كانت الكفارة أن تفرق على فقير حصته من كفارة
واحدة، ليعم الفقراء الكثيرين، وإن لم يفعل فلا بأس. ولا أحب للوصي أن يأمر أحداً من الفقراء أن يأخذ حصته بنفسه وأن يكيل لغيره، فإن فعل فلا ضمان على الآمر ولا المأمور إذا كان مأموناً.
مسألة
[ جواز إخراج الكفارة من أنواع شتى ]
وجائز تفريق كفارة واحدة من أنواع شتى من الطعام، مثلاً لو كانت الكفارة لعشرة مساكين فأعطى ثلاثة حنطة وأعطى ثلاثة تمرا وأعطى أربعة شعيراً أو ذرة بالقسط.
مسألة
[ جواز تقسيم الكفارة ]
وجائز أن يطعم بعضاً و يفرق الطعام على بعض من الفقراء لكفارة
واحدة، وقيل : إذا أعطى من نوع واحد بعضاً لم يجز أن يعطي من النوع الآخر بعضاً، وكذلك إذا دخل في التفريق على بعض فلا يطعم الآخر لتمام الكفارة، ولا يجوز أن(1) يعطى ورقاً في الكفارات عوض التمر والحب
بثمنه، وقيل : جائز والأول أرجح.
مسألة
[ معنى الوسطية في الطعام ]
قال الله تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } (2) ففي ذلك اختلاف قول الوسط الأفضل لقول الله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } (3)
أي خياراً، وقول : هو الوسط بعينه، وقول : هو الوسط من طعام العامة لا يخص به طعام أحد، ويستحب أن يطعم في زمن البر براً وفي زمن الذرة
__________
(1) 1- لا يوجد في الأصل أن، والمعني فيه ضعف.
(2) 2- سورة المائدة جزء من آية 89 .
(3) 3- سورة البقرة آية 143 . (6/153)
صفحة 890
ذرة، وإن أطعم من نوع في زمن نوع غيره فلا يضيق. وجائز أن يطعم في
الدار غير ما أطعم في الأخرى إذا كان ذلك أغلب طعام أهلها.
مسألة
[ مقدار الإطعام في اليوم ]
والإطعام في كل يوم أكلتان غداء وعشاء ويباعد بين الأكلتين وإن قارب فلا بأس، وعليهم أن يشبعهم ووجوب سؤالهم عليه، فإذا قالوا : أنهم شبعوا اكتفى بذلك ولا يطلب رخص الأسعار.
مسألة
[ عدم جواز شراء ما فرق على الفقراء ]
ولا يجوز شراء ما فرق على الفقراء من الكفارات أن يفرق في كفارة أخرى ولم تتضح لي حجة في ذلك، وقد صار ملكاً للفقير يتصرف فيه ما
شاء وأراد تصرف المالك لملكه واتباع الأثر أولى وأحق.
مسألة
[ اختلافهم في تفريق الكفارات ]
اختلف المسلمون في التفريق للإطعام عن الكفارات، أجازه الأكثرون
وأباه قوم آخرون، وحجة الآبين أن الله أمر بإطعام المساكين لا التفريق في كتابه المبين.
مسألة
[ جواز طلب رخص الأسعار في الكفارة ]
عن أبي سعيد رحمه الله أنه قال : يعطى من الكفارة كل مسكين نصف صاع من الحب، وقيل لا يجزئ التمر عن الحب في الكفارات وقيل يجوز
بقيمة والأصح جوازه على حال. قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله :
يجوز لمن عليه كفارة أن يخرج إلى القرى ليطلب رخص السعر، وقيل
يفرق من البر ثلاثة أرباع الصاع، ومن الذرة صاع، ومن الشعير صاع،
وجائز تفريقه حيث وجد الرخص ولو ناء عن دار الهالك.
مسألة
[ جواز تفريق الطعام على التراخي ]
قال الشيخ أبو عبد الله(1)
__________
(1) 1- الشيخ أبو عبد الله : هو الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل، وبشير وابنه من
آل الرحيل بن سيف بن هبيرة بن أبي وهب، أبو عبد الله وبه يعرف في المؤلفات
العمانية من أهل بيت في العلم. والده محبوب بن الرحيل من العلماء المبكرين،
وأخوه سفيان ومحبر وكان الأخير يسمى بالثقة قدم محمد بن محبوب صار
عام 249 وولي القضاء بها للإمام الصلت بن مالك وتوفي في 3 محرم سنة
260هـ . نظر كشف الغمة ص263 رقم 460 . (6/154)
صفحة 891
رحمه الله ليس على الناس خير في إخراج الكفارات في الإيمان والنذور ولا صدقة نشبهم وإنما يجيزون فيما كان من صداق أو عتاق أو ظهار إذا طلبت الزوجة ذلك، وجائز تفريق الطعام على المساكين تراخياً إذا لم يمت من أعطى أو يستغني قبل أن تتم الكفارة، وأجاز الشيخ محمد بن محبوب تفريق نصف صاع للمسكين من حب الشعير،
وجعله كالبر، وجائز تفريق الدخن وما سواه من الحبوب بثمن البر والشعير وقيل : لا يجوز الدخن ولا التمر إلا البر فقط، ولا يجوز للوصي أن يستأجر
على حمل طعام الكفارات مما أوصى به الهالك، وجائز أن يطلب الرخص ويفرقه حيث وجده، دنت الدار من دار الموصي أو شطت، وعلى مطعم الكفارات إعلام من يطعمه أنه كفارة، كذا لعل بهم من لا يستحق عند
نفسه، ومن أطعم خبزاً وأدماً جاز ولو لم يكن تمراً.
مسألة
[ جواز الإطعام من أي طعام ]
ومن أطعم مسكيناً قد تغدا فلا يجزئه حتى يكون جائعاً ويأخذ حوزته
من الطعام، وقيل : لا يجوز الإطعام إلا بالخبز والأدم فقط، وقيل : يجوز
بالأرز وسائر الحبوب بثمن البر والشعير.
مسألة
[ جوز الكفاءة من الدخن ]
وقيل : إذا كان نصف صاع البر ثمنه كثمن ثلث صاع الدخن(1) أجزاه أن يعطي ثلث صاع من الدخن إذا كان يشبع الفقير أكلتين، وإذا علم
الموصي بما يعطي الفقير من الكفارات أُعطي كما أوصى، وإن أبهم، وإنما أوصى بالكفارات فلا يفرق إلا بالصاع الذي عليه المسلمون، فإن فعل ذلك بغير رأي الورثة وكانوا ممن يملك أمره ضمن إن خالف.
مسألة
[ ما يجزئ من اللباس ]
عن هاشم ومسبح : أن العمامة والخمار تجزئان بالكسوة، وقال الأخطل البهلاني : تجزئ القلنسوة، وقال موسى(2) : لا تجزئ وهو الأصح.
مسألة
[ حكم الأكل من الكفارة وما يجزئ من اللباس ]
__________
(1) 1- الدخن : نوع من الحبوب كان معروفاً لدى القوم ويعرف اليوم بالجاروس.
والدخنة : كالدريرة تدخن بها البيوت. مختار الصحاح ص201 .
(2) 2- موسى : هو موسى بن علي بن عزرة، سبق ذكره. (6/155)
صفحة 892
وهل يجوز لمن كفر أن يأكل مما أعطاه للفقراء إذا أطعموه منه، ففي
ذلك اختلاف قول إن علم من كفارة يمينه فلا يأكله، وإن يعلم فلا بأس، وقول جائز على حال إذ هو قد صار ملكاً للفقير، ويجوز له التصرف فيه ويكفي في الكفارات ثوب واحدة للمرأة وأما الرجال فبقدر ما تجوز به الصلاة، إذا كان إذا عقد على رقبته وأرى ركبته وقيل يجزئ الإزار والرداء والعمامة.
مسألة
[ مقدار الصاع عند أهل العراق والحجاز ]
وإن لم يكن فقراء في قرية الموصي ستين مسكيناً فرق ما بقي على فقراء قرية أقرب إليها والفرق ثلاثة أصواع، وهو ستة أسداس ونصف صاع،
وقيل الوسق ستون صاعاً والمختوم بعينه وهو حد يده ربطت فاه مستدبرة
ليلاً يزداد كالحلقة تحفظه عن الزيادة والنقصان، اختلف أهل الحجاز وأهل العراق في مبلغ الصاع كم هو فقال أهل العراق ثمانية أرطال، وقال أهل الحجاز : خمسة أرطال مد وثلث معلوم عند العقلاء والجهال.
مسألة
[ قوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكيل والوزن ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المكيال مكيال أهل المدينة، و الميزان ميزان
أهل مكة»(1) ، وبعضهم رواه بالعكس. ولا يجوز للمقتر السؤال البدوي(2)
ما لزمه من الكفارة لأن الله أيسر الدين للمتعبدين، فمن لم يتيسر له الإطعام صام ، ويستحب تعجيل إلاخراج(3) وخوف الحوادث.
مسألة
[ جواز السؤال من أجل كفارة الظهار ]
وقدر خص بعض المسلمين للمظاهر إذا لم يجد العتق والإطعام ولم
__________
(1) 1- عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «الوزن وزن أهل مكة،
والمكيال مكيال أهل المدينة» أخرجه أبو داود رقم 3340 في اليبوع باب المكيان
مكيال المدينة، والنسائي في البيوع 7/284 في البيوع وصححه ابن حبان
(1105) والدار قطني والنووي وابن دقيق العيد.
(2) 2- الأصل : البودوي : والصحيح : البدوي، أي الذي يقطن البادية.
(3) 3- الأصل إلا : والصحيح ويستحب تعجيل الإخراج خوف. (6/156)
صفحة 893
يستطع الصيام وحاذر فوت ذات الخلخال الخاتم، جاز له بعد ذلك أن يسأل الأنام، ويؤدي ما لزمه من الكفارات من تضيع ما لزمه من أيمان وصلاة
وصيام وهو غير مخير.
مسألة
[ جواز إعطاء الابن من الكفارات ]
ويجوز أن يعطي الأب لابنه من الكفارات إذا ادعى أن له ولداً إذا اطمأن القلب إلى تصديقه على بعض القول، وجائز إعطاء القن من الكفارات إن
سألها حتى أنه مملوك، فالمملوك لا يجوز إعطاءه ، و قيل: لا يجوز من يعوله
الصبي للصبي من الكفارات حتى يأخذ بنفسه والأصح الجواز.
مسألة
[ جواز إعطاء فقراء أهل الذمة ]
وجائز إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات. ومن وجبت عليه يمين
فنسي أنه كفرها أو لم يكفرها فعليه أن يكفرها حتى يستيقن.
مسألة
[ العطاء للفطيم ]
قال أبو المؤثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر مناديه أن ينادي لباثون العطاء على الفطيم فصاعداً فلما كان وقت العطاء من قائل سمع
بالليل صياح الأطفال، فسأل عن ذلك قيل له : إن أمهات الأولاد فطمن أولادهن لأجل العطاء، فأمر مناديه أن ينادي : أنا لباثون العطاء على المولود فصاعداً. ترفع الرواية عن محمد بن محبوب رحمه الله.
مسألة
[ جواز الإخراج لفقراء القوم ]
ومن لزمته كفارتان فكفر إحديهما وأوصى بالأخرى، ثم نسي كفر،
قول : يوقع نيته على إحديهما، وإن اختلفتا احتاط وكفر بالأكثر، وقيل : لا يجوز إعطاء فقراء أهل الذمة من جميع الكفارات، فإذا لم يجد فقراء
المسلمين فرقها على فقراء القوم، وقيل : كل ذلك جائز.
مسألة
[ جواز إعطاء الفقير من الكفارات ]
ومن كان عليه أسمة(1) الفقر واعترف به جاز إعطاءه من الكفارات.
مسألة
[ زكاة الأموال خاصة بالمسلمين ]
__________
(1) 1- أي صفة الفقر، الحكم هنا على ظاهر الحال. (6/157)
صفحة 894
وأما زكاة الأموال فلا تعطى سوى فقراء المسلمين، أهل الاستقامة في الدين، وإن تعذر فقراء المسلمين أنفذها في القوم فلا بأس، وإذا سأل المنفذ الكفارات أحداً أن يعطيه لأحد من جيرانه أو لأرحامه(1) ، وكان المنفذ لها عارفاً بهم ولا يتهم الآخذ بشيء من الخيانة فلا بأس، والأصح أن لا يبعث بذلك مع ذي ثقة.
مسألة
[ جواز إرسال الكفارة من قرية إلى قرية ]
وجائز إرسال حق الفقير من قرية الموصي إلى غيرها إذا كان مستحقاً. ومن أوصى بعدة أيمان جاز أن يعطي الفقراء منهن معاً، وإن فرق عن
البعض نصف صاع حنطة للفقير ومن الأخرى صاع إلا ربع الصاع شعيراً
أو ذرة جاز.
مسألة
[ من نسي الإخراج فعليه العوض ]
ومن عليه يمين مغلظة فأعطى ثلاثين مسكيناً فنسي من أعطى، فإنه يفرق على ستين مسكيناً في البلد التي فرق فيها، وإن أطعم ثلاثين من فقراء غير
تلك القرية أجزأه.
مسألة
[ الإطعام عن وجبتين ]
عن الوضاح بن عقبة(2) عن أبي الوليد : لا يجوز إطعام بعض المساكين
في يومه والآخرين غداً إلا إذا تعذر عليه حصول المساكين وقيل ولو
وجدهم وما من وجب عليه الصوم، فلم يستطع فإنه يطعم(3) عن كل يوم مسكيناً، ولو أنه يطعم مسكيناً شهران لزمه شهر.
مسألة
[ حق الكفارة المرسلة ]
ومن لزمته كفارة مرسلة أو مغلظة فليس له أن يطعمها مسكيناً واحداً، له أن يطعم كل يوم شرذمة حتى يتمهم فإن مات أحدهم واستغنى قبل إتمام الكفارة أطعم مكانه.
مسألة
[ إعطاء الصبي وسن بلوغه ]
وجائز تقبيض الصبي لنفسه إذا لم يكن مبذراً، وإن اشترى فاكهة أو غير إطعام وأكله فلا بأس على من أعطاه على بعض القول، وإذا بلغ الصبي في السن خمس عشرة سنة صاعداً جاز إعطاءه، ولو لم يعترف بالبلوغ على
قول من يقول : أن لا تسلم الكفارات إلا لمن بلغ الحلم.
مسألة
__________
(1) 2- الأصل : لرحامه، والأصح : لأرحامه.
(2) 1- الوضاح بن عقبة : سوف يأتي.
(3) 2- الأصل : ولو أن هم يطعم، والأصح : ولو أنه يطعم... (6/158)
صفحة 895
[ جواز إعطاء الزوج من كفارة زوجته ]
وإذا كان البعل مثر والحليلة مقترة فلا تعطى من الكفارات لأن نفقتها عليه، وما بالعكس جائز هذا رأي أبي سعيد.
مسألة
[ كفارة ترك الصلاة ]
وإذا لم يميز المعطي كل كفارة على حدة فاستوعب العطاء الكفارات، وكفارة الصلاة صيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً أو عتق رقبة.
مسألة
[ جواز إخراج الكفارة على التراخي ]
ومن لزمته كفارة فلم يجد العتق ولم يستطع الصوم ولم يقدر على
الإطعام مرة واحدة جاز له أن يطعم على التراخي كلما مضت عدة أيام
أطعم مسكيناً أو أكثر ولو تطاولت المدة ما لم يمت أحد الفقراء أو استغنى
عن الإطعام على من أطعم.
مسألة
[ هل صوم الكفارة تتابع أم لا ]
ومن صام كفارة صلاة فضرب فأفطر، ففي نقض ما صامه اختلاف،
قول : عليه الصوم متتابعً، ومن صامه غير متتابع انتقض، وقول : صومه تام وليس هو بأشد من رمضان.
مسألة
[ كيفية كفارة الصلاة ]
وأما إن رجع لداره فتم الإفطار في الحضر، بطل ما سبق من صومه في الحضر والسفر إجماعاً، وكذلك إن عاقه وصب جاز له الإفطار حتى يبرئ. ومن ترك الصلاة عمداً فعليه البدل والكفارة، وقول : عليه التوبة والبدل
فقط، وحجة من أوجب الكفارة قوله - صلى الله عليه وسلم - : من(1) ترك الصلاة فعليه البدل والكفارة، قول : لكل صلاة كفارة، وقول كفارة واحدة تجزئ لما ضيع،
وقول : أن تركهن متتابعات أجزأته واحدة، وإن صلى وأهمل وصلى لزمه
لكل صلاة ضيعها كفارة.
مسألة
[ حكم المغمى عليه في الصلاة ]
اختلف المسلمون في المغمى عليه ما يلزمه لما ضيع من الصلوات، قول :
لا بدل عليه إلا أن يفيق ويضيع، وقول : عليه بدل ما أغمي عليه فيه كله، وقول : بدل لصلاة يوم وليلة إن أغمي عليه أكثر، وقول : بدل صلاة أغمي عليه في وقتها. والناعس حكمه كحكم المغمي عليه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : رفع القلم
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص. (6/159)
صفحة 896
عن النائم(1) .
مسألة
[ أثر التوبة على العبد ]
وقال بعض المسلمين : ما ضيع العبد من حقوق الله كلها، ثم تاب وأناب فعليه إصلاح ما يستقبل، ولا شيء عليه فيما فات.
مسألة
[ قياس الصلاة على الصوم في الكفارة ]
الحجة في الكفارة على تارك الصلاة عمداً، أن الصلاة أحد قواعد الإسلام، وكان الصوم مثلها، وكان القاصد تارك الصوم هاتك حرمة
الإسلام، فلذ لك جعل عليه كفارة التغليظ اتفاقاً من أصحابنا وممن خالفهم،
فشبهنا الصلاة بالصوم، بل الصوم أرخص في ترك الكفارة، لقوله تعالى :
{ فعدةً من أيام أخر } (2) ، فإن قيل : لم جاز لكم القياس في ذلك، قلنا:
من شأن القائسين أن يقيسوا الأصل بالأصل، والصلاة أصل والصوم أصل.
مسألة
[ حكم التعاهد بالأيمان بين الأزواج وحكم نكث هذه الأيمان ]
عن أبي سعيد عن سليمان بن مروان : أن الجاهل إذا حلف أيماناً كثيرة فنسي حصرها، فعن المعلا بن المنير(3) : فإنه يكفر ثلاثة أيمان، وقال : سعيد إذا لم يحفظ و لم يحفظ له ، و قول : تجزئه كفارة مغلظة إذا كان جاهلاً ،
وقول : يكفر حتى لا يشك بالمغلظة والمرسلة. ومن عاقد عروسه وعاقدته
على أن لا ينكح عروساً بعدها، ولا تنكح بعلاً بعده ، وأغلظا الأيمان فمن حنث كفر بإطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة أيام.
مسألة
[ حجة من قال الكفارة للمسلمين خاصة ]
وأما حجة من جعل الكفارة في المسلمين خاصة قوله عليه السلام : «لئن أطعما أخاً لي في الله لقمة خبز لي، من أنفق درهماً والمعنى على غيره ولو
لم يكن كذلك لما كان في الخبز فائدة(4) .
مسألة
[ دليل محمد بن روح ]
__________
(1) 1- الحديث : «رفع القلم عن ثلاث : عن المجنون حتى يبرأ، وفي رواية يفيق، وعن
النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل» وهناك روايات أخرى. أخرجه
أبو داود 4399 ، 4400 ، 4401 ، 4402 في الحدود.
(2) 1- سورة البقرة آية 184 .
(3) 2- المعلا بن المنير : لم أعثر له على ترجمة.
(4) 3- لم أعثر عليه بهذا النص. (6/160)
صفحة 897
عن أبي عبد الله محمد بن روح(1) أنه كان يطلق الزكاة للفقراء بظاهر النص من أهل الدعوة وغيرهم من الفضل بن الحواري أن يعطى من
الكفارات من أكل من الطعام ولو لم يؤخذ جوزته.
مسألة
[ تنفيذ الوصية بالإطعام ]
ومن أوصى أن يقضى عنه من ماله إطعام ألف مسكين عن ألف صلاة لزمه بدلها، هل يجوز أن يطعم عنه مسكيناً واحداً غداءً وعشاءً هذه
الصلوات؟ فلا يجوز ذلك، ويطعم عنه على العدد كما أوصى.
مسألة
[ حكم إنفاذ الكفارة دراهم ومقدار وكفارة الإطعام في اليوم ]
وقيل : يجوز إنفاذ الدراهم في كفارة الأيمان بدل الحب التمر،
والأصح عدم الجواز. ومن أوصى بإطعام ستين مسكيناً أن يفرق عنه
حباً أو تمراً، وقيل : لا يجوز، وأول وقت الغداء إذا طلع الفجر الأخير
إلى نصف النهار ثم أوقات العشاء إذا زالت الشمس إلى ثلث الليل، فإن
قيل : لم أوجبتم أكلتين وليس في الآية تكرار الإطعام والأمر إذا ورد
مطلقاً وجب استعماله مرة واحدة، إلا أن تقوم دلالة توجب التكرير قلنا
قد قامت الأدلة من الكتاب على ذلك قوله تعالى : { من أوسط ما
تطعمون أهليكم } (2) ، والمعتاد في كل يوم أكلتين في أغلب الأحوال
والحجة من السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة حين أمره أن يحلق رأسه
وهو محرم من الأذى، وينسك بشاة، أو يطعم ستة مساكين لكل
مسكين نصف صاع من الحنطة، فعلمنا أن نصف الصاع للواحد أكلتان(3) .
مسألة
[ مقدار الكفارة من الذرة ]
__________
(1) 1- محمد بن روح : هو الشيخ العالم الفقيه أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي
الكندي النزوي السمدي من علماء النصف الأول من القرن الرابع وهو من شيوخ
أبو سعيد الكدمي من شيوخه العلامة أبو الحواري. انظر إتحاف الأعيان 1/210
(2) 1- سورة المائدة جزء من آية 89 .
(3) 2- هذا الحديث سبق ذكره في محظورات الإحرام وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمح له بحلق
رأسه وإخراج الفدية. (6/161)
صفحة 898
واختلفوا في الذرة، فقال قوم أربعة أسداس الصاع، وقيل ذلك من ذرة الجبل البيضاء، وقيل : إذا كانت من ذرة الأرض الباطنة فصاع كريب تام، وقيل يعطى من الذرة بثمن نصف صاع حنطة، وقول يعطى الوسط من
كل الحبوب.
مسألة
[ الفرق بين الحلف والقسم ]
أبو جعفر(1) عن هاشم بن بشير(2) : ومن قال حلفت فلا يلزمه يمين إذا حلف، وإن قال أقسمت لزمته اليمين على قول أبي نوح(3) ، والأصح أنه لا يمين عليه، ومن جعلها فكفارتها مرسلة.
مسألة
[ أثر النية في التلفظ باليمين ]
ومن حلف بالله الذي لا إله إلا هو ملأت ما بين السماء والأرض ثم
حنث لزمته كفارة مرسلة. ومن قال : لا إله إلا الله أو سبحان الله ونواها
يميناً، فهي يمين إذا حنث.
مسألة
[ صيغ من الأيمان ]
ومن قال : وحياة ربي لزمته الكفارة، لأنه بمعنى وحق ربي، ومن قال: وحق رسول الله على شيء وحنث، فعن أبي المؤثر : عليه يمين مرسلة.
مسألة
[ حكم الاستثناء من اليمين ]
ومن قال في النية: أعوذ بالله، أو حاشا لله أنه لا يمين عليه، وقول : في
قوله حاشا لله يمين إذا نواها يميناً، واختلفوا في قوله معاذ الله، فقيل : هي
كقوله أعوذ بالله من، وقال أبو عبد الله هي يمين، ومن قال بسم الله على
فعل حنث، فإن نواها يميناً فهي يمين، عن محمد بن محبوب رحمه الله :
من قال عليه ما تعجز عنه الجبال ثم حنث فإن نوى بذلك يميناً فعليه كفارة التغليظ، وإن أرسل فلا شيء عليه.
مسألة
[ صيغ من الأيمان ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : ومن قال عليه يمين شديد، أو
__________
(1) 1- أبو جعفر : لعله أبو جعفر أحمد بن خيران الوسياني ذو الاجتهاد العظيم وكان
كريماً شهماً سميحاً عالماً. طبقات المشائخ 2/402 - 403 .
(2) 2- هاشم بن بشير: لم أعثر له على ترجمة.
(3) 3- أبو نوح : يوجد أكثر من عالم بهذه الكنية فهم : أبو نوح سعيد بن يخلف،
وأبو نوح صالح بن إبراهيم ، وأبو نوح البصير ، وأبو نوح سعيد بن زنغيل. (6/162)
صفحة 899
أنا حالف بحجج كثيرة، ولم يكن حلف ولم يعتقد قوله يميناً، ثم حنث أنه
لا كفارة عليه وهو مائن ويستغفر الله، ومن قال الحمد لله ونواها يميناً ثم
حنث، فعليه كفارة، رواه أبو صفرة(1) عن محبوب رحمه الله عن هاشم(2)
عن أبي عبد الله : ومن قال علي في الله أو علي بالله، فكفارتها إطعام عشرة مساكين إذا حنث، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة
أيام، وقيل عليه كفارة التغليظ.
مسألة
[ صيغ من الأيمان المعلقة ]
ومن قال علي لله فكفارتها مغلظة، وقيل مرسلة، ومن حلف ليرفعن على فلان، فمتى رفع عليه بر، وإن تعذر عليه الرفعان بسبب كالموت والغيبة أو
ما أشبه ذلك حنث، وإن قال ليستقصين عليه في الطلب كل الاجتهاد فقد
بر، ومن حلف ليعرفن فلاناً نفسه، فإن له نية ما نوى وإلا أعرفه نفسه
بلسانه أنه فلان، فقد عرفه ولا كفارة عليه، عن عبد الله رحمه الله : ومن
حلف ليصلين لا يزد فيها ولا ينقص شيئاً فإذا حفظ صلاة من الزيادة فقد بر.
النهج التاسع والثلاثون
في الاعتكاف(3) وشيء من النذور
مسألة
[ الوفاء بنذر الاعتكاف ]
ومن نذر أن يعتكف في مسجد يوماً فإنه يلج المسجد قبل الفجر، ومن نذر اعتكاف يومين فعليه اعتكاف يومين وليلة، هذا رأي أبي معاوية عزان
بن الصقر رحمه الله.
مسألة
[ ما يقوم به المعتكف من الأعمال ]
وليس للمعتكف أن يعمل شيئاً من أعمال الدنيا، فذلك مكروه للمعتكف وغيره في المسجد، وله أن يعمل ما يصلح صلاته، وله أن ينسخ الكتب
__________
(1) 1- أبو صفرة : سبق ذكره.
(2) 2- هاشم : هو هاشم بن غيلان.
(3) 1- الاعتكاف : في اللغة : المقام والاحتباس. قال تعالى : { سواء العاكف فيه
والباد } . وفي الشرع : عبارة عن المقام في مكان مخصوص بأوصاف
مخصوصة - النية والصوم... انظر الاختيار لتعليل المختار 1/136 . (6/163)
صفحة 900
وليس له أن يتحدث إلا بذكر الله والقرآن العظيم، ولا يحوز له الضحك(1) .
مسألة
[ ما يكثر منه المعتكف ]
وينبغي للمعتكف أن يكثر من تلاوة كتب الشرع ونحوه، ولا يبطل الاعتكاف بالكذب وعليه التوبة والاستغفار، وله أن يأتي(2) بضيعته وإن برز للوضوء فله أن يكلم من كلمه ولا يقف عنده.
مسألة
[ ما يباح له من الأعمال ]
وإن برز المعتكف لحاجة وتأنى، أبدل ما تأنى فيه من الوقت بعد أن
يقضي اعتكافه، وله أن يخرج على الجنازة التي يلي الصلاة عليها، وقيل
لا يخرج إلا على جنازة والد أو ولد أو أم ولو كان يوجد من يقوم
بأمرها، وله أن يخرج في أمر ونهي في معاني تجهيز الموتى الميت ولو لم
يصل على الجنازة، وليس له الجلوس بعد أن يحدث الميت للتعزية، أبدل
ما جلس إذا قضى اعتكافه. وليس له أن يفطر في غير المسجد المعتكف
فيه، ويتسحر فيه، وجائز للمعتكف أن يدخل تحت سقف، وله أن يتعمم ويتسرول ويلبس القميص، وله أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه أو ما جاز
قصه قصه من شعره، وله أن يعقد في صرحة المسجد حيث تجوز الصلاة
بصلاة الإمام إن كان يصلي في المسجد، والاعتكاف غير واجب على
المتعبد ، بل هو فضيلة ، وأن صلى في صرحة المسجد مع الجماعة فلا
بأس، وإن اعتكف للنذور ونوى الصيام للتطوع فلا يجزئه، حتى ينوي
الصيام للاعتكاف.
مسألة
[ التقيد بصيغة النذر ]
فإن نذر في مسجد جدة يعتكف فيه، فانهد وبني قصده غيره فإنه
يعتكف فيه وعليه الكفارة في غير المسجد الذي نذر الاعتكاف فيه، فإن
وسع المسجد عن أيان النذر فليس له الاعتكاف في الزيادة، إذ هي ليست
من المسجد، وقيل ذلك جائز، والأول أصح.
مسألة
__________
(1) 2- لأن الاعتكاف عبادة ولا يجوز أن يأتي في العبادة ما ليس منها فقال سبحانه وتعالى
في سورة البقرة آية 187 : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } .
(2) 1- قوله : وله أن يأتي بضيعته : الصحيح وليس له أن يأتي ضيعة لأن الإتيان
ينافي الاعتكاف. (6/164)
صفحة 901
[ اعتكاف المرأة وأي الأماكن أفضل ]
والمرأة في الاعتكاف بمنزلة الرجل، وليس لها أن تعتكف بغير رأي
زوجها، وللرجل أن يعتكف ولو كرهت زوجته، وإذا ترك مئونتها، وإذا
نذرت المرأة اعتكاف شهر فاعتكفت بعضه فحاضت فإنه تقفل لدارها أيام حيضها، فإذا طهرت وتطهرت أتمت اعتكافها في المسجد الذي اعتكفت
فيه وتصلي بين الاعتكافين من بعد الطهر ولا كفارة عليها، وليس هو بأشد من رمضان، وقيل : إذا فصلت لزمتها كفارة النذر، وإن نذرت أن تعتكف شهراً فحاضت فلم توصل لما طهرت، فعليها اعتكاف شهر كريب تام ولا كفارة عليها. وإن نذرت الاعتكاف أيام حيضها فلا شيء عليها.
وأحب لبعل البضة أن يأذن لها إذا استأذنته في الاعتكاف اللازم كالنذور
واليمين، وأكره لها استئذانه في اعتكاف التطوع، فإن أذن لها فقد جاز الفضل، وقعود المرأة في صحن دارها أفضل.
مسألة
[ ما يجوز للمعتكف فعله ]
ومن نذر اعتكافاً في منزل عمرو، فإنه يعتكف في المسجد، لأنه نذر باعتكاف، وقوله في منزله أو منزل عمرو فليس بشيء، وله أن يتسوك ذاهباً للماء للوضوء وليس له أن يعقد للسواك أو يتوضأ ويرجع. وإذا لم ينقطع
بوله إلا بعد ساعة، فله أن يستبرئ خارجاً من المسجد، وإن تسوك وهو
يستبرئ جاز له ذلك، وله أن يزوج أو يتزوج وهو في مسجد اعتكافه، وله شراء ما احتاج له لقوته، وإذا تعذر حصول من يجزئه له مداراته. وإذا حاذر المعتكف تردي ذي روح في جب أو من شناخيب(1) أرعن أو تلف مال، فسعى في إنقاذه فلا بأس عليه، وله عظيم الثواب من البر الوهاب، ويصلي قعوداً في مسجده بقدر ما خرج بعد أن يتم اعتكافه، فإن خرج نهاراً
وانقضى اعتكافه ليلاً فلا قعود عليه بالليل، وإنما إذا انقضى اعتكافه نهاراً
قعد كمدة بروزه.
مسألة
[ حكم النذر بالاعتكاف على سبيل المزاح ]
ومن قال علي اعتكاف على سبيل المزاح، وليست له نية فعليه اعتكاف
__________
(1) 1- شناخيب : سبق وأن وردت هذه العبارة ص1181 شناحيب الرعان. (6/165)
صفحة 902
يوم. ويكون قعود المعتكف حيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام إذا كان في المحراب. وإذا نذرت البضة صوماً أو اعتكافاً في موضع حدثه وكره بعلها، فتطعم عن كل يوم مسكيناً وتصوم وتعتكف في سرها. ومن نذر اعتكافاً
في قرن المسجد الأربع، اعتكف في كل قرنة يوماً بصوم، ومن نذر اعتكافاً
في مسجد فاعتراه خوف أو أهجاس وصب أقعده عن استطاعة الفعل
اعتكف في مسجد يأمن فيه ويستطيع. ومن قال : اللهم افعل لي كذا وأنا أعتكف في مسجد كذا، فلم يف حتى مات، قال أبو مروان(1) : وإن عليه إطعام عشرة مساكين وإذا تحقق الورثة ذلك قضوا عنه. ومن نذر اعتكافاً
شهراً دخل المسجد عن غروب الشمس إذا هل الهلال، وإن نذر اعتكاف
يوم دخل إذا انفجر فجر يومه، ومن نذر اعتكاف شهر الحج، فليس عليه
بدل يوم النحر. ومن نذر اعتكاف يوم وهو يعلم أنه نحر أو فطر، فلا شيء عليه، وإن لم يعلم فوافق ذلك أبدل مكانه يوماً ولا كفارة عليه. ومن نذر اعتكاف في مسجد العباد اعتكف في أكبر المساجد منهن، ومن نذر
اعتكافاً في يوم يقدم فيه فلان، فقدم نهاراً فلا شيء عليه، ومن نوى
اعتكاف برهة ونوى النهار دون الليل، لزمه اعتكاف الليل والنهار، وكذلك من حلف لا يكلم زيداً شهراً ونوى النهار لم تنفعه نيته. ومن نذر اعتكافاً
أياماً معدودة ونوى النهار، جاز ذلك. ومن نذر اعتكافاً في مسجد أبهمه
فعليه أن يعتكف في مسجد معمور بصلاة الجماعة، وإن نوى مسجداً فله
ما نوى. وإن نوى الاعتكاف بغير صوم فعليه الصوم، لأن الاعتكاف لا
يصح إلا به على الأصح.
مسألة
[ الاعتكاف المجزئ ]
ومن ألزم نفسه الاعتكاف فاعتكف وهو صائم كفارة، فلا يجزئه ذلك الصوم، وأما إن كان صائماً رمضان أجزأه الاعتكاف.
واختلفوا إذا قعد المعتكف في صرحة المسجد، فأبطله بعضهم وأتمه آخرون. ومن نذر فلا يجزئه قضاء في صوم التطوع حتى ينوي به
__________
(1) 1- أبو مروان : هو سليمان بن الحكم من علماء القرن الثالث وممن حضر بيعة
الصلت بن مالك. (6/166)
صفحة 903
للاعتكاف، ومن نذر اعتكافاً هو وغيره فأبى الغير اعتكف نفسه ولا شيء
عليه ولا نذر عليه فيما لا يملك. ومن نذر اعتكافاً في مسجد حد فهدا
وحيل بينه وبينه، فعن أبي محمد رحمه الله : أن بعضاً جعل عليه كفارة
يمين مرسلة، وبعض ألزمه المؤونة ذاهباً وبعضاً راجعاً، وبعض قال : بالأوفر، وبعض أهدر عنه الكل للعذر، والأصح أن عليه الكفارة.
[ ما يكره للمعتكف وما يفسد الاعتكاف ]
ويكره للمعتكف وغيره أن يتحدث في المسجد باللغو، لا يشتغل بأعمال اللعب واللهو، بل بتلاوة الذكر المجيد والصمد الحميد. وكلام المعصية
والعمل بها يفسد اعتكافه على الأصح، وقد شبهوه بالصوم، وقيل : لا إلا بالمباشرة. وإذا أتى على المعتكف يوم الفطر أو النحر قبل أن يتم اعتكافه فلا بأس عليه إن خرج أو باضع، وبنى إذا انقضي ذلك اليوم. و إن الاعتكاف لا
يصح إلا بصوم، وصوم الفطر والنحر حرام، وكذلك ذا الوصب إذا عوفي وذات المحيض إذا طهرت.
[ أي المساجد يعتكف فيها ]
ومن نوى اعتكاف نفل نهاراً دون الليل، فله ذلك في اعتكاف الأيام للشهر التام. والاعتكاف لله في بيوته من أفضل الأعمال التي لم يزل
المسلمون يتقربون بها إلى رضى ذي الجلال، وهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
اعتكف في مسجده. اختلف المسلمون في الاعتكاف، قال بعضهم : لا
يصح إلا في مسجده - صلى الله عليه وسلم - أو المسجد الحرام، وبعضهم قال : يجوز في
المساجد كلها، وهذا هو الأصح.
[ ما يباح فعله وما يبطل الاعتكاف ]
وللمعتكف أن يغتسل ويكتحل ويدهن ويتحدث عند جليسه بما لا يأثم فيه. ومن اعتكف في العشر الأواخر من رمضان قبل دخول الشهر، فلا بأس عليه، وليس هذا مما ينبغي، والأصح أن يتم الشهر. ومن باشر عرسه وهو معتكف، بطل اعتكافه واستأنفه وكفر بتحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين، لقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } (1) ، وإن
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 187 . (6/167)
صفحة 904
طاوعته وهي معتكفة فعليها كمثله، وإن استكرهها فعليه ما عليه وعليها.
مسألة
[ اعتكاف المرأة ]
وإذا اعتكفت الزوجة فطاوعت زوجها في غشيانها وهو غير معتكف،
فلا شيء عليه، وبطل اعتكافها هي ولزمتها الكفارة والبدل، وقول : إذا اعتكفت بغير رأيه فلا شيء عليها ولو استكرهها، وليس للمعتكف القعود تحت الغماء إلا في المسجد المعتكف فيه، روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعتكف
العشر الأواخر من رمضان حتى يتم الشهر(1) ، فكما ورد النهي عن المباشرة للصائم بالنهار، فكذلك ورد حجره على المعتكف بالليل والنهار، ولولا
ذلك لوجب الصوم ليلاً ونهاراً في شهر رمضان لقوله تعالي : { كتب
عليكم الصيام } ثم قال(2) : { شهر رمضان } .
مسألة
[ حجة من بالاعتكاف في جميع المساجد ]
وحجة من أجاز الاعتكاف في جميع المساجد قوله تعالى : { ولا
تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } (3) فعم الخطاب، ومن ادعى التخصيص فعليه إقامة الدليل ، ودليل آخر أن الله و له الحمد لما افترض الحج
لمسجد البيت الحرام خص بالتسمية فقال : { ولله على الناس حج البيت
من استطاع إليه سبيلاً } (4) .
[ أفضلية المسجد الجامع ]
ويحسن إن لم ينو بالاعتكاف مسجد يكون في الجامع، لأن المعتكف
__________
(1) 1- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر
من رمضان. رواه البخاري في أبواب الاعتكاف ومسلم في باب الاعتكاف.
(2) 2- قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين
من قبلكم لعلكم تتقون } البقرة 182 . وقال تعالى : { شهر رمضان الذي
أنزل فيه القرآن هدى للناس... } 185 .
(3) 3- سورة البقرة آية 187 .
(4) 1- سورة آل عمران آية 97 . (6/168)
صفحة 905
جائز له الخروج إلى صلاة الجمعة في موضع لزومها، وليس ذلك تركاً لاعتكافه. ومن نذر اعتكاف فيما فوق اليومين فعليه أن يدخل قبل الفجر أو عند انفجاره، كحكم دخوله في اعتكاف اليوم واليومين، وقيل : بل حكم الثلاث فصاعداً كحكم من نذر اعتكاف شهر، فعليه الدخول أول الليل عند أفول الشمس حتى يكمل الأيام والليالي، قال الشيخ أبو سعيد : لا بأس للمعتكف أن يحج لأداء اللازم. وقد رخصوا في الخروج لغير اللازم أيضاً، كعيادة المرضى ولا أعلمها من اللوازم، بل هي وسيلة وفضيلة، وكذلك
تشييع الجنائز التي يلي الصلاة عليها إذا قام به غيره بأمره، وتلك عبادة على
من حضر وأعجبه أن إذا لزمه الخروج على الجنائز التي يلي الصلاة عليها أن يلزمه في غيرها، كجيرانه وأرحامه ومن لزمه حقهم في الإسلام.
مسألة
[ ما يفسد الاعتكاف ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : لا يفسد اعتكاف المعتكف إلا المباشرة وما يشبهها، والخروج لغير معنى وإن كان ارتكاب جور، وإذا أثبت معنى
ذلك فالقليل منه وضده سيان، وقول لا يفسد الاعتكاف إلا ما يفسد
الإحرام والصوم من الرفث، وليس الاعتكاف بأشد من الإحرام للحج والصوم، وقيل : إن حكم الاعتكاف كحكم الوضوء، وإن خرج لمباح فلا فساد عليه ويبدل الوقت الخارج فيه في المسجد قعود في المسجد، وإن
أمكن ذو الوصب القعود في المسجد قعد، وإلا خرج وإذا برئ أعاد ما
خرج من الأيام، وحد ما يلزمه القعود في المسجد للاعتكاف من ذوي
المرض إذا كان بحد ما يلزمه الصوم وليس له عذر في الإفطار، فإن خرج
من ذلك الحد جاز له الخروج، فإن أفطر بطل اعتكافه إن خرج وأقام، وقيل: إذا خرج المعتكف لعذر بنى وإلا استأنف، قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله
في المعتكفة إذا مات بعلها أو طلقها : فأما الميتة فيلزمها إتمام اعتكافها إذا
كان عن لازم، وأما المطلقة إذا كانت اعتكفت لرأي بعلها أتمت اعتكافها
على قول، ثم ترجع لبيت بعلها إذا كان للازم.
مسألة (6/169)
صفحة 906
[ ما يفسد الاعتكاف غير المباشر ]
ومن اعتكف فأفسد اعتكافه فلا غرم عليه في ماله إذا أفسده بغير
المباشرة، وإن أفسده بالمباشرة وما يشبهها من أسباب الشهرة لزمته الكفارة، وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وإن صام شهراً وشهر رمضان أجزأه على قول وليس هو بأشد من رمضان، قال
الشيخ أبو سعيد رحمه الله : إذا قضى شهوته فيما دون الفرج فأمنى متعمداً
فهو كالمجامع حكمه، و إن لم ينزل وإنما قبل أو لمس بدنها بفرجه أو فرجها ،
فلا يقوم ذلك مقام المباشرة المبطلة للاعتكاف. واختلفوا في الطيب
للمعتكف والأصح جوازه.
مسألة
[ ما يقوم به المعتكف من أعمال البر ]
قال أبو سعيد رحمه الله : إذا حاذر المعتكف ضرراً من ترك العمل في مسجد اعتكافه لعوله ولمن يعول أن لا يمنع من العمل، ولم تبنى لي كراهة
ذلك إذا كانت صنعته تجوز في المسجد وإلا فلا. وعنه رحمه الله : إذا
كانت المنارة في المسجد أو في حدوده، فلا بأس للمعتكف أن يصعدها،
ولعلها في غير المسجد حكمها سيان إذا صعدها لأداء طاعة كالأذان
وغيره من أعمال البر. وجائز للمعتكف إذا كان معه مريض ووجد من
يقوم به أن يخرج لصلاة الجمعة. ومن نذر أن يعتكف ليلاً فليس عليه
اعتكاف النهار.
مسألة
[ ما يجوز للمعتكف والمعتكفة من الأعمال ]
ومن نذر اعتكاف النهار لزمه اعتكاف الليل والنهار، ومما ينبغي للمعتكف أن إذا قضى اعتكافه أن يصلي المغرب في(1) وإن خرج بعد أفول الشمس
جاز له ذلك ، وإذا كان المعتكف أمام المسجد فرام الصلاة في الصرحة وهي
قدام باب المسجد، فلا يجوز له ذلك، ويؤمر يصلي بهم غيره.
وللمعتكفة إذا كانت محتاجة أن تغزل ولها أن تعمل ما تستغني به ولا
تكون كلاً على الناس، ولها من الله عظيم الثواب، وإن تك ربة ثروة
فالأولى لها ذكر الله، وإن فعلت غير مفاخرة ولا مباهاة فلا بأس عليها.
مسألة
[ أهمية إذن المطلقة في الاعتكاف ]
__________
(1) 1- في : أي في المسجد. (6/170)
صفحة 907
والمطلقة واحدة أو اثنتين ليس لها أن تعتكف بغير إذن مطلقها، وليس لها الخروج من بيتها بالنص، فإن قيل ما أنكرت أن يجب لها الخروج لفرض هو عليها، فإذا أتته ورجعت لبيت مطلقها التي أمرت بالإقامة فيه، قلنا : لا
يجب لها أن تدع فرضاً هي فيه إلى فرض ليست هي فيه وذلك منه بدلاً،
وليس من فرضها التي هي فيه بدل. وجائز للبائنة الخروج بعد إذن من
أتياها(1) . فإن قيل :لم فرقت بينهما؟ قلنا : إن المطلقة واحدة دخلت قبل الطلاق بإذن. وليس للبوائن سكني ولا نفقة على الأرجح.
مسألة
[ حكم الاعتكاف ]
والاعتكاف سنة، وقد اعتكف المسلمون بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - . والاعتكاف هو الوقوف على الشيء وملازمته. قال الله تعالي حاكياً عن نبيه إبراهيم عليه السلام : { إذا قال لقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } (2)
أي وقال الله تعالى حاكياً عن نبيه موسى عليه السلام إذا قال للسامري:
{ انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً } (3) ونهى الله تعالى عن المباشرة
في الاعتكاف دال على فسادها بوجودها لقوله تعالى : { ولا تباشروهن
وأنتم عاكفون في المساجد } (4) ، ولم يخص الله تعالى به توابعها لما ورد
عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «لا تمنعوا إماء الله بيوت الله، وبيوتهن خير لهن»(5) .
مسألة
[ وقت اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - ]
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتكف العشر الأوائل من رمضان، واعتكف العشر الأواخر إلى تمام الشهر. وإن نفر قبل أن يتم الشهر فلا بأس،
__________
(1) 1- الصواب : أبانها.
(2) 2- سورة الأنبياء آية 52 .
(3) 1- سورة طه آية 97 .
(4) 2- سورة البقرة آية 187 .
(5) 3- أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رقم 765 في الصلاة وأحاديث صلاة رويت
بطرق متعددة وفيها حث المرأة على الصلاة في بيتها وهو أفضل لها انظر رقم
570 باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد وعند النسائي 3/42 في
المساجد وموطأ مالك 1/198 ، وغيرها. (6/171)
صفحة 908
واعتكف - صلى الله عليه وسلم - العشر الأواسط من رمضان، وإن ليلة القدر في الأواخر على الأرجح. وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعتكف في السنة عشرة أيام حتى كان
في السنة التي احتضر فيها اعتكف عشرين يوماً(1) .
[ حكم زيارة المعتكف ]
وجائز إعادة ذو الوصب، ولا سيما إذا كان على المعتكف، وفي الخبر أن صفية(2) زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زارته في اعتكافه في المسجد في شهر رمضان في الأواخر، فتحدثت معه ساعة ثم خرجت فخرج معها إلى باب المسجد، لأن الحديث لا يمنع شيئاً من العبادة كالصوم والحج ومثلهما الاعتكاف. وجائز مجاوزة إلى مورد أقصى إذا احتاج إلى ذلك، والأصح أنه ينتقض اعتكافه.
[ حكم دخول الغبار في فم الصائم ]
ولا بأس برطوبة المضمضة والغبار إذا دخل حلقه، وإن جاوز حد الضرورة انتقض صومه وكذلك إذا تجاوز للمعتكف حد الضرورة
انتقض اعتكافه.
مسألة
[ عدم جواز الإنابة في الاعتكاف ]
ومن أوجب على نفسه اعتكافاً ليلة، فلا شيء عليه لأن لا صوم في
الليل. ولا يجوز أن يعتكف أحد عن أحد لقوله تعالى : { وأن ليس
__________
(1) 4- أحاديث اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - :
1- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر
الأواخر من رمضان. متفق عليه.
2- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من
رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده . متفق عليه. =
(2) = عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان
عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً. رواه البخاري.
1- صفية : بنت حيي بنت أخطب بن سعية بن عامر.. من بني إسرائيل من سبط
هارون بن عمران. وأمها برة من بني قريظة، إخوة النضير. تزوجها - صلى الله عليه وسلم - وجعل
عتقها مهرها. انظر الطبقات الكبرى لابن سعد 8/120 - 130 . (6/172)
صفحة 909
للإنسان إلا ما سعى } (1) وقال : { وليجزي كل نفس بما تسعى } (2) و من
أحب أمر الله وامتثله، فقد أحب الله وأطاعه، واجتنب معصيته وسخطه.
ومن سلك سبيل شيء أحبه، وسبيل المحبة والتقوى والأعمال الصالحة. ومن أبغض سبيل النار أبغضها، وسبيلها المعصية لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - . عن الشيخ
القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيلان(3) رحمه الله : ومن ذهبت
له دابة فنذر إن ردت إليه بأول ولد تلده، فدرت إليه ومكثت برها لم تلد،
فلا تصرف له فيها بوجه بيع، وإن صرفها فنتجت عند مشتريها، فقول:
يكون النتاج للمشتري ويهدر نذره عنه لأنها خرجت من ملكه، وقول: إن النذر ثابت في النتاج وينتقض بيع الدابة إن رام نقضه، والأول أولى.
مسألة
[ نذر نتاج الدواب ]
في نتاج الدواب. وأما إذا لم تنتج الدابة فلا شيء عليه، وقول : إذا
أنتجت بعد التصرف أبدل مكان النتاج، ومن قال : إن فعل الله له كذا،
فقول : شتان، وقول : سيان، وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ النذر بشيء محدود لمسجد محدود ]
ومن نذر برأس محدود يؤكل في مسجد محدود فذكاه فحمله
للمسجد متفرقاً قزعاً، فإن النذر لا يجوز حمله قزعاً متفرقة، فإن فعل فاعل
ذلك فعليه بدل نذره. ومن بقيت بين أسنانه معرة لغظة لحم من المنذور وقد جاوز الحرم، رجع وأكل في الحرم، وإن نسيه أبدل مكانه لأنه قد حرم.
والبدل كالمبدل منه.
مسألة
[ موت الناذر قبل إيقاع المنذور ]
ومن مات قبل إيقاع النذر عليه فمهدور عنه. ومن قال : إن فعل الله لي كذا، فإن شاء الله أفعل كذا، ففعل الله له كذا، فالمستحب أن يوفي ما نذر
من غير إلزام. ومن نذر بما لا يمكن حمله مرة، وتعذر ذلك على الناذر، فقد رخص في تفريقه لرفع الضرر.
مسألة
[ حكم الوفاء بنذر ما لا يملك ]
__________
(1) 2- سورة النجم آية 39 .
(2) 3- سورة طه آية 15 .
(3) 1- القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيلان : لم أعثر له على ترجمة وهو
من علماء عُمان في عصره. (6/173)
صفحة 910
وإن كانت الدابة شركة بين نفرين متفاوضين، فنذر أحدهما بها، ثم نذر
بها الآخر بغير علم بنذر الأول، فإنها مجزئة لنذر الشريكين، ولأن
التصرف الثاني لا يملكه ولا نذر فيما لا يملك المرء ولا كفارة عليها على
الأصح، وإلا وضح.
مسألة
[ حكم استبدال النذر بغيره لعدم استطاعة التوصيل ]
ومن نذر برأس غنم محدود لمسجد محدود، وتعذر توصيله على الناذر
لبعد المسافة لسبب، هل يباع ويشترى بثمنه سواه من أدنى المواضع
للمسجد؟ فلا يجوز ذلك، ويحتال في توصيله، وأما الشحم فإنه يطبخ مع
اللحم ويؤكلا معاً، فإن لم يستطيعوا أكله بيع واشتري بثمنه لحم، والأول أحوط، وأما المرق فإذا كان به شيء من اللحم فلا يجوز إراقته ويؤكل.
مسألة
[ من نذر لغير الله ]
وإذا قسما اثنان مالاً واشترى أحد من مال الأخر شيئاً فجعل كل منهما على نفسه نذراً لله إن نقض أو غير، فنقض أحدهما القسم أو غير في البيع، فقول : إن عليه كل ما جعل على نفسه من النذور، وقول : إن النذر هدر
لأنه لم يكن أصله تقرباً إلى الله، وإنما جعلاه لتثبت أمرهما.
مسألة
[ حكم الوفاء بالنذر المبهم للمسجد ]
وإذا نذر اثنان مما ينجري أدى كل بقدر ما ينويه من النذر من رام الخلاص، وإن أدى الكل فحسن وله من الله الثواب يوم الأخذ بالنواصي.
ومن نذر بمبهم لمسجد، فإنه ينفذ في عمارته، وإن أعلمه لشيء فكما أعلمه.
مسألة
[ من صيغ النذور ]
و من جواب الشيخ الفقيه سليمان بن محمد بن مداد النزوي(1) رحمه
__________
(1) 1- سليمان بن محمد بن مداد النزوي : آل مداد من العائلات العريقة في نزوى
ومنهم علماء كبار. انظر سيرة العلامة المحقق عبد الله بن مداد. (6/174)
صفحة 911
الله : ومن نذرت إن عافا الله ابنته زوجها بمهر يخصص، فعوفيت، فتزوجت بأكثر مما نذرت فلا بأس عليها لأنه نذر غير ثابت، لأنها لا تملك من أمر ابنتها شيئاً، بضة(1) كانت أو خرعوبة حيزبوناً(2) ، وقيل : الكفارة عليها.
مسألة
[ الوفاء بنذر الصوم ]
ومن نذر صوماً فأخذ فيه فمات قبل إتمامه، فإنه لم يتوان بقدر إن صام فأتم صومه فلا بأس عليه، والله تعالى أولى بعذره، وليس هو بأشد من
رمضان، وإن توانى كما وصفنا فعليه الكفارة والوصية بالصوم.
مسألة
[ كيفية إخراج النذر المبهم ]
ومن نذر برأس غنم مبهم، فقول : إنه من أحسنها، وقول : من أرادها، وقول : من أوسطها، وهذا هو الأصح، ومن قال : إن فعلت كذا وإن لم
أفعل فعلي كذا فحنث، لزمه ما جعل على نفسه، وقول : عليه كفارة يمين مرسلة، ومن نذر بورق أو عروض لقبر زيد فلا يثبت، وإن نذر يشتري به طعاماً، أو يؤكل عند القبر ويثبت هكذا، مر قوم عن الشيخ محمد بن
عمر(3) إذا لم يعين النذر للقبول أو لشيء فباطل.
مسألة
[ النذر العام بلا نية ]
ومن نذر برأس غنم نعم أو بأجربة حب، فعن الشيخ صالح بن سعيد(4) رحمه الله : فإن كانت له نية فإلى ما نوى وإن لم(5) ، فيأتي بالمنذور جملة،
__________
(1) 1- بضة : كلمة تقال للبنت في أول بلوغها.
(2) 2- حيزبون : اسم من أسماء المرأة العجوز.
(3) 3- الشيخ محمد بن عمر -لعله- بن أحمد الأفلوجي النزوي من علماء القرن =
(4) = السادس الهجري، عالم فقيه عارف بأصول الفقه وأصول الأحكام، نسب
بالأفلوجي إلى فلوج الصاعة من سعال نزوى، توفي رحمه الله يوم الاثنين 24
من محرم الحرام سنة 585هـ عن نزوى عبر الأيام ص131 - 132 .
1- الشيخ صالح بن سعيد : هناك صالح بن سعيد المعمري السعالي النزوي من علماء
القرن الحادي عشر. وهناك صالح بن سعيد الزاملي العقري النزوي كان أحد
العاقدين للإمام ناصر بن مرشد الإمامة انظر نزوى عبر الأيام ص156 - 157 .
(5) 2- فإن لم ينوي ، هذا هو المعنى. (6/175)
صفحة 912
و يأكل منه ما استطاع، وجائز أن يعود بما فضل ثانية وثالثة.
مسألة
[ أثر النية في مكان النذر ]
ومن نذر بطعام ويؤكل منه في موضع ما استطاع أو عند ضريح، فإن أهمل النية في معين، فالحلوى والشنجال هما طعام، وقيل : إن الحلوى
ليست طعاماً، والأول أصح، وإن نوى فإلى ما نوى.
مسألة
[ حكم نذر إطلاق الدابة بإزاء المسجد ]
ومن نذر بإطلاق دابة بإزاء جدث(1) أو مسجد ففعل ودار بها على
الجدث سيبها ونيته لا يعود إليها، أو بورق صيره نحو الضريح وألقاه، هل
يجب على آخذه شيء؟ وهل على الفاعل شيء؟ وأما الفاعل فقد ألقى نشبه
إلى التهلكة وعليه التوبة، وأما الآخذ، فإن كان في العرف والعادة من
وضعه لا يعود عليه ولا يخرج نفسه بذلك، ثم يضيق على آخذه أخذه
لإصلاح الجدث.
مسألة
[ إخراج غير جنس المنذور ]
وإن نذر الذابح بلحم، هل يجوز بخبز أو تمر من عند الناذر أو من
وقف؟ فكل ذلك جائز.
مسألة
[ حكم نية أكل ما نذر ]
ومن جواب الشيخ الفقيه الورع النزيه ناصر بن خميس بن علي
النزوي(2) رحمه الله : ومن نذر بنذر ونوى أكله في مسافة عن القبر.
فقول : له نيته بعدت المسافة أو دنت، وقول : لا يأكله وراء الفسح
الشرعي، وهو ثلاثة أذرع.
مسألة
[ تعذر الوفاء بالنذر ]
ومن نذر بنذر فتعذر عليه الوفاء وهو على نية الوفاء به فعجز، فلا بأس عليه، وعليه الوصية بإنفاذه عنه إذا احتضر، وإن لم يوص فلا يلزم الوارث
أداءه حتى يصح معه وإن لم يف به.
مسألة
[ كيفية إخراج نذر اللحم أو الفاكهة ]
وإن نذر بشيء من الفواكه أو اللحم فبقي شيء في العظم حتى أو القشور مما يتعذر إخراجه، فلا بأس إن ألقى، وإذا لم يرجع الناذر بما بقي
__________
(1) 3- جدث : القبر والجمع أجداث مثل سبب وأسباب وهذه لغة تهامة وأما أهل =
(2) = نجد فيقولون جدف بالفاء، المصباح المنير في غريب الرافعي الكبير ص112 .
1- ناصر بن خميس بن علي النزوي : لم أعثر له على ترجمة. (6/176)
صفحة 913
عليه من النذر وتركه في موضع حفظ حتى يعود إليه أو يدعو لأكله من
أراد، فلا بأس.
مسألة
[ حكم نذر الإهاب ]
وأما الإهاب(1) ففيه اختلاف، قول : يباع ويجعل في النذر، وقول:
يجعل أجرة للمذكي، وإن ترك النذر في غيره حرز فتوت، لزم الناذر بدل
ما توى.
مسألة
[ عدم تعين صوم بعينه، واستئذان المرأة بالوفاء بالنذر ]
وإذا لم يعين الناذر صوم شهر أو سنة أو يوم من شهر، فجائز له أن يصوم يوماً أو شهراً من غير تلك السنة التي نذر فيها.
واستئذان المرأة واجب عليها ما لزمها أداءها من النذر المستحب، والأداء واجب إذا أذن لها البعل أولم يأذن لها، والاستئذان في النفل واجب.
مسألة
[ حكم الوفاء بالنذر ]
وإن نذر اثنان بنذر فمات أحدهما قبل الوفاء فعلى المحي منها أن يوفي بما عليه من النذور متي وجد السبيل، ولا نذر على المرء فيما لا يملك
ولا يستطيع. والوفاء بالنذر فرض.
مسألة
[ موت المنذور له قبل أخذ النذر ]
ومن نذر لآخر بنذر فمات المنذور له بعد وجوب النذر على الناذر، فإنه يسلمه لورثته، فإن كان قائم العين فبعينه، وإلا فثمنه، وإن لم يكن له مثل
أو مثله إن كان.
مسألة
[ إعطاء النذر لورثة المنذور له ]
و من نذر إن فعل الله له كذا ، فماله الفلاني لفلان ، ففعل الله له ذلك
ومات المنذور له قبل وفاء النذر أو بعده أو قبل الحنث والنذر لازم للمنذور
له على الناذر قبل الحنث أو بعده، ويكون لورثته من بعده.
مسألة
[ نذر بناء مسجد في موضع بعينه ]
ومن نذر ببناء مسجد في موضع عينه، فلما لزمه النذر وأرام الوفاء لبناء، وجد الموضع قد بني فيه مسجد، فإن لم يتوان فلا شيء عليه، وإن توان
فعليه الكفارة وبناء مسجد في غير ذلك الموضع.
مسألة
[ حكم أكل حامل النذر من النذور ]
__________
(1) 1- الإهاب : الجلد قبل أن يدبغ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أيما إهاب دبغ فقد طهر». (6/177)
صفحة 914
ومن نذر بطعام معلوم أن يؤكل في موضع معلوم، فلما هباه أعلمه أحد أنه أكل منه شيئاً لجهله أنه منذور به، فأما في الحكم فلا يلزم تصديقه
وضمانه على الأكل، وإن صدقه أبدل ما أكل من النذر.
مسألة
[ ضمان ما أكل حامل النذر من النذر ]
ولا يجوز الأكل من النذر بغير رأي ربه، وعلى الأكل الحوب(1)
الضمان لما أكل ذكره رب النذر ضيعه، وإن تركه من حياء مفرط واتقى
شره فعلى الناذر بدل ما قد أكل الآكل.
مسألة
[ ما يترتب على اختلاف الشركاء في النذر ]
وإن نذر اثنان لبعضهما بعض ونوياه وسمياه لله على أمر، فقال
أحدهما : كان، وقال الآخر : لم يكن، فحنث أحدهما، فهذا نذر لا يصح الوفاء به، إذ هو على معنى المخاطرة وعليهما التوبة من ذلك.
مسألة
[ حكم نذر القن. ونذر الإنسان بما لا يملك ]
ولا يصح نذر القن بغير رأي مولاه، ولو كان لله لقوله تعالى : { عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } (2) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا نذر على المرء فيما لا يملك»(3) ، والمملوك لا يملك شيئاً، وقول : عليه إن حرر يوماً، وإن أذن له سيده فالأصح أنه ثابت على سيده أن لا يمانعه من الوفاء به.
مسألة
[ الوفاء بالنذر ]
ومن أبدل في نذره مكان الذال ضاداً، فإن كان نوى النذر، وكذلك إن كانت لغة الموضع كذلك، فالأصح الوفاء به إذا قضى الله له ما نوى.
مسألة
[ حكم أكل النذر وحده ومخالفة الصيغة ]
__________
(1) 1- الحوب : الإثم، قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً
كبيراً } [النساء آية 2 ] .
(2) 1- سورة النحل آية 75 .
(3) 2- الحديث صحيح عند مسلم وأبو داود والنسائي، عن عمران بن حصين رضي
الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن
آدم» انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 11/551 ، رقم 9153 . (6/178)
صفحة 915
ومن نذر بنذر ليأكله هو وفلاناً فأكله بنفسه فلم يعلم فلاناً، فإن على الناذر دعوته، فإن أبا إجابته فلا شيء عليه، وإن لم يعلمه فالأصح أنه يبدل النذر كله ولا يجزئه أن يطعم فلاناً نفسه.
مسألة
[ صيغ من الحنث في اليمين ]
وإن حلف لا يكلم فلاناً، وكان المحلوف عنه إماماً ففتح عليه القرآن لما خزنت عليه، فإنه يحنث إلا أن ينوي رفع صوته بالقراءة فلا حنث عليه، وكذلك إن كان عنه من المقرئين والمعلمين.
مسألة
[ أثر العرف في النذر ]
ومن حلف مرسلاً لا يأكل البيض فجائز له أن يأكل بيض الحوت لأنه عرف الناس وعادتهم على بيض الدجاج.
مسألة
[ أثر اختلاف الأسماء في النذر ]
ومن حلف لا يسكن بيتاً فسكن في بيت من حجر أو مدر حنث، ولا حنث في بيوت العهن والشعر عليه ، فإن قيل: إن الله تعالى سماها بيوتاً
بقوله : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً } (1) ، قلنا : لو تركنا ما وقع عليه الأسماء، لكان من حلف لا يأكل اللحم بحنث إذا أكل الحوت للآية.
مسألة
[ نذر لا يأكل لحماً فأكل حوتاً ]
ومن حلف لا يأكل اللحم أكل الحوت، وإن كان الله سماه للعرف
لقوله تعال : { هو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً } (2) .
مسألة
[ ثر العرف في النذر ]
ومن حلف لا يبيت تحت سقف، فلا حنث عليه إذا بات تحت السماء، وإن كان الله سما السماء سقفاً محفوظاً لأن العرف سقف البيوت(3) .
مسألة
[ أثر فهم العرف للنذر ]
ومن حلف لا يبيت على فراش، فبات على الأرض، وقد قال الله تعالى:
{ الذي جعل لكم الأرض فراشاً } (4) .
مسألة
[ الحلف يحمل على ما عرفه الناس ]
__________
(1) 1- سورة النحل : آية 80 .
(2) 2- سورة النحل آية : 14 .
(3) 3- قال تعالى : { وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون }
[ سورة الأنبياء آية 32 ].
(4) 4- سورة البقرة آية 22 . (6/179)
صفحة 916
ومن حلف لا ينام على الأوتاد لا يحنث إذا نام على صرعد(1) جبل،
والله تعالى سما الجبال أوتاداً، وإنما الأيمان على المقاصد والعادات مع تعلق الأسماء بمسمياتها.
مسألة
[ الحنث في أيمان العموم ]
ومن حلف لا يكلم بني آدم فكلم واحداً منهم، لزمه الحنث لأنه لا يستطيع أن يكلم بني آدم كلهم.
مسألة
[ إطلاق العموم وإطلاق الخصوص ]
ومن حلف لا يشتري عبداً فاشترى دون الثلاثة لم يحنث، وإن قال : لا يشتري العبيد ولا أتزوج النساء ولا آكل الطعام، فإنه يحنث في أقل قليل
من ذلك.
مسألة
[ النذر يحمل على إطلاق العامة ]
ومن قال : لا يشرب من هذا الإناء ماء فصب في سواه فشرب فحنث،
لأن الأيمان لا تقع على الأواني وإنما تقع على ما فيها، وإن حلف لا يشرب الفرات فاغترف منه بإناء فشرب حنث، لأن الناس يقولون : شربنا من كذا الموارد ولو اغترفوا.
مسألة
[ من نذر في اليوم يلزمه في الليل ]
ومن قال : يوم يقدم فلان يلزمني كذا، فقدم ليلاً، فقول : يلزمه ما
جعل على نفسه لقوله تعالى : { ومن يولهم يومئذ دبره } (2) ليلاً كان
أو نهاراً.
مسألة
[ حمل النذر على النية ]
قال الناظر : عندي إذا لم ينو ليلاً ولا نهاراً، فإن نوى فله نيته. ومن
حلف لا يأكل الطعام فأكل الإدام لم يحنث، وقول : إنه يحنث. ومن
حلف لا ينادم فنادم بالخل حنث، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «نعم الخل الأدم»(3) .
مسألة
__________
(1) 1- قال تعالى : { ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً } [سورة النبأ آية 7].
(2) 1- سورة الأنفال آية 16 .
(3) 2- هذه رواية أبو داود والترمذي، وفي رواية النسائي : دخلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بيته،
فإذا فِلقُ خبزٍ وخل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «نعم إلادام الخل» عن جابر بن عبد
الله. انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/469 - 470 رقم 5564 ،
5565 ، 5566 ، ص472 . (6/180)
صفحة 917
[ يعامل الحالف على إطلاق الاسم على المحلوف عليه دون النظر للأغلب ]
ومن حلف لا يأكل الشعري فأكل خبز بر فيه شعير حنث، وإن حلف لا يأكل خبز شعير فأكل خبز بر فيه شعير لا يحنث. وإن حلفت المرأة لا
تتزوج رجلاً عنده زوجة فطلق لها زوجته، فتزوجها ثم رد مطلقته، فلا
حنث عليها. ومن حلف لا يشارك زيداً فورثا مالاً فلا حنث عليه، لأن هذا ليس من صنعه إلا أن يرضى بمشاركته. ومن حلف لا يتزوج فتزوج بقينة أو كتابية فقد بر، ولا يبر في نكاح الصبية حتى تبلغ وترضى بتزويجه لها.
النهج الأربعون
في الحيض(1) وأحكامه وإنهال أقرانه
مسألة
[ أثر الكدرة والصفرة في الطهر ]
وإذا رأت المرأة الدم عند بلوغها تسعة أيام، وفي ليلة العشر بقيت صفرة
أو كدرة، فلم تنظر نفسها يوماً عاشر ثم رأت طهرة، فإذا هي قد طهرت أيكون تلك اليوم من أيام حيضها، أم لا؟ فإذا لم تر في ذلك اليوم ما تكون
به حائضاً فذلك يوم طهر لا حيض.
مسألة
[ أثر قول العارفات بالحيض في الحيض ]
عن أبي عبد الله(2) : وإذا رأت المبتدئة صفرة أو كدرة فليس ذلك حيض حتى تر الدم السائل القاطر والثخين والنتن العبيط، وقول: إذا قلن النساء العارفات أن ذلك الذي أتاها كالذي يأتيهن في محيضهن فحكمه كحكمه.
مسألة
[ أحوال المبتدئة في الحيض ]
عن أبي الحسن(3)
__________
(1) 1- الحيض : لغة : من حاضت المرأة حيضاً ومحيضاً، وحيضتها نسبتها إلى
الحيض والمرة حيضة والجمع حيض مثل ضيعة ضيع، وخمية خيم، والحيض :
السيلان وحوض المرأة هو مكان تجمع الولد ووجوده أثناء الحمل. انظر
المصباح المنير 1/192 .
شرعاً : دم أسود ثخين منتن، فائض بنفسه، من فرج يافعة، ومن فوقها ما لم
تبلغ سن اليأس، في حال صحتها. انظر النبراس في أحكام الحيض والنفاس.
ص5 الشيخ بكير بن محمد رشوم.
(2) 1- أبو عبد الله : هو محمد بن محبوب بن الرحيل.
(3) 2- أبو الحسن : هناك أكثر من واحد ويشتهر بهذا : أبو الحسن بن علي بن محمد
بن علي بن خميس الحسن البسيوني الأزدي اليحمدي. (6/181)
صفحة 918
رحمه الله : وإذا رأت المرأة المبتدئة الدم غير فائض ولا قاطر، وإنما هو يسبغ العطبة، فليس ذلك بحيض وتغسله وتتوضى وتصلي،
فإذا تركت الصلاة لحدوثه فعليها بدلها، وتستغفر الله ولا كفارة عليها.
مسألة
[ حكم الصفرة والكدرة في أول الحيض ]
وإذا دامت المبتدئة الصفرة والكدرة مدة، فعن أبي عبد الله محمد بن
محبوب رحمه الله : أنها إذا كانت في مجيء محيضها فهو حيض، وعليها
ما على الحائض. وعن الشيخ أبي سعيد: ليست بحيض، وتتوضى ولا
غسل عليها، ويمنع بعلها من غشيانها على الاحتياط إذا عودها ذلك.
مسألة
[ علامات الحيض عند المبتدئة ]
وإذا رأت المبتدئة دماً وصفرة ممتزجة ولم يتقدم الدم، فليس لها ترك
الصلاة حتى يكون الدم العبيط غالبا،ً وحد السائل حتى يسيل على
الفخذين، وقول : في الملاءة، وقول : في العانة، وليس بالممكن اعتبار إذا لم يتقدمه السائل والقاطر.
مسألة
[ أقل الحيض عند المصنف ]
وإذا رأت المبتدئة الدم وتركت الصلاة وانقطع دون الثلاثة الأيام
اغتسلت وصلت، وفي بدل ما تركت من الصلاة اختلاف، قول : تبدل،
وقول : لا ولو لم يمكث بها الدم سوى يوم.
مسألة
[ لكل امرأة عادة تعتد بها ]
وقيل في المبتدئة بالحيض والنفاس تقعد كما تقعد أمهاتها، وقيل أنها
متعبدة بحكم نفاسها، فالفرض عليها غير فرض أمها، وهذا هو الأصح.
مسألة
[ سن اليأس ]
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : المؤيسة فيه اختلاف، قول : إذا أيس أترابها، وقول : بخمس وأربعين سنة، وقول : خمسين سنة، وقول : ستين
سنة، وقول : سبعين سنة.
مسألة
[ مباضعة المضطربة في عادتها ]
والموئسة إذا انقطع عنها الدم شهراً، ثم تأتيها صفرة أو كدرة يوماً، ثم ينقطع مدة، ثم تعود تارة وترى دفعه دم يطهر، فهل في مباضعة بعلها بأساً
في هذا الطهر؟ فإن باضعها ليلاً فعاد عليها مثل ذلك لما أصبحت فإن كان البضاع في طهر وتطهر فلا بأس.
مسألة
[ كم دم اليائسة ] (6/182)
صفحة 919
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله : الموئسة في المحيض فأحكامه مهدورة
عنها وإنما الذي اعتراها من غيط الأرحام وتغتسل وتصلي في حال الدم وتتوضى وتصلي في الصفرة والكدرة، ويستحب لبعلها أن يترك ملامستها
في سيلان الدم احتياطاً للصلاة وللفروج معاً، لقول بعض أنها بمنزلة
الحائض، والورع خير ما استعمل ولا سيما في الفرج.
مسألة
[ دم اليائسة حكمها استحاضة ]
وإذا أتى الموئسة دم فهي بمنزلة المستحاضة، وقيل عن أبي عبد الله عن
أبي صفرة : أنها بمنزلة الحائض، وقيل أن الدرد يبس العجوز إذا رأت صفرة
في وقت ما يأتيها الحيض فهو حيض.
مسألة
[ أقل الطهر ]
عن الشيخ أبي سعيد أن أقل الطهر عشرون، يوماً وقيل خمسة عشر
يوماً، وقيل عشرة أيام، ولا أعلم فيه قولاً أقل من عشرة أيام، ولم أعلم أنهم قالوا أيضاً : لا وقت له.
مسألة
[ أقل الطهر ]
وقيل كل دم جاء بعد طهر خمسة عشر يوماً فهو حيض ، عن أبي جعفر: وقال الربيع : كل دم جاء بعد طهر عشرة أيام فهو حيض، وبهذا نعمل.
مسألة
[ أقل الحيض ]
وإذا كان حيض المرأة في العشر من الثلاث فصاعداً، فحاضت ثلاثة أيام وطهرت بقية الأيام، فهذه بمنزلة الحائض إذا دام بها ثلاثة أقراء، ولو جاءها يومين أو فيما دون الثلاثة أيام لم يكن حيضاً.
مسألة
[ مدة الحيض والنفاس عند العلماء ]
وإذا حاضت الخدلجة يوماً وطهرت يوماً، ثم حاضت يوماً فليس هذا بحيض، حتى تكون أيام الحيض أكثر من أيام الطهر، ويكون في أيام
حيضها، وقيل : أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وقيل:
أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وقيل : أكثره ثلاثة عشر يوماً، وفيما سوى ذلك فهي مستحاضة، وقيل : لا حد لذلك، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «دع الصلاة أيام حيضك»(1)
__________
(1) 1- هذا الحديث روي بروايات متعددة وهو حديث أم حبيبة بنت جحش رواه
البخاري 1/361 ، 362 في الحيض، ومسلم رقم 334 في الحيض باب
المستحاضة، وأبو داود رقم 288، 289، 290، 291 في الطهارة، والترمذي
رقم 129 ، والنسائي 1/181 - 182 . (6/183)
صفحة 920
، وقيل : ليس للحيض أقل ولا له أكثر، لقوله - صلى الله عليه وسلم - للسائلة:
«دع الصلاة أيام إقرائك(1) ، إذا أقبلت الحيضة فدعي لها الصلاة، وإن
أدبرت فاغتسلي وصلي»، وقيل : بالتوقيت لقوله - صلى الله عليه وسلم - للسائلة : «دع
الصلاة أيام إقرائك»، فالأيام تحتمل الثلاث إلى العشر، ومن جامع بن جعفر
أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً وقيل : سبعة عشر يوماً، وقيل : أكثر
النفاس تسعون يوماً وقيل : ستون يوماً، وقيل : أربعون يوماً، وقيل : سبعون يوماً، وهذا في الإبكار لأول ميلاد تلده.
مسألة
[ مدة المبتدئة ]
وقيل إذا اعتادت الخدلجة حيض يومين فهو حيض، والأصح بالثلاث
لثلاثة قروء، عن أبي عبد الله رحمه الله : والمبتدئة إذا مد بها الدم شهراً،
فإن كانت أمها وأختها تقعد أقل من شهر، قعدت هي عشراً واغتسلت وصلت، وليس عليها أكثر من عشر، ولو قعدتا هما أكثر.
مسألة
[ دليل الفقهاء في الحيض ]
عن أبي صفرة عن محبوب عن الربيع : وحجة من قال أكثر الحيض عشر، وأقل الطهر عشراً، قوله - صلى الله عليه وسلم - للسائلة : «دع الصلاة أيام إقرائك، والأيام
أكثرها عشر، فإن مد بك الدم فاغتسلي وصلي»، وحجة من قال : أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً قوله - صلى الله عليه وسلم - للسائلة : «إذا ما أقبلت الحيضة فدعي لها الصلاة، وإن أدبرت فاغتسلي وصلي»، ولم يعن أياماً.
مسألة
[ أقل النفاس وأقل الحيض ]
واختلفوا في القرء(2)
__________
(1) 2- هذه الرواية زيادة وهي رواية ابن عيينة، وقالوا : وهو وهم من ابن عيينة.
جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/361 .
(2) 1- ما معنى لقرء : هل هو الحيض أم الطهر؟ فقال أهل الكوفة : هي الحيض وهو قول
عمر وعلي بن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي.
وقال أهل الحجاز : هي الأطهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت وأبان
بن عثمان، والشافعي. انظر الجامع لأحكام القرآن 13/113 . (6/184)
صفحة 921
ما هو ، فقال بعضهم : هو أيام الحيض ، وقول:
الطهر الذي بين الحيضتين، والأصح هو أيام الحيض، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «دعي الصلاة فيه»، ولا يجوز أن يأمرها بترك الصلاة في أيام الطهر. وعن أبي
معاوية : أن البكر تدع الصلاة إذا رأت الدم، إلى أقصى اتفاق الناس على
أنه آخر وقت الحيض، وهو خمسة عشر يوماً، والأصح بالعشرة الأيام،
وقيل : إن أقل الحيض دفعة، وقيل : أقله يوم وقيل: أقل(1) النفاس ساعة، والحجة لو أن النفسا طهرت من حينها لزمها ما لزم المكلف من الاغتسال
وأداء المفترضات، وإنما قالوا بالأربعين أكثر فذلك ما لم تر الطهر، وإلا فلا
عذر لها في ترك المفترضات.
مسألة
[ عدد الحيض في الشهر الواحد ]
عن أبي سعيد وأبي زياد الوضاح بن عقبة(2) : أن المرأة تصلي أيام طهرها المعتاد، وتترك الصلاة أيام ما اعتادها فيهن الحيض، وقيل : في كل شهر
حيضة وطهر.
مسألة
[ ترك الصلاة أيام الحيض ]
عن الشيخ أبي سعيد : إذا كان للمرأة الحائض أياماً فاستمر بها الحيض، وإذا اضمحلت أيام العادة انتظرت يوماً أو يومين، ما لم تجاوز أكثر الحيض
ثم تغتسل وتصلي أيام الطهر الذي هو عادة لها، فإذا اضمحلت أيام الطهر تركت الصلاة وكانت حائضاً، وقيل : لا انتظار عليها، وإنما تصلي أيام
الطهر وتخلي أيام الحيض.
مسألة
[ حكم اختلاف الحيض على الحائض ]
__________
(1) 1- مدة الحيض : قال فقهاء المدينة : لا يكون أكثر من خمسة عشر يوماً، وما زاد لا
يكون حيضاً، وهذا عند المالكية، وعند الشافعية أقل الحيض يوم وليلة وأكثره
خمسة عشر يوماً، وأبو حنيفة وأصحابه أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة
والصحيح أنه يعود إلي عرف النساء لعدم ورود نص صحيح لدى الجميع
وهناك نصوص مختلف عليها.
(2) 2- زياد بن الوضاح وأبو الوضاح بن عقبة من عقر نزوى وكانا ممن بايع الإمام
الصلت بن مالك وابنه الوضاح بن زياد بن الوضاح بن عقبة من فقهاء زمانه.
إتحاف الأعيان 1/242 . (6/185)
صفحة 922
وإذا اختلفت على الحائض أيام حيضها ولم تعرف لنفسها وقتاً، فهذه تأخذ بالاحتياط في الصلاة، فتركها كما كانت تحيض أولاً ثم تنتظر يوماً أو يومين، فإن استمد بها اغتسلت وصلت، ويجتنب بعلها سرها حتى تجاوز ما كانت تقعده في حيضها أكثر الأيام، فإن مد بها أيضاً اغتسلت وصلت كأول مرة، إلى أن يفرج الله عنها، ومهما دام في اختلافه ثلاثة أقراء فهو قرؤها.
مسألة
[ حكم الصفرة الكدرة بعد الغسل ]
وإذا انقضى قرء ذات المحيض وبقيت بها الصفرة والكدرة اغتسلت وصلت، ثم رأت الدم في غير وقت الصلاة انقطع عنها وعاودتها الصفرة
فعليها الغسل، وإن رأت بعد الصفرة طهراً اغتسلت أيضاً لطهرها.
مسألة
[ الاحتشاء بالملاءة النجسة ]
وإذا احتشت المستحاضة بملاءة نجسة فسدت صلاتها إذا صلت بها، وإن تلطخت من دمها مما يلي باطن الفرج فلا بأس به، لأن ذلك لا يمكن
الاحتراز منه، وليس الدم الحادث منها كالدم من غيرها، وإن كانا سيان في النجاسة لأنه ورد فيه الأثر.
مسألة
[ استمرار الدم بالمطلقة ]
وإذا استمر بالمطلقة الدم، فإن كانت تعلم أيام حيضها من أيام طهرها صلت أيام الطهر وخلت أيام الحيض، لأنهم قالوا إن الدم يزيد في أيام
الحيض عن أيام الطهر.
مسألة
[ حكم نسيان المرأة أيام حيضها ]
وإن عزب عليها علم ذلك فعلت كأمها وأختها على قول، وقول : تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي عشراً، وقول : تصلي خمسة عشر يوماً وتترك
أيام حيضها، وقول : تصلي عشرين يوماً، وقول : شهراً فإذا خلا لها ثلاثة أقراء على ذلك فقد انقضت عدتها، قال الله تعالى : { إن ارتبتم فعدتهن
ثلاثة أشهر } (1) ، وقول: بأربعة أشهر وخمسة أيام، والثلاثة الأشهر عندي
أقرب للصواب، لأنه إن كان ذلك حيضاً فقد مضى في الثلاثة الأشهر في
كل شهر حيضة، وإلا فقد مضت عدتها بالأشهر.
مسألة
[ مدة المطلقة التي لم تحض ]
وإذا لم تحض المطلقة فعدتها تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة،
__________
(1) 1- سورة الطلاق آية 4 . (6/186)
صفحة 923
وقول : سنتان للحمل وثلاثة أشهر للعدة،وقول : حتى تيأس، والأصح،
وقول ثلاثة أشهر، { واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم.. } (1) الآية،
وإذا استقام طهر المرأة عشرين يوماً فأتاها الدم بعد عشر، فإنها تصلي حتى
تبلغ العشرين ثم تترك الصلاة أيام حيضها.
مسألة
[ كيف التعامل مع المستحاضة ]
فإن اختلف قرؤها تركت الصلاة أقل قرئها ثم تقعد بعدة ثلاثة أيام ثم تصلي إن لم يرق دمها اغتسلت بين كل صلاتين، وإن كانت صفرة
توضت، وإذا مد بالمرأة الدم وعزبه عليها مجيء حيضها فإنها تصلي بدل ما
دام بها دم، ويمتنع الحليل سرها، لأن هذه شبهة وكل مشكوك موقوف.
مسألة
[ المبتدئة كأمها وأخواتها في الحيض ]
ومن جامع ابن جعفر : وإذا دام بالنفساء والحائض الدم أول ابتدائها،
فإنها تقعد أقصى ما كانت أمهاتها وأخوتها يقعدون، وإن كانت قد وضعت هي ولها وقت تعرفه فهو وقتها ولو كان مرة واحدة.
مسألة
[ كيف يعرف دم الحيض ]
والمرأة المبتدئة إذا مد بها الدم وقد كانت تحيض من قبل، غير أنها عزب عليها علم قرئها وقرء أمهاتها، أو علمت البعض وخفي عليها البعض، فقد
قيل : إن دم الحيض يعرف بلونه ونتانته وثخانته وزيادته، فإن لم تعرف ذلك، فلتفعل في كل شهر عشر أيام حائضات وتغتسل وتصلي عشرون يوماً، وهذا رأي موسى بن علي، وقول : تقعد حائضاًَ من كل شهر ثلاثة أيام وتصلي سبعة أيام فتلك عشرة، وتغتسل بعد تمام العشر ثم تكون مستحاضة.
مسألة
[ عدة المستحاضة ]
وعن أبي الحواري رحمه الله : إن لم تعرف المرأة أيام حيضها اغتسلت وصلت عشراً وتركت الصلاة عشراَ، وإن كانت تعتد من زوج فحتى تخلو
__________
(1) 1- قال تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة
أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، ومن يتق
الله يجعل له من أمره يسراً } [آية 14 الطلاق]. (6/187)
صفحة 924
لها ثلاثة أشهر . قال سليمان بن الحكم(1) : إن المستحاضة لا يجوز لبعلها
غشيانها خوفاً من أن تكون في وقت الحيض، وإن فعل فلا تحرم عليه. وعنه : ويكره سر المستحاضة في سيلان الدم، وهو رأي أبي الحسن، وعدتها إن
رامت نكاحاً فتعتد مذ جاءها الدم خمسة عشرة يوماً لحيضها، وعشرة أيام لطهرها، تفعل ذلك ثلاثة قروء، وهو رأي من قال : إن أكثر الحيض خمسة عشرة يوماً.
مسألة
[ حكم مجاوزة أيام النفاس ]
وإذا استمر الدم بالنفساء أكثر من أربعين يوما ، وهي بكر لم تدرك وقت نفساها، وكذلك ذات المحيض. فإذا جاوزت النفساء أربعين يوماً وذات المحيض أيامها، فإنها تغتسل وتصلي عشراً تترك الصلاة ثلاثاً وهو أقل الحيض على قول. وللعدة فتجعل الطهر شهراً والحيض خمسة عشر يوماًَ حتى
تكمل ثلاثة قروء، فلكل حيضة شهر ونصف، ولزوجها مباشرتها في
الصفرة والكدرة وحين تطهر.
مسألة
[ رؤية المرأة الدم يوم الحادي والعشرين ]
وإذا رأت المرأة الدم يوم إحدى وعشرين من الشهر ثم استحاضت ولم تدر أيامها، فإذا بلغت إحدى وعشرين، أمسكت يوماً واحداً وتغتسل
وتصلي تسعة أيام، ثم تغتسل أيضاً من الحيض وإن لم تدر مجيء أول النهار
أو آخره احتاطت.
مسألة
[ مجاوزة المرأة أيام حيضها ]
وإذا كان حيض المرأة سبعة أيام من العشر الأول من الشهر، فإذا جاوز العشرين اغتسلت وصلت ثلاثة أيام، وهي آخر العشر، لأن الأربعة الأيام في وسط الشهر لا تخلوا من أن تكون من الحيض مع الثلاث اللواتي صلت
فيهن في العشر مع الثلاث اللواتي في آخر العشر، وذلك إذا كانت الشهر
كله مستحاضة.
مسألة
[ إذا كان قرء المرأة ثمانية أيام ]
وأما إذا كان قروء المرأة ثمانية أيام من العشر الأواخر، صلت بعد
العشرين يومين واغتسلت وتركت الصلاة ستة أيام، ثم اغتسلت وصلت إذا عرفت أيامها في موضع من الشهر، وإن لم تدر في أول ذلك أو آخره.
مسألة
__________
(1) 1- سليمان بن الحكم : من علماء القرن الثالث سبق ذكره. (6/188)
صفحة 925
[ قول محمد بن محبوب رحمه الله في الحيض ]
عن الثقة محمد بن محبوب رحمه الله : وإذا حاضت المرأة في أول يوم
من الشهر فلم تر حيضها حتى مضى الشهر ولم يكن لها قبل ذلك وقت
فإنها تبدل عشرة أيام من أول الشهر إذا كان ذلك شهر رمضان ، وهو أكثر الحيض، وتبدل عشرة أيام من آخر الشهر أيضاً على قول من قال : إن كل
دم جاء بعد طهر عشرة أيام فهو حيض.
مسألة
[ انتظار البكر بعد انقطاع الدم يوماً ]
عن أبي عبد الله : إذا لج بالبكر الدم وقد علمت بأيامها فلتنظر بعد
انقضاء وقت أمها يوماً أو يومين إذا لم تعرف وقت نفسها، وإذا لم تعرف البكر وقتها لأنها مبتدئة، وكان وقت أمها مختلفاً فإنها تأخذ بالأحوط، وإن عرفت وقت أمها فهو وقتها وإن استمد جعلت طهرها عشرة أيام وحيضها خمسة عشر يوماً.
مسألة
[ أحكام المستحاضة ]
وإذا رأت المرأة دفعة دم اغتسلت وصلت، وإن لم يفض استنجت
وصلت إذا توضأت ولا غسل عليها. والمتسحاضة تغتسل لكل صلاتين
غسلاً واحداً، ويكون في أدبار الصلاة الأولى وتجمعهما بالتمام، وسيان
صلت في وقت الأولى أو الآخرة، وتغتسل لصلاة الفجر غسلاً واحداً،
فعلى هذا إلي عشرة أيام بعد أيام الحيض، فإذا استمر بها الدم بعد صلاة
الفجر بوم إحدى عشر يوماً تركت الصلاة أيام حيضها، فهذا دأبها إلى أن يفرج الله عنها.
مسألة
[ استمرار الدم بعد مدة الحيض ]
و إذا كان حيض المرأة عشراً فلم يرق دمها بعدهن اغتسلت وصلت
عشراً، وإن تحول حيضها ثلاثة أقراء تحولت في الرابع، وإن تحولت إلى أقل
فلا يكون أقل من ثلاثة، إلى أكثر فلا يكون أكثر من عشر علِى الأصح.
مسألة
[ معاودة الدم بعد الطهر ]
وإذا عاود المرأة دم بعد الطهر والتطهر يوماً أو يومين ثلاثة أقراء، فهذه إثابة وحكمه حكم الحيض تدع لها الصلاة ويحرم سرها وإجماعها على
بعلها فيها، وإن اختلف فليست بحيض على الأصح.
مسألة
[ رؤية الطهر يوجب الصلاة ] (6/189)
صفحة 926
وإذا رأت الحائض الطهر الذي لا شبهة فيه عند وقت الصلاة اغتسلت وصلت، وإن لم تنقض أيام قرئها فإن عاودها فيهن تركت له الصلاة حتى تنقضي أيام حيضها ويمتنع بعلها غشيانها.
مسألة
[ حكم المرأة بعد ثبوت الطهارة وعدم الصلاة جهلاً ]
وإذا طهر ت الحائض في شيء من قرئها ولم تصل جهلاً فعليها بدل ما ضيعت من الصلاة، ومثلها النفساء إذا طهرت في عدة نفاسها اغتسلت وصلت، وإن راجعها تركت الصلاة إلى انقضاء عدة نفاسها، وليس
لزوجها وطؤها ولو طهرت في أيام نفاسها، فإن ظن جوازه وباشر في الطهر فلا تحرم على قول، وقول: تحرم، فإن استمر الدم بعد عدة النفاس انتظرت
يوماً إلى الثلاث، فإن لم يرق كان حكمها حكم المستحاضة، كما قدمنا
إلى عشرة أيام، فإن جاوز الحيض العشر فهو حيض.
مسألة
[ حكم رجوع الدم السائل والقاطر على المرأة ]
قال أبو سعيد رحمه الله : إذا راجع المرأة الدم السائل والقاطر قبل تمام قرئها، كان عن طهر أو كدرة بعد أن ثبت لها من أيام حيضها ما تكون به حائضاً، فقيل : تنتظر يوماً أو يومين، فإن أتمت أيام حيضها وليس بها دم ولو طرفة عين وراجعها الدم بعد ذلك بقليل أو كثير، فقد قيل : إنها مستحاضة.
مسألة
[ حكم الطهارة بعد مرور مدة الحيض مع استمرار الدم ]
وإذا كانت وقت الحائض أقل من عشرة ووقت النفساء أقل من أربعين يوماً وبلغت وقتها ولم يرق دمها، فإنها تنتظر في الحيض يوم أو يومين.
وقيل : في يومين أو ثلاثة ثم تغتسل وتصلي.
مسألة
[ أثر اتصال الكدرة والصفرة بدم الحيض ]
وإذا اتصلت بالمرأة الصفرة والكدرة أو حمرة قابضة وكان قرؤها دون العشر، ففي أكثر القول أنها تغتسل من الحيض وتصلي، وأما الصفرة فلا
غسل عليها منها ولا الكدرة.
مسألة
[ كيفية طهارة الحائض من الصفرة ]
قال أبو سعيد : إذا اتصلت بالحائض الصفرة بعد أيام حيضها، اغتسلت وتوضأت، وليس في الصفرة إلا الاستنجاء، وقيل : تغتسل من الصفرة (6/190)
صفحة 927
بسبب اتصالها بالحيض في أيام الحيض حيض.
مسألة
[ حكم الصفرة قبل الحيض ]
واختلفوا في الصفرة قبل الحيض وبعده، والأصح أنها قبله ليست بحيض وبعده حيض، إذا اتصلت به. وإذا اغتسلت الحائض بعد الطهر من الحيض
ثم اتصلت بها صفرة أو كدرة فلا غسل عليها على الأصح.
مسألة
[ انتقاض الطهر ]
وإذا انقضى قروء الحائض ولم تطهر، فاغتسلت وصلت ثم طهرت،
فعليها الاغتسال إذا طهرت، ويستحب لها أن تقضي ما صلت بالإلزام.
مسألة
[ حكم قضاء الصلاة بالنسبة المستحاضة ]
قال أبو سعيد رحمه الله : ليس على المستحاضة قضاء قبل الاغتسال إلا
في الدم السائل أو القاطر، فإذا اغتسلت عن زوالهما فلا غسل من سواهما.
وقيل : عليها الغسل من الدم حتى يتضح انقطاعه، وقيل : لا غسل عليها
حتى تعلم كونه بها حين الاغتسال.
مسألة
[ اختلاف قروء المرأة في كل فترة ]
وإذا كان قروء المرأة ستة أيام ثم تنتقل إلى العشر، فإنها تزيد يوماً أو
يومين ثم تغتسل. قال أبو سعيد في ثلاثة أقراء إلى العشر وانتقلت عنه في
الرابع على قول من يقول بالانتقال الإقراء، وهو الأصح.
مسألة
[ وجوب الصلاة إذا طهرت خلال الوقت ]
وإذا انقضى قرء الحائض عند أفول الشمس فرأت دماً فلم تغتسل لأجله ولم تصل فأصبحت طاهراً، فإنها تقضي ما فات من الصلاة. قال الشيخ
أبو سعيد : لا قضى عليها.
مسألة
[ قضاء الصوم في الصفرة ]
وإذا تمت أيام الحيض وانصر دمها وبقيت صفرة أو كدرة وذلك في شهر رمضان، فعليها أن تقضي صومها في الصفرة والكدرة. قال أبو منصور: صومها تام والوثيقة أولي.
مسألة
[ أكثر الحيض عشرة أيام ]
وليس بعد العشر على ذات المحيض انتظار، وهو الأصح، وقيل بالانتظار، والانتظار في الصفرة والكدرة، والإثابة في الصفرة والكدرة إلا في دم (6/191)
صفحة 928
العبيط، وحكم الإثابة آن تكون منفصلة عن دم الحيض، وإذا انفصلت وكان القروء دون العشر فهو حيض على قول، وقول : إن القروء على ما حاضت على أول مرة وما كانت الاستحاضة، ولا ينتقل القرء في أقل من ثلاث.
مسألة
[ أثر الصفرة والكدرة على الصوم والصلاة ]
قال أبو عبد الله : والصفرة والكدرة في القروء والإثابة بترك الصلاة
لهما والصوم وحظر على حليلها سرها وإن كانت بعد ذلك فتتوضأ وتصلي وتصوم، ولا غسل عليها.
مسألة
[ طهارة بدن الحائض معنوياً ]
ويكره للحائض البروز مع سيلان دمها ومحادثة الناس، إلا أن تكون قريباً من منزلها، ولا يجوز تعليق التعاويذ على الجنب والحائض ومس الدراهم
التي عليها أسماء الله أو شيء من القرآن، ورخص بعض في ذلك لما روت
عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض(1)
فدل على طهارتها وطهارة ما لاقى بدنها من المائعات، إلا ما كانت به نجاسة عينية أو غير عينية، وإلا فلا يتغير حال الإنسان ما كان عليه، والأول أصح.
مسألة
[ حكم الحائضة بالنسبة للقرآن ]
وإذا غسلت الحائض وفي(2) يدها مائع فلا تفسده، إلا أن نكون بها
__________
(1) 1- في البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي و الترمذي و الموطأ ، عن عائشة رضي=
(2) = الله عنها من رواية هشام (ابن عروة) عن أبيه أن سأل : أتخدمني الحائض؟ أو
تدنو مني المرأة وهي جنب؟ فقال عروة : كل ذلك عليّ هين، وليس على أحد
في ذلك بأس أخبرتني عائشة : أنها كانت ترجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي
حائض ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ مجاور في المسجد، ويدني لها رأسه وهي في
حجرتها فترجله وهي حائض. جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
7/347 ، 348 ، 349 .
1- الأصل في يدها، والأصح : وفي يدها. (6/192)
صفحة 929
نجاسة. ويكره للحائض أن ينال بدنها أو ظلها المصلي، ولا بأس بمداراتها للأطعمة الرطبة ولو لم تغسل يدها إذا لم تكن بها نجاسة. وليس للحائض دخول المسجد ولا حمل المصحف، ورخص بعض في حمله بسيرة
للحائض والجنب وإذا لم تعلم أن ملاءتها أيام حيضها مستها النجاسة فلا
غسل عليها لازماً. وإن تعذر عليها حصول الغسل، أجزأها الماء القراح.
مسألة
[ حكم دخول الجنب والحائض المسجد ]
و إذا لج الجنب وذات المحيض لضرورة ، فلا بأس ، وإذا دخل الجنب
والحائض المسجد أثما، لأنهما دخلا في محظور عليهما الدخول فيه.
ومختلف في أن يضع في المسجد شيئاً أو يرفعه منها.
مسألة
[ حرمة المباشرة في المسجد ]
وإن باشر زوجته في المسجد فقد ركب كبيرة، وليس في مثل هذا
ضرورة ترفع بها الأحكام، وقيل : إن الله تعالى طهر مريم عليها السلام من الحيض بقوله : { إن الله اصطفاك وطهرك } (1) .
مسألة
[ فيما يثبت به حكم الحيض ]
واختلفوا فيما يثبت به حكم الحيض في أيام الحيض، فقول : لا تتعبد
المرأة إلا بالدم العبيط السائل أو القاطر من الفرج من موضع الجماع، فإذا انصرى طهرت، والاعتبار بالصفرة والحمرة والكدرة ولو كان سائلا أو قاطرات، ولا يجوز لها ترك الصلاة فيهن، لأن حكمها طاهر ولزوجها
نكاحها. وقال بعض أهل العلم : إنها بمنزلة الحائض مع وجود الصفرة
والكدرة ومحرمة عليها الصلاة وغشيان البعل ما دمن بها، ولا تكون
حائضاً بالممكن في الرحم من دم أو غيره، وعليها الصلاة لأنها محكوم
عليها بحكم الحيض، وقول : تكون حائضاً بوجود الدم ، وإن كان مكمناً
في الرحم، وقول : أنها بمنزلة الحائض ما دام الطهر مشتبهاً عليها، حتى ترى الطهر البين كالفضة أو لقبعص القطن، وتنقضي أيام قرئها.
مسألة
[ حكم غشيان الحائض بعد التطهر ]
__________
(1) 1- قال تعالى : { وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك
على نساء العالمين } [آل عمران آية 42]. (6/193)
صفحة 930
واختلفوا في غشيان الحائض بعد التطهر، والأصح أنه لا يجوز فيه
ترخيص، وإذا حاضت المرأة يوماً في أيام حيضها فانقد الدم وبقيت صفرة،
هنا كالحيض على قول وقول : لا.
مسألة
[ حكم الصفرة والكدرة أيام الحيض ]
ولم أعلم أن أحداً قال أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض ليست بحيض، إلا كالشاذ، وإن انقطع الدم عن الحائض فاغتسلت وصلت مع علمها أن بها صفرة أو كدرة، هل عليها غسل بعد طهرها من الصفرة والكدرة؟
مسألة
[ اختلاف العلماء في الغسل من الصفرة والكدرة ]
لعله الجواب ففي ذلك اختلاف، والأصح أنها إذا كانت متصلة في
الحيض فعليها منها الغسل وإلا فلا.
مسألة
[ حكم الصفرة والكدرة ]
عن أبي معاوية في الصفرة والكدرة إذا لم يتقدمها الدم، فقول إنها من الحيض على حال إذا كانتا في أيام الحيض، وقول : ما لم يتقدمها الدم فليستا بحيض وقول إذا تقدمتا واتصل بهما الدم كانت حيضاً.
مسألة
[ حكم الصفرة والكدرة بعد عشرة أيام ]
وإذا كان قرء المرأة أكثر من عشرة أيام فرأت الطهر فاغتسلت فراجعتها صفرة أو حمرة أو كدرة غير قابضات ولا قاطرات في العشر، فقول : إنها
ما لم تر التطهر فهي حائض وإن لم يكن قابضاً، قول : إنها لا تلزمها بمثل أحكام الحيض، وتتوضى وتصلي، وقول : فاض أو لم يفض فسيان.
مسألة
[ حكم الصفرة في أيام الحيض ]
والصفرة في أيام الطهر فهي داء وليست بحيض، وقيل : إذا تقدمت
صفرة الحيض إقراء حكم لها بأنها مثله، وقيل : إنها في أيامه حيض على
حال، والأول أنها أصح.
مسألة
[ أقل الحيض دفعة واحدة ]
وإذا رأت المرأة الدم في وقت حيضها ولو دفعة فعليها انقطع عنها فعليها
الغسل، وقيل : لو بقيت صفرة في أيام حيضها إذا تقدم الدم فإذا زالت
الصفرة اغتسلت أيضاً إلا أن تكون لم تتصل بالدم.
مسألة
[ حكم مراجعة الدم وحكم الصفرة والكدرة ] (6/194)
صفحة 931
وإذا طهرت الحائض في أيام حيضها ثم عاودها دم فهو حيض، وإن راجعتها صفرة أو كدرة ففي ذلك اختلاف. وإذا حاضت المرأة قبل تمام أيامها، ثم احتبس عليها دمها فرأت يبوسة أو بياضاً أو شيئاً كالبول، فهذا
كله في أيام الحيض حيض والطهر هو كبياض الصبح.
مسألة
[ متى يجوز للمرأة أن تجمع بين الصلوات ]
وإذا مضت أيام الحيض ولم تنقطع عنها الصفرة، فلا يجوز له جمع الصلاة، وإنما الجمع للمستحاضة. والصفرة والكدرة إذا تقدمتا الحيض
فليستا بحيض، وأما في أيام الحيض ففيها اختلاف. عن أبي المؤثر رحمه
الله : وإذا رأت المرأة قبل أيام حيضها بيومين صفرة وذلك في شهر رمضان أفطرت لظنها أنها حائض، ثم انصرت تلك الصفرة والكدرة، وإذا تقدمتا
أيام الحيض فليسهما بحيض حتى يتقدمها الدم في أيام الحيض، فإذا اتصلتا
بالدم بعد انقطاعه فهما حيض.
مسألة
[ زيادة العادة عن عشرة أيام ]
وإذا كان أيام حيض المرأة عشرة أيام وأيام طهرها عشرين يوماً، فصارت أيام طهرها عشر ثم استحاضة. فإنها تقعد أيام حيضها وتغتسل وتصلي،
قال أبو سعيد رحمه الله : تقعد أيام حيضها وتصلي يوم إحدى عشر صلاة الفجر ثم تترك الصلاة أيام حيضها.
مسألة
[ أقل الطهر ]
وإذا كان طهر المرأة عشرين يوماً ثم تحيض، فطهرت تسعة أيام ثم جاءها الدم، فإنها تغتسل وتصنع كالمستحاضة إلى عشرة أيام ثم ترى الدم النساء،
فإن أخبرنها أنه دم فقعدت، وإلا فهي مستحاضة إلى العشرين. وقال الربيع:
إذا طهرت المرأة عشرة أيام، ثم رأت فهو حيض.
مسألة
[ اضطراب مدة الحيض ]
وإذا كان الحيض بالمرأة عشرة أيام ثم رجعت إلى الست ثم لم يرق دمها حتى جاوزت عشراً، فقيل : إنها تقعد على قرئها الأول. قال أبو سعيد : إذا
لم تنتقل إلى الست ثلاثة أقراء، وتنتقل في الرابع، وقيل : إن الأول هو
القروء، والست أحب إلي، فإن استعملت الست انتظرت يوماً أو يومين بعدها، وقيل : الانتظار عليها بعد العشرين وليس عليها الانتظار على الأصح. (6/195)
صفحة 932
مسألة
[ عدم اعتبار الصفرة قبل الحيض ]
وإذا كانت عدة المرأة خمسة أيام فرأت فيهن صفرة ثم رأت بعد خلوهن دماً عبيطاً، فإنها تغتسل خمسة أيام في الدم. قال أبو سعيد : تقعد خمسة
أيام مذ ترى الدم السائل والقاطر، وليست بالصفرة المتقدمة بشيء.
مسألة
[ اضطراب العادة بين الزيادة والنقصان ]
وإذا رأت المرأة في قروئها يومين، ثم رأت الدم فلم يرق حتى تم القرء،
فإن عليها إعادة اليومين، قال أبو سعيد : نعم إذا تقدم الدم مما تكون به
حائضاً في أيام الحيض، وإن كان الطهر أكثر من الحيض المتقدم بطلت
أحكام الحيض من الدم الثاني، وتنتظر إن جاءها الدم في القروء. وإذا كانت عدة الحائض ستة أيام ثم صارت عشر، فإنها تزيد على الست يوماً أو يومين.
مسألة
[ متى تعتبر المرأة معتادة عند أبي سعيد ]
قال أبو سعيد : إذا لم يستقم لها على العشر ثلاثة أقراء لا انتظار بعد العشر، وقيل : وقتها الأول والعشر أحب إلي إذا استقام ثلاثة ثم انتقلت في الرابع وفيما يستقبل.
مسألة
[ اضطراب نزول الدم واضطراب الطهر ]
وإذا كان حيض المرأة تسعة أيام فأتمهن، ثم رأت الطهر يوماً فاغتسلت وصلت ذلك اليوم، ثم عاودها الدم يوماً وليلة، ثم رأت الطهر فلم تغتسل
وإنما توضأت وصلت وجامعها البعل، فإنها تعيد الأيام التي كانت أمرها
عليها، فإن قيل : لم تجعل عليها أيام الطهر كلها لأنها لم تغتسل حين رأت الطهر الثاني بعد الدم؟ قلنا : لأنها رأت الطهر في وقتها فاغتسلت للطهر.
مسألة
[ متى تعتبر المرأة مستحاضة ]
عن أبي سعيد رحمه الله : إذا كان حيض المرأة تسعة أيام ثم رجعت
تطهر يوماً ثم راجعها الدم يوم التاسع، فهي أول مرة تعيدها، وفي الثانية
والثالثة مستحاضة وعليها ما على المستحاضة من مباشرة أو غيرها. وفي
القروء الرابع فهي إثابة على قول من يقول بالانتقال قراء وهو الأصح.
مسألة
[ حكم المباشرة في الإثابة ]
قال بعض الفقهاء : الإثابة لاحق حكمها حكم الحيض في الغسل (6/196)
صفحة 933
والصلاة والمباشرة،. فإن باشر البعل في الرابع أو فيما يستقبل في الإثابة
فكمن باشراً في الحيض على هذا القول، فإن لم تغتسل وصلت في الرابع
وفيما يستقبل، لزمها البدل والكفار ة ولا ينفعه جهله، وقول بالبدل فقط.
مسألة
[ حكم البدل في الإثابة ]
وقال بعض الفقهاء : يسعها في الأول والثاني، وإنما أوجب البدل فيهن عليها قوم لما صلت، وأبا ذلك قوم، وأجمعوا على إهدار الكفارة عنها، وقد قال بعض الفقهاء : إن الإقراء لا تنتقل فعلى هذا القول، فالأول قرؤها، وما زاد فهي مستحاضة، والأصح انتقال الإقراء وثبوت حكم الإثابة لأنها بمنزلة الحيض، إذا لم يكن الطهر الذي بينها وبين الحيض من الحيض.
مسألة
[ حكم الصفرة والكدرة خلال الحيض ]
وإذا كان قروء الحائض ثمانية أيام فانصرى دمها بعد يومين ورأت صفرة أو حمرة، لحقت أحكامها أحكام الحيض. قال أبو سعيد : نعم إذا رأت دماً سائلاً أو فاطراً في أول أيام حيضها ثم انصرى يوماً ثانياً وبقيت الصفرة والكدرة، فذلك كله حيض إلى تمام قرئها ثم تغتسل في الصفرة والكدرة.
مسألة
[ الصفرة قبل الحيض ]
وإذا طهرت من الحيض ثم رأت صفرة فدامت بها حتى أتى حيضها
القابل، فإنها تعتد في أيام حيضها، وقيل : لا تدع الصلاة حتى دماً محكوماً
به أنه دم حيض في أيام الحيض ولو دفعة واحدة.
مسألة
[ اضطراب العادة بين الخمسة والعشرة أيام ]
وإذا كان قروء الحائض عشرة أيام ثم رجعت إلى خمسة أيام، فإنه يكره سرها بين الخمس والعشر، وإذا رأت بعد الخمس يبوسة أو صفرة ولم تر
طهرا فهو حيض.
النهج الحادي والأربعون
في النفاس وحيض الحبالى
مسألة
[ متى تترك النفساء الصلاة ]
وإذا ضرب الحبلى الطلق ورأت الدم تركت الصلاة وقول : لا تكون بذلك نفساً حتى ترى أعلام الولد فإن رأت دماً سائلاً فانصرى وأعقبه
صفرة أو كدرة فلها ترك الصلاة.
مسألة
[ قول الشيخ محمد بن عبد السلام ] (6/197)
صفحة 934
عن الشيخ محمد بن عبد السلام(1) رحمه الله : إذا ركزت المرأة للميلاد وضربها الطلق وانفقا الهادي ورأت الدم فلا صلاة عليها ولا صيام وبهذا
نعمل وعليه حكمنا.
مسألة
[ صلاة الشاكة في نوع الدم ]
وإذا رأت المرأة دماً فظنته حيضاً تركت الصلاة ثم أسقطت فإذا اتصل
الدم بالميلاد فهو من نفاسها ولا بدل عليها وإن رأته حيناً واختفى حيناً
فكلما ظهر وانقطع اغتسلت وصلت حتى يأتي ميلادها فإن علمت أن الدم الأول للسقط فلا صلاة عليها وإلا فالصلاة أحب إلينا.
مسألة
[ رأي العلامة أبو سعيد ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله أن عليها بدل ما تركت من الصلاة حتى يضربها الطلق فإذا ضربها الطلق ورأت صفرة أو كدرة أو حمرة قبل الوضع توضت وصلت فإن هذا ليس بحيض ولا نفاس وإن كان الدم سائلاً
اغتسلت وإن ولدت ولداً وفي بطنها آخر فلا صلاة عليها لأنها نفساء.
مسألة
[ إذا صلت قبل الغسل من النفاس جهلاً ]
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر(2) : وإذا رأت الحبلى الدم ولم تغتسل جهلاً وصلت فعليها بدل الصلاة على الأصح وتهدر عنها الكفارة.
مسألة
[ قضاء الحائض الصوم ]
وإذا ظنت المرأة أنها حبلى فرأت دماً فصلت وصامت ثم اتضح أنه
حيض وليس بها حمل فقول : عليها بدل أيام حيضها وما بعدهن فلا،
وقول : عليها بدل ما صامت.
مسألة
[ طهارة من ضربها الطلق ]
وإذا ضرب المرأة الطلق فأتتها دفعة دم ثم انصرى فإنها تغتسل وتصلي إذا رأت الطهر بعد الدفعة وإن رأت صفرة أو كدرة أو حمرة وقد تقدم الدم
فعليها الغسل والصلاة وقيل : لا حتى تطهر على الأرجح وهو رأي أبي
سعيد رحمه الله.
مسألة
[ متى تترك الحامل الصلاة ]
__________
(1) 1- محمد بن عبد السلام : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 1- أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر : لم أعثر له على ترجمة. (6/198)
صفحة 935
وإذا رأت الحبلى دماً أو صفرة فلا تترك الصلاة حتى تضع أو ترى أعلام الولد إلا إذا كانت تحيض على حملها فعليها ترك الصلاة. قال الربيع : إذا اتضح الحمل فلا تترك الصلاة إن كان دماً اغتسلت لكل صلاتين وإن تكن صفرة توضت لكل صلاة وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ رؤية الدم قبل الولادة ]
وقيل : إذا رأت الحبلى دماً سائلاً اغتسلت وصلت حتى تراه على رأس الولد ثم حينئذ تترك الصلاة وقول : إذا ضربها المخاض ورأت الدم وقول : حتى تركز وهو قول أبي الحواري(1) ونبهان(2) .
مسألة
[ مقارنة بين الحبلى والمستحاضة ]
وعنه : إن الحبلى تصنع كما تصنع المستحاضة تغتسل وتجمع الصلاتين تماماً بغسل ما دام بها دم وهو الأرجح من الآراء.
مسألة
[ كيفية معرفة النفاس ]
وعنه : إذا ركزت الحبلى للميلاد فلم تر دماً فعليهاً الصلاة وإن خرج
منها ماء فإنها لا صلاة لها وعليها إن ظهرت من الولد جارحة ولم تر دماً
ولا ماءً فهذا نفاس وتدع له الصلاة.
مسألة
[ حكم الجماع في النفاس ]
وإذا خرج من الحبلى ماء فلزوجها مباشرتها ما لم يضربها الطلق وعليها
منه الاستنجاء إلا الغسل وإذا خرج الدم اغتسلت كالمستحاضة وإن
اغتسلت لصلاة فصلت فباشرها فلا بأس ولو في دبر الغسل وإن باشر بعد
أن ضربها الطلق وبرز حرمت عليه وصار كالمجامع في النفاس.
مسألة
[ الصلاة بالجهل في الطهارة ]
__________
(1) 1- أبو الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو الحواري محمد بن الحواري بن
عثمان القري، من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما أدرك أوائل القرن
الرابع، عاش ونشأ في نزوى من شيوخه محمد بن محبوب ومحمد بن جعفر
ونبها بن عثمان، وأبو المؤثر بن الصلت بن خميس. إتحاف الأعيان 1/209 .
(2) 2- نبهان : هو نبهان بن عثمان أبو عبد الله السمدي النزوي من علماء النصف
الثاني من القرن الثالث. إتحاف الأعيان 1/208 . (6/199)
صفحة 936
وإذا أتت الحبلى دفعة دم فتوضت منها ولم تغتسل فإذا أفاض من الفرج وقطر وجب الغسل فإن تركته جهلاً أعادته وأعادت ما صلت به وهدرت عنها الكفارة وذلك رأي أبي الحسن.
مسألة
[ حكم ترك الصلاة رغم انقضاء الحيض ]
وعنه : إذا كان قروء الحائض قل من عشرة أيام فطهرت وتركت الصلاة إلى العشر لأنها أفتيت أن الحيض عشر فهذه عليها بدل الصلاة وتهدر عنها الكفارة إذا ضنت جواز ذلك وقيل بالكفارة.
مسألة
[ حكم صلاة النفساء قبل الأربعين ]
و إذا طهرت النفساء لأقل من أربعين يوماً فتركت الصلاة إلى تمام
الأربعين جهلاً لظنها جواز ذلك فعليها البدل ما لم تصل في الطهر وتهدر
عنها الكفارة كذات المحيض.
مسألة
[ مراجعة الصفرة والكدرة للنفساء ]
وإذا انصرى نفس ذات النفاس قبل انقضاء الأربعين ثم راجعتها الصفرة
أو الكدرة فهو نفاس ما لم تنقض الأربعون.
مسألة
[ اتصال الصفرة والكدرة بالنفاس ]
وعن محمد بن عبد السلام إذا اتصلت الصفرة والكدرة بنفس النفساء المتقدم فهو نفاس إذا قد تدينت وتعودت.
مسألة
[ طهارة النفساء دون الأربعين ]
وإذا طهرت النفساء دون الأربعين في شهر رمضان وصلت وصامت ثم راجعها الدم في الأربعين فقول : إن صلاتها وصومها هدر وإن باشرها
الخليل كمن باشر نفساء إذا محكوم عليها بحكم النفساء وقول : ما فعلت
في الطهر فثابت لها ولو عادوها دم النفاس ولا بأس على حليلها في سرها والأول أصح وهكذا حكم الحائض.
مسألة
[ قول أبي بكر في طهارة النفساء ]
عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر : وإذا كان دم النفساء أكثر
في طهرها فإذا لم يتقدم لها وقت معلوم فنفاسها أربعون يوماً وإذا رأت النفساء الطهر لتمام الشهر ثم رأت دماً بعد يوم أو يومين فقال : ليس ذلك بشيء
إلا أن يكون وقتها أنفس من شهر. قال أبو اسعيد : إذا لم يكن الدم
متصلاً بالنفاس وإن كان متصلاً انتظرت يوماً أو يومين ثم تغتسل
وتصلي وتكون مستحاضة.
مسألة
[ حكم المبتدئة في النفاس ] (6/200)
صفحة 937
وإذا رأت الحبلى الصفرة أو الكدرة قبل ميلادها فيما دون الثلاث أو فيهن فإن كان دماً واقفاً تركت له الصلاة والصوم وإن جاء وأذهب فلا. عن أبي سعيد في المبتدئة في النفاس إذا رأت الدم ثلاثة أيام ثم انصرى وطهرت
عشراً ثم عاد الدم بعد الطهر فقد روت لي أم منصور عن أخيها أنه قال : إذا رأت الطهر في أول ميلادها فذلك وقتها في النفاس وقول : مستحاضة.
مسألة
[ قول أبو معاوية في المبتدئة ]
عن أبي معاوية رحمه الله : والمبتدئة إذا مكثت عشرين يوماً فطهرت واغتسلت وصلت ثم راجعتها صفرة أو كدرة فهي نفساء إلا أن يكون
طهرها خمس عشرة يوماً ثم راجعتها الصفرة و الكدرة فإنها تتوضأ وتصلي
ولا غسل عليها وليس نفاس ولا حيض. وإذا طهرت المبتدئة على عشرين
يوماً أو على دون الأربعين ثم ولدت الثاني فطهرت على الأربعين فعدتها
الأولى وإن استمر بها الدم في الثانية أكثر من عشرين يوماً انتظرت يومين أو ثلاثاً فإن لم يرق كانت فيهن مستحاضة وإن اتفقت لها ثلاثة مواليد على
عدتها فهي عدتها.
مسألة
[ استقرار الوضع عند المعتادة ]
وإذا طهرت المبتدئة على عشرين يوماً وفي الثاني على شهر فتكون
في العشر اللواتي فوق العشرين مستحاضة وإن طهرت في الثالث على
شهر فعلت فيه كالثاني فإذا وضعت الرابع وطهرت على شهر انتقلت
حينئذ إلى الشهر وإن لم تتفق أوقات الثلاثة فالأول هو وقتها. قال أبو سعيد: هذا على قول من يقول بانتقال الأقراء وهو قرؤها هو الأول وليس لها
الانتقال عنه وكذلك الحيض.
مسألة
[ قول أبو معاوية في طهارة النفساء ]
عن أبي معاوية : إذا طهرت النفساء على عشرين يوماً ثم في الثاني على خمس عشرة يوماً اغتسلت وصلت حين ترى الطهر فإن راجعها فيما دون العشرين فهو نفاس وإلا فهي مستحاضة وإن رجع بعدالعشرين وقيل : إذا طهرت خمس عشرة يوماً بعد العشرين فهو حيض وليس بنفاس.
مسألة
[ أقصى مدة النفاس ] (6/201)
صفحة 938
وإذا استمر بالنفساء الدم وكانت مبتدئة فإنها تقعد شهراً ثم تكون مستحاضة إلى عشر وقول : أربعين يوماً وقول : شهرين ثم إلى عشرة أيام تكون مستحاضة وقول : ثلاثة أشهر ثم تكون مستحاضة إلى عشرة أيام
وقول : على عادة أمهاتها والأصح في المبتدئة شهران.
مسألة
[ قول أبو نوح في المبتدئة ]
قال أبو نوح(1) : عدة النفاس أربعة أشهر للمبتدئة وهو كالشاذ، وقول : إذا انصرى دمها ولو طالت المدة، وقول : إن أكثر النفاس أربعون يوماً وهو قول محمد بن عبد السلام، فإذا استمر بالبكر الدم بعد الأربعين اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة.
مسألة
[ مراجعة الدم للنفساء ]
وإذا راجع النفساء الدم بعد انفساخ شهر رمضان في بقية من نفاسها فصومها الذي صامته في طهرها في رمضان تام وإن جامعها زوجها قبل
خلو العدة فقد أساء ولا تحرم عليه.
مسألة
[ قياس نفاس البنت على نفاس أمها ]
عن أبي الحواري : وإذا زاد نفاس البكر عن نفاس أمها أربعون يوماً فقيل : إنها تكون مستحاضة وهو الأصح وإن كان نفاس أمها دون الأربعين فما زادت هي على الأربعين فقيل : إنه نفاس.
مسألة
[ أقل النفاس ]
وعن أبي عبد الله رحمه الله : وأما ما أقل النفاس فليس له عندنا وقت محدود غير أن المرأة إذا طهرت لأقل من أربعين اغتسلت وصلت وامتنع
بعلها من مباشرتها(2) حتى تخلوا الأربعين يوماً إلا أن تتواتر لها ثلاثة مواليد
دون الأربعين فتكون عادة لها.
مسألة
[ نفاس البكر ]
__________
(1) 1- أبو نوح : يكنى به أكثر من شخص : فمنهم أبو نوح سعيد بن زنغيل، وأبو نوح
سعيد بن يخلف، وأبو نوح صالح بن إبراهيم، والذي اطمئن إليه هو أبو نوح
الدهان الذي يذكر مع أبي عبيدة وضمام، والله أعلم.
(2) 1- الأصل : بعلها مباشرتها، والأصح : بعلها من مباشرتها. (6/202)
صفحة 939
وإذا لم يرق دم النفساء فإن كانت بكراًَ فحتى ينقطع دمها وإلا فعلى ما عودت وتنتظر يوماً أو يومين فإن انصرى وانقطع وإلا فكانت مستحاضة وقول : لا انتظار عليها إلا إذا كان نفاسها دون الأربعين، وقول : ولو
أربعين والأول أولى.
مسألة
[ مدة نفاس البكر ]
وإذا لم تر النفساء دماً إلا بعد أيام فإذا كانت في وقتها أو في الأربعين إن
لم يكن لها وقت فهي نفساء إلا أن يأتيها طهر بعد خمس عشرة يوماً فهي
هنا بمنزلة الحائض.
مسألة
[ حكم الطهارة إذا لم تر النفساء دماً ]
عن أبي سعيد رحمه الله : إذا وضعت المرأة فلم تر دماً ثبت عليها أحكام التعبد كالطهارة ويلزمها التطهر ويؤمر البعل اجتناب سرها إلى ثلاثة أيام للاحتياط في الفروج وإذا لم تر الطهر ورأت صفرة أو كدرة فهي في هذا
بمنزلة النفساء إذا أفاض أو قطر وقيل : هو بمنزلة الطهر.
مسألة
[ مدة النفاس ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «لا نفاس أقل من أسبوعين»(1) ولو تحققنا صحة الحديث لأخذنا به وليس عندنا للنفاس أقل وما استحسنه أبو منصور
أقل النفاس ما طهرت عليه المرأة أول نفاسها وقيل : تكون كالحائض.
مسألة
[ اختلافهم في أقل النفاس ]
وقد يوجد في الأثر أن أقل النفاس ساعة وقول : أسبوع وقول : عشرة أيام ليكون كأكثر الحيض وقول ثلاثة أيام والأصح لا أقل له إلا ما طهرت عليه أول الميلاد ولو ساعة.
مسألة
[ حكم الصلاة مع انقضاء الهادي ]
وإذا خرج من النفساء ماء استنجت وتوضأت وصلت ولم أعلم أن
أحداًَ أهدر عنها حكم التعبد ببروز الماء وإن كان قد انفقا الهادي فلا صلاة عليها ولو لم يخرج دم مع الماء وعليها الاحتشاء إن أمكنها.
مسألة
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص، اختلف العلماء في مدة النفاس فذهب مالك
والشافعي إلى أنه لا حد لأقله، وذهب أبو حنيفة وقوم إلى أنه محدود. فقال
أبو حنيفة : هو خمسة وعشرون يوماً، وقال أبو يوسف : أحد عشر يوماً.
انظر بداية المجتهد 1/52 . (6/203)
صفحة 940
[ حكم التيمم من النجاسات ]
وفي التيمم من النجاسات السائلات التي لا تستمسك اختلاف فبعض أوجب عليها التيمم إذا لم يمسك الاحتشاء النجاسة وأبا ذلك آخرون لثبوت الوضوء عليه وبلوغه إليه عن أبي سعيد أن الحيض والنفاس أصلان كل على حدته ولا يقاس هذا على الآخر.
مسألة
[ بمن تقاس المرأة؟ ]
وإذا كانت عدة المبتدئة شهرين وعدة أمها خمسة وأربعون يوماً فإنها
ترد إلى عدة أمها وإذا عزبت عليها معرفة عدة أمها وأختها فعدتها شهران
وقيل : أربعون يوماً.
مسألة
[ معالجة اختلاط الأمر على المرأة ]
وقيل : إذا سببت المرأة وقد ولدت في دار الحرب وعزب عليها علم
عدتها في أول ميلادها فهي بمنزلة المبتدئة والمستحب لها لا تترك الصلاة
أكثر من أربعين يوماً وتجتنب الغشيان إلى شهرين وتغتسل وتصلي فيها بين الأربعين والستين.
مسألة
[ حكم النفساء مع انعدام الدم ]
وإذا لم تر النفساء دماًَ رأت الطهر البين اغتسلت ومكثت(1) ولو ساعة الميلاد ويجتنب الزوج ملامستها إلى ثلاثة أيام ثم لا بأس إن غشيها.
مسألة
[ معرفة الحيض بعد النفاس ]
وإذا رأت النفساء صفرة بعد تمام الأربعين وبعدها عشرة أيام هل تكون حائضاً فلا حتى يمتد بها الدم الغبيط فهو حيض بعد العشر التي بعد الأربعين.
__________
(1) 1- في الأصل : ومكث، ومكثت : وهو الأصح. (6/204)
صفحة 941
مسألة
[ اضطراب دم النفاس ]
وإذا طهرت النفساء على تسعة أيام ثلاثة مواليد ثم طهرت في الرابع
سبعاً وصلت ثم راجعها بعد عشرة أيام وقد أصاب منها زوجها فلا بأس
عليه إذا كانت الإصابة في الطهر قبل دخول الحيض وإن قعدت المبتدئة
عشراً ثم طهرت سبعاً ثم راجعها الدم أو الصفرة أو الكدرة فهذا كله نفاس
إلى تمام الأربعين. قال أبو المؤثر رحمه الله أن عمرو بن العاص(1) ولدت
امرأته فطهرت دون الأربعين فاغتسلت فتعرضت له فقال لها : نهينا عن
ذلك قبل خلو أربعين يوماً.
مسألة
[ حكم جماع النفساء بعد مراجعته الدم ]
قال أبو المؤثر رحمه الله : إذا طهرت النفساء فيما دون الأربعين
فبوشرت ثم راجعها الدم فكان الشيخ محمد بن محبوب يشدد في ذلك
يجبن عن التفرقة بين الزوجين وإن بوشرت قبل التطهر فرق بينهما أبداً.
مسألة
[ حكم الجماع عند الولادة ]
وإذا ضرب الحبلى الطلق للوضع فجامعها زوجها حرمت عليه وقيل
ذلك يكره ولا تحرم عليه إذا خرج الدم وقيل : إذا انفقا الهادي فلا صلاة
عليها ولو لم يخرج دمها ولا يلامسها زوجها.
مسألة
[ الحيض مع الحمل ]
__________
(1) 1- عمرو بن العاص : بن وائل أبو عبد الله، ويقال : أبو محمد السهمي، داهية
قريش، ومن يضرب به المثلث في الفطنة والدهاء والحزم. هاجر في أوائل السنة
الثامنة للهجرة وهو وخالد بن الوليد وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرح
النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدومهم وإسلامهم وأمر عمراً على بعض الجيش وجهزه للغزو.
حدث عنه ابنه عبد الله، ومولاه أبو قيس بن أبي حازم، وعروة بن الزبير وعروة
بن المطلب بن أبي وداعة وغيرهم، وكان والياً على عُمان حتى وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -
توفي رضي الله ليلة عيد الفطر سنة 42هـ . وقال عند موته : اللهم لا بريء
فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، وإن لا تدركين منك رحمة، أكن من الهالكين.
سير أعلام النبلاء 3/45 - 77 . رقم 15 . (7/1)
صفحة 942
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما جعل الله حيضاً مع حمل(1) وقال أبو
عبيدة هلا عند الفروج أي عنده وطئها بغير منوال شرعي.
مسألة
[ مدة نفاس بنت أبي عبيدة ]
وقيل: إن عبيدة بنت أبي عبيدة(2) كانت تقعد في نفاس بنيها الذكور
خمسين يوماً وفي نفاس بناتها ثلاثة أشهر فسألت أباها فأجاز صنيعها.
مسألة
[ من قال بأن مدة النفاس أربعين يوماً ]
أجمع أهل العلم على وجوب الغسل على النفساء إذا طهرت ومن قال
إن حدا النفاس أربعون يوماًَ عمر بن الخطاب وعثمان بن العاص(3) وابن
عباس وعابد ابن عمر(4) وأم سلمة(5)
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص، والله أعلم.
(2) 2- أبو عبيدة : مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم بن زيد وغيره من كبار الإباضية
وتنسم زعامة الدعوة بعد جابر بن زيد رحمه الله سجنه الحجاج وخرج عام
95هـ حمل عنه العلم عدة من المشاهير، له رسالة في أحكام الزكاة توفي في
عهد أبي جعفر المنصور. عن كشف الغمة ص298 رقم 2/277 .
(3) 1- عثمان بن العاص : هو والله أعلم، عثمان بن أبي العاص : الأمير الفاضل المؤتمن
أبو عبد الله الثقفي الطائفي. قدم مع وفد الطائف وأسلم سنة 9هـ وأمره عليهم
وكان أصغرهم سناً، استعمله عمر على عُمان والبحرين ثم سكن البصرة وقال
عنه الحسن البصري : ما رأيت أحداً أفضل منه. روى عن عدد من التابعين منهم
الحسن، وسعيد بن جبير ونافع بن جبير بن مطعم وغيرهم. توفي رضي الله عنه
سنة 510هـ . سير أعلام النبلاء 2/374 - 375 رقم 78 .
(4) 2- عابد بن عمر : أعتقد أنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(5) 3- أم سلمة : أم المؤمنين رضي الله عنها. هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله
بن عمر بن مخزوم.. بنت عم خالد بن الوليد رضي الله عنه دخل به النبي - صلى الله عليه وسلم -
سنة أربع للهجرة وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسباً وكانت آخر من مات
من أمهات المؤمنين، عمرت حتى بلغها مقتل الحسين الشهيد فوجمت وغشي
عليها وحزنت عليه كثيراً ولم تلبث بعده إلا يسيراً. روى عنها الجم الغفير
من أولاد الصحابة ولها جملة أحاديث. انظر سير أعلام النبلاء
2/201 - 210 رقم 20 . (7/2)
صفحة 943
ومن وافقهم على ذلك.
مسألة
[ الحيض بعد النفاس ]
وإذا كان وقت النفساء أربعين يوماً فطهرت على شهر فتم بها الطهر
حتى جاوزت الأربعين ثم راجعها الدم فذلك حيض.
مسألة
[ ألوان دم الاستحاضة ]
وإذا طهرت المرأة من نفاسها على أربعين يوماً فتطهرت فغشيت ثم رأت دماً في يومها ذلك بعد الطهر والتطهر والملامسة فلا فساد عليه وهي تكون
بعد الأربعين مستحاضة إذا كان الدم سائلاً أو قاطراً وأما المكمن والصفرة والكدرة إذا لم يتقدم الدم السائل فلا بأس بذلك.
مسألة
[ الفاصل التنزيهي ]
قال أبو سعيد : إذا طهرت ذات النفاس من الدم والصفرة والكدرة وبان لها الطهر الذي لا شبهة فيه اغتسلت وصلت وتكره مباشرتها في ثلاثة أيام
للنْزه فإن باشر فلا فساد عليه ولو راجعها الدم في أيام نفاسها والأرجح
الفساد عند المراجعة للدم في العدة.
مسألة
[ حكم توهم الحبل والوطء في الدم ]
وإذا توهمت المرأة أنها حبلى ثم جاء هادم وكانت تصلي وتصوم ثم
باشرها بعلها فيه فعليها بدل ما صامت فيه وتفسد على زوجها لتعمده وطيها في الحيض وقول لا بأس باشرها على أنها حامل فلا فساد عليه وهذا
هو الأصح للرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - وللزوج الحامل مباشرتها حتى ترقوا سمة
الوضع وإذا اتصل النفاس حتى جاء الأربعين فغشاها زوجها قبل أن تتطهر
بعد خلو الأربعين، فسدت عليه وإن لامسها بعد أن تطهر فلا بأس ولو
اتصل الدم على قول من جعل النفاس أربعين يوماً وهو الأصح.
مسألة
[ مدة نفاس السقط ]
وإذا أسقطت الحبلى سقطاً قد استبان خلقه فقد انفضت عدتها وما دام ببطنها ولد لم تنقض عدتها حتى تضع ما في بطنها هذا عن أبي عبيدة عن
ابن(1) عباس رحمهما الله. وإذا وقعت المميتة فيما دون أربعة أشهر وعشرة
أيام فعدتها أبعد الأجلين بالأشهر أو بوضع الحمل وإذا لم يستبن السقط أنه
ولد أو أنثى على قول ذكراً وأنثى فلا تنقضي العدة به.
مسألة
__________
(1) 1- في الأصل : أبي عباس، والصحيح : ابن عباس. (7/3)
صفحة 944
[ ألفاظ الفرقة وعدتها ]
وطلاق(1) الثلاث ودونه والإيلاء(2) والخلع(3) واللعان(4) وكل فراق وقع بين الزوجين للحرة والقينة والكتابية والمدبرة(5) وأم الولد(6) في ذلك سيان وعدة السقط لعدة الحي حذو النعل بالنعل.
مسألة
[ متى تعرف النفساء وقتها ]
عن الشيخ محمد بن محبوب عن أبي صفرة أن النفساء تعرف وقتها من ميلاد واحد والأصح من ثلاثة مواليد إذا لم تكن مبتدئة والمبتدئة أول ميلاد
تلد وكذلك ذوات المحيض على قول.
مسألة
[ مدة السقط ]
__________
(1) 1- الطلاق : لغة حل القيد حساً أو معنوياً.
اصطلاحاً : صفة حكمية ترفع حلية تمتع الزوج بزوجته، موجباً تكررها مرتين
زيادة على الأولى للتحريم، مواهب الجليل شرح مختصر خليل 3/21 .
(2) 2- الإيلاء : مصدر آلي، يؤلي إذا حلف.
اصطلاحاً : حلف زوج يتصور وطؤه ويصح طلاقه على امتناعه من وطء
زوجته في قبلها مطلقاً، أو فوق أربعة أشهر حاشية الشرقاوي 2/347 .
(3) 3- الخلع : إزالة الثوب، أو نزعه حسياً. بالضم هو المقصود.
اصطلاحاً : إزالة ملك النكاح، المتوقفة على قبول المرأة بلفظ الخلع أو ما في
معناه. نيل الأوطار 7/21 .
(4) 4- اللعان : من اللعن : وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله.
اصطلاحاً : شهادات أربع مؤكدات بالأيمان، يؤديها الزوجان أمام القاضي إذا
ما قذف الزوج زوجته بالزنى، أو نفي نسب ولدها، مقرونة من جانب الزوج
باللعنة، ومن جانب الزوجة بالغضب. انظر حاشية ابن عابدين 2/601 .
(5) 5- المدبرة : من دبر خلاف القبل ويقال للآخر الأمر دبر وأصله ما أدبر عنه الإنسان
ومنه دبر الرجل عبده تدبيراً إذا أعتقه بعد موته. والمدبرة : المعتقة بعد موت
سيدها. والمصباح المنير 1/224 - 225 .
(6) 6- أم الولد : الأمة التي تلد من سيدها فهي حرة بعد موته، وهذا ما قاله سيد
الأنام - صلى الله عليه وسلم - . (7/4)
صفحة 945
عن الشيخ أبي سعيد في السقط قول : فيه عدة النفاس ولو كان دماً، وقول : حتى يتبين خلقه وقول : حتى يكون مضغة مخلقة أو غير مخلقة
وهذا الرأي معمول به. وإذا أسقطت الحبلى سقطاً ولم تر دماً اغتسلت
وصلت ولا يغشيها الزوج إلا بعد ثلاثة أيام وإن غشيها دونهن فمكروه
بغير تحريم.
مسألة
[ عدة المتوفى عنها والمطلقة بالسقط ]
وإذا أسقطت المرأة سقطاً أو أسقطت غيره بعد ثلاثة أيام فإن كانت مميتة أو مطلقة فانقضاء عدتها بوضع الثاني إذا كان فوق عدة الأشهر إجماعاً.
وأما للصلاة فقول : من وضع الثاني والأصح إذا انقضت عدتها من
الأول اغتسلت وصلت ولا يباشرها زوجها حتى تنقضي العدة من الثاني
على الاحتياط.
مسألة
[ انقطاع الحيض ثم عودته ]
وإذا انقطع الحيض عن الحائض أشهراًَ فتوهمت أنها حبلى ثم راجعها دم ودام بها أشهراً ولم تر طهراً فهذه شبهة وأحب لها أن تغتسل وتصلي
كالحبلى على الاحتياط حتى يأتي حال تضمحل به الريبة.
مسألة
[ أثر الزنا في استمرار الزواج ]
وإذا أقر الزوج مع عرسه أنه زنا بامرأة سماها أو لم يسم، فإن لم يرجع
عن إقراره وصدقته حرمت، وإن رجع عن قراره قبل الملامسة وصدقته قبل
منه رجوعه بعد الغشيان لا ينفعه وتحرم عليه حليلته.
مسألة
[ طهارة المرأة المعتادة قبل وقتها ]
وإذا كان قروء المرأة سبعة أيام فطهرت على خمسة أيام فاغتسلت
وصلت وبوضعت وراجعها الدم قبل خلو سبعة أيام فلا تحرم عليه على
الأصح ولها مهرها بما أصاب منها وإن راجعها الدم بعد خلو السبع فلا تحرم عليه على الأصح وإذا أوقع المباشرة في طهر.
مسألة
[ رؤيا الدم في غير وقتها ]
وإذا كان للمرأة قروء تعرفه ثم رأت دماً في غير قروئها دفعة واحدة
وتركت له الصلاة فانتظرت يوماً أو يومين فاغتسلت وصلت وجومعت
فأصبحت حائضاً في أيامها المعروفة فأما الصلاة فيلزمها بدلها وأما الجماع
فلا بأس به وهذا ليس بحيض حتى يستقيم لها ذلك ثلاثة أقراء.
مسألة
[ أثر السقط ] (7/5)
صفحة 946
وإذا أسقطت المرأة سقطاً ولو لم يبين خلقه فليس لمطلقها ردها ولا تحل للأزواج حتى تحيض ثلاث حيض دحادح(1) .
مسألة
[ اختلاط الحيض بالطهر ]
وإذا رأت الحائض الدم يومين ثم رأت الطهر يوماً ثم عاودها الدم فإنها تغتسل وتصلي حين رأت الطهر وتتركها إذا عاودها الدم ما دامت في أيام حيضها فإن مد بها الدم فوق أيامها كانت مستحاضة وإن كانت في
رمضان صامت حتى ترى الطهر وإذا كان قرء الحائض ثلاث أيام فانصرى دمها بعد الأربع فإنها تغتسل وتصلي وتصوم في بقية الأيام كذلك النفساء
ولو طهرت على ثلاثة أيام ولا بأس في بضاع بعلها إذا لم يراجعها في العدة وإن راجعها ففيه اختلاف.
مسألة
[ حكم الدماء والنازفة على الحاصل ]
وإذا رأت الحبلى الدم فتركت له الصلاة فعليها بدل ما تركت ويجب عليها أن تصنع كما تصنع المستحاضة. وقيل : إذا كانت الحبلى عادتها
تحيض فهي على حكم ما كانت عليه وقيل : لا حيض مع حمل.
مسألة
[ حكم ترك الصلاة للحامل ]
وإذا حاضت الحبلى فتركت الصلاة ثم ألقت ولداً بعد ستة أشهر
فعليها بدل ما لم تصل في تلك الحالة والبدل متفرقاً ويجوز مجموعاً في
وقت واحد.
مسألة
[ حكم المباشرة قبل الحيض ]
وإذا كان دم الحائض مكمناً فباشرها زوجها فلا بأس إذا لم يتقدمه
السائل أو القاطر.
مسألة
[ حكم المباشرة بعد أو قبل قدوم الحيض ]
وإذا باشر البعل عرسه بعد أن طهرت قبل أن تطهر وهو كمن باشر في الحيض على أرجح القول والحجة في ذلك قول الله تعالى : { ولا تقربوهن
حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } (2) .
مسألة
[ حكم دماء الحامل ]
عن الربيع ومحبوب رحمهما الله أنهما لا يحرمان ولا يحللان الوطي في الحيض على العبد وأما أبو عبد الله فإنه يرى الفراق. وأما أبو علي ومن وافقه من الفقهاء أخذوا بقول الربيع والأرجح التفريق عن محمد بن عبد السلام
__________
(1) 1- دحادح : على نفس الهيئة، نفس عدد الأيام.
(2) 1- سورة البقرة : آية 222 . (7/6)
صفحة 947
أن الحامل إذا أتاها دم فتغتسل وتصلي كفعل المستحاضة والدم في الحمل
ليس بحيض ولا نفاس ولا استحاضة وإنما هو من غيط الأرحام لقول الله
تعالى : { يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد } (1) .
مسألة
[ حكم وطء المستحاضة ]
أباح ابن عباس وطء المستحاضة وكرهه غيره في سيلان الدم وقيل : تغتسل ويطأها وإن اغتسلت للصلاة فجائز له وطئها في دبر تلك الصلاة وأما وطؤها من غير أن تغتسل ولا في دبر صلاة فبئس ما صنع ولا تحرم عليه.
مسألة
[ حكم تقدم الصفرة والكدرة ]
وإذا تقدمت الصفرة أو الكدرة الدم فليستا بحيض على الأرجح حتى
يتقدمهما الدم العبيط وقيل : ليس على المرأة طلب علم حيضها ليلاً حتى تصبح إلا أن يتضح لها بلا شك.
مسألة
[ حكم الصلاة في الصفر ]
وإذا كان قروء المرأة سبعة أيام معلومة فرأت فيهن صفرة ثم جاءها دم في سبع بعدها فإنها تتوضأ وتصلي في الصفرة وتترك الصلاة في السبعة الأيام اللواتي أتاها فيهن الدم ولا بأس بالمباشرة في مثل هذه الصفرة.
مسألة
[ حكم اعتياد إتيان الصفرة قبل الحيض ]
عن أبي عبد الله رحمه الله : إذا اعتال المرأة ثلاثة قروء تأتيها الصفرة قبل الدم متصلاً بها فتكون الصفرة والدم حيضاً.
مسألة
[ أثر إثابة الدم بعد الطهر على الأحكام ]
وإذا عودت الحائض الإثابة بعد الحيض ثلاثة أقراء حكم لها بحكم
الحيض وحرم وطؤها فيها وفي الطهر الذي بينها وبين الحيض وعليها بدل ما صامت بين الدمين وقبل أن يطأها بعلها في الطهر بين الدمين بعد أن تطهرت فلا بأس.
مسألة
[ إتيان الدم يوم أو يومين ]
وإذا أتى المرأة الدم يوماً أو يومين فانصرى فليسه بحيض وتقضي ما
تركت من الصلاة على قول من يقول : إن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة
أيام، وقول : لا بدل عليها إذا كان ذلك في وقت الحيض.
مسألة
[ حكم الإفطار بالجهالة لوجود الدم ]
__________
(1) 2- سورة الرعد : آية 8 . (7/7)
صفحة 948
ومن جواب لمحمد بن أبي الحسن رحمه الله(1) : وإذا طهرت الحائض ثم راجعها الدم بعد خمسة أيام فاغتسلت وصلت حتى خلت لها تسعة أيام فأكلت يوم عاشر وتركت الصلاة وذلك في شهر رمضان جهلاً وعزب
عليها عدد علم الأيام فأما في النسيان فإن أمسكت عن الأكل حين ذكرت فعليها بدل ما أكلت وقول : لا بدل عليها وأما في الجهل والظن فعليها بدل
ما مضى في الغلط بدل يومها.
مسألة
[ حكم صوم المستحاضة ]
وإذا عرفت المرأة أيام حيضها فتركت فيهن الصلاة والصوم فوق العشر الأيام فإن كانت مستحاضة فتعمدت للأكل في طهرها فعليها البدل للصلاة والصوم وعليها الكفارة.
مسألة
[ حكم من تراجع طهرها ]
وإذا كان طهر المرأة عشرين يوماً وحيضها عشراً فطهرت خمسة أيام
ثم رأت الدم قال : تصنع كالمستحاضة إلى عشرة أيام ثم ترى النساء
الدم، فإن قلن : إنه دم حيض قعدت، وإن قلن : إنه داء فهي مستحاضة
إلى تمام العشرين.
مسألة
[ متى يكون الدم دم استحاضة ]
وإذا رأت المرأة الدم أيام حيضها ثم طهرت واغتسلت وصلت أيام
حيضها ثم راجعها بعد ذلك دم سائل فهي مستحاضة.
مسألة
[ أثر اختلاف أيام الاستحاضة ]
وإذا اختلفت أيام الحائض عليها فقول : تصلي حتى تبلغ أقصى أيامها ثم تترك الصلاة أيام ما كانت تحيض. قال أبو منصور : تترك الصلاة أيام
حيضها وتصلي بقية الشهر.
مسألة
[ أثر اختلاف أيام الاستحاضة ]
وإذا اختلفت أيام المستحاضة عليها فحكمها حكم الحائض على أكثر القول، وقول : إذا كان بين الدمين طهر ثلاثة أيام لم يكن الدمان حيضاً.
مسألة
[ تحول وقت الحيض وأثره على العدد ]
__________
(1) 1- محمد بن أبي الحسن : هو والله أعلم : الإمام محمد بن الحسن الخروصي،
كشف الغمة ص276 . (7/8)
صفحة 949
ويرتفع الدم بأحوال البكر والريح والمرض والحمل والرضاع فإذا ارتفعت بهذه الأحوال ثم عاد فوقتها يوم يعود وعدد أيامها عدد الأيام التي كانت تحيض فيهن وقول : إذا تحول وقت المرأة في حيضها أو نفاسها فأول وقتها ذلك الذي ابتدأها فيه ولا تتحول عنه زاد أو نقص.
مسألة
[ متى تذر الوقت الأول ]
قال بعض الفقهاء : إذا تحول قروء المرأة إلى وقت أو عدد فدام على ذلك حيضتين فقد صار لها وقتاً وتذر الأول وقول : حتى يتحول في الثالث إلى
وقت وفي الثالث إلى وقت ولم يستقم على منوال معروف فهي على
الوقت الأول وإذا بلغت المرأة فمد بها الدم ثلاثة أشهر فإن عشر من أولهن حيض وهو أكثر الحيض وعشرين طهراً حتى يضمحل.
مسألة
[ أثر نسيان المرأة عادتها ]
وإذا نسيت المرأة أيامها التي كانت تحيض فيهن ونسيت الوقت فإنها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول ما رأت الدم ثم تغتسل كأنها طاهر وهو أقل
الحيض ثم تغتسل وتصلي سبعاً فتلك عشرة أيام ثم تغتسل وقد طهرت من
أكثر الحيض وصارت مستحاضة إذا مد بها الدم إلى أن يرجع وقتها وتبدل
ما صامت مرتين.
مسألة
[ أثر تبدل الوقت على العبادات ]
وإن عرفت عدد أيام حيضها وعزب عليها علم الوقت بدلت أيامها مرتين أيضاً فإن عليها بدل صلوات وهي مستحاضة فإنها تبدلها في كل عشرة
أيام من الشهر الذي تتبدل مرة وإن كان عليها صوم شهرين متتابعين فتصومهما وتزيد شهراً وتجعل كل عشر منه بدل حيضها من الشهر وتبقى عشرة أيام فهي أيام حيضها من ذلك الشهر عن أبي الحكم.. وإذا حاضت المرأة خمسة أيام برها وهو أول حيضها ثم اختلف ستاً أو سبعاً ثم
استحيضت فإنها تترك الصلاة خمسة أيام أقل ما كانت تقعد فيه ثم تغتسل وتصلي. قال أبو سعيد : هذا إذا اختلف قرؤها في الست والسبع ولم تتفق
لها ثلاثة أقراء على أحدهما فإن اتفق رجعت إليه وتكون فيما سواه
مستحاضة وقول : هي على الحال الأولى.
مسألة
[ اختلاف أيام الحيض وأثره على العبادة ] (7/9)
صفحة 950
وإذا كان قروء المرأة سبعة أيام فصارت ستاً ثم أنها دخلت في شهر
رمضان فحاضت ستاً فاغتسلت فرأت صفرة أو كدرة فتركت الصوم قبل
تمام السبع قال أبو سعيد : إذا أتم ستة أيام ثلاثة أقراء فقيل : إنه حيضها
وتعتد به فإذا أتمت أيام حيضها وانقطع الدم فلا انتظار في الصفرة والكدرة وتغتسل وتصلي وتصوم.
مسألة
[ حكم الأكل في الصفرة والكدرة ]
قال بعض الفقهاء إذا أكلت في الصفرة والكدرة جهلاً في يوم سابع
لمعنى استقبال يوم السبع الأوَّلات أو بمعنى الصفرة فقد قيل : عليها بدل
يومها، وقيل : ما مضى من صومها والمستحب بدل اليوم.
مسألة
[ لا بد من مرور ثلاثة أقراء على الاعتياد ]
وإن لم يستقم لها على الستة الأيام ثلاثة أقراء فقرؤها السبع ولا شيء عليها فيما أفطرت في السبع لأنها من أيام حيضها.
مسألة
[ أثر مجيء الدم بعد الغسل ]
وإذا رأت المرأة الطهر في وقت الصلاة فتهيأت للغسل فعاودها الدم فلا إعادة عليها في صلواتها ولو صلت بعض الصلاة فأدركها الحيض فلا قضي عليها ما لم تقض في الغسل.
النهج الثاني والأربعون
في النكاح وأحكامه
مسألة
[ تعريف النكاح ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : النكاح(1) قبل العقد اسم يقع
على العقد دون المباشرة، وبعده فعلى المباشرة. والتزويج هو عقد النكاح،
لأنه سبب له، والعرب تسمي السبب باسم المسبب.
مسألة
[ حكم النكاح ]
قال أبو الحسن رحمه الله : التزويج سنة ، و في الجامع عنه أنه
ليس بفرض ، و إنما هو ندب. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من تزوج فقد أحصن
__________
(1) 1- تعريف النكاح : لغة واصطلاحاً :
لغة : الضم والتداخل. يقال : تناكحت الأشجار إذا دخل بعضها في بعض،
ويقال : نكح البذر الأرض. ونكح النعاس عينيه أي غلبها. انظر المعجم
الوسيط 2/960 .
اصطلاحاً : عند المالكية والشافعية : حقيقة في العقد مجاز في الوطء، عند
الحنفية : حقيقة في الوطء مجاز في العقد. (7/10)
صفحة 951
ثلثي دينه»(1) . ولا تجوز الهبة في النكاح بغير مهر وولي وشاهدين.
مسألة
[ حكم هبة النكاح ]
الهبة للفروج محظورة وإنما جازت للنبي - صلى الله عليه وسلم - في امرأة واحدة خص
بذلك دون أمته ، لقوله تعالي : { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي } (2) الآية، وهي امرأة من بني عامر بن لوي يقال لها أم شريك بنت جابر،
وكان عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بها بمكة ذات حسن وجمال فأسلمت.
مسألة
[ حكم نكاح الشغار ]
ونكاح الشغار(3) باطل لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا شغار ولا جلب ولا سعاة»(4) . قال أبو الموثر : الشغار هو أن يتزوج هذا أخت الآخر ويزوجه المتزوج أخته بلا مهر ، لأن مهر كل منهما نكاحهما . عن أبي محمد رحمه الله : يكون
صداق هذه بصداق الأخرى. والجلب حزم الأنف، والجنب الرهان على مسابقة الخيل هو المساعدة على البكاء خاصة، وأصله من شغر الكلب إذا
رفع رجليه ليبول. ولا يجوز تزويج الحرة من المشركات سوى الكتابية، ولا تزويج إماء أرباب الكتاب، وجائز تزويج إماء المسلمات بالنص، لقوله
تبارك وتعالى : { فمن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات
المؤمنات } (5) الآية.
مسألة
[ حكم الزواج بالأمة ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : تزويج الأمة المسلمة جائز لمن
__________
(1) 1- ورد الحديث بنص آخر : «من تزوج فقد حفظ نصف دينه فليتق الله في
النصف الآخر» التاج الجامع للأصول 6/103 قال : رواه الطبراني في الأوسط
وفيض القدير للمناوي.
(2) 2- سورة الأحزاب آية 50 .
(3) 3- نكاح الشغار : من شغر الكلب، رفع رجليه ليبول.
واصطلاحاً : رفع الصداق من العقد، انظر بناء الأسرة في الإسلام للمحقق.
(4) 4- ورد بنص آخر : عن عمران بن حصين : رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
«لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبة فليس منا»
أخرجه النسائي 6/111 في النكاح باب الشغار.
(5) 1- سورة النساء آية 25 . (7/11)
صفحة 952
لم يجد الطول في تزويج الحرة، وجعل للحرة الخيار في الإقامة والخروج،
ولها صداقها إذا كانت الأمة هي الداخلة على الحرة، وأما إن تزويج(1) الحرة على الأمة فلا خيار للحرة إذا كانت عالمة بها.
مسألة
[ حكم زواج القينة على الحرة ]
ومن تزوج قينة مع عدم الطول لتزويج الحرة، ثم استطاع فلا يفرق بينه وبين القينة. قال موسى بن علي رحمه الله : لا يجوز تزويج القينة على
الحرة على حال ، و يجوز تزويجها عند عدم الطول إلى تزويح الحرة ، وتأويل
قول الله تبارك وتعالى : { فمن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات } الآية، وعنده الآية التي أباحت نكاح المؤمنة التي لم يبح تزويجها إلا مع
عدم الطول، فإن كان تزويجها محرماً عنده وإنما يبح بالشرط، فيجب عليه
أن لا يبيحها إلا بوجود الشرطين عن عدم الطول وخوف العنت، وهو
الزنا، لأن في الآية.
مسألة
[ معنى قوله تعالى : { فمن لم يستطع منكم طولاً } ]
وإما معنى قوله الله تعالى في الآية : { فمن لم يستطع منكم طولاً } (2) الآية، إنما هي دلالة على التأديب لا الإيجاب، لأن النظر يوجبه حجج العقل وتؤيده أيضاً. إنا رأينا الله تعالى أباح للحرة تزويج العبد إن وجدت الطول
إلى تزويج الحر، ولما وسع الله تعالى على الرجل في التزويج وضيق على
المرأة أولى أن يتزوج الأمة مع القدرة علي تزويج الحرة.
مسألة
[ حكم الزواج بالأمة مقدار ما يتزوج به العبد ]
وللحر تزويج الشفلحة(3) برأي سيدها، ولا يتزوج أكثر من أمتين، ولا يجوز للملوك أكثر من أمتين، ولا يتزوج أربعاً من الإماء ولا من الحرائر، وجائز
__________
(1) 2- الأصح : وأما إن تزوجت الحرة على الأمة.
(2) 1- سورة النساء آية 25 .
(3) 2- الشفلحة : الشفلح : الحر الغليظ الحروف المسترخي. والشفلح من الرجال
الواسع المنخرين والعظيم الشفتين. والشفلح من النساء : الضخمة الإستين
الواسعة المتاع. لسان العرب 2/336 . (7/12)
صفحة 953
له تزويج أمتين أو حرتين أو أمة وحرة، ولا يجوز له التسري بملك اليمين.
مسألة
[ قول محمد بن خالد في العدد للعبد ]
قال محمد بن خالد(1) : إن للملوك أن يجمع بين أربع إماء لا حرة
معهن، ويجمع بين حرتين ولا أمة معهما. وعن أبي صفرة : للعبد أن يتزوج
من الإماء أربعاً، ومن الحرائر اثنتين، وقول : يتزوج حرتين ومملكوتين، وقول: له أن يتزوج أربع نساء من الإماء ومن الحرائر.
مسألة
[ عدة الأمة المحررة ]
وإذا طلق البعل عرسه المملوكة، ثم هلك وحررت في عدتها، فعدتها
عدة المطلقة الحرة ثلاث حيض، لأنها بانت لبيونه إلا بتطليقتين.
مسألة
[ عدة الأمة الرجعية إذا حررت ]
وإن طلقها واحدة وهو يملك الرجعة، وإن عتقت في عدتها، فعدتها
ثلاث حيض عدة الحرة. وإن هلك وهي في العدة وقد عتقت، فقد ورثته
إذا أعتقت قبل موته، وعدتها عدة الحرة الميتة أربعة أشهر وعشرة أيام،
وقيل : ذلك إذا اختارته.
مسألة
[ لا فرق في العدة من العبد أو الحر ]
والعدة(2) على الأمة من الحر والعبد سيان، وكذلك عدة الحرة من الحر والعبد سيان.
مسألة
[ أركان النكاح ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح»(3)
زوج ومزوج وشاهدان. وعقدة النكاح هي التزويج، وعقدة كل شيء
__________
(1) 1- محمد بن خالد : من علماء عُمان ذكره. إتحاف الأعيان 1/436 .
(2) 1- العدة لغة واصطلاحاً :
لغة : الإحصاء، فيقال : عد الشيء يعده عداً. وتعداداً، وعددت الشيء عداً
بمعنى أحصيته.
شرعاً : أجل حدده الشارع لانقضاء ما بقي من آثار الزواج بعد الفرقة.
(3) 2- ورد بصيغة أخرى : عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أيما عبد
تزوج بغير إذن مواليه أو أهله فهو عاهر» رواه أحمد وأبو داود والترمذي
وصحح وكذلك ابن حبان. عن بلوغ المرام من أدلة الأحكام رقم 1017 . (7/13)
صفحة 954
إيقاعه وإيجابه. ويجوز النكاح بشهادة رجلين وامرأتين، وقيل : ثلاثة(1) .
مسألة
[ أثر الشهادة في النكاح ]
واختلفوا إذا لم يشهد الشاهدان معاً في النكاح ، فقيل : النكاح فاسد
حتى يشهد في مجلس، وقيل : إذا شهد الثاني قبل الجواز جاز، إذا لم يفضي إليها لقول تعالى : { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } (2)،
وقيل : أفضى انتهى ولم يكن يبنهما حاجز وهو كناية عن الجماع.
مسألة
[ تعدد مجالس الشهود ]
وقيل : إذا شهد في اليوم شاهد، وفي الغد شاهد على التزويج جاز، وقد فعل ذلك أبو صفرة وأجازه محبوب إذا لم يمت الشاهد الأول، وقيل : ولو مات الشاهد الأول تزوجها مع الثاني.
مسألة
[ كيفية رضى المرأة ]
وإذا بلغ المرأة التزويج ولم ترضه وتمسك بها الزوج ورضيت، جاز
بالنكاح السابق على قول، وقد جاء الحديث : «إن البكر إذنها سكوتها
والثيب يعرب عنها لسانها»(3) . والثيب تستأمر والبكر تعلم وتفرد مخففة، وقيل : مثقلة.
مسألة
[ كيفية اهتداء القلب للزواج ]
وإذا عرفت المرأة التزويج وعزب عليها علم المتزوج وعزب عليها
علمهما، فإذا أهديت إليه وعرفها بسكون النفس وما جرت به العادة مع
الناس والتعارف، جاز أن يتماسا، فإذا سأل بعضهما بعضاً فحسن، وليس
ذلك من طريق الحكم، لأنه إقرارهما ليس بيقين، وكذلك إن دخل عليها
منزله وسكنت له واطمأن قلبه أنها عرسه، جاز له سرها، ما لم تخالجه ريبة
__________
(1) 3- اختلف العلماء في شهادة المرأة على النكاح فهناك من أجاز وهناك من منع لعدم
ورود ذلك عن السلف رضوان الله عليهم. ولورود شهادتها في المعاملات فقط.
(2) 1- سورة النساء آية 21 ، تكملة الآية { وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم
ميثاقاً غليظاً } .
(3) 2- ورد بروايات متعددة منها : قال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح
البكر حتى تستأذن، قالوا : يا رسول الله ، وكيف إذنها؟ قال : أن تسكت» متفق
عليه، بلوغ المرام رقم 1011 ص205 . (7/14)
صفحة 955
أو يعارضه شك، فإذا ارتاب سأل، وإن عرف ذلك بأحد وجوه(1)
الدلالات الذي يقع له بها العلم بسكون نفس أو خبر مخبر.
مسألة
[ حكم رضى المرأة ثم إنكارها ثانية ]
وإذا استؤذنت المرأة في التزويج قبل إيقاعه فرضيت ثم أنكرت بعد
العقد، صح إنكارها على الأصح كالبيع(2) ، إنما يثبت بعد العقد ورضاها الأول بما لم يثبت عليها وجوده وعدمه سيان.
مسألة
[ أيهما يقدم شاهد الرضى أم الإنكار؟ ]
و إذا شهد عدلان على كراهة المرأة التزويج ، وشهد عدلان على الرضى،
فشاهد الرضى أولى إذا أنكرت المرأة التزويج، وادعى الرجل الرضى بثلاثة وأراد يمينها، فعليهما اليمين لبعضهما بعض، والأصح أن لا يمين في النكاح
ولا في الرد ولا في الرضى.
مسألة
[ حكم إقامة البينة على رضاها ]
وإذا أنكرت المرأة الرضى بالزوج فحلفها ثم أقام بينة على دعواه، قبلت بينته، وجعلوها أولى من اليمين. وليس التزويج كالأموال، وقول : إنها في الأموال كذلك.
مسألة
[ أهمية الولي في النكاح ]
جعل الله النكاح مشروط بإذن الأولياء(3) ، لقوله تعالى : { فانكحوهن بإذن أهلهن } (4) لقوله عليه السلام : «لا نكاح إلا بولي»(5) ، والأولى
__________
(1) 1- الأصل : الوجوه، والصحيح : وجوه.
(2) 2- قياس مع الفارق فكلاهما ونتائجهما تختلف وأثرهما على العاقدين مختلف
لأن فسخ العقد في النكاح يستوجب المهر.
(3) 1- تعريف الولي : لغة : من أسماء الله الحسنى وهو الناصر..
اصطلاحاً : من له على المرأة ملك أو أبوة أو تعصيب، أو إيصاء أو كفالة
أو سلطنة ، أو ذوا إسلام . انظر بناء الأسرة المسلمة على ضوء الفقه
والقانون، ص124 .
(4) 2- سورة النساء : آية 25 .
(5) 3- ورد بصيغ منها بزيادة شاهدين، ومنها دون ذلك. فالنص هنا رواه أحمد
والأربعة وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبان وأعل بالإرسال والزيادة :
عن عمران بن الحصين مرفوعاً عند الإمام أحمد. عن بلوغ المرام رقم 1008،
1009 ص204 . (7/15)
صفحة 956
بالتزويج الأب إذا حضر، ثم الأخ، وقيل الابن أولى والأخ أكرم، وقيل :
الأخ أولى وأكرم، لأنه عصبة، والعصبة أولى بدمها، والابن أولى بميراثها،
والجد أولى من الابن، والأخ الخالص أولى من الأخ للأب، وابن الأخ الخالص أولى من ابن الأخ من الأب، وابن الأخ الخالص أولى من العم الخالص، ثم الأقرب فالأقرب من العصبات. والذمي إذا كان له متحنفة فلا يزوجها أبوها، ويأمر متحنفاً(1) يزوجها. قال أبو الحواري رحمه الله : إن كان لها عصبة من المسلمين، زوجها من أخ أو ابن أو غيرهما فهو أولى بتزويجها من أبيها. وقال أبو المؤثر : يستحب حضرة أبيها أو إذنه للعصبة، وإن لم يكن لها ولي زوجها السلطان بمحضر أبيها، وإن تعذر إيجاده فلا بأس.
مسألة
[ حكم ولاية مخالف المذهب وتزويج الولي نفسه ]
وإذا أوكلت المرأة البالغ الحرة في تزويجها نفسها في دار لا حاكم فيه ولا يدين بدين المسلمين إلا قومنا، ولا ولي لها، هل يتم التزويج؟ قال نعم يتم، فإن زوج نفسه فذلك مكروه، فإن قيل : فهل يفرق بينهما؟ قلنا إذا رضيت به فلا إذا جاز، وإن لم يجز وكلت غيره ليزوجه بها، فإن وكلته على أن يزوج نفسه جاز، وإن وكلته وفي الدار مسلمون وجاز فلا يفرق بينهما، وهذه المسائل عن أبي المؤثر رحمه الله، وقول : لا يجوز.
مسألة
[ ولي من لا ولي لها ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «ولي من لا ولي له السلطان للنساء»(2) ،
__________
(1) 1- الأصل : متخنقة، والصواب : متحنفة من الحنفية.
(2) 1- ورد برواية أخرى من حديث طويل : «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي
له» أخرجه الأربعة إلا النسائي ، وصححه أبو عوان وابن حبان والحاكم.
بلوغ المرام من أدلة الأحكام ، وذكره في تلخيص الجبير منفرداً 4/162 . (7/16)
صفحة 957
ولا يذكر عادلاً ولا جائراً، فظاهر الخبر أن كل من استحق اسم السلطان فالولاية له على عقد من لا ولي له من النساء، وجائز للقاضي والسلطان أن يزوج نفسه امرأة لا ولي لها، وإن وكل غيره فأحسن.
مسألة
[ حكم زواج الأجنبي مع وجود الولي ]
وإذا زوج الأجنبي والولي حاضر فرق بينهما إذا جاز الزواج، ويعزر
الزوج والمزوج والشهود أشد التعزير إذا فعلوا ذلك على علم.
مسألة
[ حكم ولاية المرأة في الزواج ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تنكح المرأة غيرها ولا نفسها»(1) ، وقيل أن المرأة لا تعقد عقد النكاح لنفسها ولا لقينتها ولا لبناتها ولا لغيرهن، إذا كانت هي الوصية في ذلك، وتولي بذلك رجلاً، وقيل : إن زوجت لم يفرق بينهما.
مسألة
[ ولاية المرأة على القينة ]
وأما إذا أرادت المرأة تزوج قينتها، أمرت من يزوجها ولا تتولى هي ذلك.
مسألة
[ فعل عائشة رضي الله عنها ]
يروى أن عائشة(2) رضي الله عنها كانت تخطب وتأمر من يزوج بنات أخيها لأنها كانت وكيلة في ذلك، وكذلك الموصى إليها في التزويج توكل غيرها من الرجال ليزوج.
مسألة
[ فعل عمر بن الخطاب ]
عن الزهري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل أمر تزويج بناته إلى حفصة(3)
__________
(1) 2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تزوج المرأة المرأة
ولا تزوج المرأة نفسها» رواه ابن ماجة والدار قطني ورجاله ثقات. عن بلوغ
المرام من أدلة الأحكام.
(2) 1- لأن الذكورة شرط في صحة الولاية عند جمهور الفقهاء وأجاز الحنفية ولاية
المرأة عند انعدام الرجال. انظر بناء الأسرة المسلمة للمحقق فصل الولاية.
(3) 2- حفصة : بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت قبل
ذلك عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي وهاجرت معه إلى المدينة وتزوجها
النبي بعد وفاته وكانت صوامة قوامة توفيت بالمدينة وصلى عليها مروان بن
الحكم وكان والياً على المدينة في شعبان سنة 45هـ . الطبقات الكبرى لابن سعد
8/81 - 86 . (7/17)
صفحة 958
، وكانت إذا أرادت أن تزوج بعضهن أمرت عبد الله بن الخطاب، فكان هو المزوج.
مسألة
[ ولاية الجد ]
ومن جواب الشيخ موسى بن أبي جابر(1) : ومن أوصى لرجل في تزويج ابنته، فزوجها جدها جاز.
مسألة
[ ولاية الجد مع وجود الوصي ]
وإذا أوصى الأب في تزويج بناته، وجعل الوصية أن يوصى في ذلك، فجائز له أن يوصي إلى وصي بعد وصي ما جعل لهم الأب، وإن زوج الجد والوصي قائم فجاز.
مسألة
[ الفرق بين الوكيل والوصي ]
وليس أن يوصي في تزويج حرمته، وأما الوكالة فللأحياء، ومن غاب من الأولياء ومن أوصى بوصية في تزويج بناته جاز.
مسألة
[ ما حبب من الدنيا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ]
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «حبب إلي من دنياكم ثلاث، وقيل أربع :
الصلاة و الصيام و النساء و الطيب. و في خبر ثلاث: الطيب و النساء و جعل
قرة عيني في الصلاة»(2) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تزوجوا الأبكار، فإنهن أعذب
أفواهاً، وأرتق أرحاماً وأقنع بالبضع اليسير»(3) .
مسألة
[ الحث على الزواج بالأكفاء ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «عليكم بالولود(4) الودود، ولا تنكحوا الحمقى، فإن
صحبتها بلاء وولدها ضياع». وقال :«تخيروا لنطفكم فإن العرق
__________
(1) 1- الشيخ موسى بن أبي جابر : من بني ضبة من سامة بن لؤي من الطبقة الثانية من
علماء عُمان. كشف الغمة 223 .
(2) 1- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/766 - 2913 ، أخرجه النسائي
7/61 ، ورواه أيضاً أحمد في المسند 3/128 ، 199 ، 285 إسناده حسن.
(3) 2- السنن الكبرى للبيهقي 7/81 ، وقال : أخرجه ابن ماجة رقم 1861 وقال :
حديث مرفوع (وأنتق أرحاماً).
(4) 3- أخرجه أبو داود رقم 2050 في النكاح، والنسائي 6/65 - 66 ، في النكاح
باب كراهية تزويج العقيم، وإسناده حسن وله شاهد عند أحمد من حديث أنس
وصححه ابن حبان رقم 228 . (7/18)
صفحة 959
دساس»(1) ، وفي خبر : لا تضعوها إلا في الأكفاء.
مسألة
و قال - صلى الله عليه وسلم - : «سوداء ولود خير من حسناء عاقر»(2) ، وقال
معاذ(3) رحمه الله : عليكم بالأبكار، فإنهن أكثر حياء وأقل دهاء.
مسألة
[ طلب الغنى بالزواج ]
وعن عمر رضي الله عنه : ما رأيت أعجز ممن يلتمس من غير الباءة، بعد قوله تعالى : { إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله } (4) .
مسألة
[ ما يكره التزوج بهن ]
وكره - صلى الله عليه وسلم - تزويج الرتقاء(5) ، الزرقاء البذية ، والطويلة المهزولة ، والحيزبون المدبرة ، والقصيرة الذميمة ، وذات السبل من غيره وهو الربيب ، وفي
الحديث أن رجلاً شاور حكيماً في التزويج، فأمره به، ونهاه عن ذات
__________
(1) 4- أخرجه ابن ماجة 1/632 رقم 1968 عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
رضي الله عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء
وأنكحوا إليهم».
(2) 5- هنا الحديث روي بروايات متعددة وهنا جزئية من حديث أخرجه أبو داود
2/539، والترمذي 4/502 والترغيب والترهيب 3/45، والسنن الكبرى 7/79،
وفيه «لا تتزوجوا النساء لحسنهن.. ولأمة سوداء خرقا ذات دين أفضل».
(3) 1- معاذ : بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ... أبو عبد الرحمن الأنصاري
الخزرجي. أسلم وعمره ثماني عشرة سنة وكان من السبعين الذي شهدوا العقبة
الثانية من الأنصار وكان أحد الثلاثة الذين كسروا أصنام آلهة بني سلمة. وقد
آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين معاذ. حضر بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - . ولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمن إلى أن توفي - صلى الله عليه وسلم - . التحق بجيش الشام وتوفي
في طاعون عمواس وقبره مشهور. انظر القضاء في صدر الإسلام للمحقق
ص86 - 90 .
(4) 2- سورة النور آية 32 .
(5) 3- الرتقاء: عيب من العيوب الجنسية التي يفسخ بها الزواج. (7/19)
صفحة 960
الجمال البارع، وقال له : إنه مرعي(1) .
مسألة
[ مما خلق الرجل، والزواج بالحرائر ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «خلق الرجل من التراب وهمته في التراب، وخلقت المرأة
من الرجل وهمتها في الرجل»(2) . وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «من أراد أن يلقى الله طاهراً فليتزوج بالأحرار»(3) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : «شرار أمتي عزابها وأمواتها عزابها،
والمتزوجون أولئك المبرؤون المطهرون من الخناء»(4) .
مسألة
[ صفات الزوجة الصالحة ]
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «خير نسائكم المطيبة الطعام، إذا أنفقت أنفقت بمعروف، وإن أمسكت أمسكت بمعروف، تلك عمالة من عمالة الدنيا فلا تخيب ولا تندم»(5) ، وقال : «عليكم بذات الدين والأمانة فأنكحوهن»(6) .
مسألة
[ كيفية وصف المخطوبة ]
ويكره للرجال إذا خطب امرأة أن يتوصف محاسنها، إلا أن يقول عينها حسنة، وأنفها حسن، وهي تامة البدن، وما سوى ذلك مكروه.
مسألة
[ ألفاظ النكاح، وأفضل النساء ]
وجائز للرجال النظر(7) لمن يحل له تزويجها من المرأة إذا رام تزويجها،
وقال : إذا رام أحدكم تزويج بضة، وتيسر له النظر إلى وجهها فيستحب
__________
(1) 4- كنز العمال 16/302 رقم 44595 . الفردوس للديلمي عن زيد بن حارثة. =
(2) = الشهرة : الطويلة المهزولة. الهجرة : الزرقاء البذية، النهبرة : القصيرة الذميمة،
الهيدرة : العجوز المدبرة.
1- لم أعثر عليه بهذا النص.
(3) 2- الحديث أخرجه ابن ماجة 1/598 رقم 1862 .
(4) 3- انظر كنز العمال 16/277 أرقام 44447 ، 44448 ، 44449 عن أبي هريرة
وعن عطية بن بسر مسند أحمد. ومسند أبي يعلى والطبراني في الأوسط.
(5) 4- الحديث بهذا النص لم أعثر عليه ولكن له شواهد.
(6) 5- وردت أحاديث كثيرة منها ما ذكره المصنف.
(7) 1- لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ا«ذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكم»، حديث صحيح،
وغيره من أحاديث تحث على النظر. (7/20)
صفحة 961
له، فإنه يورث المحبة والاتفاق، ويقال للنكاح البضاع والجماع والنكاح والغشيان والسر والملامسة، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أعظم النساء بركة أحسنهن
زوجاً، وأرخصهن مهراً»(1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تنكح المرأة لثلاث : للمال والجمال والدين، وعليكم بذات الدين»(2) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - :«من أعطي ثلاثاً فقد أعطي خير الدنيا والآخرة : خدن ناصح، ولسان لذكر الخير جانح، وامرأة تسعى لفعل المصالح»(3) .
مسألة
[ وصية الأم لابنتها ]
ولما أن تزوج الحارث بن عمرو الكندي ملك كندة بابنة عوف بن
محلب الشيبانية، وكانت ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، فلما
زفت إليه دخلت عليها أمها فقالت لها : يا بنتي إن الوصية لو تركت
لفضل في عقل أو أدب، أو مكرمة في حسب لتركت ذلك وزويته
عنك، ولكن الوصية تذكرة للغافل، يا بنتي لو استغنت المرأة عن الرجال
لكثرة مالها، لكنت أغنى الناس عنه، لغنى أبيك وأمك، ولكن خلق
النساء للرجال كما خلقوا لهن. يا بنية إنك فارقت العش الذي منه
خرجت، والوكر الذي فيه درجت، وصرت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين
لم تألفيه، فأصبح لأمرك مالكاً، كوني له أمة يكون لك عبداً مطيعاً،
واحفظي مني خصالاً عشراً تكن لك حظاً وذخراً. فأولها والثانية
فالصحبة له بالقناعة، والمتابعة له بحسن السمع والطاعة، فإن بالقناعة
تستوجبين ثمرة القلب، وبالسمع والطاعة يكون رضا الرب. والثالثة
والرابعة فالاحتفاظ لبيته وماله، والرعاية لجسمه وعياله، فإن الاحتفاظ
__________
(1) 2- انظر كنز العمال 16/291 رقم 44533 ، 16/293 رقم 44544 ..
(2) 3- وردت أحاديث كثيرة منها ما ذكره المصنف كنز العمال 16/44601 وقال :
أخرجه أبو يعلى في مسنده وابن حبان، وعبد بن حميد، والدارقطني، والحاكم
في المستدرك وسعيد بن منصور والعسكري، والمشهور تنكح المرأة لأربع...
(3) 4- معنى الحديث صحيح ولكنني لم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتمدة بهذا النص. (7/21)
صفحة 962
بالبيت من حسن التدبير، والرعاية للعيال من حسن التقدير. والخامسة والسادسة فالتعهد لموضع أنفه وعينه، لئلا تقع عينه منك على قبيح ولا
يشم أنفه منك إلا أطيب الريح. والسابعة والثامنة فالتفقد لوقت طعامه،
والهدوء عند وقت منامه. فإن الجوع في الجوف ملهية، وتنغيص النوم
معصية. والتاسعة والعاشرة فإياك أن تفشي له سراً، أو تعصي له أمراً،
فإنك إن أفشيت سره أوغرت صدره ومتى عصيت أمره لم تأمني
غدره، وإياك أن تخبريه كذباً، أو تغتابي عنده أحداً. وإياك والغيرة في
غير أوقاتها فإنها مفتاح الطلاق، وإياك والمعاتبة فإنها تدعوا إلى البغضة
والمجانبة. وكوني له أطوع من نعليه تحت قدميه، والتقي الترح إذا كان
فرحاً، والفرح إذا كان ترحاً. واعلمي أنك لم تصلي إلى ذلك حتى
تؤثري هواه على هواك ورضاه علي رضاك، والله يختار ذلك ويكلؤك،
وأبوك القائل ليلة دخلوا له في شعر :
خذ الصفو مني ستديمي مودتي ولا تنطقي في سوأتي حين أغضب
فلا تنقريني نقر الديك مرة فإنك لا تدرين كيف المغيب
فإني رأيت الحب في الصدر والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
فقيل أنها حفظت وصية أمها كاملة، وكانت ذات عقل راسخ إلى أن توفيت عنده، وقيل أن الحارث بن عمر مات بعد موتها بثلاث أيام، بعد أن رزقه الله منها تسعة أولاد ذكور كلهم، ملكوا بعده.
مسألة
[ الإسلام يجب الجاهلية ]
ومن زنى بامرأة في الشرك فله تزويجها إذا تحنفا كلاهما، وإذا وطئ
لذمي قينته المصلية بالملك ومس فرجها أو رناه فقد حرمت عليه إذا أسلم،
ولا يحل له غشيانها بالملك ولا بالتزويج، وإن استكرهها، فعن أبي الحواري
أنها تعتق، وهو الأصح، وإن باعها قبل أن يلامسها أو يمس وينظر، ثم أسلم
فله مباشرتها بالنكاح أو الملك(1) .
مسألة
[ جواز التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها ]
__________
(1) 1- وذلك لقوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } فهنا لا يجوز رغم
أنها ملك له. (7/22)
صفحة 963
ويكره التعريض(1) للمطلقة ثلاثاً ، ولا بأس به للمميتة ، لقوله عز اسمه : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } (2) الآية.
مسألة
[ كيفية المواعدة والتعريض ]
والمواعدة التي نهى الله عنها أن يكلمها في نفسها، فتعده إذا انقضت
عدتها بالتزويج ، وتنعم له به، وأما التعريض فيقول الرجل : أحب أن يقضي الله بيننا وبينكم معروفاً، فتقول : ما شاء الله كان، أو تقول الله أعلم أني
أحبك أحب ذلك. وعن أبي علي رحمه الله : إذا طلب ذلك إلى غيرها أو كلمها فلم تعده، فلا ينبغي له ذلك، ولا تقول إنه حرام عليه تزويجها بغير المواعدة منها له، وأما غير أبا علي فقد شدد في ذلك، وكره تزويجها إذا
طلبها في العدة.
مسألة
[ متى يفسد نكاح القن ]
وإذا تزوج القن بغير رأي ربه فالنكاح فاسد، ولا يحل لها المقام معه، ولا يسع جهل الإنكار عليها لمن قدر وصح معه ذلك، حتى يتمه السيد قبل
الجواز، وقيل : إذا أتمه بعد الجواز ففيه اختلاف، فإن حرزه وقد عزب عليه علم تزويجها فقد انتقل الأمر إلى العبد ولا بأس.
مسألة
[ حكم زواج العبد بغير إذن سيده ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو زان، وفي خبر فهو عاهر(3) ، ومن طريق ابن عمر فهو باطل»، وقال أبو مالك : لا يجوز للسيد
أن يزوج أمته بعبده، لأنه زوج ماله بماله، وقال أبو محمد وأبو عبد الله :
يجوز ذلك، وأما الفضل فقد وقف عن ذلك، والحجة لمن أبى تزويج العبد المملوك بمملوكته أن النكاح لا ينعقد إلا بصداق، وإن كان الصداق
__________
(1) 2- التعريض : هو الكلام الذي يحتمل أكثر من معنى، معنى خفي هو المقصود
ومعنى ظاهر غير مقصود.
(2) 3- سورة البقرة آية 234 .
(3) 1- الرواية الثانية أخرجها أبو داود رقم 2078 في النكاح، والترمذي رقم 1111 ، 1112 في النكاح باب ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده. (7/23)
صفحة 964
يستحقه من أمته، وأما على عبده من دين يحمله بأمره وهو عليه، فلا يصح حق له عليه من نفسه، وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ حكم الرضى للعبد أو الأمة ]
وإذا زوج السيد عبده أو جاريته فكرها النكاح ، فليس لهما اختيار ،
والنكاح ثابت لقوله تعالى : { عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } (1) ،
وكذلك الخلع للمملوك لا يجوز إلا برأي سيده.
مسألة
[ حكم نكاح العبد سيدته ]
وإذا ملكت المرأة من بعلها شقصاً فلا يحل له نكاحه، وكذلك إن ملكته كله بطل النكاح ولا تنازع في ذلك، فأن ملكته كله وأعتقته وتزوج بها وكانت عنده على ثلاث تطليقات، وقول : تطليقتين، وحجتهم في بطلان نكاح العبد لسيدته في الأمرين وتضادد الأحكام، لأنها لو طلبت منه الإنفاق
إذ هي عرسه، وطلب هو منها ذلك لحكم الرق لها، أو يقول سافري معي إذ أنت عرسي، وتقول هي سافر أنت معي لصحة ملكي فيك، فلما تنافت الأحكام بطل أضعف الأمرين وهو النكاح.
مسألة
[ تخير الحرة بعد الزواج بالأمة ]
وإذا تزوج الرجل مملوكة على زوجته الحرة، واختارت نفسها طلقت وخرجت منه، وإن باشرها بعد العلم فلا خيار لها، وقيل : تخرج بلا
طلاق، وتبين بتطليقة، فإن رام مراجعتها فبتزويج جديد ومهر وولي
وشاهدين، وتكون عنده بتطليقتين.
مسألة
[ حكم زواج الزاني من الزاني بها ]
وقال الله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } (2) ، وقيل : المحدود على الزنا لا ينكح إلا محدودة على الزنا وبالعكس مثله. وهي غير التي زنى
بها، ولا يجوز له تزويج من زنى بها ولو حدا جميعاً.
مسألة
[ حكم الزواج بمن علم زناها ]
ولا يحل لمسلم أن يتزوج بمن علم زناها من النساء ولو لم تحد على الزنا، وإنما يجوز له تزويج محدودة وقد عزب عليه علم لزنانها ولم يعاين.
مسألة
[ قول عائشة رضي الله عنها في زواج الزناة ]
__________
(1) 1- سورة النحل آية 75 .
(2) 1- سورة النور آية 3 . (7/24)
صفحة 965
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان ما اجتمعا. رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) .
مسألة
[ حكم زواج المتعة ]
وروي عن البر بن عازب(2) أنه قال : أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها
فهما زانيان أبداً. ومثله روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : الزانية الكتابية جائز أن ينكحها زان من أهل الصلاة أو مشرك من أهل دينها،
وحرم ذلك على المؤمنين(3) . قال الله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } (4) ، وذلك في أول الإسلام أحل لهم النبي
عليه السلام أحل لهم نكاح المتعة، فيتزوج الرجل المرأة على مهر معدود
لأيام محدودة، فإذا تم الأجل وشاءته زادها مهراً وزادته أياماً، وقال بعض الفقهاء: إن آية الطلاق والميراث نسخت المتعة(5)
__________
(1) 2- وهذا قول جميع أئمة الإباضية ونقل عن ابن مسعود وعائشة والبراء بن عازب،
وعلي وأبي هريرة وجابر بن عبد الله والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم
النخعي. انظر فقه الإمام جابر بن زيد ص2/387 .
(2) 1- البراء بن عازب : بن الحارث الفقيه الكبير أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني
نزيل الكوفة من أعيان الصحابة روى حديثاً كثيراً، وشهد عزوات كثيرة مع
النبي - صلى الله عليه وسلم - واستصغر يوم بدر وقال : كنت أنا وابن عمر لدة، روى عن أبي بكر
الصديق رضي الله عنهم مسنده 305 أحاديث، توفي سنة 72هـ . سير أعلام
النبلاء 2/194 - 195 ، رقم 39 .
(3) 2- أخذاً من قوله تعالى : { والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك، وحرم ذلك
على المؤمنين } سورة النور آية 3 .
(4) 3- سورة النساء آية 24 .
(5) 4- نكاح المتعة : مختلف فيه لدى الفقهاء فجمهور الأمة يقولون بالتحريم من
الصحابة والتابعين وأتباعهم منهم الفقهاء الأئمة الأربعة وأتباعهم. ويقول
بالتحليل الشيعة الإمامية وقول في المذهب الإباضي كما هو ظاهر من النص.
والمعمول به في المذهب التحريم. انظر كتابنا بناء الأسرة المسلمة على ضوء الفقه
والقانون 44 - 49 . (7/25)
صفحة 966
، وقيل : إنها ليست
بمنسوخة وإنها حلال جائز العمل بها وهو رأي أبو الحواري ونبهان ومحمد
ابن محبوب رحمهم الله.
مسألة
[ أحكام زواج المتعة ]
عن نبهان عن سليمان بن سعيد عن أبي صفرة أنه قال : لو أجد تزويج متعة لتزوجت، وتزويج المتعة بولي وشاهدين، ويسميان أجلاً يتفقان عليه
وإن مات أحد الزوجين بالمتعة توارثا، وإن طلق وقع الطلاق، وإذا طلق أو انقضى الوقت فعليها عدة المطلقة، وإن مات في أيام الزوجية فعليها عدة
الوفاة، وأحكام المتعة في أيام الزوجية كأحكام الزوجية حذو النعل بالنعل، وقيل أن أحكام المتعة منسوخ حرام، وأنه - صلى الله عليه وسلم - حرم ذلك بعد خروجه من
مكة بثلاثة أيام ونهى عنها أشد النهي(1) .
مسألة
[ المحرمات بالنسب والمصاهرة ]
وما نكح الآباء حرام على الأبناء وبالعكس ولو لم يجز، ورفع الأبناء عطف على الآباء، وحرام تزويج الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والأم من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، وحرام تزويج البنت إذا دخل بأمها ، وإن لم يدخل فلا بأس،
وحرام حلائل الأبناء على الآباء، وحلائل الآباء على الأبناء ولو لم يدخل، وحرام الجمع بين الأختين إلا ما قد سلف وقبل التحريم، وقول : وما قد
سلف فهو محرم وحرام بالنص(2) .
مسألة
[ أحكام الربيبة ]
ولا يجوز تزويج الربيبة إذا جاز بأمها، وكذلك لا يجوز تزويج ابنة
__________
(1) 1- ثبت تحريم المتعة من قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم
القيامة، ومن كان أعطى شيئاً فلا يأخذه» انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 11/447 .
(2) 1- لقوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان
فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً، حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم
وعماتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم
من الرضاعة... } سورة النساء 22 - 23 . (7/26)
صفحة 967
الربيبة لأنها بنت، وما نجلته فهو مثلها. ولا يجوز تزويج بنت الربيب.
وأصل الربيبة مربوبة فصرف عن مفعوله إلى فعله فعيله.
مسألة
[ العقد على البنات يحرم الأمهات والعقد على الأمهات لا يحرم البنات ]
ومن تزوج امرأة ولم يدخل بها فلا يتزوج بأمها، لقوله تعالى:
{ وأمهات نسائكم } (1) جاز أو لم يجز إذا وقع عليها اسم زوجته، وإن تزوج الأم ولم يجز جاز له تزويح البنت، لقوله تعالى : { وربائبكم اللاتي
في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن،، فإن لم تكونوا دخلتم بهن
فلا جناح عليكم } (2) .
مسألة
[ ما يحرم بالعقد ]
عن أبي علي رحمه الله : ومن ملك امرأة فماتت قبل الجواز فورثها فله تزويج ابنتها، ومن تزوج امرأة فمات قبل الجواز فلا يجوز لابنه تزويجها(3) .
مسألة
[ حكم نكاح زوجة الجد ]
وكره محمد بن محبوب تزويج امرأة الربيب وقد دخل بها الربيب،
وقال أبو الحواري رحمه الله : إن تزوج امرأة الربيب غير حرام، وللربيب
أن ينكح ما نكح زوج أمه، قال أبو محمد : لا يتزوج الرجل امرأة تزوج
بها جده أبو أمه، لأنه من آبائه.
مسألة
[ ما يكره الجمع بينهما ]
ويكره تزويج ما نكح زوج الأم. ويكره الجمع بين الزوجة وربيبتها، وقد فعل ذلك بعض الفقهاء، فلم ينكر أحد عليه.
مسألة
[ ما يحرم على الآباء والأجداد ]
عن أبي الحواري : حرام تزويج ما نكح الأجداد ، و أب الأب و أب الأم
سيان(4) . ومن نظر كين امرأة عمداً أو مسه، حرم عليه نكاحها أبدا، وقول : لا يفسدها إذا لم يكن لشهوة، ولو تعمد لنظر كينها أو مسه، والأول أصح.
مسألة
[ أثر النظر إلى فرج الأجنبية ]
ومن مس دبر امرأة فقد كره له تزويجها بعض الفقهاء من غير تحريم،
__________
(1) 2- سورة النساء آية 23 .
(2) 3- سورة النساء آية 23 .
(3) 1- لأن المحرمات من النساء : تحرم الأمهات بمجرد العقد على البنات وتحرم البنات
بعد الدخول بالأمهات.
(4) 1- في الأصل زيادة وقيل : شتان، والأصح سيان يجمعها الأبوة. (7/27)
صفحة 968
ومن مس دبرها ثم طلقها فعليه نصف الصداق، ولم أدره كالكين وهو
القبل. ومن رنا فرج امرأة خطأ فنظر الشتق فغض فلم يعده، فلا بأس عليه بتزويجها، وإن أعل النظر، وفي الأصل على الخطأ ولم يغض فلا يتزوجها،
لأنهم قالوا النظرة تورث الشهوة وتنتج الحسرة. والنظر لغير الفرجين لا
يحرم النكاح، ولو تعمد، وإنما هو مأثوم إذا نظر ما لا يحل له النظر إليه من أبدان النساء، وعليه التوبة والاستغفار.
مسألة
[ على ماذا يطلق الفرج ]
والفرج اسم لجميع العورات من الرجال والنساء، والقبل وما حوله
فرج. ومن نظر كين بضة بالنهار أو ليلاً أو في الماء نهاراً عمداً، فلا
يتزوجها، وقد بلغنا ذلك عن الوضاح بن عقبة عن علي بن عروة، وينتقض وضوءه وصوم يومه.
مسألة
[ حكم النظر إلى فرج المرأة في الماء ]
ومن ملك امرأة فرنا فرجها في الماء ثم طلقها، فلها نصف الصداق
كاملا، وقيل : من نظر فرج امرأة ليلاً فلا يحرم عليه نكاحها، قمراً كان أو ظلاماً. وحد الليل غيبوبة الشفق إلى الفجر، لأن الله تعالى جعل الليل لباساً
ولم يخص قمراً من ظلام.
مسألة
[ أثر النظر إلى فرج الربيبة ]
ومن نظر فرج امرأته أو ربيبته الصغيرة عمداً لشهوة، فسدت عليه امرأته.
مسألة
[ أثر من مسح فرج المرأة الأجنبية ]
ومن مس فرج امرأة بيده أو بعرده من فوق الثوب لشهوة، فيكره له تزويجها من غير تحريم، ولا أحب له تزويجها على هذه الصفة.
مسألة
[ حكم من رنا فرج الأجنبية ]
ومن رنا فرجاً أو مسه فلم يشعر، خطأ كان أو عمداً، فمختلف فيه والأصح أنها لا تحرم على الشبهة حتى يعلم أنه تعمد لذلك، ومس ظاهر
الكين فلا بأس به حتى يمس الباطن. ومس الدبر على العمد فيه اختلاف.
مسألة
[ أثر مس فرج المرأة ببعض الجوارح ]
ومن مس فرج امرأة ببعض جوارحه دون اليد والذبذب ، ثم تابا فلم أر
له تزويجه.
مسألة
[ أثر من مس بالخشبة ] (7/28)
صفحة 969
قال أبو محمد : من مس فرج امرأة بيده أو بخشبة، فكله سواء، ويكره تزويج من مس فرجها بخشبة، وإن مس بقدمه فرجها جاز له أن ينكحها.
مسألة
[ من مس فرج الصبية لشهوة ]
ومن مس كين صبية لشهوة حرم عليه تزويج أمها، وإن همت امرأة أن تتردى من أرعن أو تصرع من دابة فالتقاها رجل بيده، فوقعت على فرجها، فلا أحب له تزويجها. ومن مس فرج صبية لغير شهوة، فلا يحرم عليه تزويجها.
مسألة
[ أثر مس المرأة ذكر الرجل على التحريم ]
وإذا مست المرأة جردان رجل بيدها فلا يحرم عليه نكاحها إذا لم
يطاوعها، لأن المرأة غير مس الرجل ، وإن انتبه وهو ناعس فمست بكينها
عرده، فلما استيقظ دفعها عن نفسه، فلا يتزوجها. وإذا مست امرأة ذكر رجل حتى سال شبره نطفة، فالسلامة من تزويجها أسلم.
مسألة
[ أثر اللواطة في النكاح ]
عن أبي عثمان أنه لم ير مس الخرد كمس الرجل. وقال أبو عبد المقتدر
أن موسى يقول : مسها كمسه. قال أبو عبد الله محمد بن عيسى(1) :
وفي مس المرأة عرد الرجل من فوق ملاءته فيه اختلاف، منهم من قال :
مسها ومسه سيان، وقال قوم : شتان. ومن رنا فرج أبوا امرأته أو مسه،
فلا بأس عليه في امرأته، وليس هو كأمها وإن باشر قد فسدت عليه امرأته وهي ابنة الذي وطئ. وإن لاط رجل رجلاً، فلا يحل له تزويج ابنته،
ويجوز للمنكوح أن ينكح ابنة اللائط، وبالعكس حرام، وللائط نكاح
أخت اللائط.
مسألة
[ حكم النظر إلى دبر أم الزوجة ]
ومس كين امرأة خطأ أو عمداً ، حرمت عليه امرأته ، ورخصوا في الخطأ،
__________
(1) 1- أبو عبد الله محمد بن عيسى : بن محمد بن جعفر السري النزوي، تقلد
القضاء للإمام راشد بن علي بن سليمان بن راشد في القرن الخامس الهجري،
وكان شديداً في ذات الله. توفي مقتولاً في الطريق المتجه من برج القرن إلى
الغنتق الواقع بين المقبرة الغربية والمقبرة الشرقية ولم يعلم قاتله. عن مجلة نزوى
عبر الأيام ص111 . (7/29)
صفحة 970
ولا تفسد عليه امرأته النظر إلى دبر أمها وإذا رنا الأب ركب زوجة ابنه، فلا تحرم عليه زوجته، لأنها ذات محرم منه، ويحرم على الأب ذلك.
مسألة
[ ما يؤدي إلى حرمة الصبية على غيرها ]
ونظر الولد كين أمه لا يحرمها على أبيه، وعن موسى بن علي رحمه الله : وإذا مس فرج صبية لشهوة أو لغير شهوة أو ماله بذبذه، فلا نرى بأساً عليهما ما كانا صبيين، وحد الصبا بلوغها. وعن بعض الفقهاء : إذا ولج الصبي أيره في كين صبية فلا يتزوجها، وقال أبو الحواري : ولو ولج فلا تحرم عليه، وهو رأي أبو المؤثر وغيره من الفقهاء، وهو الأصح.
مسألة
[ أفعال الصبي والصبية ]
ولم يجز محمد بن محبوب نكاح الصبيين إذ قضى إليها وأولج في حال صباها، وقال أبو معاوية : إذا تزوجها لم نقل حراماً، لأنهما لم يجز عليهما
تعبد شيء من الأحكام، وقد رفعت عنهما الأقلام، وجائز له تزويجها
وتزويج ابنتها.
مسألة
[ ألفاظ عقد النكاح ]
و قول : المزوج قد أخطبت يثبت التزويج لقوله تعالى : { ولا جناح
عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } (1) ، وكذلك قوله : { قد
ملكت } يوجب التزويج لقوله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : { وما ملكت
يمينك } (2) وكذلك قوله قد نكحت يوجب التزويج، لقوله تعالى : { إذا نكحتم المؤمنات } (3) . ومن قال : تزوجت ثبت النكاح لقوله تعالى :
{ أمسك عليك زوجك } (4) وقال : { تبتغي مرضات أزواجك } (5) آكد، وإن بدأ باسم المرأة قبل اسم الرجل فلا بأس، وهو رأي محمد بن محبوب
رحمه الله(6) .
مسألة
[ صيغ النكاح ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 235 .
(2) 2- سورة الأحزاب جزء من آية 50 .
(3) 3- سورة الأحزاب جزء من آية 49 .
(4) 4- سورة الأحزاب آية 37 .
(5) 5- سورة التحريم آية 1 .
(6) 6- لهذه الآيات قال فقهاء الشافعية والحنابلة : لا يجوز عقد النكاح إلا بلفظ
زوجتك وأنكحتك لورودهما في كتاب الله. (7/30)
صفحة 971
وإذا قال : قد تزوجت فلانة بنت فلان، ومن قال : قد زوجت فلاناً من فلان، فقد جاز، والمأمور به أن يأتي بلفظة الباء دون من. ولا يحل النكاح بشهادة اثنين أحدهما الولي، ويجوز بولي وشاهدين وناكح ومنكوح.
وإن كان الولي هو العاقد، قد جاز. كان أبو محمد رحمه الله إذا زوج
امرأة لا يعرفها ولا يعرف وليها ، قال للولي : قد زوجت فلانة بنت فلان
بفلان ابن فلان، ويقول الولي : نعم قد زوجته إياها، ثم يقول للمتزوج :
قد قبلت؟ فإذا قال نعم قد قبلت، استفهم بالقبول ثانية، وإنه شاهد عليه
هو والجماعة الحاضرون.
مسألة
[ صيغة القبول ]
وإذا قال المزوج للشاهد : اشهدوا بأني قد زوجت فلان ابن فلان بفلانة بنت فلان، على صداق وهو كذا، فقال المزوج : نعم، لم يكن هذا قبول
منه للتزويج، حتى يقول : نعم قد قبلتها ونعم قد تزوجتها.
مسألة
[ حكم زواج أربعة في عقد واحد ]
وجائز للولي أن يزوج رجلاً أربع نسوة في عقد واحد، وإن قال الزوج
قد قبلت فلانة غير التي زوجه بها، بطل قبوله لمن لم يزوجه بها.
النهج الثالث والأربعون
في نكاح العنين(1) والرتقاء(2) والسكران
مسألة
[ أحكام العنين ]
ومن نكح امرأة فعجز عن مباشرتها لعنة به، أو ذهب باهه أجل سنة، فإن قدر على جماعها فهي زوجته، وإن مضت السنة ولم يصلح نفسه خرجت
منه بمهرها، ورب تام بما رني أو مس من كين، لأن العجز جاء منه. واتفق
جل العلماء : إن رامت المرأة الفراق حكم عليه به، لأن النكاح ينفسخ
__________
(1) 1- العنين : الاسم منه العنة، وهو الذي لا يقدر على إتيان النساء وامرأة عنينة لا تشتهي الرجال. المصباح المنير 2/517 .
(2) 2- الرتقاء : رتقت المرأة رتقاً : من باب تعب فهي رتقاء إذا انسد مدخل الذكر من فرجها فلا يستطاع جماعها. وهذه الحالة تعالج طبياً وتعود الرتقاء لزوجها بعد المعالجة. انظر المصباح المنير 1/259 . (7/31)
صفحة 972
بالعنة. وهكذا ورد عن بعض الصحابة والخلفاء، أنه حكم بذلك، وقالوا : إنه يؤجل سنة لشرط عدم استطاعته المباشرة وخلو البرهة.
مسألة
[ حكم ابتلاء أحد الزوجين بعاهة ]
و للمرأة ما للرجل إذا اعتراه مثل ذلك ، فلها رده إن كرهته ، وقيل:
الجواز إن شاءت، وليس لها مهر. وإن ابتلي بعاهة كالجذام وغيره، فرضيت
به وعاشرته، ولو قلت المدة، فلا يحكم لها بالخروج منه، إلا أن يرضى
ذلك، وهي آثمة. وإن خافا أن يقضي الله في الإساءة وإقامة حدود الله، فلا جناح عليهما فيما افتدت به.
مسألة
[ ادعاء الزوجة أن زوجها عنين ]
وإذا ادعت الزوجة أن زوجها ذو عنة، فأنكر، فالقول قوله مع البينة يمينه، وإن صدقها أجل سنة كما قد سبق.
مسألة
[ أحكام العنينة من النساء ]
واختلفوا في خروج زوجة العنين منه، قول : بغير طلاق، لأن النكاح باطل، والأصح بطلاق. واختلفوا أيضاً في الصداق، قال بعضهم : لها
صداقها بما نال من مس أو نظر إلى الفرج، وقول : لها نصف الصداق لعدم مباشرته لها. وإن ماتت عرس ذي العنة في المدة ورثها، وإن مات ورثته، ما
لم يفرق بينهما. وإن شاءت المقام معه فذلك إليها. والعنينة من النساء هي
التي لا تشتهي البضاع.
مسألة
[ عجز الرجل عن غشيان المرأة ]
ومن تزوج امرأة فاعتامها بنكاحه ولو مرة ثم عجز، فليس لها الخروج
منه، ولا يحكم بتطليقها، ولو أقر بالعجز. وإن عجز الزمن عن غشيان
عرسه، فلا خيار لها، ويروى عن أبي علي رحمه الله تعالى أنه قال : أيما
امرأة ابتليت فلتصبر.
مسألة
[ الزواج من الرتقاء ]
ومن تزوج امرأة فجاز فارتقت واختلطت، فهي امرأته، فإن شاء طلقها وأعطاها صداقها، وإن شاء أمسكها، وإن مات أحدهما قبل الآخر توارثا.
مسألة
[ حكم الجماع عند اتصال القبل والدبر ]
وإذا اختلط قبل المرأة ودبرها، فلا يجوز لزوجها سرها، وجائز لزوج الرتقاء أن يقضي شهوته منه حيث شاء، سوى الدبر وهي زوجته.
مسألة
[ حكم زواج وطلاق السكران ] (7/32)
صفحة 973
ولا يجوز تزويج السكران وهو منفسخ ما لم يجز، فأن جاز ثبت، ولها كصدقات نسائها، ومن احتج بتزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بخديجة(1) رضي الله عنها،
و أن وليها كان سكران ، فقد قيل: إنه لما صحي و أخبر قال : إنه كفؤ كريم،
وأثم. قال أبو محمد : لم أعلم أن أحداً أجاز تزويج السكران ولا بيعه ولا شراءه، ولم أعلم وجه من فرق بين نكاحه وطلاقه من أصحابنا(2) ، مع استواء حكم الكل، وقالوا : إن الأعمال لا تصلح إلا بنية، والسكران لا نية معه.
مسألة
[ وصف السكران الذي لا يزوج ]
والسكران الذي لا يجوز تزويجه هو الذي لا يفيق من نشوه، فإن جاز
جاز ولها كأوسط نسائها.
مسألة
[ حكم تزويج من به نشوة ]
وقيل : إن تزويج الناشي تزويجاً، وإن زاد فوق الصداق بطلت الزيادة، وهذا لعله فيمن يفيق لا كالميت(3) .
مسألة
[ أحكام في عقد النكاح ]
والمرأة الثملة إذا رضيت بالتزويج بعد أن أفاقت ثبت عليها، لأن النكاح
شبهوه بالبيع يجب به البدل، وإذا عقد على نفسه عقداً مجهولاً لم يلزمه إذا
كان مجراه مجرى البيع، فإن صحا ورضي لزمه العقد. عن الفضل ومحمد
__________
(1) 1- خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي: وهي أول امرأة تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة وكان عمره - صلى الله عليه وسلم - 25 سنة. عرف عنها الفضل والكرم والمواساة
لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - . أنجب منها فاطمة وأم كلثوم ورقية وزينب رضي الله عنهن.
(2) 1- الاحتجاج هنا في غبر محله لأن الحادث - الزواج - حصل في الجاهلية
وتصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه لا تكون حجة في الأحكام. وهنا تصرفات
السكران بعد تحريم الخمر، وهنا المسألة مختلف فيها عند العلماء. انظر
ظاهرة المخدرات للمحقق.
(3) 2- هنا القياس على المريض مرض الموت فتصرفاته موقوفة غير جائزة. (7/33)
صفحة 974
بن محبوب : تزويج الناشي(1) لا يجوز، فإن جاز لزمه المهر، وإن رام المقام
بعد الصحو فلا بأس، فإن قيل : أو ليس أول نكاحه فاسد؟ قلنا : بلى ولكن أرأيت لو أن صبياً تزوج امرأة فباشر ثم بلغ ورضي، هل يجوز نكاحه؟ قال نعم، فإن قيل : مكان السكران سكرانة وانتبهت بعد الصحو والوطء، قال:
لا يجوز، فإن قيل : لم لم يجعلوه كمن لا عقل له كالصبية والصبي، قال:
هذا لم يلزم، ذلك أن تزويج الصبية جائز بلا رضى مخصوص بالسنة
والبالغ مستثنى رضاها بالسنة، وهو تزويجه بعائشة رضي الله عنها، وقوله
- صلى الله عليه وسلم - : «البالغ تستأمر في نكاحها»(2) .
مسألة
[ رضى السكران لا يعتبر رضى ]
وإذا خامر المرأة ترف فنكحت برضاها بطل النكاح، لأنها لا رضى لها حتى تصحو، ولو جاز الزوج بها، فإن رضيت بعد الصحو ثبت النكاح،
قال الشيخ أبو سعيد : وإن جاز بها فسدت عليه، ولها صداق مثلها، لأن
رضى المترف ليس برضى.
مسألة
[ وجوب المهر على المستكره للمرأة ]
والصبي والمجنون إذا استكرها امرأة حتى باشراها فعليهما العقر نشبهما، وقيل : على عشيرتهما وذلك إذا بلغ ما يلزم العشيرة من قيمة خمس من
الإبل، وكذلك ما أكلاه في بطنيهما أو أتيا بفرجيهما فهو في ماليهما
خاصة، وهو رأي أبو الحواري رحمه الله.
مسألة
[ إذن السيد للعبد في التسري ]
وإذا أذن السيد لعبده في شراء جارية ويتسراها فليس له ذلك،
ولا تحل الفروج إلا بالنكاح أو الملك، وليس للملوك ملك ولا ميراث
إذ هو عبد شفلح.
مسألة
[ حكم إيلاج أنمل المستكره ]
ومن استكره بكراً أو ثيباً حتى أولج أنمله والج كينها، فإن افتض البكر
__________
(1) 1- الناشي : المنتشي بما شرب من الانتشاء.
(2) 2- أحاديث الاستئذان كثيرة وكلها معنى واحد وإن اختلفت الروايات فمنها : «الأيم
أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 11/460 - 465 أرقام 9008 - 9015 . (7/34)
صفحة 975
فعليه مهرها، وإن لم فعليه التوبة. وأما الثيب فلا شيء عليه سوى التوبة،
وعليه العقوبة من سوء الصنيعة وهو خسيس المنزلة، جرى بالعقوبة فيمن
بخسه المنزلة.
مسألة
[ حكم تداخل حالات الاستكراه ]
ومن زنا بامرأة طائعة ثم أرادها فكرهت فأكرهها فلا عقر لها في حال
مطاوعتها السابقة، وأما في الاستكراه العقر للحرة ولا تبطل عند مطاوعتها السابقة عقرها في الاستكراه، واختلفوا في صداقها إذا استكرهها مرة بعد
مرة، قول : لها صداق واحد ما لم يكن سلم لها الصداق الأول، والحجة في ذلك لو أن رجلاً شهد عليه أربعة أنه زنى بامرأة من بعد مرة لم يلزمه إلا
حد واحد، ما لم يقم عليه الحد قبل ذلك، وقال الآخرون كما استكرهها
لزمه صداقها.
مسألة
[ حكم من مس فرج امرأة مكره ]
ومن استكره امرأة حتى مس فرجها أو رناه أي مستحقاً فلا صداق عليه بكراً كانت أو ثيباً، وإن كانت الفاعلة امرأة فالجواب فيهما سيان، وتلزمهما التوبة، وقميتان بالأدب والعقوبة.
مسألة
[ حكم استكراه الذمي للمصلية ]
وإذا استكره الذمي مصلية أخذ من ماله عقرها، ولا عقر لها إن طاوعته.
مسألة
[ حكم استكراه الذمي أمة مسلمة ]
وإن استكره الذمي قينة المصلية فمس فرجها أو رناه، فقيل : إنها تعتق، وهو الأصح.
مسألة
[ لا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من أربعة ]
واجتمعت الأمة على حضر تزويج أكثر من أربع نسوة، وقد وردت
السنة بذلك، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : «من أسلم وتحته أكثر من أربعة نسوة فليختر منهن أربعاً»(1)
__________
(1) 1- روي بطريق آخر : عن سالم عن أبيه رضي الله عنه أن غيلان بن سلمة أسلم وله
عشر نسوة فأسلمن معه، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخير منهن أربعاً. رواه أحمد
والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم، وأعله البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم. (7/35)
صفحة 976
، ولا يجوز تزويج الرجل بخامسة وعنده أربع، ولا يجوز أن يتزوج أخت مطلقته حين تنقضي عدة المطلقة، وإن أبان الزوج زوجته ثلاثاً وخرجت منه بحرمة، ففي تزويج أختها اختلاف، والأصح عدم الجواز.
مسألة
[ حكم من تزوج خمس نساء ]
وإذا تزوج الرجل خمساً حرمن عليه معاً، وأما رام تزويج خامسة طلق أحد الأربعة، ومكث حتى تنقضي عدة المطلقة، ثم حينئذ يجوز له التزويج
إن شاء.
مسألة
[ حكم الجمع بين الأختين ]
وأجمعوا أن الجمع والعقد بين الأختين باطل، والجمع بينهما قبيح عاطل لقوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } (1) .
مسألة
[ حكم التسري بالأختين معاً ]
وأجمعوا أن تسر الأختين الأمتين جائز ولا يجوز نكاحهما معاً بالملك.
مسألة
[ كفاءة المسلم ]
وعن بعض الفقهاء: إن المسلمين كلهم أكفاء ولا يرد إلا تزويج الوثني(2) .
مسألة
[ حكم نكاح الأختين جهلاً ]
ومن نكح أختين جهلاً فلم يجز بهما(3) ، فإن علم قبل جوازه فالأولى منهما زوجته والأخرى لا، إذا صح أنها أختها بشهادة شاهدين عدلين
مبرأين من الحيف والمين، وإن جاز حرمتا عليه أبداً.
مسألة
[ حكم العقد على الأختين واحدة بعد الأخرى ]
وإذا تزوج الرجل أختين كل واحدة في عقدة، وجاز بواحدة، فالأولى
زوجته جاز بها أولم يجز، لأن العقدة الأخيرة فاسدة، والتي جاز بها لها
صداقها بما نال، ومن تزوج أختين في عقدة ولم يجز فلا صداق عليه ولا
__________
(1) 2- سورة النساء جزء من آية 23 . ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن أسلم وتحته أختان: «طلق =
(2) = أيتهما شئت» رواه أحمد والأربعة إلا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم وأعله
البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم.
1- لقوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك
ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه }
سورة البقرة آية 221 .
(3) 2- الأصل : فلم يجد بها، والصواب : فلم يجز بهما. (7/36)
صفحة 977
ميراث لهما من ماله إذا هلك، ولا عدة عليها، ولا حد عليه إن كان تزويجه خطأً، وإن تعمد فالله ولي أمره، فما عندنا عليه إيجاب حد لأنهما ليستا
بذات محرم وجائز له نكاحهما على حال.
مسألة
[ نكاح المرأة على عمتها أو خالتها ]
عن أبي صفرة : من تزوج امرأة على عمتها أو خالتها حرمت الأخيرة منهما، والأصح التفريق بينهما جميعاً لا يجوز الجمع بين المرأة وابن ابنة
أخيها أو ابنة أختها، وإن ماتت جاز أخذ الأخرى، ومن جاز بخالة امرأته أو عمتها حرمتا عليه وفرق بينهما وبينه(1) .
مسألة
[ إقرار الزوج بالزوجية ]
وإقرار الزوج بالزوجية وبالعكس في الوصب جائز إذا كان غير مشتهر موضح عند الجيران وأهل المحلة، وإن لم يعرف الأمر إلا بإقرارهما في
الوصب، فإن كان بمهر فهو عليه دين ، وأما الميراث فلا يتوارثان إذا لم يكن
للهالك عصبة أو ذوو رحم إلا بالصحة.
مسألة
[ حكم الإقرار بولد الزنا ]
ومن أقر بولد من زنا فورثه ولا يدخل مع ذوي الرحم في رحمهم، ولا يزوج أخواته ولو كان من عصبة(2) أبيه. وإذا منح الذمي مسلماً أرضاً
ليزرعها فخراجها عليه، ولا يسقط منه بمنحه المسلم إياها، وليس على
المسلم خراجها.
مسألة
[ الكفاءة في الزواج ]
ولا يجوز تزويج المرأة العربية بالمولى ولا الحجام ولا الحائك ولا البقال
ولا العبد، فنكاح هؤلاء مردود ولو جاز الزوج إذا كان هو الذي يعمل بيده ولو من سالف، وإن كان يعمله أبوه فجائز ولا ينفسخ النكاح(3) .
مسألة
__________
(1) 1- نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمتها، والمرأة على خالتها. وعند
الترمذي وأبو داود : «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا
المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أخيها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى،
ولا الصغرى على الكبرى» جامع الأصول 11/494 - 495 .
(2) 1- في الأصل : من عصبة من أبيه، والصواب : من عصبة أبيه.
(3) 2- هذا يدخل في الكفاء. (7/37)
صفحة 978
[ أثر الكفاءة، وأثر الدين في الزواج ]
وإذا كانت أم العربي مملوكة فعتق فحكمه عربي، ولا يرد نكاحه ويثبت نسبه في العرب. وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «انكح ذات الدين أو دع»(1) ، وعنه
- صلى الله عليه وسلم - : «من زوج كريمته من فاجر فقد عقها(2) ، وقال عمر رحمه الله : لأمتعهن النساء إلا من الأكفاء.
مسألة
[ مسارعة الأولياء في تزويج النساء ]
وعن عمر بن الخطاب رضي الله أنه قال : يجب على الأولياء أن
يسارعوا في التزويج من يلو تزويجه إذا خطبهن من هو كفء، فإن للنساء
رغبة في الرجال كما للرجال ذلك فيهن.
مسألة
[ أهمية الرغبة والرضى في الزواج ]
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تحملوا النساء على ما يكرهن»(3) ، أيما امرأة هويت رجلاً وهوى أبوها غيره فليلحقن هواه بهواها، ولا ينبغي أن ينكح الشيخ الشابة ولا الشباب الحيزبون.
مسألة
[ ما ترد به النساء ]
ومن الجامع مما يُرد من النساء في النكاح ذات المس(4) والبرص(5)
والمخش(6) والعفل(7)
__________
(1) 3- جزء من حديث متفق عليه : «تنكح المرأة لأربع... فاظفر بذات الدين...».
(2) 1- معنى الحديث صحيح، ولكنني لم أعثر عليه بهذا النص.
(3) 2- هذا الحديث له شواهد في استئذان المرأة في النكاح وعدم الإكراه في ذلك.
انظر باب استئذان المرأة في النكاح.
(4) 3- المس : هو نوع من تلبس الجن بالإنسان، أو نوع من الصرع.
(5) 4- البرص : مرض جلدي يغير جلد المريض من اللون الأول إلى اللون الأبيض مع=
(6) = وجود رائحة غير طيبة.
1- المخش : كثيرة الحركة. انظر لسان العرب 3/450 إعداد يوسف الخياط.
(7) 2- العفل : عفلت المرأة عفلة، قال ابن الأعرابي : العفل لحم ينبت في قبل المرأة وهو
القرن، قالوا : ولا يكون العفل في البكر وإنما يصيب المرأة بعد الولادة وقيل :
هي المتلاحمة أيضاً، وقيل : هو ورم يكون بين مسلكي المرأة فيضيق فرجها حتى
يمتنع الإيلاج. المصباح المنير 2/499 . (7/38)
صفحة 979
والجذام(1) ، فإن جاز لزمه صداقها بالتمام، فإن لم يجز خرجت منه بلا صداق، فإذا ادعى ذلك بها فعليه البينة.
مسألة
[ أثر حدوث العلة بعد الزواج ]
وإن حدثت بالمرأة علة من تلك العلل بعد الجواز فلا خيار للزوج وعليه البينة أنه كان بها قبل التزويج، وإن يكن داء لا يحتمل كونه بعد التزويج، وللمرأة ما للرجل من جميع ذلك.
مسألة
[ عدم التدليس في الزواج من الأولياء ]
وإن جاز البعل بعرسه قسراً وبه علة مما يرد به النكاح لزمه مهرها،
و صارت أملك بنفسها ، وإن عزب عليها علم داءه حتى جاز فلها الخروج منه
وتهدر مهرها عنه، وليس على أولياء المرأة إعلام ما بها من داء إذا لم يسألهم، وإن سألهم فكتموه لزمهم ما يصح عليه من المهر، وربما كثير من الرجال لو علم عن المرأة من طول أو قصر أو هزل أو نشاط أو غير لما تزوج بها.
مسألة
[ بعض عيوب النساء ]
والبخرا نتنة الفم والربوحاء هي التي يغشى عليها حين الغشيان.
مسألة
[ حكم ظهور العلة بالمرأة قبل النكاح ]
ومن تزوج امرأة وظهرت بها علة مما يرد به النكاح، فإن جاز لزمه
مهرها، وإن لم يجز ورام إخراجها طلقها ولا مهر لها عليه.
مسألة
[ مقدار البرص المفرق، وكيفية تحقق الشبه ]
وقيل : إن ذات البرص يفرق بينها وبين زوجها، وقول : حتى يكون فاحشاً ، وذكر الأطباء أن البرص يلحق في نجل الرجل، كما أن ولد الأحمر يكون مثله، وولد الأسود يكون مثله، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «إذا
غلب ماء لرجل ماء المرأة جاء الشبل كشبه أعمامه، وإن غلب ماءها ماءه
جاء الشبل كشبه أخواله»(2)
__________
(1) 3- الجذام : من الجذم، بالكسر أصل الشيء والجذم بالفتح القطع وهو مصدر من
باب ضرب ومنه يقال : جذم الإنسان بالبناء للمفعول إذا أصله الجذام لأنه
يقطع اللحم ويسقطه وهو مجذوم، ويد جذماء أي مقطوعة. انظر المصباح
المنير 1/115 .
(2) 1- ورد بصيغة ثانية : «إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء=
= الرجل ماءها أشبه أعمامه» أخرجه مسلم انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/376 رقم 5311 . (7/39)
صفحة 980
.
مسألة
[ أثر العيوب في النكاح ]
عن ابن عباس رضي الله أنه قال : أربع لا يجزن في البيع النكاح
والجنون والجذام والبرص والعفل، وقيل : البرص الفاحش والعفل الحابس، والرتق هي ملحمة الكين، وقيل هي كالصفاة وتتعذر مباشرتها، فتلك توجد
في علاج نفسها سنة بعد الرفعان، ولها أن تعالج ببط أو غيره، فإن برئت
في الأجل فهي زوجته، وإلا تركها، ويستحب أن يطلقها وليس لها مهر
ولو رنا ومس فرجها، وإن مات زوج الرتقاء في الأجل ورثته وبالعكس،
وإن طلقها قبل أن تعالج نفسها في الأجل لزمت صداقها إذا رنا ومس
الفرج، وإن لم يرن ولم لمس طلق فعليه نصف الصداق.
مسألة
[ علم الرجل بالعيب فرضي أولاً ثم كره ثانياً ولم يمس ]
وإذا علم الزوج بالرتق فرضي ثم كره لم تكن له رجعة، وقيل : إذا أنكرت المرأة الرتق لزمها يمين بالله أن ما بها رتق، وإلا فعليه صحة ما تدعيه
ممن يثق به من النساء، أو بشهادة عدلين قد نكحاها آنفاً وعرفاها بالرتق في حال طفولتها، وبغير هذا المعنى لا يجوز شهادة الرجال في مثل هذا.
مسألة
[ حكم موت الرتقاء في العلاج ومن أثره ]
وإذا رضي زوج الرتقاء بالإقامة معها فذلك إليه، وجائز للرتقاء أن تعالج نفسها أو تعالجها أمها أو أختها، فإن لم يحسنا ذلك داوتها امرأة أجنبية ممن يحسن ذلك، وإذا داواها بعلها جاز له، ولا يداويها رجل ولو كان رحماً،
فإن تداوت ونزفت دماً حتى ماتت فإن تعدى على علاج الرتقاء ضمن، كان بأجر أو بغير أجر، وإن لم يتعد فلا شيء عليه كان الدواء بأجر أو بغير أجر.
مسألة
[ ما يُعلم به الخاطب ]
قال محمد بن محبوب رحمه الله : على أولياء المرأة إعلام الخاطب لها
بمالها من علة يرد بها النكاح. وقال محمد بن المسبح : على الخاطب
السؤال، وقيل : السؤال عن الحرة، وعلى رب القينة الإعلام، وقيل : حتى يسأل في كل الأحوال.
مسألة
[ حكم سؤال الزوج عن العيوب ] (7/40)
صفحة 981
وقال بعض الفقهاء : عليه أن يسأل عن كل عيب بعينه، وقول : إذا سأل مجملاً عن العيوب فقال : هل بها عيب يرد به النكاح؟ أجزأه ذلك، فإن
كتموه لزمهم ما سلمه لها الزوج من المهر.
مسألة
[ حكم كتمان الولي العيوب رغم السؤال ]
قال محمد بن محبوب رحمه الله : إذا سأل الرجل الولي عن عيوب
المرأة وهو عالم بها فكتمه فهو ضامن لما صح على الزوج، وإن لم يعلم فلا
ضمان عليه ، وإن علم بها ذلك ولم يسأله فلا ضمان عليه، إن شاء طلق
وسلم نصف المهر، وإن شاء أمسك.
مسألة
[ حكم النكاح بدون فرض المهر ]
وأجمعوا على أن من نكح خدلجة ولا يفرض لها مهر، فإن النكاح
ثابت ولها مهر مثله، الدليل على إثبات النكاح بغير ذكر مهر قوله تعالى :
{ ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن
فريضة } (1) الآية.
مسألة
[ متعة الزواج متى تجب ]
ومن نكح وداجاً بغير مهر ولم يجز ثم طلق فعليه المتعة بقوله تعالى:
{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن أو سرحوهن سراحاً جميلاً } (2). وقيل نزلت هذه الآية في رجل
من الأنصار تزوج جوداً من بني حنيفة ولم يسم لها مهراً، فطلق قبل المس، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يمتعها(3) بشملته التي عليه وإن كانت لا تسوي
شيئاً، وإن أحببت إحياء السنة.
مسألة
[ النكاح بلا مهر وما يترتب عليه ]
__________
(1) 1- سورة البقرة : آية 236 .
(2) 2- سورة الأحزاب آية 49 .
(3) 1- متعة الطلاق : ما يقدمه الرجل لزوجته المطلقة جبراً لها وهي سنة ومستحبة.
واختلف العلماء في مقدارها، فالجمهور أن لا مقدار لها روي عن الإمام جابر
بن زيد وهو مذهب مالك والحسن البصري والشافعي وهو مقتضى القرآن
الكريم قال تعالى : { وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره } فقه الإمام جابر بن
زيد 2/478 . (7/41)
صفحة 982
ومن نكح امرأة بلا مهر فأنكرت قبل الجواز فسد النكاح ولا صداق عليه ولا متعة، والحجة في إثبات النكاح بغير ذكر المهر وهو قوله تعالى: { ولا
جناح عليكم إن طلقتم النساء } (1) الآية، فلما أثبت الله تعالى الطلاق من نكاح لم يفرض لها مهر علمنا أن النكاح ثابت، لأنه لا يتصور طلاق من
غير نكاح ثابت.
مسألة
[ ما يترتب على موت الزوج قبل الدخول ]
ومن نكح مائزة الكفلين بغير مهر من عين وعين ثم هلك قبل إيلاج
عوده في الكين فلها الميراث وعليها العدة ويهدر عنه المهر بغير ميزة.
مسألة
[ متى يكون مهر المثل ]
وإن تبها بالثلاث قبل الجواز فلها المتعة ولا مهر، وأما إن جاز فلها
كأوسط صداقها أو صدقات نسائها إذا لم يفرض لها مهراً، وهذا هو الحق
لأن إثباته بالنص.
مسألة
[ مقدار المتعة ]
وقيل : متع جابر بن زيد بخمسين درهماً، أو متع غيره بثوبين، وليس
لذلك حد واجب أن يكون على سعة الرجل، لقوله تعالى : { ومتعوهن
على الموسع قدره وعلي المقتر قدره } (2) .
مسألة
[ مقدار المهر المتفق عليه ]
ومن تزوج امرأة على مهر حده ولم يميز عاجلاً ولا آجلاً، فهو
عاجل وإن كان له سنة فعلى سنتها أو سنة نسائها، وإن اختلفن فالمهر
عاجل. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عبد الرحمن السلماني قال : قال عليه
السلام : «وأنكحوا الأيامى منكم، فقالوا : وما العلائق؟ فقال : ما
تراضيا عليه أهلوهم»(3) ، روي عنه السلام أنه أجاز نكاح امرأة على
نعلين(4)
__________
(1) 2- سورة البقرة آية 236 .
(2) 1- سورة البقرة آية 236 .
(3) 2- كنز العمال 16/322 رقم 44722 قال أخرجه البيهقي في سننه وابن عدي =
(4) = في الكامل عن ابن عمر رضي الله عنهما.
1- أخرجه الترمذي وصححه والحديث عن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه. (7/42)
صفحة 983
، وروي عنه أنه جاز النكاح على خاتم حديد(1) ، والصداق ما
اتفقوا عليه.
مسألة
[ أثر شرع من قبلنا في أحكامنا ]
وجائز النكاح على الصداقات المجهولة ولها كأوسط ذلك، وحجتهم أن شعيباً زوج موسى عليه السلام على رعي ثماني سنين، والخدمة مجهولة.
ومن تزوج على دراهم ودنانير جاز.
مسألة
[ مقدار المهور في العصر الأول ]
وسأل أبو سلمة عائشة رضي الله عنها عن صدقات نساء النبي، فقالت
اثنا عشر وقية. وقيل أن عمر تزوج أم كلثوم بنت علي على أربعين ألف درهم، وقيل : أن الحسين تزوج امرأة فأرسل لها مائة جارية مع كل واحدة ألف درهم، وتزوج ابن عباس رحمه الله شميلة على عشرة آلاف درهم.
مسألة
[ عدم جواز تحديد المهور ]
وأجاز موسى بن علي تزويج امرأة على أربعة دوانيق(2) ، وذلك أنه ما كان قد جاز بها ولم يروا فرقة، قال موسى : أقل ما يجوز به النكاح عشرة دراهم، وقال وابل : نواة من ذهب، وقول : بما يجب به القطع وهو أربعة دراهم. قال أبو محمد أن عمر خطب بالناس وقال : من أصدق امرأته فوق
ما أصدق النبي ص نساءه وبناته عاقبته، وهو اثنا عشرة وقية، ولو كان
علي أكثر المهور مكرمة لاختص بها هو، فقالت امرأة : بالله أن يجعل ذلك إليك، ولا إلى الخطاب تعني أباه والله يقول : { وإن آتيتم إحداهن قنطاراً
فلا تأخذوا منه شيئاً } (3) ، فقال عمر أصابت المرأة وأخطأ الأمير.
مسألة
[ مقدار القنطار ]
واختلفوا في القنطار، فقال قوم : ألف دينار، وقيل : ملئ مسك ثور
__________
(1) 2- حديث التمس ولو خاتماً من حديد في تزويج المرأة التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وانظر كنز العمال 16/321 رقم 44713 ، 44714 .
(2) 1- دوانيق : جمع دانق، معرب وهو سدس درهم وهو عند اليونان حبتا خرنوب
لأن الدرهم عندهم اثتنا عشرة حبة خرنوب والدانق الإسلامي حبتا خرنوب
وثلثا حبة خرنوب فإن الدرهم الإسلامي ستة عشرة حبة خرنوب. المصباح
المنير 1/239 .
(3) 2- النساء آية 20 . (7/43)
صفحة 984
ذهباً، والوقية أربعين درهماً.
مسألة
[ أقل المهر ]
ومن تزوج على أربعة دراهم فجاز، ولها كأوسط صدقات نسائها، وإن
لم يجز فالنكاح منتقض.
مسألة
[ من مات قبل الدخول فلها من الميراث وعليها العدة ]
وإذا تزوج الرجل المرأة على صداق معروف، ثم مات قبل الجواز فليس
لها في ماله صداق، ولها ميراث.
مسألة
[ كيفية معرفة التثبت من الشروط ]
ومن جواب الشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان : وإذا كتب الزوج لزوجته سكنها في بلدها بخط جائز الكتابة، فغير السكن وادعى أن هذا
الشرط بعد العقد، إذا كان الشرط بخط جائز الكتابة بلفظ ثابت في
الأحكام، ولم تقر هي كان الشرط بعد العقد فالشرط ثابت.
مسألة
[ من هو ولي الأمة ]
والسيد أولى بتزويج المملوكة من أبيها الحر، وإذا وكل ولي امرأة في تزويجها والوكالة برقم يده وليس هو من الكتاب الجائز كتابتهم، ففي الأحكام
لا يجوز، وأما على الاطمئنانة إذا عرف العاقد والشهود والولي وعرفوا خطه، وكانت المرأة بالغة راضية بالتزويج فلا نقول بخط العاقد ولا الشهود.
مسألة
[ من يلي أمر النكاح ]
وإذا أمر العاقد رجلاً إن تزوج من يلي تزويجه، فأما الآتية فجائز
تزويجها بإذنه ولو لم يتضح للعاقد أنها ابنته، وفيها اختلاف،والجواز أصح.
وأما بنت العم فحتى يصح أنها ابنة عمه، وأما أخته ففيها اختلاف.
مسألة
[ حكم المخالعة ]
وإذا تزوج الرجل امرأة فكرهت معاشرته فعرضت عليه الفدية بما ساقه إليها ليخلي سبيلها فأما في الحكم فلا يحكم عليه بفراقها، ولا ينبغي له هو
أن يضاربها إذا حاذر أن يشم حوباً.
مسألة
[ جواز امتناع المرأة من الزوج قبل استلام المهر ]
من كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين(1)
__________
(1) 1- للشيخ خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي الرستاقي مطبوع لحساب
وزارة التراث القومي والثقافة العمانية، تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي. (7/44)
صفحة 985
: وإذا رام الزوج الجواز بزوجته قبل تسليم عاجلها ، فقول : لا يجاب لذلك، وهو رأي ابن عباس
وابن عمر، ورخص بعضهم في ذلك مع رضاها، وأجمعوا أن لها الامتناع
حتى يسلم عاجلها.
مسألة
[ جواز دخول الزوج قبل تسليم المهر ]
وإذ ا جازت الزوجة زوجها على نفسها قبل تسليم عاجلها برضى منها ثم طالبته به، فقول : لها مهرها حتى يصح تسليمه، وقول : حتى تصح هي بنية
أنه باق عليه، وإن عرض عليها أحد عاجل صداقها فأبت جبرت على أخذه.
مسألة
[ أثر الزنا وأثر الرضاع في النكاح ]
وإذا صح زني الزوجة مع زوجها فلان يحلف على صداقها على قول
من يبطل صداقها ويحكم لها بحكم المرتدة، والحرة والقينة في ذلك سيان،
وإن أخذ سيد القينة صداقها وزنت رد على الزوج. وإقرار الأمة بالزنا غير مقبول لأنه الإقرار على السيد، إلا أن يصدقها السيد والزوج. وإذا رضع الرجل وابنته من أجنبية فهما أخوان ولا يحل تزويجهما بها.
مسألة
[ جواز الوكالة في الزواج ]
ولفظ من أراد أن يوكل أحداً أن يتزوج له امرأة : قد أقام فلان فلاناً وكيلاً له في قبول فلانة زوجة له على صداق حده أو على ما يتفقان عليه
من الصداق.
مسألة
[ حكم ادعاء الزوج بالزواج من المرأة وتنكر هي؟ ]
وإذا ادعى رجل تزويج امرأة ، وادعى بينة، فإن لم يكن للمرأة بعل أجل في إحضار بينته على نظر الحاكم، وإن كان لها بعل لم تمنع معاشرته مع
بعلها، إن صح بعد بعدلين منعت، فإن أحضر بينة خلي بينها وبين زوجها، وإن صحت العقدة للطالب قبل النكاح الآخر، وطلب يمينها، فإن كان لا
زوج لها في وقت الطلب فعليها اليمين، فإن حلفت برئت، وإن ردت عليه اليمين فحلف كانت زوجته، وإن كانت مع زوج لم يكن لها عليه يمين،
لأن الآخر قد ثبت عليها، ولو أقرت للأول هدر إقرارها.
مسألة
[ ادعاء المرأة على الرجل بأنها زوجته والابن ابنه ] (7/45)
صفحة 986
وإذا جاوز ولي العبد الخطم فهي بمنزلة من لا ولي له، وإذا ادعت امرأة على رجل أنها زوجته، وأن هذا الولد ولده، فأنكر، فأما في النكاح فلا يمين لها، وأما في حق الولد فلها عليه اليمين، لأنه تلزمه مئونته، فإن نكل على
اليمين خير على التسليم أو اليمين.
مسألة
[ طلب المرأة عاجل صداقها ]
وإذا طلبت الزوجة من زوجها صداقها العاجل أو غير البائع من المشتري ثمن المباع، فإن أقر الزوج و المشري بالحق و سمياه و ادعى تسليمه ، فعليهما
البينة، وإلا فعلى مدعي الحق البينة، وهذا إذا جاز الزوج، وأما قبل الجواز فالقول قولها، فإن شاء سلم أو طلق وسلم نصف الصداق.
مسألة
[ حكم زواج اليتيمة بأمرها مع وجود وليها ]
وإذا تزوجت اليتيمة بأمر أمها ولها ولي وجاز الزوج، هل يجب على الزوج والعاقد والشاهدين شيء أم لا؟ وهل يفرق بينهما؟ أرأيت إن امتنع الولي عن التزويج، ولم يرفعوا عليه مع الحاكم أو جماعة المسلمين، لم أعلم جواز تزويج اليتيمة بغير إذن وليها، إذا كان لها ولي، ولم يكن فزوجها السلطان أو من يقوم مقامه، وأتمته بعد بلوغها، وشدد بعض في ذلك.
مسألة
[ سن اليتيمة في الزواج ]
وإذا رامت أم اليتيمة من وليها تزويجها، فأبى، فهذه ليست يحد لها
ذلك، لأن له الامتناع من تزويجها، ما لم تبلغ، وأما البعل فإن باشر أو رنا
أو مس الكين لزمه الطلاق، ويدرأ عنه الحد بالشبهة، وأما الزوج والأم والشهود، فإن كانوا معروفين بالجهل والتجرؤ فحريون بالأدب. وأما
البالغ، فإذا كان بهذه الصفة، فقد توقف كثير عن التفرقة بينهما، والأصح عندنا أن اليتيمة لا يجوز تزويجها قبل بلوغها، وطلبها للتزويج من حاكم أو جماعة، ورخص بعض في ذلك للمصلحة وصرف الضرر.
مسألة
[ حكم موت الزوجة من المباشرة ] (7/46)
صفحة 987
وإذا نكح الرجل صبية من أبيها وجاز، فأصبحت هالكة، فادعى أبوها هلاكها من مباشرته لها، ورام ديتها منه، فادعي الزوج إنما باشرتها برضاها ورأى النساء دماً من كينها سائلاً بعد أن هلكت ولم ينصر حتى أضرحت، فعلى أب الصبية يمين أن موتها كان بسب مباشرته لها، أو إقرار الزوج
بذلك، وإلا فعلى الزوج اليمين أن ما عليه حقاً لأب هذه الصبية أو غيره من ورثتها، من قبل ما يدعي أن موتها كان بسبب وطئه، وأنه لا دية لهم عليه من موتها من بسبب وطئها فيما دون الثلاثة الأيام مما افتضها فديتها في
نشبه دون عاقلته، وقال بعض : ديتها على عاقلته، والأصح إذا كانت
الصبية تكون ديتها في دية خطأ نشبه تزوجها من أبيها، أو كانت يتيمة
ففي حكم الدية سيان، ودية الخطأ تؤدى في ثلاث سنين نصف دية الرجل
ولها مهرها مورب تام، واختلفوا في ميراثه منها، قول : له الميراث لأنه لم
يتعمد قتلها، وإنما باشر فرجها في حين إباحته له، وقول : لا ميراث للقاتل، خطأً كان أو عمداً.
مسألة
[ أثر الطلاق أو المخالعة في زواج المحرمة المؤقتة ]
ومن نكح غيداء فبتها ثلاثاً أو خالعها أو بانت منه بحرمة، هل يحل له تزويج من يحرم عليه الجمع بينهما في عدتها، أم لا؟ فالأصح إلا أن تنقضي
عدة التي طلق، وإن عقد نكاحاً في العدة ولم يفض إليها، فإذا انقضت
عدتها جدد النكاح ولا تحرم وإن أفضى فلا أحب له إمساكها، وقد رخص بعض العلماء في ذلك.
مسألة
[ حكم الرشوة على الزواج ]
وما رشاه الولي على تزويج حرمته فهو للمرأة من مهرها، ولا يرجع على الزوج، وقول : إن كان ما رشاه الولي أنقصه الزوج من مهر المرأة فهو لها،
وإلا فهو للزوج، وفرق بعض بين الأب وسائر الأولياء، فأثبتوا الرشوة للأب على ابنته، ولم يشترطوا نقصان صداقها، ورجعوا ذلك من مالها.
مسألة
[ حكم التزوج بالمرأة بعد النظر إلى فرج المرأة ]
عن أبي سعيد : وإذا رأى البالغ فرج صبية ممن تستر عمد الشهوة هل (7/47)
صفحة 988
يحل له تزويجها إذا بلغت؟ فنعم، إذا لم يكن تزوجها لتلك النظرة، وإن
تزوجها لتلك النظرة فالأصح أنه لا يقيم معها لأنه بنى على فاسد، فإن أقام معها وكانت له ولاية فلا تترك ولايته لأنه لم ينظر بعد البلوغ، ودخوله بها
في الصباء وبعد البلوغ سيان. عن أبي مالك رحمه الله : إن النظر للفروج
عمداً بعد البلوغ من الناظر(1) والمنظور فيه اختلاف، بعض أفسد عليه
نكاحها، وأبا ذلك آخرون، وكذلك المس إذا لم تطاوعه، فعن ابن زيد أن تزويجها جائز، وقال : أبو عبد الله : لا يجوز.
مسألة
[ حكم النظر إلى فرج المحرمة ]
ومن نظر إلى منزل فرأى فرج امرأة متعمداً، وكان بالمنزل امرأتان وكان عارفاً بهما وبأسمائهما وبأعيانهما، فقد حرمت عليه المنظورة، ولا يتزوج إحداهما حتى يعرف التي نظر من التي لم ينظر، وإن لم يعرفهما فلا بأس
عليه أن يتزوج بهما، لأنه يمكن النظر أن يكون لغيرهما.
وجائز للشاهدين أن يشهدا على الرد، وإن عزب عليهما علم الزوج والزوجة إذا تقاررا بالتزويج والطلاق، وإن لم تحضر الزوجة ورضيت بعد إعلام الشاهدين لها، جاز ذلك. وإن تناكرا الزوجين الرد، فلا تجوز عليهما الشهادة في الأحكام، إلا بالمعرفة لهما التي لا يخالج فيها الشك.
مسألة
[ جواز تزوج ابن الزوج أم زوجة أبيه ]
عن أبي الحواري رحمه الله : ومن تزوج امرأة جاز لابنه تزويج أمها وابنتها. وإن تزوج صبية لم يخر بها، فلما بلغت غيرت التزويج، إنه يجوز
له تزويج أمها على قول من لا يثبت تزويج الصبية حتى تبلغ، وهو
الأصح، و على قول من يثبت تزويجها فليس له تزويج أمها، جاز أو لم
يجز لأنها زوجته.
النهج الرابع والأربعون
في الطلاق(2)
__________
(1) 1- في الأصل : النظر، والأصح : الناظر.
(2) 1- الطلاق : لغة واصطلاحاً : لغة اسم مصدر لطلق بالتشديد يقال طلق الرجل
امرأته، أو هو مصدر طلقت بضم اللام أو فتحها طلاقاً كالفساد، ولقد نفى
(الأخفش) الضم والفتح أشهر. وأصل معناه : رفع الوثاق والترك مطلقاً، سواء
أكان حسياً كقيد الفرس أم معنوياً كقيد الزواج.
اصطلاحاً : رفع قيد النكاح في الحال أو في المآل بلفظ مشتق من طلق.
تعريف ثاني : صفة حكمية ترفع حليّة تمتع الزوج بزوجته موجباً تكررها مرتين
زيادة علي الأول للتحريم. انظر مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب
4/18 والمبسوط 6/2 ، وبدائع الصنائع للكاساني 3/101 . (7/48)
صفحة 989
وأحكامه
[ طلاق السنة ]
وإذا أراد الرجل أن يطلق عرسه طلاق السنة، طلقها طلقة واحدة بعد أن تطهر من الحيض قبل أن يقضي بحضرة عدلين، وينفق عليها، ولا يخرجها
من بيته، كما قال الله تعالى : { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة
مبينة } (1) ، إلا أن تسبه(2) أو تقذفه أو تؤذيه، فإن كان ذلك فله إخراجها.
مسألة
[ كيفية المراجعة ]
ومن طلق طلاق السنة ورام المراجعة بشهادة عدلين حريين مسلمين في العدة وتكون معه على ما بقي من الطلاق، واللفظ أن يقول : اشهدوا علي بأن قد رددت زوجتي فلانة بصداقها وما بقي من طلاقها.
مسألة
[ جواز مكث المرأة المطلقة مع زوجها في بيت واحد ]
وإن علمت المرأة الطلاق فعليه إعلامها بالرد، وإلا فلا بأس إن ردها بغير علمها، إذا أخفى عليها الطلاق. ولا يدخل عليها بغير إذن ولا يمس ولا
يرنو فرجها حتى يراجعها، ولا بأس أن يبيتا في بيت واحد، إذا لم يكن
الطلاق ثلاثاً.
مسألة
[ صيغ من الطلاق ]
والضارب إذا رام طلاق عرسه للسنة كتب إليها : إذا جاءك كتابي هذا وحضت وطهرت فأنت طالق، فإن بثها ثلاثاً كتب لها : ثم إذا حضت
أخرى فأنت طالق، ثم حضت أخرى طلق ثلاثاً للسن. وإن كانت ممن لا تحيض كتب لها : إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق. قال بعض أهل العلم :
إن الضارب إذا رام طلاق السنة كتب إليها : إذا وصلك كتابي هذا، فإن
كنت قد حضت و طهرت بعد خروجي فأنت طالق ، وإلا فإذا حضت
وطهرت فأنت طالق واحدة، وإذا قال له : طالق للسنة ولم يقل : ثلاثاً،
فإنها تطلق واحدة إذا طهرت من أول حيضة. وله قبل خلو عدتها(3) .
مسألة
[ الحلف بالطلاق ]
ومن حلف بطلاق عرسه ، إن ولجت هذه الدار فقول : إنها لا تطلق حتى تدخل رأسها أو بدنها أو رجلاها ولو واحدة، وقيل : إذا دخلت يداً
__________
(1) 2- سورة النساء آية 19 .
(2) 3- في الأصل : وهو أن شبه والصواب : إلا أن تسبه.
(3) 1- في هذه العبارة حذف : وله مراجعتها قبل خلو عدتها. (7/49)
صفحة 990
ولو واحدة طلقت. وحد اليد الرسغ، وحد الرجل مجاوزة الكعب(1) .
مسألة
[ بعض صيغ الطلاق التي تقع فوراً ]
وإذا قال البعل لعرسه : أنت طالق ما لم تصعد السماء، وإن لم تصعدي إلى السماء، إن لم تنسفي هذا الجبل، فقال أكثر أهل العلم : إنها تطلق من حينها، لأنه حلف على ما لم تستطعه، وقول: إنه يلحقه في مثل هذا إيلاء.
مسألة
[ من قال لزوجته طلقك الله ]
ومن قال لامرأته : طلقك الله، قول : هو طلاق، وقول : هو دعاء،
حتى يقول : قد طلقك الله، فإنها تطلق.
مسألة
[ من طلق نصف تطليقة أو سدس أو ثلث أو تطليقة تقع طلقة ]
عن أبي محمد رحمه الله : ومن قال لزوجته : أنت طالق نصف وثلث وسدس تطليقة، فإنها تطلق واحدة من قبل إلابعاض(2) المذكور قبل العدة المشتمل عليها يحيط بجملتها وهو مأخوذ مع الإفاضة .
مسألة
[ صيغ من الطلاق الواقع ]
ومن قال لعرسه : أنت طالق نصف تطليقة طلقت واحدة وثلث تطليقة وسدس تطليقة، تطلق ثلاثا ولا ينقص، فذكره بعضهم مع الإضافة إلى عدد يوجب العدد الصحيح. وإن قال لها : أنت طالق نصفي تطليقة طلقت طلقة واحدة، وإن قال لها أنت طالق واحدة لا بل اثنين طلقت ثلاثاً من قبل الاستثناء لا يدفع الاستثناء ما دفع الطلاق ثم ما أوجبه من الزيادة بالاثنتين.
مسألة
[ حكم الطلاق الخارج مخرج الاستفهام ]
وإن قال لها : أنت طالق أو لا طلقت، قال الشيخ أبو محمد في الجامع :
لا يقع عليها طلاق، لأن هذا كلام يخرج مخرج الاستفهام، والأرجح
هذا الرأي.
مسألة
[ كيفية وقوع الطلاق ]
قال الشيخ أبو محمد : الطلاق عند أصحابنا يقع بالإفصاح به والكتابة عنه، والإفصاح هو إظهار اللفظ بالطلاق، وبه يجب الحكم في اتفاقهم، واستوائهم، والكني(3)
__________
(1) 2- لأن الجزء له حكم الكل كقوله تعالى : { فك رقبة } سورة البلد آية 13 .
(2) 1- لأن الطلقة لا تتجزأ .
(3) 1- لفظة الكناية : هو احتمال اللفظ أكثر من معنى. والكناية تحتاج إلى نية وخاصة
الكناية الخفية، وأما الظاهرة فهي المتعارف عليها في العرف. (7/50)
صفحة 991
هو كقولهم : الحقي بأهلك وأنت خلية أو حبلك على غاربك، أي على ظهرك، وقول الزوج لزوجته تزوجي واعتدي، ونحو هذا.
مسألة
[ بعض ألفاظ الطلاق ]
وما تكلم به الزوج وأراد به الطلاق، وهو أكثر قولهم. ولا يقع العتق إلا بالكتابة، كالطلاق. وإذا قال الزوج لزوجته : قد خليت سبيلك أو فارقتك
أو سرحتك ولا سبيل لي عليك، ونوى طلاقاً فواحدة منقولة من بيان
الشرع(1) من جزء النكاح. وإذا طلق البعل عرسه التي لم يدخل بها
فطلقها واحدة، وإذا أتبعها ثانية لم يلحقها الطلاق. والاختلاف في ذلك،
لأنها ليست بزوجته ولا في عدة منه. وإن رام مراجعتها فليس له رد إلا
بنكاح جديد، ويكون معه على تطليقتين ، لأن الثلاث كالواحدة، وهو قول سليمان. وقال عبد المقتدر: تكون ثلاثاً ، والأول أرجح. والحجة فيمن قال:
لا ترجع إليها إلا نكاح جديد قوله تعالى : { وأحصوا العدة } (2) ، فلما
كان الطلاق فسخ نكاح، علمنا أن الواحدة كالثلاث، ولا فرق بين أن
تكون واحدة بعد واحدة. وإن طلقها طلاق السنة فله أن يلامسه، إلى أن يختص أو يهل الهلال إذا كانت موسيئة(3) ، وإن تزوجها ثانية وبثها ثلاثا، وتزوجها ثالثة وبثها، فليس له تزويجها حتى تنكح زوجاً غيره ويذوق من عسيلتها، وإن كان المطلق الأول ولم يدخل وتزوجها غيره ولم يدخل بها، فجائز للأول تزويجها أو ما نوى، وإن لم ينو طلاقاً فلا شيء عليه.
مسألة
[ صيغ من الطلاق ]
وإن قال الزوج لزوجته : أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقة، طلقت اثنتين، لأن الطلاق لا يتجزأ.
مسألة
[ صيغ من الطلاق ]
__________
(1) 2- كتاب بيان الشرع : للعالم محمد بن إبراهيم الكندي. طبع على حسان وزارة
التراث القومي والثقافة العمانية.
(2) 1- قال تعالى : { إذا طلقتم النساء فطلقوهن وأحصوا العدة... } سورة
الطلاق آية 1 .
(3) 2- الأصح : إذا كانت يائسة أو آيسة. (7/51)
صفحة 992
وإذا قال الزوج لزوجته : أنت طالق أنصاف تطليقتين طلقت ثلاثاً، وإن قال : بجزء من تطليقه، فهي تطليقة واحد، وقول : ثلاث. قال الله تعالى:
{ وخلق الإنسان ضعيفاً } (1) أي لا يصبر عن الجماع، وقال - صلى الله عليه وسلم - : لا يكثرن
أحدكم الكلام عن غشيان أهله، ولا ينظرن إلى فرج أهله عند الملامسة(2) .
مسألة
[ آداب في الجماع ]
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يجامع الرجل زوجته عند أحد حتى الطفل في
المهد». قال أبو الحسن : لأنه يأمرنا بالستر والحياء، وحرم الله ورسوله إبداء العورات عند أحد. ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة مستقبل القبلة، قال أبو الحسن:
هذا نهي أدب وليس تحريم، وقول : إن ذلك بمكة شرفها الله، وقول : في
كل مكان(3) .
مسألة
[ قول عائشة في آداب الجماع ]
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا معاشر الرجال استتروا من نساءكم ولا تكونوا كالدواب ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا رأى لي سوءة ولا
رأيت له سوءة(4) .
مسألة
[ آداب في الجماع ]
وقيل : إن أبا بكر لما احتضره الموت سأل زوجته : هل رأيت إلي سوأة؟ فقالت : اللهم لا، فكبر الله وقال : ما ظننت أن أحداً رآها سواك. وكان
النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من قضاء أربه من أهله أخذ خرقة ومث بها الأذى عن
نفسه ومثت هي أيضاً، ثم باتا في ثوبهما. وقال : «إذا رام أحدكم مباضعة
__________
(1) 3- قال تعالى : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً } النساء 28 .
(2) 1- وردت أحاديث كثيرة في آداب الجماع منها ما ذكره المصنف رحمه الله ورد
في كنز العمال 16/348 رقم 44864 عن أبي هريرة الفردوس للديلمي.
(3) 2- هذه الآداب وردت في كنز العمال 16/343 رقم 44839 في المباشرة
وآدابها ومحظوراتها.
(4) 3- كنز العمال 16/343 «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردان تجرد
العيرين» الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود، عن عتبة بن
عبد، وعن أبي أمامة. (7/52)
صفحة 993
أهله فليستتروا لا استحت منه الملائكة وخرجت وحضرت الشياطين، فإن
كن بينهما نسل فلشيطان فيه شرك»(1) .
مسألة
[ آداب في الجماع ]
وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة رضي الله عنه : إذا غشيت أهلك وما ملكت يمينك فقل : بسم الله والحمد لله، فإن حفظتك تكتبه لك حسنات حتى
تغتسل من الجنابة، فإذا اغتسلت غفرت لك ذنوبك ما تقدم. ومن رام
الإفضاء لعرسه قال : بسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة إن
قدرت تخرج من صلبي نسمة. فإذا فرغ فليقل : بسم الله سراً لا تحريك
شفتيه، الحمد لله الذي خلق من الماء بشراً. ويستحب للمباضع أن يشرب ثلاث جرعات ماء إذا فرغ من بضاعه، ينام على يمينه يعود على ما خرج
منه. قال الله تعالى : { نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } (2)
الآية. ولا بأس بإتيان المرأة المدبرة إذا كان في القبل، ومن أولج أنمله في فرج امرأته حين الملامسة للاستعانة فلا بأس.
مسألة
[ آداب في الجماع ]
عن هاشم عن جابر عن عائشة رحمهم الله أنها قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم -
يأتي أهله قاعداً وقائماً ونائماً، ولا يأتي كإتيان النعم.
مسألة
[ آداب في الجماع ]
ومن رام مراجعة أهله بعد الجماع قبل الاغتسال، غسل ذكره وتوضأ وفعل، فإن تعذر عليه ذلك وباشر ثانية فلا بأس. ولا بأس بالإفضاء في الماء أن يفضي الزوج إلى زوجته ويمني في رحم الأخرى(3) .
مسألة
[ جواز تكرار الجماع بغسل واحد ]
قالوا أبو الحواري : جائز للرجل أن يباشر نساءه بغسل واحد، ورفع
__________
(1) 1- كنز العمال 16/343 رقم 44835 الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.
(2) 2- سورة البقرة آية 223 .
(3) 1- وذلك لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أردت أن تعود فتوضأ وضوءك للصلاة» كنز
العمال 16/347 رقم 44857 عن ابن عمر ، وأرقام 55 ، 56 ، 44858،
44859 ، 44860 . (7/53)
صفحة 994
ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وجائز للرجل أن يجامع زوجته مرة بعد مرة بجنابة واحدة، وكذلك إن كان له أربع نسوة أو ما دون ذلك.
مسألة
[ جواز الطواف بغسل واحد ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف علي نسائه ثم يغتسل لذلك غسلاً
واحداً، ولا بأس بالجماع بعد إصابة البول والسلح(1) .
مسألة
[ ما يتعلق بغيبوبة ]
وتتعلق بغيبوبة الحشفة في الفرج عشرة أحكام : نقض الطهارة،
ووجوب الغسل، ووجوب الحد، ووجوب الكفارة عند الصيام، وإباحتها للزوج الأول، والتحريم على الآباء والأبناء، وخروجها من حكم الإيلاء، وإفساد الحج.
مسألة
[ حكم الإيلاج في الدبر ]
ومن أولج بعض الحشفة في دبر امرأته لم تحرم عليه، حتى يولج
الحشفة كلها.
مسألة
[ حكم العزل عن الحرة والأمة ]
والعزل عن الحرة جائز عند أكثر الفقهاء ، إلا ما روي عن أبي بكر و عمر
رضي الله عنهما أنهما كرها ذلك، وأما الرواية عن ابن عباس رضي الله عنه
أنه كره ونهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها ، وأجازه عن القينة بغير إذنها.
مسألة
[ تفسير بعض الآيات ]
قال الله تعالى : { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } (2) ، قال ابن عباس : الجماع، قال سعيد بن جبير : إتيان الذكر الأنثى. وما قوله تعالى : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } (3) قال أبو العالية(4) : نطفة الرجل يأتي منها الولد.
مسألة
[ من أبهم طلاق الواحد من الأربعة ]
ومن كان له أربع نسوة فقال : وطئت واحدة منكن فواحدة منكن
طالق، ولم يسم. فباشر واحدة، فإن نوى منهن غير الذي جامع، فطعن
__________
(1) 1- انظر آداب النكاح في كتب الأحاديث، وقدرته - صلى الله عليه وسلم - في الجماع.
(2) 1- سورة طه آية 50 قال تعالى : { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } .
(3) 2- سورة الأنبياء : آية 30 .
(4) 3- أبو العالية أكثر من واحد يعرف بهذه الكنية، انظر ميزان الاعتدال 4/543 للذهبي. (7/54)
صفحة 995
بقدر وجوب الغسل، وإن أمضى فسدت وعليه وحدها، وأما إذا كان أرسل القول ولم يوقع نيته على واحدة منهن، طلقت مع التي نكح وإن أمضى
فسدت وحدها. وإن قال : إن وطئت فلانة فواحدة منكن طالق، فإن كان وطئ فهي كالأولى.
مسألة
[ صيغ من الطلاق ]
ومن كان له أربع نسوة فقال لامرأته : طالق ثم قال : أردت فلانة منهن قبل قوله مع يمينه، وإن أرسل القول طلقن معا. ومن له ثلاث زوجات فقال لهن : أقسمت بينكن تطليقتين فيقع عل كل واحدة منهن تطليقتان. وإن
قال أقسمت بينكن تطليقة وقعت عل كل واحدة تطليقة(1) .
مسألة
[ لا هزل في النكاح ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : الطلاق والعتاق والنكاح» وفي النكاح والطلاق والرجعة(2) .
مسألة
[ ألفاظ الطلاق ]
وفي الحديث: لا شيء أحسن من العتاق ولا أقبح من الطلاق. وألفاظ الطلاق ثلاثة: صريح وكناية وصريح الطلاق والفراق والتسريح لمجيء الطلاق.
مسألة
[ صريح الطلاق ]
قال الله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له } (3) الآية. وقال : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } (4) . وقال : { أو فارقوهن بمعروف } (5) ،
فهذا صريح لا يفتقر إلى إرادة تنضم إليه، فإذا أوقعه من بدا له غير مكره ولا نائم ولا مغشي عليه وقع، وسيان قال : أردته أو لم أرده.
مسألة
[ ألفاظ الطلاق التي لا تفتقر إلى نية ]
__________
(1) 1- لأن لفظ الطلاق لا يتجزأ فالجزء يطلق على الكل.
(2) 2- رواه أبو داود رقم 2194 في الطلاق ، والترمذي رقم 1184 في الطلاق، باب
ما جاء في الجد والهزل في الطلاق وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب
والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(3) 1- سورة البقرة آية 230 .
(4) 2- سورة البقرة آية 229 { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف... } .
(5) 3- سورة الطلاق آية2 { فإن بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } . (7/55)
صفحة 996
وإذا قال البعل لعرسه أنت طالق أو قد طلقتك أو يا مطلقة، أو قال : فارقتك أو يا مفارقة، أو قال : سرحتك أو يا مسرحة، فكل هذا لا يفتقر إلى نية، بل هو صريح. وإما ما لا يشبه الطلاق في اللفظ ولا في المعنى، كبارك
الله فيك، وأطعميني واسقيني وما أشبه ذلك، فلا طلاق عليه نوى به
الطلاق أو لم ينو، لأنا إذا أوقعنا عليه بهذا طلاقاً، كنا قد أوقعنا عليه الطلاق بالنية، فهذا لا يسوغ.
مسألة
[ القسم الثالث من الطلاق ]
والطلاق على ثلاثة أقسام: طلاق السنة وهو أن يطلقها بعد طهر من
حيض قبل أن يباشر، وطلاق البدعة المنهي عن إيقاعه فطلاقان : أحدهما
طلاق الحائض، والثاني طلاق الطاهر المنكوحة.
مسألة
[ القسم الثالث من الطلاق ]
وأما القسم الثالث أن يكون الطلاق مباحاً لا سنة فيه ولا بدعة، وذلك طلاق غير المدخول بها لا عدة عليها أصلاً، وطلاق الموئسة الصغيرة فعدتها ثلاثة أشهر، وطلاق الحبلى وعدتها وضع حملها.
مسألة
[ عدة الطلاق ]
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ما من بيت بني في الإسلام أحب إلى الله من النكاح،
ولا شيء مما أحله الله أكره من الطلاق»(1) . والطلاق مباح بالكتاب
والسنة، وقد طلق - صلى الله عليه وسلم - زوجته حفصة وراجعها، وطلق عمر زوجته. وإنما
أنزل الله آية الطلاق وقال : { الطلاق مرتان } (2) ، قالت عائشة : يا رسول الله، فإن الله أنزل الثالثة، قال : قوله أو تسريح بإحسان فكان معناه الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان.
مسألة
[ حكم الطلاق في الغضب ]
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص، وهناك حديث «أبغض الحلال إلى الله عز وجل
الطلاق» رواه أبو داود والحاكم وصححه. التاج الجامع للأصول 2/337
وأخرجه ابن ماجة 1/351 رقم 218 .
(2) 2- سورة البقرة آية 229 . (7/56)
صفحة 997
أجمع الناس على أن الطلاق لا يكون إلا من زوج لزوجته، وخص الله تعالى الزوج يملكه دون الزوجة. يقال : أبان الرجل امرأته إذا طلقها طلاقاً بائناً. واختلفوا في المثنوية ثلاثاً المدخول بها وتزوجها مطلقها بعد أن
تزوجت واعتدت أنها تكون معه بتطليقتين أو ثلاث، وقول : تكون علي تطليقتين عنده، وقول : على ثلاث. قالت عائشة : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا
طلاق ولا عتاق في إغلاق»(1) .
مسألة
[ صيغ في تحرير الأمة ]
ومن كان له أربع جوار فقال : كلما وطئ جارية منهن فجارية منهن جرة، فوطئ واحدة ثم وطئ الثانية والثالثة ولم يطئ الرابعة، فإن تبق الثالثة التي وطئت آخر ويعتق الثلاث، فإن وطئ الرابعة كان لها الصداق، والأصح أنه إذا وطئ الأولة خرجن البواقي بالتحرير، وقول : يستعين بثلث أثمانهن للسيد، وهذا إذا قال : إذا أوطئ. و كلما وطئ واحدة منهن فالأخرى حرة فإذا وطئ واحدة منهن عتقن الثلاث، ولم تعتق الذي وطأها ولا يستعين بشيء.
مسألة
[ من صيغ العتق ]
وأما إذا قال : إذا وطئت واحدة منهن فواحدة منهن حرة، فإن العتق يقع عليهن كلهن التي وطء والتي لم يطئ، وقول : إنهن يستعين له بثلاثة أرباع أثمانهن، فإذا أمضى الوطء وجب لها الصداق حرمت عليه أبداً. قال بعض الفقهاء : لا سعاية عليهن بشيء من أثمانهن، إلا أن يقول : فهذه حرة
وعرفها بعينها حين أوقع العتق عليها، فلما وطء إحداهن لم تعرف التي أوقع التحرير عليها، فعلى هذا يستسعين بثلاثة أرباع أثمانهن ويعتق على
الأحوال كلها إذا عزب عليه علم من وقع عليها التحرير.
مسألة
[ بعض صيغ تحرير الأمة ]
__________
(1) 1- أخرجه أبو داود رقم 2193 في الطلاق، باب في الطلاق على غلط ورواه
أيضاً أحمد في مسنده، وابن ماجة رقم 2046 في الطلاق باب طلاق المكره
والناسي، ورواه أبو يعلى والحاكم البيهقي وصححه الحاكم. انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/607 - 608 . (7/57)
صفحة 998
وأما إن قال : إن وطئت فلانة ففلانة غير التي وطئ وعزب عليه علم من قال أنها حرة إن وطئ هذه، فإنهن يعتقن على هذا الوجه الثلاث،
وتستسعي كل واحدة منهن بثلثي ثمنها.
مسألة
[ حكم من تلفظ بالطلاق ونوى غير المخاطبة ]
ومن له زوجتان فدعا إحداهما ليطلقها فأجابته الأخرى فقال : أنت
طالق ، فقول: تطلق هذه بالمخاطبة و تطلق الأخرى بالنية(1) ، قول: تطلق
التي خاطب ولا تطلق التي نوى، وقول : يطلقان معاً، هذا رأي أبي الحسن، وقول : فلا يقع على إحداهما طلاق.
مسألة
[ من قال أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين ]
ومن قال لزوجته أنت طالق ثلاثة إلا اثنتين فإنها تطلق واحدة، وينفعه الاستثناء، لقوله تعالى : { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً } (2) ، والاستثناء بالكل.
مسألة
[ الاستثناء من الواحدة لا ينفع ]
ومن قال لزوجته أنت طالق واحدة إلا اثنتين، فإنها تطلق واحدة وينفعه الاستثناء، لأن الاستثناء بالكل. وإن طلق ثلاثاً إلا ثلاث طلقت ولم ينفعه الاستثناء الكل. من حلف بالطلاق إلا إن شاء الله، فلا يقع الطلاق، لأن الاستثناء هدم اليمين. والاستثناء الأقل من الأكثر والأكثر من الأقل، والحجة في الاستثناء الأقل من الأكثر قوله تعالى : { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً } والحجة في الاستثناء الأكثر من الأقل قوله تعالى : { إن عبادي ليس
لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } (3) والتابعون أكثر.
مسألة
[ صيغ من الطلاق والمعلق ]
من قال لامرأته طالق إذا رضي زيد، فمات زيد قبل أن يعرف ما عنده، فإنها تطلق. ومن علق الطلاق بمشيئة من لا يعقل كالدابة أو من لا يتكلم طلقت، وكذلك إن علقه على مشيئة إبليس طلقت، لأنه عدو الله ولم
تعرف مشيئته. ومن علق الطلاق بمشيئة جبرائيل، فقال أبو الحسن : إنها
__________
(1) 1- الطلاق لا يقع بالنية فلا بد من التلفظ بالطلاق.
(2) 1- سورة العنكبوت آية 14 .
(3) 2- سورة الحجر آية 42 . (7/58)
صفحة 999
تطلق لأنه يتعذر عليه حصول الخبر منه، وتوقف بعضهم عن هذه المسألة،
وقال بعضهم : لا يقع الطلاق حتى يعلم ما عنده، وهذا رأي أبي محمد
رحمه الله.
مسألة
[ العتق المعلق ]
ومن أعتق غلامه على رضى زيد فلم يعلم رضى زيد ولا كراهيته حتى مات، فلا يقع العتق، وقول : يقع، وفرقوا بين العتق والطلاق.
مسألة
[ كيفية الرجعة ]
وإذا طلق البعل عرسه طلاقاً يملك فيه رجعتها بعلمها، فردها بغير علمها، ثم أعلمها هو في العدة وباشر أو لم يباشر ثم أعلمها الشاهدان بالرد، وبعد
خلو العدة فيصح أن علمه لها كان في العدة، إن ذلك جائز ولا تفوته،
و كذلك إن أعلمها أحد الشاهدين في العدة أو لم يعلمها الزوج ولا الشاهد
حتى خلت العدة ثم أعلمها فلا بأس عليها إذا اتضح لها الأمر أن الرد كان
في العدة.
مسألة
[ إعلام الزوجة بالطلاق والرد أثناء العدة ]
وإذا طلق الزوج زوجته بغير علم ثم ردها بغير علمها، فأعلمها شاهد الرد بعد انقضاء عدتها ولم يعلمها شاهد الطلاق من قبل فإنه يدركها، وإن
أعلمها شاهدا الطلاق وشاهدا الرد معاً وقد فاتت العدة أدركها أيضاً، وإذا أعلمها شاهد الطلاق وفارقها ثم أعلمها شاهد الرد بعد خلو العدة فاتته،
ومن بت عرسه ثلاثاً فنكحها سواه وجاز وطلق واعتدت فلزوجها الأول تزويجها بنكاح جديد.
مسألة
[ تحليل المطلقة ثلاثاً ]
ومن بت عرسه ثلاثاً وتزوجها صبي وذو رحم منها فليس ذلك بالتزويج كان من قبل النسب أو الرضاع، وإن تزوجها ذو رق بإذن ربه جاز، وقول : لا يجوز ولا يحل لها تزويج ذي الرق على حال.
مسألة
[ أثر المحلل إن كان رقيقاً ]
عن الشيخ أبي محمد رحمه الله : إذا بانت الزوجة بثلاث تطليقات لم
تحل لمطلقها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره بعد عقد صحيح ، ويباشر و يذوق
كل واحد منهما عسيلة صاحبه ثم يفارقا بموت أو طلاق، فإن باشر في
الحيض أو نكح في العدة فلا تحل لمطلقها بهذا لقوله تعالى : { حتى تنكح (7/59)
صفحة 1000
زوجاً غيره } (1) ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : «حتى تذوق من عسيلته ويذوق من عسيلتها»(2) وذواق العسيلة كناية عن الجماع وهو التقاء الختانين، وإن لم يسيل الشير.
مسألة
[ التحليل لا يكون إلا في الطهر ]
وإن باشرها فيما تحرم فيه كالحيض والنفاس أو ما أشبههما، فلا يسمى بهذا ذائقاً عسيلتها، وذائق العسيلة الذي يطلق عليه الاسم للحل في البضاع الصحيح على المنوال الشرعي، لقوله تعالى : { يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث } (3) ، فإن الله تعالى قال : { فإن طلقها فلا جناح عليهما
أن يتراجعا } (4) ، وإن قلتم : إن طلقها في الحيض خيار له أن يتزوجها فقد جعلتم شرط ما وقع عليه من طريق الحضر، ولم تجعلوا شرط الإباحة
بالوطئ حصوله وإن كان مخصوصاً، قلنا له : لم نتعلق بذكر الشرط، وإنما تعلقنا بذكر العسيلة ، فالعسيلة معلقة والطلاق لم يرد فيه، ولا يجوز إلا على الوجه المأذون فيه والأمة في الطلاق مجتمعة.
مسألة
[ أثر النية في صيغ الطلاق ]
ومن طلق زوجته ملؤ بيت ولم ينو ثلاثاً طلقت واحدة، وإذا قال أنت طالق أشد الطلاق أو أكبره أو أعظمه، فهو تطليقة واحدة إلا أن ينوي أكثر على قول، وإذا قال : أكثر الطلاق فقول : تطلق ثلاثاً، وقول : اثنتين، وهو رأي موسى بن علي رحمه الله. ومن قال لزوجته : أنت طالق أشد الطلاق
أو أيسره أو أهونه أو أوسطه أو أطوله أو أحسنه أو أقبحه، فإنها تطلق
واحدة، إلا أن ينوي أكثر.
مسألة
[ من غلط في التلفظ ]
ومن أراد أن يطلق واحدة فغلط فقال : ثلاثاً، فإلى نيته إن صدقته أو حاكمته حكم عليه بطلاق الثلاث، فعن الشيخ محمد بن محبوب رحمه
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 230 .
(2) 2- هذا الحديث هو حديث امرأة رفاعة القرظي المشهور واسمها تميمة بنت وهب.
رواه الخمسة، عن التاج الجامع للأصول 2/342 لا تحل المطلقة ثلاثاً حتى
تنكح زوجاً غيره.
(3) 3- سورة الأعراف آية 157 .
(4) 4- سورة البقرة آية 230 . (7/60)
صفحة 1001
الله : لا يقبل قوله وتطلق ثلاثاً، واختلفوا في الزوج الثقة إذا طلق ثلاثاً
وادعى أنه نوى واحدة، فقول : يجوز للزوجة تصديقه على حال، وقول لا يجوز لها تصديقه، والأصح إذا كان ثقة عدلاً جاز تصديقه وإلا فلا.
مسألة
[ التلفظ بالطلاق سهواً أو غلطاً ]
ومن أراد خطاب عرسه بلفظ لسانه فزل لسانه بلفظ الطلاق غلطاً، فلا غلط على مسلم، ولا يلزمه الطلاق إذا لم ينوه.
مسألة
[ قول جابر بن زيد لا غلط على مسلم ]
روي أن جابر بن زيد رحمه الله سأل رجلاً، أتزوجت بفلانة؟ فقال
الرجل : طلقت فلانة على سنة الله وسنة رسوله، فقال : جائز لا غلط
على مسلم.
مسألة
[ حكم طلاق الوهم ]
ومن أراد أن يقول عبده حر فقال امرأته طالق، فلا طلاق، ولا يجوز طلاق الوهم ولا عتقه، ولا غلط علي مسلم في طلاق ولا عتاق ولا حج.
مسألة
[ أثر كتابة الطلاق على الأرض ]
ومن حرر طلاق امرأته في الأرض أو غيرها فقيل : ذلك طلاق ولو
طلبته، إذا عرف ما حرر، وقول : حتى يقرأ وأما أبو المؤثر فإنه لم يوجب
في هذا طلاقاً.
مسألة
[ أثر كتابة الطلاق في الهوى ]
ومن كتب طلاق امرأة في الهوى فلا تطلق ما لم يتكلم، وقيل حتى
يقرؤه، وإن كتب في شيء من بدنه أو جدار أو قرطاس أو ما أشبه ذلك،
أو بريق فإنها تطلق، وإن كتبت بيده بغير مداد ولو لم يستبين له فإنها تطلق.
مسألة
[ الكتابة على الوسادة ]
ومن كتب طلاق امرأته على وسادته طلقت، وقال الشيخ محمد بن
محبوب رحمه الله : ومن كتب طلاق امرأته في قلبه ولم يحرك به لسانه
ولم ينو به طلاقاً طلقت من حين ما كتب، وذلك إذا كتب امرأته طالق،
وقال أبو الوضاح : لا تطلق حتى يقرؤه، رأي أبي عثمان.
مسألة
[ أثر حديث النفس بالطلاق ]
قال أبو عبد الله رحمه الله : والأصح أنها تطلق إذا كتب، وإذا كتب (7/61)
صفحة 1002
رجل إلى رجل أنه قد طلق امرأته ولم يتكلم بلسانه ولكنه كتب أنه قد طلق فقد وقع الطلاق، لأن الكتاب عند العرب كلام، ومن طلق في نفسه فليس ذلك بطلاق حتى يتكلم به كلاماً يتحرك به لقلقه ويستيقن ذلك، ومن
حدث نفسه بطلاق عرسه فليس بشيء.
مسألة
[ حكم وسوسة الشيطان بالطلاق ]
ومن وسوس له الشيطان معاذ الله منه أنه إذا طلق زوجته، وهو يدافع
ذلك بجهده فلا بأس عليه، ولا يلحقه طلاق حتى ينوي به ويتفوه به.
مسألة
[ حكم رؤيا الطلاق ]
ومن رأى في نومه أن طلق زوجته فلا طلاق عليه، ولو قص رؤياه عليها أو غيرها،ولو كان في قوله أنه رأى كذا، وعن أبي زياد أنه أري ذلك
وسأل كأنه يسأل عن رؤياه غيره أنه رأى كذا وكذا فلا تطلق، وإن قال هو بنفسه رأيت كذا وكذا. وقلت كذا طلقت.
مسألة
[ من كذب على زوجته أنه رأى في المنام أنه طلقها ]
وقال جابر بن زيد رحمه الله : إنها تطلق، وقال أحد الفقهاء : إنها لا تطلق، ومن قص رؤياه على امرأته أنه طلقها في المنام ولم يكن رأى ذلك،
فعن أبي علي أنها لا تطلق، وقال أبو عبد الله : أخاف عليها الطلاق، وكان الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً فعليه الاختلاف، ورأي الأعور وضمام لا تطلق، وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ حكم طلاق غير المدخول بها ثلاثاً ]
ومن طلق عرسه قبل أن يمس فالواحدة تبيينها منه ولا يلحقها طلاق من بعد، وليس له ردها إلا بنكاح جديد ومهر، والثلاث كالواحدة وهو رأي سليمان، وقال أبو عبد المقتدر : هن ثلاث إذا جمعهن بكلمة في لفظة
واحدة وهو قول أبي الحسن، وأنه لا يرجع إليها حتى تنكح زوجاً غيره،
وهو رأي موسى أيضاً. وإذا طلق غير المدخول بها زوجها ثلاثاً ثم تزوجها
بعد أن تزوجها غيره وجاز وطلق واعتدت، ثم طلقها ثلاثاً قبل المباشرة، ثم تزوجها تزويجاً جديداً، ثم رجع فطلقها قبل الجواز فقد بانت منه، ولا سبيل
له عليها حتى تنكح زوجاً غيره، فإن طلقها واعتدت حل للأول تزويجها.
مسألة (7/62)
صفحة 1003
[ كيفية الطلاق قبل الدخول ]
ومن طلق زوجته قبل الجواز واحدة ثم طلقها ثلاثاً أخرى فلا يتبع طلاقه الثاني الأول لأنه حين طلقها واحدة بانت منه، ولا عدة عليها، وإن طلقها
في لفظه ولم يكن جاز بها فله عليها الرجعة بتزويج ومهر، لأنه حين قال:
أنت طالق بانت منه، وكانت التطليقتان فيما لا يملك وهذا مروي عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - ، ومن طلق امرأته قبل الجواز فباشر لظنه جواز ذلك بعد المراجعة،
فلها عليه صداق ونصف، وقد حرمت عليه.
مسألة
[ الطلاق المعلق على المشيئة ]
ومن قال لزوجته : طالق إن شئت ومتى شئت أو كم شئت، فإذا قال
لها : إن شئت الطلاق فأنت طالق، فقالت : قد شئت لم تطلق، لأنه لم
يعلق الطلاق بصفة لأن قوله : إن شئت الطلاق، أما إن قال : أنت طالق ما شئت أو كم شئت، فقالت : لا شاء شيئاً، فقول : إنها تطلق واحدة، وإن
تشأ شيئاً لأنه عزم على تطليقها ، فإن شاءت أكثر فكما شاءت طلقت. قال
أبو المؤثر : إنه لا يقع شيء من الطلاق، وإذا لم تشأ المرأة شيئاً. وإذا قال
لها : أنت طالق إن شئت فقالت : لا أشاء، ثم أن افترقا شاءت، فقال أبو
عبد الله : لا يجاب لذلك وهو رأي أبي زياد، ومن قال لزوجته : أنت طالق
إن شئت، فقالت : لا أشاء ، فقال لها : إن لم تشائي فإني أشاء، فلا يقع الطلاق. عن أبي عبد الله : فإن قال لها : أنت طالق إذا شئت، فإذا شاءت الطلاق طلقت واحدة. وإن قال لها : أنت طالق إذا شئت، فكلما شاءت الطلاق طلقت، واللفظ أن تقول : قد شئت الطلاق ثلاث مرات، وهي إذا
لم تنقض عدتها بانت.
مسألة
[ صيغ من وقوع الطلاق ثلاث ]
ومن قال لزوجته : أنت طالق طالق طالق في نسم واحد وقال : عنيت واحدة وإن لم تكن له نية، فالأصح أنها تطلق واحدة. فإذا قال : أنت طالق وطالق وطالق ثم طالق ثم طالق، فإنها تطلق ثلاثاً، ولم أعلم في هذا اختلافاً.
النهج الخامس والأربعون (7/63)
صفحة 1004
في الظهار(1) والإيلاء(2) وطلاق السكران
مسألة
[ الآيات الدالة على الظهار ]
قال الله تعالى : { الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً } (3) الآية ، فهذه كفارة الظهار وليس فيها تخير، وعلى المظاهر أن يبدأ
بالعتق، فمن لم يجد فعليه الصوم، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، فإن لم يكفر حتى مضت أربعة أشهر باتت منه زوجته بالظهار، وإنما خص الظهر باليمين دون غيره التي أراد بها التحريم لأن الظهر موضع الركوب والمرأة مركوبة لبعلها حين المباشرة، فكأنه قال : ركوبك علي كركوب أمي في التحريم، وهذا من لطيف الاستعارة في الكنايات. روي عن العلماء أن الناس كانوا في الجاهلية يطلقون نساءهم بالظهار فجعل الله حكمه في الإسلام
خلاف ما كانوا عليه، وسببه شكاية خولة(4)
__________
(1) 1- الظهار : لغة : مصدر ظاهر يظاهر ظهاراً، والظهر في قوله عليه السلام «لا
صدقة إلا عن ظهر غني» والظهار مقابلة الظهر بالظهر، والرجل والمرأة إذا كان
بينهما شحناء يدير كل واحد منهما ظهره إلى الآخر. لسان العرب 4/2270
مادة ظهار.
اصطلاحاً : تشبيه المسلم المكلف من تحل له أو جزؤها بظهر محرم أو جزء، وإن
بصهرٍ أو رضاع. شرح النيل وشفاء العليل 7/94 - 95 انظر أحكام
الظهار للمحقق.
(2) 2- الإيلاء : بالمد : الحلف، وهو مصدر يقال : آلى بمدة بعد الهمزة يؤلي إيلاءً.
اصطلاحاً : هو الحلف على ترك قربان المنكوحة على ترك أربعة أشهر فصاعداً.
البناية شرح الهداية 4/633 وانظر أحكام الإيلاء للمحقق.
(3) 3- سورة المجادلة : آية 3 - 4 .
(4) 1- خولة : هي خولة بنت ثعلبة، وقيل : بنت خويلد. وقال الثعلبي قال ابن عباس
رضي الله عنهما : هي خولة بنت خويلد الخزرجية كانت تحت أوس بن
الصامت أخو عبادة بن الصامت، وكان حسنة الجسم. انظر أحكام الظهار. (7/64)
صفحة 1005
امرأة أوس بن الصامت(1) إلى
النبي - صلى الله عليه وسلم - من زوجها حين ظاهر منها، فأنزل الله حكمها في أول سورة المجادلة.
مسألة
[ ماهية العبد المعتق ]
ولا يجوز أن يعتق في ذلك إلا عبداً سليماً غير ناقص الجوارح، وإن
كان نقصانه لا يمنعه عن المكسبة فقد قيل : إنه يجزئ، ولا يجزئ ذو المس
إذا لم يفق.
مسألة
[ متى يلزم العتق ]
ومن لم يستطع الصوم من عذر وصب أو نصب أو زمانة أو سبب أطعم ستين مسكيناً، والعتق يلزم المثري.
مسألة
[ جواز عتق الذمي في كفارة الظهار ]
ومن لم يجد العتق فصام، ثم وجد العتق فإن لم يكن قضى صومه فعليه العتق، فإن أتم الصوم فلا عتق عليه وإن وجده، ويجوز عتق العبد النصراني واليهودي، ولا يجوز عتق المجوسي، وقيل : يجوز عتق أعور عين، وقيل : لا يجوز في الظهار.
مسألة
[ حكم عتق الطفل ]
وعلى المظاهر إذا وجب عليه العتق فأعتق طفلاً أن ينفق عليه ويمونه حتى يبلغ، فإن أودى الطفل المحرر قبل بلوغه كان على المعتق أن يجعل نفقته إلى بلوغه في ثمن عبد يعتق، وقول : يعول به صبياً حتى يبلغ، قال أبو الحواري : وبهذا الرأي نأخذ وهو في سنة يوم أودى، وقول : يتصدق به على الفقراء.
مسألة
[ عيوب العتق ]
ولا يجوز في عتق الظهار أعور عين ، ولا من أصرت أذنه ولا الأعمى
وإذا قطع مارن أنفه فلا يجوز، وما دون ذلك جائز، ولا يجوز عتق المدبر
ولا الخصي ولا المجبوب وهو مقطوع الذبذب، ولا الجنين في بطن أمه.
مسألة
[ عيوب لا تؤثر في العتق ]
__________
(1) 2- أوس بن الصامت : هو أخو عبادة بن الصامت، آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين
مرثد بن أبي مرثد الغنوي. شهد أوس بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . أدرك عهد عثمان بن عفان رضي الله عنهم وهو الذي نزل
بحقه وزوجته خولة صدر سورة المجادلة. انظر الطبقات الكبرى لابن سعد
3/547 - 548 . (7/65)
صفحة 1006
ومقطوع الأنملة والأذنين يجوز عتقه، إلا أن يكون قد يبس الكف وشل، فإن الأشل لا يجوز ولا المقعد الذي لا يستطيع القيام ولا مقطوع الرجل
ولا المحدودب ولا فاقد الباءة.
مسألة
[ جواز عتق الأفزل ]
وجائز عتق الأفزل ولا يجوز عتق من اشتراه عتق كأبيه وأمه وأشباله، وقول : يجزئ، والأول أصح.
مسألة
[ حكم الظهار قبل الدخول والتكفير عنه ]
ومن أعتق قن نجله عن ظهار أُجزئ عنه لأنه أتلفه، ومن ظاهر من زوجته فكفر قبل الدخول أجل الظهار، ثم لم يباشرها حتى خلت أربعة أشهر في
غير جنة الظهار بانت بالظهار، فإن كان له عذر من وصب أو ضرب في الأرض أو سجن أو ما أشبه ذلك فعليه الإشهاد أنه قد فاء إلى زوجته ولم
يمنعه من غشيانها إلا ما هو فيه.
مسألة
[ الظهار من الأمة، وترتيب الكفارة ]
وإفاءة ذي الوصب إذا لم يستطع المباشرة أجزأه يده على الكين من تحت الملاءة، وإن لم يستطع أشهد على ما ذكرنا، ومن ظاهر من قينته الشفلحة التي يطأها لزمه الظهار، وعليه أن يكفر قبل الغشيان، ولا وقت عليه، وإن أفضى حرمت عليه أبداً، وإن لم يطأها فظاهر منها ثم أراد وطأها كفر كفارة الظهار وباشر، ومن ظاهر من أمته التي يطأها فتعذر عليه عتق سواها أعتقها عن نفسها، ولا يجزئه الصوم إذ هو مالك رقبة، وقال أبو الحواري وأبو المؤثر : يجزي الصوم إذا لم يجد سواها، هذا هو الأرجح، ومن لم يطق الصوم أطعم.
مسألة
[ حكم الظهار من الأجنبية ]
عن محمد بن محبوب رحمه الله : ومن قال : إن نكح هنداً فهي عليه
كظهر أمه ألف مرة، فعلى قول من يقول أن لا كفارة عليه من ظاهر مما
لا يملك، إنه لا يقع عليه ظهار، وقال بعض: عليه ألف كفارة، ولا وقت عليه.
مسألة
[ الظهار من غير زوجته ثم تزوجها ]
عن أبي الحواري رحمه الله : من ظاهر من غير زوجته ثم تزوجها فلا كفارة عليه، وهو رأي أبو المؤثر وأبي جعفر ونبهان بن عثمان وجابر بن
زيد رحمهم الله.
مسألة
[ حكم عتق العبد المشرك ] (7/66)
صفحة 1007
ومن أعتق عن ظهار عبداً عليه فيه شريك فذلك جائز، وينوي عند عتقه أن يضمن ذنوب شريكه، ولو عفا الشريك عن ذنوبه نصيب، وقيل أنه لا يجزئ لأن ذي الذنوب له الخيار في أخذ نصيبه ذنوبه، فأن شاء اتبع المعتق
أو المعتق، وهذا هو الأصح. ومن أعتق عن ظهار عبدين وعليه فيهما شريك فعلى ما تقدم من الاختلاف، والحجة فيه قد مضت، ومن أعتق عبداً شبله
عن ظهار أجزأ عنه، ومن كان مستطيعاً للصوم فلم يصم، ثم مرض في
الشهرين الآخرين من الأجل يجز الإطعام، وقال أبو الحواري : يجزئه
الإطعام إذا بقي ما يجزئه إن هو صائم.
مسألة
[ حكم من صام ثم عجز عن الإكمال ]
وإذا صام المظاهر شهراً من أول الأربعة الأشهر ولم يفطر، ثم مرض
وعجز عن الصوم ولم يجد عتقاً وحاذر الفوت، فإنه يطعم ثلاثين مسكيناً،
فإذا برئ صام مكان الشهر الذي لم يصمه، وقول : يطعم ستين مسكيناً ويصوم شهراً وهو الأصح، وعن أبي الحواري : إن لم يبرأ أو خاف فوت
الوقت أطعم ما بقي عليه من الأيام كان شهراً أو أقل ويجتزئ به، وليس
عليه صوم إذا انقضى الأجل.
مسألة
[ من لم يجد العتق وكان مريضاً ]
ومن لم يجد العتق وكان عليه صوم ولم يصم حتى مضت ثلاثة أشهر، وبقي شهر من حلف وهو صحيح، ثم رام الإطعام حين ضاق به الأمر عن الصوم لضيق الوقت لا مرض، فلا يجزئه الإطعام حتى يصوم ويجهده
الصوم ويخاف على نفسه فله أن يفطر ويطعم.
مسألة
[ صور من كيفية الكفارة ]
ومن صام عن كفارة الظهار شهراً ثم مرض، أطعم ستين مسكيناً فقد اكتفى، وإن كان أفطر لمرضه شهراً أقل أو أكثر ثم برئ فأدرك صوم الشهر الثاني من حين ما برئ في الأربعة الأشهر فقد أدرك واكتفى، وإن مضت
الأربعة وهو مريض ولم يصم بانت منه زوجته.
مسألة
[ مقدار الإطعام ]
ولم يستطع الصوم ورام الإطعام أطعم ستين مسكيناً أكلتين غداء
وعشاء، أو بالعكس، وإن عشاهم مرتين وغدَّاهم مرتين جاز، وإن أطعم (7/67)
صفحة 1008
أكلة ثم بعد مدة أطعمهم الأخرى جاز، وإن باشر بعدما أطعمهم أكلة
جهلاً فلا بأس عليه إن ظن جواز ذلك وعليه إطعامهم بأعيانهم ثانية.
مسألة
[ حكم الإطعام مرة واحدة ثم مات المُطعم ]
ومن مات من الفقراء الذين أطعمهم أكلة قبل أن يطعم الأكلة الأخرى أبدل مكان من مات أو ضرب أو أثرى، وإن لم يطعم مكانه حتى تخلو
أربعة أشهر بانت منه امرأته.
مسألة
[ بماذا تفسد الزوجة قبل الكفارة ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله فيمن قال : إن فعل كذا
فزوجته عليه كظهر أمه فإن تركها أربعة أشهر بانت منه في الظهار، فإن تزوجها وجاز قبل التكفير لم تحرم عليه، ولكن يوم أن لا يطأها حتى يكفر كفارة الظهار ولا أجل عليه ولا فساد.
فإن عبث المظاهر بعرسه فيما دون الكين حتى يسيل شيره، ولا يلج الفرج، فلا فساد عليه، وكذلك إن مس الفرج أو رنا فلا فساد عليه أن
يكفر، إنما تفسد بالملامسة فقط.
مسألة
[ من باشر بدون قصد ]
ومن عبث في سائر البدن فسال الشير حتى ولج الكين من غير قصد
منه فليس ذلك كحكم المباشرة إذا لم يتعمد، فإن تعمد لإيلاج المني فهو
كمن باشر.
مسألة
[ ما يجوز للمظاهر من زوجته ]
ولا بأس باجتماعهما ومساكنتهما وأن يرتدا معاً في الأربعة الأشهر قبل أن يكفر.
مسألة
[ ما لا يكون ظهاراً من الصيغ ]
وإن قال هي عليه كظهر مجوسية، لا تحل له أبداً، وإن عين مجوسية فلا يكون ظهاراً، وقيل : عليه في هذه الكفارة يمين، لأنه يمكن أن تتحنف
المجوسية ويتزوج بها.
مسألة
[ من صيغ الظهار بالحرم المؤقتة ]
وإن قال كذات الكتابين فلا ظهار عليه، لأن تزويجه بها ممكن.
مسألة
[ من صيغ الظهار ]
ومن قال هي عليه كظهر امرأة ميتة، أو كظهر أحد ممن لا يحل نكاحه كأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكل هذا ظهار لأن هؤلاء لا يحل نكاحهم أبداً.
مسألة
[ من صيغ الظهار المظاهرة بالملاعنة والمزني بها... ]
ومن جعل عليه امرأته كظهر أمها أو كامرأة زنا بها، أو ملاعنته أو (7/68)
صفحة 1009
محدودة في الزنا، فهذا كله ظهار، لأن من ذكرنا لا يحل له نكاح أحد
منهن أبداً.
مسألة
[ المظاهرة بالجوارح المحرمة ]
ومن قال امرأته عليه كجارحة أحد من جوارح من لا يحل له نكاحه أو ظفر أو شعر، أو غير ذلك مما هو لم يكن بائناً من جسدها كالبشرة أو
سواها، وأراد الظهار فهو ظهار.
مسألة
[ من الصيغ المختلف فيها ]
قال بعض المسلمين في الملاعنة والمحدودة ومن زنى بها باختلاف، قال أبو الحواري : أما التي زنى بها فلا اختلاف فيها أنه ظهار، لأنه لا تحل له أبداً.
مسألة
[ حكم المظاهرة مرتين من زوجته ]
وعن أبي علي : ومن قال لعرسه هي عليه كأمه مرتين، ولم ينو طلاقاً ولم يوقت فهذا قد ظاهر، وعليه ما على المظاهر، وإنما عليه كفارة واحدة لا
يلزمه كفارتان لقوله مرتين.
مسألة
[ كيفية الكفارة من الظهار من الأربع بلفظ واحد ]
ومن كان له أربع نسوة فظاهر منهن بلفظة واحدة أو بلفظ بعد لفظ، فإنما عليه كفارة واحدة، وإن أفرد لكل واحدة لفظاً بالظهار فعليه لكل واحدة منهن كفارة.
مسألة
[ أثر تعدد مجالس الظهار قبل التكفير على تعدد الكفارة ]
ومن ظاهر من امرأته في مقاعد شيء في شيء واحد، فعليه كفارة
واحدة ويكون وقت الأربعة الأشهر الأول ما ظهر من ظاهر من امرأته في أشياء مختلفة بكلمة واحدة كأن كلم فلاناً أو دخل على فلان أو أعطى
فلاناً كذا، ونحو هذا، فكلما فعل واحدة من ذلك حنث، فإن فعل حنث،
فإن فعل ذلك جميعاً فعليه لكل فعل كفارة، فإن تركها حتى تبين بانت
بالقول الأول، فإن مضى الأجل الثاني وهي بائنة منه لم يلزمه، وإن مضى
الثاني وقد ردها من الأول بتزويج جديد لزمته أيضاً الكفارة، فإن مضى
الأجل ولم يكفر بانت بالظهار، وقيل : لا وقت عليه، ومن قال عليه زوجته كظهر أمه إن فعل كذا، وهي عليه كظهر أمه إن فعل كذا، أو عليه كالظهر أمه إن فعل كذا لشيء آخر، في مجلس أو مجالس شتى، فحنث فعليه
الكفارة لكل ما حلف عليه.
مسألة
[ أحكام في الظهار ] (7/69)
صفحة 1010
وإن لم يكفر حتى تبين بالأول انهدم الثاني إذا أمضى أجله وهي بائنة
منه، إلا أن يتزوجها ويمضي الأجل الثاني وهي في حباله، فإن كفارة الظهار تلزمه أيضاً.
مسألة
[ أثر موت المظاهر قبل التكفير على الميراث ]
ومن ظاهر من امرأته فلزمته كفارة الظهار، فمات قبل أن يكفر فلا شيء عليه، ولزوجته منه الميراث ما لم ينقض أجل الظهار.
مسألة
[ أثر موت المرأة قبل التكفير على الميراث ]
وإذا ماتت امرأة المظاهر فله منها أيضاً الميراث، ما لم تنقض الأربعة
الأشهر أجل الظهار قبل أن يكفر، فإن مات أو ماتت قبل أن يكفر وبعد انقضاء الأجل فليس بينهما ميراث، لأنها لو لم تمت لما كان له عليها سبيل
وإن ظاهرت المرأة من زوجها فعليها كفارة الظهار، فليس في ذلك وقت، ولزوجها غشيانها بالليل إذا صامت الكفارة بالنهار.
مسألة
[ حكم الطلاق بعد الظهار والزواج من المرأة بعد العدة ]
وإن ظاهر الزوج من زوجته ثم طلقها، فانقضى أجل لطلاق قبل
أجل الظهار، فتزوجها في أجله، ومر عليها أجل الظهار وهي زوجته
بانت بالظهار.
مسألة
[ أثر الظهار على الزواج الثاني ]
ولو طلقها ثم تزوجها غيره فطلقها، ثم رجع إليها ومر عليه أجل الظهار بانت منه بالظهار.
مسألة
[ سبق أجل الظهار على الطلاق وأثر سبق الطلاق على الظهار ]
وإذا ظاهر منها ثم طلق فسبق أجل الظهار أجل الطلاق انهدم الظهار، وإن سبق أجل الظهار أجل الطلاق طلقت اثنتين ذلك إذا باتت بطلاق ثم لم يردها حتى يمضي أجل الظهار وهي بائن منه فإنه يهدم ولا يلزمه فيه شيء ولو تزوجها من بعد، وأما إذا انقضى أجل الطلاق وتزوجها ومضى أجل الظهار الذي حلف به وهي معه بانت منه بالظهار إلا أن يكفر قبل خلو الأجل، وقيل: تلزمه الكفارة في هذا كله ولا يباشر ما لم يكفر، ولا وقت عليه، ولو كفر عنها بعد مضي أجل الطلاق بانت منه ثم تزوجها لأجزأته تلك الكفارة.
مسألة
[ أثر النية في الظهار ] (7/70)
صفحة 1011
ومن قال لامرأته عليه كظهر أمه ونوى الطلاق فهو طلاق ولا
ظهار عليه، وإن طلق ونواه ظهاراً لزمه الطلاق والظهار جميعاً.
مسألة
[ حكم لفظ الطلاق بنية الظهار ]
عن أبي الحواري رحمه الله ، فيمن طلق عرسه، ونوى الظهار لزمه الطلاق والظهار ، فإن مضى أجل الطلاق قبل أجل الظهار ، لزمته تطليقه
قبل أجل الظهار، ولزمته تطليقة. وإن مضي أجل الظهار قبل أجل الطلاق بانت بتطليقتين، وقال أبو علي في التي تمضي عدتها من الإيلاء والظهار والطلاق في يوم : فهما تطليقتان، وعن أبي المؤثر : ومن ظاهر وباشر قبل
إن يكفر حرمت عليه زوجته ولا يجوز إطعام من لم يأخذ حوزته من الطعام
في كفارة الظهار، وقد مضى الاختلاف في هذه المسألة.
مسألة
[ طعام الطفل الذي فطم من الرضاع ]
وجائز إطعام البالغ ولو كان قليل الرزية في الطعام، ولا يجزئ ذي
الوصب ويعطي بالكيل والوزن، ومثله الطفل الذي لم يأخذ حوزته إذا صار يأكل الطعام وقد فطم عن الرضاع.
مسألة
[ حكم الظهار المفقود ]
ومن ظاهر من امرأته ولم يكفر حتى بانت منه، وأرادها بتزويج ومهر وولي وشاهدين ولا وقت عليه، ولا يباشر حتى يكفر، وإن باشر قبل التكفير
لم تحرم عليه ولكنه يؤمر باجتناب غشيانها حتى يكفر.
ومن ظاهر فضرب قبل حول الأجل وعمى خبره، فانقضى الأجل، فإن
زوجته لا تبين منه بالظهار، لأن القول قوله في الكفارة، ولا تتزوج امرأته
حتى يصح موته وإقراره أنه لم يكفر حتى انقضى الأجل.
مسألة
[ صيغ من الإيلاء ]
اعلم أن الإيلاء باليمين وبالظهار وبالطلاق وبالعتاق وبالصدقة وبالحج وجميع الأيمان.
مسألة
[ آية الإيلاء ]
قال الله عز وجل : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } (1) ،
وقرأ ابن عباس : للذين يقسمون من نسائهم.
مسألة
[ أيمان الإيلاء ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 226 - 227 . (7/71)
صفحة 1012
قال ابن عباس : كل يمين منعت جماعاً، فهي إيلاء. ومن حلف يمين
تردعه عن وطئ زوجته بالله أو بالطلاق أو عتاق أو بغير ذلك من الأيمان
الذي تردعه عن سر عرسه، فهي إيلاء.
مسألة
[ حروف الإيلاء ]
وحروف الإيلاء: أن، وإن لم، وإذا، وإذا لم، كقوله إن لم أطأك فأنت طالق فأن يطأها ومضت أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، فإن وطئ بعد الأربعة
أشهر حرمت عليه.
مسألة
[ كيفية الفيئة ]
ومن حلف بطلاق زوجته أن لم يفعل كذا ففعل قبل خلو أربعة أشهر
منذ حلف، فقد بر ولا شيء عليه، ويستحب له إذا أبر أن يفي ويباشر. وإن كان مريضاً أو ضارباً لمس الكين المريض، وأشهد الضارب أنه لم يمنعه عن الإفاءة إلا ما فيه من وصب أو ضرب، فإن لم يستطع المريض لمس ولا الضارب، فلا بأس، وإن لم يفعل حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بتطليقة وانقضت بها عدتها وحلت للأزواج ولا موارثة بينهما إلا ما كانت العدة
في الأربعة الأشهر، فإذا انقضت بانت ولا موارثة بينهما، فأن بانت زوجة المولى منه فله أن يتزوجها، وتكون معه على ما بقي من الطلاق إلا أن
تتزوج بعده زوجاً غيره، فيطلقها ويتزوجها فإنها تكون عنده على ثلاث تطليقات، والأصح أن الحنث لا يقع إلا مرة واحدة.
مسألة
[ كيفية تحليل الظهار ]
ومن الأعن مس زوجته بتطليقة واحدة طعن برأس عرده بين شفرتيها
حتى يلتقي الختانان ثم ينزع، وإذا لم يمس حتى تخلو أربعة أشهر بانت
بالإيلاء إذا لم يطعن فإذا طعن ونزع طلقت وإن أمضى حرمت عليه أبداً.
مسألة
[ أثر عدم الفيء إلى الزوجة ]
وإذا اطعن المولى وكان مولاً بدون الثلاث طلقت، فما آلى وهو املك بردها كانت عنده بما بقي من الطلاق، وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء وهي تطليقة باينة .
مسألة
[ أثر الفيء إلى الزوجة ]
وإن آلى منها بثلاث تطليقات فإذا طعن حنث وبانت بالثلاث كما آلى وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر، فقول : تبين بتطليقة واحدة بالإيلاء (7/72)
صفحة 1013
وهو الأرجح، وقول : تبين بالثلاث كما حلف.
مسألة
[ ظهار القن ]
وليس للقن إيلاء وظهار ولا طلاق ولا نكاح إلا بإذن ربه، ولا يكفره
إلا برأيه.
مسألة
[ لا ظهار من مملوكة ]
ومن ظاهر من عرسه مملوكه أو آلى أو طلق وأذن له في ذلك ففعل القن بأمره ثبت وجاز، لأن المملوك ليس له التصرف في شيء ولا في نفسه.
مسألة
[ حكم الحلف بالإيلاء بالسنة ]
ومن آلى من امرأته سنة ثم تركها حتى بانت بالإيلاء، ثم تزوجها في
السنة أيضاً وهو قد حلف عن سرها تلك السنة، فقول : إن خلت أربعة
أشهر لم يتزوجها، فإن لم يباشر حتى تنقضي السنة فقد بر في النية وله
مباشرتها وإن حنث عليه .
مسألة
[ حكم الزواج بالمولى بالمولى عنها ثانية وعدم وطئها ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : إذا تزوجها ثانية ثم أمسك عن وطئها أربعة أشهر لم تبن منه بالإيلاء ثانية، ولا يبن بالولي ولكن عليه كفارة يمينه إذا باشر في السنة وهذا لمن حلف بغير الطلاق، وهذا هو الأصح .
مسألة
[ التعليق على هجران الزوجة ]
ومن قال لزوجته : إن وطأتك في سنة مرة واحدة فأنت طالق، فما لم
يطأ لم يدخل عليه إيلاء ، فإن مضت أربعة أشهر أو أكثر ولم يطأ حتى
تنقضي السنة، لأن له وطأها في كل وقت، فإن وطأها تلك المرة(1) التي استثناها في أول تلك السنة أو بعد ذلك ثم تركها جنة حتى تمضي أربعة
أشهر بانت بالإيلاء، ولا يحنث بالطلاق وخرج من الإيلاء، وإن أمضى
بقدر ما يجب به الغسل ويلتقي الختانان فقد وقع الحنث بالطلاق وفسدت عليه، وعن بعض الفقهاء : وينبغي لمن حلف أن لا يطأ امرأته برهة آلى مرة
أن يمسك عن وطئها، فإذا بقي من البرهة أقل من أربعة أشهر وطئها تلك
المرة التي استثناها، ثم في السنة ولا يطأ إلا مرة كما حلف.
مسألة
[ قبول كلام الحالف أو المظاهر ]
__________
(1) 1- في الأصل : المرأة، والصواب : المرة. (7/73)
صفحة 1014
ومن حلف بطلاق عرسه ليتزوج عليها فقال إنه قد تزوج، فإنه مصدق في ذلك، وإن رامت يمينه فعليه اليمين، وكذلك المظاهر إذا ادعى أنه كفر
فهو مصدق.
مسألة
[ تصديق المرأة بأنها حُللت ]
وإذا طلق البعل عرسه ثلاثا،ً فادعت أنها تزوجت زوجاً غيره وجاز بها وفارقها صدقت، ولزوجها الأول أن يتزوج بها إذا كان في وقت يمكن
كون ذلك من خلو عدة الزوجين.
مسألة
[ منع الزوجة من الفيئة ]
وإذا منعت الزوجة زوجها المظاهر منها عن الإفاءة أشهد على ذلك أنه لم يمنعه من غشيانها إلا ذا وذا، وإن ادعى عذراً عن الإفاءة فله القول مع يمينه، وإن ادعى غشيانها للإفاءة فأنكرت فالقول قوله مع يمينه أنه وطأها بعد أن
آلى منها قبل مضي أربعة أشهر.
مسألة
[ الشهادة على الفيء ]
والمظاهر إذا أشهد عدلاً لم يجزه حتى يشهد عدلين، وإن أشهد شاهدين غير عدلين فإن صدقتهما أدركهما، ون حاكمته فلم يجزه إلا بشاهد عدلين.
مسألة
[ كيفية الفيئة والشهادة عليها ]
عن أبي عبد الله رحمه الله، فهل لها تصديقه؟ قال : لا، حتى يخبرها الشاهدان، ولا تستقر له لغشيانها، فإن غشي وأشهد العدلين وأرخى وقتاً
يدركها فيه، وإلا حرمت بينهما.
مسألة
[ طلاق السكران وتصرفاته ]
وطلاق السكران جائز عليه ولا يجوز بيعه ولا هبته ولا نكاحه ولا صدقته في رأي محمد بن محبوب ، و من شرب دواء فنسي فطلق فلا يصح
طلاقه، ولا يمين عليه في قول الفضل، وهو بمنزلة من مس المس.
مسألة
[ حكم تصرفات من سكر بلا مسكر ]
ومن تحسى الماء فثمل وطلق حق عليه وجرى به نكالاً وعقوبة من الله، قال أبو سعيد بن محرز : طلاق ذي النشوي ماض ولو لم يعقل ولا يجوز
إقراره بالطلاق، وأجازوا إيلاءه وظهاره وعتاقه، وهو قمين بذلك إذا
ارتكب نهي الله.
مسألة
[ طلاق الناشي ومن لا عقل له ]
عن الشيخ أبي محمد رحمه الله: اتفق جل فقهائنا أن طلاق الناشي
ثابت عليه ومحكوم به، وإن من اعتراه وصب كبر سام أو ما يشبهه (7/74)
صفحة 1015
واختلط عليه عقله وطلق أن طلاقه لا يلزم.
مسألة
[ تصرفات السكران ]
وفرقوا بين طلاق السكران وساير أفعاله كبيعه وشرائه وعطيته، ولم أعلم حجتهم في ذلك مع استواء الحكم في ذلك مع اتفاقهم أن الأعمال لا تقع
إلا بنية وليس للسكران نية، والنشو على ضربين فنشو معه تميز فتلزمه
الأحكام في كل شيء لأنه يعقل ما يفعله ونشو لا تميز معه ، فسبيله سبيل
ذي المس الذي تقع أفعاله معراة من المقاصد، والله تعالى لا يخاطب من
لا عقل له.
مسألة
[ نصوص القرآن والسنة في أعمال السكران ]
وقد خاطب الله السكارى، فقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } (1) ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنما الأعمال
بالنيات»(2) ، وتزويج الناشي لا يصح عليه، وينفسخ قبل الجواز، فإن جاز ثبت النكاح، ولها كمهر أمها أو مهرها إذ كانت تزوجت من قبل.
مسألة
[ حكم ولاية السكران ]
والسكران والهمل لا ينكح ولا يُنكح، فإذا احتج محتج بتزويج النبي
- صلى الله عليه وسلم - بخديجة رضي الله عنها أن وليها كان ثملاً، فقد قيل أنه صحا من نشوه وأُخبر بصنيعه، قال : كفؤ كريم، وقد أتممت ذلك .
مسألة
[ حكم تصرفات السكران ]
وإذا سكر اثنان وذهبت عقولهما، فقال أحدهما للآخر : قد زوجت
ابني بابنتك، وقبل الآخر، فأخبر الولدين فرضيا وقبلا، ثم صحا الأبوان
فنقضا التزويج، فإذا كان النكاح مشهوراً وعليه شهود فهو جائز وإن يكن موجحاً فهو باطل ، قال أبو محمد : لم أعلم جواز نكاح الناشي مشهوراً
كان أو موجحاً، قال أبو الحسن : إذا جاز الناشي فلها كأوسط مهور
__________
(1) 1- سورة النساء آية 42 .
(2) 2- الحديث متواتر تواتراً معنوياً والحديث في أوسطه مشهور وفي نهايته متواتر.
أخرجه البخاري 1/7 - 15 بدء الوحي وفي الإيمان، ومسلم رقم 1907 في
الإمارة، وأبو داود رقم 2201 في الطلاق، والترمذي رقم 1647، النسائي
1/59 في الطهارة باب النية في الوضوء. (7/75)
صفحة 1016
نسائها، وقال : إن تزويج الناشي جائز، وإن أمهرها فوق مهرها رجعت لأوسط مهور نسائها وبطلت الزيادة، وإذا نشت المرأة فنكحت وصحت فأتمت ثبت عليها النكاح .
مسألة
[ طلاق النشوان ]
وإذا فاه ذو النشو لزوجته : طالق، طالق، طالق، ثم طالق ولم يقل أنت طالق ولا زوجتي طالق وهي طالق ولا فلانة طالق، فلو كان هذا القائل
صاحياً رددناه إلى نيته، أنه لم ينو لزوجته ونواه أنه لا ينفع إلا بواضح اللفظ بالكلام والنية وبانفراد النية دون اللفظ لا يقع طلاق، وهذا اللفظ من هذا الناشي مجرد من النية، وحجة أصحابنا في وجوب طلاق الناشي عليه مع
تجريد النية وخلوها منه إذ هو مصدر لفظ صحيح صريح، وأما هذا فليس
بلفظ صريح، فلم أرى عليه طلاقاً، وإذا طلق الناشي وقع به الطلاق لأن الطلاق إنما هو عقد يجب له حله وإثباته، فإن أحله صاحياً أو ناشياً انحل.
مسألة
[ ما يترتب على الطلاق ]
فإن قيل أن الطلاق يجب به المهر فما أنكرت أنه لا يلزم أيضاً للعلة التي نصبتها في النكاح، قيل له أن الصداق يجب بالعقد وبالدخول ألا ترى أن الزوج يسلم لزوجته صداقها وتكون باقية معه على التزويج فلو كان
الصداق لا يجب إلا بالطلاق لكان لا يجب تسليمه إليها وإن سلمه لا يحل
له المقام معها.
مسألة
[ حكم تزويج الناشي ]
وتزويج الناشي غير جائز، فإن جاز لزمه المهر وإن صحا ورام المقام معها فلا بأس، قال الفضل لمحمد بن محبوب رحمه الله : أو ليس أول نكاحه
فاسد، قال: بلى، ولكن ليس لو أن صبياً تزوج امرأة فباشر فبلغ هل كان نكاحه جائز إذا رضي لما أن بلغ، قال : نعم فهذا، قال : ذاك سيان .
مسألة
[ تصرفات الثمل ]
عن الشيخ أبي مالك رضي الله عنه : أرأيت لو كان مجرى الثمل ثملة فرضيت بعد المباشرة، هل كان تجوز؟ قال : لا يجوز ، قيل له لم تجعله كمن
لا عقل له كالصبية والناشئ، قال : هذا لم يلزم إلا الصبية جائز تزويجها (7/76)
صفحة 1017
بالسنة بلا رضى مخصوص، و البالغ مستثنى رضاه بالسنة ، فالأول بتزويجه
عائشة رضي الله عنها، والثاني رضى المرأة بالنكاح، إذ ليس رضاها بشيء وهذان أصلان.
مسألة
[ تصرفات السكرانة ]
والمرأة السكرانة لا يحل نكاحها، إذ ليس رضاها بشيء حتى تصحو، والنكاح منتقض ولو جاز حتى ترضى بعد الإفاءة، قال الشيخ أبو سعيد :
إن تزوجها في حال نشوها فسدت عليه وكان لها مهر ورضاها وعكسه في النشو سيان، ومن قال لزوجته : أنت كأمي، أو من يحرم عليه نكاحها، فإن عنى في الشفقة فلا بأس عليه أن يودها كوده لامه أو كأحد من قرابته.
مسألة
[ حروف الإيلاء ]
وحروف الإيلاء أربعة، فاثنان منهن لا يكونان إيلاء إلا في الجماع
خاصةً وهما : إن وإذا، فإذا قال إن باشرتك إلى مدة كذا وكذا فأنت طالق، وإذا أنا باشرتك إلى الوقت الفلاني أنت طالق، فهذان الحرفان مخصوصان
في المباشرة وأما إن لم وإذا لم فهي إيلاء في المباشرة وسواها، وهو إذا قال:
إن لم أجامعك الليلة مرة أو مراراً يحدها كنت طالقة، وإن لم أخرج الليلة
من البلد أو الوقت الفلاني فأنت طالق، وإذا لم أجامعك وإذا لم أخرج
فكان سيان.
مسألة
[ من حلف بالله على هجران زوجته ]
وإذا حلف الزوج عن عرسه بالله لا بالطلاق فمدتها فيما دون الأربعة الأشهر لزمته كفارة اليمين، وإن تركها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء.
مسألة
[ صيغة العتق في الظهار ]
لفظ العتق لمن وجب عليه الظهار، فإذا صح له الملك على شخص قال : أنت فلان حر لوجه الله، ولا اقتحام العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة،
لا سبيل لأحد من بعدي عليك إلا سبيل الولاء، وذلك عما لزمني من كفارة الظهار امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - .
النهج السادس والأربعون
في الخلع(1)
__________
(1) 1- الخلع : لغة : خلع : خلع الشيء، يخلعه خلعاً، واختلعه، كنزعه، إلا أن في
الخلع مهلة وسوى بعضهم بين الخلع والنزع. وبالضم خلع امرأته خلعاً إذا أزال
زوجيتها. والخلع : بالفتح : إزالة الثوب وبالضم المخالعة.
اصطلاحاً : هو إزالة ملك النكاح، المتوقفة على قبول المرأة، بلفظ الخلع أو ما في
معناه. وهذا عند الحنفية.
عند الحنابلة : فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه الزوج منها، أو من غيرها
بألفاظ مخصوصة. (7/77)
صفحة 1018
والبراءة
مسألة
[ تعريف الخلع لغة ]
روى المؤثر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «أيما امرأة شاءت من بعلها الخلع فحرام عليها عرف الجنة»(1) ، والخلع بين الزوجين بضم الخاء وبفتحها خلع قميصه أو خاتمه أو ما أشبه ذلك.
مسألة
[ حكم الخلع ]
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «المختلعان من غير إساءة من المنافقات» وإذا اختلعت امرأة من إساءة فلا حرج عليها، وحرام على زوجها ما افتدت به من إساءة.
مسألة
[ تعريف الخلع اصطلاحاً ]
وإذا خالع الرجل في الصحة فلا ميراث بينهما ولو مات أحدهما في
العدة والخلع أن تفتدي الزوجة من زوجها بشيء من صداقها قل أوجل، ويبرئ لها نفسها وليس له ردها إلا برأيها.
مسألة
[ كيفية رجعة المختلعة ]
وليس للمختلعة غير الحبلى نفقة، ولها البروز من بيته، وليس له ردها
بدون حقها، وإن ردها بدون حقها سلمه لها.
مسألة
[ أقوال العلماء في كيفية رد المختلعة ]
وقال الشيخان العالمان عبد الله بن عباس وأبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنهما : ولا يجوز رد المختلعة إلا بنكاح وإلا بولي وشهود. وقال جل العلماء : جائز ردها برضاها، وهذا القول هو الأكثر، والنظر يوجب الأول.
مسألة
[ حق المختلعة في الطلاق ]
وإن تزوجها في العدة فلها ما فرض لها من المهر، وكذلك إذا تزوجها
بعد خلو العدة، وأما في الرد فلا يحل له أن يبخسها فتيلاً ولا نقيراً، أو
تكون عنده بما بقي من الطلاق. وإن تزوجها غيره وفارقها، فتزوجها هو من بعده كانت عنده على ثلاث تطليقات.
مسألة
[ اعتبار المخالعة طلاق ]
وقيل للمختلعة تزاد ولا تنقص، والمطلقة واحدة أو اثنتين إن ردها زوجها برأيها بدون صداقها الأول جاز.
مسألة
__________
(1) 2- أخرجه ابن ماجة بلفظ : «لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه...» رقم
2054 ورقم 2055 : «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام
عليها رائحة الجنة» 1/662 باب كراهية الخلع للمرأة. (7/78)
صفحة 1019
[ حق المختلعة بعد الرد ]
عن أبي الحواري لعله أبي المؤثر عن هاشم بن غيلان رحمهم الله في امرأة اختلعت فردها زوجها بدون حقها، فقال : إنها تزاد ولا تنقص، وهو رأي بشير والربيع أيضاً.
مسألة
[ رد المختلعة بمهر جديد ]
عن محمد بن عبد الله بن جساس(1) أنه أجاز رد المختلعة بدون صداقها،
وأبا ذلك أبو المؤثر، والأصح عدم جواز ذلك.
مسألة
[ فيمن نزلت آية الفدية ]
وإذا كرهت الزوجة معاشرة زوجها أو داره فافتدت منه حلت له الفدية، وإن حاذرت حوباً من بغضه وعصيانه فافتدت فلا بأس عليه، وقد نزلت آية الفدية في ثابت بن قيس الأنصاري.
مسألة
[ سبب المخالعة على حلية المال ]
عن الشعبي لو أن رجلاً أعرض بوجهه عن امرأته ونيته أن تختلع منه فاختلعت لحرم عليه ما افتدى به، وإن لم يمكنه الإنصاف لها مما يجب عليه فافتدت منه، جاز ولها ما افتدت إذا أثري.
مسألة
[ الرد لا يكون إلا برضى المخالعة ]
وإذا ا ختلعت الزوجة من زوجها وأبرأته وأبرأ لها نفسها ثم صحت الإساءة بعدلين حكم عليه بما افتدت به ولا سبيل إلى مراجعتها إلا برأيها،
ولها مهرها بما أصاب منها.
مسألة
[ سبب المخالعة المشاقة بين الزوجين ]
عن موسى بن أبي جابر(2) : وإذا اشتاق الزوجان، فطلبت المرأة أن
تفتدي ، فقال الزوج : كنت مسيئاً في أمرك وأتاب لله(3)
__________
(1) 1- محمد بن عبد الله بن جساس : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 1- موسى بن أبي جابر الأزكوي من بني ضبة وقيل : من بني سامة بن لؤي بن
غالب ، كان أحد العلماء الأربعة الذي حملوا العلم عن الربيع بين حبيب رحمه
الله بالبصرة إلى عُمان ومن العلماء المشهورين في زمانه ومرجع المسلمين في
ذلك الأوان وعلى رأسه قامت الإمامة بعد انقطاعها بمقتل الإمام الجلندي توفي
رحمه الله سنة 181هـ إتحاف الأعيان 1/168 - 169 .
(3) 2- الأصح : وأتوب إلى الله وتائب إليه. (7/79)
صفحة 1020
وتائب إليه مما صنعت، إنه لا تبعة عليه أبرأته بعد هذا القول. وعن موسى بن علي : أنه يدعوها بعدلين على الإساءة. وأما أبو عبد الله قال بقول موسى بن أبي جابر، وقال أبو زياد : إذا لم تكن لها نية وأرادت يمينه أنه ما كان مسيئاً، فلها ذلك، فإن نكل وحلفت سلم لها مهرها. وأما أبو عبد الله أعجبه أن تدعي بشاهدين إذا لم يعرض عليها الإحسان والإنصاف بعد الإساءة ، وقال بعضهم : لها
مهرها على حال وإذا صحت الإساءة ولو عرض عليها الإحسان.
مسألة
[ متى لا يكون الطلاق خلعاً ]
وإذا اختلعت المرأة عن إساءة فطلقها زوجها، فإذا صحت الإساءة فلها مهرها، وله ردها في العدة بغير رأيها، لأن ذلك ليس بخلع وإنما هو طلاق.
مسألة
[ أثر المرض على المخالعة ]
وإذا خالع الزوج زوجته وهو مريض، فلا يصح البرآن ويتوارثا إن مات أحدهما، وقول : إن كانت هي الميتة فلا يبرئ، وهي تطليقة وله منها
الميراث. وإن كان هو الميت برأ ولها الميراث في ماله، وعليها عدة الوفاة،
وهذا هو الأرجح. وقال أبو عبد الله : إذا برت المرأة زوجها من صداقها،
وأبرأ لها نفسها وهي مريضة، فبرأته ولها تطليقة يملك فيه رجعتها، إن بقي بينهما شيء من الطلاق. ولا يبرأ من صداقها، فإن ماتت قبل المراجعة وهي
في العدة ورثها، وإذا انقضت عدتها قبل الرد بانت ما لم يرثها.
مسألة
[ أثر المرض على طلاق الثلاث ]
وإن طلقها ثلاثاً فلا ميراث بينهما وهو صحيح لأنه لا رجعة له عليها، وإن كان هو المريض وهي صحيحة فأبرأته من مالها وأبرأ لها نفسها براء من مالها وأبرأت منه، لأن طلاقها منه وهو صحيح أو مريض جائز، وإن مات
قبل مضي عدتها منه وقبل مراجعتها وكان قد بقي بينهما من الطلاق فلا
ترثه، لأنه قد وقع بينهما البرآن.
مسألة
[ مبارأة الزوج زوجته ]
ومن بارأ عرسه فهلك في عدتها، فلا ترثه ولا يرثها.
مسألة
[ أثر الصيغة في المخالعة أو الطلاق ] (7/80)
صفحة 1021
وإذا رام الزوجان الخلع، فقالت المرأة : اشهدوا بأني قد برأت زوجي هذا من حقي الذي عليه لي على أن يبرئ لي نفسي، وقال الزوج : اشهدوا أني
قد قبلت، وهي طالق، ولم يقل : إني قد أبرأت لها نفسها، فقول : قد وقع
في البرآن، وقول : إذا كان الكلام متصلاً لحقها الطلاق، والأصح يكون
برآناً ولا يلحقها الطلاق.
مسألة
[ كيفية تلفظ الطلاق ]
وإذا قالت للشهود : اشهدوا بأني قد أبرأت زوجي هذا من حقي أو جزء منه، على أن يبرئ لي نفسي، فقال الزوج : اشهدوا أنها طالق، ولم يلفظ بالقبول، فإنها تطلق ولها عليه مهرها.
مسألة
[ مخاطبة الزوجة زوجها بالبراءة ]
وإذا قالت الكاعب لعرسها : قد أبرأتك من مالي على أن تبرئ لي
نفسي، فقال : قد قبلت، وقد طلقت ثلاثاً، فعن أبي زياد وأبي عبد الله وأبي عباس أنها تطلق ثلاثاً، وإذا قالت : قد أبرأتك من حقي ما أبرأت لي
نفسي، فقال : قد أبرأت لك نفسك، وقع البرآن، وإن قال : قد قبلت،
فقط، فقال بعضهم: قد وقع البرآن ، وأبا إيقاعه آخرون ، وإن قال: قد
أبرأتك من حقي ما أبرأت لي نفسي، فقالت : قد أبرأت لك نفسك إذا
أبرأت من حقك، فقد وقع البرآن.
مسألة
[ صيغة الزوجة في قبول المخالعة ]
وإذا قالت : قد أبرأتك من حقي على أن تبرئ لي نفسي، فقال قد
قبلت، ولا أبرئ لك نفسك، فلا شيء في ذلك والحق عليه، وقال ابن
المعلا(1) : إذا قبل برأتها وقع الخلع ولم يبرئ لها نفسها، بشرط تقديم
القبول، وقول : إذا وصل القبول بالاستثناء لم يكن عليه شيء، وإذا وصل وقدم القبول وقع الخلع.
مسألة
__________
(1) 1- ابن المعلى : لعله : محمد بن المعلَّى الكندي الفشحي من علماء عُمان الأوائل
في القرن الثاني ومن تلامذة الربيع وأحد نقلة العلم من البصرة إلى عُمان مع
زملائه بشير بن المنذر، وموسى بن أبي جابر والمنير بن النير، وقد رشحه
الشيخ موسى بن أبي جابر للإمامة ولكنه لم يتولى الإمامة انظر إتحاف الأعيان
1/169 - 170 . (7/81)
صفحة 1022
[ سكوت الزوجين خلال المخالعة ]
وإذا قبل وسكت حتى افترقا وقع الخلع، وإن أبرأته علي أن يطلقها ثلاثاً فطلق واحدة فهو خلع، قال ابن المعلى : إذا أبرأته على أن يطلقها فقبل
البرآن، فقد خالع ولو لم يذكر الطلاق.
مسألة
[ من الصيغ المختلف عليها في الخلع أو الطلاق ]
عن أبي عبد الله : ومن طلق عرسه تطليقة ووحجها عنها ثم اختلعت إليه من صداقها في عدتها، ثم اتضح لها الطلاق الأول الموجح(1) السر عنها، فرجعت عليه في صداقها فليس لها ذلك، والخلع تام، وقال سليمان : لها صداقها، وأبا ذلك أبو بكر.
مسألة
[ حكم إنكار الطلاق ]
عن أبي عبد الله : لو طلقها بعلها وأنكرها، فاختلعت إليه من صداقها في عدتها، ثم أقر بصداقها، أو صحت عليه بينة ثم رجعت في صداقها، حكم
لها به لأنها لو لم تختلع باشرها حراماً، والمسألة الأولى في الطلاق الموجح لا
بأس عليه إن باشر إذا عزب عليها علم طلاقها، وهي في الأصل له حلالاً.
مسألة
[ طلاق الثلاث ثم المخالعة ]
عن الشيخ أبي عبد الله : وإذا طلقها ثلاثاً طلاقاً موجحاً ثم اختلعت
وقبل منها صداقها.
مسألة
[ نقصان الطلاق بالمخالعة ]
وإذا نكح الرجل امرأة ثم اختلعت إليه وأُبرئ لها نفسها قبل الجواز ثم طلقها ثلاثاً قبل خلو عدتها هل يلحقها طلاقه؟ قال : لا، وإذا اتفقا على أن يتزوجها تزويجاً جديداً ومهر جاز، وتكون عنده على تطليقتين .
مسألة
[ ثمن المخالعة الحرام ]
__________
(1) 1- الطلاق الموجح : وجح الطريق : ظهر ووضح. وأوجحت النار : أضاءت
والموجح : الملجأ، كأنه الجيء إلى موضع يستره، وقد وجح يوجح وجحاً إذا
التجأ، وأوجحه البول ضيق عليه، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى
الصبح فلما سلم قال : من استطاع منكم فلا يصلين وهو موجح. وقال
الأزهري : الموجح الكثيف الغليظ، الجلد الموجح : الجلد الأملس. لسان العرب
3/880 إعداد يوسف خياط. (7/82)
صفحة 1023
قال أصحابنا : إذا وقع البرآن بين الزوجين واتفقا على المراجعة كان لهما ذلك، ويحضرا شاهدين بالصداق الذي اختلعت إليه منه، أو بزيادة
لا بأوكس(1) مما اختلعت به، ولا يفتقران إلى رأي والي إذا كان في العدة،
وإذا خالع البعل عرسه على محظور، كالصهباء(2) ولحم الخنزير أو نحو
ذلك في الثمن لا العين .
مسألة
[ الخلع المتفق على جوازه ]
الخلع المتفق عليه ومحكوم بجواز وهو أن تقول الخدلجة : قد أبرأت
زوجي فلاناً، وإن كان حاضراً قالت : هذا من صداقي أو حقي أو ما
تزوجني عليه أو صدقني إياه على أن يخلعني بالطلاق أو يبرئ لي نفسي، أو أبرئ من زوجيته، أو يفارق لي نفسي، أو أشبه ذلك إذا اتضحت لإرادته.
مسألة
[ الشهادة على المخالعة، وحكم المخالعة على المجهول ]
وأما البعل فإنه يقول للشهود : اشهدوا أني قد قبلت ذلك منها وخلعتها بتطليقة أو بالطلاق، وإذا قال : قد أبرأت لها نفسها ما أبرأتني هي من
صداقها، فقالت هي : قد أبرأته من صداقي الذي عليه فقد وقع الخلع،
وأيهما ابتدأ بالقول جاز، وإن قالت قد أبرأته من صداقي، وقبل هو ولم يقل شيئاً سوى القبول، ففي وقوع الخلع بين أصحابنا في مثل هذا اختلاف،
فبعض رأى قبوله جواباً لشرطهما ويوقع الخلع لأنها اشترطت ما أبرؤ لها نفسها، وأبا ذلك آخرون. وإن قالت : قد أبرأتك من صداقي على أن تبرئ
لي نفسي، فقال : هي طالق واحدة لم يكن خلعاً، الخلع مخالف للطلاق،
لأن الله ذكر الفدية بين ذكره الطلاق ولم يجعله في جملة الطلاق، والخلع
على المحظور والمجهول لا يصح، لأنه يوجب حقاً ويوجب المطالبة به.
مسألة
[ أوجه المخالعة ]
الخلع يقع على ثلاثة أوجه : فخلع يقع على شيء بعينه، وخلع يقع
على شيء في الذمة ويكون حلالاً، وخلع يقع على مال معلوم، ولا تنازع
في ذلك.
مسألة
[ ألفاظ المخالعة التي لا اختلاف فيها ]
__________
(1) 1- لا بأوكس : بدون نقصان.
(2) 2- الصهباء : اسم من أسماء الخمر. (7/83)
صفحة 1024
قال الشيخ أبو محمد رحمه الله في الخلع الذي لا اختلاف فيه : وهو أن يقول الزوج : قد خلعت زوجتي فلانة بالطلاق على أن تبرأني من صداقها، وتقول هي : قد أبرأته مما عليه لي من الصداق، وقال أيضاً في لفظ الخلع
الذي ليس فيه اختلاف، وهو أن يقول البعل لعرسه : قد اختلعتك بتطليقة
أو ما شاء من الطلاق على أن تبريني من حقك أو من صداقك أو من مالك كيف شاء، فتقول هي : قد أبرأتك من حقي أومن صداقي أو من مالي.
مسألة
[ حكم المخالعة بالطلاق ]
ومن قال لزوجته : قد أبرأتك بالطلاق فهو الخلع الذي لا اختلاف فيه بينهم وهو آكد.
مسألة
[ البراءة من البراءة المؤونة ]
وإذا أبرأ الزوج لزوجته نفسها على أن تبرئه من مؤونة ولده منها برؤها محدودة من درهم إلى عشرة آلاف درهم أو نحو هذا من الشرط، فلها في
ذلك الرجعة وليس له هو الرجعة في نفسها.
مسألة
[ المخالعة مقابل تنازل الزوج عن نفقة وحضانة الولد ]
وإذا بارأت الزوجة زوجها من حقها ورباية ولدها ونفقة عشرين سنة، وأبرأ لها نفسها بأن لها الطلاق، فلها الرجعة في ربايته ونفقة ولدها، لأن
ذلك مجهولاً وليس هو حق لها، ومدة الحياة مجهولة، ولأنه لا تحل له
الزيادة عما سلم إليها، هذا رأي أبي محمد.
مسألة
[ المخالعة على وعد الإعطاء المقدر ]
وإذا قالت الزوجة لبعلها : أبرئ لي نفسي ولك علي ألف درهم، فأبرئ لها نفسها، فإنه لا يتبعها بأكثر مما أصدقها.
مسألة
[ استعفاء الزوج عن غشيان الزوجة مخالعة ]
وإذا رام البعل غشيان عرسه، فاستعفته على أن تترك شيئاً من صداقها لعفو مدة عينتها أو صحت حدتها، فقيل : إن ذلك حكمه حكم الخلع، وأبا
هذا الرأي آخرون، حتى ينوي الخلع، وهذا رأي أبي الحواري، وبرأي ما
تركته له إذا تركها عليه.
مسألة
[ صيغة الإعفاء هذه الليلة أو غيرها بمبلغ من المال ] (7/84)
صفحة 1025
وإذا طالب الزوج عرسه وقالت له عرسه : اعفي هذه الليلة ولك شطر من مهري كنصفه أو جزء منه، فأنعم لها، فقيل : أن هذا خلعا، وقيل : ليس بخلع، وقيل : إذا عفاها كمدة الإيلاء بانت بالإيلاء وهو أربعة أشهر،
والأصح أنه الإيلاء عليه.
مسألة
[ هدية الصداق مقابل الطلاق ]
وإذا قالت الزوجة لزوجها صداقي هدية لك بطلاقي، أو على أن
تطلقني، فلم يطلق حتى افترقا، أو مكثا أياماً ثم طلق، وقع بينهما الطلاق
ويبرئ من صداقها.
مسألة
[ من قال لزوجته : فراقك بيدك ]
وإذا قال لها : فراقك يبدك أو برأيك، فقالت : قد فارقتك وأبرأت نفسي منك، وقالت نويت الطلاق، فليس ذلك شيء حتى يقول : طلاقها بيدها، وتسمي الطلاق، ولو فوت الطلاق وسعها المقام معه، وليس للنسوة نية في
مثل هذا . وقيل : لا يمين في النسب ولا في النكاح ولا في الرد لا لهم و لا
عليهم، والأصح أن رد المطلقة من المختلعة واحد في اللفظ، لأن المطلقة ترد
في العدة ولو كرهت، والمختلعة ترد برأيها. ولا يجوز الرد إلا بشاهدي
عدل على الأصح. ورخص الشيخ أبو محمد في شهادة غير العدلين في
الرد، وأكد ذلك في الإشهاد على الحقوق، واللفظ أن يقول : قد رددتها أو راجعتها بم بقي من طلاقها.
مسألة
[ من ألفاظ المراجعة ]
وهذا لفظ أخر للمراجعة أن يقول الزوج :اشهدوا أني راجعتها على ما بقي من طلاقها جاز، ولو لم يذكر الحق، وقيل : إن ذكر الحق عن
المراجعة لزمه.
مسألة
[ الشهادة على رجعة المختلعة ]
وأما المختلعة فإذا قال : اشهدوا بأني قد رددتها بحقها على ما بقي من طلاقها، جاز إذا رضيت، وإذا قال : قد رددتها أو راجعتها على صداقها بما بقي من طلاقها، جاز إذا رضيت، ولفظ آخر في رد المختلعة هو أن يقول:
قد رددت على فلانة مالها الذي اختلعت به إلي وقد رجعت عليها في (7/85)
صفحة 1026
نفسها، وتقول المرأة : إني قد قبلت ما رده علي من صداقي(1) وقد رددت نفسي إليه ، والأول أرفق بالمرأة . لفظ آخر أن يقول الرجل : قد رددت عليها
حقها وصداقها الذي اختلعت إلي منه أو الذي أبرأتني منه، وقد رجعت
عليها في نفسها بذلك، فذلك جائز في رد المختلعة.
مسألة
[ الفرق بين رجعة المختلعة والمطلقة ]
والمختلعة تزاد في المهر ولا تنقص وجائز رد المطلقة بما اتفقا عليه، و المطلقة ترد ولو كرهت، المختلعة لا ترد إلا برأيها، فإن حضرت الرد وإلا فيعلمها الشاهدان بالرد من الخلع أو الطلاق.
مسألة
[ مكوث المعتدة في بيت الزوجية ]
والمطلقة واحدة أو اثنتين لا تخرج من بيت بعلها إلا بإذنه، ولا يمنع الدخول عليها بإذن قبل الرد، وقيل : لا بأس أن يبيتا في بيت واحد، وقيل : يجوز له نظر ما دون الكين ويمس بدنها، كره له مس كينها بلا تحريم وهذه المسألة تستر عن الجهال.
مسألة
[ نكاح اليتيمة ومخالعتها ]
وإذا نكح الرجل يتيمة وجاز، ثم خالعها وهي في حال يتمها، هل تتم مخالعتها؟ أرأيت لو أتمت ذلك بعد بلوغها اليتم أم لا، فإن خلع اليتيمة
موقوف إلى بلوغها، فإذا بلغت وأتمته تم، فإن رضيت التزويج وأنكرت
البرآن لم يتم عليها، وإن غيرت النكاح انفسخ ولها مهرها بما نال منها، و أما
أن أبرئ لها نفسها إذا أبرئ من حقها، فإن رجعت في حقها رجع عليها في نفسها، رأي الشيخ خميس بن سعيد(2) .
مسألة
[ برآن الأب لبعل ابنته ]
ومن جواب الشيخ مسعود بن رمضان(3)
__________
(1) 1- في الأصل الصداقي، والصواب : صداقي.
(2) 1- خميس بن سعيد : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 2- مسعود بن رمضان : العلامة الفقيه مسعود بن رمضان بن راشد النبهاني
السمدي النزوي، أحد العلماء العاقدين بيعة الإمام على الإمام ناصر بن
مرشد ، عرف عنه بالتقوى والجهاد نصرة الحق ، مات مسموماً. انظر
تاريخ نزوى ص154 - 155 . (7/86)
صفحة 1027
رحمه الله : واختلفوا في برآن الأب لبعل ابنته، فأجازه بعضهم وأثبته، وأباه آخرون، وجعلوه تطليقة لا
خلعاً وله ردها بغير رأيها ولا رأي أبيها حتى ينتزع الأب صداق ابنته ثم
يبرئ زوجها منه، فحينئذ يصير خلعاً.
مسألة
[ المخالعة بلفظ الهبة ]
وإذا قال الزوج لزوجته : أوهبيني، فقالت : قد وهبتك وأبرأتك، فقال
لها : أنت مطلقة، فإذا رام الخلع وقصداه فهو خلع ولو قصرا في اللفظ،
وينحط عنه الصداق ولو كان مسيئاً إليها. وإذا أبرأت الزوجة بعلها من
مهرها وقبل البرآن ولم يكن بينهما كلام غير ما ذكرنا وليست لهم نية في الخلع، فلا يحكم في مثل هذا بطلاق ولا يبرئ خلعها.
مسألة
[ طلاق ذي الوصب ]
وطلاق ذي الوصب غير ثابت إذا لم يقدر على المشي بلا ممسك إلى
باب داره، وإن قدر ولم يكن في عقله نقصان فطلاقه ماض وما أقر به
ثابت عليه(1) .
مسألة
[ البرآن بين الزوجين ]
وإذا رام الزوجان البرآن فقالت الزوجة : قد أبرأتك من صداقي، فقال الزوج لآخر : أنت وكيلي يا فلان فطلق الوكيل ثلاثاً، فأما في الحكم فلا
يثبت هذا الطلاق، وأما في الاطمنأنة فإنه إذا أتم الزوج الطلاق تم وإن احتج بحجة، لأن هذا غير صريح.
مسألة
[ صيغ من المخالعة والبرآن ]
ولفظ انتزاع الأب مهر ابنته وإبراء زوجها منه، أن يقول الأب للشهود : اشهدوا بأني قد انتزعت مهر ابنتي فلانة من زوجها فلان وقد أبرأته منه
على أن يبرئ لها نفسها برآن الطلاق بتطليقة أو أكثر، فيقبل الزوج برآنه من حق ابنته ويقول : قد أبرأت لها نفسها. وإذا رام الزوجان الخلع قال الزوج : إن رددت علي ذا وذا إلى وقت كذا فأنت طالق فأنكرت الزوجة و لم ترد
ما شرط عليها رده في الأجل أو وادعت أنها ردته وأنكر هو ما في الشرط
إذا لم تكن معها نية، فالزوج مدع، وإن أراد يمينها فعليها اليمين أنه طلقها
ولم يشترط عليها رد شيء، فإن حلفت طلقت وله ردها إن بقي بينهما
__________
(1) 1- في الحقيقة تصرفات المريض موقوفة. (7/87)
صفحة 1028
شيء من الطلاق في العدة، ولا عمل على الرد بعد فوت الأجل المحدود فيه. وهل من فرق بين تقديم الطلاق على الشرط أو بالعكس؟ فنعم بينهما بون، لأنه إذا قدم الشرط وأخر الطلاق وحدثت له نية في مضي عند التلفظ بين الشرط والطلاق نفعته نيته، وإن قدم الطلاق على الشرط وأتم لفظ الطلاق
فلا ينفعه إحداث النية، وإن تقدمت له نية فله ما نوى في الحالين.
مسألة
[ الطلاق المعلق ]
عن الشيخ خميس بن سعيد رحمه الله : وإذا قال البعل لعرسه : إن
رددتي علي كذا وكذا فأنت طالق كذا أعني ثلاثاً ولم تكن له نية في وقت
فمتى ردت عليه ما شرط وقع عليه الطلاق.
مسألة
[ حلف الزوج بالطلاق ]
وإذا حلف الزوج بطلاق زوجته على فعل يفعله أو لا يفعله، فالقول في ذلك قوله، وإن حلف على فعل الزوجة فالقول قولها أنها فعلت أو لم تفعل، وإن حلف على فعل غيرهما فلا يصح إلا بالبينة.
مسألة
[ الطلاق المعلق على شرط ]
وإذا طلق الزوج زوجته ثلاثاً على أن تمهل عليه ببعض مهرها الآجل ومهرها محدودة فأبانها فغيرت المهل ورامت أخذ حقها معجلاً، فلا غير
لها والشرط ثابت عليها.
مسألة
[ تطليق الزوجة من غير الزوج بحضرة الزوج ]
وإذا طلق أحد زوجة غيره بحضرته ولم ينكر ولم يظهر منه رضى في
ساعة التطليق، كان المطلق أباً أو أجنبياً، فإذا لم يبن من الزوج رضى أو الإنكار، فالقول قوله أنه لم يرض بالطلاق.
مسألة
[ شراء المرأة طلاقها من زوجها ]
وإذا اشترت المرأة طلاقها من زوجها ففي ذلك اختلاف، قول : يقع الطلاق حين اشترته ولو لم تطلق نفسها ويكون بمنزلة الخلع، وقول : لا
يكون طلاقاً حتى تطلق نفسها منه.
مسألة
[ شراء الطلاق من الزوج ]
عن أبي سعيد رحمه الله: وإذ اشترت الزوجة طلاقها من زوجها بأكثر
مما ساقه إليها، فقول يثبت عليها أقل أو أجل وقول : لا يثبت إلا ما ساقه
إليها وهذا الرأي لئلا يجترئ سفهاء الرجال على النساء.
مسألة
[ اختلاف الزوجين في عدد الطلقات ] (7/88)
صفحة 1029
وإذا تقار الزوجان بالطلاق وادعت الزوجة أنه خلع وادعى الزوج أنه طلاقاً، وادعت المرأة أنه طلاق الثلاث، وادعى الزوج أنها واحدة أو اثنتان، فالقول في هذا قول الزوج مع يمينه، إلا أن يصح بالبينة العادلة خلاف ما
قال الزوج.
مسألة
[ اختلافهما في الطلاق والخلع ]
وإذا ادعى الزوج الخلع، وادعت الزوجة الطلاق وأن صداقها باق عليه،
ثم رام الزوج ردها كارهة حين أقرت أنه غير خلع، أن الزوج في هذا مدع وعليه البينة أنها اختلعت إليه بكذا وكذا، الطلاق ماض عليه وعليها هي
البينة أنه طلقها ثلاثاً وإن أرادت يمينه فعليه اليمين.
مسألة
[ أثر مخاطبة الزوجة زوجها بالبراءة من حقها ]
من كتاب منهاج العدل : وإذا قالت الزوجة لزوجها : قد أبرأتك من حقي على أن تبرئ لي نفسي ، فقال الزوج: قد أرددت لك نفسك إن لم
تفعلي كذا، فقول : إن البرآن واقع ولا يهدمه الاستثناء، وقول : إذا فعلت ذلك قبل أن يفترقا أنه لا يقع البرآن.
مسألة
[ أثر مخاطبة الزوج الزوجة بقوله : قد أبرأت لك نفسك ]
وإذا قال الزوج قد أبرأت لك نفسك إن رددتي علي مالي، وإن أعطيتني كذا ففعلت له ذلك في المجلس وقع البرآن، وإن افترقا وقع البرآن ولو فعلت ذلك بعد الافتراق.
مسألة
[ اختلافهم في افتراق المجلس ]
واختلفوا في الافتراق وما حده، فقال بعضهم : افتراق المجلس، وقال بعضهم : إذا خاضا في حديث غير ما قعدا عليه ولم يفترقا من المجلس، فقد
وقع حكم الانصراف لعلة الافتراق، وإذا اشترط الزوج على زوجته أن تفتدي منه بأكثر مما ساقه إليها، فأعطته في المجلس، وقع الخلع. وإن افترقا انهدم
البرآن. ولا يحل الزيادة إلا أن تطيب نفسها بذلك بعد الخلع وتبرئه منه.
مسألة
[ بدل ما ساق الزوج لزوجته ] (7/89)
صفحة 1030
وإذا ساق الزوج لزوجته خرقاً فبليت أو عروضاً كورس أو عطر فبلي، فأرادت منه الفدية، فهل لها أن تفتدي منه بخرقة الخلقة أو ما ساقه ولو بلي؟ فإذا اتفقا على شيء فعلى ما اتفقا، ولا يحكم عليه بأخذ الخرقة الخلقة ولا
العروض البالية بغير ثمن، وما ساقه فمردود عليه، حتى قيل : إنه ما سرح به
من الجل، وقول : له ما ساقه بعينه.
مسألة
[ حكم الطلاق بعد البرآن ]
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن عبد الله رحمه الله : وإذا أبرأت
الزوجة زوجها من حقها على أن يبرئ لها نفسها، فقال : قبلت مالي وأنت طالق عشرين مرة وعشرين تطليقة وقد طلقها قبل ذلك مرة، فرام نكاحها
بعد أن خلت عدتها، أله ذلك أم لا؟ فنعم، لأن طلاقه هذا لا يلحقها بعد
قبوله للبرآن وبعد أن طلق، وله تزويجها وتكون عنده بتطليقة.
مسألة
[ طلب الزوجة الطلاق من زوجها ]
ومن جواب الشيخ خميس بن سعيد رحمه الله : وإذا طلبت الزوجة
الطلاق من زوجها فقال : إن رددتي علي كذا فأنت طالق ثلاثاً، ولم تكن
نية في الرد أنه في أي وقت، فإذا لم ترد عليه ما شرط في المجلس، فلا يقع
عليه طلاق ولا ينفعها رده بعد الافتراق.
مسألة
[ متى يثبت تزويج الصبي ]
وإذا تزوج الصبي فلما بلغ غير التزويج، فلا يثبت تزويج الصبي عليه
حتى يبلغ ، ويثبته ويخرج منه بلا صداق وإن عاشرها بعد بلوغه ولو ساعة
ثبت عليه التزويج وإذا اعتامها بعد أن بلغ ولو مرة، لزمه صداقها بما أصاب وبطل النكاح حين غيره بعد بلوغه، ولا يلزمه بالمباشرة قبل البلوغ شيء.
وإن ضمن أحد بالصداق من أب أو أجنبي لزمه ما ضمن به.
مسألة
[ حكم المهر بعد التطليق قبل الدخول ]
وإذا تزوج الرجل امرأة على صداق معلوم من نخل أو غيرها من
العروض أو دراهم، ودفع إليها مهرها، ثم طلق قبل الجواز، فأراد منها نصف الصداق وقد تلف بعض المهر أو كله، فإن أصدقها باسقات أو دوجاً
فاجتاحها زعزع ريح أو مغدوق سيل فما وهيبت فبينهما وما بقي. فكذلك (7/90)
صفحة 1031
في الحيوان اختلاف، فمنهم من أوجب عليها نصف ما توى، ومنهم لم
يوجب عليها شيئاً، وما كان من فضة وتضار درهم، فما توى فعليها نصفه، أعني ما بقي وله أن يسترجع عليها.
مسألة
[ أثر قول الزوجة لزوجها أبرأتك من حقي ]
وإذا قالت الزوجة لزوجها : قد أبرأتك من حقي على أن تبرئ لي
نفسي، فأجابها، بأنها طالق ثلاثاً وعليه مهرها إن كان قد جاز بها، وإن قال
لها : قد برأت لك نفسك فقد وقع البرآن، وبرئ من مهرها. وأما الطلاق فقول : يلحقها، وقول : لا، وهو الأرجح.
مسألة
[ أثر قول الزوجة أبرأتك من حقي واستلمت ثلثي المهر ]
وإذا تزوج الرجل امرأة على ثلاثمائة درهم فأنقدها مائتي درهم، فقالت
له : أنت برئ من حقي الذي تزوجتني عليه، أنه لا يثبت برأتها إلا في المائة
التي عليه.
مسألة
[ صيغة من صيغ المخالعة ]
عن أبي الحواري رحمه الله : وإذا قالت المرأة اشهدوا أني قد أبرأت زوجي هذا من كل حق عليه على أن يبرئ لي نفسي، فقال الزوج : قبلت وهي طالق، ولم يقل : وقد أبرأت لها نفسها، أن الخلع واقع بهذا، فقول : يلحقها
إذا كان الكلام متصلاً، وقول : يكون برآناً ولا يلحقها الطلاق وهو الأشهر.
مسألة
[ أثر ادعاء الجهالة في البرآن ]
عن أبي سعيد : إذا قالت المرأة لزوجها : قد أبرأتك من كل حق عليك
لي ما أبرأت لي نفسي، ثم ادعت الجهالة فيما أبرأت، فلا رجعة لها، ويبرئ
من كل حق يجب عليه لها إذا لم يكن من إساءة، وقولها : حقي وصداقي
سيان عن محمد بن محبوب، وإذا قالت الزوجة لزوجها : قد أبرأتك مما لي عليك على أن تطلقني واحدة فهي كأولى.
مسألة
[ اختلاف الطلاق مع البرآن ] (7/91)
صفحة 1032
عن المعلا بن أبي حذيفة(1) : إن الأشياخ اختلفوا في امرأة قالت لبعلها : قد أبرأتك من مالي، فأجابه بأنك طالق ثلاثاً ولم يقل أنت، فإجماعهم أن الطلاق يقع ثلاثاً. واختلفوا في المهر، فقول : لا تفوته زوجته وماله لأنه لم يطلقها إلا بعد البرآن، وقول : ليس له من المهر شيء لأنه لم يقبل البرآن.
مسألة
[ مخاطبة الزوجة زوجها : قد أبرأتك من مالي ما أبرأت لي نفسي ]
وإذا قعد الزوجان للخلع فقالت المرأة : قد أبرأتك من مالي ما أبرأت لي نفسي، فلم يجبها هنيئة(2) ، فقيل : له لم لم تجب؟ فأجاب بالقبول وأبرأ لها نفسها، قال الشيخ أبو سعيد : قد وقع البرآن.
مسألة
[ حكم رجعة الحبلى في هدم النفقة ]
عن أبي الحواري رحمه الله تعالى : لا رجعة للحبلى في هدمها النفقة
عند الخلع ولها الرجعة في الرباية وهما شتان. قال أبو الحواري : إذا كان
للمرأة مهر على زوجها برأته ومن رباية ولدها، ثم رجعت في الرباية كانت
لها الرجعة في المؤونة ولا رجعة لها في الصداق، وليس للزوج عليها رجعة،
وإن لم يكن لها عليه صداق ورجعت في الرباية فله الرجعة في نفسها.
مسألة
[ أثر ادعاء المرأة في عدم إبراء الزوج من أموالها عامة ]
وإذا كان للزوج الحق ولها المهر على زوجها، وقعدا للخلع فأبرأته من
كل حق كان عليه لها، فأبرأ لها نفسها ثم طلبت أخذ حقها وادعت أنها لم
تبرئه إلا من المهر دون ما عليه، فلها حقها ولا يقع البرآن إلا على المهر فقط، احتجت بهذه الحجة أو لم تحتج حتى يوضحا الحجة فيما وقع عليه الإبراء.
مسألة
[ حكم الرجوع عن المبارأة ]
وإذا وكل البعل وكيلاً في مبارأة زوجته ثم رجع ولم يعلم الوكيل حتى باراها، فإذا صحت الرجعة بالبينة العادلة أنه قبل المباراة، ففي ذلك
اختلاف، قول : تطلق، وقول : لا تطلق والأصح وجوب الطلاق.
مسألة
[ مبارأة الأعمى عرسه ]
__________
(1) 1- المعلا بن أبي حذيفة : والصواب : العلاء بن أبي حذيفة.
(2) 2- برهة من الزمن. (7/92)
صفحة 1033
وإذا بارى الأعمى عرسه بمحضر الشهود وسمي باسمها وقع الخلع، ولا حجة له في ردها في العدة إلا برضاها، لا ميراث بينهما إذا هلك أحدهما
في العدة. وإذا كانت المرأة هي العمياء، فتوكل في البرآن، وإن أقرت فلا
تحتاج إلى توكيل إذا كان إقرارها بحقها الذي على زوجها ، لأن البرآن
يقتضي ما في الذمة. وقد أجازوا صداق الأعمى بالتبر(1) واللجين(2) .
مسألة
[ حكم طلاق ذي الوصب ]
ومن جواب الشيخ أحمد بن مفرج(3) رحمه الله : وذوا الوصب إذا
طلق عرسه ثلاثاً، ثم برئ مدة جليلة أو حقيرة، ثم مات فما زالت في
العدة، فإنهما يتوارثان، لأن طلاق ذي الوصب ضرار.
مسألة
[ مبارأة المريضة ]
وإذا كانت المرأة مريضة ورامت مخالعته، فأبرأته من مهرها، وأبرئ لها نفسها، ثم عوفيت مدة فماتت في العدة، فله ميراث منها وعليه مهرها، لأن برآن المريضة هدر.
مسألة
[ إبانة الزوجة بعد هلاك الصداق ]
ومن أبان زوجته وصح لها ذلك، ثم ردها فأقاما برها، فهلك صداقها
ولا ميراث لها، أو رده ذلك غير جائز حتى تنكح زوجاً غيره ويجوز، ثم يتزوجها بنكاح ومهر.
النهج السابع والأربعون
في المفقود(4)
مسألة
[ المدة الزمنية التي يحكم بها على الفقيد ]
وإذا خلا للمفقود أربع سنين مذ فقد، فلورثته تشطير ما تركه من سيد
وليد ولكل حصته على الكتاب والسنة.
مسألة
[ طلاق زوجة المفقود ]
وإذا مضت مدة الفقد، وهو أربع سنين، وللمفقود زوجة طلقها وليه
__________
(1) 1- التبر : ما كان من الذهب غير مضروب فإن ضرب دنانير فهو عين.
(2) 2- اللجين : الفضة.
(3) 3- أحمد بن مفرج: ورد ذكره في سيرة عبد الله بن مداد النزوي وأنه من علماء عُمان.
(4) 1- هو الغائب الذي انقطعت أخباره، ولا تعرف حياته أو موته. والمفقود قد يظهر
حياً بعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، وقد يثبت موته بطريق من طرق
الإثبات الشرعية. والمفقود له أحكام عدة في الأحوال الشخصية. (7/93)
صفحة 1034
الذي له الدم، فإن أبى الولي الأدنى أن يطلق أمر الحاكم الولي الأقصى،
وكذلك إن كان الولي صبياً طلق الذي بعده، فإن لم يكن له ولي من
الرجال، طلق من كان أولى به من النساء.
مسألة
[ السلطان ولي من ولا ولي به ]
وقيل : إذا لم يكن له ولي من الرجال، طلق الحاكم، ثم تعتد عدة المميتة أربعة أشهر وعشرة أيام، ولها مهرها وميراثها، ولها أن تتزوج إن شاءت.
مسألة
[ ومن يحكم بفقده ]
عن أبي الحسن رحمه الله : إن من طلق زوجة المفقود، لم يجز له
نكاحها، إلا أن يطلقها سواه من الأولياء. ومن حضر حومة حرب(1)
فانجلت ولم يتحقق موته ولا حياته، وكذلك إن جلت الحرب وبه كلم أثواه وألقي صريعاً، ثم لا يدرى ما حاله والذي يحمله عن دم سيل، فلا يدري
أمره. ومن ولج بيت لأسود ضواري، فلم يخرج، أو انهد جدار وتحته أحد ولم يتحقق أمره، فكل هؤلاء مفقودون.
مسألة
[ أهمية البينة في إثبات المفقود ]
وقيل : لا يكون المفقود مفقوداً حتى يصح فقده ببينة عادلة، أو شهرة لا تدفعها شهرة أو شهادة عن شهرة على صحة فقده.
مسألة
[ الفرق بين الغائب والمفقود ]
ومن ضرب لأرض معلومة فاختفى خبره، فهو مفقود، وإذا خرج الرجل من منزله واختفى خبره، ولم يعلم أين توجه أهو حي أم ميت، فهذا يكون بمنزلة الغائب لا المفقود، ومدته ثمانين سنة، وفيه اختلاف.
مسألة
[ كيفية التعامل مع زوجة المفقود إذا عاد ]
عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله : وإذا فقد رجل
ونكحت عرسه وصحت حياته، اعتزلها الزوج حتى يؤوب للمفقود، فإن
آب خير بين عرسه وبين أقل الصداقين، الذي تزوجها عليه والذي تزوجها عليه الزوج الأخير، فله ما اختار، فإن اختار المفقود زوجته دون أقل
الصداقين، فلا يباشرها حتى تعتد من الزوج الثاني ثلاث حيض إن كانت
من ذوات الحيض وأعتامها الثاني، فإن كانت ممن لا تحيض كالصبية
__________
(1) 1- حومة حرب : ساحة المعركة. (7/94)
صفحة 1035
والموئسة، اعتدت ثلاثة أشهر، فإن كانت حبلى فحتى تضع حملها، فإذا تطهرت باشر إن شاء.
مسألة
[ تخير البعل الأول بين الصداقين ]
وإذا لم يكن البعل الثاني جاز، جاز للمفقود غشيانها إذ هي لم تخرج
منه عن حكم الزوجية ، وليس له أن يزداد على الصداقين و لو بذلت له ، وإذا
اختار أقل الصداقين فله العاجل والآجل.
مسألة
[ كيفية ميراث زوجة المفقود ]
فإن هلك المفقود من قبل أن يعلم اختياره، فتعتد من الأول ثم يتزوجها، ولها مهرها من الأول، وأما الميراث فعسى أن يكون لها الميراث.
مسألة
[ لا فرق بين الحرة والأمة في أحكام المفقود ]
وإذا كانت زوجة المفقود قينة، فهي والحرة في العدة سيان، فإذا تربصت أربع سنين منذ فقد طلقها وليه ثم تعتد شهرين وخمسة أيام بعد الطلاق
عدة الأمة المميتة، وتأخذ مهرها، وقد حل لها التزويج.
مسألة
[ المسلمة والكتابية في العقد سيان ]
وذوات المتحنفات والكتابيات في حكم العقد سيان، إلا في القود، فإن المسلمة إذا نجعت كتابية لم تقد بها وكان لها ثلث دية المسلمة.
مسألة
[ عدة الأمة نصف عدة الحرة إذا كانت صبية ]
وعدة الأمة إذا كانت صبية فشهر ونصف، كنصف عدة الحرة الصبية وكذلك المويسة، وطلاق الأمة تطليقتان تبينها من زوجها بمنزلة الثلاث الحرة.
مسألة
[ أثر الزواج خلال العدة ]
وإذا تزوجت المرأة في بقية من عدتها فإن أخطأت في العدد من الأيام والحيض، فتزوجت ظناً منها أنها قد أتمت العدد فرق بينها وبين زوجها
الآخر، ولزوجها الأول ردها، ويتجنب غشيانها حتى تعتد من الثاني
إن جاز بها الآخر وإن لم يردها الأول، فإذا تمت عدتها منه وأراد الآخر تزوجها بنكاح جديد، ولا عدة عليها، وإذا لم يردها الأول(1) ، فإذا انقضت عدتها من الأول اعتدت من الآخر، ثم نكحت غيرهما إن شاءت.
مسألة
[ أثر الفقد على النكاح ]
__________
(1) 1- في الأصل : إلا، والصواب الأول. (7/95)
صفحة 1036
وإذا هلك المفقود بعد أن صحت حياته وبعد أن طلق الولي فإنما العدة من يوم هلك، فإن تزوجت زوجته فرق بينها وبين الآخر وتعتد بقية عدتها من المفقود وعدة الميتة، ثم تزوجت زوجها الآخر إن شاءت بنكاح جديد ولا عدة عليها منه بعد انقضاء عدتها من الأول ، وأما إن أرادت أن يتزوجها
الأول غير الزوج الآخر وكان قد جاز، فلا تتزوج حتى تعتد منه بعد عدتها
من الأول ثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، وإلا فثلاثة أشهر للصبية والموئسة وإن كانت حبلى حتى تضع حملها.
مسألة
[ أثر قدوم المفقود بعد نكاح الزوجة على نكاحها ]
وإذا نكحت عرس المفقود أزواجاً فماتوا ورثتهم، ثم قدم بعلها الأول وشاءها وشاءته، ردت ما ورثته على ورثتهم، وقيل : لا رد عليها فيما
ورثته، لأنها تزوجت على منوال شرعي، والأول أصح، قال أبو الحواري:
لا رد عليها. وإن كانت حاملاً من الآخر انتظرت حتى تضع ثم تعتد بقية
عدتها من الأول ثم تتزوج.
مسألة
[ أثر فقد الأخت على الحرمة المؤقتة ]
وإذا فقدت المرأة ولها بعل، فإن رام نكاح أختها أو رابعة غيرها إن كان
له أربع نسوة، انتظر أربع سنين حتى تنقضي عدة فقدها أو طلقها واعتدت تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر لثلاثة قروء، ثم يتزوج إن كان جاز
بالمفقودة، وإن لم يجز بها وطلق جاز له تزويج أختها من حينه أو رابعة
غيرها، لأن المطلقة التي لم يجز بها لا عدة عليها.
مسألة
[ نكاح أخت المفقودة بعد أربع سنين ]
عن أبي عبد الله : ومن فقدت عرسه فنكح أختها، فبانت المفقودة بعد خلو أربع سنين، فله أن يختار أيهما شاء ولو كان قد جاز بهما جميعا، فإن مات قبل أن يعلم اختياره فإنهما يرثانه جميعاً.
مسألة
[ أثر قدوم المفقود بعد زواج زوجته ]
وإذا تزوج امرأة المفقود بعد خلو الفقد وعدة الوفاة ولم يطلق فمنهم من فرق بينهما وبين متزوجها، ومنهم من لم يفرق، وحجة من أبى الفراق أن ذلك الطلاق لا يوجب حكماً، أن لو قد م الغائب وإن مات ما لم يحتج إلى طلاق. (7/96)
صفحة 1037
مسألة
[ توزيع تركة المفقود بعد مضي أربع سنين ]
وإذا خلا للمفقود أربع سنين مذ فقد، وشاء الوارثون توزيع طارقه
وتأليده(1) ، فلهم ذلك ولكل حصته على عدل كتاب الله.
مسألة
[ هو أحق بالولاية على المرأة ]
وأولى بطلاق امرأة المفقود أبوه إن كان له أب، ثم ولده منها أو من غيرها، ثم عصبته الذين يلون الصلاة عليه والأخذ بدمه الأقرب فالأقرب،
وإن لم يكن له سوى الأرحام أو جنسه فالإمام أولى بطلاقها أو عن رأيه.
مسألة
[ الحاكم ولي من لا ولي له ]
وأما إذا استوت درجة الأولياء ، أمر الإمام لهم أحداً بأن يطلقها ، وإن أبى
الولي أن يطلق طلقها ذو الأمر، وإن كان له ولي فلا يجوز تطليق أولى
الأمر حتى يحتج على الولي، فإن أبى طلق الحاكم، رأي أبي الحواري
رحمه الله.
مسألة
[ لفظ طلاق امرأة المفقود ]
ولفظ الطلاق هو أن يقول : اشهدوا أني قد طلقتها من فلان ابن فلان المفقود، وإن قال : أنت طالق من فلان ابن فلان المفقود جاز، والألفاظ
تختلف فكل يقتضي المعنى جاز.
مسألة
[ نفقة زوجة المفقود ]
عن أبي الحواري : ولزوجة المفقود نفقتها من ناطقه وصامته لما تحتاجه
من نفقة وكسوة في مدة الفقد، وما استنفقته بعد الأربع السنين ردته على الورثة وعليها رد ما أكلت بعد أن صح موته ولو في الأربع السنين.
مسألة
[ نكاح الأمة بعد تطليقها ]
ومن نكح قينة فبتها بتطليقتين ثم اشتراها، فلا يجوز له نكاحها حتى
تنكح بعلاً غيره ويجوز بها.
مسألة
[ شراء جزء من الأمة تحرم على زوجها ]
ومن نكح قينة فابتاع جزءاً منها حرم عليه نكاحها، وقد انفسخ نكاحها بملك الجزوء، و لأن النكاح لا يصح إلا بالزوجية أو الملك، وهذا ملكه غير مؤرب تام ونكاحه قد انفسخ.
مسألة
[ إجماع أهل العلم ]
__________
(1) 1- تقسيم ما تركه المفقود. (7/97)
صفحة 1038
وقد أجمع أهل العلم أن الزوجة إذا ابتاعت جزءاً من بعلها حرم عليه وطئها، فهذا كفؤ، فإن حرره شركاءه رجع عليه بما أتلفه من حصتها وصار حراً، فأن رضيت أن يتزوجها تزويجاً جديداً جاز، وإلا فهي أملك بنفسها وتكون معه على ثلاث تطليقات.
مسألة
[ حكم فقد اليتيمة ونكاح أختها ]
وإذا فقد اليتيمة ولها بعل ورام نكاح أختها أو رابعة، انتظر حيث لا شك في بلوغها، ثم يتربص أربع سنين ثم يتزوج إن شاء، لأنه منذ وقت بلوغها
تثبت عدتها. وإذا لم يجز بالمفقودة جاز له نكاح أختها أو رابعة سواها.
مسألة
[ حكم من فقد وتحته طفله ]
وإذا فقد الزوج وتحته طفلة ، فإذا صح فقده وخلا له أربع سنين ، وزع
وارثه ما أبقاه من بضاعته وزراعته وداره وعقاره ووقف ميراثها حتى تصير طفلة بالغة فإذا صارت طفلة وحلفت أن لو كان فلان حياً رضيت به زوجاً أخذت المهر والميراث، وإن نكلت حرمت ذلك، وإنما الطلاق بعد البلوغ والرضى، وتعتد عدة الوفاة بعد الطلاق.
مسألة
[ فقد الصبي وتحته طفله كيفية التعامل مع أحكامه ]
وإذا فقد الصبي وتحته طفلة بالغة انتظرت حتى لا يشك في بلوغه، ثم
تعتد أربع سنين ثم يطلقها وليه ثم تعتد المميتة أربع أشهر وعشراً، ثم تحل للأزواج وإنما أثبتنا عليها العدة فيه، وأثبتنا عليه عقدة النكاح حيث رضيت
به زوجاً وهي بالغ ولم نر لها المهر والميراث، حيث عزب علينا علم رضاه
بها بعد إيناس رشده.
مسألة
[ فقد الزوج وزوجته معاً وكيفية تقسيم أموالهم ]
وإذا فقد البعل وعرسه معاً، ومضت أربع بره شطر نشبهما على ورثتهما وورث كل واحد من صلب مال الآخر ولا يرث مما ورث منه صاحبه كميراث الغرقى والهدمى ثم يوزع مال كل واحد منهما على وارثه الحي.
مسألة
[ حكم إذا كان أحد المفقودين صبياً ]
و إن كان أحد الزوجين المفقودين صبياً لم يرث أحدهما صاحبه ويقسم (7/98)
صفحة 1039
مال كل واحد منهما على ورثته فإن آب كان الميراث كما وصفنا فيما تقدم فقال : ماله سبل ولا لبدء ماله جليل ولا حقير، وقال الأصمعي : السبل الشعر ولو قبل انقضاء الأربع بيوم ورثته وكذلك بالعكس هو يرثها إذا أعتق في عدتها، وأما من دبر أمته التي يطأها فقد فعليها العدة أربع سنين، فإذا
خلت الأربع عتقت ووزع ماله، ثم تعتد عدة المميتة الحرة فإن تزوجت
وآب المفقود فهي أمته، فإذا تم نكاحها تم لأنه كان على السنة، وإن أنكره انفسخ وأخذت مهرها من الزوج بما نال منها.
مسألة
[ فقد الكتابي فأسلمت زوجته وتزوجت ]
وإذا فقد ذو الكتابين وأسلمت زوجته الكتابية وتزوجت، ثم آب المفقود متحنفاً صح تحنفه قبل نكاحها ردت إليه وإن تحنفت بعد أن نكحت فليس
له عليها من سبيل.
مسألة
[ أثر إسلام المفقودة على الأحكام ]
وإذا كان السيد والأمة يهوديين وهي أم ولده ثم أسلمت وهو مفقود،
فإنه محرم عليه وطأها، وليس لها أن يتزوجها إلا بإذنه، إلا أن يبيعها الحاكم المسلم حيث أسلمت فتعتد بحيضتين أو شهراً ونصف شهر إن كانت لا
تحيض ثم تنكح بإذن مولاها وليس له وطأها إذا اشتراها، وإذا قدم فلا سبيل
له إلى الأمة إذا أسلمت وأباعها الحاكم وإن أسلم قدم مسلماً.
مسألة
[ حكم الشهادة بالشهرة ]
عن الشيخ محمد بن محبوب لم أر بأساً على من شهد على الفاقد
المشهور كما يشهد على الموت المشهور ويشهد على القتل المشهور كما
يشهد على الموت المشهور ويشهد على لقاء الرجل لعدوه في الحرب
المشهور ولا علم لي به فيكون مفقوداً بذلك.
مسألة
[ كيفية الحكم بالفقد ]
وإذا شهد عدلان على نفر أنهم خرجوا في سفينة وأنهما لا يعلمان أنهم نزلوا منها إلى أن لقوا حرب عدوهم، فعزب عليهما علم حالهم، لحكمنا
عليهم بالفقد.
مسألة
[ حكم تخير الزوجة ]
والخيار أن يخير الرجل زوجته أن تختاره أو تختار نفسها ونيته بذلك (7/99)
صفحة 1040
طلاق فإن اختارته فهي زوجته، وإن اختارت نفسها طلقت واحدة، وهو أملك بردها في العدة. وقيل : غير ذلك، والأول عليه الفتي.
مسألة
[ تخير الزوج زوجته ]
وإن خيرها ونيته الطلاق، فلم تختر نفسها حتى افترقا خرج من يدها،
وإن غشي قبل أن تختار نفسها خرج أيضاً من يدها وإن خيرت وهي في السفينة أو تسنما ظهر دابة فلا يخرجه من يدها نزولهما حتى يفترقا، أو
يطأها ويرجع في قوله، وما لم يفترقا فهو في يدها. قيل : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
خير نساءه فاخترنه فلم يكن طلاقاً، وذلك لما نزل عليه قوله تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } (1) الآية، وقيل : لما خيرهن قالت عائشة : بل يختار الله ورسوله والدار الآخرة، فتابعنها رضي
الله عنهن، قيل : أن زوجته الحميرية اختارت نفسها فسرحها، ولو اخترن أزواجه أنفسهن لسرحهن كمثلها، والله أعلم بصحة الخبر.
مسألة
[ إن خيرها بينه وبين غيره وأثر ذلك ]
وإذا قال لها : اختاريني أو اختاري عمرو، فإنها لا تطلق حتى ينوي
طلاقاًَ، وله النية في ذلك، وإن نوى فكما نوى.
مسألة
[ التخير بينه وبين نفسها فاختارت الطلاق ]
وإن خيرها بينه وبين نفسها فقالت : قد طلقت نفسي ثلاثاً، فذلك إلى
نية الزوج ، فإن قال : إنما جعل لها الخيار في واحدة ، وإن نوى ثلاثاً جاز ما
فعلت. قال أبو عبد الله : إذا قال لها اختاريني أو الطلاق، فاختارت
الطلاق طلقت.
مسألة
[ أثر نية التخير ]
__________
(1) 1- قال تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها
فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً، وإن كنتن تردن الله ورسوله
والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً } سورة الأحزاب
آيات 28 - 29 . (7/100)
صفحة 1041
ومن قال لزوجته : أمرك بيدك، فإن نوى طلاقاً طلقت نفسها طلقت، وإلا لم يكن شيئاً، وإن أرسلت القول وطلقت نفسها قبل أن يفترقا طلقت ثلاثاً، وإن سمت فكما سمت أو اثنتين، وإن سما هو لها فلا تنفعه نيته إن
نوى خلاف ما لفظ.
مسألة
[ حكم من جعل طلاق زوجته بيد غيره ]
ومن جعل طلاق زوجته في يد عمرو وأبهم عليه العدد، فطلق عمرو ثلاث، أو احتج الزوج أنه نوى واحدة، ولم يقبل قوله وطلقت ثلاثاً، ولعل هذا أمره أن يطلق ثلاثا ونويت واحدة، فالنية ليست بشيء مع اللفظ
الصحيح ونطق القلق الفصيح.
مسألة
[ أثر مخاطبة المرأة زوجها بقولها : أنت مني طالق ]
وإذا قالت المرأة لزوجها : أنت مني طالق، فهذا ليس بشيء، لأن الزوج
لا يكون طالقاً،. وقال بعضهم : هو طلاق، والأول أصح، وذلك إذا جعل طلاقها بيدها، والأرجح حتى تطلق نفسها منه لا تطليقه منها.
مسألة
[ حكم تخير الأمة ]
وإذا خير المولى أمته التي يطأها فاختارت نفسها، فإنه يجري مجرى
الطلاق. واختلفوا إذا طلقها، فقال بعضهم : تعتق، وقيل : لا عتق عليها ولا يلزمه شيء ، وقول : له خدمتها حلال ومحجور عليه سرها، وهذا عن أبي الحواري رحمه الله.
مسألة
[ تخير القينة ]
وإذا خير البعل عرسه القينة وقد بقيت عنده بتطليقة، فاختارت نفسها، فإن الخيار لمولاها فإن أمضاه بانت منه، وإما عن أبي عبد الله : إن الطلاق
لو كره المولى إذا خيرها وجعل طلاقها بيدها.
مسألة
[ تحرير القينة وعدتها وطلاقها ]
وإذا حررت القينة وهي تحت حر وشفلح، فلها الخيار إن اختارت نفسها لأنها صارت أملك بنفسها، وتبين بتطليقتين بائنة وليس له ردها إلا بتزويج، وتكون معه بتطليقتين حتى تنكح زوجاً غيره، فإن تزوجها من بعد كانت
معه على ثلاث تطليقات.
مسألة
[ مدة الخيار ]
وقيل : المختارة نفسها تخرج بلا طلاق، والرأي الأول هو الأصح، وإن
لم تختر نفسها حتى باشرها فلا خيار لها، إلا أن يكون عزب عليهما علم (7/101)
صفحة 1042
العتق، وإن باشر قبل أن تختار نفسها بطل خيارها، وإن علمت العتق
وجهلت أن لها الخيار حتى إعتاقها فلا خيار لها وكذلك زوج الحرة إذا
تزوج مملوكة فسبيلها كهي.
مسألة
[ تحرير العبد وأثره على الزوجة ]
وإذا نكح المملوك حرة فحرر فلها الخيار على بعض القول، والأصح أنه
لا خيار لها، لأنه صار خارجاً من الرق إلى الحرية.
مسألة
[ حكم اختلاط الماء في وقت الاستبراء ]
ومن باع أمته على رجل فباشر قبل الاستبراء ثم باعها المشتري على آخر فباضعها الثاني قبل الاستبراء، فأتت بولد في الوقت الذي يحكم به للسيد
الأول ، فهو للسيد الأول إذا لم يكن الآخر اشتراها ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «الولد
للفراش وللعاهر الحجر»(1) .
مسألة
[ لحوق الولد سيده من أمته ]
ومن وطئ قينته فأمسك ثم جاءت بولد، فإنه يلحقه ولو جاءت به بعد سنين، ما لم تخرج عمن ملكه أو يتزوجها أو يشهد عدلين على ترك وطئها.
مسألة
[ أثر وطء الأمة قبل الاستبراء ]
وإذا شاء السيد تزويج قينته التي يطأها استبرأها بحيضتين، ثم زوجها، وليس على الزوج استبراء، . وإذا شراها السيد ممن باشر أمته قبل الاستبراء حرمت عليه، وله استخدامها وإحلال ثمنها، وليس عليه إلا الاستغفار ولا كفارة عليه.
مسألة
[ أثر النية في الأعمال ]
ومن تزوج أمة ونيته شراءها فراراً من الاستبراء فالأعمال بالنيات، وأرى هذا التزويج مخادعة واحتيالاً، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته
إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى اكتساب مال ونكاح ذات دملج وخلخال فهجرته إلى ما هاجر إليه.
مسألة
[ استلحاق الولد وتحريره ]
ومن اشترى أمة فتلد عنده ولداً ، و كان أصل الولد لعله الحمل مع البائع،
__________
(1) 1- هذا الحديث روي بروايات متعددة انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول
- صلى الله عليه وسلم - 10/728 ، 730 ، 735 ، 11/632 ، 11/750 الأرقام التالية : 8389،
8390 ، 8397 ، 9391 ، 9253 ، 9446 . (7/102)
صفحة 1043
وحرر المشتري الأم وادعى البائع الولد، فلا تجوز دعواه ولا يجبر السيد
على بيع عبده، ويقال للسيد البائع إن كنت صادقاً فخلص ولدك من الرق، فإن خلصه ومات المدعي للولد ورثه، وإن أعتق المشتري للولد ولم يعتق الأم
ثم ادعى الوالد الولد فهو ولده.
مسألة
[ الشهادة على الغائب بمدة الغياب ]
عن الشيخ أحمد بن مداد(1) رحمه الله : ولا تجوز شهادة غير العدلين
في أن الغائب قد انقضت مدة تغييبه وهي ثمانون سنة على الأصح، ولا
يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة الشهرة في مثل هذا ولو أسندت الشهرة
القول عن قاضي الدار وعن عالم من علماء الأخيار، حتى يشهدا بذلك
عدلان من النجباء الأخيار.
مسألة
[ شهادة الشهرة ]
عن الشيخ الفقيه محمد بن فضالة(2) رحمه الله : وإذا شهر فقد امرئ، فلا تجوز شهادة الشهرة في انقضاء مدة فقده، وإنما الشهرة جائزة في الفقد والموت، وأما في تحديد التاريخ في الموت فلا يحكم بغير شهادة ذوي عدل من المسلمين.
مسألة
[ نكاح زوجة الغائب من دون تطليق ]
ومن جواب الشيخ بن وضاح(3) رحمه الله : ومن غاب عن داره وتحته زوجة فنكحت بغير تطليق ومبارآت، فماتت عند الثاني، فإنها تحرم عليهما جميعاً، ولا ميراث لأحدهما من نشبها.
مسألة
[ أثر ضياع صك تاريخ فقد المفقود ]
وإذا صح فقد المفقود وأرخ الحاكم الذي شهد فيه الشهود، فضاع
__________
(1) 1- العلامة أحمد بن مداد بن المحمد الناعبي النزوي : العلامة الفقيه العارف النحرير
رحمه الله أحد أقطاب العلم والعمل في نزوى، وهو من عائلة علم وفضل ذاع
صيتها في الآفاق. عن تاريخ نزوى عبر الأيام 146/145 .
(2) 2- محمد بن فضالة رحمه الله : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 1- الشيخ ابن وضاح : والله أعلم هو أبو صالح زياد بن وضاح بن عقبة النزوي
نظير أبيه في العلم والفضل والورع ومن فقهاء القرن الثالث الهجري حضر بيعة
الإمام الصلت بن مالك. عن نزوى عبر الأيام 92 - 93 . (7/103)
صفحة 1044
الصك وطلق زوجة المفقود وليه أن ينقضوا مضي المدة، واعتدت عدة
الوفاة من غير أن يرفعوا أمرهم إلى المسلمين من حاكم أو جماعة، هل
يجوز التغاضي عنهم؟ فإذا لم يصح أن أمرهم مخالف للشرع ولم يرفعوا
أمرهم إلى الحاكم، فواسع التغاضي عنهم، ويتعذر حصول العدالة على
جمة من الناس.
مسألة
[ ادعاء زوجة المفقود موت زوجها ]
عن أبي عبد الله محمد بن بركة رحمه الله: وإذا ادعت زوجة المفقود
موت زوجها، وأن قد صح معها فتزوجت ولم يصح ذلك عند المسلمين،
هل يفرق بينهما؟ فلا يفرق بينهما وهي مؤتمنة على دينها.
مسألة
[ تكليف من ادعى الحياة البينة ]
وقال الله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في
أرحامهن } (1) ، فلأجل هذا قلنا : إنها مؤتمنة في دينها، وأما سعيد بن
المبشر(2) فيرفع عنه أنه كلف ورثة المفقود البينة أن المفقود حي، فعورض
فقال : هي مؤتمنة على دينها. فأن قيل : فهل يوزع سيد الهالك بين وارثيه
إذ قد صح هلاكه مع زوجته وحل نكاحها؟ قلنا : لا يجوز ذلك حتى
تصح مئونة الفرق في ذلك، إنما يقبل قولها في نفسها والميراث فإنها شاهدة
على الغير.
مسألة
[ القول قول المرأة في العدة ]
وإذا غاب بعد الطلقة ثم ادعت مؤونة أو أنه طلقها وأن عدتها قد
انقضت، فقال : إن القول في ذلك قولها.
مسألة
[ المرأة مؤتمنة على ما تدعيه ]
وإذا طلق البعل عرسه ثلاثاً ثم غاب بقدر ما تعتد وتتزوج وتعتد من
الزوج الثاني عدة المطلقة والمميتة إذا ادعت مؤونة، ثم ادعت ذلك كله قبل قولها، ولزوجها الأول أن يتزوجها، وإن تزوجها الأول وأنكرها الثاني
الطلاق، فيرجع أمرهم إلى الحاكم ويحكم عليها بالإقامة مع زوجها الأول
__________
(1) 1- سورة البقرة : آية 228 .
(2) 2- سعيد بن المبشر : من علماء عُمان هو ووالده مبشر وسليمان وهو معاصر لعدد
من العلماء منهم هاشم بن غيلان وأبو مودود القاسم بن شعيب له مواقف
علمية. انظر إتحاف الأعيان 1/425 . (7/104)
صفحة 1045
الذي ادعت أنه طلقها مع البينة أنه لم يطلقها، وإن جاز بها الثاني فلها
مهرها منه.
مسألة
[ انعدام مدة المفقود وما يترتب على ذلك ]
وإذا انقضت مدة المفقود ولم يؤرخها الحاكم ولا جماعة المسلمين مع عدمه وطلب أزواجه التزويج بعد انقضاء العدة، هل يجبن إلى ذلك؟ أما في الحكم فالحاكم لا يحكم إلا بصحة الفقد والتاريخ وانقضاء المدة في كل
بعينه، ثم تعتد بعد الطلاق والطلاق لا يصح إلا بعد انقضاء أربع سنين. وإن تعذر للزوجة وجود الشهود والتاريخ وحكم الحاكم وصح معها ما لو صح
مع الحاكم لحكم بجواز التزويج، فلا يضيق عليها فيما بينها وبين الله أن
يحكم لنفسها بما صح معها إذا لم تبلغ إلى أخذ حقها بحكم الحاكم إذا
التزويج حق لها على بعض القول.
مسألة
[ حكم مقاسمة المفقود لشركائه ]
ومن جواب العالم الفقيه محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان رحمه
الله وهل يجوز مقاسمة المفقود لشركائه ما كان بينه وبين أحد شركة إذا
رام الشريك المقاسمة قبل خلو الأجل؟ وهل يباع ماله لأولاده في نفقتهم
إذا كانوا صغاراً ولنفقة زوجاته؟ فنعم جائز بيع ماله لنفقة من ذكرت وأما مقاسمة شركائه، فإن بعض المسلمين يجعل المفقود بمنزلة الغائب ومال
الغائب قال أكثر المسلمين : إن الخيار للحاكم الدخول فيه.
مسألة
[ متى تعتد زوجة المفقود ]
وإذا صح موت المفقود في يوم أو شهر جاز أن ينفذ عزائه من نشبه، ويكون حكم ذلك مذ بلغ الخبر بموته، وكذلك عدة زوجته قول : إنها تعتد حين بلوغ الخبر، وقول : إذا صح موته.
مسألة
[ أحكام الأسير ]
ومن أشهر أمره شهرة لا يرتاب فيها أنه أسره العدو وقد مضت له بره جمة مذ أسر، وتصل الأخبار عندهم أنهم أحياء وإنما لم يأت منه كتاب
ينظره أحد نظراً يكشف غطاء الشك والارتياب، فإن هذا محكوم بحياته
وماله وزوجته على حالهما حتى تصح وفاته.
مسألة
[ قياس المفقود على الهدما والغرقى ] (7/105)
صفحة 1046
وإذا فقد متوارثان وانقضت عدة فقدهما، وزع مالهما على وارثهما كحكم ميراث الغرقاء والهدماء.
مسألة
[ عدم التسرع في الحكم على المفقود ]
وإذا مضت على الغائب والمفقود بره تزيد على مدة الفقد والغيبة جمة
حتى لا يرتاب القلب في موتهما، هل من رخصة في الدخول في مالهما
ويحل إذا باع ورثتهم ذلك؟ فنعم في ذلك ترخيص عن بعض المسلمين.
مسألة
[ أقصى أجل المفقود ]
والضارب في الأرض إذا وجد حياً في بعض الأمصار ثم اعتجم خبره
ولم يرجع حتى خلت له جمة بره، فهذا حكمه حكم الغائب إذا وجد حياً واختفى حاله، وأجل غيبته ثمانون سنة، وقول : مائة وثلاثون سنة، وقول : مائة وخمسون سنة، وقول : حكمه الحياة والأجل إلى الحاكم، وهو وارث
من مات ممن يرثه قبل خلو الأجل.
مسألة
[ صيغة الشهادة والحريق والأسير على المفقود ]
ولفظ الشهادة على المفقود الذي حمله المعد ودق اللاتي يقول : أشهد
أن فلان ابن فلان حمله الماء من الوادي وذهب به عني ولم أعلم له بخبر
إلى أن أديت شهادتي. وأما في الحرق فيقول كما تقدم وأن فلاناً كان فوق السطح داره فاحترق الدار والسطح وهو فيه ولم أعلم له بعد ذلك بخبر، وكذلك إذا كان في الحرب أو غير ذلك.
مسألة
[ كيفية الحكم على أهل السفينة بالموت ]
وإذا السفينة رسبت في بحر تيار وبها قوم من تجار وبحار، فنجا بعضهم وعزب علم الباقين منهم، فهؤلاء حكمهم الحياة حتى يصح موتهم، والغرق ليس دلالة على موتهم، ولو صح الغرق وحكمهم الفقد، وليس لأزواجهم
أن ينكحن إلا بعد صحة من مات منهم فتلك صحة، ومحظور توزيع
أموالهم بين الورثة وإنفاذ وصاياهم، ولو قلن الأزواج أنهن صح معهن
موتهم وأن صحة غير ثابتة في الأحكام ويمنعن من ذلك، ولا سيما إذا
اتهمن، وقيل : إذا ادعين موت أزواجهن وأمرهن إلى الله وجاز الإعراض
عن عقوبتهن.
مسألة
[ موقف الحاكم من زوجة المفقود في ماله ] (7/106)
صفحة 1047
عن الشيخ صالح بن سعيد(1) أن امرأة مفقود ادعت في عصره
وأرادت التزويج فمنعها عن ذلك حتى تخلو مدة الفقد، ولعلها غير
مأمونة على ما ادعت.
مسألة
[ نفقة زوجات المفقود في ماله ]
عن الشيخ الفقيه النزيه ناصر بن خميس بن علي النزوي(2) رحمه الله :
ومن كان بيده مال لغائب أو مفقود ولهما زوجات أن من يلزمهما عوله وطلبوا منه أن ينفقهم، فإذا كانا حيث لا تنالهم الحجة وصح أنه لم يترك
لهم مؤونتهم، جاز له أن يمونهم من مالهما إن طلبوا ذلك ورأى لهم سمة
الحاجة للمؤونة، ويكون بنظر الحاكم أو جماعة المسلمين مع عدمه، وإلا فلا يضيق على المبتلي فعل ذلك بنفسه على بعض القول.
مسألة
[ للحاكم تعين وكيل على أموال المفقود ]
والغائب والمفقود إذا كان لهما وكيل على من يلزمهما عوله في مدة الفقد، وإن لم يكن يجعل الحاكم وكيلاً ثقة، لقبض مالهما من طارق وتالد للإنفاق على من يلزمهما عوله، وإن لم يكن حاكماً فجماعة المسلمين من الاثنين فصاعداً وإن لم فبنفسه.
ومن ادعى موت الغائب أو المفقود فعليهما البينة. ومن مات ممن يرثاه
قبل خلو الأجل ورثاه والحاكم مخير في قبض مال الغائب و المفقود
والدخول فيه، والمستحب للقائم أن يجتهد لله ورسوله ولا يترك مسلماً
سدى وهو قادر على حفظه، وقد ورد الأمر بحفظ مال المسلم.
مسألة
[ إرجاع الأمانة إلى ورثة المفقود ]
ومن جواب الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة رحمه الله :
ومن كان بيده أمانة وعليه تبعة لغائب أو مفقود ولم يؤرخ فقد المفقود وغيبة الغائب وقد قضي من الزمان ما لا يرتاب القلب في انقضاء عدتهما، جاز له إنفاذ ذلك في ورثتهما فيما بينهما وبين الله على بعض الرأي.
مسألة
__________
(1) 1- العلامة صالح بن سعيد المعمري السعالي النزوي، وهناك عالم آخر اسمه صالح
بن سعيد الزاملي العقري النزوي. عن نزوى عبر الأيام ص156 - 157 .
(2) 1- الشيخ الفقيه ناصر بن خميس بن علي النزوي : لم أعثر له على ترجمة. (7/107)
صفحة 1048
[ ميراث زوجة المفقود من زوجها بعد موتها والعكس ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة رحمه الله : وإما إن كان
للمفقود زوجة وورثة سواها فادعى سائر الورثة صحة موت المفقود وأنكرت الزوجة ذلك قبل خلو مدة الفقد، ثم إن الزوجة ماتت وطلب ورثة المفقود حصته من مالها، فلا حجة لهم في ذلك إذا أقروا بصحة موته، وأما ورثة
الزوجة فلهم ميراثهم من زوج هالكتهم إذا صح موته قبلها بشاهدي أو
شهرة لا تدفعها شهرة.
مسألة
[ حكم الكتابة في الأخبار ]
و إذا ضرب بعل طفلة عنها و نابرها ، ثم أتاها مخبر بأنه حي و بعث لها
بطرس فيه طلاقها بخط غير جائز الكتابة، هل لها تصديقه على سبيل الاطمئنانة؟ وهل يسع التغافل عنها إن نكحت بعده؟ فنعم يسع التغافل والتغاضي في مثل هذا، وكل أولى بلبسه وما احتمل الحق والباطل فلا
يضيق التغافل عنه.
مسألة
[ أموال المفقود موقوفة ]
ولا تنفذ وصايا المفقود ولا يزكى تبره ولجينه حتى يصح موته.
مسألة
[ نفقة زوجة العبد المفقود ]
وزوجة العبد المفقود نفقتها على سيدها، وإن قدم وتزوجت أو كانت
قينة فباشرها مولاها فالخيار له كالحر على قول، والأصح أن ذلك للسيد.
مسألة
[ حكم من حرم زوجته على نفسه ]
ومن حرم زوجته على نفسه فليكفر يمينه إطعام عشرة مساكين
أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وقيل : إن النبي
- صلى الله عليه وسلم - حرر رقبة لما حرم على نفسه نكاح أمته مارية فغشها بعد ذلك فأتت له بولده إبراهيم عليه السلام.
مسألة
[ بعض أحكام الغائب ]
وإذا كان للغائب سيد وكان في يد أحد من وارث أو أجنبي يكون في
من هو في يده حتى يصح موته، ومن تجري عليه مؤونة فهي في ماله كفي حضرته، وإن لم يكن سيده في يد أحد وتخاصم فيه الوارثون ولم يستهلكه
مؤن أن يكون في يد الوارثين المؤثرين على جهة الضمان حتى يصح موته، (7/108)
صفحة 1049
وقد أهمل الشيخ الشرط لذي الثروة وإنما أورده المؤلف خوف الحوادث لئلا يفتري السيد توي إذا حط عن ذي الإقتار، والنظر يوجب أن يكون ذلك
بنظر الحاكم العدل وممنوع خلافه ولا كرامة له.
مسألة
[ قبض مال الغائب احتساباً بالأرباب ]
ومن قبض مال الغائب احتساباً لأربابه وطلباً لما عند الله وامتثالاً لأمره لحفظ مال المسلم، أو كان من يد الحاكم العدل أو جماعة المسلمين مع
عدمه على هذا المنوال فهو في يده أمانة، فإن نوى بعد الاجتهاد الحفظ فلا ضمان عليه إذ هو أمين فيه، وبين هذه والأولى بون بعيد.
مسألة
[ حكم الأمانة للغائب ]
ومن كانت بيده أمانة لأحد فغاب فهي في يده حشيرته، إلا أن ينقضي أجله ويسلمها لورثته ، و إن كان عليه دين وله وصي مأمون سلمها لوصيه،
وإن حضرته الوفاة ولم يقدم الغائب ولم يحكم بموته أوصى بها إلى عدل
يأمنه، ولا بأس عليه ولا ضمان عليه إن سلمت أو توت لقوله تعالى: { ما
على المحسنين من سبيل } (1) .
مسألة
[ تقسيم تركة المفقود ثم رجع حياً ]
وإذا انقضت مدة فقد المفقود وزع الوارثون ماله ثم رجع حياً، فماله مردود عليه وله الخيار في زوجته وأقل الصداقين.
[ أموال المرتد ]
وإذا ارتد المسلم لحق لدار الحرب قسم ماله بين ورثته من المسلمين، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يرث الكافر المسلم»(2) ولا بالعكس، ولقوله : «لا يتوارث أهل ملتين»(3)
__________
(1) 1- سورة التوبة آية 91 .
(2) 2- أخرجه البخاري 12/43 في الفرائض باب لا يرث المسلم من الكافر، ومسلم
رقم 1614 ، والموطأ2/512 في الفرائض وأبو داود رقم 2909 في الفرائض،
والترمذي رقم 2108 في الفرائض باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم
والكافر.
(3) 3- أخرجه الترمذي عن جابر رقم 2109 في الفرائض وأبو داود رقم 2911
وإسناده حسن باب هل يرث المسلم الكافر. (7/109)
صفحة 1050
. وإن مكث بدار الإسلام طالبه الإمام والمسلمون بالرجوع ولم يوزع ماله، وقالوا : لا يقسم مال أمرء حي، فإن رجع إلى الإسلام أخذ ماله ولا يزيل ارتداده ملكه.
مسألة
[ بطلان حقوق المرتد على الآخرين ]
وقيل : إذا كان للمرتد حقوق على الناس بطلت بردته، وقال أبو معاوية عزان بن صقر : حقه باق والكفر لا يبطل الحقوق، قال أبو المؤثر : بطل
حقه، فإن عاد إلى الإسلام عادت حقوقه إليه.
مسألة
[ فساد زوجة المرتد بالردة ]
ومن ارتد عن الإسلام فسدت زوجته عليه، فإن عاد إلى الإسلام قبل أن تنكح زوجاً غيره عادت إليه بالنكاح الأول، كما فعل بعض الأصحاب في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة
[ حكم المرتد ]
ومن ارتد عن الإسلام دعي إليه، فإن أبى قتل، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من بدل دينه فاقتلوه»(1) ، فإن قيل : إن الحديث ورد عموماً فيجب أن يكون من خرج
من الكفر إلى الإسلام فقد بدل دينه فيقتل، قلنا : لأن الله تعالى يقول :
{ إن الدين عند الله الإسلام } (2) ، وما سواه فليس ديناً.
النهج الثامن والأربعون
في أحكام الرضاع(3)
[ أحكام عامة في الرضاع ]
الرضاع بفتح الراء وكسرها. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يحرم من الرضاع ما
__________
(1) 1- أخرجه البخاري 12/239 في استتابة المرتدين، والترمذي رقم 1458 في
الحدود باب ما جاء في المرتد وأبو داود رقم 4351 في الحدود ، والنسائي
7/104 ، 105 في تحريم الدم ، وأحمد في مسنده 15/282 .
(2) 2- سورة آل عمران آية 19 .
(3) 1- الرضاع : لغة واصطلاحاً : لغة : بفتح الراء وهو الأصل، وبكسرها لغة أخرى.
وهو مص الرضيع ثدي أمه.
اصطلاحاً : وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر لتحريمهم بالسعوط والحقنة انظر
شرح ميارة الفاسي على تحفة الأحكام 1/196 جواهر الإكليل 1/199. هو مص
الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص. عن البناية شرح الهداية 4/338 . (7/110)
صفحة 1051
يحرم من النسب»(1) ، فإذ ولج اللبن جوف الطفل ولو مصة وجب
الرضاع، ولا رضاع بعد فصال(2) . وكمال الرضاع في كتاب الله سنتان
لقوله تعالى : { حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } (3) ، وما سماه الله تاماً إلا وقد انتهى منتهاه، الدليل على أن الرضاع لا يكون محرماً إلا في
الحولين الإجماع أن الأم تطالبه بنفقة الرضاع في الحولين و لا يحكم لها بعد
الحولين بشيء، وكذلك لو طولب هي فلا يحكم عليها. وكل رضاع في الحولين فمحرم ولو فصل قبل الحولين.
مسألة
[ المحرمات من النسب ]
عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن الله حرم من النسب سبعاً ومن
الصهر سبعاً، ثم تلا الآية : { حرمت عليكم أمهاتكم } (4) إلى تمام الآية.
فمن النسب الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت.
مسألة
[ المحرمات المصاهرة ]
وحرم من الصهر أمهات النساء والربيبة التي جاز بأمها وامرأة الأب
وامرأة الابن والجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وخالتها وابنة أخيها.
مسألة
[ المحرمات بالرضاع ]
واعلم أن جميع ما حرم الله من النسب وحرم من الصهر وحرم من الرضاع مثله بظاهر الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(5) .
مسألة
[ حكم اشتراك الزوجين في اللبن ]
وإن نكحت المرأة وبها لبن من الزوج الأول وكل من أرضعته قبل أن
تحبل فهو ابن الأول زاد اللبن الأول أو نقص، أو كان كما كان هو إلا أن تزوج وتحبل. وإذا نكحت المرأة زوجاً بعد زوج فحكمه للأول، فإذا
حملت من الثاني اشتركا فيه إلى أن تضع حملها فإذا وضعت حكم به
للثاني وصري(6) حكم الاشتراك.
مسألة
[ حكم تصرفات الحامل ]
__________
(1) 2- حديث صحيح متفق عليه رقم 1162 عن بلوغ المرام من أدلة الأحكام
ص 239 .
(2) 3- فصال : الفطام.
(3) 4- سورة البقرة آية 233 .
(4) 1- سورة النساء جزء من آية 25 .
(5) 2- سبق ذكره.
(6) 1- صرى : تعدى الحكم وسريانه على غيره وهنا انقطع الاشتراك. (7/111)
صفحة 1052
الدليل لأصحابنا في الاشتراك بين الزوجين في اللبن عند الحمل أن الحمل زيادة في المرأة مع زيادة الحمل زيادة اللبن، فإذا نما اللبن بالحمل من قبل البعل وكان الولد ولده، وجب أن يشارك الأول في لبنه بماله في هذا. ولا تصح
عطية الحبلى، قول : إذا أثقلت بالولد، وقول : إذا دخل شهرها، وقول : إذا ضربها الطلق فلا يجوز بيعها ولا شراءها ولا عطاءها، وقول : إذا خلا لها
ستة أشهر، وقول : إذا نفخت فيه الروح وهو أربعة أشهر.
مسألة
[ تصرفات المريض في الزواج ]
وإذا نكح ذوا الوصب امرأة فتزويجه جائز، فإن زادها في المهر فلها كأوسط
مهور نساءها، وأما المدنف فلا ينبغي له أن يدخل على أهله في الميراث.
مسألة
[ جواز نكاح ذي الوصب ]
أجاز موسى بن علي رحمه الله نكاح ذو الوصب إذا قام قعد بلا ممسك ومعين ولم يكن ثاوياً، ويلزمه ما جعل على نفسه من المهر، وحجته أن الله تعالى أباح النكاح ولم يخص في إباحته صحيحاً ولا مريضاً.
مسألة
[ قول معاذ في مرضه ]
روي عن معاذ(1) رحمه الله أنه قال في مرضه : زوجوني إني أخاف أن
ألقى الله عزباً. وقد يكون غشيان المريض لزوجته سبباً لشفائه.
مسألة
[ صداق زوجة من به وصب ]
وجائز لذوي الوصب أن يوكل في تزويج من يلي تزويجه من النساء،
قال سعيد بن المبشر : إذا تزوج ذو الوصب امرأة بأكثر من صداقها فلها كصدقات نساءها، وهو رأي مبشر.
مسألة
[ كيفية التثبت من الرضاعة ]
ويجوز شراء ذي المرض للدواء ولما لا بد له منه كمؤونته ومؤونته مؤونة من يمون. وحد الرضاع مص الطفل النهد وظهور اللبن على شفتيه وهذا هو العلم الذي يحكم به العالم، وإما المص دون ظهور اللبن فهذا شبهة ولا
يوجب رضاعاً لانحدار اللبن وعدمه.
مسألة
[ حكم شهادة المرضعة على الرضاع ]
__________
(1) 1- معاذ : هو معاذ بن جبل الأنصاري، سبق ذكره. (7/112)
صفحة 1053
وإذا أحست المرضعة بانحدار اللبن عن مص الطفل النهد فشهدت بذلك قبل قولها إن كانت عدلة في دينها، والحاكم لا يحكم إلا بما لا شبهة فيه.
مسألة
[ أشكال من الرضاعة المحرمة ]
وإذا استعط طفل بلبن أو تداوى بدواء فيه لبن في سعوطه أو قطر في أذنيه أو سقي منه في سويق، فهذا كله رضاع لأن هذه المواضع تؤدي إلى الحلق.
مسألة
[ أشكال لا يثبت بها التحريم ]
والاحتقان في القبل والدبر والاكتحال في العين فليس برضاع.
مسألة
[ زمن الرضاعة المحرمة ]
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «لا رضاع بعد حولين»(1) . وإذا رضع الولد بعد الحولين ولم يفصل، فإن اعتمد على الطعام واكتفى به عن اللبن
فليس برضاع، وإلا فحتى يزيد أربعة أشهر بعد حوليه فما رضع بعد ذلك
فهو غير رضاع ولو لم يفصل.
مسألة
[ لا رضاع بعد الفصال ]
وإذا خلا للولد سنتان ففصل فما رضع بعد ذلك فلا بأس به، وقال ابن مسعود رحمه الله : لا يجوز من الرضاع إلا ما نشأ عليه العظم وأنبت
اللحم، ومعناه : إذا كان الرضاع غداء. والناس مختلفون في الرضاع،
فمنهم من قال : لا رضاع بعد فصال، وقيل : حولان للنص، وقيل:
حولان وأربعة أشهر، وقيل : حولان وستة أشهر، وقول : أربع سنين. وإذا اكتفى بعد الحولين بالطعام فليس برضاع، وهذا هو الأصح لقول الله تعالى:
{ حولين كاملين } .
مسألة
[ أثر لبن الفحل في التحريم ]
عن أبي عبيدة قاسم بن سلام(2) : كل من أرضعته حليلة زوج بلبنه فهو ولده ويحرم عليه نكاحه ويحرم على أولاده من تلك المرأة وولد غيرها لأن
أبوهم جميعاً، وإذا كان بالخرعوبة(3)
__________
(1) 1- الرواية الواردة : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «لا رضاع إلا
في الحولين» رواه الدارقطني وابن عدي مرفوعاً وموقوفاً، ورجحا الموقوف.
انظر بلوغ المرام ص240 رقم 1164 .
(2) 1- أبو عبيدة قاسم بن سلام : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 2- الخرعوبة : من الخروع : وزن مقود، نبت لين ووزنه فعول على زيادة الواو،
ومنه قيل للمرأة تمشي وتنثني وتلين خربع، انظر المصباح المنير 1/200 . (7/113)
صفحة 1054
لبن من مطلق فنكحت وحملت فهو
للأول حتى تلد، وقول : هو شركة بينهما.
مسألة
[ حكم ابن المرضعة وبنت المرضعة ]
وجائز للرجل أن نكح أم ابنه من الرضاعة وهي التي أرضعت نجله، وكذلك أخت ابنه من الرضاعة، ولا نكح الرجل من أرضعته امرأته.
مسألة
[ أثر الرضاعة على الأخلاق ]
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لا تسترضعوا إلا من
ترضون دينه و أخلاقه ، وقال سعيد بن العاص(1): يا معاشر قريش
استرضعوا في العرب فإن اللبن يعدي.
مسألة
[ شهادة المرأة على الرضاعة ]
وإذا نكح الرجل امرأة فشهدت امرأة أنها أرضعتهما معاً، هدر قولها إلا تكون عدلة، وكذلك الزوج والزوجة ولا يقبل قولها لتفسد النكاح،
وكذلك لو شهدت معها امرأة فلا تقبل شهادتهما حتى يشهدا رجلان
ورجل وامرأتان، وهذا بعد الإفضاء.
مسألة
[ عدد الشهود على الرضاع ]
فإذا شهد عدلان أو عدل وعدلتان بالرضاع فرق بينهما، ولا تسعهما الإقامة على ذلك، وذلك إلى السلطان أو جماعة المسلمين. وقال أبو عبد
الله إذا شهدت عدلة واحدة فرق بينهما.
مسألة
[ أثر الشهود بعد عقد النكاح على فسخ النكاح ]
عن موسى بن علي : إن المرضعة إذا شهدت بعد عقد النكاح هدرت
__________
(1) 3- سعيد بن العاص : بن أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ابن
عبد مناف بن قصي، والد عمرو بن سعيد الأشدق ووالد يحيى القرشي
الأموي ، المدني الأمير ، قتل أبوه يوم بدر مشركاً، وخلف سعيد طفلاً، روى =
= عن عمر وعائشة هو مقل. وكان أميراً شريفاً، جواداً مُمدّحاً حليماً، وقوراً،
ذا حزم وعقل يصلح للخلافة. اعتزل الفتنة وقاتل دون عثمان ، توفي على مقربة
من المدينة ودفين بالبقيع سنة 58 أو 59هـ ، رضي الله عنه. انظر سير
أعلام النبلاء 3/444 - 449 رقم 87 . (7/114)
صفحة 1055
شهادتهما، إلا أن تكون عدلة وحجته الرضاع قد كثر، وجعلوا ذلك سلماً يرتقون به على إفساد النكاح بين الزوجين، ففرج الله على المسلمين بهذا الرأي. وقيل : إذا كان قبل العقد قبلت شهادة المرأة المرضعة ولو كانت كتابية أو مجوسية. وإذا كانت القينة غير متهمة قبل قولها، والمتهمة التي
تجمع اثنين على محجور أو تفرق بين مجتمعين على غير محظور، وقيل :
هي الموئسة.
مسألة
[ عدد الشهود بعد العقد ]
وأما بعد العقد فلا يقبل إلا شهادة عدلة حرة مسلمة تشهد عن نفسها ولا تقبل شهادة امرأة عن امرأة، ولا يقبل عن المرأة عدلان.
مسألة
[ شهادة المرضعة مقبولة ]
وقد ورد الأثر شهادة المرأة المرضعة إذا قالت أنها أرضعتهما بنفسها،
وقيل : لا تصدق إذا كانت حاضرة عند التزويج وتصدق إذا كانت غائبة
ولو لم تشهد التزويج.
مسألة
[ متى تقبل شهادة المرأة على الرضاع ]
عن هاشم : وإذا شهدت المرأة المسلمة برضاع بين اثنين بعد أن نجلا أشبالاً، فإن كانت ضاربة وشهدت فرق بينهما ، ولو ولد أشبالاً وإن كانت
في الدار هدر قولها ولا كرامة لها، وهو رأي أبي عثمان(1) .
مسألة
[ شهادة الكتابية على الرضاعة ]
وإن كانت وثنية أو عدلة وضاربة فآبت ولم يجز وشهدت برضاع الزوجين قبل الإفضاء، فإن كانت غير متهمة قبل قولها، والأصح رده. قال
أبو عبد الله : لم أقف على إجازة شهادة أهل الذمة على المسلمين إلا في هذا الموضع. وشهادة الأعمى مردودة في الرضاع وغيره، إلا في النسب إذا شهد على الصفة أن فلاناً ابن فلان ولم تكن الشهادة معينة على شخص. وشهادة الوالد لولده هدر، وقيل : إذا كان عدلاً قبلت ما لم يجر شهادته نفعاً لنفسه.
__________
(1) 1- أبو عثمان : أعتقد والله أعلم أنه سليمان بن عثمان وكنيته أبو عثمان يسكن
عقر نزوى ، وهو من العلماء الأجلاء ، ذو سعة في العلم وأصالة في الرأي ، كان
من جملة العلماء الذي بايعوا الإمام غسان بن عبد الله على الإمامة. انظر نزوى
عبر الأيام ص77 . (7/115)
صفحة 1056
مسألة
[ شهادة الأصول للفروع والعكس ]
عن أبي المؤثر رحمه الله : أن شهادة الوالد لولده على ولده يجوز، لأنها تقوم مقام دعواه لنفسه على ولده. ويجوز شهادة الولد لأبيه وأمه وأخيه
وجده وجدته وزوجته، فشهادة هؤلاء جائزة بعضهم لبعض، وهو رأي
جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع.
مسألة
[ اختلافهم في شهادة الأصول والفروع ]
وقال أبو المؤثر : شهادة الأب لابنه غير جائزة فيما يدفع عنه مغرماً أو
يجر له مغنماً. وإذا شهدوا أنه قذف أو جرح جرحاً يحكم له بالأرش
فمهدورة غير مقبولة. وجائز شهادة الوالد لولده في النكاح والرضاع
والتعديل والحدود والقصاص، ومردود فيما سوى ذلك. ولا قسامة(1) على العميان والصبيان والزمناء والنساء والعيبد والذمي والمجوسي والضارب في مهمهة والغريب، وإنما هي على من حضر من أهل البلد أرباب الدور.
مسألة
[ رضاع البكر وأثره ]
وإذا رضعت العذراء طفلاً قبل أن تنكح أو قد نكحت ولم تلد ورضع منها لبناً أو ماء، فلا بأس حتى يعلم أنه رضع لبناً فهنالك يقع حكم الرضاع
إذا حلبته قبل الرضاع وخرج لبن من نهدها، وإن خرج ماء ممتزج ببياض
فليس برضاع.
مسألة
[ اشتراط الولادة في الإرضاع ]
ورضاع لبن الرجال ليس برضاع والماء من البكر ليس برضاع، ومن المرأة الثيب كله رضاع اللبن والماء إذا ولدت. وما لم تلد فلا.
مسألة
[ الحكم للأغلب عند الاختلاط ]
__________
(1) 1- القسامة : بالفتح : الأيمان تُقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم، يقال : قتل
فلان بالقسامة إذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل فادعوا عل رجل أنه قتل
صاحبهم ومعهم دليل دون البينة فحلفوا خمسين يميناً أن المدعى عليه قتل
صاحبهم، فهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يُسمَّون قسامة أيضاً. المصباح
المنير 2/607 . وأما القسامة : فيسقم خمسون من أهل الحي أنهم ما قتلوه ولا
علاقة لهم بذلك. (7/116)
صفحة 1057
وما قطر من لبن المرأة في ماء أو قدراً أو من الطعام والشراب وأكله الطفلة أو شرب فليس ذلك برضاع حتى يكون لبناً ظاهراً في ذلك الشيء الواقع فيه غالباً عليه فهنالك يكون رضاعاً.
مسألة
[ حكم اختلاط اللبن بالطعام ]
قال أبو عبد الله : إذا كان اللبن قائماً في الطعام فهو رضاع، كإذا طبخ
به الأرز واللحم وأمثالهما إلا أن مزج بماء وغلبت الماء اللبن.
مسألة
[ حكم لبن الدابة، حكم مس النار اللبن ]
وإذا رضع صبيان در دابة فليس برضاع، وأما الرضاع من النعم بمنزلة الطعام أكلاه من إناء. وإن وضع لبن امرأة في طعام فأكله صبيان، فإن
غيرت النار اللبن فليس برضاع ، وإن لم يمسه النار وتستهلكه ففيه قولان:
إذا كان غلب اللبن الطعام فهو رضاع، وقول : لا يكون ذلك رضاعاً.
مسألة
[ عجن الدقيق باللبن ]
وإذا عجن دقيق بلبن امرأة وأخبز على النار فأكل منه صبي فليس برضاع ولو عجن باللبن وخبز خبزاً لقدر ومزج به الأري فغلب الأري اللبن حتى اضمحل فيه فليس هذا برضاع، وإذا وضع لبن امرأة في سويق ثم مزج بماء فاضمحل اللبن في السويق ولم يبق له أثر فليس برضاع إذا شربه صبي، ولو قطرت قطرة لبن في كوز ماء فغلب الماء اللبن، لم يكن رضاعاً، وحجتهم
جواز التوضئ منه. ولا يحل نكاح امرأة من الرضاعة ولا امرأة الأب من الرضاعة علوا أو سفلوا، وكذلك ولو مس لشهوة أو رنا الأب الكين
حرمت على الابن وبالعكس.
مسألة
[ حكم نكاح الأخت في عدة أختها ]
وإذا فارق الرجل المرأة فلا ينكح أختها من الرضاعة في عدتها.
مسألة
[ أثر الرضاع في التحريم ]
ولا يجوز له نكاح العمة في عدة ابن أخيها من الرضاعة ولا بنت أختها والنسب والرضاع في التحرم سيان، ولا يحل الجمع بين الأختين القينتين من الرضاعة، وكذلك القينة وعمتها وخالتها ولا بنت أخيها وبنت أختها.
مسألة
[ أثر الرضاع في تحريم الزوجة ]
ولا يجوز للرجل أن ينكح من أرضعته قعيدته. ومن فجر بامرأة فلا يحل (7/117)
صفحة 1058
له نكاح من أرضعته تلك المرأة، وإذا نكح الرجل صبيتين فرضعتا لبن امرأة أجنبية صارتا أختين من الرضاعة، حرمتا، ولكل منهما نصف المهر ويرجع
على المرضعة بذلك إذا تعمدت للفساد.
مسألة
[ أثر الرضاع في تحريم الزوجات ]
وإن تزوج طفلة وغير نقتين حرمتين، فأرضعت الطفلة الغرنيقين من لبنها متفرقتين ولم يجز بالطفلة فرق بينه وبين الطفلة والغرنيقة الأولى، وأما
المرضعة من بعد فهي امرأته ولا مهر للطفلة البالغة، لأنها أفسدت على
نفسها، وللغرنيقة الأولى نصف المهر وهي التي حرمت عليه، ويرجع بالذي سلم على المرضعة. وإذا فارق التي حلت له أو ماتت جاز له تزويج التي
حرمت عليه لأنه لم يجز بها وإن كان قد جاز بالطفلة حرمت عليه الثلاث ولكل واحدة منهن مهرها كريب، ويرجع عليها بمهر الغرنيقتين لأنها
أفسدتهما عليه إذا تعمدت. ولها هي المهر لما اعتامها.
مسألة
[ العقد على البنات يحرم الأمهات ]
ولا تحل أم الزوج لعلة أم الزوجة من الرضاعة إذا جاز بالابنة ، وإلا فجائز
إذا لم يجز إذا هلكت الابنة أو فارقها، قال أبو عبد الله : لا تحل له أبداً جاز
بها أو لم يجز، وهو الأصح.
مسألة
[ أثر قرار الزوج بأن زوجته أخته من الرضاع ]
وإذا أقر الزوج أن هذه امرأة هي أخته من الرضاعة أو أمه وتزوجها فرق بينهما ولا مهر لها عليه إذا لم يفض إليها، وإن كذب نفسه قبل أن ينكحها فلعل فيه ترخيص.
مسألة
[ حكم إقرار الزوج ثم تكذيب نفسه ]
قال أبو عبد الله : إذا أقر أنها أمه أو أخته من الرضاعة ثم قال أنه مان لم يقبل ومنه ولا تحل له ، فإن قد جاز فعليه مهرها وإلا فلا شيء لها، وإن
أكذبته فلها نصف المهر ويقبل إقراره في التحريم ولا يقبل في المهر، وإن قال هي أخته أو ابنته من الرضاعة، فإذا أقرت المرأة بمثل ذلك وأنكر الزوج ثم أكذبت نفسها فجائز تزويجه بها.
مسألة
[ أثر إقرار الزوجة ] (7/118)
صفحة 1059
قال أبو عبد الله : لا يقبل قولها عليه، وإن لم يصدقها وتكذب نفسها فعليه أن تفتدي منه إذا كانت صادقة، وإن أكذبت نفسها وقبل منها فلا بأس.
مسألة
[ إقرار الزوجين ]
وإذا أقر الزوجان جميعاً بمثل ذلك ثم أكذبا نفسهما، فالنكاح جائز ولا يفرق بينهما. قال أبو عبد الله : لو قالت المرأة هو ابني من الرضاعة أو أخي
أو أبي أو من يحرم عليها نكاحه، ثم نكحها ولم تكذب نفسها فالنكاح
جائز، وفرق بين إقرارها وإقراره بمثل هذا. وإن شهدت البينة أنها ممن لا
تحل له من جهة نسب أو رضاع قبل عقدة النكاح أو بعدها حرمت عليه ويفرق بينهما.
مسألة
[ أثر قول الرجل للعبد أو العبدة هذا ابني من الرضاع ]
عن أبي عبد الله : ولو قال رجل لعبد هذا ابني أو لعبدة هذه ابنتي من الرضاعة أوقعت التحريم وأخذت في هذا القياس وتركت الاستحسان.
مسألة
[ أثر مخاطبة الرجل المرأة بأخته ]
ومن قال لضعيفة : يا بنية أو يا أخية لم يكن هذا بشيء ولم يفرق بينهما، وكذلك لو قال لامرأة معروفة النسب لغير هذه ابنتي من النسب لما حرم
عليه نكاحها إذ هو مائن فيما فاه.
مسألة
[ حكم ادعاء النسب ]
وإذا قال هذه أمي وله أم معروفة فلا بأس عليه ولا أثبت بهذا نسباً ولا أوقع فرقة، وإن قال : هذه ابنتي وليس لها نسب معروف لسواه ومثلها يولد لمثله حرم عليه نكاحها. وإن أقرت البضة أنها ابنت زيد من النسب وكان
مثلها لا يولد لمثله لم أفرق بينهما، وإذا أثبت النسب قال أبو عبد الله : نعم
إذا كانت هي في سن الدردبيس العجوز وهو كهل صغير.
مسألة
[ مقارنة الادعاء بالواقع ]
ولو قال لصاحبته الزوجية : الطفلة هذه أبي أو جدي لم يقبل ولم يفرق بينهما، قال أبو عبد الله : لا يحتمل أن تكون جدته وهو شيخ وهي طفلة،
وإن قال أرضعتني ومثلها لا يرضع وليس بها لبن لم أفرق بينهما ولو لم
يكذب نفسه.
مسألة
[ متى تترك النفساء العبادة ] (7/119)
صفحة 1060
وإذ ركزت المرأة للميلاد وضربها الطلق وسالت دمها من فرج كينها تركت حينئذ العبادة، وقيل : لا تتركها ما لزمها من التعبد لخروج الماء فقط.
مسألة
[ قبول قول القابلة في الجنين ]
وإذا قالت القابلة إن الجنين خرج حياً من بطن أمه قبل قولها إذا كانت عدلة، ولا يقبل قولها أنه ذكر أو أنثى، الفرق بين الحكمين : أن الأول لا
يمكن اطلاع غيرها عليه وهذا ممكن.
مسألة
[ الصلاة على المولود بعد استهلاله ]
وإذا استهل المولود ثم مات لزم الأحياء الصلاة عليه وورث، وإن لم يستهل غسل واضرح. وقول القابلة الولد ذكر أو أنثى هدر ولو كانت عدلة.
مسألة
[ شهادة العدلين على جنس المولود ]
وإن شهد عدلان أن الولد ذكر أو أنثى قبل قولهم واتراح الريب.
مسألة
[ حكم الزواج من المحرمات بالرضاعة ]
وإذا نكح الرجل أخته من الرضاعة أو النسب فلها مهره إذا اعتامها وإلا فلا، فإن تعمد عوقب وإلا فلا بأس عليه إذا لم يعلم أنها أخته إذا مس أو رنا الفرج ولو تعمد، وإن علم هو أنها أختها من الرضاعة فباشر فعليه التوبة بالمس والنظر ، لأن نكاحه غير منعقد عليها. وإذا تزوج أخته من الرضاعة فباشر
فعلم فلها مهرها مورب تام، وإن لم يباشر فلا مهر لها وقد فسد النكاح على غير منوال شرعي في مس الفرج ونظره، ويلزمه ذلك في الأجنبية.
مسألة
[ لزوم المهر إذا النكاح محجور ]
قال أبو معشر : إذا كان أصل النكاح محجوراً وقد باشر لزمه المهر
كريب تام العاجل والآجل، وإن لم يباشر فلا مهر لها.
مسألة
[ إقرارات الغضب والحزن معتبرة ]
والعطية والصدقة لم يجزن في حال الغضب إجماعاً، وأما الإقرار فثابت
في الحالين في السخط وضده وفي الوصب، لأنه يقر بالملك للغير.
مسألة
[ حكم رضاع الكبير ]
وإذ رضع الزوج من نهد امرأته ماء أو لبناً فلا بأس عليه في ذلك، ولكن
لا يتخذها منيحة.
مسألة
[الرضاع من الخنثى] (7/120)
صفحة 1061
وإذا رضع الصبي من الخنثاء ماء فلا بأس عليه في تزويجها وليس هو برضاع، وهو رأي أبو المؤثر، وإذا رضع لبناً فلا أرى له تزويجها.
مسألة
[ فروق بين الرضاعة والنسب ]
ورضاع غير ذات اللبن كمص الإصبع. ولا بأس بنكاح أخت من أرضعته امرأته، ولا بأس أن ينكح أخو المرضوع من الأب أم أخيه من الرضاعة، لأنه لا رضاع بينه وبينها، والعبد والحر والمديون في ذلك سيان.
مسألة
[ حكم لبن الفحل ]
وإذا حلبت امرأة في فم صبي لبناً ولم تدر أنه فصل أمه إلا أنه قد ولد
بعده ولد ثاني ثم رام الصبي تزويج ابنتها فهذه شبهة، ولا أرى له نكاحها،
وإذا رضعت المرأة صبية حرم على زوجها رب اللبن نكاحها.
مسألة
[ حكم إرضاع المرأة المرأة ]
وإذا رضعت امرأة امرأة وللمرضعة أخ من النسب فلا يحل نكاح الجارية، لأنها ابنت أخيها من الرضاعة.
مسألة
[ مسائل في التحليل والتحريم بالرضاع ]
ومن كان تحته زوجتان فأرضعت إحداهما لقوم جارية أخرى ولآخرين غلاماً، فلا يجوز للغلام والجارية أن يتناكحا، لأنهم أخوة من أب وحكم
اللبن للزوج. وإذا أرضعت المرأة صبياً و أرضعت صبية في حولين آخرين،
فلا يجوز للصبي أن ينكح الصبية وهي أخته، ولا يحل له تزويج بنات من أرضعته ولا بنات زوجها.
مسألة
[ أثر جهل من رضع ومن لم يرضع ]
وإذا أرضعت المرأة جمة أطفال في دار قوم وعزب عليهم علم
المرضوعين، فجائز في تزويج بعضهم لبعض إلا أن يصح الأخوة من
الرضاع، وقول : لا يجوز حتى يصح علمه من لم يرضع، والأول أصح في الأحكام والثاني أحوط لإزاحة الشبهة.
مسألة
[ مسألة في الرضاعة ]
ومن تزوج صبية قبل أن تفصل وأرضعتها زوجته من غير علم منه فقد لزمها مهرها ويتبع من هو أدخل عليه الحرمة، وتحرم عليه المرضوعة، وفي
تحريم المرضعة اختلاف، وصداق الراضعة فيه اختلاف، والأصح أنه لها بالمباشرة، وإن جاز بها حرمت عليه أبداً لأنها أمها من الرضاعة.
مسألة
[ حكم شهادة الزور على الرضاعة ] (7/121)
صفحة 1062
ومن غضب على عرسه فأشهدت امرأة زوراً أنها أرضعتهما وفارقها
فندم ورام مراجعتها ، فإن أكذبت الشاهدة نفسها قبل خلو العدة وتتزوج
جازت مراجعتها وإن انقضت العدة وتزوجت فلا سبيل له على الشاهدة
ولا المشهودة لها.
مسألة
[ أثر إكذاب الشاهد نفسه ]
وإذا أقرت المرأة أنها أرضعت فلاناً ثم كذبت نفسها قولها، قال أبو
معاوية إذا شهدت غير عدلة برضاع عند خاطب، فأما قبل الجواز فيكره له تزويجها تنزهاً بلا حجر، وبعد النكاح قولها هدب(1) ، وإن كانت ثقة قبل قولها، وهو رأي الشيخ بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
مسألة
[ ادعاء المرأة إرضاعهما ]
عن أبي عبد الله : ومن نكح امرأة ثم عقد على أخرى فقالت الأولى:
إني أرضعتكما فلا يصدقها وإن كانت عدلة، وإن قالت ذلك قبل العقد
فقولها غير هدب وهو مقبول إذا كانت عدلة.
مسألة
[ لا تقبل شهادة السماع في الرضاع ]
وإذا شهدت المرأة أن فلانة أخبرتني أنها أرضعت فلاناً وفلانة فلا يقبل قولها لأنها تشهد عن فعل غيرها، ولو قالت : أرضعتني أم فلان هدر قولها
إلا بالبينة العادلة.
مسألة
[ أثر قول الزوج لزوجته : إن أمي أرضعتك ]
ومن قال لعرسه : إن أمي أرضعتك وإنك أختي من الرضاعة فإن صدقته وأحبت الخروج منه فذلك إليها، وإن كذبته فلا بأس عليها بمعاشرته، وإن
أقر بذلك مع المسلمين لزمه سرها وخرجت منه. وإن قالت أنها أخته فلم
تسم الرضاع لم يفرق بينهما.
مسألة
[ سريان التحريم على اللاحق والسابق من الذرية ]
وإذ رضعت امرأة ولداً بلبن أحد أولادها ولها أولاد قبله، فقيل : إنهم كلهم إخوة للمرضوع السابق من أولادها واللاحق. وشهادة غير المرضعة
في الرضاع هدب ولو كانت عدلة حتى تصح بالبينة العادلة.
مسألة
[ رضاع الكبير لا يحرم ]
وإذا رضع صبي لبن امرأة بعد أن فصل فلا بأس عليه أن ينكحها. وإذا عمل دواء بلبن امرأة فتشربه صبي فهو رضاع وإن كان جافا، وإذا رضع
__________
(1) 1- هدب : لا قيمة له. (7/122)
صفحة 1063
الشيخ لبن امرأة جاز له تزويجها وما نجلت.
مسألة
[ سريان أحكام الرضاع في الجاهلية والإسلام ]
والرضاع في دار الحرب والشرك كهيته في دار الإسلام، فإذا أسلم القوم
حرم عليهم ما يحرم علي المسلمين وجاز لهم ما يجوز للمسلمين، واختلفوا
في مقدار ما يحرم من الرضاع، فقال أهل العراق : عشر مصات، وقال
بعضهم : خمس وما دون ذلك، ولم يقبلوا غير العدلين، والأصح عندنا :
إذا رضع الصبي ربة وانحدر من نهدها وظهر على شفتي الولد وجب
الرضاع جل أو قل، وحجتهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ولو قل فمحرم والرضاع كهو.
مسألة
[ حكم رضاع البكر ]
عن أبي المؤثر : إن اللبن والماء من البكر كله رضاع، وأبا ذلك آخرون، والأصح أن الماء غير رضاع من البكر ومن الثيب يكون رضاعاً بلا اختلاف.
مسألة
[ الجهالة في الرضاع ]
وإذا رضع صبيان لبن امرأة فجائز لكل واحد منهما أن ينكح الآخر(1) .
مسألة
[ سريان الحرمة على الفروع ]
وإذا رضعت المرأة ولد شبلها لبناً، فالحرمة إنما تكون على المرضوع وحده دون أخوته وليس له أن ينكح من أولاد أولادها أحداً.
مسألة
[ العم من الرضاعة كالعم من النسب ]
وإذا رضعت عرس أخيك صبية حرم عليك نكاحها لأنك عم من الرضاعة، لأن اللبن لأخيك.
مسألة
[ حكم الرضاع دون الحولين وبعد الفصال ]
عن أبي سعيد : وإذا فصل الصبي قبل الحولين واستغنى عن الرضاع ثم رضع قبل الحولين فقول : ما لم تتم الحولان فهو رضاع، وقول : ليس
برضاع لأن الرضاع ما أنبت اللحم وإن أتم الحولان وهو في حال تلك وهو يرضع، هل يكون رضاعاً؟ فهذا مختلف فيه.
مسألة
[ حكم تصديق القينة ]
__________
(1) 1- في هذه المسألة : الصبيان إخوة في الرضاع يحرم عليهما ما يحرم في النسب،
وتفهم المسألة أن أبناءهما يجوز لهما التزوج من بناتهما، والله أعلم. (7/123)
صفحة 1064
وإذا ادعت القينة أنها أرضعت شبل مولاها عند مولاها أو غيره فأعلمه الغير، فإنها تكون مدعية ولا يلزمه تصديقها.
مسألة
[ من فروق النسب والرضاع ]
وجائز للرجل أن ينكح أخت ابنه من الرضاعة من امرأة غير امرأته. وإذا رضعت امرأة صبية وصبياً ليس هي أم أحدهما في النسب وللصبي أخ، هل
لأخي الصبي النكاح أخت أخيه من الرضاعة؟ فنعم جائز ذلك(1) .
مسألة
[ حكم ادعاء الأمة أنها رضعت مع السيد ]
ومن جواب الشيخ أبي الحواري رحمه الله : ومن كان له مماليك فرام سيدهم بيع أحدهم أو غشيان أنثى منهم فادعت أمهم أنها راضعة بين السيد وبينهم، هل يقبل قولها حرة كانت أو مملوكة أو خلافهما؟ فأما في الغشيان فقولها مقبول على كل حال بعد الوطئ أو قبله، وأما في البيع فحتى
تكون مأمونة حرة أو مملوكة وبعد البيع فلا كانت حرة أو مملوكة مأمونة
أو غير مأمونة.
مسألة
[ الحكم للأغلب (اختلاط البئر باللبن) ]
عن محمد بن الحسن(2) عن أبي الحواري عن نبهان عن أبي عبد الله : لو قطرت قطرة من لبن امرأة في بئر فشرب منها صبي كان رضاعاً، والأصح
إذا اضمحلت عين اللبن ففي الماء بطل حكم الرضاع.
مسألة
[ استأجر المرضعة ]
ومن استأجر امرأة لرضاع طفل فعليها رضاعه فقط، ولا عليها حضانته وتدهينه وتمريخه وتطهير ملاءته، إلا أن يوافقها على ذلك.
مسألة
[ دفع الطفل إلى غير المستأجرة ]
__________
(1) 1- هذه المسألة فروق بين النسب والرضاع. فالتحريم خاص بالرضيع وليس بمن
حول الرضيع، انظر كتابنا بناء الأسرة المسلمة على ضوء الفقه والقانون فروق
بين النسب والرضاع.
(2) 2- هو الشيخ محمد بن الحسن السعالي النزوي، أبو الحسن. عقدت له الإمامة بعد
مقتل بيحرة، وقال بعضهم هو من نسل محمد بن الصلت ابن مالك الخروصي
الإمام. توفي رحمه الله ودفن في موضع يقال له الشعثعية من سعال نزوى قريب
من الحورة وقبره بها معروف. (7/124)
صفحة 1065
وإذا دفعت الضبر الطفل لقينها أو غيرها من النساء فرضعته حتى فصل فليس لها أجرة، لأنها تطوعت بذلك والمتطوع لا يستحق أجرة.
مسألة
[ حكم إذن الزوج في تأجير المرأة نفسها للرضاعة ]
وإذا كانت الضبر زوجة تحت بعل فأجرت نفسها الرضاع طفل فليس له منعها إلى الأجل، وإن أذن لها فأجري أن لا يجوز له منعها بعد ولوجها في العدة إلى المدة وليس له فسخ ذلك.
مسألة
[ حكم الشرط في الطلاق ]
وإذا اشترط المطلق على مطلقته أن لا رباية لها عليه في رضاع ولده، فأنعمت له ثم أنكرت وقع الطلاق وفسد الشرط.
مسألة
[ حكم الشرط في الطلاق ]
وإذا كان للزوج أشبال من امرأة فماتت فنكح أختها بعد ستة أشهر فمرض بعض أشباله فرضع لبن خالته زوجة أبيه للدواء وأرضعت أيضاً خالته صبية أجنبية فلا يحل لهذا الولد تزويج الصبية لأنها أخته، إذ حكم اللبن
لأبيه من الرضاعة.
مسألة
[ أقصى مدة الفصال ]
وإذا لم تفصل المرأة ولدها بعد الحولين، فإذا كان مستغن بالطعام
ومكتف به فليس هذا برضاع، وإلا فحتى تمضي بعد الحولين أربعة أشهر
على قول من يقول بزيادة أربعة، وقيل : إذا احتمل على الطعام قبل الحولين واستغن به دون الرضاع.
مسألة
[ ادعاء القينة أنها أرضعت ربها ]
عن القاضي أبي زكريا(1) أن القينة إذا ادعت أنها أرضعت ربها حرم عليه
بضاعها ولا يحل له بيع ما نجلت ولا نكاحه وبيعها هي جائز، ولا يحل
للرجل نكاح امرأة أرضعتها ربيبته.
مسألة
[ قبول الشهادة على الرضاع ]
__________
(1) 1- القاضي أبو زكرياً : هو العلامة الفقيه أبو زكريا يحيى بن سعيد العقري النزوي،
وهو شقيق العلامة أبي علي الحسن بن سعيد بن فريش العقري النزوي. وأبو زكريا
من فطاحل العلماء وأجل الفقهاء عارفاً بالأصول والفروع له عدة مؤلفات منها
الإيضاح في الأحكام والقضاء منشور ومطبوع على حساب وزارة التراث القومي
والثقافة. توفي مقتولاً سنة 472هـ . انظر نزوى عبر الأيام ص108 - 109 . (7/125)
صفحة 1066
وإذا شهدت امرأة بالرضاع فهو رضاع حتى يصح أنه بعد الحولين.
مسألة
[ حكم قيء الرضاع بعد الرضاعة ]
ومن رضع لبن امرأة فقاءه وجب الرضاع.
مسألة
[ حكم الحقنة والقطرة من الرضاع ]
وحقنة الدبر وقطرة الأذنين ليس برضاع، وإذا شهدت المرضعة قبل
أن تسأل فلا تبطل شهادتها وليست كالشهادة في الحقوق، عن القاضي
أبي زكريا.
مسألة
[ حكم أجرة الزوجة على الرضاعة ]
واختلفوا في إثبات الأجرة للزوجة لرضاع ولدها، فأثبتها قوم وأبا ذلك آخرون، والرأي الآخر هو الأرجح.
النهج التاسع والأربعون
في النفقة(1) والمؤونة ونفقة الأولاد
مسألة
[ ما يجب على الزوج لزوجته ]
وإذا طلبت الزوجة الإنصاف من زوجها حكم عليه بذلك من نفقة وكسوة ومعاشرة، فإن أنعم وأراد حملها إلى بعض القرى فلا يجاب إلى
ذلك إن رأى الحاكم أن مشيئته ضررها، وإن حملها مشيئته بأمن على
النفس والمال ووجود المنصف وأمان السبيل فلا يضيق ذلك.
مسألة
[ ما للمرأة من كسوة على زوجها ]
وعلى البعل لعرسه من الكسوة تسعة أثواب للبرهة قميصان وجلبابان
وإزار وملحفة وهي ككسوة مثلها وكسوتها أيان الحكم ولا يراعا بها
كسوة نسائها، لأنه يمكن اقتارهن وثراها وبالعكس وينظر في جميع
أحوالها على مقتضى نفسها.
مسألة
[ ماهية الكسوة ]
__________
(1) 1- النفقة : لغة : مأخوذة من النفوق، وهو الهلاك، تقول من هذا المعنى : نفقت
الدابة تنفق نفوقاً، إذا هلكت. وأما من النَّفاق : وهو الرواج نفقت السلعة، تنفق
نفاقاً، إذا راجت بين الناس، وسمي بها المال الذي ينفقه الإنسان على عياله، لأن
في إنفاقه عليهم إهلاكاً للمال المنفق، أو لأن في الإنفاق رواجاً لحال المنفق عليه.
عند أهل العرف : لديهم استعمالين : الأول : يطلقونه ويريدون به خصوص
الطعام، ويعطفون عليه السكنى والكسوة. الثاني : يشمل الأنواع الثلاثة الطعام
والكسوة والسكنى. انظر بناء الأسرة المسلمة للمحقق مبحث النفقة. (7/126)
صفحة 1067
ولا يحكم للمرأة بملاءة تصلي بها ولا بذيل قميصها على الأصح،
ويجب عليه أن يسكنها مسكناً رافقاً لا مضرة عليها فيه ويسوق لها ما
يلزمها(1) إلى بيتها مما تحتاج إليها ولأولادها منه.
مسألة
[ مقدار مالها من النفقة ]
ويجب لها من الحب لكل شهر سبع مكاكيل ونصف بالصاع وكل
صنف من الحب أيان حصاده، وإن كانت ممن تأكل الحنطة فلها ذلك، ولها ثلاثون من عُمان تمراً لكل شهر ولها لكل شهر ثلاثة دراهما للأدمها إن
يكن ذوا ثروة وإلا فدرهمان، ويجب لها لكل شهر أربع قياسات حل وإن
تكن جمة الشعر فلها ثلث المن، وقيل : لها ملاءة للصلاة وما تصلي عليه،
ومن الماء ما تحتاج إليه من الشرب والاغتسال لبدنها وثيابها ويوصلها ذلك
إلى دارها، ولها ما تحتاج من الأماني، ويجب على الزوج لزوجته آنية تخبز
عليها ، ولها من الحطب ما تحتاج له لطعامها وما تصطلي به في زمن القر،
ولها الدثار لنومها وقعودها، ولا يمنع ولوج جار وذي رحم عليها، ويزيح ضرره عنها في نفس ونشب، ولها الضربة لكل جمعة واللحم للأعياد، وفي
ذلك اختلاف.
مسألة
[ الأم أولى من الأب بالولد ]
عن أبي المؤثر : إن الأم أولى من الأب بالولد، والخالة أولى من العمة، والعمة أولى من الخال. وإذا كان لليتيم ثراء وله أم ذا عيلة جاز لها
الاقتيات من نشبه بالمعروف، عن الربيع : وللأم أن تأكل من نشب ولدها وتتصرف فيه من بيع أصل وتكتسي منه وتطعم يتيماً كان أو بالغاً،
والأصح عدم الجواز.
مسألة
[ نفقة الزوجة حسب وضعها قبل الزواج ]
وإذا أرادت الزوجة نفقتها طعاماً معمولاً فلها ذلك، وإن كانت ممن
تخدم فعليه خادم أنثى يحضره لها تخدمها، أو كان أمهاتها يخدمن وعليه
مؤونة الخادم، وإن رامت أن تداري طعامها فلها ذلك.
مسألة
[ ما تقوم به الزوجة لخدمة نفسها أو لغيرها ]
__________
(1) 1- الأصل : فيه سيوق لها ما يلزمه : والصواب : يسوق لها ما يلزمها. (7/127)
صفحة 1068
وليس عليها أن تعمل له عملاً وإن كره أن تعمل لنفسها أو سواها فله منعها عن غزل وسواه. وعليه خياطة كسوتها ، وإن بليت فأنفذت رقعتها
بنفسها، وإن توت الكسوة والنفقة بسبب من الأسباب من غير تضيع منها فعليه بدله وإن أتلفته فلا شيء عليه لها إذا تعمدت لذلك. وذات الوصب
عليه أن يقوم لها بما تحتاج له ذو الوصب مما لا بد منه مما لو لم يقم أضر
بها، وعليه إناسها بنفسه أو سواه ممن لا يسعها ويسعه الدخول عليها.
مسألة
[ قدر النفقة حسب السعة ]
وإذا كان المرء ذا إقتار وله ورثة أرباب ثروة وذو عيلة فنفقته فيها
اختلاف ، قول : كلها على ذي الثراء ولا يؤخذ المقترون له بشيء ، وقول: على المثري بقدر ذنوبه من التراث على الأرجح.
مسألة
[ نفقة الحبلى والمطلقة ]
وإذا لزمت الوارث المؤونة فليس عليه بيع أصل ماله فيها. ولا في نفقة المطلقة الحبلى، والصلح ما اصطلح عليه الخصمان من حكم حاكم،
والاعتراف ما اعترف به الجاني، على نفسه ولم تصدقه العاقلة أنه خطأ فهذا
ما لا تعقله حتى يصح الخطأ بالبينة.
مسألة
[ لمن الحضانة عند الفراق ]
والشبل الذكر فالأم أولى به ولو نكحت والأنثى ما لم تنكح ، فإن
نكحت فالعمة أولى به، والحجة أن الأنثى عورة وحرمتها ليست كحرمة الذكر، هذا عن الشيخ صالح بن وضاح(1) من كتاب المنهاج(2) .
مسألة
[ لمن تجب النفقة وعلى من تجب ]
__________
(1) 1- لعله أبو صالح زياد بن الوضاح بن عقبة في نظير أبيه في العلم والفضل الورع
وهو من فقهاء القرن الثالث الهجري حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك. نزوى
عبر الأيام عن إتحاف الأعيان 1/425 .
(2) 2- المنهاج : لعله منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تأليف خميس بن مسعود بن علي
بن مسعود الشقصي الرستاقي، والله أعلم. (7/128)
صفحة 1069
وإذا نكح الزوج صبية يتيمة ولها نشب أو زوجها أبوها، هل له نفقة؟ فأما اليتيمة فإذا لم يدخل بها فلا نفقة عليه، وإن دخل أنفق وحسب ما أنفقها إلى بلوغها، فإن بلغت وأتمت التزويج فقد أنفق على زوجته، وإن غيرت فمحسوب عليها من مهرها. وأما التي زوجها أبوها صبية ولم يجز بها، قول : نفقتها على زوجها في بيت أبيها، وقول : على أبيها حتى يجوز بها.
مسألة
[ مقدار الكسوة ]
وحد القميص في الطول إلى بضعة الساق والجلباب سباعياً وهو
كالمعوز، والخمار وهو الردي وإزار سابغ، وأما في العرض فلم نجد له حداً،
إلا أنه أوسط الكسوة إذا عزب على أولي الأمر ما اكتسى سابقاً وإلا
فكسوة نسائها.
مسألة
[ حكم سفر المطلقة بالأولاد ]
وإذا نكح الرجل امرأة من بلد تتم فيها الصلاة فأنجلها وطلق ورامت البروز لدارها بالأولاد فلها ذلك وعليه مؤونتهم عند أمهم، وإذا كانت هي
وهو من دار واحد فليس لها الخروج من البلد بأولاده، وإن تزوجها من غير بلده وكانت تقصر الصلاة في البلد التي تزوجها فيها فلها أن تخرج بأولاده
إلى بلدها وعليه أداء المؤونة إلى دارها في موضعها.
مسألة
[ نفقة الصبي ومراحل النفقة ]
وإذا ولد المولود فله الربابة على أبيه لكل شهر درهمان إلى فصاله، ثم له ثلث النفقة التامة حتى يصير خماسياً فله نصف النفقة، وقيل : حتى يكون
طوله أربعة أشبار ونصف شبر فله نصف النفقة حتى يصير سداسياً فله ثلثا النفقة اللوربة تامة، حتى إذا بلغ فله النفقة إن كان ممن تجب له النفقة.
مسألة
[ كسوة الصبي ونفقته على أبيه ]
وللصبي من الكسوة قميص وإزار ودثار يكنه عن الحر والقر، وللأنثى قميص، فإذا صارت امرأة فلها أربعة أثواب إزار ودرع وخمار وجلباب،
وقيل : لا يسجن الأب لنفقة ولده.
مسألة
[ موقف الأم من نفقة الأبناء ]
وقيل : للأم الخيار، إن شاءت رضيت مما أعطاها، وإن شاءت تركتهم له حتى يصح غناه.
مسألة
[ موقف الحاكم عند ادعاء الزوجة ] (7/129)
صفحة 1070
وإذا ضرب البعل عن عرسه وادعت أنه لم يترك لها نفقة، وكذلك
المطلقة الحامل إذا ادعت أن مطلقها لم ينفق عليها، فعلى الحاكم أن يفرض
لها النفقة ويستثني للضارب حجته، وهذا من التعاون على البر والتقوى.
مسألة
[ حكم العجز عن النفقة ]
وإذا عجز البعل أن يكسو للسنة فلا بأس إن كسى لستة أشهر، وإن عجز عن نفقة شهر وإلا فنصف شهر، وإن لم يستطع أنفق يوماً، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
مسألة
[ كسوة المرأة ]
وإذا حكم للزوجة بالكسوة فما كساها آنفاً بحكم ردته عليه إذا شاءه، وما كساها بغير حكم فلها ذلك.
مسألة
[ حكم الأدم للمرأة ]
واختلفوا في الأدم للمطلقة الحبلى، فمنهم من أثبته لها وقال : من وجبت له النفقة شرعاً أوجب له الأدم، والأصح لا إدام لها.
مسألة
[ تعليل الزوجة ]
وإذا ادعت المرأة أن زوجها عداها ببعض العلل وصحت العلة بها فعليه القيام بها، أو يجعل من يقوم بها ممن يحل له ولها القيام بها كذي الرحم من النساء،وليس عليه لها إلا النفقة المفروضة، وإن صرفتها واشترت ما شاءت فذلك إليها، فما زاد فلها وما نقص فعليها.
مسألة
[ التوسعة في النفقة ]
ولزوجة ذو الوصب إذا لم تكتف بنفقتها أن يوسع عليها زوجها من
آجل مهرها لإزاحة الضرر عنها إذا اضطرت لذلك، لأنه لا ضرر ولا ضرار
في الإسلام، وإذا كانت زوجة القن حرة مقترة ولها منه أشبال، فلا يحكم
على سيد القن بنفقة أشبال قنه من الحرة ولا المملوكة، لأن الأولاد تبع
لأمهم على الأصح، وينبغي لربه أن يزيح الضرر عنها بما يملكه، ويمكنه من صداقه الآجل ولا سيما إذا كانت ذات عيلة.
مسألة
[ على من تجب نفقة العاجز من الصغر ]
والحر المقتر العاجز عن المكسبة من طفولية أو زمانية أو وصب أو نصب فنفقته وكسوته في مال الله إن كان لله مال، وإلا فسيرزق الله وهو خير الرازقين، وقيل نفقته على من يرثه.
مسألة
[ حكم طلاق الإعسار ]
وإذا طلبت الزوجة النفقة والكسوة الشرعيتين فلها ذلك، وإن عجز (7/130)
صفحة 1071
ورامت الطلاق حكم عليه به ويكون آجلها إلى ميسوره، فإن قيل : ولم
والله تعالى يقول : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } (1) ، قلنا :
وقد قال الله تعالى : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } (2) .
مسألة
[ اختلافهم في كسوة الحرير ]
واختلفوا في كسوة الحرير، فقال بعضهم : إذا كانت تكتسبه حكم لها
به لا بحكم نسائها، وبعضهم أبا أن يحكم بالحرير، وهو أصح القولين.
مسألة
[ نفقة ذات البعل ]
ونفقة الصبية على أبيه، وله استعمالها فيما تستطيع، وأما البالغ ففي لزوم النفقة على أبيها اختلافاً، إذا لم تكن ذات بعل وذات البعل لا نفقة لها على أبيها، وهي على زوجها.
مسألة
[ كسوة الأعراب والعجم ]
واختلفوا أيضاً في نفقة الابنة إذا أبينت، فقول في مال أبيها، وأبا ذلك بعض العلماء، وكسوة نساء الأعراب والأعراب كالعجم والبلوش القادمين ككسوة مثلهم.
مسألة
[ حكم القدرة على النفقة والعجز عن الكسوة ]
وإذا استطاع البعل النفقة وعجز عن الكسوة وبالعكس، وأبت
الزوجة معاشرته ورامت الطلاق حكم عليها بذلك، ولا عذر له من أن
يموت أو يطلق.
مسألة
[ الدعوى على الزوج بعدم النفقة ]
وإذا ضرب البعل عن صاحبته لبعض الفرى فشكت منه عند القائم تريد النفقة والكسوة ، فاحتج عليها لحاكم إذا كان هو حيث تبلغه الحجة وحيث
تجد المنصرف، فأنعم ورام وصولها لتأخذ ما يجب لها، فأبت، فلا يحكم
عليها بالخروج إليه، وعليه أن يوصلها حقها.
مسألة
[ حكم منع المرأة من رؤية أبنائها القدامى ]
وإذا طلبت الزوجة من زوجها الإنصاف، فأنصفها ولم يرض لها
البروز من بيته، ولها أولاد من غيره فمنعها الدخول عليهم، فأما البروز
من بيته فله منعها، وأما دخول أولادها عليها ودخولها عليهم فإن كانوا
أطفالاً لا غناية لهم عن أمهم وقد علمهم مع النكاح فليس له منعهم ولا
سيما الإناث.
مسألة
[ الكسوة حسب القدرة ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 280 .
(2) 2- سورة البقرة آية 229 . (7/131)
صفحة 1072
عن الشيخ محمد بن عمر بن مداد رحمه الله(1) : وإذا أرادت الزوجة
من زوجها أن يكسوها ربط الحرير، فإن كانت ممن تكتسبه من قبل فلها
ذلك، وإلا فلا يحكم لها بسوى ربط غزل القبعص القطن، ولو كانت
تكتسي الحرير على قول.
مسألة
[ مقدار ما يعطى من التمر ]
ويحكم عن كل واحد من التمر مَن ونصف من المعو(2) الرطب، وكل ذلك من أوسط التمر الموجود من الأجناس من حب وتمر ومعو، ولا يحكم
لها بالبسر وإن تراضوا فمنوان(3) ومما كانت تقتات حكم لها بمثله.
مسألة
[ عدم العودة للبيت لانعدام النفقة ]
وإذا طلبت الزوجة الإنصاف من بعلها من نفقة وكسوة، فقال : أما
النفقة فها هي، وأما الكسوة فإذا راحت إلى بيتي أتيتها، فأبت المرأة اتباعه
قبل إحضار كسوتها، فإذا أحضر الثياب مخيوطة حكم عليها باتباعه، وإن
يكن ذا عيلة آجل في الكسوة عشرين يوماً إلى شهر.
مسألة
[ الحكم للزوجة بملاءة تصلي بها ]
عن الشيخ أحمد بن مفرج : فإنه يحكم للزوجة بملاءة تصلي فيها وأبا، ذلك الشيخ ابن وضاح، والنظر يوجب لها ذلك، إذا كانت من أهل الصلاة حكم لها بذلك، وإلا فلا.
مسألة
[ خروج المرأة زائرة أثره على النفقة ]
وإذا خرجت المرأة زائرة أهلها فلا نفقة لها ولو أذن لها، وإن لم يأذن لها حجر عليها ذلك، وإن احتجت عليه أن يحملها إلى بيته فأبا حكم عليه
بنفقتها إذا أبا، وإلا فلو قعدت برهاً فلا شيء لها ولو أتت ورنت.
مسألة
[ حكم خروج المرأة دون إذن الزوج ]
__________
(1) 1- الشيخ محمد بن عمر بن مداد : انظر سيرة آل مداد - عبد الله بن مداد
النزوي رحمه الله.
(2) 1- المعو : نوع من البسر يعرف في عُمان.
(3) 2- فمنوان : مثنى مناً : والمن الذي يكال به السمن وغيره وقيل : الذي يوزن به
رطلان والتثنية منوان والجمع أمناء مثل سبب وأسباب وفي لغة تميم منَّ بالتشديد
والجمع أمنان والتثنية منان على لفظه. المصباح المنير 2/709 . (7/132)
صفحة 1073
وإذا خرجت الزوجة من بيتها مسافرة مع أهلها برضى زوجها فعليه ردها، وإن استبرت برأيها فلا يلزمه استرجاعها، إلا أن يتعذر عليها حصول من يجوز لها أن تسافر معه من ولي أو ذي رحم ردها بنفسه وأنفق عليها.
مسألة
[ نفقة الولد الغني ]
وإن كان الولد الصبي ذا نشب، فنفقته في نشبه، وليس على أبيه شيء، وقول : ينفق عليه من مال أبيه ويجعل نشبه في غير ما يلزم من الواجبات.
مسألة
[ التصرف في الوصية ]
وليس من أوصي عليه للصبي بشيء أن يجعله في مصالحه، ألا أن يصح عجز أبيه عن مؤونته على هذا الرأي ، ويحاذر عليه الضرر ، وذلك يخرج من
طريق الاستحسان، وعلى القول الآخر فلا يضيق ذلك على من أوصي
عليه، وإن كان الأب غير مأمون جعله في مصالح الصبي.
مسألة
[ نفقة الناشز ]
وإذا نشزت اليتيمة من بعلها وكانت ذات نشب، فلم ينفق عليها حتى بلغت أو طلبت من وليه النفقة، فإن لم يجز قبل النشور فلا نفقة لها، وإن
جاز ففي لزوم النفقة لما مضى اختلاف والأصح إهدارها عنه.
مسألة
[ نفقة اليتيمة ]
ومن نكح يتيمة وجاز وطلق قبل بلوغها ففي نفقتها عليه اختلاف، إلى
أن تعتد منه، قول : إذا كان الطلاق رجعياً ولم تخرج من بيته فلها عليه
النفقة، وقول : لا نفقة لها.
مسألة
[ نفقة المرأة إذا سجنت ]
وذات الثراء إذا سجنت فإذا كان من سبب بعلها فنفقتها عليه، وإن كان من سببها فنفقتها في ماله، وإن سجنت على تهمة، ففي ذلك اختلاف.
مسألة
[ نفقة المرأة إذا منعت نفسها من زوجها ]
وإذا طلبت الحليلة من حليلها النفقة والكسوة وحكم عليه بها فادعى أنها تمنعه نفسها، حكم لها بذلك، وكان مدعياً وبينهما الأيمان تحلف أنها لم
تمنعه، حيث يجب عليها طاعته، فإن حلفت حكم لها بذلك، وإن ردت
عليه اليمين وحلف فلا نفقة عليه إلا بالمعاشرة.
مسألة
[ متى تجب النفقة ]
وأما إذا لم يكن فرضت عليه النفقة ولا أخذ بها فلا أيمان في ذلك، لأنه (7/133)
صفحة 1074
لا يحكم لها فيما مضى بشيء فيدعي عليها زواله، وإنما تؤخذ بمعاشرته،
ويؤخذ لها بما يجب عليه فيما يستأنف منذ رفعت عليه.
مسألة
[ حضانة الولد لأمه ]
وإذا كان الولد لا يستغني عن أمه فهي أولى به، ذكراً كان أو أنثى، إذا
لم تكن ذات بعل أو كانت وكان مأموناً، وإن كانت ممن يعقل الخيار
فحيث اختار إذا رأى المسلمون اختياره موافقاً لصلاحه، ولا ينظر له
الصلاح من والديه.
مسألة
[ متى تكون الحضانة للأب ]
وإذا كانت الأنثى لها من السن بقدر ثماني سنين والأم تحت بعل غير مأمونة فأبوها أولى بها، وذلك إلى نظر أهل العدل، والحاكم هو الناظر في
أمور رعيته والمشفق على نفسه من أن لا يحكم بغير ما أنز ل الله.
مسألة
[ متى تبطل حق حضانة الأم ]
وإذا قال الأب : إني لا آمن على ابنتي مع أمها ولها زوج، فلا يقبل قوله حتى تتضح خيانتها أو خيانة بعلها فهناك يكون الأب أولى بها ولو اختارت أمها، وقول : إذا نكحت الأم بطل حقها من الولد.
مسألة
[ حكم موت أم الولد أو غيابها ]
وإذا ماتت أم الولد أو غابت فالأب أولى به من جدته أو أمه، وقول : إن الجدة أولى من الأب، فإذا ذهب الأبوان فالجدة أم الأم أولى بالولد من أم الأب، وقيل بالعكس، والأول أصح.
مسألة
[ ترتيب الحضانة ]
والإخوة أولى من الأعمام، والأعمام أولى من الأخوال ذكوراً كانوا أو إناثاً ، وقيل: الخالة أولى من العمة ، وقيل بالعكس ، وقيل: الخالة أولى من
الأب، والنساء أولى من الرجال، وقول : الأخوال أولى بالتربية والأعمام
أولى بالمال.
مسألة
[ الحضانة مقابل تنازل عن النفقة ]
وإذا قالت أم الولد : أنا آخذه بنفقته، وقال غيرها : أنا آخذه بغير نفقته، فهو مختار لأمه أقر معها، ومثلها الجدة أم الأم.
مسألة
[ حضانة العمة ]
وإذا رامت العمة تربية ابن أخيها بنفقته، وطلبت الخالة أخذه بغير
فريضته، فإن لم يعقل الخيار جعل حيث أصلح وينفق عليه من ماله، وإن
عقل الخيار جعل حيث اختار.
مسألة (7/134)
صفحة 1075
[ انعدام الأقارب للطفل ]
وإذا لم يكن للولد أقارب جعله الحاكم حيث اختار له ولنشبه ولو بأجر، وله التخيير إذا كان ابن سبع سنين، وقول ثماني سنين، وقول إذا أكل وحده ولبس وحده وتوضأ وحده، وقول إذا استغنى بنفسه، وأما الأنثى فحتى
يكون من يجوز تزويجها.
مسألة
[ إجبار المرأة على تربية ولدها ]
وعلى الزوجة تربية ولدها، فإن أبت جبرت، وليس ذلك على المطلقة،
إلا أن يتعذر حصول مرضعة جبرت، ولها الأجرة على ابنها، فأب الولد
الحر أولى به.
مسألة
[ سقوط حق الحضانة ]
عن موسى بن علي : وإذا نكحت المطلقة ولها ولد فلوالده أخذه منها، وليس لسوى الأب ما للأب.
مسألة
[ معنى الحضانة ]
والحضانة هي تربية الولد، يقال : حضنت الحمامة على بيضها، إذا
رخيت عليه التفريخ، وقد يحضن الحمام على بيض الدجاج وتحضن
الدجاجة على بيض الطاووس، ولكن لا يذرن بيضهن.
مسألة
[ أجرة المرضعة ]
عن الشيخ أبي الحسن : والنفقة لكل مرضعة زوجة كانت أو مطلقة،
وقيل: ليس للزوجة أجرة الرضاع، وقيل لها ، وهذا من كتاب الضياء
تأليف، تأليف الشيخ سلمة بن مسلم(1) .
مسألة
[ تفسير { وعلى الوارث مثل ذلك } ]
قال الله تعالى : { وعلى الوارث مثل ذلك } (2) ، قول على وارث
الصبي أجرة رضاعة، وقيل هو وارث مال الهالك الذي كان عليه النفقة للرضاعة، فلما مات رجع إلى وارث المال وهو الولد الذي ورث أباه، ولا يفرض له في سائر ورثة أبيه.
مسألة
[ أجرة الرضاعة ]
__________
(1) 1- هو سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري مؤرخ وعالم من علماء عُمان له أكثر من
مؤلف منها الأنساب، والحكم والأمثال، معجم الخطابة في الخطب والرسائل.
وله الإبانة في اللغة عاش رحمه الله ما بين القرنين الرابع والخامس الهجريين،
انظر مقدمة الضياء.
(2) 2- سورة البقرة آية 233 . (7/135)
صفحة 1076
ومن أصاب مرضعة لابنه بأدنى مما ترضعه أمه خيرت بين أن ترضعه بالأجرة البخسة أو تذر له ولده، هذا رأي أبي زياد(1) ، وقال محمد بن
محبوب ترضعه أمه برأي أهل العدل ولا يضاربها.
مسألة
[ متى تكون النفقة على الأم ]
وإذا كان الأب ذا إقتار فعلى الأم أن ترضع ولدها ولو كانت ذا عيلة، وقيل : إذا كانت الأم رب ثروة والأب رب عيلة بيان إذا لم يكن بالأم لبن فعليها أجرة إرضاعه، وإن كان للولد ورثة وزعت الأجرة عليهم ولزمها
بقدر ميراثها.
مسألة
[ متى تسقط أجرة الأم المرضعة ]
وإذا هلك أب الولد عن نشب، ثم هلك الولد بعد أن أرضعته أمه مدة، وخلف ماله على وارثه، فإذ لم تكن الأم فرض لها الحاكم والمسلمون أجرة رضاعه فلا أجرة لها في ماله، وإن أنفقت على من يلزمه عوله كمملوكة أو غيره فلا ضمان عليها.
مسألة
[ الكسوة مقابل الإرضاع ]
قال الله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } (2) ،
فهذا في الزوجة، أي عليها أن ترضع ولدها وعلى البعل كسوتها بلا أجر
ربايه، وهو الأرجح، وإنما الرباية للمطلقة التي لا كسوة لها ولا نفقة.
مسألة
[ الحكم على الزوج بالنفقة ]
وقيل إذا كان لبعل مثر حكم عليه برباية ولده لأمه وهي زوجته على قول، وإذا كان ذا عيلة فلا أجرة عليه وعليها رضاعة، وأما تربية الولد فغير محكوم بها على الزوجة على الأصح، ويعجبني إن كان الأب مثر جعل من
يقوم بتربية ولده ومصالحه وإذا ضرب المطلق عن ولد مع أمه يرصع، فإذا رفعت الأمر إلى الحاكم فرض عليه الرباية، ويستثني له حجته ولا يحكم
عليه في ماله بشيء حتى يقدم، فإذا قدم وادعى أنه سلم لها ذلك ألزمناه
البينة فيما يدعيه، لأن الحكم قد ثبت عليه، وإن مات في سفره وادعى
__________
(1) 3- أبو زياد : هو الوضاح بن عقبة النزوي سبق ذكره.
(2) 1- سورة البقرة آية 233 . (7/136)
صفحة 1077
الورثة بالبينة فيما يدعوه أنه كان يؤدي إليها ما لزمه، وإلا دعيت هي بالبينة أنه كان غائباً إلى أن مات، ولا يعلمون أنه كان يؤدي إليها شيئاً مما يلزمه،
فإن لم تكن له بينة فأصح الأقوال أن إذا مات ماتت الدعوى وصار القول
قول ورثته مع يمينهم، فإن ردوها عليها وحلفت سلموا لها ما تدعيه،
وعليهم يمين علم لا قطع.
مسألة
[ الأم أولى بإرضاع ولدها ]
وإن أبت المطلقة رضاع ولدها ثم أنعمت، وشرط عليها أن لا رباية لها، فلها الرباية وهي أولى بالولد ولو كره، ولها ما يراه أهل البصر، فإن ادعى
عنده من يقوم برضاعة ولده كقينة أو ذات رحم فلا يجاب لذلك،
وأمه أولى به.
مسألة
[ الأم أولى ما لم تشطط في المؤونة ]
وإن رددته بعد أن فصلته، ثم طلبته فأبى إذ قد فصل فهي أحق به ما لم تشطط في المؤونة، حتى يعقل الخيار ويتضح لأولي الأمر اختياره.
مسألة
[ الأم أولى بلبنها ]
ولا يحل لبن الزوجة إلا بإذن زوجها إلا لدواء، وقيل : هي أولى بلبنها، والحجة لو أنها أبت رضاع ولدها ووجد له ظئر غيرها وقبل رضاعها ولم
يحكم عليها برضاعة على قول، والأشهر أنها محكوم عليها بذلك.
مسألة
[ الإذن بالرضاعة لغير أبنائه ]
وقيل : إذا أذن الزوج في الرضاع لزوجته فالأجرة لها، على قول من
يجعل اللبن لها، والأشهر أن اللبن للزوج، عن بشير : وإذا ثقبت الأم ولدها
في أذنه أنه لا بأس عليها، وإن تقدم عليها فثقبته فكل أذن أكثر من ثقب
لزمها إرش ما نما على أقل العدد، قال أبو سعيد : إذا رامت الأم النفقة لولدها دعيت بالصحة على معرفتها ومعرفة الولد وماله، فإذا صح ذلك فرض لها.
مسألة
[ نفقة الولد على أبيه ]
واختلفوا في الوالد إذا كان ذا عيلة، فقول : تفرض عليه نفقة ولده إلى ميسورة، ويكون غريماً كسائر الغرماء، وإن لم تفرض أم الولد بذلك خيرت بين تركه لأبيه أو رضاعته بغير أجرة، وبما ساق لها على حسب طاقته.
مسألة
[ نفقة الولد إلى بلوغه على أبيه ] (7/137)
صفحة 1078
والولد الذكر فمؤونته على أبيه حتى يبلغ، فإذا بلغ سقطت مؤونته عنه، واختلفوا أيضاً في البنت مع أبيها، فأثبت عليه النفقة قوم وأبا ذلك آخرون.
مسألة
[ متى تجب نفقة الابن على نفسه ]
عن الفضل(1) أن الولد إذا بلغ سقطت عن أبيه نفقته، ذكراً كان أو
أنثى، ونفقة الأنثى فيها اختلاف، وإن الابن إذا كان مثر فنفقته في ماله، وإن كان مقتراً فعلى من يرثه، وإذا لم ينفق الأب على ولده الصبي حتى بلغ فلا يلزمه شيء في الحكم، وهو آثم فيما ضيع من حق ولده.
مسألة
[ طلب الصبي نفقته ]
إذا طلب الصبي النفقة من أبيه قبل بلوغه فأبى حكم عليه فيما يستأنف، وهدر عنه ما خلا من المدة، وإن حكم عليه بها فتولج بعد الحكم أخذه
الحاكم بما يلزمه، وكذلك فيما يلزمه من نفقة أبيه.
مسألة
[ مقدار كسوة الولد والجارية ]
وإذا سجن الولد البالغ وله ولدان من موسران فلا تلزمهما النفقة،
وكسوة الصبي ثوب ودثار يكنه عن الحر والقر، والأنثى قميص، فإذا
صارت امرأة فأربعة أثواب.
مسألة
[ قول أبو معاوية في الكسوة ]
عن أبي معاوية(2) : لها لكل سنة أربعة أثواب إزار ودرعه وخمار
وجلباب، فإذا انصرت وسرقت أبدلها بعد صحة ذلك، وإن كسا بحكم حاكم فلا بدل عليه.
مسألة
[ استبدال القديم بالجديد في الكسوة ]
وإذا اضمحلت البرهة ولم تبلي الكسوة وراموا سواها أبدلهم وأخذ
البالية القديمة، فإن تزوجن وطلقن ولا مكسبة لهن فعليه مؤونتهن، وليس
يلزمه صنع ثيابهن، وإذا اختلف البعل وعرسه فيما يلزمه لها من المؤونة،
والأمر إلى نظر العدول في الأحوال والأوقات والأماكن التي تكون فيها المحاكمات، فإن اختلف ذوو العدالة وكانوا أهلاً لما اختلفوا أخذ الحاكم بما
__________
(1) 1- الفضل : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو محمد الفضل بن الحواري الأزكوي
السامي من بني سامة بن لؤي بن غالب من أشهر علماء عُمان في القرن الثالث،
انظر إتحاف الأعيان 1/197 .
(2) 1- أبو معاوية : هو عزن بن الصقر رحمه الله. (7/138)
صفحة 1079
يراه في نظره أقرب للحق.
مسألة
[ الحاجة إلى فراش كالحاجة للغطاء ]
والحاجة إلى الفراش كالحاجة إلى الدثار إذا احتاجت لذلك، فإن ادعت الأم الدثار ثوى فإنما هو عندها بمنزلة الأمانة، والدثار(1) كما يستحق الولد، فإن شرط عليها رده بعد استغناء ولده عنه لزمها رده، وإن ثوى لزمها
ضمانه على قول.
مسألة
[ استرجاع الكسوة من الولد ]
وإذا بلغ وعنده كسوة محكوم له بها على أبيه فرامها الأب فله ذلك من الذكر خاصة، وأما الإناث فإذا كانت كسوة، مثلهن فعلى قول من يقول أن مؤونتهن على الأب، فهو مخير بين أن يكسوهن جدداً أو يترك لهن الباليات،
وعلى قول من لا يلزمه مؤونتهن إذا بلغن، فهن كالذكران ، فإذا نكحن فما
كساهن بحكم رد عليه، وما كان بغير حكم فهو كالعطية، فإن أحرزنه
ثبت لهن، وكذلك الصبيان على قول من لم يثبت لهم العطية من أبيهم إذا
لم تكن بحكم.
مسألة
[ عدم إجبار الابن بمساكنة أبويه ]
وإذا بلغ الصبي الحلم فأبى مساكنته أبويه فلا يجبر على ذلك، وكذلك الأنثى في الحكم فيهما سيان، والطفل مجبور على مساكنة أبويه.
مسألة
[ اختيار المسكن الملائم ]
وعلى الأب أن يقو أولاده في مسكن رفق، وإن كانوا مع أمهم في
منزلها فليس لها أجرة المنزل، رأي أبي عبد الله، وقول يلزمه ويطرح عنه ما
ينو بها من الأجرة.
مسألة
[ حكم ضرب الأب ابنه ]
عن أبي سعيد : هل للأب ضرب ولده على الامتناع من الدواء إذا ألم به وصب، وخشي عليه النصب؟ فنعم له ذلك إذا ضربه ضرباً غير مبرح، واستعمال الصبي فيما يقدر عليه بإذن أبيه جائز.
مسألة
[ مساواة الولد والوالد الرقيق ]
عن أبي سعيد : وإذا كان والد الصبي رقاً فلا يجوز حله من نشب أبيه ولإباحته لغيره، ولا الإباحة في استعمال الولد هو والوالد الحر في ذلك
__________
(1) 1- الدثار : ما يتدثر به الإنسان، وهو ما يلقيه عليه من كساء أو غيره فوق الشعار،
وتدثر بالدثار تلقف به فهو متدثر ومدّثر بالإدغام، المصباح المنير 1/225 . (7/139)
صفحة 1080
سيان، وكذلك رب القن لا يملك من شبل قنه شيئاً إذا حرر الشبل.
مسألة
[ لا يجوز للأب الرقيق أكل مال ولده الحر ]
ولا يجوز للأب القن أكل مال شبله الحر، لأنه إذا كان من جهة النفقة فنفقته على مولاه، وإن كان من جهة الملك فالقن لا يملك نفسه فكيف
يملك مال غيره.
مسألة
[ إبرار الولد الوالد ]
وللولد أن يبره بالمعروف ما لم يخرجه من الطاعة، لإعظام حق الأبوة،
وأما من طريق اللازم فلا يلزمه للوالد الحر.
مسألة
[ حكم ثقب الأذن ]
وعلى الولد ملازمة صنيعة أبيه إن قبل وإلا فلا جبر عليه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ثقبوا آذان أولادكم خلافاً لليهود»(1) ، وإذا ثقبت المرأة آذان ولدها فهلك
الولد، عن أبي إبراهيم(2) : إن عليها ديته إذا استبزت برأيها دون أبيه، ولا ميراث لها ولا من تلاده وجلاده وميراثه لسائر ورثته، وإذا اتفق أبوه على تثقيب أذنه فمات فلا ميراث لهما، وديته لسواهما من ورثته.
مسألة
[ دية الثقب على رأي أبي معاوية ]
وإذا ثقبه غير أبويه بلا رأيهما فعليه الأرش، قول: لكل ثقب نافذة، وقول: يقاس كالعبد إذا أثقب كم ينقصه الثقب من ثمنه، ثم يحسبه للصبي في
ديته، وهذا رأي أبي معاوية.
مسألة
[ سنة ثقب الأذن ]
عن أبي الحسن أن تثقيب الصبيان في آذانهم بغير رأي آبائهم جائز، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «ثقبوا آذان أولادكم خلافاً لليهود».
مسألة
[ ثقب الأذن دون إذن الأب ]
وإذا استأذنت أم الصبي أباه في تثقيب أذنه فأبى، وفي طولبته أنه راض،
إلا أنه ليلقي عليها الحجة، فثقبته فلا أرى عليها شيئاً.
مسألة
[ الفرق بين الذكر والأنثى في ثقب الأذن ]
عن الشيخ العالم مداد بن عبد الله بن مداد(3)
__________
(1) 1- لم أعثر عليه في الكتب المعتمدة.
(2) 1- أبو إبراهيم : لم أعثر له على ترجمة.
(3) 1- مداد بن عبد الله بن مداد بن محمد بن مداد : فقيهاً محققاً لا يشق له غبار في
عويص المسائل، فهو مفتي نزوى في زمانه، عاش في القرن العاشر الهجري، فله
فتاوى فقهية، وكتب الجزء السابق عشر من بيان الشرع بدلاً من الجزء المفقود
لمؤلفه. انظر نزوى عبر الأيام ص149 - 150 . (7/140)
صفحة 1081
رحمه الله : وإذا ثقبت
الأم أذن ابنتها بغير رأي أبيها ولم تتقدم عليها ولم يأذن لها، فعن الشيخ
محمد بن محبوب رحمه الله أن الأنثى يثقب لها بلا رأي أبيها، وبرأيه إن
رضي فرضاه وعكسه سيان، وأما الصبي فلا إلا بإذنه.
النهج الخمسون
في العتق(1) والمكاتبة(2) وأحكام ذلك
مسألة
[ عتق القن المحرم على مالكه ]
عن أبي محمد: من ملك القن من يناسبه ممن يحرم عليه نكاحه فإنه يعتق حين ملكه، لما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «من أعتق رقبة لوجه الله تعالى فهي فداء من النار، كل عضو منها بعضو منه، حتى الذبذب بالذبذب(3) .
مسألة
[ جواز ملك المحارم الذين يجوز نكاحهم ]
ومن ملك من أرحامه ممن لا يحرم عليه نكاحه فله تمليكهم ولن يعتقوا، وليس له بيعهم.
مسألة
[ حكم ملك الإخوة من الرضاع ]
وإذا ملك الإخوة من الرضاعة شركاءهم فلهم توزيعهم بغير ثمن، وكره بعض الفقهاء توزيعهم بالثمن لأنه بيع، وإن كان في الشركاء من لا يناسبهم برضاع فوقع أحدهم بنصيب من يناسبه حرم عليه بيعه.
__________
(1) 1- العتق : في القانون الروماني هو تحرير العبد من الرق، وفي اللاتينية : فك قيد
الرقيق، وفي العربية : فك رقبة، وفي الشرع : إعطاء العبد حريته بواسطة طريقة
من طرق تحرير العبيد إما عن طريق الكفارة كالقتل الخطأ والحنث في اليمين
والظهار والإفطار في رمضان. أو العتق بإرادة السيد لله تعالى دونما سبب وله
أجر عظيم، أو لقاء مال وهو المكاتبة.
(2) 2- المكاتبة : شراء العبد حريته بمبلغ من المال يؤديه إلى مالكه فيأذن له بالعمل
ليحصل على المبلغ المتفق عليه ويسمى هذا العقد : عقد مكاتبة، وهو ملزم لا
يملك المولى فسخه من غير رضى المكاتب . انظر الرق ماضيه وحاضره ،
د. عبد السلام الترمانيني ص77 - 85 .
(3) 3- أخرجه النسائي 6/26 في الجهاد وفيه فضل العتق وانظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 9/571 - 572 رقم 7327 دون ذكر الجملة الأخيرة. (7/141)
صفحة 1082
مسألة
[ حكم اقتسام العبيد ]
وإذا اقتسم الشركاء العبيد ووقع أحدهم في سهم من لا يناسبه فلا يعتق وإن كان في الشركاء من يناسبه من جهة الرضاع، وكذلك حكم إخوة النسب، لأن حكم النسب والرضاع في مثل هذا سيان.
مسألة
[ حكم ملك الأخ من النسب ]
قال أبو الحواري : الأخ من النسب لا يوزع ويعتق من حينه بحصة
أخيه. ومن حرر عبداً لوجه الله، فاستخدمه عن طيب نفسه بأجرة جاز،
وقيل : لا يجوز، والأول أصح.
مسألة
[ استعمال المعتق بالأجرة ]
وحجة من أجاز استعمال معتقه بالأجرة، أن المرء إذا تصدق بصدقة
فردها عليه الشرع جاز له تناولها والإشفاع بها(1) .
مسألة
[ حكم الوصية بالعبد مع انعدام غيره من الأموال ]
اختلف أصحابنا فيمن أعتق عبداً له في وصية لا ملك له سواه، عليه دين يستوعب ثمن العبد، فقال بعضهم : العتق ماض ويستسعي ثلثي ثمنه
للغرماء، وهو قول موسى بن علي، وقال بعضهم : العتق ماض ويسع ثمنه
كله للغرماء.
مسألة
[ متى يبطل العتق ]
عن محمد بن محبوب رحمه الله : إذا استحق العبد بالدين بطل العتق،
وهذا هو الأرجح، لأن أداء الدين فرض والوصية تطوع، ولأن التصرف
في المال محجور قبل قضاء الدين، وأيضاً فأن العبد مطالب بالدين وليس
مطالباً بالوصية.
مسألة
[ حكم التصرفات في حال الصحة ]
وأجمعوا من حرر رقبة في صحته وعليه ذمة تستوعب ثمن العبد، إن التحرير ماض، لأن الدين في الصحة متعلق بذمة المديون، وإذا زالت الذمة انتقل إلى التركة.
مسألة
[ حكم عتق العبد على السيد دين ]
ومن أعتق قنه وعليه دين قد حكم عليه الحاكم بأدائه ولم يحجر عليه
ماله، إن العتق باطلاً والنظر يوجب عتقه ما لم يحجر عليه، لأن له التصرف
في ماله ما لم يحجر ماله.
مسألة
[ عتق الشقصى عتق للكل ]
__________
(1) 1- دليل ذلك : المرأة التي وهبت أمها جارية للخدمة فلما توفيت أمها رجعت
إليها بالميراث. انظر باب الهبة في كتب السنن. (7/142)
صفحة 1083
ومن أعتق من مملوكة شقصاً عتق كله وليس له أن يستسعيه لسائره، لأنه هو الذي أدخل الضرر على نفسه والعتق لا يتجزي، وإذا كان العبد بين شركاء، فحرر أحدهم حصته سرى التحرير فيه كله وعليه أن يرده على شركائه ثمن حصصهم جاز.
مسألة
[ الوعد بالتحرير لا يعتبر تحرير ]
ومن قال يوم اشترى فلاناً فهو حر، ثم اشتراه فلا عتق عليه للخبر الوارد
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «لا عتق فيما لا يملك المرء»(1) .
مسألة
[ من صيغ التحرير ]
ومن قال إن بعت عبدي فلاناً فهو حر، فإذا أوجب عليه البيع عتق قبل صيرورته للمشتري.
مسألة
[ حكم قول السيد كل ولد تلده قينتي فهو حر ]
ومن قال : كل ولد تلده قينتي فهو حر، ثم باعها، فكل ولد تلده فهو
حر ما بقيت، وإن عزب على المبتاع علم ذلك ورام ردها فله ذلك.
مسألة
[ من أعتق الرقبة دون الحمل ]
ومن أعتق قينته وبها حمل، فإن استثنى حملها ما في بطنها بعد أن تنفخ الروح فيه وحجته أن لا مثنوية له لأن الولد بضعة منها.
مسألة
[ أثر الجنين على عتق أمه ]
وسئل: إذا صار للجنين أربعة أشهر نفخت فيه الروح، وحجة من أبطل
استثناءه أن لو أعتق سيد قينته وهي في المركز للوضع وقد تحرك، ولم يجاور السكر الفرح الولد أنه يعتق أمه، فاستثناه ما في قيقبها بطنها أحرى أن لا يثبت، لأنه لا يدري أحي أم ميت وعتق العبد بعد موت مولاه هو التدبير إذا أوصى بذلك، ومحجور عليه بيعه لأن الحرية قد لحقته وهو ما علق عليها
بصفة موت سيده، وهو رأي أكثر فقهائنا، عن ابن عمر أن المدبر لا يباع
ولا يوهب ولا يورث، وأجاز بعضهم بيعه إذا استوعب نشب ربه الدين،
على أن لا يخرجه مشتريه من دار المدبر له. والأول أصح.
مسألة
[ بيع المجهول باطل ]
__________
(1) 1- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/611 رقم 5771 قال رواه
أبو داود رقم 2190 ، 2191 ، 2192 ، والترمذي رقم 1181 . (7/143)
صفحة 1084
وحجة من لم يجز بيعه أن البيع إذا وقع مجهولاً بطل، ولا يخلو أن
يكون البيع وقع على رقبة العبد والاستخدام، فلما كان بيع رقبته لا يجوز إجماعاً كان بيع خدمته كذلك، لأن الخدمة منه عوض معدوم لا بعلم ذلك المتبايعان ولا كم يحصل منهما.
مسألة
[ الدليل على عدم جواز بيع المدبر ]
وصحة عدم جوار بيع المدبر من كتاب الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } (1) ، ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - : «أم الشبل تحرر بهلاك ربها»(2) ،
فلما كانت تعتق بهلاك ربها بسبب ولده منها كان المدبر يعتق بهلاك ربه
بسبب تدبيره له تساوى حكميهما.
مسألة
[ حكم بيع الأمة الحامل ]
والإجماع من الأئمة على أن الولد في حال حملها به لا تباع يدل على
ما بينا ويؤيد ما أصلنا.
مسألة
[ حكم بيع المدبر ]
وقيل يجوز بيع المدبر على أنه مدبر عتق المدبر عند مشتريه ويجوز بيعه لنفسه، وإن مات المولى قبل تسليم الثمن من العبد كان الثمن لورثته، لأنه اشترى نفسه على أنه مدبر.
مسألة
[ بيع المدبر إذا كان على السيد دين ]
قال أبو عبد الله : لا يجوز بيع المدبر إلا في دين، من لم يجد قضاه
سواه، وإنما تباع خدمته أيام حياته، فهذا أيضاً مجهول يتم إذا أتموه وينقص
إذا نقصوه. قال أبو عبد الله : يجوز بيع المدبر لمن يعتقه، قول إذ هو أصلح
من التدبير، وذو الوصب إذا دبر مملوكه فهو في ثلث ماله، ومن دبر عبده
في صحته فهو من رأس ماله، وإن مات المولى وعليه دين يستوعب ثمن
العبد فإنه يعتق، وليس لأربابه أن يستسعونه بحقوقهم.
مسألة
[ إقرار ذي الوصب التدبير ]
__________
(1) 1- سورة المائة آية 1 .
(2) 2- له شاهد في السنة وبنفس المعنى وهو عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما =
= قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته»
قال في بلوغ المرام : أخرجه ابن ماجه والحاكم بإسناد ضعيف، ورجح جماعة
وقفه على عمر رضي الله عنه. (7/144)
صفحة 1085
وذو الوصب إن أقر أنه دبر غلامه في الصحة فلا يقبل منه وهو من ثلث ماله، وإذا اشترى المدبر نفسه بنقد ونسيئة ومات المولى فعلى السيد ما بقي
من ثمنه، لأن السيد إنما باع نفسه على أنه مدبر.
مسألة
[ أثر تعارض الشهادة بالتدبير أو العتق ]
وإذا شهد شاهد على رجل أنه دبر عبده، وشهد شاهد سواه أنه أعتقه، إن كانا عدلين فهو مدبر ويعتق بموت مولاه.
مسألة
[ حكم المباشرة بعد التدبير وحكم التدبير المعلق ]
ومن دبر قينته فباشرها بالاستبراء فلا بأس عليه، وإن كان عليه دين
فباعها في دينه فليس لمشتريها الإفضاء إليها، وقيل له ذلك، والأول أصح،
ومن قال يوم يموت فمملوكته حرة، أو يوم يقدم فلان فهي حرة، فحرام
عليه سرها، وإن وطأها في يوم ولم يمت فيه فهي حرة، أو يقدم زيد،
فأرجو أنها لا تحرم عليه ، والذي لا بأس عليه في غشيانها هو الذي يقول :
إذا مت فهي حرة، ومن دبر قينته على نفسه حل له نكاحها، وإن دبرها
على غيره لم يجز.
مسألة
[ حكم الرقب والتدبير المعلق ]
وإذا قال زيد في صحته لعمرو : وقد رقبت عليك غلامي هذا، فقبضه إياه، فهذا رقبة، لأن الرقبة عطية، والعطية جائز في الصحة إذا أحرزها
المعطي، وقيل : البراءة عطية والصدقة كذلك، والرقبة والتدبير سيان، وأما
في اللفظ فبينهما بون، فهذا مرقب وهذا مدبر، وكله في المعنى ينظر به
موت من دبر رقب، ولا يحل غشيانها إذا أدبرها على غيره، لأنه يطأها في مغيب المدبر عليه فلا يأمن من أن يكون هو يطأها وقد مات المدبر عليه، فيكون قد وطأ ما لا يجوز.
مسألة
[ حكم نجل المدبرة ]
والتدبير ضربان، تدبير يطلق، كمن فاه لقنه : أنت مدبر إذا قدم زيد، فقدم زيد دبر، وإلا فلا، ونجل المدبرة لا يتبعها على الأصح في التدبير، بل يكون في الرق، وأما لفظ التدبير هو أن يقول : دبرتك تدبيراً صحيحا ًرغبة
في ثواب الله وابتغاء رضاه، وأنا يومئذ جائز الأمر لي وعلي، فمتى مت (7/145)
صفحة 1086
فأنت حر لوجه الله تعالى، لا سبيل لي ولا لورثتي عليك إلا سبيل الولاء.
و إذا كان العبد بين شريكين فشهد كل واحد منهما على الآخر أنه أعتق
شطره فإنه يعتق من كل واحد منهما حصة منهما شطره، ويسعى لهما
بالشرط الباقي.
مسألة
[ عتق الابن أبيه وإن كان له شركاء ]
عن أبي الحسن رحمه الله انه يعتق ولا سعاية عليه لأنهما أعتقاه، ومن ورث حصته من أبيه وله فيه شركاء عتق الأب بحصة ابنه واستسعاه بقية الشركاء لحصصهم كل بما ينويه ، ومن ورث من أمه حصة عن أبيه فإنها
تعتق ويفديها بما ورث من أبيه، وليس عليه أن يفديها بتلاده وجلاده مما لم
يرثه من أبيه، فإن بقي له ميراث غيرها من أبيه كان عليه في ميراثه ما بقي
من حصص الورثة، وإن لم يرث شيئاً استسعاها بقية الورثة بحصصهم منها سوى ولدها، وذلك للأم خاصة لا للأب ولا لسواه ممن يعتق لسببه.
مسألة
[ حكم ملك أبناء الأخوة ]
ومن ملك ابني أخيه وهما وارثاه ولا نشب له سواهما، فلما أدركه الوصب حررهما للآخر عتق إذا ملكه إذ هو أخوه، وإذا هلك العم وهو السيد من وصب ذلك عتقا في الحالين ولا سبيل عليهما، إلا أنهما عطية في المرض والعطية في المرض لا تثبت، وقد ورثاه ولا نشب له سواهما، وكانت قيمة أحدهما ستمائة درهم، وثمن الآخر ثلاثمائة درهم، فالذي قيمته ثلاثمائة درهم يرجع إلى الذي ثمنه ستمائة درهم بمائة وخمسين درهماً قيمتها بينهما شطرين.
مسألة
[ النذر بالتحرير ]
ومن قال يوم يأتي شبله حياً فمماليكه أحرار، فأوتي به ميت فإنهم لا يعتقون، وكذلك إذا قال إذا بلغ ابنه فرقيقه حر، فمات قبل أن يبلغ فلا يعتق.
مسألة
[ التحرير المعلق على الولادة ]
ومن قال لقينته إذا ولدت فأنت حرة، فولدت ولداً فهي حرة وولدها مملوك، لأنها عتقت بعد أن ولدت، ولو ولدت آخر في ذلك البطن لسرت
فيه الحرية، لأنها ولدته وهي حرة.
مسألة
[ حكم التحرير المعلق على ولادة الغلام ] (7/146)
صفحة 1087
ومن قال لقينته إن ولدت غلاماً وجارية، فكان الغلام قبل الجارية فهو مملوك وهي والجارية حرتان، وإن ولدت الجارية قبل الغلام ثم ولدت، فهي حرة والجارية والغلام مملوكان، إن ولدت غلامين في مبرك فالبدي منهما
مملوك وهي والثاني حران، ومن قال لقنه أنت حر إن لم أعطك مائة درهم
قبل الهلاك، فمات المولى قبل كون العطاء عتق القن، ومن قال لغلامه إن خدمتني سنة فأنت حر، فصعق المولى قبل أن يخدمه لم يعتق، وقيل يخدم
الورثة تمام السنة وهو حر، وقيل إذا مات مولاه فهو حر، وأما إذا قال:
عليك لي خدمة سنة ثم أنت حر، فهلك المولى قبل تمام السنة، فإذا خدم
الورثة تمام السنة عتق، لأنه ما كان على أحد من الناس حق انتقل بعد موته لورثته، ومن قال لقنه إن فعلت كذا فأنت حر فهلك السيد قبل أن يفعل
العبد ما شرط فإنه يعتق، فإن باعه قبل كون فعله جاز بيعه.
مسألة
[ حكم بيع المملوك بعد عتقه على شرط ]
ومن أعتق مملوكه بشرط يتصور كونه وعدم كونه فباعه جاز بيعه ما لم يقع الشرط قبل البيع، وإن وقع المشروط بعد البيع لم يعتق إذ هو ملك
الغير، وأما إن أعتقه بشرط يجوز كونه لا محالة فلا يجوز بيعه ويكون
كالمدبر إلى وقوع ذلك الشرط ثم يعتق، فإن باعه وقع الشرط وهو في
ملك غيره، وكيفية ذلك أن يقول لمملوكه : أنت حر في سنة كذا، أو في
شهر كذا، ثم باعه قبل دخول السنة أو لشهر عتق فيه من سيد السيد البائع، وللمشتري الدرك.
مسألة
[ حكم مال العبد (ملكية العبد) ]
ومن قال لعبده : إن جاء القيض أو أدرك النبق أو جاء الصيف فأنت حر، فلا يجوز له بيعه حتى يأتي الوقت الذي حده، ثم هو حر، ومن أعتق عبداً وللعبد سيد أو لبد واسق فهو للعبد حتى يستثنيه ربه، وإن كان النشب باطناً كان لمولاه إلا أن يستثني الواسق والباطن، وقيل النشب كله للمولى ظاهره وباطنه، وإن باعه وله مال واسق أو باطن فالمال للسيد.
مسألة
[ حكم مخاطبة السيد عبد بقوله : أنت حر لي عليك كذا ] (7/147)
صفحة 1088
ومن قال لعبده : أنت حر وعليك لي ألف درهم، فهو حر ولا شيء عليه، وإن قال : إن أعطيتني ألف درهم فأنت حر، فإن أعطاه ألف درهم عتق، وإلا فلا، وإن قال : أنت حر وأعطني ألف درهم، فهو حر ولا يعطيه شيئاً.
مسألة
[ حكم قول الحر للعبد : أنت حر من مالي ]
ومن قال لعبد غيره أنت حر من مالي، قيل تلزمه المحاولة في شرائه من سيده ويتقه، وإن تعذر حصوله حتى مات العبد عتق غيره، وإن حضرته
الوفاة قبل عتقه أوصى بشرائه ويكون ثمنه في جملة ماله، لأن هذا لزمه في الصحة فهو كالدين، وأما إن أوصى بذلك في المرض فهو من ثلث ماله،
وقيل لا شيء على من قال : لمملوك غيره أنت حر من مالي، فلا يصح
التحرير في معدوم للخبر، عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «لا عتق فيما لا يملك المرء
أودي العبد أو عاش»(1) .
مسألة
[ أثر خوف السيد من عبده على التحرير ]
ومن حاذر من مملوكه بطشاً يؤدي إلى الهلاك في حال مقدرته عليه بعد
إن قال له: اعتقني أو نجمتك ، فأعتقه ، إنه لا يعتق وإن حاكمه ورام النية
حلف، ولا حنث عليه، ويمينه أنهم عبيده ولا خرجوا من ملكه بوجه حق.
مسألة
[ حكم المجبر على العتق ]
ومن أدلاه عبده في قعر جب بحبل، فقال له : إن لم تعتقني أرسلت بك الحبل، فعتقه أنه لا يعتق لأنه مجبر غير مختار، وإن حلفه وحلف أنه ما
أعتقه فلا حنث عليه.
مسألة
[ حكم غشيان القينة المطلقة ]
وإذا طلق المولى قينته التي يغشاها، قال أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه
الله : إنها تعتق، وقول لا تعتق وليس له غشيانها، وله استخدامها ما لم ينو بتطليقه لها عتقاً فإن نوى عتقاً عتق، وهو رأي محمد بن محبوب رحمه
الله ومسعدة بن تميم(2)
__________
(1) 1- سبق تخريجه «لا عتق فيما لا يملك».
(2) 1- مسعدة بن تميم النزوي من أقطاب العلم في عهد الإمام غسان بن عبد الله،
وكان من الطلبة المجدين في طلب العلم في عهد الإمام الوارث تتلمذ على يد
زياد بن مثوبة وله موقف مشهور يوم وفاة الإمام الوارث ومبايعة الإمام غسان
مع سليمان عثمان رحمهم الله ، انظر نزوى عبر الأيام 93 - 94 . (7/148)
صفحة 1089
.
مسألة
[ أثر معاملة العبد على التحرير ]
و من مثل بقنه من صلم أذن ، أو جذع أنف فقد عتق لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من
مثل بعبده عتق عليه»(1) ، وقال هاشم(2) من ضرب عبده بشعلة نار عتق إذا أثر بجسده وهو رأي الأزهر وموسى(3) .
مسألة
[ ما يترتب على القلع أو بتر الأعضاء ]
وقال محبر من فقأ عين قنه أو صرى يده أو جارح منه عتق، ومن كوى عبده أو أمر بكيه على لقلقه لغير ضرورة وصب عتق، تغير كلامه أو لم يتغير.
مسألة
[ حكم من كوى عبده بالنار ]
ومن كوى عبده من علة برأي العبد فجائز، وإن كان لغير سبب، فقول : إذا أثرت النار عتق، وقول : حتى ينقص الكي ثلث ثمنه، وقول : إذا كان
من علة وبرأي ولم ينو به المثل جاز ولا عتق عليه، فإن طعنه فنفذت الطعنة
ولم تلتئم عتق، وإن التأمت لم يعتق لأن هذا ليس كالمثلة في الحكم.
مسألة
[ حكم الإساءة للأمة في رأسها ]
ومن جلط رأس قينته فهذه مثلة وتباع من غيره وله ثمنها، قال أبو عبد
الله : نعم إذا كانت من ذوات الشعور المرسلة فلم ينت عتقت، وإن نبت
فقد أساء ويستغفر الله، والمدة في ذلك برهة.
مسألة
[ حكم مباشرة الأمة ]
__________
(1) 1- وردت أحاديث كثيرة في مصاحبة الرقيق وحسن المعاملة لهم منها :
ما أخرجه مسلم وأبو داود بسنده : قال أتيت ابن عمر رضي الله عنهما وقد
أعتق مملوكاً فأخذ من الأرض عوداً وقال : ما لي فيه من الأجر ما يسوي هذا،
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه»
مسلم رقم 1657، وأبو داود 5168 وانظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 8/53 - 58 فيمن مثَّل بعبده، وانظر 8/76 .
(2) 2- هاشم : هو هاشم بن غيلان رحمه الله.
(3) 3- الأزهر : بن علي بن عزرة، أخو العلامة موسى بن علي من فقهاء زمانه ومن علمائهم المشهورين، والله أعلم. إتحاف الأعيان 1/424 . (7/149)
صفحة 1090
ومن باشر أمته فاختلطت لم تعتق، لأن مباشرتها مباحة له، وإنما يعتق بفعل التعدي به من سيده بما كان يستهلك ثمنه، وأما إن أتلف منه جارحة تقوم إلى نصف ثمنه ففي ذلك اختلاف، ومن قد من رجل مملوكه غصبة فعجز عن المشي لمنافعه عتق، ومن باشر قينته في الحيض فلا تعتق ولا تحرم عليه على قول من لا يحرم الوطأ في الحيض، والأصح أنه إذا تعمد لذلك حرم عليه وطؤها.
مسألة
[ حكم إتيان الغلام في دبره ]
ومن أفضى لغلامه في دبره فقد أتى بأعظم فاحشة وعليه التوبة والاستغفار، ولا يحرم عليه تملكه ولا استخدامه، والوطء في أدبار الرجال والنساء محجور حجر، وقوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهم } (1) متوجهة للأنثى في قبلها لا للرجال.
مسألة
[ حكم التدبير المعلق ]
وذو الوصب إذا : قال غلامي فلان مدبر لا يملكه أحد بعدي، ولا يستخدمه أحد بعدي، فأودي مولاه حرر العبد، وإذا باعت المدبرة قينتها في دين استوعبها بشرط تدبيرها جاز تدبيرها على قول، وليس لمشتريها
بضاعها، وأما السيد الأول المدبر فله بضاعها ما دامت في ملكه.
مسألة
[ صيغ من صيغ التحرير ]
ومن قال عند قضي نحبه جاريته لوجه الله، ولم يقل حرة لوجه الله
فما كان لوجه الله فهو تحرير، ومن قال : لعبده أنت سراح لوجه الله أو لله فإنه يعتق، وهو رأي الشيخ أبى محمد.
مسألة
[ صيغ من صيغ العتق ]
وإذا كاتب السيد عبده عتق وعليه ثمنه، وكان البيع ضعيفاً، وسيأتي
ذلك في موضع المكاتبة. عن أبي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان(2)
عن أبي معاوية عزان بن الصقر رحمهم الله في لفظ المكاتبة، وهو أن يكتب السيد لعبده : كنت عبد الله فوهبك الله لي فرددتك على واهبك، فلا
حجة لي فيك ولا سبيل لي عليك، إلا سبيل الولاء.
مسألة
[ صيغ من صيغ العتق ]
إني أعتقت لله تعالى عتقاً صحيحاً ثابتاً قاطعاً لوجه الله تعالى، وطلباً
__________
(1) 1- سورة المؤمنون آية 6 .
(2) 1- أبو الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان : لم أعثر له على ترجمة. (7/150)
صفحة 1091
لثوابه وهرباً من عقابه، ولا اقتحام العقبة، ولأن يعتق الله بكل عضو منك عضواً مني من النار، يوم تجزى كل نفس بما كسبت، ولا سبيل لي عليك
ولا لأحد من بعدي من ورثتي إلا سبيل الولاء.
مسألة
[ كيفية عتق العبد المشترك ]
وإذا كان العبد بين شريكين فدبر أحدهما ذنوبه، فعلى المدبر ثمن ذنوب شريكه بما يراه العدول، لأنه أدخل عليه الضرر بتدبيره إياه، والتدبير واقع إذا مات مدبره، وهو في ماله إذا أودي يوماً، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من أعتق نصيباً له في قن عتق من مال من أعتقه، وضمن للشريك حصته»(1) ، وقال : «ليس لله ضريب»، ويكون الثمن من رأس المال سوى حصة المعتق فإنها من ثلث ماله،ويتبع ورثة العبد بما زاد على الثلث، وهو ما ضمنه لشركائه.
مسألة
[ على من نفقة العبد إذا أعتق دون سن البلوغ ]
و من أعتق صبياً عن واجب أو متطوعاً فعليه رزقه إلى بلوغه، وقول : من
أعتقه متطوعاً فلا نفقة له، وإن أودي المعتق عن ظهار وهو صبي جعل ما يلزمه من مؤونته للفقراء أو في رقبة تعتق، وقيل : يعول به صبياً في سنه حتى يبلغ.
مسألة
[ حكم عتق الصبي عن ظهار ]
ومن أعتق صبياً عن غير ظهار فإن أودي فلا مؤونة له على الأصح، فإن عمل الصبي لنفسه جاز وأدى ما احتاج له فوق عمله ، وإن كان ممن
يكتسب ويعمل فأبى لم يجبر على العمل، وعلى من أعتقه مؤونته.
مسألة
[ مؤونة المعتق على من أعتقه ]
وما عمل المعتق فمرفوع عن المعتق من نفقته، وقال أبو علي : من أعتق صبياً وله أب حر مقتر، أو أخ أو عم، فإن كان عن واجب فمؤونته على
معتقه، وأما في التطوع فنفقته على من يرثه، فإن عجز الوارث عن نفقته
أنفق عليه المعتق، ولا يهمل سدي.
مسألة
[ على من مؤونة الضرير المعتق؟ ]
__________
(1) 1- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 8/66 - 70 ذكر الحديث
بروايات متعددة وأرقام 5906 ، 5907 ، 5908 ، 5909 وهو حديث صحيح
في عتق المشترك. (7/151)
صفحة 1092
ومن أعتق ضريراً لا يبصر أو زمناً على المكسبة لا يقدر فعليه عوله إن كان عن واجب، وإلا فيسترزق الله ويحتال لنفسه من كسب أو سؤال،
رأي أبي محمد والفضل.
مسألة
[ استلحاق الصغير ]
وإذا ادعى مسلم على صبي أنه عبده وادعى نصراني أنه ابنه، فعن أبي
عبد الله أنه حر مسلم، ويسعى للمسلم بنصف ثمنه، فإذا أودي النصراني
بعد أن تحنف ورثه الصبي.
مسألة
[ العتق المعلق بالوصية ]
عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله : وإذا أوصت المرأة عند
وفاتها إن تزوج بعلها زوجاً فعبيدها هؤلاء أحرار، فتزوج البعل بعد أن
أودت قبل أن يوزع الورثة العبيد أو بعد فإن عبيدها هؤلاء لا يعتقون على الأصح، لأن التعبد قد زال عنهما بعد موتها، وقال علي أنهم يعتقون.
مسألة
[ العتق المعلق ]
وإذا أقر بعبده أو أمته لزوجته ما لم تنكح، فقول لها ولورثتها بعد موتها نكحت أو لم تنكح، لأنه ملكها إياه أو شرطه باطل. ومن قال لمملوكه :
أنت حر إن لم أتزوج، فليس له بيعه حتى يتزوج، فإن أودى السيد قبل أن يتزوج فهو حر.
مسألة
[ حكم من قال لعبيده أحرار ]
ومن مر على عبيد فقال : أحدكم حر، وفيهم عبد له، فعتق عبده علم به عند القول أو لم يعلم، وكذلك من قال لجمة عبيد : أنتم أحرار، وفيهم له
عبد عتق عبده، عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله ومن قال لقينته يوم
يموت فهي حرة، فليس له سرها، وله استخدامها، وإنما يباشر من يقول : إذا مت فأمتي حرة.
مسألة
[ من قال كل جارية لي حرة ]
ومن قال كل جارية له حرة إلا جارية بكر، ثم قال إنهن أبكار، فالقول قوله، لأن الأصل أبكار حتى يصح أنهن ثيبات، فإذا أصبن ثيبات فادعى أن
هذا أعتامهن بعد يميني فالقول قوله.
مسألة
[ حكم من قال كل جارية لم أباشرها البارحة حرة ]
ومن قال كل جارية لم يباشرها البارحة فهي حرة، ثم ادعى أنه باشر إحداهن لم يقبل قوله إلا بالنية، والقول قولهن أنه لم يباشرهن.
مسألة
[ صيغة من العتق ] (7/152)
صفحة 1093
و من قال: إن تزوجت امرأة فمملوكي حر ، فتزوج أمة عتق غلامه،
إلا على قول من لا يجيز تزويج الأمة مع وجود الطول إلى تزويج الحرة،
فعلى هذا لا يعتق عبده.
مسألة
[ أنواع من العتق ]
وإذا قر العبد أنه مملوك لزيد فاشتراه مشتر فصحت حريته، فللمشتري ما سلم في رقبة العبد لأنه غره، وعلي بائع الحر الخروج في فكاكه من الرق،
ولم يعذره المسلمون من ذلك.
مسألة
[ إجماع أن المكاتب حر ]
أجمع أصحابنا علي أن المكاتب حر وأنه غريم كسائر الغرماء بما عليه من الذي كتب عليه، وأن الزكاة جائزة له، وأنه حر حين كاتبه سيده ولو كان البائع ضعيفاً، وكذلك لو باعه وأعتقه المشتري وكان البيع منتقضاً لبعض الأسباب وكان الثمن للذي باعه.
مسألة
[ تعريف المكاتب ]
والكاتب هو الذي يكتب ويكتب عليه ثمنه، والآجال التي فيها ثمنه،
فإذا وقع عليه البيع فقد صار حراً ولم يكن لسيده فيه رجعة، قال الله تعالى:
{ والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم
خيراً } (1) . أي وفاء لما كوتبوا عليه وصلاحاً في دينهم وسكنت قلوبكم
لأنهم يدفعون ما كوتبوا عليه، { وآتوهم من مال الله } (2) ، أي من الصدقة ليعان على مكاتبته.
مسألة
[ أثر عجز المكاتب ]
عن أبي عباس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «وإذا عجز المكاتب عن تسليم ما كوتب عليه فلا يسترق(3) ، والقول في المكاتب على وجهين
أحدهما إذا قال السيد : قد بعتك نفسك بكذا فقد صار حرا،ً وكذلك إذا
قال : قد كاتبتك إلى كذا.
مسألة
[ العتق المعلق ]
وأما إذا قال : إذا أتيتني بكذا فأنت حر، فإذا أتاه بما شرط صار حراً،
__________
(1) 1- سورة النور آية 33 .
(2) 2- سورة النور آية 33 .
(3) 3- له شواهد في كنز العمال منها : عن عمر قال : إذا أدى المكاتب النصف لم
يسترق، سفيان الثوري في الفرائض 10/352 رقم 29772 وعن علي قال : إذا
أدى المكاتب النصف فهو غريم. سفيان كنز العمال 10/357 رقم 29792 . (7/153)
صفحة 1094
وإذا طلب العبد من سيده أن يبيعه لنفسه فأبى فإنه يؤمر بذلك، فإن فعل
مختاراً وإلا لم يحكم عليه بذلك حكماً، وإن كاتبه على غير شيء وقع
العتق وعليه الثمن.
مسألة
[ أثر الرجوع عن المكاتبة ]
وولاء المكاتب لنفسه لأنه لم يعتقه، وإن كاتبه على دراهم كانت مع
العبد لسيده ثم رجع في المكاتبة فلا يرجع العبد إلى الرق وهو حر يوم كاتبه ولكن يعطى دراهم غيرها، وكان جابر ألا يرى بالقروض بأساً، وهو رأي الربيع أيضاً.
مسألة
[ المكاتبة على وصيف ]
ومن كاتب مملوكه على وصيف، فعن قتادة(1) عن عمر بن عبد العزيز أنه كره ذلك إلا أن يكون يداً بيد وهو رأي الربيع أيضاً، ومن كاتب على
وصيف إلى أجل فلا يصلح، ولكن ما جعل منه عند المكاتبة فلا يصلح
بأس، وقيل يصلح أن يكاتب على وصيف ثم يقوم ويكون مكانه دراهم،
لأنه إنما ذلك دراهم .
مسألة
[ حكم المكاتبة ]
واختلف الناس في وجوب المكاتبة، فأوجبها قوم إذا سألها العبد
وأبا وجوبها آخرون، ولا جبر على السيد على الأرجح، ومن كاتب
قينته ولها أشبال فهم له حتى يجري عليهم تحرير أو بيع، وما نجلت بعد
المكاتبة فهم أحرار .
مسألة
[ حكم وطء المكاتبة ]
ومن اقتسر مكاتبته فنجفها نكحها فأولج العرد جوف الشكر لزمه المهر والحد، وإن طاوعته فلا عقر لها وعليهما الحد وهي على ما بقي من
مكاتبتها ومن وطي مكاتبته لظنه جواز ذلك، فعن أبي أيوب : عليه مهر
__________
(1) 1- قتادة : بن دعامة بن قتادة، علامة العصر، قدوة المفسرين والمحدثين أبو
الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه ولد سنة 60هـ روى عن أنس
بن مالك وأبي الطفيل الكناني، وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعلماء
عصره من التابعين رضوان الله عليهم. وكان من أوعية العلم ومن أحفظ
الناس يقول عن نفسه : ما سمعت شيئاً إلا حفظته. توفي رحمه الله سنة 118هـ .
انظر سير أعلام النبلاء 5/269 - 283 . (7/154)
صفحة 1095
مثلها إذا أطمثها ويدرء عنه الحد بالجهالة ، وكذلك إ ن ظنت هي أنه حلال فلها مهر مثلها ولا حد عليها.
مسألة
[ الولاء لمن أعتق ]
وعن أبي موسى أن من أعين على مكاتبته بشيء من الله ففضل شيئاً مما أعطى فإنه يضعه في نحوه من الناس، وهو رأي الربيع أيضاً، وقيل يباع به مملوكاً فيعتقه، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الولاء لمن أعتق»(1) ، وقال
لحمة : «كلحمة النسب لاتباع ولا توهب»(2) .
مسألة
[ تعريف ولاء العتاقة ]
وإذا حرر رجل عبداً مملوكاً عند آخرين فإن ولاء كل واحد لمن أعتقه إذا أعتقوا كلهم، وقيل إن الجد يجزئ ولاءهم، وأما الجدة فلا تجزئ الولاء، وولاؤهم إلى مواليهم غيرها، والولاء ولاء عتاقه، فولاء العتاقه: فما صح أنه أعتقه أبوه أو جده، وقولنا إن الولاء للأب حيث حرر أولاً أولاده.
مسألة
[ أثر الولاء في الميراث والدية ]
ومن لم يعرف له أب حر فولاؤه لمن أعتقه، وإن أعتقت أمة فنجلته
فولاؤه لمولى أمه إذا لم يعرف له أب حر، وأما ولاء الصلبية فما كان لا
يعرف إلا بإقرار أو بشهادة عن شهادة فذلك جائز، ويجوز فيه شهادة
الرجال والنساء، وأصحابنا لا يورثون بالولاء، ويعقلون في جناية الخطأ
ويعقل عنهم.
مسألة
[ امتداد الولاء لغير المعتق ]
وإذا حررت القينة فولدت أولاداً أو تناسلوا، ولا يعلم لهم أب ولا معتق، فقيل هم موالي لمن أعتق أمهم، والأصح أن النساء ليس لهن من الولاء شيء
__________
(1) 1- الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «إنما الولاء لمن
أعتق» متفق عليه في حديث طويل وقصة بريرة بلوغ المرام من أدلة الأحكام.
(2) 1- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «الولاء لحمة كلحمة
النسب، لا يباع ولا يؤهب» رواه الشافعي وصحح ابن جبان والحاكم وأصله
في الصحيحين بغير هذا اللفظ. بلوغ المرام من أدلة الأحكام. (7/155)
صفحة 1096
إلا ما اعتقن أو أعتق من اعتقن، وقيل لهن من الولاء ما للرجال والأولاد لا بالولاء، وقيل الإخوة والشرة أولى بالولاء ولا للزوج ولا للإخوة من الرضاع.
مسألة
[ موالي المعتق وامتدادهم ]
ومن أعتق عبداً فهو موال له ولقومه يعقل عنهم ويعقلون عنه الجنايات في الخطأ، فإن كان له أب أعتقه قوم آخرون حرر أبوه وولاه إلى موالي الأب، وإن كان أبوا الأب لقوم آخرين ولأبيه إلى مواليه فصار ولاؤهم كلهم لموالي الجد يعقل بعضهم عن بعض، ومن له شريك في العتق عقل عنه بقدر حصة صاحبهم من العتق على عدد المعتقين، وقيل تعقل العاقلة عن المولى ويعقل
المولى عنهم كأحدهم، ويعقلون عن مولاتهم كما يعقلون عن نسائهم.
تمت القطعة الأولى من كتاب الكوكب الدري والجوهر البري في توحيد الباري وفي الولاية والبراءة وفي أصول الدين وفي أصول النكاح والقذف
وفي أسماء الله الحسنى وفي تفسير أسماء الله تعالى وشيء من آياته وفي من
يجوز من الشهادة ومن تجوز شهادته وفيما يجوز للإمام وما لا يجوز وفي
أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي كلام الصالحين وفي الزهد وأحكامه وفي الوضوء وأحكامه وفي النجاسة وأحكامها وفي الأذان والإقامة والتوحيد وتكبيرة الإحرام والاستعاذة والصلاة وفيما يقطع الصلاة ومالا يصلى عليه وفي التيمم والغسل من الجناية وفي غسل الميت والصلاة عليه وصلاة الإمام وصلاة
السفينة وفيما يشتمل من كل شيء لأني لم أحط به علماً من قلة الفهم تأليف الشيخ العالم العلامة عبد الله بن بشير الصحاري وكان تمام نهاراًً والخميس
من شهر ربيع الآخر من شهر سنة 1377 على يدي الخويدم الضعيف الذليل الراجي عفو ربه المجيد سعيد بن خميس بن سعيد بن خميس بن علي بن محمد البلوشي نسباً وله الدين الإباضي مذهباً والحمد لله حق حمده.
إلى هنا نهاية الصفحة من الأصل. (7/156)
صفحة 1097
وقد نسخته للشيخ المحب الصفي المود عيسى بن أسد المغيري المسكري اللهم ارزقه حفظ معانيه والعمل بما فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، فتوكل وهو حسبنا
ومن كتاب سراج الملوك :
مسألة
[ ما يستحب من الخصال ]
يستحب(1) أن يكون في المؤمن اثنا عشر خصلة أربعة في الطير من الديك ثلاث الغير(2) والكرَّة وكثرة ذكر الله(3) ومن الحمام ثلاث حب الوطن وحب الولد وحب الزوجة ومن الغراب ثلاث الحذر والبكور في طلب الرزق والستر في الجماع ومن الرخم(4) ثلاث الصمت والعزلة(5) والقناعة.
مسألة
[ في كنايات ]
في الكنايات كنية آدم - صلى الله عليه وسلم - في السماء أبو محمد وفي الأرض أبو البشر،
وأحمد أبو الطيب وأبو إحسان ومالك أبو غاصب(6) ، وإبراهيم أبو
إسحاق، وموسى ابن المغيث(7) وسالم أبو غانم وراشد أبو أسند ويوسف أبو المضا وأبو هند وعلي أبو الحسن وسليمان أبو عثمان وعثمان أبو عمرو
وعمر أبو حفص.
__________
(1) 1- المستحب : بمعنى المندوب : يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
(2) 2- الغَير : بمعنى الغيره فالديك شديد الغيرة ويدافع عن الدجاجة.
(3) 3- صياح الديك : تسبيح.
(4) 4- الرخم وواحدته : رخمة وتعرف أيضاً بالأنوف وهي الفصيلة النسرية من رتبة
الصقريات من قسم الطيور، وهو طائر غزير الريش أبيض اللون مبقع بسواد، له
منقار طويل قليل الثقوب، رمادي اللون إلى الحمرة، وأكثر من نصفه مغطى
بجلد رقيق فتحت الأنف مستطيلة عارية من الريش، وله جناح طويل مدبب يبلغ
طوله نصف متر والذنب طويل به أربع عشر ريشة. أنظر معجم المصطلحات
الفنية عربي، انكليزي، فرنسي، لاتيني، إعداد يوسف خياط4/265 - 266 .
(5) 5- في الأصل : الغرلة : والصواب : العزلة.
(6) 1- في الأصل : أبو أغاصب : والصواب : أبو غاصب.
(7) 2- في الأصل : ابن المغيث : والصواب : أبو المغيث، لأن ابن فلان ليست كنية. (7/157)
صفحة 1098
وأما الدواب فقيل : إن الجمل أبو نوئب والأسد أبو الأشبال والخنزير أبو عقبة والذئب أبو جعدة والنسر أبو غروان والحرباء أبو قرة والغراب أبو
زاجر والصقر أبو المليح والمختار أبو حمزة ومصبح أبو فخر وغسان أبو
مالك وخالد أبو قحطان وجابر أبو الشعثاء وبشير أبو المنذر ومسلم أبو
عبيدة وأبو بكر أبو قحافة والله أعلم. كتبته كما وجدته بخط الشيخ الفقيه الفصيح عبد الله بن بشير بن مسعود رحمه الله من كتاب جامع أبو محمد.
مسألة
[ إبراء الزوجة لزوجها ]
ومن جواب الشيخ الفقيه القاضي خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي(1) رحمه الله : و أكثر القول إذا أبرأة المرأة زوجها وهي صحيحة
وهو مريض ومات أنه يبرء من الصداق وترثه إذا مات قبل أن تنقضي
عدتها، وأما إذا أبرأته وهي مريضة وأبرأ لها نفسها وماتت قبل انقضاء
عدتها أنه يرثها ولا من الصداق الذي أبرأته منه وهذا أكثر القول
والاختلاف في هذا كثير والله أعلم(2) .
مسألة
[ مسالك الدين ]
مسالك الدين أربعة من الظهور والدفاع والشراي والكتمان فالظهور كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما والدفاع كعبد الله
__________
(1) 3- القاضي خميس بن سعيد بن مسعود الشقصي الرستاقي من بني زياد من سامة
بن لؤي، من مواليد القرن العاشر واستمر ذكره حتى في عهد الأمام سلطان
بن سيف ثاني الأ ئمة اليعاربة، أصله من نزوى واستوطن الرستاق ،ذكره السيباني
في الطبقة السادسة وقد تزوج والدة الإمام ناصر بن مرشد بعد وفاة والد
الأخير فنشأ ناصر ربيباً لديه ، له من الكتب كتاب الإمامة العظمى وكتاب منهج=
(2) = الطالبين وبلاغ الراغبين في الفقه الإسلامي في عشرين جزءاً وقد طبع لحساب
وزارة التراث القومي والثقافي. عن كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص349
رقم499 .
1- السبب في ذلك أن تصرفات المرأة والمريض عموماً في مرض الموت نافذة من
ثلث ماله وبعد الثلث موقوفة على إجاذة الورثة. والله أعلم . (7/158)
صفحة 1099
بن سبي(1) والسرا كأبي بلال المرادس بن جدير(2) والكتمان كأبي عبيدة
مسلم بن أبي كريمة وأبي الشعثاء جابر بن زيد رضي الله تعالى عنهم.
مسألة
[ أول من صلى الفروض ]
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : إن أول صلاة فرضت من الخمس الأولى فسميت الأولى ووجدت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أول
من صلى الظهر إبراهيم عليه السلام وذلك أنه أعفي عنه من ذبح ابنه عليهما الصلاة والسلام مع الزوال فصلى أربعاًَ شكراً لله فأقرت وأول من صلى
العصر حزقيل(3) عليه الصلاة والسلام وذلك أنه مر على قرية وهي خاوية
__________
(1) 2- عبد الله بن سبي : هكذا : لعله عبد الله بن سبأ صاحب التاريخ المشهور
والمعروف في كتب الفرق المذاهب .
(2) 3- أبو بلال المرادس بن جديد : أشهر من أن يعرف بلغ في الورع والديانة والعلم
والصيانة الأمد الأقصى وله فضائل لا تحصى ولا تأخذه في الله لومة لائم ولقد رد
على عبيد الله بن زياد ثم خرج بعدها على عبيد الله وكان من المحكمة.. فلما
خرج من حبس ابن زياد ورأى جدة في طلب الشراة عزم على الخروج فقال
لأصحابه : إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم
مجانفين للعدل مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا عظيم؛ وإن تجرد سيف
وإخافة السبيل العظيم ولكنا نشذ عنهم، ولا نجرد سيفاً ولا نقاتل إلا من قاتلنا...=
(3) = انظر طبقات المشائخ بالمغرب 2/216 - 222 وقد قتل هو ومن معه في صلاتهم.
1- الآية نزلت تذكر لنا قصة نبي من الأنبياء لبني إسرائيل وهو : عزير على رواية
ابن عباس عند ابن جرير وابن عساكر ومنهم عبد الله بن سلام عند الخطيب
وابن عساكر ومنهم عكرمة وقتادة وسليمان وبريدة والضحاك والسدى عند ابن
جرير، وقيل : اسمه أرمياه - رواية عبد الله بين عبيد بن منبه عند عبد الرزاق
وابن جرير. وعند بعضهم الخضر، وأخرج ابن أبي حاتم عن رجل من أهل الشام
أنه حزقيل ، والمشهور الأول ، فتح القدير للشوكاني 1/280 . (7/159)
صفحة 1100
على عروشها إلى قوله تعالى : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } (1) مع العصر فصلى أربعاً شكراً لله فأقرت وأول من صلى المغرب داود عليه الصلاة
والسلام وذلك أنه تيب عليه عند غروب الشمس فصلى ثلاثاً فلم يقدر على أكثر منها لما كان فيه من الجهد شكر الله فأقرت وأول من صلى العشاء
الآخرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - و ذلك أنه افترضت عليه من غير سبب فثبتت على أمته و أول
من صلى الفجر آدم عليه السلام وذلك أنه تيب عليه مع الفجر فصلى ركعتين شكراً لله فأقرت و أول من سن الركعتين عند القتال حبيب النجار(2) وعدي النجار ويقال : إنه خبيب بالخاء المعجمة وقيل : بالحاء والله أعلم.
مسألة
[ في الولاية والبراءة و(الحضانة) ]
ومن جواب الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان في
مثل الصبية إذا كانت يتيمة أو صبي يتيم وكان عند عم من أب وجدة أم أم من يكون أولى بحفظ هؤلاء صف لنا ذلك وإن خير أحد الأيتام واختار
الجدة أو العم أله الخيار أم لا؟ إن الجدة أولى بالصبي من عمه أخ أبيه وأما إذا اختار الصبي وكان يعقل الخيار فإنه يجعل حيث ما اختار إلا أن يرى
المسلمون غير ما اختار الصبي فالمسلمون هم الناظرون في ذلك.
مسألة
[ في المعاملة بالأجر ]
وفيمن استأجر علي خدمة فلج أجيراً والأجير وجد الفلج سالماً ويظن صاحب الفلج أنه خراب هل له الغير والرجعة وما يستحق الأجير من
__________
(1) 2- سورة البقرة آية 258 .
(2) 1- خبيب بن عدي : ابن عامر بن مجدعة بن حججاً الأنصاري الشهيد هو كان
مع الركب الذي غُدر بهم من قبل بني لحيان فأسروا خبيباً وزيد بن الدثنة،
فباعوها بمكة فتقلوهما بمن قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - من قومهم، وصلبوهم بالتنعيم وكان
اشتراه حجير بن أبي إهاب لعقبة ابن الحارث بن عامر، وهو أول من سن صلاة
الركعتين قبل القتل، انظر سير أعلام النبلاء 1/246 - 249 رقم 40 . (7/160)
صفحة 1101
الأجرة إذا أتم الأجير العمل فلم أقدر أبطل حقه وإذا لم يتم عمله فله بقدر عنائه وإذا أراد صاحب الفلج الغير بالجهالة فله ذلك.
مسألة
[ في البيع والتصرف في أموال الغائب ]
وقلت له : هل يجوز للكاتب أن يزيد أسفل كتابته المشاهد من العوام أنه قد صح معي البيع والشري من فلان لفلان أو هذا المبيع المزبور في هذا الكاغد(1) فالوقوف في مثل هذا أولى لأن أموال الغوائب عند من هي بيده
مثل العارية وهي على سبيل المعاملة لا غير ذلك.
مسألة
[ وقت الملاعنة وكيفتيها ]
وفي الملاعنة(2) أنها تكون بعد صلاة العصر في المسجد فيحلف الرجل
أربعة أيمان بالله يقول : أشهد بالله الذي لا له إلا هو أني لصادق فيما قذفت فلانة ابنت فلان هذه من الزنا أربع مرات وفي الخامسة يقول : لعنة الله عليه يصف نفسه إن كان من الكاذبين ثم تقوم المرأة مقام زوجها تقول أربع مرات أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إني لست بزانية وأنه لمن الكاذبين على قوله وفي الخامسة تقول أن غضب الله عليها تعني نفسها إن كان زوجها من الصادقين.
مسألة
[ أسماء الله الحسنى ]
هذه أسماء الله الحسنى :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المتفرد قبل وجود اللغات بالأسماء الحسنى المتوحد بالصفات بالمجد الأسي، الذي وَلِه إليه القاصدون رغبة
وطلباً، وتوله بذكره الواجدون شوقاً وطرباً، وتوله بجبروته العابدون
عبودية ورقاً، وتفرد بأوصاف الإلهية فهو معبود حقاً، الأول الأزلي
بالأبدية، المتفضل أولاً بالولاية والغناية، الآخر الأبدي الباقي الدائم بلا
نهاية، أخر بالإحسان والغفران والكفاية، ولا غاية للملك القادر على
__________
(1) 1- الكاغد : الحافظ للشيء ويصنع من الجلد أو الورق المقوى.
(2) 2- الملاعنة : هي صفة لمن يجري بينهما التلا عن لدرء الحد ونفي الولد، فمن اتهم
زوجته بالزنا، تلا عن زوجها لنفي الزنا عن نفسها. (7/161)
صفحة 1102
الإيجاد والاختراع، الملك المتصرف فليس لحكمه دفاع، القدوس البري من الآفات، السبوح المنزه المسبح بجميع اللغات، السالم من نقائض المخلوقات، المتفضل بالسلامة والسلام على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الغني عن الأغيار لا تحويه الجهات، القيوم المدبر الذي يمسك بقدرته الأرض
والسماوات، الواحد فلا شريك له في ملكه وأفعاله، الأحد فلا نظير له في صفات كماله، الوتر الفرد فلا يسمي في جلاله، الحميد المحمود بصفات الكمال، الحي الذي ليس لحياته زوال، العالم بنفسه لا يعلم هو غيره ولا
يتعلم بعلم قديم، أزلي ليس لضرورة ولا استدلال، العليم الخبير الواسع
المحصي المحيط، بباطن الأحوال، المؤمن الذي صدق نفسه بعلمه، وقوله
وإخباره وصدقه، المهيمن الشهيد الذي شهد لنفسه بالواحدانية قبل شهادة خلقه ، وهو العالم بصدق الصادقين من بريته، الشاهد فلا يخفى عليه شيء
عن علمه ورؤيته، السميع بغير إصغاء ولا إنصات، البصير بغير جارحة ولا التفات، الرقيب فلا يخفى عليه شيء من أفعال العباد، القريب بعلمه من
الكافة بتقريب الأسرار من هذا الوداد، الحفيظ الذي لا يعتريه سهو ولا
نسيان، الحافظ لمن يشاء فلا يكون للشيطان عليه سلطان، القادر بقدرة قديمة أو جذبها الأعيان والآثار، القدير المقتدر القوي المتين القاهر القهار، المريد بإرادة قديمة فهو المقدم والمؤخر لما يشاء كما شاء بحكمته، فكل خير وشر
ونفع وضرر وإيمان وكفر وربح وخسر فهو بقضاء ومشيئته، الرحمن
الرحيم الرؤوف الكريم الغفور الغفار، العفو الحليم البر المغيث الودود المقيت البار، ورأفته ورحمته إرادة الإحسان والإنعام، وداده مجنة إرادة التقريب والإكرام، وعفوه إرادة محو آثار السيئات، وحلمه إرادة تأخير العقوبات، ومغفرته إرادة الستر على الزلات، وغياثه وبره إرادة جميع الخيرات، المتكلم بكلام قديم أزلي لا شبه كلام الخلق به يأمر وينهى ويبشر وينذر، ويعد (7/162)
صفحة 1103
ويتوعد ويخبر، والقرآن كلام قديم ليس بمخلوق فيفنى بتصرم الأيام، ولا
صفة لمخلوق فتفنيه الأقلام، جلت صفات المهيمن العلام، عن إحاطة
بالأوهام، وكلامه مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في
الصدور، وصفاته لا يوصف بها غيره ولا تعتريها حوادث الدهور، الشكور الذي شاء على المحسنين بقوله، ويجازي الشاكرين بمنه وطوله، البارئ
المصور من غير مثال البديع المبتدع الفعال، الوهاب معطي النوال قبل
سؤال، الرازق معطي الأرزاق من غير احتيال، الفتاح الميسر ما عسر من الأسباب، الفاتح بحكمته بين الخصمان يوم الحساب ، القابض بقبض
الأرواح عند انقضاء الآجال، ويبسطها بالأشباح عند البعث لعرض
الحساب والأعمال، ويقبض الأرزاق فيقبضها عدلاً، ويبسط النعم فيوسعها فضلاً، ويفيض النفوس بالهم والترح، ويبسطها بالسرور والفرح، الحافظ
الرافع يرفع قدر من يشاء بالإهانة والانتقام ويرفع الحق ودليله، ويحفظ
الباطل وسبيله، ويرفع أولياءه بحفظ عهده وحسن رده، وجميل رفده،
وصدق وعده، ويخفض أعداءه ببعده وضده ورده، الحكيم العدل في جميع أحكامه، اللطيف بعباده فيلاطفهم بإكرامه، الحسيب الكافل من يتولاه المجيب دعاء المضطر إذا دعاه، الباعث للرسل محي الأموات، الوكيل المتولي أمر من رجع إليه في المهمات، الولي الناصر لمن والاه، المبدي المعيد المحي المميت فلا مالك سواه، التواب الراجع بعبده من قفار معصيته إلى بساط قربته، المقسط العادل في جميع أقضيته، المنتقم ممن عصاه وجحده، الهادي فبهدايته وحده المؤمن وعبد، نور السماوات والأرض الذي وضحت معرفته بهدايته، منور قلوب المؤمنين بأنوار ولايته، المقيت المقتدر على ما بري فيما يشاء ويقضيه، الرب المالك لخلقه المصلح لهم برزقه الرب لما ينبته وينشيه المغني فيعطي منهم
ما يشاء ما يكفيه، المانع فيمنع حفظاً وعناية، ويمنع العطاء ممن يشاء بلا
حماية، الجامع الأجزاء والأقسام بعد البلاء، المعز المذل فمن أعزه شرفاً (7/163)
صفحة 1104
وعلاه، العلي الأعلى المتعال، وعلوه علو تعظيم وإجلال، العظيم المتكبر وكبرياؤه وصف القهر والكمال، المجيد الرافع فلا يدركه الوهم والخيال، الظاهر فتعرفه العقول بصنعه، الباطن فلا سبيل إلى إدراك صمديته، الجبار فلا تصل العقول إلى الإحاطة بجلاله، القاهر لعباده فيأمرهم لما يشاء من أفعاله،
العزيز الذي لا مثل له ولا شبيه، الغالب المعز لمن يواليه، الجليل الذي ذهلت
في جلاله عقول العارفين، وكلت دون ثنائه ألسنة الواصفين، فهم بين جلاله ونواله يرتقون، وإلى أنوار هدايته يرجعون، يستمسكون بحبل الله المتين، ويعلمون أن الله هو الحق المبين، أحمده على ما ألهمنا من معرفته وأكرمنا به
من جزيل نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها من أكبر نعمه وعطائه، وأعدها وسيلة يوم فصله وقضائه، وأشهد أن محمداً
عبده المصطفى ، ورسوله الذي نفع به غليل الصدور وشفى، صل الله عليه وعلى آله مصابيح الهداية، صلاة دائمة متوالية أبداً بغير نهاية.
تم الدعاء المبارك يوم الخميس وعاشر من شهر ربيع الآخر من شهور سنة 1277 وذلك بقلم الفقير الحقير المقر على نفسه بالذنب والتقصير الراجي من الله العفو والغفران الواثق بالله الصمد عبده سعيد بن خميس بن خميس
البلوشي بيده.
[ صيغة دعاء مبارك ]
هذا دعاء مبارك للحفظ :
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم ألهمنا لطائف الكرم، واشرح صدورنا
لفهم جوامع الكلم، وأعذنا من زلات القدم، في حناديس الظلم، ومن
طغيان القلم، في مطان التهم، ونعوذ بك من عتن العتن، ومنن المنن، وسنن السنن، والافتتان في غير قن، ونعوذ بك اللهم من حيرة الحصر، وفضول
الهذر ، و الانهمار في غير بر ، و عافنا من العفو و العافية ، ومن آثار القافية،
وارزقنا اللهم العفو والعافية، في الدنيا والآخرة، ولا تكتبنا في ديون (7/164)
صفحة 1105
الأشقياء، ولا تحرمنا عوائد الأتقياء، وأحطنا حياطة الأولياء، واكفنا كفاية الأكفياء، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على
سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم، تم.
[ ألفاظ وقف الكتب ]
لفظ من أراد أن يوقف كتباًَ يقول :
قد جعلت وأوقفت كتبي والكتب التي يخلفها بعد موته على المسلمين
أو على أولاده الأعدل أو على من أراد من البشر من أهل الموافقة وأهل المذهب ليقرؤها ويتعلمون منها بذلك الثواب من الله والقربة إليه موقوفة ومحبوسة عليهم لا تورث ولا تباع ولا توهب وقفاً مؤبداً إلى يوم القيامة..
مسألة
[ لفظ شكوى على مسكن زوجة ]
لفظ : أنا شيخنا الوالي مغير غير غبن بمسكن زوجتي التي جهلت به بمسكنها وكتبت وأنا جاهل بمسكنها ولست بعالم وأنا مبتحص بذلك وأنا
بالله وبالحق وأننا مستضر ضرراً شديداً وأنا مستعين بالمسلمين والمسلمون يرفعون الضرر سبحان من لا يسهى ولا ينسى وكتبت وذكرت بعد ما
كتبت ونسيت ولا أرضى بمسكنها عند أهلها أو هذا وإنا بالله وبالمسلمين.
مسألة
[ الرجوع عن البيع ]
لفظ : إذا لم يجد حكام المسلمين يشكوا عندهم يقول : أشهدكم أيتها الجماعة الحاضرون فاشهدوا بأني قد نقضت البيع الذي اشتريته من فلان
وإني مغير منه بسبيل الجهالة وإني لم أثبته ولم أرضه لنفس وأنا بالله وبالحق.
مسألة
[ أسباب نقض البيع ]
لفظ : أنا ناقض هذا البيع من هذا العبد وأنا مغير منه بسبيل الجهال وإني لم أثبته ولم أرضه وأنه كان يصرم أو يبول أو يسرق الناس أو يشرب التتن
أو يزني والأنثى إن كان بها حمل أو معتوه أو مجنون أو به علة أو سم نار وأمثال هذا مما يحكم به المسلمون بنقضها وأنا بالله وبالحق.
مسألة
[ نقض الزواج من قِبل الزوج ]
لفظ غير من الزوجة :
إني ناقض التزويج من فلانة ابنت فلان وإني مغيّر منها إن كان بها عفل (7/165)
صفحة 1106
أو نخر أو برص أو جذام أو جنون(1) أو شيء من الأمراض أو أنها مملوكة
وهذا إذا سألها أو سأل وليها عنها فكتموه ذلك إلى أن دخل عليها فإن
كانت هي المسؤولة فلا عليه لها شيء و إن كان أولياءها فعليه هو أن يؤدي
ذلك إليها وعليهم أن يردوا عليه صداقها وإن لم يكن دخل بها فلا يجب
عليه لها شيء ويقول : إني لست عالماً بها ولا بما فيها ومغير بسبيل الجهالة
وأنا بالله وبالمسلمين.
مسألة
[ رجوع المرأة عن الزواج ]
لفظ غير امرأة تقول :
قد غيرت من فلان بن فلان لم أرض به زوجاً وأنا بالله وبالحق.
مسألة
[ نقض الشراء ]
لفظ : قد غيرت هذا الشري ومغير من هذا الكتاب لم أعرف عدد
ورقه ولم أعرف بما فيه من الترقيع وتمزيق وتكسير القطاعة والتدمير وأنا
بالله وبالمسلمين.
مسألة
[ نقض عقد الفلج ]
لفظ غير قعادة الماء :
إني قد نقضت القعد من الماء الذي اقتعدته من فلان ابن فلان من الفلج الفلاني وأنا مغير منه بسبيل الجهالة من نقصان مائه لم أعرفه وأنا بالله وبالحق.
مسألة
[ نقض النكاح بسبب الرق ]
لفظ غير النكاح :
قد غيرت النكاح من فلان ابن فلان بعدما صح عندي أنه مملوك ولم
أرضه لنفسي زوجاً وأنا بالله وبالحق.
مسألة
[ نقض الضمان ]
لفظ غير الضمانة :
إني ناقض ومغير الضمانة التي ضمنت بها لفلان أو عن فلان بسبيل
الجهالة ولأني ما أعرف بما ضمنت به وإنا بالله وبالحق، تم.
مسألة
[ تفسير سورة الماعون عند محبوب - رحمه الله - ]
تفسير { الماعون } (2) :
عن محبوب ابن الرحيل(3) قوله : إنه هو الماء وقول : هو الزكاة
__________
(1) 1- هذه الأمراض سبق ذكرها في عيوب الكفاءة.
(2) 1- سورة الماعون : قال تعالى : { فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون،
الذين هم يراءون ، ويمنعون الماعون } [4 - 7].
(3) 2- محبوب بن الرحيل : كان ربيباً للإمام الربيع بن حبيب ومن كبار تلامذته
استوطن صحار وما زالت ذريته للآن. انظر إتحاف الأعيان 1/164 - 165 . (7/166)
صفحة 1107
المفروضة وقال بعض أهل العلم : لهب النار و قال بعض المسلمين : الفأس
والخنزرة والدلو وأشباه ذلك والله أعلم.
مسألة
[ في تفسير { إن الله لا يحب المسرفين } ]
تفسير { إن الله لا يحب المسرفين } (1) :
أي لا تطعموا من لا حق له في الصدقة.
مسألة
[ حكم إمامة الجنب وحكم صلاة المؤتم ]
اختلف المسلمون في الإمام إذا صلى وهو جنب البدن أو على غير وضوء. قال بعض المسلمين : صلاة الجميع منتقضة وقال الشيخ محمد بن خلف
رحمه الله : صلاة الجميع تامة كان الإمام جنباً أو غير جنب وهذا على قول
من يقول : إن الجنب لا يقطع الصلاة بلغنا ذلك عن الشيخ محمد بن
محبوب رحمه الله وقال بعضهم : لا يفسد عليهم إلا أن يكون جنب البدن وعليه البدل هو وحده. وبلغنا عن الشيخ سليمان بن عثمان رحمه الله : وقال بعض أهل العلم : لا يفسد عليهم كلهم كان الإمام جنباً أو غير جنب إلا الذي عن قفا الإمام وحده وجدنا ذلك في جواب الشيخ أبي سعيد رحمه
الله يرفعه إلى غيره من الأشياخ.
مسألة
[ عدم علمهم باستقبال القبلة ]
ومن حفظ أبي معاوية عن أبي عبد الله أنه قال في قوم صلوا جماعة في ظلام والإمام مستقبل لهم حتى قضوا الصلاة ولم يعلموا أنهم مستقبلين
القبلة قال : صلاتهم تامة وإن علم الإمام وهو في الصلاة مستقبل القبلة
والله أعلم.
مسألة
[ في المزارعة ]
وفي رجل شارك رجلاً وامرأة في زراعة وقت في أرض أحدهما
والغرامة بينهما للبذر والهيس والقرازة وغيره وزرعا قثاء ومكثا بعض
الأشهر ثم أرد رب القيعة أن يمنع شريكه من الزرع أله ذلك أم لا؟
وللشريك ما غرم على الزرع أم لا؟ ولم يكن بينهم شرط إلى حد محدود
__________
(1) 1- في سورة الأنعام 141 ، والأعراف 31 { إنه لا يحب المسرفين } . (7/167)
صفحة 1108
إلا إن القصد والنية إلى أن ينقرض الزرع فعلى ما وصفت إذا لم يكن بينهما شرط فذلك إلى نظر العدول وأهل المعرفة بالزراعة فأولى بالإتمام بينهما لبعضهما بعضاً في القت، وإن رأى العدول على صاحب الأرض الضرر من عدم القلة وخلل الزرع إذا ترك في الأرض أو عليهما وإن كانت هذه
الشركة على معنى العمالة وعمل العمال استغل العامل من عمله بقدر عنائه
أو كان قد استغل من القت بقدر سنة بعد الجزة الأولى فمتى أراد صاحب الأرض إخراجه بعدما ذكرنا فله ذلك فهذا الذي عرفنا من قول المسلمين واسأل المسلمين ولا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق والصواب.
مسألة
[ في تزويج اليتيم ]
واختلفوا في تزويج رق اليتيم قول : يزوج ويأمر اليتيم بذلك وقول : لا يزوج وهو الأصح لأن ذلك يلزم في رقبة العبد والمولى من النفقة والصداق ويعجبني الوقوف عن تزويج قين اليتيم الذكر ولو كان اليتيم مراهقاً فكله
سواء حتى يؤنس رشده وكذلك الأنثى قول : لا تزوج لأن ذلك يكون
فيهما عيب وقيل : تزوج إذا كان صلاحاً ولو لم يؤنس رشده والله أعلم.
تم ما وجدته مكتوباً هاهنا والله أعلم مني بالصواب وبالله التوفيق.
من كتاب فواكه العلوم في علم الحي القيوم :
في تكبيرة الإحرام :
الله أكبر بفتح الألف من الله ولا تمده لئلا يصير استفهاماً تمد واللام
الثاني ليسمع المأموم وتضم الهاء في الحال ولا تمدها فتصير واواتين.
الألف من أكبر. ولا تمد باء أكبر لئلا يصير اسم شجرة فهذه تكبيرة
الإحرام من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه المرسل - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة.
ولا نعلم خلافاً بينهم عن ذلك و الله أعلم و لا نعلم أن الروم(1)
__________
(1) 1- الروم : قال في القراءات العشر :
ورَوْمُكَ إسماع المُحَركِ واقفاً بصوت خفي كُلِّ دَانِ تنوَّ لا
يعني : أن الروم هو إضعافك الصوت بالحركة حتى يذهب معظم صوتها،
فيسمع لها صوت خفي يسمعه القريب المصغي دون البعيد، ص112 كتابان= (7/168)
صفحة 1109
والإشمام(1) والادغام(2) في تكبيرة الإحرام له أصل من الكتب المنقولة عن العلماء المشهودة فإن احتج محتج بأن قال : لم لم يكن الروم والإشمام
والجزم هنا قلنا له من حجيج نيّره ودلائل واضحة كالشمس الزاهرة لا
تخفى على ذي لب وسنشرحها الحجة الأولى أنه لا يجوز الجزم(3) في
أسماء الله تعالى أبداً وليس اسم أجل وأعظم من اسم الله عز وجل والحجة الثانية بيان منع جزم الأسماء من كتاب الله عز وجل وهو الاسم بعينه مثل
الله اعلم والله أحد لا يمكن الجزم هنا والصفة مثل الصفة والله أكبر على
وزن أفعل لا يتغير الاسم والصفة ولم يرد القرآن جزم الأسماء وكفى
بالقرآن حجة لمن تبعه لقوله عز وجل : { اتبعوا ما أنزل إليكم من
ربكم } (4) ما قال إلا في إعراب الهاء من تكبيرة الإحرام فالواجب علينا
اتباعه في أمره ونهيه وأحكامه وسننه وإعرابه لا يحاد عن ذلك أبداً والحجة
__________
(1) = في القراءات العشر - الشيخ على محمد الضبَاع ص112 .
1- الإشمام :
والإشمام إطباق الشفاه بعيد ما يُسكَّن لا صوت هناك فيضحلا
وهو أن تضم شفتيك بعد الإسكان إشارة إلى الضم وتدع بينهما انفراج ليخرج
منه النفس ولا بد من اتصال ضم الشفتين بالإسكان فلو تراخى فإسكان مجرد
لا إشمام ولا يدرك لغير البصير. المصدر نفسه ص112 .
(2) 2- الإدغام : هو النطق بالحرفين حرفاً كالثاني مشدداً، وفائدته وسهولة النطق
بالحرفين وسببه التماثل والتجانس والتقارب والإدغام علم واسع. المصدر نفسه
ص32 إرشاد المريد إلى مقصود القصيد.
(3) 3- الجزم : بمعنى القطع، وجزمت الحرف في الإعراب : قطعته عن الحركة
وأسكنته. وأحرف جزم الفعل معروفة في كتب اللغة ولكل حرف من الحروف
معنى خاص به. انظر معاني حروف الحزم.
(4) 4- سورة الأعراف آية 3 . (7/169)
صفحة 1110
الثاني : لا يكون الجزم إلا بعامل من ذوات الجزم تغيره عن حركته الأولى وليس هاهنا عامل من ذوات الجزم فالمحال أن يدخل على الاسم عامل جزم والحجة الرابعة أن لا يمر القارئ على ساكن ولا يقف على متحرك ولا
يجوز الوقوف هاهنا فيقع الجزم والحجة الخامسة الحديث الوارد عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا افتتح الصلاة قال الله أكبر ولم يخص الهاء خاص وإذا لم
يخص فهو على أصله وأساسه ولو ورد خبر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جزم هذه الهاء
لقد سبه وتوهمنا أن الراوي تقوّل والحجة السادسة : أن إجماع العلماء
الأولين رحمهم الله اجتمعوا على ضم هذه الهاء لا نعلم اختلافاً بينهم في
جزمها ولا رومها ولا إشمامها أبداً والحجة السابعة : لا يجوز أن يقصر
اسم الله اختلافاً من الأعراب وجميع كلام الصلاة معروب أعراباً بيناً والهاء
من اسم الله مجزومة مخالفة الأعراب القرآن وأصول العربية وكفى بالقرآن حجة والحجة الثامنة : أن من قال قولاً لا يجوز اتباعه إلا بحجة ودلالة
بينها من الكتاب والسنة والإجماع وأصول العربية من لم يأت لقوله حجة ودلالة فلا قول له. والحجة التاسعة : الروم محجور من الرفع واختلف في النصب والمراد بالروم دخول الجر وليس هاهنا جر فبطل الروم بهذه الحجة والحجة العاشرة : أن من قال تكبيرة الإحرام بالإدغام فيا سبحان الله ما عتل هذا القائل بهذه المقالة وأين موضع الإدغام في هذه الكلمة لأن الإدغام لا
يكون إلا مع النكرة والتنوين بفتحتين أو كسرتين أو ضمتين أو يكون
ملازم الكلمة نون ساكن فهذه مواضع الإدغام و ليس هاهنا موضع تنوين
ولأنه نون ساكنة ولا يمكن الإدغام هنا أبداً. والحجة الحادية : عشرة أنه لو وقعت كلمة تنوين أو نون ساكنة فلا يجوز إدغامها إذا كان يتبعها حرف
حلق وهاهنا همزة وهي من أقصى حروف الحلق لا ريب في ذلك فمن قال (7/170)
صفحة 1111
بغير هذا فعليه إقامة الدليل. والحجة الثانية عشرة : أنه لا يكون الإشمام عند اندراج الكلام أبداً وإنما الإشمام عند السكوت وانقطاع الكلام والوقوف
ولا يمكن هنا السكوت ولا يتم الكلام بهذه الكلمة ولا يمكن الوقوف أبداً.
مسألة
[ حجة عثمان بن عبد الله الأصم ]
وإن احتج محتج بقول الشيخ عثمان بن عبد الله الأصم(1) رحمه الله
أنه قال بضمة مشمومة قلنا له : فما باله ما قال بضمة مشمة لتوافق الإشمام وإنما قال بضمة مشمومة لأن أصل المشموم من شم يشم شماً فهو مشموم وواحدته مشمومة والإشمام فهو من أشم يشم إشماماً فهو مشم وواحدته مشمومة لأن الإشمام أصل يتعدى مفعولين والمشموم إلى فعل واحد فمن
أجل بطل هنا الإشمام وفائدة الإشمام أن ينظره الناطق ولا يسمعه السامع
وهو يكون عند الوقوف ليعلم الناظر أن محل الحرف الوقوف عليه الرفع
والنصب وهو إشارة بالشفتين دون النطق ولا فائدة له في الصلاة من
تكبيرة الإحرام ولا غيرها لأن الإمام من وجهة تلقاء وجهة القبلة ولا ينظره المأموم حتى يستفيد من الإشمام بشيء وإذا كان فعل المصلي لا فائدة فيه
حل في معنى العبث والعبث في الصلاة لا يجوز كما أن المصلي لا يفتح
عينه ولا يضمها أكثر مما هي مخلوقة ولا يفتح فاه ولا يلمه لغير معنى
القرآن كذلك لا يحرك شفتيه لغير معنى إذا حركها لغير معنى فقد عبث
في الصلاة فلا معنى للإشمام هاهنا أبداً ولا الجزم ولا الإدغام أبداً والله
أعلم ونحن نحمد الله أن الحق في أيدينا غير دارس ولا مجهول فمن قال
__________
(1) 1- عثمان بن عبد الله الأصم : هو الشيخ الجليل العالم الفقيه أبو عبد الله عثمان بن
أبي عبد الله الأصم لقباً العزري نسباً، العقري النزوي مسكناً، كان مثالاً في
العفة والنزاهة والورع، له مؤلفات النور في التوحيد، وبصيرة الأديان
والأحكام، وكتاب التاج وقد فقد وتم تحقيق كتاب بصيرة الأديان لحساب
وزارة التراث العماني. انظر نزوى عبر الأيام ص132 - 133 . (7/171)
صفحة 1112
بغير هذا فعليه إقامة الدليل فنحن نتبع الحق حيث كان وما توفيقي إلا بالله
عليه توكلت وإليه أنيب.
نقلته من كتاب فواكه العلوم في علم الحي القيوم ولا تأخذ إلا ما
وافق الحق والصواب.
باب في شيء من الطب وصفة شيء من الأدوية
مسألة
[ دواء غبرة العين ]
ومن جواب الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد : وأما صفة دواء غبرة العين، فيؤخذ من سكر الأقلام جزءاً ومن العصف لعله العنص ومن القزح الكرماتي ويدق الجميع ويتداوى به والله أعلم.
مسألة
[ دواء الطحال ]
في صفة الدواء للطحال فيؤخذ خل خمر السكر ويؤخذ غلال
الطرف يدق ثم يوضع الحاز في برمة طين ويترك الطرفان فيه ويغلا بنار
إلى أن يخرج المرخ في الخل فيصفى ويترك في وعاء فإذا أراد أن يشربه
مشى في موضع مرتفع ثم يهبط ويصعد ثم يهبط ثم يشرب منه على
الريق والله أعلم.
مسألة
[ علاج الصدر ]
وذكرت في علة أخرى كفانا الله وإياك شرها في رجل في صدره وجع
و ضار يرمي من صدره شيئاً عظيماً جيفة مطروحة ولا يهون ولا يخشع ولا
يبتسم وصار على صدره كالجبل الساقط. الجواب أن يستعمل حليب الغنم
من ساعته والأحجار المحمية تطرح فيه ويترك قليل لبان النقوش مدقوقاً مع
قليل صعتر ويشربه ما رام حاراً يداوم عليه ولو إلى أربعين يوماً فإنه يخرج
القيح الفاسد من الرئة ويغسلها والله أعلم.
مسألة
[ ما يكثر من لبن المرضعة ]
من جواب الشيخ العالم أحمد بن مداد(1) رحمه الله : وأما ما يكثر من
لبن المرضعة تشرب ربيغة طحين البر وطحين الحلبا بمخض البقر وسمن البقر والله أعلم.
مسألة
[ علاج ورم الرقبة ]
__________
(1) 1- أحمد بن مداد : العلامة الفقيه العارف النحرير أحمد بن مداد بن محمد الناعبي
العقري النزوي أحد أقطاب العلم والعمل في نزوى فهو من ذرية آل مداد الذي
طبق الأرض صيتهم واشتهروا بالعلم والفضل. نزوى عبر الأيام 145 - 146 . (7/172)
صفحة 1113
ومن جواب الشيخ مداد بن عبد الله في رجل أصابته ورمة في رقبته وصنعته شحول طويل بطول الرقبة من المنكب إلى شعر الرأس وله أدية
عظيمة من شهر زمان أو يزيد، فداؤه أن يطلى بلبن السوقم كل يوم مرة أو مرتين أو ثلاث مرات فإنه يبرأ بإذن الله تعالى وقد جرب. وجدت في
الكتاب صفة أخرى للورم ما انفجر و ما أنصح أن يؤخذ شجرة مقابلة
الشمس بورقها وتسحق ويلقى عليها حل السمسم ويغلا على النار في
وعاء ثم يضمد به الورم يدهن عليه والله أعلم.
مسألة
[ العلاج من البرص ]
ومن جواب الشيخ أحمد بن مداد رحمه الله عن علاج البرص
الجواب من كتاب الرحمة العلاج يبدأ بمسهل البلغم هو أن يؤخذ مثقالان
من ورق العشرق اليابس المدقوق وخمسة مثاقيل اهليلخ كابلي مدقوقاً
بعد نزع نواه منه يخلط الجميع ويعجن بعسل النحل ويلعق على الريق
ولا يأكل عليه طعاماً إلى الظهر فإنه يسهله إسهالاً محكماً ثم يشرب بعد
ذلك سخون البر مطبوخ فيه لحم سمين ثم بعد الإسهال يؤخذ روس
البصل الكبار تشوى على رماد حار ويعصر ماؤه ويعجن دقيق الفجل
ويطلى به الموضع الذي فيه البرص طلاً ناعماً عظيماً جيداً ويترك يوماً
وليلة وتغسل بالماء الحار الساخن ثم يعاود الطلاء كل يوم حتى يبرأ فإن برئ
إلى سبعة أيام وإلا فليعاد الإسهال كل أسبوع أو في الشهر مرتين أو
مرة على قدر قوة الشخص وضعفه. والغذاء في جميع ذلك خبز نقي البر
ولحم الكبش تحولي المطبوخ بالكومخ الحارة الجرنق وهي الفلفل والقرخ ويستعمل كل يوم أكل الثوم والفجل فإنه بهذا التدبير يبرأ سريعاً إن شاء
الله تعالى والله أعلم.
مسألة
[ علاج النسيان ]
ومن جواب الفقيه عبد الله بن محمد القرن حفظه الله صفة الأدوية التي يستعان بها على الحفظ ويعالج بها على الحفظ ويعالج بها على النسيان،
فاعلم أن النسيان علة وقد يكون بعض من يصاب بذلك إلى حيث قالوا (7/173)
صفحة 1114
ينسى اسم نفسه وأكثر ما يحدث من البلغم الرطب مقدم الدماغ فيمنع من قبول ما يودع قيل بمنزلة الشمع الذائب الذي لا يقبل الطالع ومما ينفع به
الحقن الحارة والإسهال وشم المسك والجوز بوا والقرنفل والبسباس
والسغف وجميع الطبوب والأدهان والحسايس الحارة اللطيفة والتغطيس
بالفلفل والخردل والشونير والتغرر بها أيضاً ونومه على بيت كثير الضوء والغذاء ما ء الدنجو مع الخردل وشرب ماء العسل ممزوجاً بماء حار والحمام والانكباب على المياه اللطيفة كماء العرار والسفتسف. ومما يجلب الحفظ
من الأدوية دار فلفل والزنجبيل وشراب السعد بالسكر والعسل كالصباح
فراداً ومجموعة. والكندر له خاصته في ذلك. وما يزيد في جوهر الدماغ والحفظ خاصته فيه النارجيل ومرقة الدجاج ولحمها. ومما يذكي الذهن
اجتناب الغم والمسكر والألبان والجماع والكزيرة والحامض المالح وأكل
سؤر الفأر والمرور بين النساء وكذلك بين قطار الجمال والسمك والحبوب كاللوساء والعدس. ومما يزيد الذهن وهو من رياض تعاهد الدراسة
والمذاكرة ومحادثة الإخوان وموانستهم والسرور والسعوط بمخ كراع البقر
والحملان و دهن اللوز الحلو . و مما قيل أنه جرب أن يؤخذ من الكندر
والسكر والزنجبيل أجزاء سواء يسقي منه بكرة كل يوم ثلاثة دراهم في الأسبوع مرة أو مرتين أو ثلاثا. ومن عظيم المنافع لذلك أن تكتب آية
الكرسي في راحته سبع مرات بزعفران كل ذلك يلحسها بلسانه حتى
تذهب صفرته والله على كل شيء قدير.
مسألة
[ مالا زكاة فيه ]
والذي يبقى من الكسوب بعد أخذ الزكاة إذا كان أقل من أربعين درهماً فلا زكاة فيه إذا كان لا عنده من الذهب شيئاً فيحمل إلى كمال الأربعين. والذهب إذا كان أقل من أربعة مثاقيل كذلك أيضاً لا زكاة فيه إن كان لا عنده قط إلا ذلك الذهب والفضة المغشوشة وغيرها فيها الصدقة إذا كان
لها جامع لها اسم الفضة ما لم يخرجها من اسم الفضة إلى اسم النحاس (7/174)
صفحة 1115
والذهب كذلك وتوزن الفضة الجيدة والرديئة أكلها والذهب كذلك
والجابي يأخذ من كل شيء بعينه أو ثمنه أعني من الجيد الرديء والصيغة
يقومها العدول ولا تكسر والزكاة في قيمة وزنها وليس في المزكاة.
والناس يلزمهم إتيان الزكاة الدراهم بأنفسهم إلى الإمام وإلى من يقوم مقامه وأما الثمار فعلى الإمام أن يبعث لها من يقبضها من البلدان.
ومن اتهمه الجابي بكتمان الصدقة فيحلفه على ذلك. وقيل عن أبي
سعيد رحمه الله جائز أن يحلفه بالطلاق إذا رأى القائم بذلك لأنه لا يحل لإنسان أن يكتم قيراطاً من الزكاة و من كتمها فهو ملعون لا يقبل الله منه
صرفاً ولا عدلاً ولفظ اليمين أن يحلف ما كتم شيئاً يجب تعد فيه خوف أن تتخذ لإخراج الزكاة النقود وشهراً معلوماً ويوماً معلوماً وزكاة الولد
الصغير يحمل على زكاة أبيه في النقود دواماً وأما البالغ فلا.
وكذلك الشركاء في النقود ولا يحملون على بعضهم بعضاً إلا أن تجب الزكاة في سهم كل واحد منهم على حدة فتلزم الجميع.
وإذا كان عليه دين وله دين وقادر على قبضه فإنه يخرج زكاة الدين
الذي له ولا يحط عنه الدين الذي عليه لأن الزكاة بمنزلة الشريك ولا
يقضي دين أحد عن أحد هكذا رأى الإمام المؤيد ناصر مرشد(1) رحمه الله وغفر له وقيل غير ذلك. قيل من كان في يده مال يزكيه وله دين آجل فقال من قال من الفقهاء : تعطى الزكاة مما في يده و من دينه الآجل وقال من قال: لا يؤخذ من دينه شيء إلا أن يحل دينه مع زكاته وقال من قال : إنه
__________
(1) 1- ناصر بن مرشد : هو الإمام ناصر بن مرشد اليعزبي، عقدت له الولاية عام
1034 هـ بالرستاق بجمع من العلماء على رأسهم العالم خميس بن سعيد بن
علي بن مسعود الشقصي الرستاني، حكم ستاً وعشرين سنة فتح فيها مدن
عُمان وأخضعهم لسلطانه وتوفي رحمه الله يوم الجمعة لعشر ليال خلون من
ربيع الآخر سنة 1050هـ وكان عمره ستاً وأربعين سنة، انظر كشف الغمة
ص348 - 366 . (7/175)
صفحة 1116
يخرج الزكاة من رأس مال دينه الآجل مع زكاته وقال من قال : إذا كان
وقت زكاته قبل محل دينه أخرج زكاته في وقته وأخرج زكاة دينه في
وقت محله وقال من قال : إن الزكاة بمنزلة الشريك فكلما استفاد هذا
الشريك شيئاً من الفائدة فلشريكه سهمه إذا لم يفصل بينه ويبن شريكه
يقبض شريكه ما عنده فإن فصله بإعطائه مما هو له عنده لم يكن عليه شيء فيما استفاد بعد هذا وقال من قال : إن الزكاة في الذمة لم يجب عليه في
الفائدة شيئاً.
وكل ما كان متخذاً للتجارة من أصل وعبيد أو دواب أو طعام أو ثياب أو عروض أو غير ذلك من الأمتعة فإذا وجبت الزكاة فيه ولم يبعه أخرج الزكاة منه بسعر يومه وقيل : إن كان فيه ربح قوم يوم حلت زكاته وإن
كان في ذلك وضيعة فمن رأس ماله تكون الزكاة وإن باعد قبل محل زكاته بوضيعه فلا يكون عليه أكثر مما في يده.
ومن كان له مال قد آيس منه مثل له دين عند مفلس أو كنز جهل مكانه أو عند رجل ذاهب عنه في مكان لا يدريه أو عند من جحده أو حلف عليه وأشباه هذا في الأموال التي آيس منها ثم رجعت إليه منه.
مسألة
[ زكاة الولد البالغ ]
والولد البالغ إذا كان له مال أصل ولم تكفه غلته لسنة أيجوز لوالده أن يكسوه وينفق عليه من ماله أعني من الأب ولا عليه أن يعطي سائر أولاده عوض ما أنفق عليه وكساه أم لا إذا لم ينو بعطيته له أثرة؟ الجواب : وبالله التوفيق إذا كان سائر أولاده غير محتاجين للنفقة فلا يضيق على الوالد أن
ينفق على ولده هذا ما يحتاج له من النفقة والله أعلم.
مسألة
[ نفقة الوالد على ولده من أجل فقره ] (7/176)
صفحة 1117
ومنه والوالد إذا كان ينفق على ولده لأجل فقره ويكسوه هو أو هو وزوجته أعني الولد أعليه أن يعطي بقية أولاده من مثل ما أنفق وكسى ولده هذا وزوجته أم لا كان بقية أولاده أغنياء أو فقراء أم لا عليه وكذلك غير الولد فرام وزوجته وغير الأولاد مثل الإخوة أو غيرهم أو من الأرحام أعني ورثته وكان يعطي أحداً منهم مثل هذا أعليه للباقين أم لا؟ وإن كان العطية
من أجل ما يخدمه أو ينفعه بشيء أو من ضمان أعليه للباقين أم لا؟ الجواب : إذا كان يخدمه ويعطيه من أجل خدمته له أو قيامه في مرضه أو في غير
مرض مثل أنه إذا كان أعمى أو زمناً وما أشبه هذا إذا عوضه من أجل قيامه عليه أو على ماله أو عياله عليه لبقية الورثة أم لا عليه؟ الجواب : وبالله
التوفيق إذا كان أحد من أولاده فقيراً وهو محتاج للنفقة وبقية أولاده أغنياء
غير محتاجين للنفقة، فجائز للوالد أن ينفق على ولده الفقير ولا يلزمه لبقية أولاده الأغنياء شيء من قبل النفقة وكذلك إذا أنفق على زوجة ولده فلا
يلزمه شيء. وكذلك إذا أعطى أحداً من أولاده شيئاً من قبل ضمان أو عناء فلا يلزمه لسائر أولاده شيء، وإذا كان ورثة غير أولاده فأعطى أحداً منهم شيئاً في حياته فلا يلزمه لسائر ورثته شيء والله أعلم.
ومن كان له مال قد آيس منه مثل له دين عند مفلس أو كثر جهل
مكانه أو عند رجل ذاهب عنه في مكان لا يدريه أو عند من جحده
وحلف عليه و أشباه هذا في الأموال التي قد آيس منها ثم رجعت من بعده
فقال بعضهم : عليه في هذا المال زكاة سنة واحدة فقط، وقال آخرون :
عليه لكل سنة مضت زكاته ولو استفرغ المال الجميع، وقال بعضهم : عليه زكاة كل خلت إلا مقدار الزكاة فإنه يحط عنه إلى أن يبقى المال أقل عن النصاب ثم لا شيء فيه.
ومن عنده دراهم أو صيغة مضت عليها سنون كثيرة ولم يزكها
فيخرج زكاة الحول الأول من الجميع ثم يحط مقدار الزكاة فيخرج لحول (7/177)
صفحة 1118
الثاني ويحط مقدار الزكاة أيضاً فيخرج لحول الثالث هكذا إلى أن تبلغ
أقل من النصاب ثم لا شيء فيها. والذي عليه دراهم لإنسان أخذها منها
قرضاً للزكاة أو غيرها فعليه فيها الزكاة وقيل الزكاة على القارض
والمقترض جميعاً.
والذي أطنا ماله أخرج منه العشر والباقي يضيفه إلى رأس ماله ليزكي الجميع لأن الأولة زكاة الثمار وهذه زكاة النقود إذا كان الطناء قبل إخراج زكاته وإن كان بعد ما أخرج زكاة نقده فلا عليه شيء حتى يحول الحول.
والتاجر إذا احتج بالثياب الذي عنده أنه يريدها للكسوة فإنه ينزل له ما يكسيه هو وما يلزمه كسوته حولاً وتزكي ما بقي وكذلك الأرز والطعام
يترك له ما يكفيه إلى غلته إن كان ذلك مجعولاً للتجارة. (7/178)
صفحة 1119
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
القطعة الثانية
الكوكب الدري والجوهر البري
تأليف
الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي
- رحمه الله -
من علماء القرن الثاني عشر الهجري
الرابع الجزء
تحقيق
د. جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك ورئيس قسم الفقه وأصوله في جامعة الزرقاء الأهلية حالياً
وأستاذ الفقه في جامعة السلطان قابوس بعمان سابقاً
1419 هـ - 1998م
النهج الأول
في بيع الخيار
ما يجوز فيه وما لا يجوز
بسم الله الرحمن الرحيم
النهج الأول
في بيع الخيار(1) ما يجوز فيه وما لا يجوز
الحمد لله الذي فتق الحكمة بلقاء العارفين العلماء، وأزاح غياهب الجهل سنجنجلة أبصار بصائر الخائفين العقلاء، وأماط جون الشك عن قلوب المهتدين الأولياء، وألقى أحسن القول في مسامع المجتهدين الأصفياء،
وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له إلها لا إله لنا سواه. وربنا قادر أجل عن الحد والثناء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي شرفه بالرسالة
واصطفاه ، - صلى الله عليه وسلم - وآله وأصحابه وعترته ومن والاه أمين.
مسألة
[ حكم بيع الخيار ]
في بيع الخيار : فقد اختلف المسلمون في تحليله و تحريمه لأنه إنما هو
محدث باستهزاء السلطان ويضلله وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم
وركض عليهم بخيله ورجله، فذلك أعمى لهم ولعمري أن المخص الخالص الزلي الموجح.
وإلى الشبهة في البيوعات أرجح، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر
ابن أحمد بن مداد(2)
__________
(1) 1- بيع الخيار : الخيار : اسم مصدر من الاختيار ومنه اختيار الشيء على غيره أي فضله
عليهم ، وخايره بين الأمرين فوض إليه أن يختار أحدهما واستخار طلب الخيرة ، وأنت
بالخيار أي اختر ما شئت القاموس 2/26 للفيروز آبادي .
اصطلاحاً : «هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه» .
(2) 1- أبو عبد الله محمد بن عمر أحمد بن مداد -رحمه الله- قاضي الإمام ناصر بن
مرشد رحمه الله - وولده الفقيه عبد الله بن محمد.. وهما من ذرية الشيخ مداد بن
محمد مداد بن فضالة صاحب القصيدة النونية. إتحاف الأعيان ج2/22 . (8/1)
صفحة 1120
رحمه الله : لا تخلو عقيدة المشتري بالخيار أنه يريد
الأصل أو يريد الثمار.
مسألة
[ بيع الخيار المحرم ]
ومن ابتاع بيعاً خياراً طمعاً في غلته فهو المحرم المحجور لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من أجبا فقد أربا»(1) ولأنهم جعلوا هذا سلماً يترقون به إلى تحليل الثمرة لغباوة عقولهم إذا أتوا بأقوال وأعمال منكرة، فصار أمرهم كمن تزوج بضة وأكن تحليلها لمن أبانها نسيئة مثلاً بمثلين، وأظهر في تأسيس البيع أنه بالتبر أو
بالورق كمن فجر نحر عوبة فأظهر أنه نكحها.
مسألة
[ حجة من حرم الصورة السابقة ]
وحجة من حرم ثمرة المباع بالخيار أنه إذا كان البيع وقع على أصل المباع فهو وما أغل لمشتريه، وإن كان على الثمرة صح تحريم البيع في الثمرة قبل إداركها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد سماه ربواً، وكذا صح نهيه عن بيع المعاومة الرطب.
مسألة
[ حجة من قال بحرمة بيع الخيار ]
عن الشيخ عمر بن المعقدي(2) رحمه الله : إن ثمرة بيع الخيار حرام وهي كمن نكح أختاً في عدة أختها حين طلق الأولى كمن طلق الرابعة من أزواجه فنكح الخامسة في عدتها، فهذا كله حرام محظور وفاعله تسنم المحجورة.
مسألة
[ صورة من بيع الخيار ]
وقيل : كمن باشر عرسه وهي قد طهرت من الحيض قبل أن تطهر
بالماء وكمن طلق عرسه تطليقتين فمس سكرها أو رناه، قال الشيخ صالح
ابن وضاح(3) إنما أوقفوا بيوعات الخيار على زيادة الدراهم ، إذا كان البيع
__________
(1) 2- ورد الحديث في لسان العرب : قال : الإجباء : بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه،
أو يدرك، نقول منه : أجبأت الزرع، وجاء في الحديث بلا همز : من أجبي فقد أربى ،
وأصله الهمز. لسان العرب المحيط 1/392 .
(2) 1- الشيخ عمر بن المعقدي - رحمه الله - لعله الشيخ عمر بن سعيد المعد البهلوي من
علماء القرن العاشر .
(3) 2- صالح بن وضاح : هو الفقيه العلامة و مرجع الفتوى في زمانه الشيخ صالح بن وضاح = (8/2)
صفحة 1121
الصحيح على أعظم الخطر فكيف بالبيوعات الفاسدة، نسأل الله النجاة
مما يكرهه.
مسألة
[ رأي بعض العلماء ]
عن الشيخ محمد بن سعيد بن عبد السلام(1) عن الشيخ سعيد بن
أحمد بن محمد بن صالح(2) وسعيد بن محمد السليماني(3) أنهم أجازوا بيع الخيار وأحلوا غلته إذا كانت نيتهم لشراء الأصل بثمنه لقوله تعالى : { وأحل الله البيع } (4) ولم يخص خياراً من غيره .
مسألة
[ حديث المسلمون على شروطهم ]
__________
(1) = بن محمد بن أبي الحسن بن محمد بن أبي الحسن من علماء مدينة منح في القرن التاسع
ومن مشاهير علماء عُمان في زمانه وقد عاصر كثيراً منهم. منهم الشيخ أحمد بن مفرج
البهلوي وولده الفقيه ورد بن أحمد بن مفرج والشيخ صالح بن محمد المنحي وغيرهم.
عاصر سلاطين بني نبهان. له مؤلفات : منهاج العدل وحقائق الإيمان، وكتاب البصيرة
في الأديان والأحكام. يوجد بمكتبة وزارة التراث انظر إتحاف الأعيان 2/133 .
1- الشيخ محمد بن سعيد بن عبد السلام : هو الشيخ محمد بن سعيد بن محمد بن عبد
السلام النخلي من علماء النصف الثاني من القرن العاشر من شيوخه في العلم الشيخ
عبد الله بن عمر بن زياد البهلولي والشيخ أحمد بن مداد النزوي، من مؤلفاته : سر
الأحكام وترجمة الحكام. يوجد بمكتبة التراث القومي والثقافة العمانية رقم 228ب.
انظر إتحاف الأعيان 2/295.
(2) 2- الشيخ سعيد بن أحمد بن محمد بن صالح النزوي : من علماء القرن السادس
الهجري ، نهج منهج أبيه وجده في سبيل الفضل بالعلم والتقوى فكان خير خلف
لخير سلف. توفي رحمه الله ضحوة يوم الأحد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة
578 هـ وقيل سنة 579 ، 589 والله أعلم. انظر نزوي عبر الأيام ص132.
(3) 3- سعيد بن محمد السليماني : هو من علماء عُمان في القرن العاشر. والله أعلم .
(4) 4- سورة البقرة آية : 275 . (8/3)
صفحة 1122
وفي جواز بيع الخيار من السنة قوله عليه السلام : «المسلمون على شروطهم»(1) فقلت بهذا الحديث أن الشرط في البيع جائز.
مسألة
[ مدة الخيار ]
واختلفوا في مدة الخيار أكثر من ثلاثة أيام، وقال بعضهم إذا جاز في
ثلاث جاز في أكثر وإنما الثلاث جعلوها في الحيوان لأنها تعلف وتحتاج
إلى القيام، وفي غير الحيوان جائز على الشرط.
مسألة
[ حديث إنما الأعمال بالنيات ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»(2) .
مسألة
[ حكم الخيار بلا أجل ]
ومن اشترى شيئاً بالخيار بلا أجل انتقض أجل البيع. عن أبي
سعيد(3)
__________
(1) 1- الحديث : جزء من الحديث الطويل [عن عمر بن عوف المزني - رضي الله عنه -
أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - «قال : الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً
أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً]
رواه الترمذي وصححه وأنكروا عليه ، لأن رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن
عوف ضعيفه وكأنه اعتبره بكثرة طرقه. انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام
ص179 رقم 894 .
(2) 2- الحديث ورد بلفظ : إنما الأعمال بالنيات... حديث صحيح أخرجه
العديد من المحدثين و هو متواتر معنوي ، و الحديث رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه=
(3) = ومشهور في أواسطه انظر فتح الباري 1/19 ، 1/26 وأخرجه مسلم في صحيحه
3/1515 - 1516 ، والنسائي 1/58 ، البيهقي 7/12- 13 وغيرهم كثير.
1- أبو سعيد : هو الشيخ العلامة والحبر والبحر الفهامة أبو سعيد بن محمد بن سعيد بن
محمد بن سعيد الناعبي الكدمي -رحمه الله- ، وكدم من أعمال ولاية الحمراء وهو
من كبار علماء عُمان المحققين المبصرين ومن أئمة المذهب المقتدي بهم. له كتاب
الاستقامة ، والمعتبر ، وتعقيبه على كتاب الأشراف لابن المنذر النيسابوري والأجوبة
المفيدة وغيرها. قيل مولده (تقريباً) 305هـ عاصر إمامين الإمام الشهيد سعيد بن عبد
الله بن محمد بن محبوب. والثاني : الإمام الرضي راشد بن الوليد -رحمهما الله- .
انظر إتحاف الأعيان 1/215 - 219 . (8/4)
صفحة 1123
رحمه الله : من اشترى شراء ثلاثة أيام فمات المشتري قبل
الثلاث فلورثته الخيار فيما بقي من الأيام كما كان له قول لا خيار لهم
وقد أنصر الخيار.
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
فإن قيل : فينقطع الخيار ويجب البيع أم يرد على البائع وليس لورثته،
قلنا : إذا انقطع الخيار عنهم ثبت البيع عليهم ولا لهم في رد البيع حجة،
ومن اشترى أرضاً على أنه بالخيار إلى مدة فبنى فيها أو عرضها للبيع أو دابة تسنمها أو ملاءة فاكتساها فالخيار له فهذا منه رضى بالبيع وقد لزمه، وإذا انقضت المدة التي جعل له الخيار فيها ولم ينقض فيها البيع فقد لزمه ، وإن
باشر القينة لزمته، وقيل إذا صح العيب(1) جاز له رد العيب ولزمه البيع
ويردها إن صدقه البائع وإلا فلا رد عليه، والأول أرجح.
مسألة
[ حكم هلاك المبيع ]
ومن اشترى ثوبين هو فيهما بالخيار ثلاثة أيام أيهما شاء نفذ بعشرة
دراهم قال : هذا جائز، فإن هلكا معاً عند ضمن أحدهما وإن توى أحدهما وسلم الآخر فهو له بالثمن ويرد الباقي ويكون في الباقي أميناً.
مسألة
[ حكم تغير السلعة بالعيب ]
ومن ابتاع ملاءة بالخيار فتغير أحدهما عنده بعيب من سببه أو سبب
غيره أو لا سبب، فإنه لازم بالثمن كله ويرد الباقي وإن كان ثمن إحدى الملاءتين خمسة دراهم وثمن الأخرى عشرة دراهم فأيهما أحدث فيه ضمنه
ما سمى له من الثمن وكان في الآخر أميناً.
مسألة
[ أثر هلاك جميع السلعة ]
ومن اشترى أحد شيئين خياراً فهلكا عنده معاً فعليه نصف ثمن كل
واحد منهما وإن كانوا ثلاثة فعليه ثلث ثمن كل واحد منهن وأيُّهن هلك،
وإلا فعليه ما سمي له من الثمن.
مسألة
[ أثر بيع البضاعة قبل الرضا ]
ومن اشترى شيئاً خياراً إلى مدة فباعه في المدة بربح، فقول : الربح للبائع لأن المشتري باعه قبل أن يصح رضاه به ، وقال أبو عبد الله : الربح
__________
(1) 1- العبارة هكذا في الأصل والأصح : إذا صح العيب جاز له الرد بالعيب. (8/5)
صفحة 1124
للمشتري لأنه لما عرضه للبيع لزمه، عن محبوب البصري.
مسألة
[ لمن الربح إذا بيعت السلعة قبل الأجل ]
ومن ابتاع ثوباً وله فيه الخيار إلى أجل فباعه قبل الأجل بربح فإن اعتقد الرضى به قبل البيع فالربح له، وإلا فالربح للبائع، وقال هاشم(1) الربح للفقراء لأنه لما عرضه للبيع صار ضامناً له وذهب الخيار.
مسألة
[ أثر الشفعة على بيع الخيار ]
ومن جامع ابن جعفر(2) : و من اشترى داراً و الخيار له إلى مدة ثم
اشترى داراً شفعها هذه الدار بالشفعة قبل خلو الأجل فقد ثبت البيع لأنه رضي منه بالبيع.
مسألة
[ مدة بيع الخيار ]
عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله : لا يكون مدة الخيار أكثر من ثلاثة أيام
في الأصول والعروض والحيوان، ولا تكون أكثر من ذلك خوف الحوادث
على المال.
مسائل في بيع الخيار
مسألة
[ أثر تلف السلعة ]
ومن باع شيئاً والخيار له لا المتابعين فتلف المباع في المدة، فإن كان الخيار للمشتري فتلف المبيع في يده ضمن المثمن وإن كان الخيار للبائع فتلف المبيع
__________
(1) 1- هاشم : هو الشيخ العلامة أبو الوليد بن غيلان السيجاني نسبة إلى سيجا بلد من
أعمال سمائل ولا أدري إلى أي قبيلة ينتسب. يعد الشيخ من كبار علماء عُمان في
عصره في آخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث هو من تلامذة الشيخ موسى بن أبي
جابر الأذكوي المتوفي سنة 181هـ عاصر العديد من العلماء مثل محمد بن موسى
والأزهر بن علي، والعباس بن الأزهر وموسى ومحمد ابني علي وسعيد بن جعفر،
وغيرهم من علماء أزكى. انظر إتحاف الأعيان 1/176 - 177 .
(2) 2- جامع ابن جعفر : للعلامة الشيخ أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي . و الكتاب ثلاث =
= قطع وقد قام محقق الكوكب بتحقيق القطعة الثانية وقد طبعت في ثلاثة أجزاء
والقطعة الثالثة في الطريق إلى التحقيق إن شاء الله. والكتاب ذا أهمية كبيره ، وهو من
الكتب المعتمدة في المذهب الإباضي . (8/6)
صفحة 1125
في يد المشتري كان له قيمته يوم تلف لثمنه يوم باعه وإن تلف في يد البائع فله الخيار لم يكن له شيء وإن مات المشتري وله الخيار.. كان له قيمته وله الخيار في الأجل فقد ثبت عليه وليس لورثته في ذلك خيار لأن الخيار إلى
ثلاثة أيام لا يورث كما أن الشفع لا تورث.
مسألة
[ أقصى مدة الخيار ]
روي عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - أنه جعل الخيار إلى ثلاثة أيام»(1) فإن صح الخبر فعلى الاحتياط لإزاحة الضرر وتباعد الوقت على المتابعين. ومن أخذ دابة
من آخر على أن يختبرها، فإن راقت له اشتراها وإلا ردها، فتوت عنده فلا ضمان عليه. ويجوز الخيار للمتابعين ولأحدهما، وإن مات أحدهما في
الأجل قام وارثه مقامه على قول. عن الشيخ أحمد بن مفرج(2) والشيخ
صالح بن وضاح عن سعيد بن عبد الله بن ماجد بن أبي علي(3) رحمهم
الله : إن أخر مدة الخيار خمسين سنة فإذا أكملت الخمسون بطل خيار
البائع وصار المال أصلاً، ويقيم المشتري على البائع حجة إما أن يفدي ماله
أو بأصله.
مسألة
[ كيفية الافتراق في بيع الخيار ]
وإذا افترق المتبايعان على بيع خيار مجهول المدة ثبت إن كان صفقة
__________
(1) 1- الحديث : كنز العمال 4/91 رقم 9685 - قال أخرجه البيهقي عن ابن عمر -
رضي الله عنهما. وفي الباب أحاديث توضيح أن الخيار في الرقيق عهدة الرقيق ثلاثة
أيام 4/93 رقم 9695 أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عقبة بن عامر.
(2) 2- أحمد بن مفرج : من عائلة عرفت بالعلم والمعرفة وأنجبت العلماء من منتصف القرن
الثامن إلى آخر القرن العاشر فهم في تسلسلهم نظير بيت المشائخ من آل مَّداد.
وشيخنا هذا بن مفرج بن أحمد بن محمد بن عمر بن ورد البهلوي اليحمدي
الأزدي . من علماء النصف الأول من القرن التاسع والله أعلم وكان من أكابر العلماء
في عصره وممن تصدر بالفتوى في زمانه. انظر إتحاف الأعيان 2/5 - 7 .
(3) 3- سعيد بن عبد الله بن ماجد بن أبي علي : لم أعثر له على ترجمة . (8/7)
صفحة 1126
شرعية واختلفوا في كيفية الافتراق، فقال بعضهم : هو بالأجسام، وقول :
هو بالكلام، وقيل : مدعي التخصيص ثلاثة أيام في الخيار عليه إقامة الدليل.
مسألة
[ مدة الخيار ]
وقد وجدت صكاً فيه بيع الخيار إلى مائة سنة وفي صك آخر إلى
ثمانين سنة.
مسألة
[ صوره من بيع الخيار ]
ومن باع مالا خيار إلى أجل فانقضى الأجل صار أصلاً للمشتري.
مسألة
[ أثر الجهالة في بيع الخيار ]
وإذا تبايع المتبايعان مالاً بيع خيار إلى مدة مجهولة لمجيء الصيف أو أوبة فلان، فهذا بيع منتقض للجهالة، وهذه مسألة مطردة في البيوعات.
مسألة
[ متى يطلب الفداء ]
وإذا هلك المشتري بالخيار وقد مضت المدة فلا حجة للبائع في الفدي
وإن كان الخيار للبائعين لأن الخيار لا يورث.
مسألة
[ أثر هلاك المتبايعين ]
وإذا هلك المتبايعان بالخيار ولم تكن للخيار مدة ثبت بموتهما وبموت من
له الخيار.
مسألة
[ أثر ضياع صك الخيار ]
وإذا ضاع صك الخيار وصح أنه مكث في يد المشتري أكثر من خمسين سنة فقد بطل حق رب الأصل وصار أصلاً للمشتري.
مسألة
[ من صور بيع الخيار ]
ومن باع ماله بالخيار إلى أجل فسأل المشتري البائع أن يزيد على البيع ويجعله جملة فأبى فباع البائع المال على آخر قطعاً وسلطه على فدائه ولم
يفده من يده حتى مضت المدة ورد المشتري للخيار الثمن من البائع بالقطع
ولا يحكم له بشيء لأن تلف ماله.
مسألة
[ أثر انقضاء مدة البيع ]
وإذا انقضت مدة بيع لا خيار قبل أن يفكر البائع فقد صار أصلاً ولا يحتاج أن يوصله له، وإن أصله بائعه أو حاكم المسلمين بعد صحة البيع
وخلو المدة فحسن.
مسألة
[ أثر موت البائع قبل انقضاء مدة الخيار ]
عن مالك بن عبد الله بن عمر الغضفاني(1)
__________
(1) 1- مالك بن عبد الله بن عمر الغضفاني : ورد ذكره في إتحاف الأعيان الجزء الأول
ص434 دون تعقيب. وهو من تلامذة الشيخ عبد الله بن محمد بن إبراهيم السمؤلي. (8/8)
صفحة 1127
وعبد الله بن محمد بن إبراهيم السمؤلي(1) فيمن باع ماله بيع خيار وجاز المشتري المال ثم هلك قبل
فسخ البيع وقد أحال المشتري المال لغيره وقد مضت لذلك بره فرفع ورثة
البائع على المشتري فأقر له بالشراء من أبيه ولم يكن للبيع أجل، فإذا مات
البائع ففي نقض البيع أو ثبوته اختلاف، قول : على المشتري فكاك المال،
وقول : لا شيء عليه.
مسألة
[ أثر موت المشترى قبل الإتمام ]
واختلفوا في البيوع المنتقضة إذا مات المشتري قبل الإتمام فقول : موته ثبوت البيع وليس للورثة خيار في نقضه ولا إتمامه، وقيل : للورثة ما
للمشتري وهذا في البيوع المنتقضة غير الفاسدة وقيل : لهم ذلك ولو في
البيوع المنتقضة ولورثتهما إذا لم يكن ربواً .
مسألة
[ صوره من بيع الخيار ]
ومن اشترى مالاً بالخيار وأنقده الثمن وكان الخيار للمشتري وذي المال في يد البائع، فعليه رد الثمن للمشتري، وإذا مضت مدة الخيار صار المباع
أصلاً للمشتري قلت المدة أو جلت .
مسألة
[ صوره من بيع الخيار ]
ومن اشترى مالاً بالخيار وأثبت المشتري أصل مال في الثمن غير الذي اشتراه وانقضت المدة فليس للبائع بالخيار إلا دراهمه ، والمال المباع بالخيار
يصير أصلاً إذا انقضت به المدة .
مسألة
[ صورة من صور بيع الخيار ]
ومن باع حلياً بدنانير بيع خيار إلى مدة فخلت المدة فلا يصير أصلاً لأن البيع أصله فاسد.
مسألة
[ صورة بيع العروض ]
وأما من باع عروضاً خياراً كالسيف وشبهه فانقضت به المدة صار أصلاً كالعقار ونحوه.
مسألة
[ صورة من صور الخيار ]
__________
(1) 2- عبد الله بن محمد إبراهيم السمؤلي : من علماء القرن السادس ، كان في زمانه من
العلماء الشيخ الفقيه عبد السلام بن سعيد أحمد البهلولي اليحمدي ، ومحمد بن سعيد
الأزدي القلهاني وإبراهيم بن محمد بن أحمد السعالي توفي رحمه الله في شهر ربيع
الأول سنة 589هـ من تلاميذه مالك بن عبد الله انظر إتحاف الأعيان 1/309 . (8/9)
صفحة 1128
ومن أعطى نخاساً شيئاً يبيعه له فباعه وجعل الخيار للمشتري من غير
رأي رب المال وسلم المشتري الثمن ورام أخذ ما اشتراه، وعرف النخاس الدلال بالشرط فالخيار إذا كان الأجل فلمن جعل له وحده ثلاثة أيام إذا لم يكن له أجل، وإن كان له أجل فإلى أجله، وقيل : إذا لم يكن إلى الأجل
فلا خيار فيه، وقيل : البيع فاسد لدخول شرط الخيار فيه لغير أجل .
مسألة
[ انتقال الحق للورثة ]
و من مات و بيده بيع خيار فلورثته ماله و إذا انقضت مدته فلهم حوزه
وهو حلال لقوله تعالى : { وأحل البيع وحرم الربا } (1) وإن يكن البيع
مكتوباً إلى أجل وشهد عدلان أنه إلى أجل فشهادة العدلان أولى إذا شهدوا بأن البيع على لفظ الكاتب لأجل معدود ولا يكون الصك حجة، لأن أصل البيوعات إلى مدة وإن لم تكن بينة ومات البائع فالمال لمن هو بيده، ولا
حجة لورثة البائع .
مسألة
[ مدة الخيار ]
ومن جواب عبد الله بن مداد(2) : ومن كان عليه دراهم فضة فقضاه
دانق ذهب بخمسين ديناراً هرموزياً أو باع له هو حيواناً بحضرتها إلى
أجل ، فأما القضى في دانق الذهب عن الدراهم التي في الذمة إذا قضيت
الدانق بخمسين فجائز، وأما إذا كانت المدة في الخيار للدراهم لا للحيوان
فهو جائز، وإن كان الحيوان غائباً عن البيع ففيه اختلاف، فالأرجح إبطاله، ولا يكون الخيار في الرقيق والدواب فوق ثلاثة أيام على الأصح. ومن بيده
بيع خيار قد انقضت به المدة فرام المشتري من البائع فداه فأبى فليس له إلا
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 275 .
(2) 2- عبد الله بن مداد : هو العلامة الفقيه عبد الله بن مداد بن محمد الناعبي العقري
النزوي كان سكناه بمحلة الجرمة من عقر نزوى ، كان فقيهاً وعالماً واسع العلم
والمعرفة ، عمر مسجد الشجبي بحلقات الذكر والتدريس وله آراء فقهيه ، وله سيرة
تاريخيه قامت بطبعها وزارة التراث القومي والثقافة - رحمه الله - وغفر له . انظر
نزوي عبر الأيام ص144 . (8/10)
صفحة 1129
المال المباع بالخيار إذا لم يغير البيع بوجه يجوز فيه الغير من المتبايعين .
مسألة
[ أثر وقوع العقد فاسداً ]
وأما إذا وقع البيع على صفقة فاسدة فانقضت به المدة فلا يصير أصلاً لقوله تعالى : { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } (1) الآية، وللمشتري
دراهمه معجلة على الأرجح.
مسألة
[ أثر الإقرار على بيع الخيار ]
وإذا اشترى المشتري مالاً ببيع الخيار بثمن جم فاستغله ثم أقر أن له في المال أقل مما اعترف له البائع فالغلة للمشتري إلا أن يقر المشتري أن هذا المال هو للبائع فلان وليس لي فيه إلا كذا من الدراهم فهنالك تكون الغلة للبائع لإقراره له به.
مسألة
[ مدة الخيار ]
ومن جعل مدة الخيار إلى يوم أو إلى شهر أو برهة فقد اختلفوا في ذلك، والأصح إذا كان الحد من جنس المحدود ودخل فيه، وإلا فلا لقوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } (2) فهذا غير جنس المحدود ولا هو، وأما ما هو من جنس المحدود فهو قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } (3) .
ومن اشترى شراء ببيع الخيار فاحتاج لثمنه فرام بيعه على آخر فأبى عليه البائع، فإن كان المشتري الثاني ممن يحاذر ضرراً فلا يدخل على أخيه الضرر وإن يك مأموناً فلا بأس.
مسألة
[ اشتراط الخيار في الفداء ]
ومن ابتاع مالاً بعروض ثم شرط على البائع أن لي الخيار في الفداء أن شئت بالعروض أو بالدراهم فليس له غير العروض.
مسألة
[ اشتراط الخيار في البيع ]
ومن اشترى مالاً بالخيار فصح فيه شرطاً مباعاً بالخيار فلم يعلمه
المشتري، ثم اتفقوا على مبايعة الشطر المباع البائع والمشتري بالخيار فلا
يصح حتى يحدوا صفقة البيع.
مسألة
[ أثر بيع الخيار على ثمر الشجر ]
ومن اشترى نخلة بالخيار وفيها ثمرة مدركة فالثمرة للبائع وعلى
المشتري ردها، إلا أن تسمح نفس البائع بها للمشتري.
مسألة
[ من صيغ بيع الخيار ]
__________
(1) 1- سورة البقرة : آية 279 .
(2) 2- سورة البقرة : آية 187 .
(3) 3- سورة المائدة : آية 6 . (8/11)
صفحة 1130
ومن باع ماله بالخيار وفي المال بيت لم يذكر وإنما بيع بحدوده وحقوقه
فلا يدخل البيت في البيع حتى يفرد بالذكر وللبائع أن يتطرق إليه ويسكنه.
مسألة
[ من صيغ بيوع الخيار ]
ومن باع لآخر مكوك حب بعشرين ديناراً أو أضاف إليه دراهم وبايعه يجمع مالاً ببيع الخيار جاز بيعه وأحل الله البيع وحرم الربا.
مسألة
[ من صيغ بيوع الخيار ]
ومن باع لآخر جري حب بخمسة مثاقيل ذهب وأعطاه أيضاً خمسة
مثلها على أن يبايعه مالاً ببيع الخيار إلى مدة محدودة ويمنحه الثمرة لمدة،
فإذا انقضت المدة للمنحة وحصدت الثمرة ستعرض لمشتري المال فهذا
جائز وحلال.
مسألة
[ من صيغ بيوع الخيار ]
ومن له مثقال ذهب مصري في نخلة ببيع الخيار ولآخر مائة دينار هرموزياً في نخلة أخر ببيع الخيار أقر هذا لهذا بماله في تلك النخلة وأقر
الآخر كذلك وأخذ كل واحد منهما نخلة الآخر فهذا جائز إلى الفداء، فإذا فديت النخلتان رد كل واحد منهما على الآخر ماله. ومن كان له على آخر دراهم وعنده مال ببيع الخيار بمثاقيل ذهب فأراد أن يحسب الذي عليه بكذا مثقالاً على الآخر سعر ذلك اليوم ويحل له ما على المال من الدراهم
بدراهمه التي عليه فهذا لا يثبت، وإن فداه فلا رد عليه في الغلة ويرجعان
إلى أصل مالهما. ومن كان له على آخر خمسون درهماً وأباعه مكول(1)
حب بخمسين درهماً على أن يبيع له بالمائة شيئاً ببيع الخيار إلى مدة على
شرط أجرت ما باعه، فإذا انقضت المدة ولم يختر كان له ما اشتراه، فإذا لم يقصد بذلك الحيلة فالبيع قد أحله الله.
مسألة
[ أثر تلف المال على بيع الخيار ]
وإذا مالت النخلة المباعة بالخيار فليس لمشتريها أن يصلحها في مال البائع إلا برأيه وله أن يفسل محلها إذا وقعت، وأما إذا كانت النخلة وقيعة(2)
__________
(1) 1- هكذا في الأصل. والأصح : مكوك .
(2) 2- وقيعة : النازلة - الساقطة وقيل : وقعت بالقوم وقيعة أي قتلت وأثخنت - المصباح
المنير 2/836 . (8/12)
صفحة 1131
فله سجلها وبينهما بون، لأن الوقيعة إذا سقطت بطل حقه من الأرض وتلك
حقه باق، فلأجل ذلك قلنا : إنهما ليستا سيان.
مسألة
[ من صيغ الخيار في بيع النخيل ]
ومن باع لآخر نخلة بعشرين درهماً على أن ينقده بخمسة عشر درهماً ويوفيه عروضاً بخمسة دراهم، فأنقده الدراهم ولم يعطه العروض حتى
خلت مدة ثم أوفاه العروض فما لم يغير البائع فلا حرج قبل قبض العروض.
مسألة
[ صورة من صور بيع الخيار ]
ومن اشترى مال إنسان خياراً فجازه المشتري وادعى أنه لم يقبض فعلى المشتري إذا أقر بالشراء تسليم الثمن. ومن باع داراً لآخر وفيه دوحة أو
باسقة بيع قطع أو خيار ولم يقع للدوحة والباسقة ذكر، فإنما البيع على الدار دون الدوحة والباسقة إلا أن يذكر أو يبيع له الدار بما فيها من باسقات وأشجار ولا نقض في البيع لأحدهما.
مسألة
[ أثر الجهالة في بيع الخيار ]
ومن اشترى نخلة مباعة بالخيار من رجل وجعل البائع يأخذ حباًَ شيئاً وشيئاً قرضاًَ حتى أكلا الجرين ثم قطعا ثمنه وأراد أن يجعل من ثمن النخلة
فهذا بيع مجهول، وإن تتامماه بعد فكها تم، وإلا انتقض ويكون له قيمة
الحب يوم فصلاه.
مسألة
[ تابع النخل ]
وللمشتري الانتفاع بالحوض اليابس والزور والتراب ما لم يصرفا الأصل لأنه يأتي بأجل منه من سماد وغيره.
مسألة
[ مقاصصة الدين ببيع الخيار ]
ومن له على آخر دراهم قد حل أجلها فرامها منه فادعى عيلة وإقتار فعرض مالاً ببيع الخيار فأبى الطالب إلا أن يبايعه شيئاً بأجل ثمن ويضيفه له على حقه الأول في البيع، فهذا بيع جائز وتام.
مسألة
[ صور من فك بيع الخيار ]
ومن باع لآخر مالاً خياراً ثم أقر لآخر بأصل ذلك المال ووكله
في فك المال من الخيار، فهذا جائز ولا حرج فيه، وله أن يؤكله إذا فك
المال أن يبيعه من نفسه إذا تقدم عليه بالخيار وبما لهذا من الخيار بيع خياراً
أو قطع.
مسألة
[ صور من مبادلة الدين بالخيار ] (8/13)
صفحة 1132
و من له حق على آخر من جهة قرض أو دين ، فلما رام أخذه ادعى
الإعدام فاتفقا أن يبايعه عروضاً بأكثر من ثمنه أو يضيف الحق كله في بيع خيار في ماله فهذا بيع حلال ولا غير فيه ولا ربا.
مسألة
[ صور من بيع الخيار المحرم ]
اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الناس أحدثوا بيوعاً تعاملوا فيها على الربا، فإن كل متبايعين أسسا بيعهما على دراهم بزيادة كذا ربحاً فهذا حجر محرم كمن يأتي الآخر ويروم منه دراهم العشرة باثني عشرة ويثبتان بيعهما على ما تقدم من الزيادة ثم يتبايعان مالاً خياراً فيعقده إياه ، فهذا بيع قد حرمه الله.
مسألة
[ صور من البيع المحرم ]
وإذا اشترط البائع بالخيار أن لا تدخل مالي ولا تتمره إلا إذا عجزت عن القعادة ، فعن الشيخ أحمد بن مفرج(1) : إن وقع الشرط بينهما قبل العقد حرمت الزيادة لأنها ربا، وإن يكن بعد العقد فهذا باع ثمرة قبل دراكها
وهو بيع فاسد أيضاً ومحظور، لأن بيع الثمر قبل الدراك حرام فكيف قبل
أن تثمر. وثمرة المال المباع بالخيار حلال لمشتريه إذا عقد البيع وأسس على منوال الشرع، وله الانتفاع بالزور والسعف اليابس إذا وقع المباع بالخيار فالجذوع والجذب والسعف والرطب للبائع، إذ هو بيع للأصل، وقول : هو للمشتري وتحسبه على نفسه من الثمن.
مسألة
[ لمن ثمرة النخل بعد البيع ]
وإذا وقعت النخلة فإن كانت ثمرتها مدركة فهي للمشتري، وإلا فهي للبائع إذا فكها من مشتريها(2) .
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
__________
(1) 1- أحمد بن مفرج : سبق ذكره .
(2) 1- دليل هذا حديث النبي - - صلى الله عليه وسلم - - من ابتاع نخلاً بعد أن يؤبر فثمرتها للذي باعها، إلا
أن يشترط المبتاع» انظر بلوغ المرام ص174 رقم 873 قال متفق عليه. (8/14)
صفحة 1133
ومن كان بيده مال بالخيار فله أن يصرم ثمرته ولو لم تدرك ولا غرم عليه إذا كان قبل نقض البيع، وقيل : إنما بيع من العروض خياراً وانقضت به المدة فلا يصير أصلاً حتى يجعل البائع المشتري وكيلاً في بيع ويستوفي ثمنه.
مسألة
[ صور من استغلال السلعة ]
ومن له بيع خيار في عقار وسأل البائع آخر أن يقرضه دراهم ليفك بها المال من الخيار فأقرضه وفك ماله وقبضه المقرض واستغله من غير صفقة بيع ذلك ورضي رب الأصل ثم رام رب الأصل رد الثمرة من الحائز فعليه ردها لأنها لا تحل من غير عقد، وقيل : لا يجوز أن يتبايع المتبايعان بيع خيار ولا قطع، وأما البيع بالطعام وغيره مثل نوع سلفه ولم يشترط أنه بالسلف إذا
كان لبعضهما بعض.
مسألة
[ من الصور الفاسدة ]
ومن باع لآخر تبر وورق بثمن معلوم بالألف مالاً ببيع خيار مع صفقة البيع ولم يحضر الثمن واستغل المال أيثبت مع الحلي والمال أم لا؟ فهذا بيع
فاسد في الحلي والمال ويلزم المشتري رد الغلة وهو من الربا الذي لا أجل فيه على الأصح.
مسألة
[ صور غير جائزة ]
ومن له حق على آخر فرام استيفاءه فعجز المديون واصطلحا على يبعه شيئاً بزيادة ثمن وأن يبيع له شيئاً من سيده بيع خيار، فالمديون إذا اشترى
ممن له الدين شيئاً من ماله بزيادة ثمن على أن يبيع له ماله بيع خيار بما عليه وبالزيادة، فهذا لا يجوز، وإن بايعه بغير زيادة جاز.
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
ومن باع نخلة بيع خيار فلم تثمر ورام بدلها فبادله بسواها من غير نقص من الأولى ولا صفقة ببيع الأخرى، فإن فعلا ذلك بغير نقض ولا مبايعة للأخرى فالأصح أن عليه رد الغلة، وقول : لا رد عليه، وهو قول الشيخ
أحمد بن مفرج.
مسألة
[ أثر الوراثة على بيع الخيار ]
ومن باع حلياً لابنته فهلكت الابنة وطلب وارثها الحلي فما أتلفه الأب من مال ولده ومات الولد فلا حجة على الأب لورثة الابن، فأن أتلفه بالخيار فلهم الأصل.
مسألة (8/15)
صفحة 1134
[ شراء المشاع وأثره على بيع الخيار ]
ومن اشترى باسقات مشاعاً غير مقسومة ولا محددة إلا أنه يختار في كل سنة ما شاء الله فهذا بيع فاسد ولا يجوز، وقيل : إن ذلك بين الزوجين
جائز ليس بينهما ربا، وقد بايع الشيخ أحمد بن مفرج بين الزوجين هكذا.
مسألة
[ أثر المضاربة على بيع الخيار ]
ومن له على آخر ألف دينار مضاربة(1) فخاف منه الآخر فباع له مكوك حب بخمسمائة دينار أعطاه الألف وباع له مالاً ببيع الخيار بالجميع فهذا
بيع فاسد وهو ربا رأي مداد.
مسألة
[ صور من آثار بيع الخيار ]
وإذا سلط ذوا نشب آخر في فداء نشبه ولم يقع عليه بيع خيار فلا تحل
له الثمرة بغير عقد بيع أو يهب له الثمرة.
مسألة
[ أثر إنكار البائع بعد موت المشتري ]
عن الشيخ عبد الله بن عمر بن زياد(2) رحمه الله : ومن باع ماله بيع
خيار وقد كتب بينهما كاتب ثم مات المشتري وطلب ورثته البيع فأنكرهم رب الأصل فماذا يجب لهم وعليهم؟ فإذا ادعى البائع أن المشتري لم يقبل
البيع ولا حازه ومكتوبة له براءة من الثمن لأن البيع لا يثبت إلا من بائع ومشتر بثمن.
مسألة
[ صور استغلال السلعة أثناء الخيار ]
ومن بيده مال ببيع الخيار فرام صرامه قبل الدراك فأما من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزاحة الضرر فلا يحل له ذلك لأن لا ضرر
ولا ضرار في الإسلام وإذا أراد ذلك في ماله الذي له أصل فإنه مأثوم فيما
بينه وبين الله، لأنه نهي عن إضاعة المال ونهى عن ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة
[ حكم استغلال السلعة أثناء مدة الخيار ]
__________
(1) 1- المضاربة : من الضرب في الأرض قال تعالى :
{ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } [المزمل آية 30] والمضاربة
اصطلاحاً : عقد يتضمن دفع مال لآخر، ليتجر فيه والربح بينهما» والمضاربة من
أقسام شركة العقود .
(2) 1- الشيخ عبد الله بن عمر بن زياد : لم أعثر له على ترجمة . (8/16)
صفحة 1135
ومن له بيع خيار في ماله فاحتاج لبعض الثمن وأراد بيع جزء منه بالخيار فليس له ذلك لأنه ليس بملك وممنوع التصرف فيه، وإن أقر بجزء من المبيع
جاز ، وإذا صحت الزيادة في البيع الخيار فعلى الفادي تسليم الزيادة
للمشتري المرفوع منه الخيار ولا أجل عليه في ذلك.
مسألة
[ حكم إحالة بيع الخيار ]
ومن له بيع خيار في مال إلى أجل فرام إحالته أو بعضه لغيره بالقسط
جاز له ذلك ولا حجة عليه للبائع.
مسألة
[ صوره من بيع الخيار ]
وإذا اشترط رب المال على المشتري بالخيار أن لا غلة لك في مالي جاز له ذلك وله النقض إن أراده كان الشرط إلى أجل أو مطلق الأجل.
مسألة
[ صوره من بيع الخيار ]
وإذا بيع المال بالخيار قطعاً ففيه اختلاف، قول : إن بيع القطع فاسد حتى ينقض المشتري بالخيار حقه.
مسألة
[ حكم بيع السلعة بعد الخيار ]
عن الشيخ صالح بن محمد بن عبد الرحمن(1) : إن من بيده مال ببيع
الخيار ورام بيع شطره خياراً فلا يجوز له ذلك وهو فاسد، وإن أحاله وأقر به جاز. عن الشيخ مسعود بن رمضان بن سعيد(2) : وإن اشترى نخلة ببيع
الخيار بعشر لاريات فأنقده تسع لاريات وأوفاه بالاريات عروضاً قيمتها
أربع لاريات ، فهذا لا يجوز في البيع الخيار.
مسألة
[ رفع الخيار بعد وجوبه ]
ومن رفع الخيار من ماله بعد إدراك الثمر فلم يوجب له الشرع وطلب صرف الثمرة من ماله ففي ذلك اختلاف، والأصح أنه لا يجاب لذلك قبل
أو أن حصاد الثمرة لصرف الضرر.
مسألة
[ حكم البيع على المشورة ]
وإذا تبايع اثنان على مشورة زيد فالمشورة غير الرضى فعلى المشورة لا
__________
(1) 1- صالح بن محمد بن عبد الرحمن : هو الشيخ القاضي عم الشيخ عبد السلام بن
محمد بن عمر بن عبد الرحمن وكان معاصر للشيخ صالح بن وضاح، وهو من
نزوى انظر إتحاف الأعيان 2/262 .
(2) 2- الشيخ مسعود بن رمضان بن سعيد : انظر إتحاف الأعيان 2/301 لعله مسعود بن
رمضان الزاهد - رحمه الله. (8/17)
صفحة 1136
يثبت، وأما على الرضى، فإذا رضي ثبت وإلا فلا يثبت والمشورة موقوفة فإن شاء قبلا وإن شاء لم يقبلا، وقيل : إن كل بيع فيه مثنوية وشرط فهو منتقض.
مسألة
[ مقارنة المشورة بالخيار ]
عن أبي سعيد : ومن باع نخلة على آخر بمشورة عمرو فوقعت من قبل
أن يشاور عمرو فإنها من مال المشتري لأنها تعلق عليه ضمانها إذا اشترط
إتمام البيع بمشورة عمرو والمشورة تخرج عندي مخرج الخيار.
مسألة
[ حكم الانتفاع من مال الخيار ]
ومن باع ماله بالخيار فليس له الانتفاع بشيء منه من سعف أو صرام أو غير ذلك إلا برأي المشتري.
مسألة
[ حكم استرجاع البيع ]
ومن رام شراء باسقة قد صرمت ثمرها فاشترط على البائع استرجاعها فأنعم له ، هل يحل ذلك؟ فإذا كانت الثمرة باقية فجائز له في بيع الخيار ،
وإن عدمت الثمرة وبايعه عروضاً بنماء من الثمن فذلك أيضاً جائز.
مسألة
[ أثر الرشوة في بيع الخيار ]
ومن باع ماله بالخيار ثم رام فداءه فقال له المشتري : لا تقدمني لغيري فقال له : الغير أرشاني ذا وذا، فقال المشتري : أنا أرشيك ذا وذا فأثبت لي البيع، فما حكم هذه الرشوة؟ فعلى رب المال ردها للمشتري.
مسألة
[ مقارنة بين ثمرة الرهن وعقد الخيار ]
والرهن المقبوض لا غلة فيه له وأما البيع بالخيار فقد قال كثير من أهل العلم بتحليل ثمرته للمشتري إذا وقع تأسيس البيع على منوال شرعي.
مسألة
[ التصرف بمال الخيار ]
ومن اشترى مالاً بالخيار ولبد فيه ركبته فرام كبسها وغرس موضعها وكذلك موضع الحب والمصب، فنعم له ذلك إذ هي ملك له.
مسألة
[ الخوف من الجبار على المال ]
ومن حاذر على ماله سطوة جبار فبايعه بالخيار فلما أراد فكه منعه الجبار، فلا تحل للمشتري غلة على هذا الحال، وأما إن حاذر بنفسه من غير أن يرفع عليه المشتري فلا بأس.
مسألة
[ صورة من عقد الخيار بين الولد والوالد ]
وإذا بيع المال بالخيار صفقة فرام البائع فك جزء منه وأبا المشتري فلا (8/18)
صفحة 1137
يجبر على ذلك، وإن أنعم له فجائز له أن يفك ما تراضيا عليه من جزء، وإذا أقر الأب لولده بمال فباعه الولد بيع خيار فانتزعه الأب بالحكم وهلك الأب وصار المال لأحد وارثه غير المقرور له بالقسمة، أيسعه أن يستقسم هذا المال لأن أباه قد أقر به لأخيه، ويسع المشتري ومن حضر القسمة ذلك، فإذا صح الفداء والانتزاع من المشتري بالخيار جاز وحل.
مسألة
[ موت الأب بعد انتزاع بيع الخيار ]
وأما إن انتزع الأب المال وهو في يد مشتريه بالخيار ولم يرفع منه الخيار إلى أن مات الأب فقد صار ملكاً للولد ولا حجة عليه فيه.
مسألة
[ التوكيل في بيع الخيار ]
ومن سلط آخر في فك ماله من البيع الخيار ليكون للمسلط ولم يعقد له بيعاً هل يقوم التسليط مقام العقد؟ فلا إنما التسليط ينوب مناب الوكالة وقد انفسخ الخيار من المال، وعليه أن يعقد له بيعاً ما شاء، وإن لم يعقد واستغل المشتري المال فعليه رد الغلة، وقيل : لا رد عليه. ومن منثورة قديمة أنه لا رد عليه لأنه استغل بسبب.
النهج الثاني
في بيع الخيار إذا وضع قطعاً
النهج الثاني
في بيع الخيار إذا وضع قطعاً
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
عن الشيخ احمد بن مفرج رحمه الله : وإذا بيع المال بالخيار فلا يثبت فيه القضاء ولا البيع، ولا يجوز فيه الفداء إلا بتسليم الحق المباع به، ولو نقص درهماً لم يصح الفسخ إلا أن يرضى المشتري.
مسألة
[ عقد الخيار بين الأب وابنه ]
ومن باع داره لولده بيع خيار ولم ينتقل الأب منه، وعلى الأب دين ثم انتزع الأب الدار وباعها وهلك ثم علم الابن بالانتزاع فنقض البيع أتكون دراهم الولد في مال الأب أم لا، فاعلم أن الولد دراهم في مال أبيه
ويستوفي بعد الديان، لأنه قيل أن الله لا يعذب والداً بمال ولده.
مسألة
[ أثر الدين على الميت ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1)
__________
(1) 1- وردت أحاديث توضيح كراهية الدين وأن الدين يمنع المدين من دخول الجنة منها: =
= عن محمد بن عبد الله بن جحش قال : جاء رجل إلى النبي - - صلى الله عليه وسلم - - فقال : يا رسول
الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله مالي؟ قال : الجنة، فلما ولىّ قال : إلا الدين سارني
جبريل آنفاً» كنز العمال 6/245 ، رقم 38 155 ، أبو نعيم في الحيلة.
ورقم 39 155 ، 37 155 ، وأرقام كثيرة ترهب من الدين. (8/19)
صفحة 1138
أن ذا الدين إذا هلك علقت روحه بين السماء
والأرض، فلا تفك حتى تبرئ ذمته، وتركت الاختلاف.
مسألة
[ صورة من بيع الأصل وبيع الفرع ]
ومن باع من ماله نخلتين ثم باع أصله قطعاً ولم ينقض مشتري الخيار
البيع من النخلتين، فإن البيع تام للمشتري النخلتين بالخيار دراهم.
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
ومن باع من ماله شطراً بالخيار ثم بقيته أصلاً، فإذا رام الشطر المباع بالخيار في بيع القطع جدد له البيع ثانية في الشطر، وإذا كان البيع الخيار
لسوى المشتري بالقطع ففيه الغير وإن كان له فلا غير فيه وهو له. ومن باع ماله قطعاً في المال نخلة مباعة بالخيار فأقر رب المال بما بيع في الخيار لمشتري الأصل فالإقرار ثابت إذا سلطه في نقض البيع الخيار وسلم له حقه.
مسألة
[ أثر الخيار في بيع القطع ]
والأصح أن كل مال فيه بيع خيار لا ينعقد فيه بيع القطع حتى
يفك منه الخيار.
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
ومن باع ماله خيار ثم باعه قطعاً وبيع الخيار إلي مدة وسلط مشتري
العقد على نقض الخيار لأن المال صار له أصلاً، فمشتري الأصل لا شيء له لأنه أتلف ماله بتضييعه له.
مسألة
[ صور من سعر بيع الخيار والقطع ]
ومن باع ماله بيع قطع بألف دينار والمال فيه بيع خيار بخمسمائة دينار وأراد البائع الألف كملاً فليس له إلا خمسمائة دينار، وإن باعه أصل ماله
بألف دينار ولم يوضح له البيع المتقدم فله الألف كملاً.
مسألة
[ حكم الوكالة في بيع الخيار ]
ومن باع ماله خياراً ثم أثبت لمشتريه أصلاً إلى مدة كذا ووكله في بيعه
بعد المدة ثم باعه ربه الأول وبيع قطعاً، هل للمستثبت بالوكالة حجة ببيع ويستوفي أم لا؟ إذا لم يفد مشتري القطع من المثبوت عنده إلى أن
انقضت مدة الإثبات فله بيع المال واستيفاء حقه وبيع القطع الذي بعده
الإثبات منفسخ.
مسألة
[ بيع الخيار وبيع الأصل ] (8/20)
صفحة 1139
وإذا كان في المال بيع خيار وبيع أصل فطلب مشتري الخيار من مشتري الأصل أن يرد عليه دراهمه ويأخذ المباع بالخيار فأبى عليه وأمره أن يتمسك ببيعه، فلا يجبر المشتري على فكه منه إذا أذعن له بالغلة. ومن باع حقه
ونصيبه من قرية كذا أو أقربه وله في تلك القرية أموال أصل وبيع خيار
يثبت جميع ذلك أم لا؟ فما كان من أصل فثابت بيعه فيه وإقراره ولا يثبت
في ماله بيع الخيار فقول ثابت في الأصل وبيع الخيار، ولبائعه نقض البيع ،
فإن لم ينقضه حتى خلت المدة صار أصلاً للثاني.
مسألة
[ حكم بيع الخيار لمن لا يملك أصل البيع ]
ومن باعه من قرية كذا وله أموال قد باعها بيع خيار فتلك أموال لا يثبت فيها بيعه لأنه لا يملك أصلها، وقيل : البيع ثابت وللمشتري بالخيار دراهمه.
مسألة
[ اختلاف البائع والمشتري على عقد الخيار ]
عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله القرن(1) : و من باع ماله بالخيار
وحازه المشتري فإن انتزعه جباراً عني المشتري بالخيار فغرب عليه الثمن
فالقول قول البائع، وعلى المشتري البينة والألية على المنكر .
مسألة
[ صور من البيع والشراء ]
ومن اشترى مالاً قطعاً صار ومات البائع فإن كان المشتري عالماً بالشراء الأول فعليه فداء المال، وإن لم يعلم هلك البائع ففداه من مال الهالك، وقول: المشتري بعدم العلم مقبول مع البينة إلا أن يصح أنه عالم بالبينة، وقيل : إن المشتري الأول أولى بالمال، والمشتري الثاني يرجع بحقه من بائعه.
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
عن الشيخ أحمد بن مداد(2)
__________
(1) 1- أبو عبد الله محمد بن عبد الله القرن : هو الشيخ العالم الفقيه محمد بن عبد الله
القرن المنحي من علماء النصف الأول من القرن العاشر وهو والد الإمام عبد الله بن
محمد القرن مسكنه حادة البلاد من قرية منح البلد الذي خرج من علماء كثيرون =
(2) = وأئمة ساهموا في نشر العلم والتأليف والإفتاء كالمشائخ بني نجاه وصالح بن وضاح
وعدد من أهل بيته.. وغيرهم.. إتحاف الأعيان 2/231 .
1- الشيخ أحمد بن مداد : العلامة الفقيه ، العارف النحرير أحمد بن مداد بن محمد
الناعبي العقري النزوي، أحد أقطاب العلم والعمل في نزوى فهو من ذرية آل مداد
الذين طبق الأرض صيتهم، واشتهروا بالعلم والفضل، فكانوا قادة المسلمين وحماة
الدين ، وسعادة لمرضاة رب العالمين له رأي في إمامة بركات بن محمد بن إسماعيل
فهو لم يحم الديار، واجمع هو والعلماء على بيعة عمر بن القاسم الفضيلي. انظر
نزوى عبر الأيام ص145 و ص146 . (8/21)
صفحة 1140
: ومن باع ماله قطعاً فبعد البائع وظهر في المال بيع خيار للمسجد لم تنقض مدته، فإذا صح بيع الخيار قبل بيع القطع ففداه من مال مشتريه إذا الحوز على من لا يذود عن نفسه لا يثبت وليس
هو بيع قطع مشتري بالثمن علي ورثة البائع الهالك، وأما أن صح بالبينة
العادلة أن الشرط على المشتري فداء المباع بالخيار من هذا المال أو باعه حقه منه، فحينئذ لا يرجع المشتري على الورثة بشيء .
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
ومن باع قطعتي باسقات له بيع خيار بثمن مما بيع قطع، فالتي باعها له بالقطع فقد انفسخ بيع الخيار وقد انهدم عنه نصف عليه نصف الثمن
للقطعة الأخرى .
مسألة
[ حكم أخذ النفقة من بيع الخيار ]
وإذا فرض أولي الأمر لذي النفقة في ماله وله مال فيه بيع خيار، أتجوز أن يؤخذ من رب الخيار لما يحتاج ذو المس على البيع الخيار الأول، فلا يجوز
ذلك. وجائز أن يباع من أصل المال لمؤونة بيع بت .
مسألة
[ صوره من بيع الخيار ]
ومن بماله بالخيار ثم باعه قطعاً لسوى لمشتر به بالخيار، فأراد المشتري بالقطع رفع الخيار من المال ويقطعه على البائع من ثمن المال فله ذلك ولو لم يرض البائع .
مسألة
[ أثر بيع المال الأصلي على الخيار ]
وإذا باع أصل ماله الفلاني بثمن وكان فيه بيع خيار متقدم لغير مشتري القطع، لم يكن فداء البيع الخيار على البائع، وليس له أن يقطع عليه من
ثمن المال والفداء على المشتري دون البائع إذا هو مشتري منه أصل المال
وبين المسألة بون بعيد .
مسألة
[ صورة من بيع الخيار في الزروع ]
ومن له مال ببيع الخيار فلم ينبته، وجده دون الدرك فليس له ذلك وهذا من الضرر الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويردع عن فعل ذلك .
مسألة
[ أثر الشفعة على بيع الخيار ]
ومن اشترى مالاً بالخيار ولآخر فيه شقيص غلة فراموا بيع شقيصهم عليه، فجائز له شراءه وأما لغيره فلا .
مسألة
[ ما يترتب على بيع الخيار ] (8/22)
صفحة 1141
وإذا وقعت النخلة المباعة بالخيار فللبائع رأسها وجذعها، وإن أراد المشتري بالثمن فله ذلك ولو كره البائع، وأما الكرب والزور والسعف فعلى
ما جرت به العادة وهو للمشتري .
مسألة
[ حكم قبض المال قبل انعقاد البيع والتصرف فيه ]
وأما من باع لآخر على بيع خيار في ماله وقبض منه الثمن فلم يعقد بيعاً واستغل المشتري المال، وأما في الحكم فلا يحكم للمشتري بشيء من الغلة،
وأما فيما بينه وبين الله إذا كان على شرط صحيح فللمشتري ذلك .
مسألة
[ حيلة على أكل الربا ]
وأما إذا باع ماله بيع قطع إلى مدة فغلته محظورة ومحسوبة للبائع لأنها
حيلة على أكل الربا، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
مسألة
[ في السلف والرهن وأثر بيع الخيار ]
ومن أسلف سلفتاً فعجز المتسلف عن الوفاء فباعه مالاًَ ببيع خيار أو
القطع إلى مدة بكذا مما سلفه من حب أو تمر أو غيرهما، أحل له غلته أم لا؟ فالغلة تحسب من الحق وليس له إلا ما سلف فيه. وقد أجازوا الارتهان بعد حلول الرهن المقبوض .
مسألة
[ أثر فساد البيع ]
وكل بيع فسد بوجه من وجوه الأحكام فعلى البائع رد ثمنه على
مشتريه. ومن خلف هالكه مالاً بيع الخيار وهو عالم فأخبره وارث البائع أن هالكنا لم يبع هذا المال على هالكك، فله التمسك بما في يد هالكه حتى
تصح دعوى المدعي وله حوزه بانقضاء المدة .
مسألة
[ ما يترتب على سكن البائع في المبيع ]
ومن باع داراً بالخيار فسكنها البائع بغير رأي المشتري فعليه الأجرة بما
يراه العدول لأنه يصير متعدياً، وهو رأي صالح بن محمد .
مسألة
[ دور الحاكم في دفع الضرر ]
ومن اشترى مالاً بالخيار فأبان إقباب باسقاته أوجد ثمرة دوحه قبل
الدرك وفدى رب الأصل ماله، فلا غرم عليه لأنه فعل ذلك وهو ماله،
وينبغي للحاكم إذا رأى قصده ضرراً أن يحيل بينه وبين ما يشتهيه .
مسألة
[ حل الخلافات في بيع الخيار ] (8/23)
صفحة 1142
ومن باع ماله بالخيار وحازه المشتري وسلم الثمن ثم رام البائع نقض البيع فقال المشتري : لا تنقض البيع وأنا أعطيك جزءاًَ سماه من المال، فرضي
البائع وحاز الجزء الذي سماه له برها ثم أراد المشتري منع البائع عن تلك
الجزء، فما حازه البائع عطية من المشتري فلا رجعة للمشتري فيما مضى .
مسألة
[ صورة من الربا ]
ومن اشترى مالاً بالجبال على أن يسلم له البائع كل سنة شيئاً حداه فهذا بيع لا يجوز، وهو ربا حجر حرام محظور، وهذا رأي أحمد بن مفرج
والشيخ صالح بن وضاح .
مسألة
[ استغلال مال بيع الخيار ]
وكلما استغله المشتري من بيع الخيار من قبل التحريم فهو له حلال، لأنه استغل بسبب وبحكم من المسلمين، ولا يرد الغلة إلا الغاصب فقط .
مسألة
[ ما حظر على المشتري من التصرف فيه ]
ومحظور على البائع بالخيار تناول شيء مما باعه ولا التصرف فيه كقطع لينة أو دوحة بغير رأي المشتري، وإن فعل ذلك فعليه التوبة وضمان ما ضيعه للمشتري، وما دام المبيع بيده والقول فيما نوى بسببه قوله إذا هو غارم مع اليمين وعلى مدعي الزيادة البينة .
مسألة
[ أثر انقضاء مدة الخيار ]
وإذا انقضت مدة الخيار صار المال أصلاً بانقضاء المدة، وعلى قاطع الباسقات ثمن ما قطع وقيعه بلا أرض .
مسألة
[ افتداء بيع الخيار ]
عن الشيخين عبد بن محمد القرن ومحمد بن سعيد بن عبد السلام
النخلي عن الشيخ صالح بن وضاح وسليمان بن سعيد رحمهم الله : ومن
فدى ماله المباع بالخيار والثمرة مدركة فهي للمشتري وله تركها حتى
تصرم، وعلى البائع سقي المال مما كان يسقيه من قبل الماء المعتاد لسقيه حتى يحصد ثمرته .
مسألة
[ المساومة على البيع الخيار ]
عن الشيخ محمد بن فضالة(1) رحمه الله : من ساوم على مال ببيع
__________
(1) 1- الشيخ محمد بن فضالة : هو الشيخ الفقيه محمد بن فضالة بن صالح سيخه عمر
بن سعيد المعدِّ. وقيل غير محمد بن فضالة جد المدادين. إتحاف الأعيان 2/301 . (8/24)
صفحة 1143
خيار أو قطع البيع وحاز المال واستغله برهاً ثم رجعاً إلى الأحكام، فهل
على المشتري رد غلة المال للابن إن هلكا أو أحدهما ورجع الورثة إلى
الحكم، أما بيع القطع فلا رد على المشتري بالغلة، لأنه استغلها على سبيل المسالمة، وبيع المسالمة فيه اختلاف، قول : ثابت دعي به المتاممة ، وإن ماتا أو أحدهما أو أتلف المشتري من المال جزءاً ثبت عليه، أما بيع الخيار فلا يثبت على أصل هذا البيع وعلى المشتري رد الغلة، هذا وجدناه من بورا عن
مشايخنا المتأخرين .
مسألة
[ صورة من بيع الخيار ]
ومن اشترى مالاً بالخيار وحازه فقبض منه واستغله جمة أعوام ثم رام
البائع استرجاع الغلة منه حيث أنه أخذ الثمن، فالثمن للمشتري ما لم ينقض البائع البيع وله ثمن ماله .
مسألة
[ أثر الورثة في فسخ بيع الخيار ]
عن الشيخ أحمد بن مفرج رحمه الله : ومن باع ماله بيع خيار وفي المال نخلة مباعة بالخيار قبل ذلك ومات المشتري ورام الورثة نقض البيع ولم
يجدوا في النسخة ذكر النخلة المباعة شهدت البينة أن النخلة مباعة قبل هذا البيع، فإذا شهدت البينة أنهم أعلموا المشتري ببيع النخلة فلا حجة لورثته،
وإلا فلهم الحجة في الغير وبينهم الإليات .
مسألة
[ أثر جهل الخيار على فسخ البيع ]
ومن باع ماله بيع خيار، ثم باعه أيضاً على آخر بيع خيار واستقعده من المشتري فاستغله على ذلك، فإذا علم المشتري الآخر بالبيع الأول فعليه رد ما استغله وقد ضيع أصل ماله وإن علم المشترين معاً كان المال وغلته للمشتري الأول فعليه رد ما استغله وقد ضيع أصل ماله، وإن علم لمشترين معاً كان
المال وغلته للمشتري الأول، وحق المشتري الثاني على البائع في ماله .
مسألة
[ حكم شراء الشيء خياراً ثم بيع نصفه خياراً ]
عن الشيخ صالح بن وضاح : ومن باع ماله خياراً ثم باع شطره خياراً على آخر، وحاز المشتري الثاني نصف ثمرة المال ثبت عليه بظاهر البيع، (8/25)
صفحة 1144
وأما فيما بينه وبين الله فله ثمرة جميع المال. ومن باع ماله خياراً ثم باعه
أيضاً على آخر خياراً، فصار أحدهما يستغل المال والثاني يستطنيه ويسلم له
ثمن الغلة ورقاً، فهذا غير جائز ولا يحل للمشتري الثاني إذا علم، وأما
المشتري الأول فله البيع والغلة حلال، والمشتري الثاني إذا لم يعلم فلا بأس عليه، وله ما ظهر ولله ما ظهر واستتر .
مسألة
[ ظهور عدد من العقوبات معاً ]
ومن ظهرت في سبله ولبده ونشبه وعقارات جمة بيوعات خياراً متنافية الهجرة فهذه كلها ثابتة إذا تنافت هجرتها، وإذا استغرق مال من عليه الحق كان رب المال الأول أولى بالمال ثم من يليه، ولم تكن محاصصة إذا عزب
عليهم علم بعضهم بعضاً .
مسألة
[ صورة بعدم انعقاد بيع الخيار ]
وإذا تقدم بيع الخيار في المال فلا ينعقد فيه بيع خيار ولا قطع، وليس على المشتري الثاني رد غلة .
مسألة
[ البيع بحضرة البينة ]
ومن باع ماله بالخيار بحضرة بنية، ثم بعد مدة باعه على آخر بيع خيار بحضرة تلك البنية(1) ، ثم مات البائع وتشاجروا في ذلك، فإذا صح تقدم
تاريخ أحدهما فالبيع الأول أولى، ويرجع كل منهم على البائع بنصف حقه .
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
ومن باع ماله بيع خيار قد تقدمت لأناس شتى، وسلط المشتري الأخير
في نقص البيوعات المتقدمة وكتبه له وأضافها على بيعه ثم إن البائع فدا البيوعات لنفسه قبل أن يفدي المسلط، فهذا بيع فيه النقض لسببه البيع
الخيار المتقدم، وحكم الثمرة لرب الأصل والفداء جائز له، وللمشتري
الأخير دراهمه .
مسألة
[ بيع المال مرات بالخيار ]
ومن باع مال على خيار ثم باعه على آخر بيع خيار وأراد المشتري الثاني من الأول إما أن يأخذ المال كله أو يتركه كله فأبى المشتري الأول بيعه قد سبق فالبيع الأول أولى ولا يحكم عليه هذا التخيير .
مسألة
[ حكم عقد البيع على عقد الخيار ]
__________
(1) 1- هكذا في الأصل : والصواب : تلك البينة. الله أعلم . (8/26)
صفحة 1145
ومن باع لآخر داره بيع خيار لعروض وأخذ ثمنها كجري حب بعشر محديات وفي الدار بيع خيار متقدم وإقرار بحق وضمان أن يثبت للمشتري دراهمه ثمن الحب أم الحب واعلم أن كل عقد بيع وقع على بيع خيار فهو
باطل حتى ينقض منه الخيار، فإن يكن الغير صدر من المشتري فليس له إلا الحب وثمنه يوم النقض وإن صدر من البائع للمشتري ثمن كما بايعه بخس
أو زيادة .
مسألة
[ لمن ثمرة بيع الخيار إذا تعدد ]
ومن باع ماله على مشترين واحد بعد واحد واستغل المال مع علمهما بالبيع، فإذا علم المشتري الثاني ببيع الأول فعليه ما استغل، وإن لم يعلم فلا
رد عليه ولا رد على الأول على حال. ومن باع ماله ببيع الخيار وقد تقدم في المال بيع خيار في نخل معلومة وكل يستغل بيعه، هل النخل هذه الثمرة لمن
له النخل المعلومة إذا علم البيع الأولى فالثمرة له حلال وله النقض لأنه غره .
مسألة
[ حكم من باع حصته بيع خيار وله شريك لم يعلم ]
ومن له حصة في مال فباعها بيع خيار ثم باع جملة حصته ولم يعلم
شريكه وشرط على المشتري أن في بعض المال خيار فتقدم المشتري ليفد به
لنفسه فهذا بيع يدخله النقض لأنه معلول، فإذا المشتري أن يفدي المباع
بالخيار فالأصل له، وإن نقضه أحدهما انتقض .
مسألة
[ حكم الإقرارات على بيع الخيار ]
ومن مات وله أرض مباعة بالخيار لعمرو وفيها إثبات لزيد وفيها
بعد لبكر وعليه ديون في ذمته ثم أقر منها بحق لعامر يستغرقها، قال
الشيخ ابن أحمد : أن إقراره والبيوعات المتأخرة، وقال الفقيه أحمد بن محمد بن مفرج : أن للمقر له قيمة ما فضل من بيع الأول وإثبات الثاني
وبيع الثالث ويخرج ذلك من ثمن الأرض ثم الفاضل هو ما ضمنه وبه
أقر لعامر .
مسألة
[ أثر بيع الخيار على الصداق ]
وإذا تزوج الرجل امرأة على مهر معلوم من النقد وباع لها به ثلث ماله (8/27)
صفحة 1146
بيع خيار إلى مدة أو طلاق وكان في بعض المال بيع خيار متقدم وبعضه منطلق، أيثبت لها ذلك الكل أم لا؟ ليس لها فيما بيع بالخيار شيء إذا صح
في المال بيع الخيار فهي مخيرة في أخذها لدراهمها وبين أخذ ثلث المنطلق
وليس لها فيما بيع بالخيار شيء .
مسألة
[ متى ترد ثمرة بيع الخيار ]
وإذا كان في المال بيع خيار، فإن علم رب البيع المتأخر بالبيع المتقدم وقد أثمر المال فعليه رد ما أثمر وإن لم يعلم فلا رد عليه .
مسألة
[ حكم الإضافات على بيع الخيار ولمن تكون؟ ]
ومن باع ماله بيع خيار إلى مدة ثم أضاف للمشتري إضافات حقوق
على البيع ثم أباعه ذلك المال ثانية على ذلك المشتري وأضاف له إضافات كالأولى وبين الثاني بره ثم مات المشتري والمال في حوزه فادعى البائع إنما
في الصكوك الثانية ثابت من بيع وإضافة أو الحقوق والإضافة متساوية
وكل حق وإضافة في الصكوك الثانية ثابت والحق المتقدم أهدر إذ هما لمشتر واحد لتساوي الحقين .
مسألة
[ حكم بيع الخيار للثاني قبل انقضاء مدة الأول ]
ومن باع ماله بالخيار إلى سنتين ثم باعه على آخر خياراً إلى سنة
وانقضت السنة التي هي مدة المتأخر فما عمل به علماءنا رحمهم الله اثنان
بيع الخيار الأول ولا ينعقد عليه بيع قطع ولا خيار حتى ينقضي، هذا رأي
أبي محمد عبد الله بن محمد القرن، وهو الأصح .
مسألة
[ حكم كون المهر بيع خيار، وحكمه بعد الطلاق إذا بيع للجديدة ]
وأما ما يوجد عن الشيخ محمد بن سعيد بن عبد الله(1) : ومن تزوج
بضة وباع لها ماله بيع خيار ثم طلقها ونكح أخرى وباع لها ذلك المال
__________
(1) 1- محمد بن سعيد بن عبد الله : لعله سعيد بن محمد بن عبد الله النزوي فقيه واسع
الاطلاع عاصر الإمام ناصر بن مرشد - رحمه الله - نزوى عبر الأيام ص155 . (8/28)
صفحة 1147
أيضاً بيع خيار ثم مات فطلبت المطلقة الأولى ما قد صح لها بالبيع المتقدم وادعت أن منعتها عن القيام عليه في حقها التقية، فإذا بانت منه من الزوجية وماتت فلا يثبت لها بيع إلا أن تشهد البينة أن بيعها باق إلى الآن والبيع
للزوجة الأخيرة ثابت .
مسألة
[ أيهما أحق إذا مات الزوج والعصمة قائمة ]
وأما طلق هذا البعل الأولى ونكح الثانية ثم رد الأولى كان الرد قبل
نكاح الأخيرة أو بعده وهلك وهو مالك عصمة نكاحها كانت الأولى أحق بالمال من الأخيرة وللأخيرة ما فضل من حق الأولى لسائر الديان ما فضل
من حقهما رأي محمد بن عمر بن مداد(1) رحمه الله .
مسألة
[ رأي الشيخ مسعود بن رمضان ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان : وذوا البيع الأخير أولى من سائر الديون المنطلقة، وإن نقص ثمن المال عن حقه شرع له في مال من عليه الحق في
الديان كسائرهم .
مسألة
[ أثر حجر الحاكم على المال ]
عن الشيخ محمد بن سليمان(2) رحمه الله : ومن حجر عليه الحاكم ماله
__________
(1) 2- محمد بن عمر بن مداد : قاضي الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله وولده الفقيه عبد
الله بن محمد بن أحمد بن مداد بن محمد بن فضالة في أول القرن الحادي عشر .
إتحاف الأعيان 2/22 .
(2) 1- الشيخ محمد بن سليمان : هو الشيخ العلامة والقاضي المجاهد محمد بن سليمان بن
أحمد بن مفرج والبهلوي وهو ابن عم العلامة أحمد بن مفرج، وهذا العلامة من
علماء النصف الثاني من القرن التاسع، ومن ابرز العلماء الذين بايعوا الإمام عمر بن
الخطاب بن الخطاب بن محمد الخروصي سنة 885هـ . وقد اختاره المسلمون فعقدوا
له الإمامة سنة 894 ه بعد إمامة عمر بن الخطاب ثم اعتزل ثم بايعوا له مرة ثانية بعد
مبايعتهم لعمر الشريف. وقيل أنه توفي آخر القرن التاسع وأول العاشر. انظر
إتحاف الأعيان 2/14 . (8/29)
صفحة 1148
وله مال مباع بالخيار ثم فداه لغيره من مشتريه ما يكون حكمه، فاعلم أن كل مال حجر الحاكم على ربه التصرف فيه فتصرفه باطل إذ هو ملك للديان بعد الحجر، فإن كان الفادي جاهلاً بتفليس المديون فله ماله ولا توى على ماله، وإن يك عالماً فقيل : إنه يكون كالمتطوع وليس له شيء، وقول : لا يصح فك هذا المال إلا بأمر الحاكم ورضي الديان وهذا هو الأرجح، وليس للديان
سوى أصل المال ويطلع عنهم ما على المال من الحق الذي هو في بيع الخيار .
مسألة
[ أثر النماء في بيع الخيار المتعدد لمن يكون؟ ]
ومن باع بيع خيار ثم باعه على ثان وثالث فالأصح أن ذا البيع الأول فهو في حقه كملاً فما نما فللثاني وما نما عن حق الثاني والثالث إلى مالا نهاية له وحجة صاحب هذا الرأي أن كل مثبوت في شيء فهو أحق به من غيره، وقول : إذا أخذ صاحب البيع الأول حقه فما بقي من الحقوق التي فيها بيع الخيار والمنطلقة سيان وزع النشب بينهم بالحصص على قدر الحقوق
وحجته أن البيع الأول هو الثاني وكل بيع عقد عليه باطل فلما تساوت
الحقوق المنطلقة والمقيدة ولم يكن بينهما بون مشارة .
مسألة
[ كيفية الفصل بين أصحاب بيع الخيار المتعدد ]
وإذا لم يصح البيع المتقدم أو صحت البيوعات في وقت ولم تكن بينات، بينهما الأيمان أنهم لا يعلمون أن بيع خصمهم قبل بيعهم فأوفوا ببيعه حتى علموا فإن حلفوا أخذ كل واحد ثلث المال ورجع بثلثي حقه تبع الديان بالمحاصصة أن كانوا ثلاثة وهذا إذا لم يكن المبيع في حوز أحدهم وكان
المباع في حوزه فهو أولى به .
مسألة
[ أثر إقالة بيع الخيار في الضمان ]
عن أبي سعيد رحمه الله : و من باع من حيوان كمعز أو نعاج فإن
عهنه أو شعره أو حلبه وكان البيع خياراً إلى ثلاثة فقد لزمه البيع وليس له
رده، فإن قيل : إذا استقاله البيع فأقاله هل عليه رد ما استغل؟ قلنا لا وهو (8/30)
صفحة 1149
دون المستقبل والخراج بالضمان(1) ولأن الإقالة بيع ثان لأنه هنا رضي
بالبيع ولزمه .
مسألة
[ مدة الخيار في شراء الأمة ]
ومن اشترى قينة على خيار ثلاثة أيام ثم رام ردها، فإن استعملها بلا رأي البائع. لزمه البيع فإن وقع الشراء على أن يعتبر الغلة من قليل وكثير وإذن له البائع فله ردها ورد الغلة، وإن وقع على أن يعتبر مداراتها بالمعاش وأذن له البائع بذلك لا يلزمه أجر .
مسألة
[ الخيار في الحيوان ]
وقيل إن الخيار في الحيوان فوق ثلاثة أيام ضرر وله ما استغل منها فيه لثبوت ضمان ما عليه أن لو توت في يده ولثبوت نفقتها عليه .
مسألة
[ حكم حصول العيب أثناء مدة الخيار ]
ومن اشترى دابة على خيار ثلاثة أيام فحدث بها عيب في أيام الخيار أم لا؟ فله ردها في أيام الخيار أم لا؟ فله ردها في أيام الخيار ورد ارش العيب، وقول : ليس له ردها ما لم يتبين «كلمة معروفة»، وإن أبى ردها ومضت أيام الخيار فليس له ردها .
مسألة
[ أثر الاستفادة على العقد ]
وإن فعل فيه ذلك العيب فإذا فعل فيها شيئاً لا يفعله إلا في ملكه ثبت عليه البيع وإن(2) فباشرها في أيام الخيار، فأما في معنى الحكم فكذلك، وأما في معنى اللازم فلا يكون الاعتقاد إلا بالقول الأول يقع موقع الرضى وبعض أبا ذلك وحظر عليه غشيانها وله استخدامها إذا لزمه البيع .
مسألة
[ حكم رد السلعة بعد العيب ]
وإن انقضى أجل الخيار فردها على قول من يجيز له ذلك لزمه عقر المباشرة إذا لم يبرأ العيب الحادث إلا بعد خلو أيام الخيار فله ردها متى برئت إذ طلب رد قبل خلو المدة فتعذر عليه بسبب العيب حتى برئ ولو تطاولت الأيام .
مسألة
[ إحداث الغلة قبل نهاية العيب لمن تكون ]
__________
(1) 1- الخراج بالضمان : هذا الحديث أخرجه الترمذي رقم 1285 ، في البيوع وأبو
داود ( 3508 - 3509 ) والنسائي 8 / 254 / 255 ومعنى الحديث الخراج
مستحق بالضمان .
(2) 1- والله أعلم - وإن لم يبعها - . (8/31)
صفحة 1150
فإن أحدث غلة قبل برئها ممن العيب فالغلة لبائعها إذا ثبت الرد بالخيار إذا اختار ردها وكانت عنده حتى تبرئ من العيب، فإن أنفق عليها فله ما أنفق
من غلتها فإن لم تكن بها غلة فعلى بائعها إذ هي له .
مسألة
[ أثر هلاك السلعة في الخيار ]
ومن اشترى عبداً خياراً إلى ثلاثة أيام فهلك في الثلاث فإن قطعوا ثمنه
فهو من مال من هلك في يده، وإلا فمن مال البائع .
مسألة
[ أثر عرض سلعة الخيار على البيع ]
ومن اشترى شيئاً ببيع الخيار فعرضه على البيع، قول : إن ذلك رضى
منه، وقول : لا يكون رضى إلا أن يكون رضيه عند المساومة وإن أمضى
بيعه فهو رضى، وقيل : لا يكون بيعه له رضى وقد باع ما لم يتحقق ملكه عليه بسبب الخيار .
مسألة
[ مدة خيار الحيوان ]
ومن اشترى فرساً نتوجاً وله الخيار إلى مدة حدها فنتجت في المدة فرام
البائع نقض البيع فأبى المشتري وتمسك بالفرس، فلا حجة للبائع لأن الخيار للمشتري، قال الشيخ أبو سعيد : إن بيع الحيوان في الخيار لا يصح أكثر من ثلاثة أيام .
مسألة
[ مدة خيار العبد ]
ومن اشترى عبداً بالخيار إلى ثلاثة أيام فاعتراه وصب أو جنى جناية، فإن اختاره فقد لزمه، وإن رام رده فبعد أن يبرئ من الوصب أو يتخلص من
الجناية وإن مات فمن ماله .
مسألة
[ أثر البناء في أرض عقد الخيار ]
ومن اشترى أرضاً فبنا فيها فهذا رضى منه إذا اشتراها فالخيار له أو
دابة فتسنمها أو ملاءة فلبسها وكذلك إذا انتقضت المدة التي جعل فيها
الخيار المبيوع ثبت عليه عن الشيخ صالح بن وضاح والشيخ مداد بن
محمد(1) رحمهم الله أنهم أجازوا بيع الحيوانات بالخيار وأثبتوه وأبا
__________
(1) 1- مداد بن محمد بن مداد بن فضالة صاحب القصيدة النونية في جمله المذهب
الإباضي. وقد ألف الجزء السابع عشر في الزكاة المفقود من بيان الشرع سنة 909هـ
في أوائل إمامة محمد بن إسماعيل. إتحاف الأعيان 2/21 . (8/32)
صفحة 1151
جوازه الشيخان أحمد بن مفرج وسلمان بن أبي سعيد(1) وجعلاه ربا
كراهية، والأول أرجح .
مسألة
[ أثر انتهاء مدة بيع الخيار في الحيوان ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد(2) : وإذا مضت مدة الخيار في الحيوان على قول من يجوز بيع الحيوانات بالخيار فإنه يصير أصلاً
كالعقارات إذا كان في يد مشتريه على الأرجح .
مسألة
[ الخيار في الحلي ]
ولا يجوز بيع الخيار في الحلي لأنه ربا، وأما أحمد بن مداد فقد أجاز
ذلك إذا كان يداً بيد، وهو الأصح .
مسألة
[ أثر الرهن على بيع الخيار ]
و من ارتهن رهناً(3) مقبوضاًَ أو اشتراه بالخيار ونتج عنده وهلك
فالمعمول به في الرهن المقبوض في الحيوان غير عام، وإن مات في يد
المرتهن فحقه على الراهن والنتاج تبع للأمهات وهو الراهن. وأما بيع
الخيار في الحيوان ففيه اختلاف، فمن أجازه فإذا انقضت المدة ثبتت
للمشتري الأمهات والبنات .
مسألة
[ حكم الخيار في الحيوان ]
__________
(1) 2- سلمان بن أبي سعيد : ورد ذكره في إتحاف الأعيان 2/300 دون ترجمة تذكر .
(2) 1- محمد بن عبد الله بن مداد : هو الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد محمد بن مداد بن
فضالة، وهو علامة جليل قد اشتهر بالعلم في حياة أبيه وأنه أوسع علماً منه يظهر ذلك
من خلال أجوبته الكثيرة في كتاب منهاج العدل وكتاب الإيجار للسيجاني وغيرهما.
وقد حضر مع أبيه حكم تغريق أموال آل نبهان وذلك سنة 887هـ من كتبه اللآل في
أبنية الأفعال ، وكانت وفاته سنة 917هـ انظر إتحاف الأعيان 2/71 - 72 .
(3) 2- الرهن : لغة : الثبوت والدوام، يقال : ماء راهن أي راكد ونعمة راهنه،
أي ثابتة ودائمة ، وقيل هو من الحبس. قال تعالى { كل امرئ بما كسب رهين }
( الطور ) وقال سبحانه { كل نفس بما كسبت رهينة } ( المدثر ) . =
= اصطلاحاً : المال الذي يجعل وثيقة بالدين، ليستوفى من ثمنه، إن تعذر استيفاؤه من
ذمة الغريم. انظر المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية للمحقق ص136. (8/33)
صفحة 1152
ومن اشترى دابة بالخيار وتركها في يد ربها ثم باعها على آخر فلما علم مشتريها أنكر وطلبها وبقيت في يد المشتري إلى أن مضت أشهر فغاب
البائع فالذي نعمل عليه أن بيع الخيار في الحيوان غير جائز والدابة للمشتري الثاني إذا قبضها منذ استوجبها ورآها عند عقد البيع .
مسألة
[ حكم نتاج الدابة ]
ونتاج الدابة المباع بالخيار إذا فداها البائع فهي له لأنه تبع للأصل وليس حكمهم حكم الغلة على الأصح .
مسألة
[ أثر تلف الحيوان بيد المشتري ]
عن الشيخ سليمان بن محمد بن سليمان بن أبي سعيد رحمه الله :
وإذا تلف الحيوان المباع بالخيار من يد المشتري والخيار له كان ذلك من
ماله، وإن كان الخيار للبائع وتلف من يد المشتري ففي ذلك اختلاف،
والأصح أنه من نشب البائع لأنه لا خيار له ولا يملك عقدته أعني
المشتري فلذلك لزم البائع وإن كان الخيار لهما معاً وتلف من يد المشتري
كان من ماله .
مسألة
[ أثر عقد الخيار على العتق ]
عن الشيخ شايق بن علي الأزكوي(1) رحمه الله : ومن اشترى عبداً ببيع الخيار ثم أعتقه أرأيت إن أعتقه من ماله الخيار وليس له أصل ماله إلا هو
فعلى من يعتق فهذا المشتري إذا كان الخيار عليه فلا يثبت عتقه، وإنما يثبت عتقه إذا كان الخيار له، وإن أعتقه من له الأصل وله الخيار ومضى عتقه لأنه اختاره لما أن أتلفه(2) بالعتق ، وللمشتري دراهم على المعتق .
مسألة
[ حكم بيع المغصوب خياراً ]
ومن باع سيفاً غصباً أو آنية بيع خيار فانقضت مدة الخيار ولم يرفع منه الخيار، فإنه يصير أصلاً ، ولا يصح نقض البيع إلا بإحضار الثمن ، وفي
__________
(1) 1- شايق بن علي الأذكوي : ورد ذكره في إتحاف الأعيان 2/300 ظهر أيام الإمام
محمد بن سليمان بن مفرج وله أجوبة لهذا الإمام .
(2) 2- الأصل : أتلفه وتأتي بمعنى أثابه من الثواب وهو الأجر على العتق والله أعلم . (8/34)
صفحة 1153
ثبوت بيع الحيوانات بالخيار اختلاف، والأصح أنه إلى ثلاثة أيام(1) ، هذا
رأي أبي سعيد .
مسألة
[ صور من البيع ]
ومن جواب الشيخ أحمد بن مفرج رحمه الله ومن باع لآخر مالاً
بالخيار وهو شفعة لآخر، فأشفعه فلما سلم الثمن إلى المشتري(2) في المال
أدعى في المال رهناً لعرسه، وقد قبض الثمن ولم يصح ذلك، إلا من دعوى البائع، فلما رفع علم الخيار، فإذا بيع وفيه بيع خيار ولم يرفع منه الخيار قبل عقد البيع، وإن نقض البائع انتقض، وأما إذا رفع المشتري الخيار أو الشفيع
فقد ثبت البيع ولا نقض فيه، وإن لم يصح عندهما أن المال الذي فيه بيع
خيار فيه رهن، إلا دعوى البائع، فلما علم منه رفع الخيار فقد صح البيع،
ولو صح بعد أن وقع البيع بهذا المال .
مسألة
[ أثر الشفعة على بيع الخيار ]
ومن اشترى مالاً خياراً ثم اشتراه أصلاً ثم استحق منه بالشفعة، أتجب
على الشفيع تأدية الدراهم التي من بيع أصله، ويكون الرهن الذي في المال
بحاله فأي وقت فدى ماله بما عليه فأن له الأول والآخر، لأنه قد اشترى
بهذا وبالأول، ولأن البائع لا غير له من جهة الرهن، ولو بيع على غيره
لكان لهما جميعاً الغير، فصح أن على الشفيع ثمن بيع الخيار والقطع .
مسألة
[ أثر الشفعة في بيع الخيار ]
عن الشيخ صالح بن وضاح ولا شفعة في بيع الخيار حتى تنقضي المدة،
ولا خيار لبائعه .
مسألة
[ أثر الشفعة في البيوع المعلقة بالشروط ]
__________
(1) 1- مدة الخيار ثلاثة أيام ورد ذلك في حديثه - صلى الله عليه وسلم - لحبان بن منقذ
ولي الخيار ثلاثاً .
(2) 2- الشُفعة : لغة : بضم الشين وسكون الفاء، مأخوذة من الشفع، وهو الضم أو الزوج ،
وقيل مأخوذة من الزيادة، لأنه يضم ما شفع فيه إلى نصيبه .
واصطلاحاً : تمليك البقعة جبراً على المشتري، بما قام عليه. انظر الدر المختار على
هامش حاشيتين الطحاوي 4/117 .
أو : استحقاق شريك، أخذ مبيع شريكه بثمنه» الحدود لابن عرفه . (8/35)
صفحة 1154
ومن باع ماله بيع خيار بورق وعروض، وقد بايعه العروض بثمن
وأضاف ثمنها على الورق، والعقد على بيع الخيار إلى أجل، فلما انقضى
الأجل وصار المال أصلاً استحق المال منه الشفعة، أيكون للمشتري ثمن
ورقه وثمن العروض؟ أما العروض بنفسها، فلا شفعة في البيوع المعلقة بالشروط، ولا البيوع المعللة ببيع الخيار .
مسألة
[ رأي الشيخين عبد الله بن مداد وسليمان بن أبي سعيد ]
روي عن بعض الفقهاء أنه إذا علم الشفيع بعقد بيع الخيار أشهد على انتزاع شفعته، إن لم يختر البائع نشبه لزمه، وإن لم يستشفع حتى تنقضي
المدة فلا شفعة له، فإذا أوجبت شفعته وثبتت لزمه رد ما عقد عليه البيع،
وثمن العروض يوم سلمه للبائع ، رأي الشيخين عبد الله بن مداد، وسليمان
بن أبي سعيد .
مسألة
[ رأي الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد : ومن باع ماله خياراً بورق وشرط أن لا يكون رفع الخيار إلا بالورق، فرفع رب المال الخيار بورق وعروض قبل خلو المدة، فلما خلت المدة استحق المال بالشفعة إذا صار أصلاً وادعى أنه خالف للشرط، فإذا عقد البيع على صرف، وشرط النقض عليه لم يجز
النقض إلا به، وإن تأخر بعضه لم يقع النقض ووجبت للشفيع شفعته .
مسألة
[ صور من عقود الخيار والشفعة ]
ومن كتاب الإيجاز. عن الشيخ مبارك بن صالح(1) والشيخ محمد بن
عبد الله بن مداد رحمه الله أن من باع ماله بيع قطع وفيه بيع خيار فاستحق المال بالشفعة، وأراد أن يغير البيع الخيار ليبطل الشفعة فالغير جائز
للمتبايعين، إلا أن يفك الشفيع بيع الخيار قبل نقض المتبايعين للبيع لا نقض
لهما بعد الفداء. عن الشيخ ورد بن أحمد بن مفرج(2)
__________
(1) 1- الشيخ مبارك بن صالح : لم أعثر له على ترجمة .
(2) 1- ورد بن أحمد مفرج : عالم ابن عالم هو الشيخ الفقيه ورد بن العلامة أحمد بن مفرج
بن أحمد بن مفرج بن أحمد بن محمد من علماء القرن التاسع وكان في عصر الإمام
أبي الحسن بن خميس بن عامر الذي بويع بالإمامة في شهر رمضان سنة 839هـ
توفي رحمه الله يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة 874هـ . (8/36)
صفحة 1155
رحمه الله ومن
اشترى أصل مال وهو مباع بين ثلاثة بيع خيار، واستحقه شفيع وفدا ثلثيه،
ثم غير البائع، هل ينقض البيع أم لا؟ فالبيع ثابت بعد أن استحق المال
بالشفعة، ولا نقض فيه .
مسألة
[ قول القاضي سليمان بن صاوي ]
وقيل : إن للبائع النقض مادام في المال بيع خيار، وعن القاضي سليمان
بن صاوي : ومن رام بيع أصل ماله وشرط عليه أن يقر له بالمال مخافة
الغير ، فإن كانا قطعا الثمن ثمناً للمال فللشفيع شفعته وإلا ففيه اختلاف .
مسألة
[ قول الشيخ شايق بن عمر الأذكوي ]
ومن اشترى مالاً له فيه حصة ببيع الخيار أو القطع فلا شفعة عليه فيه. عن الشيخ شايق بن عمر الأزكوي: ومن أقر ببيع مال فرام الشفيع الشفعة،
فادعى البائع أنه باعه بالخيار إن قوله هذا لا يبطل شفعة الشفيع إلا أن يصح بالبينة على ما يدعيه .
مسألة
[ قول الشيخ جمعة بن أحمد في صور من عقد الخيار ]
عن الشيخ جمعة بن أحمد رحمه الله : ومن اشترى مالاً بالخيار ثم اشتراه قطعاً فاستحق منه بالشفعة ثم إن البائع نقض البيع بعد الخيار فهذه الشفعة قد تثبت ولا حجة للبائع في ذلك، لأنها صفقة واحدة غير متفرقة ولا علة هنا توجب نقض البيع .
مسألة
[ قول الشيخ أحمد بن مداد في عقد الخيار واستحقاق والشفعة ]
عن الشيخ أحمد بن مداد رحمه الله : ومن باع ماله بيع قطع ثم استحق المال بالشفعة فنقض المتبايعان بعلة يجب بها النقض كالجهالة فيه وقد تقدم
فيه بيع خيار، أيجب النقض بعد استحقاق الشفيع الشفعة؟ فنعم،
للمتبايعين نقض البيع بالعلة التي يجب بها النقض ولو استحق البيع شفيع
قبل النقض ، وفيه قول أن لا نقض لهما بعد أن صحت الشفعة، وهو
والأصح، وقيل : إذا حكم بالشفعة حاكم عدل قبل النقض ثبتت الشفعة وبطل النقض وبطلت الشفعة وما بيع بالخيار لا يشفع ولا يُشفع، وقيل : يشفع. وإذا انقضى أجل الخيار وصار أصلاً أدركته الشفعة وأدرك شفعته،
هذا هو الأرجح .
النهج الثالث
في الشروط في بيع الخيار (8/37)
صفحة 1156
ومن لزمه ضمان من بيع الخيار
النهج الثالث
في الشروط في بيع الخيار
ومن لزمه ضمان من بيع الخيار
مسألة
[ مدة الخيار ]
واختلفوا في المتبايعين يشترطان أو أحدهما شرطا في وقت البيع إلى
أجل معلوم، فقول : إن البيع والشرط ثابتان الأجل وقول إذا جاوز الشرط
في الخيار ثلاثة أيام بطل الشرط، احتج من أجاز الشرط فوق الثلاث بقوله
- صلى الله عليه وسلم - : «المسلمون على شروطهم»(1) .
مسألة
[ أهمية رضى المتبايعين ]
عن القاضي أبي زكريا(2) : وإذا اشترط المتبايعان رضى زيد علق بيعهم برضى زيد فإن رضي تم البيع وإلا انتقض .
مسألة
[ أثر الشروط على عقد البيع ]
من كتاب المصنف(3)
__________
(1) 1- الحديث : جزء من حديث عن عمر بن عوف المزني - رضي الله عنه - أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - - قال : الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً ،
والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» رواه الترمذي
وصححه ، وأنكروا عليه لأن رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وكأنه
اعتبره بكثرة طرقه. فروي في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء،
رواه البيهقي في المعرفة، ورواه الدار قطني من حديث أبي هريرة مختصراً
وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرطهما. انظر بلوغ المرام
ص179 المتن والهامش .
(2) 1- القاضي أبو زكريا : لعله أبو زكريا يحيى النزوي شقيق العلامة أبي علي بن سعيد بن
فريش العقري النزوي، يعد من فطاحل العلماء وأجل الفقهاء له كتاب الإيضاح في
الأحكام والقضاء توفي سنة 472هـ مقتولاً والله أعلم .
(3) 2- كتاب المصنف : من أشهر كتب المذهب وصنف فيه أبو بكر أحمد بن عبد الله بن
موسى الكندي السمدي النزوى علوم الشريعة وخاصة فروع الفقه .
وطبع على حساب وزارة التراث العماني سنة 1403هـ - 13/19م وعدد مجلداته
فوق الأربعين مجلداً . (8/38)
صفحة 1157
عن أبي سعيد : إن حجة من أبطل الشرط والبيع قوله - صلى الله عليه وسلم - : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»(1) ولو شرط ألف مرة وحجة من أبطل البيع والشرط قوله - صلى الله عليه وسلم - : «كل بيع فيه شرط كان باطلاًَ»(2) .
مسألة
[ أثر الشروط المجهولة والمعلومة على عقد البيع ]
والشروط المجهولة غير ثابتة، وإنما وقع الاختلاف في الشروط المعلومة أجازها قوم وأبا جوازها آخرون .
مسألة
[ رأي الشيخ أحمد بن مفرج في الشروط ]
عن الشيخ أحمد بن مفرج رحمه الله : ومن باع ماله واشترط المشتري
أن لا تفكه لسواي فالبائع مخير فمتى فك المال بنشبه أو نشب سواه أو باعه لآخر إلا أن يكون عاصياً يخلفه .
مسألة
[ بعض صور الشروط ]
ومن باع خياراً فشرط المشتري على البائع أن لا ينقض البيع في الأجل المحدود وإن لم يثبت لهذا الشرط وأقر رب المال للمشتري ثمرته وأباعه عليه
بعد الإقرار بيع خيار فعلى هذا السؤال الأخير ثبت له الثمرة إلى الأجل ولو فكه وأما الأول فقد أخلف وعده ولم ينتقض البيع .
مسألة
[ الاشتراط الباطل ]
ومن ابتاع نخلة بيع خيار وشرط ثمرة نخلة سواها فهذا غير جائز ولا يتم حتى يشتريهما معاً .
مسألة
__________
(1) 3- حديث «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» جزء من خطبة النبي - صلى الله
عليه وسلم عندما طلبت عائشة - رضي الله عنها - تحرير بريرة واشترط أهلها على
عائشة فخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحمد الله وأثنى عليه. ثم قال : أما بعد، فما بال رجال
يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله تعالى فما كان من شرط ليس في كتاب الله
فهو باطل، وإن كان مائة شرط... » متفق عليه واللفظ للبخاري. انظر بلوغ المرام
ص160 - 161 رقم 809 .
(2) 4- حديث كل بيع فيه شرط كان باطلاً: ذكر الحاكم في علوم الحديث من رواية أبي =
= حنيفة عن عمرو بن شعيب بلفظ «نهى عن بيع وشرط» ومن هذا الوجه أخرجه
الطبراني في الأوسط وهو غريب. انظر بلوغ المرام ص163 رقم 820 . (8/39)
صفحة 1158
[ الشروط الحادثة وأثرها ]
ومن اشترى دار خيار أو شرط على البائع كل عمار تفتقر له الدار فمضاف على البيع الخيار فعمره وانهدم الدار وعمره ثانية وثالثة وأحدث
غرفاً ودهاليز فأنكر رب الدار فللمشتري ما غرم قبل الإنكار .
مسألة
[ جواز الاستثناء بالشرط ]
ومن باع داره ببيع خيار واستثنى مسلكاً إلى الماء ثم إن المشتري أراد أن يحول باب الدار ليقطع المسلك فهذا شرط ثابت ولا تجوز له إحالته عن
أصله ولا ينقل الباب بغير رضى من ماله الخيار حذر تأكد الضرر عن البائع
من لهذا الجدار .
مسألة
[ حكم بيع مال الموصي من أجل إنفاذ الوصية؟ ]
وإذا باع الوصي سد الموصي لإنفاذ الوصية ببيع خيار وعقد على
المشتري حجة لهلاك الموصي بها من ثمن المال فلم يحجج وغير عليه
الوصي فهم بالخروج بالحجة فاحتج عليه الوصي أنه لم يثق به فباع المشتري للوصي شطراً من هذا المال لدراهم الحجة بيع خيار فهذا بيع ضعيف لما فيه
من الشروط من معين في بيعه وبيع ما لا يملكه .
ومن باع مال لعرسه واشترط عليها أن لا تنقض لها ما دامها عنده في حكم الزوجة وليس لها غلة فهل تثبت هذا الشرط ولها غير إذا غيرت فهذا شرط باطل لا يثبت عليها الأجل. والعقود المجهولة لا تثبت إلا في معاني النكاح في الصدقات وحجتهم أن شعيباً زوج موسى عليه السلام ابنته على مهر مجهول وهو استئجاره ثماني سنين(1) .
مسألة
[ حكم بيع المجهول ]
ومن باع نخلته واشترط المشتري على البائع إذا وقعت فلي نخلة مثلها
__________
(1) 1- ورد ذلك في كتاب الله تعالى { قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
القويُ الأمين.قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني
حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من
الصالحين } (القصص: 26،27). وهذا شرع من قبلنا. وشرع من قبلنا
شرع لنا ما لم يتعارض مع شرعنا. وقد أجيزت الإجارة بالنص رغم وجود الجهالة .
والله أعلم . (8/40)
صفحة 1159
من أجود مالك، وللمتبايعين النقض وإن أثمره المشتري فليس عليه رد غلة
وهو بيع مجهول .
مسألة
[ هل الشرط يورث أم لا ]
ومن اشترى مال خيار أو اشترط على المشتري أن يقر له بثمره حياته أو حياة أحدهما وهلك البائع ورام ورثته نقض البيع فهل لهم ذلك فهذا شرط باطل وللورثة فك مالهم .
مسألة
[ أثر الشرط في بيع الخيار ]
ومن باع نخلة من ماله وله شريك في المال واشترط البائع على نفسه
نصف ما تحمل النخلة المباعة لشريكه، فإذا أتم شريكه بيع النخلة وأخذ
العوض تم، وجاز له وإن باع نصف نخلتين فحسن تام .
مسألة
[ من صور الشروط الجائزة ]
عن الشيخ مداد بن عبد الله رحمه الله : ومن اشترى مالاً خياراً وفي
المال بيع خيار فتقدم الآخر وشرط المشتري الأولى علي البائع إذا فككت
فعل ثلاثة فصول ، وإن كان لغير فباع الوارث المال ورام ذو الأصل فك ماله فله فك ماله على ثلاثة فصول .
مسألة
[ أثر الشرط الباطل على بيع الخيار ]
ومن اشترى غائبة عاطلة من الوزع واشترط على البائع أن لا يفكها
إلا عاطلة كما اشترط وأرام البائع فكها وبها زرع فتمسك المشتري
بالشرط فهذا شرط باطل والزرع لزارعه وللبائع نقض البيع، لأنه شرط
حرم الحلال. ومن اشترى أرضاً بالخيار واشترط على بائعها أن لا مؤونة
علي في زرعها ولي نصف غلتها بارئة المؤونة فهذا شرط باطل ولرب
الأرض الرجوع .
مسألة
[ صورة من الشروط ]
ومن اشترى نخلة بيع خيار واشترط أن لا تغدى منه قبل أن يستغلها
فهذا الشرط لا يجوز ولربها فكها، وإن عزم عليها غرامة فله ما غرم .
مسألة
[ صورة من الشروط المختلف فيها ]
ومن اشترى مالاً خياراً واشرط على البائع أن لا يفكه إلا لنفسه،لم يكن له أن يفديه لغيره وقول هذا شرط باطل إلا أن يقر له بالثمرة مدة برة
معلومة عند عقد البيع .
مسألة
[ قول الشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد السعالي ] (8/41)
صفحة 1160
عن الشيخ عبد الله محمد بن أحمد السعالي(1) رحمه الله : ومن باع
مالاً خياراً على شرط ثم رجع لحدهما فالغلة للمشتري لأنه استغل تسبب .
مسألة
[ صور من الشروط الفاسدة ]
ومن اشترى مالاً خياراً واشترط على البائع أن لا يفكه عشرين فهذا فاسد لا يثبت، ولا للبائع رفع الخيار من ماله متى شاء وأراد، وعليه إحضار الثمن مع النقص وهو رأي الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد رحمه الله، وإذا أقر
المشتري للبائع بالغلة بعد صفقة البيع الخيار برها محدودة فللبائع أيضاً رفع الخيار من هذا المال المبيع، فإن رفع الخيار انفسخ البيع وبطل الشرط أعني الإقرار بالغة ولو لم تنقضي مدة الإقرار، لأن عليه بيع الخيار هي للمشتري على الأصح ولو لم يقر بها للمشتري .
مسألة
[ صور مختلف فيها ]
ومن باع مالاً بثمن قطعاً أو خياراً على أن إخراجه عليه ولم يبينا
كيفية الخراج فقول أن البيع والشرط باطلان وقول ثابتان، وقول أن
الشرط باطل والبيع ثابت .
مسألة
[ حكم الخراج المجهول ]
عن أبي معاوية(2) : أن من باع ماله بورق ودنانير واشترط خراجة
مجهولاً(3) فهذا بيع فاسد وكذلك إن باعه بخراجه لا يثبت وهو من
المجهول فإن أتماه تم وأن نقضاه انتقض .
مسألة
[ حكم تسمية الخراج ]
وإن سما للمباع خراجاً غير مجهولين فذلك جائز عليهما تناقضا أو تتامما .
مسألة
[ ما يؤثر على صفقة البيع ]
__________
(1) 1- عبد الله محمد بن أحمد السعالي : لم أجد له ترجمة وهو من علماء عُمان .
(2) 1- أبو معاوية : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو معاوية عزان بن الصقر النزوي العقري
مسكنه غليفقه من عقر نزوى ولا زال منزله معروفاً بها إلى الآن قيل أنه خروصي
وقيل أزدي يحمدي عاصر أبو المؤثر الصلت بن خميس كان هو والفضل ابن
الحواري فيما روى كعينين في جبين واحد وكانا يضرب بهما المثل توفي سنة
368هـ بصحار انظر إتحاف الأعيان.
(3) 2- الأصوب : خراجة مجهولة. والله أعلم . (8/42)
صفحة 1161
ومن اشترى مالاً بثمن بخس غير معدودة وعليه خراجه فحط عنه
السلطان الخراج كله. أله أكله أم لا؟ فنعم جائز له ذلك، وحلاله إذ صفقة البيع وقعت على ذلك، وليس الخراج من ثمن المال والمسلمون على شروطهم .
مسألة
[ من صور أخذ الخراج ]
ومن أخذ مالاً بنصفه وعليه خراجه بغير بيع خيار فهاتان المسألتان نشئتان فهذا أن يسلمه الخراج فله ما جعل له وإن عفاه السلطان فهو لرب المال .
مسألة
[ أثر الشرط المجهول على عقد الخيار ]
ومن اشترى مالاً أن لا خراج عليه ثم أن البائع طلب ما على المال من الخراج فهذا شرط مجهول وللمشتري نقضه وشرط الخراج لا يجوز
وتجوز فيه الوكالة، وإن تتامما بعد أن علما تم، وإن غير البائع فعليه جمله
ما باع به مادام حياً، وإن مات ثبت البيع، وبطل الشرط .
مسألة
[ حكم ضمان الخراج ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد رحمه الله ومن باع ماله خياراً، وضمن نجاح السلطان دراهم معلومة، وضمن للمشتري بذلك، ويكون للنجاح فالخراج باطل على هذه الصفة، ولا يثبت الضمان، وإن ضمن للمشتري بكل ما يؤخذ منه على هذا المبيع من كذا إلى كذا فهو ثابت عليه ما أثبته على نفسه .
مسألة
[ متى يحق الرجوع في بيع الخيار ]
ومن دفع ثلث ماله لعماره ومصالحة وباع أيضاً ثلث هذا المال بيع خيار فصار إلى الدفوع له ثلث المال، ولرب المال الثلث فاصلح المال، وعجزت
عن الخراج فأبى مقابلة السلطان، وطابت نفسه، ورهن المال، وأصله فحازوا مالهم سنين ثم عاد يطلب فيما ابتاعه بالخيار فله الرجعة في بيع الخيار لأنه
تركه غير مختار ولو طالت الأوقات .
مسألة
[ حكم ضمان بيع الخيار ]
عن الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي(1)
__________
(1) 1- الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي العقري النزوي من علماء وأدباء القرن الثامن
الهجري الفطاحل الذين عايشوا الحكم النبهاني وقد سطع نجمه في علوم الشريعة
والأدب وسائر الفنون. وله منظمومة غراء في الأديان وفي مبدء الخلق تقارب من
خمسة آلاف بينت. انظر نزوى عبر الأيام ص139 - 140 وفي إتحاف الأعيان
يقول : من علماء النصف الأخير من القرن التاسع إلى أوائل القرن العاشر من أشياخه
صالح بن وضاح المخي ورد بن أحمد البهلوي وغيرهم انظر إتحاف الأعيان 2/139 . (8/43)
صفحة 1162
رحمه الله : ومن باع ماله
خياراً وشرط المشتري على البائع أن جميع ما يؤخذ على هذا المال هو
على البائع وضمن له البائع بذلك وجعل المشتري وكيل في تسليمه
ويضيف على حقه المتقدم فهذه إضافة باطلة لاحقها ظلم ولا يتم فيه
الشرط ولا الضمان. وأما الشيخ القاضي بن عبد الرحمن(1) أثبت
الضمان فيه إلى حد محدود يجعل من سلّمه وكيلاً في التسليم إلى الحد
ويثبت الإضافة .
مسألة
[ حكم طلب الخراج على البيع المشاع ]
ومن باع شطرا من سده بيعاً مشاعاً ودفع له بقية المال بالخراج لبعض الأوقات فلما جاء الوقت طلب المشتري للشطر القسم من البائع وغلة ما
دفعه له بالخراج فأبى البائع مقاسمته وقال : إن رددت علي مالي فبثمرته
فالبيع ثابت وأما دفع الباقي بالخراج لا يجوز وقسمة جائز ولا على
المشتري رد غلة من غاصب .
مسألة
[ ما أفتى به الشيخ سالم بن راشد الخروصي ]
عن الشيخ سالم بن راشد بن خاتم الخروصي(2) رحمه الله : ومن باع
ماله بالخيار وضمن خراج السلطان الذي يعتري هذا المال ما دامه مع
المشتري فاعلم أن مثل هذا كان يفتي به الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد
رحمه الله، ويجيزه ويكتب بين الناس فيه .
مسألة
[ أثر شرط الضمان في عقد البيع ]
من اشترى مالاً وعرف حدوده وضمن له البائع خراجه أتفسد هذه الضمانة البيع؟ فإذا كان الشرط في عقد البيع فلمشتريه النقض لأنه مجهول .
مسألة
[ حكم النخلة الوقيعة ]
__________
(1) 2- القاضي بن عبد الرحمن : لم أعثر له على ترجمة .
(2) 1- الشيخ سالم بن راشد بن خاتم الخروصي : لعله الإمام سالم بن راشد الخروصي
المشايقي النزوي. عقدت له الإمامة بظهيرة يوم الاثنين الثاني عشر من جمادي الثانية
من سنة 1331هـ في مسجد الشرع من تنوف نزوى والعاقدون عدد من العلماء على
رأسهم العلامة نور الدين السالمي ، توفي شهيداً على يد الشقي أبو بسره سنة 1338هـ .
بليله الخامس من ذي القعدة. والله أعلم. انظر نزوى عبر الأيام 1980 - 199 . (8/44)
صفحة 1163
وفيمن باع مالاً خياراً أو قعش من باسقات رام الخلاص قول : تلزمه
قيمة النخلة وقيعة بالأرض بما يقومها العدول، وقول : تلزمه نخلة كالذي
قعش أو يفرش له باسقة مكانها حتى يصير كمثلها وتكون غلتها للمرتهن
إلى الفداء .
مسألة
[ أثر هد البيت على عقد الخيار ]
ومن اشترى مالاً خياراً أو به دار غير معمورة فهد جدرها وخلطها في المال فأنكر عليه البائع فعلى المشتري ثمن ما هد من الجدر يوم هدها كما كانت أولاً .
مسألة
[ حكم القعش من مال الخيار ]
ومن اشترى مالاً بالخيار فطلب منه الخارج فأنى فقعش منه أعوان الخيار
وبعضه استوعبه القعش فعلى المشتري ضمان ذلك؟ فلا يلزم المشتري ضمان ذلك وله حقه كملاًَ .
مسألة
[ أثر موت البائع في ضمان العقد ]
ومن اشترى مالاً بالخيار فشرط البائع إبان العقد على المشتري إذا مت
فأنا بري من الثمن ومن الرهن فمات المرتهن، أيبرأ الحق أم لا؟ فأما في
الحكم فلا، وأما فيما بينه وبين الله فنعم .
مسألة
[ حكم الخطأ في الأموال ]
ومن اشترى مالاً بالخيار وناء عنه وفداه ربه بعد أن أدرك ولم يعلم المشتري بإدراكه ثم صح ذلك فعليه غرم أدرك عندي الفدي وللفادي ما لم يدرك، وإن كان خطأ فإن الخطأ في الأموال مضمون .
مسألة
[ كيفية لزوم الضمان ]
ومن لزمه ضمان من مال مباع بالخيار فإن كان لزمه من الغلة
فللمشتري، وإن كان من الأصل فللبائع فالسعف الأخضر والجذع والتراب فمن الأصل والثمرة ونكس المنزل والسعف اليابس أو فضل ماء على قول
من جعل الماء غلته فهو من الغلة ، وإذا كان الضمان من الغلة فلا يجوز له
أن ينفذه في الأصل أو هو للمشتري، وإن كان من الأصل فإن صلحه
بمجاز، وإذا لزمه قبل مضي المدة فهي كالأولى، وقيل غير ذلك على قول .
مسألة
[ حكم الزرع إذا نقض البيع ]
ومن باع أرضاً بالخيار فزرعها المشتري ثم نقض البائع فالزرع للمشتري ولرب الأرض أجرها من رب الزرع إذا كان غير النهر .
مسألة (8/45)
صفحة 1164
[ حكم تأجير الأرض المشتري ثم انتهاء عقد الشراء ]
وإذا اشترى مشتر أرضاً خياراً فأجرها للزرع فزرعها المستأجر وفك رب الأرض أرضه بعد أن مضت مدة فالزرع للمقتعد والقعادة لرب الأصل وللمشتري أجرة ما مضي بالقسط أو حكم أرض الزجر غير حكم النهر .
مسألة
[ حكم اختلاط الوصايا بالبيع ]
وإذا أوصى ذوا الوصب بوصايا وحجة فباع ماله على رجل بشرط أن يحجج المشتري عن الهالك فهذه السنة ويستلم بقيتها بالثمن فلم يحجج
فرام الوصي منه أداء الثمن الحق أو بيع ماله بيع خيارا أو يقعده إياه، فبيع
الخيار بشرط القعادة فاسدة هو ربا وبيعان في بيعة وشرط مجهول من حجة الحوادث، فإن استغل الوصي مالاً لأجير غلة ردها عليه .
مسألة
[ صور من البيوع ]
وإذا تبايع اثنان مالاً على أن يقعد للمشتري البائع ذلك المال وكان
الشرط قبل عقد البيع إلا أنهما أهملا ذلك الشرط عند واجبة البيع ففي
ذلك اختلاف، قول أن البيوع على ما عقدت، وقيل : على ما أسست فعلى ما عقدت وعلى ما أسست في الحلال والحرام ولو أقدم على نقض لهذا
البيع ولا تحريمه .
مسألة
[ حكم تأجير المباع ثم فدا صاحب البيع بيعه ]
ومن باع لآخر بيع خيار إلى مدة فأجر المشتري الآلة في المدة وفدا البائع آلته قبل خلو مدة الأجرة تكون بالحساب على مضي للمفدى منه وما
يستقبل للفادي والأجرة إلى أجلها إلا أن تكون الأجرة ناقصة عن أجرة
المثل للفادي في المدة الباقية من يوم الفدا بما يراه العدول على المستأجر
ويرجع المستأجر على المؤجر بما زاده .
مسألة
[ حكم استغلال الأرض دون إذن صاحبها الأول ]
ومن استأجر أرضاً ليزرعها سنة من مشتر بالخيار فلما خلت السنة زرعها أيضاً من غير عقد إجارة السنة المقبلة وسنين ويسلم الأجرة فأتت آفة على زروعه فتوى أثبت عليه القعادة أم لا؟ فهذا الزرع كالمتوقع فأن أتم له رب
الأرض وإلا فالزرع لرب الأرض وللمتوقع بذره وعناه وإذا فسد الزرع (8/46)
صفحة 1165
فعلى ربه وإن تويا على سبب الأجرة فله الإجارة .
مسألة
[ حكم الاشتراط في بيع الخيار ]
ومن اشترى مالاً خياراً بألف درهم واشترط على البائع أن أجرة كل مائة درهم كذا بكذا فهذا فاسد محظور، وإن قعد المال بغير أن يبين للدراهم
فغدا جاوز حداً .
مسألة
[ صور من المزارعة واستغلال الأرض ]
ومن باع ماله بالخيار فاستقعده من المشتري فزرعه فهلك فطلب
المشتري أخذ الزرع فإذا كان المشتري لم يحرز المال أو يرى المشتري بزرع المال البائع فلم ينكر عليه فلورثة الزارع الزرع، وإن كان غير حاضر ولم
يصح أنه رضي له أن يزرع فالزرع للمشتري ويسلم لورثة الهالك ما غرم هالكهم وثم البذر أيان الحرث لا الحصاد والخيار في ذلك للورثة إن شاءوا بالشهر أو الغرم ولا غرم في السماد على المشتري .
مسألة
[ صور من استغلال الأرض ]
و إذا كان البعل و عرسه متفاوضين بعمل في أرضها أو أرضه ورامت أخذ
مالها بعد أن أدركت الثمرة فلها ذلك على ألسنة أهل البلد في مشاركاتهم
وإذا كانت الدواب للبعل فله سهم دوابه وللعمال حصتهم وللمرأة حصتها .
مسألة
[ إيجار البيت على ساكنه ]
ومن باع ماله خياراً فأجرها سنة فسكنها المقتعد سنة ثم فكها ربها فعلى المقعد بحساب الأشهر التي سكنها وإن اقتعد الدار من المشتري ربها فلا
بون بينه وبين غيره .
مسألة
[ قول الشيخ أحمد بن مداد في بيع الخيار والقعادة ]
عن الشيخ أحمد بن مداد رحمه الله : ومن باع ماله بيع خيار فأقعد المشتري أرض المال ثم فك رب المال ماله فإن القعادة تبطل بعد نقض البيع ويرجع المقتعد على القاعد بما سلم له من القعادة، فإن يكن المقتعد زرع
الأرض فبالحساب بين المقتعد ورب الأرض وتكون الغرامة بينهما على قدر الأنصب من عذر وغيره .
مسألة
[ أقوال بعض العلماء في بيع دار خياراً ]
عن الفقيه عبد الله بن زياد(1)
__________
(1) 1- الفقيه عبد الله بن زياد : لم أعثر له على ترجمة. ورد ذكره في إتحاف
الأعيان 2/129 ، 156 . (8/47)
صفحة 1166
رحمه الله إلى الفقيه محمد بن سعيد بن
عبد السلام(1) : ومن باع داره بيع خيار فاقتعد من مشتريه ثم فك قبل خلو القعادة فإنه يحسب ما خلا من الأشهر وما بقي فيقسط عن الفادي من
القعادة بقدر ما يفي من الأشهر عن الشيخ عمر بن سعيد معد(2) رحمه الله ومن اشترى مالاً بالخيار واستأجر عليه ويؤخره سنة بجزوء من الثمرة فهلك المشتري أو غاب ثم فك البائع ماله فاعلم أن ذي الأصل حجة وله أن يفك ماله حتى أراد على معاملة البلد وإذا صح الفداء انتقضت القعادة ولا تنقض القعادة بالإحالة .
مسألة
[ حكم بيع الدار بيع خيار واشترط عدم سكن الدار ]
ومن باع داراً خياراً أو يشرط على المشتري أن ليس له سكن الدار وإنما لك أجرتها أرأيت أن لو لم يكن تم الشرط وأراد المشتري أن يؤجر الدار بالثمرة أو غيره من العروض إذا تقدم الشرط قبل صفقة البيع أو عندها فلا يجوز وهو ربا وإن لم يكن تم شرط فجائز بورق أو عروض عن الشيخ
أحمد بن مفرج رحمه الله .
مسألة
[ حكم الخسارة في بيع الخيار ]
ومن باع نصف ماله بيع خيار ثم يقض غار ماء النهر فأراد البائع من المشتري أن يغارمه في زرع الأرض ويسقي الباسقات أو يوزع له ذنون فلا يجبر الشريك ببيع الخيار على ذلك لأنه شريك لغيره وإنما يجبر على
المقاسمة حذر الضرر .
مسألة
[ تغير حال المباع وأثره على العقد ]
ومن اشترى نصف مال خياراً فشارك بائعه على زرع فزرعاه فغار الماء فطلب رب الأصل من المشتري زيادة ماء لسقي الزرع فأبى المشتري
وأراد توزيع المال فلا يجبر على إتيان زيادة ماء ويوزع المال بينهما بما
__________
(1) 1- محمد بن سعيد بن عبد السلام : ورد ذكر في إتحاف الأعيان 2/125 فقال ترجمة
أبو الحسن بن عبد السلام : أضاف للقصيدة عشرة أبيات. وقال في 129 : من
علماء نخل في القرن العاشر له مسائل وأجوبة من مؤلفاته : كتاب سر الأحكام،
يوجد بمكتبة التراث تحت عنوان سر الأحكام ونزهة الحكام .
(2) 2- عمر بن سعيد : لم أعثر له ترجمة . (8/48)
صفحة 1167
بقي من مائة .
مسألة
[ صور من بيع الخيار ]
ومن باع ربع نشبه خياراً فطلب منه سماد الصبي الذي اشتراه بالخيار فيلزمه ذلك بلا ضرر كأوسط الحالات فهذا في المشاع، وأما في الموزع
فكل أولى بماله .
مسألة
[ أقوال بعض العلماء في القعادة ]
عن أبي الحواري(1) عن نبهان(2) عن محمد بن محبوب(3) رحمهما
__________
(1) 1- أبو الحوادي : هو الشيخ العلامة محمد بن الحواري بن عثمان القري من علماء
النصف الثاني من القرن الثالث وربما أدرك القرن الرابع نشأ وعاش بنزوى وبها أخذ
العلم عن شيوخة وهم الشيخ محمد بن محبوب ومحمد بن جعفر الأزكوي صاحب
الجامع ونبهان بن عثمان وأبو المؤثر الصلت بن خميس وهو أخص شيوخه وأكثرهم
ملازمة له. من مؤلفاته جامع أبي الحواري انظر إتحاف الأعيان 1/210 .
(2) 2- نبهان : هو الشيخ العلامة نبهان بن عثمان أبو عبد الله السمدي النزوي من علماء
النصف الثاني من القرن الثالث وهو جد بني المعمر وأحد الأقطاب الثلاث كان
عليهم مدار أمور أهل عُمان في زمانهم من الناحية العلمية والثاني أبو المؤثر والثالث
أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي وعاش ومات طيب الذكر. انظر إتحاف
الأعيان 1/208 .
(3) 3- محمد محبوب : هو الشيخ العلامة شيخ المسلمين في زمانه محمد بن محبوب بن
الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي ، نشأ أيام الإمام غسان بن عبد الله الذي
بويع سنة اثنتين وتسعين ومائة وعاصر الإمام المهنا ابن جيفر ثم تألق نجمة أيام الإمام
الصلت بن مالك حيث كان على رأس العلماء المبايعين للصلت سنة 237هـ وقلده
القضاء على صحار وتوابعها من أشياخه موسى بن علي الازكوي وزوجة ابنته وأنجبت
منه رحمهم الله. توفي قبل الإمام بصحار يوم الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر المحرم
سنة 260هـ . وقبره بصحار مشهور. انظر إتحاف الأعيان 1/191 - 192 . (8/49)
صفحة 1168
الله : إن الركية إذا لم يقع لك واحد من الشركاء ما ينقطع له فيه عامل لم يحبروا على توزيعها وبهذا نعمل قال أبو المؤثر(1) رحمه الله: لم ينتفع به
ربه أن لو قسم جبر الشركاء على بيعه إذا اختلفوا فيه ولا يجوز جبر
الشركاء على شراء شيء من الأنصباء وبيع ماله من شاء بعد فسخ بيع الخيار بإحضار الثمن وهو المخير في فكه وإغلاقه .
مسألة
[ رأي أبو المؤثر في القعيدة ]
عن بعض الفقهاء إن كانت القعيدة على الرجل ولم يقع لأحد الشركاء بينهم يكفيه أن يعمل فيه عامل فهذا هو الضرر وجائز أن يجبروا ليكون
عاملهم واحد وهو الأليق لنفي الاختلاف وهو رأي أبي المؤثر رحمه الله لمن
له أصل ،وأما المشتري بالخيار فلا يقع له والبيع لمن له ثمن الخيار، فإن
احتمل الضرب وإلا باع وأعطى من ماله عليه الخيار دراهم وزخرفة إذ الخيار بين إلى أجله وإن وقع البيع إلى غير أجل فسد. ومن اشترى مالاً خياراً
فانهد النهر فأجرته على من له بيع الخير فإن لهذا من صلاح الماء والماء له
بالخيار وقد أفتى الشيخ صالح بن وضاح رحمه الله في المقتعد للماء إذا
انكبس النهر أن عليه صلاحه .
مسألة
[ ما حكم البيع على شرب الماء فغار الماء ]
__________
(1) 4- أبو المؤثر : هو العلامة الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي رحمه
الله ، مسكنه قرية بهلا البلد الذي خرج منه علماء كثيرون كالعلامة الأصولي أبو
محمد بن بركة، كان أبو المؤثر أعمى ويعرف بسعة علمه وكثرة فتاواه وهو من
علماء القرن الثالث ومن تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب وكان ممن حضر بيعة =
= الصلت بن مالك وكان ذلك سنة 237هـ وعاش رحمه الله إلى أيام الإمام عزان بن
تميم ومات في زمانه بعد قتل موسى بن علي توفي بنزوى ودفن بالعقر قرب باب
مؤثر والله أعلم من أولاده خليفة بن الصلت تنسب إليه محلة خليفة ببهلا . انظر
إتحاف الأعيان 1/201 - 203 . (8/50)
صفحة 1169
ومن باع جزء من ماله خياراً مشاعاً بشربه من مائه من النهر فغار ماءه أو من ركية فانهارت فطلب البائع من المشتري أن يغارمه على الأجر أو على إصلاح النهر وإن سقاه رب الأصل وعمره فهل للمشتري غلة أم لا؟ فلا
يجبر على عمار المال وله غلة نصيبه منه .
مسألة
[ ما يكلف رب الخيار ]
ويجبر رب الخيار على جلاد النخل لأنه من إصلاح الثمرة ولا يجبر المتبايعان على الغرب لسقي المال المباع بالخيار وأما العيش على المشتري وكذلك الرضم على المشتري وأما بيان الجدر إذا كان سالفة فانهارت فهي على البائع وإن البائع المشتري في عمار ذلك وإضافة له على حقه جاز .
مسألة
[ البيع على شرط سقاء الزرع ]
عن الشيخ أحمد بن مداد رحمه الله : ومن باع ماله خياراً بسقيه فغار
الماء أو أنهى وطلب رب الأصل من ذي الخيار أن يغارمه على غرب الماء أو يترك له غلة ما اشتراه فأبى فيحكم عليه بذل فإن أنعم بالغلة فلا يلزمه سواها
و إذا حاذر ضرراً أو تلف المال و إن كان المشتري و هو الطالب المترف فأبى
رب الأصل جبر على ترف المال إذا كان ترف له من قبل إذا غار نهره أو
انهار أو يسلم للمشتري حقه ويفسخ البيع لإزاحة الضرر عنهما .
مسألة
[ البيع على الشرط ]
وأما المقسوم فلا جبر فيه على أحدهما فلذلك قلنا أنهما شتان .
مسألة
[ حكم إصلاح الركية وعلى من يكون ذلك ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان بن سعيد رحمه الله : ومن اشترى جزء
من ركية خياراً فانهارت فرام المشتري زرع حصته فأبى البائع مغارسته على إصلاح الركية فالغرم يلزمهما معاً لإصلاحها ولا يخص به المشتري بإباء
البائع عند الغرم .
مسألة
[ حكم الخسارة وانهدام المشتري ]
ومن اشترى دار خياراً فانهدم فبناه المشتري برأيه وطلب ما غرمه على إصلاحه فإن احتج على ذي الأصل فله غرمه أو كان حيث لا تبلغه الحجة فرفع أمره إلى المسلمين ولا فلا شيء له .
مسألة
[ الزيادة على المشترى خياراً وعلى من تكون ] (8/51)
صفحة 1170
ومن استأجر داراً واشترى لها خياراً فاحتاج إلى غمار كتدوير أو سيج فعلى من يكون ذلك على رب الأصل والمشتري والمقتعد مخير في ذلك
فعل أو ترك .
مسألة
[ الزيادة خوف الضرر ]
وأما إن حاذر المشتري الضرر على الدار وسكنها فليستأذن رب الدار إما أن يعمرها أو بسلطة في عمارها ويعينه عليه ولا يجبر المتبايعان على ذلك .
مسألة
[ زرع الأرض ثانية على من تكون ]
ومن باع ماله خياراً فماتت باسقاته ودوحة من الجذب فهل يحل للمشتري غرس الأرض وعلى رب الأصل الصرم؟ أنعم أو أبى فإن أعطاه صر
ما غرسه وإلا فهو مخير يوم الفداء إن شاء أخذ منه ثمن صرمه أو اقتلعه ويرد مكانه تراباً وليس للبائع التصرف فيما باعه بغير رأي المشتري .
مسألة
[ رأي أهل الخبرة عند انعدام البينة ]
وإذا سلط رب الدار مشتريها في إصلاح ما انهد منها وأثمنه على ذلك
فالقول قول المشتري في الغرامة مع البينة إلا أن يتضح منه الكذب وتصح خيانته فعلى نظر العدول من أهل الصنعة .
مسألة
[ صور من انتهاء بيع الخيار ]
ومن باع ماله بالخيار ثم ماتت النخل ووقعت فشاء رب الأرض أن
يجعلها زرعاً ويؤجر ماءها أحياناً ثم أراد المشتري أن يغرس الأرض وطلب
من البائع تسليمهم ثمن ماء القطعة فأبى رب الأصل فللمشتري أن يفسل
مكانه نخلة وله شربها المعتاد .
مسألة
[ حكم إصلاح بيع الخيار ]
عن الشيخ صالح بن وضاح : ومن اشترى مالاً بالخيار وأراد أرباب النهر تصريح ساقيته التي يمر فيها ماء لهذا المال فإن كانت الساقية أدركت
فصرحة وأنفد صار وجها فعلى رب الأرض تصريحها ويسلط المشتري
ويضيف ما ينوي بها عليه في بيع الخيار، وأما إذا لم تكن الساقية لها
صاروح من قبل فلا يجبر على رب المال ولا المشتري في تصريحها. وإذا
انهدت جدد الدار بعد أن بيعت بالخيار فبناءها على ذي الأصل والمرتهن (8/52)
صفحة 1171
بعد الحجة وله غرامة تضاف إلى حقه. وإذا وقعت النخلة المباعة بالخيار فسعفها وليفها وجذبها أو جذعها لرب الأصل وإن رام المشتري فبثمنه من حقه وللمشتري غرس مكان الواقع من النخل فإن كان به فسل فمنه و إلا
فعلى رب الأصل ولا جبر على المشتري في غرس المال وليس لرب الأصل
ذلك إن أبى المشتري أو يفك ماله وخلق من عمار الدار فعلى المشتري
تجديداً وإذا انهد أو نفذ فعلى رب الأصل والكرب والسعف اليابس والزرو فللمشتري وعلى ما جرت به سنة أهل البلدة .
مسألة
[ على من تكون مهيس الأرض ]
ومهيس الأرض المباعة بالخيار ورضمها فعلى رب الخيار وإذا أني سبل فاحتاج المال المباع بالخيار فالبيع باق فيما بقي من باسقات أو شجر دوح أو أراض واخشما الكرم والعنب إذا لم تستغن عنها الكرم فليس للبائع
إخراجها منها وجعلها بمنزلة الأصل .
مسألة
[ رأي الشيخ محمد بن عبد الباقي في تعمير بيع الخيار ]
وإذا عمر البائع بالخيار المال برأيه وكان المشتري غائباً فليس له على المشتري حجة إذ هو عليه شرعاً كما كان بالمال قبل البيع فانهد أو نفذ أو انقحر أو أنشد فهذا رأي الشيخ محمد بن عبد الله الباقي ومن باع شقة
خياراً أو قيعة فوقعت صريعة في مدة الخيار فلا رجعة للمشتري على البائع
فيها أو لهدوم البيت المباع بالخيار لرب الأصل تذكره للأصل وإن أخذه
بالثمن جاز وهو كالبينة المباعة بالخيار .
مسألة
[ قول أحمد بن مداد في سج سطح الدار ]
واختلفوا في سج سطح الدار قول : هو على البائع، وقول : على
المشتري بالخيار لكل أصل يرجع إليه وهذا رأي الشيخ أحمد بن مداد أن السياج على المشتري .
مسألة
[ أثر البينة في بيع الخيار ]
وإذا كان المباع شركة بين اثنين فباع أحدهما ربع نصيبه بيع خيار ومات البائع فادعى المشتري أنه اشترى نصف نصيب الهالك فأنكره الورثة فأخرج لهم النسخة فإذا فيها ربع المال ولم يذكر نصف نصيب الهالك ولا ربعه (8/53)
صفحة 1172
ولم يحرز المشتري المال فما صح له بالبينة فله وإلا فله ربع نصيب الهالك .
مسألة
[ من صور بيع الخيار ]
ومن اشترى مالاً خياراً بما ينزو له ماء محدود فنما النهر وفيه فضلة عن سقي النخل فالفضلة فيها اختلاف، قول : هي للبائع، والأرجح أنها
للمشتري وهذا رأي الشيخين صالح بن وضاح ومحمد بن سعيد بن عبد
السلام رحمهما الله .
مسألة
[ أثر اختفاء المعقود عليه ]
ومن اشترى مالاً بشربة خيار فغار ماء النهر الذي يسقيه فنقض المشتري البيع فأبى عليه البائع فإذا لم يكن الماء معيناً فتدخله الجهالة فيدركه النقض وليس على المشتري رد غلته .
مسألة
[ حكم نقض بيع الخيار ]
ومن باع ماله بالخيار وله ما اشتراه بالخيار فجعله لسقي هذا المال ثم إن رب المال نقض منه الخيار فالخيار لرب الأصل فإن شاء دفع للمشتري ماء
بما يتفقان عليه لسقي المال وإن شاء دفع له بالدراهم المفدي بها الماء
يشتري بها ماء غيره وهو لسقي ماله هذا إذا كان المشتري غير عالم بأن
الماء مباع بالخيار، وإن كان عالماً فلا نقض له ولا يحكم له بسقي المال
ويختار لماله .
مسألة
[ حكم صرف المعقود عليه إلى غيره ]
وإذا كان المباع بالخيار عاضد بأوله وله ماء وأراد المشتري صرف الماء إلى غير المال فإذا لم يضر ذلك بالمال فله ذلك لأن غلة المال ومائه للمشتري .
مسألة
[ أثر تلف المال المباع ]
وإذا تلف المال المباع بالخيار وله ماء فأراد المشتري الانتفاع بمائه فله ذلك إذا أمن المضرة وله أن يقعده إن شاء أو يسقي به حيث شاء .
مسألة
[ من صور بيع الخيار ]
ومن له مال وماء لسقيه فباع المال خياراً ثم باع المال بغير ماء فرام المشتري فك الماء ليسقي به المال فأبى عليه رب المال فليس للمشتري أكثر مما اشترى وما لم تقع عليه صفقة البيع فلا يدخل فيه .
مسألة
[ بيع المال المغصوب ]
وبيع المال المغصوب لا يحل والحجة أن ربه ممنوع منه ولو كان بيده (8/54)
صفحة 1173
لامتنع من بيعه وإنما باعه لما أيس منه واختلفوا في رد ثمار البيع الفاسدة
واتفقوا أن الغاصب عليه رد الغلة ولم يحاذر منه ولا من الغاصب ضرراً
فعلى هذا الوجه يجوز له شراءه .
مسألة
[ بيع الخيار خوف الضرر ]
و من حاذر ضرر خيار فباع ماله بيع خيار فلما رام فكه منعه الجبار عن
فكه، أتحل ثمرته لمشتريه أم لا؟ فنعم إذا لم يجبر الجبار على بيعه عليه
واشتراه وهو مضموث مغتصب. وإذا بيع المغصوب ومضت به المدة فلا
يصير أصلاً إذا المغصوب لا يثبت على الأصح ولورثة البائع فك مالهم بما
فيه من الحق ولهم حوزه بعد تسليم الحق .
مسألة
[ بيع المال خياراً خوف الاغتصاب ]
ومن حاز السلطان نشبه مغتصباً له فلما أن أيس منه باعه بيع خيار أو قطع ثم لما أن زالت يد السلطان عن المال غير البائع فلا يثبت البيع الخيار في المال ولا بيع القطاع على الأصح والغلة مردودة في كلا البيعين .
مسألة
[ أثر خوف السلطان على بيع الخيار ]
ومن خاف سطوة سلطان وناء عن وطنه ووكل في نشبه وكيلاً ولم
يكن في يد السلطان ولا أعوانه ثم باعه فهذا بيع جائز وثابت لأنه غير
ممنوع عنه .
مسألة
[ حكم بيع المغصوب ورأي الكدمي وأحمد بن مداد ]
عن الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي والشيخ أحمد بن مداد
رحمه الله أن بيع المغصوب جائز و ثابت لأنه باعه وهو في ملكه و إنما
غصب الغاصب وتعديه على خطام غيره لا يزيله من ملكه، ومن بنى في
دار اشتراها خيار أترابه، فلرب الأصل الخيار بين أن يصدقه ويسلم له ما
غرم، وبين أن يأذن له في إخراج عماره، هذا إذا لم يكن التراب والخشب المعمور بها من المال، وإن كان فليس للعامل إلا ما غرم من صلب نشبه .
النهج الرابع
فيما للأم من مال ولدها ونفقة الأبوين
والنفقة بالميراث في قبض الأب حق ابنه
وانتزاعه والحل منه
النهج الرابع
فيما للأم من مال ولدها ونفقة(1)
__________
(1) 1- النفقة : النفقة في اللغة : مأخوذة من النفوق وهو الهلاك نقول : نفقة الدابة تنفق
نفوقاً إذا أهلكت. ومن النَّفاق : وهو الرواج ، نقول : نفقت السلعة إذا راجت .
وعند أهل العرف : تطلق النفقة ويراد منها خصوصاً الطعام على نفسه وأهل من
الأموال. ولها أسباب منها : النسب والزوجية . (8/55)
صفحة 1174
الأبوين(1)
والنفقة بالميراث في قبض الأب حق ابنه
وانتزاعه والحل منه
مسألة
[ حكم بيع مال الابن من أجل نفقة الأم ]
و هل يجوز للأم أن تبيع من نشب شبلها لنفقتها و كسوتها إذا كانت
ذات عيلة، قال الربيع(2) : نعم لها ذلك، كان يتيماً أو بالغاً، وقال أبو عبد
الله : إذا اضطرت أكلت بالمعروف، ولا يجوز للولد الانتفاع من مال
والدته قل أو جل، وإن باع شيئاً منه فبيعه فاسد، وللأم الانتفاع بمال الولد كالأب، وقول: للأب خاصة، وقول : لا يحل لهما حتى يكون في مصالح
الولد، فعلى قول من يقول أن للوالدة استعمال مال الولد كالأب، فليس لأحدهما بإذنها، ولها أن تبرئ نفسها من حق يجب لولدها عليها، وسيان
بين أن يكون أبوه حياً أو ميتاً .
مسألة
[ على من تكون نفقة الأم ]
__________
(1) 2- نفقة الأبوين : ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة .
من الكتاب : الآيات الدالة على طاعة الوالدين وإحسان المعاملة إليهم. ومن السنة :
عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله [أنت ومالك لأبيك].
وما يروى عنه - - صلى الله عليه وسلم - - إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه ،
فكلوا من كسب أولادكم إذا احتجتم إليهم بالمعروف» .
وغيرهما من الأحاديث .
وأجمعت الأمة على وجوب نفقة الوالدين الفقيرين على أولادهما .
(2) 1- الربيع : هو الإمام المحدث الثبت الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي العماني أدرك
الإمام جابر بن زيد - رحمه الله - ثم رجع في آخر عمره إلى البصرة طلباً للعلم
العلامة محبوب بن الرحيل فاستوطن محبوب مدينة صحار أكثرهم من أخذ العلم
عنهم ثلاثة : أبو عبيدة ، وأبو نوح ، وضمام ، ومن حمل العلم عن الربيع أبو المنذر
بشير بن المنذر النزواني ، ومنير بن الجعلاني ، وموسى بن أبي جابر الأذكوي ، وهاشم
بن غيلان. من مؤلفاته - رحمه الله - المسند في الحديث ويسمى الجامع الصحيح.
توفي رحمة الله تقريباً عام 140هـ . انظر إتحاف الأعيان 1/51 - 53 . (8/56)
صفحة 1175
وإذا كان للأم ثلاثة أشبال فتصدقت بنشبها على أحدهم، فلما زمت منة أبا الولد أن ينفق عليها، إذ قد ألجأت مالها لأخيها، فنفقتها عليهم جميعاً
وأمرها إلى الله .
مسألة
[ نفقة الشبل الرقيق ]
أجمع المسلمون أن الشبل الرقيق لا نفقة له على أبيه، وكذلك أم الشبل المقترة إذا كان بعلها أبوه مثر لم تجب على شبلها نفقتها، لأن المخاطب
بذلك أبوه، وإن كان زوج أمه غير أبيه فسيان .
مسألة
[ نفقة الأبوين على الأبناء ]
وأجمعوا أن الشبل إذا كان مثر وأبويه ذوا عليه فنفقتهما أو كسوتهما عليه، وإذا كان الشبل رقيقاً فلا تلزمه مؤونة أبويه بإجماع، ولولا الإجماع لوجب عليه، ولكن لا حظ للنظر مع ورود الأثر(1) .
مسألة
[ نفقة الأبوين إذا كان الابن معسراً ]
وإذا كان الولد مقتراً أو ذو مكسبة يفضل كسبه عن مئونته ومؤونة من يلزمه عوله وله أبوان مقتران أنفقتهما عليهما من فضلة كسبه، وإلا فلا
شيء عليه، وأشبال الرجل وعرسه أحق بالنفقة من ماله أو مكسبته إذا لم
تكن بها فضلة .
مسألة
[ النفقة على الموسع ]
وإذا كانت الأم مقترة ولها أشبال أطفال مثرون فرض لها في مالهم بالمعروف، وإن كان مقترون فسترزق من الله، وأما البالغون فلها عليهم النفقة التامة من مالهم إذا كان لهم ثراء، وإلا فلا تكليف عليهم فوق واسعتهم.
مسألة
[ في نفقة الأبناء على الآباء والآباء على الأبناء ]
ومن كان له أولاد ذكوراً وأناثي، وكان ذا عيلة أنفقوا عليه كميراثهم منه، ومن وجبت له النفقة فلم يطلبها من الوالدين أو غيرهم حكم له
بها(2) في المستأنف، وعليهم فيما مضى حوب تقصير لهم عن البر
وظلمهم ما استوجبوا .
مسألة
[ على من تجب النفقة ]
__________
(1) 1- سبب عدم وجوب النفقة أن الرقيق لا ملكيته له .
(2) 1- الأصل : حكم والصواب. والله أعلم : حكم له بها . (8/57)
صفحة 1176
وإذا ادعى من تجب له المؤونة الإقتار وادعى من تجب عليه الثراء، فالقول قول من تجب عليه حتى يصح بالبينة(1) تربهم وعيلتهم، وإن نزلا إلى الإيمان حلف بعضهم بعضاً، ولهم ذلك عن أبي سعيد. اختلف المسلمون في بيع
الولد أصل سيده في مؤونة والديه، فقول عليه ذلك، وقول عليه ذلك لأشباله
الأطفال وزوجاته، وأما أبوه ومطلقاته ومن يرثه فلا يحكم عليه بيع أصل
ماله لنفقتهم .
مسألة
[ وجوب نفقة الأبوين ]
وأما إن رضي الأبوان أن يكونا عند ولديهما في سكنه فذلك لهم، وإلا فعليه أن يتخذ لهم مسكناً رافقاً يكنهم حراً وقراً وينفق عليهم فيه .
مسألة
[ نفقة المريض على من يرثه ]
وذو الوصب والزمن إذا كان ذا عيلة فمئونتهما على من يرثهما على قدر حصصهم من ميراثه إن لو كان له ثراء، وإن كان الوارثون مقترين فلا
يلزمهم شيء، وقال أبو الحواري : يلزمهم على حال .
مسألة
[ التأكد من وجوب النفقة ]
ومن رام الإنفاق من وارثه لا يفرض له إلا بعد صحة عيلته مع الحاكم والولد الحر، إذا كان أبوه رقيقاً وله إخوة فلا تلزمهم مئونته إذا كان فقيراً ما دام أبوه حياً، لأنه لو هلك وله نشب حبس نشبه على أبيه، فإن هلك أبوه رجع الميراث لإخوته ، ولزمتهم حينئذ نفقته وكسوته .
مسألة
[ نفقة الأقارب المقترين ]
وقيل على العم عول ولد أخيه إذا كان مثر وهما مقتران حذر الضرر، وقول : مادام كلامهما حبين فلا عمهما ذلك(2) ، لأن ميراث الميت
لأخيه(3) ، وإن كان في مال الله سعة فيستحب أن ينفق عليهما من مال الله، وإن هلك أحدهما لزمت العم نفقة الحي منهما .
مسألة
[ من تلزمه النفقة ]
__________
(1) 2- الأصل : البينة والأصح بالبينة .
(2) 1- هكذا في الأصل : والصواب : ما دام كلاهما حيين فلعمهما ذلك .
(3) 2- ميراث الميت لأخيه عند انعدام الفروع والأصول الذكور .
وأما عند وجودهم فلا ميراث له إلا وصية أو قربى . (8/58)
صفحة 1177
وإذا كان في الورثة مثر وترب ففي ذلك اختلاف، قول تلزم المؤونة المثري دون ذي العيلة، وقول يلزم المثري بقدر ميراثه وينحط عنه بقدر ميراثه في
نوب المثري(1) ، والأول أصح خوف الضر على من يجب عليه عوله .
مسألة
[ نفقة المقتر على ورثته ]
والمقتر إذا كان له منزل يسكنه أن لو يحصل منه سطراً لم يحصل
مسكن مما بقي فلا يباع، ونفقته على ورثته .
مسألة
[ تأجيل طلب النفقة للإعسار ]
وإذا طلب من تجب له المؤونة، مئونة من تجب عليه بما يجب عليه،
فأراد نظارها إلى ميسورة فليس له ذلك، فإن قدر أنفق وإن عجز فلا
شيء عليه .
مسألة
[ نفقة المثري في ماله ]
ومن كان وارثه يتيماً مثر فمئونته في ماله ولا يعذر باليتم عن حق أوجبه الشرع في يتمه كسائر الحقوق، وإذا أثري ذو العيلة فطلب ما أنفق عليه استرجاع ما أنفق فليس له ذلك، وإنما تسقط عنه نفقته فيما يستأنف، ومن أنفق على ذي العيلة بمنوال الشرع ثم له ثراء فله ما أنفق، وبين هذه والأولى بون لأنه أنفق على ذي ثروة .
مسألة
[ نفقة العاجز على ورثته ]
وذو الوصب في النصب والزمن العاجز عن الكسب فنفقة هؤلاء على
من يرثهم، ولا يجوز تضييعهم، فإن توجهت لهم مكسبة من صدقة أو
غيرها حطت بقدرها على الوارث من نفقته .
مسألة
[ متى تكون نفقة الابن على الجده ]
ومن له أم مملوكة وله جدة حرة، فقول نفقته على جدته، وقول لا يلزم جدته شيء ما دامت أمه حية، لأنه لو مات اشتريت .
مسألة
[ من أقر لوالده بمال هل عليه نفقة ولده؟ ]
ومن أقر لولده بمال بغير حق فلا يجوز ذلك حتى يزيله بيع أو قياض أو
غير ذلك، وأما من أقر له بحق وقضاه أبوه ثم انتزعه منه فلا يثبت ذلك
أيضاً، فإن أزاله بما قدم ثبت ذلك، ويلزمه في أصل مال الولد .
مسألة
[ رجوع الأب في عطيته ]
__________
(1) 3- في نوب المثري : في حق الغنى منهما والله أعلم . (8/59)
صفحة 1178
وأما العطية والنحل من الأب فإذا رجع فيه وانتزعه من الولد ثبت انتزاعه ولا تبعة عليه لولده، وإن انتزعه ثم رده عليه ومات الأب ثبت للولد(1) .
مسألة
[ إعطاء النِّحلة مقابل حق عليه ]
ومن أعطى نحلة نشباً وأشهد أنه له بحق عليه له و استثنى مأكلة المال إلى
موته جاز له ذلك، والمال للولد حتى يرجع عليه فيه .
مسألة
[ وجوب التسوية بين الأولاد ]
وعلى الأب التسوية بين أولاده في المحيا والممات ببره وبذله وقوله
وفعله(2) ، لا يفضل بعضاً على بعض، ويدني منهم، ويقضي الأمر كان به
براً أو أخفى ولله يعلم السر وأخفى، وكذلك يجب على الإمام أيضاً .
مسألة
[ المساواة بين الأبناء ]
ومن يساوي بين أولاده بغير حجة، فعن موسى بن علي(3)
__________
(1) 1- الرجوع في العطية مكروه على العموم لقوله - - صلى الله عليه وسلم - - الراجع في هبته كالراجع في
قيئة» وأما بالنسبة لولده فجائز ما لم تتغير بالزيادة أو النقص أو تعلق بها حق الغير في
مثل ما سبق لا يجوز الرجوع في عطية الوالد لولده ما دام الحيازة تمت. والله أعلم .
(2) 1- ورد ذلك عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - في الحديث التالي : عن النعمان بن بشير رضي الله
عنهما قال : «إن أباه أتى به رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - ، فقال : إني نحلت ابني هذا غلاماً
كان لي ، فقال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال لا ، فقال
رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - فارجعهُ» وفي رواية قال : أفعلت هذا أبو لدك كلهم؟ قال : لا،
قال : اتقوا الله ، واعدلوا في أولادكم، فرجع أبي فرد تلك الصدقة انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - 11/616 ، رقم 9234 .
(3) 2- موسى بن علي : هو الشيخ العلامة الجليل أبو علي موسى بن علي بن عزرة
الأزكوي ، كان هو وأخواه محمد بن علي والأزهر بن علي من أجلة علماء زمانهم
وهم فيما قيل من بني سامة بن لؤي بن غالب. ولد ليلة عاشر من جمادى الأخرى
وقيل الثلاث عشرة منه سنة 177هـ نشأ في وطنه مدينة أزكى أخذ العلم عن والده
العلامة علي بن عزرة وغيره من مشائخ العلم في عصره وخاصة العلامة هاشم بن
غيلان. وتبحر في العلم وفاق أقرانه وكان معاصراً للأئمة غسان بن عبد الله، وعبد
الملك بن حميد والمهنا بن جيفر ومات في زمانه وكان مرجع الفتوى في زمانه. انظر
إتحاف الأعيان 1/181 . (8/60)
صفحة 1179
أنه لا تسقط
ولايته، وقال محمد بن محبوب رحمه الله : لا ولاية له إلا أن يصح عذره،
وقال موسى بن أبي جابر(1) جائز ذلك إذا كان حياً وإن مات، فهو على ولايته إن كانت له ولاية ولا يخلع .
مسألة
[ العطية عند الاحتضار ]
ومن أعطى ابنه شيئاً من سبده فلما أيقن بالاحتضار أعطى إخوته كم أعطى أخوهم جاز ذلك، وقيل حتى يقول : كمثل ما أعطيت أولادي فلاناً وفلاناً إذا كان الأولاد أطفالاً .
مسألة
[ حكم إعطاء غير الوارث عند الموت ]
ومن أعطى أولاده مالاً فلما أن احتضر أعطى أخاه كمثله، فعن أصحابنا أهل عمان ُفإنهم يجيزون ذلك وأما أصحابنا العراقيون فإنهم يجعلون ذلك كالوصية، ولا وصية لوارث(2) .
مسألة
[ حكم إنكار العطية ]
ومن أعطى ولده شيئاً وأعطى الثاني كمثله وأنكر الأول أنه لم يعطه
شيئاً، وذلك عند كرب السياق الموت ولم تثبت عطيته للثاني، وهدر قول
الأب وعطيته في الوصب، إلا أن يصح الإعطاء بالبينة العادلة، وإلا فالعطية راجعة للورثة(3) .
مسألة
[ إعطاء الأب لأبنائه مقابل التأديب والتعليم ]
__________
(1) 1- موسى بن أبي جابر : هو الشيخ العلامة موسى بن أبي جابر الأزكوي من بني ضبة
وقيل من بني سامة بن لؤي بن غالب كان أحد العلماء الأربعة الذين حملوا
العلم عن الربيع بن حبيب رحمه الله من البصرة إلى عُمان ومن العلماء المشهورين في
زمانه ومرجع المسلمين في ذلك الزمان وعلى رأسه قامت الإمامة بعد انقطاعها بقتل
الإمام الجلندي. توفي رحمه الله سنة 181هـ وقيل غير ذلك. انظر إتحاف الأعيان في
تاريخ بعض أهل عُمان 1/168 - 169 .
(2) 2- الوصية للوارث : مختلف فيها استناداً لحديثه - - صلى الله عليه وسلم - - لا وصية لوارث إلا أن
يشاء الورثة » .
(3) 1- تعود العطية للورثة إذا لم تتم الحيازة كما حصل مع عائشة - رضي الله عنها - في عطية
أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لها ، فقال : يا بنيتي المال مال وارث والله أعلم . (8/61)
صفحة 1180
وإذا ادعى الأب أنه سلم لولده هذا أجرة تعليمه، وأدبه كذا وكذا، وأعطى ولده الثاني عوض ما غرم على أخيه هدرت دعواه إذا أنكرها الولد حتى يصبح ذلك بالبينة العادلة، هذا في الأحكام، وأما فيما بينه وبين الله
فلا يضيق عليه إذا كان فيما فاه به حق .
مسألة
[ إعطاء الأب بقية الأبناء بقدر ما اختلس أحدهم ]
ومن اختلس من نشب أبيه شيئاً وتعذر على الأب استرجاعه وأراد الأب أن يقر لكل ولد له بما اختلس أخوهم من ماله، فلا يجوز له ذلك إن إذا ظلم بظلمه(1) ولا أنه إذا قدر على استرجاع ماله استرجعه .
مسألة
[ حكم تصدق الأب على ابنه البار ]
ولا بأس على الوالد أن يتصدق من ماله على ولده المتقي البار، ويمنع من تدين من أولاده بدين العاق والفجار، وليس عليه العدل بين سائر الورثة كالأولاد في الخيار وعليه من ذلك بعد الممات .
مسألة
[ جواز إعطاء الأخ لاخوته بالتساوي قبل الموت ]
ومن أعطى أخاً شيئاً في صحة وهو بالغ حر، فلما حضرته الوفاة أقر أنه أعطى أخاه فلاناً كذا، فأشهد الجماعة أني أعطيت إخوتي الباقين كذا، وهو مثلما أعطيت أخاهم، وليس له وارث غيرهم، فإذا عدل بينهم عند الموت
جاز له ذلك ولهم .
مسألة
[ من شروط العطية الإحراز ]
ومن كان له ثلاثة أولاد فأعطاهم شيئاً من ماله، فأحرز العطية اثنان
ولم يحرز العطية الثالث، ثم هلك الأب فلا عطية لمن لم يحرز، وللذي
أحرز ثلثي ماله إذا كانت العطية في مشاع، والثالث الباقي في مزرع
ذوي الميراث(2) .
مسألة
[ تفضيل بعض الأولاد بسبب طاعتهم ]
ومن أعطى بعض أولاده بقيامه وبره به، فما لم ينو حيفاً على إخوته فلا بأس عليه، وقيل لا يجوز له ذلك لأن على الولد البر لأبيه ومعونته لما لطاعة
الله يؤديه، وإن أتجر بأجر على عمل فذلك له، ومن أجاز ذلك من الولد
__________
(1) 2- هكذا في الأصل : والصواب إن ذلك ظلم بظلمة والله أعلم .
(2) 1- هكذا في الأصل : والأصح : والثلث الباقي موزع بين ذوي الميراث والله أعلم . (8/62)
صفحة 1181
أجاز قبوله للولد .
مسألة
[ حكم العطية قبل الإحراز ]
ومن أشهد لأحد أولاده بمال وأحرز المعطي، ثم أشهد لسائر أولاده ما أشهد لأخيهم لكل واحد منهم، وفي الأولاد الصبي والبالغ، وهلك الأب والعطية في مشاع لم يتوصلوا إلى إحراز حقهم منه فطلبوا غلة المال، وإن
كان في المال وفاء لدين الهالك فالغلة لهم، وإلا فالدين أولى وللذي لم
يحرزوا ما بقي، وليس لهم مدخل من أحرز، هذا رأي أبي علي(1) .
مسألة
[ صور من إعطاء الأب لابنه ]
قال أبو عبد الله : من ضمن عن ابنه بصداق وأقر لابن له آخر بمثله ولم يقبض الابن الشراء ، وأوصى بثلث ماله فإنه يخرج الدين من ثلث رأس
المال ، ثم يكون للموصى له بالثلث جملة المال من بعد الدين، ثم يكون
للابن الذي له الشراء شراؤه من بعد الثلث، ثم يوزع ما بقي على الورثة .
مسألة
[ حكم إعطاء ابن الابن وأثر ذلك على الورثة ]
وإذا ضمن الأب لابن ابنه بمهر وهلك الأب وله أولاد سواه، فلا يحسب إخوته بما ضمن عنه في تركته، وهو كسائر الديون التي عليه في نشبه، وليس هذا يجري مجرى الحقوق عند الموت، إذا هو حق لزمه في ذمته وماله .
مسألة
[ حكم مسألة ضمان الحق عن الابن ]
ومن ضمن عن ابنه بحق واشترط أنه محسوب عليه وميراثه منه إن مات قبله، فهذا شرط باطل وله ميراث، ويلزمه الحق المضمون به عنه .
مسألة
[ قياس العطية على الرهن ]
وعطية الولد الصبي ونحله من أبيه غير ثابتين، ويثبت ذلك للبالغ إذا
كانت العطية خالصة غير مشتركة وصح قبض المعطي، فإن هلك الأب قبل إحراز الولد البالغ العطية بطلت، وهي بين الورثة، كما لا يجوز الرهن بغير القبض فالعطية مثله .
مسألة
[ حكم عطية الولد الصغير ]
__________
(1) 1- أبو علي : موسى بن علي - والله أعلم . (8/63)
صفحة 1182
وللوالد الرجعة في عطية الولد البالغ، ولا رجوع له فيما أقر له به، والأصح أن العطية للولد الصغير غير ثابتة، فلا يثبت النحل للولد الصغير بلا اختلاف، ومن أجاز العطية للولد الصغير لم يجعله عليه إحرازاً .
مسألة
[ إعطاء الولد وحيازة ذلك يثبت العطية ]
ومن نحل ابنه نحلاً فأشهد على انتزاعه ولم يسترجعه حتى هلك الأب،
فعن أبي الوليد(1) عن عبد الوهاب بن جيفر(2) أنه للولد، وهو رأي أبي سعيد.
مسألة
[ رجوع الأب في عطيته ]
ومن أبطل عطية الأب لابنه إذا كانت لغير حق ثابت أنه إذا رجع بطلت العطية ولو لم يقبضها الأب .
مسألة
[ حكم انتزاع العطية ]
ومن أعطى ابنه مالاً وأحرزه، فإذا سخط عليه انتزعه منه، وإن رضي أتم له العطية فلما أن يشاقه أشهد على انتزاعه منه فإذا أتم له العطية وهو
صحيح وأحرزها، ثم مرض فرجع، فما نرى له رجعة، وإن انتزعه في حال الصحة وأتم الانتزاع في الوصب فله انتزاعه .
مسألة
[ العطية التي لا يجوز الرجوع فيها ]
ومن زوج ابنه على شيء من ماله عطية له منه بعد أن أحرزه، ثم رجع، فلا رجعة له فيه، والأصح أن إذا أعطى الأب لابنه فانتزع ما أعطاه جاز انتزاعه، أحرز لابن أو لم يحرز .
مسألة
[ حكم نذر العطية ]
__________
(1) 1- أبو الوليد : هو الشيخ العلامة أبو الوليد هاشم بن غيلان السيسجاني نسبة إلى
سيجا بلد من أعمال سمائل هو وأخوه وابنه محمد بن هاشم من رجال العلم، إلا أن
الشيخ معدود من كبار علماء عصره في آخر القرن الثاني وأول القرن الثالث هو
والشيخ سليمان بن عثمان من تلاميذ الشيخ موسى بن أبي جابر، من معاصريه من
العلماء : محمد بن موسى والأزهر بن علي والعباس بن الأزهر وغيرهم توفي
رحمه الله أيام إمامة عبد الملك بن حميد. انظر إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل
عُمان 1/176 - 177 .
(2) 2- عبد الوهاب بن جيفر : لم أجد له ترجمة . (8/64)
صفحة 1183
ومن نذر إن عافا الله ولده من المرض نحله شيئاً من نشبه، فعوفي فنحله والولد صبياً، فأكلها الأب حتى مات، فلا يثبت لأن الولد لم يحرزها
لطفوليته، فقال أبو عثمان : هو للولد لأنه نذر، وقال مسعود : حتى يحرز .
مسألة
[ الوصية عند السياق ]
ومن أوصى عند السياف(1) فهو كالنحلة في الصحة حرز أو لم يحرز،
لأن ذلك وفاء لنذر وليس له انتزاعه ولا له الرجعة فيه .
مسألة
[ حكم المطالبة بالعطية بعد البلوغ ]
ومن له أولاد بالغون وصبيان، فأعطاهم شيئاً من سبده ، فأحرزه البالغون ما أعطاهم، ولم يحرز الصبيان حتى مات الأب وبلغ الصبيان، فطلبوا ما أعطاهم أبوهم، فلأولاده الصبيان كمثل ما أعطى إخوتهم ، وإن كان للأب وارثاً غير أولاده الصغار والكبار فإن سائر الورثة لا يدخلون في مال الأب وفيما أعطاه أولاده الصبيان، ثم لا يأخذ البالغون شيئاً حتى يأخذ الصبيان
مثلما أعطى إخوتهم الكبار أبوهم في حياته وأحرزه ثم يكونوا شركاء في الميراث، وما أحرز البالغون في حياة أبيهم فهو لهم، ولا يدخل عليهم أحد
من الورثة، ومن أعطى ولده الصبي شيئاً من نشبه صدقة لوجه الله، فعن
محمد بن محبوب أن ذلك لا يجوز إلا أن يحرزه له محرز كذا قرائه من
عصبه أو خولة أو جماعة من المسلمين .
مسألة
[ حكم الصدقة للشبل ]
وأما قوله لوجه الله فالصدقة للشبل لا يكون لوجه، إنما الصدقات للفقراء والمساكين، وقول له ما أعطاه ولا إحراز عليه من أب ولا أجنبي، وقال
هاشم : لا ينفعه إحراز ناء ولا ذات، حتى يبلغ ويحرز قبل أن يرجع أبوه، وقول يجدد له العطية بعد بلوغه .
مسألة
[ حكم عطية البنات الحلي ]
ومن له بنات صبيات وبالغات فحلاهن أو كساهن من ماله فهلك، فهذا جائز للمعطى، وليس هو كالأصل ما لم تكن إسرافاً ولم ينوه أثره .
مسألة
[ حكم تحلية البنات مع عدم التملك ]
__________
(1) 1- الصحيح : السياق. وهو مرض الموت . (8/65)
صفحة 1184
ومن حلى ابنته الصبية من ماله إلى بلوغها، فلم ينزعه حتى هلك ولم يقر لها به، فقول : هو لها دون الورثة ما لم يصح أنه عارية، وقول أن للورثة
ما لم يثبت بعطية بعد بلوغها، وقول أن النحيلة ليست كالعطية في الحكم،
وهو ثابت للصبي إذا لم يكن فيه شرط، وقول هو والعطية سيان، فإذا لم يحددها بعد بلوغ فحكمه أنه راجع فيه وهو لورثته دون المعطى .
مسألة
[ حكم القسم والصلح على الإنكار ]
وإذا أوصى موصي لصبي بوصية وهو في حجر أبيه سلمت إذ هو وماله له، وكذلك ما استحق من الكفارات والصدقات، ويعرف الأب أنه لولده
إذا ورث الصبي تراثاً، فقاسم أبوه شركاء أو صالحهم، وأنكر بعد البلوغ أو كان بالعالم يعلم فلما علم أنكر، فإن الصلح لا يتم، وأما القسم فتام على الصبي من أبيه، وليس له حجة في الإنكار إذا بلغ .
مسألة
[ التصرف بمال الأبناء ]
أما البالغ إذا قاسم له أبوه بغير رأيه فأنكر حين علم، فله ذلك وللأب أن يمون نفسه من نشب شبله إذا احتاج، رضي الولد أو كره ، وذلك بالمعروف كان الولد صبياً أو بالغاً في حجر أبيه وإن يكن اكتسبه الشبل وهو محتاج
إليه والأب مثرٍ فليس له تناول حبة من مال ابنه إلا برأيه، وللوالد المقتر أن يمتان من مال شبله، وينكسي وينكح .
مسألة
[ الأخذ من نشب المحرر ]
وأجمعوا أن الأب إذا اعتق له رق فليس له تناول شيء من نشب شبله، وإن فعل ذلك كان عاصياً لربه، وإن ذمته مرتهنة به حتى يرده .
مسألة
[ حكم سر السرية المشتركة ]
وأجمعوا أن للولد سر سريته ولو منعه أبوه، ولو كان لأبيه في ماله حق جاز له ذلك، لأن القنية المشتركة حجر سرها لأحد الشركاء حتى تكون خالصة الملك له .
مسألة
[ حكم مال الابن بالنسبة للأب ]
وإذا أقتر الأب وأثرى الشبل كان عليه نفقة أبيه، وأجمعوا أن الابن غير مملوك لأبيه ولا ماله ملكاً له، وفي لمال اختلاف، وفي ميراث الأب من
ولده أوضح بسبب وأرجح دليل أنه ماله ليس يملكه أبوه .
مسألة (8/66)
صفحة 1185
الكتاب: الكوكب الدري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] [ حكم عتق الأب لرقيق شبله ]
عن أبي المؤثر : لا يمنع الأب من نشب ابنه كان في حجره أو في حجر أمه، وإن باعه لا ينزع ثمنه منه، وعن أبي عبد الله : جائز للأب أن يحرز
رقيق شبله، وجائز بيعه وقضاه وقياضه، ولا يتم صلحه في مال شبله، وقيل
لا يجوز شيء من ذلك قبل انتزاعه إذا كان القن شركة بين الأب ونجله، فحرزه الأب مضى تحريره ولو لم يلحق الأب الشبل بشيء، وإن حرر
الأب حصته لحق الابن القن بحصته فاستسعاه، وقيل لا يقع عتق الأب
لرقيق شبله .
مسألة
[ حكم الإنفاق والتصدق من مال الابن ]
ومن أنفق من ورق نجله على من يلزمه عوله ضمن ذلك إذا لم يكن
الأب مقتراً، ولا يجوز إقرار الأب في مال ولده، ومن كان ذا عيلة وله
بنات ذوات بعولة وتروة يقمن بمصالحة جاز له الترفق من سبدهن ولبدهن ونشبهن لمئونته كما يحكم له لحاكم بغير انتزاع، وجائز للأب أن يتصدق
من نشب نجله .
مسألة
[ حكم تصرف الأب في مال الابن ]
وليس للأب أن يبرئ أحداً من مال ابنه، وله أن يبرئ نفسه، وقيل : له أن يبرئ نفسه، وقيل : له أن يبرئ من حق ولده، ومن أعطى أحداً من نشب شبله الشاب، فلما بلغ أنكر فله ماله، وعطية أبيه مهدورة، وإذا ورث الشبل من غير أبيه شيئاً فليس لأبيه التصرف فيه، وإن تصرف مضى فعله وعليه العوض في ماله إذا أتلفه عليه، وجائز للأب أن يزوج قينة شبله كان الشبل طفلاً أو كهلاً أو شيخاً أو غائباً أو حاضراً، ويشترط المهر لنفسه، وقيل ذلك في أولاده الصغار خاصة .
مسألة
[ حكم تصرف الأب في قينة ابنه ]
وجائز للأب أن ينتزع قينة نجله التي لم يفضي إليها النجل، ويفضي إليها على قول، والأصح حصرها عليه كان الابن طفلاً أو يافعاً أو قد بلغ، وقيل ولو بغير انتزاع وتملكه لها هو الانتزاع .
مسألة
[ حكم أخذ الابن من مال الأب بعد وفاته ما كان على أبيه ] (8/67)
صفحة 1186
ومن أخذ أبوه ماله فاستغله فهلك الأب، فليس للابن أن يرجع على ورثة أبيه في الغلة لأن أباه قد تصرف فيه بمنوال شرعي، وإن أخذ الابن عوض ماله من مال أبيه جاز، وهو رأي أبي القاسم(1) .
مسألة
[ فرض النفقة في مال الابن ]
فإذا احتج من لم يجز للأب أخذ مال ولده لأنه فرض له النفقة في مال،
ولا يفرض لذي المال في ماله، قلنا وقد أوجبوا لذي المس واليتيم أن تفرض
في أموالهم مئونتهم .
مسألة
[ حكم إنفاق الأب من مال ابنه على أبناءه المقترين ]
والولد البالغ لا يسعه تناول شيء من نشب أبيه بغير رضاه، إلا أن تكون في حد من يلزمه مئونته ويتعذر عليه وجود المضيف، وكذلك مال الإمام، وللوالد أن يمون بعض أولاده المقترين من مال أولاده المثرين، إذا لم يكن
الأب ذا ثروة .
مسألة
[ النفقة على المملوك ]
ولا يمون مماليكه لأنه إذا لم يستطع الإنفاق عليهم جاز له بيعهم
لأنهم ماله.
مسألة
[ أنت ومالك لأبيك ]
قال أبو عبد الله أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن لي أولاداً وإن أبي أخذ مالي له ولن يمون، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «أنت ومالك لأبيك»(2) .
مسألة
[ جواز أخذ الأب المقتر من مال ابنه ]
__________
(1) 1- ذكر في إتحاف الأعيان أبو القاسم بن الصقر من الضرح ببهلا 1/434 .
(2) 1- الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه
رجل، فقال : يا رسول الله إنَّ لي مالاً وولداً، وإن أبي يجتاح مالي، فقال : أنت
ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم»
قال في جامع الأصول 1/399 رقم 191. أخرجه أبو داود رقم 3530 في البيوع
وأخرجه ابن ماجه رقم 2292 في التجارب وأخرجه أحمد رقم 6678، 690،
7001 وإسناده حسن . (8/68)
صفحة 1187
عن الشيخ أبي محمد : اختلف علماؤنا في أخذ الأب مال ابنه في حياته وتملكه عليه أو شيء منه، فأجاز ذلك بعضهم وأباه آخرون، كان الأب مثر أو مقتراً، وقيل جائز لذي الإقتار ومحظور على المثري، كان الابن صبياً أو بالغاً.
مسألة
[ حكم انتزاع مال الابن ]
عن أبي الحواري رحمه الله : لا يجوز انتزاع مال الأب مال الولد لأبيه فيما عينه قائمة كالدار والعقار، وأما فيما يضمحل فجائز، وقول لا يجوز
إلا فيما يمون به نفسه من نفقته وكسوة بفرض ذي الأمر إذا استحق، ولا
يجوز للأب تناول شيء من مال ابنه إلا بانتزاع وإشهاد، وقول أخذه له هو الانتزاع، واختلفوا في وجوب الحد عليه إذا باشر قينة ابنه التي يطؤها مع
علمه بحجرها عليه ، فأثبته عليه بعضهم وأهدره آخرون للشبهة .
مسألة
[ حكم سر قينة الزوجة بعد موتها ]
وإذا هلكت المرأة عن زوج وابن ولها قينة، فشاء زوجها أب الابن
الإفضاء إليها، فلا يجوز حتى تصير حصته لابنه ملكاً بوجه حق أو هبة أو شراء، وقيل له ذلك، والأول أصح، وهو أبي مروان(1) .
مسألة
[ شرح حديث أنت ومالك لأبيك ]
والأصح أن قوله - صلى الله عليه وسلم - «أنت ومالك لأبيك» لأن اللام ليست لام تمليك، ولو كان كذلك ما حد الأب في مباشرة ابنته، وقد أجمعوا بوجوبه عليه
وإن أضيفت لأبيها، فإن قيل : فما فائدة الحيز، قلنا : يجب أن يصرف إلى
جهة لا يلحقها التناقض، وهو إن احتاج إلى خدمتك ونشبك فاخدمه
وواسه بما يحتاج إليه من المال ، وقد أراد النبي - - صلى الله عليه وسلم - - أن يميز لنا حال
الأب من الأجنبي .
مسألة
[ تفسير قوله تعالى { ولا تأكلوا... } ]
قال الله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } (2)
__________
(1) 1- أبو مروان : هو سليمان بن الحكم وأخوه المنذر بن الحكم من عقر نزوى من علماء =
(2) = القرن الثالث وهو ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك - رحمه الله - وله مناظرات
علميه. انظر إتحاف الأعيان 1/427 .
1- سورة النساء آية 2 . (8/69)
صفحة 1188
، أي مع
أموالكم، وقول : { لأصلبنكم في جذوع النخل } (1) ، أي على جذوع النخل، وغير ذلك كثير من الآي ولأن أدوات الخفض ينوب بعضها
مناب بعض .
مسألة
[ حكم انتزاع مال الولد عند موته ]
ولا يجوز للأب انتزاع مال الولد عند موت الولد، ولفظ الانتزاع أن
يقول : قد انتزعت مال ولدي فلان وأحرزته عليه، ومن انتزع مال ولده
حذراً أن يرثه وارثه هدر الانتزاع، وعلى الأب التوبة من نيته .
مسألة
[ حكم انتزاع مال الولد ]
وإذ انتزع مال ولده ما أعطاه صح انتزاعه، ولا يصح فيما اكتسبه الولد، هذا رأي، وعليه رده إليه ما لم يتلفه، وقيل ليس له انتزاع ما قد قضاه إياه من إرش كلم أو غيره .
مسألة
[ حكم تعويض الابن عما انتزع ]
وإذا انتزع الأب من نشب شبله شيئاً فنشبه من جميع شمله من أداء حق شهد عليه فيه شاهدا عدل جاز انتزاعه، فإن كان ذا ثروة عوض ابنه بقدر ما أتلف عليه ، وقيل لا عوض له فيما تشعب، وله فيما عينه قائمة .
مسألة
[ حكم تصرف الأب في مال ابنه المفقود ]
و إذا ضرب الابن في سبسبة أو مهمهة فصار حكمه مفقوداً أو غائباً
وانتزع أبوه من نشبه شيئاً جاز له ما لم يصح موته، لأنه حكمه الحياة، وإذا انتزع الأب مال ولده ولم يخرجه من يده فضرب وفيقات فباع الولد ماله
فآب الأب فرام أخذ المال فليس له ذلك، وبيع الولد تام، وإن قضاه في دينه يثبت القضاء، لأنه إذا لم يخرجه الأب من يده بعد الانتزاع فحكمه لولد، وكذلك إن هلك الأب .
مسألة
[ حكم تصرف الابن فيما أعطاه لأبيه ]
__________
(1) 2- سورة طه آية 71 . (8/70)
صفحة 1189
وإذا أقر لولده بمال فلا يجوز الانتزاع منه، وجائز أن ينتفع بما لا يدله من مؤونة كمثل ما يحكم له به الحاكم على ولده، وقيل أنه جائز والأول أصح، وكذلك ما أصار إليه من غيره، وإذا انتزع الأب مال ابنه وعلى الأب دين فهلك الأب، فرام الابن والديان أخذ المال، فإن كان للأب مال فللولد ماله دون الديان، وإن لم يكن فذو الدين أحق بالمال، وقول هو للولد ما لم يزله الوالد من يده .
مسألة
[ حكم السيطرة على مال الولد ]
وإذا أشهد الوالد على انتزاع كل مال لولده ثبت في كل شيء للولد، إلا ما كان مضموناً على غيره من الحقوق، وفيه اختلاف على ما سبق .
مسألة
[ حكم أخذ الابن من مال أبيه ]
وإذا انتزع الأب نشب شبله، واحتاج الشبل إلى أخذ شيء من ماله الذي انتزعه أبوه منه جاز له ذلك علم الأب أو لم يعلم .
مسألة
[ حكم ما أتلفه الأب من مال الأولاد ]
وإذا قضى الأب بنية مالاً بصداق أمهم دون ذلك، وله أولاد غيرهم، وإن نيته التسوية بين أولاده فأتلف منه شطراً، فما أتلفه فماض، وما بقي فللأولاد.
مسألة
[ حكم الرجوع في عطية الابن ]
ومن أعطى ولده شيئاً ثم نزعه منه، فإن كان الأب ذا ثروة والابن مقتر بطل انتزاعه، وإن كان الابن مثر أبان الانتزاع صح انتزاعه، وذلك للأب خاصة دون غيره .
مسألة
[ حكم رجوع الأم ]
وإذا أعطت الأم ابنها شيئاً من نشبها فليس لها الرجوع عليه ولا انتزاعه، وليس لها كالأب إذا أحرز الابن العطية، وإن مالها أن تعتاش وتكتسي من
ماله بالمعروف رضي أو كره .
مسألة
[ حكم الرجوع عن الرجوع عند السياق ]
ومن أعطى ابنه عطية فأحرزها فأشهد على انتزاعها، فلما أن أسر
سياقه وونت خطا ساقه أشهد برده على ابنه فإنه يرجع للابن دون غيره
من الورثة ، وعلى الأب ضمان ما أكله من غلته .
مسألة
[الإقرار في العطية ]
ومن أقر لشبله بشيء من نشبه ثم شاء، فإن انتزعه على غضب ولم
يخرجه من يده حتى هلك الأب فهو للولد، وهو إقرار، وبين الإقرار (8/71)
صفحة 1190
والعطية بون، وللولد التصرف في هذا المال، ولمن صار إليه شيء منه أخذه، لأن الأموال إنما تحل وتحرم بالأحكام .
مسألة
[ إقرار الوالد للولد بحق وحكم انتزاعه وأقسام الانتزاع ]
عن محمد بن روح(1) رحمه الله : ومن صير الوالد شيئاً من نشبه، أو سبده
أو لبده لولده بحق أقر له به ولا يعلم الولد أنه يتموأ على حقه وانتزعه من غير ضرر، فله ذلك إذا اضطر أو حاذر أن تبلغه الولد في غير جله، أو يمسكه عليه شفقة، وأن يكن الأب مثر فلا يجوز له فيما بينه وبين الله، وفي الحكم جائز .
مسألة
[ أقسام الانتزاع ]
والانتزاع على ثلاثة أقسام : ضرار واضطرار واختيار، فالإضرار لا يجوز، وهو إذا كان الأب مثر، وهذا يسمى اللص، وأما الاضطرار فجائز، وهو أن يأخذ ما يحتاج إليه، والثالث الاختيار، وهو الذي ورد فيه الاختلاف .
مسألة
[ أثر الحاكم في منع الوالد من التصرف في مال ابنه ]
وللحاكم أن يحول بين الأب والتصرف في نشب ابنه، فإن مضى
تصرف، وإذا كانت أم الابن مطلقة وقف ثمنه مع أمه لمئونته إذا لم يكن
الأب ثقة، كانت الأم مأمونة وإن يكن الأب ثقة كان في يده، ويجري منه
على ولده النفقة .
مسألة
[ قول أبو المؤثر في التصرف ]
عن أبي المؤثر رحمه الله : لا يمنع الأب التصرف في مال ولده، كان في حجره أو حجر أمه، ولا يحال بينه وبين بيعه، ولا ينزع ثمنه، ولا يوقف
عليه، وعلى الأب مؤونة ولده إذا نوى نشبه .
مسألة
[ حكم بيع مال الولد ]
__________
(1) 1- محمد بن دوح : هو الشيخ العالم الفقيه أبو عبد الله بن روح بن عربي الكندي
النزوي السمدي من علماء النصف الأول من القرن الرابع وهو والشيخ دمشقي بن
راشد أبي سعيد الكدمي وأبو الحسن محمد بن الحسن أيضاً من شيوخه العلامة أبو
الحواري ، والشيخ مالك بن غسان بن خليد ولم يعرف تاريخ وفاته انظر إتحاف
الأعيان في تاريخ بعض أهل عُمان 1/210 - 213 . (8/72)
صفحة 1191
عن أبي زياد(1) : وإذا باع الأب مال ولده وكان مثر حكم للأب
بشروى مال، والبيع ماض. وروى سعيد بن المبشر(2) عن موسى أن من
نكح بنشبه ابنه بضة ومات له الشروى، وقول إذا طلب ذلك في حياة أبيه، وإلا فلا شروى له .
مسألة
[ حكم بيع مال الولد في غير مصلحته ]
ومن باع مال ولده في غير مصلحة الولد، وإنما نوى إتلافه، فقول يجوز
له ولمن يشتريه منه، وعلى الأب ضمانه في ماله، وقول لا يجوز، وهو
الأرجح. ومن باع ماله فاحتضر، فعلى الحاكم أن يوصل الولد أخذ
الشروى مطارف أبيه وتالده، وقول إذا لم يطلب ذلك الولد حتى احتضر
أبوه فلا شيء له .
النهج الخامس
في قياض الأب بمال ولده، ودينه عليه
وإبراء نفسه من ماله، وجنايات الصبيان
النهج الخامس
في قياض الأب بمال ولده، ودينه عليه
وإبراء نفسه من ماله، وجنايات الصبيان
مسألة
[ حكم ما أتلفه الأب من مال ابنه ]
عن أبي سعيد عبد الله رحمه الله : وجائز للأب أن يقاض بنشب شبله، وأن ينكح قينته، وقيل لا يصح مقايضته إلا لما تلجئه الضرورة إليه لمئونته، وإذا أتلف الأب سبد ابنه قوم عليه يوم أتلفه.
مسألة
[ حكم نكاح الخرعوبة من مال الولد ]
وإذا نكح الأب خرعوبة من نشب شبله، فادعى الابن أن المهر أوكس مما ادعاه الأب، فالقول قول الأب، وليس على من بقي من أشباله محاصصة
__________
(1) 1- أبو زياد : هو الشيخ العلامة الفقيه أبو زياد الوضاح بن عقبة النزوي من أجل الفقهاء
بالقرن الثالث الهجري حضر بيعة الصلت بن مالك، وإذا حضر الوضاح اجتماعاً
ارتضاه الناس وأطاعوه ، وكان يصلح ذات البين ويفتي وينصح في الله. انظر نزوى
عبر الأيام ص91 .
(2) 2- سعيد بن المبشر : عالم ووالده مبشر وسليمان من رجال العلم في زمانهم. والشيخ
سعيد من أكابر العلماء ومن علماء عصره هاشم بن غيلان وأبو مودود والقاسم بن
شعيب وله مسائل عند الإمام غسان ابن عبد الله بن محمد بن أحمد. انظر إتحاف
الأعيان في تاريخ بعض أهل عُمان 1/425 - 426 . (8/73)
صفحة 1192
أخيهم بما قضى والده من ماله، إلا أن يصدر الأمر عن رأيهم، ولا أدى
للابن على أبيه إلية أن عليه لعرسه ذا وذا، وإنما للولد الإلية على زوجة أبيه
أنها ما تعلم أن أباه قضاها هذا المال بغير حق، ولا إلجاء ولا بعضه .
مسألة
[ حكم القضاء في الوصب ]
ومن كان له نصف دار ولابنه النصف، فأشهد في وصية المرض الذي احتضر فيه أنه قد قضى ابنه هذا المنزل وهو غير شريك، فهذا قضاء
ضعيف، ولورثته الخيار، فإن أتموا ففي حصته، فإن شاءوا أخذوا
ميراثهم منه ودفعوا ثمنه للابن المفضي برأي العدول، وأما حصة الابن
الشريك فلا يثبت عليه لأخيه، لأن القضاء كان في الوصب، ولو كان
في الصحة لجاز .
مسألة
[ المطالبة بفك نشبه بعد بيعه ]
ومن باع نشب شبله وجاء الشبل بالثمن ليفك نشبه، فأبى المشتري،
فلا حجة للولد، إذ بيع أبيه وبيعه سيان .
مسألة
[ أخذ مال البنت في حال مرضها ]
عن أبي علي : ومن قضى نشب ابنته في وصبها زوجه بمهرها؟ فلا، فإن كان له نشب فلا نحب أن يذهب حقها، والقضاء جائز، وقول باطل أو
كونه في الوصب .
مسألة
[ مشاركة الأخ إخوته في مال أبيهم بعد أخذ ماله الخاص ]
ومن كان له عدة أشبال ولأحدهم نشب ورثه من أمه، فقايض الأب بمال ولده هذا، فهلك الأب، فالمال المقايض به أبوه هو له دون إخوته، وله حقه
مما خلفه أبوهم .
مسألة
[ حكم القضاء في مرض الموت ]
وإذا قضى الأب مال أولاده في دين عليه وهو مريض ثم مات، فإن كان أبو وقع(1) القضاء في مال معروف فهو ثابت، وإن كان مجهولاً فباطل .
مسألة
[ إعطاء الأب الابن بماله له من حق على الأب ]
وإذا قضى الأب ابنه الصبي شيئاً من ماله بحق عليه، فهذا غير ثابت، وإن كان الابن بالغاً ثبت، ولو لم يحرزه .
مسألة
[ حكم شراء مال الولد ]
ولا يجوز للأب أن يشتري مال ولده لنفسه، فإن كان فعل المال للولد
__________
(1) 1- هكذا في الأصل ، ويفهم من العبارة فإن كان معلوماً وقع القضاء. وهذا ما يعرف
بدين الصحة . (8/74)
صفحة 1193
ما لم يزله الوالد، ولو أشهد أنه اشترى من نفسه مال ولده فلا يجوز، وإن أشهد أني قد انتزعت مال ابني فلان منه لنفسي جاز .
مسألة
[ حكم توكيل الأب وكيلاً في بيع مال ابنه ]
ولا يجوز أن يوكل الأب وكيلاً في بيع سبد نجله، وإن قابض الأب
نفسه بسبد نجله فلا يجوز وهو للنجل، وهذا رأي أبي عبد الله .
مسألة
[ حكم الرجوع قبل بلوغ الولد ]
ومن أخذ من نشب ابنه شيئاً فقضاه أنمي منه، فإذا لم يرجع الأب، وإن رجع قبل بلوغ الولد وإحرازه فله إرجاعه، فإن مات إلا على الإتمام فليس لورثته الرجعة .
مسألة
[ توكيل الأب وكيلاً في قبض المال من ابنه ]
وإذا كان على الأب حق لابنه ووكل وكيلاً في قبضه منه إذا لم يكن في المصر حاكم، وقيل ولو كان حاكماً وفعل ذلك جاز .
مسألة
[ حكم أخذ الابن حقه دون علم الورثة ]
و من عليه لابنه حق ، فمات ولم يوصي به و لم تكن له بينة أو حجة
توصله لأخذ حقه جاز له أخذ حقه سريرة، وأعلم الورثة أنه قد أخذ حقه، فلعل لهم حجة أو يوصلوه لأخذ حقه، وإذا كان الورثة غير عالمين بما في
ذمة هالكهم فلا بأس عليه إذا لم يعلمهم وأخذ من جنس حقه .
مسألة
[ تقديم دين الأجنبي على دين الولد ]
وإذا كان على الأب دين للأجانب ودين لشبله، فأوصى بأدائه فدين الأجانب أولى من دين الولد، فإن بقي بعد أداء دين الأجانب بشيء أخذ
منه الولد حقه، وليس له أخذ حقه دونهم ولو قدره(1) .
مسألة
[ قضاء الابن ما عليه من دين ]
عن محمد بن محبوب رحمه الله : ومن كان عليه دين لابنه فقضاه إياه
في صحته، فهلك الأب عن دين للأجانب فلا حجة لهم على الابن فيما
قضاه أبوه فلا يسجن الأب في حق ولده البالغ وبأمره ذووا الأمر بأدائه، وأما الصبي فلا يحكم له بشيء .
مسألة
[ حكم إبراء الأب نفسه من مال ولده ]
__________
(1) 1- السبب في تقديم دين الأجنبي على دين الولد لأن للوالد حق في مال ابنه غير الميراث.
والحديث الذي يقول (أنت ومالك لأبيك) . (8/75)
صفحة 1194
وإذا إبراء الأب نفسه من حق عليه لابنه جاز وسقط عنه الحق، وإن كان
في المرض ففيه اختلاف، ولا يجوز أن يبرئ نفسه بالنية.
مسألة
[ جواز قضاء الابن عن أبيه العبادات والمعاملات ]
ومن مات وعليه دين إذا أنه لمصالح نفسه وعياله من غير إسراف، وعجز عن أدائه وله شبل مثر، فعلى ابنه أن يقضي دينه، وأن يحج عنه ويصوم إذا طاق الصوم، وليس ذلك على الأب لابنه .
مسألة
[ إبراء الأب نفسه من مال ابنه في مرض ابنه ]
ومن أبرأ نفسه من مهر أم ولده، والولد مريض، فقال سليمان بن
عثمان(1) أنه ببراء، وأبا ذلك هاشم بن غيلان رحمهم الله .
مسألة
[ إبراء الأب نفسه من مال ابنه ]
ومن أبرأ نفسه من حق ولده، فلما حضره الموت رده عليه، فعن هاشم
أنه يعود للولد، وقيل لا يجوز لأب أن يبرئ نفسه من حق ابنه قبل أن
يطالبه، وقيل جائز .
مسألة
[ حكم إبراء نفسه من حق عليه ]
ولا يجوز أن يبرأ نفسه من حق وجب عليه لابنه من قبل
الإرش، وإذا وجب الإرش على الأب لغير ابنه، فانتقل للابن بحق
كميراث أو غيره، ففي ذلك اختلاف، فأجاز بعضهم أن يبرأ نفسه
منه، وأبا إجازته آخرون .
مسألة
[ حكم البراءة من مال الصبي ]
عن أبي مالك(2) رحمه الله : ومن لزمه حق لصبي من قبل إرضاء ففي
براءة أبيه منه اختلاف، قول : ليس له أن يحل من ذلك حتى يبلغ
الصبي، وقول : له أخذ الإرش وليس له أن يحل منه، وقول : له أخذه
والحل منه .
مسألة
[ بيع الأب مال ابنه ]
عن أبي عبد الله : لو باع الأب مال ابنه فمات لم يحكم له بشيء
في مال ابنه، وإن أدان من ولده ديناً فمات حكمت له بأخذ حقه مما
خلفه أبوه .
مسألة
__________
(1) 1- سليمان بن عثمان : أبو عثمان من عقر نزوى وهو من علماء النصف الثاني من القرن
الثاني وأوائل القرن الثالث وهو قاضي الإمام غسان بن عبد الله وقد أخذ الإمام بفتواه
في فلج الخطم من منح. من مشايخه موسى بن أبي جابر الأذكوي. انظر إتحاف
الأعيان 1/428 .
(2) 1- أبو مالك : لم أعثر على اسمه . (8/76)
صفحة 1195
[ حكم استعمال الصبي بغير رأي أبيه ]
ومن استعمل صبياً بغير رأي أبيه وأراد الخلاص، جاز لأبيه أن يبرأ به
من حق ابنه، وقيل لا يجوز .
مسألة
[ حكم الحاكم فيمن أبرأ نفسه ]
ومن كان له حق على أبيه فرام استيفاءه منه فأبى، فرفع عليه مع الحاكم فأبرأ نفسه منه، فأهدر الحاكم الحق، فقال الابن : في حكم من هذا، فقال
أبو عبد الله : هذا حكم من قال : «أنت ومالك لأبيك» .
مسألة
[ تأديب الصبي ]
عن الشيخ أبي الحسن(1) : إذا بلغ الصبي عشر سنين ولم يسارع إلى
تأدية لوازمه من صلاة أو وضوء، ضرب على ذلك عند وجوب التعبد عليه
إذا كان عارفاً(2) ، وليتق الأنجاسَ وأكل أموال الناس لأنه يوحده .
مسألة
[ متى يكلف الغلام ]
فإن قيل لم تكتب عليه سيئاته ولم تكتب عليه حسناته، لقوله - - صلى الله عليه وسلم -- : «رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقن، وعن المجنون حتى يفيق ،
وعن الطفل حتى يبلغ»(3)
__________
(1) 1- أبو الحسن : هو الفقيه العلامة صاحب التصانيف المفيدة التي تمتاز بحسن السبك
ودقة الأسلوب. والشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن
البيساوي الأزدي اليحمدي. من شيوخه أبو محمد بن بركة البهلوي ومحمد بن أبي
الحسن النزوي، وكان أبو الحسن أصم ثقيل السمع. من مؤلفاته كتاب الجامع مطبوع
باسم جامع أبي الحسن والمختصر المعروف بمختصر البيساوي وغيرها من الكتب انظر
إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل عُمان 1/229 - 236 .
(2) 2- الحديث عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - مروا أولادكم بالصلاة و هم أبناء سبع ، و اضربوهم عليها =
(3) = وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم المضاجع» جامع الأصول 5/187 رقم 3243 أخرجه
أبو داود رقم 495 ، 496 في الصلاة وإسناده حسن .
1- روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وعن عائشة وعلي رضي الله عنهما
بأرقام عند أبي داود 4399 ، 4400 ، 4402 في الحدود وإسناده حسن وانظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/506 رقم 1823 ، 3/611 . أرقام 1945 ، 1946 . (8/77)
صفحة 1196
، فلما كان القلم مرفوعاً وجب أن لا يطالب بفعل سيئاته، وصار مخصوصاً بالخير .
مسألة
[ الصبي المأذون له ]
ومن رام من قوم غرضاً فأقدم إليهم صبي، فإن اطمأن به قلبه أنه مرسول به ممن يجوز إرساله جاز له ذلك .
مسألة
[ تصرفات الصبي ]
وإذا اشترى الصبي شيئاً فلا يعجبني لبائعه أن يستعمله بشيء، ويجعل
المباع على الدقعاء حتى يحمله الصبي من ذات نفسه .
مسألة
[ ضمان ما أتلفه الصبي ]
وعلى الصبي ضمان ما أكل من أموال الناس ظلماً، فإن لم يفعل حتى
هلك رجونا له السلامة، وإن تقدمت له ولاته فهو على ولايته، وقيل إذا بلغ وذكر لزمه الخلاص، وإذا لم يعيله في صباه فلا يدله عليه إذا بلغ .
مسألة
[ حكم ما جناه الصبي ]
وما جناه الصبي بفيه أو ذبذبه فهو في ماله على الأصح، وقيل
على عاقلته، وهو رأي موسى بن علي، ولو لم يذكره بعد إيناس رشده
هدر منه .
مسألة
[ ضمان ما تمتع في صباه في ماله ]
وقيل كلما تمتع به الصبي في صباه من أكل أو شرب أو لباس أو مباشرة فهو في ماله، وما تواه ولم ينتفع به لم يلزمه ضمان ولا يلزمه عاقلته(1) .
مسألة
[ جناية الصبي على الدابة ]
وإذا أكلم الصبي دابة، فحاذر بها تلفها فذكاها، فلا يلزم الصبي شيء، على قول في ماله، وقول على عاقلته .
مسألة
[ حكم ما اكتسبه الصبي من الحرام ]
وإذا لعب الصبي القمار فاكتسب شيئاً، فإن عرف أربابه تخلص إليهم
منه، وإلا فليتصدق به على مستحقه، وذلك بعد بلوغه .
مسألة
[ شيء من جنايات الصبي ]
وإذا عمرت امرأة صبياً فعض أنملها فأكله فعليه الإرش، وإن ماتت فلورثتها تسلمه كابنة عاقلته .
مسألة
[ أحكام اللقيط ]
__________
(1) 1- تصرفات الغلام اختلفت العلماء فيها فمنهم من منعها ومنهم من أجازها إذا كانت
نافعه نفعاً محضاً وغير جائزة إذا كانت ضارة وموقوفة على الحاجز إذا كانت تحتمل
النفع والضر . وأما جناياته فهي في أمواله كما قال العلماء - رحمهم الله . (8/78)
صفحة 1197
عن ابن عباس رضي الله عنه عن علي أنهما قالا : اصنعوا بولد الزنا كما تصنعوا بموتاكم، واللقيط حر، وللمسلمين ولاؤه وعليهم عقله، والصلاة
خلفه جائزة، وشهادته مقبولة إذا كان أهلاً لذلك، ولا يضره صنع أبويه .
مسألة
[ أحكام المنبوذ ]
فإذا وجد المنبوذ في دار الإسلام كان حكمه حكم المسلم بالاتفاق من الأئمة، فإن دعاه ذوا ذمة وأقام على دعواه بينة مسلمة كان حكمه حكم أبويه، ولا تنازع بين العلماء في ذلك، والمنبوذ حكمه الحرية، لأنها الأصل والرق حادث عليهم .
مسألة
[ نسب اللقيط لامه ]
عن أبي محمد : اللقيط الذي لا أم له فإن اتضحت معرفة أمه رفع
إليها، وهو يعقل على من رباه .
مسألة
[ حكم أموال اللقيط ]
وإذا ألقت الأم ولدها في مسجد أو منزل قوم، فكفله أحد ثم هلك، وأرادت الأم الخلاص فليس عليها إلا التوبة، وإن هلك قبل أن يكفله أحد فعليها الدية، وهي تكون لإخوته من أمه، وليس لأبيه حق فيها إذا كان من زنا، وكذلك إرثه لعصبة أمه .
مسألة
[ حكم إلقاء الزانية وإتلاف ولدها ]
وإذا زنت المرأة فحملت وولدت فألقت ولدها ولم تعرف ما حاله، فعليها
ومن أعانها الجور العظيم، وأما الضمان فحتى تطرحه في موضع تلف ويتلف، وعليها الاجتهاد في إيضاح أمره، وإذا ألقت الزانية ولدها، فلما عادت لتحمله وجدت معه غيره فعزب عليها معرفة ابنها، فعليها حفظهما معاً، ونسأل أهل الذكر عما يلزمها فيهما، فإن تركتهما فهلكا لزمها ضمانهما.
مسألة
[ حكم عدم التقاط الغلام فمات ]
ومن ولج مسجداً ووجد فيه صبياً طفلاً، فتركه فمات، فإن تركه وسعى في تحصيل من يقوم فأدركه قد مات فلا ضمان عليه، فإن تركه سدى
فأخاف عليه الضمان، كان الواجد له أمام المسجد أو غيره.
مسألة
[ حفظ مال الصبي والصبي ]
ومن ضرب الدقعاء فوجد صبياً ملقاً في قبقات، فإن قدر على حمله
وحمل متاعه فعليه أن يحمله ويحفظ، وإن لم يستطع فالقيام بمصالح نفسه (8/79)
صفحة 1198
وماله ألزم، وعليه الاجتهاد بما بلغ حوله في حفظ مال أخيه فكيف بنفسه.
مسألة
[ حكم القيام بالمنبوذ ]
والقيام بالمنبوذ فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن من لم يقم به، ويلزم العالم به دون من لم يقم به، وواجب على آخذه أن يعلم حاله.
مسألة
[ مسائل في أحكام اللقيط ]
وإذا وجد المنبوذ وأعيله ورفع أمر وليه إلى ولي الأمر لينفق عليه من مال الله، لأن الميراث لبيت المال، وثراء اللقيط لمن يكفله، ومن كفل اللقيط
فليس له رده حيث وجده، ومن أشهد ملتقطه أني أنفق عليه، فإذا بلغ فلا
عليه نفقته وكسوته فله ذلك، وإن تطوع بذلك لوجه الله فله الأجر، ونهدر أجرته وغرمه، وإن أنفق الملتقط على اللقيط بإشهاد وعجز عن أداء ما لزمه استسعاه إذا أنس وبلغ رشده.
مسألة
[ لمن يدفع اللقيط ]
قال الربيع : وإذا أشهد الملتقط للقيط، وأشهد أنه إذا بلغ استسعاه بقدر حصته فله ذلك، وإذا وجد اللقيط متحنفاً وذا ذمة دفع للمتحنف، لأن
حكم الدار الإسلام.
مسألة
[ في كفالة اللقيط ]
وإن وجداه اثنان، فتشاقا فيه لم ينزع منهما إذا قاما بما يجب له، إلا أن يصح عجز أحدهما وقدرة الآخر فالأحسن تسليمه إلى ذي القدرة منهما، وذلك إذا لم يوجد معه سرف ولا ورق ولا بد ولا سبد.
مسألة
[ التقاط اللقيط أكثر من واحد لمن يكون ]
وإذا استوى الملتقطان في الأحكام كان في أيديهما، فإن نأت دار
أحدهما عن الآخر قورع بينهما، فمن خرجت له كان معه وعلى الآخر
حقه ومئونته، على قول من يقول من أصحابنا بالقرعة، وإذا بلغ وادعى
حافظاه أو سنواه رقه فلا يقبل قوله إلا بالبينة العادلة.
مسألة
[ حكم ما وجد عند اللقيط ] (8/80)
صفحة 1199
وإذا وجد عند المنبوذ نشب يجب أن يحكم له به عرفه المتولي لأخذه، وأشهد عليه حذر الحوادث أن يذهب نشبه ويحكم له بما وجد على علاءته أو فراشه الذي عليه، وينفق عليه منه بالمعروف، وما وجده من نشب إزاء محل المنبوذ، وليس هو على فراشه ولا تحت رأسه فلا يحكم لربه وهو لقطة ويحكم له أيضاً بما يوجد مصروراً على فراشه وفي ملاءته أو دابة يجده من سنمها.
مسألة
[ الإقرار للقيط ]
وإذا أقر مقر للمنبوذ بنشب وللمنبوذ نشب، لم لا يدفع إليه حياً ولا ميتاً؟ فإن قيل : لم أبيتم عليه حكم النسب بالأبوة، ولم له بنشبه بعد موته؟ قلنا : لأن إقراره بأنه ولده إقراراً منه على نفسه، وإقراره على نفسه مأخوذ به،
وإقراره لنفسه دعوى منه ، ومن أقر للقيط بنسب منه ، لأنه أقر له بحق على
نفسه، فإن أقر للمنبوذ قن هدر إقراره إلا أن يصدقه سيده، ولا يجوز له
إقرار القن على نفسه وإلا ما في يده، لأنه إقرار على سيده.
مسألة
[ حكم اللقيط الخنثى ]
وإذا أمر للقيط رجلان، فقال أحدهما أنه ابنته، وادعى الآخر أنه ابنه،
فإذا هو خنثى، فقال أبو المؤثر : إن بال من عرده فهو ذكر ويحكم به لمن
قال أنه ابنه، وإن بال شكره حكم به لمن ادعى أنه ابنته، إذا أقاما على
دعواهما البينات.
مسألة
[ إشكال أمر اللقيط بين الرق والحرية ]
وإذا اشتكل أمر اللقيط وقف بين المدعيين حتى يتضح أمره، وإذا أقر
بالرق بعد بلوغه هدر قوله وإقراره، لأن اللقيط لا يعرف كيفية حاله،
فكيف به هو بنفسه وهذا محال.
مسألة
[ لمن يكون ميراث اللقيط ]
عن أبي محمد أن ميراث اللقيط لمن رباه ومانه، وقول له ما أنفق، ولا ميراث له، وقيل هو لبيت المال، وقول لذي الإقتار من جنسه إذا لم يكن له رحم، وهو رأي أبي الحسن.
مسألة
[ أثر الحنان على اليتيم ] (8/81)
صفحة 1200
ويروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «من وضع يده على رأس يتيمه رحمة له كتب الله ما أخذت يده شعراية(1) حسنات، ومحي عنه مثل ذلك من السيئات». وقال عن مجاهد(2) : «من تولى يتيماً وأرملة فأحسن إليهما، فكمن جاهد في
سبيل الله، القائم الليلة الصائم لنهاره». يقال زنى فلان في حجر فلان، بفتح الحاء وكسرها والفتح أجود.
مسألة
[ أهمية القيام على مصالح اليتيم ]
والقيام بمصالح ذوي اليتيم فرض لا لبيع الناس تركه لقوله تعالى : { وإن تقوموا لليتامى بالقسط } (3) فذلك لازم لمن لزمه بولاية ووصاية أو وكالة.
مسألة
[ وجوب تعين الكافل لليتيم ]
وإذا لم يكن لليتيم كفيل جعله الحاكم وماله عند من يأمن عليه، فإذا لم يكن حاكم فجماعة المسلمين ولو بأجر من ماله، فإن لم يكن له مال ابنه،
ولا يضرب اليتيم على الصلاة وإذا خيف عليه من البروز من منزله فجائز أن يهدد ويزجر ويتوعد بالعقوبة إذا كان من مصالحه ولو بربط على نظر
الصلاح لم يرى على رابطه شيء وإن أثر الحبل في جسده لم نرى ضمان
على رابطه إذا قصد إصلاحه.
مسألة
[ إجراء ما يلزم اليتيم من المؤونة ]
__________
(1) 1- وردت أحاديث كثيرة في كفالة اليتيم والإحسان إليه والحديث له شواهد ولكن بهذا
النص لم أعثر عليه.
(2) 2- مجاهد : مجاهد بن جبر الإمام شيخ القراء والمفسرين، أبو الحجاج المكي الأسود
مولى السائب بن أبي السائب المخزومي روى عن ابن عباس فأكثر و أطاب وعنه أخذ
القرآن والتفسير والفقه وعن أبي هريرة وعائشة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن
عمرو ، وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم حدث عنه عكرمة وطاووس وعطاء وهم
من أقرانه وعمرو بن دينار وأبو الزبير ، والحكم بن عتبة وغيرهم الكثير رحمهم الله
اختلف في وفاته فقيل 102 ، 103 ، 108هـ .
انظر سير أعلام النبلاء 4/449 - 457 رقم 175 .
(3) 3- سورة النساء آية 127 . (8/82)
صفحة 1201
وعلى ذوي الأمر والوكيل أن يجري لليتيم من ماله مئونته على قدر ماله بعد صحة معرفته مع ذوي الأمر عند أمه أو من يمونه بقدر ما يستحق ويعتبر سنة أهل البصر.
مسألة
[ واقع اليتيم الأنثى ]
وإن كان اليتيم أنثى ولم يستطع الإتيان لأولى الأمر أشهد الحاكم على معرفتهما بما تستحق عدلين وحكم لها بشهادتهما.
مسألة
[ ما يعطى اليتيم للأعياد ]
ويعطى اليتيم بقدر ماله من اللحم للأعياد ويُستَطنَى له يوم القيض باسقات ليأكل من رطبها وتمرها وإذا لم تفضل مئونته ولم تف ورضي بها من يمونه جاز أن يعطاها إذا أمن الضرر على اليتيم .
مسألة
[ ما يأخذه المنفق من مال اليتيم ]
وإذا أنفق من بيده مال اليتيم عليه مدة فأمن بيده نشبه أن يسلم له أنفق(1) ولمن أنفق أخذه ذلك فيما بينه وبين الله.
مسألة
[ ما يعطى اليتيم ]
ومن تطوع بالنفقة على ذي اليتيم ثم رامها فليس له بذلك حتى
يخرجها بها الحاكم لليتيم على يديه وأجاز لوصيه ووكيله أن يعمل في
ضيعته بالأجر كغيره.
مسألة
[ ما يحكم لأم اليتيم من النفقة ]
وإذ كان القيام باليتيم يشغل أمه عن الكسب لمعاشهما فللحاكم أن
يفرض لها في ماله إذا كان مثرياً بالمعروف أو جماعة المسلمين عند عدمه،
وعند فقدهم جاز لها أن تحكم لنفسها كمثل ما يحكم لها به الحاكم.
مسألة
[ رأي أبو سعيد في نفقة الأيتام ]
عن أبي سعيد أنه رأى امرأة مات بعلها وترك أيتاماً فأمر لها أن تنفق
عليهم وتأخذ من مالهم بسعر البلد.
مسألة
[ أحوال نفقة اليتيم في الغنى والفقر ]
وجائز لليتيم المثري أن يكتسي الكسوة الحسنة ويعطي أجرة المعلم ويضحي في الأعياد ويتخذ له المنيحة وكل ذلك من ماله، وإن يكن ذا إقتار
فله بقدر من مال لنفقته والكسوة المشروعتين.
مسألة
[ حكم التوسع في الإنفاق ]
وله أجرة المعلم وإذا كان في مال اليتيم سعة جاز أن يتخذ له
__________
(1) 1- الأخذ من مال اليتيم عند الحاجة بقدر مناسب دون زيادة على الحاجة. لأن هذا هو
الأخذ بإحسان. (8/83)
صفحة 1202
خادماً يخدمه.
مسألة
[ حُلي اليتيمة ]
وجائز أن تحلى اليتيمة من غير إسراف وإذا كان في مال اليتيمة سعة جاز أن تحلي باللؤلؤ والتبر واللجين وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلي ابنة نميط وهي يتيمة.
مسألة
[ ما يستعمله اليتيم من الأصابغ والأدهان ]
وجائر صبغ ثياب اليتيم بالشوران والنيل، وإذا كان في ماله سعة صبغت بالزعفران. وجائز أن يشترى له الذي كان يعتاده عند أبيه كالطيب والحناء وغير ذلك إذ كان ذا ثروة وله ما احتاج له المداراة طعامه والآنية وما يحتاج
له عند يقظته ومنامه من فرش ولحف. وإذا اعتراه وصب غذي من ماله ودووي واشتري له مالاً بدله منه ولم لم يكن من الغلة، وأما إذا كان على معنى الثروة والتفكه فلا يكون الأمر فضل غلته بلا مضرة.
مسألة
[ من هو المكلف بفرض النفقة ]
وإن تعذر على ولي اليتيم حصول الحاكم لفرض له المؤونة وجماعة
المسلمين باع من ماله بقدر مئونته بنظر من حضره من المسلمين وأنفق عليه لإزالة الضر عنه فإذا بلغ اليتيم ونازعه حلف له أنه ما خانه.
مسألة
[ دور الوكيل في الحفاظ على اللقيط ]
وعلى وكيل أن يتعاهد حاله وينفق أمواله وجائز أن يباع المال الذي فيه حصة اليتيم على نظر الصلاح لغير المتغلب ولا يشتري مال اليتيم الأمر
العدل ولا يباع ماله إلا بالندى ولا ينادي عليه سوى العدل.
مسألة
[ ما يجوز لوصي اليتيم في أموال اليتيم ]
ولوصي اليتيم أن يبيع ماله مساومة على نظر الصلاح وأما الحاكم فلا، وقيل : لا يباع بالمساومة إلا العروض والحيوان وأما الأصول فلا إلا بالنداء وبينا ثبت البيع.
مسألة
[ متى يتم البيع ]
وتباع رثة الهالك مع اجتماع الناس حيث يرجا توفير الثمن.
مسألة
[ عدم جواز بيع الأصول ]
ولا تباع أصول اليتيم فيما دون ثلاث جمع ويعقد صفقة البيع
في الرابعة.
مسألة
[ عدم جواز مخالفة أمر الهالك ] (8/84)
صفحة 1203
ولا يجوز بيع مال ذي اليتيم إلا لمن يلي أمره إذا كان زدنا ويشتري له أحسن منه، فإن فعل ذلك ضمن، وإذا أوصى الهالك على وصية بع
مالي الفلاني وأدي بثمنه ديني فاختار الوصي مالاً غيره فليس له مخالفة
أمر الهالك.
مسألة
[ ما يجوز لأم الأيتام ]
وإذا وكل الخيار أم الأيتام أن تبيع من مالهم للخراج فزكاتها باطلة وقيل للأم أن تبيع من مال أولادها لما يحتاجون إليه هم وهي من النفقة إذا حل وحصل مشتريه ومحظور على المشتري شراءه إذا عرف وعلم أنه لليتيم إلا بحجة الوصايا أو الوكالة وإذا كان على غير المنوال فللورثة الخيار إذا بلغوا
في نقض البيع وإتمامه.
مسألة
[ شراء مال اليتيم بدون حجة ]
ومن اشترى مال اليتيم بغير حجة فأثمر وكانت الثمرة لليتيم ومن رغب مشتر لمال فيه لليتيم حصة فعليه التوبة ولا سيّما في الأصول إذا علم
بحصة اليتيم.
مسألة
[ كيفية التعامل بالمال المشارك فيه اليتيم ]
ومن اشترى باسقة من قوم وصح أن فيها حصة ليتيم فإن كان اليتيم محتاجاً وله وصي أو وكيل باع له حصة اليتيم لمئونته ومن باع نخلة على غير منوال شرعي فسلبها المشتري فهي لليتيم لأنه لم يزل عنها ملكه بذلك البيع.
مسألة
[ موقف اليتيم بعد البلوغ ]
ومن قضى مال اليتيم لآخر فلليتيم الخيار إذا بلغ فإن شاء أتم القضى وإن شاء أخذ ماله ورد الثمن فإن المال فليس له غلة فيما مضى.
مسألة
[ الوصية لليتيم ]
ومن أوصى في ماله بوصايا بحق وارثه يتم أو غائب فلهما حجة في الخيار إذا بلغ ذوا اليتيم أو آب من غاب.
مسألة
[ حكم اشتراط اليتيم عند البيع ]
وإذا اشترط وصي اليتيم عند بيع ماله شرطاً يزيل عنه الضمان لزمه
ضمان العوار في البيع والدرك في مالا يسم إذا كان له مال وإلا فالضمان
لازمه في ذمته.
مسألة
[ ماهية الشرط الذي يزيل الضمان ] (8/85)
صفحة 1204
وأما صفة الشرط الذي يزيل الضمان عن الوصي وهو يقول : أبيعك هذا المال ولا أعلم لي فيه أو لا ضمان علي في دركه وظهور عواره فهذا شرط يزيل الضمان عن الوصي واليتيم.
مسألة
[ مبايعة وكيل اليتيم ]
وجائز مبايعة وكيل اليتيم كما تجوز مبايعة وكيل الغائب.
مسألة
[ حكم البيع المؤجل الثمن ]
ومن باع مال يتيم وأجل الثمن إلى بلوغه فيها فهذا بيع ضعيف.
مسألة
[ حكم شراء مال اليتيم من وكيله ]
ومن اشترى مال اليتيم من وكيله واشترط عليه الخلاص من اليتيم فضمن له بذلك ثم هلك الوكيل فعلى المشتري رد المال وغلته على اليتيم وله العرض من مال الوكيل إذا صحت ضمانته له.
مسألة
[ إقامة المشتري من اليتيم ]
وإذا باع الوكيل دابة اليتيم فاستقاله(1) المشتري فليس له إقالته ويجوز لوصي اليتيم بيع ماله بمصالحه ولو في مرض الوكيل مثل الحيوان أو شبهه
وليس هو كمن يبيع مال نفسه.
مسألة
[ ما يلزم اليتيم من الشراء ]
وما اشترى وكيل اليتيم لليتيم من مال فأنكر لما بلغ لم يلزمه إلا ما كان فيه الشفعة لليتيم من المشاع فذلك ثابت على اليتيم.
مسألة
[ ما حكم كراهية اليتيم للعقد عند البلوغ ]
وإذا اشترى مشتر لليتيم مالاً فلما بلغ كرهه فالمال راجع على ربه وقيل على المشتري لليتيم وفي قوله تعالى : { ومن كان غنياً فليستعفف ومن
كان فقيراً فليأكل بالمعروف } (2) فهو لهذا أن يأكل ويحسب على نفسه
ديناً فإن أثري أداه لليتيم.
مسألة
[ صورة من المعاملات ]
وإن مات قيل أن يتخلص رجيت له السلامة، وقول : إن المعروف فضل الأدم وتسنم الدابة مما لا قيمة له، وأما ما أمكن ادخاره فلا يأكله.
مسألة
[ متى يأخذ وصي اليتيم من مال اليتيم ]
__________
(1) 1- استقالة من إقالة : والإقالة إعادة البضاعة بنفس الثمن الأول وورد عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - الحث على الإقالة وأنها من شيم الكرام.
(2) 2- سورة النساء آية 6 . (8/86)
صفحة 1205
ولوصي اليتيم إذا فرض فريضة وانفق عليه من ماله أن يأخذ العوض من مال اليتيم من ورق غيره وللمحتسب أيضاً ذلك لقوله تعالى : { وإن
تخالطوهم فإخوانكم } (1) .
مسألة
[ أثر اشتغال الوصي بمصالح اليتيم ]
وللوصي أن يفرض على ذي اليتيم في ماله وإذا حاذر الوصي ضرراً على نفسه ومن يمون إن اشتغل بنشب اليتيم وإن اشتغل بالكد توى نشب اليتيم
فله أن يقترض من مال اليتيم لقدر حاجته بالمعروف فإن أثرى أدى وإن مات ولم يؤد عجزاً رجونا له من الله الغفران.
مسألة
[ مدى جواز الانتفاع بمال اليتيم ]
وإذ أقرض الوصي مال ذي اليتيم ضمنه وإذا كان اليتيم رقيق وضاق نشبه عن مئونتهم فلا يجوز لأحد أن يستخدمهم بغير أجرة ولو أنفق عليهم، فإن فعل ذلك لزمته أجرة المثل وللوصي استخدام خادم اليتيم في اليسير من العمل ما لم يشتغل من عمل اليتيم.
مسألة
[ زكاة مال اليتيم ]
وللوصي أن يستعين على عمل اليتيم ويسلم له الأجرة من مال اليتيم ولوصي اليتيم أن يخرج زكاة ماله لمستحقها ولمن دفعها إليه قبولها ويخرج
عنه وعن من يمون زكاة الفطر على قول، وقول : لا يجوز وعليه إعلامه إذا
بلغ أنها وجبت في ماله زكاة وهي كذا وأنه لم يخرجها عنه.
وإذا كان في استخدام اليتيم مصلحة جاز له وإلا فلا لأنا أمرنا بالإحسان له ولماله إذا كان أهلاً لما يستخدمه فيه ولمن يمون اليتيم أن يقبض أجرته
وذلك للمستأجر.
مسألة
[ حكم استعمال اليتيم ]
ومن استعمل اليتيم برأيه وهو ممن لا يصلح للعمل خفت عليه الضمان.
مسألة
[ متى يضمن صاحب الدابة ]
وأجمعوا على تضمين من حمل صبياً على دابة فألقته قال أبو معاوية(2)
__________
(1) 1- سورة البقرة أية 220 .
(2) 1- أبو معاوية : هو الشيخ العلامة أبو معاوية عزان بن الصقر النزوي العقري مسكنه
غليفقه من عقر نزوى، يعد من أكابر علماء عُمان وكان في عصره العلامة أبو المؤثر
الصلت بن خميس الخروصي البهلوي، وله أجوبة كثيرة. كان عزان والفضل بن
الحواري فيما يروى كعينين في جبين واحد وكانا يضرب بهما المثل في عُمان. توفي
-رحمه الله- بصحار سنة 268هـ بعد وفاته سيخه محمد بن محبوب بنحو ست
سنين. انظر إتحاف الأعيان 1/195 - 196 . (8/87)
صفحة 1206
:
إذا استعمل اليتيم دابة فتسنمها فألقته في حد من يقدر على ذلك والدابة غير معروفة بالذعر عرواً والوعر والقماص(1) فلا ضمان عليه وإلا فهو ضامن وكذلك إن أعطاه ناراً أو مما يؤذي.
مسألة
[ ضمان من كان سبباً في سقوط الغلام من أعلى ]
ومن مرّ بصبيّ على باسقة أو دوحة وقد عصفت الريح فأمره
بالاستمساك فدهش فسقط فأصيب ضمن الداهش كان الصبي حراً
أو مملوكاً.
مسألة
[ ما جاء في الجامع من الضمان ]
وفي الجامع : ومن رأى صبياً يخرف مهو باسقة أو جنى دوحة فأمره بالنزول فسقط ذاعراً فإن نوى إذعاره ضمن ما أصابه وهذا شبه العمل ودية
في ماله، وإن نوى نهيه عن ماله فلا ضمان عليه.
مسألة
[ متى لا يكون على رب الشجرة ضمان ]
ومن أطلع صبيّاً باسقة بلا رأي أبيه فصرع ضمن، وإذا استأذن الصبي
رب اللبينة أن نيتمها(2) فأذن له فسقط فاعتراه وصب ولحقه نصب فلا ضمان عليه لأنه لم يأمره وإنما أذن له.
النهج السادس
في الخلاص من مال اليتيم
والقبض منه والدفع إليه وصفة رشده
وإقامة الوكيل الاحتساب له
النهج السادس
في الخلاص من مال اليتيم
والقبض منه والدفع إليه وصفة رشده
وإقامة الوكيل الاحتساب له
مسألة
[ كيفية التعامل مع وصي اليتيم ]
ومن كان عليه تبعة ليتيم ولا وصي له وأوصى غير ثقة جاز له أن يطعمها من ماله عليه بالسعر كان اليتيم مثرٍ وذا عيلة إذا لم تكن لليتيم نفقة يجري
يوماً بيوم مع من يمون وإطعامه له على قدر ماله، ومن كان عليه تبعة ليتيم
وله وصي مأمون أو وكيل أو من يمونه دفعها له وأعلمه أنها له ويجعلها في مصالحه إذا لم يكن محتاجاً للنفقة والكسوة فإن بقي شيء منها قبل أن
يستقر عادت لورثته وإذا كان له حق وله والدة مقترة لم يجز دفع الحق إليها حتى تكون ثقة مأمونة.
__________
(1) 2- هذه الألقاب من عيوب الدواب التي تؤثر على سعرها عند البيع ولا بد من ذكر هذا
العيوب للمشتري.
(2) 1- هكذا في الأصل، والمعنى: استأذن صاحب الشجرة في الصعود عليها. (8/88)
صفحة 1207
مسألة
[ نفقة اليتيم ونفقة الوصي ]
و إذا كانت التبعة حقيرة واليتيم عند مجهول الحال يمون فلا بأس بدفعها
إليه والأمين أحق والكثير لا يدفع إلا للثقة وإن فرضت لها النفقة أعني أم
اليتيم وأنفقت عليه جاز التسليم لها.
مسألة
[ كيفية كسوة اليتيم وإطعامه ]
ومن كسا اليتيم بما عليه له من حق جاز وهو رأي أبي الحسن. ويروى من الحق إذا لبس اليتيم الكسوة وقول إذا بلاها ومن استعمله بما يستعمل به نفسه مثله وأطعمه عوضه أو كساه جاز ولو لم يسلم له الأجر، ولأن
الأجرة لا تصح إلا بعقد وكلام ونطق الصبي وعدمه سيان.
مسألة
[ نفقة اليتيم ]
ومن كان عليه نفقة ليتيم فأمن نفقة أن يطعمه بها وبكسوة فأخبره أنه فعل، سقط عنه الضمان ومن عنده ليتيم نوع من الطعام كالتمر أو الحب
فباعه واشترى عوضه نوعاً غيره فأطعمه إياه جاز على نظر الصلاح.
مسألة
[ استقاء اليتيم ]
ومن عليه ليتيم تبعة فعمل له عملاً أجزاه وبرأ ويحتاط وإذا استقى اليتيم بإناء غيره فشرب رب الإناء ثم شرب اليتيم فإذا لم يسقه هو لم يبرأ
من التبعة.
مسألة
[ تسليم المؤونة للثقة ]
وإذا أوصى لصبي بوصية فإن كان سلمت له أو وكيل أو وصي ذوا عدل وإلا فرض له الحاكم أو جماعة المسلمين مئونته وسلمها لمن يمونه من الثقات.
مسألة
[ أخبار الوصي بأموال اليتيم ]
ومن ادعى أنه وصي يتيم وسأل عن ثمن شيء من نشبه جاز أن يخبره بالثمن إذا لم يكن معروفاً بالتحري على أموال الناس ظلماً.
مسألة
[ حمل الصبي في البحر ]
عن أبي محمد : نهي المسلمون عن حمل الصبي في البحر إلا من
حادث هلاكه من جبار أو ختار فإن حمله وليه لغير ذلك ضمن.
مسألة
[ حكم تلف الصبي دون قصد ]
وإذا كان الصبي ذوا وصب فرام أهله حمله من موضع سواه لصلاحه
فأبى فلما حملوه سقط من بينهم فإذا نووا صلاحه ورأوا أباه ليس من حُسن التدبير فلا ضمان عليهم إذا لم يفرطوا في حمله وإذا صبي حامل إذا ما كان (8/89)
صفحة 1208
لخل أو غيره فإذا اطمأن القلب أنه مرسول لذلك ممن يجوز إرساله فلا بأس
على من قبض الإناء ورده إليه وقول يجعل الأدام في الإناء ويتركه علي
وجه الدقعا ويتناوله الصبي بنفسه.
مسألة
[ حكم الاستعانة بالصبي ]
ومن مرت بصبي حامل فألقاه فاستعان به على حمله فإن كان الصبي ممن يصلح لذلك ويعود منه يقع عليه جاز ذلك وهذا نوع من الإحسان.
مسألة
[ أثر الموعظة في عمل الصبي ]
عن أبي الحسن : من رأى صبياً يعمل في ماله عملاً لا يعمل مثله إلا بأجر ولم يأمره بذلك فإذا رضي ولم ينهه لزمته الأجرة إن كان ممن يعمل بالأجرة وإن نهاه فلم ينته فلا عرق له.
مسألة
[ متى يضمن الخاتن ]
وإذا كان اليتيم في حد الختان وأمر القائم بختانه فختنه الخاتن فمات فإن
لم يتجاوز الخاتن العادة فلا دية عليه ولا قصاص ولا على من أمره فإن
تعدى الخاتن وأصرى شيئاً من الحشفة فالضمان عليه لا على الآمر. عن أبي عبد الله : وإذا أمر رجل خاتناً أن يختن يتيماً فختنه فلم يرق دم كلمة حتى مات فإن كان الآمر ولي الدم فلا ضمان عليه ولا على الخاتن، وإن علم
الخاتن أنه ليس ولي دمه ضمنا معاًَ.
مسألة
[ أثر موت الفتاة من الخاتن ]
عن جابر : من أمر ستضيف بضة فماتت فعليه ديتها لأن ذلك مستحب للتكرمة للبعل فليس بواجب، وقيل : تهدر عنه الدية لأنه عمل صالحاً.
مسألة
[ حكم جرح رأس اليتيم ]
ومن حلق رأس يتيمة أو قرضه فأكلمه فإن كان دامياً فعليه دية خطأ وإن لم يكن دامياً ولا مؤلماً فلا شيء عليه.
مسألة
[ مداواة اليتيم ]
ويجوز إبانة سن ذي اليتيم إذا آذته وعرفت سنه منه ويداوى كلمه
ورمده وما على المحسنين من سبيل.
مسألة
[ أثر تجاوز الفعل المباح لليتيم ]
وإذا قصد ولي اليتيم المباح في فعله كقص شعر مقدمة رأسه فأخطأ فأكلمها فإذا قصد بذلك صلاحها فلا ضمان عليه، وقول : عليه الضمان
لأن المباح له قص الشعر فقط.
مسألة
[ أثر قبض الموصي ] (8/90)
صفحة 1209
ومن قبض موص شيئاً فرده عليه لم يبرأ منه وإن قبضه شيئاً فذلك.
مسألة
[ أثر إقرار الصبي وهدية اليتيم للمعلم ]
وإذا أقر الصبي بشيء في يده أنه لزيد فليس له أخذه منه لأن الصبي لا
قرار له، وإن قال : أهداه إليك فلان جاز قبضه إذا سكنت نفسه أنه مبعوث به وجائز للمعلم أن يقبل من اليتيم ما يأتي به وليه ولو لم يكن له ولي كالشيء اليسير المعتاد مهاداة للمعلم من الأولاد، وقيل : يجوز قبول الهدية من يد
الصبي والمملوك. قال الله تعالى : { وابتلوا اليتامى } (1) أي اختبروا عقولهم
حتى إذا بلغوا النكاح يعنى الحلم { فإن آنستم منهم رشداً } (2) أي رأيتم صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم { فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً } (3) لا تبادروا في أكل ماله خشية أن يأخذ منكم إذا بلغ.
مسألة
[ تفسير الرشيد عند العلماء ]
ثم قال الله تعالى : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } (4)
بالدفع { وكفى بالله حسيباً } (5) يعني شهيداً يوم القيامة . وقيل: لإيناس
النظر والحسن، وقيل : آنستم أي وجدتم عن المفضل حتى بلغوا النكاح أي الاحتلام للرجال والنساء والحيض للنساء، والإسراف وضع الشيء في غير موضعه ومجاوزة الحد المفيدة مائة من إبل ما اختلف المسلمون في قوله
تعالى : { فإن آنستم منهم رشداً } (6) قال ابن عباس : صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم، وقال مجاهد : عقلاً، وقال المفضل : صلاحاً وهو رشده
بضم الراء وإسكان السين ونصبهما، وقيل : الرشيد الحافظ لنشبه ولا يغبن
في بيعه وشراءه.
مسألة
[ متى يدفع لليتيم أمواله ]
وقال أبو عبد الله : لا يدفع لليتيم ماله بحفظه فقط حتى ينضم إليه
الصلاح في الدين وهو أن يكون ملقاً عن الحوب مجتنباً لما يؤديه إلى
ارتكاب المعاصي والذنوب.
__________
(1) 1- سورة النساء آية 6 .
(2) 2- سورة النساء آية 6 .
(3) 3- سورة النساء آية 6 .
(4) 4- سورة النساء آية 6 .
(5) 5- سورة النساء آية 6 .
(6) 1- سورة النساء آية 6 . (8/91)
صفحة 1210
مسألة
[ كيفية اختبار الغلام والجارية ]
ومن معرفة الرشدان أن يكون الصبي حاذقاً في معاملات ربه لدنياه
وأخراه يكره الخسران ويحب الزيادة في بيعه وما اشتراه، ويحسن في
معيشته بالاقتصاد حذار مخالفة الكريم الجواد وأما الأنثى فتختبر بشغل
النساء كالغزل وحفظ القطن و الكتان وغير ذلك مما هو في حرفة النسوان
فإن اختبر بالإيناس ودفع إليه نشبه فبذره بغير تدبير وقياس إن انتزعه الحاكم من يده وجعله عند من يأمنه من الجناية والالتباس فينفق عليه منه.
مسألة
[ من هو وصي الحاكم ]
وإذا كان لليتيم وصي الحاكم من يختاره لحفظه وماله وإذا تعذر
حصول الحاكم فجماعة المسلمين قول خمسة أو ستة وأقل ما قالوا :
اثنان ما قالوا اثنان ممن يبصر أحكام ذلك وكانوا عدولاً.
مسألة
[ ألفاظ التوكيل على اليتيم ]
وإذا لم يكونوا الداخلون في الوكيل لليتيم علم أو بصراء بما يأتون وما ينفقون ولو كانوا ثقاة فلا تنعقد بهم حجة لأنهم لا يجوز أمرهم فيما
لا يعرفون المدخل فيه ولا المخرج منه ولا تنعقد بهم حجة إلا بمن
يتولون بعضهم بعضاً ويتولون بمن يقيمونه بمصالح اليتيم ومعرفة اللفظ
في التوكل لليتيم فد أقمناك لفلان ابن فلان اليتيم وكيلاً في القيام عليه
وعلى ماله ومصالحه ومصالح ماله والنظر في قبض ماله وفي قبض
مقاسمة شركائه وفي قبض حصته وإجراء النفقة عليه وبيع ما يحتاج لبيعه
من ماله.
مسألة
[ حكم الوكالة لليتيم ]
في الوكالة(1) لليتيم واجبة لا يسع الناس كلهم ترك القيام بها لقوله
__________
(1) 1- الوكالة : تلفظ بالفتح والكسر وهي اسم من التوكيل كما في الصحاح وهي مصدر
(وكل يكيل) فهو وكيل على وزن فعيل قال تعالى { حسبنا الله ونعم الوكيل } .
واصطلاحاً : عند ابن عرفة نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير
مشروط بموته» انظر كتاب الحدود لابن عرفه شرح الرصاع التونسي. (8/92)
صفحة 1211
تعالى: { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } (1) وهو رأي الشيخين محمد بن
محبوب وابن بشير.
مسألة
[ متى يقوم الحاكم بالوكالة ]
وليس للحاكم جبر من امتنع من الوكالة لليتيم والمعتوه والأعجم وذي المسّ ويتولى ذلك بنفسه إلى أن تأتي حالة يتعذر عليه القيام بنفسه فله أن
يأمر أهل الثقة بذلك فإن أبوا جاز له جبرهم، وقيل : إذا لم يجد ثقة فقد
صافي(2) حال العذر ولا تهمل النية.
مسألة
[ اشتراط الوكيل ما يشاء ]
وإذا اشترط الوكيل القيام بشيء محدود فله شرطه وإن لم يشترط فرام
الخروج من الوكالة فلا يجاب إلى ذلك ولا يسعه ترك القيام بها ولا بينهم
أن يروا منها.
مسألة
[ مقدار ما يأخذه الوكيل من الأجر ]
وكذلك الوصي لا يبرأ إذا تعذر على الوصي حصول غيره بعد
أن ينعم له بإنفاذ وصيته وأما الوكيل للأحياء فله ذلك وللوكيل
أجرة مثله على قدر عمله ولمن جعل أن يجعل له ذلك من سبدى
اليتيم ويباع ما أصل اليتيم في مئونته وأجرة وكيله، وإذا لم تكن غلة
نشبه تفي بذلك.
وإذا كان لليتيم وكيلان فمات أحدهما ضرب سبسباً أو جاز مهمهاً
وقفراً جعل الحاكم وكيلاً مكانه.
مسألة
[ حكم التوكيل للجبار ]
وجائز توكيل الجبار لليتيم عند عدم الإمام العدل إذا وكل له ثقة على قول محمد بن جعفر(3) لإزاحة الضرر عنه ، و قال أبو المؤثر: يقيمه
المسلمون بعد أن يقيمه الجبار وأجاز ذلك بشير وأبا إجازته أبو معاوية
__________
(1) 2- سورة النساء آية 127.
(2) 3- هكذا في الأصل.
(3) 1- محمد بن جعفر : هو الشيخ العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي من مشاهير
العلماء في زمانه ومن المؤلفين المجيدين وهو من علماء النصف الأخير من القرن الثالث
الهجري وكان أصم من أشياخه العلامة محمد بن محبوب، وعمر بن محمد القاضي
الضبي الأزكوي، من مؤلفاته كتاب الجامع وكان لي شرف تحقيق القطعة الثانية وهي
في الأحكام. انظر إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل عُمان 1/207. (8/93)
صفحة 1212
واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تكن أميناً لخائن»(1) .
مسألة
[ مسائل في الوكالة للجبار ]
عن أبي محمد : إن أقامه الجائر وكيلاً فأتم ذلك المسلمون ففي ذلك اختلاف، وإن أقامه الجبار ولم يدخل المسلمون في ذلك فهو لص ولو كان
ثقة ولا تجب للوكيل أن يدخل(2) في مال اليتيم بأمر الجبار، قال أبو المؤثر : إقامة الجبار لوكيل من لا يملك أمره إذا وكل عدلاً وله أن يفعل كفعل من وكله أهل العدل ومن فإن توى شيئاً من نشبه فلا ضمان عليه إذا لم يخنه وأحب له إتمام ذلك من المسلمين.
مسألة
[ وكيل السلطان الجائر ]
وقيل : إذا أقام الجبار لليتيم وكيلاً ثقة فليس للمسلمين إخراجه إذ دخل في العمل وإن اتهمه المسلمون عزلوه وأقاموا سواه وليس له مكابرتهم بأمر السلطان الجائر إذ هو كواحد من الناس ولا كرامة له.
مسألة
[ حكم التصرف بمال اليتيم بعد عزل الوكيل دون علمه ]
وإذا أقام الجبار وكيلاً ولم يدخل في العمل فأقام الجماعة سواه أولى ولو كان وكيل الجبار ثقة وإذا أقام الجبار ولم يعلم بوكيل الجماعة ودخل في مال اليتيم وصنع ما يجوز له فيه ثم علم ففعله ماض وجائز ما لم يكن غلطاً ولا
جوراً ولم يعلم بوكيل المسلمين فإن علم وعمل بطل عمله.
مسألة
[ إقامة وكيلين ينعزل أحدهما ]
وإذا أقام طائفتان من المسلمين وكيلين من غير علم بما صنع الآخرون فالأول هو الوكيل ولا يرد فعل الآخر بما صنع ولا ضمان عليه ما لم يتعد أو يعلم بتوكيل الثاني فإذا علم بطل فعله وثبت فعل الأول.
مسألة
[ تعذر حصول التوكيل ]
وإذا لم يكن عدلاً ولا جوراً وتعذر حصول الجماعة للتوكيل وليس له
ولي فاحتسب له محتسب لله فتصرف في نشبه كتصرف الوكيل
__________
(1) 1- هذا الحديث لم أعثر عليه بهذا النص وهو موجود بصيغة أخرى في كنز العمال،
والمعنى صحيح والله أعلم.
(2) 2- ولا تجب للوكيل أن يدخل المسلمون في ذلك فهو لص ولو كان ثقة ولا تجب للوكيل
أن يدخل في مال اليتيم... مكرر من الأصل. (8/94)
صفحة 1213
جاز فعله وأخر على ذلك وإن توا شيء من نشب اليتيم فلا ضمان عليه
إذا أحسن.
مسألة
[ تصرف الوكيل مع شريك اليتيم ]
وإذا قام الجبار لليتيم أو الغائب وكيلاً ثقة فجائز لشريك اليتيم مقاسمة المشاع بينهما وهو رأي الفضل ابن الحواري.
مسألة
[ جواز التنازل والتبرؤ من الوكالة ]
وجائز للوكيل أن يتبرأ من الوكالة عند من أقامه إذا كانوا ثقات ويسلم لهم سيد اليتيم هذا بأعظم من الأمانة وقد تبري الإمام الجلندي رحمه الله من الإمامة عند من أقامه وكذلك إذا أقامه عدل جائز له التبري أو نائبه وإن أقامه جبار أو جماعة المسلمين غير أمنه لم يجز له أن يتبرى ولا يسلم لهم، المال ولا يبرأ إلا برأي من أقامه ولا لمن يقيمه من المسلمين أن يبريه ولا يجوز أن يبريه الإمام من الوكالة حتى يقيم غيره مثله أو أفضل منه إذا كان عدلاً، وقيل: إن أبرأه الإمام والجماعة أرباب الورع والفضل ولو قبل إقامة وكيل غيره.
مسألة
[ حكم التصرف بأموال اليتيم ]
والاحتساب لليتيم جائز ممن هو ثقة عدل في القيام لمصالحه ومصالح
نشبه وبيع غلل نشبه وأما بيع الأصل فلا أبرأ المسلمين وهو رأي الفضل
بن الحواري(1) .
مسألة
[ ما يجوز للمحتسب في مال اليتيم ]
وجائز للمحتسب أن يحلف لليتيم وأن يفعل في ماله كفعل الوصي
ولا يجوز أن يشتري منه أصل مال اليتيم ولو كان ثقة وهذا رأي الشيخ
أبي محمد.
مسألة
[ حكم تصرف الوصي بشراء الشفعة ]
وكان أبو عثمان يأمر الوصي بشراء الشفعة(2)
__________
(1) 1- الفضل بن الحواري : هو الشيخ الفقيه العلامة أبو محمد الفضل بن الحواري=
(2) = الأزكوي السامي من بني سامة بن لوي بن غالب من أشهر علماء عُمان في القرن
الثالث فكان هو والشيخ عزان بن الصغر كالعينين في جبين واحد إلا أن عزان مات
قبل الفتنة. انظر إتحاف الأعيان 1/197 .
1- الشفعة : في اللغة مشتق من الشفع كذا قيل لأن فيها أخذاً وضماً لحصة أخرى شفيعته.
اصطلاحاً : استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه» انظر كتاب شرح الحدود
لابن عرفه 2/474 . (8/95)
صفحة 1214
لليتيم وليس ذلك لكفيله وقيل لا يجوز إلا للوصي ولا يجوز للمحتسب اليتيم أو الغائب أن يشتري
لهما أصلاً ولو كان ما يشتريه أفضل من مالهما.
مسألة
[ حكم بيع الأم من مال اليتيم للمؤونة ]
وجائز لأم اليتيم إذا كانت تعولهم أن تبيع من مالهم لمئونتهم إذا لم
تف عليهم بذلك بغير نداء إذا أرادت المصلحة لهم في بيع المساومة بنظر
أهل النظر في ذلك وقيل لا يجوز بيع المحتسب إلا بوكالة كان ثقة أو
غير ثقة هذا في الحكم وأما فيما بينه وبين ابنه إذا فعل الجائز والصلاح
فلا ضمان عليه.
مسألة
[ مقام الأم الأب بالنسبة لليتيم ]
وقيل : إن الأم تقوم مقام الأب بعد موت الأب فعلى هذه الحالة جائز
لها بيع مال ولدها لمصالحه إذا صح مع المتبايعين الصلاح لليتيم في تسليم
الثمن لها اختلاف والأصح تؤمر أن تدان عليه وتنفق ثم تعطى ما صح
لها بسعر البلد، وإن تعذر حصول مدين جاز أن تعطى من مال ابنها
وتنفق عليه.
مسألة
[ ما يحق للوصي والوكيل من مال اليتيم ]
ومن عنده ذو يتم وله فرض فادعى عليه أنه أنفق عليه من ماله فلا يقبل منه إلا بشهادة ذوي العدل وإن صح بالبينة أنه أنفق على اليتيم نوعاً من الطعام وليس لليتيم مثل ذلك النوع قبل قوله وعن أبي المؤثر إذا قال : قبل أن يسلم هذا من مالي وأشهد قبل قوله كان لليتيم شيء من ذلك النوع ولم يكن وإن ادعى ذلك بعد التسليم ادعى بالبينة قال الله تعالى : { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً و سيصلون سعيراً } (1) قال ابن
عباس : لما نزلت هذه الآية شق على المسلمين فأنزل الله : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } (2) في السكن والمعاش.
مسألة
[ خلط ما للوصي بما لليتيم من لحم وغيره ]
ومن محجي(3) لليتيم عنة وله سمينة جاز خلط اللحم وبالعكس لا
يجوز إلا أن له على اليتيم منة سلف جاز له ذلك وعليه أن يتعاهد نفس
__________
(1) 1- سورة النساء آية 10 .
(2) 1- سورة البقرة آية 220.
(3) 2- هكذا في الأصل . (8/96)
صفحة 1215
اليتيم ونشبه حذر الضرر وإذا كان مال اليتيم لا ماء له جاز لوكيل اليتيم أن يقتعد له ماء فإن تعذر حصوله بالقعد اشترى له ماء أن يصلح أرضه بالسماد كإصلاح أراضي أرباب البلد وإذا كان له مال على المرحوم آخذ زرعة
بسقيه بلا أجر فله أن يفعل ذلك إذا كان صلاحاً لليتيم إذا جرت العادة بمثل ذلك وإن لم تجر بذلك عادة فتوخى الوصي الصلاح فأخطأ ضمن.
مسألة
[ مدى جواز التصرف بأرض اليتيم ]
ولا يجوز لوكيل ذي اليتيم أن يشق في أرض اليتيم ساقيه لأنه لا يأمن الحوادث بموت اليتيم لعله الوكيل المستأجر فثبت ذلك في أرضه ولو أشهد
على ذلك عدلان حذر الحوادث على البينة وإذا أورث اليتيم تراثاً وله وكيل فإنه يكون وكيلاً فيما ورثه أيضاً ومثل ذلك وكيل الغائب وليس له أن
يفاسل في أرضه بجزء منها وإذا ورث اليتيم الصهباء(1) جاز لوكيله أن يلقي فيها ملحاً ويبعها إذا زالت شدتها ولو صارت خلا.
مسألة
[ حكم إحداث شيء في مال اليتيم ]
وإذا أراد الوكيل حدثاً في مال ذي اليتيم مما هو كتخطيف ساقية أو
غيرها وأشهد واجتهد في الإشهاد فقول لا يجوز وقول جائز.
مسألة
[ رأي الوكيل في غلة أرض اليتيم ]
وجائز لمن عنده لليتيم(2) كنت أن يقلبها خوف الضرر فإن قرأ فيها ولم يحدث فيها حدث فلا بأس عليه وما رأي الوكيل في غلة مال اليتيم من
الطناء والحصاد جاء والنظر يوجب الطنا إلا لما لا بد منه لقوته حذرت له الحوادث فإن حصد بقدر مئونته لسنته فأحسن.
مسألة
[ تصرف الوكيل فيما زاد عن حاجة اليتيم ]
وللوكيل بيع مالا حاجة لليتيم به كدوابه المستغني عنها وفضلة طعامه
ورقيقه ويحفظ الثمن ولا يباع مصحفه، وإن قرأ الوكيل فيها قراءة لا تضر
بها جاز.
__________
(1) 1- الصهباء : اسم من أسماء الخمر. وهذا يدخل في استحالة الخمر إلى خل بفعل فاعل
وهي مسألة خلافيه عند العلماء -رحمهم الله-.
(2) 2- هكذا في الأصل والظاهر أن في الأصل فيظهر لي وجائز لمن عنده لليتيم مال
-أو وديعه- والله أعلم. (8/97)
صفحة 1216
مسألة
[ حكم بيع مواشي اليتيم ]
وله حبس مالا منه لعمل أموال اليتيم من رقيقه وبيع ما استغنى عنه وإذا كان اليتيم ذا ماشية فلا يباع وله غلتها أصل من يبعها إذ لم يكن له أصل مال وإن رأى بيع المواشي أصلح جاز بيعها.
مسألة
[ تصرفات الوكيل في أرض اليتيم ]
وجائز للوكيل أن يقاسم لليتيم ويأخذ له المنزل إذا لم يكن له منزل
ويعطى مالاً ومن باع احرما أو شجرا أو فيه النقض للمشتري فمات المشتري ونزل يتيماً ووصينا فللوصي أخذ ما اشتراه الميت إذا كان فيه صلاح لليتيم وللوصي أن يقترض على اليتيم في ماله ويستأجر من يغرس له أرضه
ويزرعها وهو مخالف للمحتسب للفقراء لأن الفقراء ليس لأحدهم
اعتراض على الآخر وليس للمحتسب أن يغرس أرضهم على سبيل
الاحتساب ولا يجوز للوصي أن يبيع مال اليتيم ولو استغرقها الخراج.
مسألة
[ التوكيل في قضاء الغرض ]
وإذا ضرب الوكيل من وجاب سبسباً في قضاء فرض عليه كالحج
والجهاد أو غير ذلك جاز له أن يوكل ثقة مأموناً في أموال اليتيم وليس ذلك لوكيل الغائب إلا أنه لو كل في مال نفسه وجعل لمال الغائب أمانة عند
وكيله جاز ويشهد على ذلك وهو رأي أبي محمد.
مسألة
[ حكم المتاجرة بمال اليتيم ]
ومن بيده مال اليتيم فرام ضرباً في قفر أو مهمة فإنه يجتهد في حفظ
أمانته فحنث توخى لها الصلاح صيرها كانت في منزله أو منزل غيره أو
حملها في متاعه أو جاز الخصم أو غير الأذى الملتطم.
مسألة
[ حكم شراء الوكيل لنفسه من مال اليتيم ]
ويكره لوصي اليتيم أن يشتري لنفسه من مال اليتيم شيئاً إلا أن يقومه في السوق بالنداء فإذا انتهى ثمنه زاد عليه وأخذه، وقيل : يوكل غيره ويشتري
له ويوكل غيره بحيث أنه لا يعلم المشتري لمن وهذا هو الأصح.
مسألة
[ حكم مقاسمة الوكيل اليتيم ]
وقيل: للوكيل مقاسمة مال اليتيم وليس له أن يقايض به وقيل : بالعكس، وقيل : له فعل الكل.
مسألة
[ تصرفات الوكيل المطلق ] (8/98)
صفحة 1217
عن أبي سعيد: إذا قام الحاكم لليتيم وكيلاً مطلقاً جاز له أن يفعل فعل الوصي، وقول: لا حتى يخصه بلفظ يشتمل عليه وأما وكيل الغائب فلا
يجوز له فعل شيء من ذلك حتى يجعل له الحاكم ويخصه بما شاء.
مسألة
[ محافظة الوكيل على مال اليتيم ]
ولوكيل ذي اليتيم أن يحط ويقيل إذا حاذر توى على نشب ذي اليتم
من تعذر قيام البينة له وله أن يحمل البينة ويمونها من مال اليتيم لأداء
الشهادة إذا كان ذلك أوقى لماله.
مسألة
[ حكم استخلاف الوصي والوكيل ]
وللوصي والوكيل أن يستخلفا لليتيم من يطلب إليه حقاً إذا صدر الحق
مع المطلوب بسببهما وليس لهما أن يهدر بينة وينزلا إلى المدعى عليه فإن
فعلا لم يبطل حق اليتيم لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «البينة العادلة خير من اليمين
الفاجرة»(1) ولا يلزم اليتيم والغائب إقرار الوصي والوكيل عليهما إلا أن
يشهد عدل معهما غيرهما شهادتهما إذا كانا ممن تقبل شهادته في الإسلام
والقول قوله في المؤونة والزكاة إلا أن تصح خيانته ومينه(2) وجائز فك مال
ذي اليتيم من قبضة بأدنى من ثمنه إذا احتسب لله والله يعلم المفسد من
المصلح ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
مسألة
[ حكم بسط الجبار يده على مال اليتيم ]
وإذا بسط الجبار يده على نشب يتيم بقطع باسقة واستئصال دوحة فله فكه بدون ثمنه خوف ذهابه، وقول : لا يسعه ذلك والله لا يسأله عن ظلم الجبار وإنما يسأله عن فعله في مال اليتيم لقوله تعالي : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } (3) والأول أصح وفي المعقول أرجح إذا طمع بالسلامة لمال اليتيم.
مسألة
[ جواز المصالحة على اليتيم ]
__________
(1) 1- هذا الحديث بهذا النص لم أعثر عليه ومعنى الحديث صحيح والله أعلم.
(2) 1- المين : الحيف والجود وهو نوع من الظلم.
(3) 2- ورد هذا النص القرآني جزء من الآيات التالية : سورة الأنعام آية 164، الإسراء
آية 15، سورة فاطر آية 18، سورة الزمر آية 7، سورة النجم آية 53. (8/99)
صفحة 1218
ومن احتسب في فك دابة اليتيم بأقل من ثمنها جاز فإن توت فلا
ضمان عليه ومن صالح عن يتيم في ماله واشترط أن الذي صالح عليه هو
له في سبد ذي اليتيم فله ذلك كان وكيلاً أو غير وكيل.
مسألة
[ أثر التوعد على مال اليتيم ]
إذا توعد وكيل الأيتام الجبار بالهلاك وكان إذا توعد وفى إذا وقع به الضرب المؤذي للهلاك لأول(1) مال اليتيم فله أن يفك نفسه به ويضمنه.
مسألة
[ رد الظلم عن مال اليتيم ]
وإذا أم جبار داراً فحاذر أهله البطش بهم واغتصاب أموالهم فلا يجوز
لهم دفع أموال اليتيم والأعناب في فك أنفسهم من ظلمه قبل إيقاع بطشه
لأن الله قادر أن يكف بأسه ويمنعه من اتباع هواه.
مسألة
[ أثر المتاجرة بمال اليتيم ]
ومن تجرى بنشب ذي يتيم ضمن المال وربحه وهو رأي أبي عثمان.
مسألة
[ الافتراض من مال اليتيم ]
و من اقترض من مال بيده لذي يتم أمانة فاشترى به مالاً فالقرض لا
يكون إلا من مقترض وعليه ضمان ما أخذه، قال أبو الحسن شراءه فاسد، وقول : إن المال لليتيم، وقول : إن المال لمشتريه، والأصح إفساد الشري
الحجة أن البيع غير واقع على المال أنه لم يأمره رب المال يشتري له وأنه أمره فلا يصح أمره في حال يتمه ولأنه لم يشتر بماله فيكون الشراء له ولا قرضه مقرض فيثبت عليه القرض فهو ضامن بتعديه.
مسألة
[ حجة من أجاز المتاجرة بمال اليتيم ]
ومن أجاز التجارة بالمضاربة في أموال الأيتام يحتج بقول النبي (- صلى الله عليه وسلم -) : اتجروا بمال الأيتام حذراً أن تستوعبها الزكاة ويروي أن عائشة رضي الله
عنه اتجرت بمال أولاد أخيها ولهم أيتام.
مسألة
[ متى يضمن المتاجر مال اليتيم ]
__________
(1) 1- المضاربة : من الضرب في الأرض لقوله تعالى { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون
من فضل الله } سورة المزمل (20).
واصطلاحاً : المشاركة في عمل ومال. العمل من شخص والمال من الآخر والربح
بينهما وليس على العامل خسارة إنما له في الربح مقابل عمله. (8/100)
صفحة 1219
ومن اتجر بنشب ذي يتم فربح فتوى مع ربحه فعليه ضمان الأصل ولا ضمان عليه في الريح.
مسألة
[ أثر الربح على الاقتراض ]
وإذا افترض بإشهاد فالربح له وإن يكن بلا إشهاد فلا ربح
له على الأرجح.
مسألة
[ حكم الطحن برحى اليتيم ]
ولا بأس بالطحن برحى اليتيم إذا تعارف مثل ذلك مع أرباب الدار وإن ذلك مباح فيما بينهم.
مسألة
[ تصرفات في مال اليتيم ]
ومن كان يعمل في مال اليتيم فجائز له أن يطعم منه يستعين على عمله وجائز الاستقاء من ركية اليتيم بما يحتاج إليه إذا لم يضربها، ومن رفع ليتيم ملاءته فألقى ما فسد فلا ضمان عليه. وإذا كان لليتيم بضاعة فنوكس ثمنها فحملها وكيله في البحر بعد أن خاف في تركها في البر التلف فتوت فلا
ضمان عليه إذا قصد الصلاح وما على المحسنين من سبيل.
مسألة
[ التصرف في دار اليتيم ]
وللمعلم أن يأخذ ما أعطاه وكيل اليتيم على تعليمه بما يتعارف مع أرباب الدار وإذا كان دار اليتيم لا يستأجرها أحد جاز للوكيل أن يسكنها ومن
سرق منه مال اليتيم بعد أن اجتهد في حفظه فلا ضمان عليه فإن علم كان خصماً فيه فإن قصر في حفظ أو في الطلب ضمن.
مسألة
[ حكم رهن غلام اليتيم ]
ومن أرهن غلام اليتيم فنوى ضمنه وله بيعه في قضاء دين اليتيم وما بقي فينفقه للمستأنف لأن الرهن في العبيد فيه اختلاف.
مسألة
[ المحافظة على طير اليتيم ]
ومن جاءه ذو يتم بطير ليذكيه له فإن رأى في ذلك مصلحة فلا يضيق عليه فإن فر فلا ضمان عليه إذا جار في حفظه وتذكيته فإن قصر فلا
ضمان عليه.
مسألة
[ الأكل من مال اليتيم ]
ومن قبض من يتيم أمانة وردها إليه ولا ضمان عليه إذا سلمها لليد التي قبضتها منها وليس هو كمن قبض له حقاً من غير أو كان له حق فهذا لا
يسعه التقبيض بيد اليتيم. قال الله تعالى : { وآتوا اليتامى أموالهم } (1)
__________
(1) 1- سورة النساء آية (2).
قال تعالى : { وءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } . (8/101)
صفحة 1220
نزلت في رجل كان عنده حمة نشب لابن أخيه فلما بلغ رام أخذه منه
فحاكمه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره بتسليمه نزلت ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب أي لا
تأكلوا أموالهم المحجورة عليهم و تدعوا أموالكم الحلال، ثم قال : { ولا
تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } (1) أي مع أموالكم { إنه كان حوباً كبيراً }
أي إثماً عظيماً.
مسألة
[ متى يعطى اليتيم أمواله ]
ومن بيده نشب لذي يتم فرام استيفاء فسأله عن بلوغه فأقر بالبلوغ وأرى عليه سمة كالنبت للعانة(2) والطيه وغير ذلك فله أن يسلم له حقه فإن أنكر البلوغ بعد قبض حقه فلم يقبل منه.
مسألة
[ متى يضمن وصي اليتيم ]
وإذا رفع وصي الوكيل لعله اليتيم له بماله بلا رأي حاكم ولا جماعة المسلمين بعد أن صح بلوغه فأتلفه فلا ضمان عليه إلا أن يشهد عدلان أنه
أيان الدفع غير مؤنس رشده ولا مستحق للدفع فحينئذ يضمن.
مسألة
[ إدعاء أكثر من واحد أنه ولي اليتيم ]
ومن بيده مال يتم فهلك اليتيم و له أخوة فطلب أخوته من و كيله أخذ
ماله فادعى الوكيل أنه أنس منه رشداً فدفع إليه ماله وأقر أنه دفعه ببينه
ولا رأي حاكم فإن لم يكن اليتيم بعد بلوغه اعترف بالأخذ والعطاء واستبد برأيه في أمواله دون الوصي فالقول للوصي مع البينة وأما إن مات بعد بلوغه وعزب عليه علم حاله فالبينة على الوكيل بالدفع.
مسألة
[ متى يستخدم اليتيم ]
وأجاز بعض الفقهاء استعمال ذي اليتم بما يقدر عليه من الحرف برأي
ولي دمه وقبض أجرته ولو لم يكن ثقة إذا كان في حجره أواني من يمونه
من أم أو سواها ويكون استعماله فيما يستعمل فيه مثله وإن تلف ضمن
وقيل إذا استعمل برأي ولي دمه فلا ولا دية له.
مسألة
[ متى يستخدم اليتيم ]
__________
(1) 1- سورة النساء آية 2.
(2) 2- نبت العانة اعتبرت من علامات البلوغ وقد طبق ذلك النبي - - صلى الله عليه وسلم - - في غزوة
بني قريظة بعد حكم سعد بن معاذ -رضي الله عنه- فيهم فكان من أنبت قتل ومن
لم ينبت لم يقتل. (8/102)
صفحة 1221
وجائز استئجار اليتيم من أمه أو من ولي دمه لما يستعمل فيه مثله وجائز إطعامه بقدر عناه إذا لم يكن له مال يكفيه وإن كان فلا يجوز استعماله بغير عوض ولا بأس على متولي ذي اليتم إن ينتفع بهم على قضاء ما يستطيعونه
من حوائجه إذا كان له المن واليد عليهم.
مسألة
[ حكم الجنايات على اليتيم ]
وقيل: لا يستعمل اليتيم المثري وكيله بشيء فإن عمله برأي نفسه و من
طلب من آخر شيئاً فأنعم له فجاء به إليه يتم فإن لم يستعمل الطالب اليتيم
فلا بأس عليه وضمانه على من أمره، وإذا استقى اليتيم في إناء قوم ماء فلا يجوز لهم استعمال الماء إذا كان له ثمن ومن لاط صبياً فأوعده بإعطاء شيء
فلا يلزمه أن يفيء له بما وعده لأجل اللواطة وإنما عليه حد الزنا وضمان
حبسه عن عمل أهله وإن كلمه وجب عليه عقره.
النهج السابع
فيما يوجب البلوغ والمراهق وإقرار
الصبيان بالبلوغ وفي المجنون والمعتوه
والأبله والأعمى والغائب
النهج السابع
فيما يوجب البلوغ والمراهق وإقرار الصبيان
بالبلوغ وفي المجنون والمعتوه والأبله
والأعمى والغائب
مسألة
[ اعتبار الإنبات من علامات البلوغ ]
قال ابن عمر أن إنبات الشعر حد البلوغ وإذا أنبت الصبي شعر لزمه
التعبد لثبوت الخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل من أنبت شعره بالغاً وأمر بقتله ممن
حاربه من الكفار(1).
مسألة
[ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ]
__________
(1) 1- ورد ذلك في غزوة بني قريظة : عن عطية القرظي - رضي الله عنه - قال: (عُرضنا
على رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - يوم قريظة، فكل من أنبت قُتل، وكل من لم ينبت خُلي
سبيله، فكنت ممن لم ينبت، فخلي سبيلي) أخرجه أبو داود رقم 4404، 4405،
في الحدود، والترمذي رقم 1584 في السير، والنسائي 6/155 في الطلاق متى يقع
طلاق الصبي. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - 8/278، 279. (8/103)
صفحة 1222
وقيل: إن سعد بن معاذ(1) لما حكمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتل بني قريضة أمر
أن يقتل كل من جرت على شعره الأجلام وأن يغنم نشبهم وتسبى ذراريهم بين الأنام فقال عليه الصلاة والسلام : «لقد حكم فيهم بحكم ذي الجلال والإكرام»(2).
مسألة
[ اعتبار السن من علامات البلوغ ]
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ابن عمر وهو ابن أربعة عشر سنة في غزوة أحد وقبله
يوم الخندق وهو ابن خمسة عشر سنة وقيل إن حكم وبلغ أربعة عشر
سنة(3) فقد بلغ وإن النبي لم يرد ابن عمر لأنه لم يبلغ وإنما رأى عليه في
الغزوة الثانية سمة الثانية سمة البلوغ والاستطاعة للغزو.
مسألة
[ سن البلوغ عند أبي عبد الله ]
عن أبي عبد الله أن حد البلوغ خمسة وعشرين سنة إذا لم يقر به
الصبي ولم يظهر عليه سمته وقيل : عشرين سنة، وقيل : إذا بلغ أترابه من الرجال والنساء.
مسألة
[ علامات بلوغ الفتاة ]
وعلامة بلوغ الصبي بالإنبات والاحتلام وأما الصبية فبهما و التنهد والحيض والحمل وأما العقل بانفراده فلا يثبت حكم البلوغ ولو كان
كذلك لما أمر - صلى الله عليه وسلم - بإبداء ما أمر بستره من العورات التيقن البلوغ بإنبات العانات، وقيل : مر عمر بابن أبي الصعيد قد انتهى مراءة في سفره فأمر
__________
(1) 1- سعد بن معاذ : ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل. السيد الكبير
الشهيد أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي، البدري الذي اهتز العرش لموته رضي الله
عنه. استشهد رضي الله عنه بعد غزوة بني قريظة على أثر سهم أصابه في أكحله.
له مناقب كثيرة مشهورة في كتب السير انظر سير أعلام النبلاء 1/279- 297 رقم 56.
(2) 2- انظر سيرة سعد بن معاذ وغزوة بني قريظة.
(3) 3- البلوغ بالسن مختلف فيه عند الفقهاء والراجح إذ انتفت علامات البلوغ لعلة مرضية
أو دون علة فعند الكثير من العلماء التقدير بالسن خمسة عشرة سنة والله أعلم-
انظر كتابنا أحكام الردة والمرتدين علامات البلوغ. (8/104)
صفحة 1223
بالتبطر إلى متؤزره، وقال : إن ثبت لجلدته وقال أسلم : أن عمراً أمر أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية ولا يضربوها إلا على من جري عليه الموسى.
مسألة
[ بعض علامات البلوغ ]
وقيل : يعترف بلوغ الصبي بافتراق طرف مارنه وتغير عرق إبطيه
وإنبات شعره وغلظ صوته وفي الصبيان من لا يحتلم وفي البنات من لا
تحض وهو عيب في النسوة وفي الرجال من احتلم مرة أو مرتين ومراراً
ومنهم لا يحتلم أبداً.
مسألة
[ اعتبار الشعر من علامات البلوغ ]
ودليل آخر على بلوغ الصبي إذا انتهى ثمانية أشبار بشبره والصبية بإنهاد ثدييها فإذا ظهر ذلك بهما وأقر بالبلوغ حكم لهما وعليهما به وإذا نبت لحية الصبي أو شاربه واسود شعره فهذه سمة البلوغ إلا أن لا يقر به.
مسألة
[ بعض علامات البلوغ ]
عن أبي صفرة(1) : وإذا بلغ الأصغر جاز الحكم على الأكبر ولم يبلغ قال أبو عبيدة(2)
__________
(1) 1- أبو صفرة : ورد هذا الاسم في كشف الغمة فقال : هو أبو صفرة ظالم بن سراق
ويقال ابن سابق من العتك من الأزد. أسلم على عهد النبي - ص - ويختلف فيما
إذا كان وفد على أبي بكر أو على عمر في عشرة من ولده بينهم المهلب بن أبي
صفرة. انظر كشف الغمة لأخبار والأمة 240.
(2) 2- أبو عبيدة : مسلم بن أبي كريمة - رحمه الله - كبير تلامذة جابر بن زيد -رحمه
الله- وممن حسنت أخباره، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث وأحكمها نسبة
إلى قبيلة تميم من نزار وكان مولى فيهم في ولاية أبي جعفر المنصور، قال أبو عبد الله:
كان أبو عبيدة أفقه من ضمام وأبي نوح وكان المقدم عليهما وعلى جعفر السماك
وكان الحجة في الدين، روى عن التابعين، وروى عن العديد من الصحابة وأبا هريرة
وابن عباس، وأبا سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين - رضي الله عنهم - وأكثر ما
حمل أبو عبيده عن جعفر السماك صحار العبدي، درس على يديه الجم الغفير منهم
صاحب المسند الإمام الربيع بن حبيب وأبو الخطاب المعافري وعبد الرحمن بن دوس
و عاصم السدراتي و إسماعيل بن درار الغدامسي و غيرهم وكان صاحب كرامة وله = (8/105)
صفحة 1224
: من بلغ سبع عشرة سنة حكم له بالبلوغ و قيل: ثمانية عشر
سنة وإذا بلغ أترابه جاز فعله من نكاح وطلاق وكذلك الصبية، وقيل : إذ
بلغ الأصغر ولم يقر الأكبر بالبلوغ فلا يحكم عليه بالبلوغ، وإذا بلغ الصبي أربعاً وعشرين سنة وأتى حداً أقيم عليه الحد ولو لم يكن في النظر بحد
البلوغ ولو أنكر لم يلتفت إلى إنكاره قول لا يثبت على الصبيان عدد
السنين حتى يصح بالبينة العادلة أنها قد أتى عليهما من السن كذا كذا وأما
أقره لهما بذلك فلا يقبل، وإذا أقرا أنهما بلغا النكاح ثبت إقرارهما وإن أقرا أنهما بلغا تزويج فليس التزويج كالنكاح فلا يثبت.
مسألة
[ متى يتم التكليف ]
وإذا أقر أنه بلغ الحلم فلا يثبت عليه وإن أقر أنه بالغ الحلم ثبت عليه لقوله تعالى : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } (1) وقول : يثبت عليه على كل إقرارين فإن قيل وكيف يثبت عليه بقوله بالغ الحلم ولم يثبت عليه بقوله بلغ الحلم؟ قلنا لأنه إذا بلغ الحلم كان سمة بلغ الحلم، وقد أقر باسمه الذي يسمى
به ومعنى قوله بلغ الحلم هو الحد الذي لو بلغه لاحتلم ولو لم يكن احتلم قال أبو علي : إذا أقر الصبي أنه قد بلغ رشده(2) ولا إنكار له بعد ذلك.
مسألة
[ متى يقبل الإقرار ]
وإذا أقر وهو ممن يمكن منه ذلك ثبت عليه معنى البلوغ ووجب عليه الحدان وإذا أقر بولد له أبوين معروفين لم يقبل إقرارهما وهو كالصبي
والصبية بحد البالغين.
مسألة
[ متى يقبل إقرارهما بالبلوغ ]
__________
(1) = من ذلك الكثير. انظر طبقات المشايخ بالمغرب 2/248-259 ومقدمة شرح
الجامع الصحيح 1/6 عز الدين التنوخي.
1- سورة النور آية 59.
(2) 2- هناك فرق بين الرشد وبلوغ الحلم. فالرشد حُسن التدبير وصلاح التدين والقدرة
على التصرف. وبلوغ الحلم القدرة على تزوج النساء وإنجاب الأبناء ووجوب أهلية الأداء. (8/106)
صفحة 1225
وإذا أقرت الصبية عند أولي الأمر أنها قد بلغت النكاح أو حاضت أو ولدت أو أنها حبلى أو حائض وكانت بحد البالغة ثبت عليهما حكم البالغين من الحدود مما دونها.
مسألة
[ بأي الأقوال يعتبر ]
وإذا أقرت أنها رأت دماً من موضع الحيض فليس ذلك مثبتاً عليها حكم البلوغ، وإن قالت أنها بالغة الحيض فضعيف، وإن قالت المحيض ثبت إقرارها.
مسألة
[ الأقوال التي لا تقبل لدعوى البلوغ ]
وإن قالت أنها قد احتلمت أو أجنبت أو أصابتها جنابة فلا يثبت(1).
مسألة
[ هل قولها الغسل من الجنابة يثبت البلوغ؟ ]
وإن قالت : أنا جنب أو كنت جنباً أو اغتسلت من الجنابة ثبت، وقيل : لا يثبت حتى تقول غسلت من جنابتي.
مسألة
[ أثر الإقرار بالبلوغ ]
وإن قالت في قبقي أو في بطني ولد ثبت عليها، وإن قالت : أنزلت
النطفة عند الجماع ثبت وأما قولها تنزل فهذا مستقبل، وإذا أقر الصبي أن
قد بلغ النكاح والحلم ثبت عليه وكذلك قولها أنزلت النطفة والماء رقيق
دافق والجنابة أو المني أو قد أنزلت الجنابة أو منيت فكل هذا يثبت عليه
إقراره على قول.
مسألة
[ التفريق بين المعاملات والحدود ]
قال الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله : ثبت عليه في المبايعات
والوكالات والأحكام والاستحلال إذا كان ذا عقل، وأما في الحدود فلا
حتى يقر أنه قد بلغ الحلم كما قال الله تعالى(2).
مسألة
[ أثر المزاح في دعوى البلوغ ]
وإذا شهد عدلان أنهما سمعا فلانة تقر أنها ولدت ولداً أو سمعا فلاناً
يقر بالبلوغ فأنكر أو قال مزحنا وهما نحو البالغين فلا يلزمهما ذلك حتى
__________
(1) 1- السبب في ذلك والله أعلم - أن الاحتلام عند المرأة نادر وليس كالرجل فحكمهم
حكم الغالب والنساء حكمهن حكم النادر.
(2) 1- السبب في ذلك - والله أعلم - هو التساهل في العقود لأنها تعود عليه وأخذ
الحيطة والحذر في الحدود لأنها تدرأ بالشبهات لأن يخطأ القاضي في العفو أفضل
من أن يخطأ في العقوبة. (8/107)
صفحة 1226
يشهدا أنهما أشهدنا على أنفسهما أنهما قد بلغا لأنه يحتمل أن يكونا مزحا
أو يفوها بغير إقرار.
مسألة
[ مشاهدة النطفة لا تثبت البلوغ ]
وإذا شهد عدلان أنهما رأيا صبياً قذف نطفة من عرده فلا يثبت عليه البلوغ لأنه يخرج من الإحليل شيء يشبه المني وليس هو مني.
مسألة
[ أثر اختلاف الشهود مع المشهود عليه في إثبات البلوغ ]
وإذا شهد عدلان على بضة نكاحها واحداً بعد أنها كانت تحيض وتدفق الماء عند الغشيان ثبت عليها حكم البلوغ فإذا احتجت أن ذلك الدم ليس
هو بحيض إنما هو قرحة من كينها وادعت أن النطفة علة بها فلا يقبل قولها
في هذا وقول الشاهدين آكد إلا أن يرتاباهما في شهادتهما إذا احتجت
بذلك ويرجح في ذهن الحاكم تصديقها فله ذلك.
مسألة
[ حكم شهادة القابلة ]
وإذا شهدن من الخدلجات جمة أن فلاناً تزوجهن وأنه ينزل الشير إذا
باضع فلا يقبل شهادتهن عليه ولا يحكم ببلوغه ولا بالحد ودرأ أما في سائر الأحكام فحتى يكون معهن رجلاً. وإذا شهدت القابلة عن امرأة أنها قد
ولدت ولداً أو ولدت هذا الولد ولم تقر المرأة بذلك؛ فلا يحكم عليها
بالبلوغ وليه(1) كالحيض حتى يشهد عدلان أن لها ولداً معروفاً وأن هذا
ولدها فهنالك يثبت عليها بالبلوغ وتقام عليها الحدود ولا يلزمها أن يشهدا
أنا رأيناها ولدت.
مسألة
[ ظهور اللحية الشارب من علامات البلوغ ]
وإن شهد عدلان أنا رأينا يزيد لحية أو شارباً ثم ذهب عنه ولا نعلم كيفية ذهابه فإذا شهدا أن به شعراً نابتاً في لحيته وشاربه كمثل ما ينبت في لحي الرجال وشواربهم فقد ثبت بلوغه ووجب عليه ما يجب على البالغين من التعبد. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر بمصاب وعنده أبو بكر(2)
__________
(1) 1- هكذا في الأصل : والأصح - والله أعلم - وليها.
(2) 2- أبو بكر : هو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه أول من أسلم ورفيق النبي
- صلى الله عليه وسلم - في هجرته، وهو أشهر ممن يكتب عنه. (8/108)
صفحة 1227
رضي الله عنه، فقال : «ما بهذا يا أبا بكر؟ فقال مجنون. فقال له : إنما المجنون من أبلى شرخ
شبابه في غير طاعة الله وهذا مصاب»(1).
مسألة
[ حكم ذوي المس ومتى يحكم عليه بالبلوغ ]
وللحاكم أو الوصي أو الوكيل أن يجري على ذي المسّ النفقة في ماله والكسوة على وسعه وضيقه، وكذلك من به سائر العاهات أعاذنا الله منها والمسلمين والمسلمات ولا يجوز نكاح ذي الجنة ولو اضطر.
مسألة
[ حكم تأديب من به عاهة ]
ومن كان له قريب ذو ألم أو حاذر فتكه في الأمم فليس له إيلامه
بالضرب والفزع وله ردعه بالزجر وبالمنع لأنه لا عقل له يميز به بين القبيح والمليح، وإن ضربه فأثر فله أرش الضرب علي الصحيح وولي ذي الولق به جنون أدبه بالضرب غير المبرح والربط، وإذا ارتد ذو الولق بعد زوال عقله فهلك فميراثه لورثته من المسلمين ولا يخرجه ارتداده من المسلمين.
مسألة
[ حكم تصرفات من به لمم(2) ]
وإذا تحنف ذو المس وقد كان مشركاً فهو على شركه إذا مات
وميراثه لورثته من أهل دينه.
ومن له ولاية فاعتراه لمم فهو على ولايته وإن مات وهو على حاله وإن أتى بما يخرجه من الولاية فلا بأس عليه.
مسألة
[ من هو المجنون؟ ]
والمجنون الذي لا يقع فعله لطلاقه وإنفاقه وغير ذلك هو الذي لا يفيق
ولا يتقي المنكرات. كإبداء العورات وترك الصوم والصلوات وعدم المبالاة بترك المفترضات.
مسألة
[ حكم تصرفات ذو المس بعد إفاقته؟ ]
وذو المس إذا فاق وقتا فما جناه في حال إفاقته فعليه ضمان وهدر عنه ضمان ما جناه في حال المس.
مسألة
[ متى يكفر عن ظهاره ]
ومن ظاهر في حال الصحة ثم عتق في الولق فلا يثبت عتقه ولا
يحتذى به.(3)
مسألة
__________
(1) 1- المقصود بالمصاب : من به مس. والله أعلم.
(2) 2- تكلم العلماء عن أهلية الوجوب والآداء فله أهلية الوجوب كاملة وأهلية الأداء ناقصة =
(3) = ويحاسب على أعماله المالية المتلفة لأموال الآخرين في أمواله وعلى وليه الحجر عليه
وعدم تركه هكذا. والله أعلم. (8/109)
صفحة 1228
[ حكم الأبله ]
ومن أوصى إلى وصي في شبله الصبي فاعترى الشبل مس قبل بلوغه فبلغ على ذلك وجن بعد بلوغه وقتل قضى نشبه فماله بحاله في يد وصيه ينفق
عليه منه، فإذا أفاق سلّمه إليه والأبله في اللغة الغافل وفي الحديث : «أكثر
أهل الجنة البله»(1) وإذا كان للأبله شركة مع أحد وراموا توزيعها وكل له الحاكم ثقة تقاسم له ويقبض حقه وينفق عليه، وإن تعذر حصول الحاكم العدل فجماعة المسلمين، وإن كانت والدته غير مأمونة على ماله لم يجز
لهم تسليم مال اليتيم ولا من لا يملك أمره، وأما إذا كانت أمه وصيته من
أبيه ولم تبن منها خيانة فجائز تسليم ماله إليها لأن أباه قد وثق، وإن خانته نزع من يدها منها ولا كرامة لها. وإذا كان الوكيل غير ثقة فلا يجوز له أن يوكل سواه يقاسم له شركائه، وجائز خلطته إذا لم يكن محبوساً ولم يكن
له إخراج زكاة ثمار واختلفوا(2) في زكاة ورقه وكذلك وكيل ذي اليتيم.
مسألة
[ حكم المعتوه ]
عن أبي محمد : المعتوه المطبق على عقله الذي لا يفيق في وقت من الأوقات وفي الحديث : «لا يجري القلم على المعتوه حتى يفيق»(3)
__________
(1) 1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - «يدخل الجنة أقوام
أفئدتهم مثل أفئدة الطير» أخرجه مسلم وزاد رزين في رواية «وأكثر أهل الجنة البُْلهُ»
وقال في جامع الأصول 10/536 رقم 8096 رواه البزار في مسنده» عن أنس بن
مالك رضي الله عنه، وهو حديث ضعيف.
(2) 2- سبب الاختلاف في وجوب الزكاة أن بعض الفقهاء اشترطوا البلوغ والعقل والراجح
عدم اشتراط ذلك لأن الزكاة عن الأموال وليست عن الأبدان وتجوز فيها النيابة لأنها
عبادة مالية. والله أعلم.
(3) 1- نص الحديث : أتى عمر بامرأة قد فجرت، فأمر برجمها، فمر عليُّ فأخذها، فخلى
سبيلها، فأخبر عمر، فقال : ادعوا لي فجاء علياً، فجاء علي، فقال : يا أمير المؤمنين،
لقد علمت : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : رفع القلم عن ثلاثة عن
الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه، حتى يبرأ» وإن هذه معتوهة
بني فلان لعل الذي أتاها أتاها في بلائها. أخرجه أبو داود رقم 4399، 4400،
4401، 4402، في الحدود باب في الجنون يسرق ويصيب حداً وإسناده حسن،
وهو حديث صحيح بطرقه وفي الباب عن عائشة وعلي رضي الله عنهما. (8/110)
صفحة 1229
، وقيل : حتى يستيقن.
مسألة
[ حكم عجم ]
وعلي الوصي والوكيل أن يستلخفا وذوا الأعجم وذووا اليتم إذا عجزوا البنية ويجوز لها ما يجوز لذي اليتيم وهم في الحكم سيان.
مسألة
[ جنايات المعتوه ]
وإذا كان للمعتوه زوجة ولا نشب له لينفق عليها منه جاز لها الإنفاق
وجاز لها الانتقال إلى حيث ترجو تسير أربها و لا يضار بها وما جناه في
غير الإنشار وأموالهم فلا يلزمه ولا على عاقلته وما أكل بفيه أو باشر بعرده ففي ماله.
مسألة
[ تصرفات المغلوب على عقله ]
ولا يهم المطبق على عقله المغلوب عليه قال الخليل(1) : الأيهم الأصم والأيهم الشجاع الذي لا ينحاس بشيء والأيهمان السيل والحريق وإليهما المفازة التي لا ماء فيها ولا صوت، وقيل : الأيهمان السيل والليل، وقال أبو عبيدة : السيل والجمل الهائج والأكمه هو الذي ولد أعمى والجامع كمه،
قال الخليل : وقد يكون الكمه في الشعر من عرض حادث والأبكم
هو الأخرس يقال : بكم يبكم بكماً، وقيل : الذي ولد أخرس، وقيل : هو المسلوب الفؤاد الذي لا يعي شيئاً ولا يفهم، وقيل : الذي لا يسمع ولا
يبصر ولا ينطق، وقيل : العي عن الجواب، وقال الخليل :إذا امتنع عن
الكلام جهلاً أو عمداً فقد أبكم.
مسألة
[ تفسير الأعجم ]
__________
(1) 1- الخليل : هو الخليل بن أحمد : صاحب العربية، منشئ علم العروض، أبو عبد الرحمن
الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، أحد الأعلام، حدث عن أيوب السختياني،
وعاصم الأحوال، والعوام بن حوشب، وغالب القطان، اخذ عنه سيبويه النحو، والنضر
بن شميل، وهارون بن موسى النحوي، ووهب بن جرير، والأصمعي وآخرون. كان
متقشفاً متعبداً وكان ينشد :
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال
وكان هو ويونس إمام أهل البصرة، مات ولم يتمم كتاب العين. انظر سير أعلام
النبلاء 7/429 - 431 رقم 161. (8/111)
صفحة 1230
والأعجم الذي لا يصح يفصح والعجماء البهيمة وفي الحديث : «جرح العجماء جبار»(1) والعجماء الصلوة الذي لا يقرأ فيها جهرا أو قوم عجم
لا يفصحون النطق.
مسألة
[ تصرفات الأعجم القولية والفعلية ]
وإذا ارتكب الأعجم ما يجب به الحد فلا حد عليه ولا طلاق له ولا
بيع ولا شري ولا عطية وإذا استطاع الحج لزمه ويقف في المواقف
وتجزيه النية القلبية.
مسألة
[ جنايات الأعجم ]
وما جناه الأعجم مما عزب علمه أنه خطأ أو عمد فهو في ماله، وإن صح أنه خطأ فعلى عاقلته وتعقل العاقلة نصف عشر الدية، وقيل : إنما كان ديته فوق نصف عشر الدية.
وحكم مبايعة الأعجم كحكم مبايعة مسترسل وجائز أن يشتري له وكيله من المشاع، وأما المقسوم فلا، وغير الوكيل فلا يشتري له مشاعاًَ ولا مقسوماً.
مسألة
[ حكم ولاية الأعجم ]
ولا تجوز ولاية الأعجم ولو صلى وصام لأنه لا يدري ما عنده ولا يكون إماماً ولا حاكماً ولا يصح شاهداً ولا تصح تذكيته، وإن عمل الأعجم
واليتيم والقن عملاً لأحد باستبراء رأيهم فلا ضمان عليه.
مسألة
[ جنايات الأعجم ]
وإذا زنى الأعجم أو سرق أو نحسا إثماً أو قتل نفساً ظلماً فلا حد عليه وإشارته بالجنابة لا يوجب عليه حكماً.
مسألة
[ كنية الأعمى ]
الأعمى اسم يقع على من ذهب بصره كلتا عينيه كنيته الأعمى أبو
البصير وإذا عميت إحدى العينين سمّي أعور يقال: عورت عينه وعورت
مثقلاً ومخففاً ويكنون الغراب بالأعور لحدة بصره على جهة النشأة وعن
النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من قاد ضريراً أربع خطوات كتب الله له لكل خطوة عتق
رقبة وصلت عليه الملائكة حتى يفارقه»(2).
مسألة
__________
(1) 1- في رواية العجماء عقلها جُبار» أخرجه البخاري مسلم والموطأ وأبو داود والترمذي
والنسائي. وهو يعتبر ضابط فقهي في مجاله.
(2) 1- هذا الحديث اعتقد أنه غير صحيح لأنه يضع الأجر الكثير على العمل القليل وهذا
من علامات الوضع والله أعلم. ولم أعثر عليه. (8/112)
صفحة 1231
[ ما يصان الأعمى من تلف من الضامن ]
وقائد الأعمى إذا استدعه بما لا يلزمه فيه الضمان فلا ضمان عليه إذا حذره المواضع الوعرة، وإن أصاب الأعمى شيء فلا ضمان على قائده
وإن أمر به على تلف فشدع أو سدع ضمن إذا لم يحذره وكان كحكم
قائد الدابة.
مسألة
[ قذف الضرير غيره ]
والضرير إذا قذف أحداً فلا حد عليه إذا ادعى أنه نطق أنه ذمي أو مملوك وإن سماه باسم أحد معروف مسلم وجب عليه الحد إذا سمّاه(1).
مسألة
[ قذف المحجور غيره ]
وإذا قذف المحجور رجلاً وسمّاه أنه فلان ابن فلان وادعى أنه لم ينوي
هذا وإنما قصد بالقذف ذمياً بواطة اسمه قبل قوله وهدر عنه الحد.
مسألة
[ حكم زنى الأعمى إذا كان محصن ]
وإذا زنى الأعمى وليس له زوجة حد وإن كان له زوجة فادعى أنه ظن أنها زوجته أو جاريته هدر عنه الحد ولا أمانة لأنه لا قصبة له، واختلفوا
في إمامته في الصلاة فمنهم من أجازها وهو رأي موسى(2) وأبى آخرون.
وإن علم الأعمى من أحد ما تجب به الولاية والعداوة فعليه من تكليف
ذلك ما على غيره.
وإذا ضرب المكفوف مع أهل التخفي إلا أنه لا يثق بهم فأعلموه بأوقات الصلاة ورؤية الهلال في الصوم والإفطار جاز قبول قولهم لأن الله تعالى
قد أتمنهم على ذلك.
والزمن والأعمى إذا لزمهما الحج وتعذر عليهما البلوغ فعن أبي محمد
أنهما لا يجب عليهما الخروج للحج وتجزيهما الوصية به.
مسألة
[ احتياط الضرير عن النجاسات ]
وتكره الصلاة بثياب الضرير إذا لم يكن عنده من يصونها عن الأنجاس وهذا أمر من طريق الاحتياط، وأما في الحكم حتى ترى عليها أثر النجاسة
وهو مسلم.
مسألة
[ حكم مساكنة الأعمى ]
__________
(1) 1- السبب في ذلك عدم الإبصار شبهه دراءة للحد فهو يدعي أنه ذمي وأما إذا قذف
شخص باسمه فهو متأكد بما يقول فيحاسب على أقواله وشهادة الأعمى على الزنا
غير مقبولة لأن الشهادة تحتاج للمعاينة.
(2) 1- موسى : هو العلامة موسى بن علي رحمه الله - والله أعلم. (8/113)
صفحة 1232
ولا بأس بمساكنة الأعمى الأجنبية وشهادته جائزة بما يخبر به كالنسب والموت والنكاح، وقيل : جائز شهادته فيما استشهد عليه وهو بنظر، قال
أبو الحسن : لا يجوز تقليد الأعمى في الشهادة، وأما رفيعته إن كان ممن
تجود رفيعته جائز على قول الفتيا منه إن كان عالماً على معنى قبول الفتيا إلا التصديق وبحجة الإجماع على قبول فتيا عبد الله بن عباس(1) رضي الله
عنهما ومثله فتيا أبو الحواري وأبي المؤثر.
مسألة
[ حكم تعبد الأعمى بالأنجاس ]
وجائز حله إذا قال : قد جعلت فلان ابن فلان في حل ولا يجوز أن
يقول قد جعلتك في حل وأما الشهادة على العين فغير مقبولة منه وإذا أشهر علم العالم مع الأعمى جاز له أن يروي عنه، وقيل : كان أبو المؤثر يروي
عن محمد بن محبوب. قال أبو محمد : لا يشرب الأعمى إلا ما لا يعرف
بالشم والطعم وما شكل عليه ذرأه والضرير زائل عنه حكم التعبد بالأنجاس لزوال حكمها بالمعاينة وأما ما يدرك من المحجورات بعرف أبو طعم لم
يسعه ركوبه لا يسع من يبصر إذا عاين ما يدرك بالمعاينة و ما لا يدرك
بالمعاينة ولا عرف له ولا طعم يصح حكم معرفته زال عنه حكم الحجر
وأبيح حيث وجد في يد ثقة أو غير ثقة وإنما وقع اختلافهم في الثقة وغير
ثقة أن يأكل ويشرب مما في يده مالا يدرك بالعين ولا العرف ولا الطعم
فهذا من يد الثقة حلال ولو كان أصله محجور كنبيذ الجر والأديم.
مسألة
[ بعض أحكام الأعمى ]
وإذا كان على مكفوف البصر حقوق لقوم يعرفهم قبل أن يكف بصره ويعرف أصواتهم فإن سلم إليهم واستحلهم مما لهم عليه ففي الحكم لا
يبري حتى يصح معه وتعذر صحته للأعمى وأما في الطمأنينة فجائز من
__________
(1) 1- عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ابن عم رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وهو أشهر من
أن يُعرف حَبر الأمة وعالمها. (8/114)
صفحة 1233
فعله أو فعل غيره وجائز للأعمى أن يوكل في إعطاء شيء من نشبه وفيما يحتاج إليه من جميع ما يعنيه ولا يحتاج إلى إقامة الحاكم بذلك وله أن
ينكح وينكح.
مسألة
[ حكم معاملات الأعمى ]
عن أبي عبد الله : لا يجوز بيع الأعمى ولا شراؤه ولا عطيته ولا سلفه وجائز توكيله في ذلك وفي المعاملة والتزويج والمنازعة له ولمن هو وكيله
فإذا وكل وكيلاً جاز عليه فعل وكليه.
مسألة
[ عطية الأعمى ]
ولا تجوز عطية الأعمى ولو أشهد بالمعرفة لأن المعرفة لا تكون إلا بالنظر وجائز إقراره بالحقوق إذا عرف رب الحق نشبه.
مسألة
[ كيفية شراء حصة الأعمى ]
ومن كان له فيه حصة الأعمى(1) فاشتراها منه مع علمه أن بيع الأعمى
لا يجوز فنسي ذلك حتى خلت بره ثم شك أنه اشترى هذا المال بوكيل أم
لا والمال بيده يستغله فهو له حتى يصح أنه صار على غير منوال شرعي.
مسألة
[ صور من عقود البيع للأعمى ]
وإذا باع الضرير شيئاً من ماله فمات البائع أو المشتري فطلب ورثة الأعمى المال فلا شيء لهم لأن الأعمى ولم ينقض البيع فمات حجته وهذا رأي أبي علي واختلاف فيه وجائز بيع الأعمى للماء لأنه لا يعرف وليس
بين معرفة الأعمى والفاتح بون وأما بيعه للباسقات والدوح والأرض فلا
يصح إلا بوكيل. وتجوز شهادته على الماء وجائر للضرير هبة النزر من سيده ولا تصح مقاسمته.
مسألة
[ بعض أفعاله - الصدقات - الكفارات - الزواج ]
وجائز أن يعطى الفقير زكاة ماله وجائز له قبض الصدقات والكفارات
إذا كان مستحقاً لها، وإذا أقر لأعمى بزوجة ولم يقم بينة بصحة النكاح لم آخذه لها بالمؤونة، وجاز تذكية الأعمى قال أبو محمد : وإن قال فلانة بنت
فلان زوجتي ثبت عليه إقراره.
مسألة
[ حكم وصية الأعمى ]
وإذا أوصى بقطعته الفلانية من ماله فالوصية هدر لأنه جاهل، وإن أوصى بجزء من ماله جاز، وإن أوصى بقطعته الفلانية ولو كان عارفاً بها قيل
__________
(1) 1- الأصح: لأعمى. (8/115)
صفحة 1234
ذهاب بصره جاز إقراره، وإن أوصي له بثمرته في حياته جاز وإن أوصى
بماء من مائه وجده آثاراً أو رباعاً أو بواداً.
مسألة
[ تصرفات مع الرقيق ]
ومن أوصي له بشيء فقيل له أخذ حتى يصح أنه لم يخرج من ثلث ماله الموصي وإن أقر الأعمى أنه أحرز رقيقه أو ببره جاز وليس لأحد أن يسأله
أنك أجرتها بنفسك أو وكيلك ولا يمين للأعمى ولا عليه والأصح أنها له
ولا عليه.
مسألة
[ أفعال الناسي والسكران من طلاق ]
وإن أبرأ الناسي نفسه من حق ولده لم يبرؤه وإقراره بالطلاق والإيلاء والظهار والزنا والسرق والتدبير والعتق والمكاتبة والدين لا يلزمه شيء منه
حتى يقربه بعد صحوة وذوا النشوة إذا طلق وقع طلاقه وإن سرق أو زنى أو قذف لزمه حد ذلك وإن قَتل وإن غصب شيئاً نزع منه وأقيم عليه حد
حدثه، وإن كاتب رقيقه جازت مكاتبته لأن العتق يدخل فيها.
مسألة
[ أفعال السكران من إقرار وغيره(1) ]
وإذا كاتب الثمل بأكثر ما يكاتب مثله وعليه أكثر ما يتغابن به الناس في البيع والشراء كانت له قيمة ومن كاتبه وجائز تدبيره لأن فيه عتقاً وإن قذف امرأته ترك حتى يفيق فإن أكذب نفسه سلم وإلا لا عن الحاكم بينهما ومن شرب دواء فثمل فطلق عرسه فلا يلزمه طلاقه وإذا عتق عبد شركة مضى
عتقه ولزمه ثمن حصة شريكته ولا تجوز وصيته في حال نشوة وإن جامع
امرأته في دبرها ولم يشعر فلا تحرم عليه وإن أمكنته لزمها الحوب ولا تجوز تذكية ذي النشوة الذي زال عقله.
مسألة
[ مدة الغائب ]
__________
(1) 1- تصرفات السكران مختلف فيها عند الفقهاء فمنهم من يوقعها عليه ومنهم من لا
يوقعها عليه استناداً للأدلة الواردة في العقل أنه مناط التكليف انظر كتابنا ظاهرة
المخدرات والحل الإسلامي في فصل تصرفات السكران. (8/116)
صفحة 1235
اختلف العلماء في مدة الغائب، قول أربع بره ولا بون بينه وبين المفقود، وقول : اثنا عشر سنة، قول : ستون سنة، وقول : سبعون سنة، وقول : مائة وعشرين سنة، وبه قال منير(1) : قول مائة سنة قول مائة سنة وبه قال هاشم، وقول : ثلاثون سنة، وقول : حكمه الحياة حتى تصح وفاته.
مسألة
[ من هو الغائب وما حكمه ]
وحكم الغائب هو من غاب علم توجهه إلى أن ينتهي ولا ما كان من أمره فهذا حكمه على قول الحياة، ولا اختلاف فيه ورثاه وماله بيده وهو في يده ولمن يلزمه عوله أن يعال منه إلى أن تصح وفاته فإذا مضت مدة غيبته أماته أهله وقسم نشبه واعتدت عرسه عدة المميتة، وقول : إذا مات أترابه حكم عليه بالموت وشبهوه ببلوغ الصبيان إذا بلغ الصغير قبل الكبير حكم للكبير بالبلوغ وهو رأي الشيخ بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
مسألة
[ كيفية التعامل مع مال الغائب ]
وإذا لم يكن على الغائب حقوق جعل ماله عند عدل فرض لمن يمون الغائب النفقة والكسوة وإن ضمنه ورثته وكان في أيديهم فحسن ويكون
عند ورثته مضمون وعند من وكله الحاكم أمانة وإن أشهد الورثة أنهم لا يقضون الأمانة ولم يستنفقوا منه فهو أمانة غير مضمون.
مسألة
[ دراهمه تكون أمانة ]
وإن ترك دراهم ودنانير فهي في يده أمانة حشيرته حتى يصح موته أو يقدم وعليه أن يوصي بها إذا استحضر مع ثقة أمين في مبراء من الحيف والمين.
مسألة
[ حقوق الغائب على الغير ]
__________
(1) 1- منير : هو الشيخ العلامة الشهيد المنير بن النير بن عبد الملك بن وساد بن وهب -
الرياض الجعلاني. كان رحمه الله من المعمرين عاش سنة 110سنة وهو أحد العلماء
الأربعة الذين نقلوا العلم عن الإمام الربيع بن حبيب، وكان في الجيش الذي قاده
الأهيف بن حمحام الهنائي لمقاتلة الطاغية محمد بن بور وأخرجه من عمان
واستشهد في تلك الواقعة خلق كثير منهم هذا الإمام - رحمه الله. انظر
إتحاف الأعيان 1/170. (8/117)
صفحة 1236
ومن عليه حق لغائب فجائز له دفعه في مؤونة من يلزم الغائب مئونته إذا لم يكن محكوماً لهم بفريضة من مال الغائب إذا كان ثقة أو وصية ومن غاب ولا يكن له وارث فلا يجوز لأحد تناول شيء من ماله.
مسألة
[ حكم التصرف في مال الغائب ]
عن أبي محمد: يجوز التعارف في مال الغائب وقال بشير بن محمد
بن محبوب(1) رحمهم الله : لا يجوز والغائب ليس حكمه كحكم الحاضر
وهكذا قال أبو الحسن وقال : من أخذ شيئاً من ماله بحضوره أو غير
محصون ضمنه، ولا يجوز الأكل من مال الغائب بإباحة وكيله، وإذا كان الوكيل عدلاً فبالثمن وإن علم إباحته له جاز ولا يسما إذا كان تبلغه الحجة على التعارف وسكون النفس.
مسألة
[ قسمة أموال الغائب ]
ولا يجوز قسم مال الغائب بالظن أنه قد مات حتى يصح موته بالبينة أو تخلو مدته بشهرة موته لا راد لها ولا تنازع فيها وإذا نافت دوحة الغائب
على مال جاره وتعذر المنصف فصرى النائف بنفسه فلا ضمان عليه وأجرة قطع النائف من مال رب النائف والخشب له وإذا صح موت الغائب عن
رجل ونكح امرأة الغائب فذلك تزويج فاسد لأنها صدقته بغير صحة
ويفرق بينهما فإن باشر لزمه المهر وإلا فلا.
مسألة
[ ضمان مال الغائب ]
ومن غاب عزب عليه علم كونه وله شريك في مال أقام الحاكم وكيلاً للغائب يقاسم له شريكه ويقبض حصته حتى ثوب أو يصح صوته فيدفع
__________
(1) 1- بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله - هو العلامة أبو المنذر بشير بن محمد بن
محبوب الرحيلي - المخزومي القرشي كان هو وأخوه الشيخ عبد الله بن محمد ووالد
الإمام سعيد بن عبد الله من كبار علماء عُمان، والغاية في العلم والفضل في أهل
زمانهم. ومن قواعد الشيخ بشير المأثورة عنه قوله [ترك النكير لمن له النكير حجة
وأظهار النكير حجة] وفي رواية [ترك النكير لمن له النكير حجة عليه]. له مؤلفات منها
البستان في الأصول وكتاب الرضف في التوحيد وحدوث العالم وغيرهما. انظر
إتحاف الأعيان 1/194-195. (8/118)
صفحة 1237
لورثته وإن خفي حال حياته وموته فموقوف عن الدخول في نشبه إلا بحجة وإن ضمنها ورثته كانت للورثة في مال الغائب حجة ومن سلم لهم شيئاً
ضمنه ما لم يصح موته وإذا ورث الغائب شيئاً فعلى وكيله القيام به مع ماله الذي وكل فيه ومثله وكيل اليتيم وإذا رام وكيل الغائب قضاء فرض لزمه كالحج والجهاد فليس له أن يجعل ماله في يد وكيل غيره باستيراز رأيه دون
أمر الحاكم أو الجماعة.
مسألة
[ أثر شراء الحرة جزء من العبد ]
وإذا غاب عبد عن زوجة حرة فاشترت منه شقصاًَ حرم عليها وعدتها ثلاثة قروء وإن كانت ممن تحيض وإلا فثلاثة أشهر وإن قعدت الأمة وهي
تحت حر أو غائب فاشترى منها حصة حرمت عليه إلا تشتريها كلها ونفقة ومن يمون الغائب في نشبه وستنفق زوجة الغائب أو المفقود ومدة العينة(1)
وليس لها في عدة التربص شيء وهذا عن هاشم وقول لها النفقة في عدة
الوفاة وعدة الفقد والغيبة والأول أصح.
مسألة
[ الحاكم هو الذي يطلق امرأة الغائب ]
وزوجة الغائب والمفقود يطلقها ولي دمه فإن كره الأدنى طلقها الأقصى وإن كره الأولياء وامتنعوا طلق ذو الأمر وإن لم يكن فجماعة المسلمين
وأقلهم اثنان فإن استوى الأولياء أمروا أحدهم وإن أمره الحاكم فحسن والحاكم أولى من الحبس والأرحام إذا لم تكن عصبة وإذا تعذر حصول
ولي من الرجال وبالتي من كان أولى به من النساء والأصح أن الحاكم أولى
من يطلق النساء.
مسألة
[ نفقة عدة الغائبة والمفقودة على زوجها ]
وعدة الغائبة والمفقودة على زوجها إذا طلق سنة احتياطاً للحمل والحيض إذا رام تزويج أختها أو كان له ثلاث سواها وشاء نكاح رابعة مكانها وكذلك عدته منها بعد انقضاء عدة العينة والفقد هذا إذا جاز بالغائبة والمفقودة وإن لم يجز فلا عدة عليه. وإذا خبر الغائب أن زوجته ماتت
__________
(1) 1- هكذا في الأصل : والأصح والله أعلم ستنفق زوجة الغائب أو المفقود مدة الغيبة.. (8/119)
صفحة 1238
فنكح أربعاً وجاز وهلكت فصحت حياتها بالبينة فعن عزان : إن كان تزوج بواحدة بعد واحدة فلا ميراث للرابعة ولهن كلهن صداقهن وإن تزوجهن
في عقدة فسد النكاح ولا ميراث للأربع ولهن المهر.
مسألة
[ مقدار الشهادة على الموت ]
وإذا أخبر زوجة الغائب شاهد واحد بموته فليس لها تصديقه في الحكم
فإن صدقته وتزوجت بعد أن اعتدت فلها تصديقه على الاطمئنان وهي
صدقة إن ادعت أنها صح معها موت زوجها.
النهج الثامن
في التذكية والصيد والأضحية
وأحكام ذلك
النهج الثامن
في التذكية(1) والصيد والأضحية
وأحكام ذلك
مسألة
[ حكم ذبيحة الكتابي ]
عن أبي الحسن لا بأس بتذكية الكتابي إلا نصارى العرب، وقيل : من قرأ منهم الإنجيل أكل ما ذكي وقول : حتى يذكر اسم الله عليها جهراً، وقول : إن العب باللحم توكل وأهل الكتاب مشركون لقوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم } (2) الآية.
وذبيحة أهل الكتاب جائزة إذا أحدث التذكية، وقول : إن ذبيحة الصبي
منهم جائزة وإن لم يختن، وقول : لا يجوز وإذا تحول اليهودي إلى
النصرانية أو بالعكس أكل ما ذكى، ويكره أن يذبح الذمي النسك للمسلم، ولا تؤكل ذبيحة المجوسي ولو تهود أو تنصر ولا الأقلف من أهل القبلة.
مسألة
[ وضع حد القذف بين أهل الذمة ]
وليس بين أهل الذمة والمتحنفين حد في القذف وهو إذا قذف المتحنف يهودياً أو نصرانياً فلا حد عليه وإن بالعكس أدب وعزر وأهل الذمة
مأخوذون بما أحدثوا في المتحنفين وتقام على الذمي الحدود غير حد القذف ولو أسلموا.
مسألة
[ مدى تطبيق الحدود على أهل الذمة ]
والمشركون المحاربون فلا يؤاخذون بحد سرق ولا زنى ولا قذف ولا
غيره فكله هدر عنهم إلا إذا تحنفوا ووجدوا ما أخذوه من المتحنف قائماً
__________
(1) 1- التذكية : يقال ذكيت الشاة تذكية والاسم الذكاة، والتذكية الذبح والنحر.
(2) 2- سورة التوبة آية 31. (8/120)
صفحة 1239
قربه أولى به لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «ليس على مسلم توى»(1).
مسألة
[ الاستفادة من الميتة ]
عن أبي محمد: اتفقوا أصحابنا على استعمال صوف الميتة وشعرها وريشها وخالفنا في ذلك قوم واحتجوا بقول الله تعالى: { حرمت عليكم الميتة } (2)
فاسم الميتة قد استوعبها وما عليها واشتمل على كلها قلنا : إن الله تعالى لم تسر إلى عين بعينها وإنما تركت مع الاسم فكأنما وقع اسم ميتة فمحرماً
وما لم تقم به الأدلة على استحقاقه اسم ميتة فحجر غير واقع عليه.
مسألة
[ ما يقع عليه اسم الميتة ]
اختلف الناس على وقوع اسم ميتة على الشعر والوبر والقرن وغير ذلك ولا دليل على وقوع اسم ميتة عليه فمن قال بعموم الآية مثله وهو قوله
تعالى: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } (3) الآية.
مسألة
[ حكم الشعر والوبر والصوف ]
فإن قال من أصوافها وأوبارها وأشعارها إذا لم تكن ميتة قلنا هو قوله:
{ حرمت عليكم الميتة } إلا الصوف والشعر والوبر ويكون كل متناول
قد تعلق بعموم.
مسألة
[ فهم رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - للميتة ]
دليل على قول صواب الميتة وخطأ من خالفهم وبرهان نير لا يحج أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بشاة لمولاة ميمونة قد أعطتها من الصدقة وقد ماتت فقال:
«هلا دبغتم أهابها فانتفعتم به؟ فقالوا : إنها ميتة تعلقوا بما تعلق به المناظر،
فقال لهم : ليس الأمر كما تتوهمون إنما حرم أكلها فقط»(4)
__________
(1) 1- ورد في حديث عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال : لا
تصلح قبلتان في أرض واحدة، وليس على المسلم جزية» انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 2/646 رقم 1158.
(2) 2- سورة المائدة آية 3.
(3) 1- سورة النحل آية 80.
(4) 1- فما أخرجه 4/343 باب جلود الميتة قبل أن تدبغ ومسلم رقم 363، 364، 365
في الحيض باب طهارة جلود الميتة بالدبغ والموطأ 2/98، في الصيد وأبو داود
رقم 4120، 4121 في اللباس، والترمذي رقم 1727، في اللباس باب ما جاء
في جلود الميتة والنسائي 7/171، 172 باب جلود الميتة، والحديث روي
بروايات متعددة كلها تعطي نفس المعنى. (8/121)
صفحة 1240
.
مسألة
[ الفرق بين الميتة وبين الخنزير وبماذا يذبح ]
اللحوم جمع ومفردة لحم وأدنى العدد لحمان والجلود جمع ومفرده جلد وأدنى العدد أجلد. وسئل ص جلد الميتة فقال : «إنما حرم ما يؤكل منها دون غيره» فالدباغ يسقط تحريم جلد الميتة. فإن قيل : فإذا أجزتم الانتفاع بجلد الميتة بعد دباغه وعدلتم عما أصلتم فلم لم تجيزوا الانتفاع بجلد الخنزير بعد الدباغ؟ قلنا : لا لأن جلد الخنزير قد حرمه الله بكليته فرداً لكتابة إلى أقرب المذكورات ولا تتجه الذكاة والميتة كانت حلال وإنما حرمت بحادث الموت. فإن قيل إن الله تعالى قال : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } (1)
فلم فرقتم بينهما وقد قال الله تعالى : { وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } (2)
فعلى قياد أقولكم إباحة لحم الخنزير وتحليله لغير المضطر بعد الذكاة وتركتم
ما أصلتم لأنفسكم، وقد ورد عنه عليه السلام أنه قال : «بعثت بكسر
الصلب وإراقة الخمر وقتل الخنزير»(3) فلا سبيل لأكل شحمه و لحمه و لا
الانتفاع بشيء منه ولا تصح ذكاته وحكم القرد كحكم الخنزير لا فرق
بينهما على الأصح للصحيح ولا للمضطر لأن الله تعالى أباح أكل الميتة للمضطر إذا لم يكن عاصياً ولا معيناً على معصية والمضطر العاجز عن
الكسب وإن سال حرم ولم يجد ما يسد به سغبه سواها وخشي الهلاك ولا يأكل إلا ما يحيى به نفسه روي أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ذكيت بطير يا
رسول الله. فقال له : «أهرق الدم وما شئت وسم»(4)
__________
(1) 2- سورة المائدة آية 3.
(2) 3- سورة المائدة آية 3.
(3) 4- لم أعثر عليه بهذا النص وهناك أحاديث منها: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ويتفق =
(4) = هذا الحديث مع ما حرمه الشرع من تحريم الشرك وعبادة الأوثان وتحريم الخمر وتحريم
لحم الخنزير ولا خلاف في ذلك بين الأمة.
1- له شواهد كثيرة منها : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «ما أنهر الدم
وذكر اسم الله عليه فكل، إلا سنَّ أو ظفر». انظر جامع الأصول في أحاديث رسول
الله - - صلى الله عليه وسلم - - 4/489 باب آلة الذبح. (8/122)
صفحة 1241
فلهذا الحديث أجازوا التذكية بالحجر الحاد والحديد وكل ماله حد يفري. وقال الفقهاء : إن الذكاة بالمروة والليط والحديد إذا كان كما ذكرت غرب ويفري جاز أن يذكى به ويجوز ذبح العصافير بنحو قضيب الذرة الحاد وقصب السكر، وقيل : إن
قينه كانت لكعب بن مالك(1) ترعى غنماً فخشيت على إحداهن فذكتها
بمرو فسأل كعب النبي - - صلى الله عليه وسلم - - فأجاز فعلها وأحل أكلها(2). و لا يجوز
الذبح بالعظم ولا المدادي ولا السن ولا الظفر لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - وعندنا الطير فقال له : «انهر الدم بما شئت إلا ما نهيتكم عن التذكية به»(3). يكره الذبح بالزجاج والتبر واللجين والرصاص والخشب والخرف وبادرة الغضب المهند، وقيل : إذا تذكى من باردته شيراً جاز الذبح به. قال الشيخ أبو محمد:
يجوز الذبح بالحديد كله إذا عزب كالمخلب والمديدة والجلم والمقراض وأشباه ذلك على الأصح.
__________
(1) 2- كعب بن مالك : ابن أبي كعب - بن سلمة الأنصاري الخزرجي العقبي الأحدي شاعر
رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وصاحبه وأحد الثلاثة الذين خُلَّفوا فتاب الله عليهم. شهد العقبة
وله عدة أحاديث تبلغ الثلاثين، روى عنه بنوه عبد الله وعبد الرحمن ومحمد ومعبد
بنو كعب، وجابر، وابن عباس وأبو أمامة، وعمر بن الحكم وغيرهم. توفي رضي الله
عنه قيل سنة 50، 51، وقيل سنة 40، انظر سير أعلام النبلاء 2/523-530.
(2) 3- رواه البخاري 9/544 في الذبائح، باب ما أنهر الدم من القصب، وباب ذبيحة المرأة
والأمة وفي الوكالة باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت أو شيئاً يفسد
والموطأ 2/489 في الذبائح باب ما يجوز من الذكاة في حال الضرورة.
(3) 1- هناك أحاديث كثيرة وكلها بهذا النص [ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس
السن والظفر] وفي رواية إلا السن والظفر، وهذه عند أبي داود. انظر جامع الأصول
في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/489 - 497 أرقام متعددة من 2585 - 2591. (8/123)
صفحة 1242
مسألة
[ تذكية الغربان والطيور ]
وجائزة تذكية الغريان والجنب والبضة والقينة، وأما ذات المس فلا تجوز تذكيتها في حال مسها.
مسألة
[ حكم ذبح المرأة ]
وجائز ذبح المرأة مع وجود الرجل والقلفا ليست كالأقلف في الحكم وذباح(1) ذات المحيض جائز للضرورة.
مسألة
[ حكم الذبح لغير الله ]
وما ذبح لغير الله فلا يؤكل ولو ذكر اسم الله عليه كالذبح للصلبان والأوثان، وقيل : إذا ذكر اسم الله على الذبح أكل ولو للآلهة لأن الله ليس
له نظير(2) وهذا هو الأصح.
مسألة
[ حكم ذبيحة الأخرس والصبي ]
ولا تجوز ذبيحة الأخرس إلا أن يتكلم بالتسمية ولا بأس بذبيحة الوليد
إذا كان قد أختن وأجاد الذبح، وقيل : حتى يكون عارفاً لصلاته وإن لم
يختن، والأول أصح.
مسألة
[ من هو الأخرس ]
الأخرس الذي لا يفصح الكلام ولا تخرج الحروف من مخارجها قال
جابر بن زيد(3) رحمه الله : إن نكاح الصابئين حلال فإذا حل نكاح
نسائهم حل ما ذكره الصابي قيل : من خرج من دين إلى دين وهم قوم أخرجوا من النصرانية إلى المجوسية.
مسألة
[ حكم ذبيحة الصائبة ]
وقال بعض الفقهاء : إن ذبيحة الصابئين حرام ليسوا من أهل الكتاب بدليل تمييز اسمهم من أسماء أهل الكتاب.
مسألة
[ أثر قطع رأس الذبيحة ]
ومن ذكى ذبيحته وأبان رأسها خطأ فلا بأس بأكلها وإن تعمد لم تؤكل لأن ذلك قتل وليس بتذكية، وقيل : إذا أخطأ حرم الرأس نفسه.
مسألة
__________
(1) 2- في الأصل : وباح ذات المحيض. والأصح وذباح أو ذبح ذات المحيض.
(2) 1- في الأصل : خرير : والصواب : نظير. والله أعلم.
(3) 2- جابر بن زيد : وهو من بني عمرو بن اليحمد من بلدة فرق القريبة من نزوى
وينسب إلى الجوف. وهو صاحب ابن عباس رضي الله عنهم وتلميذه، ويروى عنه
قوله أدركت في كتبهم أنه من علماء التابعين رضوان الله عليهم. ولد في خلافة
عمر - رضي الله عنه - وتوفي والصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنهم
جميعاً - انظر إتحاف الأعيان 1/40 - 50. (8/124)
صفحة 1243
[ الذبح من القفى ]
ومن ذبح للتذكية من القفا لم تؤكل ذبيحته على الأصح، وقيل عن
موسى بن أبي جابر في الهر تخطف رأس ديك؟ فأجاز ذبحه من عنقه دون
الرأس إذا أدركت ذكاته. ومن ذبح سطراً فتردى في ماء وأخرج حياً
وأجريت على نحره الشفرة فتحرك أكل، وقال محمد بن محبوب ومن
ذبح ولم يذكر اسم الله علي ذبيحته فله أن يذبح أسفل الذبح الأول فإن
تركت بعد الذبح الثاني أكلت. والذبح من القفا لا يجوز على العمد وإن
جرى الشفرة على اللبة فزلت في القفا واندارت الدابة فلا بأس بأكلها.
مسألة
[ حكم خطف الهرة من اللحم ]
عن موسى بن علي: وإذا تخطف هر رأس الديك فأبانه عن جثته جاز ذبحه دون الرأس إذا أدرك حياً ومن نسي اسم الله عند التذكية أعادها فإن
تحركت أكلت ومن ذكى ذبيحته على شرف فتردت قبل أن تموت كره
أكل لحمها ومن ذكى دابة فتوارث في حندس ليل لم تؤكل حذر أن يكون أعان على قتلها معين.
مسألة
[ حكم موت الطير في الماء بعد ذبحه ]
ومن ذبح طيراً فطار وهو ينظر إليه حتى وقع في ماء فإن وقع فارش الجناحين، وإن وقع ميتاً ففي أكله اختلاف فإن وقع في ماء وكان من طير الماء أكل، وإن كان برياً فمات في الماء لم يؤكل.
مسألة
[ أثر رفس الدابة على الذبح ]
ومن ذكى دابة فترفست فأملهت في ظلفها في كرشها فعتنه فلا بأس بأكلها لأن ذلك من فعلها وإن شق ذنبها لظنه أنها قد ماتت فتحركت فلا تؤكل لأنه أعان على قتلها وقيل : تذبح دون ذلك فإن تحركت وإلا فلا لأنه أعان أيضاً على قتلها بالذبح الثاني وإذا لم يكن الذبح الثاني في اللبة ولا في النحر لم يجز، وقيل: إن سطر الدابة تبع لأمة في الذكاة لقوله - صلى الله عليه وسلم - ذكاته
قال الله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قال بعض المفسرين أن جنين الأنعام ولو خرج ميتاً جعله كالبضعة منها.
مسألة
[ ذكاة الجنين ] (8/125)
صفحة 1244
عن بعض الفقهاء إذا خرج الجنين ذا شعر أكل وكانت ذكاته ذكاة أمه ومنهم من لم يجز أكله وإن أشعر بعضه حتى يتم شعره وإذا أتم خلقه تبعها
على قول، وقيل يتم نبت شعر ولعل الشعر من إتمام الخلق(1).
مسألة
[ اختلاف العلماء في الجنين ]
عن بعض الفقهاء أنه يعتبر أمره فإن كان في الاعتبار أنه قد نفخ فيه
الروح كان تبعاً لها وإلا هو كالميتة وقيل حتى يتضح حركته من بعد
حصول ذكاته وقيل: حتى تتضح حركته بعد موت أمه والأولين من هذين القولين أصح، وقيل: حتى يخرج حياً ويذكى.
مسألة
[ أكل الحيوان النجاسات ]
وإذا أكلت الدابة أو شربت نجاسة فعن محمد بن محبوب رحمه الله أنه
لا بأس بأكل لبنها وشربه لأنه يخرج من بين الفرث والدم و أما لحمها فلا
يؤكل إلا بعد حبس ثلاث أيام هذا في النعاج والمعز وقيل : يرمي ما قبقتها وتؤكل وقيل : تذبح وتؤكل وما في بطنها ولو من ساعته.
مسألة
[ أثر أكل الحيوان النجاسة ]
قال أبو الحسن : تحبس الشاة والنعجة ثلاثة أيام إذا أكلا و شربا حراماً والخوص والذبال سبعة أيام والدجاجة ثلاثة أيام والجلالة فقد قيل تحبس
أربعين يوماً وهي التي تتغذى الأقذار ولا تخلط معه شيء من الطاهر.
مسألة
[ أجر من يضحي ]
عن ابن عباس رضي الله عنه أن الدابة إذا أكلت العلف فاستقر في بطنها فطحنته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً والكبد مسلط على هذه الأشياء الثلاثة فيخرج الدم من العروق واللبن من الضروع ويبقى الفرث
كما هو في الكرش. عن أبي الحسن :الأضاحي ما هو الناس عليه من سنة
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ملة أبيكم إبراهيم. فقالوا: مالنا منها؟ فقال: شعره حسنة»(2)
__________
(1) 1- دليل ذلك عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - الحديث
أخرجه الدارمي وغيره وهو حديث صحيح.
(2) 1- وردت أحاديث في الحث على الأضحية وأنها من سنة أبينا إبراهيم عليه السلام
والصواب والله أعلم بكل شعرة حسنة، ولم يرد هذا النص في الكتب المعتمدة. (8/126)
صفحة 1245
وكذلك عنهما عن عبد الله بن عمر: «فما وجدنا فما أنفق الناس نفقة أعظم أجراً من دم مسفوح في هذا اليوم»(1) يعني يوم النحر لقوله
تعالى : { فصل لربك وانحر } (2) يعني الضحايا. وجائز الانتفاع بجلد
الأضحية وشعرها وصوفها وما بتكها ولا يجوز الضحية بالبتراء وهي
مقطوعة الأذن لعله العقب ولا العوراء وهي التي تنظر بعين واحدة ولا
العرجاء والتي لا تستطيع بلوغ المرعى ولا الجرباء من إبل وغنم ولا العضباء وهي مكسورة القرن لا يلتوي الإصبع ولا الحبل على قرنها ولا الصلماء
وهي مقطوعة الأذن إلى الثلث وإن بقي من أسنانها ما تعلف جاز أن
يضحى بها.
مسألة
[ أنواع من الماشية لا يضحي بها ]
ولا يضحى بمقطوعة الذنب ما لم يبق منه ما تذب به عن نفسها والعوراء
إذا لم ترد الماء وتنظر الكلأ فلا تجوز التضحية بها ولا يجوز الضحية بالجداء
وهي ذات ضرع واحد وقيل : إذا خلفت جداء جاز أن يضحى بها.
مسألة
[ الضحايا من الغنم ]
عن الخليل: السخل ولد الشاة ذكراً كان أو أنثى والمعز في أول سنة والثانية جذع و الأنثى عتاق ثم في الثانية ثم في الرابعة ثم في الخامسة سدس
ثم في السادسة ضالع وليس بعد ذلك سن وسن ولد الضأن أول سنة
خروف ثم حمل ثم هو كاهل ولد المعز فيما زاد وجائز أن يضحى بالجذع
من الضأن وإما من المعز فحتى يكون قرحاً والأصح أن المعز لا يضحى بها
حتى يكون ثلثي.
مسألة
[ الجائز من الإبل ]
ويجوز أن يضحى بابنة مخاض من الإبل وابنة لبون وحقة عن ولدة
واحدة ولا الجذعة من الإبل عن خمسة والبنية عن سبعة وما فوق ذلك عن سبعة ولا يجوز ما دن ذلك ابنة مخاض عن واحدة ويضحى بالثنية من البقر
__________
(1) 2- و أيضاً عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما عمل ابن آدم في هذا أفضل من دم=
(2) = يُهراق إلا أن يكون رحماً مقطوعة توصل، وغيرها انظر كنز العمال 5/أرقام 1252،
1253 ، 12154 ، 12155 ، ص84 - 85 .
1- سورة الكوثر آية 2. (8/127)
صفحة 1246
عن واحدة في خمس شياه وأسنان البقر الحولي ولد سنة ثم الجد ابن سنتين
ثم الثني ابن ثلاث سنين ثم الرباع ابن أربع سنين والسدس ابن خمس
والمسبب ابن ست وليس هو فوق هذا سن.
مسألة
[ كيفية النحر ]
والمسنة من البقر عن سبعة من المعز والضأن والنحر في اللبة وكان
الصحابة رضي الله عنهم ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي
من قوائمها وكان ابن عمر يستقبل بها القبل ويقيد يديها.
مسألة
[ الدليل على نحر الإبل ]
عن ابن عباس رضي الله عنه : إنهن ينحرن قياماً لقوله تعالى:
{ صواف } (1) أي صوافن قائمات ونصب البدن أحسن لأن قبله فعلاً
تقديره وجعلنا البدن وإن رفعت فعلاً الاستئناف والبدن بإسكان الدال
وضمها قوله تعالى : { واذكروا اسم الله عليها صواف } (2) منصوبة
على الحال ولم يُتَنوَّن لأنها ممتنعة من الصرف وقراء صواف وهو القائم
على ثلاث وقرئت صوافي بالياء بغير تنوين هي الخالصة لله قرئت بفتح
الياء بغير تنوين.
مسألة
[ الاشتراك بين النحر والتذكية ]
ومن نحر بعيراً ثم ذكاه فلا يؤكل لأنه أعان على نخعه وقيل جائز ذبحه ونحره وأما غيره من الدواب فلا إلا الذبح فقط.
مسألة
[ حكم صيد الكلب غير المعلم ]
ولا يجوز أكل ما اصطاد الكلب غير المعلم إلا أن تدركه ذكاته وسيله كسيل الكلب(3) المكلب.
مسألة
[ ما هي الذكاة ]
وأصل الذكاة الشق وإهراق الدم فإذا أدركت الصيد ميتاً وقد ذكر اسم الله عليه حل أكله وإن وجد حياً ذكي بعد أن ذكر اسم الله عليه.
مسألة
[ صيد الكلب المعلم وغير المعلم ]
__________
(1) 1- سورة الحج آية 36.
(2) 2- سورة الحج آية 36.
(3) 3- هذه الصور وردت في حديثه - - صلى الله عليه وسلم - - فذكرت اسم الله عليه فكل و ما صدت =
= بكلبك غير المعلم فأدركت غير المعلم فأدركت ذكاته فكل، المنتقى من أخبار المصطفى
2/87 رقم 4617. (8/128)
صفحة 1247
ومن رمى سهمه وسمى ولم يغيب عن الرامي أكل وإن توارى فلا يؤكل إذا وجده ميتاً وإن أصاب سهمه غير الصيد الذي ذكر اسم الله عليه لم يجز أكله وإن سمي على الكلب وأرسله أكل ما أمسك من كل ما اصطاد جل
أو حقر وكذلك السهم وإن نسي أن يكبر على الكلب أو السهم لم يؤكل
ما قتل وإن تردى الصيد من شامخ أرعن فمات لم يؤكل إذا تردى بعد أن رماه وإن رماه فوقع لم يصيبه شيء حتى وصل الأرض فرآه ميتاً جاز أكله، وأما أبو علي فقد نهى عن أكله.
مسألة
[ ذكر اسم الله على صيد الطائر ]
و من رمى طائراً بنبل أو طر وسمى الله عليه فقد قيل: إذا وجد بما رمى
دماً أكل ما اصطاده ولم يدرك ذكاته وإلا فلا وإن رمى صيداً إقراره عند حندس ليل فأدركه ميتاً لم يؤكل ولا يجوز أكل ما قتل كلب غيرك وإذا
وجد الصائد ما رمى من الصيد أو أرسل كلبه عليه ميتاً بين كلبه وكلب
غيره فلا يأكله وإن وجد فيه سهماً غير سهمه فلا يأكله.
مسألة
[ قول عدي بن حاتم ]
عن عدي بن حاتم(1) أنه سأل النبي ص من أرسل جارحته وسمّى فوجد
مع الصيد كلباً غير كلبه فلا يأكله إذا لم يعلم أن الصيد قتله كلبه، وقول :
إن من أرسل كلبه وسمّى وخالطته ألكلب لم يسمّ عليها لم يؤكل الصيد
وإذا وجد الصيد ميتاً وقد أكل منه الكلب لم يؤكله.
مسألة
[ اصطياد غير الكلب المرسل ]
و من سمّى و أرسل كلبه(2)
__________
(1) 1- عدي بن حاتم : بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس ابن عدي الأمير
الشريف أبو وهب وأبو طريف الطائي، صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم – ولد
حاتم طي الذي يضرب بجوده المثل. أسلم سنة 7هـ. له أحاديث روى عنه الشعبي،
سعيد بن جبير، وخثيمة بن عبد الرحمن، وتميم بن طرفة، وآخرون. اشترك مع علي
في صفين وعمر طويلاً وقيل أن عمره أكثر من 120 سنة توفي رضي الله عنه سنة
67، وقيل 68، وقيل 66. انظر سير أعلام النبلاء 3/163 - 165 رقم 26.
(2) 2- ورد هذا الحديث عن غير عدي بن حاتم أيضاً وهو حديث صحيح انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 7/26 - 24، - 38، بأرقام مختلفة. (8/129)
صفحة 1248
على صيد فاصطاد غيره فلا يؤكل
ومن رمى بحجر أو بندقته طيراً فوجده ميتاً فلا يأكله وإن وجده حياً
ذكاه وأكله.
مسألة
[ صيد المجوس ]
ولا يحل ما اصطاد كلب المجوسي ولا صقرة وحكمها عندنا سيان.
وقال محمد بن محبوب وإذا زفي المجوسي سهمه وقتل صيداً ثم رمى بذلك
السهم مسلم فقتل صيداً أنه لا يأكل لسبب الدم الذي فيه من رمية المجوسي.
مسألة
[ صيد الكتابين ]
وإذا اصطاد كلب ذمي الكتابيين صيداً أكل ويؤكل الحوت من صيد المجوسي وغيرهم ومن ضرب بغرب عصبه صيداً فقتله فإن سمى الله أكله
وإن بخعه بذاله أو نبله أو عوده فمات فلا يأكله.
مسألة
[ طعن الصيد حتى الموت ]
ومن وقع في شركته قنص فطعنه حتى مات فلا يأكله وإن أوهاه ضرباًَ وذكر اسم الله عليه وذكاه أكله إذا تحرك بعد الذكاة وإذا لم يكن الصيد في الشرك وطعنته وذكر اسم الله عليه فمات أكله إذا لم يواريه حندس ليل أو
ما أشبهه ولو توارى نهاراً.
مسألة
[ ما يجوز به الذبح ]
في الحمر والبقر إذا تعذر حصول ذكاته بتنقره فلهم أكل ما قتلوه بالذائل والمهند وقيل : إن الطلح شجر الموز وقيل : شجر أم غيلان والمخضود الذي
لا شوك فيه وإذا قطع الكلب الصيد نصفين أكلا معاً وإن رجع العجر أكلا أيضاً وإن زحزح المقدم ولم يؤكل شطر العجز.
مسألة
[ ضرب الجارحة وصيد الجراد والسمك ]
ومن ضرب صيداً فإن وجد جارحة منه كيد أو رجل لم يؤكل ما أُبين
منه ولو تعلق المقطوع بجلده ولم يؤكل ويؤكل ما بقي. مسألة : وجائز
أكل الميتين الجراد والسمك بلا تذكية لقوله عليه السلام : «أحل لكم ميتتان الجراد والسمك ودموان فالطحال والكبد»(1) ويؤمر من أراد الجراد في النار
__________
(1) 1- رواه أحمد وابن ماجه والدار قطني انظر المنتقى من أخبار المصطفى - صلى الله عليه
وسلم - 2/871 رقم 4659. انظر سنن الدار قطني 4/272 رقم 26 وأخرجه
وحكم عليه التعليق المغني على سنن الدار قطني 4/272 في الهامش للمؤلف أبي
الطيب شمس الحق العظيم أبادي. (8/130)
صفحة 1249
أو القدم أو القدر أن يذكر اسم الله، وقال أبو الحسن يكره طرح الجراد في النار وهو حي رحمة له. وفي الحديث أن مريم عليها السلام أنها سألت ربها
أن يطعمها لحماًَ لا دم فيه فأطعمها الجراد فدعت له وقالت اللهم أطعمها
بغير رضاع وتابع بينهما وذكاة الحوت والجراد اصطياده.
مسألة
[ إحسان الذبح وحد الشفرة ]
وعلى المذكي أن يتخذ الشفرة الحادث وأن يحسن الذبح برفقة ورحمة ويستقبل القبلة ويضجعها برأفة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله رفيق رحيم يحب الرفق والرحمة وتذكر اسم الله ويشخط شخطاًَ ولا يحز حزاًَ.
مسألة
[ حد الشفرة قبل الذبح ]
وإن أدبر القبلة عند التذكية خطأ فلا بأس عليه وإن تعمد فقد أسي ولا تحرم الذبيحة وهذا رأي أبي المؤثر والشيخ محمد بن محبوب رحمهم الله وإذا ذكر
اسم الله بأي اسم من أسمائه أجزأه والأصح أن يقول: لا إله إلا الله والله أكبر.
مسألة
[ حكم التسمية على الذبيحة ]
وإذا قال لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر أو سبحان الله واستغفر الله أو صلى على رسوله محمد أو قال بسم الله أو نحو ذلك أجزأه وعليه أن
يحرك لقلقه وإن لم يحركه فلم يجز وجائز أن يذكر اسم الله بأي لغة ولو
عرف العربية أو أحسنها ومن نسي أن يذكر الله عند الذبح لم تؤكل ذبيحته لقوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } (1).
مسألة
[ جواز إعادة الذبح والتسمية ]
وإذا ادعى المذكي أنه سمّى بالفارسية فإن كان ثقة أكلت ذبيحته وإلا فلا ومن لم يذكر اسم الله عند الذبح أعاد الذبح ما لم تمت ولو في موضع
الذبح السابق وقيل : أسفل منه فإن تحركت بعد الذبح في الأخير أكلت
وإلا فلا.
مسألة
[ حكم ذبح المرأة ]
وذبيحة المرأة جائزة إذا جادت الذبح ولو لم تقف أو كانت حائضاًَ أو جنباً. وجائزة ذبيحة الأصم ولا تجوز ذبيحة الأبكم إذا لم يفصح النطق
ويكره ذبح العاري.
مسألة
[ حكم ذبيحة الأقلف ]
__________
(1) 1- سورة الأنعام آية 121. (8/131)
صفحة 1250
عن أبي الحواري : إن ذبيحة الأقلف الصبي حنفياً كان أو كتابياً جائزة وذبيحة الكتابية جائزة يهودية كانت أو نصرانية ولا تجوز ذبيحة الأقلف
البالغ حنفيا كان أو كتابياً وإن ذكيا الدابة اثنان معاً أو أجريا الشفرة وأجاد الذبح جاز لهما.
مسألة
[ ذبيحة تارك الصلاة حكمها ]
وإذا رمى اثنان صيداً بسهم واحد فأصاب سهمهما أكل إذا ذكر اسم
الله عليه وذبيحة العبد المختن إذا ذكر اسم الله حلال ولا تجوز ذبيحة الناشئ ولا ذووا المس ولا من ترك الصلاة.
مسألة
[ حكم ما ذبح لغير الله ]
وما ذبح لغير الله لم يؤكل ولو ذكر اسم الله عليه والأصح وأن ذبح متحنف لوثني وذكر اسم الله فلا بأس بأكلها ولو اعتقدوها لآلهتهم.
مسألة
[ طعام الكتابي ]
وعن منير : ولو ذبح الكتابي ذبيحته لنفسه وحرمت عليه في دينه ولا
بأس بأكلها، وقيل : لا تؤكل لأنها من غير طعامهم.
مسألة
[ ما ذبحه أهل الكتاب والسارق ]
وما ذبح من النصارى من الإبل حل أكله للمسلمين ولا يحل أكله وما ذبحه اليهود من الإبل لأن اليهود حرموا أكل لحوم الإبل وما حرمه اليهود
على أنفسهم من الشحم وغيره جائز للمسلمين أكله من معز وضأن و إن
وهبوه للمتحنف شيئاً من ذلك جاز قبوله، وقال زياد بن المنذر :من أكل
لحم ميتة تصدق ذكى مثله، وقال أبو المؤثر : ذبحة السارق لا تؤكل ولو
كان مصلياً، وقال منير : لا بأس بأكلها وأخذ الشيخ محمد بن محبوب
بقول منير.
مسألة
[ المفترس ]
وذبيحة المفترس جائزة أكلها إذا كان مصلياً ويحسن التذكية ولربها
أفضل القيمة حية وميتة وإذا ذكر السارق اسم الله عند الذبح أحل اللحم
وإذا ادعى أنه سمّى لم يقبل منه وإن أدركها ربها قبل أن تموت فذكر اسم
الله فلا يحل له أكلها.
مسألة
[ أدوات الذبح ]
ولا بأس بذبح بالليطة الطير والمعز والضأن بالمرو ويذبح بقصب السكر والودع والذرة.
مسألة
[ ما لا يجوز به الذبح ] (8/132)
صفحة 1251
ولا يجوز الذبح بالعظم والسن والدوق والزجاج والنارجيل والخزف والمحار والتبر واللجين والشبه والنحاس والصفر والرصاص والخشب ولا بما غرب له ولو من حديد.
مسألة
[ التذكية بآلة ذكي بها ]
ومن ذكى بشفرة قد ذكي بها ولم يطهرها فقد ترك المأمور به لأنه ذكى بها وهي نجسة ولا تحرم ذبيحته ولو ذكى ذلك جمة ذبائح إذا ذكر اسم الله
عند ذبح كل دابة أو طير.
مسألة
[ حكم لحم السخلة إذا رضعت من الكلبة ]
وإذا رضعت السخلة كلبة فلا يحرم لحمها وكذلك المرأة إذا رضعت سخلة من لبنها فلا يحرم عليها أكلها ولا ثمنها.
مسألة
[ أكل الدابة من المحرم ما حكمها ]
وإذا أكلت الدابة مما لا يؤكل لحمه فاعتاقت فعن أبي عبد الله : إنها تذبح ويرمى بها ولا تترك في العذاب.
مسألة
[ حكم عدم تحرك الذبيحة ]
وإذا أجرى المذكي مديته على الدابة الصحيحة فذبحها أكل لحمها ولو
لم تتحرك بعد الذبح وأما المريضة فحتى يتحرك بعد الذبح وإلا لم تؤكل.
مسألة
[ حكم إمساك الدابة بعد الذبح ]
ويكره للمذكي أن يمسك الدابة بعد أن يذبحها إلا لمعنى يرجو سلامتها
فيه من التردي ولا سيما إذا كان إمساكها يعين على قتلها لأنه مفسد لها
لأنه حديث.
مسألة
[ حكم رمي الطير أو الحيوان بالحجر ]
وإذا رمى الطير بحجر وسمى الله فأكلمه وإلا فلا وأما الدواب البقر والمعز والصبا فلا يؤكل يرمى الحجر ولو أكلمه وسمّى على الأصح.
مسألة
[ أنواع من الجائز أكلها ]
وقيل لا بأس بأكل لحوم الحمر والبراذين والصافنات الجياد والبغال ولا بأس بشرب ألبانها والتوضي بأسوارها ولا بأس بأكل الأرنب والثعلب واليربوع وكره بعضهم أكل الثعلب والضب.
مسألة
[ حجة من قال بأكل لحوم الحمر والبراذين... ] (8/133)
صفحة 1252
الحجة لمن أجاز أكل ما ذكرنا لقوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دم مسفوحاً أو لحم خِنْزير } وحجة من حرم لحوم السباع قول صلى الله عليه وسلم حرم عليكم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير. وهذا الرأي هو الأصح.
مسألة
[ حكم أكل القنفذ ]
عن أبي الحسن أنه قال لا بأس بأكل لحم القنفذ وهذا كله بعد
الذكاة والكبش في الأضاحي أفضل من المعز لقوله تعالى : { وفديناه
بذبح عظيم } (1).
مسألة
[ عدد الذين يشتركون بالبدنة ]
وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - المشاركة في البدنة ولا يجاوزن في العدد(2) أكثر
من سبعة وينبغي لمن يضحي أن يأكل منها ويدخر ويتصدق بثلثها مسألة: ومسك ضحية المتمتع يأكل ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها وقد قيل:
إذا لم يواس الفقراء شيء فهذا قد أسي ولا بأس عليه.
مسألة
[ البسملة عند التذكية ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان(3) رحمه الله:
ومن يبسمل عند التذكية أو استعاذ وقال : أمر بك الله ورسوله واستعاذ ولم يسم ولم يكبر فجائز كل ما ذكي وليقضِّب إذا طبخ في اللحم من غير أن
يشق ويطهر نجسته وإن شوى مع اللحم لم ينجسه.
مسألة
[ حكم مبولة الأنثى ]
وأما مبولة الأنثى من الدواب فجر بها الغسل من غير شق وحد الذبح هو الذي يميت الدابة من قطع جرعبه أو داج.
مسألة
[ حكم إلقاء الذبيحة في الماء ]
__________
(1) 1- سورة الصافات آية 107 .
(2) 2- انظر الدليل على العدد في كنز العمال 5/226 رقم 12693 : عن أبي الأسد
السلمي عن أبيه عن جده قال: كنت سابع سبعة مع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - فجمع كل
واحد منا درهماً، فاشترينا أضحية بسبعة دراهم..
(3) 1- القاضي: محمد بن عبد الله بن جمعه بن عبيدان: لم أعثر له على ترجمة ويظهر لي
والله أعلم أنه من علماء القرن التاسع فما فوق. (8/134)
صفحة 1253
ومن ذكى دابة وألقاها في ماء حتى ماتت فهذا قد أعان على قتلها وحرم أكلها إذا تحركت في الماء بعد الإلقاء ثم ماتت عن الشيخ الوالي عامر بن
محمد بن سليمان النَّزوي(1) رحمه الله: ومن طرب طير فأدركه حياً
فذكاه فلم يتحرك سوى فتح منقاره أو سده فلا يجوز أكل لحمه وفتح فيه وسده فلا يكون حركة.
مسألة
[ أهمية يوم الوقفة ]
عن الشيخ سليمان بن محمد بن مداد(2) رحمه الله: ومن طعن
عصفوراً بخطيه حتى مات فإن أخرجه وقد سمى عند الرمي فهو حلال ولو
لم يدرك ذكاته والذبح يوم العيدين في أي وقت وينبغي للمسلم أن يفرغ
نفسه للدعاء في ساعة الوقفة لأنه يوم شريف شرفه الله وعظمه وكرمه.
النهج التاسع
للمعتدة وما لا يجوز ولحوق الولد
النهج التاسع
للمعتدة(3) وما لا يجوز ولحوق الولد
مسألة
[ عدة المطلقة المراهقة ]
ومن جواب الشيخ الفقيه محمد بن عبد الله بن جمعة بن
عبيدان : وإذا طلق البعل عرسه المراهقة(4) فعدتها سنة على الأرجح
__________
(1) 2- عامر بن محمد بن سليمان النَّزوى -رحمه الله- : لم أعثر له على ترجمة.
(2) 1- سليمان بن محمد بن مداد : من علماء هذا البيت الكريم آل فضالة وهو من علماء
دولة اليعاربة هو ومداد بن عبد الله بن مداد بن أحمد بن مداد وولده الفقيه ناصر بن
سليمان بن محمد وولده الفقيهان عبد الله بن ناصر وسليمان بن ناصر. انظر
إتحاف الأعيان 2/22.
(3) 1- المعتدة : هي المرأة التي تعتد لفراق زوجها من طلاق أو وفاة وهي أنواع : أ – المعتدة
من طلاق. ب - المعتدة من وفاة.
(4) وقد وردت آيات من كتاب الله توضيح أنواع المعتدة ومدة العدة في كل نوع.
2- المراهقة : المقصود هنا الصغيرة التي لم تحض. والمراهقة في اللغة قال في المصباح المنير:
راهق الغلام مراهقة قارب الاحتلام ولم يحتلم بعد 1/287.
ورد النص بعدة الصغيرة بقوله تعالى: { واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم
فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن } سورة الطلاق آية 4. (8/135)
صفحة 1254
وقيل : ثلاثة أشهر والنية بالقلب تجزئ للعدة وليس للمصبية الحامل
نفقة في نشب بعلها(1).
مسألة
[ حكم زوجة المفقود ]
وإذا لم تدع زوجة المفقود صحة موت بعلها عند الحكم وتزوجت(2) فعلى القائم الإنكار عليها وإن ادعت ذلك فلا يضيق الإعراض.
مسألة
[ مدة الحيض في العدة ]
وإذا ضحكت(3) المطلقة ثلاث منقات العدد فإذا كانت كل واحدة فوق الثلاثة الأيام ففي انقضاء عدتها اختلاف قول: ينقضي، وقول: لا حتى
يكن متفقات.
مسألة
[ أثر الوعد في عدة الوفاة ]
ومن خاطب المميتة في عدتها(4) إذا وعدته حرم عليه نكاحها واختلفوا
في المميتة الحبلى إذا انقضت مدة التربص المنصوصة ولم تلق ما في قبضتها
فقيل يجوز لها التزين والتعطر ولا حوب عليها وقيل : لا يجوز حتى تضع
حملها والأول أصح.
مسألة
[ أثر زواج المرأة بالثاني بادعائه موت الأول ]
وإذا ضرب البعل مهمهاً فأخبرت حليلته أنه قد مات فاعتدت ونكحت وناكحها الرافع لها موت بعلها ثم مات البعل الثاني وصح موت الأول
بشهادة عدلين أو شهرة قاضية فإن كان البعل الثاني باشرها فلا ميراث لها
__________
(1) 3- نفقة الحامل المعتدة على زوجها المطلق لقوله تعالى: { وإنّ كُنّ أولات حملٍ فأنفقوا
عليهن حتى يضعن حملهن } الطلاق آية 6.
(2) 1- زوجة المفقود لا تتزوج إلا بعد ثبوت وفاة زوجها وثبوت ذلك عن طريق الشرع ثم
تعتد عدة المتوفي عنها زوجها ثم تتزوج إن شاءت بعد انقضاء العدة. والله أعلم.
(3) 2- كلمة ضحكت تعني هنا الحيض. فمن أسماء المرأة الحائض المرأة الضاحك.
(4) 3- المتوفي عنها زوجها لا يجوز خطبتها صراحة إلا بعد انقضاء العدة وأجاز الفقهاء
التعريض بالخطبة لقوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء
أو أكننتم في أنفسكم } ... إلى قوله تعالى { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ
الكتاب أجله وأعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور
حليم } سورة البقرة آية 235. (8/136)
صفحة 1255
من الأول ولا يجوز لها تصديق من ليس بحجة في موت بعلها وإذا أرخت
البينة موت الأول وصح أنه قبل تزوج الثاني فتزوج الأول على منوال
الشرع وصح لها ميراثها من الأول(1).
مسألة
[ عدة اليائسة ]
وإذا طلق البعل عرسه التي تختص(2) ثم انصرى حيضها فعدتها ثلاث
حيض أو تبلغ حد الموئسة فتعتد ثلاثة أشهر وقول : عدتها ثلاثة أشهر وقول عدتها تسعة أشهر فإن لم يكن بها حمل اعتدت ثلاثة أشهر بينه وهو رأي
أمير المؤمنين عمر بن أبي الخطاب رضي الله عنه وقول : تنتظر سنتين
للحمل وثلاثة أشهر للعدة(3).
مسألة
[ التزوج قبل انقضاء العدة ]
وإذا هلك بعل المرأة ولم تتربص كما أمرت هل لها أن تتزوج وإذا خلت عنها عدتها فهذه خالفت أمر الله ورسوله والمسلمين وعليها الاستغفار
والتوبة والندم بما صنعت وإن تزوجت فلا يحرم تزويجها.
مسألة
[ الزواج بالصبية في عدة من وطئها ]
ومن تزوج صبية وقد خطبها في عدة من وطئها فهذا تزويج جائز إذا
عقد على مهر يصح به النكاح ولي وشاهدين وهو موقوف إلى بلوغها فإن
أتمه تم وإن غيرته انفسخ(4).
مسألة
[ أثر موت زوج الصبية ]
وإذا مات زوج الصبية فعن العلماء تزويجها وعدتها وميراثها موقوف
فإن بلغت ورضيت به زوجاً كان عليها عدة المميتة ولها المهر والميراث بعد
الألية(5) بالله أن لو كان فلاناً حياً لرضيت به زوجاًَ وإلا فلا شيء لها إذا
جاز بها فلها المهر رضيت به زوجاً أو كرهت.
__________
(1) 1- السبب في ذلك أن هناك شبهة ونية غير سليمة من الذي أخبرها بوفاة زوجها.
(2) 2- الأصح : التي تحض.
(3) 1- من المعروف لدى العلماء أن اليائسة عدتها بالأشهر وأما إذا كانت اضطرت حيضها
فهذا أمر آخر. لأن النص واضح في هذا المجال قال تعالى : { واللائي يئس من المحيض
من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر } سورة الطلاق آية 4.
(4) 2- المتفق عليه بين العلماء أن عقد الزواج لا يتم على المعتدة إلا بعد انقضاء العدة.
(5) 1- أن تحلف بالله العظيم حتى تحوز على الميراث. (8/137)
صفحة 1256
مسألة
[ على من تكون نفقة الصبية ]
وإذا لم يكن للصبية نشب يمون منه نفسها أنفق عليها من مهرها إلى بلوغها فإن بلغت ورضيت به زوجاً فذلك من مهرها وإن لم ترض ففي
ذمتها وهذا إذا لم يكن جاز بها وهي يتمة(1).
مسألة
[ تحليل المبتوته ]
ومن أبان عرسه ثلاثاً فاعتدت ونكحت زوجاً وجاز بها البعل إلا أنه لم يباشر إلا أنه عبث بإيره على جسدها فأمنى فأولجت النطفة فرجها فحملت فطلقها فوضعت هل لمطلقها الأول تزويجها فإذا وضعت وقد انقضعت عدتها ولها أن تتزوج بغير مطلقها حتى تنكح زوجاً غيره وتذوق من عسيلته ويذوق من عسيلتها بالمباشرة وهل إذا لم يباشر وإذا ولج الحشفة ولو لم ينزل فقد ذاق(2).
مسألة
[ حكم العدة قبل سماع الطلاق ]
ومن طلق وكتمها وحاضت حيضة فأعلمها الطلاق فلا تعتد بتلك
الحيضة ولا تنقضي عدتها حتى تحيض ثلاث حيض وتعتد بقصد ونية.
مسألة
[ حديث الولد للفراش ]
وإذا ضرب البعل عن عرسه برها وسنحت وأتت بأشبال فتابت وندمت ثم مات البعل ورثه أشباله الذين هم من السفاح هل عليها ضمن ما ورثه أشبالها؟ فأما الولد الأول فللزوج بلا اختلاف وما بعده ففيه اختلاف
والأصح أنهم أولاده لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش»(3)
__________
(1) 2- أي يتيمه. ويطلق هذا على من لم تبلغ وليس لها أب ولها ولي غيره.
(2) 3- هذه القضية وهي تحليل المبتوته يحكمها حديث عائشة -رضي الله عنها- «قالت:
طلق رجل امرأته ثلاثاً، فتزوجها رجل ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها
الأول أن يتزوجها، فسأل رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- عن ذلك، فقال : لا حتى يذوق الآخر
من عسيلتها ما ذاق الأول» متفق عليه واللفظ لمسلم.
(3) 1- أخرجه البخاري 12/113 في الحدود باب للعاهر الحجر ومسلم رقم 1458 في
الرضاع، والترمذي رقم 1157، في الرضاع، وللنسائي 6/180 في الطلاق. قال
ابن عبد البر هو من أصح ما يروى عن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- جاء عن بضعة وعشرين نفساً
من الصحابة. انظر جامع الأصول 10/728 - 732 بأرقام متعددة. (8/138)
صفحة 1257
.
مسألة
[ حكم التعريض بالخطوبة ]
ومن خطب امرأة في عدتها أو بعث لها رسولاً فأجابته أنها في عدة وإذا خلت فما شاء الله فأجاز نكاحها بعد خلو عدتها وإن واعدته بالتزويج
حرمت عليه(1).
__________
(1) 2- انظر سورة البقرة في التعريض للمتوفي عنها زوجها آية 235. (8/139)
صفحة 1258
مسألة
[ نكاح اليتيمة ]
ومن نكح يتيمة فجاز بها وباشر فلما بلغت غيرت التزويج هل له مراجعتها بعد ذلك؟ ففي اختلاف بعض من أجاز وأبا آخرون إذا لم يجز.
مسألة
[ حكم السفاح بعد الإنابة ثلاثاً ]
وإن أبان عرسه ثلاثاً فتسافحا بعد البينونة وأقر المطلق بالسفاح وأنكرت المرأة وادعت أنه راجعها فإذا شهدت البينة أنه راجعها لزمه مهرها وإلا فلا مهر لها كمهور نسائها.
مسألة
[ حكم التسافح في العدة ]
وإذا طلقت المرأة فتسافحت في العدة هل يسقط مهرها؟ فالمطلقة واحدة أو اثنتين أحكامها أحكام الزوجة وفي إثبات مهرها اختلاف، فمنهم من
جعلها كالمرتدة وأبطل صداقها ومنهم من أثبت صداقها لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لكل موطأة صداق»(1).
مسألة
[ نكاح ذات البعل ]
ومن نكح معتدة. فمن نكح ذات بعل حرمت عليه ولا ميراث بينهما.
مسألة
[ عدة المدبرة المميته ]
عن صالح بن سعيد الزاملي النّزوي(2) رحمه الله في القينة المدبرة(3) وأم الولد(4) تلزمهما عدة المميتة وقول: عدتها ثلاث حيض والأصح أن تحتاط بأقصى الأجلين.
مسألة
[ التعرض للمعتدة من وفاة ]
وجائز التعرض للمميتة وهو أن يقول لها عسى الله أن يجمع بيننا على
خير ولو كان كمثلك امرأة لتزوجتها. وأما المواعدة فهي التصريح باللفظ
__________
(1) 1- هذا الحديث بهذا النص لم أعثر عليه.
(2) 1- صالح بن سعيد الزاملي : هو العلامة الجليل الفقيه صالح بن سعيد الزاملي المعولي
العقري النزوي عالم جليل وعارف من الذين يشار إليهم بالبنان، كان أحد العاقدين
للإمام ناصر بن مرشد الإمامة وله دور كبير في تثبيت حكم الإمام - رحمه الله -
انظر نزوى عبر الأيام معالم وأعلام ص157.
(3) 2- المدبرة : المدبر : عتقه بعد الموت. وهنا عتقها بعد موت سيدها.
(4) 3- أم الولد : الأمة التي تلد من سيدها فهي حرة بعد موته لأنها أم ولده. (9/1)
صفحة 1259
وهو أن يقول أريد تزويجك وما أشبهه والتعريض للبوائن مكروه وللمطلقة واحدة أو اثنتين حرام(1) وللمميتة جائز.
مسألة
[ حكم المواعدة ]
عن الشيخ النَّزيه ناصر بن خميس بن علي(2) رحمه الله تعالى : وأما
المواعدة عن الزوج لأب المرأة البالغة يجري فيه الاختلاف والأصح تركه
وإن كانت صبية فلا يجوز، ومواعدة الأم فلا بأس بها والأصح تركها.
مسألة
[ متى تطهر الحائض ]
وإن طهرت المطلقة من الحيضة الثالثة ولم تطهر أيجوز نكاحها؟ فلا يجوز ما لم تجاوز وقت صلاة، وإن لم يمكنها التطهر تصعدت وحل لها التزويج.
مسألة
[ طلاق الثلاث بلفظ الواحدة ]
ومن نكح امرأة فأبانها قبل الجواز بلفظة واحدة قال عبد المقتدر(3): ليس نكاحها حتى تنكح زوجاً غيره. وقال سليمان بن عثمان : له أن يرجع إليها بنكاح جديد وتخرج بتطليقة واحدة بائنة.
مسألة
[ طلاق المضار ]
وإذا طلق ذوا الوصب عرسه ثلاثاً فنجع قبل خلو العدة فلا تلزمها عدة المميتة ولها منه الميراث إن جاز وعليها عدة المطلقة لأن هذا طلاق الضرار(4).
مسألة
[ طلاق ذو الوصب ]
وإذا طلق ذو الوصب واحدة أو اثنتين بعد أن جاز فنجع قبل خلو عدتها
__________
(1) 4- لأن المطلقة رجعياً ما زالت على ذمة زوجها و بينهما التوارث ويعتبر الخاطب مفسد=
(2) = للزوجة على زوجها.
1- الشيخ ناصر بن خميس بن علي -رحمه الله- يتكرر في الكتاب كثيراً ولم أجد
ذكر في الكتب الأخرى مثل إتحاف الأعيان وكشف الغمة ونزوى عبر الأيام.
(3) 2- عبد المقتدر: يعتقد أنه عبد المقتدر بن جيفر النّزوى من علماء القرن الثالث الهجري،
ليس له ترجمة سوى ذكر اسمه في كتب الفقهاء وذكره البطاشي في إتحاف الأعيان
1/429. انظر نزوى عبر الأيام ص94.
(4) 1- لأن هذا الطلاق طلاق تعسفي لحرمان الزوجة من الميراث فإن مات في العدة فترثه
المرأة المطلقة معاملة بنقيض قصده. (9/2)
صفحة 1260
فعليها عدة المميتة ولها منه الميراث وإن خالعها فلا ميراث لها على الأرجح، وعليها عدة المطلقة إلا أن ينويا بالخلع فراراً من العدة فعليها عدة الوفاة وهو رأي عبد الله بن مداد.
مسألة
[ أثر الولادة قبل ستة أشهر ]
ومن نكح امرأة وجاز فولدت لأقل من ستة أشهر ولو ساعة فالولد ولدها دون زوجها ولا مهر لها ويفرق بينهما. ومن رام رد مطلقة فجهل اللفظ
فتلا عليه أحد لفظ الرد فقال: نعم، هل يجوز رده؟ فلا يكون رداً حتى
ينعته وينوي به الرد ويقول كقوله.
مسألة
[ مخالعة المرأة في الوصب ]
ومن خالع(1) عرسه في وصب غير مدنف وإنما يقوم ويقعد بلا معين وممسك ثم مات فالطلاق واقع وعليها عدة الطلاق ولا ميراث لها(2).
مسألة
[ مخالعة بعد البراءة ]
وإذا أبرأ زوج ابنته الصبية ليخالعها فقبل الزوج البرآن وأبرأ لها نفسها بالطلاق فهذه تطليقة ولو ردها برضاها وموقوف إلى بلوغها إذا جاز بها.
مسألة
[ الطلاق بعد الحيض ]
وإذا ضحكت المرأة ثم طلقت فلا تعتد بذلك الضحكة من العدة ولو قبل الطلاق بساعة وتعتد ثلاثة قروء بعد الطلاق(3).
مسألة
[ نكاح الخامسة بعد طلاق الرابعة ثلاثاً ]
عن أبي سعيد: ومن خرجت منه زوجته بحرمة أو بانت بثلاث
تطليقات فرام نكاح أحد من محارمها كخالتها أو عمتها قبل خلو عدتها
__________
(1) 1- المخالعة: من الخلع : من الخلع : والخلع من النزع والإزالة يقال : خلع الرجل ثوبه مثل
نزعه، وخلع فلان زوجته خلعاً وخُلعاً إذا أزال زوجيتها وقد خص العرف استعمال
الخلع بضم الخاء في إزالة الزوجية.
والخلع في الشرع: إزالة ملك النكاح الصحيح بلفظ الخلع أو بما في معناه كالمبارأة،
في مقابل بدل مع قبوله الزوجة.
(2) 2- لأن المخالعة لا تكون إلا بموافقة الزوجين وكامل رضاهما.
(3) 3- نهى النبي -- صلى الله عليه وسلم -- عن الطلاق في الحيض وأمر المطلق بمراجعتها وهذه قضية ابن
عمر -رضي الله عنهما- وهي مسألة خلافية. (9/3)
صفحة 1261
فأجاز ذلك بعض وأباه آخرون وعدم الجواز أصح(1).
مسألة
[ نكاح البضة المعتدة ]
ومن رام نكاح بضة فذكر لأمها وأبيها أو لأحد من أقاربها وهي في عدة هل له تزويجها أعلمها الرسول أو لم يعلمها؟ فأما إذا قال لأمها ولم يرسلها
فلا بأس عليه وأما أبوها فإن كانت بالغة أنه لا بأس عليه وإن واعدت
الرسول فالأصح أنها تحرم عليه ويفرق بينهما إن نكحها وبعضهم جبن عن الفراق وإن لم تعده ولم تنفه ففي ذلك اختلاف.
مسألة
[ الاعتداد بالأشهر ]
وإما إذا مات البعل في أثناء الشهر لا في أوله اعتدت عرسه بالأيام لكل شهر ثلاثون يوماً وقيل : تعتد بالأشهر والأول أصح.
مسألة
[ المواعدة بالخطبة لجهله بالحكم ]
ومن خطب امرأة وتواعدا في العدة جهلاً بالحرمة فلما علم بالحجر رجع الرجل عن المواعدة فإذا رجع إليها وأخبرها برجوعه وحجر خطبته جاز له
أن ينكحها بعد خلو عدتها.
مسألة
[ التعريض بالخطوبة ]
إذا جاء رجل إلى امرأة في عدة وترك معها شيئاً من الحلي يستعطف به قلبها ولم يذكرها خطبة فإذا لم يكن بينهما وعد في التزويج صريح فلا
يحرم ذلك عليهما ولو أكنا ذلك.
مسألة
[ شروط النكاح ]
وإذا تقدم بين الزوجين شرط أن يعطيها عاجلها عروضاً قبل العقد فعقد على النقد ففي ذلك اختلاف قول ثبت الشرط وقول ثبت ما عقد عليه
والأول هو رأي سليمان بن أبي سعيد(2) وعبد الله بن مداد.
مسألة
[ شروط النكاح ]
ومن شاء تزويج امرأة على مهر فقضاها بعضه قبل العقد فهلك فطلب ورثته استرجاع ما أصدقها فادعت أن سنتهم ليس استرجاع ذلك
وصحت السنة فإن أعطاها ذلك من سبب النكاح فلم ينكح فعليها رده
__________
(1) 1- الذين أجازوا قالوا: العلاقة الزوجية قد انتهت ولا يحل له الرجوع إليها حتى تنكح
زوجاً غيره فمن هنا أجازوا أن يتزوج الخامسة لأن الرابعة ليست على ذمته، أو يتزوج
الأخت لأنه أبعد عن أختها والله أعلم.
(2) 1- سليمان بن أبي سعيد: لم أعثر له على ترجمه. (9/4)
صفحة 1262
والسنة إذا نافت الشرع هدرت، وإن أعطاها لغير النكاح وحرزتها في
حبوته ثبت لها.
مسألة
[ أثر الولي في الزواج ]
عن محمد بن عبد الله بن عبيدان: وإذا زوج الصبية أبوها ببالغ وهلك
قبل الجواز فلها الميراث والمهر ويأخذوها بالعدة على الأرجح وقول: لا
عدة عليها.
مسألة
[ لباس المميتة ]
عن الشيخ القاضي سليمان بن محمد بن مداد رحمه الله: إن المميتة
ليس لها أن تطيب ولو لم يكره لون مادامت متربصة وإن فعلت أتمت إذا
نوت الزينة لمخالفتها وإن اضطرت جاز لها أن تعمله لغيرها.
مسألة
[ النظر قبل انقضاء العدة ]
ومن رنا كين قينته أو مسه بيده قبل خلو أجل الاستبراء حرم عليه سرها ولو بين الشق من خلف الملاءة إذا تعمد ذلك.
مسألة
[ مراجعة المطلقة والمختلعة ]
وإذا راجع المطلق زوجته المختلعة فأنكرت ثم أعلمها الشاهدان فرضيت فباشر حرمت عليه وإن أعلمها الشاهدان فرضيت ثم أعلمها الزوج
فأنكرت فباشرها فلا بأس عليهما وما قبل الجواز فبعيد والرد برأيها، هذا
رأي الشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان.
مسألة
[ شراء المرأة طلاقها ]
وذا اشترت المرأة طلاقها من زوجها وطلقت نفسها مرسلاً فإنها تطلق ثلاثاً على الأصح.
مسألة
[ أثر تزويج الصبية غير الأب ]
وإذا زوج الصبية غير الأب فلما بلغت غيرت فادعى الزوج أنها بلغت
من مدة أيام فما لم تغتسل من الحيض وتصلي صلاة فالقول قولها ولا
تقبل شهادة النساء عليها ولو كثرت وله القول أنه باشرها بعد الطهر والتطهر والصلاة.
مسألة
[ متى ترث الصبية من زوجها ]
وأما صفة الصبية التي لا يجب لها الميراث على زوجها إلا أن تقسم
بيمين بعد البلوغ أن لو كان فلاناً حياً لرضيت به زوجاً ولمن يكون ثمرة
المال الموقوف لها فيما خلا فالثمرة للورثة ولها حقها إن جاز وإلا فلا شيء
لها ولا عليها.
مسألة
[ هلاك زوج الصبية وعدتها منه ] (9/5)
صفحة 1263
وإذا زوج الصبية أبوها فهلك زوجها فاعتدت صبية فقال بعض الفقهاء أنها تستأنف العدة، وقيل: تبني وأما اليتيمة فتستأنف وترك الحج للاختصار أهملها من قبلي من النساخ.
مسألة
[ خطبة المرأة في عدتها دون علمه ]
عن الشيخ الوالي عامر بن محمد في رجل خطب امرأة من وليها
فأعلمها الولي فأنعمت فلما أن رام عقد النكاح أعلمتهم أنها في عدة فرجع الخاطب ثم رام نكاحها بعد خلو العدة إذا لم يرسل الولي للمرأة على العلم
أنها في العدة فلا يحرم عليه تزويجها وقد ورد في الأثر فيمن واعد امرأة في
عدتها على غير علم منه وأنعمت له فلما تزوجها علم أنهما تخاطبا في
العدة ثم علمت بعد أن نكحت فلا يلزمها أن تفتدي منه إذا لم يصدقها
وليس مواعدتها كمواعدته على علم. ولا يجوز رد المختارة نفسها إلا بنكاح جديد وولي وشاهدين ومهر إن كان بقي بينهما شيء من الطلاق فتكون
عنده بما بقي من الطلاق وإن لم يبق بينهما شيء فلا تحل له حتى تنكح
زوجاً غيره كانت في العدة أو خلت.
مسألة
[ أثر تحنف المجوسية ]
وإذا كان للمجوسية بعل فواعدها متحنف إن تحنفت تزوجها فتحنفت جاز له نكاحها وهو رأي الشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان.
مسألة
[ تحريض الزوجة على زوجها ]
ومن قال لذات بعل إني أحبك وقد شغفت بك فلو مات بعلك أو طلقك نكحتك فطلق الزوج أو هلك فيكره له نكاحها وأما الحجر فلا أقدم عليه.
مسألة
[ موعدة عرس المفقود ]
ومن واعد عرس المفقود بالتزويج أن لو صح خبر وفاته فله تزويجها بعد خلو عدة الفقد وطلقت وتربصت عدة المميتة وإن واعدها في عدة الطلاق
من المفقود على علم حرمت عليه.
مسألة
[ حكم طلب طلاق المرأة من زوجها ]
ومن قال لزوج امرأة: طلقها لأنكحها، ففعل حرم عليه نكاحها، قال أبو الحسن: ذلك جائز إذا لم يكن في عدة الطلاق.
مسألة
[ مواعدة ذات البعل ] (9/6)
صفحة 1264
ومن قال لامرأة: إني شغف بك فلو وجدت السبيل إلى نكاحك فعلت وهي ربه بعل فطلقها البعل أو مات فليس له نكاحها علي، وإن قال: لو كنت خليته لتزويجك فهذا منكر من القول لذوات البعولة ولا يحرم به التزويج.
مسألة
[ حكم زواج الأخت في عدة أختها ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن عبيدان رحمه الله: ومن طلق زوجته
طلاقاً رجعياً فليس له تزويج أختها قبل خلو عدتها وما إن خالعها أو بتها
ففي ذلك اختلاف والأرجح عدم الجواز.
مسألة
[ تزويج الصبية بإذن أبيها ]
والصبية التي زوجها أبوها حكمها كالبالغة في ثبوت النكاح على
الأصح من مهر وتراث ومعاشرة.
مسألة
[ حكم الزينة المتعذر نزعها ]
وهل للمميتة أن تلبس في أذنها الأقراط والشنف ما أشبههما إذا كان بها ولم تستطع زواله إلا بقد أو كان في سائر جوارحها حلي فعليها أن تختال
في إبانة الزينة ما كانت من غير ضرر فإن تعذر فلا تضر بنفسها والله عليم بذات الصدور.
مسألة
[ خروجها لفعل الطاعات ]
وجائز بروز المميتة من سربها إذا كانت لفعل الطاعة وكذلك قعودها للاستراحة مع جيرانها ولا حوب عليها(1).
مسألة
[ حكم تزويج الأب لابنته في عدتها ]
وإذا كان زوّج المرأة أبوها في عدتها ولم يسألها عن خلوها فلما علمت أنكرت هل لهذا الرجل أن ينكحها بعد خلو عدتها إذا كانت بالغة وعزب عليها تزويج أبيها؟ فلا بأس وكذلك وعد أبيها له.
مسألة
[ الطلاق قبل انقضاء العدة ]
ومن طلق زوجته ثم لحقها طلاقاً قبل خلو عدتها ففي ذلك اختلاف قول: تبني وقول: تستأنف.
مسألة
[ حكم تكفير الوجه للمميتة ]
عن الشيخ سليمان بن محمد بن مداد رحمه الله: ويستحب للمميتة
تكفير وجهها وليس بواجب لأن وجه المرأة ليس بعورة وإن كانت ممن
__________
(1) 1- خروج المعتدة من وفاة من بيتها مختلف فيه فعند الأغلب عدم خروجها إلا للضرورة.
وقضاء حوائجها الأساسية. وعند البعض جواز خروجها من بيتها. (9/7)
صفحة 1265
تخدم نفسها فلها ذلك لتستعين على طاعة الله بما تكدحه. وإن طلقت المرأة
في حال المحيض ثم حاضت مرتين بعدها وتزوجت ثم صح حظر التزويج
هل تخرج منه بلا طلاق؟ وهل يدركها بالرد المطلق؟ فهذا تزويج فاسد إذا
جاز بها الأول وتخرج بلا طلاق من الثاني ويدركها الأول ما لم تحيض
ثلاث حيض وقيل: إذا فعلت ذلك على الغلط فلزوجها الأول مراجتعها في العدة على قول من جعل الغالط كالناسي وإن جاز بها فحتى تعتد منه ثلاث قروء وقال بعض: لا تحل للأول لأن الثاني جاز بها على غير منوال الشرع وبعض أعذرها بالجهل والتنَزه أولى.
مسألة
[ حكم الزواج بعد الطلاق الثاني بحيضه ]
وإذا حاضت المطلقة حيضتين ثم ردها المطلق ثم طلقها ولم يباشرها
فحاضت حيضة فتزوجت جهلاً منها بالحرمة هل للأخير أن يتزوجها تزويجاً جديداً بعد أن تحيض حيضتين غير الأولى؟ فإذا لم يعلم الزوج الأخير
أنها لم تحض بعد الطلاق إلا حيضة وقد أخبر بانقضاء عدتها فلا يحرم
نكاحها بعد انقضاء العدة من الطلاق الآخر وأما إن حاضت حيض بعد الطلاق الأخير تزوجها الأخير فلا تعتد بما حاضت وهي مع الزوج الأخير
وإنما تعتد بالحيض بعد أن علمت باضمحلال النكاح ثلاث حيض وإن علم صنعهما وجهلا معاً الحكم فلا يحل تزويجهما لأنهما أوقعاه في العدة.
مسألة
[ الطلاق أثناء العدة وأثره على الحيض ]
ومن طلق عرسه تطليقة فحاضت حيضتين ثم طلقها ثانية فحاضت اثنتين ثم طلقها ثالثة فهذا الطلاق مما يجري فيه اختلاف قول إذا حاضت ثلاثاً
بعد تطليقته الأولى فقد انقضت عدتها وهو الأصح.
مسألة
[ التعرض بالمعتدة ]
وعن الشيخ صالح بن سعيد(1)
__________
(1) 1- الشيخ صالح بن سعيد: أكثر من واحد: بهذا الاسم : منهم صالح بن سعيد المعمري
السعالي النزوي من علماء القرن الحادي عشر الذين آزروا ناصر بن مرشد تحمل قيادة
الجيش وتولى عدة مناصب. وأيضاً العلامة صالح بن سعيد الزاملي العقري النّزوي
سبق ذكره ونبذه عن حياته. (9/8)
صفحة 1266
: ومن قال لمعتدة علي كم تزوجك فلان فأخبرته ولم يقل لها شيئاً وكان نيته تزويجها فإن كانت لم تواعده والطلاق
ولم تبن منه بثلاث صح فلا بأس بتزويجه وإن كانت بائنة بحرمة أو بثلاث تطليقات فمكروه وإن كان الطلاق رجعياً فلا يجوز(1).
مسألة
[ عدة الصغيرة واليائسة ]
عن الشيخ صالح بن وضاح: وعدة الصبية من الطلاق ثلاثة أشهر
ومثلها الموئسة(2) من المحيض والصبية اليتيمة ينتظر بلوغها ورضاها ولا
يجوز للمميتة البالغ لبس الحلي والحرير ورخصوا في الحلق في الأذنين إذا
نزعت منهن العرى.
مسألة
[ أنواع من الطلاق البائن ]
والمبتوتة(3) والمختلعة(4) والملاعنة(5) والمختارة نفسها كلهن بائنات لا ميراث لهن ولأزواجهن منهن متن أو ماتوا في العدة وعدتهن ثلاث حيض
أو ثلاثة أشهر.
مسألة
[ عدة الأمة ]
وإذا كانت القينة ممن تحيض وانصرى حيضها مع مشتريها وكان(6)
سيدها يطأها أو كانت ذات بعل عند بائعها فلا يجوز لمشتريها غشيانها ولا تزويجها حتى تحيض حيضتين بعد أن يشتريها إلا أن تكون حاضت حيضتين بعد تطليقة البعل أو بعد ترك السيد الغشيان وقيل: إذا كان البائع عدلاً كالشيخ محمد بن محبوب وقال أنه استبرأها فجائز للمشتري شراءها وتزويجها من غير استبراء على بعض القول.
مسألة
[ استبراء السيد الأمة ]
__________
(1) 1- لا يجوز التعريض للمطلقة من طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى لعودتهما للزوج
ويجوز التعريض للمتوفي عنها زوجها باتفاق.
(2) 2- لقوله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر
واللائي لم يحضن } الطلاق آية 4.
(3) 3- المبتوتة: المطلقة ثلاثاً لا تعود لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
(4) 4- المختلعة: تعود لزوجها بمهر جديد وعقد جديد.
(5) 5- الملاعنة: هي التي قذفها زوجها بالفاحشة فلا تعود لزوجها البته.
انظر سورة النور آيات 6-9 توضح أحكام اللعان وانظر كتابنا أحكام اللعان - المحقق.
(6) 1- في الأصل وكانت والاصح وكان. (9/9)
صفحة 1267
وإذا باشر السيد قينته فنوى ترك مباشرتها حتى تنقضي عدتها ثم اشتراها هل عليه استبراء إذا نوى غشيانها؟ فإن غاب بها مشتريها بقدر ما يمكنه
سرها فلا يجوز لسيدها الأول وطأها قبل أن تعتد لأن لكل ملك استبراء.
مسألة
[ ما تلبس المعتدة ]
وإذا غص بعل امرأة حينه وكانت حبلى فلا تكتم ما خلق الله في رحمها ولا تلبس الحجرين من فضة ولجين وأجازوا ذلك للمميتة الصبية لأنها لا
تعبد عليها.
مسألة
[ أقصى مدة الحمل ]
وإذا أتت بشبل قبل خلو سنتين فالولد له مميتة كانت أو مطلقة إذا لم تتزوج.
مسألة
[ أقل مدة حمل ]
وإذا أتت المرأة بولد قبل خلو ستة أشهر منذ تزوجت ولو بساعة فالولد ولدها وإن كانت مطلقة فالولد للمطلق.
مسألة
[ عدة المطلقة قبل الدخول ]
وإذا تزوج امرأة ولم يجز بها وطلقها فلا تحل مراجعتها إلا بنكاح
وليس عليها عدة والطلاق واحدة بينها منه ولا عدة بعد أجل الظهار
والإيلاء إذا خلا(1).
مسألة
[ أنواع من العدة ]
وإذا طلق الزوج امرأة من نسائه وله امرأتان فمات ولم يعلم الذي طلق
من الضرتين فعليهما التربص بالأشهر لموته وبالمحيض للطلاق ثلاثة قروء وإذا
لم يفض دم الحيض من كين المرأة وقد طلقت فلا تنقضي عدتها بالممكن
ولو تطاول وقته، وإذا تربصت المرأة بالأيام ثم حاضت قبل خلو عدتها
استأنفت العدة بالحيض.
مسألة
[ متى تنقضي عدة الحامل ]
وإذا طلقت المرأة وادعت أن عدتها قد انقضت وقد خلا لها منذ طلقت تسعة وعشرون يوماً قبل قولها، قول : تسعة وثلاثون وعدة المميتة الحبلى
بعد الأجلين فإذا انقضت أربعة أشهر ولم تلق حملها وإن ألحقت الحمل وإلا فحتى تنقضي الأربعة الأشهر والعشر والمطلقة الحبلى فلمطلقها مراجعتها ما
__________
(1) 1- لأن العدة على المدخول بها لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم
طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن
وسرحوهن سراحاً جميلاً } سورة الأحزاب 49. (9/10)
صفحة 1268
لم تضع حملها ولو ثبتت رجلاً في كينها حتى يبرز كله من الفرج.
مسألة
[ الفرق بين المطلقة والمميتة ]
وللمطلقة أن تلبس ما شاءت من الحلي وحلل بعكس المميتة وتتزين لمطلقها ليرغب في ردها.
مسألة
[ اضطراب الحيض عند المعتدة ]
وإذا حاضت المرأة دفعة فانصرى فعدتها سنة وإن حاضت حيضة فعدتها بالحيض في ذلك اختلاف.
مسألة
[ عدة الصبية واليائسة ]
وعدة الصبية والموئسة ثلاثة أشهر لقوله تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } (1) الآية واختلفوا في عدة المراهقة قول : كالصبية،
وقول: عدتها سنة وهذا هو الأصح ومثلها عدة من لم تحض البتة.
مسألة
[ الفرق بين الحرة والأمة ]
وإذا ادعت القينة الشفلحة إبان عدتها من مطلقها فلا يحرم عليه نكاحها وبين الحرة والمملوكة بون بعيد وفرق شديد.
مسألة
[ مقدار عدة الأمة ]
وعدة استبراء الأمة حيضتين إن كانت ممن تحيض وإلا فخمسة وأربعون يوماً على الأصح وقول: حيضة واحدة تجزي في ضخمة الشفة.
مسألة
[ عدة الحامل المميتة وما تلبس ]
والمميتة والحبلى إذا أتمت عدتها بالأشهر ولم تلق حملها فأجاز لها بعض
الفقهاء لبس الحلي والحلل وأبا ذلك آخرون حتى تضع حملها ولا يحل لها التزويج حتى تنقضي عدتها بأبعد الأجلين(2).
مسألة
[ حكم ادعاء الزوجة عدم المسيس ]
وإذا استدل(3) الستر على الزوجين وأقرت المرأة أنه لم يباشرها فإقرارها
مما يجب لها ثابت وهدر فيما يجب عليها من العدة لأنها مدعية إبطال حق وجب عليها وفي الأول مقرة بحق وجب لها.
مسألة
[ الطلاق بعد خلوة الاهتداء ]
__________
(1) 1- سورة الطلاق آية 4.
(2) 1- لقوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتقِ الله يجعل له من أمره
يسرا } سورة الطلاق آية 4.
(3) 2- الأصح: اسدل - تعرف عند الفقهاء بخلوة الاهتداء. (9/11)
صفحة 1269
وإذا اختلف الزوجان في الوطء وقد صحت الخلوة وأغلق عليها الباب وطلقها فالقول قول المرأة أنه غشي ولها مهرها وعليها العدة وإن اتفقا على عدم المباشرة فلها نصف الصداق وعليها العدة في ظاهر الأحكام وأما فيما بينها وبين الله فلا تجب العدة إلا بالوطء.
مسألة
[ ما يتوجب على الزوج بعد خلوة الاهتداء ]
قال أهل العراق من أصحابنا إدا تقارر الزوجان على عدم الوطء
وصحت الخلوة وجب عليه المهر بالتمام لأن نصف المهر يجب بالعقد
والنصف الثاني يجب بتسليمها له نفسها في محل يمكنه التوصل إلى أخذ
حقه منها.
مسألة
[ أثر عجز الرجل عن واجباته ]
وذا عجز البعل عن ما يجب عليه وطلبت المرأة إما أن يمون أو يفارق
حكم عليه بذلك لقوله تعالى: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }
وأي إحسان مع عدم الإنصاف.
مسألة
[ أثر تطليق الأمة تطليقتان ]
وإذ طلق البعل عرسه القينة تطليقتين ثم عادت له بالرق حرم عليه سرها حتى تنكح زوجاً غيره وهذا عموم.
مسألة
[ حكم انقضاء العدة بالأيام ]
اختلف أصحابنا في انقضاء العدة بمرور الأيام فأجاز بعضهم ذلك وأباه
آخرون إلا بنية وقصد لأن العبادات لا تؤدى إلا بالنيات لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
«الأعمال بالنيات»(1).
مسألة
[ حكم المطلقة ثلاثاً وكيفية تحليلها ]
وإذا بت البعل عرسه فلا يحل له نكاحها حتى تنكح زوجاً غيره ويعقد عليها عقداً صحيحاً ويباشرها ويخرج منه بموت أو طلاق فإن باشرها في
حال الحيض أو تزوجها في العدة فلا تحل للمطلق وذواق العسيلة هو التقاء الختانين ولو لم يسيل الشير من عرد وكين وإذا بت البعل عرسه فتروجها
__________
(1) 1- هذا الحديث من أصح ما روي عن رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- فهو مشهور في أوسطه متواتر
في نهايته. وعند العلماء متواتر تواتراً معنوياً لوجود أحاديث كثيرة تحمل نفس المعنى. (9/12)
صفحة 1270
غيره وجاز فهلك حلت لمطلقها ولو لم يطلقها الزوج الثاني لأن البغية من النكاح وذواق العسيلة قد حصلت وإن كان النص قد ورد بالطلاق لقوله
تعالى: { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا } (1).
مسألة
[ نفقة المطلقة الحبل ]
وإذا أنفق الرجل على مطلقته على أنها حبلى فلم تكن ردت عليه ما استنفقت للحمل لأن النفقة تجب بنفس العقد والتسليم للزوج.
مسألة
[ انقضاء العدة بإسقاط العلقة ]
والعدة تنقضي بإسقاط المضغة والعلقة على قول، وقول : حتى يبين له خارجته وقول : حتى يصح أنه ذكر أم أنثى ولو خرج ميتاً فالعدة تنقضي به لأن اسم ولد وقع عليه.
مسألة
[ نفقة المطلقة رجعياً ]
وللمطلقة واحدة أو اثنتين النفقة على المطلق لأن حكم الزوجية باق
بينهما ما كانت في العدة واختلفوا في نفقة المبانة فأوجبها قوم وأهدرها آخرون وهو الأرجح لأن النفقة لها ولا كسوة ولا سكنى وكل ذلك سوى
المبتوتة والمختلعة في الأحكام.
النهج العاشر
فيما يجوز في الدماء
و القصاص والأروش
النهج العاشر
فيما يجوز في الدماء والقصاص(2) والأروش(3)
مسألة
[ ما يتوجب على قاتل المسلم ]
__________
(1) 2- سورة البقرة آية 230 .
(2) 1- القصاص : في اللغة : بكسر القاف المماثلة. وهو تتبعه لأن المقتض يتبع جناية الجاني
ليأخذ مثلها. انظر لسان العرب 3/103، مختار الصحاح ص538.. ومغني المحتاج
4/3 . ويأتي بمعنى أخذ الحساب وغيره.
وشرعاً: القود. وهو قتل القاتل بدل القتيل. المطلع على أبواب المقنع قال تعالى
{ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن
والسن بالسن والجروح قصاص } سورة المائدة آية 45.
(3) 2- الأروش: مفردها أرش وهي الجروح التي لا تكون فيها المماثلة إنما يكون فيها الدية.
والأروش على وزن فلوس. والأرش: فلس، وقال في المصباح المنير أصله الفساد يقال:
أرشت بين القوم تأريشاً إذا أفسدت بينهم ثم استعمل في نقصان الأعيان لأنه فساد
فيها. 1/16. (9/13)
صفحة 1271
ومن قتل له قتيل فأهله مخيرون بين القصاص والعفو وأخذ الدية(1).
مسألة
[ ممن تؤخذ الدية ]
ومن قتل(2) رجل رجلاً عمداً فمات القاتل كان لأهل المقتول الدية في نشب القاتل والنظر يوجب أن لا دية لهم لأن الدية تجب في موضع الذي يكون لهم الخيار فيه وبين القتل والدية من تعمد لقتل مؤمن ثم تاب وندم وأعطى الحق من نفسه واعترف لولي الدم فإن نجعه فقد أخذ حقه ويروي
إذا أهدر القصاص ورام أخذ الدية فله ذلك وإن تفضل بالعفو فله الثواب العظيم لقوله تعالى : { فهو كفارة له } (3).
مسألة
[ كفارة القتل الخطأ ]
ومن تعمد لنجع مؤمن وترك أهله إلى الدية فعليه عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين والإطعام على من عجز عن الصيام والرقبة المؤمنة المصدقة بتوحيد الله ذكراً كان أو أنثى والعفو عفوان عفو عن قعود ورجوع إلى الدية وعفو عن قود ودية. وليس على ذي الرق والصبي شيء وكذلك النسوة مما تعقله العاقلة وإنما ذلك على الرجال الأحرار البالغين(4).
مسألة
[ على من تكون دية الخطأ ]
ودية الخطأ على عاقلة(5)
__________
(1) 3- هذا يدل عليه حديث المصطفى -- صلى الله عليه وسلم -- من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى
ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية فإن أراد الرابعة، فخذوا على
يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم».
انظر أبو داود رقم 4496 وأصحاب السنن إلا الترمذي...
(2) 1- والأصح أن تكون وإن قتل...
(3) 2- جزء من آية 45 سورة المائدة.
(4) 3- وردت في الكفارة في القتل الخطأ وليس على القتل العمد لقوله تعالى { ومن قتل
مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله... فمن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً } النساء آية 92.
(5) 1- العاقلة: لها ألفاظ: العقل والعقول، والعاقلة: هي العصبة والأقارب من قبل الأب
يعطون دية قتيل الخطأ وهي صفة جماعة عاقلة وأصلها اسم، فاعلة من العقل وهي
من الصفات الغالبة. ومنه الحديث «الدية على العاقلة» والحديث الآخر : لا
تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً، ولا صلحاً ولا اعترافاً» انظر النهاية في غريب الحديث والأثر. (9/14)
صفحة 1272
الجاني ولا يقبل قوله أنه أخطأ فيما يلزم العاقلة إلا بالبينة واعتراف العاقلة.
مسألة
[ تقسيم الدية على العاقلة ]
ويقسم عليهم الأقرب فالأقرب ولا يؤخذ فوق أربعة دراهم فإن كانت قبيلته الأولى جمة(1) بقدر ما ينوب الواحد أربعة دراهم قسمت الدية على عددهم وعلى الجاني كأحدهم فإن فرغت الأفخاذ وبقي من الدية شيء فما بقي في ذمة الجاني أو نشبه.
مسألة
[ حكم تنكر البعض لدفع الدية ]
وإذا أنكرت عشيرة الجاني نشبه فعليه البينة بما يدعي فإن كانت فصيلته
التي هو منها حيث لا تقوم أحكام أهل العدل ولم ينل منهم الإنصاف
فالدية في سبده ولبده وليس على الفصيلة(2) الأقصى شيء.
مسألة
[ أنواع ممن قتلهم خطأ ]
وإن علم أن فصيلة لم تف بالدية جعل ما بقي على فصيلته الأقصى والأعجم وذو المس لا يعقلان ولو أثر والصبي وذو المس خطأهما على
العاقلة والأعجم خطؤه في نشبه(3) وأما إذا صح الخطأ من الأعجم فديته
على عاقلته والخنثى تعقل عن عاقلته ويلزم من العقل كنصف رجل منهم لأنه نصف عصبة وكذلك إن ورث بالتعصيب فله كنصف ميراث رجل(4).
مسألة
[ حكم على من تكون دية عمد ]
__________
(1) 2- جمة: قبيلة كبيرة.
(2) 1- الفصيلة: الفخذ البعيد. ورد ذكر الفصيلة في سورة المعارج قال تعالى { وفصيلته
التي تؤيه } آية 13.
(3) 2- نشبه: فخده القريب. أي العصبة من الأقارب القريبة والله أعلم.
ويطلق النشب على المال والعقار. المصباح المنير 2/740.
(4) 3- تقسيم الدية على العاقلة ثبت بالسنة وبفعل الصحابة رضوان الله عليهم من السنة:
كتب بين قريش والأنصار كتاباً فيه : المهاجرين من قريش على رباعتهم يتعاقلون
بينهم معاقلهم الأولى» النهاية في غريب الحديث والأثر 3/279 فعل الصحابة:
استدعى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - امرأة فأسقطت من الرهبة فسئل علي
-رضي الله عنه- فقال : فيها خمس من الإبل فقال عمر -رضي الله عنه- قسمها
بين قومك، انظر الطرق الحكيمة. (9/15)
صفحة 1273
عن محمد بن محبوب رحمه الله: لا تعقل العاقلة عبداً ولا عمداً ولا
صلحاً ولا اعترافاً ولا مالاً ولا ما أكل الصبي والمعتوه بفمه ولا ما اقتضه بذبذبه من النساء قسراً أو ذلك في مالهما والمصالح والمعترف وجاني العمد وجناية العبد من المال وقوله: ولا عبد فقد اختلفوا في ذلك، فقال محمد
بن الحسن: معناه إن قتل العبد حراً فليس على عاقلة سيده شيء من جنايته وإنما هي في رقبته يدفعه إلى المجني عليه أو يعتد به وقيل: معناه إذا قتل العبد عبداً فثمنه في ماله دون عشيرته وهذا هو الأصح، وقول: إن العاقلة إنما
تعقل على ما زاد نصف عشر الدية وما كان نصف عشر الدية فما دونه فهو من نشب الجاني كالموضحة في مقدمة الرأس وهي نصف عشر الدية ولها
خمس من الإبل(1).
مسألة
[ دية الموضحة على العاقلة ]
وقال بعض الفقهاء: تعقل العاقلة خمساً من الإبل ولو لم يكن موضحة
لأن الموضحة في الوجه لها عشرة أبعرة إذا تمت راجية في الطول والعرض
على هذا القول من كتاب غرائب الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أن العاقلة لا تعقل فيما دون ثلث الدية وهذا رأي أصحابنا من أهل المدينة وأما أهل العراق فيقولون الموضحة فما فوقها على العاقلة إذا كان خطأ.
مسألة
[ أنواع القتل ]
والقتل على ثلاثة أوصاف: قتل عمد وفيه القصاص والدية فالخيار لولي المقتول، وقيل الخطأ لا قود فيه وفيه الدية على العاقلة وقيل: هو شبه العمد
لا قود فيه وفيه الدية مغلظة على القاتل في نفسه.
مسألة
[ متى يكون القتل عمداً ]
__________
(1) 1- الدليل على ذلك من فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلاً أتاه فقال: إن
ابن عمي شج موضحة، فقال: أمن أهل القرى أم من أهل البادية؟ قال: من أهل
البادية، فقال: إنا لا نتعامل المُضغ بيننا. النهاية في غريب الحديث والأثر. (9/16)
صفحة 1274
وكيفية قتل العمد هو من قصد ضرب إنسان يريد قتله والخطأ من قصد فعلاً مباحاً فتعدى الفعل إلِى شخص فنجعه كالرامي صيداً فحملت الريح السهم فقتل مؤمناً وأما قتل شبه العمد فكمن قصد إيلام شخص بضرب
أراد دفعه لا قتله فيموت من ضربة ذلك.
مسألة
[ مقدار الدية مقسمة ]
والدية في النفس من الإبل مائة فإذا كان عمداً أغلظت وثلثت فثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون حقة في بطونها أولادها فأما دية شبه العمد فعلى أربعة أجزاء خمسة وعشرون بنات مخاض وخمسة وعشرون بنات لبون
وخمسة وعشرين حقة وخمسة وعشرون جذعة وأما دية الخطأ فعلى خمسة أجزاء عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون عشرون من بنتي لبون(1).
مسألة
[ مدة آداء الدية ]
والدية تؤدى في ثلاث سنين إذا كانت عن خطأ وقيل: إن دية العمد وشبهه في المدينة كدية الخطأ أيضاً.
مسألة
[ أهمية معرفة الدية ]
عن الشيخ أبي محمد رحمه الله: يجب على المتفقه أن يتعلم أسنان
الإبل لحاجته إلى ذلك لما يجب فيها من حق الصدقة والديات والأروش الجراحات وغير ذلك.
مسألة
[ أسماء نتاج الإبل ]
عن أبي عبيدة: إذا وضعت الخوض ولد أسمي نتاجها ربغاً(2) والأنثى
__________
(1) 1- وردت أحاديث متعددة في تقسيم الدية : منها : عن علي بن أبي طالب رضي الله =
(2) = عنه - قال: دية شبه العمد وثلاثون ثنية إلى بازل تمامها كلها خليفات» وأبو داود
ومنها: عند الترمذي وأبو داود والنسائي: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن
رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- قال: في دية الخطأ عشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض،
وعشرون الترمذي وأبو داود والنسائي انظر جامع الأصول رقم 2482، 2483 .
4/410 - 411.
1- ربغاً: والصحيح: ربعاً: وهو ما ولد من الإبل في الربيع، وقيل ما ولد في أول النتاج.
منه حديث عبد الملك بن عمير «كأنه أخفاف الرَّباع» ومنه حديث عمر - سأله رجل
من الصدقة فأعطاه ربعه يتبعها ظئرها» انظر النهاية في غريب الحديث والأثر. (9/17)
صفحة 1275
مربغة واسمها هيعاً بعد ذلك ثم هو جوار حتى يفصل فإذا فصل عن أمه
فهو فصيل وهو مفطوم وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا رضاع بعد فصال
ولا يدخل في الدية ولا الأرش ولا في الصدقة حتى يفصل فإذا أتم الحول
وولج الثاني وإن قل فهو ابن مخاض(1) إذا امتخضت أمها بالحمل وهذا
السن وما بعده يلج في جميع الواجبات من أروش وديات وصدقات فإذا استكمل النتاج السنتين وولج الثالثة ولو في يومه فهو ابن لبون(2) والأنثى
بنت لبون وإذا ولج الأربع فهو حِق والأنثى حِقة(3) وسميت بذلك لأنها استحقت أن يحمل عليها الفحل.
مسألة
[ أسماء الإبل والنوق ]
وإذا ولج الخامسة سمي جذعاً والأنثى جذعة(4) وليس في الصدقة شيء فوق الجذعة وإذا ولج في السادسة فهو ثني والأنثى ثنية فإذا ولج في السابعة
فهو رباع والأنثى رباعية بالتخفيف وإذا ولج الثامنة فهو سدس والأنثى
سدسه فالأنثى والذكر هنا سيان في الاسم.
مسألة
[ أسماء الإبل بعد التاسعة ]
فإذا ولج في التاسعة سمي بازلاً والأنثى بازل ولا بون بين اسميهما فإذا
ولج العاشرة فهو مخلف(5) وليس له اسم بعد الأخلاف وإنما يقال له بازل
__________
(1) 1- ابن مخاض: أي أمة في البطن الثاني مخاض. وهي ما استكملت سنة وولجت في
الثانية.
(2) 2- ابن لبون: أتمت السنتين وولجت في الثالثة وهي ذات لبن.
(3) 3- حِقه: ما استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة سمي بذلك لأنه استحق أن يركب
ويحمل عليه. انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/409.
(4) 4- جذعة: الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شاباً فتياً، فهو من الإبل ما دخل
في السنة الخامسة، ومن البقر المعز ما دخل في السنة الثانية... النهاية في غريب
الحديث والأثر 1/250.
(5) 1- المخلف من النوق: وهي الحامل وقد خلفت إذا حملت، واختلفت إذا حالت وتجمع
على خلفات وخلائف. النهاية في غريب الحديث والأثر 2/68. (9/18)
صفحة 1276
عام وبازل عامين ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما فوق ذلك فإذا كبر
فهو عود والأنثى عودة فأقام هرم فهو محرم.
مسألة
[ مقدار الدية بالدراهم ]
والدية قد فرضها المسلمون الأنثى عشر ألف درهم كل بعير بمائة
وعشرين درهماً والأصل هي مائة من الإبل في الرخص والغلاء فإذا غلت
رفع ثمنها وإذا رخصت خفض ثمنها والدية على أرباب الإبل مائة وعلى
أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاة ألف شاة وعلى أهل الدنانير ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم وقيل عشرة آلاف درهم(1).
مسألة
[ أسماء الجروح ]
عن الشيخ أبي محمد أول السجاج دامية وتسمى الخارصة وهي التي
لها الجلد قليلاً كما يقال حرض الثوب القصار إذا شقة ثم الباضعة وهي
التي تبضع اللحم بعصب الجلد ثم المتلاحمة وهي إذا أخذت في اللحم ولم
تبلغ السمحاق وهي قشرة رقيقة بين اللحم والعظم قال الأصمعي: كل
قشرة رقيقة فهي سمحاق فإذا بلغت الشجة تلك القشرة حتى لا يبقى بين
اللحم والعظم غيرها فهي سمحاق ثم هي الموضحة وهي التي تشق عنها
تلك القشرة وقيل ليس فيما دون الموضحة قصاص لأنه متعذر التوصل إليه
دون الأرش.
مسألة
[ أسماء الجروح ]
وأما الهاشمة فهي التي تكسر عظم الرأس وأما الدماغ جلدة رقيق تحيط بالدماغ فإذا وصل إلى ذلك فانشحة أمة مأمومة ومقدم الرأس ما دون مقص الشعر من حد الوجه من الرأس الأذنين مما يلي الوجه إلى أعلى الرأس والحد فيما بينه شعر مقدم الرأس واللحية وهو العظم الذي في الوجه إلى جنة
__________
(1) 2- ثبت هذا في خطاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: حيث قال : إن الإبل قد
غلت ففرضها عمر على أهل الذهب: ألف دينار وعلى أهل الورق: اثني عشر ألف
درهم، وعلى أهل البقر: مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء: ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل:
مائتي حُلة. قال: ترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما دفع من الدية» أخرجه أبو داود في
الديات رقم 4542. انظر جامع الأصول 4/437 رقم 2514. (9/19)
صفحة 1277
الأذن أسفل من حيال العينين وما خرج من ذلك فهو القفا وإذا أتمت الدامية
في مقدم الرأس راحبة طولاً وعرضاً فلها بعير ابن لبون وللباضعة في مقدم
الرأس بعيران وهما ابن لبون وحقة للمتلاحمة في مقدم الرأس ثلاثة أبعرة
حقة وبنت لبون وابن لبون ذكر ودية المسحاق في مقدم الرأس أربعة بنت مخاض وابن لبون ذكر حقة وجذعة وأما الموضحة فلها في مقدم الرأس
خمسة أبعرة مخاض وابن لبون ذكر وابن لبون وحقه وجذعة هذا إذا أتمت الراجبة في هذا كله طولاً وعرضاً وإن نقص أو زاد فبالحساب.
مسألة
[ دية الهاشمة ]
وللهاشمة في مقدم الرأس عشر من الإبل ما كانت ولها نصف ما
للموضحة في مقدم الرأس من الإبل وللمأمومة ثلث الدية الكبرى ثلاثة
وثلاثون بعيراً أو ثلث بعير فإن تغير العقل فالدية كاملة.
مسألة
[ أرش جراحة القصاص ]
وأرش جراحة القصاص القفار كأرش جراحة سائر البدن والجرح القفا كنصف ماله في مقدم الرأس وجرح مجاد ملتقى الوركين وجرح مجاد
الصدر كجرح مقدم الرأس وهو مضاعف على جرح القفا والبدن فإن زال الجرح إلى حد الجانبين فإنما هو جرح بدن، وقيل : إن رضي المحارة لكسب الجنب وله أربعة أبعرة إذا جبر على شين وإن جبر على غير شين فبعيران وجرح محار الصدر كجرح مقدم الرأس وهو مضاعف على جراحة القفا والضعن جلد الخصتين الدية كاملة ودية كلم الذبذب كدية مقدم الرأس
وفي الجائفة ثلث الدية الكبرى وفيه القصاص والقفار منضد بعضه ببعض
من لدين العجب المعجز إلى فحق الرأس وإن حد اللقلق كله ففيه القصاص
وإن حد بعضه وعرف ففيه القصاص ووقف بعض عن القصاص فيما حد
من بعض القلق وأما إذا استوصل لقلق فذهب منه النطق فله الدية كاملة وإن ذهب بعض النطق فبقدر ما ذهب وقيل معرفة ذلك في باب إرث وفي
جماعة الحروف فينظر فيما أفصح وما لم يفصح من الحروف وخرج اللقلق
من أعلاه وأسفله سيان ولكلم ما لكلم مقدم الرأس ولنا فبدية ثلث الدية.
مسألة
[ علم الكتف والعنق ] (9/20)
صفحة 1278
وإذا وقع الكلم في العتق(1) والكتف فله ما للكلم في القفا والبدن
وللكلم في نفس قفار العتق كمثل ما للكلم قصبة الظهر ومحار الصدر
وكلم والحج الفم في اللقلق أو غيره ككلم مقدم الرأس.
مسألة
[ أرش بعض الجروح ]
وأرش كلم الوجه كنصف كلم الرأس وللموضحة في الوجه إذا بزقت العظم ونظر بالغير عشرة أبعرة ابنتا مخاض وابنا لبون وحقتان وجذعتان الموضحة التي واضح العظم لعله توضح العظم وللهاشمة في الوجه عشرون
من الإبل وللمنقلة ثلاثون من الإبل وهي تنقل العظام من مواضعها.
مسألة
[ فيما تكون الدية كاملة ]
وكلم العجمى مما يلي الوجه حكمه كحكم الوجه وإن كان مما يلي
الحلق فهو كلم الحي عن النبي ص قضى في الأذنين الدية وفي الرجلين
الدية وفي اليدين الدية وفي البيضتين الدية وفي الحاجبين إذا قطع لحماً مع
الشعر الدية.
مسألة
[ دية العين الواحدة ]
ولكل عين نصف الدية ولهما الدية ولكل جفن ربع الدية وللأربعة الدية كاملة إذا أنتف شعر العينين ولم ينبت إلى سنة ثمن الدية لكل عين وإن
نبتت فقوم عدلين.
مسألة
[ دية الأعين ]
وفي العينين القصاص كذلك الأشفار وكل شعرة شفرة فإن فقأ صحيح العينين عين أعور غير فله أن يفقأ عينه التي من عينه ويأخذ منه نصف الدية كاملة إذا كانت عينه ذهبت من علة وإن أصاب عينه إنسان فأخذ ديتها فإنما له دية عين واحدة.
مسألة
[ دية العين واليد ]
وإذا ذهبت عينه في محاربة فله دية عين واحدة على قول. واليد باليد
التي كمثلها فإن لم يكن له مثلها افتض بغيرها. والقصاص من مفصل
الكف وإن وقع القطع في الساعد أخذ لما بقي الدية وإن كان القطع لليد من المرافق فالقصاص منه كذلك إذا قطعت من الكتف وما كان في الإنسان من جارحتين فأصيب إحداهما بعلة أو في سبيل الله ولم يكن أخذ لها دية ثم
أصابه إنسان فذهبت الباقية فله بها وحدها الدية كاملة وإن شاء اقتص بها وأخذ نصف الدية فجارحة هنا تقوم مقام جارحتين.
مسألة
__________
(1) 1- الأصح - العنق. (9/21)
صفحة 1279
[ الدية في العرد ]
وإذا قطعت حشفة العرد ففيها الدية كاملة ولما يبقى منه ثلث الدية
وكلمه ككلم مقدم الرأس وهو دام ثم باضع ثم متلاحم نافذ وفيه نافذتان
إذا تقدم من الجابين وإذا ذهب باهه فله الدية كاملة ولو لم ينصري وفي
جرحة الأير والدبر القصاص.
مسألة
[ دية بعض الأروش ]
عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله: الأرش دية الكلم والقصاص
الأخذ به واللصمة والفقدة والكسعة فإنما ليس في ذلك قصاص وفيه
الأرش فأرش اللطمة إذا أثر بعير وإن لم تؤثر فنصف بعير وأرش الكسعة
خمسة دراهم ومثلها الفقدة وليس في الكسرة في سائر الأعضاء قصاص
وفيه الأرش.
اللطم الضرب على الوجه ببطن الكف والمفصل بفتح الميم وكسر الصاد ومفصل الإنسان والقصاص أن يفعل بالفاعل كما فعل به.
مسألة
[ دية كاملة للأُذن ]
وللأذن الدية كاملة وللواحدة نصف الدية إذا قطعت وإن قطع منها شيء فبالحساب، وللسمع الدية كاملة إذا ضربه فأذهب سمعه وأول كلم الأذن
دام ثم باضع ثم ملتجم ثم نافذ ومن أي جنب كان الكلم فسيان ولها نصف
ما للمقدم الرأس لكل نافذة في عضو ثلث الدية على ثلث دية العضو وهو سدس الدية الكبرى وقيل : إن اشتركا الأذن كنافذتها والنافذة في قطعة
الأذن الصغيرة التي تلي الوجه نافذة واحدة وقيل: نافذتان واختلفوا في
نوافذ الأذان إن كان ثقوباً فمنهم من رآها نوافذ ومنهم من قال : لا إنما يقاس ذلك بالعبد فما كان ينقض ثمنه عرف ذلك من دية الحر وكان هو أرشه.
مسألة
[ دية الأنف ]
وإذا كسرت الأنف وجرى دم من منخريه فلها بعير وإذا قطعت ففيها القصاص من النص لقوله تعالى : { الأنف بالأنف } وإذا أدمى من إحدى
المنخرين فنصف بعير وإن نتن الأنف وبخش فالدية كاملة وإن نخس
إحداهما فنصف الدية.
مسألة
[ دية الأنف ]
وإذا أصرى مارن الأنف إلى القصبة فالدية كاملة وفي الباقي في ثلث (9/22)
صفحة 1280
الدية وإن قطعت الأرنبة وحدها فنصف دية الأنف والجراحة فيه مضاعفة كالجراحة في الوجه وهي دوامي وبواضع وملحمات وسماحيق
ومرضحات وهو اسم ومنقلات ونوافذ.
مسألة
[ دية الوخزة في الأنف ]
وإذا نفذت الوخزة من المنخرين والحاجز الذي بينهما فثلث دية وإذا نفذت من أحد الورقات الثلاث فلكل ورقه ثلث الدية وقيل: النافذة في
أعلى الأنف إذا نفذت فنافذة وإن نفذت من الجانبين فنافذتان عن أبي
الحواري وإذا نفذت الوخزة في مارن الأنف من ثلاثة حجب فلها ثلث دية الأنف وإن نفذت من جانبين فثلثا دية الأنف.
مسألة
[ دية الوخزة في الأنف والحلقوم ]
وإن نفذت الوخزة في الحلقوم فخالطت مجرى الطعام والشراب فلها
ثلث الدية الكبرى وإذا نفذت من الجانب الآخر صارتا نافذتين فلهما ثلثا
الدية الكبرى، وفي الشفتين القصاص إذا جذتان وإن جذ منهما فبحسابه وفيهما الدية كاملة وفي أحديها نصف الدية ورجح بعضهم دية الشفة العليا على السفلى لأنها تملك النطق والأول أرجح وكلمها من أعلى ككلم الوجه وأما إذا نفذت الوخزة من الشفة إلى الضرس فلها ثلث ديتها وهو سدس
الدية وجرحهما فديتهما كذا وإن صرى من الشفة شيء فبحساب ما ذهب وما بقي بالقصاص والدية.
مسألة
[ دية الوجنتين والأسنان ]
عن أبي المؤثر: إذا نفذت في القرو خالطت الفم فلها ثلث دية الغزو دية الغزّو وهي الوجنة نصف الدية الكبرى وإذا قطعت الوجنتين فلهما الدية
كاملة وإن نفذت في الوجنة ثم في اللقلق في الوجنة الثانية فلنافذة في
الوجنتين ثلثا دية الوجه والنافذة اللقلق ثلث دية الكبرى والأسنان كلها
سوى وفيهن القصاص بالنص لقوله تعالى : { السن بالسن } (1) وهو بسن مثله في موضعه فإن لم يكن في الجاني مثله فلا يقتص بغيره وله بنسبة الدية
كل سن خمسة أبعرة ومن أبان سن غيره فله أن يقتص سناً بسن فإن عفا
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 45. (9/23)
صفحة 1281
ورام الدية فله ذلك ولكل سن خمسة أبعرة في كسر السن قلت أو كثرت الأسنان وإن أبان أسنانه فله الدية كاملة مائة من الإبل وإن بقي واحداً فلكل سن أبانه خمسة أبعرة ولا قصاص في كسر السن وله به الأرش بقدر
الكسر وإن كسر السن من وجه اللحم فله دية سن كاملة وإن اضمحل منه السواد فله سوم عدلين.
مسألة
[ عدد الأسنان ]
عن أبي عبد الله: إنما يكون في ابن آدم ثمانية وعشرون سناً ومنهم من
له اثنان وثلاثون سناً وإذ كانت المقلوعة أسنان له اثنان وثلاثون وللجاني
ثمانية وعشرون سناً فالأربعة هدر ولا أرش لهن وإن كان السن متوكباً فله
سوم عدلين فمنهم من قال: ثلث دية العضو، وقول: خمسها وقال أبو
الحسن: سوم العدلين عشرون درهماًَ.
مسألة
[ أحكام الأسنان ]
وأما سن الصبي التي لم يثغر ففي ذلك اختلاف قول: دية بعير قول:
ثلث دية سن وإن كان ثغر فدية سن كاملة أو القصاص إذا بلغ الصبي
والنافذة السن سوم عدلين.
مسألة
[ نوعية الأسنان ]
وثغر السن إذا سقط عن أبي زيد: الأسنان أربعة ثنايا وأربع رباعيات الواحدة رباعية مخففة وأربعة أنياب وأربع ضواحك وفي كل شق ست
رواحي فأرحى ورابعة نواجذ وهي أقصاها وإذا نتفت اللحية أو حلقت فلم
تنبت إلى سنة فلها الدية كاملة ومن اللحية العارضان والعنفقة وحد العارض العظم الذي بإزاء الأذن في الوجه وإن ذهب شيء منها فله بقدره وإن نبت
ما نتف أو حلق فسوم عدلين وفيها القصاص شعرة بشعرة.
مسألة
[ حكم نتف اللحية ]
ومن نتف من لحية غيره جمة شعر إلا أنه لم يتبين فيها بقصاص ولم يكن
في اللحية الجاني إلا ذلك القدر فإنه يقتص بمثل ما جنى عليه وقيل: إن
القصاص في اللحى بالإجراء وليس للهوف اللحية زيادة على التطحين النتف.
مسألة
[ حكم دية نتف الشارب ]
وإذا نتف شعر الشارب فلم ينبت إلى سنة نصف دية الشفة، وقيل: سوم عدلين نبت أو لم ينبت وفيه القصاص شعرة بشعرة.
مسألة
[ دية الحاجبين ] (9/24)
صفحة 1282
وإذا قطع الحاجبان مع شعرهما فكل واحد نصف الدية وإن نتف الشعر فقط أو حلق فلم ينبت إلى سنة فلهما معاً نصف الدية وقيل غير ذلك وهو الأرجح وأما إذا التأم اللحم مع الشعر فقيل: لهما دية كلم ولهما في الشعر ولهما سوم عدلين وفي الشعر من الجانبين والأشعار القصاص شعرة كبرت
الشعر أو صغرت فسيان وإن عزب عليه علم ما نتف من شعر الحاجب نظر كم ذهب منه من جزء فيعطى قصاصه من جانب الجاني وإن يكن حاجب الجاني أقصر فتكون ثلث حاجب المجني عليه كسف حاجبه.
مسألة
[ دية الترقوة والحاجبان واليد ]
وإما كسر الترقوة إذا جبر على شين فله أربعة أبعرة وإن جبر على غير شين فبعيران وإن كان الكسر في أحد الحاجبين حسب ما يقع من أربعة أبعرة إن
جبر على شين فنعطي كل ضلع حصته وفي كل جانب اثنا عشر ضلعاً
فكل ضلع إذا كسر وجبر على شين فله ثلث بعير وإن جبر على شين فله
بعير ما لم يكن فيه عيب ولا عسم وإن كسرت اليد من المرفق فجبرت
مستقيمة لا تنعطف فنصف ديتها ولكسر الرجل ما لكسر اليد فإن جبرت
على شين فأربعة أبعر وإن جبر على غير شين أربعة أبعر أيضاً وإن جبر على
غير شين فبعيران.
مسألة
[ دية عضد اليد والفك والخلع ]
وأما الكسر في عضد اليد فله إذا جبر على شين أربعة أبعرة وإن جبر على غير شين فبعيران وما الفك والانخلاع والصدع في الأعضاء كلها فكل
صدع عظم أربعة أخماس دون كسرة ولفكه خمس نصف دية كسرة
ولخلعه خمس نصف دية كسرة في العظام كلها وقول: في الانخلاع
والصدع سوم عدلين.
ولا قصاص في ضربة العصا وإن أثرت ففيها عشرة دراهم وإن لم تؤثر فخمسة دراهم وإن كان جرح فالجروح قصاص.
مسألة
[ دية الضرب على الوجه ]
ومن ضرب أحداً بعصا في وجهه فالضرب في الوجه مضاعف على الضرب في البدن فالمؤثرة في الوجه لها عشرون درهماً وفي البدن عشرة
دراهم وإن لم تؤثر في الوجه فعشرة دراهم وفي البدن خمسة دراهم.
مسألة
[ دية الإغماء ] (9/25)
صفحة 1283
ودية الغمية(1) فيها اختلاف فإذا قام من الضربة سليماً بغير أو إن ذهبته صلاة فثلث الدية وقول: إذا فاتته خمس صلوات فله ثلث الدية وإن زاد فبالحساب عن موسى بن علي أنه قال: للغمية بغير ما إذا كانت في حرم
مسلم صغير كان أو كبراً وللمرأة نصف ذلك وللعبد مثله في ثمنه وهذا
هو الأصح.
مسألة
[ دية ذهاب البصر ]
وإذا ذهب بصر العينين وهما قائمتان فللبصر الدية كاملة ولبصر كل عين نصف الدية وإن ذهب بعضه فبحسابه.
مسألة
[ دية إصابة العين ]
وإذا صيب العين فنقص بصرها فإنه ينصب له علمه فينظر إليه بالعين الصحيحة ثم شيل عليها وتطلق الناقصة فحيث انتهى بصرها قيس وأعطي
ما بين ذلك فإن اتهم حلف.
مسألة
[ متى يتحقق الإبصار للمولود ]
وفي الحديث: «كل مولود يولد في الأرض أعمى»(2) وإنما يفتح بعد
الأيام إلا أولاد الدجاج فإنها تبرزعن بيضتها مكسية تبصر. وإذا كان في
الغير كلم وادعى المصاب أنه أذهب بصره فتؤخذ له بيضة ويجعل فيها
بياض وسواد ويشد على عينه الصحيحة ثم يرمى البيضة وتقلب بين عينيه
فما دام يعرف السواد من البياض حفظ عليه منتهي معرفته في سواد البيضة
من بياضها فإذا حفظ حيث بلغ استحلف على ذلك بأنه هو حد بصرته عنه
التي يدعي نقص بصرها ثم يفتح عينه الصحيحة فيرى البيضة سوادها
وبياضها حتى يشتبه السواد من البياض فيوقف له على ذلك الموضع
ويستحلف على بصر عينه جميعاً عيناً واحدة ويعطي فضل ما بينهما من
الذرع من الدية قال أبو عبد الله: يكون ذلك بحضرة الإمام ويجعل البيضة
في يد ثقة فإذا استبان تغير بصر عينه صح له الأرش وأما صفة القصاص في العين فإنه يلف على العين الصحيحة دقيق معجون بالماء ويربط عليه بخرقة
ثم تحمى(3)
__________
(1) 1- الغمية: هي الإغماء. والله أعلم.
(2) 1- لم أعثر عليه وإن كان الاستقراء يجيز هذا المعنى.
(3) 1- مقادير دية الأعضاء وردت في أحاديث متعددة انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول -- صلى الله عليه وسلم -- 4/417 - 421 . (9/26)
صفحة 1284
سنحجله بالنار وتدنى من العين. تدو من العين المقتص منها وإن
قلعت قلع مثلها وهذا رأي أبي الحسن رحمه الله.
مسألة
[ كيفية معرفة نقصان السمع ]
ومن أصيب في أذنيه فادعى نقصان سمعه أو نقصانه من إحدى أذنيه
شد على أذنه التي تدعى تقص سمعها ثم يصاح به من بعيد بقدر ما يسمع
وليه شد على أذنه الصحيحة ثم يصاح به فيعطا بقدر ما نقص سمعها
ويحلف أن هذا جهد سمعه بالأذن الناقص سمعها وإما إن ادعى نقصان
سمعه من كلتا أذنيه صح بوليه من موضع ناء بقدر ما يسمع ثم يصاح به
فينظر ما نقص من سمعه عن وليه أعطى من الدية بقدر النقصان بعد أن
يحلف أن الأمر كما ادعى.
مسألة
[ صور من الدية ]
وإذا قطع يدي الرجلين اليمن من أحدهما أو الشمال من الآخر قطعت يمينه للذي شماله الدية لأنه لا يقطع يداه جميعاً والأصح أن القطع للمجبا
عليه أولاً للثاني في الدية وإن اتفقا على الدية جاز وإن كسر رجل آخر
فأصابه طرف أو بهلد قومت صحيحة ومكسورة وأعطى فضل القيمتين
وإن جذ بيمينه من قبحها أو يمين غيره من كوعها فقطعت لها يمنيه وسلم دية اليد الأخرى وإن عفا أحدهما اقتص الثاني وإن غاب أحدهما ورام الآخر القصاص فذلك له وللغائب الدية لأنه ليس له مع هذا شرك وإن اجتمعا
فحكم لهما بالقصاص فعفا أحدهما كان عفواً جائزاً وقيل: لا قصاص
للباقي إذا عفا أحدهما وإنما لهما الدية.
مسألة
[ دية اليد والأصابع ]
ومن قطع يدي رجلين بيمينه فنرى كلا إلى الدية فأبى الجاني جبر على
أن يسلم لهما الدية كاملة ودية يمين الإصبع وفتح الباء وفيهما أربع لغات
بفتح الباء وكسر الهمز وضم الباء وفتحها أو بضم الهمزة وفتح الباء فيرمي
أدنى أولياءه ثم يرمي المصاب بيده المصابة ثم يعرف نقصان ما بين الرميتين
بعد الاجتهاد فيعطى بقدر ما نقص بعد أن يحلف وهو رأي محمد بن
محبوب رحمه الله. وإن كان وليه الأدنى صبياً رمى وليه الأقصى فإن لم (9/27)
صفحة 1285
يكن ولي رمى ثقة ولا برمي أولياءه من النساء ولكن يرمى عنهن رجل من عشيرته ثقة فإن كان المصاب امرأة رمت ثم رمى وليها ولا يرمي الرجل عن النساء ولا النساء عن الرجال وإن كانت المصابة اليد اليسرى رمى وليه باليسرى وإن كان المصاب أعسر رمى وليه باليمين وجعلت يساره مكان اليمين وإن كان المصاب صبياً رمى وليه من الصبيان وفي الأضفار القصاص الضفر بالضفر وقول: لا قصاص فيها وفيها الدية لكل ضفرة بعير إذا أحد
جتذ(1) فلم يبقل وإن بقل فنصف بعير وقول: ثلث بعير وإن بنت مسود أفديته تامة كذلك وإذا أعز نجم وهو بعد أن ينتظر به سنة فلم يرجع وإن برئ فله سوم عدلين وأما الأنملة الزائدة فإن كانت تامة مستوية فديتها تامة كالأنامل ولا قصاص فيها ويجعل نصف الدية للأنامل كلها ما كن ستاً أو سبعاً فإن
كن ستاً فلكل أنملة سدس وإن كن سبعاًَ فلها سبع وإن كانت الأنملة غير مستوية فلها سوم عدلين.
النهج الحادي عشر
فيمن يلزمه القود ومن لا يلزمه
وفي الإقرار بالقتل والقتل بالشهادة
النهج الحادي عشر
فيمن يلزمه القود ومن لا يلزمه
وفي الإقرار بالقتل والقتل بالشهادة
مسألة
[ وجوب القصاص والمساواة فيه ]
والقصاص والقود لا زمان في العمل كل حر بالغ ليس بذي مس ولا أخرس ولا عجمة(2) يعبر عن نفسه إذا اعتدى على من يساويه في الملة
والحرية صغيراً كان أو كبيراً ذكراً كان أو أنثى، ويقاد الشريف بالوضيع والمثري بالمقتر. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أقاد من نفسه وكذلك أبو بكر
رضي الله عنهما أقادا من نفسيهما(3).
مسألة
[ الأصل لا يكون سبباً في إعدام الفرع ]
__________
(1) 1- هكذا في الأصل، والمعنى والله أعلم: إذا اجتث الضفيرة.
(2) 1- من شروط القصاص: 1- العمدية 2- العدوان 3- أن يكون الفاعل مكلف
4- تحقق السببية بين الفعل والأثر.
(3) 2- ثبت في السيرة النبوية أن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- أقاد من نفسه عندما قال -- صلى الله عليه وسلم --......... (9/28)
صفحة 1286
ولا يقاد أب بشبله وعليه ديته لسائر ورثته على الأصح(1).
مسألة
[ القصاص بين الفروع ]
فإن نجع الجد ابن ابنه فلابنه بخعه ويستحب له أن يولي نجعه سواه ولا يتولى هو ذلك وإن لقيه في صف البغات باغياً أتراح عنه طرفاً فليتولى نجعه سواه وحكم الأب حكم الجد في القصاص وإن قتل الأخ أخاه فلأبيهما قتل القاتل به وما سوى الأبوين فبينهما القصاص. ويقتل الوثني من جميع الملل لمتحنف ولا يقاد المتحنف بالوثني بالأرجح(2).
مسألة
[ القصاص بين الرجل والمرأة ]
وإذا قتلت المرأة رجلاً قتلت به وإن قتل رجلاً امرأة قتل بها ودم كل واحد منهما وفاء من صاحبه على قول وقيل: دم المرأة ليس وفاء من دم الرجل فإن رام أولياءها قتله ردوا فضل ديته على أوليائه وإن أخذوا الدية فلهم ذلك(3).
مسألة
[ أثر عفو الأيتام على القصاص ]
__________
(1) 3- عن عمرو بن شعيب -رحمه الله- أن رجلاً من بني مدلج قتادة -حذف ابنه =
(2) = بسيف، فأصاب ساقه، فنَزى جرحه فمات، فقدم سراقة بن جحثم على عمر بن
الخطاب فذكر ذلك له، فقال له عمر: أعدد على ماء مُديد عشرين ومائة بعير، حتى
أقدم عليك، فلما قدم عليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حِقّه، وثلاثين
جذعة وأربعين خلقة ثم قال: ابن أخ المقتول، فقال: هاأنذا، فقال: خذها، فإن
رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- قال: ليس لقاتل شيء» أخرجه الموطأ 2/867 في العقول.
ولقوله -- صلى الله عليه وسلم -- لا يقاد الوالد بالولد» جامع الأصول 10/250 رقم 7775،
7773، 7774 .
1- هذه مسائل اختلفت فيها العلماء -رحمهم الله- انظر سقوط العقوبات في الفقه
الإسلامي في باب سقوط العقوبة عن الوالد لولده.
(3) 2- سبب الاختلاف نصوص من السنة توضح أن دية المرأة كدية الرجل إلى ثلث ديته = (9/29)
صفحة 1287
وإذا كان أولياء المقتول يتامى وبالغين عن القود ورجعوا إلى الدية جاز ذلك على الأيتام ولا حجة للأيتام بعد الإيناس في القود ولو كان العافي أخاً واليتيم ولداً فبكل ذلك يهدر القود، وإن كان في الأولياء ذكور أبطل القود وإن كان الأولياء أيتاماً روعي بهم إلى بلوغهم وإن مات الجاني قبل بلوغهم رجعوا إلى الدية من ماله(1).
مسألة
[ الوكالة في استيفاء القصاص ]
وإذا وكل المجروح وكيلاً يقتص له فمات في وقت يجب فيه القود فله
أن يقتص منه ووصيته ثابتة وبصر ولي من الأولياء وقيل: يبطل القود
وتثبت الدية لورثة المقتول(2).
مسألة
[ لمن توزع الدية لمن ليس له أولياء ]
وإذا لم يكن للمجني عليه ولي من العصبات ولا من الأرحام فالأم أولى
بدمه والخيار بين الاقتصاص وأخذ الدية، وإن لم يكن له جنس دفعت
لجنسه وإلا فلبيت المال فإن صح له ولي بعد ذلك ردت إليه وإن كان من
غير الأجناس فديته موقوفة حتى يصح له وارث، وقيل للفقراء أهل القبلة.
مسألة
[ أثر ناقص الجوارح في القصاص ]
وإذا قتل أشل اليد وأقول رجل أو ناقص جارحة سليماً أو العكس فالقود النفس كما نص ذو العرش في كتابه المجيد، وإذا أمر من تجب عليه طاعته
بخع نفس ظلماً بالقود على الآمر وهذا بعد الصحة.
مسألة
[ الإكراه على القتل ]
وإن أكره(3) الجبار رجلاً على قتل نفس ظلماً فلولي المقتول الخيار في
__________
(1) = عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- عقل المرأة مثل عقل
الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديته» أخرجه النسائي 8/44، 45 في القسامة.
1- اليتامى وغير الباغين أولى لهم أخذ الدية للإنفاق على مصالحهم.
(2) 2- لأن من مبطلات الوكالة الموت. فإذا مات أحدهم انتهت الوكالة والله أعلم.
(3) 1- الإكراه الملجأ أي التام الذي أجاز العلماء بتحقيقه استباحة كلمة الكفر ولكنهم لم
يجيزوا استباحة دم المسلم فإذا قتل يقتل ولا يعتد بالإكراه. والله أعلم. (9/30)
صفحة 1288
قتل أيهما شاء أو كليهما إذا كان فتكاً لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق، ولأن التقية لا تجوز بالفعل وقيل : إن الجبر على القتل كالجبر على السفاح ويدرأ عنه القود بالشبه كما يدرأ الحد بالشبه عن أبي عبد الله:
من أمر صبياً بقتل نفس فعلى الآمر القود لا حجة على الصبي، وقال أبو
معاوية: يدرأ القود عن الآمر وعليه في ماله. ومن أمر في أموال أو دمائهم
ظلماً فعليه ضمانها إذا كان له على المأمور سلطان إلا فلا.
مسألة
[ حكم الآمر بالجريمة ]
ومن أمر عبده بالسرق فأخذ شيئاً يجب على أخذه القطع فلا قطع على القن ولا على سيّده فإن كان المأمور حراً بالغاً قطع المأمور وعلى الآمر من الحوب وحكم مملوك الغير كحكم الحرّ. وإذا أمر الجبار بقتل نفس ثم تاب فلأولياء المقتول الخيار بين قتل الآمر والمأمور، وقيل: على الآمر الدية إذا
تعذر القود من الجاني، وقيل: بالعكس إذا كان مجبوراً، وقيل: النبي - صلى الله عليه وسلم -
أنه لا يقتل مؤمن بكافر(1). وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: فلا نقتل حراً بعبد(2). قال أبو المؤثر: لو أن رام رمى نفساً بأدنى شيء عمداً لزمه
وقتله فقتله صح القود عليه، وقيل: إذا رماه بمثل ما يقتل في التعارف فلا
شيء عليه وهذا قد مات بأجله.
مسألة
[ حكم من قتل نفساً بغير آله القتل ]
ومن ألقى إنساناً في نار ظالماً له فمات فقول: يقتص منه بالنار، وقول:
__________
(1) 1- أخرجه البخاري 12/230 في الديات. والترمذي رقم 1412 في الديات باب ما
جاء لا يقتل مسلم بكافر. والنسائي 8/23 في القسامة باب سقوط القود من المسلم
للكافر وانظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 10/253 رقم 7779.
(2) 2- الثابت أن من قتل عبده قتل به عن بن جندب -رضي الله عنه- أن رسول
الله -- صلى الله عليه وسلم -- قال: من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» أخرجه أبو داود
رقم 4515، 4517، 4518 في الديات. والنسائي 8/21. والترمذي رقم 1414 . (9/31)
صفحة 1289
بالصمصام البتار ومثل ذلك من قتل نفساً بالسم(1) وإذا لم يكن بالمصر إمام فنحب أن يكون ذلك برأيه وقول : لا يجوز إلا برأي السلطان عدلاً كان أو جائراً لأن القود حد ولا يقيم الحد إلا الأئمة العدل فإن فقدوا فالجائرون
على الأصح وإلا فالجماعة.
مسألة
[ إذا كان القاتل مريضاً ]
وإذا كان القاتل ذوا وصب فتاب وأقاد نفسه نظر ولي الأمر فإن رآه يصلح للأمر للقود أقاده للأولياء فلهم الخيار في قتله وأخذ الدية والعفو وليس لهم قتله في فراشه إلا بنظر الحاكم وإن يكن في كرب السياق أوصي بالدية.
مسألة
[ من الذي ينفذ القصاص ]
ومن رأى إنساناً يقتل نفساً فشهد عليه أو صح ذلك فوكله ولي الدم في قتله بعد إقراره جاز له ذلك.
مسألة
[ أثر موت الإنسان بعد الحادث بأيام ]
ومن ضرب إنساناً حالاً فإن بقي ثاوياً من كلومه حتى مات فعلى الجاني
القود وقتل في ثلاثة أيام ولا قود بعدهن وقيل إن جاوز سبعة أيام فلا قود فيه وقتل ما لم تمت من صرعته، وقيل: ما لم يداو وإذا داوى فله الدية، وقيل: إن الدواء لا يبطل القود وإنما تبطله خياطة الجرح.
مسألة
[ انتقام المصاب قبل موته ]
وإذا طعن المطعون الطاعن طعنته قيمتها في الدية أقل من قيمة الضرر فلم يزل المطعون ثاوياً فلا أعلم أنه يلحق بعضهم بعضاً بشيء من إرش
الجراحات إذا النفس بالنفس وقد ماتا معاً.
مسألة
[ كيفية التنفيذ ]
وإذ ا وجب القود على جان أحضر مع الإمام كتفت يداه حذر البطش
ثم يجثو ولي الدم على ركبتيه فيضربه بحسام باتر على رقبته في مقام حتى
يغيث روحه وأن طعنه بمدية أو خنجر أو رماه بحجر حتى قتله فقد أسيء
ولا شيء عليه.
مسألة
[ تداخل العقوبات ]
__________
(1) 1- ورد في السنة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- قال:
من تطبب ولا يعلم منه طب، فهو ضامن» أخرجه أبو داود رقم 4586 في الديات.
والنسائي 8/52، 53 في القسامة. ابن ماجة رقم 3466. (9/32)
صفحة 1290
ومن وجبت عليه حدود لله وللعباد بدأ بحقوق العباد أولاً ثم الحدود
التي لله ويبدأ أولاً بما كان دون القتل، وقيل : بدأ بالقتل لأنه يأتي على
جميع الحدود وهي إذا خذله فيه وهذا هو الأشهر.
مسألة
[ اشترك أكثر من واحد في القتل ]
عن أبي المؤثر فيمن رأى رجلاً في حال السياق فقتله أن عليه القود ومن ضرب نفساً حتى قاربت النْزع فأتاها غيره فبخعها أنهما شريكان في دمه وعليهما القود معاً أن فتكا به وأما القافل تقمط يداه خلف ظهره ولا يقيد
فإذا استوجب القتل طلقت عنه الأغلة ثم قتل.
مسألة
[ أثر عفو البعض وإصرار البعض على القصاص ]
وإذا كان للمقتول عدة أولياء فعفا بعضهم عن القود وأبا الآخرون بطل القود وليس لهم إلا الدية إذا كان له نشب وقول: لمن طلب القود القود
ويردوا على طالب القود نصف الدية إذا كان الجاني مقتراً أو يروي أن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه أنه حكم بإقادة قد عفا بعض أوليائه عن القود فنهاه عبد الله بن العباس عن ذلك فأثنى عليه عمر خيراً. ومن قتل نفساً في
غير الحرم فولج فلا يبايع ولا يطعم ولا يسقى حتى تُلجئه الضرورة إلى
الخروج فإذا خرج قتل في غير الحرم الذي قتل فيه وإن سرق في الحرم أمره الإمام بالطواف والسعي والإحلال ثم يحده كما أمره الله تعالى(1).
مسألة
[ أثر التطاعن في القصاص وموت أحدهم ]
وإن تطاعن اثنان فتبار بإثم أحدهما أبرأ من كلمه ذلك فالبراءة فلا
تصح للسنة لأنه لا قصاص ولا دية في جرح حين يبرئ ويعلم حذر اً أنه
يموت في مدة يجب له فيها القصاص أو تضمحل مدة القصاص وتكون
الدية لورثته.
مسألة
__________
(1) 1- إقامة الحدود وتطبيق العقوبات في الحرم: اختلفت العلماء في هذه المسألة فمنهم قال
أن الحدود تقام في أي مكان كان وبهذا قال الشافعي وأحمد.
وقال كثيرون من الفقهاء لا تقام الحدود في الحرم لأن إقامة الحدود فيها عدم الأمن
ويتعارض مع النصوص التالية: { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من = (9/33)
صفحة 1291
[ أثر الرجوع في الشهادة بعد تنفيذ الحكم ]
عن أبي المؤثر: إن كل حدث أحدثه المقتول في القاتل ألزمه أرشه من
دية أو قصاص إذا لم يعلم الباغي منهما من المبغى عليه فلو صرى المقتول جارحة من القاتل عمداً فلأولياء المقتول القود وللقائد دية يده في نشب
المقتول وإذا شهد اثنان عدلان على رجل بالزنا فقتل بشهادتهما ثم رجعا وأكذبا نفسيهما ففي ذلك اختلاف قول: يقتلان ودمهما هدر، وقول:
لأولياء المقتول(1).
مسألة
[ أثر الخطأ في الشهادة بين العمد والجهل ]
والمرحوم بالخيار إن شاءوا قتلهما وسلموا دية أحدهما تكون بين ورثتهما وإن نزل أقرا أنهما تعمدا على الشهادة زوراً قتلا ولا دية لهما وأما إن أقر الشاهدان بأنهما ظنا أو شبه لهما كان ذلك بمنزلة القتل على الثائرة وإن
شهدا عل رجل أنه قتل خطأ أو غائباً فقضى الحاكم بالدية على العاقلة
فقبضها الولي ثم صحت حياة من شهد بقتله فللعاقلة ما أدت على الأخذ
وليس هذا كالرجوع عن الشهادة فأن أفلس أو ضرب وتعذر حصول
حقهم منه كان على الشاهدين ويتبعانه.
مسألة
[ أثر ثبوت كذب الشهود ]
وقد يروى عن بعض المسلمين أن إذا صحت حياة من شهد بقتله ضمن الشاهدان ما أدت العاقلة من الدية والخيار في استرجاعهما من الشاهدين أو الولي للعاقلة فإن أخذوها من الشاهدين رجع الشاهدان على الولي وإن
أخذوها من الولي فليس على الشاهدين إلا التوبة.
مسألة
[ موت الشهود قبل التأكد من شهادتهم ]
عن محمد بن محبوب رحمه الله: وإذا شهد عدلان على رجل أنه قتل
__________
(1) = حولهم } وقوله تعالى { ومن دخله كان آمناً } وقوله -- صلى الله عليه وسلم --: (لا يسفك فيها دم)
ويضيق عليه حتى يخرج من الحرم واعتقد والله أعلم - أن هذا الرأي لو طبق لأصبح
الحرم مأوى لقطاع الطرق واللصوص. ولكن تقام الحدود مع احترام الأماكن المقدسة
والله أعلم.
1- انظر كتاب المحقق سقوط العقوبات - فصل رجوع الشهود عن شهاداتهم بعد تنفيذ
العقوبة. (9/34)
صفحة 1292
نفساً ولم يوضحا خطأ أو عمداً فماتا قبل أن يستجيب لهما الحاكم فادعى
الولي أنه خطأ أو عمداً ولم يدع وليه شيئاً إلا كما شهدت البينة فتقول: إن
في ذلك الدية في ماله على القاتل ويهدر عنه القود لأنهما لم يشهدا عمداً فيجب عليه القود ولا خطأ فتجب الدية على العاقلة.
مسألة
[ أثر الشهادة على العفو ]
وإذا شهد عدلان على وارثي مقتول أن أحدهما عفا عن القصاص ولم
يميز العافي فإن القصاص يهدر ولأولياء المقتول الدية.
مسألة
[ أثر تعارض الشهادات ]
عن الوضاح بن عقبة عن بينه شهدت على رجل أنه قتل نفساً يوم كذا وشهدت الأخرى كان يوم كذا كان عندنا بمحل كذا فهذه شهادة
معارضة إذا صح القتل. عن أبي الحواري : وإذا أشار قوم بقتل قوم فلما
التقوا بهم منهم من فعل ومنهم من لم يفعل ثم راموا التوبة فإن كان القوم
بغاة نكرهم بنفسه وكان معهم حتى فتكوا بهم لزمه كأحدهم ولم يرم
ولم يقتل.
مسألة
[ أثر الاشتراك بالمساندة على القصاص ]
روي عن بعض الفقهاء: من نظر المقتول سواد رأسه فقد أشرك في دمه
وإذا خرج قوم يرمون بخع نفس وتعاونوا بالآلة والكراع فأقد على قتله
أحدهم فهؤلاء كلهم شركاء في دمه(1).
مسألة
[ جنايات البغاة ]
وأما إذا بغى قوم على قوم فخرجوا لحربهم فهذا حدهم جدراً أو أحنث دوحة أو باسقة فالجناية على الجاني نفسه في النسب وبينهما بون ويلزم
قائدهم جميع ذلك وأما التوبة فعلى الكل.
مسألة
[ أثر التوبة على سقوط القصاص ]
__________
(1) 1- ورد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن غلاماً قُتل غيلة، فقال عمر: لو
اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم» قال البخاري: وقال المغيرة بن حكيم عن أبيه «أن
أربعة قتلوا صبياً، فقال عمر: مثله... »، أخرجه البخاري تعليقاً 12/200 في الديات.
ومالك في الموطأ 2/871 في العقول. (9/35)
صفحة 1293
وإذا خرج قوم لقتل نفس فلما وافوه ندم بعضهم فوقف سبباً لا عضبة حتى قتل القتيل فإذا تاب وندم لزمته الدية وأهدر عنه القود وإن ندم وعمد عضبه ونوى به الإقلاع فعليه التوبة وتهدر عنه الدية.
مسألة
[ أثر النية في العقوبات ]
وإذا خرج قوم على أنهم صلح عدوهم فلما التقوا كان بينهم ما كان فعلى
من لم يفعل ولم يرض التوبة والاستغفار وعلى من كترهم بنفسه دلقا غرب حسامه الدية ويهدر عنه القود. ومن أراد في حين إيقاع الأمر فهو شريك
وإذا نادى قوم بالسلاح فخرجوا ذابين عن حريمهم وخرج خارج على تلك النية فحدثوا أحداثاً نافت الشرع من سفك وسلب أموال فإن لم يرض
صنيعهم ولم تكن له قدرة على ردعهم فلا ضمان عليه ولكل امرئ ما نوى.
مسألة
[ أثر الشركاء في الجريمة ]
وإذا خرج قوم يريدون قتل رجل وسلب نشبه فما على من تاب وأراد الخلاص إذا فعلوا به فأما من النسب فعليه بقدر حصته وأما القتل فإن قتلوه فتكاً فعليه أن يقيد نفسه فإن قتلوه به كان لهم ذلك وإن أخذوا الدية كان
عليه بقدر ما ينوبه وأما إن قتلوه في ثائرة كان عليه القود ولورثته أن يحلقوا شركائه بما يقع عليهم من الدية إذا وجب في القتل وإن وجبت الدية فعليه بقدر ذنوبه منها وعليه كفارة القتل عتق رقبة موحدة فإن لم يجد فصيام
شهرين متتابعين.
مسألة
[ من اعتدى على الآخر بقطع أطرافه حتى مات ]
عن أبي عبد الله: ومن قطع يد رجل ثم ذهب عنه فرجع وقطع رجله
ثم أفات روحه فلما ضربه ضربة أذهب بها جوارحه وفاتت نفسه معها
فلأوليائه الخيار بين القود والدية تامة وليس له أرش الجوارح وإن قطع
جارحة بعد أخرى فلهم أرش الجوارح ودية النفس، وإن رام القصاص
فعلوا بصاحبهم.
مسألة
[ حكم من يقطع أطراف الإنسان حتى الموت ]
عن أبي المؤثر: ومن أصرى أذني إنسان وفقي عينه وقطع شفتيه وجذع أنفه وقطع يديه ورجليه في مقام ثم قتله فليس عليه إلا القود وإن نزل (9/36)
صفحة 1294
أولياؤه إلى الدية فليس لهم إلا الدية واحدة وإن عاش بعد التمثيل فعليه
لكل حدث دية.
مسألة
[ كيفية قصاص من ضرب إنسان فقتله ]
عن هاشم: ومن قتل رجلاً فأقادوه لأولياء المقتول فضربه الولي ضربه لم يمت منها فطلبوا أيضاً قتله بعد أن عاش فأمرهم بشير أن يأتوا الضارب
ليقتص المضروب منه كمثل ضربته فلما عرفوا رأيه تركوه.
مسألة
[ في القصاص ]
ومن قتل نفساً كان حقاً على الإمام أن ينفذ فيه الأحكام كما جاء في النص والسنة وآثار الأمة ولا حبس عليه إذا دان بالإنصاف من نفسه وإن
أنكر بعد الإقرار والاعتراف فلا يقبل قوله.
مسألة
[ أثر السجن في إسقاط القصاص ]
ومن اتهم بالقتل فأنكر فسجن وأقر فلا قود عليه وعليه الدية فيسقط عنه القود بالشبهة إذ هو حق لله وتثبت عليه الدية إذا هو حق للعباد.
مسألة
[ حكم القتل دفاعاً عن النفس ]
عن أبي عبد الله: ومن أقر أنه قتل فلاناً وادعى أنه بغى فعليه قيام البينة على دعواه البغي فإن أتى به وإلا قيد به.
مسألة
[ أثر سقوط العقوبة على من أقر ثم أنكر ]
ومن أقر بقتل رجل بعينه أو سرقة بعينها ثم أنكر قبل أن يقع عليه أول القصاص بطل عنه حكم القود للقتل والحد للسرقة على بعض ما قيل ويلزمه ضمان ما أقر به من السرقة وقيل: عليه القود والحد.
مسألة
[ تعارض الإقرار مع شهادة الغير ]
وعن محمد بن محبوب: ومن أقر بنخع نفس وشهدت البينة أنه غيره
قتله فشهادة البينة أولى من إقراره وهو رأي هاشم وعمر وبن المفضل(1)،
وإذا أقر اثنان بقتل اثنان على الإنفراد فالخيار لوليه في قتل أيهما شاءوا وعلى الآخران أن يردا نصف الدية على ورثة المقتول، وقيل: عليه الدية كلها
وعليه العتق. ومن أقر بقتل نفس خطأ فلا يلزم عاقلته إقراره إلا بالبينة وعليه دية الخطأ في نشبه خاصة.
مسألة
[ تعارض العمد مع الخطأ ]
عن أبي الحواري وأبي معاوية: إذا أقر الجاني أنه قتل عمداً وقال ولي
__________
(1) 1- لم أعثر له على ترجمة. (9/37)
صفحة 1295
المقتول أنه خطأ فعليه الدية في ماله ويبطل القود وإن رجع الولي وصدق
الجاني ففيه القود على قول.
مسألة
[ أثر الإقرار والإنكار على العقوبة ]
عن أبي المؤثر: وإذا اتهم قوم بجنايات فأقر بعضهم وأنكر بعض فقهاء
أولياء الدم عن القود ونزلوا إلى الدية فأقر المنكر بما أنكروا فمن عفي عنه فلا رجعة عليه في الدم، وأما الذين أقروا بعد الإنكار فالخيار فيهم لأولياء الدم
فإن شاءوا القود قتلوا منهم من شاءوا أو يكون أيام دية المقتول والمقتص منه على الكل الأولين والآخرين وتسقط عنهم حصته من القود والدية.
مسألة
[ أثر اختلاف وقت الإقرار في تطبيق العقوبة ]
عن أبي معاوية عران ابن الصقر عن هاشم بن الجهم: إن قوماً قتلوا
رجلاً فأقروا بقتله وادعوا أنا ظننا فلاناً رجلاً غيره فأهدر عنهم موسى بن
علي القود وأثبته عليهم جل العلماء وذا أقر زيد أنه قتل عمراً في شهر
شعبان وأقر آخر أنه قتله في شهر رمضان فعلى المقر بالقتل السابق من
شهرين القود إلا أن يقر أولياء المقتول أنه صاحبهم كان حيّاً في شهر شعبان وإنما قتل في رمضان قبل منهم. عن أبي معاوية عران بن الصقر: ومن أقر
لرجل حاضر أنه قتل أخاه أو سبله ولم تقم بينة أن المقتول أخ المقر معه فإن قتلت فلان ابن فلان وهذا أخوه لم يجز إقراره إلا بالبينة العادلة، وإن قال: إن قتلت فلان ابن فلان الحاضر جاز إقراره وقيد به.
مسألة
[ أثر الإقرار وحده ]
عن محمد بن محبوب رحمه الله: ومن أقر عند قوم أنه قتل فلاناً ولم يشهدهم فهذا لم يحتمل أنه لم يقتله وإنما يمتدحه بذلك فلا قود عليه إلا أن
يقر مع الإمام. ومن قتل رجلاً فلما طولب بدمه ادعى أنه قتل ابنه فقتله أنه
لا تقبل دعواه إلا بشهادة ذوي عدول وإلا حكم عليه بالقود.
مسألة
[ حكم من وجد مقتولاً وإقرار قاتله ]
وإذا وجد المقتول ملقى على صراط المسلمين فأقر رجل أنه هو قاتله (9/38)
صفحة 1296
عمداً وعدواناً فالخيار لأوليائه بين القود والدية، وإذا أقر أنه قتله فتكاً من غير ثائرة أقيد به ولو كانت المقتولة امرأة فقتلها فتكاً قتل بها وليس لأوليائه من
الدية شيء، وإن قتلها عمداً وعدواناً فلأوليائه الخيار بين أخذ الدية وهي
نصف دية الرجل، وإن قتلوه ردوا على أوليائه نصف الدية(1).
مسألة
[ الادعاء على البعض بالقتل ]
عن أبي المؤثر: وإذا قتل قتيلاً وادعى أولياؤه فلاناً قاتله حبس لهم
بالتهمة فإذا مضت أيام حبسه دعوا بالبينة فأحضروها حكم عليه بالقود وإلا فيستحلف لهم فإن حلف خلوا سبيله. وقيل: من قتل وله شبلان فادعى
كل واحد على رجل أنه قتل أباه عمداً وأقام كل واحد منهما بينة على
دعواه وطلب القصاص فالقصاص يبطل في هذا لأن الشبلين أبطل كل
منهما حجة أخيه ولكل منهما الدية.
مسألة
[ الرجوع عن الإقرار ]
وإذا أقر مقر بالقتل ثم رجع فله الرجعة ما لم يقع عليه أول الحد. وقال محمد بن محبوب: إذا رجع وقد ضربه ولي الدم إلا أنه لم يفت نفسه
أمره الحاكم أن يمسك عن ضربه ويودع الحبس حتى يتضح أمره وليس
على ضربه ضمان لأن الشرع أباح له قتله ومن عفي عن دمه بعد أن
أشرع بعض الحد لم يلزمه ضمان ولو قد شيئاً من جوارحه وإن ضربه وانصرف لظنه أنه أماته إذا هو حي فله قتله وعليه أرش الضرب وهو
رأي موسى بن علي. وقيل: ليس له بعد ذلك حجة. رأي أبي عبد الله:
ومن قتل نفساً عمداً فقتل القاتل فعلى من تكون حجة أولياء المقتول
الأخير؟ أن يقتلوه ويردوا الدية على أولياء المقتول الأول وإن أبوا فعليهم
دية القتيل الأول.
مسألة
[ تخير الورثة بين القتل والعفو وأخذ الدية ]
__________
(1) 1- قتل المرأة بالرجل: اختلفت العلماء في قتل الرجل بالمرأة فما عليه الفقهاء أن المرأة
تساوي الرجل فكل منهما نفس تساوي النفس الأخرى ومنهم من قال أن المرأة لها
نصف عقل الرجل. والذي روي عن علي بن أبي طالب [إذا قتل الرجل المرأة متعمداً
فهو بها قود]. (9/39)
صفحة 1297
عن أبي المؤثر: إن ليس لورثة القتيل الأول تبعة في المقتول الثاني لأن
أولياء المقتول مخيرون بين قتل وأخذ الدية إن كان الثاني قتل الأول عمداً
وإن كان قتله خطأ وورثته يطلبون بديته فلا نقض لهم حتى قتل فإن أراد
أولياء المقتول الثاني القود ومن قاتله فلهم ذلك وإن نزلوا إلى الدية كانت لأولياء المقتول خطأً وإن يكن المقتول الثاني له نشب غير الدية أخذ أولياء المقتول من ماله.
مسألة
[ أثر القود دون إذن الإمام ]
ومن سرق من حصن أو قتل قتيلاً فالتقاه رجل دون الإمام فقتله بالقتيل
أو قطع يده بالسرقة فلا يقتل به وإنما يعزر وقيل: يقاد به لأنه اعتدى« علي
ما ليس له وإن قتل دون الإمام بحد من حدود الله ليس على وجه القود فلا
يقاد لأنه ليس للإمام أن يعفو عنه وإن قتل على معنى القصاص أقيد به لأنه يحتمل أن يعفو عنه ولي الدم كما جاء في المسألة الأولى.
مسألة
[ تعذر وجود البينة ]
وإذا قتل ولي رجل وتعذر حصول بينه تشهد بقتله فله قتل الجاني سراً إذا صح معه وتيسر له ذلك، وأما السارق فلا يجوز للمسروق أن يقطع يده
ولو تيسر له ذلك.
مسألة
[ حكم الافتأت على الإمام ]
ومن قتل مرتداً أو زانياً محصناً أو قطع يد سارق دون الحاكم أن عليه التعزير لإقدامه على أنه ليس له في الحكم دون الإمام ولا قصاص عليه وهو رأينا.
مسألة
[ قاتل العشرة من يقتله ]
ومن قتل عشرة أنفس فأقاد نفسه لأولياء الدم فلا يحل لهم قتله ولهم أن يوكلوا وكيلاً بقتله ويقترعوا(1) لمن يلي قتله منهم فإن قتله أحدهم على غير
__________
(1) 1- القرعة: من أقرع -يقرع- قارعة... فلكل كلمة معنى أقرع أي قسم بين الناس
بالحظوظ، وقارعة مصيبة، قارعة الطريق، وهكذا وقد وردت في الكتاب والسنة. في
الكتاب قال تعالى { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وما كنت
لديهم يختصمون } آل عمران آية 44، وقوله تعالى { وإن يونس لمن المرسلين، = (9/40)
صفحة 1298
ما ذكرنا وللقاتل مال فيه شفعة لسائر المقتولين وإلا ألحقوا القاتل للقاتل
بتسعة أعشار الدية.
مسألة
[ اشتراك العدد في الجريمة ]
وإذا مات القاتل بعد أن أقاد نفسه فقد برئ على قول في ظاهر الحكم والله أولى بعباده في الدنيا والآخرة، وقيل: إنه يقاد لورثة المقتول الأول
وللباقين الدية هذا الاختلاف في المسألة الأولى. وإن قتل رجلان أو أكثر
رجلاً فإن قتلوه فتكاً قيدوا به جميعاً لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أن أهل صنعاء اجتمعوا على قتل نفس لقتلهم بها جميعاً وإنما
خصهم لكثرتهم(1).
مسألة
[ أثر اشتراك الحر والعبد في الجريمة ]
وإذا وقع القتل في ثائرة أو سبب غير الفتك فلأولياء المقتول قتل من شاءوا من القاتلين ويردوا الباقون على ورثة المقتول الدية إلا بما يتوب المقتول من
دية المقتول الأول.
وإن قتل حر وقن رجلان فإن قتلا به معاً ردوا على ورثة الحر نصف الدية وذهب القن بنفسه، وقيل: إن كان ثمن القن كنصف الدية أو ما دون ذلك
أو أكثر فإن كانت أكثر رد على سيده الفضل وإن قتلوا الحر دفع القن
لورثته إلا أن تكون قيمة ثمنه وإن كان ثمنه أقل من نصف الدية فليس على مواليه غير رقبته وعلى الحر نصف الدية أكثر من نصف الدية دية الحر
فالفضل لمواليه وإن قتلوا القن فإن كان ثمنه كدية الحر ردوا على سيده
نصف الدية.
مسألة
[ أثر موت الجاني قبل استيفاء العقوبة ]
__________
(1) = إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين } الصافات 139 - 141.
من السنة: في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله
-- صلى الله عليه وسلم -- لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا
عليه لا ستهموا» وغيره من الأحاديث.
1- قول عمر -رضي الله عنه-: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم» قال البخاري، وقال
مغيرة بن حكيم عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبياً، فقال عمر: مثله... ». (9/41)
صفحة 1299
وإذا أكلم رجل رجلاً عمداً فمات الجاني قبل أن يطلب ذوا الكلم أرش كلمه فإن مات الجارح قبل أن يبرئ المجروح فله الأرش وإن مات بعد أن
برئ المجروح ولم يطلب شيئاً فلا شيء له وإن كان خطأ فهو في ماله.
مسألة
[ أثر سريان الجرح حتى الموت ]
عن هاشم: إن من جرح جرحاً فعلى(1) المجروح ثم يموت أن عليه الدية ويهدم عنه القصاص بالعفو وكل كلم أحدث يه صاحبه حدثاً ككي أو بط
أو أشباه ذلك فليس له الأرش الجرح فإن لم يحدث ولم يزل يؤذيه حتى
مات فله الدية كاملة.
مسألة
[ جواز العفو في الصحة والمرض ]
وإن أحدث بالمصاب ألماً غير ألم الجرح فمات فليس له الأرش الجرح وإن عالجه بالدواء لا يبطل الدية وإن كان القتل عمداً جازت البراءة منه
ولا يجوز في قتل الخطأ. والعفو في العمد جائز في الصحة والمرض وإن
كان المجني عليه ذا دين في ذمته فإن كانت الجناية عمداً فله ولورثته من بعده
أن يعفوا عن الجاني وإن كان خطأ فلا يجوز عفو ورثته من بعده لأن الأرش مستهلك في الدين. وإن كان على المصاب دين وقبل ورثته الدية قضي دينه فإن عفا أولياؤه عن الدية جاز عفوهم .والصلح في الجروح جائز عمداً
كان أو خطأ وفي الخطأ اختلاف.
مسألة
[ الصلح على الأقل ]
وإذا وقع الصلح على دراهم أقل من قيمة الأرش ففي جوازه اختلاف في الخطأ وإن كان على عروض فجائز في الخطأ والعمد ولو نقص ثمن
العروض عن ثمن الأرش.
مسألة
[ الرجوع عن العفو ]
ومن دلق عرب عصبة على ذي طفولية فأكلمه فعفا أبوه عن
القصاص وأرش الكلم فلما أن آنس رشد الطفل أبى عفو أبيه فإن
القصاص يهدر وله أرش الكلم وإن آنس ولم يطلب فهلك فليس لورثته
حجة في قصاص ولا أرش.
مسألة
[ وصية المقتول ببراءة القاتل ]
عن أبي المؤثر: وإذا قتل رجل رجلاً عمداً فأبرأ المجني عليه الجاني من
دمه قبل النزع وأوصى له بديته فهو أولى بدم نفسه وليس لأوليائه قول ولا
__________
(1) 1- الأولى أن تكون: فعفا المجروح. (9/42)
صفحة 1300
دية وإن قتله خطأ وكان ديته كثلث ماله أو أدنى جاز عفوه وإن أوصى بوصايا تنموا على الثلث حاصص الوصايا بديته في ثلث ماله، إن يكون
رجل له أربعة وعشرون ألفاً وديته اثنا عشر ألفاً فذلك ثلث ماله وماض
عفوه ووصيته إذا كانت الوصية لسوى الوارث ولا تبعة عليه للورثة، وإن
كان مال المقتول اثنا عشر ألف درهم وديته كقدر ماله ثبت للمعفى فعفا عنه أو الموصى له ثلث بجميع وهو ثمانية آلاف وعليه اثنا عشر ألفاً فيرد على
الورثة أربعة آلاف وهكذا الحساب قل أو كثر.
مسألة
[ حكم الجراح الخطأ ]
وإذا جرح رجل رجلاً فعفا عنه وادعى أنه جاهل بما يستحقه
من الأرش فرجع فلا رجعة له بعد العفو. قال أبو المؤثر: إذا كان
جرحه عمداً فلا رجعة له وإن كان خطأ فله الرجعة إن لم يحد له
قيمة ويعلمه.
مسألة
[ وصية المقتول مقبولة لقاتله ]
عن أبي زياد: ومن قتل عمداً فأوصي له بثلث ماله وأبرأه من دمه فقال: يبرأ من الدم والوصية له جائزة والهبة والصدقة والعفو والحل والترك
والبراءة في العمد جائزة وفي الخطأ فيه اختلاف، والأصح أنه لا يجوز وأما
إذا قال له: عفا الله عنك فله المطالبة بالجرح وإن قال: قد عفوت عنك
فهو عن القصاص وله الدية إذا عزب عليه علم قدر جرحه وإن علم
ثبت عفوه والقول له أنه لم يعلم.
مسألة
[ حكم القسامة ]
وإذا وجد القتيل في قرية وعزب عليه علم قاتله فديته موزعة على أرباب تلك القرية لورثته بعد أن يحلف خمسون رجلاً من صلحاء أرباب القرية
أنهم ما قتلوه ولا علموا قاتله ثم تكون الدية على جميعهم، ومن أبا أن
يحلف لزمته الدية وحده في ماله(1).
مسألة
__________
(1) 1- هذا ما يعرف بالقسامة: والقسامة هي: الأيمان المتكررة في دعوى القتل التي لا
يكون فيها دليل. وهي أيمان خمسون يميناً يحلفها أهل المحلة التي كان فيها القتل، أو
يحلفها أولياء الدم. على اختلاف الفقهاء في ذلك انظر شرح حدود بن عرفة
2/645، 626، وانظر العقوبة لأبي زهرة ص548 . (9/43)
صفحة 1301
[ العثور على القتيل بين قريتين ]
وإذا وجد القتيل بين قريتين فالدية على أهل القرية الأدنى إليه ولا أيمان على أهلها، وإذا لم يكن بالقرية إلا رجل واحد حلف خمسين يميناً ثم
يؤدي الدية، وإن يك في القرية دون الخمسين كرر ما بقي من الأيمان على خيارهم وإن كانوا بها يزهو عن الخمسين فليس لهم أن يكرروا عليهم
اليمين وإن لم يكن أحد أقرب للقريتين فديته على أرباب القريتين بعد أن
يحلف من صلحاء كل قرية خمسون رجلاً يختارهم أولياء المقتول وإذا لم
يوجد في الميت حدث فهو ميت لا قسامة فيه.
مسألة
[ العثور على القتيل في بيت شخص بعينه ]
وإذا وجد القتيل في دار إنسان فديته على رب الدار وهي على عاقلته
إن كان رب الدار ساكناً بها وإن كان ساكنها غيره فالدية على الساكن،
وإن كان هو وغيره فالدية توزع بين الساكن على عددهم ومن وجد
مقتولاً في السرب أبيه أو شبله أو الحليلة في دار حليلها فديتهم على
عواقلهم، وأما إن وجد قتيلاً في سرب فلا دية فيه على أحد يعلم قاتله،
وقيل: ديته على عاقلته.
مسألة
[ وجود القتيل في سرب ذمي ]
وإذا وجد القتيل في سرب ذمي فالدية على عاقلته وإن وجد على ظهر دابة فلا دية فيه على أحد إذا كانت تجوبه مهمهاً وإن كانت تجوب به قرية فديته على ذي القرية أو المحلة، وإن كان في سفينة فعلى راكبها.
مسألة
[ العثور عليه في فلاة أو بحر ]
وإذا وجد القتيل في جدول أو نهر صغير لأناس معروفين فعلى أولئك
وإن كان في نهر عظيم أو دجلة أو خضم فلا دية فيه وإن وجد في فلاة أو ميقات مهمهة أو داوية فلا قسامة فيه.
مسألة
[ العثور عليه في السوق أو عرفة ]
وإن وجد بسوق المسلمين أو جامعهم أو في الزحام في عرقة فديته في
مال المسلمين وقيل: فيه القسامة على أهل البلد وإن وجد في دار عبد فعلى عاقلة سيده، وإن وجد في دار ذوي يتم سكنها سواهم فلا شيء على
أولئك وإذا وجد عضو من القتيل في دار أو قرية فلا شيء فيه حتى يوجد (9/44)
صفحة 1302
أكثر من نصفه ولو وجد رأسه حتى يكون مع الرأس أكثر من النصف. وإن ادعى أولياؤه على غير أرباب المحلة برئ أربابها ودعوا بالبينة على المدعين
وإن اتهم ولي المقتول رجلاً فسجن ثم قال: لا أدري من قتل صاحبي ورام القسامة فانهدرت القسامة بمثل هذا.
مسألة
[ الشهادة على القتل ]
وإذا قال ولي الدم: رأيت فلاناً قتل فلاناً ممن يلي دمه ثم رجع إلى غيره
فلا رجعة له وعلى الإمام والقاضي ما على سوام من أرباب المحلة من
القسامة والأيمان، وقيل: يهدر عنهما ذلك وإن شهد عدلان من أهل
القسامة على قاتل بعينه جازت شهادتهما.
النهج الثاني عشر
فيما يجوز للولاة والشراة وما لا يجوز
النهج الثاني عشر
فيما يجوز للولاة والشراة وما لا يجوز
مسألة
[ مسائل في الضمان لبيت مال المسلمين ]
وقيل: لأنهما يدفعان عن نفسهما مغرماً وجبت عليه ضمان لبيت مال المسلمين، والعروض هل يجوز له أن يقاصص بالدراهم مما له من الأجرة في مال الله؟ فإنه ينظر الأوفر لبيت المال ليخرج منه الشبهة فإن كانت قمية العروض وإن لزمه الضمان أكثر قومها أيان ذلك وإن كانت أوكس أخرج وجاز.
مسألة
[ وجوب تسليم الأموال لبيت المال ]
ومن لزمه ضمان دراهم لبيت المال سلمها دراهم بعينها أو من ينوب
منابه وإن قبض أجرته وسلم ما لديه فهو أحسن.
مسألة
[ حكم الإمام على الرعية ]
وإذا آل نظر الإمام أن يحجر على رعيته حمل السلاح وأمر الوالي بذلك
حل له أن يحكم على القادمين من الغرباء كحكمه على رعيته، وأما
الداخلون الدار إذا قاموا المدة الحقيرة فلا يضيق العفو عنهم وأما الماكث المطمئن فجائز أن يحكم عليه بترك حمل السلاح.
مسألة
[ حكم متاجرة الشاري بالسلع ]
وهل يجوز للشاري كان مدافعاً غير مبايع أن يتجر ويسلف ويذخر
السلع؟ فإذا لم يشتغلوا عن أمر المسلمين وعملهم ولم يستوهبوا أحداً فلا
بأس عليهم.
مسألة
[ مزابنة الولي على أمر النخاس ] (9/45)
صفحة 1303
عن الشيخ صالح بن مسعود(1): وهل للوالي أو من ينوب منابه أن يزابن على أمر النخاس سبعة من العروض لبيت المال إذا رام شراء شيء أو يوكل أجنبياً؟ فإنه يوكل أجنبياً من غير أن يعلم الدلال أنه بزابن لمن سلم له المتاع
ولا يجوز أن يزابن لنفسه ولا لمن وكله.
مسألة
[ عز ل الولي ومهمة الولي الجديد ]
وإذا ولى الإمام والياً على قرى متفرقة وأمره بقبض الصدقات والتصرف وفي إدخال من أراد إدخاله وإخراج من أراد إخراجه من العسكر ففعل ما
أمر تم عزل وجرد فقدم الإمام ثقة سواه لقبض ما كان في كفه حواه فامتثل
ما أمر وازدجر عن ما عنه زجر فقدم القادم غير الثقات لتصرف الدولة
وجباية الصدقات فلا بأس على العامل الخارج إذا لم يقصر في حفظ أمانته
ولم يخن ولم يستعمل خائناً وما على المحسنين من سبيل.
مسألة
[ مدى جواز جبر الأمة على التبرع ]
وإذا ادلهم المسلمين أمر فاحتاجوا التجهيز غرم على عددهم فأبى أربابها أيجوز للقائم جبرهم على ذلك؟ فنعم جائز جبرهم بالأجرة وجبر البحرية
على ذلك إذا تعذر دفع العدو بغير ذلك.
مسألة
[ كيفية تنفيذ أوامر الولي العام ]
وإذا ولى الإمام والياً على قرية وأمره فيها بأوامر ثم أردفه بولاية قرية أخرى ولم يأمره فيها بما أمره في الأولى عزله عن الأولى أو لم يعزله هل
يكتفي بما سبق له من الأمر؟ فإذا أجاز له إجازة مطلقة فلا يحتاج إلى
تجديد إجازة وإن حد له في الأولى فلا يجوز له أن يدخل في الثانية إلا
بأمر محدود.
مسألة
[ حكم إجازة الإمام للوالي ما أجاز لنفسه ]
وإذا قال الإمام للوالي: قد أخرتك في مال الله ما أخرت لنفسي بالحق،
فقبل: الوالي ذلك فلا يجوز للإمام أن يجيز للوالي ما أجازه لنفسه حتى
يكونا عالمين بما يجيزه له فإذ كانا بهذه المنزلة جاز لهم ذلك.
مسألة
[ حكم الدفع لأبناء السبيل ]
__________
(1) 1- صالح بن مسعود: لم أعثر له على ترجمة. (9/46)
صفحة 1304
وجائز للوالي دفع ما شاء دفعه لمستحق يرى منه المصلحة للمسلمين وابن أبناء السبيل، ومن سمى ذوا العزة في التنزيل ولو لم يأمره الإمام بذلك
يحجره عليه على الأصح لأن لهم حقاً في مال الله.
مسألة
[ الاجتهاد في القتال ]
وإذا أمر الإمام أميراً علب حرب باغ فخرج وصادم ثم توخ الصد من بحرق الدور ولم يعلم من بها فهل يجوز ذلك؟ فلا يجوز له على هذه الصفة.
مسألة
[ مدى دفع أموال المسلمين للمحاربين ]
وإذا أمر الأمام الوالي بحرب باغ وقراع طاغ فوكل ثقة على آلة المسلمين صح له أن ما يعطيهم من باروت ورصاص يزيد على مئونتهم فأراد أن ينفق عليهم بالمعروف فأبوا وكان لا يقدر على نكاية العدو إلا بهم، فإن دفعه لهم على سبيل الأجرة جاز وأما دفع مال الله فلا يجوز إلا بواسطة ثقة أمين وإن كان أمرهم غالب على أمره فالكف عن الدخول في أمرهم أوفى وأحق.
مسألة
[ زيادة أجرة الشراة ومساعدتهم ]
وإذا كان في الشاري زيادة تقع على المسلمين دون غيره جاز للوالي أن يبرّه بما يستحق من مال الله فوق أجرته ويستحب له أن ينوي بعمله لله لا لغرض الدنيا ونمو أخطامها وإما الظفر هين به أعداء الله وأعداء المسلمين أو شهادة يبلغ بها درجات المكرمين.
مسألة
[ حكم جبر الإمام العمال على غير عملهم ]
وهل يجوز للوالي جبر عماله على البروز إلى بعض القرى إذا احتاج
لمنافع المسلمين؟ فإن كان الإمام أرسل إليه وأمرهم بطاعته وفوض له الأمر فيهم فجائز له جبرهم على ما فيه الصلاح وإلا فلا يجوز مجاوزة ما حد له الإمام فيهم.
مسألة
[ تعين من تطيب نفسه بالشراء ]
وإذا احتاج الوالي لقضاء حاجة من شراء علف أو غيره جاز له أن يأمر على من يطيب نفسه من العمال وأما أن يخرجهم من قريتهم لصلاح نفسه
ولم يكن في خروجهم صلاح للمسلمين فلا.
مسألة
[ الاعتراض على حكم الإمام ] (9/47)
صفحة 1305
وإذا أمر الإمام بقتل رجلا أو تعزيره أرأيت إن احتج المأمور بقتله أنه له حجة تدرأ عنه القتل فإن كان على وجه الحكم من الإمام جاز للوالي امتثال الأمر ويستحب الأخذ بالوثيقة والدماء والفروج وإن سأل الانتظار انتظر
حتى يتضح أمره وإن اعترف بحكم الإمام عليه قتل بحكم الإمام العادل.
مسألة
[ مطالبة الخصم الإنصاف ]
وأما إن طلب الخصم الإنصاف من الإمام مع المسلمين أجيب إلى ذلك على رأي بعض ما لم يمكنه أول الحكم، على بعضهم جعل الإمام مصدقاً
في ذلك وتهدر حجة الخصم ولا ينبغي الإقدام على إتلاف النفوس إلا
بحجة واضحة تزيح وحر الشكوك.
مسألة
[ موقف الوالي من درء الحد ]
وإن عزره الوالي أو بخعه على الجهل منه هل يجب عليه حداً وقتل إذا
ادعى الخصم أوله حجة تدرأ عنه الحد فإن كان المأمور به بالغاً عاقلاً مكلفاً وادعى ما ذكرت قبل إيقاع الحد عليه فاعتدى عليه المأمور ولم يحتمل
للمأمور وجه صواب في فعله من رأي المسلمين وتأويلهم فلا أمر عليه
الضمان إذا قدم بغير حجة ولا برهان، وإذا أخطأ لضمانه في مال الله وإذا
رام البحث عن السؤال بواسطة طرس فجائز له أن يزمره في قرطاس بيت
المال وإن شاوروا الإمام في ذلك فأحوط له ولو نطق به الأثر لم يوضحها والمشاورة أقمن وأحرى.
مسألة
[ تصرفات الوالي المأذون فيها ]
وإذا أجاز الإمام للوالي ما يجوز له أن يجيزه له في مال المسلمين أو
قال: أبحتك في مال المسلمين مما أبحته لنفسي فقد جاز له جميع ما فعل
بالحق وجائز للوالي إعطاء الفقير وابن السبيل ومن له حق في مال الله من
غير تبذير.
مسألة
[ تصرفات الوالي دون إذن الإمام ]
عن الشيخ محمد بن المسبح(1): للوالي أن يعطي المستحقين من مال الله
على قدر استحقاقهم ولو لم يأذن له الإمام ما لم يحجر عليه لأن لهم حقاً
__________
(1) 1- محمد بن المسبح: والده المسبح بن عبد الله من قرية هيل قريباً من سمائل، وعلماء
عُمان. انظر قاموس الشريعة 8/362. (9/48)
صفحة 1306
في مال الله وإذا شاور الإمام فأحوط.
مسألة
[ الاقتداء بأهل العلم من الولاة ]
وإذا ولي الإمام والياً على قرية وكان بها وال عالم فقيهاً هل يجوز له
التأسي به والجري على منواله فيما يعينه إذ هو عالم وهذا الثاني قليل العلم؟
أما على سبيل الفتيا فجائز له أن يقفوا أثره وأما على التفكير فلا.
مسألة
[ تصرفات الوالي بناءاً على الشهادة ]
وإذا شهد عند الوالي أن الوالي الذي قتله حجر على بني فلان ولوج
الدار لسوء صنيعهم فإذا كان المنفون لهم أصل في الدار فلا يجوز نفيهم ويؤخذوا بقدر ما جنوا وإن لم يكن لهم أصل جاز نفيهم إذا تسنموا الباطل وهو الأصح.
مسألة
[ أثر الديون على الوالي القديم ]
وإذا عزل الوالي وعليه حق من أجرة العسكر وولي قرية أخرى هل يسعه السكوت عنهم؟ فإذا استأجر لهم أن أجرتهم في بيت المال فعليه أن يجتهد
في تسليم حقهم بحسب طاقته وإن لم يوضع لهم الأمر أن أجرتهم في بيت
المال فضمانتها عليه.
مسألة
[ حكم تشاغل الوالي عن أداء الحقوق ]
وإذا تعذر على الولي أداء ما لزمه فوراً لتشاغله بأمر المسلمين وإن كان ذلك أقوى للدولة وإن كان للعدو وأرحى لصلاح الإسلام دان الله
بالخلاص مما يلزمه واجتهد في فك رقبته.
مسألة
[ إشعار الإمام بما ترك الوالي ]
وإذا ولى الإمام والياً وجعل وكيلاً سواه لقبض مال الله والتسليم أجرة الشراة ودفترهم ومحاسبتهم ثم عزل الوالي هل عليه ضمان ما توى من حق
الله والعباد؟ فعلى الوالي إعلام الإمام أو الوالي بما عليه من تبعة أن لزمه
شيء من التبعات ولا يضره ما لزم غيره.
مسألة
[ ولاية بيت المال ]
وجائز للوالي كتاب المدرة في قرطاس بيت المال للشاكي ولو لم يشاور الإمام لأن ذلك صلاحاً للمسلمين وتقوية للدين.
مسألة
[ صلاحيات الوالي في بيت المال ]
وجائز للوالي أن يسقط الحقير من مال الله عند البيع والشراء إذا حاذر تعلق ذلك بذمة متحنف كالفلس وما دونه وما يشبهه.
مسألة
[ ضيوف الوالي ] (9/49)
صفحة 1307
وإذا نزل الوالي ضيف أمر له بالطعام هل يجوز له الأكل معه وإن أكل
هل يضمن؟ فإذا كان للوالي أجرة في مال الله فعليه ضمان ما أكله في ماله.
مسألة
[ حكم البغاة وقطاع الطرق ]
ومن شهر أمره من العامرية بقطع السبيل وقتل الأنفس وسلب الأموال وهم أخراب متفرقة إلا أنهم مجتمعون على الفيء والعبث هل يجوز لنا قتل
من قدرنا على قتله منهم إذ هم يدام ندعوهم؟ فلا يجوز القتل بغير دعوة رؤسائهم أن يفيئوا إلى أمر الله فإذا أبوا قتلوا.
مسألة
[ الفرق بين خروج المسلمين على بعضهم وخروج الكفار ]
وإذا خرج على المسلمين عدو فلا دعوة له وإن خرج عليهم المسلمون لزمت الدعوة وجائز للمسلمين مبايتة عدوهم إذا رجوا الظفر بذلك.
مسألة
[ إخبار الوالي عن البغاة ]
وإذا جاء للوالي فاسق بنبأ أن بني فلان البغاة بمحل كذا وإنهم راموا
سفك دمه أو سلب نشبه جاز له أن يجهز عليهم إذا لم يرتب فيما فاه به.
وإذا أسر الباغي مسلماً هل يجوز مبايتته وإن جاز وأصاب الأسير ضرر
فعلى من ضمانه؟ فنعم ذلك جائز وأما ما أصاب الأسير فحكمه خطأ وهو
في مال الله.
مسألة
[ استعداد الولي للبغاة ]
وجائز للوالي أن يجهز لهامة ويقري للعدو هامة ويزود عسكره من مال
الله وإزاحة ضرر المفسد سيما إذا كان مع المفسدين أسارى من المسلمين أو نشب سلبوه بغير حق مبين ويحل له قتلهم وأتباعهم.
مسألة
[ تأمير الوالي أميراً على سرية ]
وإذا أمر الوالي أميراً على سريته لقتل من بغى عليه في معلومة جاز له أن يبيتهم بعد الدعوة إلى الفيئة وإبلاغ الحجة.
مسألة
[ كيفية الإنفاق على الجند ]
وإذا جعل الوالي رجلاً ينفق على جيشه هل يجوز له أن يؤدمهم باللحم؟ فنعم جائز له ذلك بغير إسراف.
مسألة
[ حكم دخول الجند أملاك الناس ]
وإذا جهز الإمام خميساً(1)
__________
(1) 1- خميساً: الخميس: الجيش. وجاء في حديث خيبر: محمد والخميس» سمى به لأنه
مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل لأنه =
= تخمس فيه الغنائم. ومنه حديث عمرو بن معدى كرب «هم أعظمنا خميساً وأشدنا
شريساً». انظر النهاية في غريب الحديث والأثر 2/79. (9/50)
صفحة 1308
عرموماً على باغ وتعذر نزولهم في غير
أملاك الناس أو رام أبناء عز لأصحابه فلا يجوز له ذلك إلا بأمر
أرباب الأملاك.
مسألة
[ تصرفات الوالي في بيت المال ]
وإذا كانت على الشاري فضلة لبيت المال هل للوالي أن يدفعها له؟ فإذا كان مأذوناً له في مثل ذلك وأبيح له إباحة مطلقة ممن تجوز إباحته له جاز
وإلا فلا.
مسألة
[ متى تقطع أجرة الشاري ]
وإذا ضرب الشاري في حاجته وترك عمل المسلمين جاز للوالي أن يقطع عليه من أجرته بقدر ما غاب.
مسألة
[ حكم مخالفة أمر الإمام ]
وإذا كتب الإمام للوالي تسليم حق لأحد وهو كذا فلم يمتثل ظناً منه أن الإمام لا يسوؤه رد طرسه وعصيان أمره أو كان لا يعرف حامل الكتاب إما من الإمام فلا يجوز رده إذا علم صلاح ذلك، وأما إذا عزب عليه علم
المأمور له فلا يجوز له أن يسلم له إلا بصحة معرفته وأما ظنه بالإمام أنه
يسره أن يخلف وعده فحاشا لأئمة المسلمين من ذلك.
مسألة
[ كيفية تصرف الوالي في الأوامر المطلقة ]
عن الشيخ خميس بن رويشد بن روشيد(1): وإذا أمر الإمام والياً على جيش لمحاربة باغ وأعطاه مؤونة جيشه ولم يوضح له الأمر بفعل كذا أو الكف عن كذا فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقاتل من بغى على المسلمين وينفقوا المال في إصلاح الدولة على رأيه ورأي من حضر من ذوي الرأي.
مسألة
[ حكم قاتل البغاة ]
وإذا علم الوالي أن البغاة جهزوا جيشاً على المسلمين وإنهم بمحل كذا وقاتل: البغاة يقتل بلا حجة.
مسألة
[ مدى جواز قبول كلام الجبار ]
وإذا علم الوالي بغير ثقة أن الجبار قتل وسلب أيجوز قبول قوله أم لا؟ فاعلم أن الشهرة التي يكذب مثلها في الولاية والبراءة مقبول قولها إذا
صحت حجته بالإجماع.
مسألة
[ حكم الأمر بالمعصية ]
وإذا سلب نشب أمره جبار أو سارق ولم يرفع أمره إلى الحاكم فعلى
__________
(1) 1- الشيخ خميس بن رويشد بن روشيد: لم أعثر له على ترجمة. وأعتقد أن ابن روشيد
مكرر من الناسخ. والله أعلم. (9/51)
صفحة 1309
أولي الأمر الإنكار عليهم الفاعلين إذا تيقنوا ذلك ولم يرفع لهم المجني عليه.
مسألة
[ أثر عودة الشاري من السفر ]
وإذا آب الشاري من سفر عند الوالي هل يجوز أن يرخص له أن يكون عنده المدة اليسيرة كاليومين والثلاث؟ اشترطوا عليهم أو لم يشترطوا فهذا
لا يضيق في أيام الأخيرة.
مسألة
[ حكم التوسعة على الشراة ]
وإذا رأى الوالي زيادة منفعة من أحد الشراة للمسلمين فلا يضيق عليه أن يوسع لهم فوق أجرتهم لأنه يوجد في الأثر من قام بكفاية اثنين أعطي أجرة اثنين وكذلك الثلاثة.
مسألة
[ أثر غيبته الشاري عن حقه ]
وإذا كان للشاري حق في مال الله وغاب أعلى الوالي الخروج إلى
حيث توجه حقه أم لا؟ فلا يلزمه الخروج ليسلم أجرة الأجراء فإن أوفوا
سلم ذلك لهم أو لوكلائهم ولا أشهد لهم على حقهم وأثبته لهم.
مسألة
[ حكم استأجر الوالي شارياً ]
وإذا استأجر الوالي شارياًَ لا يعرفه ورسم اسمه أنه فلان ابن فلان بإملائه
ثم غاب وآب ورام أخذ حقه فإذا اطمأن قلب الوالي أنه هو جاز تسليم
أجرته وهكذا يجري كثير من المعاملات.
مسألة
[ كيفية التعامل مع الحكام ]
وإذا رام الوالي تجهيزه لهام واضطر إلى حمل العسكر والزانة أو لأكل
في البحر هل له ذلك؟ فمثل هذا لا يكون إلا بنظر الإمام وينبغي للإمام أن يصرح الأمر للوالي غاية التصريح ويزيح شكوك الإبهام والتلويح.
مسألة
[ خروج الباغي على المسلمين ]
وإذا خرج الباغي على المسلمين فجائز للوالي ردعه ومحاربته ولو لم يستأذن الإمام وبين الخارج والمخروج عليه بون فمن كفى المسلمين شره
أقروه على حاله، والإمام مطلق له الأمر ما لم يطلق لغيره في الخطأ في مال
الله والأحكام وغير ذلك.
مسألة
[ تعذر وجود أهل الاستقامة ]
وإذا تعذر على القائم حصول عمال من أهل الاستقامة هل له استعمال (9/52)
صفحة 1310
القوم؟ فنعم تجوز الاستعانة علي غير الأحكام بصالحي قومنا في مثل الزكاة والحرب وما كان من جهة الرسالة ما لم تصح خيانتهم وتصح عداوتهم.
مسألة
[ حكم بغي الكتابي على المسلم ]
وإذا بغى الكتابيون على المسلمين امتنعوا في معاقلهم هل لنا نختال في الاستيلاء عليهم بمثل المسكرات إذا مزجناها لهم في الأطعمة وأولمنا لهم
الولائم؟ فإن جاز فبعد الحجة.
مسألة
[ حكم غيبته المتحنف عن العسكر ]
ولا تجوز غنيمة المتحنف ولو كان في عسكر المشركين وإنما جوزوا ذلك في عبده الأصلاب(1) خاصة، ولا تجوز غنيمة أموال الموحدين وحكم من عندهم الكفار ساكنين كاليهود وغيرهم كحكمهم إذا شدوا على أعضائهم وقووهم
ولم يقاتلوا، والأصح أن من رفع يده على القتال معهم أن لا يقتل للاحتمال.
مسألة
[ الإنفاق على الثغور ]
وفي الرعية إذا كانوا أرباب بادية وهم يسكنون المهامهة والقفار
ويجوبون الصخور الطوال الغرار(2) إذا رموا من أولي الأمر أن يجعلوا
معهم من يجمعهم من مكائد الأعداء فعلى الإمام والوالي الذود عن الرعية
باغ والذب عن حريمهم ولا يكلف فوق طاقته الذب عنهم وعليه دفع
الظلم عنهم.
مسألة
[ حكم جبر الوالي الرعية على القتال ]
وهل للوالي جبر الرعية على الحرس إذا حاذر صولة باغ وإن جاز فعلى أرباب الأموال أم على الساكنين من الرجال فهذا إلى نظر الإمام فإن رأى جبرهم صلاحاً لم يضق عليه فعل ما يصلحهم في أنفسهم وأموالهم.
مسألة
[ وجوب صرف الضرر عن الجوار ]
عن الشيخ خميس بن سعيد(3): ومن نكح بضة من سوى داره وسكن الدار وتأصل دوراً وعقاراً وكرهوا جواره ورامه إخراجه وترافعوا إلى ولي
الأمر فلا يجوز للقائم نفسه وعليه ما جنا فإلى نظر الحاكم القائم وإذا لم يصرف ضرره عن جيرانه عوقب بما استحق.
مسألة
__________
(1) 1- أعتقد أنها: عبدة الأصنام.
(2) 2- ويجوبون الصخور الطوال الغرار: الأصح: ويجوبون الصحارى الطوال الغرار.
(3) 1- الشيخ خميس بن سعيد: لم أعثر له على ترجمة. (9/53)
صفحة 1311
[ جبر الرعية على الحراسة عند فقر بيت المال ]
وإذا لم يكن في بيت المال سعة لاتخاذ العسكر للذب عن العباد والبلاد
جاز للوالي جبر الرعية على حرس دارهم عن هجوم عدوهم عليهم على
بعض القول وهو الأصح.
مسألة
[ مواساة ابن السبيل من بيت المال ]
وجائز للوالي مواساة ابن السبيل من مال الله إذا كانوا مقترين ولو كانوا في دورهم مثرين إذا عجزوا عن مون أنفسهم بنشب ويختالون بسبب.
مسألة
[ تصرفات الوالي في المواساة من بيت المال ]
وإذا ترافع الخصوم إلى الوالي من دار قاضية جاز له مواساتهم من مال
الله إذا كانوا مقترين وإن كانوا مثرين فحتى يكونوا معاً حذر أن يدخل
الجفا على من تخلف منهم.
مسألة
[ ضمان الوالي لأموال بيت المال ]
وإذا تلف شيء من مال الله من سبب وكيل للدفتر غلطاً كان أو نسياناً
أو عمداً مع الشراة أو غيرهم هل عليهم ضمان؟ فأما من جهة الغلط مردود وأما من جهة النسيان ولم يستطع استرجاعه فينبغي للوالي أن يدفع له من
مال الله بقدرة ليبرئ ذمته لأن الإنسان موكل به النسيان وإن تعمد ضمن
في ماله.
مسألة
[ حكم التعويض من بيت المال ]
ومن زرع زرعاً لبيت المال على نظر الصلاح فعاق أو توى فلا ضمان عليه إذ هو محسن وما على المحسنين من سبيل.
وإذا سأل الوالي الإمام شيئاً من مال الله فأبى فسأله من الوالي الأكبر فأنعم هل يحل له؟ فإذا سأله ما يجوز له أن يسأله برأي الإمام جاز وإلا فلا يجوز للسائل ولا المسؤول.
مسألة
[ حكم أكل الوالي من بيت المال ]
وإذا دفع الوالي من الصراف من مال الله لبعض الناس الحاضرين في
مجلسه ونيته أن يأكلوا معاً هل يحل للوالي الأكل معهم إذا دفعوا إليه شيء
منه؟ فالتنزه عن مثل هذا للوالي أفمن(1) لما روي عن أبي بكر الصديق
رضي الله عنه أنه قال: كنا نترك سبعين باباً من الحلال خوفاًَ أن نلج في
باب من الحرام.
مسألة
__________
(1) 1- أفمن: هكذا في الأصل. والمعنى فالتنَزه عن مثل هذا للوالي أفضل. (9/54)
صفحة 1312
[ مقدار ما يقطع عن الشاري ]
وإذا تخلف الشاري عن عمل المسلمين جاز للولي أن يقطع عليه بقدر
تخلفه ويتسحب أن يوضح لهم ما يستقطعه عليهم ليكونوا على بصيرة
من أمرهم.
مسألة
[ ضمان ولي الأمر ]
وإذا رام أولو الأمر الحل من أخذ من الرعية من ضمان مجهول أو معلوم فلا نحب لهم طلب ذلك من الرعية وإن بدءوهم بالحل من غير مطلب ولا
تقية فعلى قولهم.
مسألة
[ جواز تعلق الدين بذمة الأول ]
وهل على الوالي القيام على الوالي الذي قبل أن يعرفه بما عليه في الدفتر لبيت المال كره أو رضي الوالي الأول أم غير مخاطب بذلك؟ وإنما ذلك
على الوالي الأول إذ هو متعلق بذمته.
مسألة
[ متى يستحق الوالي الأجرة ]
ومن جواب الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان
رحمه الله: وإذا عقدت الولاة على وال على بلد فقبلها متى يستحق
الأجرة فيستحق الأجرة حين عقدت له الولاية وقبلها: لا.
مسألة
[ ما يقوم المجوس ]
وهل يجوز للمجوس عمل الصنيعة؟ فنعم لا يمنع من ذلك للترفق بما
يصلحه كان مثراً أو مقتراً ولا بأس عليه.
مسألة
[ أثر العفو عن المحبوس ]
وإذا استحق أحد الحبس على خراب دابة أو غير ذلك وكان ذا قربة من الوالي ولم يكن فعفا عنه هل يسعه ذلك؟ فإذا أهدر حبسه من أجل دنو
نسبه منه فلا يجوز إذ هو حيف وميل وعليه التوبة والندم والاستغفار، وإن
ترك حبسه نظراً منه للصلاح جاز له ذلك وإذا رجا منه أن يردعه الزجر.
مسألة
[ إقرار الوالي بالولد ]
وإذا وضعت قينة ولا بعل لها ولا سيد إلا أنه لم يقر باسيراً بها أو أقروا
في الاعتبار أنه يريد براءتها من الحبس فإقرار السيد هنا بالولد جائز ويلحقه بنسبه ويرثه وعلى الحاكم الكف عن التفتيش لأحوال الناس حتى يتضح
الأمر الجلي، وإن لم يقر السيد بالولد ولا بعل لها جاز حبسهما وإذ ضرب الوالي حاجاً استخلف على رعيته نائباً بدون أجرته وعليه أن يستخلف (9/55)
صفحة 1313
على رعيته مرضياً في دينه لأن الوالي إذا لم يعزله الإمام فهو على ولايته
ضرب وأقام.
مسألة
[ حكم تقسيم التركة ]
وهل يجوز للوالي دفع شيء من أنهار الغوائب لمن لم يعرف ثقته من
القبائل لمصالحهم إلى مدة أو ما دامت دولة المسلمين قائمة على نظر الصلاح فلا يجوز تمليك الأرض الموقوفة بالمغارسة فجائز إذا كان صلاحاً كأراضي الصوافي والمساجد والغوائب.
مسألة
[ نفقة السفر وعلى من تكون ]
وإذا سافر الوالي سفراً جاوز فيه الفرسخين في إصلاح نفسه هل يجوز
له أن ينتفع بشيء من مال المسلمين كتسنم دابة أو نفقة؟ فلا يضيق عليه
ذلك وأحب أن يكون برأي الإمام.
مسألة
[ أخذ العامل حقه ]
وقد ورد في الأثر عن أولو العلم والبصر أنه إذا اعترى الوالي نصب
أقعده من عمله جاز له أخذ ما جعل له من الأجرة في المدة الموصوب بها
وربما يكون نفعه للمسلمين في سفره أكثر من نفعه في وصبه ونصبه.
وهل يجوز للوالي حفر نهر من الغوائب من مال الله إذ توخى الصلاح للمسلمين؟ فالذي يعجبني لهذا أن لا ينفق مال الله على الظن ولعل لم
يحصل من النهر منفعة.
مسألة
[ متى توضع الزكاة في بيت المال ]
وهل يجوز للوالي أن يجعل ما يلزمه من زكاة ماله أو تعلق ضمان عليه لبيت المال في مال الله أو في من يجب له؟ فإذا كان في زمن الأئمة قبضه
ثقة من المسلمين ويرده عليه ليجعله حيث أمر الله وإن فعل فيه كما أمر الله وأعطاه لمستحقه جاز وبرئ عند الله.
مسألة
[ إعطاء من بيت مال المسلمين للمسترفد ]
وإذا قدم على الوالي مسترفد من غير بلده ورام منه شيئاً من مال الله
لفقره فاستحى منه فأرفده ونية الوالي أن يواسي بمال الله فقراء رعيته فلا
يضيق ذلك على الوالي وإن أعطاهم من الغوائب فأحسن.
مسألة
[ مسائل في الشراة ] (9/56)
صفحة 1314
وإذا سكن المجذوم(1) مرثاة فأذى منه أهل البادية وأرادوا ردعه من أن يرد مواردهم فأبى الوالي ردعه ومنعه بما أمكنه ولا يحار إلى مخالطة الأصحاب في دورهم ومواردهم. وإذا كان الشراة من مكان المهامهة والقفار خرجوا إلى أوطانهم أيان الرحى منتظرين الأمر وحد الحاجة فإذا لم يكن في تلك الحال
حاجة للمسلمين ومهما بدت الحاجة أسرعوا إلى الإجابة وهرعوا فلا يضيق
ذلك على الوالي ومن كانت أجرته على التأليف الإجازة لا تقطع عليه إذا غاب.
مسألة
[ فرض النفقة من بيت المال ]
وهل يجوز للحاكم أن يقرض من النفقات لأرباب البعولة إذ غابوا عنهن ولم ينصفوهن وللأيتام في أموالهم ومن يلزمه عولهم أو للأولاد من آباءهم
إذا كانوا من غير رعيته وتعذر عليهم إيجاد المنصف كلما ذكرته؟ جائز إذا
صح ذلك.
مسألة
[ بلوغ اليتيمة ]
وإذا زوجت اليتيمة وادعت البلوغ وغيرت التزويج يأمرها الحاكم
بالتطهر ثم ترنوها عدلة حيث مخرج الدم (كلمة ناقصة)(2) وأحسنت
اللفظ حكم لها بالغير وقولها إنها بلغت هدر.
مسألة
[ ضبط الموازين ]
وإذا لم يتضح للوالي نقصان مكاييل رعيته وموازينهم وسعه ترك البعث عنهم وإن صح معه أمرهم بتصحيحها على مكال ثقة وزنه وقول ثقتين.
مسألة
[ كيفية معالجة الجريمة ]
وإذا وجد أولوا الأمر سن منهم مسكراً فما يلزمهم فيه؟ فالذي أراه
أن يدره بيده إذا لم يره يعمل به منكراً وله زجره ونهيه فإن امتثل وإلا عاقبه.
مسألة
[ الإنفاق على الضيوف من بيت المال ]
والحبس على نظر القائم ولا نهاية له. وإذا نزل به ضيف من ذوي رحم
أو أجنبي فلا يضيق على الوالي الإحسان إليهم من طعام وعلف غير أو
حميراً أو غير ذلك من مال الله.
مسألة
[ صدور الأحكام ]
__________
(1) 1- في الأصل: المخدوم، والأصوب - والله أعلم المجذوم، وهو مرض خطير.
(2) 1- أعتقد أنها إذا طهرت. (9/57)
صفحة 1315
وإذ رفع الخصمان للحاكم قضية فعرض ظنوه حكماً وليس هو بحكم كالمناديح فاكتفوا به فهل يلزمه شيء أم لا؟ فإذا كلمهم بما يسعه أن يتكلم
لهم به فلا يلزمه شيء فيما بينه وبين الله وإذا سأل رب إقتار شيئاً من ماله
جاز له إعطاء من مال الله إذا علمه، وقول : ولو لم يعلمه أنه من مال الله.
مسألة
[ البحث عن أموال الزكاة ]
وإذا أخبر الوالي أن عمال أو غيره أخذوا زكاة بادية رعيته أعني زكاة
مواشيهم أعليه البعث(1) عن ذلك أم يسعه الإهمال؟ فإن بحث جاز له وإن أهمل الأمر لم يلحقه شيء إذ مآل ذلك للإمام.
مسألة
[ الأمن والأمان عند الوالي ]
وإذا وافى دار الوالي أغراب فطلبوا منه الأمان فأمنهم ثم علم بهم الإمام فنفاهم فلا يلحق الوالي شيء ولعل الإمام علم منهم وأغرب علمه على
الوالي وإذا رأى الوالي الصلاح في نفيهم بعد أمنهم فلا يضيق عليه والنفي
بغير حجة فلا يجوز.
مسألة
[ بناء معقل للمسلمين ]
وإذا رأى للوالي القائم الصلاح في بناء معقل المسلمين جاز له ذلك وإن شاور الإمام فأحسن إما لهدر ما بين قبل فلا آمر به إلا أن يخاف وقوعه وضرره؟ فلا يضيق على نظر الصلاح.
مسألة
[ حكم استخدام غير الثقات ]
وهل يجوز للوالي استعمال غير الثقات في جباية الصدقات؟ فإذا كانوا أمناء عنده ولم تبن له خيانتهم فاعلم أن جابي الصدقة لا يكون إلا ثقة أميناً،
وقول: حتى يكون ولياً للمسلمين، وإن اضطر إلى استعمال الأمناء دون
الأولياء لا يعدم من الجواز.
وإن كان النهر يسيح على أرض الغوائب فدتر جائز للقائم أن يشارك
على إصلاحه بجزء من غلته إلى أجل إذا نظر الصلاح في ذلك.
مسألة
[ حكم تسليم الأجرة لغير الأجير ]
وإذا قصر الشاري عمله ومقتراً يسع الولي تسليم أجرته لفقره فإذا رأى الوالي من الشاري صلاحاً أو كان فقيراً فلا يضيق عليه ما ذكرت.
مسألة
[ حكم حبس المعسر ]
__________
(1) 1- الأولى : البحث عن ذلك. (9/58)
صفحة 1316
ومرتبط الذمة بنشب الأنام جائز حبسه للقوام فإن صح منه الإقتار والإعدام فأطلق فلا حجة على أحد وملام لقوله عليه السلام : «حبس
المعسر ظلم»(1) من والي كان أو إمام.
مسألة
[ حكم جناية الحيوانات ]
وإذا اتضح لأولي الأمر أن دابة فلان أضرت بمال فلان جاز حبس ربها
ولو لم تصل الدابة إلى معقل المسلمين(2).
مسألة
[ خطر حبس المديون ]
وإذا شهر للقائم إعدام المديون حظر عليه حبسه رضي غرماؤه أو كرهوا شهرة قاضية لا تدفعها شهرة(3).
مسألة
[ الاستدانة من بيت المال ]
وما أنفذه الوالي في ضيافته إذا نوه من ضمان لزمه لبيت المال أجر عنه إذا
لم يكن الضيف يخص الوالي نفسه فإن كان كذلك فلا ينحط عنه الضمان.
مسألة
[ على من يكون طعام التعزية ]
وإذا أصبب الوالي والعياذ بالله وجاء الناس في تعزيته من قاصٍ ودانٍ هل
يجوز له أن يطعمهم من مال الله؟ فلا يعدم ذلك من الجواز، وإذا كان
القادمون في حد السفر فأجوز والأصح أن يطعمهم من ماله أو مال الميت
إن أوصى بذلك أحوط وأسلم.
مسألة
[ إصلاح ذات البين ]
وإذا افتتنت طائفتان من رعية الوالي فاقتتلوا واشتهر ذلك للوالي شهرة
__________
(1) 1- الحديث بهذه الصيغة لم أعثر عليه ومعنى الحديث ورد في حديث أبي هريرة أن رجلاً
أتاه بآخر فقال له: إن لي على هذا ديناً، فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق قال:
فأقضه. قال: إني معسر. فقال للآخر: ما تريد؟ قال: أحبسه قال أبو هريرة: لا
ولكن يطلب لك ولنفسه ولعياله» انظر المحلى لابن حزم باب الحجر والتفليس، وسبل
السلام 3/52.
(2) 1- إضرار الدابة بالحرث حسب الإضرار ويقدره الخبير.
(3) 2- حبس الغريم: مسألة مختلف فيها عند الفقهاء فجمهور الفقهاء قالوا بعدم الحبس
واستدلوا على ذلك بالسنة وعمل الصحابة. وآخرون قالوا بجواز حبسه. وهذا غير
راجح والله أعلم. انظر التفليس والحجر ص17 - 21 للمحقق. (9/59)
صفحة 1317
لا يرتاب في صحتها بحث عن أمرهم وعاقب من استحق العقوبة منهم وإن أهمل أمرهم فلا تبعة عليه إذا لم يترافعوا إليه(1).
مسألة
[ حبس أصحاب المعاصي ]
وجائز للوالي حبس أولي الملاهي كالقمار والشطرنج وغيرهما وهذا من المنكرات وإن رأى في مخصوص من الأمر التغاضي فلا يضيق عليه ذلك.
مسألة
[ إضرار الدواب بالمزارع ]
وإذا كانت أروض أهل المزارع شركة بين قوم فطلب بعضهم المنع من
إطلاق الدواب وأبى آخرون، فإذا صح الضرر من الإطلاق دعي من أبى
منهم وأجيب من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهذا من أعظم المنكرات.
مسألة
[ ارتياب الحاكم بقوله المدعي ]
وإذا جيء للقائم بولد بالغ أو مراهق فادعى الأب أنه ولده وأنه يريد حبسه لحرام اجترمه يستحق به الحبس فجائز للوالي حبسه إذا لم يرتاب في
قول المدعي أنه ولده ولم يشك.
النهج الثالث عشر
فيما يجوز للحاكم من الوكالة
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
النهج الثالث عشر
فيما يجوز للحاكم من الوكالة
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مسألة
[ التوكيل في البيع والشراء ]
وإذا اتخذ الوالي العدل وكيلاً للبيع والشراء ورفع على أحد في حق هل
يجوز له أن يحكم بأداء الحق وكيله وكذلك إذا كان للحاكم حق على أحد
فأبى أن يسلمه له هل له حبسه؟ فإذا كان من عليه الحق مقرابه جاز له جبره على تسليمه فإن أبا جاز حبسه وأما على الإنكار فلا يجوز ويترافعا إلى حاكم غيره.
مسألة
[ كيفية مخاصمة المرأة ]
وإذا شكت المرأة المسقبة من خصمها سمع الوالي دعواها وأعطاها مدرة وإما عند فصل الأحكام فلا يحكم لها ولا عليها بشيء حتى تزيح النقاب
__________
(1) 1- اقتتال الفئات الإسلامية محذور ولا يجوز وقد ورد ذلك في كتاب الله. قال تعالى
{ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى
فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل
وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } سورة الحجرات آية 9. (9/60)
صفحة 1318
عن وجهها ويظهر فاهها(1).
مسألة
[ في الوصية ]
ومن له حق كتب له في صك وصية من ضمان هل للحاكم أن يرقم فيه إذا طلب من ماله الحق في ذلك؟ فنعم جائز ذلك للحاكم.
مسألة
[ الحجر على مال الزوج ]
ويجوز للحاكم أن يحجر للزوجة من نشب بعلها بقدر صداقها
الآجل(2).
مسألة
[ حكم إنكار المدعي ]
وإذا ادعى مدع على آخر أنه ضربه وبه أثر الضرب فأنكر المدعى عليه فإن للحاكم أن يحبسه سيما كان منهم(3).
مسألة
[ أثر ضرب المتهم على التهمه ]
وإذا شكت أم الولد من عمر أنه ضربه وبه أثر الضرب وكان للابن أب كره شكاية أمه من عمر وجاز حبسه عمر وإذا كان ممن تلحقه التهمة.
مسألة
[ حكم الحيلة في الشرع ]
وإذا لزمت الوالي تبعة من مال الله فدفع لذي عيلة شيئاً فرده عليه
فتخلص به مما لزمه فإذا لم يكن سبق بينهما شرط في الرد جاز وإلا فهذه
حيلة والحيل على الله مدحوضة ممقوتة.
مسألة
[ حكم اقتناء أهل الذمة المحظورات في ديننا ]
عن الشيخ صالح بن سعيد(4): وإذا وجد في متاع ذي الذمة كالبانيان وغيرهم شيء من المسكرات هل يجب ردعهم وحبسهم؟ فاعلم أن مثل
هؤلاء البانيان لا يحبسون على اقتناء المحجور في دين المسلمين إذا لم يظهروه
بين المسلمين ولا يفتش عنهم وما هم فيه من الشرك أعظم.
مسألة
[ محاسبة القبائل ]
وإذا كان فخاذ القبائل قدوة فتمادى أو باشهم وبغاهم في الغي هل
يجوز لنا أن ندعو القدوة ونهدّه بالحبس والدم حتى يخبرنا بأهل المنكر؟
__________
(1) 1- السبب في ذلك أن الصوت لا يحكم عليه وحده فلا بد من معرفة الصورة وهذا سبق
قضائي في علم التحقيق والإثبات.
(2) 1- هذا إذا رفعت قضية على زوجها ولا يتم الحجر دونما سبب.
(3) 2- هذا ما يعرف بالحبس بالتهمة. وفيه اختلاف عند الفقهاء.
(4) 1- صالح بن سعيد: هناك أكثر من عالم بهذا الاسم منهم: صالح بن سعيد المعمري
النْزوي، وصالح بن سعيد الزاملي العقري النْزوي. انظر نزوى عبر الأيام. (9/61)
صفحة 1319
فنعم ذلك جائز على نظر الصلاح للرعية وعز دولة المسلمين.
مسألة
[ حكم الحلف عند التراضي ]
وإذا لم يجعل الوالي للعامل أن يحلف واختصم إليه خصمان في وقت فتناكرا فادعى المدعي بالبينة فأعدمها ونزل إلى بينة خصمه أيجوز أن يحلف إذا رضيا؟ فنعم جائز له تحليفه إلا الجبر فلا يجوز له جبر الخصوم علي حكمه.
مسألة
[ حبس الإبل الهائمة ]
وفي الإبل المهملة إذا أضرت بحروث الناس وعزب عليهم علم أربابها
وعليه سمة قبيلة كوسم نار فلا حرج على الحاكم إن أخذ القدوة ليوضحوا
له الأمر حكماً إذ هم يداً إذا كان ذلك صلاحاً للمسلمين.
مسألة
[ حبس المتخلف عن أمر الحاكم ]
وإذا دير الحاكم لموافات خصمه فلم يوافه فإن كان بأمر الوالي وكان العامل ثقة جاز حبس المتخلف وإن لم يكن بأمر الوالي فلا حبس عليه ولو
كان الشاري ثقة.
مسألة
[ حكم حبس المتهم ]
وإذا حكم الحاكم على خصمه بأداء حق صح عليه فتولج عن التسليم
فلا يؤخذ به جماعته بل بنفسه ويجتهد في طلبه.
مسألة
[ أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
وإذا جعل الوالي عاملاً على قرية وأمره بالمعروف والنهي عن المنكر فاجتهد العامل وأمر بصرف المضار وقد النائف من سعف النائفات وأفنان الدوح على الطرق فلا يضيق ذلك عليه ولو لم يصح له في كل شيء يعينه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجملاً يستوعب ذلك وإذا كان الشاري
غير ثقة ولم تتضح أمانته ولا خيانته أيجوز تدبيره لقبض الزكاة وإن فعل ذلك فاعل ما يلزمه فإذا كان مؤتمناً على ما جعل فيه فجائز على بعض القول ذلك.
مسألة
[ حكم ادعاء الإضرار وإنكار المضر ]
وإذا ادعى زيد على عمرو ضرراً في نشبه فأنكره فتبين أحد الضرر
كأحد باسقة أو خباء معو فإن كان في وقت حصاد التمرة فليس ذلك من أسباب التهمة وإن يكن قبل ذلك جاز حبس المدعى عليه للتهمة.
مسألة
[ حكم كي إبل بيت المال ]
وهل يجوز للقائم كي إبل بيت المال للسمة فلا يضيق ذلك وإن ناظر الإمام فحسن. (9/62)
صفحة 1320
مسألة
[ حكم كسر رجل الدابة ]
وإذا ادعى زيد على عمر وأنه كسر دابته ولم يكن أثر الضرب بها إلا
أنها لا تستطيع القيام فهذه ليست حجة توجب على المدعى عليه حكماً
ولعل عدم استطاعة الدابة للقيام لغير هذا السبب حتى يصح ذلك بالبينة.
مسألة
[ أثر ضرب الدابة فتموت ]
وإذا صح على عمرو أنه ضرب دابة زيد قومت الدابة صحيحة
ومكسورة وغرم الجاني فضل القيمتين وإذا دبر الشاري خصماً بدعواه فلم يواف جاز حبس المتخلف إذا لم يكن الشاري متهماً بالمين.
مسألة
[ حكم ضرب الهر والكلب ]
وباخع الهر والكلب من غير حجة على أربابها ماذا يجب عليه وإن أنكر وبان بهما أثر الضرب هل عليه الدية وكم ديته؟ فأما كلب الراعي وكلب الصيد فلا يجوز قتلهما وإن قتلا بغير حجة به حبس عليه ولو كان الشاري الجاني وثمن الكلب ثمانية دراهم وقول: أربعون درهماً وأما الهر قول:
قيمته ثمانية دراهم وقول: أربعة دراهم، وأما الكلاب الضواري فجائز
قتلهن إذا صح الضرر.
مسألة
[ التوكيل في البيع والشراء ]
وإذا أراد الوالي بيع شيء من غالة مال المسلمين أو شراء شيء أقام لذلك وكيلاً عدلاً ثقة يبايعه ويشتري منه إن أراد الشراء والبيع منه لنفسه.
مسألة
[ تصرفات الوالي في مال بيت المال ]
وهل يجوز للوالي إعارة أواني بيت المال مما سمح للنفوس بإعارة
لبعضهم بعض كالآلة من مسجاة أو مخلب أو قدر نحاس المداراة طعام أو
كدابة ليجعل عليها شيئاً كان الطالب مثراً أو مقتراً أو كان للوالي نفسه
جائز جميع ذلك؛ على نظر الصلاح وكان مستحقاً وأما الوالي فنحب له مشاورة الإمام.
مسألة
[ إجازة الإمام للوالي التصرف ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان: وإذا أجاز الإمام للوالي ما يجوز له أن
يجيزه له جاز له التصرف في مال الله من قراء ضيف وجدوى مسترفد
ومواساة الرسل فكل ذلك جائز وإصلاح أمر المسلمين.
مسألة
[ قيام الحاكم بالجباية ]
وهل للوالي منع الزارعين أن يحملوا حبهم قبل تزكيته وكذلك أرباب (9/63)
صفحة 1321
التمر قبل أن يزكي فإذا تقدم عليهم أن لا يفعلوا شيئاً من ذلك قبل حضور عامله وخالفوا أمره جاز له حبسهم إذا لم يكونوا مأمونين على الزكاة.
مسألة
[ قيام الحاكم بالجباية ]
وأما صفة الحماية التي يستوجب بها الحاكم الجباية هو منع الرعية من أن يجار عليهم ويظلموا وإذا لم يحم الحاكم بقعه لم يجز له أخذ صدقاتها ولا
يجوز جبرهم إلا من سلم راغباً ومن أتى بشيء وأقر به لبيت المال جاز
قبضه منه.
مسألة
[ اتهام الفاسق بعمل المنكر ]
وإذا اتهم أهل الدار فاسقاً بفعل منكر ورموا البينة على قبر أو عتق أو طلاق وأشباه ذلك فإذا رأوا ردعه وكف يده عن البسط لما يحمل من أموال الناس ودمائهم وأعراضهم فلا يضيق ذلك عليهم.
مسألة
[ ثبوت الدعوة بعدلين ]
وما صفة الدعوة التي يهدر بها دم رادها ومن تقوم به الحجة إذا قال: إنه دعي وردت هو أن يكف بغيه وظلمه عن العباد وتقوم الدعوة بثقة مع
كتاب الإمام والوالي وقول: بعدلين.
مسألة
[ كيفية صحة ولاية الوالي ]
وإذا كان العامل لم تصح معه ولاية الوالي ولم يطلع منه على حياته
فأمره على أمر من أمور المسلمين هل يجوز له الدخول فيه؟ ففي ذلك
اختلاف، قول: يجوز ولايته بولاية الإمام له وتلزم، وقول: هو في
حال الوقوف.
مسألة
[ حصول الإضرار بتصرف الإمام ]
وإذا رفع الوالي في شيء من المضرات كباسقة مالت أو دار إنسان
أو نقد جدار فتوانا عن صرفه فانهد الجدار ووقعت الباسقة فأضرت
بنفس أو نشب فلا ضمان على الوالي في ذلك وضمانه على ربه إن
تقدم عليه فيه.
مسألة
[ تأجيل المديون بإذن رب الدين ]
ومن رفع على خصمه في حق فأجله الوالي باستبراز رأيه ولم يرض
غريمه فمات المديون أو توى نشبه فليس على الوالي ضمان ذلك ولا
يعجبني أن يؤجل المديون بغير رضى رب الدين إن أمكن وإلا فلا حجة
على الوالي إذا كان التأجيل شرعاً.
مسألة
[ حكم حبس المعوج والنائف ] (9/64)
صفحة 1322
ومن أمره الوالي بصرف النائف فادعى أن لا عدة له كالمبشما والفأس ليصري به النائف عن مضرة الناس فلا عذر له بعد الاحتجاج ولم يخش الشاري ولا حاج حل حبسه إن صدف عن المنهج وحاد أو عاج.
مسألة
[ حكم ترميم الأضرار على حساب بيت المال ]
وإذا وقع بسور البلد قد أو يحدره وجذوعه وهد أمر الوالي أهل البلد بصرفه فإن صرفوه وإلا صرفه الحاكم من مال الله على قول إذا حاذر الضرر من وقوعه.
مسألة
[ التثبيت من الدعوى ]
وإذا توقع متوقع على مال فأراه بعض السكن فادعى أنه مأمور وأتي به
إلى القائم فإن رأى القائم حبسه فلا يضيق عليه حتى يسأل عنه وإلا فأرفق
به سيما إذا لم يكن متهماً فلا يقبل قول رب المال أنه أمره.
مسألة
[ إجارة الولي لمن يوليه ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: وهل تجوز الإجارة للوالي لمن يوليه في شيء
مما ولاه عليه فقد ورد الأثر في الإجارة للوالي من الإمام مجملاً، وأما
الأجرة للوالي لمن يوليه الوالي فلم أحفظ فيها شيئاً وأما الوكيل إذا جعل
الموكل له أن يوكل غيره جاز.
مسألة
[ الإنفاق في مصالح المسلمين ]
وجاز للوالي إنفاذ ما يحتاج له المعقل من الآلات لمصالح المسلمين من
مالهم لطعام الرسل والوافدين وعلف دوابهم من ضاربين المروة والقادمين
إذا كان في ذلك مصلحة للدين.
مسألة
[ حكم تارك الصلاة ]
ومن اشتهر منه ترك الصلاة وصوم رمضان وأقر عمداً عوقب بما
يستحق، قول: إنه يقتل وقول: لا يقتل حتى ينكر الفرض وهو ممن
لزمه التعبد.
مسألة
[ إحضار المدعى عليه ]
وإذا قدم الوالي طرس من زيد أنه شاكي من عمرو أيجوز للوالي إحضار عمرو واستماع قوله؟ فنعم فإن أقر لزمه في ما أقر وإن أنكر عرف المدعي
إذا لم يكن عليه ضرر في مسيرة ومحبة.
مسألة
[ مخالفة الإقرار الادعاء ]
وإذا ادعى عمرو على زيد أنه سرق له شيئاً فادعى أنه أعارنيه أو أقرضنيه فالقول قول من يدعي العارية أو القرض.
مسألة
[ إضرار الدابة بحرث الغير ] (9/65)
صفحة 1323
ومن ادعي عليه أن دابته أضرت بحرث عمرو وبان الضرر إلا أنه ادعى أن جزء منها ليتيم استأجره على حفظها فإذا أقرت بالدابة أنها له وكان ممن
يتهم جاز حبسه حتى يصح أنه في حفظ غيره.
مسألة
[ حكم من حذر باغياً أو مطلوباً ]
ومن شهدت عليه البينة أنه نذر باغياً ومطلوباً بحق وكانت البينة شهرة
لا عدلة فإذا كان ممن تلحقه التهمة وتولى عن حق صح عليه بسبب إنذاره فجائز حبسه على التهمة.
مسألة
[ حبس الدابة المضرة حتى يعرف صاحبها ]
ومن وجد دابة تضر بحرثه فربطها وأطعمها وأجر على معاناتها ثم صح
ربها فلا يحكم على ربها بالغرم إلا بصحة وإن لم يصح لها رب فاستوعب
طعمها ثمناً جاز له بيعها واستيفاء حقه والأصح أن يكون بنظر الحاكم أو الجماعة مع عدمه.
ومن اتهم امرءاً أنه خرف داره ورفع أمره إلى الحاكم فإن تأكد منهما
جاز حبسه ومن أنذر على أهل الغي أثبت ومن أنذرهم عوقب.
مسألة
[ حبس الصبي السفيه ]
وإذا ظهرت من الصبي أسباب المناكر كالسرق وركوب الفواحش جاز حبسه يتيماً أو له أب وإن أمر الحاكم أباه بحفظ جاز.
مسألة
[ تصرف الوالي المأذون له في التصرف ]
ومن أمره الإمام على قرية وأجاز له ما يجوز له أن يجزه له فأما في مال
الله والإنصاف فجائز له وأما في الأحكام فيعجبني أن تكون بنظر الإمام.
مسألة
[ إتمام الصلاة عند اتخاذ الدار وطناً ]
وإذا اتخذ الوالي الدار وطناً أتم بها الصلاة ويعجبني أن يتخذ الدار وطناً
ما لم تكن إقامته محظورة بحد.
مسألة
[ تجهيز أهل الكتاب ]
وإذا كان لأهل الكتاب أجرة في مال الله جاز أن تشترى له منها ملاءة يلف بها إذا مات وكل ما احتاجوا له من مؤونة التجهيز.
مسألة
[ ميراث الكتابي الذي له عقب ]
وإذا مات الكتابي وله أجرة في مال الله وعزب علم وارثه فميراثه لبيت المال.
مسألة
[ حكم إجازة الإمام التعرف لغير الوالي ] (9/66)
صفحة 1324
وإذا أجاز الإمام في مال الله لغير ولي وإنما هو ثقة أمين ففي ذلك اختلاف، قول: لا يجوز الإمام في ذلك حتى يكون ولياً له، وقيل: جائز
للثقة الأمين ولو لم يكن ولياً سوى الأحكام والكتابة بين الناس.
مسألة
[ كيفية تنفيذ الوصية للفقراء عامة ]
عن الإمام أبي العرب بن سلطان(1): ومن أوصى بشيء يفرق على من
يشاء من الفقراء ولم تكن الوصية لفقراء قرية أو قبيلة محدودة فجائز
توزيعها على الفقراء وإن جعلت في عز الدولة جاز وهو الأصح.
مسألة
[ الوصية لفقراء قرية بعينها ]
وأما إن أوصى بها لفقراء قرية معلومة ولفقراء من قبيلة محدودة معلومة وزعت في فقرائهم ولا يجوز أخذها لعز الدولة وإن اتهم الوصي بخيانة
جعل معه مشرفاً في إنفاذ الوصية وإن صحت خيانته بطلت وصايته.
مسألة
[ ضمان الوالي هل يكون في بيت المال ]
وإذا ضمن الوالي لبيت(2) ضماناً وسأل الوالي أن يدفع له كمثله
ليتخلص به وأمره أن يأخذ ما طلب فأخذ زكاته قبل إنفاذ ذلك لمستحقه
فعليه فيه الزكاة، وإذا قال الإمام: قد دفعت لك بكذا من مال الله جاز
له أخذه.
مسألة
[ حكم بروز أهل القرى في الطرق ]
__________
(1) 1- أبو العرب بن سلطان: يلفظ بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك عقدت له الإمامة
في يوم وفاة سلطان بن سيف بن مالك اليعربي وهو والده. وكان ذلك ضحى الجمعة=
(2) = سادس عشر من ذي القعدة سنة 1090ه وعرف عنه الصالح واتباع السلف الصالح
فلم تزل الوعية له شاكرة ولفضله ذاكرة وكان جوداً كريماً عمّر بيرين وبنى بها
حصين وانتقل من نزوى إليه ثم وقعت بينه وبين أخيه سيف فتك أصابت كثيراً من
أهل عُمان إلى أن حاصره سيف بحصن بيرين إلى أن مات. انظر كشف الغمة 337
رقم 508. ونزوى عبر الأيام ص167 - 168.
1- هكذا في الأصل دون ذكر البيت. ولعله بيت المال. (9/67)
صفحة 1325
وإذا برز أهل القرى في أيام الحر بنسائهم إلى الوادي أو إلى الصخر طلب الترفة للمرقد أيسعنا التغاضي عنهم أم لا؟ فنعم جائز لكم التغاضي عنهم ما لم يضروا بالمارين في الطريق.
مسألة
[ لا يقبل القول إلا بالبينة ]
ومن أخذ للحق عوضاً وادعى الإعدام فلا يقبل قوله إلا بالبينة وإن لم يأخذ له عوضاً فله القول وعلى خصمه البينة أنه مثر.
مسألة
[ ادعاء حرية القنية ]
ومن ادعى رق قنيته فباعها وادعى أنها ابنته وإنها حرة فإن بني آدم حكمهم الحرية والرق حادث فيهم وأما المشتري فلا يحكم له على البائع برد الثمن الذي سلمه إلا أن يصح بالبينة العادلة أنها حرة وجب له رد الثمن.
مسألة
[ حكم غش البضاعة ]
ومن غش بضاعة جاز حبسه إلا أن يأتي بحجة يعذره بها المسلمون ومن استحق عقوبة فقيد وانهزم بقيده فتوى القيد على يده ضمنه.
مسألة
[ حكم ثبوت السرقة بالشهرة ]
وإذا ادعى رب دار أن متاعه سرق منها ولم يبن بجدرة ثقب ولا كسر باب واتهم أحد فإذا اشتهر السرق من تعلق رب الدار فهو متهم ولا يحبس
من اتهمه وإن قضيب الشهرة بالسرقة جاز حبس المتهم.
مسألة
[ حكم خلط اللحم مع بعضه ]
ولا يجوز للقاصب(1) خلط لحم المعز والضأن ولا الغث والسمن فإن
فعل فقد غش واستحق الأدب.
مسألة
[ حبس ممن تلحقه التهمة ]
وإذا كان الشاري غير ثقة وادعى أنه رأى قوماً عاكفين على منكر وعبث فإذا كان المدعى عليهم ممن تلحقه أسباب التهمة بفعل بما رفع عليه جاز
حبسه وردعه وإلا فلا.
مسألة
[ حكم اللباس غير المناسب ]
وإذا لبس الرجل ملاءة معصفرة ولم يكن له عذر جاز حبسه ومن
أصيب على أمر ريبة فلما أوتي به ادعى أنه له في الأمر شركاً فأنكر المدعى عليه فإذا كان المتهم والمتهم ممن تلحقه الريبة ففيه اختلاف، قول: يقبل
قوله، و قول: قوله هدر والأول أصح.
مسألة
[ الحجر على المسن في تصرفاته ]
__________
(1) 1- القصاب: هو من أمتهن مهنة ذبح الحيوانات وبيع اللحم. (9/68)
صفحة 1326
وإذا أضر ذو المسن بأنفس أو نشب وله في الدار بنو عم نازحون فإن حفظه أهله وإلا جعل في مأمن وحفظ فإن أجدى به الحبس وردعه وإلا كبل.
مسألة
[ حذر اجتماع السفهاء ]
وإذا كان للوالي مؤونة على بيت المال جاز له كالبصل والبقل والليمون والمبوه وإن اجتمع النسوة على الغزل ويتذاكرن السفه والغناء جاز منعهن
من ذلك ووجب.
مسألة
[ عمل الإنسان فيما يناسبه ]
وإذا كان المجعول للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير فقيه وأجل الأمر حتى يسأل عنه فربما ضاعت حقوق من تماديه فلا ضمان عليه ولا يكلف
المرء فوق طاقته وما على المحسنين من سبيل.
مسألة
[ عمل الإنسان فيما يناسبه ]
ولا يجوز لأرباب الصلب وبيع الرطوبات على المحسنين فإن فعلوا عوقبوا وعلى الحاكم ردعهم وأما على أمثالهم فلا بأس.
مسألة
[ منع المزابنة بين التجار ]
وإذا تشارك قوم من السواقة على أن لا يزابنوا على السلعة وإذا اشتراها أحدهم كانت بينهم وبينهم يشتروها بثمن بخس هل يجوز منعهم من
ذلك؟ فلا يجوز منعهم عن الشركة إذ هي مباحة في الأصل.
مسألة
[ كسر أواني الخمر ]
وجائز كسر أواني الخمر إذا وجد فيها الخمر وأشباهه وأما آنية الصين والزجاج فلا تكسر وإنما يراق منها وجائز قد أواني الأديم.
مسألة
[ عقوبة الوثني آكل الربا ]
وإذ صح أن الوثني ربى في معاملته جازت عقوبته ولا يجوز أن يرددوا
عليه على مصح ولا يرعى في مناد منهم ولا يختلطان أبداً.
مسألة
[ لا يجوز بيع الإناث من الرقيق لأهل الذمة ]
ولا يجوز بيع الرقيق على ذي الذمة سيما الإناث واختلفوا في بيع
الذكور فإن جازه بعضهم ولو كان متحنفاً وأباه آخرون وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ أفعال من التجارة ممنوعة ]
وإذا اتضح فعل من أرباب المعاملات في التجارة مالا يصلح عوقب بما يستحق ولا يمنع أن يترفق في سوق المسلمين.
مسألة
[ حكم إتلاف الدخان وغيره من المضرات ] (9/69)
صفحة 1327
وهل يجوز حرق التتن والساهي إذا وجد في أمتعته التجارة كالبانيان وغيرهم وإن شرب المسكر هل يجوز حبسه؟ كل ذلك جائز وأما نفيهم
من البلد ولهم حقوق فلا(1).
مسألة
[ ما وجد من أمتعة السفن المتكسرة ]
وما ساح من الخضم ولقطه من أموال السفن المنكسرة جاز أخذه لبيت
المال إذا عزب علم ربه وإن التقطه ملتقط وترك في يده جاز كان الملتقط
مثراً أو مقتراً و السلامة أسلم.
مسألة
[ حكم تلف الشيء المؤجر عليه ]
وإذا استأجر القائم أجيراً يعمل له عملاً كضرب لبن الألف بذا فعمل بعضه فأنزل الله مغدودقاً فأتواه فإنه من مال الأجير لا على بيت المال.
مسألة
[ أثر النية في البيع والشراء ]
وإذا تولد الضرر من غوغاء البلد أنهم يلفظون نحيلهم في القبض لشراء الهرس والعوال والمطبوخ وشبه ذلك هل يجوز منع بيع المذكور إلى حصاد الثمرة إذا صح أن البائع عالم بفعل المشترين جاز منعهم وإلا فكل من عمل عملاً أخذ به.
مسألة
[ حكم نفي اللوطي ]
وإذا صح أنه للوطي ببينة أو إقرار جاز نفيه من الدار وهو الأرجح من رأي العلماء الأبرار والفقهاء الأخيار.
مسألة
[ حكم الباعة المتجولة ]
والطوافون بالباقلاء والبقولات إذا اتخذوا سبيل المسلمين دكاكين للبيع والشراء جاز منعهم عن ذلك وإذا كانوا لا يمكثون إلا بقدر ما يبايعوا من ساومهم فلا بأس.
مسألة
[ جواز تنظيم السوق ]
وهل يمنع قاصب اللحم وقامط الحوت أن يبيع هذا تارة يوم ذا ويوم ذا فإذا علم المشتري أن يبيع النوعين فلا يمنع وإلا فعلى البائع إعلام المشتري.
مسألة
[ الحيلة في عدم دفع الصدقة ]
__________
(1) 1- هناك من المنكرات لما ثبت النهي عنها بالدليل وهناك من المنكرات أن ثبت النهي
بالمصالح وما تعود به من مضرة على أبدانهم. (9/70)
صفحة 1328
وإذا رفع العمال للوالي أن أرباب الماشية يتولحون بها فراراً من الصدقة أيجوز له أن يبعث لهم من يردهم؟ فإذا دانوا بأدائها وراموا منه بعث جباة لأخذها فأبى إلا وصولهم إليه فلا يضيق عليه فعل ما ذكرته.
مسألة
[ حكم الإضرار بالآخرين ]
وإذا ادعى على سيد قن أو أب صبي أنه أمره أن يضره في نفسه أو ماله فبان الضرر وأنكر المدعى عليه وأراد البينة فعلى من تكون الألية والحبس
عليهما اختلاف فإذ صح الحدث والمدعى عليه منهما فعليه الألية والحبس وفي حبس الصبي اختلاف.
مسألة
[ الحبس في التهمة ]
وجائز حبس القن البالغ إذا كان ممن تحلقه التهمة وإذا جنا الأعجم جناية عوقب بما يستحق وإن أحدث حدثاً يوجب عليه الضمان وما مسه من
رطب فهو طاهر.
مسألة
[ معاملة أهل الأوثان ]
وهل يجوز التغاضي لعبدة الأوثان في إحراق موتاهم صغيراً كان أو
كبيراً؟ فلا يجوز وإذا صح عليهم منعوا وأنكر عليهم.
مسألة
[ حكم إقرار المدعى عليه ]
وإذا لم يجز الإمام للوالي في الأحكام وترافع إليه مدع ومدعى عليه وأقر
المدعى عليه بما ادعى عليه المدعي جاز جبر تسليم ما أقر به فإن أبى جاز له حبسه.
مسألة
[ تفقد السجناء في الأحوال المتعددة ]
وعلى القائم تفقد حال المسجونين حذرا أن يضطروا من حر أو زمهرير
برد عليه حفظ أمانته لأنه مسؤول عنها وإن لحق المسجون ضرر فلا ضمان على القائم إذا لم يتعمد ضرره ووكل عليه من يثق به وعلى المسجون أن
يستر على نفسه ويرفع عنه الضرر.
مسألة
[ إحداث المزارعين في زرعهم ]
عن الشيخ النْزيه ناصر بن خميس بن علي رحمه الله: وإذا أحدث أهل القرية أو ضاع للزرع في شاطئ الوادي المار في قريتهم ولم يقع على
المحدثين إنكار من بعضهم بعض هل على القائم الإنكار إذا لم يرفعوا؟
فالأودية سبيل الله لمائه إذا نزل من سمائه والأحداث مصروفة عنها سيما مع تألد الضرر من الحدث.
مسألة
[ استعمال الأمين في أمور المسلمين ] (9/71)
صفحة 1329
وهل يجوز للوالي استعمال من لم تصح خيانته على أمور المسلمين فأقل الذي يجوز أحواله أن يكون من أهل الدعوة أهل الاستقامة من المسلمين أن يكون قد اتضحت أمانته وثقته مع المسلمين وإن خرج مخرج الرسالة فلا
بأس على قول.
مسألة
[ الخطأ في استعمال قليل العلم ]
وإذا استعمل الإمام والياً ثقة أميناً إلا أنه قليل العلم هل يجوز له أن
يجيز له ما لا يجوز له أن يجيزه له أم لا؟ لا يجوز إلا للوالي العالم
بأصول الدين وفروعه أما على التفويض إليه فلا وأما على الشريطة
للمشاورة فلا يضيق.
مسألة
[ حكم القائف القامر الحاذق ]
والقائف(1) القامر الحاذق البصير إذا قال: إن هذه أثر عمرو وعمرو
تلحقه التهمة بذلك ففي أخذ بقوله اختلاف، فعلى قول من أجاز الأخذ بالتهمة فلا يضيق.
مسألة
[ تأجيل المرضعة في الحدود ]
وإذا وجبت العقوبة على المرضعة كالحد أو ما يأتي على تلف النفس أجلت إلى فصال ولدها ولا يضار به إذا لا ضرر ولا ضرار في الإسلام(2).
مسألة
[ حكم التصرف بما في الغابات ]
وإذا كان العامل بدار لا سوق بها وبها باسقات وأيك كاللومي وغيره
__________
(1) 1- القائف: هو الذي يقتفي الأثر واشتهر عن العرب ذلك في معرفة الآثار وثبت أن
القائف دخل بيت النبي -- صلى الله عليه وسلم -- وكان زيد بن حارثة وأسامة ابن زيد نائمين وقد
ظهرت أقدامهما غطت رؤوسها فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض فسّر النبي
-- صلى الله عليه وسلم -- ودخل على عائشة وقال لها ما قال مجلز»
(2) 2- الدليل على ذلك: عن أبي هريرة وزيد بن خالد -رضي الله عنهم- «أن النبي -- صلى الله عليه وسلم --
جاءته امرأة غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله - طهرني، فقال: ويحكِ ارجعي
فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز. قال: وما
ذاك قالت... قالت: إنها حبلي من الزنا. قال: أنت. قالت: نعم. فقال لها: حتى
تضعي ما في بطنك. قال: فكلفها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي= (9/72)
صفحة 1330
لا يبتاع غلته وكالنبات والحطب والشيء الحقير لا يبتاع هل يجوز للعامل
دفعه لمستحقه كان غنياً أو فقيراً أم لا؟ يجوز لذي عيلة لأنه لبيت المال لا
يضيق ما ذكرته سيما يرمي نفعه لمال الله.
مسألة
[ حكم الإضرار بالشجر ]
وإذا جاز الإمام الهمام ما يجوز له أن يجيزه له جاز له صرف ما أضر
من شجر أموال بيت المال كالقرط أو السدر وغير ذلك على النظر الصالح
لمال الله.
مسألة
[ حكم غور الماء وأثرها على الجباية ]
وإذ قعد القائم أرض بيت المال فتصرف فيها المقتعد ثم غار ماء نهرهم ورموا حط بعض الأجرة أيسعه أن يحط عنهم أم لا؟ فإذا كانت الأجرة
ثابتة صحيحة فلا يسعه ذلك وإن رآهم أهلاً للدفع دفع لهم ما يراه من مال
(1)
الله جائز ما لم يحجر عليه الحاكم لعله الإمام ومن جعل لقطع النائف
وتعدى على أموال الناس فعليه ضمان ما تعدى ولا ضمان على الحاكم إذا كان المجعول حجة وإلا فالضمان على جاعله.
مسألة
[ صور من المعاملات ]
وإذا وقع صرف النائف بحكم الحاكم فحفظ الخشب المقطوعة على
رب المال لا على العامل وإن كانت الأموال لمن لا يملك أمره فعلى وكلائهم بالأجرة إذا تمت قيمته على الأجرة وإن لم يكن له أدون أجرته فواسع تركه
في مال ربه.
مسألة
[ تحديد نوع الصاع ]
وإن خرج العامل لقبض زكاة الفطر فبأي صاع يكيل منهم؟ فإذا فعل بصاع ثقة جاز وقيل : حتى يصح معه معرفة الصاع بثقتين وعلى الداخل
في أمر أن يعمل كيفية دخوله فيه وخروجه منه.
مسألة
[ الادعاء المرافق للبينة ]
وإذا ادعى عمرو على عمرو حقاً في صك جائز الخط وأقر له به إلا أن ماله لا يدخل فيه المسلمون أهو كالمعدم أم له وجه؟ فإذا لم يكن له مال
__________
(1) = -- صلى الله عليه وسلم -- فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: لا ترجمها وتدع ولدها صغيراً، أليس له
من يرضعه؟ فقام رجل من الأنصار، فقال: إليَّ رضاعه يا نبي الله. قال: فرجمها»
رواه مسلم 5/119 - 120 وأبو داود 4433، وأحمد 5/347. عن بريدة. (9/73)
صفحة 1331
سواه بما يقي بما عليه ولا حكم عليه بيعه فإن لم يشتريه أحد فحكمه
كحكم المعدم.
مسألة
[ الحبس على التهمة ]
ومن حبس على حرم وصح إقتاره أطلق يسأل الناس لقوته ويكون عنده حارس ويرده إلى الحبس وإلا صح أنه ينفق عليه من مال الله هو ومن يمون ويكون برأي الإمام.
مسألة
[ تلف المال والمحبوس في حبسه ]
ومن سجن وله شرك مع قوم أو وكالة في مال من لا يملك أمره فإذا توى شيء من ذلك بسبب حبسه فلا ضمان على الحاكم ولشركائه أن يرفعوا أمرهم إلى الحاكم إما أن يجعل من ينوب عنه القيام على حصته أو بيعها.
مسألة
[ أثر التهمة في الأحكام ]
وإذا ادعت امرأة على رجل أنه راودها عن نفسها فلما امتنعت قد
ملاءتها إن كان من أهل التهمة جاز حبسه.
وإذا شهدت بينة على رجل باع عدو خصم فإذا صح ذلك حكم عليه برد ثمنه لأن بيعه غير جائز إذا كان قد تقدم له فيه ملك.
مسألة
[ حكم الأخذ بالظن والتهمة ]
ومن تظاهرت عليه أفعال المنكرات فبعث له القائم رسلاً فهرب وخرج من المصر وجاوز التيار فهل للحاكم أخذ أقاربه؟ فإذا لم يعينوه على بغيه وظلمه وليس لهم أن يؤووه فلا ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة
وزر أخرى.
مسألة
[ هروب الجاني إلى دارٍ أخرى ]
وإذا جنى جان في غير داره وامتنع في داره لأن القائم قريته غير القائم بالقرية الجاني بها هل للقائم بتلك القرية تدبيره إلى القائم بالقرية الجاني بها
إذا رام ذلك منه؟ فإذا كان قد حبسه وفر من الحبس فجائز تدبيره وإلا فلا وليس لوال أن يرفع إلى وال أن يدبر له فلاناً ومن كانت له عليه مظلمة
رافعه إلى ذلك الحاكم..
مسألة
[ حكم الادعاء على الآخرين ]
ومن ادعى جباية من رجل في ماله ولا يعرف الحاكم صحة المال أنه لمن
أو ادعي أنه لغائب وهو وكيله أو لمن لا يملك أمره فجائز حبس المدعى عليه إذا كان متهماً إذا لم يقر المدعي أن المال لغيره.
مسألة
[ حكم أخذ المال الحقير بإذن وبدون إذن ] (9/74)
صفحة 1332
ومن بسط يده في نشب لبشر شراكاً كأخذ الحقير من ليف وسعف أو ضغث أو عرجون وأشباه ذلك ادعى أنه رب المال أمره بذلك وإذا أقر رب المال أنه أمره بذلك فلا عقوبة عليه وإن كان مشتركاً وصح أن أحد
الشركاء أمره بذلك هدرت عنه العقوبة وأما إذا كان في الشركاء من لا
يملك أمره فعليه ضمان حصته ولا حبس عليه.
مسألة
[ حكم الحبس بالتهمة ]
ومن رفع إلى الحاكم أن زيداً أكتفه وعمرو ضربه وبه أثر الضرب
والمدعى عليهما غير ثقتين جاز حبسهما على التهمة.
مسألة
[ التصرف بالزروع قبل إخراج الزكاة ]
وإذا اشترى أرباب الأصول في زمن القيض بالتمر كالهرس والباقولات
هل يجوز للحاكم أن يحجر عليهم إذا كان قبل إخراج الزكاة فعلهم؟ فإذا
صح الضرر على الزكاة وكانوا لا ينْزجرون إلا بالحجر فلا يضيق ذلك على نظر الصلاح.
مسألة
[ حكم الادعاء على الآخرين ]
وإذا ادعى عمرو على زيد حقاً فأنكر زيد فطلب يمينه وكانت المطالبة معدودة من أنواع شتى فعددها المدعي فإن حلف المطلوب إنما عليه حقاً من قبل ما يدعى عليه هذا أجزأه وإن عدد عليه الحاكم جميع المطالب جاز.
النهج الرابع عشر
في الكتابة وألفاظها ومعانيها
وما يجوز منها وما لا يجوز
النهج الرابع عشر
في الكتابة(1) وألفاظها ومعانيها
وما يجوز منها وما لا يجوز
مسألة
[ حق المكاتب في العين والمكاتبة ]
ومن جواب الشيخ الفقيه القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن
عبيدان رحمه الله: وإذا كان للكاتب حق في نهر أله أن يكتب على
أحد حقاً لهذا النهر؟ وهل تجوز شهادته له بحق؟ فكل هذا مختلف فيه،
وعلى قول من أجاز: يسقط بقدر حصته من النهر لا تصح فيها كتابته
ولا شهادته.
مسألة
[ قواعد في اللغة ]
وفي كتابة تولّوا وادعوا وتونوا و أمثالها هل تلي هذه الواوات ألفات أم لا؟ في القرآن وغيره فالأصح بالألف بعد الواوات.
مسألة
__________
(1) 1- الكتابة: المقصود بها كتابة المعاريض والإقرارات والدعاوى والبينات. (9/75)
صفحة 1333
[ الوصية بالبيع بكيفية معينة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي النْزوي: وإذا باع الوصي نشب
الهالك لقضاء دينه ووصاياه بالمناداة الشرعية وفي الاعتبار أن البيع بأبخس
ثمن وفي الورثة أيتام وأراد أن يكتبه مع الكاتب هل يسعه إذا لم يطلع على المناداة كان الوصي ثقة أو غير ثقة؟ فإذا كان الوصي ثقة عدلاً جاز للكاتب ذلك إذا لم يبن له باطل ذلك.
مسألة
[ صور من بيع المساومة ]
وهل يجوز بيع نشب الهالك بالمساومة لقضاء دينه وإنفاذ وصاياه؟ فإذا كان في ذلك صلاحاً فقد أجازه بعض الفقهاء وربما في بعض الأحوال
يكون أصلح من بيع النداء.
مسألة
[ صور من المكاتبة ]
ومن ملك نهراً فلقط غيره فخلطه فيه هل يجوز للكاتب الدخول فيه للكتابة إذا راموا بيع شيء من الأزلى فإذا كانوا أرباب الفلج الأربى مما يملك أمره وتراضعوا بيع شيء منه ليصلحوه به وإن يكن فيهم من لا يملك أمره
فلا يجوزوا ما خلط النهر الملقوط فلا يضره إن كان أصله صحيحاً وإن وقف الكاتب وكتب غيره فأسلم وأخدم ولا على أحدهما جرم.
مسألة
[ أهمية تاريخ الكتاب ]
وإذا كتب الكاتب بتبطيل حق مكتوب في صكوك ولم تكتب تاريخها
قبل تاريخ هذا الكتاب ثم بعد خلو برة أقر بحق غير الذي أبطله هل يبطل
هذا الحق؟ إنه يبطل من ذلك من تقدم من تاريخ التبطيل فقط.
مسألة
[ الحجر لا يكون إلا بأمر الحاكم ]
وكتابة بحجر(1) لا تكون إلا للحاكم الذي جعله الإمام أو القاضي
لذلك أو جماعة المسلمين مع عدم الإمام.
مسألة
[ أهمية اسم الكاتب وأهمية التاريخ ]
عن الشيخ عامر بن محمد السعالي(2): ونشب السعيدي إن كتب
__________
(1) 1- الحجر: من المنع بالتصرف في أموال ونفاذ أقواله: قال ابن عرفه في تعريف الحجر:
صفة حكمية توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه في الزائد على قوته أو تبرعه
بزائد على ثلث ماله. انظر التفليس والحجر للمحقق. ص34.
(2) 2- الشيخ عامر بن محمد السعالي: لم أجد له ترجمة. (9/76)
صفحة 1334
الكاتب فلان ابن فلان السعيدي والذي من موال أبي سعيد فسيان وكذلك
في شهر ذي القعدة أو شهر ذي القعد، وإن كتب في نهر اسمه الصغير أو
الفلج الكبير جاز.
مسألة
[ من أحكام الرهن ]
وإذ كان الرهن(1) في يد المشتري فلا يشاركه فيه الغرماء وإن يك في يد الراهن فهو بمنزلة الإثبات والغرماء فيه أسوة على الأصح والأرجح.
مسألة
[ كيفية الكتابة بالمال ]
وإذا وافى رجل إلى كاتب وأمره أن يكتب ماله الفلاني الآيل إليه فياضاً أو ميراثاً أو بيعاً والكاتب لا يعرف المال ولا صحته معه دعواه فيه فالأحسن أن يكتب ماله الآيل بدعواه أنه آل إليه من فلان بالسبب الفلاني وهو عن
القاضي محمد.
مسألة
[ الاستئجار للحج ]
وما لفظ من أراد أن يستأجر حاجاً عن الهالك أو بجد عليه أنه إن لم
يواف إلى الشهر الفلاني يكتب قد أقر فلان ابن فلان أنه قد استأجر فلان
ابن فلان أن يخرج حاجاً أو زائراً عن الهالك فلان ابن فلان حجة الإسلام
إلى بيت الله الحرام وأن يزور عنه قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن يسلم له عليه وعلى
صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأن يفعل عنه في هاتين الحجة
والزيارة ما يفعله الحاجون والزائرون من واجب ومسنون وما شاء الله من المستحب، ويسمي الأجرة وإذا أراد أن يشترط عليه هذا سنة أو لم يواف
كذا أو السنة يصح أنه زار وحج عن فلان بن فلان وإلا فلا أجرة له كتب وكذا أقررت يا فلان بأنك إن لم يحجج عن فلان هذه السنة أو لم تواف
إلى شهر كذا ويوضح عملك بالبينة وإلا فلا أجرة لك علي.
مسألة
[ أثر الإملاء على الكاتب ]
__________
(1) 1- الرهن: من رهن يرهن مرتهن وراهن. يقال ماء راهن أي راكد قال تعالى { كُلُّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } (المدثر: 38). وعند الفقهاء: ما قبض توثيقاً في دين لزام أو صائر
إلى اللزوم». انظر كتاب المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية للمحقق. (9/77)
صفحة 1335
وإذا قدم إلى الكاتب رجل وقال له: اكتب مالي الفلاني والكاتب لا يعرف المال للقار وإنما يعرفه لمالك غيره هل يسع الكاتب أن يكتب له فيه؟
فإن كتبه فلا يلزمه شيء وإن تركه فلا حجة عليه.
مسألة
[ تقسيم مال الأيتام ]
وإذا كان المال مشاعاً بين أيتام وبلغ ذوي يتم فرام البالغ الإقرار في حقه هل يسع الكاتب أن يكتب عليه إذا ادعى توزيع المال بينه وبين اليتيم؟ فلا يكتب له حتى ينظر بسهم اليتيم فإن رآه صلاحاً جاز أن يكتب له في سهم البالغ إذا صح القسم.
مسألة
[ حكم الإملاء من الشخص له على غيره ]
وإذا وافى الكاتب وإتجاره بدفتر وقال له : اكتب لي على فلان كذا وكذا هل يسعه ذلك؟ فلا يسع الكاتب أن يكتب على أحد لأحد بدعواه لأن
خطه محكوم به ولو لم يكتب كنيته فلان إذا صح أنه خط وأما غير الكاتب ففيه اختلاف.
مسألة
[ في قواعد اللغة ]
ومن كان يسمي يوردين فإن يكتب بإثبات الألف بالزرين هكذا
وبإثبات اللام. ومن كتب وقد جعل فلان ثقات المسلمين أوصياءه في ماله
بعد موته وجعل كذا وكذا لأربة فضة لمن تقوم بإنفاذ وصيته فهذا لفظ
ثابت وجائز.
مسألة
[ صور من الكتابة ]
وإذا كتب الكاتب: أقر فلان ابن فلان الفلاني وفلان وفلان بني فلان
ابن فلان الفلاني ولم يكتب: الفلاني فهذا لفظ لم يتضح لي صوابه ولو
أقدم على اضمحلال الحق به والأصح أن يكتب الفلانين.
مسألة
[ صور من الإقرارات بالكتابة ]
وإذا كتب: وبمائتي لارية فضة كتب يوجز بهما من يفعل كذا وكذا،
ولا يزبر له تحريها وتجوز كتابته الصكوك في الغسق وليمتعه ليلة كذا.
مسألة
[ أثر تحريك الشفاه بالكتابة ]
وإذا كفر الشاهد فاه ولم يرن الكاتب شفتيه فلا يسع الكاتب أن يكتب إلا بالشهادة التي لا تخالجه الريبة فيها من تحريك شفتيه الشاهد والقار بالكلام.
مسألة
[ شهادة البينة على الواقع ]
وإن شهدت البينة أن هذا فلان ابن فلان وعتيق فلان وهم شهرة جاز للكاتب أن يزبر كما شهدوا أنه عتيق فلان.
مسألة (9/78)
صفحة 1336
[ صيغة كتاب التأنيث ]
وإذا كتب الكاتب على أنثى لذكر كتب وقد جعلته مصدقاً عليها
وأقامته في ذلك لا جعلتيه وأقمتيه وإذا كتب لفلان وفلان ابني فلان
بتحريك الألف فلا يبطل الحق والأصح بغير تحريك ولا يلفظ للمثنى
تستحقيه وكذلك في تحتاجي تحتاجين.
مسألة
[ صور من الكتب ]
وإذا وافى الكاتب مدع وادعا أنه اشترى مالاً من فلان وهو المال المسمى كذا وعرضت فيه شبهة أو جهل فيه عيباً فغير منه جاز للكاتب أن يكتب له الغير ولو لم يصح عنده شراءه للمال وللخصم حجة.
مسألة
[ إقرار القوم بتوزيع المال ]
وإذا ادعى قوم أن لهم مالاً مشاعاً وأنهم وزعوا بينهم أو تقايضوا بأموال هل يسع الكاتب أن يكتب لهم فيه؟ فنعم جائز ذلك ولا يكلف الكاتب
علم الغيب إذا عرف من يكتب عليه.
مسألة
[ كتاب ببيع الحقول والزروع ]
وإذ أراد أن يكتب الكاتب بيع نخيل وأشجار وبير وكتب جميع
حدودها وحقولها وطرقها وبيرها وحوضها وبما فيها من باسقات ودوح ودهاليز وحيطان وميازيب وغير ذلك جاز ذلك.
مسألة
[ أثر نزاهة الكاتب ]
وهل يجوز للكاتب إن برر طرساً لزمه ثم إنه واصلك كذا واشترى
لنا كذا فينبغي للكاتب التنزه عن مثل هذا أو ما سوى الكاتب فلا
يضيق عليه.
مسألة
[ كتابة الوصايا ]
وإذا أوصى موص بوصايا في باطن قرطاسه ثم أنه أوصى بوصايا مكتوبة
في ظهرها فإنه يثبت عليه كل ما أوصى به إذا كان بخط بلفظ مستقيم ومن أوصى بإنفاذ ما تموا عليه في باطن الورقة وظاهرها فحسن.
مسألة
[ صور من الكتابة ]
ومن وافى كاتباً وأراد أن يكتب عليه أملاكه بيعاً وإقراراً أو وصية أو إثباتاً فأما الإقرار والوصية فلا يكتب عليه وأما البيع والإثبات إذا بزتت منه أن
يلحي ماله بالباطل فجائز أن يكتب عليه.
مسألة
[ حكم الكتابة في قرطاس ]
وإذا وافى الكاتب بقرطاسة مكتوب في باطنها حق لأحد وأمره من بيده القرطاسة أن يكتب عليه في ظاهرها حقاً فلا يعجبني للكاتب ذلك وإن
كتب فلا يلزمه شيء.
مسألة (9/79)
صفحة 1337
[ عقد من الوصية ]
في جعل الأجرة للوصي يكتب: وقد جعل فلان ابن فلان وصيه في
ماله بعد موته إلى تمام اللفظ جعل له كذا وكذا لارية فضة أجرة له بقيامه
على إنفاذ وصيته.
مسألة
[ عرض ما يكتب على المسلمين ]
وإذا كتب الكاتب الجائز الكتابة ولم يكتب ولا يؤخذ بما كتبته حتى يعرض على المسلمين ويصح عدله فلا بأس عليه وإن كتب: وقد أثبت فلان
ما كتب عليه هنا ثابتاً كان أو غير ثابت فقد أثبته على نفسه وأوصى بإنفاذه من ماله فهذا لا يثبت غبر الثابت.
مسألة
[ الإقرار عند الكتابة ]
وهل يجوز لأب المقرور له أن يشهد بنشب القار عند الكاتب إذا كان عدلاً إذا تعذر حصول من يشهد عليه إذا كان الإقرار لابنه فلا يجوز على الأصح ولا يخرج من الاختلاف في العدل.
مسألة
[ كتابة إقرار الزوجة لزوجها ]
وجائز للكاتب أن يكتب الوكالة للابن بشهادة أبيه بنسبه وإذا أقرت امرأة
لزوجها بنحو بمطالبته من أبيه كان الزوج حاضراً أو ناء كان الأب في موضع ثقته أو لم يكن فلا حرج على الكاتب أن يكتب ما أقرت الزوجة لزوجها.
مسألة
[ الاستفهام عند الكتابة ]
وإذا لقط الكاتب على المكتوب عليه بالحق فالتفت ليستفهمه فلم يشعر لنعم فوراً فلما أشعر قال: نعم هل يكفيه اللفظ المتقدم أم يستأنف اللفظ
ثابتاً فمثل هذا يجري فيه الاختلاف فإن أعاد عليه اللفظ فأحسن وإن اجتزأ باللفظ الأول أجزأه.
مسألة
[ صور من الصكوك المكتوبة ]
وإذا كتب الكاتب بيع ما لأربعة رجال وإن يكون لكل واحد منهم ربع ولكل منهم صك على حدة والكتابة في يوم فإنه يكتب التاريخ بأوقات
مختلفة ولو كانت في يوم كالضحى والعصر نصف النهار والظهر من
اليوم الفلاني.
مسألة
[ صور من لفظ الكتابة ]
وأما لفظ الكتابة هو أن يكتب: قد باع زيد لعمرو ربع ماله المسمى كذا من قرية كذا وسهم من أربعة أسهم ويكتب للثاني ثلث حقه وللثالث
نصف حقه وهو سهمه من سهمه من سهمين وللرابع تجميع حقه.
مسألة
[ صور من الإقرار ] (9/80)
صفحة 1338
وإذا كان المقر يملك عنه رفيقه وهو حاضر وبما يملك على الكاتب
المقرور له والقار تارة يحضر ويغيب وعند اللفظ لفظ على القار نفسه فلا
يضيق مثل هذا على الكاتب والأحسن أن يملك على القادر.
مسألة
[ صور من كتابة التاريخ ]
وإذا كتب جمادى الأولى وجمادى الآخرة ثم وإن كتب الأول والأخر
ثم مثله ربيع الأول وربيع الآخر ولا يكتب ربيع الآخرة فجمادى الآخرة.
مسألة
[ كيفية توزيع التركة ]
وجائز للكاتب أن يكتب على البالغين من الشركاء مرافعة أو بيعاً ولو لم يحضر قسمهم وأما ذوا اليتم فلا، وإذا كانت على الهالك حقوق ووصايا
لم تنفذ فلا يجوز توزيع نشب الهالك وإذا كان في الورثة من لا يملك أمره
لم يجز للكاتب أن يكتب إلا بصحة الحقوق.
مسألة
[ فيما تجوز فيها الكتابة ]
وتجوز الكتابة في الإقرار إلى مدة بالعكس وأما بالتصديق فإنه
يكتب في الحقوق ومن كتب وبنحلته الذي نحلته ولم يكتب التي،
التي بطلت على الأرجح.
مسألة
[ صور من الإقرارات والوصايا ]
ومن جاء بوصية نفسة فطلس بعضها وقال له بعض من حضر: إن ما طلسته ينقري أو أفتاه مفت أنه ما دام يعرف فهو ثابت فهل على المفتي
جرح إذا طلس قرارات أو وصايا أرأيت لو دله على الكتابة فطلسه فلا يلزمه شيء ولو دله ذلك.
مسألة
[ حكم وصية المرأة لبعلها ]
إذا أوصت المرأة لبعلها بصداقها الآجل إن ماتت قبله من ضمان ثم أوصيت له بثلاثمائة محمدية فضية من ضمان وصداقها ثلاثمائة لارية أقل
أو أكثر كان تاريخ الوصيتين معاً أم متفاوت فهذا كله ثابت للبعل بما كتب
في الوصيتين اتفق التاريخ أو افترق.
مسألة
[ أثر الشهادة للمرأة في العتق ]
وإذا شهد لامرأة خمسة رجال شهرة أنها فلانة عتيقة فلان فكتب عليها
ما أملت عليه ثم أقرت لزوجها بجميع ما بقي لها من مالها بعد موتها من
ضمان لزمها له فهذا جائز ولا على الكاتب تبعة.
مسألة
[ صور من صيغة الإقرار ] (9/81)
صفحة 1339
ومن كتب لأحد إقراراً في ماله فإنه يكتب أقر فلان أن فلان ابن فلان لفلان ابن فلان بكذا كذا من ماله إقرار له منه بذلك.
مسألة
[ صور من الكتابة ]
ومن أراد أن يكتب شيئاً من ماله لينفذ عنه على رأي المسلمين فإنه يكتب أوصى فلان ابن فلان بكذا من ماله لينفذ فيما يراه المسلمون من ضمان
لزمه من قبل زكاة صنيعها.
مسألة
[ صور من الوصايا ]
ومن أوصى بكذا وكذا من ماله لزيد من ضمان عليه له فقال بعض أهل العلم: إذا لم يوص بإنفاذ الحق بطل، وقول : يثبت الحق وإن أوصى بوصية مطلقة من غير ضمان فهي ثابتة لغير الوارث أوصى بإنفاذها أو لم يوص
وإن أوصى فحسن.
مسألة
[ أثر إسقاط بعض الحروف على العقد ]
وإذ أسقط الواو من أوصى وأوصت وكانت الوصية كلها على نسق
تلك اللفظة فإن الوصية تبطل كلها وإن كتب في آخر الوصية: وأوصى
بإنفاذ ما كتب عليه في هذه الورقة فقول : إن ذلك يصلحها إذا كانت ثابتة
في الأصل وإنما بطلت من جهة اللفظ وإن تك باطلة كالوصية للوارث(1) والمجهول فلا يصلحها اللفظ الأخير.
مسألة
[ قواعد في اللغة ]
واعلم أن الأسماء المقصورة منها ما يكتب بالألف ومنها ما يكتب
بالياء فإذا التبس الأمر جاز أن يكتب بالألف وأما الأسماء الممدودة فلا
تزبر إلا بالألف.
مسألة
[ أثر اللحن في العقود ]
من جهة اللغة وأما من جهة فقول: إن الأوراق يبطلها اللحن، وقول: لا يبطلها.
مسألة
[ صور من العقود والصيغ ]
وأما بستان مخشي فإن كتب بالألف أو بالياء فسيان ولفظ من جعل
أوصياءه جماعة كتب وإن يكون كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه
بنسخة الآخرين ويجعل الأجرة لمن يقوم منهم بوصية فذلك جائز.
مسألة
[ صور من صيغ الوصية ]
__________
(1) 1- لقوله -- صلى الله عليه وسلم -- لا وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» حديث صحيح عن ابن
عباس وغيره. (9/82)
صفحة 1340
وأما كيفية اللفظ فإنه يجوز وقد جعل فلان ابن فلان هذا فلان ابن فلان وبعددهم كما شاء من الكثرة أوصياءه بعد موته في قضاء دينه واقتضاء
ديونه وإنفاذ وصاياه من ماله وقد جعل فيهم عن ميتهم وحاضرهم عن
غائبهم وفعل أحدهم كفعل جميعهم وقد جعل لمن ينفذ وصيته هذه أو
أوصياءه كذا وكذا لادية أجرة له على إنفاذ وصاياه.
مسألة
[ صور من البينة ]
ومن شهدت له البينة أنه صاحب نزوي جاز أن ينسبه الكاتب النْزوي إذا كان مع الشهادة واحد أو مسكنه قرية نزوى.
مسألة
[ تعاقب الأوصياء على الأول ]
ومن جعل وصياً بعد وصي مع وجود الأول ففي ذلك اختلاف قول:
إذا زبر سواه فقد رجع عنه ولو لم يرجع عن الأول، وقول: حتى يرجع.
مسألة
[ الإملاء بالوصايا وكيفية الكتابة ]
ومن أراد أن يوصي بوصايا وقال للكاتب كل ما أمليه عليك فاكتبه من ضمان أيجوز للكاتب ذلك من غير أن يستفهمه عن كل واحدة أنه من
ضمان فذلك جائز والأحسن أن يستفهمه عن كل شيء على حدة.
مسألة
[ الكتابة حسب الإملاء ]
وإذا وافى الكاتب اثنان فكتب أحدهما وصية ثم أراد الثاني أن يكتب
وصية فسأله الكاتب عما يريد أن يكتبه فقال له : اكتب علي كما كتبته
على فلان فكتب عليه ولفظ فهذا جائز وثابت.
مسألة
[ حكم الكتابة بزيادة الصداق ]
ومن أراد أن يزيد لعرسه مهرها وزكاة حليها هل للكاتب أن يستفهمه
أنه من شرط صداقها أم لا؟ فلا يضيق عليه ذلك.
مسألة
[ صور من الكتابة ]
ومن وافى كاتباً بصك مكتوب له فيه بيع قطع وأمره أن يتلف منه شيئاً لبني فلان حذر الغير فلا يضيق على الكاتب ذلك.
ويجوز للكاتب إذا كتب وصية على امرأة أن يذكرها لتزبر لبعلها
صداقها الآجل وإن لم يذكرهن فسيان.
مسألة
[ صور من الوصايا ]
وإذا أوصى الموصي بوصايا من ضمان ثم أوصى على وصيته أنه قد
تخلص منها أو طلسها فما لم يعطله فهو ثابت في سبده ولبده في الحكم
وإن كان وصية فله الرجوع فيها إذا لم تكن من ضمان.
مسألة (9/83)
صفحة 1341
[ علاقة الوصية بالصحة والمرض ]
وتصدير الوصية على ذي الوصب والصحة سيان وإن رقم على ذي الوصب في صحة من عقله فحسن، وإن لم يكتب وكان عنده أنه صحيح العقل جاز.
مسألة
[ ما تحتويه الوصية ]
في لفظ من رام أن يجعل عزاه علي رأى وصيه وعلى أن ينفذه معمولاً
أو غير معمول فإن يكتب وبما يرزق ومن يحضر عزاه أو مأتمه من الناس من طعام وإدام وحلاء وحرض وغير ذلك ينفذ ذلك من ماله على رأي الوصية.
مسألة
[ حكم كتابة المراهق ]
وجائز للكاتب أن يكتب على المراهق ذكراً كان أو أنثى ويجعله بمنْزلة البائع وقول: لا يجوز وهو الأصح عندنا وعليه العمل. وجائز أن يوصي
عليه وأن يعطي ما للفقراء.
مسألة
[ الاختلال في الكتابة ]
وإذا سهي الكاتب فيما يعلم حقه من باطله فأبطل حقاً أو كتبه بلفظ غير مستقيم فلا ضمان عليه، وإن لم يعلم ما دخل فيه فيكتب باطلاً ضمن لأنه
لا يسعه أن يدخل في شيء على الجهل.
مسألة
[ في اللغة ]
وإن كتب وبلارتي فضة تفرقا أول ليفرقا بالياء فإنه يرقمها لتفرقا بالتاء.
مسألة
[ صور من الوكالة ]
ورب الوكالة المطلقة جائز له أن يبيع لشبله من ماله من وكله وجائز للكاتب عليه ولا عليه بأس ولا تعتريه وصمة الالتباس.
مسألة
[ من صيغ الإقرارات ]
وإذا كتب بثلاثمائة من تمر تفرقن أم تفرق على من رزقه الله من الفقراء فهذا كله جائز وثابت ومن رام أن يقر لأخيه من أمه فإن الكاتب يكتب
لأخيه من أمه فلان ابن فلان.
مسألة
[ صيغة عقد من عقود البيع المكتوبة ]
ومن أراد أن يقر بجب له كتب الكاتب : أقر فلان ابن فلان بأنه قد باع لفلان ابن فلان وينسبه إلى محتدة بجبه المسماة كذا وأراضيه المسماة من
قرية كذا بحدود هذا البيع وحقوقه وطرقه ومسالكه بيع القطع والأصل
فهذا لفظ ثابت.
مسألة
[ الإقرار للزوجة أو لأقاربه ] (9/84)
صفحة 1342
وإن أقر المقر لزوجته أو لأحد مما يناسبه كولده أو أبيه أو عمه أو خاله أو من أمثالهم فإن نسبه فأحسن وإن لم ينسبه فلا بأس إذا لم يكن في أولاده
من يساميه أو في أقاربه وإن نسبه لإزاحة الإشكال فأولى وأحق وبمطابقة السلامة أقمن وأرفق.
مسألة
[ الوصية بالعتق ]
وإذا أوصى الموصي بعتق قينته بعد موته وأوصى لها بشيء من ماله بعد
أن استحقان العتق بإثبات النون وأن ينفذ ذلك من ماله فهذه لفظة لا تخرج
من الاختلاف ولم أقدر إلزام الكاتب ضمان في مثل هذا أن يكتب بعد أن استحقا العتق بالتاء المعجمة من فوق رفعاً وجراً.
مسألة
[ أثر إبطال الحق عن طريق اللحن ]
وإذا كتب الكاتب جاهلاً بإعراب الكلم فلحن في بعض كتابته حتى
أبطل حقاً ففي الضمان عليه اختلاف والأصح أنه ضامن وإن يك عارفاً
بذلك ووقع منه اللحن من جهة السهو فلا ضمان عليه.
مسألة
[ متى يكتب التاريخ ]
وإذا كتب الكاتب على أحد إقراراًَ أو وصية ولقط عليه بعد الكتابة بمدة قلت أو كثرت فأما أن يلفظ عليه بعد مدة فجائز وأما التاريخ فلا يكتبه إلا عند كتابة الصك.
مسألة
[ من صيغ التوكيل بالزواج ]
ولفظ من أراد أن يوكل من بلي تزويجه من النساء في تزويج نفسه قد
أقام فلان ابن فلان فلانة بنت فلان وكيلة في تزويج نفسها وأن تامرت من شاءت من الرجال أن يعقد نكاحها بمن شاءت من الرجال للأكفاء وبما
شاءت من الصداق زوجاً بعد زوج أقامها في ذلك مقامه وأنزلها منْزلته
بوكالة شرعية.
مسألة
[ التوكيل في تزويج الصبية ]
ومن له ابنة صبية فأراد أن يوكل في تزويجها فاللفظ كما تقدم إلا أن المشيئة هنا في الأكفاء والصداق وتكون للوكيل إلا للصبية(1).
مسألة
[ ردة الكتاب بين الأسطر ]
وإذا سهى الكاتب عن شيء فرده فإنه يكتب رده فلان أو كتبه فلان إذا كانت الردة في حاشية الصك وأما إن كانت الردة بين السطرين فلا يحتاج
__________
(1) 1- هكذا في الأصل: ولعله «لا للصبية» والله أعلم. (9/85)
صفحة 1343
إلى كتابة رده فلان وكتبه وفلان وخط الكاتب هو حجة بنفسه.
مسألة
[ الرجوع في الكتابة ]
وإذا كتب الكاتب في مال لا يكتب المسلمون فيه فإذا صح له بعد ذلك انتزع الصك وقده وإن تعذر عليه كتب رجوعاً ولفظ رجوعه ليعلم من
يقف على كتابي هذا من المسلمين بأني قد رجعت عن كتابي في هذا المال المسمى كذا من قرية كذا بعد أن صحت لدي واتضحت عندي شبهته وأن المسلمين لا يدخلون فيه.
مسألة
[ أثر الاختلاف على رب الصك ]
وإذا وافى الكاتب رب صك وبه مكتوب حق وادعى بيده الصك أنه هو المنسوب فيه وأراد إحالته أيجوز للكاتب أن يحيله له إذا لم يعرفه أرأيت لو شهدت له البينة العادلة أن هذا فلان ابن فلان بزيادة جد أو نقصان ووافقت شهادتهم إلا أنهم لا يشهدون أنه هو المنسوب في الصك بل شهدوا لم
يعلموا أحداً يواطي اسمه اسم هذا الرجل فعلى ما ذكرت جاز للكاتب أن
يحيل الحق.
مسألة
[ لفظ الإقرار في الكتابة لأخيه ]
وإذا وافى الكاتب رجل وادعى أنه أعطى بعض أولاده شيئاً من ماله وأراد أن يكتب لأخيه كمثل ما أعطاه فلا يضيق ذلك على الكاتب ولفظه أقر
فلان ابن فلان أو أوصى من ضمان بكذا وكذا لابنه فلان عوض ما أعطى أخاه فلاناً.
مسألة
[ الإقرار للأشخاص ]
وإذا كان بيت شركة فأرادوا أن يدفعوا بحصصهم لأحدهم كيف اللفظ أو لفظه: أقر فلان وفلان وفلان بنوا فلان بأنهم قد دفعوا لشريكهم فلان
ابن فلان بحقهم ونصيبهم من البيت الفلاني الذي هو بمحلة كذا بجميع ما يستحق من جميع الأشياء.
مسألة
[ من صيغ التوكيل ]
قد أقام فلان ابن فلان الفلاني وكيلاً فلان ابن فلان وكيلاً له في بيع بيته الذي هو بحجرة كذا من بلد كذا على من شاء وبما شاء من الثمن وفي
كتابه الصك للمشتري وقبض الثمن أقامه في ذلك مقامه وأنزله منْزلته
بوكالة صحيحة ثابتة شرعية.
مسألة
[ الوصية بإطعام المعزين بعد الموت ]
وإذا أوصى الموصي بطعام لمن يحضر عزاءه ومأتمه من الناس فلا يجوز (9/86)
صفحة 1344
إلا لمن يحضر عزاءه ومأتمه وكذلك إذا أوصى بإدام وحلاء صح إحضارهما
معاً وإن أوصى بإدام وحلاء أخبر بإحضار أحدهما.
مسألة
[ الكتابة على ذي الوصب ]
وإذا أدعي الكاتب أن يكتب على ذي وصب أو صحيح فعليه المسارعة لفعل الخير وأن وجد كاتب غيره أو لم يوجد إلا من عذر فالمعذور من
عذره الله.
مسألة
[ الإقرار لاثنين ]
وأراد الكاتب أن يلفظ على اثنين فإنه يقول: قد أقررت يا فلان وأقررت أنت يا فلان وأقررتما يا فلان ويا فلان كل هذا لفظ جائز وثابت.
مسألة
[ وصية المرأة لزوجها ]
أوصت فلانة بنت فلان لزوجها فلان بصداقها الآجل وبما بقي من صداقها العاجل الذي عليه لها إن ماتت قبله من ضمن عليها له.
مسألة
[ من صيغ البيع ]
ومن له نصيب في مال وعزب عليه علمه أنه كم من جزوء من جملة
المال ودام بيعه والإقرار به في مثل هذا يثبت من البيع وكلاهما جائز ما لم ينقض أحد المتتابعين البيع.
مسألة
[ قواعد النسب ]
أقر فلان ابن فلان الفلاني أن قد دفع لفلان ابن فلان بماله الفلاني بباء
قبل المميم ومن كان ينسب إلى أبرا أو أزكى فإنه ينسب الأبروي
والأزكوي وجاء عن بعضهم فإنه ينسب الأزكي والأبري.
مسألة
[ كيفية الإقرار للأم أو للغير ]
ومن أراد أن يقر لزيد وأمه فإنه يكتب قد أقر فلان ابن فلان الفلاني بأن عليه لزيد ولأمه فلانة بكذا وكذا ليرة فضة تامة اللفظ.
مسألة
[ من صيغ الكتابة ]
وإذا كتب بأن عليه للشيخ فلان أو للأخ فلان ولم يلفظ عليه بلفظ
الشيخ والأخ فإن لفظ عليه بما كتب فأحسن وإلا فلا بأس عليه.
مسألة
[ الإقرار لأولاد الابن بمثل نصيب أبيهم ]
وإذا أقر لأحد من أولاد ابنه بمثل نصيب أبيه من ماله أن لو كان أبوه حياً ولفظ عليه الكاتب بكسر الألف من أن لو كان أبوه حياً جهلاً منه فلا بأس على الكاتب في مثل هذا إذ هو جائز وبفتح الهمزة أفصح.
مسألة
[ من صيغ الإقرار ] (9/87)
صفحة 1345
أقر فلان ابن فلان الفلاني بأن لاحق على فلان ابن فلان الفلاني وإن طلعت له ورقة قرطاس مكتوب فيها أحق تاريخها قبل تاريخ هذا الكتاب
وهو كذا وكذا فالحق الذي له فيها باطل لا عمل عليه إقرار منه له بذلك.
مسألة
[ الإقرار بغلة المال لتفرق على الفقراء ]
وإذا أقر محجوب البصر بغلة ماله الفلاني وأصابها التفرق على الفقراء
من قرية كذا بعد موته سنة بلا وكيل جهلاً منه ففي ثبوت إقرار الأعمى في أصل ماله اختلاف والأصح أنه باطل، وأما في غير الأصول فهو ثابت.
مسألة
[ الإقرار بحقوق الآخرين ]
ومن كتب حقوقاً للناس على نفسه بخط يده وهو غير جائز الخط وليس هو بلفظ المستقيم ثم كتب في أثناء القرطاس سنة كاتب من كتاب المسلمين تصديقها للمقرور لهم وأوصى بقضائه وإنفاذه بعد موته من ماله فهذا
اللفظ يثبت جميع ما نمقه على نفسه.
مسألة
[ من صور الوصية ]
ومن لزمه ضمان من وصية هالك فرام الوصية بما لزم لمن أوصى له فلفظ
أقر فلان ابن فلان الفلاني أو أوصى بكذا وكذا لفلان ابن فلان الفلاني من ضمان عليه له من قبل ما أوصى به الهالك فلان ابن فلان.
مسألة
[ الوصية في الأولاد ]
وفي وصية الأولاد أوصى فلان ابن فلان الفلاني بأنه قد جعل فلان
الفلاني وصية في الأولاد بعد موته في القيام بمصالحهم ومصالح أموالهم
وفي قبض غلة أموالهم وإجراء النفقة عليهم والكسوة وفي تزويج بناته.
مسألة
[ أثر ابتلاء الورقة المكتوب فيها ]
ومن وافى كاتباً بورقة مكتوب له فيها حق قد بليت أو كادت تمزق فأراد نقلها في ورقة سواها جاز للكاتب نقلها كانت في يد ثقة أو خلافه وإن
قدت الأولى فحسن.
مسألة
[ الوصية بنخل ]
ومن أوصى بنخله خيار ماله الفلاني ثم أوصى لآخر كالأول بنخله خيار ماله فإذا كانت الوصية من ضمان فلا رجوع له وتثبت النخلات من خيار
ماله ويجتهدون أن لا يكون بين النخلتين تفاصل.
مسألة
[ الكتابة بحقوق الآخرين ] (9/88)
صفحة 1346
وإذا أمر الموصي الكاتب أن يكتب عليه حقوقاً هل عليه أن يسأل أنها من ضمان أم لا، فإن استفهمه فأحسن وإلا فلا لوم على الكاتب أن يكتب كما أملي عليه ثبت الحق أو بطل وقول: لا يكتب الكاتب إلا الثابت في
الأحكام وإذا وافى الكاتب رجل بيده ورقة مكتوب فيها حق لفلان ابن فلان الذي هو من بني كامل وكانت معرفته بنسبه أنه الكاملي فلا يكتب عليه
إحالة ورقة حتى يعرفه كما هو منسوب فيها.
مسألة
[ الإقرار لزوجته ]
لفظ إقرار بأمة: أقر فلان ابن فلان الفلاني لزوجته فلانة بنت فلان
الفلانية بأمة الأنثى وزولية صوف صداقاً مؤجلاً لها عليه إلى أن تبين منه عن حكم الزوجية بوجه حق إقراراً منه لها بذلك وإذا كتب الكاتب في شيء لا يجوز جهلاً فعليه إعلام من كتب له الحق ومن كتب عليه وأن زل الكاتب
في شيء بعلمه فلا ضمان عليه وعليه لاقاة للحق.
مسألة
[ من صور الكتابة ]
وإذا كتب الكاتب حقاً لأحد من الناس على أحد في قرطاس من عنده
لم يقبضها من يد المقر ثم لما أن كتب قبضها المقر هل عليه في ذلك شبهة
وكان ينبغي للكاتب أن يدفع القرطاسة للمقر ويقبضها منه فإذا كتب
ردها عليه وإن لم يفعل كما وصفت لك فلا ضمان عليه إذ الضمان متعلق بذمة سواه.
مسألة
[ الوصية بالأصول ]
وإذا كان المقر بنظر ولو قليلاً جاز أن يكتب عليه فيما يقر به ويوصي من أصول وغيرها وقيل: فإن اعتبره الكاتب فرأى أحواله مختلفة تارة عبر
وتارة لا فإذا ميز ونظر ولو اختلف أحواله صحت الكتابة عليه.
مسألة
[ الإقرار للزوجة بنفقة ]
لفظ نفقة أو كسوة: أقر فلان ابن فلان أن عليه لزوجته فلانة بنت فلان نفقة ولدها وكسوته إلى أن يبلغ الحلم وذلك من شرط مهرها.
مسألة
[ الوصية بسكن ]
لفظ سكن: أوصى فلان ابن فلان بسكنى بيته الذي في حجرة كذا
لفلان ابن فلان ما دام حياً من ضمان عليه فعلى هذا اللفظ يجوز أن يسكن (9/89)
صفحة 1347
مع الموصى له غيره برضاه وأما إن أوصى له أن يسكن بيته فلا يسكنه إلا بنفسه وبين اللفظتين بون.
مسألة
[ حكم إغفال الكاتب بعض الوصية عمداً ]
وإذا أملى الموصي على الكاتب شيئاً فكتب بعضهما وأعرض عن بعض عمداً بلا عذر ولفظ عليه ما كتبه ولم يعرفه بما أملي عليه فلا يلزم الكاتب ضمان والأحسن أن يعلمه بما لم يكتبه عليه.
النهج الخامس عشر
في الإقرار والوصايا وما يجوز فيها
وما لا يجوز
النهج الخامس عشر
في الإقرار والوصايا(1) وما يجوز فيها
ومالا يجوز
مسألة
[ الوصية بضمان المجهول ]
ومن جواب الشيخ الفقيه القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن
عبيدان رحمه الله: ومن أوصى بوصية من ضمان لا يعرف ربه قول: إنها
للفقراء والأصح أنها لبيت المال.
مسألة
[ كيفية توزيع الوصية ]
ومن أوصى وأقر لبني فلان وزع بينهم سواء الذكر والأنثى على الأرجح
وقول إن الوصية للذكر فقط والأول هو الأرجح فالوصية والإقرار هدر.
مسألة
[ حكم الإقرار للميت ]
ومن أوصى وأقر لأولاد فلان ولم يكن فيهم ذكر بل كلهم إناث ثبت
لهم الإقرار وإن أقر لبني فلان ومنهم من قد مات قبل الإقرار فللميت منهم حصته لأن الإقرار للميت جائز على قول وقول لا يثبت الإقرار إلا للأحياء
__________
(1) 1- الوصايا: مفردها وصية، مأخوذ من قولهم وصيت الرجل آصيه، إذا وصلة لأن
الموصي يصل ما كان منه في حياته بما بعده من مماته. وهي اسم مصدر بمعنى التوصية
أو الإيصاء. ومنه قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ.. } سورة المائدة آية (106).
واصطلاحاً: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت عيناً كان أو ديناً. أو عقد يوجب حقاً
في ثلث مال عاقده، ويلزم بموته أو نيابة عنه بعده» انظر المعاملات المالية في الشريعة
الإسلامية للمحقق باب الوصية. (9/90)
صفحة 1348
يوم الإقرار ولمن مات بعد الإقرار حصته من الإقرار(1).
مسألة
[ حكم الوصية للميت ]
ومن أوصى لميت بشيء فلا يثبت له ولا وصية لمن مات قبل موت
الموصي وأما إذا مات الموصي والموصى له وعزب موت المتقدم منهما فقول
أن الوصية باطلة وقول ثابتة لورثة الولد وقول يثبت للموصى له نصف الحق الموصى به ويبطل النصف للإشكال.
مسألة
[ حكم الوصية لولده ]
ومن أوصى لولده بحق عوض ما أعطى إخوته ونجع الشبل الموصى له
قبل أبيه فقول: الوصية ثابتة لورثة الولد في نشب أبيه وقول تبطل الوصية
بموت الموصي.
مسألة
[ الإقرار للورثة ]
وإذا أقر زيدان عليه لورثة عمر وبحق وضمان لفلان الهالك أعني الذي
هم ورثوه فإن الحق يوزع للذكر مثل حظ الاثنين(2) وإن كتب من ضمان
لزمه لهم واللفظ كما سبق وزع بينهم بالسوية ويمنع التفضيل.
مسألة
[ حكم الوصية لبعض الأولاد ]
وإذا أقر الوالد لبعض أولاده بحق معلوم عوضاً عما أعطى أخوته وقيمة المال ينمو على الحق فإذا أوصى الوالد لشبله بمال وصية من غير ضمان
عوض ما أعطى أخوته وثمن المال ينموا على ما أعطاهم فلا يثبت له إلا
كمثل ما أعطى إخوته ويرجع الباقي في الورثة وإن أقر له بالمال وأوصى له
من ضمان فالمال له ولو كتب عوض ما أعطى إخوته.
مسألة
[ حكم بيع مال الموصى ]
وجائز للوصي أن يبيع مال الموصي بالمساومة لقضاء ما ثبت عليه إذا رأى
الصلاح ولا حجة على الموصي ولأرباب الدين إلا أن يصح أنه باع محاباتاً وهذا إذا كان الوصي ثقة.
مسألة
[ أخذ رأي الموصي في الأجرة ]
وجائز للوصي الاسترار برأيه في أخذ أجرته من مال الموصي إذا استحقها بعد إنفاذ ما يثبت عليه إنفاذه.
مسألة
[ حكم خيانة الوصية ]
__________
(1) 1- لأن الوصية عقد بين الوصي والموصى له ولا بد الإيجاب والقبول والميت ليس له
ذلك. والله أعلم.
(2) 1- لأن القضية هنا حكمها حكم الميراث. (9/91)
صفحة 1349
ومن أوصي له بقرش فلا تثبت له الأسرة والوسائد وهذا يعرف باللغة ومن عليه حق لهالك وللهالك وصي فجائز له تسليمه إلى الوصي إذا عزب عليه علم خيانته وإن خان فلا ولا كرامة له.
مسألة
[ وجوب تنفيذ الحقوق ]
وإذا لم تنفذ الحقوق والوصايا من مال الهالك فالتنزه عن الدخول فيه
ببيع أو شراء أو أكل و غير ذلك أولى.
مسألة
[ أثر تعذر تنفيذ الوصية ]
وإذا تعذر علي الوصي إنفاذ ما أوصي عليه فإنه يرفع بما بقي من الحق
عند ثقة أمانة ويرده الثقة عليه ويأخذ أجرته منه ويكون الباقي عنده أمانة إلى أن ييسر الله له إنفاذه.
مسألة
[ الوصية بالعبادة ]
ومن أوصى علي ورثته أن يحجوا عنه حجة(1) وحج أحدهم من غير
إذن الباقين جاز تسليم الأجرة للحاج منهم من مال الهالك.
مسألة
[ حكم الوصية للحمل ]
والوصية للحمل(2) ثابتة على الأصح وكذلك الإقرار أحد لأحد ورثته بحق ومات المقر له قبل المقر فللمقر نصيبه مما أقر به للآخر وهو لورثته إذا مات.
مسألة
[ حكم الوصية بالسلاح ]
ومن أوصى بسلاحه وكان أيان الوصية لا يملك إلا نزار من السلاح ثم حدث له سواه أو أوصى بنصف ماله ثم حدث له فقول: لمن أوصي له بالسلاح أو نصف المال يوم الوصية وقول: يوم الموت ولو نما بسلاحه أو
نشبه بعد الوصية وهو الأصح.
مسألة
[ الوصية بغلة البستان ]
ومن أوصى بغلة باسقا تجعل خلاً في إناء حدة ويوزع النخل على من
شاء الله من الفقراء ثم تلف الإناء فإن الوصية ثابتة ولا تبطل وتجعل في
إناء غيره.
مسألة
[ حكم الوصية بالخدمة ]
ومن أوصى بخدمة(3) مدة معلومة لمهد أو لبيت المال فالأصح أن نفقته
__________
(1) 1- الوصية بالحج جائزة لأنها عبادة مالية جسديه فهي على المستطيع وشريطة أن يكون
قد حج عن نفسه عند الجمهور. وله أجرة السفر وما يتقاضان عليه.
(2) 2- لأن الحمل له أهلية وجوب ناقصة.
(3) 1- هذا القسم من أقسام الوصية وهي الوصية بالمنفعة. (9/92)
صفحة 1350
في نشب من أوصي له بخدمته وقول: إذا كانت الخدمة معلومة فنفقته في
مال الموصي.
مسألة
[ الوصية بأجرة الغسل ]
وإذا أوصى بأجرة لمن يغسله فغسله الوصي جاز له أخذ الأجرة من ماله أو كان أوصى بغير أجرة(1).
مسألة
[ الوصية لابن ابنه ]
ومن أقر لابن ابنه بمثل نصيب أحد بنيه من ماله أو بمثل نصيب من يرثه
من ماله بعد موته أن لو كان أبوه حياً فالأصح أن هذا إقرار غير ثابت وقول: إنه يثبت.
مسألة
[ الوصية عوض الإحسان ]
ومن أوصى لوارثه بشيء عوض إحسانه ومكافأة لامتنانه ثبتت له الوصية وتمت له القضية على الأصح من الآراء والأرجح.
مسألة
[ الوصية لأبناء الأبناء ]
وإذا أوصى موص لبني بنيه وكانوا صبياناً سلم ما استحقه لأبيهم إن
كان ثقة فاحتاج الأولاد لمئونة وكان الأب ذا عيلة جاز أن يمان بها الأولاد وينبغي استدان إليهم في ذلك وإجلاله فلا يعدم الجواز.
مسألة
[ الوصية لبيت المال ]
ومن أوصى لبيت المال من ضمان أو مما لزمه من صدقة نشبه فكل هذا يخرج من جملة المال.
مسألة
[ الوصية بأجرة قراءة القرآن ]
ومن أوصى بغلة نخلة ينفد أجرتها لمن يقرأ القرآن العظيم على حدث
القبر وقفاً مريداً فالأصح أن يكون إنفاذها على يد الوصي ما حي.
مسألة
[ تنفيذ الوصية ]
ومن أوصى عليه موص فلما مات الموصي انتفي من الوصية ثم رام
الدخول فيها هل له ذلك؟ فله ذلك إذا أراد كره الورثة أو رضوا.
مسألة
[ حكم الوصية للزوجة ]
ومن أوصى بغالة ماله إلى مدة من ضمان وأوصى لزوجته بذلك ما لم تزوج من ضمان عليه لها فعلى من عمارة المال ففي ذلك اختلاف قول:
إن رب الغلة مخير في العمار وتركه وهو الأصح، وقول: إذا كان الإقرار
لمدة معلومة فالعمارة في مال الموصي وإن كان غير محدودة فلا يلزم
الورثة شيء.
مسألة
[ حكم إقرار الوالد لولده ]
__________
(1) 2- هذه الوصية غير واجبة لأن أجرة التكفين والتجهيز من رأس مال التركة يخرج. (9/93)
صفحة 1351
وإذا أقر الوالد في صحته لولده بشيء من أمواله أو أوصي له من
ضمان في صحته فهذا كله ثابت للولد وهو أولى من الديان وإن كان
ذلك في حال الوصب وإلا بثلث النصيب أو كانت وصية من غير ضمان
فهذا لا يثبت.
مسألة
[ حكم الإقرار لآخر بنصف ما يملك ]
ومن أقر لآخر بنصف ما يملك من بعد إخراج مهر الحلائل أيثبت هذا أم لا؟ ففي ذلك اختلاف، قول: إنه إقرار باطل لأن فيه الاستثناء وقول: ثابت ولو كره الورثة وهذا هو الأصح.
مسألة
[ حكم الوصية حال المرض ]
وإذا أوصى ذو الوصب وبرئ من مرضه ومات ولم يشهد في صحته تثبت وصيته والمكتوبة عليه في حال مرضه فالأصح أنها ثابتة ما لم يرجع عنها.
مسألة
[ حكم استرداد الوصية ]
ومن سلم لوصي هالك حقاً عليه للهالك ثم له أن الوصي غير ثقة فرام استرجاع الحق منه أيحكم عليه برده وكان من عليه الحق ثقة أو غير ثقة؟
ففي ذلك اختلاف قول: يحكم عليه برده وقول: لا يحكم عليه.
مسألة
[ حكم الوصية لمن يحمله في نعشه ]
ومن أوصى بوصية لمن يحمله في نعشه فحمله خلق وعزب على الوصي علمهم فعلى الوصي الاجتهاد في معرفتهم إن تعذرت ردت الوصية للورثة.
مسألة
[ الوصية على الصبي ]
وهل يجوز أن يوصى على صبي مميز عاقل ففي ذلك اختلاف قول:
يجوز ويدخل الحاكم معه غيره وقول: لا يجوز.
مسألة
[ حكم استأمن الوصية ]
ومن استأمن ورقة أو وصية من موص وأمره يسلمها بعد موته لوصيه وكان وصيه غير ثقة ففي ذلك اختلاف. قول: يجوز أن يقبضها الورثة،
وقول: لا يجوز إلا أن يطلع على إنفاذها.
مسألة
[ تنسيق الوصايا على وصية غير ثابتة ]
ومن نسق وصايا على وصية غير ثابتة من جهة الغلط في اللفظ أنها تبطل كلها ولو كان لفظ المنسوق عليه صحيحاً وأما إذا نسقه على وصية لوارث وكان اللفظ مستقمياً وثابتاً أن لو كان لغير وارث فهو ثابت وإن علم الورثة أن هالكهم أوصى بمال للوقف ثم رقم وصية أخرى ولم يكتب ذلك (9/94)
صفحة 1352
للوقوف وقد الأولى وضح ولم يعلموا منه رجوعاً سوى قد الوصية وتمزيقها
فلا يكون ما في الوصية الأولى ثابتاً إذا لم تبق الوصية بعد موت الموصي(1).
مسألة
[ الوصية بالطعام ]
ومن أوصى بتمر معين في باسقات معلومات يأكله مؤجر مقدم فطرة صائمو شهر رمضان وما فضل الغلة فلم ينفذه وصيه أيجوز له أخذ الفضلة
أم لا؟ أرأيت لو نقص في السنة المقبلة عن الوزن المحدود هل على الموصي
رد ما أخذه من الفضلة في السنة الأولى؟ فنعم يجوز له أخذ الفضلة ولا
يلزمه رد للناقص فيما يستقبل وإن راموا غرس هذه الأرض فأجرة الغرس وعماره علي الغلة على الأصح أعني الموقوف.
مسألة
[ الوصية لإصلاح المسجد ]
ومن أوصى بوصية لإصلاح مسجد سماه فجائز أن يصلح بعض أموال ذلك المسجد دون جميعهم وإصلاح المال إسماد الأرض والماء.
مسألة
[ الوصية للمسجد ]
ومن أوصى بلبنة لمسجد ولم يسمه ولم يكن بالدر مسجد جامع
فقول: إن الوصية بالبينة ثابتة وهي لأدنى المساجد إليها وقول: إنها
باطلة وهو الأرجح.
مسألة
[ حكم من مات ولم يوصي ]
ومن عليه حق أو ضمانات للناس ومات ولم يوص بها أيحل ماله لوارثه
أم لا؟ إذا أمكن أنه تخلص منه وإن يك مكتوباً بإقراء الوارث مطموساً
واحتمل أنه أداه فلا بأس على الوارث.
مسألة
[ حكم قول المقر ]
وإذا ضرب على الحق المزبور في الورقة أو اسم القار أو اسم المقرور له
فإذا أبان الخط للقراءة ولو على الشمس فقول ثابت.
مسألة
[ حكم الإقرار للورثة ]
ومن أقر لورثته أو لأحدهم بشيء من نشيبه من ضمان أن حدث به الموت قبله فمات المقر وله قبل المقر ففي ذلك اختلاف، قول: إن الإقرار
ثابت لمن أقر له به والشرط هدر وقول: كلاهما ثابتان وقول هذا باطل
بسبب الشرط وقول: هو في ثلث مال الهالك إن وفى.
مسألة
[ حكم الوصية للبعل بمصداقها ]
__________
(1) 1- لأن الإيجاب والقبول من شروط الصيغة التي هي من أركان الوصية وينبغي أن
يستمر هذا إلى ما بعد الوفاة. (9/95)
صفحة 1353
وإذا أوصت المرأة لبعلها بصداقها الآجل إن ماتت قبله من ضمان فحكمها والأول سيان.
مسألة
[ حكم الإقرار أولاً ]
ومن أقر لبنيه بمال معروف ثم حدث له الأولاد فأقر بذلك المال للجميع فالمال لمن أقر لهم به أولاً وليس لمن حدث شيء.
مسألة
[ حكم الإقرار للأجنبي ]
ومن أقر بمال من أمواله لأولاده ثم أقر بذلك المال لأجنبي أو باعه ثبت إقراره وبيعه للأجنبي لأن إتلافه لمال أولاده ماض على الأصح.
مسألة
[ لمن الأموال إن لم تنفذ الوصية ]
ومن أوصى بدراهم يشترى بها طعام وإدام وتمر ويؤكل أيام عزائه
فخلت أيام العزاء ولم ينفذ ما أوصى به كله فإن بقيت الدراهم ترجع إلى الورثة وإن لم يقلد الأكل بأيام العزاء فإنها تنفذ فيما أوصى به الموصي قربت المدة أو بعدت.
مسألة
[ الوصية بكفارة عشرين صلاة ،عشرين يميناً ]
ومن أوصى بكفارة عشرين صلاة وبكفارة عشرين يميناً فقول: لا
تثبت إلا كفارة واحدة وإن كفارة عشرين صلاة غير عشرين
كفارة(1) صلاة وكذلك في كفارة عشرين يميناً وقول: يجب لكل
صلاة كفارة ولكل يمين كفارة(2).
مسألة
[ الوصية بالكفارة ]
ومن أوصى بعشرين كفارة صلاة أو بعشرين كفارة يمين فإنه يجب عليه لكل صلاة كفارة ولكل يمين كفارة إجماعاً.
مسألة
[ الدار التي تنفذ فيها الوصية ]
وإذا أوصى الموصي بشيء لبيت المال عما لزمه من الزكاة أو مما لا يعرف ربه ووصيه ناء عن دار الموصي فإن أنفذ الوصية في دار الموصي فحسن وإن نفذت في دار الوصي جائز.
مسألة
[ حكم الوصية بالنياحة ]
وإذا نوى الموصي بالإطعام في أيام العزاء للأجر فله ما نوى وإن نوى للبكاء والنياحة فهو مازور والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
مسألة
[ حكم الوصية بحق لمن مات ]
__________
(1) 1- يظهر هنا والله أعلم تكرار من الناسخ فالأصح «إن كفارة عشرين صلاة غير كفارة
عشرين يميناً».
(2) 2- هذا ما يعرف عند الفقهاء بتداخل الكفارات. وتداخل العقوبات والله أعلم. (9/96)
صفحة 1354
وإذا مات الميت ووجد في وصية مزبور صداق آجل لعرسه وقد ماتت وخلت لها بره فإذا لم يكن وصيته في الصك بالحق فلا يثبت على الأصح
ومن أوصى بإنفاذه بعد موته فهو ثابت.
مسألة
[ حكم الإقرار للمريض ]
وإقرار المريض لوارثه فيه اختلاف والأصح أنه إذا كان بلفظ يثبت في الأحكام أنه ثابت ومن أوصى لشيء من ماله لمن يقرأ القرآن العظيم فمات الوصي والورثة فإن ذلك ثابت وينفذه الجماعة.
مسألة
[ الوصية بنفقة العدة ]
وإن أوصى موص لعرسه بنفقة ما دامت في عدة التربص منه من ضمان لزمه لها فلها في كل شهر نفقة شاري واختلفوا في الإدام، فقول: لا إدام
لها، وقول: لها الإدام وهو الأصح.
مسألة
[ موت الوصي ولم يشاهده الموصى له ]
وإذا كان الوصي من غير بلد الموصي أو كان ضارباً فمات الموصي ولم
يشاهد موته فقام المسلمون بعزائه أو وارثه هل يسقط من أجرته بقدر ذلك الذي قام به غيره؟ فلا يحكم عليه بحط شيء من أجرته.
مسألة
[ وقف المصحف ]
وجائز لمن يوقف مصحفاً أو كتاباً للتعليم أن يتعلم فيه كسواه من البشر وجائز له حبسه عنده ما حيي.
مسألة
[ الوصية لمن يحمل النعش ]
ولا يلزم الموصي أن يوصي لمن يغسله أو يحمل نعشه في حدثه من طريق اللزوم لأن وجوب ذلك على الأحياء المكلفين وينبغي أن يوصي الموصي لمن يحضر عزاءه أو مأتمه من الرجال والنساء واختلفوا في إقرار الأعمى في
الأصول بغير وكيل فقال بعض : لا يصح ولا يثبت وهو الأصح، وأثبته آخرون وأما فيما يجد فجائز كالماء وغيره.
مسألة
[ الوصية لابن الابن بنصيب الأب ]
ومن أوصى لابن ابنه بمثل نصيب أبيه من ماله أن لو كان أبوه حيّاً عاش برهاً ثم مات وأوصى له بوصية من ماله فإنه ضمان لابن الابن بأخذٍ مما أوصى له به جده لأنها بمنزلة تركته وسائر نشبه.
مسألة
[ الوصية بالطعام بعد موته ]
ومن أوصى بطعام ليؤكل بعد موته ولم يوص أيام عزائه فإنه يجوز أكله ولو بعد خلوا أيام عزائه وجائز تركه للورثة.
مسألة (9/97)
صفحة 1355
[ حكم نقض ما باعه الوصي ]
وليس لذي اليتم من الورثة بعد الإيناس نقض ما باعه الوصي من نشب الهالك لقضاء دينه وإنفاذ وصاياه ولو سلم ما ينوبه مما على الهالك.
مسألة
[ حكم بيع أصول الهالك ]
ولا تجوز للوصي بيع أصول الهالك لقضاء ما عليه بغير مشورة الورثة
إذا كانوا حاضرين في المصر ممن يغير عن نفسه وإن فعل فللوارث حجته
في نقض البيع وله المدة في إحضار الثمن إلى ثلاثة أيام كالشفيع فإن
أحضرها وإلا تم البيع وقيل: لا يمدد في إحضار الثمن فإن أحضره وإلا
تم البيع.
مسألة
[ حكم بيع الوصي أموال الموصي ]
ويستحب للوصي أن يشير على الوارث في بيع الأصول والعروض
والحيوان وليس ذلك لازما لهم كمشورته لهم في بيع الأصول وإن كان
الورثة غائبين أو تناما فبيع الوصي ماض في الأموال وغيرها على حال.
مسألة
[ الوصي بما بقي من الكسوة ]
ومن أوصى بما يبقى من كسوته بعد موته من ضمان فلا يثبت له ما كان مقسوماً من الثياب وله المخيط والمقطع ولو لم يخط والملبوس.
مسألة
[ حكم الوصية بالسلاح ]
ومن أوصى بحسامه وذابله رمحه ومنذوسه لأحد من ضمان عليه له
ثم أوصى ببيته بما فيه لآخر ضمان أو وصية ووجد الذابل والحسام
والمندوس في البيت فهن للموله بهن أولاً ولو كانت الوصية بالبيت وما
فيه من ضمان.
مسألة
[ حكم تعدد الوصايا ]
ومن أوصى بشيء من ماله لأحد من غير ضمان ثم أوصي لآخر بداره
بما فيه وكان ما أوصى به أولاً والج الدار عند موت الموصي فإن الموصى له مردود ولمن أوصي له بالدار بما فيه.
مسألة
[ حكم الوصية المطلقة ]
ومن أوصى لأحد ببيته بما فيه وصية مطلقة من غير ضمان ثم أوصى
بشيء من ماله لآخر ووجد الموصى به والج البيت فهو للموصى له به لأنه
رجع في وصيته بالبيت بما فيه.
مسألة
[ الوصية بالمال ]
وإذا أوصى موص ولو من غير ضمان من ماله في معنى واحد وتفاوتت الوصايا كأوصى بعشر محمديات فضة فقول: يثبت الأخير، وقول: يثبت (9/98)
صفحة 1356
الكل وقول: يثبت الأكثر وهذا هو الأرجح ولو من إقراره.
مسألة
[ الوصية بالطيب ]
وما كان له عرف وهو عطر وأما الورس المر فلا أقول: إنه من العطر وأما اليلنحوج العود والكافور والصمغ والزغفران فإنه من العطر.
مسألة
[ الوصية بالعزاء ]
ومن أوصى بعزاء فمات ضارباً جاز إنفاذ عزائه بعد وصول خبره نأت المدة أو قربت وأما إذا غاب الوصي وإن بعد خلو أيام العزاء فليس له أن ينفذ ما أوصى به إن لم ينفذ في أيام العزاء فافهم الفرق بين هاتين المسألتين.
مسألة
[ الوصية بعدد من الكفارات ]
ومن أوصى بأربع كفارات صلوات لكل صلاة منهن إطعام ستين
مسكيناً عما لزم أباه الهالك من كفارات صلوات أو عما أوصي به أبوه
الهالك فهذا يكون من الثلث ويكون الأخذ في الوصايا بالاطمئنانة على
قول وأما الإقرار فلا يجوز الأخذ فيه بالاطمئنانة.
مسألة
[ الوصية من المرأة للرجل ]
وإذا أوصت المرأة للرجل بشيء من ضمان عليه له ولم يكتب الكاتب عليها له فقيل: إن هذا لا يثبت وهو باطل وقيل: يثبت لغير الوارث من الثلث.
مسألة
[ الوصية بنخلة ماله للمسجد ]
ومن أوصى بنحلة من ماله لمسجد وبها ثمرة مدركة فقال بعض المسلمين إنها للموصى له وهو الأصح.
ومن أوصى لأحد يسكن بيته ولم يميزه وله عدة بيوت أو أقر بذلك
فقول له سكن أوسط بيوته وقول: أوكسها وقول: أجودها وقول:
بالحصص وقول لا تثبت حتى تشهد البينة العادلة أن هذا البيت الذي
أقر بسكنه.
مسألة
[ الوصية بسكن الدار ]
ومن أقر وأوصى من ضمان لزوجته بسكن داره ما لم تكن ذات بعل فنكحت نكاحاً فاسداً فلا يبطل حقها بنكاح الفاسد فإن نكحت نكاحاً صحيحاً فسد حقها وبطل ولو لم يفض البعل إليها ويباشرها.
مسألة
[ متى يبطل التوزيع ]
وإذا وزع الوارثون نشب هالكهم وظهر الصك المزبور به السكن وهو بخط جائز الخط بلفظ مستقيم ثبت السكن وبطل التوزيع ومن نسق على
لفظ وصايا تقدمت ولا يته لفلان بنخلتيه الفلانيتين من ضمان عليه له ثم (9/99)
صفحة 1357
باعها الأب الموص فقول: للولد ثمن النخلتين من مال أبيه، وقول: لا شيء
له والأول.
مسألة
[ الوصية بإصلاح المال ]
ومن أوصى بشيء لإصلاح المال الفلاني من ضمان فإنها تجعل في سقيه
أو غرسه أو خطافه وأما السماد فلا.
مسألة
[ حكم عدم نفاذ الوصايا ]
ومن أوصى عليه بوصايا فأبا إنفاذها لعذر أقام الحاكم وكيلاً عادلاً
مرضياً لأنفاذ ما ثبت على الهالك من حقوق ووصايا وقول: ينفذها الورثة البالغون إذا كانوا أهلاً لذلك ولو كان في الورثة أيتام والأول أرجح.
مسألة
[ من ألفاظ الوكالة ]
ولفظ الوكالة قد أقمتك وكيلاً لقضاء دين الهالك فلان وإنفاذ وصاياه من ماله على منوال الشرع الشريف وقد جعلت لك أجرة من مال الهالك فلان وإنفاذ وصايا من ماله على منوال الشرع الشريف وقد جعلت كذلك كذا أجرة لك من مال الهالك بقيامك بذلك ويجتهد الحاكم في إنفاذ الأجرة.
مسألة
[ حكم وقف الباسقات ]
ومن أوقف باسقات من ماله وأوصى بوصايا يعجز ثلث ماله عنها فعلى الباسقات الموصى بها حصتها من النقصان فعلى هذا يقاس ما يرد من الوصايا.
مسألة
[ الوصية بشراء رقبة وعتقها ]
ومن أوصى بمائة لارية فضة تشترى بها رقبة وتعتق عنه لوجه الله تعالى فعجز ثلث ماله عن إنفاذ وصاياه فإن المائة اللارية تحاصص الوصايا في
الثلث وإن عجزت الدراهم عن الرقبة جعلت في ثمن رقبة تعتق وتكون عن الوصيتين وإن تطوع الورثة بما نقص جاز.
مسألة
[ ما يدخل في الإقرار ]
ومن أقر ببيته وفي صفتان أو أكثر ومدخلهن واحد وتحت البيت رموح ولم تحط بجدر وإنما البنيان في بعض جوانبها فإذا وقع الإقرار بجميع
حدوده وحقوقه فالرموم والدروس داخلة فيه وإن لم يكن اللفظ كذلك ولم تكن الجدر محيط بها فهي خارجة من البيع والإقرار.
مسألة
[ أنواع من الإقرارات ] (9/100)
صفحة 1358
وأما الضعيف فإن قطع بينهما شيء من القواطع فالقول فيها قول البائع والمقر وإذا كانت كلها محاطة بجدر فإنها داخلة في الإقرار وإذا كان فرق الأساس شيء من بيان الطين ولو قل فهو جدار وأما الحصى نفسه من غير
فلا يحكم به جدار.
مسألة
[ مدى جواز بيع أصل الهالك من قبل الوصي ]
وإذا مات الموصي وله أموال ببيع الخيار وأموال أصل عليه حقوق ووصايا وورثته بالغوث وعكسهم فللوصي أن يبيع من أصل مال الهالك ليفدى ما
باعه الهالك بالخيار.
مسألة
[ أثر إدراك المال المتلف ودفع الأمر للحاكم ]
وإذا رأى البالغون أنه سيدرك مالهم المباع بالخيار التلف بخلو المدة رفعوا أمرهم إلى ولي الأمر ويسع مال الهالك بقدر فك الخيار من مالهم جاز
لحاكم ذلك ولو كان في الورثة أيتام إذا اتضح له الصلاح للأيتام.
مسألة
[ حكم الوصية بالسلاح ]
ومن أوصى بجميع سلاحه من صوارم ونبارق وما عليهن من بنود
وجلود وأخشاب وللموصي خنجر قد حلاه بلجين(1) أو تبر(2) فاء فالخنجر
لا يدخل في هذه الوصية إذ الوصية في شيء محدود.
مسألة
[ حكم الوصية بالخدمة ]
وإذا أوصى موص بخدمة قينته لعرسه ما لم تتزوج فنفقة القينة على
الزوجة الموصى لها بالخدمة وإذا حررتها الموصى لها بخدمتها فالتحرير
ماض في المدة ولها القول في ثمنها إذ هي غارمة وإن قومها العدول فأحسن
ولا سعاية على القينة على الأصح.
مسألة
[ حلول الدين بموت المدين ]
وإذا مات الميت وعليه حق آجل فالأصح والأوضح والأرجح أنه يحل بموت من عليه وقول هو إلى أجله وجائز أن تبرئ ذمة الهالك مما عليه من الحقوق لأنها بعد موته فوراً.
مسألة
[ الوصية لبيت المال ]
ومن أوصى بما يكال أو يوزن من ماله لبيت المال من ضمان لزمه من الزكاة فأنه يكون بوزن من بلد الموصي ومكيالها وهو الأصح وقول بمكيال البلد الذي مات فيه الموصي وميزانه.
مسألة
[ أثر وجود الوصي شيء للميت ]
__________
(1) 1- اللجين: الفضة.
(2) 2- التبر: الذهب. (9/101)
صفحة 1359
وإذا وجد الوصي في بيت الهالك صكاً على زيد لعمرو وكتاب فيه حق فإن كان المكتوبة له حي فقول: يدفعها لمن كتب له وقول: لمن كتبت
عليه بحضرة من كتب له وإن ماتا دفعت لورثة المكتوبة له.
مسألة
[ الوصية بعتق رقبة ]
ومن أوصى بعتق رقبة فالذكر والأنثى سيان.
وإذا أوصى بطعام يؤكل في أيام عزائه هل يجوز أن يؤكل في يوم واحد
أو دون الثلاث؟ وهل يشترى منه ما يصلح الطعام كالملح والأبازير والحطب وأجرة الأواني ومن يعالج الطعام؟ جائز أكله في يوم يأكل منه الصبي إذا لم
تكن الوصية معينة والأجرة لمداراته من مال الموصي.
مسألة
[ الوصية في قضاء الدين ]
وإذا كتب وقد جعل فلاناً وصيه بعد موته في قضاء دينه ولم يكتب
اقتضاء ديونه وإنما كتب في قضاء دينه وإنفاذ وصاياه فللوصي اقتضاء
الديون بالإلزام إن سمحت نفسه.
مسألة
[ الوصية ببناء المسجد ]
وتجوز الوصية ببناء مسجد بإزاء مسجد غيره على الأصح.
مسألة
[ قبول قول الوصي في نفاذ الوصية ]
وإذا ادعى الوصي بعد موت الموصي ببره بعد موت من مال من الورثة
أنها ما لم تنفذ أعني الوصية فقول الوصي مقبول في إنفاذ الوصية وعدمه
وليس موت الورثة مبطل ما ثبت من الحق ما دام الوصي حياً وإن مات فحكمها منفوذة إذا عاش ما يمكن له إنفاذها وتكون في مال الموصي.
مسألة
[ صلاحية الجد في الوصية ]
ويجوز للجد أن يجبي نصيب ولده أو ولد ولده إذا لم يكن يرد أثرة ولا حيفاً على وارث وتكون الوصية من الثلث بعد الوصايا ولا تحاصص بقية الوصايا.
مسألة
[ الوصية بآنية الخزف ]
وآنية الخزف هي التي غير مغراة بالصمغ ومن أوصى لأحد في بيته ولم يكن له بيت أو كان ساكناً بيتاً بالأجرة أو منحة أو بوجه من الوجوه
الشرعية للموصى له فيما في ذلك البيت.
مسألة
[ تحقيق حياة الوصي ]
وإذا صحت حياته الوصي فيما أشا منه الوصي أبين وإنه جعل معه غيره عدل يطلع على الإنفاذ ولا يفوته منه شيء.
مسألة
[ توزيع الكفارة على غير المستحق ] (9/102)
صفحة 1360
وإذا وزع الوصي الكفارة على ذي الثروة والرق مع علمه بحالهما
وجهله يحجر ذلك ضمن ذلك في نشبه وإن جهل حالهما أيان التوزيع ثم
اتضح له الأمر أعاد ذلك على ذي عيلة وهو في نشب الهالك.
مسألة
[ مدى جواز إقرار الحليلة لبعلها ]
وإذا أقرت الحليلة لبعلها فلان بمثل ما يجب عليه لابنته من النفقة إلى مدة سبع سنين من ضمان لزمها ثبت عليها إذا كان بخط جائز الخط.
مسألة
[ أثر إقرار الأب لولده قبل الموت ]
وإذا أقر الأب لولده فلان بحق إن مات قبله ولم يوص بقضائه من ماله
بعد موته وإن لم يقر له من ماله ففي ثبوت ذلك اختلاف أثبته بعضهم
وأباه آخرون.
وإذا أوصى بوصية ليطعم بها ذووا صب سبيل ثم أوصى بها بغير ذلك
فهذا رجوع منه عما أوص به أولاً.
مسألة
[ المال الداخل في الوصية ]
عن الشيخ الفقيه عمر ابن سعيد رحمه الله: ومن أقر أو باع أو أوصى
بماله المسمى كذا وبإزاء المال عضدة لبن أورم فوات بينه وبين المال صراط وساقية قايدة فلا يدخل في المال إلا ما واساه من خراب أو موات وإذا قطع بينهما صراط وساقية فلا يدخل المال ما وراء ذلك.
مسألة
[ الإقرار بما يتعذر قبضه ]
ويثبت الإقرار في بيع القطع وبيع الخيار وما كتب في الذمة بعمل وأما المؤجل فلا إلا لمن عليه الحق ويبري منه ولغير من عليه الحق فيه اختلاف
بعض أثبته وبعض أبى إثباته وهو الأصح هذا إذا لم يحل أجل الحق لأنه أقر
بما يتعذر قبضه للمقرور له.
النهج السادس عشر
في وصية الأقربين
وشيء من الإقرارات
النهج السادس عشر
في وصية الأقربين(1) وشيء من الإقرارات
مسألة
[ حكم تمييز أحد الأقارب عن غيره بالوصية ]
__________
(1) 1- استناداً لقوله تعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ } سورة البقرة آية 180. (9/103)
صفحة 1361
وإذا أوصى الموصي لأحد أقاربه بشيء وأوصى لجملة الأقربين بوصية فالأصح أنه يأخذ من الطريقين ما أوصى له مفرداً أو حصته مما أوصي به
لجملة الأقربين.
مسألة
[ تقسيم الوصية على من حضر من الأقربين ]
وإذا ولد الولد قبل موت الموصي ثم مات قبله قسم الوصية فعلى قول من يقول أن وصية الأقربين تقسم على من حضر ولا ينظر من غاب فلا شيء له والأصح أن له سهمه.
مسألة
[ الوصية من طرفين ]
وإذا نابت وصية الأقربين أحد من قبل أبيه من الدرجة الأولى ثم نابته من طرفيه وكله من درجة واحدة فقول: إنه يعطى من الحالين وقول من أوفر الحالين وهو الأصح.
مسألة
[ الوصية للأقربين ]
والأصح عندنا أن قطع وصية الأقربين على دانق والدانقة أربعة عشر
فلساً ودقيقة فلما وجدنا مقدار الدقيقة بتعذر إدراكه اخترنا أن نضربها على نصف مدية للاحتياط وذلك اختلاف كثير.
مسألة
[ أثر التأخر في توزيع الوصية ]
ومن جواب الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان:
وإن لم توزع وصية الأقربين حتى ولد بعض الأقارب أولاد فالأصح أنه
يدخل في الوصية وقول: إنه لا يدخل وأما إن ولد بعد موت الموصي
ومات قبل توزيع الوصية فلا شيء له.
مسألة
[ أ - الفرق بين الميراث والوصية ]
[ ب - تساوي الأرقاء والأحرار في الوصيةّ ]
ومن كان أقاربه أرقاء فعليه وصية الأقربين وهم والأحرار في ذلك سيان على الأوضح والأرجح وإن كان أقاربه أحرار وأرقاء فأقسمت بينهم سواء وليس هي كالميراث أن ذي الرق لا حجة له في وصية الأقربين.
مسألة
[ حكم تعدد الوصايا لشخص الواحد ]
ومن أوصى لبعض أقاربه بآنية وعروض وأوصى لجملة أقاربه بدراهم فالأصح أن من أوصى له بالآنية والعروض يدخل مع من أوصى بالدراهم ودرجة الأجداد الثمانية بعد انقراض بني الأخوة على الأصح وهم في
العطاء سيان وإذا احتاجت وصية الأقربين إلى مصارفة فصرفتها منها الأمر (9/104)
صفحة 1362
ثلث مال الموصي وأما سائر الإقرارات والوصايا والضمانات فالأصح أنها لا تصرف منها فإن كان الموصى لهم ممن يملك أمره أو المقر لهم فيستأذنهم في
ذلك وإلا فليجتهد المبتلى في الاحتياط.
مسألة
[ أثر ولادة المولود بعد تقسيم الوصية على الأقربين ]
عن الشيخ النْزيه ناصر بن خميس بن علي رحمه الله: وإذا أصر الوصي وصية الأقربين وأعطى البعض وتمادى في إعطاء الباقين ثم ولد منهم مولود
فعلى الأصح أن المولود لا شيء له لأنه قسمت.
مسألة
[ ميراث ولد السفاح ]
ومن أوصى على أقاربه كذا كذا لارية فضة من ماله فإنها توزع على أقاربه بالسوية والقريب والنائي والمقتر والمثري سيان وولد السفاح يرث أمه وترثه ولا يرث أباه(1) على الأرجح.
مسألة
[ أثر الحمل على الوصية ]
وعنه أيضاً أن وصية الأقربين لا ينتظر بها وضع الحبالى وإنما توزع على الموجودين منهم.
مسألة
[ حكم إيثار بعض الأقارب على الآخرين في الوصية ]
ومن أوصى لبعض أقربيه بشيء ولم يوص لجملة الأقربين بشيء أيجزيه
أم لا؟ فإذا كان ما أوصى به ينال كافة الأقربين أن لو قسم على قسم وصية الأقربين أجزأه عن وصية الأقربين على قول.
مسألة
[ أثر الوصية للفقراء دون الأقربين ]
ومن أوصى للفقراء بشيء ولم يوص لأقربيه فإن الأقربين يدخلون على الفقراء بثلثي ما أوصي لهم به.
مسألة
[ أثر المولود على توزيع الوصية ]
ومن ولد من الأقربين بعد موت الموصي ووزعت الوصية بعد موته وأخذ الحاضر سهمه وبقي سهم الضارب وذو اليتم ثم مات المولود فللمولود
حصته من هذه الوصية على الأرجح.
مسألة
[ حكم الوصية للأبعد وترك القريب الأقرب ]
ومن جواب الشيخ سليمان بن محمد بن مداد رحمه الله: ومن أوصى لأقصى أقاربه بوصية ولم يوص للأدنى وأوصى للفقراء بوصية فإنه تعتبر
__________
(1) 1- لجهل الأب. وتحقق الأم، وهو ينسب إلى أهل أمه ولا يلحق بأبيه. (9/105)
صفحة 1363
هذه الوصية إذا قسمت على وصية الأقربين ونالت الموصى له تثبت الوصية وثبت ما أوصى به للفقراء ولا يدخل عليهم الأقربون على الأصح وإن لم
تنله دخل الأقربون على الفقراء بالثلثين.
مسألة
[ الوصية لمن لا يملك أمره ]
عن الشيخ الفقيه سعيد بن أحمد الكندي(1) رحمه الله: ومن أوصى
بمتاعه أو بأمتعته الفلانية لمن لا يملك أمره وأوصى بقضاء ما أوصى به من
ماله بعد موته ولم يقبض الوصي الموصى به هل عليه ضمان أم لا؟ فلا
ضمان على الوصي في إنفاذ الوصايا المعلمة إذا لم يقبضها وذلك إلى
الموصى له.
مسألة
[ الصيغة تكون باللفظ المتعارف عليه ]
وإذا أقر المقر بشيء الفلاني حال فلان ابن فلان وكانت تلك لغة أهل الدار ثبت الإقرار لأن الأحكام تجري على اللغات واللغات فصيحات ومستنبطات.
مسألة
[ الوصية دون تعين وقتها ]
ومن أوصى بغلة ماله ولم يوقت وقتاً في ذلك ففي ذلك اختلاف قول: تثبت له غلة ماله ما حيي وإذا هلك رجعت إلى ورثة الموصى له وقول:
تثبت له وتكون لورثته إن مات ولا بون أن تكون مدركة أو غير مدركة
وقيل: إذا كان النخلة الموصى به مثمراً تثبت للموصى له تلك الثمرة فقط
وإلا فهي له مؤبدة.
مسألة
[ الوصية للسبيل ]
ومن أوصى بنخلة للسبيل جاز حوزها لبيت المال ومن أقر بثلث ماله لآخر بعد قضاء دينه وإنفاذ وصاياه ثم بطل شيء من الحقوق التي أقر بها
يكون للموصى له ثلث ما بطل أم لا؟ فنعم كل حق لم يثبت فله ثلثه.
مسألة
[ ما يبطل من الوصايا يعود للورثة ]
وأما إن أقر بثلث ماله بعد قضاء هذه الحقوق والوصايا فما بطل من الحقوق رجع لورثة الموصي.
مسألة
[ ما تحتاجه الوصية فهو على الوصية ]
ومن أوصى بغلة نخلة يفطرها صائمو شهر رمضان في بلد معلومة
فاحتاج الثمرة إلى معاناة وكرا فلا بأس إذا خرج من جملة الثمر.
مسألة
[ إقرار الأخ بالعطاء ]
وإذا أقر الأب أو أوصى لابنه بحق عوض ما أعطاه أخاه أو من ضمان
__________
(1) 1- لم أعثر له على ترجمة. (9/106)
صفحة 1364
عليه له فإذا أقر الأخ أن أباه أعطاه ثبت للمقرور له ما أقر به وإن أنكر الأخ العطية ثبت لأخيه نصف ما كتب له وبطل النصف إذا كان على لفظ
الوصية وإن كان لفظ الإقرار ثبت له ما أقر به أقر الأخ أو أنكر.
مسألة
[ الإقرار بالحق ]
ومن أقر أو أوصى بحقه ونصيبه من جعلان أو بنصيبه من جعلان لفلان ابن فلان إقراراً منه له بحق ولو لم يرقم من قيع ودوح وباساقات ففي ذلك اختلاف قوم أثبته وأبا إثباته آخرون حتى يقر بحقه ونصيبه من ماله من قرية كذا فهذا أثبت له جميع ذلك.
مسألة
[ من صيغ الكتابة ]
وإذا كان مال الهالك لم يف بما عليه أن لو وزع وأن بيع جملة وفى فإن
من طلب توزيعه من الورثة لا يجاب إلى ذلك رأي الشيخ محمد بن عمر
بن أحمد بن مداد رحمه الله عن الشيخ الفقيه النْزيه ناصر بن خميس بن
علي وإذا رقم الكاتب أقر فلان ابن فلان الفلاني بأن عليه لفلان ابن فلان الفلاني ثلاثين لارية ومائة لارية فضة فإن المائة تثبت والثلاثين تبطل وقد
يوجد أن الكاتب إذا كتب كذا كذا لارية ولم يذكرها فضة ففي ثبوتها اختلاف والأصح أنها باطلة.
مسألة
[ كيفية إخراج الوصية لرجل بعيد ]
ومن وجد في وصية أوصى عليه بإنفاذها حقاً لرجل ناء عن دار الوصي والموصي فهل على الوصي أن يخرج إليه بحقه إلى بلده فلا خروج عليه وعليه إعلامه بالحق المكتوب له.
مسألة
[ حكم الوصية للوارث ]
وإذا أوصى الموصي لمن لا يرثه حين الوصية وصار عند موت الموصي وارث أو بالعكس فأما من أوصي له وهو غير وارث ثم صار وارثاً بطلت
عنه الوصية لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا وصية لوارث(1) وأما من أوصي له وهو وارث ثم
مات الموصي وهو غير وارث فله الوصية والأصح أن الوصية تثبت بعد
موت الموصي رأي صالح بن سعيد.
مسألة
[ كيفية إخراج الحقوق عند انعدام الوصي الثقة ]
عن الشيخ خميس بن سعيد رحمه الله وإذا لم يجد الموصي وصياً يثق به
__________
(1) 1- سيق ذكره وتخريجه. (9/107)
صفحة 1365
جاز له أن يجتهد في قضاء ما عليه من الحقوق في حياته وإذا تعذر عليه
اجتهد في تحميل الوصي فإن تعذر عليه جعل المسلمين أوصياءه.
مسألة
[ استيفاء والحقوق من الحيوان والعروض ]
وهل يجوز للوصي أن يوصي باستيفاء الحيوان والعروض من ماله وأن يكون إنفاذ ما عليه من أصل ماله حذراً على أولاده أن يلحقهم الجفا فإذا خالف بصره بصر المسلمين لم تثبت وصيته والمسلمون يستبقون الأموال.
مسألة
[ حكم الوصية بالحج والصيام ]
وهل يجوز للوصي أن يحجج بحجة الهالك التي أوصى بها عليه وأن
يصوم عنه ما أوصى به من صيام فجائز إذا رضي له الوارث طفلاً وله أب
فإذا رضي أبوه جاز فإنه يملكه.
مسألة
[ حكم بيع حصص الأيتام بعد أخذها لهم ]
وإذا هلك الموصي عن وصي ثقة وورثة بالغين ويتامى وزعوا نشب
الهالك بينهم ورام البالغون بيع حصصهم هل يجوز الشراء منهم؟ فإذا كان الوصي وصياً في الأيتام وكان ثقة جاز تصرف البالغين فيما لهم وإن يك
وصياً في إنفاذ الوصايا فقط فلا يجوز وإن صح التوزيع بأمر الحاكم أو
جماعة المسلمين مع عدمه جاز.
مسألة
[ عدم سقوط أجرة الحاج بالنيابة ]
عن الشيخ خميس بن سعيد: ومن لزمه نصيب من أجرة حجة لم
يجتمع الورثة على إنفاذها فعليه الديانة بالحصص متى وجد السبيل وعليه
القيام على الورثة إن قدر.
مسألة
[ حكم الحقوق التي لا يعلم أصحابها ]
وإذا لم يدرك الوصي أهل الحقوق أو بعضهم أو عزب عليه علمهم فكل حق لا يدرك ربه فهو موقوف حتى يصح ربه وقول يبطل إقراراً كان أو
وصية وقول يكون للفقراء إذا لم يدرك المبتلى الخلاص منه.
مسألة
[ رأي الشيخ صالح بن سعيد في إنفاذ الوصايا ]
وإذا مات الموصي وقد جعل وصياً في قضاء دينه وإنفاذ وصاياه ووصية أيضاً في أشباله أنهم أيتام وعلى حفظ نشبهم والقيام بمصالحهم هل يجوز
إعانة الوصي بشيء من بيع أصل أو تصرف في غلة فإذا كان الوصي ثقة
فلا بأس من إعانة هذا رأي الشيخ صالح بن سعيد.
مسألة (9/108)
صفحة 1366
[ حكم اضطراب لفظ الوصية ]
وإذا رفع الوصي دراهم لأحد وأمره أن يدفعها في فقراء قرية كذا مما
أوصى لهم به الهالك ثم وجد في الوصية لفظاً لا تقتضى به الأحكام في إنفاذ هذه الوصية فإذا لم يقر الوصي أن الدراهم من مال الهالك فعليه امتثال أمر الوصي فيها لأنها له في الأحكام وإن أقر بها وكان ثقة جاز أيضاً.
مسألة
[ كيفية إخراج الوصايا ]
ومن أوصى بوصايا وجعل إنفاذها في مال من أمواله وجعل وصياً في ذلك وأقر للوصي بما يبقى من ماله هذا بعد تسليم الحقوق التي عليه وإنفاذ الوصي وصايا بحق وضمان عليه له ثم مات الموصي وبيده غلة من هذا المال لمن حكم الغلة فحكم الغلة كحكم المال الموصى فيه وأما المال نفسه فينظر فيه فإن كان إذا خرجت منه الحقوق أنفذت منه الوصايا قام بجميع ذلك ولم يتعد ثلث مال الموصي به فإنه ثابت وإن صحت وصايا وحقوق على الموصي سوى ما في تلك الوصية فإذا كان ذلك المال والحقوق والوصايا لا يجاوزن ثلث مال الموصي غير ذلك من المال وكان إنفاذه مخصوصاً من ذلك المال ولم يقل فيما كتبه من الزيادة أنها من ذلك المال ولا من جملة مال الموصي لأن الوصايا يقتفى بها أمر الموصي إذا كانت تخرج من ثلث ماله والإقرار يكون من جملة ماله.
مسألة
[ الوصية لفقراء العتقاء ]
ومن أوصى للفقراء العتقاء من أرض كذا فإن كانت في تلك الأرض
أناساً يسمون العتقاء فالوصية لهم لفقرائهم وإلا فذلك باطل.
مسألة
[ الوصية للعتقاء ]
ومن أقر وأوصى بشيء من ضمان للعتقاء من العبيد المعتوقين ثبت ذلك لهم ونصيب الذكر والأنثى سيان ومن أوصى لفقراء المسلمين من زكاة
لزمته فإنه ينفذ به إلى إمام المسلمين أو من ينوب منابه ويعلم أنه أوصى به
لكذا أو كذا.
مسألة
[ حكم الوصية لفقراء دار من ضمان ]
ومن أوصى لفقراء دار من ضمان وعزب عليه علم ربه فمرجع ذلك إلى الإمام فإن شاء جعله في عز الدولة وإن شاء فيمن أوصي لهم به.
مسألة
[ الوصية للفقراء عامة ] (9/109)
صفحة 1367
وإذا أوصى الموصي للفقراء بالة التعريف جعلت في الفقراء كانوا أولياء
أو بالعكس وإن أوصى لفقراء المسلمين كانت للأولياء من فقراء المسلمين
وقد أجاز بعضهم إنفاذها في أهل الدعوة المسلمين الفقراء ولو لم تكن لهم ولاية وإن أوصي لفقراء دفعت ولوالي ثلاثة فصاعداً.
مسألة
[ الوصية لفقراء قبيلة ]
وإذا أقر مقر لفقراء قبيلة أو قرية وكانوا لا يحصون واجتهد في البحث
عنهم دفعت لمن عرف منهم ولو ثلاثة وإن لم يعرف أحد أبداًَ جعلت في
عز الدولة ولا بأس في تفضيل الأفضل منهم.
مسألة
[ الوصية لفقراء قرية ]
ومن أقر لفقراء قرية وكانوا يحصون وزعت على جميعهم ولا يجوز
تفضيل بعضهم على بعض.
مسألة
[ الوصية بقضاء دين دون اقتضاء ديونه ]
وإذا أوصى الموصي في قضاء دينه ووصاياه ولم يوص في اقتضاء ديونه
فلا أحب لمن عليه حق للهالك أن يسلمه للوصي إلا إذا كان ثقة وإن كان وصياً في اقتضاء ديونه فجائز تسليم الحق إليه ما لم يتضح خيانته.
مسألة
[ الوصية لفقراء قرية بعينها ]
وإذا أوصى الموصي بكذا أن يفرق عنه في قرية كذا على الفقراء فهذا
لا يجوز تفريقه إلا في تلك القرية على فقرائها وغيرهم من الفقراء وأما
إن أوصى أن تفرق عنه في فقراء أهل قرية فإنه يفرق عنه في فقراء تلك
القرية كانوا في تلك القرية أو نائين ممن يتم الصلاة في تلك القرية
الموصى لفقرائها.
مسألة
[ الوصية بالحج ]
ومن أوصى بحجة لم تكف الثقة أن يحجج بها هل يجوز للوصي أن
يؤجر بها من لا يعرف في حاله وأمانته فإذا كان الموصي من العامة جاز
أن يحجج عنه أجير من العامة إذا جهل خيانة الأجير وإن كان الموصي
ولي فولي.
مسألة
[ الوصية بضمان لا يعرف صاحبه ]
وإذا أوصى الموصي بضمان لا يعرف ربه من زكاة أو غيرها من ماله
لبيت المال فإذا كان الإمام ولي والياً على التفريض جاز تقبيضه الحق ولو لم يأمره الإمام بقبض ما ذكرنا إلا أن يخرجه الإمام من الإجازة لقبضه وإن (9/110)
صفحة 1368
ولاه الإمام على محدود وكان هذا خارجاً من المحدود فلا يجوز له قبضه.
مسألة
[ الوصية بالعتق ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: ومن أوصى بعتق مملوكه وأوصى له بشيء
بعد أن استحق العتق منه وذلك بعد موته ثم حرره في حياته ورجع فيما أوصى له به وصح رجوعه.
مسألة
[ ألفاظ الوصية للوارث ]
ومن أوصى بوصية لوارث وفي إتمام اللفظ كتب إقراراً منه له بذلك هل تصلح له هذه اللفظة الوصية وتثبت للوارث فهذا اللفظ وصية ولا يثبت للوارث إذا لم يكن من ضمان.
مسألة
[ ألفاظ الوصية ]
وأما إن بدا بلفظ الإقرار ثم قال وصية منه له بذلك فهذا إقرار وهو ثابت للوارث وغير الوارث.
مسألة
[ أثر موت الموصى له ]
وإذا مات الموصى له بطلت الوصية والحجة أن الوصية لا تجب إلا بعد الموت كالميراث والميت لا يرث من مات بعده.
مسألة
[ الوصية لفقراء المسلمين ]
وإذا أوصى لفقراء المسلمين من قرية كذا أو لم يخصهم بقرية من ضمان عزب عليه علم ربه فجائز أن يعطى من الثلاثة صاعداً وعندي أن هذا إذا لم يخص فقراء قرية أو قبيلة فإن خص وكان يحصون فرقها على جميعهم وإن كانوا لا يحصون فرقها على ثلاثة أو أكثر جاز وقول: إنها تبطل لتعذر الخلاص.
مسألة
[ الوصية بحرف ذهب ]
وعنه رحمه الله: ومن أوصى بقربصي ذهب لأحد ما حكم
القربصي فالقربصي عندنا هو الحرف من الذهب وكل قوم يحكم
عليهم بلغتهم.
مسألة
[ رأي الشيخ صالح بن سعيد ]
ومن أوصى على وصي ولم يستأذنه فلما هلك الموصي وعلم أنكر إذا لم يعلم بها إلا بعد موت الموصي فله الخيار بين الخروج والولوج وهذا رأي
الشيخ الفقيه صالح بن سعيد.
مسألة
[ من يقض الدين عن الهالك ]
ومن مات عن دين وورثة بالغين ويتاما بالغين عالمون بصحة دين هالكهم جاز لهم أن يقضوه من رأس المال فيما بينهم وبين الله إذا لم يعلموا أداه وأما في الحكم فلا حتى يصح الحق ويحكم الحاكم به.
مسألة
[ الوصية بتمر غير معين ] (9/111)
صفحة 1369
ومن أوصى بتمر غير معين فجائز له إنفاذ ما حصل من التمر الوسط من
تمر بلد الموصي ومن عليه حق لهالك وأراد أن يوصي له فإنه يوصي به
للهالك لا للورثة.
مسألة
[ الوصية بدل الصيام ]
عن الشيخ الفقيه خميس بن سعيد: وإذا أوصى الموصي بثمرة هذه اللينة يؤتجر بها من يصوم عن الهالك بدل شهر رمضان فإنه يصام شهر تام وإن
لم تف ثمرة السنة لأجرة شهر أضيف إليها من ثمرة السنة الأخرى حتى
يتم الشهر وصيام الشهر أولى ولو تمت الأجرة ما لم يخرج من سمة العادة ويعجبني النظر والاعتبار في حالة الموصي ويكون الأجير مثله.
مسألة
[ أهمية الامتثال لأمر الوصي ]
ومن أوصى لسور بهلا ولم يخص شيئاً والسور حالاته مختلفة منه على
أهل الأموال عمارته ومنه له مال يصلح منه هل يجوز إنفاذ الوصية حيث
يرى الوصي فنعم جائز ذلك لامتثال أمر الوصي
مسألة
[ ظهور أكثر من وصية ]
وإذا مات الميت وظهرت له وصيتان بخط من يجوز خطه فما اختلف
في الوصيتين بثبت كله كان إقرار ووصية وما اتفق ثبت أحدهما كان إقراراً
أو وصية وإن يكن أقل أو أكثر في معنى واحد ثبت الأكثر كان إقراراً أو
وصية وقيل: ثبت من الوصايا الآخرة إذا كن في معنى واحد.
مسألة
[ أثر اختلاف الوارث والوصي ]
ومن أوصى بنخلة تنفذ غلتها في أنواع البر فتشاجر فيها الوارث
والوصي كل يريد إنفاذها على نظره فعن الشيخ خميس الفقيه ابن سعيد أن الوصي أولى بها دون الوارث ولا يحل له أن يستأجر نفسه لعمل ما جعل
فيه وصياً إلا أن يرضى له الورثة وكانوا ممن يجوز رضاهم وليس للورثة
ذلك إلا بإذن الوصي وإذا بري ذو الحق الموص بما أوصى له برئ الموصي والوصي والورثة.
ومن أوصى بثلاث كفارات صلوات كفارات كل صلاة منهن بزيادة ألف في كفارات فإن الوصية ثابتة لا يبطلها زيادة ألف في كفارات.
مسألة
[ حكم الوصية للوارث ] (9/112)
صفحة 1370
لم أعلم جواز الوصية للوارث من قول أصحابنا إلا أنه إذا أوصى موص لوارثه بغلة ماله مدة محدودة ثم هو راجع إلى شيء من أنواع البر فأجاز
بعض الفقهاء ذلك وهو عن الشيخ خميس بن سعيد.
مسألة
[ حكم عدم الوصية للمغسل والحافر ]
وإذا أوصى الموص بما يحتاج إليه من جهاز الموتى إلى أن يضرح في سربه هل بجب لمغسله وفاحر(1) حدثه شيء فإذا لم يوص لهم الموصي بشيء فلا
شيء لهم لأن الأحياء مخاطبون بغسل موتاهم ومواراتهم.
مسألة
[ أثر عدم وجود الوصي على الوصية ]
ومن أوصى بوصايا ولم يترك لها وصياً في إنفاذها جعل الحاكم له وصياً
في إنفاذ وصاياه أو جماعة المسلمين ولا يجوز للورثة الاستراز برأيهم في
بيع شيء من مال الهالك إذا كان في الورثة يتيم أو من لا يملك أمره هذا عن الشيخ صالح بن سعيد.
مسألة
[ حكم استأجر من يحج عنه ]
ومن لزمه فرض الحج ولم يستطع الخروج بنفسه من وصب أو نصب أو زمانة جاز له أن يستأجر من يحجج عنه في حياته على بعض القول وقول: يسقط عنه فرض والحج والأصح أن يوصي به بعد موته ومثله الصوم.
مسألة
[ الإنفاق على شيء مما ينتج ]
ومن أراد أن يكتب حقاً لزمه من غلة مال المسجد أو من أجرة مائة فإنه يكتب أوصى فلان ابن فلان بكذا ينفذ عنه من ماله بعد موته فيما ينفذ فيه
غلة مال المسجد في المسجد.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
ومن أوصى أو أقر بثمرة ماله الفلاني أو بغلته لأحد من ضمان وحين الإقرار أو الوصية بالمال ثمرة فللموصى له والمقر له تلك الثمرة والغلة
فقط وأن لم يكنى به ثمرة يوم الإقرار والوصية فله ثمرة ذلك
المال حياته.
مسألة
[ من صيغ الإقرار ]
ومن أقر بنصف حليته الفلانية بما فيها من تحل وصوم وغير ذلك من ضمان لزمه له وبإزاء الجلبة ساقية جائز وخلف الساقية تحل فإذا كانت الجلبة محدودة فليس له سواها وإن كانت غير محدودة فالسواقي الجوائز قواطع
وليس له ما خلف الساقية في الحالين.
مسألة
__________
(1) 1- وفاحر: أي حافر القبر. (9/113)
صفحة 1371
[ الوصية بسكن ]
ومن أوصى بسكن داره ولم يجد حداً من ضمان فهذه الوصية تثبت للموصى له ما دام حياً وإن مات رجعت لورثة الموصي على الأرجح.
مسألة
[ حكم عطف الإقرار على الوصية ]
وإذا عطف الإقرار على الوصية أو بالعكس ففي ذلك اختلاف والأصح إذا رام العطف كتب وأقر فلان أو أوصى فلان هذا بكذا وكذا.
مسألة
[ الوصية بقراءة القرآن على قبره ]
ومن أوصى أن يقرئ القرآن العظيم على ضريحه بعد موته بكذا ثم إن الآتي السبيل قبره صح رجمه فإن الوصية هدر وترجع إلى ورثة الموصي
إذا أويس من إيضاح علمه.
مسألة
[ الوصية لعمار في وقف ]
وإذا أوصى موص لعمار في وقف جاز أن يعمر بالسماد والهيس
والسقي وغير ذلك إذا نظر الصلاح في أصله وغلته ومن زيادة العمارة.
مسألة
[ الوصية لاثنين بإنفاذ الوصايا ]
ومن أوصى لوصيين في إنفاذ وصاياه وفي أولاده ولم يجعل واحداً
منهما يقوم مقام صاحبه في إنفاذ وصاياه أيجوز لأحدهما أن يستأجر الآخر
أن يحجج ويصوم عن الهالك وكان في الورثة من لا يملك؟ فلا يجوز ذلك
على الأرجح وفيه ترخيص.
مسألة
[ عدم حضور الوصي موت المُوصي ]
وإذا لم يحضر الوصي موت الموصي ووارى الميت أحد وجهزه من غير
أن يشهد على أنه محتسب وليأخذ من نشب الهالك فهل له أخذ من ماله
الميت إذا تيسر له ذلك؟ إذا أبا الورثة أو كانوا يتامى فليس له ذلك في
الأحكام ولا فيما بينه وبين الملك العلام.
مسألة
[ الوصية لمن يقرأ القرآن على قبره ]
ومن أوصى بوصية لمن يقرأ القرآن العظيم على ضريحه بعد موته فعزب عليه علم ضريحه لكثرة الأحداث وتداخلها إلا أنه معلوم في مقبرة يتوسط المقبرة ويقري ويرفع صوته بالتلاوة وينوي بها قبر الموصي فجائز على قول
وهو الأصح وقول: لا تصح الوصية لمجهول.
مسألة
[ حكم وجود الوصية على نسق الإقرار ]
وإذا وجدت وصية على نسق إقرار وبكذا كذا لارية فضة لتنفذ من ماله لإصلاح مسجد كذا من قرية كذا فهذا لفظ ثابت وإن كتب أو أوصى (9/114)
صفحة 1372
على نسق الوصية فحسن.
مسألة
[ من صيغ الوصايا ]
ومن أوصى بوصية وكان لفظها أوصى فلان ابن فلان الفلاني لابنيه
فلان وفلان بزيادة وتبطل الوصية؟ فإذا كان الكاتب حافظاً بما كتبه
على اللفظ على الموصي فواسع له إصلاح وللحاكم أن يحكم به إذا صح
معه إصلاحه.
مسألة
[ ثبوت صيغة الوصية ]
وإذا وجد في وصية هالك على نسق وصايا ثابتة بلفظ ثابت وبكذا
وكذا لارية فضة لفلان ابن فلان ولم يقل من ماله فإذا لم يكتب الموصي في الوصية بإنفاذها من ماله وكانت بخط كاتب ففي إنفاذها من نشب الهالك اختلاف وإن أوصى بإنفاذها أوصى به عند تمام الوصية من ماله أجزأه
وجاز إنفاذه من ماله.
مسألة
[ الوصية بإنفاذ حق ]
ومن أوصى بإنفاذ حق في وثني من ضمان عليه له ثم مات الموصى له
بعد موت الموصي وعزب عليه علم وارثه أو أويس من معرفته قول يكون
ذلك موقوفاً حشرنا، وقول: يجعل في الفقراء ويوصى به، وقول: لا تلزمه
فيه الوصية.
مسألة
[ تصرف الوصي في مال الهالك ]
وإذا رام الوصي بيع شيء من نشب الهالك على يد نحاس هل يجوز له شراء ما رغب في شرائه لنفسه كان وارثاً وغير وارث والوصي والوكيل إذا راما شراء شيء مما أوصي فيه أو وكل فيه فإنه يوكل وكيلاً والوكيل يوكل وكيلاً أيضاً حتى لا يعلم أنه لمن يشتري وأما ما باعه الوكيل والوصي
بالكيل أو الوزن فقد أجاز لهما بعض الفقهاء شراء ما راداه كسواهما ولا
فرق بين أن يكون الوصي وارثاً أو غير وارث.
مسألة
[ إذا كان الوصي مجهول الحال والتعامل معه ]
ويجوز الشراء من الوصي مجهول الحال مما يبيعه من مال الهالك مما على الهالك من دين أو وصايا على بعض القول والأصح حتى يكون ثقة مأموناً وحجة من قال بالجواز أن الموصي استأمنه على ماله ولم تصح خيانته.
مسألة
[ التصرف بالوصية والإقرار ] (9/115)
صفحة 1373
ومن أقر بباسقة أو أوصى بها أو باعها أو وهبها وبها صرم مدرك وغير مدرك فإن المدرك يكون للمقر بها أو لورثة الموصي أو البائع أو الواهب لها وغير المدرك فهو تبع للنخلة ومن أراد من له الباسقة صرفه صرف.
مسألة
[ الإقرار بما في البيت ]
ومن أقر بما يبقى من التمر والحب في بيته بعد موته فهو ثابت له ما أقر له به ويكون حين الإقرار داخلاً في بيته.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
وإذا وجد مكتوباً على نسق وصية وبكذا وكذا ينفذ عنه من ماله بعد موته على من رزقه الله من الفقراء واحتياطاً عما لزمه من ضمان لا يعرف
ربّه ولم يخص فقراء قرية معلومة فهذا إلى رأي الإمام فيها فإن جعلها ذوا الفضل أفضل وإن جعلها في عز الدولة جاز.
مسألة
[ إقرار المرأة لبعلها بمهرها الآجل ]
وإذا أقرت المرأة لبعلها بمهرها الآجل من ضمان لزمها له إن ماتت قبله ثم
طلقها فإن المسلمين اختلفوا في الإقرار إذا علق بشرط فبعضهم أثبته وأبطله آخرون وبعضهم أثبته بمراعاة الشرط وقال قوم : هو في ثلث مال الهالك إن خرج منه وإلا فلا.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
ومن أوصى بوصية لأحد من ضمان إن مات قبله والأصح أنها تثبت بعد الموت في كلا الوجهين إلا أن يحكم بذلك حكم من حكام المسلمين
فحكمه ثابت لا يجوز خلافه على الأصح وإن أراد الموصى له أن تكون
صك الوصية عنده فلا يجاب إلى ذلك وإنما تكون عند الموصي.
مسألة
[ الوصية بإصلاح الأرض ]
ومن أوصى لإصلاح أرض من ضمان لزمه منها ثم انتقلت الأرض
لسوى ربها الأول فما أوصى به وأقر فهو لمالكه يوم الوصية أو الإقرار ولو انتقلت الأرض عن ربها قبل موت الموصي وهو من رأس المال على الأصح
لأن الوصية في مثل هذا والإقرار سيان.
مسألة
[ مقدار الوصية ]
وإذا لم تكن الوصية من ضمان فهي من ثلث مالك الهالك والعمل فيها يوم يموت الموصي على الأصح.
مسألة
[ حكم الوصية ] (9/116)
صفحة 1374
ومن أوصى على متحنف أو ذي وثن فهل يجيز الحاكم وصايتهما إذا بلغته الحجة فأما المصلي إذا لم تصح خيانته ففي إجازة إعانته وتسلم مال الموصي إليه اختلاف وأما الوثني للوثني فلا يجوز إلا أن يكون عدلاً في دينه.
مسألة
[ صيغة الإقرار ]
وإذا كتب الكاتب في صدر الإقرار وأقر فلان بن فلان بواو قبل الألف
فلا تضر تلك الواو والإقرار إذا كان اللفظ مستقيماً غير ذي عوج.
مسألة
[ حكم تصرفات المريض ]
وذو الوصب إذا أمر أن يدفع لأحد بشيء من نشبه أيجوز للمأمور ذلك
أم لا فإذا صار ذو الوصب مدنفاً وكان بحد من لا يجوز له التصرف في
ماله فلا يجوز امتثال أمره.
مسألة
[ الوصية بالإطعام أيام عزائه ]
وإذا أوصى بطعام محدود ليؤكل أيام عزائه كيلاً أو وزناً فأنقص الوصي منه جزوأ توفيراً منه للورثة جهلاً منه وكان في ثلث مال الهالك فضلة عن
وصاياه فالوصي هنا قد خالف أمر الموصي وعليه التوبة والاستغفار ولا
ضمان عليه.
مسألة
[ تنفيذ الوصية في الحال ]
وليس على الوصي الضرب رخص الأسعار لإنفاذ ما أوصي به عليه
لازماً من طريق التفضيل والوسيلة وإنما عليه الاجتهاد في بلده.
مسألة
[ إقرار مرض الموت ]
ومن أوصى لآخر بوصية من ضمان فلما مرض الاحتضار أقر أن فلاناً قد أعطيته عوض ما أوصيت له به ففي ظاهر الأحكام لا يقبل قول الموصي ولو كان كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وجائز إنفاذه من ماله وأما الوصي
إذا لم يحكم عليه من يجوز له إنفاذ الأحكام في الرعية فلا يجوز له تسليم
ذلك ويأمر الورثة إذا كانوا ممن يجوز أمره.
مسألة
[ طلب ترك ما أوصى به من القضاء ]
ومن أوصى بصوم أشهر بدلاً عما لزمه من أشهر رمضان فلما دنت
وفاته قال إني صمت الأشهر الموصى بها فلا تنفذوها من مالي جاز للوصي
ترك إنفاذها.
مسألة
[ وصية ذو الوصب ] (9/117)
صفحة 1375
وذو الوصب والضاربة في السبب إذا أوصيا بوصايا وبري الموصوب الضارب وصب(1) من عاب فالأصح إن من صحت وصاياه في شيء من
لبده فيما تجوز فيه الوصية بخط كاتب من المسلمين مبراً من الحيف والمين أو بشهادة عدلين من المسلمين ولم يصح رجوعه عنها فهي ثابتة عليه.
ومن أقر بولد ثبت عليه إقراره ما لم يتضح كذبه وإن أقر بولد من زنا
ففي إثبات ذلك عليه اختلاف والأصح أنه هدر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»(2).
مسألة
[ أثر عدم معرفة الموصى له ]
ومن أوصى لأحد بشيء من ماله ثمن شيء سماه اشتراه منه فتعذرت
معرفة الوصي له إذ هو من دار نازح فالوصية باطلة وإن كان اللفظ إقرار ثبت وجعل مع أمين حتى يصح ربّه وإن بطلت الوصايا رجعت لورثة الموصي.
__________
(1) 1- طمس في الأصل غير واضحة (يعتقد وبري الموصوب من وصب).
(2) 2- سبق ذكره. وهو حديث صحيح. (9/118)
صفحة 1376
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
القطعة الثانية
الكوكب الدري والجوهر البري
تأليف
الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي
- رحمه الله -
من علماء القرن الثاني عشر الهجري
الخامس الجزء
تحقيق
د. جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك ورئيس قسم الفقه وأصوله في جامعة الزرقاء الأهلية حالياً
وأستاذ الفقه في جامعة السلطان قابوس بعمان سابقاً
1419 هـ - 1998م
النهج السابع عشر
في التجارة
ما يجوز فيها وما لا يجوز
النهج السابع عشر
في التجارة وما يجوز فيها وما لا يجوز
مسألة
[ حكم التجارة والتحدث عن الأسواق ]
والتجارة(1) إن كانت مباحة فالتنزه عنها أولى من الإكثار منها لما يعارضها من الأخطار كالربا(2) والمعارض لها والمناهي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما
ورد عنه عليه السلام «أن جبرائيل عليه السلام قال : ألا أخبرك أن سوء(3) البقاع الأسواق وخير البقاع المساجد فإذا لم يكن بداً من ذلك فليتجنب الحلف وليكثر من الصدقة.
مسألة
[ حكم من كذب في تجارته ]
وقد ورد في الحديث أنه «ملعون من إذا باع مدح بالكذب وإذا اشترى ذم بالكذب(4).
مسألة
__________
(1) 1- الدليل على إباحة التجارة: قال تعالى: { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } ،
النساء آية 29، ومن السنة: عن رافع بن خديج قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « أفضل
الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور».
(2) 2- الربا: لغة: الزيادة، واصطلاحاً : هو عبارة عن زيادة أحد البدلين المتجانسين في عقد
البيع على أن تكون الزيادة في مقابلة تأخير الدفع، وهذا ربا الزيادة وهو النسيئة.
(3) 3- الحديث صحيح وهناك أحاديث تنهى عن الحلف بالأيمان من أجل إنفاق السلعة، منها:
انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/432، 433، 434، أرقام 241،
242، 244، وكنْز العمال 4/21 رقم 9298.
(4) 1- لأن هذا يعتبر من الكذب والمسلم لا يكذب. (10/1)
صفحة 1377
[ نهاية الصدق في التجارة ]
وقد ورد في الحديث أن التاجر الصادق يحشر مع النبيين وذلك إذا أخذ بالحق وأعطى الحق ولم يكذب في تجارته.
مسألة
[ صفات الهالكين ]
وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هلك الثلاثة قيل له: ومن الثلاثة يا
رسول الله؟ قال التاجر الحلاف والعاهد النكاث والمنفق سلعته باليمين»(1).
مسألة
[ حكم الغش في التجارة ]
والغش محجور على فاعله في كل شيء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من غشنا فليس
منا»(2) وقد نهى عمر رضي الله عنه عن التقاء الأجلاب(3) وذلك إذا
علم بإقبال الماشية على البادية إلى الدار تلقوهم وأخبروهم بكساد
الأسعار فيشتروا منهم بثمن بخس فهذا من الغرر وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبع
حضري لبادٍ»(4).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ذروا الناس ينتفع بعضهم من بعض»(5)
__________
(1) 2- المعنى صحيح وله شواهد كثيرة منها أحاديث النهي عن الحلف وأحاديث الحفاظ
على العهد والوعد.
(2) 1- أخرجه مسلم رقم 101 والترمذي رقم 1315 في البيوع باب ما جاء في كراهية
الغش، وأبو داود رقم 3452 في الإجارة باب النهي عن الغش وأخرجه ابن ماجة
رقم 2224 في التجارات باب النهي عن الغش.
(3) 2- عن طاووس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « لا
تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد»، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تلقوا الجلب فمن تلقى فاشترى منه فإذا فأتى سيده السوق فهو
بالخيار» رواه مسلم.
(4) 3- حديث متفق عليه وهذا لفظ البخاري، انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص98
رقم 27.
(5) 4- جزء من حديث (لا يبع حاضر لباد ودعوا الناس يرزق بعضهم بعضاً) أخرجه مسلم
رقم 1522، في البيوع، والترمذي رقم 1223، في البيوع وأبو داود 3442 في
الإجارة والنسائي: 7/256 في البيوع وابن ماجة 2176. (10/2)
صفحة 1378
وقال: «يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإن فعلا رفع الله يده عنهما»(1).
والغرر(2) خبيث وقد أحل الله الطيبات وحرم الخبائث.
مسألة
[ حكم شركة أهل الذمة مع المسلم ]
اختلف العلماء رحمهم الله في مشاركة ذوا الصليب للمتحنف في
التجارة فأجاز بعضهم ومنع جوازه آخرون لما يحذرون من إدخال الربا
فيها وتحليل ما لا يحل في دين المسلمين وكره ذلك بعض والأصح
جوازه لأنا إذا منعنا جواز شركة ذي الصلب لم تجز غير مشاركة
العدول من المسلمين.
مسألة
[ حجة من أجاز المشاركة ]
والحجة في مشاركة ذي الصلب لاتفاقهم على جواز مشاركة المتحنف
لما ينتهك لما لا يحل في دينه(3).
مسألة
[ حكم خلط البر بالشعير ]
ولا يجوز خلط البر والشعير عند البيع(4) ولا تخليط الحنطة البردية
الردية بالجبدية إلا إذا ضاقت الأواني فقد اختلف أصحابنا في ذلك على
قولين فمنهم من أجازه ويرجع كل منهما إلى رأس ماله ويوزعا ما ربحا
بينهما وقيل: إن ذلك لا يجوز بأمثال متساوية.
مسألة
[ شراء الحلي بنقد ونسيئة ]
ومن اشترى عضباً محلا بنقد وبنسيئة فعن أبي عبد الله غير جائز إلا أن يجعل النقد من ثمن(5)
__________
(1) 5- رواية عن أبي هريرة: «أنا ثالث الشريكين...» رواه أبو داود وصححه الحاكم، بلوغ
المرام من أدلة الأحكام ص108 رقم 1.
(2) 6- الغرر: من التغرير وهو باب واسع يشتمل على أنواع كثيرة، مفسدة للعقود: كالجهالة،
وإخفاء العيب، والمدح الكاذب.
(3) 1- لأنهم يستحلون الخمر والخنزير والربا. أنظر كتابنا أحكام الكافر.
(4) 2- يجوز للبيت كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صهيب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع»،
رواه ابن ماجة وبإسناده ضعف.
(5) 1- لأن بيع النقدين أحدهما بالآخر نسيئة لا يجوز إلا يداً بيد وهاء هاء، هذا ما ورد عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (10/3)
صفحة 1379
الحلي فإن رأى بالمباع عيباً رده كله إذا لم ينو أن
النقد للحلي.
مسألة
[ حكم مبايعة القيان ]
ولا يجوز مبايعة القيان إلا بإذن مواليهم لقوله تعالى: { عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } (1) ولا يجوز الشراء من المماليك وإن أذن له مولاه في التجارة جاز على بعض القول.
مسألة
[ حكم مبايعة الصبيان ]
ولا يجوز مبايعة الصبيان لأنه لا قبض لهم ولا دفع ويجوز أمره ونهيه في
ماله ومن أخذ منه شيئاً ضمنه وباطل عقده لا يحكم به عليه وأجاز بعضهم ذلك على معنى التعارف من طريق الرسالة من أبيه والعبد من سيده(2).
مسألة
[ الترخيص في معاملة الصبيان ]
وقد رخصوا في مبايعة الصبيان والنساء والمماليك إذا لم يحسهم إذا
غلب على ظنه أنهم بعثوا لذلك وإن يكن حقير الثمن وأما جليل الثمن فلا وقيل ذلك غير جائز إلا بإذن الصبيان وموالي العبيد قل الشيء أو جل.
مسألة
[ معاملة الصبيان ]
وقيل: يجوز ذلك في الأسواق والحوانيت المتخذة للتجارة بقدر ما
يطمئن به القلب أنه مبعوث لذلك.
مسألة
[ حكم كراء الميزان والمكيال ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله(3): ولا يجوز كراء الميزان والمكيال
والقفّان وترد النائحة ما أخذت من الأجرة على النياحة إلا إذا اشترطت وإلا فلا رد عليها.
وبيع المصاحف لا يجوز على الأصح إلا أن تقع صفقة البيع على
الكاغد(4) والدفتين وجائز نسخها بالكراء لأن ذلك من الصناعات ولا
يقصد بالأجرة على سبب من أسباب القرآن.
مسألة
[ ما يكره بيعه ]
عشرة أشياء يكره بيعها وكراؤها كراء الفحل والميزان والمكيال وبيع الماء من النهر والبير ليغترف المشتري بإنائه وبيع النار ليقتبس المشتري منها وبيع الكلأ وبيع السلح الخالص وكراء النائحة والفاجرة والمعلم المشترط على
__________
(1) 2- سورة النحل آية 75.
(2) 1- العبد المأذون له بالتصرف.
(3) 2- أبو الحسن: هو أبو الحسن البيساني أو البيسوني.
(4) 1- الكاغد : الجلد الذي تحفظ به الأشياء. (10/4)
صفحة 1380
تعليم القرآن(1).
مسألة
[ حكم الاستئجار بكيل وميزان ]
ومن استأجر آخر ليكيل له بمكياله ويزن له بميزانه أعني مكيال الأجير وميزانه فذلك جائز وليس هذا الكراء للمكيال والميزان وإنما هو لعناء المكيال والوزان والمعلم إذا اشترط ودفع له بشيء جاز له أخذه.
مسألة
[ شراء أراضي أصحاب الأوثان ]
وكرهوا شراء أرض ذي الأوثان وعقارهم وعلى أرضهم الخراج للمسلمين وهو ما استخرج من علل الأموال والعبيد.
مسألة
[ حكم البيع مع الاستثناء ]
ومن باع دابة جاز له أن يستثني ما في بطنها، وقيل: إذا استثنى ما في
بطنها من شحم لم يجز. وبيع اللبن في الضروع لا يجوز وكذلك بيع لحم
الدابة قبل: إن تذكى لم يجز أن يبيع جزء منها من لحمها.
مسألة
[ حكم المعاملة في الحرث ]
ومن احترث حرثاً فقال آخر: أعطينه وأعطيك النفقة فذلك مكروه إذا
لم يدرك إلا أن يبيعه إياه بعد أن يطعم أو يشتري به علفاً فإن فات تأخرت
منه طائفة فلا بأس.
مسألة
[ بيع المحاقلة ]
نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المحاقلة(2) وهو بيع الزرع بالحب وقيل: كرا
الأرض بالحب وقيل: هي كراء المزارعة على جزء والأول هو الأصح. وقيل: الحقل هو الموضع الذي يزرع فيه، وقيل: هو الزرع إذا سبل وتشعب
ورقه قبل أن يغلظ سوقه.
مسألة
[ كيفية المزابنة ]
وأما المزابنة هي بيع التمر في باسقاته بالتمر لأنه مما يكال ويوزن لأنه لا يجوز شراء شيء مما يكال من جنس إلا مثلاً ووزناً يداً بيد.
مسألة
[ تعريف المنابذة ]
وأما المنابذة مأخوذ من كلام العرب وهو طرح الشيء وكانوا في
الجاهلية يقول المتبايعان إذا نبذت إليك فقد صح البيع من قبل أن
يراه المشتري.
__________
(1) 2- هذه الأشياء العشرة مما يحتاج إليها الناس وقد ورد بعضها في أحاديث، منها: الناس
شركاء في ثلاث، ورواية ثانية في أربع.
(2) 1- وردت أحاديث تدل على النهي عن البيع المذكور والذي يليه منها: = (10/5)
صفحة 1381
(1)
مسألة
[ ماهية بيع الملامسة ]
وأما الملامسة فمأخوذة من اللمس وهو أن يقول المتبايعان إذا لمست شيء وألمست شيئيك فقد وجب البيع.
مسألة
[ ماهية المخابرة ]
وأما المخابرة في المزارعة بجزء قل أو كثر والمخابرة والمواكرة سيان والخبر النصيب والخبر هو أن يشتري القوم دابة فيذكونها ويوزعون لحمها بينهم
على الأنصباء كما يفعل أهل عمان.
مسألة
[ ماهية بيع حبل الحبلة ]
وأما بيع حبل الحلبة فهو بيع السطر في بطن أمه وقيل: هو نتاج النتاج
ولم يجز بيعه لأنه غرر لأنه لا يدري في الحقيقة أهو ولد أم ريح ما لم يولد
فهو عضو من أعضاء الدابة.
مسألة
[ ماهية المنابذة ]
وأما المنابذة وهو ينبذ هذا ثوبه لهذا وينبذ الآخر ثوبه على أن كل واحد منهما بالآخر وينبذ الشيء إذا ألقاه قال الله تعالى: { فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ
ظُهُورِهِمْ } (2) أي ألقوه.
مسألة
[ ماهية الغرر وصور منه ]
وبيع الربا حجر محظور لا يجوز ولو تراضيا عليه المتبايعان وأما بيع
الغرر(3) فبيع الجزر في الأرض مستتراً ومثل ذلك البصل وبيع الحوت في
__________
(1) = أ- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة
والمحاقلة) والمزابنة اشتراء التمر في رؤوس النخل، والمحاقلة كراء الأرض، أخرجه
البخاري ومسلم. جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/475 رقم 297،
298، 299.
ب- (301) عن المخابرة والمحاقلة وعن المزابنة.
ج- عن أنس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة
والمنابذة والمزابنة، رواه البخاري. عن بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص98.
(2) 1- سورة آل عمران آية 187.
(3) 2- الغرر: من التغرير وهو خفاء السلعة على المشتري وهو من أسباب فساد البيوع وهو
منهي عنه مثل تعذر تسليم البعير، وبيع السمك في الماء والطير في الهواء الجهالة
وتعذر التسليم. (10/6)
صفحة 1382
اليم واللبن في الضرع وكل ما لا يضبط مقداره وكل بيع لم يره المبتاع
فهو بالخيار إذا أراده وإن كان رآه جاز عليه إلا أن يجد به عيباً لم يكن رآه
ولا مما يمكن حدوثه فله رده.
مسألة
[ الرد بالعيب ]
ومن ابتاع قينة فباشرها ثم رأى بها عيباً فقد لزمه البيع وله أرش العيب
وإن باشر بعد أن علم العيب ثبت عليه البيع ولا أرش له وقيل: له ردها
وعليه أرش المباشرة إن كانت بكراً.
مسألة
[ مداينة المفلس ]
ومن استدان من قوم مالاً ثم أفلس فهو بين الغرماء وإن دانه بعد إفلاس(1) ولم يعلم الذي باعه بإفلاسه فالبائع أحق إذا أدركه بعينه.
مسألة
[ حكم الإحالة على المفلس ]
ومن له حق على آخر فأحاله على مفلس فحقه عليه ولا توى على مسلم إلا أن يكون الشرط بأن المبايعة أن يحيله على ذلك المفلس ويكون البائع
عالماً بتفليسه فليس له على المشتري حجة.
مسألة
[ حكم إفلاس الضامن والرجوع للأصل ]
ومن له حق على آخر فضمن له به ضامن فمات الضامن وأفلس فله
أن يرجع بحقه على المضمون عليه وأما إن قبل الضامن له الضمانة
وأبرى من عليه الحق من الحق وكان أصل المبايعة أن الحق على ضامن فلا رجعة له.
مسألة
[ صور من الضمان ]
ومن ضمن بحق إلى أجل فحل الأجل ولم يسلمه فالحق على ضامن
وإن ضمن بإحضار نفس المديون فليس عليه إلا إحضاره وليس عليه تسليم الحق وقيل: إذا لم يحضر النفس لزمه الحق وإن ضمن بالنفس فمات
المضمون عليه برئ الضامن من الضمانة على الأرجح.
مسألة
[ حكم بيع ما لا يملك ]
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع الإنسان ما ليس معه بنقد ولا نسيئة قال أبو عبد الله من باع ما ليس له معه فقد أربى ورخص بعض في ذلك(2)
__________
(1) 1- المفلس هو من كان خرجه أكثر من دخله أو من أحاط به الدين من كل جانب، أو من
كانت عنده أموال تعد بدنانير وأصبحت تعد بالفلوس.
(2) 1- بيع ما لا يملك فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والموطأ: عن ابن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه»
جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/454 رقم 274، 275، 276، 277. (10/7)
صفحة 1383
.
مسألة
[ حكم الوصية بالشراء ]
ولا بأس أن يقول زيد لعمرو إذا حصلت يداك على كذا من البضاعة فأعلمني فإن لي فيها رغبة ويكره أن يقول له اشتري لي حتى أشتريه منك
ولا يحل ما لم يضمن.
مسألة
[ حكم تسليم الثمن والشراء ]
ومن اشترى بيعاً فعلى البائع تسليمه وعلى المشتري قبضة ونقد ثمنه فإن امتنع أحدهما جبر على ذلك ويحكم بتسليم الشراء وثمنه معاً.
مسألة
[ حكم شراء العملة ]
ومن اشترى عشرة دراهم بدنانير فيجد فيها درهماً زائفاً فإنه يرده على
ربه ويأخذه سواه وأما في القياس فيرده ويكون شريكاً في الدينار فإن وجد
فيها خمسة دراهم زائفات ردها وله نصف الدينار.
مسألة
[ استعادة المغصوب ]
سن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من اغتصب أرضاً فغرسها باسقات ودوحاً ثم اقتدر
رب الأرض على أخذها أخذها وجبر الغاصب بين إبانة غرسه أو تركه ولا عرف له وأن المغروس استخرجه من الأرض فليس له إبانته ولا أجر له.
مسألة
[ حكم ثمن الأمة المغصوبة ]
ومن اشترى قينة فباشرها فأولدها ثم استحقت فإنها لمن استوجبها بالبينة العادلة ويلحق المشتري البائع بثمنها الذي اشتراها به ويلحق مستحقها بثمن
الأول على أبيهم فإن يكن بائعها مغتصباً لها لحق الأب البائع بما يلزمه من
ثمن الأولاد وإلا فعليه ثمنها وفقط الذي باعه به وعلى الأب ثمن أولاده
لسيدها ولا بأس إن تولى ما اشتريت قبل قبضه قال الربيع(1): أما ما يكال ويوزن فلا حتى يقبضه وقال أبو الحسن: لا أحب التولية لأنه محظور
والأرجح ما لم يقمن.
مسألة
[ المواعدة في البيع ]
__________
(1) 1- الربيع: هو الربيع بن حبيب الفراهيدي المحدث الثبت وهو من بلد غضفان بولاية لوى
من الباطنة وقد خرج من عُمان في طلب العلم إلى البصرة فأقام وصحب الإمام جابر
بن زيد رحمهما الله ورجع إلى عُمان وهو عالم المذهب صاحب المسند، أنظر إتحاف
الأعيان 1/50 - 53. (10/8)
صفحة 1384
ولا بأس أن يقول بكر لخالد ابعث لي من طعامك بسعر ما تبيع فبعث له بذلك ولم يسعره وقيل: يكره ذلك حتى يبعث إليه بالطعام ويعلمه بثمنه
وقيل: إذا لقيه وأعلمه بالثمن ولو بعد مدة جاز.
مسألة
[ صور من البيع ]
وإذا أعلم البائع المشتري بالسعر ورضي به وقبضه فلا رجعة لأحدهما
وقيل: أنه بيع منتقض وإن أتماه تم.
مسألة
[ صور من البيع ]
ومن وافى تاجراً وقال له: أعطي فأعطاه ولم يقطعا ثمناً في الوقت ثم أراد
أن يعطيه من بعد فإن له مثل ما أعطاه إلا أن يتفقا في الوقت على ثمنه
فيعطيه مؤجلاً فإن أجره فالأول بحاله ولا بأس أن يبيعه سلعة بالنقد بثمن
بخس وبالنسيئة بثمن أجزل منه ويشهد عليه في أحد البيعين أو أحد الأجلين وكان أبو عبيدة(1) يقول في هذا بأدنى الأجلين وأعلا الثمنين وقال أبو عبد
الله: بأبعد الأجلين وأقل الثمنين واتفقا على صحة البيع.
مسألة
[ كيفية رد البضاعة ]
وقال أبو محمد أن البضاعة إن كانت قائمة ردت على ربها لعدم صحة البيع عليها وأن استهلكا فمثلها إذا كان لها مثل يضبط بكيل أو وزن وإلا
فعليه ثمنها يوم استهلكها والقول قول الضامن مع يمينه.
مسألة
[ حكم رد الملاءة ]
ومن ابتاع ملاءة فندم فقال خذ مني درهماً وملاءتك إن ذلك مكروه
لأنه ليس له رد الملاءة فإن شاء أخذها وإن أبا لم يحكم عليه والأول
هو الأرجح.
مسألة
[ حكم عدم تحديد الأجرة ]
وإذا أعطى الحائك نخاساً ملاءة فقال له: بعها بكذا وكذا وما نما فهو لك فذلك مكروه حتى يقول له: لك من كل عشرة دراهم درهم أو نحو ذلك
أو يقول له: بعها بكذا ولك من الأجرة كذا قال أبو الحسن: له أجر مثله.
مسألة
[ البيع بالنقد والنسيئة ]
__________
(1) 1- أبو عبيدة: هو مسلم بن أبي كريمة -رحمه الله- كبير تلامذة الإمام جابر بن زيد
-رحمهما الله- وممن حسنت أخباره، وتعلم العلوم وعلمها وهو عالم المذهب.انظر
شرح الجامع الصحيح المقدمة 1/6. (10/9)
صفحة 1385
وإذا باع الحائك للتجار ثوباً وأمره أن يبيعه ولم يجد له أحداً فباع بنقد جاز بلا اختلاف وإذا باع بنسيئة فبعض أجازه وأبا جوازه آخرون وحجة
من أجازه أن الله أباح البيع بنقد ونسيئة.
مسألة
[ صور من اختلاف المتبايعين ]
وإذا اختلف رب السلعة والبائع فقال رب السلعة: أمرتك أن تبيع بكذا
أو قال البائع: أن أبيع بأوكس مما قلت فعلى البائع البينة إذ هو مدع وأما إن قال رب السلعة حديث لك الثمن وقال البائع: أمرتني بالبيع ولم تحد لي
الثمن فالقول قول البائع وهو هنا مدع أعني رب البضاعة وعليه البينة.
مسألة
[ حكم ادعاء البائع تلف السلعة ]
وإذا ادعى البائع تلف السلعة فلا يقبل قوله إذا كان بالأجر وعليه البينة فيما يدعيه على الأصح وإن كان يبيع بلا أجر وادعى تلف الثمن لم يضمن لأنه أمين وإن استخانه حلفه.
مسألة
[ صور من المشاركة ]
ومن اشتري شيئاً فاستشركه فيه أحد فأشركه بعد أن عرف كيله ووزنه وقبض من ثمن حصته فلم يوزعاه ونيتهما توزيع ثمنه فهذه شركة
مدحوضة حتى يقسما بكيل أو وزن. قال أبو عبد الله: وأبو الحسن: إذا
رأياه وعرفا كيله جاز.
مسألة
[ وجوه الشركة ]
عن أبي محمد: الشركة على ثلاثة وجوه: شركة مضاربة وشركة
عيان وشركة مفاوضة فشركة المضاربة هو أن يدفع زيد لعمرو نشباً يتجر به والربح بينهما على ما يتفقان والوضعية على رأس المال وأما شركة العيان هو أن يشترك اثنان أو جماعة في شيء بعينه دون غيره وشركة المفاوضة هو أن يتساوى نشب الشريكين في بد والأمر وإن استفاد من تجارة أو هبة فهو
بينهما إلا الميراث.
مسألة
[ صور من الشركة ]
ويروي عن بعض الفقهاء أن الشركة بيع وتجري مجراه في المعرفة
والتسليم فإن توت البضاعة وقبل تسليم المشتري للشريك حصته فهي من
مال المشتري وإن شاركه قبل البيع فالشركة فاسدة إلا أن يكون أمره أن يشتري ذلك الشيء بينه وبينه فاشتراه له.
مسألة
[ أنواع من البيع ] (10/10)
صفحة 1386
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل السوق فقال: «يا أهل البيع لا يفترق المتبايعان إلا عن تراض(1) والبيع بيع والحوالة(2) بيع والتولية(3) بيع والقياض(4) بيع
والإقالة(5) بيع وقيل: إلاقالة فسخ بيع.
مسألة
[ كيفية الشركة ]
ومن اشترى شراء فقال: أحدانا شريكك يا فلان فيه فأنعم له ثم قال له
أخرانا شريكك فيه فأنعم ثم قال له الثالث كالقول أولاً فأنعم له فإن كان استحق الشراء قبل أن يشركهم فللأول منهم النصف وللثاني الربع والثالث الثمن الواحد.
مسألة
[ المشاركة قبل البيع ]
ومن شارك قوماً على متاع قبل صفقة البيع فيه وقبضته فالشركة باطلة
إلا أن يكونوا تعاقدوا على شرائه فيما بينهم ثم اشتراه أحدهم فهو بينهم
على الدوس.
مسألة
[ البيع بالنقد والنسيئة ]
عن الشيخ أبي الحسن: ومن باع شيئاً بثمن معلوم وأخذ بعض الثمن
جاز ومن باع نصف جراب نقد ونصفه نسيئة فقد اختلفوا في جوازه قوم وحرمه قوم وكرهه قوم.
مسألة
[ من صور المرابحة ]
ومن اشترى شيئاً نسيئة فليس له بيعه مرابحة إلا أن يعلم المشتري أنه
ابتاعه نسيئة.
مسألة
[ حكم بيع القينة مرابحة ]
ومن باع قينة حبلى فأجهضت شبلاً ولم تنتقض هي فله بيعها مرابحة
وإن عاش الشبل فاقتناه أو وهبه فلا يبيعها مرابحة حتى يخبر المشتري.
مسألة
[ ماهية المرابحة ]
__________
(1) 1- المعنى صحيح لأن البيع عقد ولا بد في العقد الرضى بين الطرفين والإيجاب والقبول.
(2) 2- الحوالة: من التحول والانتقال والإحالة، وهو نقل المال من ذمة إلى ذمة، وهي عقد
وقيل رخصة مسثناة من بيع الدين بالدين، أنظر كتاب المعاملات المالية فصل الحوالة.
(3) 3- التولية: بيع الشيء بنفس السعر الأول.
(4) 4- القياض: بيع العرض بالعرض (بيع العروض مبادلة).
(5) 5- الإقالة: إرجاع السلعة لصاحبه برضاه. وقال - صلى الله عليه وسلم - إقالة العثرات من شيم الكرام - والله أعلم. (10/11)
صفحة 1387
والمرابحة هو أن يقول المشتري للبائع بكم اشتريت وكم تربح وما أنفقه البائع على الشري من كراء أو مؤونة فمحسوب على ثمنه وقيل: لا تحسب المئونة من الثمن والأول أصح.
مسألة
[ صور من البيع ]
وكل شيء لم يستوعبه النظر كصبّة حب أو ثمر وأمثال ذلك جائز ما لم يتغير أسفله عن أعلاه بجودة أو رادءة فإن تغير جاز فيه النقض إن نقضاه.
مسألة
[ بيع الطناء ]
ولا يجوز طنا ما كان ينمو من الثمار قبل دركه على أن له ما يخرج من تلك الشجرة ذلك الوقت إلا أن يأخذ الذي اشتراه على أن يقطعه فوراً فإن رضي له البائع أن يذره إلى وقت آخر فلا بأس.
مسألة
[ حدوث العيب بالحيوان ]
وكل عيب حدث في الحيوان مع المشتري ثم ظهر به عيب كان مع
البائع لم يكن للمشتري رده حتى يبري من العيب الحادث معه وإن أحدثه المشتري أو كان حادثاً بغير محدث فسيان.
مسألة
[ قول المشتري للبائع أبرأتك من كل عيب ]
وإذا قال المشتري للبائع قد أبرأتك من كل عيب كان فيما اشتريته منك فأهل العراق يجيزون ذلك ولو لم يوقفه على العيوب ويريه إياها وقال أبو الحواري(1): يضع يده على العيب ويريده إياه وهو رأي نبهان(2) ومحمد
بن محبوب(3)
__________
(1) 1- أبو الحواري: هو الشيخ الفقيه العلامة أبو الحواري محمد بن الحواري بن عثمان
القري من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما أدرك أول القرن الرابع، نشأ
وعاش بنَزوى وبها أخذ العلم عن شيوخه وهم الشيخ محمد بن محبوب ومحمد بن
جعفر الأزكوي وغيرهما أنظر إتحاف الأعيان 1/209.
(2) 2- نبهان: هو العلامة نبهان بن عثمان أبو عبد الله السمدي النْزوي من علماء النصف
الثاني من القرن الثالث وهو جد بني المعمر وهو أحد الأقطاب الثلاثة في عصره الذين
عليهم مدار العلم والآخران أبو المؤثر الصلت بن خميس أعمى وأبو جابر محمد بن
جعفر أصم، انظر إتحاف الأعيان 1/208.
(3) 3- محمد بن محبوب: الشيخ العلامة شيخ المسلمين في عصره ومرجعهم في الرأي
والفتوى وكان مضرب المثل في العلم والزهد والتقوى وقد نشأ أيام الإمام غسان بن
عبد الله الذي بويع سنة 192هـ وعاصر الإمام مهنا بن جيفر ثم تألق نجمه أيام الإمام = (10/12)
صفحة 1388
رحمهم الله.
مسألة
[ حكم موت الصبية ]
ومن تزوج صبية غادة طفلية ربه حسب وشب عذب نسيم فماتت من مسه فأرمست وكمهت في الرحم بالرجم فعليه ديتها في ماله ولا قود عليه وديتها لورثتها دونه وأما إن كانت بالغة بكراً وإن وطئها على الغلبة منه لها فماتت فديتها على عاقلته لأن غشيانها له مباح.
مسألة
[ فض الكين والإست ]
ومن باشر عرسه فاختلط من سببه الإست والكين فعليه ديتها كاملة من غير مين ويحرم عليه وعلى غيره مسها مدة الملوين.
مسألة
[ موت المرأة بعد الزواج مباشرة ]
ومن مس عرسه فنَزفت من نفسها أي دماًَ نفساً حتى قضت نحبها فإن كانت بالغة فالدية على عاقلته وإن كانت صبية فالدية عليه في ماله وقيل: يعترق هو بذلك وإلا فلا يلزمه شيء.
(1)
مسألة
[ مقدار دية فض الإست ]
عن أبي علي رحمه الله أن من لامس عرسه فاختلط مخرجها فإن بري
والتأم فعليه ثلث الدية ولها المهر مورب تام وإن لم يلتم فالدية موربة تامة وحرمت من أن ينكح. وعن محمد بن محبوب رحمه الله: إذا لم تمسك
البول فالدية موربة ولا يحل له أبداً ويفرق بينهما وكره بعض العلماء
مجامعتها الاختلاط القبل والدبر.
مسألة
[ رد شراء النقود ]
ومن اشترى مالاً قطعاً فادعى فيه الجهالة ورام نقض البيع إذ هو أعمى أله النقض أم لا فهل عليه رد غلته أم لا؟ فقد اختلف المسلمون في ذلك، فقال بعضهم: إذا كان النقض من قبل المشتري فعليه رد الغلة وله ما أنفق على
المال وقول: لا يجوز وهو ربا، وقول: هو كالبيع المنتقض فمن قال أنه ربا
جعل على المشتري رد الغلة وله ما غرم والأصح أن شراء الأعمى في
__________
(1) = الصلت بن مالك حيث كان على رأس العلماء المبايعين للصلت سنة 237هـ وتقلد
القضاء على صحار وتوابعها. من أشياخه العلامة موسى بن علي الأزكوي وغيره
-رحمه الله-. توفي بصحار يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر المحرم سنة 260هـ
وقبره مشهور معروف، انظر إتحاف الأعيان 1/191، 193. (10/13)
صفحة 1389
الوصول غير جائز إلا بوكيل هذا عن الشيخ الفقيه القاضي ابن عبيدان
رحمه الله.
مسألة
[ وجود العيب بالدابة ]
ومن اشترى دابة فوجد بها عيباً مما ينقض البيع إلا أنه كرهها من غير
العيب هل له ردها؟ فله ردها بالعيب إذا لم يعلمه به البائع. وإذا تبايع
المتبايعان دابة فادعى المشتري أن بها عيباً وصح العيب وكان مما يحتمل
حدوثه فالبينة على المشتري أنه غير حادث وإن كان مما لا يحتمل حدوثه كالكي القديم وما أشبهه فالبينة على البائع أنه باعه هذه الدابة وليس بها هذا العيب وهو يعلمه وكتمه.
مسألة
[ حكم رد الحيوان بعد حدوث العيب ]
ومن اشترى دابة ذات عيب لم يعلمه ثم حدث بها عند المشتري عيب وعلم العيب الأول فليس له ردها حتى تبري من العيب الحادث بها معه فإن ماتت فله أرش العيب..
مسألة
[ اختلاف المتبايعين ]
ومن اشترى مالاً قطعاً فغير فيه بالجهالة وادعى البائع عالم بما اشتراه
فالقول قول المشتري أنه جاهل بما اشتراه وعلى البائع البنية وبينهما الإلية.
مسألة
[ أثر نمو السلعة أو زيادة الكيل في البيع الثاني ]
ومن اشترى ما يكال أو يوزن فلما باعه نما في الكيل أو الوزن أتحل هذه الريادة أم لا فإذا احتمل أن الزيادة تكون من اختلاف المكائيل والموازين
فوسع له أخذها وإلا فهي للبائع.
مسألة
[ حكم البيع على الغائب ]
وإذا تبايع المتبايعان على غائب لم يرياه فإن لم يكن عند البائع شيء مما تبايعا عليه فهذا بيع باطل وإن يملك مثله فمجهول فإن أتماه تم وإن تقضاه انتقض.
مسألة
[ حكم التبايع بالمجهول ]
وإذا تبايع المتبايعان على مجهول غائب فقبضه المشتري بعد أن رآه وأتلفه فقول إن البيع قد ثبت وهو الأصح وقيل: باطل وأما إذا لم يتلفه المشتري فللمتبايعين النقض.
مسألة
[ حكم تغير المبيع بالجهالة ] (10/14)
صفحة 1390
عن الشيخ الفقيه الوالي عامر بن محمد بن مسعود السعالي من اشترى مالاً فغير منه بالجهالة فقبله البائع وطلب الغلة وطلب المشتري إبانة ما غرسه ألهما ذلك أم لا؟ فقول: إذا غير المشتري فعليه رد الغلة وقول: لا رد عليه كان
الغير منه أو من البائع ولا يرد الغلة إلا الغاصب وإذا غير البائع فلا غلة له.
مسألة
[ حكم غلة المال المغير ]
عن الشيخ العالم محمد بن عبد الله بن جمعة أن غلة المال المغير منه
لإصلاح المال وأما غرسه في المال فإلى نظر أهل النظر فيه فإن كان في إبانته ضرر على رب المال ولا يجاب إلى إخراجه وله الثمن وإلا فلا يمنع ذلك.
مسألة
[ من صور الاجتياح ]
ومن اشترى مالاً فاجتاحه الأتي فغير منه المشتري بالجهالة فإذا ادعى المشتري الجهالة وصدقه البائع فله الغير بالجهالة وإن أنكر دعواه وكان قد استغل فلا يقبل قوله وإن لم يقبل فقوله مقبول إذا ادعى الجهالة حتى يصح أنه عالم.
مسألة
[ البيع بالوزن الأول ]
ومن وزن جراب تمر وأراد بيعه بالمن إلا أنه لا يزنه ثانية إلا على وزنه الأول هل يجوز ذلك فإن عرف الوزن وصدقه فلا يضيق ذلك عليه إذا كان امتناعه من الوزن خوف النقصان من اختلاف الموازين وأجرة الوزن.
مسألة
[ حكم نقصان جوارح العبد ]
ومن اشترى عبداً ووجد نقصاناً في أنامله أو زيادة، فأما نقصان الجوارح فهو عيب يرد به البيع، وأما زيادة الأنامل بيديه أو رجليه لم أقل أنه عيب
يرد به إذا لم يضعفه ما زاد أو نقص عن العمل.
مسألة
[ التوكيل في البيع ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان رحمه الله: ومن
وكل وكيلاً في بيع جراب تمر بثمن معلوم وشرطه أنه من دخل قل معلوم (10/15)
صفحة 1391
فلما باعه صح أنه خلاف ما شرطه هل يجوز للوكيل أن يحط عن المشتري بعض الثمن أو يقيله البيع من غير رأي ربه وإن حكم الحاكم بنقض هذا البيع وكان المشتري قد شرط هذا بجراب شطرين فأما البيع فمنتقض وأما الحط فبإذن رب الجراب ويلزم المشتري ما نقض من قيمته مجزولاً وغير مجزول.
مسألة
[ حكم التغير في المشترى ثم رده ]
ومن غير من شيء اشتراه ولم يظهر كتاب الغير حتى خلت مدة هل
يبطل غيره أم لا؟ فلا يبطل غيره ما لم يرض بما اشتراه ويستعمله بائعاً كان
أو مشترياً.
مسألة
[ أثر الجفلة في الحيوان ]
ومن اشترى أتاناً وغير منه بالجهالة وادعى أنه جفول فهل لذلك حل فلا أحفظ في الجفلة حداً ويكون ذلك بالنظر فإذا صح بها هذا عندنا بائعها فللمشتري النقض وإلا فلا.
مسألة
[ حكم شراء الباسقات بتمر وورق ]
ومن اشترى باسقات بتمر وورق فإذا لم يكن بالباسقات ثمرة مدركة فجائز وإن كان بها التمر حاضر جاز وأما بالنسيئة فلا يجوز بيع تمر بتمر.
مسألة
[ بيع مال الشبل ]
ومن رام بيع نشبه شبله حال الحاكم بينه وبين ما يشتهيه سيما إذا كان الأب مثر وأجاز ذلك لذي العيلة وعدم الجواز أرجح.
مسألة
[ حكم بيع من كان في ذمته حقوق ]
ومن كان في ذمته حقوق وفي ماله بيوعات خيار هل تباع أمواله لأداء
ما عليه إلى من له بيع الخيار أم رضي فنعم تباع إذا كان ينمو على حقوق
أهل الخيار.
مسألة
[ بيع الرق أو من به مس ]
وإذا باع أحد شيئاً على ذي رق أو مس أو طفولية بعد أن علم حالهم فلم يوفه حقه فإن وجد المباع بعينه أخذه بعد إقامة البينة وإن نوى المبتاع فلا
حجة على مولى الرق ولا أب الطفل ولا ذي المس إلا أن يكون رب الرق
أذن له في التجارة فيلزمه ما جناه.
مسألة
[ حكم البيع مع الشرط ]
ومن باع دابة وشرط أنها عشار أشهر معلومة فلم يصح ما قال فإذا صح الشرط عند البيع فللمشتري الغير إذا لم يتم ما شرطه.
مسألة
[ صور من المرابحة ] (10/16)
صفحة 1392
عن الشيخ الوالي عامر بن محمد بن مسعود ومن اشترى شيئاً في إناء وطرح له البائع بقدر الإناء فلا يجوز بيعه من مرابحة إن لم يعلم البائع المشتري بما حط عنه لأجل الإناء وإن باعه بغير مرابحة فلا بأس ويتم عند المتاممة.
مسألة
[ صور من البيع ]
وإذا أبا النحاس أخذ زينة أحد وادعى أنه يحاذر مطله فلا يحكم عليه أن يبايع من يحاذر منه المطل وإن كان أموال الناس وأما الشيخ محمد بن عبد
الله فأعجبه أخذ زينته وإن أنكره فليرد أمر المسلمين.
مسألة
[ حكم بيع الحيوان بالورق والاستيفاء عروض ]
ومن باع دابة بورق واستوفى الثمن عروضاً ثم ردت لسبب من الأسباب فإن وقع بيع العروض بثمن الدابة بطل البيع فإذا بطل بيع الدابة ردت
العروض بعينها وإن كان بما باعه بثمنها ولم يكن لثمن الدابة فيها ذكر فعليه رد الثمن نفسه.
مسألة
[ صور من البيع ]
ومن باع مالاً قطعاً وكتب خط الغير ولم يظهره حتى مات بعد خلو بره هل لورثته أن يطلبوا الغير بتلك الأوراق المكتوبة للهالك؟ ففي ذلك
اختلاف قول: للورثة ما لهالكهم وقول: لا غير لهم.
مسألة
[ حكم شراء السمن دون وزن ]
ومن اشترى سمناً من نحاس ولم يزنه وترك الدلال في موضع وولغت
به حية وكرهه المشتري أرأيت لو تركه المشتري في ذلك المكان أكله سواء
أم بينهما بون؟ فهذا بيع غير جائز وللمشتري رده لأنه لم يزنه.
مسألة
[ حكم البيع مع الجهالة ]
ومن اشترى مما لا يجوز فيه النقض لقصب السكر أو ألقت أو ما أشبه ذلك ثم مات المشتري بعد أن تصرف في شيء منه أو لم يتصرف هل
لورثته الغير أو للبائع بعد موت المشتري وإذا كان المتبايعان مدركين فهذا بيع تدخل الجهالة فإذا مات أحد متبايعيه ثبت البيع، وقول: إنه منتقض وإذا
كان المبتاع غير مدرك فهذا بيع فاسد لا يثبت ولو مات أحد المتبايعين.
النهج الثامن عشر
في السلف
وما يجوز فيها وما لا يجوز
النهج الثامن عشر (10/17)
صفحة 1393
في السلف(1) وما يجوز فيها ومالا يجوز
مسألة
[ حكم الزيادة والنقص في السلف ]
فإذا رجحت دراهم السلف أو نقصت قليلاً ورضى بذلك المسلف والمتسلف غير أنهما جهلا الزيادة والنقصان فلا يضيق على بعض القول واختلفوا في قبض السلف إذا لم يكن بينهما شرط قول من بلد المسلف
وقيل بلد المتسلف وقول حيث الحكم.
مسألة
[ إعادة أقل من المتفق عليه ]
وإذا أسلف زيد عمرو ماية محمدية بوزن معلوم بعشرة أجربة حب
معلوم فلما حل الأجل جاءه بخمسة أجربة ورام أن يبطل السلف من
الخمسة الأخرى بنصف الدراهم فإذا كان سلف بجملة تلك الدراهم
فتزكه أولى.
مسألة
[ تحديد فترة السلف ]
ومن عليه سلف لآخر فعجز عن تسلمه فأراد أن يسلفه ثانية ليقضيه
الأول فسلفه من غير وزن الدراهم فهذا فيه ترخيص عن بعض المسلمين إذا أتماه ولم يكن تم شرط بينهما.
مسألة
[ وزن السلف ]
وإذا وزن المسلف للمتسلف الدراهم إلا أنهما عند عقد السلف لم يذكر الوزن ولا أن لكل درهم فيها بكذا فإذا عرفا وزن الدراهم والجنس جاز السلف ولو نسيا ذلك من يعد ولو لم يقولا إن كل دراهم بكذا.
مسألة
[ أثر وجود الثقة بين المتعاقدين ]
وإن وزن الدراهم المسلف على غير حضرة المتسلف وعقد عبد السلف أعلمه وزنها فصدقه فعلى حكم الاطمئنانة لا يضيق عليه لأنه يوجد في الأثر إجازة ذلك السلف بالدراهم عدداً بغير وزن والأصح الوزن مع قطع السلف.
مسألة
[ السلف بدون علم وزن الدراهم ]
__________
(1) 1- السلف: والسَّلَم لغة واحدة ومعنى واحد إلا أن السلف يطلق على القرض فالسلف
لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز، والسلم سمي لتسليم الثمن دون العوض،
والسلف في اللغة التقديم، قال تعالى: { بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } الحاقة آية 24.
اصطلاحاً: عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل
العوضين، ابن عرفة الحدود 2/395. (10/18)
صفحة 1394
وإذا وزن المسلف دراهم في غير حضرة المتسلف فنسي أن يعلمه عند العقد فأعلمه من بعد بأيام قلت أو كثرت فعلى قول من يجيز السلف
بالدراهم عدداً جاز وأما على قول من لا يجيز السلف إلا بوزن الدراهم
فلا يجوز.
مسألة
[ كيفية قياس وزن السلف (الدراهم) ]
عن الشيخ الفقيه القاضي سليمان بن محمد بن مداد النْزوي(1) وهل
يجوز وزن دراهم السلف بالقياسات أو الأمناء إلا بالمثاقيل فقط أن لو
كثرت فهذا جائز إذا وقع السلف على القياس والمسن فإذا كان السلف صحيحاً فكله جائز.
مسألة
[ حكم السلف في التمر والحب ]
عن الشيخ سعيد بن بشير الصبحي(2) رحمه الله: ومن أسلم في تمر ولم
يشترط من دقل وكذلك إذا أسلم من حب أيثبت ذلك أم لا؟ فأما التمر فالأصح أنه جائز وأما الحب ففيه اختلاف لا يؤخذ ميسايناً عن خطة.
مسألة
[ أجل السلم ]
ولا يثبت السلف إذا كان فيه إلى أجل مجهول لأنه إنما هو صفة متفق
عليه في كيله ووزنه أو صفة إلى أجل يتفقان عليه.
مسألة
[ كيفية السَّلم ]
عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله سأل عن السلف أهو من التجارة قال:
نعم وهو بالدراهم والدنانير من نوع معلوم بكيل أو وزن معلوم إلى أجل
معلوم ويزن الدراهم التي سلف بها.
مسألة
[ سَّلم أهل المدينة ]
وجاءت الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وافى المدينة ورآهم يسلمون على الثمار فبين أن من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم بنقد حاضر موزون(3).
مسألة
[ صور من السلم ]
وإذا أسلفه مثقالاً حاضراً بكذا من الطعام جاز إلى أجل وأما إن قال:
__________
(1) 1- سليمان بن محمد بن مداد النْزوي: ذكر في إتحاف الأعيان 2/22 أنه من علماء آل
مداد وولده الفقيه ناصر بن سليمان بن محمد وولداه الفقيهان عبد الله ناصر
وسليمان بن ناصر.
(2) 2- سعيد بن بشير الصبحي: لم أعثر على ترجمة.
(3) 1- الحديث صحيح ونصه: عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - = (10/19)
صفحة 1395
هذا المثقال صرفه كذا وكذا من الدراهم وكل درهم منهن بكذا من الطعام
فلا يجوز وإن ولج في السلف خيار ولو ساعة بطل.
مسألة
[ حكم السلف في الحوالة والتولية ]
ولا تجوز الحوالة والتولية في السلف قبل محلة قال أبو الحسن نهى - صلى الله عليه وسلم -
عن سلف وبيع وهو أن يقرضه قرضاً على أن يبايعه كذا أو يسلمه كذا فيما يجوز فيه السلف فاتبعه منه قبل محله ولا يجوز بيع السلف محله ولا قبل
قبضته النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس معك والسلف ليس هو معك(1).
مسألة
[ حكم استعادة رأس المال ]
وإذا رجع المسلف إلى رأس ماله ببعض الأسباب فلا يؤخذ به شيء من
العروض وله رأس ماله فقط إلا أنه إن باع بأكثر من رأس ماله أخذ زيادة
على حقه وقيل: يجوز أخذ العروض برأس ماله ويجوز السلف بالعروض
وهو أن يسلمه ثوباً بغير لبس معروف إلى أجل معروف وما أن يبيع له ثوباً غائباً بثمن معلوم لم يجز ذلك لأن بيع ما ليس معه وبعضهم أجازه.
مسألة
[ حكم السلم في اللحم والحوت ]
عن أبي الحسن رحمه الله: وأخذ السلم في السلم في الحوت واللحم
فأجازه قوم وأبا جوازه آخرون إذا كان اللحم من جنس من الدواب يسمي به ووزناً معلوماً إلى أجل معلوم ولا عظام فيه عن ابن جعفر: لا يجوز
السلم باللحم ويجوز بالحوت إذا كان معلوماًَ ولا عظام فيه ويسمى اللحم
من ضأن أو معز أو غير ذلك ولذلك الحوت.
مسألة
[ سلف الثياب بالدراهم ]
__________
(1) = المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف في ثمر فليسلف
في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه، وللبخاري (من أسلف في
شيء معلوم) بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص104 رقم 1.
1- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا
يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن وبيع ما ليس عندك» رواه
الخمسة، المصدر نفسه ص97 رقم 20. (10/20)
صفحة 1396
وجائز سلف الثياب بالدراهم إذا جعل لكل ثوب كذا معلوماً من جنس من الثياب معلوم لأنه ميز رأس مال كل ثوب علي صفة ووزع.
مسألة
[ كيفية قياس الثوب ]
ومن سلف على ثوب معلوم لذرع فنقص فاتفقا على أن يأخذ المسلف الثوب ويرد عليه المتسلف بقدر النقصان فهذا لا يجوز وجائز له أن يأخذه
بحقه وإن نما ذرعه أو فضل ثمنه فأخذه بحقه ورد الفضل على المسلف جاز
على قول.
مسألة
[ السلف في الحبوب والنبق ]
ولا بأس بالسلف بالفلوس بأنواع الحبوب بكيل معلوم أو وزن معلوم إلِى أجل معلوم وأجاز بعضهم السلف في النبق إلى أجل بكيل معلوم ولم يجزه بعضهم في الحناء.
مسألة
[ حكم السلف في اللبن ]
ولا يجوز السلف في اللبن إذا يسمى به مخضاً أو مخيضاً أو قطاً إلى
أجل معلوم فإن لم يبينه ويسميه فلا يجوز وكذلك السمن وهذا رأي أبي
الحسن وأقل أجل السلف ثلاثة أيام.
مسألة
[ حكم السلف في أنواع متعددة ]
وجائز السلف في طشت أو ثوب أو قمقم أو مقلا أو سراح بصفة وضرب ووزن وأجل وكذلك في الجلود والصحف والحقاف ولا خير في
سلف الزعفران وإن شرطه همدانياً أو يمنياً قال أبو عبد الله: جائز إذا كان موجوداً ولا خير فيما لم يوجد ولا يوجد وجائز السلف في الورس
والشوران وكل هذا ما لم يجد من قيعة فإن وجد بطل لأنه قد يعدم منها.
مسألة
[ حكم سلف الأرض ]
ومن أسلم في قطعة معدودة فاحتاجها وابل أو مسها مسحن أجل حتى يزرعها مرة أخرى قال أبو علي: لا بأس أن يستوفي من حب قطعة أخرى وقيل: إذا فات حب القطة فله رأس ماله.
مسألة
[ السلف في الأدهان والخل ]
والسلف في الأدهان والخل جائز على وزن وصنف وأجل معلومين وأما الخل فبكيل معلوم وتمر أو كرم معلوم وإذا كان السلف لاثنين فرجع
أحدهما إلى رأس ماله وأبى الثاني فلا يثبت إلا برضى الشريكين وما أخذه فبينهما من رأس المال والسلف لأنه مشترك.
مسألة
[ حكم السلف في السيف المحلى ] (10/21)
صفحة 1397
قال أبو عبد الله: وإذا اشترى الرجل الفخفاجة غصباً محلاً بثمن دراهم نقداً ونسيئة فهذا لا يجوز حتى ينوي بالنقد من الثمن الحلي وما تأخر فمن
ثمن الحسام، وأرسل البيع فلا يجوز فإن وجد نصيباً رده كله إذا لم يسم
للحلي ثمنه.
مسألة
[ السلف في الحنطة والشعير ]
عن أبي علي: ومن أسلم في حنطة وأخذ شعيراً باختياره قال: ما نرى بذلك بأساً لأنه أخذ دون حقه وقال أبو الحسن: إن الشعير يجري مجرى
الحنطة وقيل: لا يؤخذ إلا من جنس ما أسلم.
مسألة
[ حكم أخذ أفضل من حقه ]
عن أبي الحسن: جائز للمسلف أن يأخذ أفضل من حقه ويرد الفضل
على المسلف بالثمن، وإن أخذ حقه فأولى ولا يأخذ أدنى من حقه ويأخذ الفضل فهذا غير جائز وإن رضيه بحقه جاز ولو كان دون حقه.
مسألة
[ حكم السلف في التمر والحنطة معاً ]
ومن أسلم في حنطة وتمر فلم يبين لكل نوع كذا فذلك فاسد. وإن قال: كذا من الدراهم بحنطة وكذا منها بذره وكذا منها بتمر جاز ولو لم يميزها
فإن زاف درهم كان السلف لكل درهم شيء معروف فسد من كل نوع درهم وإن لم يكن لكل درهم شيء معروف فسد السلف كله.
مسألة
[ حكم السلف في الطعام ]
وإذا أسلم زيد عمراً على طعام فقال له: قبلت إن شاء الله قال هذا
استثناء وينهدم به السلف فإن تتامى على ذلك فلا بأس عليهما وليس هذا ربا وإنما هو بيع منتقض.
مسألة
[ حكم السلف مع الشرط ]
ومن الجامع: ومن أسلم وشرط الكرا لحمل السلف فسد السلف لأن
ذلك زيادة على الحق ولا يجوز إذا كان ذلك الشرط في نفس السلف وإن اشترط القبض من بلد المسلف فإن الشرط والقبض مختلف فيه هذا رأي
أبي الحسن.
مسألة
[ حكم العجز عن تسليم السلف ]
ومن عليه سلف حبّ فعجز عن تسليمه فقال للمسلف: إني قد وكلت لك فلاناً ليشتري لك حباً ويوفيك فذلك جائز وإن أعطاه الدراهم وأمره أن يشتري لنفسه فلا يجوز.
مسألة
[ حكم شراء السلف بعد العجز عن أدائه ] (10/22)
صفحة 1398
ومن سلف على نوع فعجز عن الأداء فليس له أن يشتري ذلك النوع من المتسلف ليوفيه إياه إلا إذا لم يجده مع سواه وقيل: جائز ولو وجد مع غيره
إذا لم يكن ثم شرط أنه يوفيه إياه إذا كاله أو وزنه له.
مسألة
[ حكم بيع السلف نسيئة ]
ومن له على آخر سلف فاستوفاه منه فباعه إياه نسيئة في موضعه وقد
تقدم الشرط بينهما بذلك فهذا بيع لا أحبه وأقف عن نقضه.
مسألة
[ قبول السلم دون كيله ]
ومن عليه سلف فاشترى من نوع ما عليه من آخر فأمر المسلف بكيله واستيفائه من بائعه لأنه لم يكله المشتري فقال: لا بد من كيلتين فإن فعلا
ذلك فإن حيان الأعرج ما قد فات فواسع ويصلح المستقبل.
مسألة
[ وقت الصيف عند العاملة ]
عن مسبح: ومن جعل المدة في السلف إلى الصيف فالصيف عند العامة حصاد البر وجوازه والقيض إذا اخترفوا ألمعوا قال أبو الحسن: لا يجوز أن
يجعل مدة السلف إلى الصيف أو إلى القيض وقيل: جائز.
مسألة
[ حكم سلف الفضة عدداً ]
عن أبي الحسن: لا يجوز سلف الورق عدداً وإن وزنها في غير حضرة المتسلف فأعلمه وصدقه فهذا ضعيف ولا ينتقض السلف.
مسألة
[ ما هو السلف الضعيف ]
ومن أسلم آخر سلفاً ولم يزن له الدراهم بحضرته إلا أنه أشهد أني
أسلفته كذا كذا درهماً بذا من الحب فأنعم المتسلف ثم رام النقض فهذا
أيضاً سلف ضعيف ولا أقدم على نقضه فإن صدقه فلا بأس.
مسألة
[ حكم الرهن في السلفة ]
ولا يجوز الرهن في السلف حتى يحل ثم لا بأس به إن ارتهن به وأما
الكفيل به في أول السلف وآخره وإن ارتهن الكفيل من المكفول عنه
فلا بأس.
مسألة
[ الكفالة في السلم ]
ومن أسلف آخر طعاماً فكفل له كفيل في حقه فلما آن الأجل سلم الكفيل الحق من عنده فذلك جائز له أن يأخذ مثل ما أعطى من عند
المتسلف من نقد أو حيوان.
مسألة
[ الكفالة في السلف ]
ومن كفل على آخر سلف فلما آن محل السلف دفع المتسلف إلى (10/23)
صفحة 1399
الكفيل الحق فباعه الكفيل واشترى طعاماً بدون ثمن المبتاع فلم تكن الفضلة فإنها للمتسلف وليس للكفيل أو للمسلف فيها شيء.
مسألة
[ حكم الرهن والضمان في السلم ]
عن أبي عبد الله: إذا قبض الكفيل الطعام فهو ضامن ولا ربح له إلا أن يكون دفع الحق إلى ربه فإنه يكون الربح للكفيل قال أبو الحسن الرهن في السلف ربا، وقيل: ينقض السلف وقول: يرد الرهن والسلف ثابت.
مسألة
[ حكم السلف بعد رد الرهن ]
ومن سلف سلفاً بغير رهن ثم بدا له فأخذ رهناً فإن رد الرهن ثبت
السلف وإلا فالسلف باطل وجائز الرهن بعد محل السلف.
مسألة
[ حكم الغل في السلف ]
وإذا دفع المتسلف الحق للكفيل فأغل في يده وقد كان الكفيل قضى المكفول له من عنده فالغلة للضامن وإن لم يدفعها الكفيل للمكفول له حتى أغل الحق فهي للمتسلف وقول: هي للمسلف وقول: هي للضامن بالحق
وهو الكفيل.
مسألة
[ الفرق بين الرهن والكفالة في السلم ]
وإذا توافق اثنان على سلف وإن يكون فيه رهن فلما أرادا عقد السلف لم يذكرا شرط الرهن فإن تعاقدا بما قدماه من الشرط فسد السلف وإن لم
يظهر الشرط قيل: لما صار الرهن في السلف ربا قلنا: لأن الربا أن يأخذ
الغريم حقه وزيادة وهذا الرهن هو عوضاً من ماله وزيادة، فإن قيل: ما
الفرق بين الرهن والكفيل قيل: لأن الكفيل ليس بمنزلة الرهن في يد المرتهن
وإنما هو بمنْزلة المكفول عنه.
وإن أجّل أجَلاً فسأل المتسلف أن يسلفه سلفاً أو يبعه بيعاً ليقضيه سلفه الأول فهذا لا يجوز فإن قيل: لا يجوز قلنا: لأن الفقهاء نهوا أن يبيع له بيعاً
بعينه على أداء حقه ولا يقرضه ولا يد له.
وإن قال الكفيل لمن عليه الحق أنا أسلفك أو أبيع عليك هذا السلف الذي كفلت عليك به وأدفعه لرّبه وخلصني من الكفالة فهذا جائز فإن قيل لم
جاز للكفيل أن يبيع عليه ويعينه ولا يجوز لرب الحق أن يبيع عليه ويعينه وكلاهما يطالبانه بذلك الحق قلنا: لأن الكفيل ليس الحق له وإنما يطلبه (10/24)
صفحة 1400
لغيره والمسلف يطلبه لنفسه فلهذا قلنا إنهما ليسا سواء.
مسألة
[ من صور السَّلم ]
عن أبي الحسن رحمه الله: ومن بعث رسولاً يتسلف له فذلك جائز
وفعل الوكيل ماض على من وكله وإن اتفقا على السلف فأرسل إليه رسولاً يقبضه الدراهم فلم يزنها بين يدي الرسول ولا المتسلف لم يثبت له لأنه لم يسيم شيئاً معلوماًَ ومن بعث طرساً لآخر يريد أن يسلمه دراهم بتمر أو نوع غيره فبعث إليه بالدراهم وكتب إليه أني قد سلفتك كل درهم منها
بمكوكين إلى وقت كذا فأجاز ذلك بعض الفقهاء وذلك على رأي من يرى الكتاب كلاماً. ومن بعث رسولاً إلى آخر يتسلف له منه فأعطى الرسول الدراهم وأوصاه أن يعلمه أني قد أسلمته كل درهم منها بكذا فقد أجاز
ذلك بعض الفقهاء وأبا جوازه آخرون.
مسألة
[ الاحتياج إلى بعض أموال السَّلم ]
ومن عنده دراهم يسلفها لغيره فاحتاج لشيء منها فأخذه وزبره على نفسه كما يسلفه لغيره فذلك جائز والأحسن أن يعلم رب لمال.
مسألة
[ حكم التصرف بأموال السلف ]
ومن سلف نفسه من دراهم عنده أمانة يسلفها لغيره ففي ذلك اختلاف: قول يجوز إذا علم رب المال وقول: لا يجوز والسلف لا يكون إلا من
مسلف ومتسلف.
مسألة
[ حكم ضياع أموال السلف من الرسول ]
وعن أبي الحسن ومن أمر آخر أن يتسلف له فتسلف فتوت الدراهم من
يد الرسول قبل أن تصل الآمر فالسلف على الآمر ولا حجة على الرسول
ولا ضمان ومن أمر أن يتسلف عليه بجراب من تمر فتسلف له فتوت
الدراهم من قبل أن يقبضها المتسلف فالجراب للمتسلف على الأمر ولا
ضمان على المبعوث بالدراهم إلا أن يتعمد ضياعها وإن قبض الرسول
السلف فضاع فلا ضمان عليه وعلى المتسلف أن يسلم بدله. وإن كان المتسلف إنما تسلف من عند رسوله والرسول تسلف على نفسه وكان
الرسول قد قضى السلف من ماله ثم قبض هذا من هذا لنفسه فتلف من
عنده فقد برئ الأول يدفعه له ولا شيء عليه.
مسألة
[ حكم السلم المجهول القدر ] (10/25)
صفحة 1401
ومن أسلم في تمر ولم يسم من أي وقد فسد السلف وقول إن الثمن ليس كالحب والتمر جنس واحد وله أخذ جنس من التمر أما الحبوب فمختلفة الأجناس والأصح فساد السلف إذا لم يسم تمر دقل.
مسألة
[ صور من السلف ]
ومن كان شرطه في السلف طيباً فليس له إلا طيباً فإن رضي المسلف أن
يأخذ دون شرطه فلا بأس إذا كان من النوع الذي سلف فيه ولا يجوز من نوع غيره.
ومن أسلم تمراً على عمرو فقال له كل لي وكنز لي فإن تتاماه تم وإلا انتقض وقيل: إن صدقه جاز وقول: حتى يكيله له جاز، وقيل: من كان
عليه تمر فأراد أن يسلم مكنوزاً منة وكاله.
مسألة
[ صور من السلف ]
ومن أسلم في جراب تمراً بهم كيله ووزنه فإن له جراب تلك البلد فإن كان مكنوزاً وادعى المتسلف أنه كاله وصدقه جاز وقول حتى يكيله له.
مسألة
[ الاختلاف بين أركان السّلم ]
عن أبي علي: إذا لم يكن في السلف شرط في القيض أوفاه محقه حيث سلفه إذا كانا من أهل البلد وهو رأي أبي عبد الله والمكيال على المتسلف
حتى يسلم ما عليه فإن اختلفا في الوقت الذي كل فيه السلف فالقول قول المتسلف مع البينة وعلى رب السلف البينة بما يدعيه من تقديم الأجل فإن اختلفا فقال المتسلف: لم يكن للسلف أجل، وقال المسلف: بل أجله كذا فالقول قول من عليه الحق مع البينة وعلى المدعي البينة. أرأيت لو ادعى المتسلف أنه لم يقبض ثمن السلف وادعى المسلف أنه سلمها أو لوكيله
فالقول قول المسلف فإن قيل: لم افترق حكم هذه المسألة والتي فيها قبلها؟
قلنا: لأن الأولى لم يقر المتسلف للمسلف بما يثبت له به حقاً لأن السلف
إذا لم يثبت له أجل بطل وفي هذه المسألة الأخيرة اتفاقاً على السلف وبيناه وادعى المتسلف دعوى يبطل بها حق السلف.
مسألة
[ مسألة فيمن مات عليه حقوق ]
ومن مات وعليه حق إلى أجل فلرب الحق أخذ حقه ولو لم يحل الأجل
إلا السلف فإنه إلى أجله فلا يوزع نشب الهالك بين ورثته حتى يوفوا ذي (10/26)
صفحة 1402
الحق حقه، وقيل: إذا كفل لرب الحق كفيل في حقه وتصرفوا في ميراثهم
جاز، وقيل: كل الحقوق إلى أجلها من سلف أو غيره لا يحل بموت الغريم.
مسألة
[ حكم الكفالة في السَّلم ]
ومن كفل المسلف سلف فلما حل الأجل دفع المتسلف الحق إلى الكفيل أو باع الكفيل السلف وقبض الثمن ونيته أن يدفع للمسلف عوضه من
عنده إذا طلب إليه فلما طالبه اشترى له ببعض ثمن ما باعه فإن الفضل للمتسلف خاصة.
مسألة
[ صور من السلف ]
عن محمد بن علي موسى بن علي: ومن كان له على رجل ثلاثون مكوك
حب سلفاً فأعطاه منها نخلة قال: ذلك لا يجوز وإن باع النخلة بثلاثين
مكوكاً مرسلاً لا يشترط أنها بحب السلف جاز ويكيلان لبعضهما بعضاً.
مسألة
[ السلم في الثمار والخضراوات ]
وقيل: لا خبر في السلف في القثاء والخيار والرمان والموز والسفر جل والبيض والنارجيل والجوز واللوز لأنه مستتر غائب وجائز بيع الجوز واللوز وما أشبههما من كل مكفر فإن كسر المشتري فرأى به عيباً فله رده وعليه
غرم ما نقص من ثمنه مكسوراً صحيحاً إذا كان ينتفع بقشره وأما ما لا ينتفع بقشره فلا قيمة له ولا شيء عليه فإن غاب به وكسره فليس له رده لأنه
يحتمل حدوث العيب فيه.
مسألة
[ صور من السلف ]
ومن أسلف آخر ديناراً بجراب تمر فرجع إلى رأس ماله فأخذ بصرف الدينار دراهم فذلك جائز في التبر واللجين ولا يجوز في غيرهما وقيل:
ذلك مكروه.
مسألة
[ فاسد السلف ]
ومن أقرض آخر دراهم على أن يسلفه إياها فتسلفه فالسلف فاسد لأنه قرض جر منفعة.
مسألة
[ السلف في أجناس الدواب ]
وجائز السلف في أجناس الدواب كلها بصفة معروفة وسن معروف إلى أجل معلوم وكذلك في الرقيق بصفة وسن وأجل وللمسلف أخذ الأفضل
ورد الفضل.
مسألة
[ الكفالة في السلم ]
ومن أسلف في دابة كفل له كفيل فلما حل الأجل دفع المطلوب الدابة
إلى الكفيل ولم يدفعها الكفيل إلى المطالب ففي ذلك اختلاف قول: إن
النتاج للمطلوب وقيل: للطالب وقيل: للكفيل.
مسألة (10/27)
صفحة 1403
[ صور من السلف في الدواب ]
عن أبي معاوية: إذا كان المطلوب بالدابة حين دفعها أن الكفيل قال:
هذه الدابة التي كفلت بها على فالنتاج على أعني الوكيل لأنها لو توت
كانت من ماله وإن قال له: هذه الدابة لفلان الطلب بها فأقبضها له فالنتاج للطالب وإن قال: هذه الدابة التي تطلبني بها فإن دفعها إليه عني فالنتاج للمطلوب كان الحق لم يتحول عنه.
مسألة
[ صور من الرهن الجائز في السلف ]
عن أبي الحواري: إذا أرهن الأمر عند المأمور وتسلف من غيره جاز.
مسألة
[ التوكيل في السلف ]
وإذا قال المسلف للمتسلف: امض إلى فلان وخذ منه ما شئت وكل
درهم أخذته منه فهو عليك بكذا إلى أجل كذا فهذا جائز على قول، وإن
قال له ذلك قبل أن يعرض عليه السلف فذلك مكروه، وقيل: باطل.
مسألة
[حكم السلف في الأصول]
عن أبي سعيد: لا يجوز السلف في الأصول ولو غرقت بإجماع
والسلف فيما لا يدرك فهو ربا لأنه غرر باطل وأما ما يوجد ويعدم فإنه من طريق المنتقضات إلا الغرور وتجوز فيه المتاممة.
مسألة
[ الاختلاف في السلم ]
وإذا قال: المتسلف بعد بالسلف لأجل فيه فله القول مع يمينه وعلى المسلف البينة بالأجل، وقيل: بالعكس، وقيل: كلاهما مدعيان وعليهما
البينة فإن أعجزاهما حلفا.
مسألة
[ حكم السلف المجهول المدة ]
عن أبي سعيد: وإذا لم يكن للسلف أجل بطل، ولا تجوز فيه المتاممة
وقيل: إذا أتماه تم وأقل الأجلة ثلاثة أيام.
مسألة
[ جواز السلف في الجذوع والعصب ]
ويجوز السلف في الجذوع على طول وغلظ معلوم وكذلك في العصب
ولم يجيزوه في أحمال الحطب والأوقاد ويجوز السلم في الورد اليابس
بكيل ولا يجوز في الرياحين الرطبة ويجوز في الورد الرطب ويجعل أجله
في حينه.
مسألة
[ صور من السلف ]
ومن أسلم على تمر واشترط المتسلف الطروف على المتسلف أن السلف ثابت وقيل : منتقض وإن اختلفا في الخوض والغضب انتقض. (10/28)
صفحة 1404
عن أبي عمران: من وافق على سلف وأقر بالدراهم لغير وقال له اعرض علي السلف وأدفع الدراهم إلى فلان فقال: قد أسلفتك ماية درهم بكذا
من الطعام إلى كذا ثم دفع الدراهم إلى المأمور فأجازه ابن عمران وأبو
عثمان وأفسده هاشم بن غيلان وقيل: لا بأس أن يسلم الرجل في
أخصلاص الجواهر من الفضة والنحاس وشببهما لأنها تحولت من جوهرها.
مسألة
[ الوكالة والكفالة في السَّلم ]
ومن تسلف من آخر ووكل في قبض الدراهم فأبى المسلف تسليمها له حتى يكفل له بالحق فأما السلف ثابت وكفالة الوكيل من غير محضر
المكفول عنه رواية غير ثابتة.
مسألة
[ صور من السلم ]
عن الأزهر بن محمد بن جعفر أن شرط المتسلف على المسلف أن ما رد على الدراهم رددته عليك فالسلف ثابت وما رد عليه قبل خلو الأجل أبدله ولا بأس عليه وإن لم يبدله حتى حل السلف ولم يكن لكل درهم شيء
معلوم انتقض السلف كله قال أبو الحسن: إن كان الشرط متصلاً بصفة السلف فهذا مكروه ولأن السرد مجهول.
مسألة
[ صور من السلم الفاسد ]
وإذا علم المتسلف أن السلف فاسد أخبره فإنه صدقه وإلا قال له الذي يسعني فيك أن أعطيك رأس مالك فإن رفع إليه مع الحاكم أقر بما كان
بينهما وإن تنازعا في تفضيل الدراهم فالبينة على المتسلف أنه سلفه كل
درهم بكذا إلا أنهما تقارر على السلف.
مسألة
[ صور من عدم لزوم السَّلم ]
وإذا قال المتسلف بعد أن يزن له الدراهم: ضعها على الثوب فوضعها وقال: هي كذا كذا فلم يلقها كما قال فقيل : إنها لازمة له إذا أمره
بوضعها ولا يلزم السلف.
مسألة
[ حكم الرجوع إلى رأس مال السلم ]
وإذا أمر المتسلف المسلف بعد أن حل الأجل بع ما عليك لي من السلف وادفع لي بثمنه فهذا غير ثابت ولا جائز ولا يكون هذا قبضاً ومن رجع إلى رأس ماله فلا يأخذ عروضاً وقيل : إن أخذ عروضا جاز.
مسألة
[ حكم الوكالة في السلف ] (10/29)
صفحة 1405
ومن وكل وكيلاً يتسلف له فتسلف الوكيل له ولمن وكله في عقده ففي ثبوت السلف اختلاف قال أبو الحواري: إذا قال الرسول للمرسل إليه:
أرسلني فلان إليك أن تسلفه كذا فسلفه كان السلف على المرسل وإن قال
له: أن تسلفني له كان على الرسول وكذلك القرض.
مسألة
[ حكم التقاصص في السلم ]
وإذا كان على زيد جري حب بضاعة لمعروف ولعمرو جري حب سلفاً
لزيد فلا يجوز أن يتقاصصا وإن كان هذا من سلف وذلك من سلم فلا
يجوز أيضاً، وفيه قول أنه يجوز وكذلك إن كان هذا من أجازه وهذا من
سلف ففيه اختلاف.
مسألة
[ صور من السلف الفاسد ]
ومن سلف دراهم عشرة في ثوبين معروفين كل صنف غير صنف الآخر ولم يجعل لكل ثوب ثمناً معلوماً فذلك فاسد وكذلك إن أسلفه دراهم
بتمر وحنطة وذرة ولم يميز لكل نوع ثمناً فذلك فاسد.
وإذا كال المتسلف للمسلف سلعة فأخبره فصدقه جاز وإن رجع يطلب الكيل فليس له بعد القبض إلا أن يكون صدقه وقبله ولو لم يقبضه ثم طلب كيله فله ذلك وعلى المتسلف أن يكيل له.
مسألة
[ حكم تعذر حصول السلف ]
ومن كان عليه سلف حب فتعذر حصول الحب فأعطاه مسلفه دراهم وقال له قبضها فلاناً فأني وكلته في شراء حب ليوفيك فذلك جائز وإن
قال: اشتر أنت واستوف فلا يجوز.
مسألة
[ متى يجوز شراء السلف ]
ولا يجوز للمتسلف أن يشتري من المسلف على أن يوفيه إلا أن يتعذر
عليه حصوله من غيره، وقيل : جائز ولو وجده مع غيره ويستوفيه بكيل إذا
لم يتقدم بينهما شرط أنه يقبضه إياه.
مسألة
[ حكم سداد الدين من السلف ]
ومن عليه دين لآخر فلما طولب به قال لغريمه: تسلف علي واستوفي فتسلف عليه ولم يعلمه حتى حل الأجل ثم رجع ذلك بينه وبين رب
السلف جاز ذلك.
مسألة
[ حكم التوكيل في التسلف ]
ومن وكل رجلاً أن يتسلف له فتسلف له من عنده فلم يجيزوا ذلك لو
أتمه المتسلف والنظر يوجب أن إذا أتمه المتسلف جاز.
مسألة
[ صور من قضاء السلف ] (10/30)
صفحة 1406
عن أبي سعيد عن أبي الحسن عن أبي الحواري رحمهم الله: إن المتسلف
لو قضى رب السلف عذوقاً من سلف أو تمر في قفيز جاز إذا كان دون
حقه وذلك إذا كان قد أتم مما يجوز فيه القضاء ولا يجوز له تمرة فوق حقه
ولا يأخذ عسي العذوق.
مسألة
[ التصرف في السلم ]
ومن أسلف آخر على طعام إلى أجل وأمره أن إذا حل الأجل كل الطعام وأشهد عليه واتركه عندك حتى أبعث له رسولي، فإذا فعلت فأنت بري منه لأنه صار أميناً بعد الكيل والإشهادة.
مسألة
[ صور من فساد السلف ]
ومن استأجر آخر على عمل ثوب بخمسة دراهم فحسبوها سلفاً ثم صح له فساد السلف وأعطاه بالدراهم حباً هل يجوز؟ قال: لا بأس إذا قطعوا
ذلك في مجلس وإنه إن رد عليه شيئاً منها أبدله فلا يفسد السلف.
مسألة
[ حكم التراضي على السَّلم ]
عن أبي علي: ومن أسلم آخر ثوباً وسمى سقطه ترنجا فقبل المتسلف ثم
أراد أن يعطيه ثوباً من ثمانية ترانج ويعطيه بالباقي غزلاً قال: يوفيه شرطه إن تراضيا وعلى ذلك جاز.
النهج التاسع عشر
في المضاربة و الربا
و أحكام ذلك
النهج التاسع عشر
في المضاربة و الربا و أحكام ذلك
مسألة
[ حكم المضاربة ]
اتفق العلماء على جواز المضاربة(1) وقد وردت بجوازها السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -(2) ولولا اتفاقهم على جوازها لم يجز لأنها أجرة غير معلومة وحكم المضارب حكم الأمين.
مسألة
[ أحكام المضاربة ]
__________
(1) 1- المضاربة: مشتقة من الضرب، فهي من ضرب ضرباً ومضرباً، ولهذه الشركة
إطلاقات عند أهل الحجاز: القراض بكسر القاف وهي من القرض. وعند العراقيين
المضاربة: أي سار في الأرض. ومأخوذة من قوله تعالى { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي
الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } المزمل آية 30.
واصطلاحاً: عقد على شركة في الربح بمال من جانب وعمل من جانب آخر.
الحدود لابن عرفة 2/500.
(2) 2- ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل في مال خديجة -رضي الله عنها- قبل البعثة. (10/31)
صفحة 1407
وأجمعوا أن المضارب لا خسران عليه ولا يضمن من المال شيئاً ما لم
يتعد فيه وإن شرط عليه رب المال الضمان فالشرط باطل وقيل تبطل
المضاربة ويصير المال قرضاً على المضارب والربح له بما ضمن وقيل: إن
تلف المال ضمنه المضارب بالشرط فالربح على ما تشارطا عليه والنظر
يوجب ما قلنا أن الشرط باطل والمضاربة صحيحة لأن رب المال لم يقصد إقراضه فيكون ديناً عليه.
مسألة
[ حكم المضاربة بعد موت رب المال ]
وإذا اتجر المضارب بعد موت رب المال فعزب عليه علم موته فتوى المال أو بعضه ضمن ما تلف ورد ما استنفق بعد موت رب المال مضاربة أو
معاملة أو معارضة(1) على كذا من الربح وأجمعوا على صحة المضاربة بهذه الألفاظ وإذا قال كل مال لي جعلت لك فيه كذا فهذا يشبه العطية وسميت المضاربة مضاربة لأنهما يتضاربان في الربح وقيل: لأن العامل يضرب بها
مسافراً في الأرض وقيل: لأنها لا تنسخ إلا أن يضرب بعضهما ببعض.
مسألة
[ أجرة المضارب في المضاربة الفاسدة ]
وأجمعوا أن للمضارب في المضاربة الفاسدة أجر المثل والربح لرب المال
ولا خسران عليه كانت المضاربة صحيحة أم فاسدة(2).
مسألة
[ كيفية المضاربة ]
ولا تصح المضاربة إلا حتى يخلي بين المال والعامل فإن اشترى أو باع والمال في قبض مالكه لم تصح المضاربة إجماعاً.
مسألة
[ أثر موت العامل وبيده المال ]
ومن مات وبيده مضاربة ولم يوص وخلف بضاعة فالأصح أن الذي
خلفه محكوم به لورثته حتى يصح في شيء منه بعينه من المضاربة التي
كانت بيده ولا شيء لرب المال، وأما إذا صح أنه أخذ مالاً مضاربة معلوما
ثم مات ولم يكن بين ذلك بعد مدة كان لرب لمال مثل ماله فيما ترك
المضارب كيلاً ووزناً ولو لم يصح بعينه أن من المضاربة والأول أصح.
مسألة
[ المضاربة إلى أجل ]
وإذا كان الشرط في المضاربة إلى أجل فهي إلى أجلها ولا رجعة
__________
(1) 1- هذه من ألفاظ المضاربة.
(2) 2- لأن المضارب هنا أجير وليس مضارب. (10/32)
صفحة 1408
لأحدهما دخل المضارب في العمل أو لم يدخل وإن كانت لغير أجل فلا
رجعة لرب المال دخل المضارب في العمل وما لزم المال من كراء ومؤونة فهو
من رأس المال.
مسألة
[ حكم المضارب بيده ]
وقيل: إذا عمل المضارب بيده في المال فيكره له أخذ الأجرة وأما كراء الدار والدابة إذا كان له فأخذ لهما أجرة كما أخذ للغير فلا بأس.
مسألة
[ من أحكام المضاربة ]
ولا تجوز المضاربة إلا بالدراهم والدنانير ولا تجوز بالعروض ولا بكسور التبر واللجين إلا بالمتاممة وللمضارب عناه ولا خسران عليه ولا ربح له.
مسألة
[ عدم جواز جعل الدين مضاربة ]
ولا يجوز أن يجعل الدين مضاربة هذا رأي أبي سعيد واختلفوا في
الوديعة(1) تجعل مضاربة وكذلك إن وكله في بيع متاع ويجعل ثمنه
مضاربة أجاز ذلك بعض وأبا جوازه آخرون واختلفوا في العامل يشترط
على رب المال ما يتفقان عليه بعد أن يكون معلوماً جزء من الأجزاء
وأجمعوا على إبطال العروض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه
دراهم معلومة وهو أن يقول نصف الربح إلا عشرة دراهم.
مسألة
[ شروط في المضاربة ]
عن أبي سعيد أما الأول فجائز إجماعاً وكذلك الآخر وإذا كان الشرط
في الزيادة لرب المال فذلك فاسد بغير اختلاف وإذا كان شرط الزيادة للمضارب ففيه اختلاف والأصح عدم الجواز وقد بطل من طريق الجهالة لا
من طريق الربا.
مسألة
[ التخير في العقد وأحكام المضاربة ]
__________
(1) 1- الوديعة: لغة بمعنى الأمانة وهما مترادفان، كذا قيل وتطلق على الاستنابة في الحفظ،
وهي على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، من الودع اصطلاحاً: وهو الترك.
في الدر المختار: تسليط الغير على حفظ ماله صراحة أو دلالة.
وقال ابن جزي الغرناطي: هي استنابة في حفظ المال ص646. وعند الشوكاني:
العين التي يضعها مالكها عند آخر ليحفظها. نيل الأوطار 5/296. (10/33)
صفحة 1409
ومن دفع لآخر مالاً فقال له خذ معارضة أو معاملة على الأمرين فذلك جائز واختلفوا إذا دفع المال بعمل على مرابحة للعامل ولا ضمان عليه فيه
فقال أبو سعيد إذا عمل به فالربح له والمال مضمون عليه وإن توى المال قبل
أن يعمل به فمن مال المضارب ومن دفع ألف درهم مضاربة ولم يسم كم للعامل من ربحها فله أجر مثله وقيل: بينهما نصفان وقيل له: أكثر ما
جرت عليه العادة والسنة من المضاربات.
مسألة
[ حكم الاشتراط في الأجر ]
وعنه وإذا اشترط للمضارب أن له لكل شهر عشرة دراهم من رأس المال
غير حصته من الربح فجائز لأنه يخرج مخرج الآخرة ولو لم يربح ولو
اشترط ذلك رب النشب لم يجزه.
مسألة
[ حكم الاشتراط في الربح ]
وإذا اشترط رب المال أن نصف المال لا ربح لك فيه وربح الثاني بيني وبينك فهذا لا يجوز حتى يقول لك جزء مسمى من الربح قل أو كثر.
مسألة
[ حكم اشتراط نسبة في الربح ]
وإذا اشترط أحدهما عشرة دراهم من رأس الربح من بعد رأس المال والباقي بيني وبينك فقد اختلفوا في جوازه والأصح أنه يجوز للمضارب
ولا يجوز لرب المال لأنه للمضاربة يخرج مخرج بيع دراهم بدراهم.
مسألة
[ ضياع الربح بعد قسمته ]
وإذا ربح المضارب ووزع الربح بينهما فتوى رأس المال فعن أبي سعيد أنه يختلف في ذلك فقيل يجوز إذا كان برأي رب المال وقيل لا يجوز حتى
يستوفي في المال رأس ماله.
مسألة
[ أثر موت رب العامل ]
وإذا مات رب المال بطلت المضاربة إلا أن يكون جعلا لها أجل فإلى
أجلها على الأصح وقيل: إنها تنتقض بموت رب المال أو بموت المضارب
فإذا عملا بعد نقضها جهلاً فلا أحب أن يكون ضامناً إذ هو عامل بسبب وظن أن العمل له جائز.
مسألة
[ حكم العمل بعد النقض ]
وأما إذا عمل بعد علم نقضها ضمن ولم يستحقق عناه.
مسألة
[ حكم العمل بعد موت رب المال ] (10/34)
صفحة 1410
ومن عمل بعد موت رب المال عن الجهالة بنقضها فربح واستنفق ثم سأل الورثة الحل فأحلوه وكانت في أصل المال الزكاة فلم يزكيه أتكون عليه
زكاة ما اتفق على ذي النشب فذلك على ذي النشب وإذا اختلف المضارب ورب المال فللمضارب مثل ما يأخذ مثله في تلك التجارة في الموضع الذي تجري فيه وقيل: له أجر مثله وإن اختلفوا في مقداره وكان بينهما شرط
فقال محمد بن محبوب رحمه الله: على رب المال اليمين بما يدعيه
المضارب من الزيادة وقال موسى بن علي(1): يردان إلى أجر المثل.
مسألة
[ حكم تصرف المضارب دون إذن رب المال ]
عن الشيخ أبي سعيد(2) وإذا باع المضارب نشبه بغير رأي رب المال فالأصح أنه ليس بضامن إلا أن يحجر عليه رب المال فعليه الضمان وأما
الوكيل لأنه ضامن على الأصح.
مسألة
[ تصرفات المضارب ]
وإذا أدان المضارب المال ولم يأذن له رب المال فذلك ثابت على رب المال ما لم يحجر عليه والأصح عدم الجواز إلا بإذن رب المال فإن أذن له ثبت ما أدان إلى رأس المال لا زيادة.
مسألة
[ إنفاق المضارب بالمعروف ]
وإذا أذن رب المال للمضارب أن يستنفق من المال فاليمين بالمعروف وان فضل معه شي من النفقة رده على رب المال ما طاب به نفساً عن أبي سعيد واختلفوا في نفقة المضارب في المال فقيل له نفقة شرط أو لم يشرط وقيل:
لا نفقة له حتى يشرط معروفاً وأما المجهول فلا يثبت شرط أو لم يشرط
وقيل: نفقته على سنة أهل موضعه.
مسألة
__________
(1) 1- موسى بن علي: هو الشيخ العلامة الجليل أبو علي موسى بن علي بن عزرة الأزكوي =
(2) = كان هو وأخوه محمد بن علي والأزهر بن علي من أجلة العلماء في زمانهم وهم فيما
قيل من بني سامة بن لؤي بن غالب. انظر إتحاف الأعيان 1/181.
1- أبو سعيد هو الشيخ العلامة والحبر الفهامة أبو سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن
سعيد الناعبي الكدمي رحمه الله وكدم من أعمال ولاية الحمراء كان من أكبر علماء
عصره رحمه الله. انظر إتحاف الأعيان 1/215. (10/35)
صفحة 1411
[ حكم شراء رب المال من المضارب ]
ولا يجوز للمضارب أن يبيع على رب المال ولا يشتري منه بالدراهم
التي للمضاربة لأن ذلك ماله بماله.
مسألة
[ صورة من فساد المضاربة ]
وإذا أخذ رب المال دراهم من المضاربة ورد متاعاً كان ذلك لرب المال وصارت المضاربة متاعاً فسدت المضاربة وكذلك إذا اشترى هو من نفسه
فإنما يشتري شيئاً له فيه حصة وحصة الشريك مجهولة. عن أبي سعيد:
وإذا باع المضارب لرب المال ثم قاصصه بالثمن بما عنده من رأس المال لم
يجز ذلك في مقاصصة رأس المال وأما البيع فثابت ويسلم إليه المشتري
الثمن ويدفع رأس المال وقد كره من كره أن يشتري للضارب من مضاربته
مما يكال أو يوزن كما يعتد لغيره ويجعل الثمن في جملة المال بلا إعلام على قول أن من بايع غيره بيع لنفسه كغيره إذا كان مما يكال أو يوزن وقيل:
لا يجوز إلا برأي رب المال وإن فعل فالمضاربة ثابتة ويضمن ما أخذ فإن
أخذ الثمن وأتم له رب المال وإلا فله ما خلط من الدراهم فإن خلطها على
أنها من المال وربح فله من الربح بقدرها عن أبي سعيد.
مسألة
[ تصرفات المضارب بالعتق ]
وإذا شرط المضارب من يعتق على رب المال وهو عالم ضمن لأنه أتلف عليه ماله وإن عزب عليه علم ذي ففيه اختلاف فقيل : يكون من جملة المال وقيل: الضمان على المضارب نفسه لأنه هو المتلف سواء انقد الثمن أو لم
ينقد قال أبو عبد الله: إن علم ضمن وإلا فلا ومضى العتق.
مسألة
[ حكم شراء المضارب من رب المال ]
وإذا اشترى المضارب من رب المال شيئاً فلا يجوز وعليه رده وإن تعذر وعليه معرفته واختلط بمال المضارب فسدت المضاربة وللمضارب قدر عناه.
مسألة
[ حكم الاقتراض من رأس المال ]
عن أبي الحسن لا يجوز للمضارب أن يقترض من رأس المال بغير رأي
ربّه فإن اقترض ضمن وكلما اقترض على هذا فلا يكون من رأس المال بعد
أن يقبضه حتى يسلمه إليه رب المال صفقة جديدة فإن ضرب جهلاً فله
عناه ولا ربح له.
مسألة (10/36)
صفحة 1412
[ اختلاط المال في المضاربة ]
وإذا شارك المضارب المال بمال آخر وخلطهما واشترط كل منهما على
صاحبه أن له ربح ما دفع ثم اشتركا بعد ذلك فما ربحا فبينهما على قدر ما دفع ولا يكون شريكه بغير هذا.
مسألة
[ تصرفات المضارب ]
وقيل: للمضارب أن يدان ويقبل ويستقبل ويفدي بعض المال ببعضه ويصالح عليه ويتجر فيه ويلزم ذلك المال ولا يلزم زيادة عن رأس المال فإن
عني في المضاربة الفاسدة فله أجر مثله فيما عني.
مسألة
[ المضاربة بأموال اليتيم ]
عن أبي سعيد: واختلفوا في المضاربة بنشب ذي اليتم فقيل: لا يجوز
وقيل: يجوز وللمسلم الربح والوضيعة عليه وإذا أتلف المضارب المال
وضمنه وهو دراهم فله أن يرد دنانير بالصرف أو دراهم بالصرف إذا
أضمنها إجماعاً.
مسألة
[ حكم مناصفة الربح ]
وإذا دفع رب المال للمضارب ألف درهم مضاربة على أن لرب المال نصف المال ربح مائة درهم من رأس المال فهذه مضاربة جائزة وإن قال للمضارب: لك ربح هذه نفسها أو هذا النصف بعينه فقيل: إنها مضاربة
فاسدة له أجر مثله.
مسألة
[ حكم اشتراط الربح كله ]
وإذا اشترط المضارب الربح كله فهو ضامن وهو دين وإن كان الشرط
أن الربح لذي النشب فهذه مضاربة لرب المال ولا ضمان على المضارب.
مسألة
[ كفالة المضارب ]
وإذا دفع ذي النشب نشبه مضاربة على أن ما رزق الله في ذلك من
الربح فللمضارب من ذلك جزء سميا دراهم معلومة فهذه مضاربة فاسدة
فإن ربح المضاربة أو وضع فله أجر مثله ولا شيء له من الربح وإن توى النشب لم يضمن إذ هو أمين.
مسألة
[ حكم دفع المضارب المال لآخر ]
وإذا دفع المضارب المال إلى آخر فهو ضامن فإن ربح فالجزء الذي للمضارب الأول بينه هو والأخير على ما اتفقا وللذي له المال ماله وربحه
فإن توى المال ضمنه الأول ولا شيء على الثاني.
مسألة
[ حكم الحط من المباع ]
وإذا باع المضارب بيعاً ثم حط من ذلك المباع من ضمان المال لأنه ناظر الصلاح لنفسه ولصاحبه.
مسألة (10/37)
صفحة 1413
[ من شروط رب المال ]
وإذا اشترط رب المال على المضارب لا يأخذ نسيئة فأخذ فربح فإن
أخذه على المال فالربح بينهما والوضيعة على المضارب بتعديه ما لم يأذن له رب المال.
مسألة
[ حكم تحويل القرض للمضاربة ]
ولا يجوز تحويل القرض مضاربة ولا المضاربة قرضاً والوديعة مضاربة
فإن فعلا فهي على ناسبها الأول حتى يقضيه منه ويرده إليه كما أراد.
مسألة
[ نفقة المضارب وكسوته ]
ونفقة المضارب وكسوته على نفسه وأما ما يعني المال من كراء أو أجرة وجميع المؤونة من رأس المال وإن اشترط المضارب على رب المال فله شرطه.
مسألة
[ اشتراط رب المال الضمان ]
وإذا اشترط رب المال على المضارب الضمان انتقضت المضاربة وكان الربح كله للمضارب والضمان عليه.
مسألة
[ صورة من المضاربة ]
وإذا اقتسم ذو النشب والمضارب الربح واتجر بالباقي فخسر فعن أبي
علي قد أجاز إذا أعلمه أنه حسبه وجاء الربح كذا.
مسألة
[ أثر اغتصاب الجبار جزءاً من رأس المال ]
ومن بيده مال مضاربة فربح فيه فاقتسر منه جبار رأس المال قصداً منه لظلم ربه فلما قدم قال الفقهاء: قاسم الرجل الربح فما ذهب.
مسألة
[ أثر الاغتصاب على رأس المال والربح ]
فهو رأس ماله وقال جابر بن زيد(1): لا ربح له حتى يوفيه رأس ماله ثم الربح فضلاً وما توى فهو ظلم ظلمه رب المال قال أبو الحواري: القول
قول جابر.
مسألة
[ حكم مشاركة المنافق ]
__________
(1) 1- جابر بن زيد: وهو من بني عمرو بن اليحمد من بلدة فرق القريبة من نزوى وينسب
أيضاً إلى الجوف فيقال له الجوفي وهي ناحية من عُمان صحب ابن عباس وقال:
أدركت سبعين بدرياً من أهل بدر فحويت ما عندهم إلا البحر. وقالوا عنه لو اكتفى
أهل البصرة بجابر بن زيد في الفتيا لوسعهم، وهو مؤسس المذهب وعليه تخرج
العلماء توفي رحمه الله 93هـ في أغلب الأقوال. إتحاف الأعيان 1/40-50. (10/38)
صفحة 1414
ولا تجوز مشاركة المنافق في المضاربة إذا حاذر أن يدخل فيما لا يحل وكذلك الذمي فلا تحل مشاركته للمسلم في تجارة إلا أن يكون المسلم هو المتولي لذلك وبين يدي لا يغيب عنه.
مسألة
[ وإذا سرق على من الخسارة ]
ومن أخذه مالاً مضاربة فاشترى به بيعاً فباعه وقبض ثمنه ثم اشترى به متاعاً وقبض المتاع ولم ينقد ثمنه وسرق المتاع والدراهم معاً قال ذهب
رأس المال والوضيعة على مشتري المتاع ولم ينقد ثمنه.
مسألة
[ أثر جحد الشركة ثم الاعتراف بها ]
ومن اشترى شراء أو أشرك فيه غيره ثم جحد الشركة الشريك حذراً من الخسران ثم ربح فيه المشتري فلا حجة له فيه بعد أن جحد الشركة وصح
منه ذلك قال أبو عبد الله: له حصته من الربح وعليه حصته من الوضيعة إلا
أن يقول له قد جعلت لك نصيبي من هذا البيع وبريت إليك منه وقبل ذلك شريكه فهو للشريك.
مسألة
[ أثر الوضعية والمطل على المضاربة ]
وإذا باع المضارب بيعاً فخشي من المشتري المطل فوضع عنه على أن يعجل له الحق أو يجعل لآخر شيئاً على أن يدله على بيع فقيل: إن ذلك
على رأس المال.
مسألة
[ على من كراء البضاعة ]
وإذا اشترى المضارب متاعاً فحمله بالكرا فتوى أن الكرا على المكتري
إذا قال رب المال له: آمرك أن تدين علي وكذا إن دفع المضارب ثياباً
للصباغ يجعل فعطبت فليس لذي النشب تبعة بعد رأس نشبه حتى يأذن له.
عن أبي الحسن: وإذا أخذ المال المضارب بلا شرط محدود واشترى
متاعاً ورام رب المال أخذ ماله فليس له أخذه حتى يبيع تلك السلعة وينظره مقدار ما تنفق منه.
مسألة
[ أثر موت المضارب قبل خلو المدة ]
وإذا أخذ المضارب المال على أن يعمل به مدة معلومة فمات المضارب
قبل خلو المدة فليس لورثته أن يعملوا بالمال إلى انقضاء المدة إلا أن يتم لهم
رب المال ولو وجد مدة معلومة لأن الموت ينقض المدة.
مسألة
[ حكم تصرف المضارب بعد موت رب المال ] (10/39)
صفحة 1415
وإذا اشترى المضارب سلعة بعد موت رب المال وأنقد الثمن من مال الميت ضمن ما أنقده لورثته وله بيع ما اشتراه قبل موت رب المال وإن
كان أكثر معاملات بيوعات البلد بالمقرض فله بيع تلك السلعة بسلعة من
تلك السلع.
مسألة
[ تصرف المضارب دون إذن رب المال ]
وإذا أتت على المال سرقة في يد المضارب ثم لم يأذن له رب المال أن
يتجر بما بقي ولم يستشره في ذلك وعمل هو فيها برأيه فإن رأس المال
يخرج عند القسمة على رأس المال الأول وأما إذا أذن له بعد أن أعلمه أن
المال قد تلف منه شيء فإنما يكون رأس ماله ما بقي في يد المضارب وقيل:
حتى يقبضه منه ويرده إليه فحينئذ يكون رأس المال ما بقي في يد المضارب.
مسألة
[ قول أبو الحسن في السلف ]
ومن جامع الشيخ أبي الحسن رحمه الله: السلف ضرب من التجارة
وهو بالدراهم والدنانير ويعرف من أي جنس بكيل أو وزن بوزن الدراهم
إلى أجل معروف وإن أسلفه مثقالاً حاضراً بكذا من الطعام جاز.
مسألة
[ حكم المضاربة المتعددة الأطراف ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة رحمه الله: وإذا أخذ المضارب
مالاً من أناس شتى وصار من ذلك لما يحتاج إليه من رأس المال ونيته لا
نقصان على أرباب الأموال من رؤوس أموالهم ويسمى هم في الربح فلا
يسعه ذلك وعليه أن يعطيهم حصتهم من الربح وهذا مجهول وأما إذا
استحلهم من حق معلوم فأحلوه بري.
مسألة
[ صورة من الشركة ]
وإذا كانت البضاعة بين شريكين وأخذ كل منهما جزء بيعه بينهما. ومن احتاج لشيء من الدراهم أخذ من ثمن السلعة إلى أن يتحاسبا فهذا جائز إذا تراضيا بذلك وإن اتجر بما يأخذ من ثمن البضاعة من غير رأي الشريكين
فهذا لا يجوز والربح بينهما.
مسألة
[ صورة من المضاربة دفع المجهولة ]
عن الشيخ الفقيه ناصر بن خميس بن علي رحمه الله: وإذا دفع عمرو
لزيد بضاعة على أن يبيعها وله جزء من ربحها فإذا باعها جعل ثمنها
مضاربة بعد أن قوم السلعة بثمن فهذه مضاربة مجهولة منتقضة إن نقضاها (10/40)
صفحة 1416
أو أحدهما وإن أتماها تمت وليس حراماً فعلى قول من يقول بإتمامها إذا أتماها فالربح بينهما على ما اتفقا.
مسألة
[ حكم موت المضارب قبل بيع البضاعة ]
وإذا دفع زيد لعمرو دراهم مضاربة وله جزء من الربح فاشترى بها
بضاعة فمات قبل بيع ما اشتراه ثم باع المتاع رب المال فإذا حصل فيها ربح وزع بينهما على الشرط وتوزع حصة المضارب على ورثته كل بقدر
ميراثه منه.
مسألة
[ صورة من المضاربة المتعددة ]
وإذا دفع زيد لعمرو دراهم مضاربة فشارك عمرو عليها غيره بلا رأي
زيد في شراء بضاعة فسلم الدراهم من مال المضاربة ولم يسلم الشريك
شيئاً فربحا فإذا تعاقدا على شراء السلعة أن يكون ما ربحا بينهما فكما
تشارطا وذلك لسبب الشركة إلا المضاربة وعليه ضمان ما سلمه من دراهم المضاربة بغير رأي رب المال وإذا تعدا المضارب في دراهم المضاربة بطلت مضاربته منها حتى يردها على ربها ويأخذها منه ثانية على ما يتفقان وإن
سلم بدل ما توى من ماله في دراهم المضاربة من غير مال رب المال لم يكن
له ذلك خلاصاً.
مسألة
[ من الصور المختلف فيها ]
وإذا أراد الشريكان أن يشتركا في تجارة وكانت بضاعة أحدهما مباينة لبضاعة الآخر فعليهما أن يقوما بضاعتهما بالثمن ويخلطا ففي ذلك
ترخيص إذا تتامما وأما في الأحكام فهذه شركة غير ثابتة ولم نقدم على
تحريمها وإن كانت مما يكال أو يوزن فأقرب إلى الجواز إذا كالاهما أو
وزناهما فخلطاهما.
مسألة
[ صورة من المضاربة المختلف عليها ]
وإذا أعطى زيد عمرو دراهم مضاربة على أن يكون لرب المال جزءاً من رأس الربح وما بقي فبينهما نصفان فهذه مضاربة منتقضة فإن تتاما عليها
تمت وإلا فللمضارب عناه ولا ضمان على المضارب إن خسر في البيع
والشراء بعد الاجتهاد.
مسألة
[ من صور الشركة ]
وإذا أراد الشريكان في التجارة أن يشركا معهما ثالثاً باعا عليه ثلث تجارتهما فحينئذ يكون شريكهما وإن كانت تجارتهما صارت ثمناً على (10/41)
صفحة 1417
الناس فلا سبيل لمشاركة الثالث.
مسألة
[ من صور المشاركة ]
وإذا أراد رب التجارة أن يشرك فيها أحداً غيره في ربحها وكان اشتراها بثمن دون ثمنها أيان المشاركة باع نصفها عليه بالثمن الذي اشتراها به وإن نوى مشاركة الثالث في المستقبل باع أبان الشركة بثمن ذلك اليوم.
مسألة
[ من صور المضاربة ]
ومن كان ذا دراهم مضاربة عند مضارب وعند المضارب أيضاً دراهم
لسوا هذا هل يجوز لمن له مع هذا المضارب شيء أن يبيع له شيئاً أو
يشتري ماله بماله فهذا لا يجوز أن يثبته بها شيئاً من ماله على الأصح من
رأي فقهاء المسلمين.
مسألة
[ من صور المضاربة ]
وإذا دفع عمرو لزيد دراهم مضاربة وكان زيد ليست معه تجارة سوها
أما عمر و وهذا فلا يجوز لعمرو أن يشتري من زيد شيئاً لأن ذلك ماله
وهذا مثله وإن كان للمضارب شريك جاز له ذلك.
وإذا أراد أحد أن يدفع دراهم مضاربة لذي صنعة كحياكة أو ذي مسوك يهب على ما ينفقان عليه من الربح فقد وجدنا جواز ذلك في جواب بعض الفقهاء أرأيت على قول من يجيز ذلك إذا كان رب المال ذا تجارة وصار
الصانع يشتري منه شيئاً ونيته أن يوفيه إذا باع عليه الثوب أرأيت إذا قال له بع ثوب واستوف مالك أيجوز ذلك أم لا؟ فلا أعلم حجز ذلك على هذه الصفة.
مسألة
[ أثر تقيد المضارب ]
وإذ لم يقع من رب المال منع للمضارب أيبيع نسيئة فله أن بيع بالنقد والنسيئة وإن منعه فليس له أن يتعدى منعه.
مسألة
[ الشركة في الزرع ]
وإذا اتفق الشريكان في الزرع على أن يكون خرج الزرع والدواب على أحدهما والقيام على الآخر ويكون ما سلمه ذلك الشريك على حصة
شريكه قرضاً عليه أيسع هذا أم يكون قرضاً جر منفعة فواسع له ذلك.
مسألة
[ حكم تقيد المضارب ]
وإذا اشترط رب الدراهم على المضارب أن لا يتجر في شيء حدّه له أو
لا يخرج بماله من البلد فتعدى ضمن ما توى من السبد والنشب.
مسألة
[ من تصرفات المضارب ]
عن أبي محمد: وليس للمضارب أن يصرف دراهم المضاربة في (10/42)
صفحة 1418
الزرعات وغرس الدوح والباسقات وشري العفارات إذ ذلك لا يعرف في معاملات التجارات وقيل: يجوز على نظر الصلاح والاصطلاحات.
مسألة
[ صور من عقود الصرف ]
ولا بأس ببيع الفضة بالذهب إلا ها وها(1) ولا يجوز نسيئة وكذلك
الذهب بالفضة والشعير بالشعير والحنطة بالشعير وإن تأخر فسد وليس بين المملوك وسيّده ربا واختلفوا في الوالد وولده والأصح أنه لا ربا بينهما.
مسألة
[ حكم ربا الفضل ]
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن(2) بيع جمل بجملين وحمار بحمارين وشاة بشاتين
ودينار بدينارين وثوب بثوبين ثم قال: إلا ها وها ولا بأس أن يكون واحد
بمثله يداً بيد وإذا اختلف النوعان كالحمار بجمل أو بمعز أو ببقر ولو جمل
بعشرة من البقر أو بماية عنز ونسيئة ذلك جائز روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
ابتاع بعيراً ببعيرين وأجاز عبد الله بعيرين وهذا اتفاق إلا إنه ها وها أي يد
بيد خذ وأعط(3)
__________
(1) 1- هذا ما ورد في حديثه - صلى الله عليه وسلم -: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالورق رباً، إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً، إلا هاء وهاء، والشعير
بالشعير رباً، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا،ً إلا هاء وهاء» وفي رواية «الورق بالورق
رباً إلا هاء وهاء، والذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء» حديث صحيح. انظر جامع
الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/544 رقم 372.
(2) 2- لما روي عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا
يصلح الحيوان اثنان بواحد نسيئة ولا بأس به يداً بيد»، وعن سمرة بن جندب
-رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. المصدر
نفسه 398/ 1/568.
(3) 1- الوارد عن عبد الله بن عمرو بن عبد العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجهز جيشاً فنفذت الإبل، فأمره أن يأخذ قلائص الصدقة، فكان
يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. أخرجه أبو داود، رقم 3357. انظر نصب
الراية للزيلعي 4/47. (10/43)
صفحة 1419
.
مسألة
[ أنواع من العقود الربوية ]
وإذا كان عبداً حداً لنوعين فضلة دراهم كانت معجلة أو نسيئة فلا بأس وإن تعجلت الدراهم واستأخر شيئاً من الحيوان فلا يجوز إذا كان من نوع
وقد كرهه ولو اختلف النوعان. ولا يجوز بيع الشحم بالسمن واللبن نسيئة
لأنه موزون وكله ودك وقد أجاز بعض اللبن بالشحم على اللبن مكيل والشحم موزون إلى أجل وأما يد بيد فكله جائز.
مسألة
[ كيفية بيع الطعام ]
ولا يجوز ما يكال أو يوزن من الطعام إذا كان من نوعه كالحبوب
المأكولة كلها والتمور لا يداً بيد وإن بيع نسيئة كان ربا.
مسألة
[ كيفية بيع الدهون والسوائل ]
ولا يجوز بيع الأدهان بعضها ببعض نسيئة ويجوز بالنقد ويجوز بيع
السمن بالحنطة. قال أبو الحسن: بيع الزيت بالخل والعسل جائز. قال ابن
جعفر: ويجوز بيع السمن والزيت بالعنب لأن هذا من الأدهان وهذا
من الفاكهة.
مسألة
[ بيع الأصناف الربوية المختلفة ]
ويجوز بيع اللحمة بالتمر نسيئة وبالحب أيضاً ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
اشترى جزوراً بتمر واختلفوا في بيع الحوت واللحم بالتمر نسيئة.
مسألة
[ كيفية بيع المعادن بعضها ببعض ]
وقيل: بيع النحاس بالحديد والحديد بالرصاص نسيئة جائز وقيل: لا
يجوز لأنه موزون بموزون إلا يداًَ بيد وأما التبر واللجين فجائز نسيؤهما
لأنهما أثمان للأشياء وكره قوم الملح بالحنطة نظراً حيث لا يصلح إلا به قال
أبو الحسن: التمر بالنوى جائز بيعه وقول: لا يجوز إلا أنه كله مما يكال
ومما أنبتت الأرض. قال هاشم عن موسى أنه يجوز بيع الملح بالبر والتمر
نسيئة وكذلك التمر بالنوى وقيل: لا يجوز والأصح جوازه.
مسألة
[ بيع الثياب بعضها ببعض ]
وجائز بيع ثوب الحرير بثوب كرسف(1) لأن النوعان اختلفا وقيل: لا يجوز لأن الثياب بعضها من بعض وإنما يجوز منوان كتان بمنوى فبعض
__________
(1) 1- كرسف: القطن. وقد ورد ذلك في حديث المستحاض بقوله : «أنعت لها
الكرسف»، انظر أحاديث المستحاضة. (10/44)
صفحة 1420
وكذلك الربط إذا لم يحك وهذا هو الأرجح.
مسألة
[ بيع الخضراوات بالطعام ]
وكل ما خيف فساده من الأشجار كالقثاء والبقل يجوز بيعه بالطعام نظرة وأما البصل إلا الورق فإنه حكمه كالبقل وقيل: ما كان يفسد في ثلاثة أيام.
مسألة
[ حكم بيع البقولات بالطعام ]
عن أبي الحسن: وقد أجاز بعضهم بيع البقولات كلها بالطعام نظرة ولم يجز ذلك آخرون ما لم يحاذر فساده وقيل: ولو حاذر فساده وأما روس
البصل والثوم فلا يصلح بالطعام نسيئة وبيع البوت نظرة فلا بأس به. قال أبو الحسن: واليوت بالتمر جائز وقيل: إنه مكيل بمكيل وهو ما أنبتت الأرض
ولا يجوز بيعه إلا يداً بيد وأما نظرة ففيه اختلاف وحجة من أجازه يقول أن اليوت حب.
مسألة
[ حكم يبع الفاكهة بالطعام ]
وجائز بيع ما استلان من الفاكهة بالطعام نظرة وأما أبو علي فأجاز بيع الرمان اليابس والرطب واللوز والجوز والفاكهة اليابسة.
مسألة
[ بيع النيئ باليابس ]
عن أبي الحسن وأبي علي: لا يصلح بيع الرمان رطباً كان أو يابساً
بالطعام نظرة وأجازا بيع الجوز واللوز والفاكهة نظرة والحجة في ذلك أن
هذا ليس موزون بموزون وإنما هو عدد وأجاز بعضهم بيع الشوع بالعطب والرمان اليابس والرطب بالكرفس وحب الشوران وفراخه بالقبعص والبوت والبن بالقطن والصوف والبندق والبصل بالقطن والثياب بالشعير وكرهوا
بيع فراخ الشوران بالقطن لأنه مما أنبتت الأرض.
مسألة
[ بيع الزعفران بالورس ]
عن أبي علي: وكرهوا بيع الزعفران بالورس والورس بالشوران أو
بالفوت إلى أجل وأجاز بعضهم الشوران بالزعفران نظرة وأبا ذلك آخرون.
النهج العشرون
في المساجد و الوقوفات
و أحكام ذلك
النهج العشرون
في المساجد و الوقوفات(1)
__________
(1) 1- الوقوفات: من الوقف بفتح الواو وسكون القاف، مصدر وقفت والوقف هو
الحبس.
اصطلاحاً: قال في الإسعاف : حبس العين على حكم ملك الواقف أو عن التمليك
والتصديق بالمنفعة، وتعريف آخر تمليك منفعة الذات دون الرقبة. أنظر منح الجليل
شرح مختصر خليل 7/108. (10/45)
صفحة 1421
و أحكام ذلك
مسألة
[ تخرج الوصية من عين ما أوصى به ]
عن الشيخ الفقيه القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان
رحمه الله: وإذا أوصى موص بثمرة هذه النخلة ليفطر بها صائمو شهر
رمضان فإنها يفطر بها بعينها ولا يجوز أن تطنى وتبدل الغلة إلا أن تأتي
حالة يتعذر أكل الثمرة بها في شهر رمضان طناؤها وأما إن أوصى بغلة
النخلة جاز أن تطنى وتبدل الغلة بغيرها من ثمنها وإذا هل شهر رمضان
وتعذر حصول ثمرة الفطرة أن يؤكل فيه جاز أن يقترض عليه ويرد
القرض على بعض القول وقيل: تركه أولى، والنظر للمبتلى ما هو أصلح
فإن كان إذا ترك التمر إلى عام فسد فلا يجوز الضرر فالأحسن أن يقترض
عليه وإلا فلا.
مسألة
[ حكم التصرف بمال المسجد ]
وإذا أدرك المسجد بخرف له في زمن القيض معواً من جملة ماله غير
محدود ثم تمت جماعته جاز لوكيله أن يزيدهم جنا معو من مال المسجد.
مسألة
[ أهمية النية في العمل ]
وإذا كان نية الجماعة أنهم لا يأتون إلا للأكل فإذا أصرى رفضوه فلا يضيق على الوكيل أن يهجر لهم ولا يكلف تهجيسها بناتهم ويكل علم
ذلك إلى الله.
مسألة
[ حكم بيع أصل المسجد ]
وإذا خرب المسجد ولم يكن له مال يعمر به إلا الأصل فإنه يباع من
أصل ماله ويعمر به ما لم يصح بالبينة العادلة أنه موقوف عليه فإذا صح فلا يجوز بيعه أبداً ويترك عن البناء إلا من الغلة.
مسألة
[ كيفية صرف أموال المسجد ]
وهل يجوز شراء أوعية التي يوضع فيها تمر الفطرة للجماعة ويسلمه من مال المسجد وكذلك أوعية دراهم المسجد فعن الشيخ صالح بن سيعد:
يسلمه الوكيل من ماله من مال المسجد أو يتطوع بذلك أحد من الجماعة
فإن حصل وإلا فلا يضيق أن يكون من مال المسجد. (10/46)
صفحة 1422
وإذا وكيل المسجد سح سطحه هل يجوز له شراء حل أو أصل من مال المسجد يصبه عليه إذا رأى في ذلك صلاحاً لأنه يوجد في الأثر أن للمرء أن يختار للمسجد ما يختار لنفس فلا يضيق ذلك ولا يضيق التوضؤ في صرحة المسجد ما لم يكن على المسجد ضرر وإذا لم تدرك سنة في توزيع الوقف
فإن يوزع والذكر والأنثى فيه سيان ولا يبعد جواز تفضيل أحد في القسمة
وما زاد من النزر ولم ينقسم جعل في إصلاح الوقف والأول أصلح.
مسألة
[ ضمان حالة المسجد على من يستغله ]
وإذا اجتمع قوم في مسجد يعملون عمل الدنيا لغير انتظار صلاة فإن تالدت على المسجد مضرة من صنيعهم منعوا من ذلك فإن أبوا جاز للقائم بالأمر حبسهم وإن لم تقع منهم مضرة فواسع التغاضي عنهم.
مسألة
[ على من يكون سراج ]
وإذا كانت سنة المسجد يسرج له من ماله في زمن الشتاء للجماعة من وقت إلى وقت محدود ثم اضطر الجماعة في زمن الحر من مغدوف
وعواصف ولم يستطيعوا القيام في صرحة المسجد جاز أن يسرح له من
مال المسجد على العادة والأصح عدم الجواز وإذا تعذر على القيام حصول
ثقة يوكله في المسجد ولم يمكنه ذلك بنفسه فهذا معذور والمعذور من
عذره الله.
مسألة
[ حكم خلع الحذاء ]
وجائز خلع الحذاء في المسجد إذا كانت طاهرة(1) إلا إني أحب
السلامة من ذلك ولا يجوز البصاق في المساجد ولا النخاع وإذا اضطر
المسجد من دزق الدجاج وتعذر معرفة أربابهن هل يجوز أن يحلف
__________
(1) 1- هناك أحاديث كثيرة تحث على نظافة المسجد وعدم إلقاء القاذورات أو ما ذكر
المصنف -رحمه الله- منها: عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» متفق عليه.
وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء
من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى وقراءة القرآن» أو كما قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه مسلم رقم 1693. (10/47)
صفحة 1423
أربابهن أنهم لم يعرفوا أربابهم وأنها ليست لهم فعلى القائم البحث عن
ذلك ولا يجوز تحليفهم ولا يجوز أن يجعل لهم سمّاً في طعام وينثر
في المسجد.
مسألة
[ الوصية للمسجد بغلة النخل ]
وإذا أوصي بغلة باسقة أو دوحة ليفطر بها صائمو رمضان في مسجد معروف وللمسجد فطور في مال سابق جاز أن تباع غلة هذا الموصي بها
ويشترى بها آدم ويؤكل مع فطور المسجد في المسجد على بعض القول والأصح أن تؤكل الثمرة بنفسها ولا يعجبني التأدم عند الفطور من تمر
الفطرة من مال المسجد.
مسألة
[ آداب الطعام ]
في أكل الفطرة: ومن أكل من فطرة المسجد فشرب ماءً وصلى ورام العودة للأكل ثانية فلا يعجبني ذلك ولا يجوز.
مسألة
[ كيفية الوقف ]
وإذا اشتهر أن هذه الباسقة لمسجد وغرب علم المسجد التي هي له ففي ذلك اختلاف قول إنها لجامع البلد وقول لأقرب المساجد لها وقول: إنها موقوفة على حالها.
مسألة
[ ضمان حق المسجد ]
من اشترى صرمة للمسجد وسلم ثمنها من مال المسجد فماتت
قبل أن يبينها فقد اختلفوا في الضمان عليه ضمنه بعض الثمن
وأهدره آخرون.
مسألة
[ حكم الوكالة على أمر المسجد ]
وإذا وكل الوالي وكيلاً للمسجد فبان الوالي أو أبين من الولاية فقول:
إن الوكالة تنفسخ وقول: على حالها.
مسألة
[ الأخذ من مال المسجد ]
وإذا احتسب للمسجد برأيه دون الجماعة والحاكم فلا له أخذ شيء من مال المسجد وإن أخذ شيئاً فعليه رده وإن أخذ من غلة مال المسجد وأراد أن يرد الثمن جاز على نظر الصلاح ولو سلم أصلاً.
مسألة
[ حكم إقراض المسجد ]
وإذا اشترى وكيل المسجد ما يحتاج له لعمارة من ماله ونواه قرضاً على المسجد فإذا أتم العمل أخذه من مال المسجد وكذلك إذا اشترى مما يؤكل
في المسجد جاز له أخذه من مال المسجد عوض ما سلمه للفطرة والعمارة.
مسألة
[ التبرع باللينة للمسجد ] (10/48)
صفحة 1424
وإذا كانت في مال أحد لينة للمسجد فسقاها وبينها فله أجرته على سنة أهل البلد وإن تطوع بذلك فله من الله عظيم الأجر.
مسألة
[ صفات الوكيل على المسجد ]
وإذا كان وكيل المسجد أو النهر غير ثقة فلا يجوز لأحد أن يقبضه مال المسجد ولا النهر ولا يستأجر منه ماء النهر ولا المسجد ولا يطني منه وإن استأجر ماء المسجد أو النهر أو الطني من المطني ففيه اختلاف والأصح عدم الجواز والاضطرار غير الاختيار.
مسألة
[ وكلاء الأيتام ]
وإذا كان للمساجد والأيتام وكلاء في أموالهم السالفة وحدث لهم
أموال على الوكلاء القيام بالأموال الحادثة فنعم عليهم القيام بالأموال
السالفة والحادثة وإن تركوها حتى توت خفت عليهم الضمان.
مسألة
[ حكم رهن أموال المسجد ]
ورهن أموال المساجد لا يجوز ويؤخذ الراهن بفكه ومن وقف نخلة
ليؤكل غلتها في مسجد أو غيره جاز أن يأكل منها وجائز أن يحصب
المسجد بالحصى من ماله إذا كان ذلك صلاحاً ومن عليه ضمان للمسجد فيجعله في جدره وسطحه وإن جعله في غير ذلك من مصالح المسجد فلا
يضيق عليه والأول أصح.
مسألة
[ عمل الوكيل في مال المسجد ]
وإذا اشترى وكيل المسجد مالاً للمسجد خيار إلى مدة فلما أن انقضت المدة رام البائع زيادة في المدة حذر تلف المال فليس للوكيل أن يزيده في
المدة ويجوز أن يزيده في الثمن ليستأصل المال للمسجد فجائز على نظر
الصلاح إلا الحكم وإن انتظر حتى تنقضي المدة بالمال ويصير المال أصلاً للمسجد فله ذلك.
مسألة
[ أثر اختلاف الجماعة والوكيل ]
وإذا اختلف الجماعة والوكيل في المسجد فقال الجماعة أنه مخوف وقال الوكيل خلافهم فلا تجوز هذه وبناءه من مال المسجد وإذا كان في زمن الزعازع من الأرياح والوابل فهو مخوف وإذا اشتبه على وكيل المسجد أنه مخوف أو غير مخوف فهذه سواه جائز بناءه من مال المسجد وإذا كان
عنده أنه غير مخوف فلا يجوز له بناءه.
مسألة
[ حكم الصلاة على ظهر المسجد ] (10/49)
صفحة 1425
والصلاة على ظهر المسجد مكروهة وإن صلى مصل فلا حوب عليه
وإذا كان المسجد تصلي الجماعة أربع الصلوات من الصلوات الخمس وله
سنن تنفذ فيه من ماله ثم لم تحصل فيه صلاة جماعة أو حصلت في وقت أو
وقتين في اليوم والليلة جاز للوكيل أن يجري فيه السنة السالفة ما لم يصح للوكيل أن الوقف لمن يصلي فيه جماعة الأربع الصلوات أو الخمس.
مسألة
[ حكم شراء الحاجة قبل وقتها ]
وإذا اشترى وكيل المسجد تمراً للفطرة قبل ولوج شهر رمضان فرخص التمر فإذا تحر الصلاح فلا ضمان عليه.
مسألة
[ طعام أهل المسجد ]
وإذا كان للمسجد قوم يصلون جماعة وله ستر من ماله من طعام
وفاكهة وسراج وغير ذلك ثم انصرت من الجماعة مدة ثم رجعوا يصلون
فيه بعض الصلوات جاز للوكيل أن يجعل لهم المعتاد لما يستأنف وإن
أعطاهم عوض ما فات فلا يضمن.
مسألة
[ أثر غبن المسجد ودور الوكيل ]
وإذا قايض وكيل المسجد بمال من أموال المسجد على نظره ونظر
الصلاح ونظر من حضر من الإخوان ورامو المقايض به أصلح ثم إن
المقايض عمر المال فبان على المسجد غبن هل يضمن الوكيل فإذا كان أيان القياض صلاح للمسجد فلا ضمان عليه.
مسألة
[ حكم بيع نوى التمر ]
ونوى التمر من الفطرة يباع ويجعل ثمنه في الفطرة.
مسألة
[ أثر وقوع الباسقة على وقف المسجد ]
وإذا وقعت باسقة ليعمل من غلتها لبن الأحداث فرفعت أو ماتت جاز أن يشترى من غلتها فسلة تغرس مكانها.
مسألة
[ حكم سل السلاح في المسجد ]
ولا يجوز إدلاق سل سيف مشطت في المسجد إلا لمن حاذر من سطوة عدو وإذا باع وكيل المسجد شجرة في قرط لتصرفا فأصرف واحدة وبقيت الأخرى مدة فرام الوكيل الغير من بيعها فإذا ترك المشتري الشجرة حتى تمت انتقض
البيع فإذا كان بيع الشجرة بين صفقة قومنا بقيمتها وحط عنه ثمن التي لم تقلع.
مسألة
[ اختلاف البائع والمشتري ] (10/50)
صفحة 1426
وإذا ادعى البائع أنه بايعه الشجرة بكذا وادعى المشتري أوكس من ذلك فالقول قول البائع ولا إلية عليه إذا كان المشتري عالماً بالمباع أنه للمسجد وعالماً بالبائع أنه وكيل المسجد.
مسألة
[ جواز إفطار النساء والصبيان من فطرة المسجد ]
وجائز للصبيان والنساء أن يفطروا من فطرة المسجد إذا كانوا صائمين ومن أكل ناسياً أو ذرعه القيء كل ما لا يستطيع الامتناع منه وكان يلزمه
فيه نقض صومه فجائز له أن يفطر من فطرة المسجد وكذلك إن فعل ما
يلزمه بدل يومه.
مسألة
[ أثر اختلاف الأجير والوكيل ]
وإذا اختلف الأجير ووكيل المسجد في المقاطعة فقال الأجير: أقل مما قال الوكيل فالقول في العمل قول الأجير وفي الأجرة قول الوكيل وليس في
مال المسجد أيمان.
مسألة
[ اليمين على من لا يملك البينة ]
وإذا استأجر وكيل المسجد وسلم الأجرة من ماله من غير بينة وأنكرها الأجير كان للوكيل يمين على من أنكره لأنه يصير ضامناً فلهذا وجبت له اليمين.
مسألة
[ أثر قلة الفطرة على المصلين ]
وإذا كانت الفطرة لا تكفي غلتها للشهر كله وزعت على أيام الشهر
وإن أكلت في بعض أيام الشهر.
مسألة
[ الحكمة في توزيع الإفطار ]
وإذا كان الوكيل لمسجدين ولم تكف غلتهما فطرة كل منهما للشهر
كله فجائز أن يفطر في أول الشهر في أي المسجدين وفي آخر الشهر في
المسجد الثاني.
مسألة
[ التصرف في زيادة المال ]
وإذا نما تمر الفطرة عن الشهر بيع وجعل في الفطرة لما يستقبل.
مسألة
[ أثر خيانة عامل المسجد ]
وإذا لم تجد للفطرة سنة ولم تكف للتمر والأدم فالتمر أولى.
وإذا كان عامل المسجد خائناً عزله الوكيل وإن كان مستتراً بما جعل معه غيره مشرفاً ومطلعاً على صنيعه.
مسألة
[ دور الوكيل في حفظ الأمان ]
وإذا عزب على الوكيل علم خيانة العامل فلا ضمان عليه ولا تكسب
كل نفس إلا وسعها ولا يجوز عزل بيدار المسجد قبل دراك الثمرة وعلى الوكيل حفظ أمانته.
مسألة
[ ما يقومه الوكيل من الإصلاح ] (10/51)
صفحة 1427
وجائز لوكيل المسجد أن يزرع مال المسجد ألقت وغيره ويسلمه الغرامة من مال المسجد على نظر الصلاح للمسجد وإن نقصت غلة الزرع عن
الغرامة فلا ضمان على الوكيل وجائز للوكيل أن يصلح مال المسجد
بالسماد وكذلك إذا انهد شيء من جدرها وجائز أن يرفعها عما كانت
ويجدد ما بلي منها وجائز تحفيظها على نظر الصلاح واختلفوا فيمن أكل
من تمر الفطرة ثم تأدم من عنده فأجاز ذلك بعض أن يأكل من تمر وأبا
جوازه آخرون والجواز أرجح.
مسألة
[ أجرة الوكيل ]
وإذا لم يعرف متى دخل وكيل المسجد في وكالته واستقام برهاً ثم عزل أيان التلقيح فلا شيء له في الغلة على هذه الصفقة وكذلك إن دخل قرب القيض وأخذ حصته من ذلك القيض فأحرى أن لا يكون له في الغلة المقبلة حق.
مسألة
[ كيفية استيفاء الأجرة ]
وإذا دخل الحاكم وكيلاً بجزوء من غلة ماله جاز للوكيل استيفاء أجرته من جميع غلة مال المسجد من أجرة وأروض وغلة نخل وغير ذلك وجائز
له قبض أجرته في وقت حصول غلة مال المسجد.
مسألة
[ سعة المسجد ]
وإذا ضاقت صرحة المسجد بالناس عند الفطور فلا يجوز أن يؤكل
الفطرة خارجاً عن المسجد وصرحته.
مسألة
[ حكم معاودة الأكل من أكل المسجد ]
ومن فطرة من فطرة المسجد وخرج لغرض بدا له أو غير عرض ثم رجع أكل من الفطرة فلا بأس عليه.
مسألة
[ تقديم حصة البيدار على حصة الوكيل ]
وحصة البيدار من رأس مال المسجد قبل حصة الوكيل ولم أعلم أن الوكيل يلزمه شيء من أجرة التخدير.
مسألة
[ ممن أجرة النخاس ]
ويعجبني للوكيل أن يسلم أجرة النخاس من ماله الذي يطنى مال
المسجد لأمر مال المسجد.
مسألة
[ كيفية توسعة المسجد ]
وإذا ضاق المسجد بالجماعة وراموا توسيعه طولاً وعرضاً جاز لهم ذلك من نشبهم وإن انهد ما بنوه جاز إصلاحه من مال المسجد على الأصح.
مسألة
[ الإنفاق على المسجد ]
وإذا رام الجماعة بناء برادة في صرحة المسجد لم تكن من قبل فجائز (10/52)
صفحة 1428
على نظر الصلاح وأما في الحكم فلا وجائز شراء السليط من سبد المسجد للسراج وأما الفتائل فيعجبني أن يتطوع بهن الوكيل أو الجماعة.
مسألة
[ ممن أجرة المدرس ]
وإذا كانت للمدارس أموال وقضت الشهرة أن غلتها تنفذ لمن يعلم الصبيان القرآن العظيم بتلك المدارس هل يجوز لمن دخل في التعليم في تلك المدارس باستبراز رأيه من غير استئجار من حاكم أو من الجماعة أخذ تلك الغلل فلا يجوز له ذلك وجائز للجماعة ولو وجد الحاكم.
مسألة
[ صلاحية تعيين المعلمين ]
وإن رام القائم إقامة معلم في مدارس داره فهو أولى من أرباب رب
المدارس إذا وجد الكفؤ وإن أقامه أرباب الدار جاز وإذا لم يتضح له
التقصير في أموال الوقفاتي فلا كلفه عليه.
مسألة
[ حكم ما وجد من أموال في الساحات ]
وما ينبت في قيعان المدرسة من دوح وباساقات فقول هو من الغلة وجائز ذلك أخذه لوكيل المسجد والمعلم وقيل: لا يجوز إذ هو من الأصل
وكذلك في النخل من الصرم.
مسألة
[ لمن جذور الشجر ]
وأما جذور النخل فهي من الأصل فإذا أوقعت وأصلح بها الأصلح وليس للمعلم أو الوكيل أخذ ذلك وليس للجماعة دفع ما كان أصلاً وجائز لهم
دفع ما كان من الغلة.
مسألة
[ كيفية توزيع المال ]
وإذا اشترى وكيل المسجد حصته من مال المسجد وطلب شركاء توزيع المال فإنه يحضر جماعة المسلمين والبائع للمسجد يوزعوا المال بين المسجد وشركائه لأنه يوجد في الأثر أن من أزال حصة له من مال المسجد أو وقف أخذ بتوزيعه إذا طلب شركاؤه.
مسألة
[ كيفية قسمة المشاع ]
ولا تجوز قسمة ما أدرك مشاعاً بين المسجد ومن يملك أمره من أصول على الأصح وقيل يجوز على نظر الصلاح للمسجد وإذا أدركت المجائز تعمر من مال المسجد فعل ما أدركت وإلا فلا تعمر من مال المسجد ولو جعل على رأي الجماعة مال المسجد أعني عمار المجائز التي في المسجد للوضوء.
مسألة
[ كيفية بناء المنهدم ] (10/53)
صفحة 1429
ومن رأى أثار مسجد منهد متسع البناء فأراد أن يتطوع ببناءه بعضه جاز له ذلك وإن أراد أن يجعل مكان المسجد صرحاً ومكان الصرح مسجد أجاز وقد فعل ذلك الشيخ محمد بن عبد الله مداد في مسجد مود من نزوى.
مسألة
[ الاعتذار عن وكالة المسجد ]
وإذا انهدم عمار برادة المسجد التي تكون للماء للجماعة جاز أن تعمر
من مال المسجد وإذا أراد وكيل المسجد أن يتعذر من وكالة المسجد حضر
من ثقات من المسلمين وقبضهم الأمانة ولا يجوز له ترك أمانته إلى غير ثقة
من المسلمين وإن لم يحتمل إلى أن يفرج الله عليه وإن جاز الوكيل مهمهاً ضارباً فلا ضمان عليه من نشب المسجد وعلى المسلمين القيام به.
مسألة
[ عمل الدلال ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان وإذا كان النخاس غير ثقة أو مجهول
الحال وكان وكيل المسجد أو اليتم ثقة جاز أن يستطنى من المسجد أو اليتيم وجاز تسليم الثمن للدلال وإن لم يكن الوكيل ثقة فلا يجوز تسليم الثمن للدلال ولا للوكيل.
مسألة
[ تصرفات الوكيل ]
وجائز للوكيل إن يستطنى ما شاء من مال المسجد هو وكيله إذا تولى صفقة البيع سواه ممن لا يعلم الدلال أنه يزابن له ويوكل الوكيل وكيلاً غيره وجائز له شراء ما يكال ويوزن كغيره وفيه اختلاف.
مسألة
[ كيفية إزالة القذر ]
عن الشيخ القاضي محمد بن مداد واختلفوا في كسح القذى أو
التراب من المسجد من ماله وجائز أن يرتج أبواب المساجد إذا خيف الضرر عليه من مقيل لا يتقي الأنجاس وعرقهم في بسطه ويوسخها من وسخ
أبدانهم وبناتهم.
مسألة
[ مقدار حريم النخلة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي إذا خيف وقوع النخلة جاز أن
تسجل من غلتها أو يبنى تحتها بناء في حريمها إذا لم يكن لها مال ومن
أوصى أن يبنى من ماله مسجد بعد موته فإن لم يكن محدودة كان طوله
قامة إنسان وعرضه منام آدمي ولا تبنى له صرحة.
مسألة
[ الوصية ببناء مسجد ] (10/54)
صفحة 1430
ومن أوصى ببناء مسجد على رأي وصيه أو غيره فإنه يبنى على رأيه من ثلث نشبه وجائز أن يجعل له صرحة إذا رأى ذلك من جعل على رأي به
وفي إجازة السراج في وقت السحور من مال المسجد إذا لم تتقدم فيه سنة اختلاف والأصح على السنة وكذلك لتلاوة القرآن وتعليم العلم وأما
للمسامرة فلا إجماعاً عن الشيخ عامر بن محمد بن مسعود.
مسألة
[ ضمان لقطات المسجد ]
ومن وجد متاعاً في المسجد وعزب عليه علم ربه فأبانه أو أمر بإبانته محتسب لله الصلاح لأنها مغلة ثم حول السوق عن موضعه قبل أن يستغل وذلك باستبراز رأيه لا بفتى من عالم ولا بمناظرة فقيه فهذا ضامن على قول
وأما الشيخ راشد بن سعيد بن رجب الحارثي(1) وعبد الله بن حصيب
الأعمى الآدمي(2) قال لا: يكلف المرء علم الغيب إذا ابتدأ العمل على
منوال شرعي فلا ضمان عليه.
مسألة
[ ما يجوز شراؤه ]
وإذا قعد المعلم في موضع المدرسة للتعليم فتارة يأتيه من يعلمه وتارة ينقطعون عنه ويقعد بنفسه يتلوا القرآن فجائز له أخذ الغلة وهذا رأي الشيخ محمد بن عبد الله قال الشيخ خميس(3) بن سعيد الرستافي من عنده دراهم
لبناء مسجد جاز له أن يشتري الآلة التي لا يستقيم البناء إلا بها كالآنية
لغرف الماء وغير ذلك.
مسألة
[ حكم اقتراض وكيل المسجد من المسجد ]
وإذا أراد وكيل المسجد الاقتراض من مال المسجد من يد ثقة يقرضه
ويرد القرض إليه ليضعه في المسجد وإن أنفق ما استقرض في عمار مال
المسجد فقد برئ وأما الشراء للمسجد ببيع الخيار ففي الحكم لا يجوز
وأجازوه على نظر الصلاح.
مسألة
[ كيفية إصلاح الضرر ورفعه ]
وإذا مالت نخلة المسجد على نخلة غيرها لهذا المسجد ولغيره فأمر
الوكيل بصرفها فلما صرفت وقعت على الأخرى فوقعتا معاً فإذا قصد رفع الضرر والصلاح ولم يكونوا جزء في قصدهم أنهم قادرون على صرفها
__________
(1) 1- الشيخ راشد بن سعيد بن رجب الحارثي: لم أعثر على ترجمة له.
(2) 2- لم أعثر له على ترجمة.
(3) 3- لم أعثر له على ترجمة. (10/55)
صفحة 1431
فما على المحسنين من سبيل.
مسألة
[ أثر موت الموصي والوصي على الوقف ]
ومن أوصى بوصية للمساجد التي بيد فلان والموصي ومن بيده المساجد
قد ماتا فإذا لم تسم المساجد ولم يتضح معرفتها بالبينة العادلة أو يعلمها
الوصي علماً يقيناً فكلما ما لم يتوصل الوصي إلى معرفته من الوصايا فلا
يثبت قال الشيخ صالح بن سعيد(1): الوصية موقوفة.
مسألة
[ التصرف بأموال المسجد لأجل المسجد ]
ومن أوصى بدراهم لعمار مسجد فقد اختلفوا في البسط والسليط
للسراج وأما أن تدهن به أبواب المساجد فجائز وإن صرفت في شراء
الأبواب وإصلاحها فجائز.
إذا وقعت باسقة المسجد أو الوقف أصلح بثمنها الأصل من سقي وغرس واختلفوا في الهبس وكذلك الشراط قول إنه من إصلاح التمر وقول: إنه
من إصلاح الأصول.
ومن تطوع ببناء مسجد فجائز له أن يقصره في الطول والعرض
ويشهد على ما بقي من حدّ المسجد وقيل: إن المسجد لا يعمر بعضه
ويخرب بعضه.
مسألة
[ كيفية إعمار المساجد ]
ومن أوصى بوصية لمسجد على رأي عماره فلا يجوز أن تحدث له سنة سوى ما تقدم وإن حدها في شيء فلا بد من امتثال أمره هذا رأي الشيخ الرشيد خميس بن سعيد رحمه الله وجائز أن يحصب صرح المسجد
بالحصى على نظر الصلاح وأن يكون من مال العمار وجائز تجصيص جدار المساجد وهو من العمار والوثاقة وهو مما أوصي به لعمار المسجد.
وجائز غرس أموال المساجد والوقوفات أو غيره من غلتها إذا رأى
الغرس أصلح.
ومن أوصى لمسجد على رأي الجماعة ولم تكن له جماعة مرابطين أو
كان مهجوراً فإن الوصية تؤجل إلى أن تحدث له جماعة لأن ذلك مما
يحتمل أن يكون فيما يستقبل.
مسألة
[ كيفية الإنفاق على المسجد ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان أن الجص إذا
لم يكن للوفاقة وإنما هو للزينة فلا يجوز أن تلاط به جدر المسجد من ماله
__________
(1) 1- صالح بن سعيد: يعرف بهذا الاسم أكثر من واحد. انظر نزوى عبر الأيام. (10/56)
صفحة 1432
وأما السماد إذا كان فيه صلاح فجائز أن يشترى من مال المسجد.
مسألة
[ الوصية للمسجد ]
وإذا أوصى بشيء على رأي الجماعة فيعجبني أن يستأذنوا كلهم إن
أمكن وإلا فبرأي ثلاثة من صلحائهم فصاعداً أو ما تصح دوحة المسجد إذا أمن الضرر على المسجد وعليها فلا يضيق على نظر الصلاح من مال
المسجد وكذلك أجرة الكساح.
مسألة
[ إصلاح مرافق المسجد ]
وإذا كان في التسابيد والمماريق فيها صلاح جاز أن يشتري من مال المسجد على قول وإذا كان للبئر التي ينزف منها للمسجد حوض وأراد الجماعة حفظه أو ترفيعه على نظر الصلاح جاز أن يؤتجر عليه من مال
المسجد على قول وقول: إذا كان من مال المتطوع به جاز وإلا فلا.
مسألة
[ إصلاح المسجد ]
ومن اشترى للمسجد شيئاً فتوى قبل أن يستغل منه بقدر مال المسجد فعلى مشتريه الضمان كان وكيلاً أو محتسباً ولا يقيم للمساجد وكيلاً
للمسجد إلا الحاكم فإن تعذر حصوله فالجماعة من الصلحاء الأمناء ولا
يجوز أن يتخذ المساجد للبيع والشراء وجائز أن ترتح أبواب المساجد إذا
حاذر أن تلحقها السباع أي كان لا يمنع ولوج المصلين وكذلك أبواب الصرحة على نظر الصلاح ويجوز نصب النصب في سرحة المسجد لتعلق
فيها أواني الماء للجماعة إذا كان صلاحاً على قول وقيل: لا يجوز.
مسألة
[ إصلاح جدران المسجد ]
ولا يجوز نقش جذوع المسجد إذا لم يكن النقش صلاحاً للمسجد وللجذوع واختلفوا في الحصر والسرج إذا لم يكن وأما الهجور فلا يجوز ما
لم تتقدم له سنة من مال المسجد ومن أوصى بنخلة لمسجد كذا ثم أوصى بها للفطرة فقول: إنها لا تجوز للهجور وقول: لعمار المسجد وقول: للفطرة.
مسألة
[ حكم البيع في المساجد ]
وإذا وقع الاضطرار للبيع في المساجد فلا يضيق إذ هو مع الاختيار
مكروه وغير محظور ووقت الهجور على ما جرت به السنة والعادة ووقت
الفطور إذا غربت الشمس. وإذا أوصى موص بنخلة للفطرة ولم يقل
لصائمي شهر رمضان جاز أكلها للصائمين رمضان.
مسألة (10/57)
صفحة 1433
[ ضمان مال المسجد عند الانتقال ]
ولا يلزم المحتسب للمسجد ضمان إذا انتقل من البلد التي فيها المسجد وضاع ماله إذا رفع يده معه وإن جعل مع ثقة أمين فأحسن وإذا أوصى للمسجد على رأي جماعته فرضوه وانتقلوا إلى غيره وربما يصلي في أحد
بعض الأيام فليس للوكيل أن يصري فطرته وأما إذا كان على رأي الجماعة فإذا لم تكن جماعة قطعة وإذا كانوا جماعة ولو قلوا فلا بأس.
مسألة
[ حكم دعوة الناس للأكل من المسجد ]
وإذا لم يواف المسجد أحد لأكل الفطرة جاز للوكيل أن يخبر من أراد ليوصل الأكل وإذا كان بالمسجد جماعة وله تفريق أو وقف يوكل فيه جاز للوكيل أن يخبر من شاء ليأتي للأكل والتفريق وإذا أوصى للمسجد بما شاء جماعته قول: يجوز أن يتصرفوا فيه بما شاءوا وقول: لا يجوز إلا للعمار
والفطرة والوقف.
مسألة
[ كيفية شراء حاجات المسجد ]
وإذا جعل للوكيل جزءاً من ماله على القيام به وبمصالح الجماعة مما يجب
لهم ثم تفرق منه الجماعة بموت أو غيره فجائز له أخذ حصته ولو تقاصروا والمصلين فيه ومن أوصى بباسقة للمسجد فنفذ غلتها في جدره وسطوحه
فقط وقول: يجوز أن يشتري منها الفرش والأبواب والسليط للأبواب
والسرج وكذلك إذا أوصى له بتبر أو لجين.
مسألة
[ لفظ عزل الوكيل ]
ومن أوصى لمسجد لإصلاحه وعماره فالأصح أنه لجدره وأبوابه
وسرجه وقيل: إنها لجدره وسطوحه فقط ولفظ عزل الوكيل أن يقول له الحاكم أو الجماعة قد عفوناك من وكالة المسجد الفلاني وأن ينفوا له بشيء وأقاموا سواه.
مسألة
[ تصرفات الوكيل ]
وجائز لوكيل المسجد أو غيره أن يأمر بسقي مال المسجد أو وكيله إذا كان غيره ثقة لأن هذا من نظر الصلاح إذا كان المال لهذين المسجدين وأما
إذا طنى مال المسجد الوكيل الذي هو غير ثقة ففي أخذ الثمن لوكيل
المسجد الآخر اختلاف.
مسألة
[ الوصية للمسجد بشيء ]
وإذا أوصي أو أقر لمسجد بشيء أو أطنى له ماله أو أوصى له بعشر (10/58)
صفحة 1434
محمديات هل يجوز أن يؤخذ عوضهن دوفيات أو عباسيات أو غير ذلك بالصرف فنعم كل ذلك جائز إلا العروض عن الدراهم لا يجوز وإن رضي
من ما له الوصية ففيه اختلاف.
مسألة
[ بيع أثاث المسجد البالي ]
وإذا كان المسجد مستكف من الفرش مطبقة بعضها فوق بعض فلا يشترى له سواها وجائز أن تبسط بسط المسجد في صرحته إبان الحر وجائز
بيع البالي من فرشه وقربه وجحاله على نظر الصلاح وجائز شراء ما يؤكل
فيه الهجور والفطرة من الآنية وما يجتنى به المعو لذلك.
مسألة
[ الشراء من مال المسجد ]
وإذا تدرك بمال المسجد فحكم ماله العمارة وإذا ضرب الوكيل ضرب وأمر بعض الجماعة بشراء شيء مما أوصى به للتفريق فاشتروا وفرقوا ميزوا سهمه جاز له أخذ سهمه ولو لم يلي ذلك بنفسه إذا كان المأمور ثقة وجائز تفضيل الأفضل في التفرقة وقيل: يساوي بينهم الأول أصح.
مسألة
[ توسعة باب المسجد ]
وإذا قبل قال وكيل المسجد يك بشيء من الحساب على أحدهما للآخر فإذا كان نية الوكيل إنفاذ ذلك الثاني قوراً في إصلاح المسجد جاز له أخذه
بنفسه وإن نوى إخلاطهن في دراهم غيرهن فالأصح أن يقبضها ثقة وجائز للجماعة يوسع باب المسجد من أموالهم إذا كان صنكاً على نظر الصلاح.
مسألة
[ إصلاح ما زاد على المسجد ]
واختلفوا في إصلاح ما زيد في المسجد فقول هو من مال من رادها
وقول يجوز إصلاحها من النشب المسجد وإن أوصى بشيء أو أقر على
رأي الجماعة جاز عمار الزيادة منه وإذا كانت الزيادة خارجة من أرض المسجد ففي أكل ما أوصى به للفطور والهجور والتفريق اختلاف والأصح
أنها تنفذ في غير الزيادة.
مسألة
[ بناء المسجد وإصلاحه ]
وإذا كان أكثر جدر المسجد منهدة أو منفذة وسناطونية عاطلة وبعضها سالماً غير مخوف في الظاهرة وإنما بني الأكثر وبقي الأقل لم يكن البناء
حسناً وربماً الوضاع من بعد لاحتاج لحمه غرامة فجائز هذه وبناءه على نظر الصلاح للمسجد إذا كان في هذه صلاح ينمو على تركه.
مسألة (10/59)
صفحة 1435
[ توسعة بناء المسجد ]
وإذا كان المسجد واسعاً وصرحة ضنكاً فانهد ورأى الجماعة توسيع الصرح في أرض المسجد جاز على نظر الصلاح وإذا نافت باسقة مسجد
على مال مسجد غيره ووكيل المسجدين واحد أو اثنان فإن وجد الحاكم رفع الأمر إليه وإلا فالجماعة وإن تعذر ذا وذا جاز له صرف ما جاز صرفه بنفسه.
مسألة
[ إصلاح النهر ]
وإذا قعد الوكيل ماء المسجد لبرهة فكبس النهر منهل ولم ينصر الماء كله فلا غير للمقتعد إذا حصل له نفع من الماء ولو نقص عن كيفيته أيان
الاستئجار والكبس الجم فإزالته على رب المال إلا ما كان حكمه شحباً فهو على المعتقد المنتفع بالماء وإن لم يكن للمسجد الجامع مال وجب عماره على من تلزمه صلاة الجماعة من رجل بالغ وقيل: على رب التروة خاصة إلا
العيلة على بيت المال وأما مساجد الحلة فلا على الأصح.
مسألة
[ شرط المستطني على وكيل المسجد ]
وإذا شرط المستطني على وكيل المسجد إن أتت آفة على ثمرة النخل فلي دراهمي ثبت الشرط والمسلمون على شروطهم وقيل: إنه شرط باطل
وتنتقض الطناء.
مسألة
[ الوصية بالماء والشرب ]
ومن أوصى بوصية للماء للشرب في المسجد وتعذر حصول الإناء جاز شراء الإناء منه وإذا عزل الوكيل وأقيم سواه جاز قبوله قول في إجراء سننه
كان ثقة أو غير ثقة إلا أن يصح خلاف ما قال إذا كان المال في يده وإلا فلا من طريق الحكم وأما من طريق العرف والعادة وسبيل الاطمئانة فجائز إذا
لم تعارضه حجة حق تمنعه على بعض القول.
مسألة
[ مقدار حريم النخلة ]
وإذا كان لمسجد نخلة في مال المسجد آخر شاء وكيل المسجد أن يغرس
له غرساً فإن فسح عن النخلة ستة أذرع جاز له الغرس وإن ترك الأشياء
كما كانت فهو أسلم وغرس مكان النخلة نخلة.
مسألة
[ تصرف الوكيل بعد موت الموصي ]
وإذا أوصى موص بحق للمسجد فمات الوصي بعد مدة وترك أيتاماً فللوكيل القيام فيها ما لم تصح أنها منفردة وإذا أوصى موص بنخلة لمسجد (10/60)
صفحة 1436
أو غيره فمات الوصي بعد مدة يمكن فيها إنفاذ الوصية فحكمها منفوذة
حتى يصح خلاف ذلك فإن صح فعلى الورثة إنفاذها مما ورثوه من مال الموصي إذا كانوا ممن يملك أمره وإلا فليحمل الحاكم من يقوم بإنفاذها
وعلى الورثة كل بما ينو به على قدر ميراثه.
مسألة
[ تصرفات الوكيل بعد العزل ]
ولا يجوز للوكيل بعد الغزل أن يقبضه أحداً شيئاً من مال المسجد إلا
على وجه الرسالة إذا كان ثقة أميناً على قول وإذا استأجر الوكيل من سرج
في المسجد فصار إذا أتى بالنار تركها حتى يفرغ الجماعة من الصلاة أخذها غيره فعلق بها السراج هل يستحق الأجير الأجرة تامة؟ فنعم إذا لم يقصر
الأجير وإنما سرج من سراج متطوعاً.
مسألة
[ حكم البناء بجوار المسجد ]
وإذا رام جار المسجد ترفيع بناء بإزاء المسجد لذلك حد في قرب المسافة وبعدها قيل: إن ذلك يكون بالنظر من ذوي العلم والبصر والمعرفة بالضرر وقول حتى يساوي بناؤه بناء المسجد في العلو فإن كان بينه وبين المسجد
فرجة قاس تلك الفرجة وزادها في بنيانه وهذا أصح القولين.
مسألة
[ حكم الاستئجار على المسجد ]
وإذا استأجر وكيل المسجد من يحضر على نخل المسجد بنصف غلتها فدخل في العمل وقضى بعضه وتهاون عن بعضه أو نسي ثم إن الثمرة توت بخراب دواب هل يضمن الأجير ما توى؟ فإذا قصر عن حفظ أمانته مع استطاعته لحفظه ولم يف بشرطه فهو آثم ضامن وتقوم عليه الثمرة بأفضل القيمتين على الأصح.
النهج الحادي و العشرون
في الدعاوي
والأحكام و أشبه ذلك
النهج الحادي والعشرون
في الدعاوي و الأحكام و أشبه ذلك
مسألة
[ حكم الإقرار في غير مجلس الحكم ]
عن الشيخ الفقيه القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان رحمه
الله وإذا حضر الحاكم مدع ومدعى عليه فاستعجل قبل أن يجلسهما ويستنطقهما فادعى المدعي وأقر المدعى عليه وإن أقر في غيبة خصمه فإن الحاكم يحكم على المقر إذا أقر إذا كان ذلك في مجلس الحكم وأما إذا أقر (10/61)
صفحة 1437
عند الحاكم في سوى مجلس الحكم ففي ثبوت الحكم عليه فيه اختلاف
والأصح إثباته.
مسألة
[ حكم بيع الخيار المتعاقب ]
ومن باع ماله خياراً ثم باعه أيضاً خياراً ثم مات المتبايعان فطلب ورثة المشتري إلى الحاكم حقهم من ورثة البائع أيحكم لهم به أم لا ففي ذلك اختلاف والأصح إذا علم المشتري الأول بالبيع الثاني ولم يغير فليس
لورثته حجة.
مسألة
[ أثر الادعاء في القضية ]
وإذا ادعى حاكم ليحكم في نهر تشاجر أربابه فيه ووجده الحاكم قد ساخ على أرض وادعى الخصم أن هناك ساقية محدوثة وليس هو من قبل
يتركه بحاله ولو صح أنه محدوث هناك إذا لم تكن تلك البقعة ملك لأحد
وإنما ادعى الخصم الضرر.
مسألة
[ الادعاء بأن الحق أقل من حقه ]
ومن له حق على آخر فطالبه فقال له هذه حقك خذ الادعاء بأن الحق أقل من حقه فأخذه وغاب به وآب وادعى أن الدراهم دون حقه فإن أخذ الحق على وجه التصديق له فلا يقبل أقر له أنها دون حقه على قول وإن لم
يأخذها منه على وجه التصديق فله الرجعة إذا ادعى أنها قصرت عن حقه
وله القول في ذلك.
مسألة
[ من صور الإقرار ]
ومن له حق على أحد فأحاله وأقر به الآخر والحق في صحة فطلب المال
له والمقر بالحق الحق ممن عليه أصل الحق إن أقر لمقر أو المحيل أنه قد قبض
الحق من المحال عليه غرم الحق عليه ليسلمه المحال عليه للمحال له وإن كان
المقر أو المحيل يقر أن الحق على المحال عليه على ما أقر به وحكم الحاكم
بتسليم الحق على المحال عليه فإن الآلية على المقر أو المحيل أن الحق الذي على فلان هو عليه ولا قبضه منه إلى أن أحاله وأقر به وأما إن رد الألية المقر أو المحيل على من عليه الحق كلف أن هذا الحق الذي حاله أو أقر به فلان ليس
هو عليه لفلان ولا لفلان أعني المقر والمقر له الحق وإن رام المحال عليه أو المقر يميناً من المقر له حلف ما يعلم أنه فلاناً أقر له بباطل.
مسألة
[ الإقرار عند الحاكم ] (10/62)
صفحة 1438
ومن عليه حقوق فلما طولب بها عند أولي الأمر أقر بجميع ماله لعرسه بمهرها الآجل قبل أن يحكم عليه الحاكم لديانة ففي ذلك اختلاف قول:
إذا رفع إليه ديانة عند الحاكم منع من التصرف في ماله والأصح حتى يحجر عليه الحاكم التصرف في ماله.
مسألة
[ الوكالة في الادعاء ]
ومن بيده وكالة من أحد فيما يجوز له أن يوكله فيه من جميع الأشياء وادعى حقاً لموكله وأقر المدعى عليه بالحق وادعى أنه سلمه لربّه ولم يقبل
إذعان دعواه فأراد تسليم الحق فإذا كان من له الحق حيث تناله الحجة فيسأل فإن أقر بقبض الحق هدر عن المطلوب وإن أنكر وطلب يمينه فعليه اليمين
وإن كانت لا تناله الحجة جبر من عليه الحق على تسليمه للوكيل وله حجته على رب الحق.
ومن ادعى على امرأة حقاً فأنكرته وطلب الرفعان منها وأرادت أن توكل وكيلاً يحاكم عنها فأبى إلا نفسها حكم عليها بالموافاة إذا لم ير الحاكم أن
نيته الضرر بها.
مسألة
[ ثبوت الشيء بالشهرة ]
ومن زرع أرضاً وادعى لها ملكاً ثم شهدت بها شهرة أنها لبيت المال
وقبلها وقال الذي حاز الأرض وسلم أجرتها لبيت المال ثم بعد خلو برهة
أراد زرع الأرض بالأجرة كما سبق فادعى فيها مدع أن له فيها حصة
والحائز الأول مقر أنها لبيت المال فالقول قول الزارع للأرض أنها لبيت المال لأن الزارع ذا يد بزراعته وعلى المدعي البينة العادلة.
مسألة
[ حكم إنكار الدعوى ]
وإذا كتب زيد لعمرو حقاً وكتب وقد أرهنه سيفه الحديد بحقه هذا رهناً مقبوضاً فلما حل الأجل أنكر من له الحق بالسيف وقال إنه لم يقبضه منه فمن القول قوله فعلى رب السيف البينة أنه قبضه من له الحق وعلى المنكر اليمين.
مسألة
[ الحكم بالشهرة والسماع ]
وإذا اشتهر في الدار أن بيت الصانع الفلاني سرق منه متاعه وصح ذلك بنقب جدار أو كسر باب وهو ممن يصنع بالأجرة كالصايغ والحائل
وغيرهما فإذا عان ما عنده للناس سرق هل يقبل قوله أم لا؟ فلا يقبل قوله (10/63)
صفحة 1439
إلا بالبينة أن الشيء الفلاني سرق على الأصح ولو صحت الأسباب كنقب جدار أو كسر باب.
مسألة
[ أثر الاتفاق على الأجرة والصنعة ثم الاختلاف ]
وإذا قال أحد للصانع اصنع لي كذا وكذا واتفقا على الأجرة فلما تم العمل أنكر المصنوع له قبوله وادعى أنه ليس كالشرط فهذا ومثله تدخله الجهالة وإذا كان الصانع تلف عليه شيء من أجل هذه الصناعة فعلى من
أمره نقصان ما ضاع عليه من سببه.
مسألة
[ الترافع أمام القاضي ]
وإذا ترافع اثنان إلى الحاكم في خصومة فطلب من له الحق الرفعان إلى القاضي وادعى الخصم أن له عليه وأنه ذو إقتار ويشق عليه الخروج فإذا
طلب من له الحق ذلك فعلى من عليه الحق الانقياد فإذا تعذر عليه الخروج بنفسه وكل من يقوم بحجته.
مسألة
[ كيفية قسم اليهودي والنصراني والمجوسي ]
وإذا ادعى متخف على ذي ذمة وثني حقاً فأنكره ورام يمينه فأما اليهودي فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو منزل التوراة على موسى بن عمران عليه
السلام وأرسله إلى بني إسرائيل رسولاًَ وأما النصراني فلا يقول الذي لا إله
إلا هو لأنهم يقولون أن مع الله إلهاً آخر وإنما يحلف بالله منزلاً الإنجيل على عيسى بن مريم عليه السلام ويحلف المجوس بالله فاعل ورب النار الذي
يوقدونها وقيل: إن رب الشركة يحلفون بالله إذا وجبت عليهم الإيمان ولا
شيء أعظم منه وقيل: إنهم يحلفون بالبراءة من دينهم.
مسألة
[ جعل الزوجة وصية على أولادها ]
عن الشيخ الفقيه القاضي صالح بن سعيد بن مسعود الزاملي(1) رحمه
الله ومن مات وترك أيتاماً وزوجة وجعل زوجته وصيته هل لها أن تحاكم
في نشب الأيتام فإذا كانوا أولادها فلها أن تخاصم في نشبهم ويسمع
__________
(1) 1- القاضي صالح بن سعيد بن مسعود الزاملي المعولي العقري النْزوي عالم جليل
وعارف من الذين يشار إليهم بالبنان، كان أحد العاقدين للإمام ناصر بن مرشد
الإمامة، له غيرة على حرمات الله، انظر نزوى عبر الأيام ص157. (10/64)
صفحة 1440
الحاكم دعواها لهم على الخصم وإذا اجتمع قوم على حفر نهر التقطوه في فيفات فحفروا بعضه وتخلف منهم من تخلف هل للحاكم جبر من تخلف ليستقيم في عمله أو تطيب نفسه من عمله فلا يعجبني للحاكم أن يجبر
على خدمة مثل هذا النهر والسلامة منه أسلم. ومن ادعى على آخر أنه اعتراض دابته من الفلاة وأنه حمل عليها أو تسنمها فلم تصله وأقر المدعى
عليه بذلك إلا أنه ادعى أطلقها وهي صحيحة فعليه ثمن الدابة كلها إذا أقر بأخذها واستعمالها حتى يأتي بصحة أنه تخلص منها بما يبرئه عند المسلمين.
مسألة
[ حكم استغلال النهر ]
وإذا كانت الأرض على شريعة نهر يرده الواردون هل لربها أن يبطلها ويعمرها إذا أبا عليه أرباباً النهر أن مثل هذا يحتاج إلى نظم فإن كانت
الأرض ملكاً له جاز له أن يفعل فيها ما شاء فإذا لم يتتالد بفعله مضرة على النهر وإن كان مواتاً تركت كما كانت لمنافع أهل النهر.
مسألة
[ استغلال الأنهر وعلى من يعود النقض ]
وإذا كان بين النهرين أقل من خمسمائة ذراع ونقص ماء الأعلا وكان
من سنتهم إذا نقص الماء غربوه على أموالهم ويدكون على النازف مثلاً
ثلاثة أنفس وازدادوا تعظيم الدلو وإن يدركوا على النازف خمسة أنفس
هل لهم ذلك إذا أنكر عليهم أرباب النهر الأسفل فإذا كانت لهم سنة فعلى سنتهم ولو كانت بين النهرين فوق خمسمائة ذراع وإذا ادعى أرباب النْزف
أن لهم تعظيم الدلو للنْزف وإن لهم أن يجعلوا ما أرادوا أن يذكوا على
النازف فمن القول قوله إذا أنكر خصمهم فإذا كان بين الفلجين أكثر من خمسمائة ذراع فالقول قول أهل النزف وإن كان دون ذلك فعلهيم البينة أن لهم ما ادعوا.
مسألة
[ حكم العجز عن تسديد رهن العارية ]
ومن استعار عارية فأرهنها فلما طلبها إليه ربها ادعى الإعدام عن فكها
هل لرب العارية أخذها من المرتهن أم لا؟ فليس له أخذها إلا أن تشهد البينة العادلة أنها له وقول: الرهن لا يقبل على المرتهن بعد أن أرهنه وإنما حجته
على المستعير. (10/65)
صفحة 1441
مسألة
[ محاكمة الوكيل وكان الخصم امرأة ]
وإذا كره الخصم محاكمة الوكيل ورام إحضار خصمه وكان خصمه
امرأة حاضرة البلد فأعلم أن النساء تقبل منهن الوكالة حضرن أو غبن وإذا وجبت عليهن اليمين فلا بد من تحليفهن وليس على الوكيل يمين.
مسألة
[ المشاركة في الحرث ]
ومن شارك آخر على زراعة على أن على أحدهما الدابة وعلى الآخر المئونة فماتت الدابة أو باعها بعد أن دخلا في العمل ما يلزمه فإن وقعت الشركة على دابة محدودة فماتت فلا حجة عليه وليس له بيعها وإلا فعليه
شراء غيرها.
مسألة
[ صورة من الزجر ]
مما تقوم بزجر الزرع فإن امتنع عوقب وإن تبرى من الزرع فلا حجة عليه.
مسألة
[ ادعاء القرض وادعى الآخر أمانة ]
ومن ادعى قرضاً على آخر وادعى الآخر أنها أمانة ففي ذلك
اختلاف، قول: إن القول لمدعي القرض وهو الأرجح وقول: إن القول
قول مدعي الأمانة.
مسألة
[ إقرار الحق للمسجد ]
ومن ادعى حقاً على آخر لمسجد فأقر المدعى عليه بالحق للمسجد فإذا كان الطالب ثقة حكم على من عليه الحق بتسليمه إليه وإلا فلا يحكم
بتسليم مال المسجد إلى غير ثقة.
مسألة
[ اختلاف الدعوى ]
ومن ادعى على آخر بورقة عليه له فيها حق وأنه قضاه إياه بشيء من العروض فقال من له الحق: ذلك أرهنته عندي والحق الذي فيه الورقة باق
عليك فما أقر به من العروض مرجوع على ربه ولرب الورثة ما في ورقته
ولا يقبل قوله أن له حقاً غير في الورقة.
مسألة
[ الخلاف في الإقرار بين البيع والقرض ]
ومن ادعى على آخر حقاً فأقر به إلا أنه قرضاً والمدعي يدعي أنه ثمن
مبيع فالقول قول من يدعي القرض وعلى من أقر بالمبيع رد المباع إلى ربّه ولا يقبل قوله أنه أباعه شيئاً بالحق.
مسألة
[ هل يجوز أخذ حقه من عند سارقه ]
ومن سرقت له دابة فرآها عند أحد فأراد أخذها فادعى أن من بيده أنه اشتراها من فلان مدعي الدابة البينة أنها دابته وإلا خرجت من ملكه إلا (10/66)
صفحة 1442
لسبيل السرقة وعلى المشتري الإلية إن طلبت منه ويمينه أنه اشترى هذه
الدابة ولا لهذا المدعي فيها حقاً.
مسألة
[ أثر نكح الدابة على الدابة ]
ومن ادعى على آخر أنه نكح دابته حمارته وأنه رأى نظر العين أيجوز له استعمالها وأكل ثمنها فعن الشيخ خلف بن سنان الغافري في ذلك
اختلاف قول يجوز استعمالها وأمره إلى الله وعلى قول من يقول لا يجيز استعمالها ولا أكل ثمنها يضمنه إن أقر وصح عليه بالبينة وإلا فيمينه إذا
أنكر ولفظ اليمين هو أن يحلف يميناً بالله أن ما على هذا المدعى حقاً من
قبل ما ادعاه على من أني نكحت حمارته.
مسألة
[ نوع من الإقرار ]
ومن ادعى على آخر أنه أباعه مالاً خياراً أو ادعى من بيده المبيع أنه قطعا وهو لغيري لا لي فالقول قول من يدعي القطع وإن رام يمينه حلف لقد
أقررت لفلان بهذا المال ولا أعلم لهذا المدعي فيه حقاً.
مسألة
[ استعمل آلة فعطبت ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي النْزوي رحمه الله ومن استأجر آلة ليعمل بها عملاً فعطبت أو شيء منها فادعى رب الآلة أنه تعمد لتصنيعها وادعى المستأجر أنها عطبت من غير اختياره فالقول قول المستأجر مع يمينه وعلى رب الآلة البينة أنه تعمد إتلاف آلته.
مسألة
[ أثر عطب آلة الصناعة ]
ومن استأجر آلة صناعة فعطبت فلربها أجرتها بالحساب لما مضى وهي أجرة منتقضة على بعض القول.
مسألة
[ نوع من المخاصمة ]
ومن ادعى مالاً تخاصم خصم فقره في الحكم بإقامة بينة فلما انقطع
الحاكم ادعى ولده المال دون أبيه ورام الحكم الأول فليس له ذلك لأن
محاكمته قد انقطعت وانصرت حجته الولد والوالد في هذا مخالف
للأجنبي وإن كان الطالب لنقض الأحكام أجنبي حاصر يسمع الدعوى بين المتداعين في المال ولا ينكر عليهما فلا حجة له أيضاً وإن كان غائباً فقدم
فله حجته.
مسألة
[ حكم أجرة الحلي ] (10/67)
صفحة 1443
عن الشيخ صالح بن خميس ومن ادعى حقاً على آخر من قبل أجرة حلي أيدعى خصمه لموافاته أم لا؟ ففي أجرة الحلي اختلاف فأجازها بعضهم وأبا جوازها آخرون وأما الثياب فقعادتها جائزة.
مسألة
[ حكم ادعاء الحق من قبل الهالك ]
ومن ادعى حقاً على آخر من قبل هالك وأنكر المدعى عليه فإن كان الهالك خلف مالاً ومدعي الحق لا بينة له فله على ورثة الهالك يمين أنهم لا يعلمون أن على هالكهم حقاً وإلا فلا يمين عليهم وإن ادعى أنه خلف مالاً
وإن أنكر وأحلفوا ما يعلمون أن هالكهم خلف مالاً يقضي هذا الحق.
مسألة
[ حكم ما نبت من غير زرع ]
ومن اجتث خلا غير مزروع ولا من محصون فلا ضمان عليه وجائز
أخذ الخلاص من الأرض المغتصبة إذا نبت من غير أن يزرع.
مسألة
[ ادعاء وكيل المسجد ]
وإذا ادعى أحد أنه وكيل مسجد أو نهر أو ذي يتم وادعى حقاً لذلك المسجد أو النهر أو ذي اليتم استمع دعواه ويدعا خصمه لموافاته فنعم دعواه مسموعة وجائز للحاكم أن يدعو المدعى عليه للموافات للحق إذا كان
مدعي الوكالة ثقة.
مسألة
[ حكم تحليف المنكر ]
ومن وكيل(1) من لا يملك أمره وادعى على أحد حقاً لمن هو وكيله فإذا صحت الوكالة والحق بالبينة وكان الوكيل ثقة جاز لمن ولي الأحكام أن
يحكم عليه بتسليم الحق فإن أنكر فليس له تحليفه خوف ذهاب المال.
مسألة
[ نوع من الدعاوي ]
وإذا كان النهر لا يكتب المسلمون فيه وأراد أحد الشركاء القيام من شركائه أو بياديره(2) في حصصهم أتسمع دعواه ويدخل الحاكم فيه؟ فنعم يقال له سلم ما عليك لفلان ولا يذكر من كذا ولا يذر الناس بضار بعضهم بعضاً وإذا غير الوكيل من بيع مال من وكله وأتى بلفظ الغير وصح له
__________
(1) 1- هكذا في الأصل: والأصح من وكل.
(2) 1- هكذا في الأصل: وهم أصحاب الحصص أو ما يعرف بأصحاب الأسهم في عصرنا
الحاضر، والله أعلم. (10/68)
صفحة 1444
وادعى البائع أن المشتري رضي بالمال واستغله وأنكر الوكيل ذلك فإذا طلق الموكل للموكل الوكالة فدعواه مسموعة وغيره ثابت ولم يبطله ما يبطل
الغير من البيع المنتقض كالموت والإتلاف وأما دعوى البائع أن المشتري
راض بالبيع بغير حجة وعليه رد الثمن فإن كان المشتري حيث تبلغه الحجة أجل بقدر ما يعلم قول المشتري ورضاه بالمال وإلا أمضى الحاكم الحكم واستثنى للغائب حجته.
مسألة
[ ما يعطى للفقراء ]
ومن كان مديون وله مال لم يبلغ ثمناً ومشتبه هل يحكم عليه بيعه وهل يستحق هذا مما جعل للفقراء فإن كان يجوز المال ويمنعه ويدعيه ملكاً ولم
يصح باطل حوزه ودعواه فكل أولى بمال في يده ويؤخذ بما يوجب عليه
ويختال لنفسه ولا يعطى مما للفقراء إذا كان غنياً بماله ذلك.
مسألة
[ أثر شهادة الشهرة لثبوت النسب ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: وإذا ادعت المرأة أن
لها ولداً من زوجها فلان وتريد النفقة له وأنكر الرجل الولد أيحكم عليه بشهادة الشهرة أم لا؟ فإذا قضت الشهرة عند الخاص والعام أن فلانة زوجة فلان وأنها أتت بهذا الولد وهي عنده في حكم الزوجية فالولد له وإن
عجزت البينة فعليه اليمين بالله ما عليه لهذا الولد نفقة حق ولا كسوة وإن
كان طفلاً يرضع فيحلف ما عليه لهذه المرأة من قبل ربابة هذا الولد.
مسألة
[ على ماذا يدل الزرع ]
وإذا تداعى اثنان في أرض فشهدت البينة لأحدهما أنا زرعنا هذه الأرض من يد فلان بالأجرة ولم ندر لمن أصلها فإن كانوا عدولاً فحكم الأرض لمن زرعها من يده لأن الزرع يد على الأرجح وأما غير العدول فلا يحكم بشهادتهم إلا أن يشهدوا بالجواز والمنع وأما شهادة القطع منهم فهدر ولا كرامة لهم وبين الشهادتين بون.
مسألة
[ قسمة المال بين الورثة ]
وإذا شهد القاسمون أنا قسمنا هذا المال بين ورثة فلان وأنكر الورثة ذلك هدرت شهادتهم لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم حتى يشهدوا أن ورثة (10/69)
صفحة 1445
فلان قسموا مالهم ولا يشهدوا أنا قسمناه بينهم وإن كان القاسمون يحكم الحاكم فإن للحاكم قبل شهادتهم وأما الحاكم إذا قال قد حكمت لفلان
قبل قوله ولو كان من فعل نفسه.
وكذلك الولي على ما عقد من نكاح امرأة هو وليها فقوله مقبول أنه زوج فلاناً بفلانة إذا كان عدلاً مع غير عدل غيره.
وإذا رفعت المرأة أن زوجها غائب عنها ولم يترك لها نفقة فعليها أن تأتي ببينة تشهد لها أنها فلانة بنت فلان زوجة الغائب فلان ابن فلان لا نعلم
أنها خرجت منه بطلاق ولا وجه من وجوه الفراق وتكون الشهادة بمحضر المرأة والشهود عدولاً.
مسألة
[ إثبات الحكم بالشهادة ]
وإذا شهدت البينة العادلة أن هذه المرأة زوجة فلان وأنه ضرب عنها ولم يترك لها ما تمتان به أمرها الحاكم أن تدان وتنفق على نفسها فإذا اجتمع لها حق على زوجها دعاها بالشهود على معرفة نشبه وسبده وباع لها منه
وقضاها حقها.
مسألة
[ عدم حكم الحاكم بشهادة الشهرة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: ولا يحكم الحاكم بشهادة
الشهرة في الحقوق والأموال بل تقبل في الحوز والادعاء والنسب
والموت إذا لم تدفعها شهرة وأما في الزوجة والميراث ففيها اختلاف
والأصح أنها مردودة.
مسألة
[ شهادة الشاهد بالشهرة ]
وأما خلا الشهادة التي يجوز للشاهد أن يشهد بشهادة من شهد عنده
إذا ارتفع من قلبه الريب واطمأن وانشرح صدره ولم يعارضه شك
وسعه ذلك.
مسألة
[ حكم ضرر الدابة ]
ومن ادعى على آخر دابته خربت حرثه فإذا أنكر حلف أنه لا يعلم أن دابته خربت لهذا المدعي خراباً يلزمه فيه غرم وإن أقر وصحت البينة والحجة غرم له والقول قول الغارم مع البينة وقول: يوم الخراب وقول: يوم الدراك وقول: أفضل القيمتين.
مسألة
[ صفة اليمين ]
وأما صفة اليمين التي لا راد فيها فإذا اشترى أحد شيئاً من الخضرة
كالفت والعلف وأشباه ذلك بثمن ثم باع المشتري منه شيئاً فغير منه فالقول (10/70)
صفحة 1446
له أنه ما باع إلا كذا وعليه الإلية إن طلبها البائع ولا رد هنا على البائع عليه لأنه جاهل بما باعه المشتري.
مسألة
[ القول قول الأمين مع يمينه ]
وإذا استأجر من أحد لأحد أمانة ثم مات المؤمن فطلب ورثته الأمانة فالقول قول الأمين كذا مع يمينه إن راموها على بعض الآراء إن لم يكن ثقة وليس له رد اليمين على الورثة.
مسألة
[ التوكيل في قبض الحق ]
ومن وكل في قبض حق لموكله من بيع أو غلة فلا رد في مثل هذا وإذا وكل قوم إصلاح نهر فاتهموه على ما لهم واستيقنوا خيانته حلفوه ولا رد
له عليهم إذ هم لا يعلمون كنفيه خيانته.
مسألة
[ الادعاء بالضمان ]
ومن ادعى على آخر أنه ضمن له بحق عن زيد فأقر المدعى عليه بالضمانة وادعى أنه ضمن عن ضارب قد جاوز بما أوجب داويه يمها أو منكر حقه فالضمانة على الغائب هدر إذا لم يأمره أن يضمن عنه.
مسألة
[ اليمين على من يتهم بالخيانة ]
وإذا رفع الموصي الألية عن وصيه والوصي غير عدل فادعى عليه الورثة
بخيانته فيما خلفه الهالك ففي الألية اختلاف والأصح إذا كان عدلاً فلا
يمين عليه وغير العدل فعليه الألية.
مسألة
[ ادعاء القن بالتحرير ]
عن الشيخ الفقيه ناصر بن خميس بن علي: وإذا ادعى القن على ربه التحرير وأنكر المولى فوجبت عليه اليمين فردها على القن حلف واشترط
عليه الحاكم أن يمينه عتقه فإن رضي المولى وحلفه عتق.
مسألة
[ الادعاء على آخر أنه مملوك ]
وإذا ادعى زيد على عمرو أنه مملوك فأنكر عمرو الرق فطلب يمينه فلا يمين في مثل هذا.
مسألة
[ حكم من باع ماله وعليه حقوق للآخرين ]
ومن باع ماله وعليه حقوق تستغرقه واتهمه الديان أنه الحامل ماله بغير حق فلهم عليه اليمين أنه ما ألجأ ماله عنهم بغير حق وكذلك على المشتري
أو المقرور لهم.
مسألة
[ من اتهم بالقتل وانتظار اليتيم ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن اتهم بقتل أحد (10/71)
صفحة 1447
تهمة نشبه اليقين وللمقتول ولد يتيم العصبة فاليمين على المتهم أنه ما قتله أم
لا حتى يبلغ اليتيم لأن المتهم يرث المقتول لولا القتل ففي ذلك اختلاف
قول: إن العصبة عليهم انتظار بلوغ اليتيم وقول: لا انتظار عليهم.
مسألة
[ الادعاء بغير بينة ]
ومن ادعى على آخر أنه ولج سربه بغير رأيه وأنكر الآخر وطلب يمينه فليس في هذا يمين على الأصح والمعمول به وإنما مثل هذا يدعى بالبينات.
مسألة
[ حتى لا يبطل اليمين حجة ]
ومن ادعى على آخر حقاً فأنكره وطلب يمينه فحلف وذلك في غير
محضر الحاكم فالأصح إذا لم يحلفه حاكم أو رجل رضيا حكماً بينهما
وإلا فهذه اليمين لا يبطل حجة المدعي ولو أقر أنه حلفه.
مسألة
[ من صور الادعاء بالحلف ]
وإذا ادعى زيد على عمرو حقاً فأنكره فرام إليته فادعى أنه قد حلفه له
الحاكم أو رجل رضياه فأنكره الطالب أنه ما حلفه فإنه يحلف بالله أنه ما
حلفه له حاكم ولا رجل رضياه حكماً بينهما.
مسألة
[ الادعاء على الزوج من الزوجة ]
وإذا ادعت الزوجة أن زوجها باشرها في نفاسها عمداً فأنكر فحلف أني ما وطأتها عمداً في نفاسها بفتح الطاء فهذا يمين كافية على بعض الآراء لأن فيها لغة والأصح بكسر الطاء والتوثق أولى في الأحكام سيما في الفروج
لأن أمرها عظيم وخطرها جسيم.
مسألة
[ حكم الادعاء على الميت وإنكار الوارث ]
عن الشيخ الوالي عامر بن محمد بن مسعود: ومن مات وعليه حقوق
في أوراق فلما طلب أهل الحقوق حقوقهم ادعى الوارث أن ليس على
الهالك من هذا الحق إلا بعضه وبعض أربى عليه فهذه دعوى غير مسموعة
ولا يمين في مثل هذا على الأصح لأن الهالك مات وماتت حجته وأما
دعواه أن ليس على الهالك إلا بعض الحق فللورثة اليمين على طالب فيها
بما عن إقرارهم.
مسألة
[ أثر الادعاء بمبادلة الدابة مع الإنكار ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة ومن ادعى على آخر أنه بادله (10/72)
صفحة 1448
دابة فأنكر خصمه فرام البينة حلفه يميناً بالله أنه ما بداله بدابة وأخذ
عواضها منه.
مسألة
[ حكم اليمين على القبر ]
ومن أراد يمين خصمه على مسجد أو قبر أيجاب أم لا فاليمين بالله تعالى على المسجد والقبور وأما إذا عظمت العصية وإلى نظر الخصم والحاكم إلى ذلك فلا يتعرى من الجواز أن يحلف يميناً على قبر أو مسجد ولفظ اليمين
أن يقول والله الذي لا إله إلا هو العزيز المقتدر ماحي الآثار وباتر الأعمار وقاصم الجبابرة ومدمر الفراعنة والأكاسرة الذي يأخذ من حلف باسمه
أخذ عزيز مقتدر أن ما علي لفلان هذا كذا وكذا وإن كنت حانثاً في يمين
هذا فينتقم الله من الحانثين بنكال الدنيا وعذاب الآخرة.
مسألة
[ الاختلاف بين الإعارة والرهن ]
وإذا ادعى مدع ومدعى عليه أنه أعاره بعض الحلي وادعى الآخر أنه أمره أن يرهنها له فهذا إقرار من المدعي والقول قول من ادعى العارية على
الأصح والأرجح وهو رأي القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان
رحمه الله.
مسألة
[ نوع من الدعاوي بالباسقات ]
وهل للحاكم أن يحكم بالقياس بين الباسقات إذا لم تكن الأرض من المعمورات إذا لم يصح معه أن هذا المال واحد من قبل فالحاكم لا يحكم إلا بالصحة والبيان.
مسألة
[ صورة من اختلاف الشركاء ]
وإذا تداعى شريكان في مال يشرب في مال واحد فادعى أحدهما أن مال شريكه لا يشرب ومن هذا المال بسبل المنحة وادعى الآخر الأصل فأراد يمين فعن الشيخ مسعود بن رمضان عليه يمين قطع ودعوى الشريك المنحة هدر
إذا أدرك لمال يشرب من هذا الماء ويدعى(1)
__________
(1) 1- كيفية كتابة الألف في أواخر الأفعال: في النص نرى النساخ يخطئون في كتابة
الأفعال الثلاثية المعتلة لذلك رأيت أن أدون القاعدة:
أ- ترسم لام الفعل الثلاثي ألفاً ممدودة إذا كانت منقلبة عن واو.
ب- ترسم ألفاً مقصورة إذا كانت منقلبة عن ياء.
ج- تعرف أصل لام الفعل الثلاثي بتحويل الماضي إلى مضارع أو بإسناده إلى ضمائر
الرفع المتصلة، أو بالرجوع إلى مصدر الفعل... والله أعلم.
الأمثلة:…د عا يدعو…علا يعلو…غدا يغدو
دعا دعوت…علا علوت…غدا غدوت.
دعا دعوا…علا علوا…غدا غدوا.
طوى يطوي…سعى يسعى…حوي يحوي.
طوى طويت…سعى سعيت…حوى حويت.
طوى طياً…سعى سعياً…حوى حواية. (10/73)
صفحة 1449
بالبينة.
مسألة
[ حكم الاستفادة من مال الهالك ]
وأما من أتم نخلة من مال هالك برهاً ويدعي أنها عنده بيع خيار ثم أراد الورثة منعه أو يحضر صحته أو بينته فأعجزها هل عليه رد ما استغل فإذا لم يأت على دعواه بصك كانت أو بينة ممن منزلته على المراتب فعليه ترك
النخلة ورد غلتها.
مسألة
[ قبول قول الأجير مع يمينه ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: إن قول الأجير مقبول مع يمينه فيما استؤجر عليه من حاج أو غيره إلا أن يدعي شيئاً لا يمكن أنه فعله فلا يقبل فيما لا يمكن ما لم يشترط عليه الإشهاد إذا مضى من الزمان بقدر ما يستطيع فعل
ما استؤجر عليه إلا أن يصح غير ما قال.
مسألة
[ الإثبات عن طريق الخط والكتابة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: وإذا اشترى مشتر مالاً من آخر وكتب له صحة البيع بخط جائز الكتابة لما رام حوزه عارضه أبو البائع
وادعى المال له دون شبله والشبل يدعي المال وأعجز البينة فالبيع يد للبائع وحجة له حتى يصح باطل ما ادعاه الابن.
مسألة
[ ادعاء عدم استيفاء المهر ]
ومن نكح امرأة على مهر عاجل وآجل فلما جاز ادعت أنها لم تستوف مهرها العاجل وأنكر هو ذلك فما لم يقر البعل بالصداق فالقول قوله بعد الجواز في المهر العاجل وهذا رأي الشيخ محمد بن عبد الله. وإن أقر البعل بالصداق وعلمه وادعى بعد الجواز أنه سمله ففي ذلك اختلاف فالأصح أن القول قول المرأة وعلى الزوج البينة بالتسليم.
مسألة
[ حكم الإتيان بالبينة بعد أن أقسم باليمين ]
وعن الشيخ ناصر بن خميس: ومن ادعى حقاً على آخر فأنكره فأعجز البينة فحلفه ثم يأتي ببينة تشهد له بالحق فإذا لم يهدر بينته فالبينة العادلة خير من اليمين الفاجرة وقول: إن اليمين حاسمة وحجة الخصم وليس له سواها
وقد ورد في الحديث بالحكمين عن سيد الكونين والثقلين(1)
__________
(1) 1- انظر فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - في جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 8/525-544.
وكنْز العمال 11/396-456. (10/74)
صفحة 1450
.
وإذا قال الطالب لي على فلان عشرين محمدية فضة ولم يقل عشرون بالرفع وكذا لو قال لي خمسة عشر محمدية ولم يقل خمس عشرة
وكذلك لو قال ثلاث مكائيل ولم يقل ثلاثة مكاكيل فهذه دعوى مسموعة وجائز أن يعطى مدرة لخصمه.
مسألة
[ ادعاء الأب لابنه دون وكالة ]
وإذا ادعى الأب حقاً لشبله البالغ من غير وكالة أتسمع دعواه أم لا؟ ففي ذلك اختلاف والأصح أنه لا يسمع دعواه إلا بالوكالة من شبله.
وإذا رفع الخصم على خصمه أن عليه له كذا درهما ولم يقل فضة فلا تسمع حتى يبين الفضة ومن أثبت أملاكه لزيد بحق سماه ثم بعد مدة باع أملاكه لخالد بيع قطع أو خيار ثم ضرب ومن داره هرب ولم يملك شيئاً
سواها وصح أن المال ورثه من أبيه وكان موت أبيه في أول يوم من رمضان صح بالشهرة وتاريخ الإثبات في شهر شعبان من تلك آخر السنة فحق ذي الإثبات أولى على قول من يثبت الإثبات في حياة المثبت وقول لا يثبت
والأول أصح.
مسألة
[ جواز شهادة الشهرة على الموت ]
وتجوز شهادة الشهرة على الموت وأما على الحقوق وتقديمها وتأخيرها
فلا إلا شهادة ذوي عدل وإن أعجز البينات فبينهما الأوليات.
مسألة
[ ادعاء نشوز المرأة ]
وإذا ادعى أن عرسه تمنعه نفسها في حال تجب عليها معاشرته وأنكرت دعواه فأراد يمينها فعليها له اليمين ولها ردها عليه إن أرادت.
مسألة
[ ادعاء المتحنف على الوثني ]
وإذا ادعى متحنف على وثني حقاً فأنكره أيجوز أن يقال له: إن صدقت في إنكارك فاحمل حذاك بفيك وامسك بيدك على ذنب شيء من البقر فلا يحكم عليه بذلك وإنما يحكم عليه بحكم المسلمين أهل الاستقامة في
الدين.
مسألة
[ الادعاء على الزوجة بالخيانة ]
وإذا ادعى الزوج على زوجته أنها خانته في نفسها وماله وأراد يمينها
فأما في ماله فله ذلك وأما في نفسها ففي ذلك اختلاف والأصح أن
ليس عليها(1)
__________
(1) 1- هناك باب في الفقه يعرف بأحكام اللعان، واللعان أ ن يتهم الزوج زوجته بالزنى
وليس له دليل على ذلك إلا نفسه فهنا تحل القضية عن طريق الإيمان كما ورد في
كتاب العزيز، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا
أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ
عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} سورة النور 6-9. (10/75)
صفحة 1451
.
مسألة
[ الاختلاف في تسليم الحق ]
وإذا ادعى أحد حقاً فأقر له به وادعى أنه لا يقدر على تسليمه إلا ببيع
ماله أو بيته فأراد المدعي يمينه على ما يدعي من عدله أله ذلك أم لا؟ فنعم
عليه اليمين في ذلك.
مسألة
[ مطالبة المديون وذي العيلة ]
والمديون وذو العيلة إذا فرض عليه الحاكم ما يفضل من عمل من مئونته ومن يمون وطلب الغريم أن يكون المديون التمر والحوت أيجاب إلى ذلك أم
لا؟ فله أكل مثله في ذلك الموضع ولا يحمل على الضرر.
مسألة
[ ادعاء المرأة على زوجها بالهجر ]
وإذا رفعت المرأة على زوجها تريد منه ما يجب لها وكان بلده غيرها
فأنعم وقال: إنها تصل إلي بلدي وأنفقها هل يجاب إلى ذلك؟ فإن كان لها شرط سكنى في بلدها وكان خروجها إلى ذلك الموضع برأيه ممن يجوز
رضاه فعليه أن يحضر لها ذلك وإلا فحتى تكون معه وتحتال في الوصول
لأخذ حقها منه.
مسألة
[ ادعاء عدم الإنفاق عليها ]
والزوجة المباشرة إذا رفعت على بعلها فيما يجب لها فادعى الإعدام في إحضار الكسوة وتأجل لذلك أجلاً ولزم كونها معه فأبت هل يحكم له
عليها بذلك؟ فإن كانت ناشزة عنه قبل الرفعان فلها التجبير ولا جبر عليها، وإن لم تكن ناشزة جبرت على ذلك.
مسألة
[ رسالة الوالي إلى الوالي بالادعاء ]
وإذا كتب الوالي إلى وال غيره أنه شكا عندنا فلان من فلان بحق عليه له ويريد منك الإنصاف منه أو تسليم الحق هل على الوالي قبول ذلك؟ فنعم
يجوز له إذا صح الحق مع ذلك الوالي.
مسألة
[ النفقة للمبتوتة الحامل ]
والمبتوتة إذا ادعت أن بها حملاً من مطلقها وطلبت له منه النفقة فادعى
أن لها منذ طلقها فوق السنتين وادعت هي دون السنتين وعليها هي البينة وكذلك المطلقة غير المبتوتة(1).
مسألة
[ ادعاء الحق على الهالك وكيفيته ]
ومن ادعى على هالك حقاً ورام استيفاءه من وصيه أو ورثته بخط
__________
(1) 1- غير المتبوتة: الطلاق الرجعي طلقة أولى وثانية، والطلاق البائن بينونة صغرى. (10/76)
صفحة 1452
كاتب ولفظ مستقيم وموت الهالك لم يصح إلا من قول الوصي أو الورثة
فلا يجوز إنفاذ الحق من ماله إلا بشهادة عدلين بموته وما حلفه أو بشهادة شهرة لا تدفعها شهرة.
مسألة
[ حكم لباس الزوجة ]
وإذا حضر البعل ملاءة عرسه غير مخيطة ورام كونها معه أيحكم عليها بذلك أم لا؟ فنعم يحكم بكونها معه.
مسألة
[ اشتراط الزوجة السكنى في بلد بعينه ]
وإذا ادعت الزوجة على زوجها أن لها شرط سكن في بلد معلوم فأنكر فأعجزت البينة ورامت يمينه هل عليه يمين في ذلك فلها عليه اليمين وله ردها عليها إذا ادعت أنه من شرط مهرها ولم تدع.
مسألة
[ حكم العيب في المتاع ]
وإذا كان عيب المتاع ظاهراً يعرفه الواقف عليه من دابة أو غيرها وادعى المشتري أنه لم يره أيقبل قوله أم لا؟ فنعم قوله مقبول مع يمينه إذا لم يعلمه
إذا لم يحتمل حدوثه بعد البيع.
مسألة
[ اختلاف البائع والمشتري في الفاكهة ]
وإذا نادى المنادي على أرز أو حب مغلف عليه كالمورة والقفعة وأخرج روازة للمشتري فلما باعها ادعى المشتري أن ما في المورة أوكس من
الروازة فإذا لم يصح أن ما خرج من المورة دون ما رآه فالقول قول البائع مع يمينه وإلا فالقول قول المشتري مع يمينه.
مسألة
[ متى يقوم الوكيل مقام الزوجة ]
وإذا أقامت الزوجة وكيلاً في استخراج ما يجب لها من زوجها فأبا
محاضرة الوكيل وأراد إحضارها بنفسها لأنه يدعي أن لي عليها حقاً فإذا
كان الوكيل يقوم مقامها فيما وكلته فيه فلا يجاب الزوج إلى ذلك.
مسألة
[ حكم إحضار النفقة لمجلس الحكم ]
وإذا وجبت النفقة على الزوج لزوجته فأحضرها في مجلس الحكم فعلى
من جملها إلى بيت الزوج فذلك جائز على الزوج.
مسألة
[ الإنفاق على من به مس والمحافظة عليه ]
وإذا خيف من ذوي المس التعدي في نشب الناس وأبدانهم فعلى أقاربه حفظه وإن كان له نشب ما نوه منه وإلا فيحفظه القائم بالأمر وينفق عليه
من ماله وإن لم يكن له مال فمن مال الله.
النهج الثاني و العشرون (10/77)
صفحة 1453
الضمان و التعارف
و أحكام ذلك
النهج الثاني والعشرون
الضمان(1) و التعارف و أحكام ذلك
مسألة
[ من صور الضمان ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن التقى ببعض
الناس في سقي ماله أيام الجدب وصار يقتعد له من جملة النهر ويسقيه
وكان غير ثقة ولا يتقي المحظور أيسع رب المال ذلك فإذا لم يعلم رب المال ظلماً من المتوسط لأخذ فلا يضيق عليه ولا ضمان عليه.
مسألة
[ متى يأخذ الشريك حصته ]
ومن نشأ وله شركة في مال ووجد شركاءه يحوزونه وهو قطع متفرقة
وفي بعضها شبهة غير صريحة إلا أنها تختلف فيها الأقوال هل له أن يأخذ حصته منها أما في الحكم فلا حرج حتى تصح الشبهة بالبينة العادلة وأما في الاحتياط أو التنزه فهو خير ما استعمل.
مسألة
[ في ميراث من لا يعقب ]
ومن مات وترك زوجتين ولم تكن له عصبة تلقي نسبها بنسبه إلا أن أناساً ادعوا النسب بغير صحة وعجز البينة أيحل الميراث للزوجين أم لا وإن رضي الزوجتان أن يرث المدعون أيحل لهم ذلك أم لا؟ فإذا تراضيا في ذلك الزوجتان والمدعون جاز وإن أعجز المدعون الصحة حل المال للزوجتين.
مسألة
[ صور من استغلال الأرض ]
ومن أبان فسلاً مما لا يستحله المسلمون من الأرض وإنما النخل بها
محدث من غيرها هل يسعه إذا غرسه في ملكه الحلال فلا يتعرى هذا من الاختلاف ويعجبني التنزه للمشفق على نفسه.
مسألة
[ استغلال (استعمال) الشيء دون إذن صاحبه بالاضطرار ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: ومن بركته في مهمهة فرأى بإزائها دلواً
وهو محتاج إلى الماء أرأيت لو رأى عليها أله الزجر وزجر منها وقضي أربه
__________
(1) 1- الضمان لغة: مصدر ضمن الشيء ضماناً، فهو ضمان وضمين، إذا كفل به، وله
أسماء متعددة: الحمالة، الكفالة، والضمان، والزعامة، وقبيل، وصبيِر...
اصطلاحاً: 1- ضم ذمة إلى ذمة، عن الدر المختار.
2- التزام حق ثابت في ذمة الغير. عن زاد المحتاج 2/223. (10/78)
صفحة 1454
فإذا رد كل شيء حيث أخذه ولم يقع منه إفساد في الآلة فلا حرج عليه إذ
هو مضطر ولم يتعد فعل مثله.
مسألة
[ من صور الضمان في الأسواق ]
ومن علق شيئاً في بعض الأوتاد في السوق أو غيره فوجد شيئاً معلقاً
على شيئه فإذا قدر على إخراج شيئيه من غير قبض لشيء غيره فلا بأس وإن تعذر بغير قبض لذلك وضاع ضمنه فإن عرف أربابه تخلص إليهم وإلا
اعتقد الخلاص وقبل من قبض شيئاً فوضعه في موضعه فتوى فلا ضمان
عليه ولا يلزمه حفظه.
مسألة
[ متى يرد ثمن الفسلة ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعه ومن أخذ فسلة من
أرض بيت المال وغرسها في أرضه ورام الخلاص ففي ذلك اختلاف
والأصح أن يكون عليه ثمن الفسلة يوم أخذها كانت لبيت المال أو ذوي
يتم أو بالغ والفسلة له.
مسألة
[ كيفية براءة الذمة ]
ومن قبض شيئاً من يد أحد لا يثق به ثم صح لمن لا يملك أمره كيف خلاص وإن شاء رده إلى اليد القابض منها وتعذر عليه لسبب وبعث به إليه وصح وصوله هل يبري أم لا؟ فإن رده إلى اليد جاز وإن بعث به وصح
وصوله برئ ولو مع غير ثقة وإن جعله فيمن صح معه أنه له جاز على قول.
مسألة
[ أثر الاشتراك في الجريمة ثم ندم أحد المشتركين ]
ومن أراد شراء شيء من تاجر فأبى عليه معرفته به فقال له: آخر أنا
أعرف هذا فبايعه فنسي المدعي لمعرفة اسم المشتري ففي ذلك اختلاف
بعض ضمنه وأبا تضمينه آخرون.
وإذا تعاون قوم على إتلاف نشب أحد ثم تاب أحد الفاعلين كيف خلاصه؟ ففي ذلك اختلاف قول يضمن كلما توى من نشب القوم وقول
عليه بقدر ما ينو به.
مسألة
[ إعطاء الحق لصاحبه ]
عن الشيخ عامر بن مسعود السعالي ومن عليه حق الآخر فأتى غريمه فجعل الحق على ملاءته أو بساطه فتناوله وهو يراه فقد برء وكذلك الورقة
إذا كان فيه حق.
مسألة
[ أثر السرقة على الزواج ] (10/79)
صفحة 1455
وإذا اشتهر على البعل أسباب السرقة وله عرس فنهته ولم ينته هل يسعها معاشرته وأخذ ما يجب لها عليه فنعم واسع لها ما لم تعلم حجر شيء بعينه
فما كان محملاً فواسع الانتفاع به والتنزه أولى ما استعمل.
مسألة
[ حكم إنقاذ من يشرف على الهلاك ]
وإذا طيب السليط بالكيل المعضوب لم يحرم وإنما يضمن ثمن الكيل أو
من رأى شخصاً ينجع أو يضرب ضرباً يؤدي إلى بخع نفسه ويستطيع
إنقاذه بشيء من حطام دنياه فعليه إنقاذه من الهلاك ما لم يضر بنفسه أو بمن يمون وأما من رأى نشب إنسان شفى على الهلاك ويمكنه إنقاذه فليس ذلك عليه بلازم وإن توسل بذلك فمأجور وإن أبا فمعذور غيرها مأزور.
مسألة
[ أثر الاختلاف في اللفظ ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان ومن قال الآخر ناوليني ثوبي هذا وإضافة لنفسه أو قال ناولني هذا الثوب هل بين اللفظتين بون أم لا فإذا ناوله ثوبه وسعه ما لم يدع الثوب مدع.
مسألة
[ استعادة مال الغير ]
ومن رأى في يد أحد شيئاً لا يعلمه ولا يدعيه سواه من كتاب أو غيره فإذا كان ثقته الذي بيد الكتاب جازت استعارته منه ولو صح أنه لغيره وإن كان غير ثقة فلا يجوز حتى يصح معك أنه له.
مسألة
[ حكم تحويل الشيء عن موضعه في المسجد ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان ومن رأى في المسجد شيئاً ملقى هل له تحويله عن موضعه إذا أراد الصلاة فإذا رأى موضعاً يصلي فيه صلى وإن
أبانه وتوى لزمه ضمان.
مسألة
[ استخدام الشيء دون إذن صاحبه ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن أخذ كتاباً من حصن المسلمين كغرفة الصلاة ورده في موضعه هل يبري منه؟ فإذا خرج به
ومكث عنده فإنه يرده في يد ثقة من المسلمين وأما في وقته فإنه يبرى منه بتركه على قول وهو الأصح وقول حتى يقبضه ثقة وكذلك ربعة المسجد
مثله كما سبق.
مسألة
[ أثر السماع بالمؤامرة وعدم التحذير منها ] (10/80)
صفحة 1456
ومن سمع أناساً يتعاقدون على بخع نفس وقد رد على إنذاره لزمه وإن قصر حتى قتل فعليه ديته وقيل : ديته على باخعه ولا يلزمه غير التوبة لأن
الحق قد تعلق بذمة غيره.
مسألة
[ حكم ضمان الخطأ في الأموال ]
وإذا أرحا الصياد حاله في اليم فجاءه ذو سفينة فقدها لزمه ضمانه خطأ كان أو عمداً لأن الخطأ في الأموال مضمون.
مسألة
[ أوجه إنفاق المال الذي لا يعرف صاحبه ]
ومن لزمه من ماء أنها رحمة من بلد واحد وعزب عليه علم أربابهن
كيف خلاصه فقال بعضه يفرقه على الفقراء وقول يصلح به الأنهار وقول:
يفرقهن على الفقراء ويصلح الأنهار بكهوٍ وهذا على الاحتياط وهو قول
حسن إن شاء الله.
مسألة
[ ضمان مال الغير ]
عن القاضي سليمان بن محمد بن مداد أن من لزمه ضمان من نهر
معروف فأراد الخلاص فإن كان لزمه من أعلا افتراق الأجائل فإن عرف
ربه تخلص منه بحل أو تسليم وإن لم يعرف ربه جعله في إصلاح النهر
حيث يجمع الصلاح أرباب النهر سوى الفرج وقيل في الفقراء مع اعتقاد الخلاص وقول هو موقوف حتى يصح ربه.
مسألة
[ حكم ضمان ماء النهر ]
ومن لزمه ضمان من ماء نهر من السواقي الفوارق بعد افتراق الأجائل
فإن عرف ربه تخلص إليه وإن آيس من معرفة ربه فرقه على فقراء المسلمين
مع اعتقاد الدينونة بالخلاص متى عرف ربه ولا يجعل في مصالح أصل ماء
النهر قبل الافتراق.
مسألة
[ حكم الاستعارة من الموقوفات ]
عن الفقيه مسعود بن رمضان: وإذا استعار أحد كتاباً من الموقوفات من يد من هو في يده جاز له رده إلى اليد التي قبضته منها على قول كان ثقة أو غير ثقة وقول حتى يكون ثقة.
مسألة
[ أثر القرطاس المكتوب فيه الخط على الحقوق ]
عن الفقيه عبد الله بن محمد بن غسان(1)
__________
(1) 1- عبد الله بن غسان الكندي النْزوي: هو الشيخ العالم العامل الفقيه، أحد أركان دولة
الإمام ناصر بن مرشد، فإلى جانب مكانته العلمية، لمع نجمه كقائد محنك قادر على
قيادة الجيوش تحت أي ظروف كانت، قاد جيوش الإمام في فتح البريمي والسيطرة
على المناطق الشمالية العمانية، وحارب البرتغاليين، كان يلقب بالوالي الكبير، له من
التأليف خزانة الأخيار في بيع الخيار، لم يعرف وفاته رحمه الله. انظر نزوي عبر
الأيام ص156. (10/81)
صفحة 1457
رحمه الله وحكم القرطاس
المكتوب فيه الخط الباعثة إنشاءه وقول للمبعوث له رد جواباً أو لم يرد ما لم يطلبه الباعث له وإن طلبه وثوى فعليه ثمنه وإن مات لزم ورثته في ماله.
مسألة
[ متى يعفى الضامن من الضمان ]
ومن لزمه ضمان لمن لا يعرف ربه ورجع إلى الفقراء هل له أن يبري
نفسه إذا كان فقيراً؟ أجاز ذلك بعض الفقهاء وأبا جوازه آخرون.
مسألة
[ حكم ضمان اللينة والدوح ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة ومن لزمه ضمان من لينه أو
دوحة أو علف لذي يتم أو ضارب ناء فرام الخلاص فتعذر عليه لأربابه فإنه يجعل ما لزمه في إصلاح ما لزمه الضمان كالسقي والسماد.
مسألة
[ ضمان إفساد الأمتعة ]
ومن لزمه ضمان من كتاب قدّه أو جدار هدّه فإذا أصلح من ذلك بقدر ما لزمه برئ ومن لزمه ضمان باسقة عزب عليه علم ربّها فقيل له إنها لفلان والقائل غير ثقة وإنما يطمئن قلبه بقوله كانت لذي يتم أو بالغ فاعلم أن الاطمئنان حكم من أحكام دين الله فإذا اطمأن قلبه وسلم ما عليه برئ إذا
لم يصح خلاف ما فعل.
مسألة
[ أثر إسقاء النخلة على الاستفادة منها ]
وإذا ألقي في الساقية ماء تحت نخلة المسجد بعد أن رد أرباب الماء هم
أيحل الانتفاع منه أم لا؟ ذلك اختلاف قول يجوز له أن يحمل منه شيء
ولا ينتفع منه بشيء وقول يجوز منه للشرب.
مسألة
[ أثر الجناية على المحمول دون قصد ]
ومن حمل طفلاً وجرى به فلكمه حجر فسقطا معاً وأعاق الطفل كلم
هل يضمن الحامل له فإذا كان حمل الطفل صلاحاً له وكبي الحامل بغير
تعمد منه فلا ضمان عليه.
مسألة
[ أثر الحمل على الدابة دون علم صاحبها ]
ومن ضرب سبسباً فأرى عيراً فاحتمل عليها فألقاها ولم يشهد على
تركها رجاء أن لا يفوت أربابها إذ هو بإزاء الدار وتعذرت عليه معرفة
أربابها لزمه ضمان الكراء لأن عندها سقاها وحذاها.
مسألة
[ أثر امتداد النار إلى الجيران ]
ومن أسعر ناراً في مباح كبيته وداره فأحرقت أموالاً لجيرانه ماذا عليه (10/82)
صفحة 1458
قول: إذا احترق شيء بلهب النار ضمنه وأما إذا حملت الريح النار
فأحرقت أملاكاً للناس فلا ضمان عليه.
مسألة
[ ألفاظ الإبراء ]
ومن انكسر ماءه من النهر حيث أرغده في ماله وأضر بمال الناس خطأ أيلزمه ضمن ما ضاع أم لا؟ ترك الماء بنفسه أو بيده أمره فلا ضمان عليه فيما تألد من الضرر من فعل البيدار وأما ما كان من فعل نفسه فأخاف عليه الضمان.
مسألة
[ ضمان بسط المسجد ]
لفظ إبراء فيما يستأنف يقول له أنت يا فلان في حل وسعة من مالي إلى كذا كذا من المدة جاز له أن يأخذ من ماله على بعض القول ومن عليه حق فمات وأوصى لذي الحق بغلة ماله تستوعب الحق فإذا استغل المال بري.
مسألة
[ ضمان بسط المسجد ]
ومن لزمه ضمان من بسط المسجد فاشترى بساطاً فبسطه في المسجد
فهذا أوجه خلاصه ولو لم يقبضه وكيل المسجد.
مسألة
[ ضمان فطرة المسجد ]
ومن لزمه ضمان من فطرة المسجد فإنه إذا أتى بتمر فحطه في تمر الفطرة فذلك خلاصه.
مسألة
[ أثر الهوى على الضمان ]
وإذا سهى وكيل المسجد أو بيداره عن حفظ مائة فتوى فإذا لم يكن بتقصير منهم عمداً فلا ضمان عليهم واختلفوا في استعمال ماء الزاجرة
بغير رأي ربها فالأصح أن كل بلد تجري على عاداتها على تعارف أهلها من الحظر والإباحة ولا بون بين الغرب والزجر.
مسألة
[ أثر الدوس على الاستياء إذا أدى إلى تلفها ]
ومن مر في طريق وداس اليسير من مال الناس كالتمرة والتمر تين خطأ وكذلك من داس عود زرع فهمضها وقد ورثه شجرة واتكأ بجدار فوقع منه
لا قيمة له أيضمنه أم لا فأما التمر الساقط في الطريق فلا ضمان عليه وأما
عود الزرع فإن كسره من أرض ربّه فضمنه وفي الورقة إذا لم تضرب بالعود اختلاف وما وقع من الجدار فإن كان مما اكتسبه فلا ثمن له فلا عليه فيه إذا
لم يكن من أصل الجدار على الأرجح.
مسألة
[ إبراء الأعمى من الضمان ] (10/83)
صفحة 1459
ومن عليه ضمان لأعمى فأراد أن يستحله يقول له كذا يا فلان قد أبرأت فلاناً مما لزمه لك من أرش الضربة واللطمة إن كان من أرش إذا ادعى
المرء لدعوة هل يجوز له أن يأكل فوق ما يأكل في بيته وهل يلزمه ضمان فأسقط
من يده من الطعام عند الأكل فلا ضمان عليه فيما يسقط على الغلبة وأما إن أكل فقال بعض يأكل حتى يتضلع وقال بعض يأكل لقمة واحدة وقول:
يأكل على العادة من الأكل المتوسط ولا يضيق تطهير اليد من مائهم.
مسألة
[ الإضرار بمال الآخرين ]
ومن له باسقة على وجبن نهر فإذا رام جناء معو سقط بعضها في ماء
النهر وإن كان النهر لحمة أموال لا يعرف أربابها وإن يكن على العامد جمة أموال فإذا كان ما يقع من المعو في النهر لا يضر بمائه فلا ضمان عليه.
مسألة
[ كيفية التخلص من الضمان المجهول ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان: من خرج حاجاً ثم
لزمه ضمان لبعض من صادفه من الغرباء أو عزب عليه علمهم فإذا تقدم ما لزمه للفقراء براء ولو من عمان وإن جعل لعز الدولة بري.
مسألة
[ ضمان الماء الموقوف ]
ومن لزمه ضمان من ماء موقوف لسقي ماء للفقراء أيجوز له أن ينفذ الضمان في الفقراء كإنفاذ الغلة فإن أنفذه في الفقراء جاز على بعض القول
وإلا أن ينفذه في شرب المال.
مسألة
[ الوصية بالضمان والتخلص منه ]
ومن عليه ضمان لبيت المال من جمة ديار أيجزيه أن يوصي به مجملاً
لبيت المال فنعم جائز أن يوصي به مجملاً لبيت المال على الأصح وقول
ينفذ ضمان كل قرية فيها على فقرائها.
مسألة
[ كيفية التخلص من حقوق الآخرين ]
ومن لزمه ضمان لأحد من قبل فعله به بغير حق في سواية ثم هلك المفعول به فرام الفاعل الحل من ورثته أيبري من غير أن يعلمهم بالفعل أم لا؟ فلا يبري إلا بالإعلام ويقول مما لزمني من عقر أو أرش لهالككم فلان أو فلانة.
مسألة
[ ضمان الشيء المسروق ] (10/84)
صفحة 1460
ومن رفع على سارق سرقته على رأسه أو دابته من حصن أو طريق هل عليه ضمان فإذا رفع عليه من بيت المسروق لزمه الضمان وإن رفع عليه من خارج فعليه التوبة ولا ضمان عليه على الأصح.
مسألة
[ من صور الضمان ]
واختلفوا فيمن أخذ بدل المحظور حلالاً فقال بعضهم هو حرام كالمبدل
منه ورخص بعض العلماء في ذلك ومن لزمه في فعل خطأ في مال وكان
هذا الضامن يدل على المضمون في ماله بمقدار ما لزمه من الضمان بمن لزمه
له ولا يكتفي بالإدلال على الأصح.
مسألة
[ مكارة الجمال ]
ومن ضرب موتاً مع رفيق له فمرض رفيقه وله تجارة ونشب فتعذر على الصحيح الجمال العدل فكاري جمالاً على المال مجهولاً لحال أو قد عرف بالجنانة ولم يمكنه الخروج معهم كان بأمر ربها أو بغير رأيه فوجدها ناقصة وظن أنهم خانوها ثم مات المريض فإذا كان الدراهم عليها بإذن ربها فلا
ضمان عليه وإن استن في جملها برأيه ضمن ما صح معه من النقصان.
مسألة
[ من صور ضمان البضاعة ]
ومن عنده بضاعة أمانة وافى بها بعض البنادر فعشرها أرباب الدولة بعد
أن صح موت ربها كان الأخذ قسراً أو برضي الأمين إذ هو لا يستطيع
الإباء فهذا فلا ضمان عليه إذا لم يسلم لهم برأيه بعد الخوف عليها ففي الضمان عليه اختلاف وإن سلم خوفاً على نفسه ضمن.
مسألة
[ العمل على النهر ]
ومن كان في عمل نهر ولا مخرج له منه حما يسقط في النهر خطأ كان
التراب اليسبر والحجارة هل يعذر بذلك فالأصح أن عليه إبانته من النهر فإن تعذر فمثله.
مسألة
[ أثر وضع الشيء في طريق الناس على الضمان ]
وإذا سكن جماعة داراً إذا لقي أحدهم بالدراسات ولم يعلم به الآخرون فجاء أحدهم فصدمه فألمه أيلزم الواضع ضمان أم لا فإذا لم يكن الواضع
وضعه في موضع سكنه ضمن.
مسألة
[ أثر الطين إذا لزب بالماء ]
والطين إذا لزب بماء محضور فلا يضيق الانتفاع به ويلزم الفاعل ضمان الماء.
مسألة
[ أخذ حقه من مال الهالك ] (10/85)
صفحة 1461
ومن له دين على هالك وعلى الهالك ديون يستغرق نشبه واستطاع أخذ حقه من مال الهالك جاز إذا تيسر له أخذ ما ينو به قسطاً وعدلاً.
مسألة
[ أثر حياكة المسروق ]
ومن سرق ربطاً فحاكه ملاءة ثم أدركه ربه أو كان مستأجراً على
حياكته فإذا لم يكن الحائك يعلم أن الربط مسروق فله أجرته على السارق وعلى رب الربط ما نما من ثمن ربطه على الاحتياط وإن علمه السارق نفسه فلا أجرة له والملاءة لرب الغزل.
مسألة
[ لزوم الضمانات المختلفة ]
ومن لزمه ضمانات من أشياء مختلفة وعزب عليه علم أربابها ورام
الخلاص أعليه أن يعتقد في كل شيء على حدته أم إذا فرقه على الفقراء
جملة أجزأه فإذا كان أرباب الضمانات معروفين بأعيانهم فقد قيل يفرق
كل ضمان على أهله من فقرائهم من فضيلتهم وإن فرق جملة على فقراء المسلمين جاز إذا كان الضمان للمسلمين.
مسألة
[ حكم ضمان تنجيس المائع ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي رحمه الله: ومن نجس مائعاً لغيره
خطأ فعليه ما نقص من ثمنه.
ومن أنفذ شيئاً من مال المسلمين فيما يجوز له إنفاذه فيه بغير رأي إمام المسلمين أو نائبه فأتم الإمام فعله أيضمن أم لا؟ فلا يعدم مثل هذا من الجواز وهذا إذا كان الإمام عدلاً.
مسألة
[ جعل الضمان في فقراء المسلمين ]
ومن عليه حق أو ضمان لذي صلب وعزب عليه علم وارثه فإلى من
ينفذ ذلك فالأصح أنه يدفعه في فقراء أهل ملته وثني أو كتابي وقول:
يجعله في فقراء المسلمين.
وإذا جعل السيد على مملوكه لكل شهر كذا وعليه مؤونة نفسه ويسلم ضربته سبده فأطنى باسقة ليجني معو المؤونة فأخطأ فيها أحد ولزمه الضمان
فإنه يتخلص مما لزمه لسيد المملوك.
مسألة
[ تسليم الوكيل الطعام ]
وإذا سلم وكيلي مسجد لأجير طعاماً في مسجد ونوع الطعام وكيله سيان.
مسألة
[ حكم تحويل النية ]
فغلط الأجير في إطعام هذا في الأجر فتى بلزوم الضامن عليه فحول النية (10/86)
صفحة 1462
أن هذا الطعام للمسجد هذا الذي أكل فيه هل تنفعه النية ولا ضمان عليه.
مسألة
[ الفرق بين التبعة والضمان ]
والفرق بين التبعة والضمان فالتبعة ما لزم المرء على وجه الخطأ والضمان ما لزمه على وجه العمل.
مسألة
[ اشتباه صاحب الحق ]
ومن عليه حق من قبل وصية هالك واشتبه عليه من له الحق أنه لزيد أو عمرو فإنه يوصي بالحق لمن يعرفه حقاً من الرجلين.
مسألة
[ موت المقرور له وأثر ذلك على الحق ]
وأما إن عزب عليه علمهما سلم ما أوصى لكل واحد بالحق كله من أقر أن هذا لزيد أرسلني لأرهنه ثم مات المقرور له بالحق فادعى الراهن أن الحق
له ورام فكه فإن سلمه المرتهن للراهن بعد أن ادعاه له ضمنه فيما بينه وبين
الله لأنه صحت خيانته بكذبه وإن لم يدعيه له جاز له أن يقبضه اليد التي قبضها منها على قول.
مسألة
[ حكم جناية الطائر ]
ومن وضع عظماً في غير ملكه فحمله طائر فألقاه في مبتاح أو طريق فأضر بأحد فلا ضمان على الجاعل لأن هذا ليس من فعله وإنما هو من فعل الطائر.
مسألة
[ كيفية لزوم الحجة على من أنكر ]
ومن عليه حق من وجه من الوجوه فنسيه فطالبه ربه فأنكره أيكون قد
لزمه الحجة بقول رب الحق أم لا؟ فإن كان دائناً بأدائه ما يلزمه معتقد
الخلاص من كل ما يلزمه ثم نسيه وطالبه الحق به فلم يصدقه فمات ففي
هلاكه اختلاف.
مسألة
[ أثر نسيان الشيء في الطريق على الضمان ]
ومن آب من سفره وقد حمل على دابته حملاً ثقيلاً فلما وصل موضعه رمى بخشبة في الطريق ونيته إن إذا ألقى متاعه من ظهر دابته حمل الخشبة فعطب بها مال أو نفس فلا ضمان عليه سيّما إذا نسيها على الأصح.
مسألة
[ أثر انفجار السد والضمان ]
وإذا كان المغدودق يلج القرية وقد عمل أربابها له سدوداً حذراً أن يفسدها فانفجر السد فأضر بأحد أيجوز لمن انفجر على ماله سده أم لا؟
فإذا لم يعلم باطل السد المنفجر جاز له إصلاحه كأوله. (10/87)
صفحة 1463
ومن أخذ فسلة من أرض مستبهة وغرسها في ماله واغتل منها غلة ثم رام الخلاص ففي ذلك يجري اختلاف قول عليه قيمتها يوم الأخذ وقول: يوم الخلاص والأحوط أن ينفذ غلتها في أصل المال إن عرفه وإلا ففي الفقراء.
ومن أخذ حجراً من مال الناس مما له ثمن هل يبري إذا رده مكانه بلا
رأي رب المال فلا يبري حتى يقبضه ربه أو ممن يقوم مقامه.
مسألة
[ من ألفاظ البرآن ]
وإذا قال زيد لعمرو: قد أبرأتني يا عمر من كل ضمان لزمني لك من مالك فقال له: نعم، أيدخل في هذا البرآن جميع الأشياء التي لزمته من ماله حيث لم يقل من كل حق وضمان فإنه يلج في البرآن كل حق وضمان إذ
هو أعم.
مسألة
[ التصرف في السرقة إذا جهلت الجهة المسروقة ]
وإذا سرق الصبي متاعاً فلما بلغ الحلم رام الخلاص فتعذرت عليه معرفة ربه لامتزاج الأمتعة بعضها ببعض فخلاصه أن ينفذ ذلك في الفقراء وقيل:
في فقراء تلك الصناعة.
مسألة
[ الأكل من المال الموقوف ]
ومن أكل شيئاً مما وقف المسلمون من الولوج فيه فإن مغصوباً فليتخلص منه أربابه إن عرفهم وإلا في الفقراء إذا عزب عليه علمهم وإن يكن من الغرائب التي لا تعرف أربابها وكان ذا قنا فلا بأس عليه وإن يكن مثراً جعله
في الفقراء أو عز الدولة أيام العدل.
مسألة
[ أثر ترك الآخرين في المفازة ]
ومن ترك غيره في مفازة من الدقعاء حيث يؤمن ضرره فأضر بحرث
أحد ففي الضمان عليه اختلاف والأصلح أنه لا ضمان عليه سيّما إذا أضر
بها راباً بالحرث.
مسألة
[ أثر منع الغير من السقاء بالماء ]
ومن منع غيره أن يسقي بمائه اعتداء فغاب الماء هل يبرئ إذا سقى له ماله بمثل مائه الغائب من سببه بلا رأيه فإن كان رب المال ممن لا يملك أمره فأنه يبرئ بذلك وإن يكن ممن يملك أمره فلا يبرئ حتى يكون السقي بأمره.
مسألة
[ الانتفاع من نشب الشبل ] (10/88)
صفحة 1464
ومن دخل مال غيره فوطي في صبة صاروخ فانتثر منه فإن كان دخل برأي رب المال فلا ضمان عليه وقول: يجوز للأم أن تأكل وتنتفع من
نشب شبلها كأبيه والأصح أن ذلك للأب دونها.
مسألة
[ التسبب في موت الدابة وأثر ذلك في الضمان ]
وإذا وقعت الدابة على حرث تأكله فوثب عليها ربها فزجرها فوثبت
حتى ماتت فلا ضمان عليه.
مسألة
[ حكم المشي على السلع في الأسواق العامة ]
والسلع الموضوعة في الأسواق حتى تباع في الطريق إلى أن تبان أيجوز المشي عليها ما لم يلحقها ضرر والاضطرار غير الاختيار.
مسألة
[ أثر إصلاح الزرع ]
وإن أبان عود زرع أو فسلة من ماله غير خطأ فرده مكانه فحبي ونشأ أو كان عمداً هل يبرئ أم لا؟ فإجازة ذلك لا تتعرى من الأثر والأصح أن يتخلص منه إلى ربه.
مسألة
[ الشركة في الحرث ]
وإذا اشترك اثنان في زراعة قت في أرض لهما وصار كل واحد منهما يحرص جانباً من الزرع بالقسمة فلا بأس عليهما ما لم ينقض الشركة
أحدهما وتجوز فيه المتاممة ممن تجوز متاممته والحل ممن يجوز حله.
مسألة
[ ضمان ما أتلفته الدابة ]
عن الفقيه علي بن مسعود بن محمد المحمودي(1): ومن وجد دابة
موثوقة في ماله أيجوز له إطلاقها وإخراجها إلى المباح كما لو وجدها
مطلوقة فلا يعجبني ذلك لأنه لو أضرت على أحد بعد ذلك لزمه ضمان ما أضرت إذ إيقاع ذلك من سببه وهذه خلاف ما لو أخرجها من زرعة لأن ذلك ليس من فعله.
مسألة
[ مرض صاحب الحق قبل التنفيذ ]
ومن عليه حق لآخر فأمره بدفعه لزيد ثم إن رب الحق اعتراه وصب فأصبح ذا نصب يعز عليه النطق أيجوز للمأمور أن يدفع ما أمره به قبل
نزع الأمر؟ فإن علم أن الموكل والآمر إذا ذهب عقله بمس أو برسام أو بما
كان من الأرض أن الوكالة منه والأمر ببطلان وإن فعل ضمن للموكل
والأمر لورثتهما.
مسألة
[ حكم ضرب المملوك ]
__________
(1) 1- لم أعثر على ترجمة. (10/89)
صفحة 1465
ومن ضرب مملوك غيره ضرباً يلزمه فيه الضمان ثم حرر العبد ورام الضارب الخلاص لمن يتخلص فإنه يتخلص لسيد العبد إذا لزمه الضمان
وسلمه وهو في الرق وإذا أسلمه بعد التحرير ففيه اختلاف قول للسيد
المعتق وقول للمعتق.
مسألة
[ إصابة الإنسان نتيجة فعله ]
ومن تسنم باسقة يجني معوها فجاء صبي يلتقط منها مما يسقط فصاح به رب النخلة فهرب فصرع فأصابه كلم هل عليه ضمان أم لا فإن صاح به
بعد أن ولج ماله فأصيب وكان لا يتحرج من أموال الناس فلا ضمان عليه.
مسألة
[ حكم ضمان المستأجر لما يعمل ]
ومن استؤجر لعمل طعام ليؤكل في المسجد فحاذر أن يذهب منه شيء عند عمله فجعل فيه شيئاً من عنده قبل أن يلزمه الضمان فإذا وضع ضمانه فيما يجوز وضع المضمون في وقت وسنة فقد أجزأ عنه وأما إن وضع شيئاً
قبل وقوع الضمان عليه فإن كان حين وضعه جعله دفعاً للمسجد ثم لزمه الضمان لم يكتف به وإن وضعه على سبيل الخلطة فلما لزمه الضمان جعله
عما لزمه اجتزي به.
مسألة
[ إعادة الحق إلى صاحبه ]
من وافى قرية مسته فأشار إليه بعض أهلها بزهو من باسقة فأبى فصبره
في ثوبه فكيف خلاصه منه فعن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة أنه
يرده على من أخذه منه أو وضعه في ثوبه فإن منعه الحياء أو التقية تصدق به على الفقراء.
مسألة
[ حكم إفلاس من عليه الحق ]
ومن كان له حق على هالك وللهالك ورثة بالغون وأيتام فاستوف البالغون حقهم وبقي حق الأيتام فأفلس من عليه الحق فإذا أخذوا حقهم
بلا حكم حاكم ففي ذلك اختلاف بعضهم قال: للأيتام نصيبهم مما
أخذه شركاؤهم البالغون وأبا ذلك بعض وإن أخذوه بحكم فلا سبيل
عليهم فيما أخذوه.
مسألة
[ إصابة مشعل النار بما أشعل ]
ومن أمر على يتيم أن يسعر ناراً فلما نفخها طارت به شرارة فلدعته في يده فورمت وانبعجت فإن كان الأمر عليه من يقوم بصلاحه ففي ضمان
عليه اختلاف وإن لم يكن من يقوم بصلاحه ضمن ما أصابه.
مسألة
[ إصابة المارة نتيجة عمل العامل ] (10/90)
صفحة 1466
ومن له حائطاً أو نخل على الطريق أو على مال أحد قد مال وتقدم عليه في صرفه من هو حجته لم يصرفه تهاوناً مع القدرة فوقع على إنسان فمات
أو انكسرت منه جارحة مما فيه الأرش والدية فعلى ربه الدية والأرش في
ماله أو نفسه.
مسألة
[ حكم الضمان على من أزاح الحجارة من مكانها ]
ومن استؤجر ليرز(1) أرض لمسجد بها حجارة مضرة بها وهي صغيرة وصار عند جذبه للقران يزاح الحجارة من مكانها إلى غيره اضطرار فلا
ضمان عليه في صنيعه ذلك إذا لا يأتي صلاحها إلا بما ذكرت.
مسألة
[ قياس الحصن على المسجد ]
ومن رفع لفظ من والج الحصن أيجوز له تركه مكانه أم حكم الحصن حكم المساجد والطريق فلا يجوز له وضعه بعد أن رفعه.
ومن وضع صرواله أو ثوبه في المسجد فغلط في ثوب غيره فسأل عنه سائل أيجوز له أن يدفعه له بغير بينة فعلى الاطمئنان أنه جائز هذا رأي الفقيه محمد بن عبد الله بن جمعة.
مسألة
[ من صور الضمان ]
ومن قبض شيئاً مما يملك من مسجد أو غيره فعليه حفظه لربه حتى يسلمه له أو لمن يأمره وإن رده مكانه فتوى ضمنه.
ومن رد ماءه من نهر فلما انقضا ماؤه لم يأت رب الماء الذي بعده لمائه
فكسره في العامد أيلزمه ضمان أم لا؟ فلا ضمان عليه لأن هذا قال به بعض العلماء وقيل: يرده إلى مال ربه وقيل: بتركه سدى ولا شيء عليه.
مسألة
[ الاستفادة من الأرض الموات ]
وإذا كانت على شاطئ النهر أموال مجدورة فانهدت جدرها أيجوز
بناؤها كما كانت؟ فنعم جائز بناؤها على رأس الجدر السالفة.
ومن بإزاء أرضه موات لا يدعيه مدع فنطله وخلطه بأرضه وغرسه فهذا مما يدخله الاختلاف ولا أقدم على تحريمه.
مسألة
[ اغتصاب المال وتذكية الدابة ]
عن الشيخ الفقيه ناصر بن خميس بن علي: ومن اغتصب ماله من يرثه واستغله ثم مات رب المال فإن كان للهالك وراث سواه تخلص إليه مما ينو
__________
(1) 1- هكذا في الأصل: والمعنى: ومن استؤجر لتنظيف أرض لمسجد... (10/91)
صفحة 1467
به واستغفر الله وتاب إليه وإن لم يكن معه سواه فالتوبة تجزيه إلى الله.
وجائز إخراج الدابة المغصوبة وإنعاجها من حروث الناس أو حرث الإنسان علم باغتصابها قبل الإخراج أو بعده.
ومن ذكى دابة فحاذرها وأمسكها أو أبانها عن موضعها فماتت أيكون معيناً على قتلها إذ لم يتحرك بعد إبانته؟ فإنه يكون معيناً على قتلها.
مسألة
[ حكم الاستفادة من الرموم والمغتصبات ]
وهل يجوز الاستقاء للبشر والدواب من آبار الرموم والغوائب
والمغتصبات؟ فإذا نزع الماء بدلوه ولم يقع ضرر على البير فلا بأس على
بعض الرأي.
مسألة
[ حكم ضياع الأمانة ]
عن الشيخ علي بن مسعود بن محمد: ومن استأمن أمانة ليبلغها زيداً
فتوت فإن لم يفرط في حفظها بلغت وتوت خطأ أو حفظها حفظ مثلها فلا ضمان عليه وإن ادعى أنه باعها ربها المبعوثة له فأنكرها قبل قوله الأمين أنه بلغه الأمانة مع يمينه ولا ضمان على من أرسلها إذا أنكر المرسول له وصولها حتى يصح بالبينة العادلة.
مسألة
[ توصيل الأمانة لأصحابها ]
ومن استأمن أمانة لزيد فأعطاها عمرواً يوصلها زيد فأنكر وصولها
ضمنها الأمين لأنه يصير متعدياً فيها إلا أن يصح وصولها بالبينة العادلة أو بإقرار المرسولة إليه. وإذا أمن زيد عمرواً أمانة وأمره أن يرسلها إلى خالد فأرسلها فإن أرسلها مع ثقة بري إلا أن يصح معه أنها لم تصل أخذ ربها
وإن أرسلها مع غير ثقة ضمنها حتى يعلم أنها وصلت ربها.
مسألة
[ حكم ضمان البيع ]
ومن أوتي بطعام ليأكله فلما أخذ في أكله قال له الآتي: كل هذا من تمر الروضة أو قلعة حلفين أو من شيء من البلدان التي لا تدخل المسلمون فيها
أما فيما أكل فلا يكون قوله حجة عليه في الحكم وأما فيما يستأنف فلا
يجوز له الأكل منه بعد أن علمه ربه.
ومن باع بيعاً منقطعاً فآراه المباع فأوجبه وضمنه إياه وأمره بقبضه ورضي به فتوى فهو من مال المشتري فإن كان بينهما فمن مال من له الخيار. (10/92)
صفحة 1468
ومن وضع جناحاً في الطريق فباع ما وضعه فأضر بأحد قضمانه على الواضع له ماله يجوله المشتري.
مسألة
[ حكم الاستئذان ]
وإذا وصل إلى الطبيب أناس لكي أو إبانة سن وهم بالغون أحرار وفيهم النساء ذوات البعولة هل عليه استئذان أزواجهن؟ فإنه يكتفي بأمرهن والاستئذان عليه هذا رأي الشيخ صالح بن سعيد.
ومن ضرب ولده الطفل فأثر فيه الضرر فليس له أن يبري نفسه من
الأرش الذي لزمه من فعل نفسه، وإن كان الولد بالغاً استحله وقيل: له أن يبري نفسه في الحالين.
مسألة
[ حكم الإشارة بالعصي ]
ومن جواب الشيخ صالح بن سعيد: ومن أشار على أحد بعصا ليضربه
فلم يضربه فليس هو بحرى في الحكم، ومن أشار بالسلاح كان حرباً أو
ضرب المشار عليه بالعصا المشير ضمن لأنه يحتمل أنه لا يضربه.
مسألة
[ ضمان المستأجر ]
ومن اشترى باسقات ليعملها للمسجد جذوعاً فاستأجر عليها وأدخل العامل في العمل ثم تركها حتى يبست وتوت فضمانها على مشتريها
وللمشتري حجته على الأجير هذا رأي الشيخ القاضي خميس بن سعيد
رحمه الله.
النهج الثالث و العشرون
في الإجارات
وما يجوز منها وما لا يجوز
النهج الثالث والعشرون
في الإجارات(1) وما يجوز منها ومالا يجوز
مسألة
[ حكم النفقة والكسوة للمطلقة ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان رحمه الله
وإذا نكح الغانية بمثل وجاز بها وانتقل بها إلى داره وما نهى بلا حكم فأثبت معاشرته فطلقها فلا يلزمها رد مؤونة من نفقة وكسوة(2) وسواها وأما إن
__________
(1) 1- الإجارات: من الإجارة، بكسر الهمزة، مصدر أجره يأجره أجراً وإجارة، فهو
مأجور، وفي فعلها المد والقصر.
اصطلاحاً: تمليك نفع بعوض، أو تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم، انظر كتابنا
المعاملات المالية 1/ فصل الإجارة.
(2) 2- نفقة المطلقة: الرجعية لا خلاف بين العلماء في أن لها النفقة من كسوة ومسكن وطعام،
وأما المبتوتة فهي مسألة خلافية بين العلماء، ارجع إلى باب النفقة - نفقة المطلقة. (10/93)
صفحة 1469
أثبت غشيانه لها فلا يلزمه مؤونة فيما بينه وبين الله لها.
مسألة
[ حسن المعاملة للمستأجر ]
ومن استأجر أجيراً على عمل معلوم فرام أخذ أجرته فأنكره المستأجر له فلما صحت له أجرة بالبينة العادلة فله أجرته وإن أقر أنه استأجر بكذا وكذا وأوفاه فعلى المستأجر البينة وإن لم يقر له بشيء فلا شيء عليه ولو أقر بالوفاء.
مسألة
[ اختلاف العامل ورب العمل ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان(1): وإذا اختلف العامل ورب المال فادعى رب المال أنه وقف العامل عن العمل وأنكر العامل دعواه فالقول قول رب
المال وعلى العامل البينة بما يدعيه.
مسألة
[ ترك العامل عمله وطلب أجرته ]
وإذا ترك العامل عمله بطيب نفسه وطلب حصته من النخل أو الزرع أما الزرع ففيه اختلاف قول: حتى خرج فله عناه وقول : يحتج عند الحاكم
أو الجماعة فإن وافى لعمل زرعه وإلا استأجر عليه وهذا هو الأصح وأما
النخل قول: هي كالزرع وفيها اختلاف وهذا رأي الشيخ صالح بن سعيد.
مسألة
[ أجرة نشل الماء ]
عن الشيخ الوالي عبد الله بن محمد بن غسان من استأجر أجيراً جر له
سنة نعلة المال وعشرين درهماً فزجر ستة أشهر وغير بالجهالة في المدة فلا
غير له إذا المدة معلومة فإن لم يتم عله فلا شيء له.
مسألة
[ حكم عقد الأجير لمدة مجهولة ]
ومن استأجر أجيراً لغير مدة على عمل شيء فعمل ما شاء الله ثم غير فله الغير ولرب المال إن راماه وإن تماه تم وللأجير مثل أ جرته وإن ادعى الأجير
__________
(1) 1- الشيخ مسعود بن رمضان: العلامة الفقيه مسعود بن رمضان بن راشد النبهاني
السمدي النْزوي، أحد العلماء العاقدين بيعة الإمامة على الإمام ناصر بن مرشد.
وكان قائداً للجيوش فقد انتزع سمد الشأن من حاكمها علي بن قطن الهلالي، وأبرا
من قبضة محمد بن جيفر بن جبر، واشتهر بالفضل والتقوى وله من الآثار ما يدل
على علو قدره، وله مسجد يعرف به، مات مسموماً بيد زوجته، والله أعلم، انظر
نزوى عبر الأيام ص154-155. (10/94)
صفحة 1470
أنه زجر ستة أشهر وادعى رب المال أنه زجر خمسة أشهر فالقول قول رب المال وعلى مدعي الزيادة البينة.
مسألة
[ مدة الاكتراء اليوم أو الليلة ]
عن الشيخ سلمة بن مسلم(1): من اكترى دابة ليستعملها ليلة فله من غروب الشمس إلى الفجر وإن كان يوماً فله منذ طلوع الشمس إلى غروبها.
مسألة
[ ادعاء تلف البضاعة ]
ومن دفع للنخاس بضاعة يبيعها له فادعى تلفها فعليه البينة فإن أعجزها ضمن وإن ادعى تلف الثمن فله القول إذ هو أمين.
مسألة
[ الشركة في الحرث ]
وإذا أذن الأجير من لرب المال ومن غيره على علمه في الحرث فلم يف علمه بما عليه فذوا المال وغيره شرع في ماله إلا من كان له حجر أو ثبات
مع اليد فهو أولى فالحجر وما قبله من الحقوق سيان.
مسألة
[ الإقرار بالحقوق ]
وأما ما أنكره الديان من الحقوق المنطلقة فغير ثابت ولو أقر به من عليه النابتان.
مسألة
[ اختلاف العامل ورب العمل ]
وإذا اختلف العامل يبده كأهل الصناعات والمعمول له فأما في الأجرة فالقول للمستأجر لأنه غارم وأما في العمل فالقول قول الأجير ولهم الإليات
إن عجزوا إحضار البينات.
مسألة
[ اختبار الدراهم ]
ومن استوفى دراهم من أحد فاشترط المقضي على المستقضي أن لا
يولجها النار أو لم يشترط فأولجها فانقدت رديئة كانت أو جيدة فإذا لم يأذن
له بإيلاجها النار فإن خرجت خلاصاً فهي للمشتري وإن رام ردها صاغها كما كانت وإن خرجت رديئة فهي لربها وتقوم مصنوعة أو مكسورة
وعلى كاسرها ما نقص من ثمنها.
مسألة
[ اختلاف البيدار والهنقري ]
وإذا اختلف البيدار والهنقرى فقال البيدار بيدرتني في الزرع والنخل
وادعى الهنقرى إنما بيدرته في الزرع فقط فإذا أقر رب المال أنه يعمل في
ماله وهو ممن يعمل بالأجرة فله أجرته من النخل والزرع مع البينة على
مدعي التخصيص البينة.
مسألة
[ صور من الاستئجار ]
__________
(1) 1- سلمة بن مسلم : صاحب كتاب الضياء. (10/95)
صفحة 1471
ومن استعمل أجيراً على مهبت صارج معروفة طولاً وعرضاً وعملها في مجرى وابل فاحتاجها وادعى الأجير أنه عملها هناك برأي المستأجر فإذا صح أنه عملها على الشرط طولاً عرضاً وصارت وصاروحاً(1) فقد ثبت أجرة الأجير له وإن توت قبل إتمام العمل فهي على الأجير ويستحق أجره حتى تكون في العرف والعادة كاملة وسيان عملها في الوادي أو على رأس أرعن إذا كان يقدر المعمول له على أخذها إلا أن يشترط عليه شرطاً ويخالفه فلا شيء له.
مسألة
[ العمل بالمقاولة ]
وإذا قاول رب المال أجيراً على عمارته برهة بجزء معلوم من غلة المال ودخل العامل في العمل ومضت مدة لم يعمل العامل فيها شيئاً فرام رب
المال إخراجه وليسلم له أجرة نباته إذا نبت المال فإذا لم يف بالشرط فله عناه على ما يراه المسلمون وليس له في المال شيء.
مسألة
[ صور من الاستئجار ]
عن أبي مروان: ومن استأجر أجيراً فيأمر ولي الرجل أن يشتري عليه
فجاء العمل بقدر ما اشترى عليه فإذا كان ذلك بأمر الحاكم فلا يشاركه الغرماء حتى يستوفي صاحبه الذي اشترى عليه.
مسألة
[ اختلاف ادعاء العامل ورب العمل ]
وإذا ادعى رب المال العامل خرج من العمل برأيه وادعى العامل
الاستقامة في العمل أرأيت لو ادعى رب المال أنه هرب عن عمله مدة
حدها فأنكر العامل أو قال ما بدرته بل يعمل عندي بالأجرة وادعى العامل
أن بيدره وعجز البينة فعلى العامل البينة في جميع ذلك وعلى رب المال
الإلية إن رامها منه العامل وأما إن أقر له بالبيدارة وسار عن عمله فلا يقبل
قوله إلا بالبينة.
مسألة
[ هروب العامل من عمله ]
__________
(1) 1- العبارة: فإذا صح أنه عملها على الشرط طولاً وعرضاً وصارت صاروحاً أي صرح
والصرح يدل على عظمة البناء، والله أعلم. (10/96)
صفحة 1472
وإذا استأجر رب المال عاملاً فهرب عن عمله احتج عليه رب المال أن بلغته الحجة وإلا استأجر عليه من يقوم بعمله برأي الحاكم فهناك تلزمه الحجة فإن تعذر حصول الحاكم فالجماعة هم حجة الله في أرضه ممن يكون حجة.
مسألة
[ كراء الدواب ]
عن الشيخ خميس بن سعيد: ومن اعترض دابة غيره فحبسها فعليه
الكراء مما يقومه ذو العدالة وإن لم يصح من يقومه فعلى رب الدابة البينة بتجديد الكراء فإن لم تصح له بينة فالقول قول الغارم مع يمينه.
مسألة
[ ظهور زيف الدراهم ]
ومن استوفى دراهم من مر عليه حق فظهر بها زيف ورام ردها فأنكر الغريم أنها لبيس من دراهمه التي سلمها له فعلى المنكر للدراهم اليمين وعلى المستوفي البينة أن الدراهم التي أوفيتني إياها هي هذه.
مسألة
[ أثر خروج الأجير من عمله ]
وإذا خرج الأجير من عمله قبل أن يتمه من معلم أو غيره فلا يستحق
شيئاً من الأجرة إذا ترك العمل باختيار منه وقد جاء في الأثر منصوصاً في
العلم أنه إذا خرج من عمل من غير عذرانه لا يستحق شيئاً من مال المدرسة حتى يتم ما شرط عليه.
مسألة
[ الكراء على الخياطة ]
عن الشيخ محمد بن جعفر(1): ومن دفع لحائك سداة ليعملها له
وتقاطعا على الكراء فأبى الحائك عن العمل فإذا تقاطعا على عمل ثوب
معلوم ذرعه من طوله وعرضه بأجر معلوم مع علمها بالغرم فلا رجعة
بينهما وأنه خلاف ما فاه وإذا تحقق رب الثوب أنه ليس بثوبه وحلف
__________
(1) 1- الشيخ محمد بن جعفر: هو الشيخ العلامة محمد بن جعفر الأزكوي من مشاهير
العلماء في زمانه ومن المؤلفين المجيدين وهو من علماء النصف الأخير من القرن الثالث
وكان أصم، من أشياخه العلامة محمد بن محبوب وغيره من علماء زمانه، من مؤلفاته
كتاب الجامع المعروف بجامع بن جعفر وهو من الكتب المشهورة وقد حقق القطعة
الثانية منه محقق الكوكب في ثلاث أجزاء، انظر إتحاف الأعيان 1/206-208. (10/97)
صفحة 1473
الصباغ أنه ثوبه جاز له أخذه وإن أخطأ الصباغ وسلم ثوب ذا لذا ضمن وعليه الخلاص لأن الخطأ في أموال الناس مضمون.
مسألة
[ حكم جناية الدابة ]
وإذا خربت دابة زيد حرث عمرو فقال زيد لعمرو: ثمن خراب حرثك وأحلف عليه فأبى رب الحرث أن يحلف ورد اليمين على رب الدابة فأبى
كيف يحكم بينهما؟ فاليمين على العادم وهو رب الدابة وليس لرب الخراب
إلا ما قامت عليه البينة أو أقر به الخارب مع يمينه ومن وجد في حرثه دابة تخربه فأمسكها وربطها فمات فلا غرم عليه إلا أن يصح أنها ماتت جائعة
أو ظمآنة إذا ربطها إلى أن يعرف ربها.
مسألة
[ صور من القرض ]
ومن رام أخذ عامل لماله أو حرثه فأشرط العامل قرض حب أو دراهم جاز له إلا أنه قرض على أجرة وليس هو كقرض جر منفعة ولا له أن يبايعه فإذا أقرضه جاز.
مسألة
[ صورة من الجائحة ]
ومن استأجر أرضاً ليزرعها ثم أتت عليه آفة كالجراد أو غيره فأهلكته فقول: عليه الأجرة تامة وقول: بالحساب وأما إذا توى البعض فعليه الأجرة.
مسألة
[ حكم كراء الأرض للزراعة ]
ومن استأجر بيراً ليزرعها فلما نما الزرع غار ماء البير عن سقي الزرع فسقى بعضه منها وبعضه من غيرها وتلف البعض فإن استأجر الأرض فعليه الأجرة على قول وإن استأجر الأرض والركية فغار الماء فحفر البير على ربها
لا على المستأجر.
مسألة
[ أثر تخريب النهر وأثره على الزرع ]
ومن هد نهراً وعليه زرع فتوى الزرع عطشت فعل الفاعل غرم ما توى بسبب تعديه هذا رأي الشيخ خميس بن سعيد.
مسألة
[ الأجرة بين العرف والشرع ]
وإذا اتجر رب المال العامل بكذا وكذا جراب تمر وكذا من المنفقة ويسمونها الرشوة وبكذا من الحب لخدمة الشتاء ودخل العامل ثم خرج
من عذر أو لغير عذر وكانت سنة البلد إذا خرج العامل من العمل
حاسبوه على ما عمل وفي الأثر له أجرة المثل إذا رفض عمله فاعلم إن
اقتفى السنة الإسلامية أثر وأجرة المثل يصعب تكيفها لأنها تحتاج إلى
معرفة وتميز.
مسألة (10/98)
صفحة 1474
[ الاتهام ]
وإذا عمل الحائك ملاءة لأحد فلم يرضها رب الربط إذا الصنعة غير
جيدة واتهمه بالغش فالخيار هنا لرب الربط إن شاء الملاءة ويسلم الأجرة
وإن شاء أخذ ثمن الربط.
مسألة
[ حكم عدم اكتمال العمل ]
ومن استؤجر على حفر نهر فحفر بعضه فأتى آتي فكبسه فحفرا كبس الآتي على أرباب النهر وعلى الأجير حفر ما لم يفجره أولاً.
مسألة
[ أثر هد الجدار بعد بنائه على أجرة البناء ]
ومن استؤجر على بناء جدار فبنى بعضه فانهل مزن بمغدوق فهده فعلى الأجير خدمته كما قوطع عليه وهذه المسألة خلاف الأولى فإن قيل: فلم حكمتم لرب الربط بثمنه ولم تحكموا له به نفسه كان في المقاطعة جهالة
ولو في شيء فلهما الرجعة والمعذور من عذره الله.
مسألة
[ حكم استغلال دابة الغير ]
ومن حبس دابة غيره فإن استغل منها غلة فعليه رد غلتها وإن أجرها رد الأجرة وإن استعملها بنفسه قوم عليه عملها وإن لم يستعملها ولا استغلها
أثم وعليه التوبة ولا أجرة عليه مما استعمله ومن غير على عمله ولم تف
أجرته لما عليه وإن يكن لأحدهم إثبات أيكون ذوا الإثبات أولى من غيره أم
لا فنعم ذوا الإثبات أولى وإذا لم يكن لأحدهم إثبات فهم شرع في ماله
وإن اشترط رب العمل على الديان أو سوى رب العمل أنه يستوفي حقي
قبل الغرماء وصح الشرط ثبت له شرطه.
مسألة
[ حكم الاعتداء على أموال الغير ]
ومن اعتدى على مال غيره فتوى فعليه ضمان وإن انقد وانهد بعضه قوم صحيحاً ومنقد فلربه ضمان ما نقص من ثمنه.
مسألة
[ الاختلاف بين الوكيل والموكل ]
ومن مسكنه صحار(1)
__________
(1) 1- صحار: مدينة ساحلية في عُمان في منطقة الباطنة بين صحم والعوفي وتنسب صحار
إلى صحار بن آدم بن سام بن نوح عليه السلام، وتقع صحار على خليج عُمان وعلى
الساحل الرملي المنخفض لمنطقة الباطنة، وهي مدينة قديمة قامت في الزراعة كما
كانت مركزاً تجارياً هاماً بين الهند والصين وإفريقية والشرق الأدنى وأوروبا وقد
استقبل فيها عبد وجيفر أبناء الجلندي وملكا عُمان رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهما
إلى الإسلام في السنة السادسة للهجرة أو الثامنة في رواية ثانية وقد كتب عنها عدد
من الجغرافيين والمؤرخين والرحالة منهم الاصطخري، وابن حوقل والمقدسي
والمسعودي وأبو الفداء وغيرهم انظر السير والجوابات ص28، 55، 67. (10/99)
صفحة 1475
وجعل وكيلاً في جلفار(1) البيع له ويشتري فتراسلا المتاع فيما بينهما فكلما أرسل الوكيل لرب المال شيئاً وافاه خطاً بوصوله حفظ عليه خطه ثم إنه جرا بينهما الاختلاف في الحساب وادعى الوكيل الجهالة بكيل المتاع ووزنه وادعى أن الجمال خانه قبل أن يصله فإن
أقر الوكيل أنه وصله كذا ولم يقر أنه باع بكذا ثبت إقراره بما قبض وله
القول في الثمن والكيل والوزن مع يمينه وعلى رب المال يدعيه.
مسألة
[ اختلاف الموكل والوكيل ]
وإن ادعى رب المال أو المتاع أنه أمره أن يبيع متاعه بثمن محدود وأنكر الوكيل فعلى مدعي التخصيص البينة وإن أقر ثبت عليه ما أقر به وفي الأصل
أن القول قول الوكيل فيما وكل فيه فإن صحت مخالفته لموكل ضمناه ما
تعدا فيه.
مسألة
[ صور من الصبابغة ]
وإذا أتى رب ربط الصباغ ليصبغه له فصبغه ودعاه لأخذه فادعى رب الربط العسر عن تسليم الأجرة فتركه برأيه عند الصباغ فتوى بادعاء
الصباغ فما الحكم بنيهما؟ فإذا دعاه لأخذه فأبى وتركه برأيه فلا ضمان
عليه إذا توى بغير خيانة وعليه الإلية إن طلبها رب الربط أنه ما خانه ولا
تعمد لتلف ماله.
مسألة
[ أثر العمل المشروط ]
ومن قال لآخر: اعمل لي في شراء مال زيد أو نكاح زينب فلك علي
كذا فعمل له ثبت عليه إذا هو أجره والأجرة جائزة إذا تم العمل.
مسألة
[ العمل في السفن ]
وإذا عنا أصحاب السفن الخب في لحجج الخصم(2) فألقوا متاعهم في
اليم فإن يكن الخوف على المال فالغرم عليه خاصة وإن يكن الخوف على
__________
(1) 2- جلفار: أو جرفار: هي الآن إمارة رأس الخيمة التي تقع في أقصى المنطقة الشمالية
لإمارة الشارقة في دولة الإمارات العربية.
(2) 1- الأصح: في لجج الخضم. أي موج البحر الهائج ويخشى من قلب السفينة وغرقها
فلا مانع من التخلص من الأمتعة عملاً بالقاعدة (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)،
و (يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام)، وأيضاً (إذا تعارض مفسدتان روعي
أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما). (10/100)
صفحة 1476
المال والأنفس والسفينة فالغرم على الكل ويكون نصف الغرم على الأنفس والنصف على المال والسفينة هذا رأي الشيخ صالح بن سعيد.
مسألة
[ اختلاف الصباغ وصاحب الثوب ]
عن الشيخ خميس بن سعيد: من أعطى صباغاً ثوباً يصبغه له فصبغه وأعطاه ربه فأنكره أنه ليس بثوبه وقال الصباغ: هو ثوبك فالقول قول
الصباغ إلا أن يصح بالبينة العادلة قلنا لأن الربط قد اضمحل وتوى فلا
يضبط وإنما ذلك فيما يضبط مما يكال أو يوزن يعطا مثله.
مسألة
[ الاستئجار على حفر الأرض ]
وإذا استؤجر الأجير على فحر أرض فحفر بعضها وغير في الباقي
وادعى الجهالة في الطول والعرض والغرر جاهلاً بحدودها فإذا كان
النظر يحيط بجميع الأرض فليس فيها جهالة إلا أن يتغير باطن الأرض
عن ظاهرها بما يمنع عن الخدمة كالجبل والصفا أو جمة حجارة أو ما
أشبه ذلك.
مسألة
[ نوع من الوصايا ]
وإذا لم يكن للمدرسة معلم أين تنفذ غلتها؟ فالأصح أنها تنفذ فيما
أوصى بإنفاذها فيه وإن كان أصل الدراهم من بيع خيار جاز أن يشتري بها أصل للمدرسة أو بيع خيار على نظر الصلاح لا الحكم.
مسألة
[ صور من الخلاف بين الحائك ورب القماش ]
وإذا ادعى الحائك أنه حاك لزيد ثوباً ويريد أجرته منه وادعى زيد أن
ربطه عند الحائك أمانة وضعه فحاكه وأتاني بالثوب ولم آذن له في حياكته
فإذا كان الحائك يعمل بالأجرة ولم يقل له هذا الربط عندك أمانة فله أجر
مثله إذا لم يقاطعه على أجر وأما إن كان هذا الحائك لا يعمل بالأجرة من
قبل فدفع إليه هذا ربط فحاكه بلا إذن ربه فإن اعتقد حياكته بلا أجرة
فلرب الربط الخيار بين تسليم الأجرة وبين أن يعطيه ربطاً كربطه وأخذ
الأجير الثوب لنفسه وإن تكن نية الحائك أنه يحوكه لنفسه ونوى عطية
أخذ فلربه ثوباً ولا عرق المغتصب وإن اختلفوا في الأجرة فإن كان الحائك
ممن يعمل بالأجرة فالقول قوله أن عمله بأجر وإن كان ممن لا يعمل بالأجرة فالقول لرب الربط أنه بغير أجرة.
مسألة (10/101)
صفحة 1477
[ من أحكام العمل في السفينة ]
ومن استأجر على حمل متاع في سفينة إلى بندر معلوم فأتى به الأجير مبلولاً فإذا غلب رب السفينة أمر الله من خب أو غيره فلا ضمان عليه وإن تألد الضرر من تقصيره ضمن إذا كان قادراً على تنجيته من الهلاك وإن
ادعى أنه غلب على أمره قبل قوله مع يمينه.
مسألة
[ ادعاء موت الدابة المستأجرة ]
وإذا استأجر أحد دابة ليعمل عليها فادعى المستأجر أنها ماتت بعد أن تم العمل وهل فرق بين أن يعمله قبل انقضاء العمل أو بعده فلا تقبل دعوى المستأجر أن الدابة ماتت إلا بالبينة هذا ادعى بعد إتمام العمل وأنه لم يعمل عليها وإن ادعى ذلك قبل إتمام العمل وصح ذلك فلا أجرة عليه.
مسألة
[ الاستئجار بحب أهل البلد ]
ومن استأجر أجيراً بحب ولم يسم من أي جنس فإن كان بينهما شرط فعلى الشرط وإلا فعلى سنة أهل البلد وإذا شكا أحد من راعي البلد
استأجره على رعي دابة فلم يرجعها إليه وادعى الراعي أنها دخلت الحجرة أيضمنها إن غابت أو ماتت أم لا؟ فإذا لم يقصر الراعي في الحفظ ولم يصح خيانته فلا ضمان عليه إذ ناظر بعينه لا عامل بيده.
مسألة
[ الاستئجار على سقي الزرع فأمطرت السماء ]
ومن استأجر ذيالاً على زجر صيف فزجر شهر فانضهر جون وانهل مزن بوابل فاستغنى الزرع عن السقي حتى آن حصاده فإن لم تكن للأجرة مدة معلومة ولا السقي زرع معلوم فليس للدابة إلا عنا ما سقت وإن تكن
الأجرة لأرض محددة والزرع معلوم لرب الدابة.
مسألة
[ حكم استئجار الدواب ]
ومن استأجر دابة على أن يعمل عليها مدة محددة فعليها عمل تلك المدة متى شاءها رب العمل.
ومن استأجر أجيراً ليزجر له ركية معروفة فليس عليه زجر سواها.
مسألة
[ من أحكام الاستئجار ]
ومن استأجر دابة وآلة فادعى تلفها ككسر أو مهض دابة فلا يقبل منه إلا بالبينة فإن صح أنه توى في العمل ولم يحمله فوق طاقته فلا ضمان عليه.
وقال أبو عبد الله: فأجر النهر إذا طلب النقض أو طلب إليه رجع إلى (10/102)
صفحة 1478
أجر مثله إذ هو مجهول.
وإذا رمى الراعي دابة ليزجرها فأمهظها هل يضمنها؟ فلا ولا يلزمه ما توى منها من تضيع منه لها وإن نام عنها واسترعى صبياً ضمن. ومن ضرب دابة غيره فألقت جنيناً ميتاً ضمن نقصان ثمنها كان الضرب خطأ أو عمداً وقيل: تقوم صحيحة قبل أن تلقي الجنين أو بعده فإن نقص من ثمنها لزمه وإن ألقته حياً فمات فعليه ثمنه يوم ألقته. عن أبي المؤثر: وإذا استهلكت الدابة حرثاً لا ينظر بعده نظر ألا يصلح لرب الحرث فإن كان ثمنه يوم استهلكته ترد على نفقته رب الحرث حكم له به وإن كان العناء والنفقة أكثر حكم له به والعناء هو ما أنفق على الزرع من بذور وسقي وغير ذلك سوى السماد إذ هو يتقى في الأرض.
مسألة
[ الأخذ من ثمن الأرض ]
ومن أخذ باسقة غيره نظر ثمن الباسقة وثمن أرضها فيلقى عنه ثمن
الأرض ويضمن ثمن الباسقة.
مسألة
[ الكراء على الحمل ]
ومن كارى جمالاً على حمل متاع وأمره أن يبلغه فلاناً المأمور بتبليغه إياه فأنكر فلان ذلك فعلى الحمال البينة أنه بلغ المتاع فلاناً لأنه أجير وليس بأمين وتركت الاختلاف.
مسألة
[ حكم اختلاف العقد من الإيجار إلى الملك ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن استأجر أرضاً
لسنة ثم بعد خلو بعض المدة اشتراها أصلاً فالأصح أن للمشتري من
القعادة يوم اشترى وللبائع قعادة ما سلف وإن كان بينهم شرط فعلى ما تشارطا عليه.
مسألة
[ صور من الحصاد ]
ومن اقتعد أرضاً ليزرعها فلما حصد زرعة نظر العروق فلما آن
حصاد النظارة أبى عليه رب الأرض فالنظارة لرب الأرض وعليه ثمن
الجذور للمعتقد.
مسألة
[ الكراء للزراعة ]
ومن اقتعد أرضاً لزرع قت فلما زرع رام رب الأرض إخراجه أله ذلك أملا؟ حجته له حتى يستغل القت سنة بعد الجزة الأولى وله هيس الجذور إن شاء وكذلك المممتنخ(1).
مسألة
[ صور من إخراج المستأجر ]
__________
(1) 1- الأصح: الممتنح. (10/103)
صفحة 1479
ومن أسكن آخر داره بمعمارته ثم بعد مدة رام إخراجه فإذا لم يكن أجل معلوم للسكن فهذا شرط لا يثبت ولرب الدار أجرة داره وللساكن غرمه وليس في مثل هذا الإيمان على الأرجح.
مسألة
[ إخراج بقايا الحصاد من الأرض ]
ومن اقتعد أرضاً لزرع عطب فلما حصده ترك الخشب فأبى عليه ذلك رب الأصل فعليه إبانة خشب زرعه من الأرض.
مسألة
[ كيفية القعادة الصحيحة ]
والقعادة الصحيحة لا تكون إلا في الأرض والماء وتكون ثمرة النخلة
منحة وقعادة النخلة حرام وثمرتها لربها ومحمولة عليه في الزكاة.
مسألة
[ أجر دوس الحب ]
وإذا جاء الأجير إلى رب المال فقال له: إن عاملك أمرني أن أدوس حبه فدست وأريد أجرتي فالأجرة على العامل ولو أذن له رب المال في الدوس.
مسألة
[ التصرف في الشركة قبل الاستئذان ]
ومن له شريك في أرض مع قوم فزرع شركاؤه الأرض ولم يستأذنوه وغرموا عليها غرامه فإن كان حاضراً ولم ينكر عليهم ودخلوا في العمل
على الجهل أو حسن الظن فإن أتم لهم وغرم ما ينوبه فله حصته وإلا فيقوم العدول عناءهم وله حصته مما يفي وقيل: له سهمه على مشاركة أهل البلد وكذلك الغائب.
مسألة
[ صور من المزارعة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: ومن اقتعد أرضاً ليزرعها ثمرة معلومة أو
مدة محدودة وعجز المقتعد عن الزراعة وأراد أن يقعدها غيره أو ليعطيها ليزرعها غيره فأبى عليه ربها فليس لربها منعه إذا زرعها كما كان يزرعها
المقتعد الأول وكان المقتعد الثاني مأموناً جاز على بعض الآراء والعطية
والقعادة سيان.
وركية ذوا اليتم وأرضه إذا أقعدهما وكيله أو محتسبه أو وصية الزرع
ثمرة معروفة فزرعوا وسقوا أياماً فغار ماء الركية دون القرح وإذا لم يكن
لليتيم ذنوب(1) مما زرعوه فلا غرم عليه في شحب السواقي(2).
مسألة
[ صور من المغارسة ]
__________
(1) 1- تلفظ دنوب، وذنوب: وهي ما يأخذه من الماء عن طريق الحصص.
(2) 2- شحب السواقي: قلة الماء أو جفاف السواقي. (10/104)
صفحة 1480
ومن دفع أرضه لآخر مغارسة إلى مدة محدودة فغرس واحتاج الغرس مغدودق أو قشعة جائز في المدة فقد بطل حق الغارس من الأرض وهي
لربها وإذا توى الغرس بعد خلو المدة كان للغارس حصته من الأرض.
مسألة
[ ادعاء الغارس انقضاء الأجل ]
وإذا ادعى الغارس انقضاء الأجل وأنكر رب الأرض فالبينة على الغارس لأنه مدع ولأنه يريد إثبات للشركة واستحقاق الأجرة.
مسألة
[ حكم تأجير الأرض ]
ومن جواب الشيخ صالح بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن(1): ومن
أجر أرض المسجد بدرهم وطلب درهمين فإن كان المعتقد لم يتصرف في الأرض ففيها النقض كانت للمسجد أو غيره وإن تصرف فلا نقض فيها
لأن الأصح إجازة غير العين على المتتابعين.
مسألة
[ صور من القعادة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي(2) ومن اقتعد أرضاً بحب معلوم
وأقر الزارع لهذا الزرع لأحد فعلى من تكون الأجرة كان المقتعد مثراً أو
ذو عيلة فإن لم يكن بينهما شرط أن القعادة تخرج قبل الدين وأن الغرماء
لا يشاركون فيها فكلهم في الزرع أسوة وتدخل في الإقرار.
مسألة
[ حكم انتقاء الكراء لغير المستأجر ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة ومن أكترى داراً إلى أجل
وسكنه أو لم يسكنه أيجوز له أن يكريه غيره من ثقة أو خلافه بلا إذن ربه بزيادة أجرة أو بغير زيادة فإن أقعده بأكثر مما أقعده ففي ذلك اختلاف قول
__________
(1) 1- صالح بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن: هو الشيخ العالم الفقيه صالح بن محمد
بن صالح بن محمد بن عبد السلام بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن النْزوي
الغلافقي من علماء النصف الأخير من القرن العاشر إلى أوائل القرن الحادي عشر من
أشياخه محمد بن عبد الله بن القرن، وجمعة بن أحمد الأزكوي وعمر بن سعيد
المعد وغيرهم، من مؤلفاته: حقائق الإيمان في الأديان والأحكام، وكتاب الأنوار.
إتحاف الأعيان.
(2) 1- ناصر بن خميس بن علي: يكثر ترد اسم هذا العالم وللأسف لم أجد له ترجمة، لعله
من علماء القرن العاشر، والله أعلم. (10/105)
صفحة 1481
أن الزيادة لذي الأصل وجائز أن يقعده على حال وقول للمقتعد على حال وقول: إذا أصلح المقتعد الدار فالزيادة له وإلا فهي لرب الأصل، وجائز أن يقعده غير الثقة ما لم يعلم منه تعدي.
مسألة
[ استأجر أرض بيت المال ]
وهل يجوز استئجار أروض بيت المال بجزء من غللهن بلا زكاة فلا
يجوز بلا زكاة وأما بالزكاة جائزة المعنى أن تقعد بالعشر أو نصفه بغير
شرط إسقاط الزكاة.
مسألة
[ حكم كراء المسجد لمدة معلومة ]
وكراء أرض المسجد لمدة معلومة وأجر معلوم على نظر الصلاح جائز كان بحب أو تمر أو ورق وإذا اشترط أحد على وكيل المسجد أن يغرس
فسلاً في أرض المسجد فإذا صلح للإبانة إبانة جاز إذا لم يكن على الأرض ضرر وعليه أن يختار له ما يختار لنفسه.
مسألة
[ صور من القعادة ]
وإذا كانت القعادة بجزء من الزرع فلا مدخل للديان في ذلك الجزء وإن كانت بورق فسبيلها سبيل الدين وأما الإثبات في الزراعة فهو وأرباب
الدين شرع على الأصح إلا أن يكون شرط.
مسألة
[ الاستئجار على الحراسة ]
ومن استؤجر على أن يحرس ثمرة نخل والنخل شركة بين عدة أناس
وأبا الشركاء عن تسليم ما ينوبه فإذا كانت نخل الشريك الآني لا مخرج
لها من الحرس جبر على تسليم الأجرة.
مسألة
[ البيع مع الجهالة ]
ومن اشترى ماء خياراً وآجره المشتري سنة وغير المشتري المبيع بالجهالة انتقض البيع كان المقتعد البائع أو غيره.
مسألة
[ حكم المفاسلة ]
عن الشيخ الوالي عامر بن مسعود(1)
__________
(1) 1- هو الشيخ الوالي عامر بن علي بن مسعود العبادي النْزوي تولى على نزوى للسلطان
سعيد بن سلطان بعد السيد علي بن طالب الذي كُلف بمهمة قيادة الجيوش لحرب
محمد بن ناصر الجبري الذي حاول الخروج على طاعة الإمام، وكان الشيخ عامر
عالماً وأديباً وسياسياً محنكاً استطاع الإمساك بزمام نزوى في ظروف صعبة للغاية،
وله أشعار جيدة. انظر نزوى عبر الأيام ص188-189. (10/106)
صفحة 1482
: والمفاسلة جائزة إذا كانت معروفة بجزء معروف إلى أجل معلوم ولا غير لأحد وإن جاز لأحدهما الغير
فللفاسل عناه بما تقومه العدول وإن تعذر حصول العدول كان القول قول
رب الأرض مع يمينه وللفاسل الخير بين إبانة صرمه وبين ثمنه ويرد تراباً
مكان التراب الذي أخرجه من الأرض وما استغل حوسب عليه.
مسألة
[ صور من المزارعة ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: ومن زرع أرضاً معلومة ووقت معلوم وتوى الزرع بمنهل ساج فالأجرة ثابتة على المقتعد ولا غير له وإن كانت الأرض
والزرع والأجل غير معلومين فله أجرة المثل بقدر ما استقام زرعه في الأرض وإن تلف المنهل الأرض والزرع وتعذر زرع الأرض وكانت الأجرة والزرع معلومين فعليه بحساب ما مضى من الأجرة على قدر الأشهر.
مسألة
[ أثر نقض العقد قبل قدومه ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: من أقعد ماؤه برهاً بأجر
معلوم ثم أراد نقض الأجرة للسنة الثانية قبل خلو البرهة الأولى وقبل ولوج المقتعد في العمل للسنة الثانية فالرجوع لمن أشاءه منهما على هذه الصفة
على الأصح.
مسألة
[ معنى القعادة ]
ولفظ القعادة(1) في الأرض والماء ومنحة على النخل فيقول: قد أقعدتك الأرض الفلانية وكذا كذا أثر من النهر الفلاني لسقي هذه الأرض وقد
منحتك غلة هذه النخل عن الفقيه ناصر بن خميس : وإن كانت سنة أهل
النهر إذا قد شاطئه أجناحه أتي اجتمعوا على إصلاحه ومن تخلف أجرة
__________
(1) 1- القعادة: حسب موقع الكلمة في الجملة من قعد يقعد قعوداً والقعدة بالفتح المرة
وبالكسر الهيئة نحو قعد قعدة، والجمع قواعد، ويتعدى بالهمزة فيقال: أقعدته
والمقعد بفتح الميم والعين موضع القعود ومنه مقاعد الأسواق، وقعد عن حاجته تأخر
عنها، وقعد للأمر اهتم له وقعدت المرأة عن الحيض أسنت وانقطع الحيض، وقواعد
البيت أساسه.وهنا والله أعلم اهتم بما أخذ من الأرض لزراعتها. (10/107)
صفحة 1483
عامل وشيء من الغرم من ليذوق وبال أمره فإذا كون هذا الشرط علي العامل عند دخوله في العمل جاز وثبت عليه قياساً على الشاري.
مسألة
[ عمل الشائف ]
ومن زرع زرعاً وأسبل استأجر له شائفاً فلما فر الطير من زرعه أضر بزرع جيرانه فلا ضمان عليه إذا منع الطير عن زرعه فهو مباح له وإن
وقعت الحجارة التي يرمي بها الطير في أرض الجار فعلى الشائف إبانتها فإن أضر بمال أو نفس فعلى الرامي ضمان ما أتلف خطأ كان أو عمداً.
مسألة
[ حكم خروج العامل من العمل ]
وإذا رام العامل الخروج من العمل بعد ولوجه فيه ففي ذلك اختلاف
فمن جعله شريكاً أثبت له حصته بقدر ما مضى من الزمان ومن جعله أجيراً هدر حصته إلا أن يتم عمله وإن خرج من غير عذر فلا شيء له.
مسألة
[ حكم التأجير بالعلوقة ]
ومن أعطى دابته بالعلوقة بجزء منها ولم يسم أجلاً ثم إن الأجير أراد الرجوع بعد أن طعم الدابة بعض المدة فإن أخذها إلى أجل معدود فلا
رجوع له ولا عرق حتى يمضي الأجل وإن يكن إلى غير أجل أو إلى
بلوغ ظهر الدابة فرجع فله ما أطعم بنظر العدول ورجوع رب الدابة
والأجير سيان.
مسألة
[ ادعاء ذهاب ما استؤجر عليه ]
وكل صانع بالأجرة إذا ادعى ذهاب ما استؤجر عليه فعليه البينة فإن أعجزها ضمن وإن أتى ببينة فلا ضمان عليه ولا عناء له.
مسألة
[ حكم المفاسلة المجهولة ]
وإذا كان المفاسلة إلى غير أجل ولا إلى نسع إقلاب معلومة ثم مات
أحدى المتفاسلين فهذه مفاسلة غير ثابتة لجهالة أجلها وقيل: إنها تثبت
بموت أحدهما لأنها ضرب من البيع والبيع المجهول يبت بموت أحد المتبايعين على الأصح وهذا رأي الشيخ أحمد بن مداد(1) رحمه الله.
مسألة
[ سكن الدار بدون إذن صاحبها ]
__________
(1) 1- أحمد بن مداد -رحمه الله- من عائلة مداد التي اشتهرت بالعلم وكثرة العلماء، انظر
إتحاف الأعيان الجزء الثاني آل مداد -رحمهم الله-. (10/108)
صفحة 1484
عن القاضي محمد بن عبد الله بن مداد: ومن سكن دار أحد بلا رأيه واجتمع فيه زبالة كالسماد أو غيره فذلك للساكن وعليه أجرة الدار.
مسألة
[ حكم ذهاب الغنم بدون تفريط ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: وإذا لم يأت الراعي بالدواب إلى المحلة
وأتى بها نائبه كشبله أو عرسه وذهب بعضها واحتج أن السباع افترستها
من غير اختيار منه ولا تقصير وإن أتى بسمة كشعر معز أو عهن نعاج أيعذر أم لا؟ فإذا استخلف مكانه أميناً ثقة فضاعت أو شيء منها ففي تضمينه اختلاف وإلا فهو ضامن لها.
مسألة
[ الاستئجار على خدمة النهر ]
وإذا استأجر أرباب نهر على خدمة نهرهم مقاطعة على الباع بكذا فرحاً
أو شحباً ورام أحدهما الرجوع أله ذلك أم لا؟ فنعم في ذلك النقض لمن
رامه منهما وللأجير أجرة المثل بنظر العدول.
مسألة
[ متى يخرج العامل من العمل ]
وإذا ولج العامل في العمل فلا خروج إلا من عذر ويجبر على العمل
بسما إذا كان خروجه مضراً برب المال فإن خرج من غير ففي ثبوت الأجرة له اختلاف وقول: له أجرة مثله إذا دخل في العمل وقول: لا أجرة له حتى
يتم العمل.
مسألة
[ عمل غير عمله ومدى أخذه للأجرة ]
ومن اتجر أجيراً لعمل معروف غائب فادعى الأجير أنه عمله وطلب
أجرته فأنكر الآخر فالقول قول الأجير أنه فعل وله أجرته. وإن كان العمل حاضراً كالبناء ونحوه فلا يقبل قوله إلا بالبينة وعلى الأجير الألية في الأولى
أنه فعل ما استؤجر عليه وله من الأجرة كذا.
مسألة
[ العمل المجهول ]
وإذا كان العمل مما لا يمكن الاطلاع عليه كتبليغ طرس أو ما أشبهه فالقول فيه قول الأجير والقول في الأجرة قول المستأجر ولهما الألية على بعضهما بعضاً.
مسألة
[ حكم أجرة النخاس ]
وأجرة النخاس ثابت بيعة السلعة أو ردت وقيل : إن الشرط هدر وأجرة الصائغ للتبر واللجين ليست كالصرف ولا يضيق تأخيرها إلا أنه يستحب (10/109)
صفحة 1485
أن يوفي الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه(1).
مسألة
[ أثر الموت في الطريق ]
وإذا نول أحد من صحار إلى جلفار فمات المنول في بعض الطريق
أيجوز للناخذ النول تام بالحساب فله الحساب على قدر المسافة.
مسألة
[ حكم الناسخ بالأجرة ]
والذي يعمل بالأجرة فاستأجر عريف نهر أو وكيل مسجد وهما غير
ثقتين أيحل له أخذ الأجرة منهما أم لا؟ فلا بأس عليه ولا شبهة.
عن الشيخ محمد بن راشد الريامي والناسخ بالأجرة لا يجب عليه
إعراض ما نسخه إذا لم يكن شرط عليه إعراضه وإن نسي شيئاً فعليه رده ويعجبني أن يستحل من نسخ في الاحتياط وأما في الحكم فحتى يعلم أنه
نسي شيئاً مما تجب فيه أجرة ولو قل.
مسألة
[ أثر إحلال الزوجة مالها لزوجها ]
فإذا أباحت الزوجة زوجها في مالها فعنى فيه وغرم غرامة فنكثت عليه فله ما غرم وعنى إذا كان ذلك بأمرها.
مسألة
[ حكم قراءة القرآن بأجر ]
ومن عليه قراءة جزء حول قبر أو على ما يتسبب من القرآن وفاته بعض الجمع أو من غير عذر فما خلاصه فإنه يقرأ ما فاته في جمعة
واحدة ولا ضمان عليه.
مسألة
[ الاستعانة بالغير على القراءة ]
وهل للأجير أن يستعين بغيره على القراءة أم لا؟ فلا يجوز إلا بإذن من استأجره وإن فعل ورضي له من استأجره فلا يضيق عليه في أجرته.
مسألة
[ حكم أخذ جزء من الأجرة قبل إتمام العمل ]
وإذا ادعى أن لا نفقة له حتى يتم عمله ولا يستطيع العمل بلا معاش فأما أن يداينني أو يفسخ لي أدان من سواه لأن له علي دين قد سبق فأبى أيحكم
عليه بذلك أم لا؟ فإن رب المال يحكم عليه أما أن يدين عامله أو يفسخ له
من يدان من سواه هذا رأي الشيخ صالح بن سعيد وأما رأي محمد بن عبد
الله أن رب المال يجبر أن يدين عامل أو يختار العامل لنفسه.
مسألة
[ حكم إبطال العقد ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: ومن كان ري جمالاً ليحمل له جراباًَ
__________
(1) 1- هذا حديث يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». (10/110)
صفحة 1486
معلوماً لمكان معلوم بأجر معلوم ولا يعرف ما فيه من التمر فلمن أراد منهما الرجعة فله الرجعة.
مسألة
[ الاستئجار بالخارج من الدواب ]
ومن اكترى مكاناً ليحفظ فيه دوابه ببعض ما يحصل من سمادها أو
بكله فهذا جائز ويتم عند المتاممة على بعض ما قيل.
النهج الرابع و العشرون
في الأيتام و المجانين
و العبيد و الدواب
النهج الرابع والعشرون
في الأيتام و المجانين و العبيد و الدواب
مسألة
[ حكم انتزاع مال اليتيم من غير الثقة ]
عن الشيخ الفقيه القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة رحمه الله وإذا
كان لليتيم مال في يد غير ثقة هل يجوز للحاكم أن يفرض له النفقة في ماله
أم يجب عليه أن ينتزعه منه؟ فلا يضيق على الحاكم ذلك وجائز له أن ينتزع مال اليتيم من يد وكيله إذا صحت معه خيانته وجائز تقبيض نفقته لأمه وكذلك ماله إذا كانت أمينة.
مسألة
[ ضمان الكتاب ]
ومن أخذ كتاباً باليتيم ليقرأ فيه من يد أحد ورده على اليد التي قبضه
منها فجائز على بعض القول وقول: حتى يكون القابض من يده ثقة وإذا أحدث بالكتاب حدثاً فعليه ضمان.
مسألة
[ حكم الاستدانة على اليتيم ]
ويجوز لمن يعول الأيتام من أم أو غيرها أن يدان عليهم بأمر الحاكم أو الجماعة مع عدمه إذا لم يصح لهم نفقة أو لم يصح من ينفق عليهم بالفرض
ولو زاد في الثمن بالدين ولا يجوز ترك الأيتام يهلكون سغبة(1).
مسألة
[ حكم بيع مال اليتيم ]
ولا يجوز بيع نشب ذي اليتيم إلا في دين عليهم من نفقة أو وصية من أبيهم ولا يباع في نفقة مستقبلة فإن احتاج إلى نفقة أمر من ينفق عليه أن
يدان على نفسه فإن اجتمع له شيء أخذه من مال اليتيم من غلة أو أصل.
مسألة
[ من مبطلات الوكالة ]
واختلفوا فيمن وكل وكيلاً في أولاده في مرضه في مصالحهم إذا مات بعض أثبت الوكالة وأبطلها بعض وإن جعله وصيه جاز بلا اختلاف.
مسألة
[ كيفية تولي اليتيم ]
__________
(1) 1- سغبة: جوعاً. (10/111)
صفحة 1487
وذو المس إذا استؤجر لعمل ببر ناء عن البلد فخرج للعمل فمات في
الطريق فإن كان ذاهب العقل لا يحفظ نفسه فلا نبرئه من الدية لأنه يوجد
في كتاب بيان الشرع(1) أن من استرعى ذا يتم وهو في حجره فأكله السبع فعليه الدية إذا هو ليس بولي ولا استأجره من وليه. قال أبو المؤثر(2): لا دية عليه إلا أن يرسله إلى موضع يعرف أن به سائماً فتأكله وذوا المس أشد من الصبي لأنه لا عقل له وقيل: إن نفقة الأيتام تجعل أثلاثاً الثلث بر والثلث
ذرة والثلث شعير وهو رأي شيخنا مداد بن عبد الله.
مسألة
[ حكم التصرف بمال اليتيم ]
ومن كان لذي اليتم نشب وهو في حجر أحد أله أن يسلم كسرة
السلطان من غلة مال اليتيم أم لا؟ فقد رخص في ذلك إذا صحت المصلحة لليتيم وقول: حتى يقبض اليتيم بنفسه ويقتدي.
عن الشيخ القاضي سليمان بن محمد بن مداد رحمه الله: وهل يجوز
الأكل مال الأعجم(3)
__________
(1) 1- كتاب بيان الشرع: للشيخ العالم محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي النْزوي
المتوفى في رمضان 508هـ والكتاب يقع في اثنين وسبعين جزءاً ويحتوي على
جميع أبواب الشريعة وقد حقق لحساب وزارة التراث العمانية.
(2) 2- أبو المؤثر وهو العلامة الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي –رحمه
الله- مسكنه قرية بهلا البلد الذي خرج منه علماء كثيرون كالعلامة الأصولي
محمد بن بركة، كان أبو المؤثر أعمى ولا يعرف تاريخ مولده وهو من علماء القرن
الثالث بلا شك ومن تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب وكان ممن حضر بيعة الصلت
بن مالك، عاش -رحمه الله- إلى أيام عزان بن تيم ومات في زمانه بعد قتل موسى
بن موسى وخروج الفضل بن الحواري ومبايعته للحواري بن عبد الله، والله أعلم،
انظر إتحاف الأعيان 1/201.
(3) 1- الأعجم: العجمة في اللسان بضم العين لكنة وعدم فصاحة، وعجم بالضم عجمة
فهو أعجم والمرأة عجماء وهو أعجمي بالألف على النسبة للتوكيد أي غير فصيح
وإن كان عربياً ،وجمع الأعجم أعجمون وجمع الأعجمي أعجميون، انظر المصباح
المنير 2/468. (10/112)
صفحة 1488
كالضيافة والهدية وكذلك بيعه للأصول إذا كان
بعدل السعر فإذا كان حراً بالغاً لا يعرف منه ذلك إلا بالإيماء والإشارة فلا يبعد ذلك من الجواز على الاطمئنانة وكذلك بيعه وشراءه وتزويجه
واستئجاره وتسليم الأجرة إليه وأما في الحكم فلا.
مسألة
[ شراء لليتيم ما يحتاجه ]
وجائز لوكيل اليتيم ومحتسبه أن يبتاع له المصحف للتعليم وتسليم أجرة المعلم والضحية للأعياد وأما شراء التحف فلا إذا كان مأخوذاً بنفقته وقيل:
إذا كان مثر لا يتعرى من الجواز.
مسألة
[ حكم الوصية من مال اليتيم ]
ومن عنده دراهم ليتم فاشترى له أصل مال على نظر الصلاح فله فلا يثبت الشراء لذي اليتم إذا لم يرض به إذا بلغ وله دراهمه فإن أوصي بالحق حتى يعرف حال اليتيم جاز وهو حسن وإن لم يوص فلا شيء عليه والأرجح أن يكون ذلك بنظر الحاكم أو جماعة المسلمين عند عدمه.
مسألة
[ تحلية اليتيمة من مالها جائز ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: وإذا حلي اليتيمة وكيلها
من مالها ثم توى الحلي أو بعضه فلا ضمان على الوكيل على قول من
أجاز ذلك.
مسألة
[ حكم شراء السلاح لليتيم ]
وإذا صار اليتيم تجد من يحمل السلاح فلا يجوز له شراء السلاح من
ماله إلا أن يكون مأموناً على حمله أو يحفظه له أمين.
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله: وإذا رام ولي ذي المس على
القيام به وبمصالحه وبماله جاز للحاكم إجابته إلى ذلك إذا كان في ذلك
صلاحاً لذي المس.
مسألة
[ التصرف في كتب اليتيم ]
واختلفوا في كتب ذي اليتم إذا حازوا تلفها قبل أن يبلغ إيناس رشده ويشترى له بثمنها أصل مال فأجاز ذلك بعضهم وأبا جوزه آخرون
والسلامة من ذلك أسلم.
مسألة
[ عقد الخيار بالنسبة لليتيم ]
وإذا اشتري ليتيم أصل مال فله الخيار إذا بلغ الإيناس بين المال وثمنه فإن اختار دراهمه فلا غلة له على كل حال وأما ما أخذته من شفعة من مشاع
فلا خيار له بعد بلوغه.
مسألة
[ التصرف في مال اليتيم ] (10/113)
صفحة 1489
ومن احتسب لمال يتيم فأطناه برهة ثم السنة الثانية رفع يده عنه فأطناه
غير ثقة فلا ضمان على المحتسب الأول إلا أنه إذا كان قادراً على حفظه بلا تكلف مشقة إلا أن يترك لغير ثقة.
مسألة
[ حكم تسليم المال لذي رق والطفل ]
ومن قبض شيئاً من ذوي رق أو طفولية أو مس فلا يرده إليه إلا بإذن سيد ذي الرق أو أب ذي الطفولية وأما الصك إذا كان مكتوباً لمن لا يملك أمره سلم للمزبور له.
مسألة
[ التصرف في مال اليتيم ]
وإذا طلبت الأيتام النفقة لهم مع الحاكم كيف السبيل إلى أجرتها عليهم
فإن صح مع الحاكم أن هؤلاء الأولاد هم أولاد الهالك فلان وصح عنده
نشب الهالك أمر الحاكم أمهم إذا كانت مأمونة أن تدان وتنفق عليهم وتكسوهم فإذا اجتمع لها شيء باع الحاكم من مالهم بقدر مالها إن لم
تكن غلة.
مسألة
[ التوكيل في مال ناقص العقل ]
وجائز للحاكم أن يوكل في مال ناقص العقل إذا ضيع ماله إذا صح معه نقصان عقله وأن يفرض من ماله لمن يمونه النفقة والكسوة كزوجاته وأولاده الصغار ومماليكه وغيرهم ممن يلزمه عوله بعد أن تشهد لها البينة العادلة أنها زوجته ولا نعلم أنها خرجت منه بوجه حق وكذلك وتشهد البينة أن هؤلاء الأولاد أولاد فلان وكذلك يشهدون في المال وإذا وكل القائم وكيلاً في
نشب ذي اليتم بجزء من غلة ماله وقد حلف الهالك زرعاً إن حصاده فإن
كان جعل الجزء من كل ما يحصده من ثمار ماله فحصل الثمرة فله ما جعل
له وهذا يعرف باللفظ.
مسألة
[ حكم بيع مال اليتيم ]
وإذا ادعت أم اليتيم أنه قد فطم فلا يتعرى من الاختلاف وجواز
قولها وكذلك قول من يقوم مقامها والأصح لا يباع مال اليتيم إلا لما لا
يدله منه من مئونته وكسوته وما أشبه ذلك وأما الورس والعطر فمن فضلة
غلة أموالهم إذا كانت واسعة ويجوز القياض به ما هو أصلح منه على
قول من أجازه.
مسألة
[ حكم الشراء لليتيم ] (10/114)
صفحة 1490
ومن اشترى ليتيم شيئاً فهلك الشراء والثمن ضمن وغرم ما توى كان الشراء خياراً أو قطعاً.
مسألة
[ ما يجوز أخذه من مال اليتيم ]
وجائز أخذ السلعف الذوي من مال اليتيم إذا لم يكن له ثمن وكان في إبانته صلاح من ماله.
مسألة
[ كيفية الإنفاق على الأيتام ]
وإذا أنفق من يمون الأيتام على الأيتام غير جنس النفقة أو فضل منها أو أوكس فإذا أنفق الأفضل فأفضل له وأما الأوكس فلا وجائز الاستئجار على حفظ اليتيم ونشبه على نظر المصلحة على الأصح.
مسألة
[ أكل الأم من مال اليتيم ]
وإذا كانت غلة مال اليتيم تنمو على مئونته وله أم مقترة جاز لها
الأكل من ماله بالمعروف على قول وللحاكم أن يفرض لها ذلك أو
الجماعة مع عدمه.
مسألة
[ كيفية الإنفاق على اليتيم ]
من كتاب جواهر الآثار(1) عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة:
وينفق على اليتيم من ماله ويكسى وإذا فطم فله ثلث النفقة فإذا صار
خمسة أشبار فله نصف النفقة على الأصح فإذا صار سداسيّاً فله ثلثا
النفقة إلى بلوغه وجائز لمستولي مال اليتيم أن يسلم لمن يمونه مئونته والأم
أولى بولدها.
مسألة
[ حكم وكيل اليتيم ]
وإذا كان وكيل اليتيم ثقة وصالح عن نفقة اليتيم بدراهم جاز لمن يمونه أخذها ويعجبني إذا أعطاه من قبل أن ينفق الوكيل على اليتيم ويصير له دنيا
أن يشهد علي ذلك حذر موته قبل استفراغ ما دفع إليه ولا يباع أصل مال اليتيم قبل أن يستحقه من يمونه وهو أن يدان كافله حتى إذا اجتمع له حق
بيع من المال بقدر الحق وإن تعذر الدين وحاذر على اليتيم الهلاك من
__________
(1) 1- كتاب جواهر الآثار: للشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان وحذف اسم
أبيه عن عنوان الكتاب المطبوع على نفقة وزارة التراث العمانية ويقع في سبعة عشر
مجلداً أو يزيد وهو من أمهات المراجع وذو فائدة علمية ينبئ عن غزارة علم مؤلفه،
وكان قاضياً للإمام سلطان بن سيف ومن بعده لابنه بلعرب بن سلطان، عن ندوة
الفقه الإسلامي ص194. (10/115)
صفحة 1491
السغب والمخمصة جاز بيع لما يستأنف من مئونته عند الضرورة.
مسألة
[ فرض النفقة لليتيم ]
وإذا فرضت لليتيم النفقة وصح عند من يمونه أنها تنمو عن نفقته فإن
أنفق عليه حكم فلا يسلم له فرق ما يزري وعلى قول من يقول أن النفقة لا حد لها إلا بما يزري المنفق عليه وإن لم يصح له زيادة النفقة أو كانت بحكم حاكم فلا يضيق عليه تسليمها لكافله.
مسألة
[ الضمان على المنفق ]
وإذا سلم من بيده مال ذي اليتم النفقة لمن يعوله للمستقبل فعليه اعتقاد الضمان إلى انقضاء الأجل المحدود إن حدث باليتيم حادث.
مسألة
[ أثر عور ذي الرق والجناية عليه ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن عور عين ذي رق أو كلم
أذنه حتى انفرد منها شيء أو كواه وأثرت فيه النار(1) أو كسر عضو منه أو
أنمله خطأً أو عمداً فإذا كان السيد بالغاً ومثل بعبده عمداًً عتق العبد وأما
على الخطأ فحتى يجتمع الدية كلها ولا يعتقد(2) عبد الصبي ولا ذي المس
إذا مثل به(3).
مسألة
[ حكم تصرف الأب في مال ولده بالعتق ]
واختلفوا في عتق الأب مملوك ولده والأصح أن عتقه ماض وإن عتق
مملوك ولد ولده ففيه أيضاً اختلاف والأصح لا عتق عليه.
مسألة
[ موت السيد والعبد آبق ]
وإذا أبق القن(4) من سيده فلما رجع رأى سيده قد مات ولم يخلف
وارثاً فإن الأبق لا يزح عنه الملك وهو على ما كان عليه من الرق ويتخلص
__________
(1) 1- عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن وليدة أتت عمر وقد ضربها سيدها بنار
-أو أصابها- فأعتقها عليه. أخرجه الموطأ 2/886.
وعن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مثَّل بعبده =
(2) = عتق عليه، وإن كان لغيره كان عليه ما نقص من ثمنه» انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 8/77 رقم 5918.
1- الأصح: ولا يعتق.
(3) 2- والسبب في ذلك أن الصبي وذي المس رفع عنهما التكليف والله أعلم.
(4) 3- الآبق: هو العبد الهارب من سيده. (10/116)
صفحة 1492
مما لزمه لسيده للفقد.
مسألة
[ دية إسقاط المرأة ]
وأما صفة غرة العبد هي رقبة عبد ذكراً كان أو أنثى وهو إذا ضرب
رجل امرأة فألقيت جنيناً ميتاً فعلى غرة عبد أو أمة فإن كان الجنين ذكراً
فعليه غرة عبد قيمته ستماية درهم وإن أنثى فغرة ثمنها ثلاثمائة درهم وإن
عزب عليه فديته أربعمائة وخمسون درهماً(1).
مسألة
[ أثر من قال لمملوكه أنت حر ]
ومن قال لمملوكه أنت حر قبل موتي بثلاث ففيه اختلاف قول: من حينه لأن مدة الحياة مجهولة وقول: لا يبيعه قبل أن يموت هو أو العبد بثلاث أيام يصير حراً وله أجر ما استعمله في الثلاث قبل موته أو موت العبد.
مسألة
[ الحث على الرفق بالعبد ]
وإذا استعمل العبد سيده بعد العتمة وقبل طلوع الفجر فلا ضمان عليه ونحب أن يكون رافقاً به إذ هو أسيره(2).
مسألة
[ أثر مباشرة القينة ]
ومن سرق قينة فباشرها ولدها فعليه عقرها فإن كانت بكراً فعشر ثمنا
وإن كانت ثيباً فنصفه على الأصح واختلفوا في العقر فقول: يلزمه لكل
وطية عقر وقول: يلزمه عقران وقول: عقر واحد وأولاده فهم رقيق سيدها
__________
(1) 1- دية الجنين: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما
الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقضى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أن دية جنينها غرةٌ، عبد أو وليدة... الحديث أخرجه البخاري ومسلم والموطأ
والترمذي وأبو داود والنسائي، انظر جامع الأصول 4/428 رقم 2508.
(2) 2- حث الإسلام على الرفق بالعبيد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت
أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم
مما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 8/49
رقم 5888. (10/117)
صفحة 1493
وإن بارعهم(1) لأبيهم فبإحسان منه.
مسألة
[ من أحكام العبد ]
ومن اشترى عبداً اغتنم ممن هو في يده وحرزه جاز شراءه وعتقه عن الشيخ عبد الله بن محمد بن مداد: وإذا طلبت زوجة العبد من سيده النفقة والكسوة فإن نكحها بإذنه لزمه ذلك وحكم عليه به وإلا ففي رقبة العبد
يباع ويؤدى عنه إن أبى السيد عن ذلك.
مسألة
[ نكاح الحر لأمة ]
وإذا نكح القينة الحر ثم طلقها وهي حبلى أريت لو أعتق السيد ما في قبقبها فإن وضعته حياً وقد حرر فنفقته على أبيه.
مسألة
[ من أحكام أموال العبد ]
عن الشيخ الوالي عامر بن محمد بن مسعود: من رقب عبده بعد موته وأجره إلى أجل ومات السيد قبل خلو الأجل فإذا مات سيده بطلت الأجرة وصار الخيار للعبد فإن أتم عمله فبالحساب منذ مات سيده وإن شاء ترك
وقال بعض أهل العلم: إذا ا ستفاد هذا العبد فائدة وآب بعد موت سيده فادعى الورثة أنه استفادها وهو في الرق وادعى هو أنه استفادها وهو حر فالقول قول العبد مع يمينه إذا لم تكن بينهم بينات.
مسألة
[ الجناية على العبد خطأً ]
ومن أكلم ذا رق خطأً فحرر فإن أرشه لسيده المعتق لا المعتق وإذا اشترى ذو الوصب قينة ليسترد دينه بها إذ لا زوج له فاسثراها جاز له النظر إلى
سؤتها ومسه وجاز لها ذلك منه ولو ذهب باهه.
مسألة
[ عول الصغيرة الرقيقة ]
عن الفقيه النْزيه ناصر بن خميس: إذا كانت الأمة صغيرة كابنة خمس
سنين إلى دون ذلك فنعم إذا عتقت مضى عتقها فإن كان عن لازم عيلت
من نشبه إلى الإيناس وإلا ففي لزوم عولها اختلاف.
مسألة
[ الوصية بالعتق ]
وإذا أوصى موص بعتق رقبة مؤمنة فالأصح عندنا أن يعتق عنه رقبة بالغة موحدة سليمة الجوارح لتكسب ولا يعجبني عتق الصبي عن واجب ولو
عاله وإن مات معتقه ففي ثلث ماله.
مسألة
[ حكم كوي المولى عبده ]
__________
(1) 1- بارعهم: لعلها باعهم، أو يكون معنى الكلمة تنازل عنهم لأبيهم من قبيل التخلي. (10/118)
صفحة 1494
عن الشيخ صالح بن سعيد: وإذا كوى المولى عبده ففي عتقه اختلاف إذا أثرت النار فيه إذا كان يرجى به بري وصب كان السيد ذكرا أو ذا عبودية.
مسألة
[ أي الرقاب تعتق ]
عن الشيخ عامر بن محمد بن مسعود: ومن لزمه عتق رقبة لا يجز به
عتق المدبر(1) إذا اشتراه على الأصح ومن اشترى عبداً خياراً فقبضه فمات
في يده فهذا بيع جائز وقد توي ما فيه ولا حجة للمشتري عن البائع.
مسألة
[ أثر الإشهادة على ترك المباشرة ]
ومن أشهد على ترك مباشرة قينته التي باشرها فجاءت بولد لسنتين فما
فوقها منذ شهد فالولد ولده ما لم يخرجها عن ملكه أو تزوجها ولو زادت
المدة على السنتين وقد أجاز المسلمون الوصية للعبيد بعد استحقاقهم العتق
ولم يجيزوا لهم الإقرار.
مسألة
[ اختلاف الادعاء حول الصبي ]
وإذا ادعى متحنف أن هذا الصبي عبده وادعى كتابي أنه ولده ولم تكن لهما بينات فهو حر مسلم ويسعى للمسلم بنصف ثمنه وإن مات الكتابي
ورثه مسلماً.
مسألة
[ حكم عتق الصبية عن الظهار ]
ومن أعتق رقبة صبية عن واجب لظهار(2) أو يمين فعليه عوله في ماله من نفقة أو كسوة إلى إيناس رشده وإن تطوع بعتقها ففي مئونته اختلاف وإن رجعت إلى ورثته معتقها أنفقوا عليها من مال معتقها إلى بلوغها ولا تترك
كلا على الناس وقيل: إذا عتقت فنفقتها على أبيها والأول أصح.
مسألة
[ زواج المملوك من الأمة ]
ومن له مملوك ذكراً أو أنثى ففي تزويجها ببعضهما بعض اختلاف
واللفظ أن يقول زوجت فلان مملوك فلان بأمته فلانة بإذن سيدها فلان ثم
__________
(1) 1- المدبر: والذي يعتق بعد موت سيده.
(2) 1- الظهار: مصدر ظاهر يظاهر ظهاراً. وفي الصحاح يقال : ظاهر من امرأته وتظاهر
وأظهر.. وهو قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي.
واصطلاحاً: تشبيه المسلم زوجته أو ما يعبر به عنها أو جزء شائع منها بمحرم
تأبيداً، وقال العيني -رحمه الله- تشبيه المحللة بالمحرمة على وجه التأبيد. انظر
أحكام الظهار للمحقق. (10/119)
صفحة 1495
قيل: هذا وبعد ما سرحناه من اللفظ في عقد التزويج ويقول العبد: قد
قبلت فلانة أمة سيدي فلانة زوجة لي على هذا الصداق عاجله وآجله
وقبلت لها على نفسي بذلك.
مسألة
[ جواز عتق أعور العين ]
عن الشيخ خميس بن سعيد: ويجوز عتق أعور عين في الوسيلة وأما عن اللازم ففيه اختلاف والأصح جوازه إذا كانت رقبة سليمة قادرة على
كسب قوتها.
مسألة
[ حكم كي العبد لطلب الشفاء ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: ومن كوى عبده لنظر الصلاح أوامر بكيه لطلب الشفاء وكان العبد بالغاً ورضي العبد ذلك فبعض رآه عتقاً له وبعض
لم يره عتقاً وإن كان العبد صبياً فأشدد فيه اختلاف.
مسألة
[ حكم إيذاء العبد من أجل الإصلاح ]
وإذا ربط سيد العبد جسد عبده من وصب لحقه على نظر الصلاح فلا عتق عليه ما لم يضر جارحة أو يخرق أذناً وإذا آذت العبد سنه فأبانها
سيده نظراً لصلاحه فلا عتق عليه وإذا حررت القينة الحبلى سرى العتق في ولدها ولم يذكر وإذا عتقت وقد خرج من الولد بعضه ولم يستكمل
خروجه عتق.
مسألة
[ حكم علف الدابة من الشيء المتنجس ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: وجائز أن تعلف الدابة الشيء المتنجس على قول وأما المسكرات فلا وفيها ترخيص إذا كانت
لبعض المنافع.
مسألة
[ حكم جناية الدواب ]
وإذا تقدم الحاكم على رعيته أن لا يطلقوا دوابهم في حريم البلد فأطلق أحد دابته ليلاً أو نهاراً فأضرت بحرث قوم فعليهم ضمانه والعقوبة سيما
إذا كان الحاكم قد تقدم عليهم ولو أطلقوها في مباح ولو خرجت الزراعة
من القرية.
مسألة
[ إطلاق الدابة بالنهار ]
وأما إذا طلق رب الدابة دابته بالنهار في موضع ما من فأضرت بحرث
لزمه أيضاً ضمان ما أضرت وقيل: لا ضمان عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «على الناس حفظ دوابهم بالليل وعلى أرباب الحروث حفظ حروثهم بالنهار»(1) وقيل
هذا خاص بالمدينة والأول أرجح.
__________
(1) 1- الحديث بالمعنى وهو صحيح المعنى. وهذا ضمن المتلفات وكيفية علاجها. (10/120)
صفحة 1496
مسألة
[ حكم جناية الدابة بعد هروبها ]
وإذا أوثوب(1) الدابة دابته بما يوثق به مثلها إذا أحرزها بما يحرز مثلها فأنفلتت إذا حدثت فلا ضمان عليه فيما بينه ويبن الله وأما في الحكم
فضامن حتى يصح أنه أوثقها بما يوثق به غيرها.
مسألة
[ على الراعي ضمان الدابة ]
وإذا كانت الدابة عند راع بالأجرة فأضرت بمال أو نفس فضمان ذلك على الراعي لا على رب الدابة.
مسألة
[ حكم اقتناء الطير وجنايته ]
ومن اقتنى طيرا فأضر على أحد حرثه فتقدم على أربابه فلم يمنعوه جاز
له أن يجعل له حبّاً مسموماً ولا ضمان عليه على قول وقيل: يرفع أمره
إلى الحاكم أو الجماعة ليزيحوا عنه ضرهن وإذا تعذر حصول المنصف جاز
ما ذكرنا.
مسألة
[ حكم إطلاق الدابة في القرية ]
ومن أطلق دابته في المرعى المباح وأضرت في القرية ما أضرت وقيل: لا ضمان عليه.
مسألة
[ من أحكام الدواب ]
عن الشيخ عامر بن محمد بن مسعود: والدواب المرغودة في الفيافي
والقفار إذا أضرت بحرث قوم وعزب على أرباب أهل الحرث علم أربابها
فإن كانت مما يخدم استعملت وأطعمت من عملها وقيل: بل تطعم
ويحسب على أربابها وقيل: يؤتجر لها راع يحفظها والأجرة على أربابها
فإذا استفرغت أثمانها بيعت في مئونتها وهذا كله يكون بنظر الحاكم.
مسألة
[ الضمان على أرباب المواشي ]
ومن زرع في فلاة قوم يرغدون فيها مواشيهم أو بإزاء موردهم فأضرت المواشي بحرثه ففي ذلك اختلاف قول: عليهم الضمان وقول: لا ضمان
عليهم سيما نهاراً.
مسألة
[ أحكام في اغتصاب العبد ]
ومن اغتصب عبداً ثمنه مائة درهم فرباه فصار يساوي ألف درهم ثم
نقص ثمنه حتى رجعت قيمته إلى مائة درهم فقيل: إذا أراد المغتصب العين
بري زادت القيمة أو نقصت وقيل: إذا نقص ثمنه عن ثمنه يوم اغتصبه
ضمن النقصان وقيل: يرد العين وستمائة درهم التي زادت عنده في العبد
لتعديه في حبسه وعليه التوبة ويلزمه أجرة استعماله.
مسألة
[ حكم غصب الصبي ]
__________
(1) 2- أو ثوب: الأصح: أوثق. (10/121)
صفحة 1497
ومن غصب صبياً حتى صار معه شيخاً ففي ذلك اختلاف قول: عليه أفضل الثمنين وقول: يرده وعمله.
مسألة
[ أحكام العبد الآبق ]
ومن وجد عبداً آبقاً فاحتسب له وقبضه لسيده فأبق العبد فإن نوى
الاحتساب لربه فلا غرم عليه وأما أبو الوليد فإنه ضمنه لأنه فعل ذلك برأي نفسه وقيل: ينظر حال الأخذ فإن كان ممن يتحرى على أخذ أموال الناس ألزمناه الضمان ولم تصدقه وقيل: يضمن إلا أن تصح أمانته.
مسألة
[ قبض المال من غير وكالة ]
ومن رأى مالاً لأخيه المسلم فقبضه من غير وكالة من ربه إلا على سبيل الاحتساب فلا ضمان عليه كان في دار الشرك أو في الإسلام.
مسألة
[ التعامل مع العبد الآبق ]
ومن وجد عبداً آبقاً فظن أنه لبعض إخوانه فإذا هو ليس له فأفتاه بشير(1) ومنازل وموسى(2) أن يشهد عدلين ويرد العبد إلى موضعه بحضرتهما ثم هو بريء قال هاشم(3): وكذلك الدواب.
مسألة
[ حكم الغصب ثم البيع ]
ومن غصب قينة فباعها فأعتقها المشتري عتقت إذا لم يعلم المشتري أنها
مغتصبة ويرجع رب القينة على مغتصبها فإن أعتقها ولم يعلم أنها مغتصبة
ثم صح ذلك وطلبها ربها فلا شيء عليه على المشتري.
مسألة
[ ضمان الحيوان لصاحبه ]
ومن أخذ حمارة لغيره فتسنمها بغير رأيه ثم أطلقها فضاعت ضمنها
وضمن أجرة استعمالاها وقول: عليه الكراء وما أنقصها ولا يضمن ثمنها.
وهذا كله إذا صح تعديه عليها. ومن أخذ دابة لغيره ثم أعطاها آخر فتلفت فضمانها على الأول وإن علم المدفوعة إليه الدابة أنها لغير الدافع ضمن
للأول وإن لم يعلم فلا ضمان عليه ومن علم بدابة مسروقة فلا يجوز
الانتفاع منها شيء بشيء.
مسألة
[ حكم الاشتراك في الجريمة ]
ثلاثة نفر أخذ أحدهم دابة وأمسكها الثاني وذبحها الثالث وأكلوها معاً
__________
(1) 1- بشير: أعتقد أنه بشير بن محمد بن محبوب وهناك غيره بشير بن المنذر.
(2) 2- موسى بن علي بن عزرة الأذكوي، والله أعلم.
(3) 3- هاشم: هو هاشم بن غيلان السيجاني، والله أعلم. (10/122)
صفحة 1498
ثم راموا الخلاص فعلى ممسكها نصف ثمنها وعلى الذابح ضمان جملتها
فإن تاب الآكل رد على الذابح نصف الثمن.
مسألة
[ حكم التعاون على غصب دابة ]
وإذا تعاون قوم على غصب دابة ثم تابوا لزمهم ثمنها على رؤوسهم
وهذا على قول من يقول: إن الدابة لا ينحري(1) وإن تاب أحدهم كان الممسك والذابح ضمن الثمن ومن تاب منهم بعد صاحبه رد عليه ما لزمه.
مسألة
[ حكم استعمال الدابة دون إذن صاحبها ]
ومن كتاب الأشياخ ومن ادعى على آخر أنه استعمل دابته بلا إذنه فأنقصها استعماله لها وأقر الآخر باستعمالها وأنكر النقصان ثبت عليه ما أقر
به من الاستعمال وعلى رب الدابة البينة بما يدعيه من النقصان ومن أخذ
دابة غيره فضمرت من سغب أو ظمأ فإذا لم تنقص عن ثمنها ولم تخل المدة
ما يمكن أن تنقص فيه فلا أرى على المستعمل إلا الوزر مع أجرة الاستعمال والقول في الضمان قول الغارم مع يمينه.
مسألة
[ اغتصاب الأرض والمختلط ]
ومن اغتصب مما يختلط بعضه ببعض كالأرض والنخل فخلطه حرم
عليه الانتفاع بشيء من المخالط لمختلطه كله ولا يحل شراؤه ولا بيعه لمن
علمه وإن لم يمتزج المغصوب بماله فلا بأس عليه وعليه التخلص مما
اغتصبه فقط.
مسألة
[ حكم غصب الميراث ]
ومن اغتصب شيئاً ممن يرثه فرد إليه المغصوب بالميراث فبعض حرمه إذا أخذه على نية فاسدة وبعض أحله له وجعله غاصباً في فعله وعليه التوبة.
مسألة
[ من اغتصب أرضاً ]
ومن اغتصب من أحد شيئاً ثم اغتصب المغتصب شيئاً كحقه أو دونه
حل له ذلك لقوله تعالى: { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } (2). عن الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله: ومن اغتصب لبن
مرضعة فمات ولدها فإن كان في موضع لا يجود للمولود غذاء ولم يدرك
فعليه دية الولد وإن كان في موضع يوجد فيه الغذاء فعلى المغتصب الأدب والعقوبة.
__________
(1) 1- هكذا في الأصل: والمعنى تقسيم أثر الجرم على المشتركين فيه.
(2) 1- سورة الشورى آية 41. (10/123)
صفحة 1499
مسألة
[ سرقة النبات ]
ومن لقح باسقة فجاء أحد فسرق النبات فتفر فدث(1) الباسقة فبعض ضمنه نقصان الغلة وبعض ضمنه ثمن النبات.
مسألة
[ حكم سرقة النباتات ]
ومن سرق نباتاً من فحل غيره ولقح به نخله فعليه ثمن النبات يوم سرقه وإن فسدت نخل المسروق من عدم النبات فعليه ضمان ما توى من غلة
مال المسروق.
مسألة
[ ضمان ما توى ]
ومن هدر ركية قد زرع عليها أو نهر فضمان ما توى من فعله
كله عليه وكذلك ما توى من نقب جدار بيت فدخله سارق من ذلك
النقب أو فجر حضار زرع فدخلت دابة فأفسدت فعليه ضمان ما
أفسدت من سببه.
مسألة
[ حكم زراعة الحب المغصوب ]
ومن اغتصب حباً فزرعه في أرضه فله زرعه ويضمن ثمن الحب ومن اغتصب فسلة فغرسها في أرضه فالخيار لرب الفسلة إنشاء الفسلة أو ثمنها الفرق إن الحب يتعذر حصوله لربه لاستهلاك الأرض له والفسلة قائمة العين وما كان قائم العين فالخصومة في عينه.
مسألة
[ حكم فسل الفسائل المغصوبة ]
ومن نقص الذرة وقود القعبص وأبدان السكر وما أشبه ذلك فحكمه كالفسل لا البذور ومن اغتصب فسيلة من الأرض فغرسها أو زرعها فهو
بيع للأرض أعني الزرع وأما الباسقات والدوح ففيها الاختلاف قال بعض: يقوم الأرض عامرة وما فيه ثم الخيار لربها فإن شاء أعطاه ثمن الفسل وأخذه
مع أرضه وإن شاء أذن له في إخراجه من أرضه وقيل: تكون الأرض بينهما بالحصص على قدر ثمن الأرض والفسل قال أبو معاوية(2): يعطيه ثمن
__________
(1) 2- هكذا في الأصل.
(2) 1- أبو معاوية: هو عزان الصقر النْزوي العقري مسكنه غليفقة من عقر نزوى ولا زال
منْزله معروفاً بها، وكان من علماء عُمان ولعله من قبيلة اليحمد، وكان هو والفضل
بن الحواري فيما يروى كعينين في جبين واحدة كانا يضرب بهما المثل في عُمان
لعلمهما وفضلهما فمات عزان قبل وقوع الفتنة وأدركها الشيخ الفضل بن الحواري،
توفي عزان بصحار سنة 268هـ انظر إتحاف الأعيان 1/195-196. (10/124)
صفحة 1500
فسله وقيل: ثمن الفسل وغرامته ولا عناء له وقيل: لا شيء له والأرض
وما فيها لربها وكذلك القول في البناء.
مسألة
[ حكم قطع الزرع دون إذن صاحبه ]
ومن أصرى زرعاً لسواه قبل أن يثمر فقال بعض يلزمه ثمنه يوم قطعه
كما يستوي في حينه علفاً وقول: يلزمه مثلما يثمر مثله من الزرع حبّاً أو
ثمنه هذا رأي سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأما القت ومثله مما
ينبت مرة أخرى فإنه يقوم.
مسألة
[ حكم قطع الغراس ]
عن موسى بن علي: ومن أصرى باسقة سواه غرسه له فسلة وأعطاه مكانها باسقة حتى تثمر الفاسلة وقيل: تقوم النخلة بلا شرب وقال وارث
بن مبشر: ينظر إلى فسلة الأرض فيعطى رب الباسقة مثلما يأخذ الفاسل
نخلاً من مال القاطع وله أرضه وماؤه.
ومن أضرح ميتاً في قيعة قوم قسراً فلا يغير الضريح ولرب القيعة ثمنها
عليه ولا يمنع رب القيعة من الانتفاع بها.
ومن حفر ركية في أرض قوم قسراً فالركية لرب الأرض ولا عرف للمقتسر.
مسألة
[ ما يدفع مقابل الغصب ]
سن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من اغتصب(1) شيئاً مما يكال أو يوزن كالورق من تبر
أو لجين أو طعام أو ما أشبه ذلك فاستهلكه أن عليه مثلما اغتصب من جنسه ووزنه وكيل وقول له: الخيار بين الجنس والثمن يوم أتلفه وأما التبر واللجين فعليه مثل ذلك لأنه هو القيمة.
مسألة
[ حكم إتلاف المغصوب ]
ومن اغتصب قرشاً أو خرقاً فأبلاها أو أفسدها فلربه الخيار بين أخذ عين المغصوب وما نقص وبين أن يضمنه إياه كله وبأخذ ثمنه والقول قول
الغاصب في الثمن مع يمينه.
ومن سقى زرعه بماء حرام قول: إن الزرع يحرم وقول: لا يحرم
والأصح لا يحرم وضمان الماء على مغتصبه.
مسألة
[ حكم الانتفاع من المغصوب ]
__________
(1) 1- الغصب أخذ الشيء رغماً عن صاحبه ودون رضاه فوجب عليه إعادة الشيء
المغصوب، وقد بحث أهل الأصول حكم الصلاة في الأرض المغصوبة وفي الثوب
المغصوب، والغصب له أحكام متعددة. (10/125)
صفحة 1501
ومن اغتصب حطباً فلا بأس بالاقتباس بناره لغير مغتصبه وأما من الحمم والجم فلا.
واختلفوا في معاملة من بيده الحلال والحرام فقول حكم ما في يده حلال حتى يصح حرام ذلك وقول: بالعكس وقول: على الأغلب من أمره.
مسألة
[ حكم أخذ الساقط من الشجر ]
والعسل الساقط والصمغ واللقاط وما كان من معو فالإجابة مع أرباب الدار فلا بأس به ولا يحل من الأمكنة المحظورة كصحار وما أشبهها.
ولا بأس بقضاء الحاجة في البيوت غير المسكونة لقوله تعالى: { لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَة } (1).
ومن وقع من سطح دار على أحد فمات الواقع فلا دية له وإن مات الموقوع عليه فعلى عاقلة الواقع ديته.
مسألة
[ حكم ضمان الساقط عن النخلة بصوته ]
ومن طلع باسقة فصرخ على أحد فنجعه فإن كان الطالع رب الباسق أو عامله والداخل بغير إذن لم يلزمه له شيء وإن أذن له رب المال بالدخول
فعليه ديته.
مسألة
[ حكم وقوعه وعلى من ديته ]
ومن رقي غيره باسقة فسقط عليه فنجعه فعلى عاقلة المسترقي الدية وإن ماتا جميعاً معاً فلا شيء على الأسفل وعلى عاقلة الساقط ديته.
مسألة
[ أثر موت المسترقي ]
وإن مات المسترقي فلا شيء على معين وهو والراقي.
مسألة
[ ضمان من حفر في طريق الغير ]
ومن صرح في خب(2) وجز ثاني الثالث فإن الأول يضمن للثاني والثاني للثالث ولا ضمان على أحد للأول أن لا يكون حافر الخب تعدى في
حفرها في طريق أو حيث لا يجوز له حفرها فعليه الضمان.
مسألة
[ حكم صرع الإنسان وموته ]
ومن دفر شخصاً فصرع على أجر فنجعه ضمن الدافر لهما ولا ضمان على المدفور الأول للثاني لأنه مغلوب عليه. ومن وضع حجراً في الطريق
فعثر به آخر فمات فالضمان على الملقي بحجرة.
مسألة
__________
(1) 1- سورة النور آية 29.
(2) 1- الخب: الحفرة العميقة. وهذا حصل في اليمن في عهد الإمام علي بن أبي طالب عند
عندما سقط القوم على الأسد فأفتى هكذا رضي الله عنه. (10/126)
صفحة 1502
[ حكم سدع الشخص صاحبه ]
والماشيان أيهما سدع صاحبه ضمنه وإن تألم السادع من المسدوع ففيه سوم عدل.
مسألة
[ حكم ضمان تلف السفن ]
وإذا صدقت الجارية فعلى ركاب الصادقة لركاب المصدوقة فالضمان إذا
توت أمتعتهم ورسبت جاريتهم بقبق الخصم وإن توت الصادقة فلا شيء
لها وإن تلاقتا وتصادفتا متاضمتنا لبعضهما بعض ما توى منهما إذا كان
بهما ركاب وإلا فلا ضمان لأحديهما على الآخر إذا كانتا تجريان جملة
وإذا تصادما فارسان أو ماشيان ضمن كل واحد منهما ما أصاب صاحبه
وهو على العاقلة لأخطاء وإن كان فيهما ذوا رق فالضمان في رقبته.
مسألة
[ أثر العين وحكم الضمان ]
ومن عرف نفسه أنه عيون فنظر إلى شيء فأصابه لزمه ضمانه.
مسألة
[ من أحكام السفن ]
وأجرة الراكبين للجارية من عدن السيف للجة اليم لركوب الجواري
فعلى السنة والعرف بين أرباب الضرب والجواري.
مسألة
[ حكم الجعل للإنقاذ ]
عن مسعدة بن محرز: ومن أنقذ جاريته وغرقت في اليم مع حملها
فأذن لمن أنقذ شيئاً فهو له فلا يثبت هذا الشرط وله أجر مثله وإن من قال
أنقذ شيئاً فله جزواً ثبت.
النهج الخامس و العشرون
في الأنهار
و الآبار و حفر الطرق
النهج الخامس والعشرون
في الأنهار و الآبار و الطرق
مسألة
[ مقدار حريم الساقية ]
عن الشيخ الفقيه القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان إذا
كانت الساقية جائزة ورام ربها غرس شاطيها فإنه يفسح عنها ثلاثة أذرع
وقول ذراعين وقول: ذراع وقول: ما لم يضر بجري الماء هذا إذا ملك
شاطئ الساقية وبين أرض رب الأرض جدار له وكانت الساقية خلف الدار ليست للمال فإنها تكون للأملاك فإن أراد رب المال الغرس بإزائها فسح
عنها ثلاثة أذرع للباسقات لأنها ليست له في الحكم فإن كان له على
وجهين لينات حكم بها فإن كانت له فعلى ما سبق من الاختلاف.
مسألة
[ كيفية إعمار أرض المسجد ] (10/127)
صفحة 1503
ومن رام عمار قيعة بإزاء مسجد فإن نطلها فسح عنها كما ينطل ثلاثة أذرع وليس فوق الثلاث فسبح ولو نطل فوق الثلاث على الأصح إلا أن تكون القيعة تنهار فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام وإن أراد الانتفاع بزرعها
أو سواه من غير أن نبطلها فعليه الفسح بقدر ما لا يمس جدار المسجد الماء للباسقة وللشجر غير ذوات السوق ثلاثة أذرع وللشجر من ذوات السوق كالأبناء والسدر وغيرهما.
مسألة
[ مقدار الفسح للباسقة ]
ومن كانت قيعته بإزاء المسجد ورام غرسها فسح للباسقة ستة أذرع وللقرط وشبهه تسعة أذرع كالصبار والفرصاد.
مسألة
[ كيفية الانتفاع بالوادي ]
وإذا مر الوادي في قرية وعلى شاطئه باسقات وعمار ورام أحد كبس ما قابل ماله لينتفع به ولم ينكر عليه منكر وأنكر أهل ذلك ففي ذلك اختلاف قول لا يجوز له ذلك وقول إذا لم ينه كبسه بأحد جاز له إلى ثلث الوادي والسلامة من ذلك أسلم.
مسألة
[ حكم الإحداث على السواقي ]
ولا يجوز الإحداث على السواقي من جميع الأحداث إلا ما سبق وإذا مالت شجرة المسجد على أحد فعلى الحاكم أن يأمر بصرفها وكيله فإن لم يكن له وكيل أ غير وأن تعذر حصول الحاكم فجماعة المسلمين وجائز
للوكيل صرفها ولو لم يأمره الحاكم إذا كان ثقة.
مسألة
[ أثر امتداد الباسقة ]
وإذا كان على جر شجرة لأحد وبإزائها صرم لآخر فأنافت الشجرة على الصرم ولم تكن بينهن جواميد فالأرض التي بين الشجرة والصرمة المقابلة
لها نصفان على الأصح وقيل إن الشجرة لا تقايس الباسقات.
مسألة
[ أثر تجاوز النخلة حدودها ]
وإذا أنافت النخلة والشجرة على مال الجار صرف ما زاد وقول بعد الحكم وقول ما ناف وهذا إذا انتقل المال عن النائفة عليه إلى غيره ورام
صرفها وأما عن النائفة عليه فتصرف كل النائف.
مسألة
[ من يلزمه خدمة النهر ]
وإذا كان على شاطئ الوادي باسقات تشرب بأصولها بلا نهر ولا زجر وبإزائها في الوادي نهر هل لأهله خدمته فهذا ومثله تجري أحكامه على (10/128)
صفحة 1504
النظر فإن لم تكن الباسقات مضرة في إصلاح منع أربابه من ذلك وإلا فلا. ويجوز تخطيف ساقية نهر في الطرقات رائز(1) إذا أمنت المضرة على المارين
على بعض القول وقول: لا يجوز وهو الأرجح وإن تغاضى الحاكم لمن فعل ذلك وسعه ويجوز استعمال قنطرة على هذه الساقية على قول.
مسألة
[ أثر ملك الباسقات المارة في أرض الغير ]
وإذا كان على ساقية باسقات وهي لمن يملك أمره وهو مار في أملاك الناس في بعض صرحات المساجد فلا يجوز لأربابه تعزيره على أصل ما
كان وليس لأرباب الأملاك الأصلان منعهم أن يسموه إذا راموا ذلك
وجائز لهم إزاحة شحبه من كبس أو غيره.
مسألة
[ كيفية الاستفادة من الأنهر ]
وإذا كان نهران لدار واحدة ومخرجهما من واد وأحدهما أعلى من
الآخر فلا يجوز لأهل النهر ألا على خدمة نهرهم زيادة عن الأصل إلا ما
كان من شحب ومثله وأما أرباب النهر الأسفل فلا يمنعون من ذلك إذا
آمنت المضرة والضرر المرفوع ولو تمت المسافة بينهما على خمسمائة ذراع
بينهما قول يفسحون خمسمائة ذراع إذا كانت خدمتهم دون منافع الأعلا.
مسألة
[ ما بين الفلجان من مسافة ]
وإذا أدرك الفلجان بينهما أقل من خمسمائة ذراع ثم تبين لأحدهما
ساعدا فرام أربابه إصلاحه وادعى أرباب النهر مضرة فإذا صح أن هذا
الساعد يطرح ماؤه في هذا النهر لأهله إصلاحه ولو جر ماء سبعين ساعداً
ما لم يتبين ضرر على الفلج الأسفل فإن تبين فالضرر مصروف.
مسألة
[ مقدار حريم طريق الفيافي ]
وإذا عمر قوم مرتا وبه طريق أجائز أو لم يجعلوا للطريق حرماً كما جاء
في الأثر طريق الفيافي وكم يكون حريم طرق الفيافي ففي ذلك اختلاف
قول من كل شطر أربعون ذراعاً وقول حريمها ما لم يضر بها مؤخر وقول عشرون ذراعاً مقدم فعلى هذا القول يجوز التغاضي للقائم بالأمر.
مسألة
[ صورة من الاستفادة من الوديان ]
__________
(1) 1- كملة غير واضحة والسياق: ويجوز تخطيف ساقية نهر في الطرقات أيبرأ إذا... (10/129)
صفحة 1505
وإذا كان ماء الوادي تالدة يطفو أو تارة يرسب وبه قبلان للديار متفرقة ورام أحد فجر ركية فيه أو فجر نهر وزرع على شاطئه فاعلم أن من رام حدث ركية يجب هذا الوادي فسح خمسمائة ذراع عن منافع الأنهار وقول
ما لم تصح المضرة فلا يصرف الزرع وقول لا يلتفت إلى المضرة فإن لم يفسح خمسمائة ذراع صرفت الركية ولو توى زرعها وإذا كان بين الباسقتين موات قول تقسم بينهما نصفتين إذا كان مستوياً وقول موقوف وهو الأصح.
مسألة
[ حكم تحصين المال ]
وإذا كان الوجين بين مال رجلين أراد أحدهما توزيعه وأبى الآخر فإذا
كان مساوياً للمالين فهو بينهما ومن أراد حصان ماله بجدار جدر في نصفه وقول يترك كما كان.
مسألة
[ حكم امتداد النخلة على حساب الغير ]
وإذا أبنت على النخل العاضدية شجرة من عظمات السوق وبين الساقية والطريق فأنافت أفنانها النخل فأخذت هواها ولكل صنف مالك فإذا صح النائف صح.
مسألة
[ صورة من الاستفادة ]
وإذا نشأ تحت النخلة نخلة المسجد قرن بعضه أثمر وبعضه لم يثمر وهي على زوجين مال فأراد المال صرف القرن فما لم يثمر القرن صرفا وما
أثمر ثبت وما لم يثمر ولم يكن بحد الفسح الشرعي فمصروف.
مسألة
[ حكم قطع السعف ]
ومن اتهم أحداً أنه أصرى سعف باسقة سوى الذواة فإن كان متهما
حبس التهمة وإلا فحتى تصح دعواه ببينة عادلة أو إقرار من المدعى عليه.
مسألة
[ حكم المصابيح المتكورة ]
والمصابيح المتكورة بين الجارين فإذا لم تكن مرتفعة قامة سدت وقول: قامة وسطة إذا قابلت بيت الجار.
مسألة
[ حكم وجود الدوحة داخل المسجد ]
وإذا وجدت في مال المسجد دوحة نائفة على الجار فرام صرفها وهي في دون ذراعين من ماله وقد عزب علم محدثها فإن كانت محدثة ولم تثمر
صرفت كانت فرضة أو غيرها وإن أثمرت لم تصرف.
مسألة
[ أثر الغرس بين النخلتين ]
وإذا أخبر زيد عمرو بأن في المكان الفلاني باسقة للمسجد الفلاني (10/130)
صفحة 1506
وبإزائها باسقة لمسجد غيره فإن كان بين الباسقتين الفسح الشرعي جاز
الغرس مكان هذه النخلة ولو لم يكن المخبر ثقة وإن لم يكن لم يجز ألا
بالبينة العادلة أو شهرة لا تدفعها شهرة واطمأن القلب بذلك.
مسألة
[ أثر التصرف بماء الأنهار ]
وإذا وجد أحد وادياً يجري ماؤه على الصفا وبالوادي أنهار الجمعة ديار فأراد هذا أن يقبل نهراًَ من أعلا الأنهار فهذا يعرف بالنظر والمشاهدة فإن
أضر هذا النهر بالأنهار السفلى فلا يجوز رفعه ويترك على حاله وإن أضر
صرف الضرر.
مسألة
[ وصف حال الوادي المصروفة عنه الأحداث ]
وسأصف حال الوادي المصروفة عند الأحداث إذا كان الوادي متصلاً جربه أو كان يظهر في أمكنة ويختفي في أمكنة فهذا لا يجوز فيه الإحداث
من الأعلى إلا فلاج السالفة ولو نأت المسافة.
مسألة
[ أثر الإضرار بالوادي ]
وإذا أضرت الوادي أوتاد ونجود وفي الاعتبار مع أرباب النظر أن الماء الأعلى يصري جريه عن الماء الأسفل فلا بأس على من رام رفع نهر من أعلى الوادي إذا أمنت المضرة على الأسفلين.
مسألة
[ مقدار الفسح بين الأنهر ]
ومن رام فرح ركية في نشبه بإزاء نهر كم يفسح؟ قول: إذا كانت
الركية للاستقاء فقط لا للزجر فلا يحتاج قارحها للفسح الشرعي وقول:
لا بد من الفسح على حال.
مسألة
[ مسائل في الساقية ]
وإذا نزلت الساقية أو ارتفعت عن مال من تمر فيه وأراد غرس باسقات
ودوح بإزائها فسح عنها الفسح الشرعي وقد ورد.
ومن ادعى أن له ممر ساقية في طريق هدرت دعواه إلا بالبينة وقول:
العامة في الأحكام هدر وإذا انزاح الريب عن قلب ذي الأمر فإلى نظره.
مسألة
[ مسائل في الساقية ]
واختلفوا في الساقية الحملان فقيل: إنها من القواطع عن الغرس وقيل:
إنها ليست من القواطع وإن كانت ثابتة تنْزل فالأصح أنها من القواطع وأما الخضار فلا يقطع عن الغرس أو في إثبات ذلك فيه(1) اختلاف.
مسألة
__________
(1) 1- في الأصل وجد طمس: إثبات ذلك فيه اختلاف، بدل (إثبات اختلاف). (10/131)
صفحة 1507
[ مسافة تحويل السواقي ]
واختلفوا في تحويل السواقي فأجاز ذلك بعض إلى أربعين ذراعاً وقول: يجوز ولو نما على الأربعين على نظر الصلاح إذا حولت في قيعة من يملك
أمره بعد أمن المضرة من تحويلها.
مسألة
[ لمن الباسقة التي في الوادي ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة: وإذا نشأت باسقة في واد بين
أملاك فادعيا لها لمن تكون كانت في شطر الوادي أو وسطه فقول: إنها
تكون للمال الذي يليها إلى ثلث الوادي وقول: إلى نصف الوادي وقول:
هي للفقراء جاز جوزه لبيت المال.
مسألة
[ مرور النهر في أملاك الناس ]
وإذا كان النهر يمر في أملاك الناس واحتاج لشحب فإنه يطرح فيما كان يطرح من السنة المتقدمة سيما إذا وجد له أثر تراب طرح هناك كما سلف
إلا أن يصح بالبينة العادلة غير ذلك.
مسألة
[ حكم الشهادة بالشهرة ]
وإذا شهدت الشهرة بمر ساقية سالفة لا أثر لها تحت طريق تسقي قيع لأناس فأما في الحكم فلا يقبل إلا بشهادة العدول وأما إذا شهدوا من
الشهرة من لا يتهم في شهادته بتحريف ولا تكليف وهم أقرب للأمانة
والعفة فلا يعدم من جواز التغاضي للحاكم.
مسألة
[ مرور النهر في ساقية وحكم شربها منه ]
وإذا كان ممر بعض ساقية نهر في مال أحد وذلك موضع لا يقايسه شيء من النخل ولم يستحقه رب المال ولا غيره فلمن حكمه فهذا يعرف
بالمشاهدة فإن كان هذا الموضع مواتاً لا يدعيه أحد فحكمه للنهر وله في الموات إلى خمسمائة ذراع وقيل: هو لمن أحياه ويفسح عن ماء النهر.
مسألة
[ متى يكون البئر لبيت المال ]
وإذا كانت الغيرة خارجة من القرى وهي أيبار وتزرع وهي ملك لملاك وبإزائها حفرة خب مندفنة وليس في أرضها شيء من السماد فعمر دون
تلك البئر بيراً فأمها لها وزرعها فحكم هذا البير لبيت المال عند وجود
الأئمة ولذوي الفاقة عند عدمهم وإذا لم تكن بالأرض سمة الملك فهي لمن أحياها على الأرجح وأما إذا كانت هذه الأرض مشتملة على أرض (10/132)
صفحة 1508
معمورة لم تنفسخ عنها خمسمائة ذراع فحكمها لمن دنى منها من القيع المعمورة وقول: إن حكمها لأهل الماء الذي سقيت به والأول أصح
وأوضح وأرجح.
مسألة
[ حكم تعطيل القعادة ]
وإذا جعل مثر في نهر أحد يقوم بمصالحه وجعلوا له جزء من بارة
أخرجوها للنهر بينهم ثم رام مثر في النهر تعطيل قعادة تلك البادة فالوكالة
من مثر في النهر ثابتة في نهرهم إذا كان بهم ثقات ولو مات جعلوا الوكيل
وله ما جعلوه أجرة ولا يدله من أجرة ومن رأي حفرة بير قرادها قليلاً ثم حفرها ثالث حتى بلغ دون الماء فأبى عليه الفاحر الأول فإذا لم يمسه البير الآخر فحكمها للأول ويكون للآخر العناء وإن أمها الآخر البير فهي له وللأول العناء.
مسألة
[ مقدار حريم الطريق ]
وحريم اليم الطري(1) هو له حيث كان أم في البنادر المعمورة خاصة فلم أحفظ فرقاً في بندور دون بندور ندى أن البنادر كلها سيان.
مسألة
[ حكم الإعمار أكثر مما يستحق ]
وإذا كان ممر ماء في طريق جائز من نهر تحت الطريق فلا يجوز لرب
المال أن يعمر زيادة في أرضه ويسقيها من تلك الساقية ولا يأذن لأحد أن يسقي منها وله ملك المال جمة أملاك إلا أن تكون الساقية جائز أن يكون
الفتح من أصلا أربع أجايل.
مسألة
[ حكم دخول النخلة حدود أرض المسجد ]
وإذا دخل سعف باسقة هواء أرض مسجد فإذا لم يكن مضر كان
جاز التغافل عن للوكيل أو الجماعة أو الحاكم وقول: يصرف على حال
وهو الأصح.
مسألة
[ حكم الغرس في حريم الطريق ]
ولا يجوز الغرس على الطرق فيما دون الفسح الشرعي كالفسح عنه
مال من يملك أمره وإذا نبتت دوحة في موات متصل بالطريق بينهما وبين الطريق ثمانية أذرع فإذا لم تكن مضرة بالطريق فجائز تركها وتنفذ غلتها
في إصلاح الطريق.
مسألة
[ استغلال الأرض الموات ]
__________
(1) 1- هكذا في الأصل: والأصح: الطريق. (10/133)
صفحة 1509
وإذا كان بإزاء الدور موات مرتفع وليس فيه سمة عمارة من بناء أو إحياء لأرضه ويقال أنه لبني فلان بغير صحة فالوقوف عنه أسلم على الأصح.
مسألة
[ مرور الطريق على قنطرة الساقية ]
وإذا كانت الطريق تمر على قنطرة ساقية جائز أيجوز لربها تحويلها أم لا؟ فقد أجاز ذلك بعض المسلمين إذا لم يكن لأحد على الساقية بإزاء القنطرة
نخل أو شجر في الوجين الذي رام أن يقنطر عليه من أعلا الوجين وأسفله.
مسألة
[ التصرف بباسقة المسجد ]
وإذا كانت باسقة لمسجد على شاطئ نهر وأعلاها وأسفلها مسافة أيجوز
لأرباب النهر أن يظفروه ويسموه أعلا منها وأسفل أعلم حجة يمنع أهل لنهر من ما ذكرت وإن قايضوا بأصل هذه المسافة ولم يقايضوه بأصل ما تستحقه أخرى وكان لها وجائز لوكيل المسجد أن يغرس نخلاً في تلك المسافة ما لم يضر بأملاك أحد أو طريق وإذا كان في المسجد نخل المسجد سواه وللمال شرب ماء وأدرك الشرب يسقي جملة المال وغاية صحة أمره فصار المال
لا يزر الماء كله لزيادة ماء النهر فإذا لم يكن للنخل اللواتي للمسجد الآخر
ماء معلوم فجائز رفع ما زاد عن سقي ذلك الماء.
مسألة
[ حكم نقل الزرع ]
ومن زرع بيراً في بعض الأودية ثم استحقت عليه أينقل زرعه إذا طلب ذلك مستحقها أم لرب الأرض أجرة المثل؟ فإذا كان الداخل دخل بسبب
فإن المستحق عليه يحكم عليه بأجرة المثل وإن دخل على الغصب فلا شيء
له في الزرع.
مسألة
[ حكم خلط الأنهر معاً ]
ومن قرح نهراً فخطفه تحت نهر قوم ولم ينكر عليه أرباب النهر ثم
تألده من النهر الأعلى على النهر الأسفل ضرر من فوق فاعلم أنه لا
يجوز تخطيف نهر تحت على نهر وذلك ضرر والضرر من (يلزمه)(1)
ماتت عليه أعين وعزب عليه علم كيفيته فإصلاح الضرر على أرباب
أهل(2) المضرة.
مسألة
[ حكم إسناد ما يتوقع سقوطه من الأشياء ]
__________
(1) 1- هنا طمس والأصح: والفرد من يلزمه.
(2) 1- هنا طمس ويظهر: أهل المضرة. (10/134)
صفحة 1510
وكل مخوف على طرق وأملاك كالجدر تجدد المتقدمة والدور المفايدة والباسقات المائلة والدوح اللواتي عن حالها حائلة فلم يكن الرفعان في أضلاعها فأما في الحكم فلا يكون إلا بعد الرفعان إلى الحاكم وأما فيما بينه وبين الله فكل من رفع كان عليه حجة.
مسألة
[ المسافة بين النهرين ]
وإذا كان بين النهرين مسافة تنموا على خمسمائة ذراع من أعلاها ثم
دنيا من بعضهما بعض حيث لم تكن هناك منافع ماء وأحدهما أسفل من
الآخر ورام الأرباب الأعلى تعزيزهم فأبى عليهم أرباب النهر الأسفل
وادعوا الضرر فإن كان حين الحكم لا ضرر في التعزيز فجائز على من
أنكر اليمين.
مسألة
[ كيفية إزالة الضرر ]
وعلى مدعي الضرر البينة أن نهرهم له مادة ماء في زمن الخصب من
نحو ذلك النهر.
مسألة
[ إزالة الضرر ]
ومن في ماله باسقة لسواه فنشأت بها قرن لم تثمر بعدها فأنكرها بعد
أن كبرت فإذا لم تثمر القرن فإن الحاكم يحكم بصرفها وإن ما أثمر
فلا يصرف.
مسألة
[ كيفية إزالة الضرر عن الغير ]
وإذا كانت أرض لمسجد معروف فنشاب بها روح فعظمت وولجت في أهواء أموال الناس فأضرت بها فرام أرباب الأموال صرفها فالأصح أن
الحكم يحكم باستئصالها ما لم تثمر فإن أثمرت صرف ما ناف منها.
مسألة
[ حكم الأنهار المحدثة ]
والأنهار المحدثة إذا مر بها أربابها على الطرق الجوائز أيسعهم ذلك ولا
يجوز للكاتب أن يكتب فيها أم لا؟ فلا يضيق عليه ذلك.
مسألة
[ صفة حريم الدار ]
وما صفة حريم الدار الذي يطأه الخف والحافر فهو من أقصى القبع
اللواتي تزرع بماء النهر والزجر في حافة الدار قول خمسمائة ذراع لمنافع
الناس ومواقفهم وقول: ثلاثمائة ذراع وقول: ما وطئه الخف والحافر ولو
لم يذكر ذراعاً ولا قياساً.
واختلفوا في من رام إحياء شيء من هذا الموت إذا كان بإزاء أرضه فأجاز بعضهم له ذلك لقوله عليه السلام: «الموات لمن أحياه» وقول: لا يجوز إذ
هذا منافع لأرباب الدار.
مسألة
[ إحياء الأرض الموات ] (10/135)
صفحة 1511
ومن أحيا شيئاً من الموات من حريم الدار سقى وأبا عليه شركاؤه فليس للحاكم منعه على الأصح وعلى من ادعى عليه البينة العادلة بما يدعيه
وللحاكم ما ظهر ولله ما أعلن وأسر.
مسألة
[ حدوث الأجائل ]
وهل يجوز حدوث الأجائل في السواقي في الفوارق؟ جائز على قول
أربع غير الأجالة الفارقة، وقول: بعد ثلاث غير الفارقة والساقية الأولى
تكون كالغارقة في جواز الفتح.
وما نبت في الموات الذي بين الطرق والأموال في البلد إذا خرج حكمه من الطريق لمن يكون حكمه ففي ذلك اختلاف والأصح إذا لم يكن من مساقى الطريق شيء من القواطع أنه يكون للطريق وإن كان بينهما قواطع فالنظر أولى.
مسألة
[ كيفية إصلاح المنهدم ]
وإذا انهارت الجدر المبنية على أموال بإزاء الطرق الجوائز فانهارت الطرق من الجدر على أرباب الأموال وإنما وقع الاختلاف في إصلاح الطرق
والجدر أنها تصلح من بيت المال وإن انهارت الطرق بين الأموال فعلى رب
المال إصلاح ما يليه إلى نصفها كان المال لمن يملك أمره أو لمن لا يملك أمره والأصح أن إصلاحها على بيت المال.
مسألة
[ حكم شراء الأجائل ]
وشراء الأجائل التي تسد بها السواقي على ذوي الأموال التي يسدها الماء على أرباب السواقي.
مسألة
[ نوع من الثوب والأجر ]
ومن وجد في حافة الدار حفيرة يرفي العمران ورام ماءها لينتفع المار
بمائها رجاء الثواب لا بتكملها أعليه بأس أم لا وما حكمها لأنه لا يدعيها
أحد لا بأس عليه ويكون حكمها غائباً.
مسألة
[ الغرس على حواف الحفيرة المجهولة المالك ]
ومن وجد حفيرة بئر في عمران بلد لا رب لها ولا يدعيها مدع فأمهاها ويقربها موات فغرسه على مائها جاز له ذلك ويصرف حيث شاء في
مصالح البئر أو غيرها.
مسألة
[ حكم إحداث النهر تحت الطريق ]
وإذا كان في قرية تصريه طريق عرضاً ثابتة في محل أو غير ثابتة أيجوز تخطيف نهر تحت الطريق؟ فإذا كانت ثابتة فلا يجوز أن يحدث تحتها نهر
على الأصح وإلا فلا يعدم من الجواز. (10/136)
صفحة 1512
مسألة
[ حكم ادعاء الضرر مع عدم البينة ]
وإذا أحدث قوم نهراً في وادي وادعى أرباب الأموال اللاتي على شاطئ الوادي الضرر من نقصان الماء من سقي أموالهم فما لم يتضح بالبينة الضرر
فلا حجة لهم وعلى أهل النهر أن يفسحوا عن الآبار السالفة أربعين ذراعاً.
مسألة
[ حكم الانتفاع بالأفلاج ]
وإذا كان نهر أعلا من نهر في واد واحد لأناس غير أرباب ذلك النهر
أيجوز لأرباب الفلج الأعلى أن يمد روه من شاطئه أم من الجانب الذي
يليهم فإذا كان بين منافع النهر الأعلى والأسفل فوق خمسمائة ذراع جاز لأرباب النهر الأعلى أن يمدوا روه فإن صح الضرر صرف وإن لم يكن
بينهما الفسح الشرعي ولم تكن لهما سنة منعوا شحبه بالمدر.
مسألة
[ مقدار حريم الوادي ]
وإذا كان الوادي متوسط الدار أم في حافتها أو حريمها وبه طريق جائز أيكون حريم الطريق في الوادي أم في الموات إذا كان بإزائها موات أو يكون كحريم طريق الصحراء أم في الدور؟ فحريمها كحريم طرق الدور.
مسألة
[ متى يمنع أرباب النهر من خدمته ]
وإذا كان لأحد باسقات على شاطئ واد عظيم ولأناس نهر في الوادي أرادوا خدمته رجاء نمو مائه فأبى عليهم أرباب الباسقات وادعوا الضرر فإذا كان عليهم من الخدمة ضرر وصح منع أربابه من خدمته وإلا فجائز.
مسألة
[ مقدار حريم البئر ]
وحريم البئر على قول ثلاثة أذرع وقول: على قدر عمقها وإذا
كانت....(1) طريق على الساقية نخل وفسل أيجوز من له نخلة أن يغرس
مكانها إن وقعت أم له زيادة غرس على الوجين؟ فإذا كانت على الطريق
جذع النخلة فلأرباب النخل زيادة غرس بين النخلتين بل له غرس محلهما
إذا وقعتا.
مسألة
[ حكم الغرس وجين الساقية ]
ومن كان بين نخيله على وجين الساقية وبين الطريق خراب وأراد أن يغرس بين نخيله وكان الغرس منفسحا عن الطريق الفسح الشرعي فجائز له الغرس وهذا يحتاج إلى نظر.
مسألة
[ أثر بناء لحصن على الجوار ]
__________
(1) 1- اعتقد: وإذا كانت بجوار طريق... والله أعلم. (10/137)
صفحة 1513
ومن له دار ملتزقة جدره بحصن المسلمين فوقع هل له بناؤها وترفيعها
عما كانت وهل له إحداث بناء كغرفة أو غيرها وتكون الصفة بجدر
الحصن أم لا فنعم جائز له ذلك بناء بيته كما شاء وجائز له بناء غرفة على
بيته سيما إن رفع جدر الحصن.
مسألة
[ صور من ادعاء الجار على جاره بالإضرار ]
وإذا ادعى الجار على جاره أن له صرمة بيت على الجبل الذي بينهما فلم يقطع الحاكم بينهما حتى أثمرت الصرمة فإذا ضب نبتت دون الفسح
الشرعي صرفت ولو أثمرت لأن الجار قد رفع في صرفها.
مسألة
[ حكم المنع من ورود الماء ]
ومن له ركية في قيعة موت تردها الناس لمواشيهم ورام منعهم عن
ورودها فله ذلك أم لا؟ فنعم له ذلك منعهم عن ملكه.
مسألة
[ كيفية السماح بإصلاح النهر ]
وإذا قرح أرباب دار نهر أو أحصوا به أروضاً وغرسوا عليه باسقات وزرعوا عليه زراعات ثم خرب النهر ومات من أربابه من مات ثم رام من
بقي منهم إخراجه بعد أن توى وفات وأخرجوه وجعلوا له جزء من تلك البارات والنهر(1) لأيتام وبالغين ونساء ذات بعولة وإيمان وإذا كان في ذلك صلاح فلا حرج فيه ولا شبهات.
مسألة
[ حريم جدار الجار ]
ومن رام إحداث درس لدوابه وبإزاء جداره أجدار جاره فإنه يفسح عن الجدار ثلثي ذراع بالحجارة ويرفعه بقدر ما لا يمس السماد الجدار وهذا إذا كان الدرس محاذياً للأرض وإن رام فحراضه كما يفحر يفسح ثلاثة أذرع
وإن كان بين الطريق والأملاك موات متصلة بالطريق ورام أرباب الأرض إصلاحها وإن تمتاز عن الطريق ويضموا الموات إلى أرضهم فقول: إن الموات مقسوم بين المال والطريق، وقول: موقوف وهو اختيار الشيخ القاضي
محمد بن عبد الله وإذا استوى الموات بالطريق منع منه الغرس على الأصح.
مسألة
[ أثر انعدام الباسقة ]
وإذا رأى الحاكم فسلة قد أخذت مفاسلها بحيث لا يجوز الغرس أو على طريق وأملاك فإنها مصروفة إلا أن يصح أنها غرست في محل باسقة قبلها.
__________
(1) 1- النُهر : هي في الحقيقة أنهار جمع نهر. (10/138)
صفحة 1514
مسألة
[ مقدار المسافة بين البئر والنهر ]
عن الشيخ القاضي سليمان بن مداد: إن البئر تفسح عن النهر خمسمائة ذراع وقول: ثلاثمائة ذراع وقول: أربعين ذراعاً وقيل: ما أمنت المضرة.
وإن كانت بالبئر عين بمكان أو محاذية له أو حيث لا منافع له فحكمها في الاختلاف سيان.
مسألة
[ صورة من الإضرار المحتمل ]
ومن لبس(1) وبإزاء أرض جاره حتى ارتفعت على أرض الجار أو حاذر الجار حدوث الضرر فأبى عليه أن يمنع المرء الترفق في ماله فإن تالد
ضرر(2) فمصروف.
مسألة
[ صورة من إحياء الموات ]
وإذا كان الموات محاذياً لمالين فالمدعي من يدعي ملكاً له فإذا صح أنه موات بالنظر أو بالشهادة فهو بينهما نصفان، وقول: هو موقوف وبينها
الأيمان بالعلم لا بالقطع أنه ما يعلم في هذا حقاً للمدعي.
مسألة
[ كيفية الاستفادة من الساقية ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: وإذا لم تكن للمال ساقية من النهر ورام ربه من سقيه من ساقية تمر تحت قنطرة في طريق جائز والساقية حملان ففي ذلك اختلاف قال بعضهم: يجوز إذا رضي له رب الساقية
وقول: لا يجوز إلا أن تكون الساقية جائز تسقي أربعة أموال فصاعداً.
مسألة
[ كيفية الاستفادة من الطريق ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: ومن له ميراث على الطريق قبلي فأمن من يصنعه له كما كان فوضعه فإذا هو زال عن موضعه داخل في
الطريق فلا بأس على المستأجر كان الأجير ثقة أو غير ثقة إلا أن يحكم عليه الحاكم بصرفه.
مسألة
[ أثر التصرف في ثمر النهر ]
ومن له نخلة أصل نشابها صرم فرام رب المال صرفه فله ذلك إذا لم تثمر القرن وإن أثمرت ولم ينكرها رب المال وهو عالم وكان ممن ينكر عن نفسه ثبت عليه.
مسألة
[ حكم زيادة ماء الساقية دون اتفاق ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: وإذا كانت الساقية تمر بين
__________
(1) 1- هكذا في الأصل، والأصح : ومن زرع بإزاء أرض جاره...
(2) 2- للقاعدة المعروفة (الضرر يزال) وللقاعدة الفرعية (لا ضرر ولا ضرار). (10/139)
صفحة 1515
مالين أحدهما أعلى من الآخر ورام رب المال الأسفل تعزيز الساقية وادعى الآخر الضرر إذ له باسقات على وجين الساقية فلا يجوز لرب المال الأسفل تعزيز الساقية عن حالها.
مسألة
[ من أحكام السواقي ]
ومن له مال وبجنبه ساقية وطريق والطريق أعلى من الساقية والساقية مستوية بالمال وله نخل بين الساقية والطريق فرام تجذير ماله وإيلاج
الساقية والنخل العاضدية في الجدار فإنه يجدر في نصف جذع النخلة
التي على الساقية.
مسألة
[ من أحكام زراعة الأنهر ]
وإذا لم يكن النهر يصلح بالصاروج جبر أربابه على تصليحه وإذا كان الوادي بين القرى والأملاك فلا يجوز أن يزرعه أحد على الأصح وما نبت
فيه للفقراء أو لبيت المال على قول وإن كان خارجاً عن الأملاك فالزرع لمن زرعه فيه وإذا كان بين المالين جدار فانهد وكان أحد المالين أعلا من الآخر وعزب علمه أنه لأي المالين ففي ذلك اختلاف قول: للأعلى وهو الأصح، وقول: للأسفل. وإذا تساوى المالان فبينهما نصفان وقول: موقوف حتى
تصح بالبينة لأحدهما وكذلك حكم الوجين وكذلك حكم صرف الجدار
إن ...(1) أو غيره.
مسألة
[ حكم اغتصاب الماء ]
ومن اغتصب ماء وأحيا به أرضاً ميتة فقول: إنها للماء(2) تبعاً لرب الماء وقول: هي لمجيبها ويضمن الماء أن يكون للماء ثمن وإن كان له ...(3)
سبب فالأرض له بالسبب.
مسألة
[ كيفية الحكم على امتلاك النخل ]
وإذا نبتت باسقة بين باسقتي مسجد ومقبرة وفي القياس أنها النخلة
للمقبرة إلا لم تستفرع الحد في حريمها بل أخذت قدر ذراع من جهتها فإذا نشأت بين النخلتين في أقل من سبعة عشر ذراعاً صرفت وصار جذعها
__________
(1) 1- سواد في الأصل: ويعتقد أنها (وكذلك حكم صرف الجدار إن ارتفع أو وقع غيره)
والله أعلم.
(2) 1- سواد في الأصل، ويعتقد أنها: إنها للمغتصب تبعاً لرب الماء.... والله أعلم.
(3) 2- سواد في الأصل، ويتعقد: وإن كان له ثمن بالسبب فالأرض له بالسبب. والله أعلم. (10/140)
صفحة 1516
لأقرب النخلتين لها وإن تساوى قياسها ورأى المسلمون صلاحاً في تركها
فهي للنخلتين.
مسألة
[ من أحكام الأجائل ]
وإذا مرت ساقية نهر في مال وفتحت منها له أجالة فشرب شطره وفي الساقية حق لمن لا يملك أمره أيجوز لرب المال تقبل الأجالة إلى حيث
شاء من ماله مع فرشها فإذا كانت الساقية جائز فجائز إذا لم تكن على
وجين الساقية تحل لغير المحدث لأنه لا يجوز له أن يفتح أجالة بين نخلته
ونخلة غيره.
مسألة
[ من أحكام الأجائل والسواقي ]
ومن أراد تقبل أجالة على ساقية حملان ففي ذلك اختلاف وليس تحويل الأجائل بأشد من تحول السواقي إذا أمنت المضرة وقيل لا يجوز تقبل
الأجائل ولا السواقي
مسألة
[ حريم النخلة العاضدية ]
وكم تستحق النخلة العاضدية من الموات الذي خلفها قول: ذراعين
وقول ثلاثة أذرع.
مسألة
[ التصرف بالموات ]
ومن رام غرس الموات فإنه يفسح عن نخلة العاضدية ستة أذرع.
مسألة
[ حريم نخل المسجد ]
وإذا كانت نخلة المسجد على ساقية فغرس أحد أعلاها وأسفل منها وعن
الساقية فيما دون ستة أذرع فإذا كان الغرس بعد ستة أذرع في الموات جاز كانت الساقية جائز أو حملان في موات أو عمارة.
مسألة
[ أثر طلب الجار صرف النخلة ]
وإذا كانت النخلة مثمرة غير مدركة فمالت على مال الجار فطلب إلى الحاكم صرفها وكانت ممن يجوز صرفه شرعاً فإن على الحاكم أن يحكم بصرفها ولا ينظر إلى إدراك الغلة.
مسألة
[ من أحكام السواقي ]
ومن كان بجنب ماله ساقية وخلفها موات فأراد أن يعق فيه فإذا كان الموات له فعليه أن يفسح بقدر مالا يضر بالساقية وإن تكن الأرض لسواه
وإن أذن له ربها فالفسح سيان.
مسألة
[ من أحكام الأنهر ]
وإذا اجتمع مثر في نهر على قعادة جزء منه لإصلاحه ولهم فيه شركاء
من لا يملك أمره أيجوز ذلك أم لا؟ فإذا كان أهل النهر يجبرون على خدمته جاز لهم ذلك ولو أبى من هو غير حجة ويجبرون على رفع الأحداث ولا يجبرون على الفرح.
مسألة (10/141)
صفحة 1517
[ من أحكام السواقي ]
ومن وجد ساقية نخل شقت ماله وخرجت منه وبها ماء ولم يعلم به أحد من أرباب الدار من الشيوخ والأصاغر فإن في ذلك اختلافاًَ قول أنه إذا لم
يصح أنه سقي في الإسلام فحكمه لمن هو في ماله وقول: للأرض التي
يسح عليها كان(1) فإن أصرى في الإسلام فهو لبيت المال.
مسألة
[ من أحكام الأنهر ]
وإذا حكم بهذا النهر لأحد فلا يجوز خدمته بأموال الناس إلا بإذنهم إذا كانوا يملكون أمرهم ولا يجوز أن يخدم في الطرق على ...(2) أن يكون له ساعد متقدم وإذا كان به ماء طرح من الساعد في النهر بلا قطع حادث فإذا صح ذلك جاز خدمته ولو في أموال الناس سمحوا أو أبوا.
النهج السادس و العشرون
في الرهن و الإثبات
و أحكام ذلك
النهج السادس والعشرون
في الرهن(3) و الإثبات(4) و أحكام ذلك
مسألة
[ حكم بيع دون إذن الراهن ]
ومن استرهن رهناً فباعه بغير إذن ربه وادعى الأمر وأنكر الراهن دعواه فالقول قوله إلا أن يصح بالبينة العادلة أنه أمره ببيعه وإن اختلفا في الثمن فالقول للمسترهن إذ هو غارم مع يمينه وله رد اليمين على خصمه.
مسألة
__________
(1) 1- هذه العبارة غير واضحة في الأصل لأن خلفها سواد.
(2) 2- هكذا في الأصل سواد وطمس ويعتقد (على حسابهم إلا أن يكون...) والله أعلم.
(3) 1- الرهن لغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن أي راكد، نعمة راهنة أي ثابتة. وقيل
هو الحبس، قال تعالى: { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } الطور آية 21. وقال سبحانه
وتعالى: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } سورة المدثر آية 38. وقال الشاعر:
فارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا
اصطلاحاً: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفي من ثمنه إن تعذر استيفاؤه من ذمة
الغريم، انظر المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية للمحقق.
(4) 2- الإثبات: هنا طرق الإثبات التي تثبت الحق لصاحبه وتشمل: البينات، الإقرار،
الشهادة، اليمين، النكول، القرائن. (10/142)
صفحة 1518
[ حكم رهن الحيوان ]
ومن أرهن عبداً فنجعه عند المسترهن، فرهن الحيوان فيه اختلاف فعلى
من أجازه أثبت الحق في رقبة العبد الباخع ومن قال ببطلانه جعل الحق على المرتهن أعني ديته.
مسألة
[ حكم رهن الشجر ]
ومن أرهن لينة(1) فتوت باستئصال عاصف أو سواه كوابل أو جائز فإن كانت وقيعة ذهبت بما فيها على قول من يقول أن الرهن يذهب بما فيه وإن تكن لها أرض قومت اللينة فيذهب بقدر ثمن اللينة وله بقدر ثمن الأرض.
مسألة
[ رهن الباسقة ]
ومن أرهن باسقة ومات المسترهن ورام الراهن رد الغلة من ورثته لأن أباهم قد أكلها في حياته فإذا لم يطلبها في حياة المسترهن فلا سبيل له على ورثته إذا قد ماتت وماتت حجته إذا أنكر الورثة وإن أقروا حكم عليهم
بردها وبينهما الأيمان وعلى الورثة يمين علم.
مسألة
[ حل الخلاف بين الراهن والمسترهن ]
وإذا اختلف الراهن والمسترهن في الحق والرهن فالقول قول الراهن في
__________
(1) 1- اللينة : الشجرة، قال تعالى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا
فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } سورة الحشر آية 5. (10/143)
صفحة 1519
الحق والقول قول المسترهن في الرهن أنه كذا إذ عجز البينات وبينهما
الإليات وقول إن القول قول المرتهن بهن في الحق إلى حد ثمن المرهون
والأول أصح وأرجح.
مسألة
[ الاختلاف في الادعاء ]
وإذا ادعى من بيده الشيء أنه مرهون مع زيد وادعى زيد أنه عنده
ببيع الخيار فالقول لمدعي الرهن وعلى مدع بيع الخيار البينة وقيل:
كلاهما مدعيان.
مسألة
[ زكاة الرهن ]
ومن ارتهن حلي بتبر أو ورق بدون ثمنه فإنه يسقط عنه ثمن أصل
الرهن ويحسب عليه ما بقي منه ويحمل على نشبه في الزكاة.
مسألة
[ من شروط الرهن القبض ]
ولا يصح الرهن إلا بقبض وإن تلف فيما فيه على الأصح إنما الحق على ثمن المرهون وإن وكس وليس له غلة فإن استغل المرتهن ضمن الغلة.
مسألة
[ من صور تلف الرهن ]
الفرق بين الغلة والإثبات يصح مع كونه في يد المثبت ومحجور له
التصرف فيه وعلى المثبت له أيضاً وإن توى المثبت لم يتلف الحق المرتهن (....)(1) ولا يثبت إلا بقبض ويتلف ما فيه.
مسألة
[ الاختلاف في الادعاء ]
وإذا ادعى زيد أرهن عمرو رهناً بكذا وادعى عمرو أنه باعه إياه فالقول قول مدعي البيع مع يمينه وعلى مدعي الرهن البينة.
مسألة
[ ادعاء المرأة على بعلها برهن الحلي ]
فيما يدعي ما لا يمكن كامرأة ادعت على بعلها أنه رهن عليها حلياً بكذا وقال البعل: ما بعته عليها بكذا قطعاً وهو لا يسوي هذا الثمن فالقول هنا
قول المرأة مع يمينها وعلى البعل البينة أنه أباعه لها بكذا أو قبلته فإن قيل:
فلم خالفتم ما أصلتم؟ قلنا : لا دعاية ما لا يمكن.
مسألة
[ المخاطبة بالرهن ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: ومن قال لآخر أرهنتك نخلي هذه بكذا
__________
(1) 1- مقدار كلمة سواد في الأصل ولعلها: الحق المرتهن فيه ولا يثبت... (11/1)
صفحة 1520
وفي نيته وطويته أنها بيع خيار فلا يحكم للمشتري بالغلة وللحاكم ما ظهر والله(1) ما ظهر وما أكنه الصدر(2).
مسألة
[ حكم ارتهان الدار ]
ومن ارتهن داراً أو مالاً فلا يجوز له أن يرهن منه شيئاً فإن أذن له الراهن في استعماله فتوى فإذا لم تكن بينهما من قبل دلالة وتعارف وإنما ذلك من أسباب الرهن فلا يجوز له استعماله ولو أذن له وإن استعمله وتوى ضمنه
وإن سبقت الدلالة بينهما بمثل ذلك فلا ضمان عليه.
مسألة
[ أثر الإضرار بالرهن ]
ومن ارتهن رهناً فأذن لمسترهنه في استعماله فركب لجة يم(3) وأصرى به أذى خصم فتوى ضمنه وقيل: بعد الإذن فيه اختلاف إذا لم يتعمد لإتلافه
ولا مراددة بينهما وقيل يترددان الفضل وقيل يرد الراهن ولا يرد المرتهن
وقيل: إن حكم الرهن بيد المرتهن بمنْزلة الأمانة.
مسألة
[ أثر رهن الحيوان ]
ومن ارتهن شيئاً من الحيوان فتوى فهو بمنزلة غيره إذا كان في يد المرتهن ويدخله الاختلاف وهذا رأي الشيخ الوالي عامر بن محمد بن مسعود.
مسألة
[ مقارنة بين الرهن والأمانة ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة ووكيل المسجد والنهر إذا
استرهن شيئاً بمالهما فتوى فلا ضمان عليه إذا لم يقصر في حفظ أمانته
والحق بحاله على الراهن وإن ضيع أمانته ضمنها كان لمن يملك أمره أو لمن
يملك أمره(4).
مسألة
[ حكم بيع الرهن قبل محله ]
وبيع الرهن قبل محله فيه اختلاف قول: لا يجوز إذا كان مقبوضاً حتى يستوفي المرتهن حقه أو يأذن له بالبيع وقيل البيع جائز(5).
مسألة
[ تقديم حق المرتهن على حق الغرماء ]
__________
(1) 1- الأصح: ولله ما ظهر وما أكنه الصدر.
(2) 2- هذا العمل يندرج تحت القاعدة الفقهية القائلة (هل العبرة في العقود).
(3) 3- لجة يم: موج البحر.
(4) 1- هكذا في الأصل تكرار العبارة، والأصح حذف أو لمن يملك أمره.
(5) 2- لا يتم بيع الرهن إلا عجز الراهن عن التسديد وبإذن القاضي ومندوبه. (11/2)
صفحة 1521
وللمسترهن حقه قبل الغرماء فإن أوفاه حقه وإلا بطل البيع والأول أصح
والرهن جائز أخذه عند البيع في الحضر والسفر فالحجة في السفر فبقوله
تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة } (1) وأما
في الحضر فبالنسبة وهو ما رواه أبو رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ارتهان درعه
عند اليهود في المدينة(2).
مسألة
[ حكم رهن المتاع ]
واختلف علماؤنا رضي الله عنهم في رهن المتاع فأجازه بعضهم وشبهه بالبيع لأنهم اتفقوا على جواز بيع المشاع ما كان (الرهن في)(3) يد الراهن
وأبا جوازه آخرون.
مسألة
[ حكم رهن الناقة ]
ولا يجوز رهن الحيوان من ناقة (...)(4) لعدم صحة القبض له ولأن
رهن النصف يوجب ثبوت يدا الراهن على النصف المارع والرهن حتى زال عنه القبض بحق بطل أن يكون رهناً.
مسألة
[ الانتفاع بالرهن ]
وقول قوله - صلى الله عليه وسلم - في الرهن لصاحبه غنمه وعليه(5) غرمه فهذا تعريف منه لأمته لأنهم كانوا يشترطون في رهونهم إذا لم تك بحق إلى كذا فهو لك
فأبطل شرطهم ذلك عليه السلام وقيل معناه له غنمه وعليه غرمه أي غرمه لربه زيادة الرهن وعليه غرامة الدين فصاحب هذا القول لا يسقط الحق عن الراهن بذهاب الرهن.
مسألة
[ من صيغ الرهن ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 283.
(2) 2- عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل، ورهنه
درعاً له من حديد» انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد 15/98-99 رقم
326، وانظر مسلم 5/55 رقم 966 باب الرهن.
(3) 3- طمس في الأصل وأعتقد أنها: ما كان الرهن في يد الراهن...
(4) 4- طمس في الأصل ولعلها: أو نصف لعدم صحة القبض.
(5) 1- في هذا الحديث إبطال شرع الجاهلية، فكانوا يسيطرون على الرهن ويمتلكونه دون
إذن الراهن، انظر مسألة غلق الرهن في المعاملات المالية للمحقق. (11/3)
صفحة 1522
ويقال رَهن وَرَهْنٌ بالرفع والنصب ويقال: رهن فلا يغير ألف إذا جعله
مع سواه رهناً بغير ألف ورهن بألف إذا أعطى الرهن لسواه وأمره أن يرهنه.
مسألة
[ مشاركة الغرماء الراهن ]
وليس يقبض الرهن يقول المرتهن قد قبضته ولو أشهد بالقبض وإنما
يسمى الثقة ويشاركه فيه الغرماء وإنما ذلك بالقبض والتصرف فيه من
إدخال عامل وإخراجه وإجارة الدار وإخراج الساكن وما أشبهه أو صرم
غلة مال فهذا لا يشاركه فيه الغرماء.
مسألة
[ عقد الرهن ]
الرهن رهناً رهن شرط أصل البيع فلا يلزم البيع إلا بثبوت المشترط ورهن بتطوع به الرهن بعد ثبوت الحق وهذا في صحته اختلاف.
مسألة
[ أثر هلاك المرتهن والرهينة باقية ]
عن أبي قحطان(1): وليس للمرتهن في الرهن إلا حفظه وإن مات
المرتهن فلورثته ما لهالكهم من الحجة فيه ومثله إن مات الراهن وليس لأحد ورثته فك حصته من المرهون إلا بعد إجماعهم على ذلك.
مسألة
[ حكم عدم قبض الرهن ]
ومن أرهن رهناً لم يقبضه كالدار ونحوها وإن طلب المرتهن فسخ الرهن فليس له ذلك.
مسألة
[ من صور قبض الرهن ]
ومن سمى رهناً ولم يقبضه فهو له حتى يعجز المال عن حقوق الغرماء
فإن عجز فهم والمرتهن أسوة.
مسألة
[ حكم الرهن بعد وفاة المرتهن ]
وأجمعوا أن الرهن المقبوض في حياة المرتهن لا يشرع فيه الغرماء ومثله
بعد وفاة المرتهن وفيه اختلاف بعد موته.
مسألة
[ تقسيم المال على الغرماء ]
__________
(1) 1- أبو قحطان: هو العلامة الفقيه أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري الخروصي، لعله
من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري وكان أبو قحطان وأبو مالك غسان
بن الخضر الصلاني قد أخذا العلم عن أشهر علماء زمانهم في عُمان وهما الشيخ عبد
الله بن محمد محبوب وأخوه الشيخ بشير بن محمد بن محبوب من مؤلفاته كتاب
الجامع (جامع أبي قحطان) انظر إتحاف الأعيان 1/205. (11/4)
صفحة 1523
ومن مات وعليه ألف درهم لعشرة أنفس لكل واحد عشرة آلاف(1) فارتهن أحدهم رهناً عن حقه فإنه يرد الرهن أو ثمنه إن توى ثم هو أحد
الغرماء فإن لم يترك إلا ذلك الرهن فهو أحق به منهم وقول: ليس عليه رده لأنه في يده.
مسألة
[ من شروط الرهن ]
الوجه في شرط الرهن أن يقول: قد ارتهنت منك نخلة فلانة بكذا من
الدراهم وأنا وكيلك فيه في حياتك جائز الأمر فيه أقوم مقامك في حياتك ووصيُّك فيه بعد موتك فعند ذلك جاز له بيعه.
مسألة
[ حكم اغتصاب الرهن ]
ومن اغتصب شيئاً فرهنه وسقط عن الغاصب ضمان الغصب بالرهن
ومن ارتهن رهناً فرأى به عيباً فإن على الراهن تسليم البدل.
مسألة
[ بيع الرهن ]
ومن أراد شراء شيء فإني بايعه إلا برهن قبل قبض ثمن الشراء فإن كان كون الرهن قبل صفقة البيع باطل وبعد العقد جائز ولو لم يقبض المشتري الشراء.
مسألة
[ حكم رهن الأصول ]
ومن أرهن داراً وأهلها فيها فلا يكون الرهن إلا مقبوضاً وقيل: لا يصح رهن الأصول لتعذر القبض لها وقيل: إن عقد الرهن مع تسليم الراهن له
قبض كما هو في البيع وقبضه التصرف من المرتهن فيه وفي عماله.
مسألة
[ الرهن المبهم ]
ومن أرهن نخلة من ماله مبهمة بحق فقول يعطيه أي نخلة شاء فتباع
فإن عجز ثمنها عن الحق فهي على الراهن وقيل: هذا رهن باطل والحق في
ذمة الراهن.
مسألة
[ حكم رهن الأرض ]
ومن ارتهن أرضاً فليس له زرعها كان الزرع تبعاً للرهن وقيل: عليه الأجرة والزرع له.
مسألة
[ رأي موسى بن علي في الرهن ]
ومن ارتهن نفلاً أو زرعاً على عاملة فعن موسى بن علي: (ليس في الخضرة والحيوان رهن والغرماء فيه أسوة إذا لم يكن للمطلوب وفاء وليس قبضهما بشيء) وقيل: القبض حجة له دون الغرماء.
مسألة
[ حكم الاستفادة من الرهن ]
__________
(1) 1- هنا إما أن تكون العبارة وعليه مائة ألف درهم لعشرة... أو تكون لكل واحد عشر
الألف أي مائة والأصح والله أعلم الأولى. (11/5)
صفحة 1524
ومن ارتهن قيعة فأرهنها فزرعها المسترهن الثاني فالزراعة تبع للقيعة
وهي للرهن ويرفع له من الحق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يغلق الراهن لصاحبه غنمه
وعليه غرمه»(1).
مسألة
[ رهن المال الممنوع من صاحبه ]
وإذا كان المال ممنوعاً من ربه فرهنه فاسد وبيعه منتقض.
ومن أرهن مالاً وأشهد إلا أن الشهود لا يعرفون المال ولا وقفوا عليه جاز إذا أقر بمعرفة الرهن وسيما إذا وجدوه وإلا فهو منتقض إذا اختلفا.
مسألة
[ ارتهان الدار ]
ومن ارتهن داراً وأشهد أنه أحرزها من ربها فإن لم يأخذه فليس بقبض.
مسألة
[ رهن الثمار والزروع ]
ومن أرهن ثمرة من زرع أو نخل فعن أبي الوليد مدركة فجائز يعزل منها ربها فيقبضها وقيل: يجوز ولو لم تكن مدركة وهو رأي أبي عبد الله.
مسألة
[ حكم رهن المال وشجر الكرسف ]
وشجرة الكرسف إذا لم يكن مدركاً كالخضرة وداركه إذا صارت
البسرة لا تفسد ولو ماتت الشجرة ويجوز رهن الماء إذا كان مقبوضاً
معلوماً من بادة وأجاز أبو علي موسى بن جيفر(2) رهن الأصول وأما قبض
الدار فقول يقف على بابها ويشهد بالقبض وقول حتى يسكنها أو يؤجرها
أو يقر الرهن بالقبض أو يدعي القبض بمحضر ولم ينكر وقول إذا شهد على أربابها وقبضها ثبت الرهن ولو لم يخرج أهلها منها.
مسألة
[ عدم إذن الراهن للمرتهن بالاستفادة ]
__________
(1) 1- رواه الدار قطني والحاكم ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله.
وجاء في جامع الأصول: مرسلاً 2/728 في الأقضية باب ما لا يجوز من غلق
الرهن، قال الزرقاني في شرح الموطأ: قال ابن عبد البر: أرسله رواة الموطأ، إلا معن
بن عيسى فوصله عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. انظر 4/536 رقم 2643..
وبلوغ المرام من أدلة الأحكام ص105 رقم 6.
(2) 1- أبو علي موسى بن جيفر : لم أعثر له على ترجمة. (11/6)
صفحة 1525
ومن ارتهن قيعة فله منع الراهن من زرعها غلة صلفان(1) إن زرعها
ورام المرتهن أخذ الثمرة جعلت مع ثقة حتى يحل الأجل فيقبضها المرتهن
كما كان.
مسألة
[ احتساب الثمرة من الدين ]
(...)(2) فمن مال المرتهن لأنه حبسها قال أبو الحواري تقوم الثمرة والقطعة فينقص من أجرته وما نقص من الرهن.
مسألة
[ حكم رهن الأمة ]
وقيل لمولى القينة المرهونة أن يباشرها وقيل للمرتهن من ذلك. وإن وطي المرتهن جارية ارتهنها لزمه عقرها وهو نصف عشر ثمنها إن لم تكن ثيباً
وإلا فعشره يطرح من حقه لكل مضجع وأشباله رق للراهن.
مسألة
[ حكم ارتهان العبيد ]
من ارتهن عبداً فمات أو أبق فللمرتهن حق وإن عجز نشب الراهن عن الذي عليه فهو والغرماء في ذلك أسوة.
مسألة
[ أثر نماء الرهن ]
ومن أرهن دابة فنتجت فالنتاج للراهن وكذلك لبنها وسمنها وما أغلت وإن أخذه المرتهن فمن حقه آجلاً كان أو عاجلاً.
مسألة
[ ما تحتاجه الرهينة على الراهن ]
وإذا احتاج الرهن إلى دواء فهو على المرتهن وكذلك نفقته وإن قال: إذا جاء وقت كذا أو إذا أمطرت الخضر فهو لك بكذا أو إذا جاء الرأس رأس الشهر فقد بعتك بكذا من الثمن لم يجز.
مسألة
[ أثر الإذن بالاستفادة على المال ]
وإذا أذن الراهن للمرتهن في استعماله له فاستعمله فتوى فقيل لا ضمان عليه وقيل أنه ضامن ولا أجرة عليه وحجة من ضمنه في استعماله له قول
الله تعالى { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } (3) ومن ارتهن خاتماً فعلقه بيده فتوى فإن
كان في يده اليسرى ضمنه وإن كان بيده اليمنى أو حمله في اليسرى على
نية الحفظ فلا شيء عليه وذهب الرهن بما فيه.
مسألة
[ حكم ضياع الرهن ]
عن أي سعيد: إذا صح ذهاب الرهن فلا توى على حق المرتهن ومن
__________
(1) 1- طمس في الأصل، والعبارة لعلها: منع الراهن من زرعها غلة صلفان، والله أعلم.
(2) 2- طمس في الأصل، ولعلها: ومن نظر فمن مال المرتهن.
(3) 1- سورة البقرة آية 283. (11/7)
صفحة 1526
ارتهن في عارية رهناً فقبضه وضاع أو ضاعت العارية فلا ضمان على
المرتهن ولا المستعير إلا أن يقع الشرط بالضمان أو الرد إذا ضاعت ضمنها
أعني العارية وإن أخذ الرهن بالضمان فالرهن بما فيه كالرهن في الحق.
مسألة
[ أثر ضياع الرهن (الرق أو الطفل) ]
وإذا كان الرهن طفلاً أو ذي رق فتوى الرهن فالمغير ضامن ولا ضمان على الطفل ولا ذي الرق في العارية ولو اشترط المغير عليهما الضمان أو يكونا مرسولين فالضمان على من أرسلها إذا صح والمرسل كالحر البالغ القابض.
مسألة
[ حكم رهن العبد ]
ومن أرهن عبدي ذي يتم فتوى فالضمان على الراهن وإن كان على أب
اليتيم دين خمسة دراهم أو غلة العبد كل يوم درهم فأجرة خمسة أيام ليقضي دين الهالك من غلته فتوى فالضمان على الراهن وكان يجب عليه بيعه.
مسألة
[ دين اليتيم ]
ويقضي الدين ولليتيم ما نما لمئونته.
مسألة
[ وقت الرهن وأثره على الحفظ ]
ومن دفع إلى آخر رهنا غسقاً على أنه يرهنه إياه نهاراً فتوى فعن أبي عبد الله أنه ضامن لأنه لم يدفعه له أمانة وإنما دفعه على أنه رهن فإن قبض منه الرهن ووكل دفع الدراهم من ماله (...)(1) دفع المأمور فليسه أميناً أيضاً
هنا ويذهب الرهن (...)(2) مع ما اتفقا عليه من الدراهم على الرهن فإن
نمت عن ثمن فليس له سوى ثمن رهنه وإن كان أقل لم يلزمه فضل.
مسألة
[ سرقة الرهن مع الدار ]
ومن أرهن شبلاً فتوى أحدهما فالرهن فيما بقي وإن سرقت دار المرتهن فإن ادعى أن الرهن سرق فصالح رجلاً اتهمه لسبب فيه على صلح فيستحب
له أن يجعل للرهن حرمته على قدر ما سرق من بيته.
مسألة
[ أثر سرقة الشيء من يد المرتهن ]
ومن ارتهن عصباً فأراد السارقون أخذه منه فاخترطه عليهم فأخذوه من يده ضمنه وإن خاف المرتهن على بيته فأخرج منه أمتعته وترك الرهن فيه
__________
(1) 1- طمس في الأصل، ولعلها: من ماله الخاص دفع المأمور فليسمه...
(2) 2- طمس في الأصل، ولعلها: ويذهب الرهن الدارس لهيس مع ما اتفقا. (11/8)
صفحة 1527
فتوى فإنه يذهب بما فيه من الحق وقيل على الاختلاف كما أتى آنفاً.
مسألة
[ حكم بيع الرهن ]
ومن بيده باسقة رهن فبيعت فراد ثمنها على الحق فأراه بيعاً منتقضاً
لزيادة الثمن على الحق فإن رام إتمام البيع فالبيع من الرهن على قدر الحق فإن تعذر حصول مشتر بقدر حق المرتهن باع الباسقة باسقته بما شاء من الثمن وسلم للمرتهن حقه تماماً فإن أبى حكم عليه بذلك.
مسألة
[ كيفية بيع الرهن ]
وما كان من الأصول في الرهن تؤدي عليه ثلاث جمع متوالية وبيع في الرابعة وأما غير الأصول فيباع في سوق يومه بالنداء وإذا رأوا بيع المساومة أصلح بيع بالمساومة.
مسألة
[ من صور استيفاء الحق من الرهن ]
وإذا قال الراهن للمرتهن: إن لم آتك بحقك يوم كذا فبع الرهن واستوف
حقك ففي ذلك اختلاف والأصح حتى يحتج ثلاث مرات ويشهد عليه
عدلين وقيل: حتى يجعله وكيلاً في بيعه وإن صح أنه حبسه عن الموافاة
وصب أو نصب ضمن المرتهن إذا تصرف بغير وكالة وإن جعله مسلطاً في
بيع الرهن فهذا من أسباب الوكالة وقيل: لا يكون البيع إلا برأي الحاكم وإذا حجر الراهن على المرتهن بيع الرهن وضرب من الدار جاز له أن ينتصر منه
إذا لم تنله الحجة ولو كان بقرية إذا تعذر عليه أخذ حقه بالأحكام.
مسألة
[ أثر جهل رب الرهن على الرهن وحق الغريم ]
ومن ارتهن رهناً وعزب عليه معرفة ربه رفع أمره إلى الحاكم وإن تعذر حصول الحاكم أقام نفسه مقام الحاكم وباع الرهن واستوف حقه وما زاد
فهو عنده أمانة فإذا أيس من معرفة ربه فرقه على الفقراء.
مسألة
[ الوكالة في بيع الرهن ]
ومن جعل في الرهن ووكل في بيعه وكيلاً إلى أجل ليسلم له حقه ففي الوكالة اختلاف منهم من قال: له انتزاعها وقول: إذا كانت الوكالة بحق
لم يجز انتزاعها والأصح.
مسألة
[ التنازل عن الرهن ]
وإذا قال المرتهن للراهن لا حاجة لي بالرهن أعطني حقي فقال: بعه
وخذ حقك فإن الرهن وفاء بالحق وأمره الراهن ببيعه فليس عليه إلا (11/9)
صفحة 1528
ذلك الرهن وفاء بالحق وأمره الراهن ببيعه فليس عليه إلا ذلك ولا
يطالب ببقية الحق.
مسألة
[ متى يباع الرهن ]
ومن أرهن رهناً إلى أجل محل لزمه وليس له (...)(1) ويباع الرهن في
الحق فإن وفى وإلا فما بقي في ذمة الراهن وينادى على المرتهن ثلاث جمع ويباع في الرابعة.
مسألة
[ حكم فك نصف الرهن ]
ومن أرهن رهناً بألف درهم فسموا خمسمائة فليس له أن يفك
نصف الرهن وقيل: إذا سلم البعض انتقض الرهن وما بقي من الحق
يصير في الرهن.
مسألة
[ تسليم بعض الثمن وبقاء البعض ]
واختلفوا إذا سلم الراهن بعض الحق وتوى الرهن قول: يكون الرهن بما بقي من الحق وقيل: يكون بأصل الحق ويذهب والرهن به.
مسألة
[ أثر بقاء الرهن بعد فكه ]
ومن أرهن رهناً ففكه وبقي الرهن عند المرتهن فضاع فإن كان لما أن دفع إليه حقه طلب منه الرهن فلم يسلمه له فهو ضامن له وإن لم يطلبه فهو بيده أمانة.
مسألة
[ صور من الادعاء ]
وإذا ادعى الراهن أن الرهن توى قبل تسليم الحق فعلى المرتهن البينة أنه توى بعد أن سلم الراهن الحق وإلا فعليه أن يرد الحق لربه الراهن ويعطيه رهنه.
مسألة
[ عجز الراهن عن أخذ رهنه ]
وإن عجز الراهن عن أخذ رهنه بوصب أو نصب فينبغي للمرتهن أن
يدفعه إليه فإن لم يفعل فقد أسى ولا ضمان عليه وليس لبعض ورثة الراهن
فك حصته من الرهن دون شركائه.
مسألة
[ رفض قبض الرهن ]
وإذا ادعى الراهن الحق فمكنه منه فأبى قبضه ففيه قولان قول: لا حجة عليه وقد خرج من أن يكون رهناً وصار وديعة، وقول: حتى يقبضه
ويرده عليه.
مسألة
[ صور من الإقرار وتسليم الرهن ]
ومن دفع إلى آخر شيئاً وقال: إن أتاك زيد وسلم لك درهماً سلم الشيء
له فلا يجوز هذا على وجه الرهن ولا يسلمه له إلى سوى من أقر له به وأما على الأمانة فلا بأس. وإن أقر أن فلاناً أرهنه يسلمه له، وإذا قال المرتهن
__________
(1) 1- طمس في الأصل، ولعلها: وليس له التصرف إلا بإذنه. (11/10)
صفحة 1529
للراهن: إن وافيتني بحقي إلى كذا وإلا فالرهن لي بحقي بيعاً قطعاً فأنعم له
فلما حل باع واستوفى حقه فأبى ذو الرهن فإن كان بيع بحكم حاكم فلا
حجة له وإلا فالبيع هدر.
مسألة
[ من الشروط بينهما ]
وإذا اشترط المرتهن أن إذا ضاع الرهن فالحق على الراهن ثابت فتوى الرهن ثبت الشرط والرهن دون الشرط وإن كان الرهن ينمو على الحق
وشرط الراهن على المرتهن ذلك الشرط ممن الفضل إن ضاع وقيل: لا
شرط له قال أبو الحسن: ليس له شرطه لأنهم ضمنوه الفضلة ولا يثبت فيه الشرط إذ هو رهن هذا رأي بعض أهل العلم.
مسألة
[ صور من الادعاء ]
وإذا ادعى زيد أن له عند عمرو رهناً وعليه فيه كذا من الحق وقال عمرو
لا حق له (......)(1) لي ما أقر لي به فقال المقر: ما أقررت إلا برهن فعلى (...)(2) وعليه البينة مما يدعي من أنه مرهون عنده.
مسألة
[ صور من الإقرار ]
وإذا قيل إلى زيد أنه أرهن مع عمرو رهنا فأقر عمرو بالرهن وادعى رده على ربه أخذ الآمر وكلف البينة على الرد لا يثبت إقراره بالرهن وصار
مدعياً في الرد.
مسألة
[ صور من الادعاء بينهما ]
وإذا ادعى الراهن أن المرتهن باع الرهن بدون ثمنه فإذا صح فعلى المرتهن فكاكه أو ثمنه وإلا فعليه الإلية أنه استقصى فيه ولم يبعه بدون ثمنه وليس
قول الراهن للمرتهن حجة للمرتهن.
مسألة
[ أثر موت الراهن على الرهينة ]
وإذا أرهن البعل حلي عرسه لغرض بدا لها فمات وأتت العرس ببينة أن الحلي لها فإن كان أرهنه في مئونتها الواجب عليه فالفك للحلي من ماله
وله حيلها.
مسألة
[ صور من الاختلاف ]
وإذا ادعى زيد أنه أرهن عند عمرو درهماً وأخذ منه دينار وأنكر عمرو وأنه ما أخذ إلا درهماً فالدرهم قد اتفقا عليه ويتحالفان على الدينار.
مسألة
[ الاختلاف في الأجل ]
__________
(1) 1- طمس في الأصل، ولعلها: لا حق له في الرهن ولي.
(2) 2- طمس في الأصل، ولعلها: فعلى المقر المرتهن الهيس. (11/11)
صفحة 1530
ومن أقر برهن إلى أجل وأنكر خصمه الأجل فالمرتهن هنا مدع وعليه
البينة وعلى الراهن الإلية وإن ردها فله ذلك.
مسألة
[ التصرف بالرهن بيعاً وشراءً ]
وإذا باع المسترهن الرهن فإن كان المشتري أيان ما اشتراه فهو رهن عند البائع لفلان فعليه رده وحقه على البائع وإن لم يقر معه إبان باعه إياه إلا أنه انتزع بالبينة من يده فله حقه على مستحقه فإن لم يجد بينة تشهد أنه رهن
معه وقد أتلفه فللمشتري الشروي على المرتهن في الأصول.
مسألة
[ صور من الاختلاف ]
وإذا كان لزيد مائة درهم على عمرو في ذمته وعليه مائة درهم في رهن فأوفاه مائة بلا شرط أنها من أي الحقين فاختلفا فقال بعض أهل العلم: إن
القول قول المرتهن مع يمينه وقول: تقسم على المائتين ولا يجوز بيع الرهن للمرتهن وهو رأي موسى بن علي وأبي عبد الله محمد(1) بن محبوب
وقول: يجوز بعد تسليم حق المرتهن ولو كان قد قبضه.
مسألة
[ حكم منافع الرهن ]
ومن أرهن شيئاً من ماله فلم يقبضه المرتهن لم يكن للراهن التصرف فيه ولا هبة وقيل: منافع الرهن للراهن وله التصرف لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الرهن
محلوب ومركوب»(2) ومعلوم أن ليس ذلك للمرتهن ولا أجمعوا على أن
ليس له فيه ملك ولعل هذا لم يكن مقبوضاً.
مسألة
[ صور من الاختلاف ]
__________
(1) 1- أبو عبد الله محمد بن محبوب: هو شيخ المسلمين في زمانه هو محمد بن محبوب
بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي من أشهر علماء زمانه وشيخ المسلمين
ومرجعهم في الرأي والفتوى وكان مضرب المثل في العلم والزهد والتقوى نشأ في
أيام غسان بن عبد الله وتألق نجمه أيام الصلت بن مالك وعاصر الإمام المهنا بن جيفر
وقلده الصلت قضاء صحار وتوابعها سنة 251هـ . من أشياخه العلامة موسى بن
علي الأزكوي رحمه الله انظر إتحاف الأعيان 1/191-193.
(2) 2- هذا الحديث يرفع إلى ابن عمر وإلى أبي هريرة -رضي الله عنه- أنظر الرهن في
كتابنا المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية. (11/12)
صفحة 1531
عن أبي سعيد: واختلفوا في الرهن إذا كان على يد ثقة قول : إنه رهن، وقول: ليس برهن وقول: إن طلب المرتهن فهو رهن. عن أبي زياد عن
مسعدة ابن تميم(1) عن سعيد بن المبشر(2) عن سليمان بن عثمان(3): من
ارتهن بحقه رهناً وقبضه فهو أحق به دون غيره عن أبي زياد عن أبي
القاسم بن شعيب أن الإمام غسان كان يشبع (...)(4) المحيا والممات وهو
رأي أبي المؤثر.
مسألة
[ صور من الانتفاع ]
عن أبي سعيد عبد الله بن موسى بن علي: وإذا جعل البائع حقه فيما
باع حتى يوفيه فله ذلك دون الغرماء في المحيا والممات.
مسألة
[ اشتراك الغرماء مع المرتهن ]
ومن باع بيعاً وجعل حقه ثقة في نشب المشتري فالغرماء فيه أسوة وأما أبو مروان وموسى بن علي فإنهما قالا: هو أحق به من الغرماء وليسوا سيان
بل هم شتان وقال أبو عبد الله: إذا قبضه فهو حق به.
مسألة
[ من شروط الرهن ]
__________
(1) 1- مسعدة بن تميم: وهو من علماء النصف الثاني من القرن الثاني وربما أدرك أوائل القرن
الثالث وعلى رأسه كانت بيعة الإمام غسان بن عبد الله الخروصي رحمه الله سنة
اثنتين وتسعين ومائة وكان من أبرز العلماء الحاضرين عند البيعة وأشدهم عزيمة
وأصوبهم رأياً عند تلك النازلة المفاجأة وهي موت الإمام الوارث غرقاً في سيل وادي
كلبوه. انظر إتحاف الأعيان 1/440.
(2) 2- سعيد بن المبشر: من أكابر العلماء في عصره، منهم هاشم بن غيلان وأبو مودود
والقاسم بن شعيب والشيخ سعيد ووالداه مبشر وسليمان من رجال العلم المعدودين
إتحاف الأعيان 1/425.
(3) 3- سليمان بن عثمان: من عقر نزوى وهو من علماء النصف الثاني من القرن الثاني
وأوائل القرن الثالث وهو قاضي الإمام غسان بن عبد الله وقد أخذ الإمام بفتواه في
فلج الخطم، وقد أخذ العلم هو والشيخ هاشم بن غيلان عن العلامة موسى بن أبي
جابر الأزكوي. انظر إتحاف الأعيان 1/428.
(4) 4- طمس مقدار ثلاث كلمات (كان يشبع الدراهم في المحيا والممات). (11/13)
صفحة 1532
وإذا قال البائع للمشتري: اجعل هذا المال رهناً في يدي إلى أن تأتيني
بحقي فإذا كان شرط الرهن داخلاً في عقد البيع فلا يثبت وإن يكن بعد
صفقة البيع فهو جائز وقيل: الأول يجوز إذا باع له ماله أن ليس له فيه
تصرف حتى يوفيه حقه قبضه منه أو لم يقبضه.
مسألة
[ رهن القينة ]
ومن اشترى قينة فأمكنه البائع من استيلائها فقال: قد قبضتها
وأبرأتك منها وقد جعلتها بيدك رهناً حتى أوفيك ثمنها فتوت قال أبو
سعيد(1): على المشتري ثمنها يوم توت وقيل: ذهب الرهن بما فيه.
مسألة
[ رهن الزرع ]
ومن كان في ذمته حق وأثبت لربه حقه من زرعه على أن ليس فيه تصرف إلا بعد وفاء هذا الحق وعليه ذمم تستغرق نشبه أثبتها (...)(2) في زرعه من بعد الإثبات المتقدم فمن أولى لزرع قول أن رب الإثبات المتقدم
أولى حتى يستوفي في حقه وأما الإثبات المتأخر فربه وأرباب الديون
المنطلقة أسوة وقول له ما فضل عن الإثبات الأول، وقول: إن ذي الإثبات والديون المنطلقة في الزرع سيان من تقدم إثباته ومن تأخر.
مسألة
[ صور من الإثبات ]
وهل من فرق بين أن يثبت العامل حصته لهنقريه(3) أو غيره تأخر إثبات الهنقرى أو تقدم إثبات الغير فكل ذلك سيان.
مسألة
[ صور من الإثبات ]
ومن أثبت لآخر حيوانه أو أصوله في حق وجب عليه له فرام المثبت له
__________
(1) 1- أبو سعيد هو الشيخ العلامة والحبر البحر الفهامة أبو سعيد بن محمد بن سعيد بن
محمد بن سعيد الناعبي الكدمي -رحمه الله- وكدم من أعمال ولايته الحمراء، وأبو
سعيد من كبار علماء عُمان المحققين المبصرين ومن أئمة المذهب المقتدى بهم، يعتقد =
(2) = أنه مولود عام 305هـ له مؤلفات عدة منها الجامع المفيد من جوابات أبي سعيد،
وزيادات على الإشراف تعقب فيها ابن المنذر محمد بن إبراهيم بن المنذر
النيسابوري، انظر إتحاف الأعيان 1/215-226.
1- طمس في الأصل: ولعلها في زرعه من بعد الإثبات.
(3) 2- طمس في الأصل: ولعلها: أثبتها الذي زرعه... (11/14)
صفحة 1533
الغير أله الغير أم لا؟ أرأيت إن توى بعض الحيوان أو الأصول المثبت فيها هل تنقضي به المدة كبيع الخيار أم لا؟ فلا تنقضي به المدة ولا يتلف حق الغريم بتلف المثبوت فيه كالرهن المقبوض ولا غير فيه للخصمين وحكمه في
الأصول والحيوان سيان.
مسألة
[ تعدد وسائل الإثبات ]
ومن عليه حقوق تستغرق نشبه في بعضها إثبات والبعض فيه بيع خيار وبعضها في ذمته فذوا البيع الخيار أولى بما بيع له ممن له الإثبات والديون المنطلقة وفي من له الإثبات اختلاف يستغل الزارع أولى بما أثبت له من
الديون المنطلقة حتى يستوفي حقه (...)(1) وهو الأصح.
مسألة
[ إثبات الحق ]
ومن له حق على آخر فأثبت له بحقه ماله أولى (...)(2) ما حل الأجل ورام أخذ حقه تمادى عليه وامتنع واحتج عليه عند الحاكم فإن لم يوف
خصمه باع الحاكم ماله وأعطى ذا الحق حقه.
مسألة
[ الديون المثبتة ]
والأصح عندنا أن الإثبات إذا كان في يد المثبت له فهو أولى به في المحيا والممات من سائر الديون المنطلقة وقول: إن ذي الإثبات أولى في حياة
المثبت وأما بعد موته فهو وسائر الديان شرع عن المشايخ علي بن مسعود المحمودي وراشد بن خلف وعبد الله بن محمد بن مداد وصالح بن سعيد
أنهم قالوا: إن الإثبات كالحجر لا يشاركه فيه الغرماء إلا ما تقدمه وقد
عملوا بذلك فيه لفظ كتاب الإثبات أقر فلان ابن فلان أن عليه لفلان ابن
فلان كذا وقد أثبت له بحقه هذا في ماله الفلاني ليس له فيه تصرف ولا
بيع إلا بعد وفاء هذا الحق المزبور والألفاظ تختلف. ومن عليه حق وأثبت
فيه لغريمه جميع أملاكه ثم حدثت له أملاك غيرها فعن الشيخ ناصر بن
خميس بن علي أن أملاكه الحادثة تدخل في الإثبات ويوجد عن الشيخين
سالم بن عبد الله(3)
__________
(1) 1- طمس مقدار كلمتين.
(2) 2- طمس مقدار كلمة.
(3)
1- سالم بن عبد الله: هو العلامة سالم بن عبد الله بن راشد البو سعيد النْزوي من علماء
القرن الحادي عشر الهجري كان أحد العلماء الأجلاء، له دور كبير في نشر العلم
وإعلاء كلمة الحق، له تأليف جليل أسماه ا(لأخبار والآثار) في مجلدين طبع على
حساب وزارة التراث العمانية، انظر نزوى عبر الأيام ص159. (11/15)
صفحة 1534
وخلف بن شيبة الغافري(1) أن أملاكه الحادثة لا تدخل
في الإثبات السابق لها.
مسألة
[ صور من إثبات الزرع ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: ومن أثبت زرعه أو غلة ماله في
دين عليه ثم أدرك الزرع أو غلة النخل قبل محل الدين فإنه موقوف وفيه الإثبات إلى أجل.
مسألة
[ صور من الإقرار ]
ومن ضمن لامرأة بكسوتها ونفقتها مادامت في حكم الزوجة لفلان في حياته وبعد وفاته ثم مات الضامن وظهرت عليه حقوق تستغرق ماله ورام زوج المرأة محاصصة الديان في ماله فإذا أقر بذلك فهو ثابت ويكون في
رأس مال القار مثال ذلك أن يكون مال الميت ثلاثمائة دينار فتجعل مؤونة
المرأة ثلاثمائة دينار وسائر الديان مائتا دينار والجملة خمسمائة دينار فيوقف للمؤونة مائة دينار وثمانون ديناراً ولرب المال المائة ستون ديناراً ولمن له الخمسون ثلاثون دينار ولمن له الثلاثون ثمانية عشر ولمن له العشرون اثنا
عشر فإن ماتت قبل استفراغ الموقوف لها قسط ما بقي من مائتي دينار.
النهج السابع والعشرون
في اللقطة
و الأمانة و الوديعة
النهج السابع والعشرون
في اللقطة(2)
__________
(1) 2- خلف بن شيبة الغافري: من علماء عُمان في القرن الحادي عشر والله أعلم.
(2) 1- اللقطة: لغة :بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال
القاضي عياض: لا يجوز غيره. وقال الزمخشري بفتح القاف والعامة تسكنها وجزم
الخليل بالسكون، واللقطة اسم لما يلقط وفيها أربع لغات وهي: (1) اللقطة ساكن
القاف: المال الملقوط. (2) مفتوحها: اسم الرجل الملتقط. (3) لقاطة بضم اللام:
الكثير الالتقاط. (4) لقط بلا هاء وفتح اللام والقاف: أمسك. انظر النظم المستعذب
شرح غريب المهذب 1/426. المطلع على أبواب المقنع ص282.
اللقطة اصطلاحاً: قال الكاساني: المال الساقط لا يعرف مالكه، وقال ابن الحاجب:
كل مال معصوم معرض للضياع في عامر أو غامر. (11/16)
صفحة 1535
والأمانة والوديعة(1)
مسألة
[ حكم ضالة الحيوان ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان إن ضالت الأتن(2)
ليست كضالة المعز والضأن وإنما في (...)(3) النجب أو ضالة النجب
عندها حذاؤها وسقاؤها وقد صح الحديث (...)(4) إلا ضال(5).
مسألة
[ إرجاع اللقطة ]
ومن التقط لقطة وجاء ربها بعلامتها ورام أخذها فأبى اللاقط إلا أن
يجعل له جعلاً فضمن ضامن بالجعل معلوماً فسلمها اللاقط لربها فلا شيء للاقط على الضامن ولا على رب المال.
مسألة
[ الأمانة لليتيم ]
ومن عنده أمانة ليتيم أو غائب أو مسجد واقترضها واشترى بها أصل لمن يكون الشراء فالشراء له وعليه ما اقترض ويعجبني التنزه عن مثل هذا.
مسألة
[ الاقتراض من الوكالة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: من اقترض من أمانته شيئاً ضمنه إلى أن
يصير إلى ربه واختلفوا في تضمينه بقية الأمانة إذا أخذ منها شيئاً فتوى
فضمنه بعضهم ما توى وبعضهم لا يرى عليه ضمان إلا لما أخذه.
مسألة
__________
(1) 2- الوديعة: لغة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، من الودع وهو الترك. قال ابن القطاع
ودعت الشيء ودعاً: تركته، وقد ثبت في صحيح مسلم «لينتهين أقوام عن
ودعهم الجمعات»
اصطلاحاً: في الدر المختار: تسليط الغير على حفظ ماله صريحاً أو دلالة. حاشية
الطحطاوي على الدر المختار 3/375.
وقال ابن جزي: هي استنابة في حفظ المال، ص246 القوانين الجزئية. وفي نيل
الأوطار: العين التي يضعها مالكها عند آخر ليحفظها 5/296.
(2) 3- الآتن: جمع أتان وهو الحيوان المعروف (الحمار).
(3) 1- طمس في الأصل ولعلها: هي كضالة النجب.
(4) 2- طمس في الأصل ولعلها: وقد صح في الحديث النهي عن إمساك الإبل.
(5) 3- الحديث من حديث طويل يسأل فيه عن اللقطة، قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك أو
لأخيك أو للذئب، قال: فضالة الإبل، قال مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء
وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» متفق عليه، عن بلوغ المرام ص116-117 رقم 2. (11/17)
صفحة 1536
[ جهالة قيمة القرض من الأمانة ]
ومن اقترض من أمانته وغرب عليه علم ما اقترض فعليه الاحتياط
بالخروج مما أخذ والقول قوله مع يمينه وإن رد اليمين على المدعي فله ذلك
أن عليه كذا من الأمانة.
مسألة
[ متى يصبح الشيء أمانة ]
ومن فتح باب داره ليجعل فيه أمانة فلا يلزم الفاتح بابه حفظ ذلك ولا يكون ذلك استقباضاً إلا أن يرتج بابه أو يقفله على الأمانة فهناك يصير قبضاً إلا أن يرتج بابه أو يقفله على الأمانة هناك أمانته بمقرض ثقة وإن يقرض ومن استقرضه والترك أنزه وأحوط.
مسألة
[ أثر الربح على القرض ]
ومن اقترض من أمانته فتحرى فاستفاد فائدة فالفائدة له على الأصح إذ هو ضامن لما اقترض والربح بالضمان.
مسألة
[ حكم تلف الأمانة ]
وإذا ادعى الأمين تلف الأمانة فله القول في تحليفه فبعض رأى عليه اليمين وأبى ذلك آخرون والأصح إن كان ثقة هدرت عنه اليمين وإن بالعكس حلف.
مسألة
[ موت رب الأمانة وحقوق الآخرين ]
عن الفقيه ناصر بن خميس بن علي: ومن عنده أمانة فمات ربها وترك ورثة بالغين وأغياباً وذا يتم فما كان ينقسم قسم بينهم وحفظ للغائب واليتم حصصهم بأمر الحاكم أو الجماعة مع عدمه فما تلف بعد ذلك من يده فلا ضمان عليه فيه وإن وزعه بينهم برأيه ورأيهم ضمن ما تلف شركائهم في سهامهم فيكون على الجميع وما لم ينقسم بيع وقسم.
مسألة
[ من أحكام الأمانة ]
ومن عنده أمانة وحي كباب من ربها بتسليمها على الاطمئنانة لحامل الكتاب فلا يضيق تسليمها والاطمئنانة حكا حكم من أحكام دين الله وقيل: هو ضامن حتى يكون القابض ثقة أميناً وقيل: حتى يصح معه بلوغها
لربها المقفل (...)(1) وإذا قبض الأمين أمانته عدلاً وتوت من الأمين الثاني
فلا ضمان عليه وقول: إنه ضامن.
مسألة
[ السداد مع القرض ]
عن الشيخ صالح بن سعيد (...)(2) ومن عنده أمانة دراهم بصرية في
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: المقفل الغائب.
(2) 1- طمس في الأصل ولعلها: الشيخ صالح بن سعيد الزاملي. (11/18)
صفحة 1537
زمن البصيريات فاستقرض (...)(1) الصرف على الخلاص فإذا اقترضها
بأمر ربها فعليه مثل ما اقترض وإلا فعليه الخلاص مكانها إن كان أيان
اقتراضها تقوم مقام الخلاص.
مسألة
[ حكم تسليم الأمانة لغير صاحبها ]
وإذا استأمني أحد أمانة لأدفعها لزيد من زكاة وأمرني زيد لأدفعها لعمرو هل يجوز لي ذلك؟ فإن كان من أمتك هذه الدراهم لم يقر أنها زكاة ماله
فلا يجوز تسليمها إلا لمن أمرك بتسليمها إليه ولا تسليمها لغيره ولو أمرك المأمور لماله لأنك إذا سلمتها لغيره خالفت ربها.
مسألة
[ رأي خميس بن سعيد في القرض ]
ومن اقترض من أمانته بغير أمر ربها فعليه بصرف يوم الرد وأما من
اقترض برأي رب الأمانة ولم يكن شرط عليه مكان اللارية البصرية لارية
فضة خلاصاً فهذا شرط لا يجوز وعليه مثل ما اقترض وهذا رأي خميس
ابن سعيد.
مسألة
[ حكم خلط الأمانات دون إذن أصحابها ]
عن الفقيه النْزيه ناصر بن خميس بن علي: ومن عنده دراهم أمانة لمن لا يملك أمره فخلطها بدراهم عنده أمانة لمن لا يملك أمره أيضاً غلطاً منه فإذا كانت كلها لمن لا يملك أمره وكان عارفاً اقتسمها بالعدلين بين أربابها وإن كان منهم من لا يملك أمره ورضي أن يأخذ أدنها جاز على بعض القول.
مسألة
[ تلف حصص البعض دون البعض الآخر ]
وإذا وزع الأمين أمانته بأمر الحاكم أو جماعة المسلمين مع بين أربابها
وهم بالغون وأغياب وأيتام فأخذ البالغون الحاضرون حصصهم وتلف
حصص الأيتام والأغياب فإذا كان التوزيع بحكم حاكم أو من يقوم مقامه
فلا ضمان على الأمين ولا الشركاء فيما توى إذا لم يتعمد لإتلافه.
مسألة
[ حكم بيع الأمانة نسيئة ]
وإذا باع الأمين أمانته نسيئة بأكثر من ثمنها بالنقد فرضي ربها وإبراء الأمين فلا ضمان عليه ولا حرج في أخذ الزيادة للأمين إذا سلم مثل الأمانة
أو قيمتها بالنقد لربها.
مسألة
[ حكم ضياع الأمانة ]
__________
(1) 2- طمس في الأصل ولعلها: فاستقرض وديعة زيد فغلب الصرف. (11/19)
صفحة 1538
ومن بيده أمانة فضاعت فوجدها فهو خصم فيها وقول على ربها
الخصومة فيها ورأي أبي الحسن أن يكون خصمها في أمانته.
مسألة
[ حكم إرسال الأمانة مع غير ربها ]
ومن وجه بأمانة مع ثقة لربها فتوت وذلك بغير إذن ربها فإذا لم يحملها على الخطر فلا ضمان عليه إذا وجه بها على نظر الصالح ولن ينو تواها.
مسألة
[ حكم تعريض الأمانة للتلف ]
ومن أثمن على ورق فجعله في فيه إلى أن يبلغ الموضع الذي يحرزها فيه فتلفت فأما في (...)(1) عرضها للتلف وأما فيما بينه وبين الله فإن كان يأمن عليه كنشبه فيما (...)(2) فلا ضمان عليه وأحوال الناس تختلف.
مسألة
[ نسيان موضع الأمانة ]
ومن وضع أمانته في مكان يضعها مأمن فنسيها فتوت فهي كالأولى
سيان قلت أو كثرت ومرجع الأمر إلى ما تعلم من خاصة نفسه.
مسألة
[ حكم الإقرار للغير بالأمانة ]
ومن أخذ أمانة فأقر بها لغيره ثم أعاد بطلبها لنفسه فلمن جلمها فهي لمن قبضها منه ويكون شاهد للمقرور بها وعليه إعلامه بأنه أقر به لك وهذا إذا
أقر أنها لفلان وأمره أن يسلمها له.
مسألة
[ من صور الإقرار بالأمانة ]
ومن أخذ أمانة وأقر بها لغيره ولم يأمره بتسليمها للمقرور بها له فسلمها للمقرور له ورجع هذا بطلبه بها فإذا سلمها لمن أقر له بها فلا حجة عليه إلا
أن يأتي الآخر بحجة تبطل دعوى وهذا في غير الأحكام.
مسألة
[ نوع من الادعاء بالأمانة ]
وسلم أمانة أقر بها لغيره ثم ادعى أنها له وأنه كاذب في دعواه أنها لفلان وإقرار له غير صحيح فإنما هو شاهد على المقر فإن أنكر إقراره عند الحاكم وسلم الأمين أمانته للمقرور له ضمنها الأمين لربها بعدالية المنكر للإقرار.
مسألة
[ من أوجه ضمان الأمانة ]
ومن سلم أمانته بكتاب أو سمة ضمنها حتى يصح بلوغها لربها وإن أمره
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: فأما في الضمان إن عرضها للتلف.
(2) 2- طمس في الأصل ولعلها: فإن كان يأمن عليه كنشبه فيما يمتلك فلا ضمان. (11/20)
صفحة 1539
لا يدفعها لأحد حتى يأتيه هو بنفسه فسلمها لغيره بكتاب أو علامة ضمنها والقول للأمين واختلفوا في اليمين عليه.
مسألة
[ أثر موت صاحب الأمانة ]
ومن كان عنده أمانة فمات ربها وخلف ديناً في ذمته وورثه فقول أنه يحضر الورثة ويوزعها بينهم كل بقدر حصته من الميراث ولا يسلمها في
الدين لأنه غير متعبد بأدائها والأصح أنه يسلمها للوصي ثقة وينفذ في دين الهالك وإن لم يكن له وصي يسلمها الأمين في الدين وقيل: لا لأنه غير
وصي ولا وارث.
مسألة
[ قضاء الدين من الأمانة ]
عن الشيخ عثمان بن عبد الله الأصم(1): ومن عنده أمانة لهالك وعليه
دين وكان الأمين أو من عليه الدين يعلم على الهالك دين لا صحة فيه فله
أن يقضيه عند ولو لم يوص به الهالك.
مسألة
[ من لم يجد الموصى له يوزع الوصية على الفقراء ]
عن محمد بن سعيد عن أبي بكر عن ابن جعفر: ومن أوصى بوصايا
لزيد أو عليه حق فتعذرت عليه معرفته فإنه يجتهد في معرفته بما بلغ طوله وحوله وإن لم يعرفه وفرقه على الفقراء فلا بأس عليه إذ هو رأي.
مسألة
[ نوع من الإقرار بالأمانة ]
ومن استأمن أمانة من زيد وأقر بها زيد لعمر فللأمين تسليمها لأيهما شاء وقول: يجمع بينهما ويدفعها لمن سلمها له بحضرة المقر له ويكون عليه
(...)(2) وإن مات القار دفعها للمقرور له بها.
مسألة
[ التصرف بالأمانة خشية فسادها ]
__________
(1) 1- الشيخ عثمان بن عبد الله الأصم: هو الشيخ الجليل العالم الفقيه أبو عبد الله عثمان
بن أبي عبد الله الأصم لقباً العزري نسباً العقري النْزوي مسكناً، كان من العلماء في
عصره، واتصف بالنْزاهة والعفة والورع، عمل قاضياً، له مؤلفات منها: كتاب النور
في التوحيد، وبصيرة الأديان والأحكام ويقع في جزأين ومنها التاج، انظر نزوى عبر
الأيام ص132-133.
(2) 1- طمس في الأصل ولعلها: ويكون عليه الإشهاد عليها. (11/21)
صفحة 1540
ومن جاء بأمانة (...)(1) بها عمرو إليك فهي لعمرو وإذا حاذر الأمين فساد الأمانة جاز له قبض ثمنا إذا رأى البيع أصلح وإذا توى الثمن فلا
ضمان عليه وإن يكون (...)(2) الحاكم أو الجماعة.
مسألة
[ أثر وضع الأمانة عند غير المؤتمن ]
ومن أراد أن يستودع ماله أخذاً فليستودع الثقات الأمناء لأن المال
واجب على ربه وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال والواضع ماله لغير الأمناء
مضيع لماله ومن وضع ماله فلا آمن عليه الحوب.
مسألة
[ حكم حفظ الأمانة من الكتاب الكريم ]
وحفظ الأمانة فرض بالكتاب وهو قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } (3) وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ } (4) وقال: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ
الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } (5).
مسألة
[ من السنة ]
وأما الحث من السنة على حفظ الأمانة وردها إلى ربها قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«لا يحل مال امرئ إلا بطيب قلبه»(6) ويدخل في هذا ذوا الأصلاب
وإنما خص المسلم الذكر لشرف الإسلام وقال: على المسلم حفظ
مال أخيه(7).
مسألة
[ متى يضمن الأمانة ]
ومن أخرج أمانته إلى غيره فتوت ضمنها الحجة أن رب المال جعله أميناً
له على ماله دون غيره ولم يأذن له في إخراجه من يده لسواه ولعل رب المال
لم يأمر بماله عنده لعلمه بحاله فصار متعدياً بصنيعه.
مسألة
[ الشيء الذي لا مالك له ]
__________
(1) 2- طمس في الأصل ولعلها: غير معروف.
(2) 3- طمس في الأصل: ولعلها: بين الحاكم أو الجماعة.
(3) 1- سورة النساء آية 58.
(4) 2- سورة الأنفال آية 27.
(5) 3- سورة البقرة آية 283.
(6) 4- حديث صحيح والرواية المعروفة (إلا بطيب نفسه).
(7) 1- مصداق حديثه - صلى الله عليه وسلم -: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) (11/22)
صفحة 1541
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن وجد في داره شيئاً يملك بقدره فحكمه له وإن استراب قلبه فهو كاللقطة بفعله فيه ما يفعل بها.
مسألة
[ مطالبة القرض ]
وتجوز مطالبة القرض لأنه ليس له أجل.
مسألة
[ حكم المدفون من الأموال ]
ومن اشترى داراً فوجد بها دراهم باطنة في الأرض، إسلامية فهي لآخر
ساكن الدار وليس للمشتري فيها حظ فإن لم يرضها له فلمن قبله وإن تعذر حصول ربها فهي لقطة.
مسألة
[ تلف بعض المستعار ]
ومن استعار كتاباً ليقرأه فذهب بعض قرطاسه من غير تضيع منه فاستعمال المباح إذا أخطأ المستعمل من غير تضيع ولا مما يخرج من تعارف
ما يستعمل ففي لزوم الضمان عليه اختلاف فبعض ضمنه لأن الخطأ في
أموال الناس مضمون وأسقط بعض عنه الضمان لأجل امتناع القراءة بغير استعمال إذا لم يتعد في استعماله.
مسألة
[ حكم عدم أخذ اللقطة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: ومن مر على لقطة فصفح
عنها طلب السلامة لعدم معرفته بالأشياء فإذا تركها حذر العجز عن
التخلص منها فلا ضمان عليه على قول، وإن دل عليها غير مأمون
فأخذها ضمنها.
مسألة
[ كيفية معرفة اللقطة ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن التقط دراهم نثراً أو
مصرورة أو مكالاً علامة له فإذا أتى أحد يستأمنها جاز دفعها له و(...)(1) فوكاؤها وأما العدد والوزن فيه اختلاف.
مسألة
[ مدة التعريف ]
وتعريف اللقطة (...)(2) فإن كانت قيمتها درهم فما دونه فتعرف شهراً أو الدرهمين بشهرين، والثلاثة الدراهم فما فوقها سنة، وقول: تعرف بسنة قلت أو كثرت وقول: ثلاثة أيام قلت أو كثرت.
مسألة
[ أثر شهادة الشهرة على الغوائب ]
وإذا انتزع القائم أرضاً بشهادة الشهرة أنها من الغوائب جاز الانتفاع بها لبيت المال لأن حوز القائم الثقة حجة التسليم له لأن أئمة العدل لا
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: جاز دفعها له وليعرف عفاصها ووكاؤها...
(2) 2- طمس في الأصل ولعلها: وتعريف اللقطة على قدرها فإن... (11/23)
صفحة 1542
يستعملون في أمانتهم إلا الثقات الأمناء.
مسألة
[ وجود بعد رحيل الساكن ]
ومن وجد شيئاً من الدراهم النثر في بيت كان به سكان فقول هو لمن هو ساكن في البيت وإن قال أنها ليست له فلمن قبله وقيل: إنها بمنْزلة اللقطة.
مسألة
[ من صور الإجارة ]
ومن رأى في بيته أو على فراشه مما يملكه فحكمه له وقول إذا خالجه الشك فيه سلمه لذي عيلة ومن استأجر أجيراً لعمل قائم عمله وضرب
ولم يستوف أجرته وعزب عليه علم معرفته فقول أن الأجرة موقوفة
وقول: هي لعز الدولة وفي تضمينها عليه إذا صح ربها فيه اختلاف
والأصح أنه يضمنها(1).
مسألة
[ لقطة الدواب في الزرع ]
عن الشيخ عامر بن مسعود: ولمن استولى دابة من زرعه فإن ادعاها مدعٍ أنها له فأما في الحكم فلا يجوز له دفعها له ويجوز على الاطمئنانة وإن
أوصلها إلى الموضع الذي قبضها منه وأشهد على ذلك عدلين جاز إذا
كانت مما يمنع نفسه كالعير والحمير والبقر وشبه ذلك.
مسألة
[ التوارث بالأجناس ]
عن الإمام المؤيد والحبر المسد وأبى العرب ابن سلطان(2)
__________
(1) 1- حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار فأغلق عليهم ولم ينجهم من ذلك إلا صالح أعمالهم
فقال أحدهم اللهم إني استأجرت أُجَراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي
له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال يا عبد الله:
أدِّ إليَّ أجري، فقلت ما ترى أجرك من الإبل والبقر والغنم... فهذا يدل على تنمية
أجر العامل وأن رب العمل ضامن لهذا الأجر، أنظر البخاري 37 كتاب الإجارة،
باب من استأجر أجيراً فترك أجره، فتح الباري 4/449-450.
(2) 1- الإمام أبو العرب بن سلطان: هو الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي بويع في
اليوم الذي توفي فيه والده وذلك بيوم الجمعة السادس عشر من ذي القعدة
سنة1091هـ. وترسم خطى سلفيه الصالحين، وسار في الرعية بالعدل والصلاح
والإصلاح، واستتب الأمن وتواصل الرخاء وساد الازدهار وأمضى حياته في بناء
الدولة والعمل للآخرة، إلى أن خرج عليه أخاه ودارت بينهما حروب إلى أن توفي في
حصن جبرين ودفن فيه، انظر نزوى عبر الأيام ص166. (11/24)
صفحة 1543
ومن مات من ملل أهل الشرك ولم يكن له وارث فالأصح أن ماله لعز الدولة وكان ممن يتوارث بالأجناس.
مسألة
[ صور منال زراعة في ملك الغير ]
وإذا حمل الآتي باسقة من نشب مالكها وألقاها في نشب آخر وأثمرت فالخيار لرب الأرض بين أن يأمر ربها بإبانتها من نشبه وبين أن يدفع له
ثمنها مقلوعة.
مسألة
[ حكم الاستفادة من ملك الغير ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: وإذا اشترى أحد حباً من زرع
القيع التي لا يكتبوا المسلمون فيها وبذره في القيع الحلال الأصلية فالحب
على حالته لا يقبل سدل وهو مثبتة كأرضه الأولى.
مسألة
[ التوارث بالأجناس ]
عن الإمام المؤيد والحبر المسدد وأبي العرب بن سلطان: ومن مات من ملل أهل الشرك ولم يكن له وارث فالأصح أن ماله لعز الدولة وكان ممن يتوارث بالأجناس.
مسألة
[ صور من النذر ]
ولا يجوز الانتفاع بشيء لا يدخل المسلمون فيه بحطب ولا تمر ولا
سواهما ومن قال إذا أحيا الله فسيلتي هذه فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذه
للفقراء أو لبيت المال كل ذلك جائز.
مسألة
[ التصرف باللقطة عند عدم معرفة ربها ]
ومن أخذ اللقطة متعدياً بإثم (...)(1) وزعها بين الفقراء بعد أن عزب
عليه علم ربها فعليه أن يوصي بها (...)(2) والأصح أن عليه الوصية إذا
أخذها على التعدي.
مسألة
[ من إحياء الموات ]
وإذا كانت الغيرة من الغوائب وبها ركايا متفرقة وبينهن موات فرام
(...)(3) ركية في هذا الموات ففي ذلك اختلاف وأجاز بعضهم ذلك وأبا جوازه آخرون وقول: إذا فسح عن الركايا المتقدمة خمسمائة ذراع جاز
وإلا فلا.
مسألة
[ الملك بالشهرة ]
وإن كانت الغيرة لا يملكها أحد سوى من كان بيده منها شيء بدا
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: ومن أخذ اللقطة متعدياً بإثم فعليه توزيعها بين الفقراء، أو
كفارتها توزيعها...
(2) 2- طمس في الأصل ولعلها: فعليه أن يوصي به الوارثين والأصح...
(3) 1- طمس في الأصل ولعلها: وبينهن موات فرام غرس ركية... (11/25)
صفحة 1544
أفضت الشهرة وقضت في شيء ولم تعارضهما شهرة مثلها جاز الحكم بها وجاز حوز الأرض العافية من جواز الملاك.
مسألة
[ أثر العثور على الكنز ]
وإذا رأى أحد كنزاً إسلامياً من أرض ورثها فإذا وجدت في الموضع
الذي كان يسكنه ورثة فحكمه للساكن ويصير لورثته على الأصح.
مسألة
[ صورة من اللقطة ]
عن القاضي سليمان بن محمد بن مداد: ومن اشترى من تاجر شراء
فوجد به دراهم أو شيئاً مصروراً أو نثراً فإن كانت نثراً فهي بمنْزلة اللقطة
وقيل: إنها للبائع والأول أرجح.
مسألة
[ صورة من المقاصصة ]
ومن عليه حق فعجز عن أدائه ورام من له الحق دفعها له عن ضمان لزمه لم يعرف له رباً لأجل إقتاره وعيلته فإذا قاصصه بماله بما عليه جاز على قول من يجيز المقاصصة في الحقوق وإلا إنه لا يجوز إلا بالتسليم.
مسألة
[ متى تكون اللقطة لبيت المال ]
ومن التقط شيئاً من عدن التبار فقول أنه لملتقطه إن يكن ذا عيلة وقول: لعز الدولة وقول: موقوف والأصح أنه لعز الدولة وقال الإمام ناصر بن
مرشد(1) -رضيه الله-: للحفظ والعنا واللقطة له لعز الدولة.
مسألة
[ حكم الأموال التي يحملها النهر ]
وما يحمله النهر من أموال الناس كالتمر وسواه ولم يكن له ثمر فجائز الانتفاع به لذي الثروة والإقتار سيما إذا كان يعد إليه أربابه لحقارته وإن
كان ثمن فللفقير حلال إذ هو لقطة.
مسألة
[ لمن ثمرة الباسقة ]
وإذا أدركت الباسقة لا مانع لتمرتها ويقال: إنها سبيل فهذه متروكة
__________
(1) 1- الإمام ناصر بن مرشد: هو الإمام ناصر مرشد اليعربي الرستاقي النْزوي بويع سنة
1024هـ بعد انتهاء دولة بني نبهان. وحضر البيعة الجمع الغفير من العلماء منهم
مسعود بن رمضان بن راشد النبهاني النْزوي، وصالح بن سعيد الزاملي ويعتبر
المؤسس لدولة اليعاربة، توفي رحمه الله يوم الجمعة العاشر من ربيع الآخرة سنة
1050هـ وأمضى 26 سنة في جهاد متواصل ومضى وعنه المسلمون راضون. (11/26)
صفحة 1545
بحالها كما أدركت ولا يجوز حوزها لبيت المال ولا تنفذ لفقراء خاصة
يقتضي بها السنة.
مسألة
[ حكم التحلي بما لا يعرف صاحبه ]
ومن أعطى عرسه حلياً ولم يعلمها لمن هو فضرب ونأى فاحتاجت لمئونة تلزمه لها فباعت وامتانت فلما أتى آب وادعى أنه أمين فيه فيلزمها تخليصه وتطلب بعلها فيما يجب لها وعليه وعليها رده أو ثمنه مع يمينها وتصح بينة
ثمنه فالقول للبينة.
مسألة
[ من صور الوديعة ]
ومن أمر أو أودع حبة أحداً فتركها في داره فأخذها أحد على سبيل
الإدلال فلما طلبها ربها أعطاه جنة سواها فأخذها فمات المستودع فظهرت الجنة فإن أقر له بالجنة التي أعطيت من يمونه في ثابتة له في الحكم وإن عرفها
أنها ليست بحيته فليس له أخذها.
مسألة
[ صور من الأمانة ]
وإذا أتى زيد لعمر بورق فقال له هذه لخالد لتشتري له بها إن للمشتري
ما قاله هل له تسليم ما اشتراه للرسول كان ثقة أو خلافه وإن ماتت المقر
أمر إلى الحكم في ذلك فأما في الحكم فلا يجوز قبول قوله وأما في الحكم الاطمئانة فلا يضيق عليه ويجوز له تقبيضه ما اشتراه وإن مات المقر له
ضمن الحق لورثته ولا حق للرسول.
مسألة
[ صور من الأمانة ]
ومن جاء بسلعة إلى أحد فقال له: إني اشتريتها لفلان فاحفظها له
فمات الرسول فعن الشيخ صالح بن سعيد: هو لوارثه المقرور له بها إن
مات وله إن كان حياً.
مسألة
[ تعريف اللقطة ]
وليس لتعريف اللقطة حد إلا على ما أمكن عسى أن يعرفها ربها في المدة اليسيرة إذا شادا بها في محافل الناس وأسواقها.
مسألة
[ صور من التعريف ]
وما حمله الهطال ما قصر أو طال من جذوع أو جذوة أو ما كان من
المال إذا عزب علم ربه فعن الشيخ خميس بن سعيد: ما لم يرجع إليه ربه في التعارف من شيء النزر فلا يضيق الانتفاع به للموسر والمعسر وحكمه غير حكم اللقطة.
مسألة
[ صور من العارية ] (11/27)
صفحة 1546
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: ومن رام عارية شيء فقال له المعير: إن هذا ليس لي هو ولأناس فأخذه فمات المعير فإن يرد العارية إلى ورثته
لأن قوله ذلك لا يزيد ملك المعير عن العارية.
مسألة
[ صور من الاستعارة ]
ومن استعار كتاباً فله أن ينسخ منه ولو لم يستعره لذلك ومن أعار جداراً ليركب عليه جريداً لغير مدة ثم بعد أن ركب الجريد ادعى المعير الضرر على جداره فإن كان رب الجدار يلحقه ضرر في إخراجه فلا يحكم عليه بصرفه.
مسألة
[ إعارة الحيوان ]
عن الشيخ علي بن مسعود بن محمد: ومن أعار حماراً ليحمل عليه
حملاً ولم يشترط ركوبه عند رجوعه فإذا امتثل المستعير بداية المعير ما
جرت به العادة بين الناس فلا لوم عليه.
مسألة
[ حكم الإبقاء على اللقطة ]
ومن التقط لقطة وهو غني فتركها حتى افتقر فإن كانت لا سمة لها فإنها تعطى فقيراً وإن صارت ملتقطها إلى من يجوز له أخذ اللقطة جاز له أخذها ولو التقطها وهو مثر.
مسألة
[ حالة الملتقط ]
ومن التقط وهو ذو عيلة وتركها حتى أثرى حرم عليه الانتفاع بها وهي للفقراء على الأصح.
مسألة
[ وضع اللقطة حسب الملتقط والمكان ]
ومن له أولاد بالغون في حجره ومنْزله فالتقط أحدهم لقطة في فراشه
فإذا وجد اللاقط لها وهو ممن يملك مثلها فهي له وإن وجدها في البيت
مشتراة فهي للفقراء لأنها لقطة إذا لم يدعيها أحد الساكنين.
مسألة
[ صور من تعريف اللقطة ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: (...)(1) غير ذوات العفاص
كالمجز والمخلب وما أشبه ذلك فليس له (...)(2).
مسألة
[ حكم إخفاء اللقطة ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: ومن وجد لقطة مندفنة فحفرها فأمهاها فإنها تكون كاللقطة إذا كانت لها من قبل آثاره.
مسألة
[ وجود المال في باطن الأرض ]
ومن اشترى مالاً فوجد في باطن قيعته حجارة مما لها ثمن فهي له.
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: فإذا كانت اللقطة من غير ذوات.
(2) 2- طمس في الأصل ولعلها: فليس له تعريفها. (11/28)
صفحة 1547
مسألة
[ حكم ضالة الغنم ]
وضالة المعز والنعاج إذا عزب علم ربها هل تعرف أم لا؟ فنعم ويكون تعريفها على قدر ثمنها وإن عرفت سنة فذلك رأي(1) والتعريف سمتها إن
كانت لها سمة فإن قيل: لم أجازوا دفعها لمدعيها بالسمة وهي مال والأموال
لا تدفع إلا بالبينات قلنا قد خصت اللقطة بذلك وعلينا التسليم لله ولرسوله بقوله تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (2).
مسألة
[ حكم ضياع اللقطة ]
ومن بيده لقطة فضاعت فليس على اللاقط فيها خصومة بخلاف الأمانة وقال أبو اسعيد: هو خصم فيها وقيل: إذا ضاعت ضمنها والأول أصح.
مسألة
[ ضمان اللقطة ]
عن الشيخ محمد بن جعفر: وإذا رفع اللقطة ملتقطها ثم وضعها ولم
يدل عليها ففي ضمانها عليه اختلاف ومن مس شيئاً ولم يرفعه ولم
يستعمله فلا ضمان عليه.
مسألة
[ الإدلال على اللقطة ]
ومن دل على اللقطة أوحد النظر إليها حتى أخذها غيره ضمنها على
قول.
مسألة
[ مجيء صاحب اللقطة إلى أخذها ]
وإذا جاء رب اللقطة إلى اللاقط بسمتها فدفعها له على منوال شرعي ثم أتاه آخر سمتها فلا شيء عليه فإن صح بالبينة أنها له ضمنها اللاقط لها لربها.
مسألة
[ ادعاء اللقطة أكثر من واحد ]
وإذا ادعى اللقطة اثنان أو أكثر فأتوا بسمتها فلا يدفعها لهم ولا لأحدهم إلا بالصحة أو يتفقوا على صلح فيما بينهم.
مسألة
[ وجود الحلي في بطن الدابة ]
ومن اشترى دابة فلما ذكاها رأى في بطنها حلياً أو سواه فهو لبائعها فإن قال البائع: ليس له فهو لقطة والبائع فيها كسواه.
مسألة
[ متى تكون الوصية باللقطة ]
ومن فرق اللقط بعد أن عرفها ثم حضره النزع فعليه أن يوصي بها وقيل: لا وصية عليه والأصح إذا احتسب لربها في أخذها فلا وصية عليه وإن
__________
(1) 3- وردت في الحديث: فضالة الغنم؟ قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب متفق عليه، لم
يذكر الحديث تعريفاً وذكر وجوب التعريف في لقطة المال.
(2) 1- سورة الحشر آية 7. (11/29)
صفحة 1548
كان في الأخذ متعدياً أوصى بها.
مسألة
[ التقاط ما في الصحاري ]
ومن التقط شيئاً من سبل الصحاري أو ما كان بين القرى فرق على الفقراء أقرب القرى إليها وأقرب الأحياء وما لا يرجع إليه ربه فلا بأس بالانتفاع به.
مسألة
[ حكم كنوز الجاهلية ]
ومن وجد بقيعة نفر كنزاً جاهلياً فهو لملتقطه باطناً أو ظاهراً وفيه الخمس لبيت الله تبراً كان أو لجين عن أبي عبد الله.
مسألة
[ حكم شراء الصدقة ]
ومن اشترى صدقة فرأى بها درة فهي وما فيها (...)(1) وقيل: هي
للبائع وقع حلي الصدقة نفسها بثمن بخس والدرة تسوي أموالاً جمة
(...)(2) على مال مسلم.
مسألة
[ كيف عرف زيد بن ثابت -رضي الله عنه- اللقطة ]
ويروى أن زيد بن ثابت(3) رضي الله التقط صرة فيها مائة دينار فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعريفها سنة فمن جاءك بوصف وعائها وعفاصها سلمها له ثم
جاءه بعد خلو السنة فأمره بتعريفها بعد سنة أخرى ثم أخبره سنة أنه عرفها ثانية فقال له: مال الله يؤتيه من يشاء فأمره أن ينتفع به لفقره.
مسألة
[ تعريف اللقطة ]
واختلفوا في اللقطة إذا لم يكن لها وعاء ولا سمة عفاص كالمدية
والحسام والبندق وما أشبه ذلك فيقال: حسام محلي وله نعل من شبه أو
به رقم وهو كذا فقول: يكون هذا سمة له وقول: ليست العلاقة إلا
الوعاء والوكاء.
مسألة
[ التصرف باللقطة ]
ومن رأى دراهم نثراً جاز له الانتفاع بها إن كان مقتراً أو تفريقها على مستحقها إن يكن اللاقط مثرٍ فوراً بلا شك.
مسألة
[ الأدلة على العارية ]
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: وما فيها لقطة له، وقيل...
(2) 2- طمس في الأصل ولعلها: والدرة تساوي أموالاً جمة تحسب على مال المسلم.
(3) 1- وردت هذه الرواية في الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني
15/157 عن أبي بن كعب، وفيها: بعد الثالثة، فقال: أحص عددها ووكاؤها
واستمتع بها. (11/30)
صفحة 1549
والعارية بالسنة جائزة وقد استعار - صلى الله عليه وسلم - سلاحاً من صفوان بن أمية(1)
فقال - صلى الله عليه وسلم -: «عارية مضمونة»(2) واختلفوا في تضمينها للمعير بالخبر فبعض ضمنه ردها وبعض أسقط عنه الضمان حتى يشترط ربها.
مسألة
[ العارية إلى أجل ]
ومن أعار عارية إلى أجل لم يكن له استرجاعها قبل خلو الأجل من
طريق الديانية وعليه الوفاء بعهده لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود } (3) وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ } (4).
مسألة
[ رد العارية ]
وإذا رام المعير رد العارية ورفع أمره إلى الحاكم حكم على المستعير بردها قبل خلو الأجل وسموه منافقاً لخلفه وإن حكم بوفاء العهد على المعير فهو
__________
(1) 1- صفوان بن أمية -رضي الله عنه-: ابن خلف بن حذافة... بن لؤي بن غالب القرشي
أسلم بعد الفتح، وروى أحاديث، وحسن إسلامه وشهد اليرموك أميراً على كردوس،
حدث عنه ابنه عبد الله، وابن أخته حميد، وسعيد بن المسيب، وطاووس، وقد ورد
المدينة وقصته معروفة في سرقة ردائه، وقصته معروفة، وأرسل له - صلى الله عليه وسلم - رداءه من أجل
أن يأتي ويعلن إسلامه، وقد أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - من غنائم حنين فقال بعدها: ما طابت نفس
أحد بمثل هذا إلا نفس نبي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
توفي رضي الله عنه سنة 41 هـ، أنظر سير أعلام النبلاء 2/562-567.
(2) 2- استعار النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين أدرعاً بن صفوان أمية، فقال: أغصب يا محمد؟ قال:
«بل عارية مضمونة» رواه أبو داود وأحمد والنسائي وصححه الحاكم وأخرج له
شاهداً ضعيفاً عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بلوغ المرام من أدلة الأحكام
ص110 رقم 4.
(3) 3- سورة المائدة آية 1.
(4) 4- سورة الصف آية 2. (11/31)
صفحة 1550
الذي يوجبه النظر ويشهد بصحته النص والخبر الدليل أن العارية ليست مضمونة إذا لم يشترط ربها ضمانها بمنزلة الأمانة ولأن المستعير استعملها
برأي ربها والضمان لا يجب إلا بالتعدي.
مسألة
[ تضمين المستعير إذا تلفت العارية ]
وحجة من قال بالتضمين قوله - صلى الله عليه وسلم -: «عارية مردودة»(1) وقوله: كل يد ترد ما أخذت»(2) وقيل: إذا تعدى في العارية ضمنها وهذا اتفاق وإن لم
يتعد فلا ضمان عليه.
مسألة
[ المساواة بين العارية والضمان ]
وإذا اشترط رب العارية على المستعير الضمان ضمن بخلاف الأمانة لأن الأمين لا يضمن ولو اشترط رب المال عليه ذلك فيحب أن يساوي بين
العارية والأمانة في سقوط الضمان.
مسألة
[ متى يضمن المستعير ]
ويوجد في الخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على مستودع غير مغل ضمان(3) والأغلال الخيانة قال الله تعالى عمن
يغل: { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } (4).
مسألة
[ تلف العارية بناء على أمر المعير ]
وإذا استودع زيد ببلد مالاً فأمره بحرقه في النار وإلقائه في لجج البحار ففعل المستودع ما أمره فالأصح أن لا ضمان عليه لأنه فعل بأمر من يجب له الضمان وقول: يضمن لأنه فعل مالا يجوز فعله وقد نهى الله ورسوله عن
إضاعة المال.
مسألة
__________
(1) 1- من حديث صفوان: «إ ذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً وثلاثين بعيراً. قال: قلت
يا رسول الله، أعارية مضمونة، أو عارية مؤداة؟ قال بل عارية مؤداة» أبو داود رقم
3566 في البيوع باب تضمين العارية.
(2) 2- عن سمرة بن جندب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « على اليد
ما أخذت حتى تؤديه» رواه أحمد والأربعة وصححه الإمام الحاكم. عن بلوغ المرام
ص109 رقم 1.
(3) 1- كنْز العمال 16/631 رقم 46136. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وقيل
موقوف على شريح.
(4) 2- سورة آل عمران آية 161. (11/32)
صفحة 1551
[ أثر موت المستودع على الوديعة ]
ومن استودع وديعة فمات المستودع فسلمها المستودع لورَّاثه ثم صح له وارث سواه ببينة عادلة أو صح أن المستودع كان غاصباً لهذا فقال جملة
أرباب العلم: أن المستودع ضامن لها لرده لها إلى سوى مالكها وقد أتلف
مال غيره بغير حق ولمن صح له المال الخيار في المطالبة بين المستودع وبين
من أخذ المال وقد روي عن بعض أهل العلم إسقاط الضمان عن المستودع والوصي لأنهما أمينان ولم يكن بينهما في ما استودعاه ما ينافي أمر الله وقد
تعبد الله العباد لعلمهم لا يعلمه فيهم لأنه لو تعبدهم بعلمه لكان كلفهم
الطاقة وحاشاه من ذلك.
مسألة
[ اختلاط الوديعة بغيرها ]
وإذا استودع عمرو زيداً دراهم عشرة فاختلطت بمائة درهم للمستودع
ثم توى بعضها فإنهما شريكان فيما بقي لأن كل عزب عليه علم عين
دراهمه فيأخذها.
مسألة
[ حكم الماعز إذا ضلت الطريق ]
وإذا ضلت دابة معز عمرو فاختلطت بمعز نكروها لين فإن علفها أو
رعاها حل له الانتفاع بلبنها وإلا فلا وإن حاذر ضرر على الدابة فيحلب
منها مالا يضر بها.
مسألة
[ عدم ضمان الوديعة إذا كان أميناً ثقة ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من استودع أحداً وديعة فلا ضمان
عليه»(1) وهو رأي أبي عبيدة والربيع وعليه الإلية أنه ما خانها ولا قصر في حفظها ولا على الثقة في الأصح.
مسألة
[ حكم ضمان المستعير ]
__________
(1) 1- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنهم- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «من
أودع وديعة فليس عليه ضمان» أخرجه ابن ماجة انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام
ص120 رقم (1) وكنْز العمال 16/631. رقم 46132 أخرجه البيهقي عن ابن
عمر. رقم 2401/ 2/ ص802. (11/33)
صفحة 1552
ومن كتاب الأشياخ ومن استعار دابة ليسمنها أو ملاءة ليلبسها أو يصلي فيها فادعى أنه رد ما استعاره لربه وأنكر ربه الرد فهذا سارق ويرد ما استعار وإن أعطى المعطي تبرعاً عطية من غير سؤال جاز له أخذه ولا رد عليه وهذا يعرف بالمعاملات.
النهج الثامن والعشرون
في العطية
و الصدقة و القرض
النهج الثامن والعشرون
في العطية(1) والصدقة(2) والقرض(3)
مسألة
[ حكم الرجوع في عطية الماء ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة رحمه الله: ومن أعطى
أحد ماء غير محدود وهو فضلة ماء المعطي بعد شرب مال المعطى ثم أراد
الرجوع بعد أن سقى المعطى بالماء ذلك لأن العطية مجهولة ومن باع لزوجته بحقها نخلاً ومبهمة فزرع وباع الورثة بقية المال ولم تنكر وقد علمت البيع
__________
(1) 1- العطية مفرد وجمعها عطايا، والعطية نوع من أنواع النحل مفردها نحلة وهي إعطاء
الشيء دون عوض، وهي على سبيل التبرع، ومن أنواع العطايا الهبة والصدقة وقد
ورد الحث على الهبة والتواهب في الكتاب والسنة، وهي تزيد المحبة والألفة بين الناس
وتزيل الشحناء والبغضاء من نفوسهم.
(2) 2- الصدقة لغة: من الصدق وهي الصدقة ما أعطيته في ذات الله للفقراء والمتصدق
الذي يعطي الصدقة، والصدقة ما تصدقت به على مسكين وقد تصدق عليه، وفي
التنْزيل { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } يوسف آية 88. وقيل معنى تصدق: تفضل.
اصطلاحاً: تمليك ذي منفعة لوجه الله بغير عوض. عن الحدود لابن عرفة ص2/554.
(3) 3- القرض: بفتح القاف، وقيل بكسرها وسكون الواو وضاد معجمة، معناه القطع وسمي
المال المدفوع للمقترض، وجمعه قروض، وهو ما أسلفه من إحسان ومن إساءة. وهو
على التشبيه، قال أمية بن الصلت: كل امرئ سوف يجزى قرضه حسناً أو سيئاً
ومديناً مثلما دان.
اصطلاحاً: قال ابن عرفة: دفع متمول في مثله غير معجل لنفع آخذه فقط، لا
يوجب عارية ممتنعة. الحدود لابن عرفة.
تعريف آخر: هو القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجرة والشكر. (11/34)
صفحة 1553
فلا حجة لها إلا أن يكون تركت الإنكار من تقية ويصح ذلك بالبينة
(...)(1) حجتها. ومن نحل شبله نحلاً وتصرف فيه الولد ثم أضرح الأب
وطلب ورثته (...)(2) إن كان بالغاً فذلك عطية فإذا إحرازها المعطى ولو
كان الولد أثبت له وليس للورثة (...)(3) وإن يكن ميتاً فمرد وحوزة في حال طفوليته هدر.
مسألة
[ حكم الرجوع في العطية ]
ومن أقر لآخر بحوز ماء لآخر في ماله والمال شركة بين بالغ وهو المعطي ويتيم وعمر المقرور ماله بذلك الماء فأراد المعطي الرجوع فإذا رجع المعطي للجواز فعليه نصف ثمن الجواز للمقرور له بما يراه الغرول ومن أعطى آخر ساقية من أرض بينه وبين يتيم فأجر فيها ماؤه وغرس عليها غرس فلما بلغ اليتيم كره فلا تبطل العطية ولا يقبل غرسه ولليتيم نصيبه من ممر هذا الماء.
مسألة
[ حكم إقرارات المفلس ]
ومن اعتراه وصب وعليه دين يحيط بنشبه وله دار فأقر بداره لولده فإن
الديان أولى بالدار من الولد لأنه أضاف الدار لنفسه ولأن الله لا يعذب والد بمال ولده وإن قال هذه الدار لشبلي فلان ثبت الدار لشبله ولا مدخل
للغرماء معه لأنه اعترف له بالدار(4).
مسألة
[ حكم الإقرار والعطية ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي والإقرار والعطية يجوزان لمن لا
إحراز عليه فثابتان من حينها ما لم يعلقا بشرط.
مسألة
[ حكم الهبة للابن ]
وإذا كان لامرأة ولدان فنحلت كل واحد منهما نحلاً فأدرك أحدهما حمامه(5) فالنحل ثابت من الأم كسائر الأمم لا كالأب فمن نزع ماله لمن
يرثه وليس عليهما إحراز وإن كان الولد بالغاً عاقلاً فحتى كانت محرز
العطية من أم أو أجنبي أو رحم.
مسألة
[ حكم منحة الأرض ]
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: ويصح ذلك بالبينة وبأحجيتها.
(2) 2- طمس في الأصل ولعلها: وليس للورثة إحرازها وإن يكن ميتاً...
(3) 3- طمس في الأصل.
(4) 1- إقرارات المفلس قبل الحجر عليه معتبرة، وأما بعد الحجر فهي ليست معتبرة.
(5) 2- حِمامه: موته. (11/35)
صفحة 1554
ومن امتنح من آخر قيعة للزرع فزرعها متنضداً فنزع المانح ورام وارثه نزع التصيد من قيعتهم فإن كانت المنحة لغير مدة ففي ذلك اختلاف قول:
له إخراجه متى شاء وللزارع غرامته وعناه وقول : حتى يأكل الأمهات
والبنات وقيل ليس له إخراجه حتى يدرك زرعه.
مسألة
[ أجل المنحة ]
ومن منح آخر قيعة لزرع قت فرجع المانح فإن كان لغير مدة فقد تقدم الجواب من الاختلاف في المنحة إذا كانت لغير أجل وإن تكن إلى أجل
فإلى أجلها.
مسألة
[ عدم تقيد الزارع بنوع الزراعة ]
ومن امتنح قيعة إلى سنة فزرعها نصف سنة وتركها حتى خلت السنة فله زرعها لتمام السنة إذا لم يعين القعادة لسنة معلومة وإن عينها فليس له إلا
هي فإن خلت فلا حجة له.
مسألة
[ مدة المنح والتصرف فيها ]
ومن امتنح أرضاً لزرع معلوم فليس له أن يزرع سواه وإن كان لزرع غير معلوم فله زرعها في المدة ما شاء.
مسألة
[ صورة من المنح ]
ومن منح أرضه وماءه لزرع فزرع الزارع وغرم ثم رجع المانح قبل أن يستعمل الممتنح من زرعه غلة أو لحد المانح ورام المانح ذلك فليس للمانح
ولا وارثه حجة حتى يستغل الزارع فإن كان قنا سنة بعد الجزة على الأصح وله بعد ذلك الخيار بين بذره وبين هيس عروقه.
مسألة
[ صور من المنح ]
ومن منح أرضاً لزرع غير القت كالبصيف ونحوه فحتى يدرك وقيل:
إلى أن يساق المانح فعلى الممتنح أجرة الدقعاء المزروعة لورثة المانح حين
انتزع روحه وأسكن ضريحه إلى حصاد زرعه رأي القاضي.
مسألة
[ ثبوت العطية بعد الإحراز ]
عن الشيخ خلف ابن سنان الغافري رحمه الله: إن العطية إذا لم يحرزها المعطى حتى مات المعطي بطلت على قول، من لا يثبت العطية بغير إحراز والإحراز هو القبض لما يدرك قبضه أو التصرف فيه من إغلاق الدار ورتجه وسده وقفله وإدخال عامل في المال وإخراجه وما أشبه ذلك.
مسألة
[ حكم العطية بدون إحراز ] (11/36)
صفحة 1555
ومن أعطى أحداً عطية فلم يحرزها المعطى حتى مات المعطي ففي ثبوتها اختلاف بعض أثبتها وأبى ذلك آخرون.
مسألة
[ من أحكام الهدية ]
ومن أرسلت معه هدية فأخذ منها شيئاً على معنى الدلالة على المهدى إليه ثم قبلها المهدى إليه هل يضمن الرسول أم لا فإن ضمن فلمن يكون فالأمين محجور عليه الأخذ من أمانته بإدلال ولا غيره وفي لزوم الضمان عليه
اختلاف وهذا رأي الفقيه علي بن مسعود بن محمد.
مسألة
[ متى تثبت الهدية ]
اختلف العلماء في ثبوت الهدية فمن قال أنها إذا فصلت من يديها
صارت للمهدى له فضمانها له ومن قال إن حكمها للمهدى له ولو فصلت
من يده حتى تصل المهدى له ويقبلها فضمانها له وهذا هو الأصح.
مسألة
[ أنواع من المنح ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: ومن منح أحداً سكنى داره أو غلة ماله إلى
مدة محدودة فنزع أحدهم قبل خلو المدة بعد إحراز الممتنح فهي ثابتة إلى
أجلها ومن أهدى هدية فأحدث المهدى له قبل وصولها له أو وصلت فلم يقبلها رجعت لمهديها.
مسألة
[ الرجوع في العطية قبل الإحراز ]
ومن أعطى ابنتي ابنه شيئاً مشاعاً وهما صبيتان ولم يحرزا لهما العطية
لهما محرز ثم نزعت إحداهما وهي صبية وبلغت الأخرى ولم تحرز شيئاً
ثم أراد المعطي الرجوع في عطيته فلا رجوع له على هذه الصفة.
مسألة
[ تعليق العطية على الوعد ]
ومن له زوجتان فقالت إحداهما: طلق ضرتي وأنا أعطيك جميع
أملاكي فطلقها أثبت له أم لا؟ فهذا وعدٌ وُعِد به فإذ أعطيه وكانت ممن تجوز عطيتها فواسع له قبول ذلك وإن أبت فلا شيء عليها سوى التوبة من خالقها وإن قالت: إن طلقت زوجتك فلانة فعلي لك كذا أثبت عليها ما قالت؟
مسألة
[ حكم العطية في المرض ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: ومن صح عرسه غلة ماله
حياتها فهذا غير ثابت ولا تثبت العطية في الوصب الذي لا تجوز فيه العطية (11/37)
صفحة 1556
فإن عوفي وأتم تثبت إذا أحرزوا أما الزوج والزوجة فلا إحراز عليهما ويكفيهما القبول من بعضهما بعض وعطية ذي الوصب لغير الوارث لا
تجوز والبعض أثبتهما فمن أثبتها أنزلها منْزلة الوصية وجعلها من الثلث.
مسألة
[ من صور العطايا ]
ومن أعطى آخر شيئاً أمانة فقال له إذا نزعت أعطها زيداً ففي ذلك اختلاف بعض أجاز ذلك وآباه آخرون حتى يجعله وصية في إنفاذه لفلان، وقول: حتى يقر له به عنده ويوصي بإنفاذه إليه.
مسألة
[ حكم العطية في وقت الصحة ]
ومن أعطى أولاده شيئاً في حياته وصحته فلا يلزمه أن يعطي زوجته كمثل ما يجب لها من ميراثه من ذلك فإنما عليه العدل في أولاده في المحيا والممات وعليه بين وارثه بعد موته وكذلك إن أعطى زوجته في حياته شيئاً
فلا يلزمه أن يعطي أولاده كمثل ما ينوبهم.
مسألة
[ رأي أبو الحواري في العطية ]
عن الشيخ أبي عبد الله: لا تجوز العطية في الغصب ولا الصدقة وللمعطي أو المتصدق الرجعة إن شاء ولو أحرز المعطى وهذا رأي أبي الحواري.
مسألة
[ من صور النحل والعطايا ]
ومن نحل نحلاً فنزع الناحل والنحل في يده بطل كالوارث أو أجنبي
ومن نحل ولده الصبي فأحدث الأب ولم يبلغ الولد بطل النحل ومن نحل
أجنبياً صبياً وله ولي فمات الناحل قبل أن يدفعها لوليِّه فهي بمنْزلة الوصية وتخرج من ثلث مال الناحل عن موسى بن علي لا تثبت العطية إلا بإحراز
ولو كانت من الزوجين لبعضهما بعض والأصح يكفيهما القبول.
مسألة
[ العطية في حالة الغضب ]
ومن أعطى عطية وادعى أنه أعطى في حال الغضب فعليه البينة فإن شهدت البينة بما ادعى بطلت العطية أحرزها المعطى أو لم يحرزها.
مسألة
[ من صور العطايا ]
ومن أعطى على غضب فلم يحرز المعطى حتى سكن الغضب فأحرزها ورضي له المعطي جازت له العطية.
مسألة
[ عطية اليتيم ]
وأما ذو اليتم فلا إحراز عليه في العطية إذا مات قبل بلوغه ولا رجعة للمعطي بعد ذلك وهذا كله في عطية الصبي من غير أبيه.
مسألة (11/38)
صفحة 1557
[ الإبراء من الحق ]
وإذا كان للأب حق على ابنه فأبرأه منه وقيل: الابن برأته ثم رجع الوالد فله الرجعة وكذلك لو أعطاه عطية فأحرزها فرجع الأب فله الرجعة كان الولد صبياً أو قد بلغ الحلم وذلك للأب خاصة دون غيره.
مسألة
[ أثر ادعاء الجهالة ]
ومن أعطى صبياً شيئاً وله أب ولم يحرزه له أبوه فرجع المعطي فلا رجعة له وإن اعترى المعطي نزع قبل إيناس الصبي رشده ثبتت العطية ولا رجعة لورثته وإن مات الصبي قبل إيناسه وقبل موت المعطي ثبتت العطية أيضاً ولا رجعة للمعطي ومن أعطى شيئاً فأحرزه المعطى فادعى المعطي فيما أعطى فأراد الرجعة فله ذلك ما لم تقر بمعرفة ما أعطى وله القول في ادعائه الجهالة مع يمينه.
مسألة
[ إحراز العطية ]
ومن أعطى أحداً عطية فأحرزها فردها على المعطى فلا إحراز عليه في ذلك وعليه القبول وهذا رأي أبي الحواري ومن وافقه من الفقهاء عن الشيخ شايق بن عمرو: من منح آخر ثمرة ماله في حياته فمات المانح ورام الوارث نزع المنحة فإن أعلمت مدة المنحة فلا رجعة للمانح ولا الورثة فيها وإن
كانت إلى غير مدة فراموا اضمحلالها اضمحلت. يروى أن سيدنا أبا
بكر وهب لابنته عائشة رضي الله عنها نخلاً فلما آن احتضاره جعله ميراثاً فسأل عن ذلك فأجاب بأنها لم تقبضه وهو الآن مال للوارث فإن لم ينكر
عليه صنيعه وفي تسليم الكل له دلالة على حسن صنيعه.
مسألة
[ حكم عطية المشاع ]
واختلفوا في عطية المشاع فأجازها بعض وشبهها على بيع المشاع وأبى جوازها بعض لتعذر صحة قبضها والنظر يوجب صحة هذا القول ومن
أشهد ببينة أن فلاناً أعطاه كذا ولم يشهد بالإحراز فهذه عطية ضعيفة حتى تشهد البينة أنه قبلها وأحرزها.
مسألة
[ حكم الإحراز من الأعجم ]
وجائز للأب إحراز أعطيته من أمه أو من الأجانب ولا أحرز على
الأعجم والمعتوه وذوا المس والعطية لهم جائزة.
ومن وهب لآخر عبداً قبل هلال شوال فلم يقبضه حتى هل شوال ثم (11/39)
صفحة 1558
قبله وقبضه فإن صدقة الفطر تحب على الموهوب له لأنه الملك قد صح له
وقيل: أنها على الواهب وحجتهم أن الهبة لا تصح إلا بالقبض الأول
والأول أصح قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الراجع في هبته كالراجع في قيئه والقيء
حرام»(1) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد
لولده»(2) رواه ابن عباس رضي الله عنه. وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أتاه رجل يقال له
بشير(3) يريد أن يشهده على نخل ولده النعمان بن بشير فقال له: آكل
أولادك نحلت؟ فقال: «لا فأمره برده»(4)
__________
(1) 1- الحديث عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «العائد في =
(2) = هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» متفق عليه وفي رواية البخاري «ليس لنا مثل
السوء كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»، انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -،
أرقام: 4683، 6003، 9234، صفحات 6/477، 8/174، 11/16، وانظر
بلوغ المرام من أدلة الأحكام.
1- الحديث عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- رواه أحمد والأربعة وصححه
الترمذي وابن حبان والحاكم، انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص115 رقم 3،
وانظر جامع الأصول 11/615- 616، رقم 9233، 9234 والحديث صحيح.
(3) 2- النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة: الأمير العالم صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن أخت عبد
الله بن رواحة -رضي الله عنه- مسنده 114 حديثاً، ولد السنة الثانية للهجرة، وعد
من الصحابة الصبيان باتفاق، حدث عنه ابنه محمد والشعبي وحميد بن عبد الرحمن
الزهري، وسماك بن حرب وغيرهم الكثير، قتل رضي الله عنه على أيدي أهل حمص
سنة 64هـ. انظر سير أعلام النبلاء 3/411 رقم 66.
(4) 3- قصة طلب شهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - على عطيته لابنه (النعمان بن بشير) معروفة لدى أهل
العلم ذكرتها كتب الصحاح والسنن والمسانيد، انظر جامع الأصول في أحاديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - 11/617 رقم 9235. (11/40)
صفحة 1559
وقيل يكون عاصياً والحكم
ماضياً بجوازه والخبر يوجب إبطاله وفي رواية: قال له: «أشهد غيري»
فهذه توجب إمضاء الحكم والهبة للولد ماضية وإنما هذا القول منه عليه
السلام على جهة التأديب هكذا قال بعض العلماء لئلا يلج الجفاء قلب من
لم يبره أبوه بشيء وهذا يدل على جواز الهبة لبعض الورثة في الصحة كما
وهب أبو بكر رضي الله عنه لابنته عائشة في صحته. ويروى أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه نحل ولده عاصماً(1) ونحل عبد الرحمن بن
عوف(2) رضي الله عنه ولده أبا أم كلثوم.
والهبة جائزة من المثر والمقتر لهما وقيل: إنها من المقتر لا تجوز والأول
أصح بحجة لمن أجاز هبة ذي العيلة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل هدية بريرة(3)
__________
(1) 4- عاصم: هو عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، الفقيه الشريف أبو عمرو =
(2) = القرضي العدوي ولد في أيام النبوة وحدث عن أبيه وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي
الأقلح الأنصارية وكان طويلاً جسيماً وكان بليغاً فصيحاً شاعراً وهو جد الخليفة
العادل عمر بن عبد العزيز حدث عنه ولداه حفص وعبيد الله وعروة بن الزبير توفي
رضي الله عنه عام 70هـ، ورثاه عبد الله بن عمر بقوله:
فليت المنايا كنَّ خلَّفن عاصماً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معاً
انظر سير أعلام النبلاء 4/97 رقم 30 .
1- عبد الرحمن بن عوف: الصحابي المعروف رضي الله عنه وأرضاه.
(3) 2- بريرة: هي أمة وحررتها عائشة -رضي الله عنها- جاء في الطبقات الكبرى لابن
سعد أخبرنا نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة رضي
الله عنها فأتي بطعام ليس فيه لحم، فقال: ألم أر عندكم بُرْمة؟ قالوا: بلى تصدق به
على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال إنه لم يتصدق به علي ولو أطعمتموني
لأكلت» قال أبو عبد الله محمد بن سعيد: وفي غير هذا الحديث هو على بريرة
صدقة وهو لنا هدية، يعني منها الطبقات الكبرى لابن سعد 1/390. (11/41)
صفحة 1560
مولاة عائشة لما أهدت إليه لحماً قد تصدق به عليها فقال هو لها صدقة ولنا هدية منها ولم تعلم أنه ضمن نفسه شيئاً وقال أهل العلم: إن أجر الهدية كأجر الصدقة وقال الشيخ أبو الحسن: الهدية تثبت بالسنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تهادوا
تحابوا»(1) وإنها تذهب السخيمة وتجلب المودة وهي جائزة بين الرحم
والأجنبي والمثري وذوي العيلة.
مسألة
[ من مقاصد الهدية ]
وتجوز الهدية لدفع الضرر من جائر أو متعد لا حوب على المهدي وإن
رد السلطان الجائر على المهدي عوض هديته فلا بأس عليه ما لم يتضح له حجر ذلك.
مسألة
[ من أحكام الهدايا ]
اختلف العلماء في فصول الهدية فقال بعضهم: فصولها خروجها من
يد مهديها وقول: قبض المهدى إليه أو قبض رسوله أو وصي الصبي
والمحتسب له وهذا أرجح القولين.
مسألة
[ حكم هدايا الأمراء ]
ومن أهدت له هدية فظن أنها لسواه فردها فهي له ولا رجعة لمهديها لأن المهدية إليه قد قبضها. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هدايا الأمراء غلول»(2). عن عمر
بن عبد العزيز(3) رحمه الله: كانت الهدية لرسول الله هدية وللأمر
استحب وقد أهدى عليه السلام للنجاشي مسكاً.
مسألة
[ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهدية ]
يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هممت أن لا أقبل الهدية إلا من قرشي أو
__________
(1) 3- رواه البخاري في الأدب المفرد، جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/641،
11/609، وبلوغ المرام من أدلة الأحكام 116 رقم 8.
(2) 1- ينهى الحديث عن الرشوة وهي محرمة لأن هدايا العمال لا يبتغى بها وجه الله إنما
المصلحة الشخصية والحديث له شواهد.
(3) 2- عمر بن عبد العزيز: هو الخليفة العادل، ويعتبره العلماء أنه الخليفة الخامس من الخلفاء
الراشدين، جده لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز أشهر من أن يعرف. (11/42)
صفحة 1561
أنصاري أو ثقفي»(1) وقيل: إن النجاشي مات ورسول الرسول في الطريق فعادت الهدية إليه.
مسألة
[ حكم هدية الصبي والرقيق ]
وإذا أتى بالهدية صبي أو ذو رق فإن كان مما يتعارف بين الناس أنهم يتهادونه فلا بأس وقال الفضل: قد هدينا إلى أرباب العفاف والورع مع
الخدم فقبلوه وقيل: لا تجوز الهدية من يد الصبي حتى يقول أرسلني أبي أو
من عنده الصبي ولا من ذي الرق حتى يقول أرسلني به مولاي وقيل: لا
يجوز ولو قالا ذلك لأن إقرارهما غير ثابت(2).
مسألة
[ الهدية للقوم معاً ]
عن ابن عباس رضي الله عنه: من أهدت إليه هدية ومعه قومه فهم
شركاء فيها فأهديت حلة مصرية ومعه قوم فأمر برفعها فقيل له في ذلك
فقال: إنما ذلك فيما يؤكل ويشرب لا في ثياب مصر ومن أهديت إليه
هدية في إناء فإن كان له ثمن فعليه رده وإن لم يكن له ثمن أو كانت الهدية
لا تصلح إلا به كالجراب ونحوه فلا رد عليه وإن مات المهدى قبل وصول الهدية من مهديها فهي لمهديها واختلفوا فيها إذا مات بعد فصولها وإن
خفي أمرها فهي للمهدي وقيل: للمهدى إليه وقيل: توزع بينهما نصفين
وعلى كل حال يجوز ردها إلى المهدي كالإقرار يجوزه المقر. ومن أهدى
هدية رجاء أفضل منها فرد عليه مثلها فلا بأس عليهما.
مسألة
[ أجر الهدية ]
__________
(1) 1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 11/611- 612 رقم 9226. قال رواه
الترمذي رقم 3940، 3941، في المناقب باب في ثقيف وبني حنيفة. وأبو داود
رقم 3537 في البيوع باب قبول الهدايا، والنسائي 6/280 في العمرى والحديث له
مناسبة ارجع إليها.
(2) 2- لأن تصرفات الصبي الضارة غير جائزة، وتجوز إذا كان مأذوناً له التصرف. (11/43)
صفحة 1562
ومن أهدى هدية طمعاً في أفضل منها فقيل: لا يضاعف له عند الله وإنما تضعيف الأجر لمن قصد بها وجه الآخرة وقد تأول قول الله تعالى: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } (1) قالوا من أعطى
ليكافأ بأكثر مما أعطى لا لوجه الله.
مسألة
[ هدية الثواب (هبة الثواب) ]
ومن كتاب ومن أهدى هدية لأحد يرجو عوضها فلم يقتض فأخبر المهدى إليه أني أهديت إليك للعوض فأين عوضه فحسن وإلا فقد مضت الهدية
يروى أن عامر بن مالك(2) ملاعب الأسنة أهدى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدية وهو مشرك فدعاه ليتحنف فأبى فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إني لا أقبل هدية مشرك»(3) وقيل:
إن عامر بن الطفيل أهدى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فرساً فلا يقبلها منه لأنه مشرك
وقيل: هو أبو المؤثر بن مالك لأن عامر لم يزل على عداوته حتى مات،
وقبل - صلى الله عليه وسلم - هدية المقوقس صاحب الإسكندرية وكان عظيم القبط.
مسألة
[ تفسير اليد العليا ]
واختلفوا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اليد العليا خير من اليد السفلى»(4)
__________
(1) 1- سورة الروم آية 39.
(2) 1- عامر بن مالك: ملاعب الأسنة.
(3) 2- هدية الكفارة والهدية إليهم: أجاز الفقهاء -رحمهم الله- الهدية إليهم وقبول الهدية
استناداً إلى فعله - صلى الله عليه وسلم - وهو قبوله الهدية من المقوقس، أكيدر دومة الجندل، هدية وفد
ثقيف وغيرهم وفعل الصحابة، انظر مختصر صحيح مسلم رقم 531 نيل الأوطار
6/104، نيل الأوطار 6/2 وغير ذلك، وانظر كتابنا أحكام الكافر باب هدية الكافر
للمسلم والمسلم للكافر.
(4) 3- حديث صحيح انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - صفحات 6/499، 460،
462، 10/139، 147، 148. أرقام: 4668، 7618، 7627، 7631. عن
عبد الله بن عمر وأبو هريرة وحكيم بن حزام وأبو أمامة الباهلي. (11/44)
صفحة 1563
فقيل: اليد العليا المعطية والمتصدقة والسفلى هي الآبية عن الصدقة الممسكة، وقيل: القابضة للصدقة. عن أبي عبد الله: ومن تصدق على أحد بماله فكره
المتصدق عليه قبولها فإن كانت لله فلا رجعة للمتصدق فيها فإن كانت في
المال ثمرة حفظها المتصدق فإن قبل دفعها إليه وإن مات قبل أن يقبلها فهي لورثة المتصدق ولا يسعه دفعها للفقراء. قال أبو الحواري: إذا لم يقبلها فهي
للفقراء وقيل: يتصدق بها على غيره وعلى قول من يقول: إنها للمتصدق
فلا رجعة للمتصدق عليه فلا رجعة بالجهالة. ومن قال: مالي صدقة على
فلان لوجه الله وكان ممن لا تجوز له الصدقة فلم يقبل برفعة المال لأن صدقته على من لا تجوز له الصدقة ليس شيء وماله راجع إليه هذا رأي أبي الحواري عن الشيخ أبي سعيد ومن نوى أن يتصدق بشيء من ماله على ذي عيلة معلومين ثم رجع فلا شيء عليه وقال بعض الفقهاء: ومن نوى فعل طاعة
لزمه الإتمام لها وهو حسن والأصح أنه لا يجب عليه حتى يلج في العمل.
مسألة
[ ملكية الصدقة ]
ومن فصلت من يده صدقة للفقراء فهي ماله حتى تصل الفقراء وإن
فصلها لتسليمها منه للفقراء إلى من قبضه لهم فقد زالت من ملكه لهم.
مسألة
[ حكم الصدقة ]
ومن قال لآخر: أعط فلاناً وادفع إليه أو سلم له كذا فسلم له ضمن
حتى يقول: تصدق عليه أو هب له أو قولاً يوجب معنى الصدقة فإن قال
له ذلك قطر أنه يأمره على سبيل الضمان فذلك إلى العلماء فإن خرج
بمعنى الصدقة فهو صدقة وما خرج بمعنى الضمان فهو ضامن ولا يعذر
بالجهالة ومن وجه بشيء عند أحد فقال له: هذا لزيد فأعطه فهو له إذ قد اعترف به.
مسألة
[ إيصال الحمل لصاحبه ]
ومن حمل حملاً لزيد فلم يجده فإن كان الواصل به ربه فهو له حتى
يقبضه المحمول له وإن كان حامله غيره فهو للمحمول له.
مسألة
[ قضاء الشيء حياً ] (11/45)
صفحة 1564
ومن قضى حاجة طالب حياء فإذا أراد بذلك وجه الله والدار الآخرة فله الثواب ولو أنب نفسه وإن كان لرياء أو لسمعة وثناء فلا يجوز له ذلك ولا أجر له.
مسألة
[ متى يكون الخلف جائز ]
ومن رام من أحد قضاء حاجة فأنعم له فأخلف فلا يلزمه شيء سوى الحوب من خلف وعده فإن تاب التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومن قبض لمدفع شيئاً ثم تعذر عليه لقبضه فيما قبضه له فهو له وإن قبضه ليسلمه له
فهو مخير فإن شاء سلمها إلى من قبضها منه وإن شاء حبسها له وأوصى بها كانت لغريب أو قريب فإن آيس من معرفة ربها فهي للمدفعين وقيل: لعز
دولة المسلمين.
مسألة
[ حكم الصدقة على ذي العيلة ]
ومن أتى إلى ذي عيلة بصدقة فوجد باب داره مرتجا فتسور عليه فإن
كان من طريق إدخال البر عليه ليخفي ذلك على الناس فلا بأس وأما على
غير هذه النية فلا يجوز ويلحقه في صنيعه التباس.
مسألة
[ الانتفاع بالصدقة ]
وإذا وجد المقتر شيئاً في داره مما تسكن نفسه أنه تصدق به عليه فلا بأس عليه به في الانتفاع به كالأطعمة وما أشبهها أو الفاكهة ما لم يرتب فيه قلبه فإن ارتاب فكل مشكوك موقوف.
مسألة
[ جواز صدقة السر والجهر ]
ويجوز إبداء الصدقة وإخفاؤها إلى مصلحة المتصدق عليه لينظر ما كان أبر له من الإخفاء والإبداء ويروى أن صدقة السر أفضل من صدقة الجهر بسبعين ضعفاً ويروى بالعكس فلهذا قلنا سابقاً. ومن تصدق بصدقة ونفسه فيها فالمؤمن منتفع بفضل الله عليه والمنافق غير منتفع بما أدى إلا أن يتوب وقد قال الله تعالى: { نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ } (1).
مسألة
[ عودة الصدقة لصاحبها ميراثاً ]
ومن ردت إليه صدقته إليه ميراثاً أو نحوه جاز له الانتفاع بها ومن
تصدق على أحد بشيء فعليه إعلامه خوفاً أن لا يكون مستحقاً لها ولم
يعلم أنها على وجه الصدقة.
مسألة
[ التصدق مع عدم القبض ]
__________
(1) 1- سورة هود آية 15. (11/46)
صفحة 1565
ومن تصدق على فقير من داره معروفة بجزء مسمى جاز له ولو لم يقبضه.
مسألة
[ النهي عن كل قرض جر منفعة ]
ولا يجوز القرض إذا جر منفعة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك(1) ومن أقرض قرضاً جر منفعة فعليه رده وهو أن يسكنه بيتاً لشهر على أن يقرضه درهماً فلا
يجوز وعلى الساكن أجرة وله درهمه مكسورة على أن يرد عليه صحاحاً
بدلها كان على المقترض رد ما أخذ أو مثله وعليه التوبة.
مسألة
[ حكم قرض الحيوان ]
واختلفوا في قرض الحيوان فقال أكثرهم : لا يجوز وحجتهم أن المثل
لا يضبط والأصح جوازه للخبر الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقترض بعيراً بكراً
ورد رباعياً وقال: «خيركم أحسنكم قضاء»(2) لاتفاقهم على جواز
السلف في الحيوان.
مسألة
[ حكم الزيادة في رد القرض ]
وروي عن عبد الله بن عمر أنه اقترض ألف درهم فدفع للمقرض ألفاً ومائتي درهم فقال له الألف حقك والمائتان صلة مني إليك وأجمعوا أن
القرض للإماء غير جائز وهو محرم(3).
مسألة
[ صور من السفتجة الحديثة ]
ومن اقترض دراهم من مكة شرّفها الله تعالى على أن يقبضه المقترض من عُمان على صرف عُمان على أرباب معاملة أرباب مكة من غير زيادة عن حساب ما أقرضه فهو قرض جائز عندنا وإن قضاه عرضاً جائز ثمنه وإن
قضاه بحساب المن بكذا جاز وإذا اشترط المقرض على المقترض رد القرض
لمدة حدها أيجوز أم لا؟ فأحكم أن حكم القرض حال ولربه أخذه متى شاء
ولا يضره قوله لترده علي بعد كذا مضى.
مسألة
[ حكم الاقتراض من مال اليتيم ]
وجائز لوصي اليتيم ووكيله محتسبه أن يقرضوا من مال اليتيم ويرد المقترض إليهم ما اقترضه إذا كانوا ثقات أمناء، وقيل: لا يجوز فإن فعلوا
ضمنوا ما توى من مال اليتيم.
مسألة
__________
(1) 1- لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل قرض جر منفعة فهو ربا».
(2) 1- رواه مسلم. انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص105 رقم 7 باب القرض.
(3) 2- وخاصة عند من عرف بسوء الخلق وعدم الأمانة. (11/47)
صفحة 1566
[ حكم نقض القسمة ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: وإذا كان المال لبالغ وذي يتم ووزع بالخيار لا بالسهم فاختار المسلمون للأيتام فرام البالغون النقض قبل إيناس ذي اليتم وقول: له ذلك وقيل: لا نقض له قبل الإيناس ولا بعده
وإنما النقض لذي اليتم إذا شاءه بعد إيناس رشده وأما إن وزع نشبهم
بضرب السهم فلا نقض فيها وهو بعد صحة موت الهالك مع الحاكم
ومعرفة النشب وتصحيح الأنصباء بين الورثة وإن كان المال بيع خيار متقدم فلمن أراد نقض القسمة جاز ولو شرط الفك على الكل وإن تراضوا فلا
بأس على أحدهم ولا التباس.
مسألة
[ إعادة القسمة في الزرع ]
عن الشيخ الوالي عامر بن محمد: وإذا وزع مال بين وارثين بالغ وذي
يتم فزرع البالغ ماله وغير ذي يتم لليتيم القسمة بعد إيناسه فإن وقع الغير بعد
إدراك الزرع فهو لمن زرعه على الأصح وإن لم يدرك فهو للورثة وللزارع
ثمن بذره وغرمه ويجوز قسم الغلل على ورش الباسقات بعد إدراك معرفته
وهو رأي القاضي محمد بن عبد الله. وإذا ورث بالغ ويتيم أموالاً شتى من
قرى متفرقة فأضاق البالغون الأموال ووزعوها نظراً منهم لإصلاح الأيتام
فلا يبعد ذلك من الجواز.
مسألة
[ الوصية لأنواع البر ]
ومن أوصى بجملة غلة ماله بوزن معروف لشيء من أنواع البر فمات فجائز للورثة قسم المال ويخرج كل منهم غلة نصيبه بقدر ما ينوبه وإذا قال الجماعة للذين يختارون للأيتام: قد اخترنا لكم هذا السهم جاز وكفى إن
شاء الله تعالى.
مسألة
[ متى يقسم الزرع ]
ولا يجوز قسم الزرع قبل إدراكه على أن يترك حتى يدرك وهذا من
الربا وإذا اشترك اثنان في باسقة فلما أدركت ثمرتها أراد أحدهما أن يجتني
تمرها معواً وأراد الثاني أن يتمرها فهي على الأغلب من عادتها رأي الأمجد
عامر بن محمد.
مسألة
[ صور من قضاء الديون ] (11/48)
صفحة 1567
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: وإذا قضى المديون بعض ديانة حقوقهم جاز ولا رجعة على من قبض قبض حقه لسائر الديان ما لم يحجر عليه الحاكم ماله وقيل: ما لم يرفع أهل الحقوق على المديون عند الحاكم
في حقوقهم.
مسألة
[ صور من قضاء الديون ]
ومن له حق على عمرو وله مثله فإن يكن عمرو ضارباً أو ذو مس أو قد أرس فجائز له أن يقاصص نفسه وإن كان أهلاً حياً فلا إلا أن لا يقدر على أخذ حقه فلا يتعرى من الاختلاف ولا توى على مسلم.
مسألة
[ الإبقاء على نفقة المحجور عليه ]
ومن عليه دين فرفع عليه خصمه عند الحاكم فادعى الإعدام فرأى
الحاكم عنده شيء من السلاح أو الكسوة فما لم يطلب الحاكم بيع ذلك الديان فلا بأس على الحاكم التغاض عن ذلك وإذا طلب بيع وترك له من الثياب ما يكفيه من القر بلا إسراف.
مسألة
[ نوع من ضمان الوجه ]
ومن ضمن بإتيان شخص يوم كذا فلم يأت به كما شرط فإن ضمن بإحضاره لأجل حق فلم يحضره ولم يصح بالبينة أن نزع أو ضرب حتى
جاوز عمان فإن الحق على الضارب.
مسألة
[ رأي خلف بن سنان في قضاء الحقوق ]
وإذا وجب عليه الحق وجب عليه ذي الدين من حبس وغيره رأي خلف بن سنان ومن له حق على أحد وطلب من له الحق أن يقتضي منه طلاق
عرسه إذا ما لم يف بما عليه فلا يجوز للحاكم الإنعام له بذلك وهذا
لا يجوز رأي أبي محمد.
مسألة
[ ضمان نفقة الزوجة ]
ومن ضمن بنفقة عرسه في حياته وبعد مماته ثم مات الأب واستغرق
نشبه الدين فهذا ثابت ويكون ذلك في رأس مال الهالك.
مسألة
[ صور من الإفلاس ]
وإذا علم الحاكم دين مديون لعدة نفر وعلم أن نشبه لم يف بما عليه فلا
يحكم لبعض الديان دون بعض حتى يحضروا معاً وعليه أن ينظر للرعية
كلهم الصلاح.
مسألة
[ صور من الحجر على المديون ]
وبيع سلاح الشاري لديته اختلاف وللقائم النظر في ذلك ويجوز
للحاكم أن يحجر من مال المديون بقدر ما عليه ولو لم يكن حاضراً.
مسألة
[ حكم الإقرار بعد الحجر ] (11/49)
صفحة 1568
وإذا حجر الحاكم على المديون ماله بعد أن صحت عليه الحقوق فأقر لأحد بحق ففي جواز إقراره بعد ذلك اختلاف والأصح عدم الجواز.
مسألة
[ أثر بقاء بعض الحقوق بعد قسمة المال ]
وإذا صح على المديون حق بعد أن وزع ذو المس نشبه وسبده على ديانه كل بقدر (...)(1) ما ينوبه إذا كان ما صح قبل الحجر فله حصته وإذا أقر المديون بحق لأحد ورام ديانة بماله أنه ما ألجأه إليهم فلهم ذلك ردَّا لم يف ماله بما عليه من الحقوق الثابتة.
النهج التاسع والعشرون
في الشفعة و القياض
و الضمانة و الكفالة
النهج التاسع والعشرون
في الشفعة(2) و القياض
و الضمانة(3)
__________
(1) 1- طمس بمقدار كلمتين، ولعلها: كل بقدر ما ينوبه، وطمس لا أثر له.
(2) 1- الشفعة: بضم الشين وسكون الفاء مأخوذة من الشفع وهو الضم أو الزوج وقيل
مأخوذة من الزيادة لأنه يضم ما شفع فيه إلى نصيبه هذا قول ثعلب وهو الزوج ضد
الفرد ومعناه الاشتراك في الملك، والشفيع فعيل بمعنى فاعل، يقال شفع الرجل شفعاً
إذا كان فرداً فصار له ثان، وقال الطحطاوي: والشفيع فيما نحن يضم المأخوذ إلى
ملكه فذلك سمي شفعة، ومنه شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمذنبين لأنه يضمهم إلى الفائزين
يوم القيامة، والجمع شفعاء، انظر إلى لسان العرب مادة شفع 8/183، 184،
قاموس المحيط 3/45، والمطلع على أبواب المقنع ص278.
اصطلاحاً: تمليك البقعة جبراً على المشتري بما قام عليه الدر المختار في حاشية
الطحطاوي 4/917، وفي أسهل المدارك: استحقاق شريك أخذ ما عاوض به
شريكه من عقار بثمنه أو قيمة بصيغة 3/37.
(3) 2- الكفالة: من كفل الشيء كفالة، والكفالة له والحمالة والضمان كلها معنى واحد وهو
الالتزام لصاحب الحق بما كفل به. وهناك فرق بين الكافل والكفالة والكفل، فالكافل:
هو الذي يعول إنساناً وينفق عليه، والكفل الضعف من الأجر أو بالإثم، والكفيل هو
الملتزم بالحق، والكفالة هي الصيغة التي على ضوئها يكفل الكفيل المكفول.
اصطلاحاً: ضم ذمة إلى ذمة، وفي أسهل المدارك التزام مكلف غير سفيه ديناً على
ذمة غيره، أو التزام طلبه من عليه لمن له بما يدل عليه 3/19. (11/50)
صفحة 1569
و الكفالة
مسألة
[ حكم شفع في الماء ]
عن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان وإذا كان ممر
ماء أحد على مال جاره وله فيه إحالة بيع والساقية المارة تسقي ثلاثة أموال فصاعداً أو في شيء منهن باسقة لمسجد فإذا كانت الساقية تستقي ثلاثة
أموال بعد المال الأعلى فلا شفعة في ذلك على الأصح.
مسألة
[ حكم بيع الشفعة، والشفعة في المشاع ]
ومن ضرب فأصرى مهامهة وبيعت شفعته على مشتري أو أكثر فاعلم
أن من أصرى(1) خصماً في ضربه أو جاوز مروحتان برز من سربه فلا
شفعة له فيما وزع إلا في المشاع وإن لم يكن ضربه كما ذكرنا فله الشفعة
في المشاع والموزع.
مسألة
[ شفعة المسافر ]
ومن علم بيع شفعته وهو ناء في سفر جد في السير لأخذها بلا ضرر وله مداراة طعامه وقضاء فرائضه وحفظ ماله وإن اشتريها جمة مشترين طلبها من
الكل وإن تعذر عليه الرجوع أشهد على نزع شفعته مع عدلين من ذوي التحنف.
مسألة
[ أخذ الشفعة من المشتري ]
وللشفيع أخذ شفعته من المشتري وإن غاب المشتري فمن ذي الأمر ولو
حضر المشتري وإن تعذر حصول حاكم ومشتر أخذها من جماعة المسلمين ولفظ أخذت شفعتي من فلان ابن فلان من المال المسمى كذا من قرية كذا
كم الثمن وإذا كانت فضلة معين بين شركاء فباع أحدهم ذنوبه على أحد الشركاء فلا شفعة فيها لأحد إذا كان للمشتري في الماء ومن دار على
شفعته فلم يأخذ النحاس رتيَّته فله الشفعة.
مسألة
[ صورة من بيع الشفعة ]
وإذا بيع المال وفيه قول إذا بيعت شفعته بالنداء فأبى المزابنة(2) عليها فله شفعته.
مسألة
[ الشفعة بين الشركاء ]
__________
(1) 1- أصرى: الإضرار بالخصم، وهنا أثر الإضرار في الشفعة من قبل الشفيع.
(2) 1- المزابنة: هي بيع الثمر في رؤوس النخل بتمر كيلاً، هذا المعنى الاصطلاحي الفقهي،
ولكنها هنا بمعنى الزيادة على السعر. (11/51)
صفحة 1570
وإذا كان المال لشريكين وغاب أحدهما فباع الآخر نصيبه فرام من غاب إذا آب فإن كان حاجّاً ولم يقم إلى عاشوراء محرم أدرك الشفعة في المشاع والمقسوم وإن أقام إلى عاشوراء أدركها في المشاع وأما في المقسوم فلا
وكذلك الغازي.
مسألة
[ حق الشفعة للمسجد ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي والشيخ صالح بن وضاح(1): ومن اشترى مالاً شفعة الشفيع فأقر به لمسجد أو لأحد بحق فلا شفعة فيه وأن أقر
به لبشرٍ وبايعه أدرك الشفيع شفعته.
مسألة
[ حكم شفعة اليتيم ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: وإذا لم يكن لذي اليتم وكيلا ولا محتسباً
ولا وصياً وبيعت شفعته فإن الحاكم يقيم له وكيلاً بأخذ شفعته وإن تعذر حصول الحاكم فالجماعة وذلك في المشاع لا الموزع.
مسألة
[ الوصية بالشفعة ]
ومن أوصى لأحد بماله من ضمان عليه له فإن الشفيع يدرك فيشة شفعته وللموصى له بالمال ثمنه بما تقومه بالعدول.
مسألة
[ حكم الشفعة في الباسقة ]
عن الشيخ خلف بن سنان الغافري: ومن له باسقة في مال أحد تقايس
نخل ذلك المال فباعها رب المال فادعى المشتري إنما اشتراها وقيعة بلا أرض وكذلك دعوى البائع فليس للشفيع فيها شفعة وليقطع عن مشتريها وأثر الخصام وشفعته.
مسألة
[ صورة من المال ذي الطريقين ]
وإذا كان للمال طريقان أحدهما من طريق الجائز والأخرى تمر على
طريق إنسان فبيع هذا المال على شخص ولم يسم نيز الوجه فأشفعته من مر
تمر عليه الطريق فادعي المشتري والبائع إنما وقع البيع على المال دون الطريق فالقول للبائع والمشتري وما لاح في أفق السماء المشتري.
مسألة
[ أثر العلو والسفل في الشفعة ]
وإذا كان لأحد مال أعلاه ولآخر ما أسفل منه ولرب المال الأسفل نخلة
في المال الأعلى وبيع المال الأعلى لرب المال الأسفل شفعة أم لا؟ فاعلم أن الشفعة تجب الضرر شركة أو ساقية أو طريق أو ميزاب وأشباه ذلك ورب
__________
(1) 1- صالح بن وضاح: يتكرر هذا العلم ولم أعثر له على ترجمة. (11/52)
صفحة 1571
هذه النخلة إذا كانت فله الشفعة.
مسألة
[ الشفعة للأعمى والإشهاد عليها ]
وإذا كانت الشفعة لأعمى وداره نائية عن دار المشتري أشهد على شفعته
أو جهل الشفيع الثمن عند أخذ الشفعة فإذا لم يحضر الثمن إلى ثلاثة أيام
بطلت شفعته جهل أو علم وله أخذ شفعته بنفسه.
مسألة
[ رد الشفعة بالعيب ]
ومن اشتفع مالاً فلما علم ثمنه كرهه فلا رجعة له إذا استغلاه بعد تسليم ثمنه. وجائزة الشفعة في الحيوان وبين العامل ورب المال في بيع النداء.
الشفعة ترد بالعيب ولا شفعة في الإقالة قبل الطلب واختلفوا في الشفعة في الأجائل فقول: إذا بيعت الأرض التي تسقي أسفل الأجائل فالشفعة للأول
ثم الثاني ثم الثالث وليس للرابع شفعة وقول : إنها تبطل عن الثالث لا تصبر أربع أجائل وقال موسى بن علي: الشفعة في خمس أجائل وأما محمد بن
محبوب فيجزها في أربع أجائل أجالة البائع وأجالة المشتري واثنتان بينهما،
وفي قول موسى أجالة البائع وأجالة المشتري وثلاث بينهما.
مسألة
[ الشفعة في الأجائل ]
وأما أجائل الصرم إذا كان الصرم لمالك واحد وكان ببيع بعضه بعضاً فالأصح أنه يجب له أجالة واحدة وفم البير ففيها الشفعة للشريك وأجائل الزجر والنهر فسيان.
مسألة
[ الشفعة في ماء النهر ]
والماء من النهر يشتفعه الشريك إن يك مشاعاً وإن يكن مزورعاً فالشفعة لمن يرد منه الماء فإنه يطلب فلمن يرد من الماء المباع.
مسألة
[ أثر التلفظ بالشفعة وبماذا تجب الشفعة ]
ومن قال لفظة: أشفعت مالي بما لي والثمن يجاز وثبت وتجب الشفعة بثمانية أشياء: والمشاع والصراط والنخلة المقايسة لما حولها والساقية وأما الباسقة الوقيعة فمشفوعة ولا تشفع والجدار التي عليها الجذوع المنْزلين
ومصب الميزان ومسائل الوديان من الماء وإذا مات المشتري بطلت الشفعة.
مسألة
[ حكم الشفعة في الحيوان والرقيق ] (11/53)
صفحة 1572
وتجوز الشفعة للشريك في الحيوان والرقيق إذا بيع وله مجرى على سيل على مال جاره لمنْزله وبيع أحد المالين فلا شفعة لرب المنْزل لأنه مضرة عليه ومثله إذا بيع المنزل لأن الشيخ أعجبه أن تكون الشفعة لذي المال إذا بيع
المنْزل لأنه قد ثبت عليه لمجر السيل. وإذا أشفع الشفيع مالاً بالقطع فنقض المشتري أو البائع البيع بعلة يجب بها النقض فإذا صحت الجهالة من البائع
أو المشتري فلهما نقض البيع ولو بعدما استحقها الشفيع.
مسألة
[ لمن تجب الشفعة ]
ومن كتاب الضياء(1): والشفعة تجب لكل شريك متحنف أو وثني أو كتابي ذكراً كان أو أنثى أهلاً أو ضارباًَ مرتاً أو صفصفاً كان أو ذا وصب كان أخذه للاقتناء أو للتجارة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة لكل شريك»(2) وعلى
أهل ذي الذمة ما على المتحنفين من الطلب والأجل للثمن وإن علم الشفيع فأبى الطلب بطلت شفعته وليس على المشتري رد غلة إذا استحق منه المال بشفعة وله الثمن.
مسألة
[ حكم شراء الشفعة من المسلم لذمي ]
وإذا اشترى ذمي مالاً فاشتفعه ذمي له فيه شفعة فأراده متحنف لا
شفعة له فيه فهو للذمي وإذا اشترى ذمي شفعة له من مسلم فرام المسلم انتزاعها منه فالذمي أولى بأخذ شفعته منه. وإن اشترى ذمي شرى من
ذمي أو من مسلم ليس له فيه شفعة فرام المسلم انتزاعه منه فلا شفعة فيه له
ولا ينعم له بذلك.
مسألة
[ صور من شفعة البيع ]
وللمسلم أخذ شراء الذمي إذا لم تكن للذمي فيه شفعة إذا علم البيع فأقصر اضمحلت شفعته وهو رأي الشيخ محمد بن محبوب قال محمد بن
محبوب وأبو محمد: تنْزع الشفعة من ذوي الأصلاب وأرباب الكتاب
__________
(1) 1- كتاب الضياء لسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري من علماء القرن الرابع الهجري وقد
طبع على حساب وزارة التراث القومي والثقافة العمانية.
(2) 2- الحديث صحيح المعنى منها: الجار أحق بصقبة. (11/54)
صفحة 1573
لذوي التحنف الأنجاب للرواية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أب البتول(1) لقوله: «الإسلام يعلو ولا يعلى»(2) سلم الله على رسوله وصلى. قال أبو محمد: إذا بيع المال وبإزائه مال لمتحنف ومال فالمتحرف لمتحنف أحق بالشفعة من المتحرف ولو نأى مال المتحنف ودنا مال المتحرف وللمال المباع إلا أن يطلبها المتحنف
عن موسى بن علي: إذا استحق الذمي شفعته بوجه حق فهو أحق بها وهذا
هو الرأي الأرجح إذا أدنا ماله عن مال المسلم وخالفه محمد بن محبوب.
وإذا كانت أرض بين مصل وذي ذمة فاشترى ذي الذمة عنها خاصة فالمسلم أحق بالشفعة ولو سبق إلى أخذها الذمي إن طلبها حين علم وإلا فسارت وتجب الشفعة للذمي على المصلي بإجماع.
مسألة
[ حكم الشفعة فيما يكال ويوزن ]
ولا شفعة للشريك فيما يكال ويوزن وما بيع نداء وعلم به على الأصح
ولا شفعة في قياض أصل بأصل وليس على الرجال الشفعة إذا جن الليل
وللعبد ذلك وتقوم الحجة بإعلام البائع أو المشتري والشاهد العدل بالبيع
على من ماله الشفعة.
مسألة
[ أثر موت من يستحق الشفعة ]
وإن مات من يستحق الشفعة لأحد فلم يأخذها حتى باعه المشتري فللشفيع أخذها من المشتري الثاني وإن تداوله مشتر بعد مشتر وعزب على الشفيع علم البيع ثم علم فله الشفعة بأي عقد شاء وليس على المشتري رد
الغلة سوى للذي اشتراه وهي به مدركة فهي رد للشفيع.
مسألة
[ الشفعة بين الزوجين ]
وليس فيما بين الزوجين شفعة فيما باع أحدهما لصاحبه ولا فيما باع الابن لأبيه وأما ما باع الأب لابنه ففيه الشفعة وما باعت الأم لولدها
ففيها الشفعة.
مسألة
[ غياب مشتر الشفعة ]
وإن غاب مشتر الشفعة فعليه أن يخرج إليه فإن عزب عليه علمه أو تعذر عليه الخروج أخذ على آخذ شفعته عدلين وأحضر الثمن وأنه ما منعه من أخذها إلا عدم علمه بموضع مشتريها.
مسألة
[ حكم إنكار الشفعة ]
__________
(1) 1- المقصود هنا فاطمة الزهراء -رضي الله عنها-.
(2) 2- نيل الأوطار 6/83 الطبعة الأخيرة. (11/55)
صفحة 1574
وإذا طلب الشفيع الشفعة فأنكره المشتري أنه لا شفعة له فعلى طالب الشفعة البينة بما يدعيه فإن أعجزها رام البينة حلف أنه اشترى هذا المال من فلان بكذا ولم يعلم لهذا المدعي فيه حقاً من قبل ما يدعي أن له فيه شفعة
وإن رد اليمين فله ورد عليه ماله وإن منع الشفيع شفعته أخذ ظلماً ثم قدر
على أخذها إذا كان الشرع قد أوجبها له وعلى الظالم له رد الغلة.
مسألة
[ مدة الشفعة ]
وإذا اشترى المشتري بعروض فعلى الشفيع مثله إن علم المشتري المثل أو الثمن وإن اشترى بمسيئة فكذلك يكون للشفيع والمدة في الثمن ثلاثة أيام
إذا كان المشتري قد سلمه وإن لم يقبل المشتري الثمن رفع أمره إلى الحاكم
أو الجماعة وإذا سعى في أخذ شفعته فتلقاه بشر في طريقه فسلم عليهم
بطلت شفعته.
مسألة
[ صور من الاختلاف في الشفعة ]
وإن عمرو استغل قوم ذا وإن غرب علمه وإن غرس أو غرم فله غرم وعناء. ومن قايض بجزء من ماله فباع بقيته على من قايضه فلا شفعة عليه
لأنه اشترى مالاًَ له فيه حق والقول في الثمن للمشتري مع يمينه وإن ظن
الشفيع أن شفعته بيعت بأقل ثمن فترك الطلب ثم علم وصح معه تعارف
الثمن أو بخسه فطلبها فلا شفعة له وقد فاتته.
مسألة
[ من هو صاحب الشفعة ]
وليس لأحد أن يشفع لسواه فإن فعل مرق من طاعة مولاه وعليه ردها وطاعة مولاه والتوبة إلى الله.
مسألة
[ الشفعة للصبي ]
ولأب الصبي طلب شفعة ولده ولا يدرك الصبي الشفعة إذا أنس فيما
وزع ويدركها في المشاع.
مسألة
[ حكم ترك طلب الشفعة حتى البلوغ ]
وإن علم وصي ذي اليتم ببيع شفعته من المشاع فلم يطلبها له لم يدركها الصبي إذا بلغ وكذلك الأب إذا لم يطب شفعة شبله حتى بلغ الشبل فرامها
لم يدركها الولد.
مسألة
[ أثر الثمن على الشفعة ]
ومن اشترى مالاً فهاوده البائع في الثمن لأياد سبقت بينهما أو يرجوها
فاشتفعها شفيع فبثمنها الذي وقعت صفقته في البيع عليه ولا زيادة على (11/56)
صفحة 1575
الشفيع وإذا صح أن البائع باع ماله محاباة على المشتري فيأخذ الشفيع المال بثمنه كما يسوي وأن أعطى أحداً مالاً مكافآت وعوضاً عما كان منه إليه
ففي ذلك الشفعة.
مسألة
[ شفعة الزوجة من مال زوجها ]
وإذا مات بعل البضة وقضيت من ماله قاعاً بصداقها ففيها الشفعة وإنما لا شفعة عليها في حياة بعلها فيما باعه لها.
مسألة
[ صورة من الشفعة الضيفة ]
ومن قال: أنا طالب شفعتي منك يا فلان للمشتري وأريدها أو أحب شفعتي فهذا ضعيف ونحب إثباته ومن علم شفعته فلا يشتغل بسواها إلا لما لا يد له منه أداء فرض الصلاة أو ضيف حل بساحته ولم يجد من يخلفه
وخاف الضرر.
مسألة
[ متى تكون الشفعة ]
ومن بيعت شفعته وهو جنب أو محدث من بول أو سلح فلا يقف الاغتسال ولا الاستنجاء ما لم تحضره فريضة حاذر فوتها ولا يسلم على من
مر عليه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة ما لم تقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»(1) علمنا أنها لا تجب إلا من حاذر خليط دون اللاصق
لأن الخليط يحتاج إلى قسمة.
مسألة
[ حكم أخذ مال العبد بالشفعة ]
ومن اشترى مالاً لعبد فأخذه الشفيع بالشفعة ثم استحق العبد كان البيع مردوداً أو يطلب الشفعة وإذا قال المشتري لم يرجع الشفيع بالزيادة على ما
أقر به من الثمن وإن قال المشتري: اشتريتها بألف درهم وقال الشفيع: لا
بل اشتريتها بخمسمائة درهم كان القول قول المشتري مع يمينه إلا أن يأتي الشفيع بينة بغير ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أزال شفعة أخيه المسلم أشرع الله قدميه في نار جهنم»(2).
ومن رام بيع نشبه أعلم جاره بها إذا كان له في ماله شركة أو طريق أو
ما كان من المصرات. ومن اشترى مالاً فاشتفعه شفيع فأقال البائع للمشتري: البيع فالشفعة ماضية والإقالة هدر وإن صدرت منه الإقالة قبل الاشتفاع.
__________
(1) 1- حديث صحيح، انظر باب الشفعة في كتب السنن.
(2) 2- لم أعثر عليه في كتب الأحاديث ولعله بالمعنى. (11/57)
صفحة 1576
وإذا كان الصافية شفعة لأجل ففيها الشفعة ومن باع نصف ماله بثمن
وقايض بنصفه المشتري لنصف فيما قايض به ويوزع ما بيع، وإذا كان
الصافية شفعة لأحد ففيها الشفعة وهي لا تشفع وقيل: لا شفعة لها وَلِعَ
عليها من أوصى بماله لولد بغير حق فلا شفعة فيه. وإن أوصى به بحق ففيه الشفعة وإن سمى الحق فكما سمَّى وإن لم يسم فكما تقومه العدول.
مسألة
[ أثر الإقالة على الشفعة ]
وليس على موارة الكفلين قاعمة الساقين صقيلة الخدين فاترة الطريقين كاعبة النهدين نجلة العينين رقيقة الشفتين مطلب شفعة إذا جن ليل في شرع المسلمين هكذا تلقفنا عن ساداتنا السالفين.
مسألة
[ حكم الشفعة في الإماء ]
ومن علم بيع شفعته فجهل الحكم فيها أنها له شفعة فلما علم اشتفع فلا شفعة له إذا لم يطلب حين علم الجهل بالشريعة وكذلك إن جهل الثمن
فقصر عن الطلب فلما علم بطلت شفعته.
مسألة
[ جهل حكم الشفعة ]
ومن قايض مالاً حلالاً لا بمال مثبته ففيه قولان: قول جائز والحلال على أصله لا بغيره القياض وقول: لم يكن حكمه حكم المال المقايض به ويكون مشتبهاً والورع أولى ما استعمل.
مسألة
[ صورة من البيع الحلال ]
عن الشيخ أبي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان: إذا مات الميت
وترك ولدين وخلف لهما قطعتي نخل حلال ومغتصبة فتحاوز الأخوان
كل أخذ قطعة على جهة الميراث حاز لمن أخذ السهم الحلال وهو حلال
على قول والقياض ضرب من البيوع ومن ادعاه وأنكر المدعى عليه فعلى المدعي البينة وعلى المنكر اليمين أنه ما قايضه بماله الفلاني قياضاً يثبت عليه.
مسألة
[ توزيع الميراث الحلال والمغتصب ]
وإذا أقر اثنان بالقياض وباع أحدهما ما صار إليه وكان ممن يثبت عليها الحكم فهذا إتلاف ولو أقر بجزء منه أو قعش باسقة أو دوحة أو هد جداراً
هذا إذا ادعاه قطعاً وإن باعه خياراً فهو أيضاً إتلاف على الأرجح وقول ليس هو بإتلاف.
مسألة
[ بيع المقايضة ] (11/58)
صفحة 1577
عن الشيخ عامر بن محمد بن مسعود: وإذا ادع مدع أنه بادل فلان دابة بدابة وأدعى بها عيباً إذا نامت لم تقم إلا بمشقة فإذا صح هذا في الدابة قبل البدل فهو عيب يرد به البيع أو جبناً عليه الصحة لأنه مما يحدث.
مسألة
[ نوع من الادعاء بالمبادلة ]
ومن اشترى شيئاً أو بادل به ثم أنكر حلف أنه ما اشترى من هذا المدعي دابة ولا بادله بدابة يعلم أنه يجب ردها عليه في أحكام المسلمين هذا رأي الشيخ صالح بن سعيد وقال الشيخ محمد بن عبد الله يحلف ما اشترى منه
هذه الدابة ولا بادله بها. ومن بيعت شفعته وأنكر المشتري أن ليس عليه
فالبينة على مدعي الشفعة إذ هو مدع المشتري اليمين أنه اشترى المال ولا
يعلم لهذا المشترى فيه شفعة.
مسألة
[ الإجبار على قبض المال ]
وإذا اشتفع الشفيع المال وأحضر الثمن فأبى المشتري قبضه جبره الحاكم على أخذ حقه أو الجماعة مع عدم الحاكم.
مسألة
[ صورة من الحوالة ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أحيل بحقه على مليء فليحتل»(1) فإذا
صحت الرواية خرج على معنى الإطلاق في الحوالة أنها جائز في المال
دون غيره وقد اشترطت في مليء فإن وقعت على مفلس بطلت عن أبي
عبد الله ومن له دين على آخر فأحاله على آخر فأفلس فيرجع بحقه على
الأول لقوله - صلى الله عليه وسلم - لا نوى على مال مسلم وإن باعه على أن يحيل له الحق
على هذا الشخص وذلك بمطلب البائع ثبت عليه وليس له أن يرجع بحقه
على المشتري.
مسألة
[ حكم الحوالة على المفلس ]
__________
(1) 1- الحديث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مطل الغني
ظلم» وفي رواية «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» أخرجه البخاري 5/46 في
الاستقراض باب الحوالات، ومسلم رقم 1564 في المساقاة، باب تحريم مطل الغني،
والموطأ 2/674 في البيوع، باب جامع الدين والحول، وأبو داود رقم 3345 في = (11/59)
صفحة 1578
ومن أحيل له بحق على مفلس قد غرب عليه علم إفلاسه فإن لم يرجع بحقه على المشترى منه ولو كان بمطلب من البائع أن يحيله عليه وقيل: له الرجعة ولو أفلس من بعد إلاحالة لو كان هو الطالب. ومن اشترى بشرط إحالة الحق على آخر فمات المحال عليه قبل الإحالة انتقض البيع إن شاء ذلك البائع وإن تتاما عليه تم والثمن على المشتري.
(1)
مسألة
[ صورة من الحوالة ]
ومن له حق على آخر إلى أجل فباعه آخر بيعاً بذلك الحق وأحال عليه فذلك جائزة ومن اشترى شيئاً من آخر بثمن ثم إن البائع حال حقاً على
المشتري وهو ثمن المباع وضمن المشتري للمحال عليه بالثمن ثم إن
المشتري استقال البائع من ذلك الشراء فأقاله فإن أمر البائع المشتري أن يقبله عنه بالثمن الذي عليه للبائع إن كان الحق على المشتري ويرجع المشتري
على البائع لأنه أتلف ماله وإن كان المحال عليه غائباً فالبيع منتقض.
مسألة
[ الرد بالعيب وأثره على الحوالة ]
ومن اشترى شراء ورده بعيب بعدما قيل للمحال(2) له بالثمن فالثمن
عليه للمحال له لأنه قيل به ويرجع المشتري على البائع الذي أعطى المحال له
إلا أن يكون ضمن بثمن السلعة يعلم من المضمون له فإن المضمون له يرجع على البائع بحقه ومن له حق على آخر مثر أو مقتر فأحاله على مقتر فاحتاله وهو يعلم بتفلسه فلم يسلم له حقه فإن كان عالماً بتفليسه وأبرئ من عليه له الحق فلا رجعة له وإن لم يبريه فله الرجعة عليه بحقه. ومن له حق على آخر فأحيل به على ملي(3) في ظاهر حاله ثم صح أن أمواله استوعبتها ديون لم
__________
(1) = البيوع، والترمذي رقم 1308 في البيوع باب في مطل الغني، والنسائي 7/317
باب الحوالة.
(2) 1- المحال له: صاحب الحق أو صاحب الدين المطلوب منه أن يتحول إلى غير المدين.
(3) 2- المليء: المحال عليه. (11/60)
صفحة 1579
يعلم بها المحال له فله الرجعة على صاحبه ومثله إن كان المحال عليه مملوكاً والحوالة(1) مأخوذة من التحول فمن أحال غيره بماله على أحد برضى
الاثنين فقد برئ المحيل من الحق الذي عليه وسيان إثراء المحال عليه وإقتاره
أفلس أو نزع.
مسألة
[ رجوع المضمون له على الغريم ]
واختلفوا في رجوع المضمون له على الغريم والضامن بالحق قول أن الحق ينتقل بالضمان كانتقاله بالحوالة وقول: إن الحوالة والضمان شتان الحجة أن الضمان يصح من متبرع وبه الحوالة لا تصح إلا أن يحيل بها من عليه الحق
على من له الحق وإذا اختلف المحيل بالحق والمحتال به فقال أحدهما أحيل لك
بما ليس لك وادعى المحتال أنه أحاله بماله فالقول في هذا قول المحتال ومثله في الضمان والكفالة.
(2)
مسألة
[ صور من الحوالة ]
وإذا أحال عمرو لزيد بحق فقال عمرو: هو مالي وقال زيد هو مالي
فالمال هو للمحيل صاحب الحق الذي عليه وقيل المحتال فالمال للمحتال ومن أودع آخر ألف درهم وللمودع معه مثلها فأحال المودع الذي عليه ألفاً بألفه على المستودع بالألف الذي عنده فهو جائز ويدفع إليه الألف الذي عنده
فإن توت الوديعة فهي من مال المودع ولا ضمان على المستودع إذ هو أمين
في ذلك يقال زعيم وكفيل وحميل وقيل : كله بمعنى وأما الكافل فهو من
كفل بعول غيره قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا كفالة في حد ولا قصاص»(3)
وأجمعوا على إبطال الكفالة في الحدود.
مسألة
[ صور من الضمان ]
__________
(1) 3- الحوالة: مأخوذة من التحول والانتقال، يقال: حول الشيء من مكانه نقله منه إلى
مكان آخر، وهي اسم مصدر أحاله إحالة فالمصدر هو الإحالة.
اصطلاحاً: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وهذا عند ابن عابدين =
(2) = -رحمه الله-، وعند القاضي عياض رخصة مستثناة من بيع الدين بالدين والعين بالعين
غير يد بيد.
(3) 1- المحلى لابن حزم 8/120 الكفالة في التهمة. (11/61)
صفحة 1580
عن محمد بن خالد أن من قبل على أحد بحق وهو مقربه إلا أن الحق
غير معلوم إلا قوله كل حق كان عليه فهو علي ثم ضرب مهلةً فعلى
الضامن إتيان نفس المضمون فقط وأما إن عجز عن إتيان نفس المضمون عنه
له الحق قال أبو سعيد في مثل هذا يجري الاختلاف قول: له الرجعة
بالجهالة وقول: لا رجعة له والأصح أن عليه الحق أخذ له الكفيل وإلا فلا.
مسألة
[ صورة من الكفالة ]
ومن كفل على غير مقر لم تلزمه الكفالة قال أبو الحواري: من كفل
بحق بغير رأي المطلوب فإن كان المطلوب حكم عليه بالحق حاكم المسلمين وحبسه فأخرجه هذا من السجن بكفالته برأي الكفيل فالذي عليه الحق
بالخيار بين الكفيل والمكفول عنه في أخذ حقه وإذا سلم الكفيل الحق إلى
ربه فإن شاء أعطى الكفيل ما سلم عنه وإن شاء منعه إذا كفل عنه برأيه إذا أدى الكفيل ما ادعى عنه ومن كفل على آخر بغير ضغطه من سلطان ولا
سجن ثم رجع عن كفالته كان له ذلك قبل نزع المطلوب أو بينة الطالب لم تكن للكفيل رجعة كفل عليه برأيه أو بغير رأيه ومن كفل بحق عن ميت ثم رجع فله الرجعة من قبل تسليم الحق إلى أهله فإن أداه أو بعضه فلا حجة
فيما أداه على الغرماء إذ هو متبرع بالأداء والضمان وليس له في مال
الهالك شيء فيما يسلم عنه.
مسألة
[ صور من الضمان ]
وأما إن رفع الضامن من الغرماء حتى توى نشبه المصروح وماتت بينه المضمون لهم ففي تضمينه الحق اختلاف وقول : إذا ضمن بمعلم من الحق
لزمه وقول: هو الضامن ما لم يكن في مال الميت وفاء وإلا فلا عن هاشم.
ومن كفل عن إنسان بحق فلا يؤخذ به الكفيل حتى يكون المكفول عنه
ضارباً أو هارباً أو مقتراً ولا حبس على من لم يحضر كفيلاً إذا كان الحق
غير ثابت وكفالة النساء وإذا ثبت الحق وجب الحبس في إحضار الكفيل
على الأصح واختلفوا فيمن باع أصلاً أو عروضاً وكل للمشتري كفيل بما أدرك في المبيع ثم ادعى الكفيل ذلك الشيء فقول: دعواه هدر وهو
الأصح، وقول: دعواه مقبولة.
مسألة (11/62)
صفحة 1581
[ رأي محمد بن المسبح في الكفالة ]
عن محمد بن المسبح إذا قال الكفيل: أنا أقبل لك عليه إلى أجل ولم
يقبل بنفسه ولا بالحق الذي عليه فإنما عليه إحضار نفس صاحبه إلا أن يشرط عليه القول بالحق وقال هاشم: إذا لم يشترط الكفيل إني إنما أقبل لك بنفسه فإنه يؤخذ بالحق وهو رأي موسى أيضاً عن أبي الحواري أنه قال: إن لم
آتك به غداً فعلى الحق فأتي به من بعد غد فلرب الكفيل الخيار في أخذ حقه من أيهما شاء من كفيل أو مكفول عنه ومن بنفس أمرء إلى أجل فمات المكفول عنه أو غاب فلا عليه إلا نفسه لأنه يتعذر إحضار نفسه لعدم قدرته قال أبو الحواري: إن مات في الأجل فلا شيء على الكفيل وإن مات بعد
خلو الأجل فعليه ما كفل به.
مسألة
[ أثر موت المكفول عنه في الكفالة ]
وقال: إذا مات المكفول عنه هدر الحق عن الكفيل وإن غاب لزمه الحق الحجة لأن الموت ليس من فعل الكفيل والغنية من فعله لأنه كان عليه حفظه عن الضرب حتى يسلم ما عليه واختلفوا في نفقة الكفيل أودع سجيناً فيما كفل به فقول على المكفول عليه لا نفقة عليه بل هي على نفسه ويسترزق
الله تعالى.
مسألة
[ صورة من الكفالة ]
ومن كفل على أحد بما أحدث إن لم يحتضره فيلزمه ما أحدث فإن
هرب عوقب الكفيل لحتى يحضره وإن كفل عليه أن يخرجه من القرية أو
المصر فعليه رده إلى الحاكم فأبى أو ضرب أو هرب فلا حجة على الكفيل
فإن رفع أمره إلى الحاكم فله إخراجه.
مسألة
[ الكفالة في المكاتبة ]
وإذا كاتب سيد عبديه مكاتبة واحدة على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فلا رجعة لأحدهما على صاحبه بما أعطى حتى يؤدي أكثر من ثمنه
ثم له الرجعة على صاحبه بالفضل وإذا كفل القن عن سيده بمال بإذن سيده
ثم عتق العبد فأدى المال فإن أداه قبل التحرير فلا شيء له على سيده فإن
أدى الحق بعد إحرازه أخذ من سيده الذي حرره وإذا كفل السيد عن عبده بحق فحرره فأدى السيد المال لم يرجع على العبد المحرر بشيء وإن قال (11/63)
صفحة 1582
المكفول له: قد أبرئت إليك من هذا الحق فهو قبض ويرجع الكفيل على المكفول عليه.
مسألة
[ حكم ربح الكفيل من مال المكفول ]
واختلفوا في ربح الكفيل من مال المكفول عنه فقال محمد بن هاشم:
الربح للكفيل لأنه ضامن وقال أبو عبد الله لا ربح له إلا أن يكون دفع الحق لربّه قال أبو سعيد إن قبض للكفيل المال على أنه من قبل كفالته فالربح له إذ هو ضامن في الحق وإن قبضه للمكفول له مقضياً له من المكفول عليه
فالضمان والربح للمكفول له وهو رأي أبي معاوية وقول إن أعطى الكفيل
رب الحق حقه من عنده فالحق له وإن قال المكفول عليه للكافل إني لا أسلم لك الحق إلا بحضرة رب الحق فله ذلك. ومن كفل بحق إلى أجل فصالح
من عليه الحق الكفيل بما كفل به عنه فسلمه إليه قبل الأجل أو بعده ولم
يقبضه المكفول له كان من نوع أو من غيره فلا بأس أن يقترض به منه
الكفيل بسعر يومه وإن أرفلا فلا نحب له ذلك.
مسألة
[ الدين على المتفاوضين ]
والمتفاوضان إذا افترقا وعليهما دين فلأصحاب الدين أيأخذوا(1) من
شاءوا الجميع الدين ولا يرجع من أدى عن صاحبه شيء حتى يؤدي فوق النصف فعند ذلك يرجع عليه بالفضلة عن النصف.
النهج الثلاثون
في الديون
و أحكامها
النهج الثلاثون
في الديون و أحكامها
مسألة
[ حكم كتابة الدين والنفير منه ]
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ } (2) وأجمعوا أن الإشهاد غير واجب وإنما هو ندب الحجة لهم
__________
(1) 1- الأصح: أن يأخذوا ممن شاءوا.
(2) 1- سورة البقرة: جزء من آية 282. (11/64)
صفحة 1583
قول الله تعالى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } (1) وأجمعوا أن البيع المعجل لا إشهاد فيه لقوله تعالى : { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُم } (2) ويكره الدين إلا من ضرورة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
«إياكم والدين فإنه هم بالليل ومذلة بالنهار»(3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «القتل في سبيل
الله يكفر كل ذنب إلا الدين»(4) ووعظ عليه السلام رجلاً فقال: «أقلل من
الدين تعش حراً وأقلل من الذنوب يهن عليك الموت»(5) وكان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من ضلع الدين»(6) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «روح المؤمن معلقة بين
السماء والأرض حتى يؤدي دينه»(7) ومن أدان مضطراً فاليدان بقدر ما
يجيبه ومن يمون ويقيم رمقهم ويستر من العرى.
مسألة
[ حكم الدين لغير إسراف ]
ومن تحمل ديناً لغير إسراف وإنما لسبب خير ثم تعذر عليه أداؤه رجونا
له من الله المغفرة والعرض لذي الدين من خزائن رحمة الله ومن تحمل ديناً لإسراف حتى مات هلك.
مسألة
[ أهمية تذكر الدين ]
__________
(1) 2- سورة البقرة آية 283.
(2) 3- سورة البقرة: جزء من آية 282.
(3) 4- كنْز العمال 6/331 رقم 15479 قال الديلمي في الفردوس عن عائشة -رضي الله
عنها- رقم 15483 هب عن أنس.
(4) 5- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/464 رقم 2550 والنسائي 7/314، 315
في البيوع باب التغليظ في الدين وإسناده حسن، وكنْز العمال 6/230 رقم
15473 بزيادة أحمد في مسنده والحاكم عن محمد بن جحش.
(5) 1- لم أعثر عليه، ولكن معنى الحديث صحيح.
(6) 2- الحديث معروف وهو دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وقهر
الرجال» أبو داود عن أبي سعيد رقم 1540 وانظر كنْز العمال 6/239 رقم 15519.
(7) 3- كنْز العمال 6/233 رقم 15488، قال: أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي والحاكم
عن أبي هريرة رقم 15499، 15500. (11/65)
صفحة 1584
ومن أدان ديناً بما لا بد له فنسيه ففي هلاكه اختلاف إذا مات وهو دائن بأدائه وقال: الوضاح لا يجوز للشاري تحمل الدين وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المستدين
تاجر الله في أرضه»(1) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من بات وعليه دين يريد قضاءه وكل
الله به ملكين يحفظان إلى أن يصح وقال: من كان عليه دين مهتم بقضائه
فهو في أجر وحسنات ما دام عليه إذا لم يستدنه لإسراف ثم مات»(2).
مسألة
[ أهمية النية في قضاء الدين ]
عن بشير: المرء يدان ويتزوج وإن مات وعجز عن قضائه وعلم الله منه صدق نيته وإرادته فلا إثم عليه وهو غريم والله قادر أن يقضي عنه دينه.
مسألة
[ عدم القدرة على التسديد ]
ومن مات وعليه دين تبعات كثيرة اغتصبها ومظالم اكتسبها ولا مال له لأدائها فليس له فيما بينه وبين الله أن يتصرف في ماله وعليه إنفاذه فيما
ضمنه إلا لما لا بد له من قوته كقوت أبناء جنسه فإن تصرف مضى فعليه فيه إذ هو ملكه وهو آثم في ذلك.
مسألة
[ نفقة المدين كيف تكون ]
وإن تحمل ديناً واشترى به أصلاً لا بأس بحبسه عن الديان ما لم يطلبوه فيه
ويضيقوا عليه فإن طلبوه فأبى تسليمها ثم وليس لوارثه إن مات حبس ماله
قبل اقتضاء دينه لأنهم لا يملكوه ومن عليه دين لم يف ماله بأدائه فليس له
أكل اللحم والطرف وإنما يأكل ما يسد به سغبه ويكتسي ما يواري عورته وليس له إقراء ضيف ولا يهب لأحد شيئاً وعليه أن يمون من تجب عليه
مئونته بالمعروف.
مسألة
[ العجز عن السداد ]
ومن تعلقت عليه تبعات يعجز عن أدائها نشبه فليس عليه جهاد إلا أن يعرض له العدو فله أن يقاتله وقول: لا يقاتل حتى يلج العدو حرمه ومن
__________
(1) 4- لم أعثر عليه بهذا النص.
(2) 1- هذا الحديث له شواهد بنفس المعنى انظر كنْز العمال 6/221 أرقام:
15426، أحمد في مسند والحاكم عن عائشة. ورقم 15427، الطبراني
عن ميمونة. 15428، 15429، 15432، 15442، 15444، 15446،
15448، 15449، 15450،... (11/66)
صفحة 1585
عليه دين لا يعلم به غيره فلا يقاتل حتى يؤدي دينه.
مسألة
[ أهمية سداد الدين ]
عن محبوب وابن المعلى(1): لا يجوز للملي إن يدان على نفسه ويصل أرحامه ويحج نافلة ويقري الضيف ويصنع المعروف وأداء الدين فرض وسيلة ولا تقام الوسائل بتعطيل الفرائض وقتل من مات وعليه دين لم يف به ماله
فلو سأل الناس في حياته وسلم دينه كان خيراً له من أن يموت وعليه دين.
مسألة
[ تقديم الزكاة على الدين ]
وإذا أبرئ من حق له على أحد قبل أن يرفع ديانة فلا بأس عليه ما لم ينو ضرره وقال أبو سعيد فيمن بيده دراهم وعليه مثلها من قبل زكاة لزمته
وعليه دين سلم الزكاة لأنها أمانة عنده والأمانة أولى من الدين على قول
وإن كانت من غير الزكاة لزمته فهي والدين سيان.
مسألة
[ ما يأخذه الغرماء من أموال المدين ]
وإذا رفع على المديون غرماؤه وعليه حق من قبل الزكاة فهما فريضتان الدين والزكاة فإن أداها في الزكاة قبل الحكم عليه بأداء الحقوق التي عليه
وسعه ذلك ودان بما عليه من حقوق الناس وإن أدّى الدين ودان بالزكاة وسعه وإن رفع عليه الغرماء فهم أولى في يده إذا صارت الزكاة ديناً عليه وإن
كانت هي الزكاة فللمصدق أخذها عن أبي سعيد ومن عليه دين وله نشب يقضي دينه وهو دائن بأداء الدين فليس له مطل غرماء من غير عذر وقيل للغرماء فوق الأزاري ليس للمديون أن يمسك ما فوق إزاره من نشبه من
ديانة وإن كان للمديون عيلة أنفق عليهم وكساهم من ماله في وقت ما
يلزمه عولهم المعروف ما لم يرفع عليه الديان وله منزلة الساكن فيه وإن كان
في منْزله فضلة عن سكنه ومن يعول بيعت الفضلة وليس له بعدها إلا قوت يومه لأن ماله استغرقته الحقوق.
__________
(1) 1- ابن المعلى: لعله محمد بن المعلى الكندي الفشحي من علماء عُمان الأوائل في القرن
الثاني ومن تلامذة الربيع وأحد نقلة العلم من البصرة إلى عُمان مع زملائه بشير بن
المنذر وموسى بن أبي جابر والمنير بن النير، انظر إتحاف الأعيان 1/ 169/ 170. (11/67)
صفحة 1586
مسألة
[ كفن المديون من أين وعلى من ]
واختلفوا في تكفين الميت المديون من ماله فقول يكفن في ملاءة مما تجوز
في الأكفان وقول يلحدون بلا كفن تبري ذمته فعلى المرء بذل مجهودة في
أداء دينه لا مخادعة ولا التواء وعلى الغريم النظر في مال ذي العيلة لقوله
تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة } (1) وعلى الطالب
والمطلوب من تقسيمهما والحكم عليهما بما حكم الله ورسوله ولو لم يحكم
عليه حاكم لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } (2).
مسألة
[ كيفية المطالبة وآدابها ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي هريرة رضي الله عنه: «يا أبا هريرة خذ حقك في عفاف وافياً أو غير واف»(3) وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «من شدد على امرئ في التغاضي وهو معسر شدد الله عليه في قبره»(4) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمكوا على غرمائكم»(5) وهو
الاستقصاء في الإقضاء مأخوذ من تملك الفصيل لبن أمه إذا استنفذ جميع ما
في ضرعها يروى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي هريرة: «امش إلى غريمك بحقك
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 280.
(2) 2- سورة النساء آية 135.
(3) 3- كنْز العمال 6/217 رقم 15405، قال أخرجه الحاكم في المستدرك وابن ماجة في
كتاب الصدقات في باب حسن المطالبة وأخذ الحق بعفاف رقم 2422، وقال في
الزوائد: هذا السند صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم.
(4) 4- 5- شواهد في الحث على حسن الاقتضاء والمسامحة وعدم التشدد في الطلب وإعذار الغير. (11/68)
صفحة 1587
تشيعك الملائكة بالصلاة عليك» وقال: «من علم الله منه أنه يريد قضاء دينه رزقه الله من حيث لا يحتسب وهيأ له قضاء دينه»(1) وروي عن بعض الصالحين أن تطيل تأخير من عليه حق رجاء الثواب وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مطل
الغني ظلم»(2) وهو إذا قدر على أداء ما عليه فأبى وأما من عليه دراهم وله أصل مال فليس هذا بماطل ولو كان الدور والسفن إذا دان بأداء ما عليه
وعنده مثله ولزمه الحج وله عيال تلزمه عولتهم فعليه أداء دينه أولاً وإن حاذر عليهم ضررا فأنفقها عليهم فلا بأس إذا اجتهد في قضاء ما عليه من الدين فليس بإثم في تأخير إذا لم يطالب به فإن طولب به أثم إذا مطل وهو قادر
ومن له حق على أحد فله أن يلازمه الحجة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ذو الحق يد
ولسان»(3) يريد باليد الملازمة وباللسان المطالبة.
مسألة
[ دفع الحق لصاحبه ]
ومن عليه دين أو لزمته تبعة فأعطى ذو الحق حقه فليس عليه أن
يستحلهم لأنه قد برء ولو لم يعرفه أنه دفعه أنه من حقه.
مسألة
[ صور من الوفاء بالحقوق ]
ومن قال له غريمه استوف مني ذا بذا وهو لا يسوي ذلك الثمن فاستوفى فليس له سواه ولو قال له إن لم تستوفه فلا أعطيك شيئاً فإنه مخير بين
الاستيفاء وضده ومن قال لغريمه استوف مني دون حقك وإلا لم أوفك شيئاً فهو لا يبرأ مما بقي من حقه إذا لم تطب نفسه به وبين هذه والأولى بون.
مسألة
[ حكم الهدية للدائن ]
ومن له دين فله أن يأخذ حقه من غريمه ولا بأس بالدجاجة للغريم لقوله - صلى الله عليه وسلم - للوزان زن وأرجح(4)
__________
(1) 1- حديث صحيح سبق ذكره بطرق متعددة انظر كنْز العمال 6/221 أرقام كثيرة.
(2) 2- حديث «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل» حديث صحيح سبق
ذكره وتخريجه.
(3) 3- أي أن صاحب الحق قوي بحقه.
(4) 1- هناك أحاديث تحث على وفاء الكيل وعدم بخسه منها : «كيلوا أطعامكم يبارك لكم
فيها» كنْز العمال 4/46 رقم 9403، «كيلوا أطعامكم فإن البركة في الطعام المكيل»
كنْز العمال 4/48 رقم 9442 قال: رواه ابن ماجة في كتاب التجارات، باب
الرجحان في الوزن وبرقم 2222، وقال في الزوائد إسناده صحيح على شرط
البخاري -رحمه الله-. (11/69)
صفحة 1588
.
ومن قال لغرسا وفيك عروضاً عن حقك مثل حب أو تمر فكال له ذلك أو وزنه بسعر يومه فإن تتامما عليه ثم وإلا فلا ويرجع كلاً منهما إلى حقه لأنهما لم يتفقا مبايعة يتراضيان بها.
مسألة
[ تعلق الحقوق بالذمة ]
ومن له حقوق من دون وتبايع فحاذر أن يكون ماله لم يف بها فهرب وضرب ونأى ما قَرُب فلا يعذر بهذا وعليه الإنابة والتخلص مما عليه بما عنده وعليه الديانة لما يبقى عليه لمحمود طاقته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
مسألة
[ حكم سداد الدين من السرقة ]
ومن سرق ورقاً فقضاه في دينه فلا يبرأ فإن رد ما أخذ على من سرقه وتاب من صنيعه لله وأدى دينه من ماله فقد برأ.
مسألة
[ صور من الادعاء على الغائب ]
ومن عليه دين لغائب وقد شك أنه أعطاه حقه أو لم يعطه فالحق عليه حتى يعلم أنه أداه وكذلك من عليه كفارة يمين وكذلك من لزمته تبعة لأحد وقول: إذا اتضح له أنه سعى في الأداء أو الحل فدخل على من له الحق
وقعد عنده لذلك فلا شيء عليه لأنه لم يقضه أو لم يستحل ربه.
ومن عليه حق فقضاءه وأخبره أنه كذا فقبضه ثم ادعى أنه كذا فقبضه ثم ادعى أنه دون ما قال فالقول لرب الحق مع قسمة إذا لم يزن الحق له أو عده
أو قبضه على التصديق له وأظهر ذلك بلقلقه وأنه قبله عن حقه.
مسألة
[ حكم زيادة السداد عن قدره ]
وإن اقتضى حقاً من غريمه فوزنه فزاد أن تقص فالزيادة لربها والنقصان عليه إلا أن تكون ضاعت من يده أو بعضها. ومن له سلف على آخر فقال
له المتسلف: قد كلت كذا كذا من حقك قبضه أو لم يقبضه منه ثم ادعى الرضى فعليه أن يكيل له حقه فإن قبضه على التصديق فلا رجعة له ولو لم يكله له أو يوزنه ومن له حق على غريم فقبض منه بلا كيل ولا وزن ثم (11/70)
صفحة 1589
هلك المطلوب وادعى الطالب أن الحق ليس كما وفاه فلا حجة له بعد أن قضى نحبه ولأقاربه وفارق عشيرته وحزبه وقضى من دار الغرور إربه وقول: إذا تغارقا بطلب حجته ولو لم يمت بعد القبض على التصديق.
مسألة
[ حكم رجحة الميزان ]
واختلفوا فيما يرجح به الميزان فقال بعضهم: الزيادة هبة يجوز أخذها
بإذن ربها وقيل: إنها ثمن للبيع مستحق وقول: هذان القولان فاسدان
بحجة لا يكون الشيء مباعاً لا بثمن(1) والهبة لا تصح إلا معلومة وهبة
الجزء من الشيء مختلف فيها فإذا لم تكن هبة ولا بيعاً فقد صح أنها لربها
وقيل: إن الرجحان لا يجوز حتى تعتدل لسان الميزان بحق الطالب ليكون الرجحان منفصلاً وقول: يجوز متصلاً تأسياً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أعطى
رباعياً عن بكر(2) فالزيادة ليست معلومة ومن عليه حق فادعى غريمه بقضائه لأنه دفعه له في صرة فإن أشهد عليه أنه قبله عن حقه فلا رجعة له عليه.
مسألة
[ ضياع الأمانة وأثرها على الدين ]
ومن خمسمائة درهم فإن أمره غريمه بصرة فيها ألف درهم فأمره أن يتزن حقه منها فلما أقفل من عنده توت العين قبل أن يتزن نشبه فهو أمين حتى
يتزن حقه فإن اتزن ماله وتوى الباقي ضمنه إن كان اشترط عليه رده ومن
قال لغريمه خذ هذه الدراهم واتزن منها حقك وذر ما بقي عندك أمانة لي
ولم يشترط رده فلا ضمان عليه تلف قبل أن يقبض حقه أو بعده وإن قال له خذ حقك من هذه العين ولم يشترط عليه فيما بقي شرطاً كان أميناً فيما
__________
(1) 1- الأصح إلا بثمن.
(2) 1- الحديث عن أبي رافع رضي الله عنه أن النبي ص استلف من رجل بكراً فقدمت عليه
إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضى الرجل بكره، فقال : لا أجد إلا خياراً
رباعياً، فقال أعطه إياه فإن خيار الناس أفهم قضاءً» رواه مسلم، عن بلوغ المرام من
أدلة الأحكام ص105 رقم 7. (11/71)
صفحة 1590
بقي وعليه حق لأحد فأبى ربه قبضه فطرحه في حجره فلا يراه له ومن الحق حتى يقبضه منه لأن الحجر ليس بقبض وقول: يبري بذلك إذا صح أنه أوفاه حقه بتمامه وكماله.
مسألة
[ معنى القبض ومتى يتحقق ]
ومن عليه حق لأحد فقال من عليه الحق: قد تركت لك حقك مع فلان
فخذه فليس هذا قبضاً ولو رضي بقوله وإن بعث رسوله لقبض شيء منه فلا يبري الغريم إلا ما قبض الرسول وما بقي فهو عليه لأنه تركه برأيه لا برأي
ذي الحق ومن عليه حق لأحد فقال له: كلت لك حقك فقال له: ضعه
عندك أو عند زيد ففيه اختلاف، قول: إن أمره كقبضه وقول: ليس هو يقبض حتى يوكل في قبضه ويقبض له فإن قال له سلمه لزيد فسلمه فلا يكون
قبضاً فانظر الفرق عن سعيد بن محرز عن عبد الرحمن بن الحسن(1): «إن من
ترك حقاً مخافة يقال له باطلاً فهو مرائي».
مسألة
[ أثر رفض صاحب الحق أخذ حقه ]
ومن آلى على حقه غريمه ثم رام الخلاص فعرض لذي الحق حقه فأبى
قبضه وأبى ذو الحق أن يحله فإنه يحكم عليه إما أن يقبضه منه أو يحله فإن
أبى رمي به في حجره وبري فإنه صنيعه فهو له عن محمد بن محبوب: إن
من له حق فدعي إلى أخذه فأبى فلا حق له واحتجوا بما روي عن عبد الله
بن أنيس لما أفسدت دابته حرث قوم فعرض عليهم الغرم فأبوا واستحلهم
فلم يرضوا فقال اللهم إنا أعرضنا عليهم الغرم فلم يقبلوه فانصرف.
مسألة
[ مدى إلزام الحاكم لأخذ صاحب الحق حقه ]
ومن له حق على أحد فأبى قبضه فعلى من عليه الحق أن يوصي به وقول: لا وصية عليه وقول إذا أجبره الحاكم على أخذ حقه فأبى أخذه فلا يلزم من عليه الحق أن يوصي له ومن عليه حق من سلف حب أو دين فأعطاه شيئاً
__________
(1) 1- سعيد بن محرز بن محمد بن سعيد النْزوي (أبو جعفر) من علماء القرن الثالث وأحد
العلماء المشهورين في زمانه وولداه الفقيهان عمر بن سعيد، والفضل بن سعيد، وهو
معاصر لمحمد بن محبوب وغيره من العلماء. انظر إتحاف الأعيان 1/426. (11/72)
صفحة 1591
من الحب بعد خلو الأجل ثم اختلفا من عليه الحق يقول من السلف ومن له الحق يقول يحسب من الثمن ويحط من الدين أو بالعكس فعن محمد بن
محبوب أنه يحسب من جملة ما عليه.
مسألة
[ متى تبرأ الذمة من الحق مع اختلاف الأمين والمؤتمن ]
ومن له حق لأحد من عين فأبى به فصره في شطر ملاءته فلا يبري
من الحق فضيعه هذا حتى يقبض منه الحق أو يعلم أنه قبضه وإن دفع إليه
عيناً فأمره أن يزنها ويستوفي حقه منها فهي عنده أمانة حتى يقبضها منه.
ومره أبى لذي حق بحقه فأمره أن يصره في ملاءته ويضعه في مأمن
فذهب ممتثلاً لأمره فالتمس الملاءة فوجدها عافية مما رجى بها فأقر بأمره
لمن عليه الحق فعلى المدعي تسليم البينة أنه جعله حيث أمره لأنه مضمون
عليه ولا يزيل الضمان إلا بالقبض من رب الحق أو من يقوم مقامه
وافترق الحكم هنا بين الدين والأمانة لأن من أمّن أحداً أمانة فقال له:
ضعها في محل كذا فالقول قول الأمين مع يمينه على قول لأن الأمانة غير مضمونة والدين مضمون.
مسألة
[ حكم التصدق بالدين ]
ومن أتى بحق عليه لغريمه فقال له: خذه منه وهو عشرة دراهم فقال:
قد صدقتك واجعلها في محل كذا فلم يجدها الطالب كما أمره فالقول
قول المطلوب فإن قال له: أتصدقني أنها كذا فأنعم له لزمته كأولى.
مسألة
[ أثر نسيان الحق ]
ومن عليه حق فنسيه فطالبه به ربه فأنكره فالناسي معذور وعليه التوبة في أصل الدينونة بأدائه كل لازم عليه نسيه أو ذكره.
مسألة
[ الإشهاد على المظلمة ]
ومن عليه مظلمة وتعذر عليه الوصول إليه فإنه يشهد عدلين أن عليه
لفلان كذا من قبل مظلمة ظلمه من كذا وعليه التوبة إلى الله فإنه يبرأ وإن أوصى بها تؤدى بعد نزعه ففاجأ الوصي حِمامه وندبه حِمامه وجهر لسربه
بعد أن فني الحياة كسربه وتؤدي أن تموت خذ به وسربه قبل تأدية الحق
فنرجو له من الله السلامة وهو حاله من ولاية أو سواها.
مسألة
[ كيفية التخلص من الدين ] (11/73)
صفحة 1592
ومن لزمه شيء مما يدرك مثله بكيل أو وزن فإنه يتخلص من جنس ما
لزمه وإن كان عروضاً قوم وأدى الثمن إن لم يدرك العين عيناً والتبر
واللجين فيتكافيا عن بعضهما بعض ومن الجنس أحوط.
مسألة
[ غياب من له الدين ]
عن محمد بن محبوب وموسى عن أبيه بن محمد: ومن عليه حقاًَ لآخر فضرب من له الحق مرتاً فعزب عليه علمه أين توجه وعليه دين فجائز لمن عليه أن يقضي عنه دينه مما عليه له فيما بينه وبين الله إذا صح معه الحق فإن كان له ثقة أو وكيل وصي سلمه إليهما أو للوارث إن كان له وارث أو للفقراء إذا مات والأصح أن إذا كان رب الحق حيّاً فلا يدفعه لأحد غيره أو وكيله ولو أيس من إيابه حتى يصح موته فينفذه حيث أمره سابقاً وإن عزب عليه علم ربه فرقه على الفقراء في بلد من له الدين فإن قدم ربه خيره بين الأجر والغرم.
مسألة
[ نوع من الادعاء ]
من عليه حق لآخر فجاءه يدعي أنه وكيل في قبض حقه فسلمها له بدعواه أعني الدراهم ثم صح له أنه دعوى هل يحكم له عليه بردها فأما في الحكم فلا يحكم حتى يقروا ما أن انتصر من ماله بقدر ذلك الحق فجائز.
ومن عليه حق لهالك وعلى الهالك حق لم يقضيه ورثته عنه وصح معه ذلك فما لم يحكم حاكم بتسليمه في دين الهالك واحتمل للورثة أنهم
استحلوه منه فليس له تسليمه في دين الهالك.
مسألة
[ نوع البراءة والادعاء ]
ومن عليه حق لآخر فأشهد أنه تركه له ثم احتج أنه ما أبرأه وأنه جاهل
بما أبرئ وأما في الحكم فلا يحكم عليه بترك حقه إذا أبرأ من مجهول
وبقوله إني قد تركت له حقي وقد أبرأته منه لا يبرئ وعليه القسم أنه ما
ترك له هذا الحق الذي عليه فإن حلف سلم له حقه ومن .ترك حقاً له على آخر ثم أنكر فأما في الحكم فلا يحكم عليه بترك حقه وأما فيما بينه وبين
الله فعليه الوفاء بما عاهد وإن أراد اليمين منه فيحلف له أنه ما ترك له حقه
ولا أبرأه منه وإن رد عليه اليمين فله ذلك.
مسألة
[ نوع من البراءة بعد الإسقاط ] (11/74)
صفحة 1593
ومن كان عليه لأحد ألف درهم فأبرأه منها على أن يسلم له منها عشرة دراهم فهذا براءة فيها متنونة فإن رجع إليه فله الرجعة وأما إن قال له: إن سلمت لي عشرة فقد أبرأتك من الألف فسلمها له برئ وليس في هذا
متنوه. وإذا قال الغريم لغريمه: قد أبرأك الله من حقي فقول: يبرأ وقول:
لا يبرأ وإن قال: أبرأك الله فهذا لا يبرأ.
مسألة
[ الوصية بالبراءة بعد موت صاحب الحق ]
ومن قال لغريمه: إن أنا مت فأنت بريء فمات برأ وأثبتوه وصية
إذا خرج من ثلث المال. وإذا كان لأحد ألف درهم على غريم فقال له:
إذا أتيتني يوم كذا بخمسمائة درهم فالخمسمائة الباقية لك هبة فأتاه
بها فأبى ذلك حلف منه وهو إثم في حلفه ووعده ولا تثبت عليه ما قال
في الحكم.
مسألة
[ إبراء المدين لفقره ]
ومن عليه حق لأحد يعجز نشبه عنه فقال له: أوفني مالك وأبرئك من الفضل، ففعل ثم أصاب مالاً لزمه أن يسلم له ما بقي من حقه إلا أن يسمح
له به من بعد أن يدين بتسليمه ومن له حق على غريم فأفلس فأبرأه منه لفقره فقد برأ ولا رجعة له إلا أن يكون أظهر الإقتار وله ما يقضي أو بعضه عزب علم ذلك عن غريمه فله الرجعة.
مسألة
[ نوع من المقاصصة ]
ومن طلق عرسه فأنكرها مهرها ولا بينة لها به فسألها الحل فأحلته فلا
أبرأه له منه لأنها لا تقدر على استيفائه منه فإن أقر لها به فأبرأته منه بري
وهذا حكم سائر الحقوق. من قال لغريمه: قد وهبت لك الحق التي عليك
لي أو أعطيتك إياها فهذا ثابت وإن قال قد تركتها لك مما علي من الزكاة أو أعطيكها من زكاتي فقد بري على قول من يجز المقاصصة في الزكاة وقال
أبو المؤثر من قال لغريمه إذا أحل حقي الذي عليك فأنت بريء منه فلا نرى
عليه إثبات هذه البراءة لأنها غير صحيحة ولو نزعا أو أحدهما ولو لم يرجع عليه له حقه.
مسألة
[ أنواع من الإقرار ]
ومن عليه لآخر صاع فرام استيفاءه أقر بمكوكي تمر فأبى الطالب فإن (11/75)
صفحة 1594
كان من غير السلف أو الإجازة فلا بأس به وإن لم يتفقا على شيء فله ثمن صاع المعو في أوانه لا عدمه أو ينظره إلى وجوده وقالوا في السلف: فليس
له إلا رأس ماله في الإجارة بقدر العنا بما يراه العدول لأن الإجارة لا تباع
ولا يغطى إلا ما اكتر به من كيل أو وزن ولا يجوز بيعها إلا بعد القبض
على الأصح.
مسألة
[ حكم القبض من أجل البيع ]
ومن له حق على غريم فدفع إليه شيئاً من ماله لبيعه ويستوفي ثمنه من
حقه فتلف فهو بمنزلة الأمانة حتى يبيعه ويستوفي ثمنه وليسه كالرهن
واختلفوا فيمن عليه حق من دين أو سلم أو أمانة فقال رب الحق سلمه لزيد
أو اجعله عنده ففعل فأما قوله سلمه لفلان فذلك قبض وأما قوله اجعله عندك ففي ذلك اختلاف فبعض جعله قبض وأبا ذلك آخرون.
مسألة
[ صور من الإنصاف وطلب الحقوق ]
عن أبي الحواري: ومن عليه حق لأحد فطلب رب الحق الإنصاف منه فأمره الحاكم بقبضه فأمره الحاكم تسليم الحق لربه فأبى عليه فأني خلت للحاكم عقوبته إلا أن يؤجله ربه برأيه وإذا طلب رب الحق كفيلاً في حقه
فله ذلك إذا حاذر فرار غريمه من أداء الحق وكان يمكن ذلك من الغريم ولا حبس عليه إذا حضر الكفيل وقيل : إذا دان بأداء الحق فلا حبس عليه ولا كفيل ومن عليه حق فرفع عليه غريمه في غير داره فليس للحاكم حبسه في سوى داره وعلى الغريم موافاته في داره فإن سلم وإلا جاز حبسه ويكتب له الحاكم الذي أقر به عنده بصحة حقه للحاكم الثاني عن أبي عبد الله: من
رفع على غريمه بحق فأقر له به وقال: يصحبني إلى دارك وأسلم له حقه
فأبى الخصم فأرى عليه أن يدفع له حقه في موضع الحكم وكل حق ثبت
عن عوض جاز الحبس عليه حتى يصح إقتاره وما لم يؤخذ له عوض فلا
يحبس عليه حتى يصح براءة وهو مما يتحمل من أرش ودية وصدقات
الأزواج فهذا ومثله مما لا عوض فيه لأن الأصل في الناس الفقر والغنى
حادث فيهم.
مسألة
[ حبس المفلس ] (11/76)
صفحة 1595
ومن حبس بدين لم يجز له تلاوة القريض وأما القرآن والعلم فجائز ولا
بأس بقراءة الأشعار إذا كانت أثراًً ومواعظ إذا آب على سبيل الطلب لمعان التعليم منه ولا يمكن زوح المسجون من الولوج معه.
مسألة
[ صور من المطالبة ]
عن ابن المسبح: إذا كان من عليه الحق يؤمن بالتواري عن أدائه فلا
يحكم عليه إحضار كفيل وإذا زعم المطلوب أن المبايعة كانت بالصرة وأنه أوفاه حقه وأقام شاهداً بالبراءة وطلب أجلا فله ذلك. عن محمد بن
محبوب: ومن عليه لأحد ألف درهم فطالبه بها فأوفاه ثم عاد في مطالبته
وادعى أن ما سلمه من حق آخر وأقام بها بينة وادعى الغريم أن الحق الذي سلمه له هو هذا فلا يحكم عليه تسليم ألف سواه إلا أن تشهد البينة أن هذا الألف سوى الذي سلمه له أو يختلف التاريخان أخذ به.
مسألة
[ صور من الإقرار والمطالبة ]
ومن عليه لأحد مائة درهم فأقر بها المطلوب وادعى أنه سلم منها خمسين درهماً فأقر الطالب بقبض الخمسين وادعى أنها من غير هذا الحق فالقول للمطلوب أنا من المائة إلا أن يقيم الطالب بينة من حق له غير هذه المائة ومن قامت له بينة على آخر بخمسين درهماً وجاء آخر فأقر له بخمسين أخرى
وقال: أنا الذي كانت علي الخمسين وإنما أشبهت عليه البينة فإنه تؤخذ منه الخمسين المقر بها على نفسه وتؤخذ من الآخر خمسون بشهادة البينة.
مسألة
[ نوع من الإدعاء دون بينة ]
ومن له حق على غريم وهو موسر بها فأبى الطالب آخر فقال: إن الحق الذي على فلان كذا هو علي لا عليه فله أن يستوفي من أيهما شاء. وعن
أبي الحواري عن نبهان عن عثمان عن أبي المؤثر: ومن ادعى على غريم حقاً
لا بينة له فيها فأنكره فرام البينة فطلب إحضار الحق ليقسم له فلا يجاب إلى ذلك حتى تقسم فإن أقسم فطلب من عليه الحق أجلاً في إحضاره فأبى (11/77)
صفحة 1596
الطالب فله أن يمدد لبيع ماله ويقترض الطالب ماله بثمن العدول وقول: لا يحلفه أولاً ثم يأتيه بحقه وإنما يأتي الحق أولاً ثم يحلفه وذلك إلى نظر ذي
الأمر في أحوال الناس.
مسألة
[ طلب الحق المؤجل ]
ومن عليه حق إلى أجل فطلب به غريمه معجلاً فإنه يحلف ما عليه له حق حال وقول: يحلف ما عليه له حق وإن أقر بالحق إلى أجل ألزم بالبينة فإن أحضرها وإلا حلف الطالب أن حقه حال.
مسألة
[ صور من حلول الأجل ]
ومن عليه حق لأجلين مختلفين فادعى الطالب الأجل الأول بحق لي فيه الأداء بنصف الحق وفي الأجل الثاني النصف وادعى المطلوب بحل في
الأجل الأول ثلث الحق وفي الثاني ثنتاه والحق فسمي ففيه اختلاف قول:
إن القول للطالب مع يمينه واختلفوا في وفاء الحقوق إذا كانت مختلفة
الآجال وترافع الخصمان بعد خلو المتقدم منهما فله ما قد حل وإن طلب
بعد خلو الآجال فادعى من عليه الحق أنه كلما انقضى أجل قضاه ما حل فيه من الحق فقال سعيد بن المبشر ومسعدة بن تميم : ليس له إلا ما حل في ذلك الأجل ويهدر عنه ما سلف لأن القول للمطلوب في السالف وقال أبو عبد
الله: إنما البينة على المطلوب بما سلم فيما حلَّى وإلا أخذ به.
مسألة
[ ادعاء عدم تسليم الصداق العاجل ]
واختلفوا في الصداقات العاجل فقول: بعد الجواز للزوج مع يمينه وقول: إن القول للمرأة إذ هو مدعي الأداء بالحق قبل الجواز وبعده ولا يهدم
الجواز في المهور ولكل قول أصل وحجة.
مسألة
[ نوع من الادعاء ]
وإذا وافاكم الحاكم خصمان فادعى أحدهما على الآخر دعوى فدعاه بالبينة فعدلت وشهدت فأمر المطلوب بدفعه فخرج مجيباً فتولى باع الحاكم
ماله وقضى الغريم حقه.
مسألة
[ متى ينفذ الحكم ]
ومن تولى من السجن بعد صحة الحق عليه وحكم الحاكم بتسليمه باع الحاكم لقضاء ما ثبت عليه من الحق عنده ومثله من تأجل عند الحاكم (11/78)
صفحة 1597
بتسليم حق ثبت عليه فهرب وكذلك إن هرب عن حقه حق وجب عليه لزوجته من دعاه الحاكم لموافاة خصمه لآباء حق وجب عليه أو تأجل
ليواف لهم فلم يوف في الأجل سمع الحاكم عليه البينة وأنفذ عليه البينة
وأنفذ عليه الحكم إذا تولى.
مسألة
[ صور من الادعاء ]
ومن كان بيده شيء فصح بالبينة العادلة أنه لزيد بعد أن ادعاه زيد فأمره الحاكم بدفعه فتولى أمضى فيه حكمه وأوصل ذا الحق إلى حقه.
وإن وكل الخصم وكيلاً وضرب مهمهاً فأنكره وكيله أن يخاصم له
سمع الحاكم البينة وتعذر عليه الحكم.
النهج الحادي والثلاثون
في تحجير الحاكم
على المديون
النهج الحادي والثلاثون
في تحجير(1) الحاكم على المديون
مسألة
[ صك الحجر ]
عن أبي محمد أن إذا أراد الحاكم أن يحجر على المديون ماله كتب قد ثبت عندي على فلان ابن فلان لفلان ابن فلان كذا كذا من الدين وسألني أن أحجر ماله عليه فحجرته إلا لما لا بد له منه لمئونته ومن يمون فإن أقر بعد ذلك بشيء فهدر ولا يدخل مع الغرماء وهو في ذمته إلا أن يصح أن الحق كان قبل الحجر.
مسألة
[ متى يحجر على المفلس ]
عن أبي قحطان: وإذا صحت الحقوق مع الحاكم فله أن يحجر مال
المديون أن لا يزيله حتى يؤدي الحقوق الثابتة عليه وقول : يحجر عليه من
ماله بقدر الحق الصالح عليه(2).
مسألة
[ إقرارات المحجور عليه ]
__________
(1) 1- الحجر لغة: المنع والتضييق، ومنه سمي الحرام حجراً . قال تعالى : { وَيَقُولُونَ حِجْراً
مَحْجُوراً } الفرقان آية 22، أي حراماً محرماً، وقال تعالى : { هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ
لِذِي حِجْرٍ } سورة الفجر آية 5.
واصطلاحاً: منع نفاذ تصرف قولي لا فعلي، رد المختار على هامش حاشية
الطحطاوي 4/80 عند ابن عرفة صفة حكمية توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه
في الزائد على قوته أو تبرعه بزائد على ثلث ماله، الحدود لابن عرفة 2/419.
(2) 1- الحق الصالح عليه: الحق الثابت عليه. (11/79)
صفحة 1598
ومن حجر عليه الحاكم ماله وحرر رقيقه فلا يقع التحرير عليهم
واختلفوا في تحريرهم إذا استغرق نشبه الدين قبل الحجر فقول: عتقهم
ماض، واختلفوا فيما يقر به على نفسه بعد التحجير قول: يحاصص الغرماء وقول: لا يحاصصهم وهو في ذمته.
مسألة
[ حكم تصرفات المحجور عليه ]
ومن حجر عليه الحاكم ماله ثم أحدث كلم بشر فيه فليس له أن يبري المحدث فيه من الأرش وإن أبرأه فلم يبرأ وله العفو عن القصاص وليس
للغرماء فيه حق فلما عفا ورجع إلى الدية صارت مالاً ولو كان له قود
فرجع إلى الدية لم تكن له براءة القاتل من الدية وله العفو من القود.
مسألة
[ الحجر على المرأة ]
وإذا حجر الحاكم على البضة نشبها فاختلعت من بعلها لم يكن خلعاً بل
هو طلاق لأن الخلع لا يكون إلا بفدية. ومن حجر عليه ماله فباعه بطل بيعه وقضاؤه وليس للمشتري مع الغرماء شيء ولا المقضي وحقهما في ذمته ويستسعيانه به وسواء رفع عليه أحد غرمائه مع الحاكم أو الجماعة مع عدمه.
مسألة
[ إقرارات المدان قبل الحجر ]
ومن عليه دين يحيط بماله فلما رفع عليه ديانة في الحق أقر على نفسه
لأحد بشيء في ذمته أوفى ماله ثبت لمن أقر له بالمال فإن أقر بمال من أمواله
أنه لفلان دون فلان فلا يدخل عليه فيه الغرماء وللغرماء اليمين على المقرور
له بالمال.
مسألة
[ صور من الحجر ]
واختلفوا في الرفعان فقال بعضهم: هو كالتحجير وجعلهما سيان وقال بعضهم: الرفعان دون التحجير في إقرار لما يدعون بعده وهما شتان لأن
الإقرار لا يصح بعد الحجر ويصح بعد الرفعان على قول.
مسألة
[ تصرفات المحجور عليه السرية ]
ومن حجر عليه الحاكم بيع ماله فباعه سريرة بطل بيعه حتى يسلم ما ثبت عليه من حق وليس له في مال بيع ولا هبة ولا قياض وهو كذا الوصب.
مسألة
[ تصرفات الحاكم في مال المحجور عليه ]
ومن عليه ديون وصدقات مؤجلة وقف لهم الحاكم من ماله بقدر مالهم
إلى محل حقوقهم. (11/80)
صفحة 1599
وإن رفع عليه أحد الغرماء ولم يرفع الباقون كان من رفع أولى وأحق بنشبه. وإن رفع عليه أحد فأنكره وأصح عليه البينة بحقه بعد إزالته لنشبه فإزالته لما له قبل إقامة الرافع عليه البينة جائزة.
مسألة
[ أثر زوال علة الحجر ]
وإذا حجر على المديون بعض ماله وباع من موضع آخر وقضى دينه جاز بيعه لأن الحق الذي حجر فيه ماله انحط عنه وزالت العلة التي من أجلها
منع التصرف في ماله.
مسألة
[ ما للأب في مال ولده ]
وإذا حجر الحاكم على الولد ماله فليس لأبيه أن يبرأ نفسه مما ثبت عليه من الحق لولده وذو الدين أولى به لأنه ليس للأب في مال الولد أكثر مما
للولد فيه.
مسألة
[ إبراء الأب الابن مما عليه من دين ]
وللوالد أن يبرئ نفسه مما عليه لابنه قبل التحجير والرفعان وبعدهما فلا وقيل: بعد الرفعان جائز لأنه ليس بمنزلة التحجير. وجاء في الأثر عن أهل
العلم والبصر أن البينة لا تسمع إلا بحضرة الخصم أو وكيله إلا في
الوكالات وقول: لا تقبل في النسب إذا ادعى ميراثاً إلا بحضرة خصمه
الذي يدعي إليه الميراث بذلك النسب وإن طلب إيضاح نسبه جاز ولو لم
تكن بحضرة الخصم.
مسألة
[ اختفاء المحجور عليه ]
ومن طلب بحق ذكراً كان أو أنثى وتوارى عن الوفاء اجتهد الحاكم في الاحتجاج عليه بالثقة فإن لم يقدر عليه لا يحكم عليه بشيء إلا بعد الحجة وقيل: إذا صحت البينة عليه حقاً حكم به عليه واستثنى الحاكم له حجته
فإن ذراها ثبت عليه الحكم وهو رأي أبي علي.
مسألة
[ كيفية بيع المال المحجور عليه ]
ومن علي: من فر من السجن فتعذر حصوله له نودي على نشبه ثلاث جمع فإذا بلغ ثمن عدلاً بيع منه بقدر الحق الثابت عليه وإلا فلا يعجلوا
عليه حتى يعود النداء في جمعة أخرى ثم بيعوا وإذا جاوز من عليه الحق بما
صار بالاً هارباً فإن عرف موضعه وأمكنت الحجة عليه بعدلين وإن غرب (11/81)
صفحة 1600
علمه نودي على ماله وبيع لما صح عليه من حق ثلاث جمع بعد أن يقسم أرباب الحق ويستثنى للغائب حجته ولا يباع مال المتولي إلا بحق من رفع
عليه الحقوق.
مسألة
[ بيع مال المحجور عليه ]
ومن تولى عن الحق الواجب عليه لعيلته وعجز عن تسليمه ثم أثرى بحدوث تراث أو غيره باع الحاكم ماله وقضى دينه وهو رأي أبي محمد
ومحمد بن محبوب.
مسألة
[ أثر عدم وفاء المال بالديون ]
عن أبي المؤثر: إذا تولى المدعى عليه بحق من رفع عليه وعليه الحقوق
سواه ولم يف ماله بحق رفع عليه فالرافع عليه أولى بماله ويكون دين الدين (...)(1) رفعوا في ذمته.
مسألة
[ نفاذ حكم الحاكم في الغرماء والمدين ]
ومن كان له مال وعليه حق خير أرباب الحق بين أن يعترضوا ماله بالثمن
أو يؤجلوه حتى يبيع ماله وإن أبى الديان ذلك أجله ذو الأمر وإن رام الديان عليه كفيلاً فلهم ذلك ويكون ملياً.
مسألة
[ مدة تأجيل بيع الأصول ]
ويؤجل الغريم في بيع الأصول شهراً أو العروض جمعة فإن لم يحضر
الحق إلى أجل عوقب وكبل حتى يسلم فإن نمى حبس في السجن باع الحاكم ماله وأوفى الغرماء حقوقهم هذا رأي سليمان بن عثمان(2).
مسألة
[ كيفية معاملة المحجور عليه ]
عن محمد بن محبوب وسليمان بن عبد العزيز الحضرمي: إن المديون
إذا تماجن في السجن فلا يبيع الحاكم ماله وإنما يجلد في سجنه ويغلظ عليه
حتى يبيع ماله بنفسه.
مسألة
[ مدة السفه المؤثر في البيع ]
قال بعض العلماء: إذا تماجن فوق الشهر باع الحاكم ماله وقول: حتى يتماجن ثلاثة أشهر باع الحاكم ماله وقضى دينه فإن لم ينفق مال المديون إلا
بثمن بخس لم يحمل عليه بيعه وفرض عليه الحق وهذا إذا انحط من ثمن
ماله الثلث وقيل: الربع عن سعر يوم البيع.
مسألة
[ كيفية بيع مال المديون ]
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: ويكون دين الديان باقٍ في ذمته لم يرفع.
(2) 1- سليمان بن عثمان : سبق الحديث عنه. (11/82)
صفحة 1601
عن أبي سعيد: يباع مال المديون كيفما بلغ من الثمن ولا ماله حتى
يؤدي الحق كالوارث لأن الدين قد استهلكه.
مسألة
[ صور من عدم البيع ]
عن مسعدة بن تميم: إن الأحياء لا يباع نشبهم من أصل في من يزيد كمال من أفلس.
مسألة
[ كيفية بيع العروض ]
ورخصوا في بيع العروض وكذا يوجد عن سليمان بن عثمان وإذا مات أحد عن دين وله وارث أمر الحاكم بأدائه من مال الموروث إن لم يكن له وصي فإن أدوا ما على هالكهم أخذوا ما خلفه وليس لوارثه أجل في إحضار الدين وقول: يؤجلوا ثلاثة أيام كالشفيع وقيل: إذا كان حق الغريم مثبوتاً
في شيء من مال المديون أو مرهوناً في يد الطالب ولو بوضيعة من الثمن
فهو أولى به من سائر الديان وما زاد من ثمنه عن حقه فهو لهم، وقيل: لا
يباع سكن المديون في دينه وقيل : يترك له ما لا بد له منه.
مسألة
[ عدم بيع كتب العلم ]
وإذا كان المديون أهل للعلم فلا تباع كتبه ولا مصحفه وما كان له من كاغد نفق بيع في دينه إذا لم يزبر فيه إذ هو كالأمتعة ويباع خاتمه وصارمه وأثاثه وفرسه اللذان يركبهما إلا أن يكون لا يستطيع المشي ترك له ما لا بد له منه.
مسألة
[ حكم حيوانات المحجور عليه ]
ودواب المديون من إبل وبقر وضأن ومعز وسوى ذلك تباع في دينه وكذلك رقيقه إلا ما حضر عليه زرعاً فإلى حصاده وإن رام الديان اعتراض ذلك بالثمن فلهم ذلك.
مسألة
[ ما يترك للمحجور عليه من الرقيق والدواب ]
وإن اشترى مشتر من دوابه شيئاً أو رقيقه الدين زرع عليهم على أن تترك له إلى حصاد زرعه جاز وإن كان ترك له من رقيقه ما يخدمه ومن دوابه ما يتسنمه على قول واختلفوا في آلة الصناع قول: لا تباع في دينه ولو هلك وضاع وقد ورد عن الرسول المختار - صلى الله عليه وسلم -: «ما أظلم ليل وأضاء نهار بأن
للغريم ما فوق الإزار»(1).
مسألة
[ ما يبقى له من كسبه ]
__________
(1) 1- هذا الحديث لم أعثر عليه بهذا النص وله شواهد في الحجر على المفلس وتوزيع أمواله
على الغرماء. (11/83)
صفحة 1602
واختلفوا فيما يحكم عليه من كسبه فقول: يفرض عليه على مقدوره
وقول: نصف قسطه وقول: الثلث وقول: الثلثان وقول: ما نمى عن مئونته ومن يمون وهو الأصح وهذا في جميع الحقوق الواجبة عن أبي عبد الله.
مسألة
[ تقسيم الأموال على الغرماء ]
ومن عليه دين ورفع عليه غرماؤه وزع نشبه بينهم وإن وفى وإن لم يف قسط وأخذ كل قسطه ولا يجوز أن يوفى أحد دون أحد وإن باع ماله
وأقرانه قبض الثمن فلا يجوز بيعه وماله شرع بين غرمائه هذا بعد الرفعان
على قول ويضرب للمشتري معهم وسيان بين علم المشتري بالرفعان على المديون أو جهله.
مسألة
[ صور من بيع مال المدين ]
ومن اشترى من مال المديون شيئاً أو اقتضاه فعليه فيمن سارى الأمم لقد أوفاه ولا دلس فيما فاه وكذلك المقضى لقد قضاه هذا المال بحق له عليه
وكذا وأنه ما ألجأ ماله عن ديانة بغير حق.
مسألة
[ صور من قضاء الدين ]
وإذا قضى المديون شبله شيئاً من نشبه يدين عليه له في صحته ثم مات الأب فلا يرجع الديان على الولد شيء مما قضاه أبوه ومثله إن أعطاه شيئاً
من ماله في صحته وأحرزه ثم مات الأب فلا رجعة للديان على الولد بشيء
مما أعطاه أبوه وأما إن أعطى الأب ولده أو قضاه في الوصب حاصصه فيه الغرماء استراح الولد أو اعتراه النصب وقيل : لا يجوز قضاه لابنه وعليه
حق لغيره والغير أحق بالوفاء وإذا لم يصح القضاء في الصحة أو المرض
للولد فالديان أولى به والزوجة وسواها سواء.
مسألة
[ توزيع على الغرماء بالحصص ]
وإذا بعث المفلس بشيء لبعض غرمائه وزع بينهم بالحصص وإن بعث لأحدهم بهدية فلمن أهديت له وقول: هي بين الغرماء لأنه محجور عليه التصرف في ماله.
مسألة
[ جناية المفلس بعد الحجر عليه ]
وإن نزع دار المفلس عن غرمائه فخرج له أحد فأعطاه حقه شركاه الغرماء فيه وله بقدر عنائه ونفقته على الحصص لا على الروس من رأس
المال وما غرمه الغرماء على المفلس فهو من رأس المال وإن جنى في إفلاسه (11/84)
صفحة 1603
جناية حاصص المجني عليه غرماءه في ماله وإن قضى المديون بعض
غرمائه قيل: الرفعان فلا حجة عليه لسائر الغرماء ويحجر على المديون
ماله أن يتصرف قول: إذا رفع عليه الديان وقول: إذا حجر عليه الحاكم
ماله وقول: حتى يحكم عليه بتسليم الحق وقول: ما لم يفلس ومن أقر
له فلا يحاصص ومن أقام البينة بحقه فإن استوفى من أقام البينة بحقه فما
فضل فلمن أقر به وإن كان له (...)(1) من الرضاع يناسبه لم يجبر على
بيعهم ولو لم يكن له مال سواهم وكذلك المديرين إلى موته أو موت
غيره وكذلك إن كانوا لغائب وصحت عليه حقوق عليهم للديان حتى
يصح موته.
مسألة
[ إقرارات المفلس ]
وإذا أقر بوديعة لأحد وحدت بعينها فهي لربها دون الغرماء وإن اقترضها أو أتلفها فربها والغرماء فيها سيان.
مسألة
[ اختلاف الغرماء ]
وإذا اختلف الغرماء والمقضى(2) بعد القضاء قال المقضى: اقتضيت منه
قبل الرفعان وقال الغرماء بعد الرفعان فالقول للمقضى مع يمينه أنه اقتضى
قبل الرفعان.
مسألة
[ صيغة التفليس من الحاكم ]
وأما لفظ التفليس فهو أن يقال الحاكم في مجلس الحكم اعلموا أني قد فلست فلان ابن فلان فلا تبايعوه أو قد حكمت على فلان بالتفليس فلا تبايعوه ولا تعاملوه بأموالكم ثم يقرض(3) عليه لغرمائه ولا حبس عليه
ولا كفيل.
مسألة
[ اختلافهم في حبس المفلس ]
واختلفوا في الحبس عليه قبل أن يصح إعدامه فقول: يحبس ويدعى
بالبينة على الإعدام وقول عليه الإلية بما يدعي أنمى عنده ما يؤدي الحق الذي عليه ولا بعضه وقول: الإلية عليه في هذا وقول: يسأل فيه الحاكم وروي
__________
(1) 1- طمس: وإن كان له دقيق من الرضاع، لأنه لا يجوز استرقاق ذا رحم محرم،
والله أعلم.
(2) 2- لعلها المقضى له يعني من كان الحكم له.
(3) 1- هكذا في الأصل، والأصح: يفرض عليه لغرمائه. (11/85)
صفحة 1604
عن بعض الفقهاء إذا ادعى من له الحق أن غريمه أثرى وادعى المطلوب العيلة دعيا بالبينة معاً فما صح من أمرهما حكم به الحاكم وقيل: ليس على أهل الصناعات تفليس وإنما التفليس على من ليس له صناعة ولا بضاعة.
مسألة
[ موت المفلس وعنده أمانات ]
وإن مات المفلس وعنده لأحد مال فهو غريم من الغرماء إلا أن يكون قائماً وتشهد به البينة أنه لفلان قربه أولى به وإذا باع أحد على المفلس شيئاً على علم بإفلاسه فقول: إن البيع ثابت لا رضي بمبايعته وأتلف ماله وعليه التوبة من تضيع ماله إن توى ذلك لارتكابه نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال وقول: بيعه باطل ومحجور عليه إضاعة ماله.
مسألة
[ حكم وجود المتاع عند المفلس ]
ومن باع مفلساً لا يعلم إفلاسه فله أخذ متاعه ولا توى على ماله فإن باع المشتري ما اشتراه من المفلس أدرك من باع على المفلس أولاً متاعه ممن
وجده في يده ويرجع المشتري ما اشتراه من المفلس على من باعه بالثمن
حتى يرجع على المفلس.
مسألة
[ حكم استدانته بعد إفلاسه ]
وإن اشترى طعاماً فأكله أو باعه إنه يكون أحد غرمائه وإن استدان بعد إفلاسه وفرض عليه لغرمائه ثم استعاد نشياً من عين أو عين أو معين أو رقيق معين أو سبد ولبد وزع على غرمائه ولا مدخل معهم لرب الدين حتى يستوفوا.
مسألة
[ حكم تصرفات المفلس ]
وإذا (ادعى)(1) المفلس امرأة بمهر ثم طلقها دخلت بمهرها مع الغرماء عن أبي سعيد: وإن نكح المفلس امرأة فلا خيار لها وقيل: لها الخيار إذا لم تعلم إفلاسه ومؤجل في أداء العاجل فإن سلمه مع النفقة والكسوة وإلا جبر على تطليقها وكان لها نصف المهر ديناً عليه وإن أجازته وعجز عن أداء النفقة
جبر على تطليقه.
مسألة
[ حكم زواج المفلس بعد إفلاسه ]
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: وإذا ادعى على المفلس. (11/86)
صفحة 1605
وإذا تزاوج المفلس وجاز لزمه المهر وإلا نصفه إذا لم يحجر ويكون ديناً عليه لأنها ليست كالبضاعة تفوت فلهذا جعلوا لها الخيار فإن ماتت قبل
الطلاق فلها صداقها منه وله ميراثه وإن مات ورثته ولها مهرها.
مسألة
[ التعامل مع المفلس ]
ومن اكترى دابة فأفلس أو فات قال أبو سعيد: لا يصح كراؤه وهو مفلس وللجمال أجر مثله مع الغرماء ما كان المال في يده أو قد سلمه ومن كارى على حمل شيء فحمله الجمال ثم أفلس المكاري فهو أسوة بين
الغرماء وإن أفلس قبل أن يحمل كان بالخيار إن شاء حمل وله كراه مع الغرماء وإن شاء فسخ الكراء.
مسألة
[ حكم استئجار المفلس وإفلاسه بعد الاستئجار ]
ومن استأجر أجيراً بأجر معلوم على عمل فأفلس المستأجر فعن أبي سعيد: فإن وقعت الإجارة وهو مفلس بطلت الإجارة فإن عمل فله أجر مثله فإن استأجره قبل التفليس وعمل كان هو والغرماء سيان وأجمع العلماء أنما على المفلس من دين أجل فهو إلى أجله ولا يحل بإفلاسه وهو رأي أبي سعيد
ومن اشترى قائماً فزرعه فأفلس والزرع خضرة أو بنى فيها أو غرسها فهذا
كله للمشتري وأما الأرض فللبائع وهو بالخيار بين أن يكون له قيمة أرضه
بغير بناء ولا غرس أرض بيضاء وبين أن يكون شريكاً للغرماء في جملة
الأرض وإذا صار المفلس في حال الضرر من العري والسغب لزمه إحياؤه ووجب إنفاذه من الهلكة وجازت مبايعته والصدقة عليه ولا يلقي بسوء
الحال مع القدرة على إنفاذه.
مسألة
[ معالجة حالات من الإفلاس ]
وإذا صح عدام المديون فرض عليه الحاكم فريضة في كسبه لديانة وأجل
في ذلك أجلا وكفيل عليه وإن كان من أرباب الصناعات فطلب ديانة
كفيلاً حذر عيبته ونأيه عنهم كان لهم في ذلك وإن كانت مكسبة المديون
حراثة فرض عليه في الثمار فرض عليه لديانة بعد مئونته ومن يمون وقيل: (11/87)
صفحة 1606
يترك له عمله ويتحاصص الديان نصف الثاني وإن أراد النصف على مئونته فإلى نظر الحاكم وإن لم يكن له عيال ترك له ثلث عمله وإن كانت مكسبته غير الحراثة فرض عليه على قدر مكسبته وإن كان شيئاً مما عليه إلى أجل رفع له بقدره حتى يحل حقه وإن كان بعض دينه سلفاً واعترض حاله بيع لرب السلف حصته من المال وإن كان كسبه لا يمونه أو من يمونه فإنه يكال لديه فيما فضل وقول: نصف الكسب وقول: ثلثه وقول: ثلثاه والأول أصح.
مسألة
[ أثر الصنعة على إفلاس صاحبها ]
وإذا كان المديون ذا مرة ولا صناعة له ولا هو من أرباب الحراثات فلا يؤخذ بالعمل إلا أن يجب ذلك هو وإن كان من أهل الحرف فأبى أن يعمل جبر على العمل حتى يتضح عذره وإذا فرض على المديون لغرمائه فعجز عن أداء كلما فرض عليه فلا عقوبة عليه ولا يحبس في أولاده ولأمهم الخيار
فإن شاءت قبلت منه ما قدر عليه وإن شاءت تركت له أولاده.
مسألة
[ اعتبار الحبلى والمطلقة من أهل المفلس ]
وإذا كان للمديون زوجة ومطلقة حبلى فهما من عياله لأنه يملك مراجعتها وله دين على أحد فدعاه لدعوة فلا يأكل معه وقول: إذا كان مثل هذا يجري بينهما من قبل أن يدان معه فلا بأس.
مسألة
[ حكم المهاداة بين المفلس وغيره ]
ومن أهداه المديون لغريمه قوم عليه وحط عنه مما عليه وقيل: إذا جرت بينهما العادة بالمهاداة فلا حرج ولا بأس ولا حوب ولا التباس وقيل: من
الربا أكل ذي الدين مع المديون.
مسألة
[ الأكل من الغريم ]
ولا نحب للغريم أن يقترض من غريمه لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قرض جر
منفعة وقيل: لا يكون الأكل من الغريم ربا إلا مع المطالبة بالحق وإذا كان
الغريم مع غريمه فلما قضاه حقه استحله مما أكل فأحله فقد بري.
مسألة
[ أكل الغريم مع غريمه ]
وإذا أكل الغريم مع غريم ولده البالغ فلا بأس وإن أحل الغريم غريمه مما أكل منه قبل أن يسلم له حقه فلا يبري وعليه ثمن ما أكل.
مسألة
[ حكم نكاح المثل ] (11/88)
صفحة 1607
وإذا طلب الغريم من المديون نكاح من يلي نكاحه فحط عنه من مهرها لأجل الدين لم يجز وقيل: إذا صح النكاح والصداق جاز للبعل غشيانها.
مسألة
[ حكم السلف مع الهدية ]
قال ابن عباس رضي الله عنه: إذا استلف أحدكم من صاحبه سلفاً فلا يقبل منه هدية ولا ركوب دابة. قال أبو سعيد: تجوز المنفعة من الغريم عند القضاء ولا تجوز عند القرض والتدين لأن إذا صح القضاء زالت التقية.
مسألة
[ الشهادة للغريم ]
واختلفوا في الشهادة للغريم قبل جوازه ذلك للعدل الثقة وقيل: لا يجوز شهادته له ما دام حقه عليه عدلاً كان أو خلافه.
مسألة
[ إلى من يسلم الدين المتصدق به ]
ومن له دين فتصدق به على الفقراء فإن الغريم يسلمه له ولا يسلمه
للفقراء وإن أمره بدفعه للفقراء خير بين دفع ذلك للفقراء أو لرب الدين ومثله إن أقر لأحد.
مسألة
[ إقرارات المديون ]
وذو الدين إن أقر لأحد ومات المقر لم يجز للمديون أن يدفعه لورثته
وإنما يدفعه للمقر له أو لورثته قول: إنه بالخيار في دفعه للمقر أو المقر له أو
لورثتهما بعد موتهما وإذا قال رب المال الحق الذي عليك تصدقت به على فقراء قرية كذا فليدفعه لربّه ولا يكلف الخروج لتلك القرية ويسلمه ربه لمن تصدق به عليه.
مسألة
[ توزيعه على فقراء القرية ]
واختلفوا في تفريقه فإن كان للفقراء من تلك القرية يحصون فرقة على جميعهم وإلا فعلى ثلاث فصاعداً.
مسألة
[ موت من له حق ]
ومن عليه حق لأحد ومات من له الحق فأخبر عليه الحق رجل ثقة أن من له الحق أوصى لزوجته فلانة أن يسلم لها فأما من طريق الاطمئنانة فلا يضيق
أن يسلم الحق لها ما لم يأت الورثة وإن عارض حكم الاطمئنانة حكم ظاهر بطل حكم الاطمئنانة.
مسألة
[ الموت قبل دفع الحق ]
ومن له حق فأمر بدفعه لزيد في حياته فمات قبل دفع المأمور الحق بطل الأمر ولو شهدت له البينة بذلك لأن الأمر كونه في الحياة لا كالوصية لأنها
بعد الموت وبينهما بون.
مسألة
[ صور من الإدعاء ] (11/89)
صفحة 1608
وإذا أمر رجل رجلاً أن ينفق على عياله إلى ألف درهم من مالك فادعى أنه أنفق كما أمره فالقول له وهو مصدق وقول: عليه البينة بما ادعى
وقول: حتى يقر المأمور له بالدفع.
مسألة
[ صور من الإدعاء ]
ومن قال لغريمه أعطي زيداً من حقي كذا الذي عليك فادعى المأمور أنه فعل ما أمره فقول على المأمور البينة إنه دفع إليه وقول مقبول قوله مع البينة.
مسألة
[ صور من إعادة الحق ]
ومن حل حقه على غريمه فقال له: إذا وافاك رسولي فادفع إليه كذا من حقي الذي عليك لي ووافاه ذو صبوة أو قن أو حر بالغ يدعي الرسالة سلم إليه ما أمره ولم يطلب رب الحق فيما سلمه فإنه يبري وهذا ما عليه الناس معاملتهم ومن عليه حق لامرأته وبعث به عند امرأة مثلها فإنه يكتفي بذلك
إذا كانت مأمونة على ذلك وكذلك إن بعث به مع رجل مأمون ولو لم
يكن ثقة عنده.
مسألة
[ وقوع الإنكار في التسليم ]
وإذا وقع الإنكار في التسليم فلا يصح إلا بالبينة العادلة. ومن أمر بتسليم حق على عمر لزيد فأنعم له وغاب من عليه الحق وقال المأمور: إن رب
الحق عاد على وأمرني أن لا أسلم لك شيئاً فأما في الحكم فلا يلزم
المأمور شيئاً ولا يحكم عليه بدفعه له أقر أو أنكر حتى تشهد البينة بأمر الآمر وقبول المأمور.
مسألة
[ ادعاء قضاء الدين ]
ومن كان عليه دين فقال ثقة أنه يؤديه عنه ثم أعلمه أنه قضاه عنه لم يطلب منه عوضاً مما سلم عنه فإنه يبري. ومن قال لآخر أدعني ديني من
قريتك كذا فأعطيك بدل ما تقض عني فأخبره أنه قضى عنه قال: لا يبرى
إلا أن يصح بالبينة العادلة الوفاء أو يقر من له الحق بالحجة أن هذا يدعي
لنفسه أن يأخذ حقاً.
مسألة
[ قضاء الدين بغير أمر المدين ]
ومن تبرع على إنسان أن يقضي عنه دينه فقضاه بغير أمره أو قضاءه
ليأخذ عوضاً أن الضمان يسقط عن المقضى ولا رجعة للقاضي على المقضى (11/90)
صفحة 1609
وإن احتج بالجهالة بالحق فلا حجة له(...)(1) أن يخرج إلى ربه إذا جاوز خصماً إلا أن يطالب فيأتي فهو آثم إلا أن يعسر ثم يسر بعد خروج ديان
فعليه الخروج له حيث كان ويؤدي ما عليه وعليه أداء ما لزمه من البيوع وأشباهها ضارب لغريمه في داره وقيل: لا خروج عليه في أداء دين ولا
غيره إذا أصرى غريمه مفازة أو بما.
مسألة
[ إعادة الحق لصاحبه ]
ومن اشترى من ذي ضرب سلعة بعمان ثم توفي البائع فعليه الديانة بالخلاص مما عليه ولا يلزمه الخروج فإن أيس من معرفته ربه فبعد صحة بدنه وأمان طريقه ووجود الزاد والرحلة والدليل على الطريق والأمن على ماله وعياله إلى أربابه.
مسألة
[ أثر عدم معرفة صاحب الحق ]
ومن لزمته تبعة في فري شيء وعزب عليه علم ربها فقرها على فقراء القرية التي لزمته التبعة فيها وقول: يفرقه على الفقراء حيث والأصح أنه
يوصي به على الصفة.
مسألة
[ التوبة من الربا ]
ومن باع شيئاً أو اشترى ثم صح له أن بيعه وشراء أربى فيه ورام التوبة وتعذر عليه حصول ما باعه واشترى منه فعليه الاحتياط وإن يفرق من
جنس ما أربى فيه على الفقراء حتى لا يشك أنه قد تخلص مما لزمه.
مسألة
[ حكم إعادة الربا ]
ومن لزمه من الربا لأحد بشيء فليس عليه حمله إلى دار المربي عليه وإنما يكون القضاء في داره وعلى من له الحقوق أن يوافي لأخذ حقه ومن عليه
حق لغائب أو حاضر فأخذ الحاضر حقه من المديون فلما آب من غاب رأي المديون قد أفلس فإذا كان الحق واحداً لحق الغائب الحاضر في حصته أفلس الغريم أو لم يفلس وقول: لا يلحق أحدهما صاحبه بشيء.
مسألة
[ إعطاء المال لأهل الغائب ]
ومن أقر لاثنين بعشرين درهماً وأحدهما غائب فلما مات المقر سلم
ورثته مالاً للحاضر بالحق كله فأصلحه حتى نمى فقدم الغائب وطلب نصفه
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: فلا حجة له وليس هو ضامن من عليه دين أن يخرج إلى ربه. (11/91)
صفحة 1610
فإن للغائب الخيار إن شاء أخذ نصفه وأعطى الشريك عناه وغرمه وإن شاء أخذ منه عشرة دراهم التي أقر بها الميت.
مسألة
[ أثر التوكيل للغائب ]
عن أبي الحسن: ومن عليه دين لضارب وأهل فرام الأهل أخذ حقه فإن الحاكم يوكل وكيلاً للغائب يقبض له حقه فإن ضاع حق الغائب من يد الوكيل فلا ضمان عليه ولا على الحاكم ولا يلحق الشريك بشيء.
مسألة
[ أثر ثبوت الحق للشاهد والغائب ]
وإذا كان الحق لشاهد وغائب فأخذ الشاهد حقه وتوت حصة الغائب حاصص الغائب الشاهد ورجعنا على نشب المديون بقية حقهم على قول.
مسألة
[ أثر الحقوق بين الشركاء ]
وإذا كان لشريكين حق فاستقل كل واحد منهما حقه على أحد الغرماء ونصينا بذلك فتوى شيء من حق (...)(1) فما خلص فلهما وما توى
فبينهما وإن كان على غريمه لجماعة فأنكرهم فنازعه بعضهم فاستوفى حقه فلشركائه حقهم منه وإن كان الحق لشركاء ونازع أحدهم في حصته
بنفسه خاصة بعد أن أنكرهم الخصم فحكم له بحقه فقيل لا سبيل لشركائه عليه وحقهم على غريمهم وكذلك إذا كانت الخصومة في شيء من
الأصول من بيع أو قياض أو صلح أو غير ذلك.
مسألة
[ حكم الإنكار بنية القضاء ]
ومن عليه حق فعجز عن أدائه فأنكره حذراً أن يسجنه الحاكم ونيته قضاء فحلف كاذباً فعليه تسليم الحق لربه والتوبة لربه ويكفر يمينه وهي مغلظة
وإذا اختلف الخصمان كان قبضه في موضع الحكم وعلى المطلوب
إحضاره ويكون الميزان على الطالب والمكيال على المطلوب عن الشيخ أبي محمد بن عبد الله بن محمد بن بركة.
مسألة
[ أداء الأمانة ]
ومن عليه لأحد ألف درهم فطلب إليه حقه فأنكره ثم أنه ائتمنه على
ألف درهم مثلها فلا يجوز له أخذها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أد الأمانة إلى من ائتمنك
ولا تخن من خانك»(2)
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: فتوى شيء من حق الغرماء فما خلص.
(2) 1- الحديث عن أبي هريرة أخرجه الترمذي وأبو داود 2/260 في البيوع وأخرجه الدارمي
في سننه 2/264 وإسناده حسن رقم 1264 في البيوع باب رقم 38 وحسنه. (11/92)
صفحة 1611
وقيل: له أن ينتصر من أمانته إذا ظلمه ومن غيرها
من ماله قال الله تعالى: { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ
سَبِيلٍ } (1) وقال: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } (2) ففي المعنى أن المكافأة تخرج على معنى فعل الفاعل وإن كان ليس عند الانتصار سيئة.
مسألة
[ صور من الإيمان ]
وعلى من انتصر بماله إعلام خصمه فإن حلفه أنه ما خانه حلف ولا
حنث عليه ومن ظلم حقه وتعذر عليه المنصف أقام نفسه مقام الحاكم
وانتصر من ماله وأشهد على قبض حقه ليعلم المطلوب أن الحق قد سقط عنه لئلا يدين بأدائه مرة أخرى، وللزوجة إذا أنكرها بعلها من حق وجب لها من مهرها أو سواه جاز لها أن تنتصر من ماله فيما بينها وبين الله.
مسألة
[ أثر ظلم الجبابرة ]
وإذا ظلمك مستحل لما ظلم دائن لله تعالى بجوازه وهو مبطل عند الله فإن أدركت مالك قائماً فلك أخذ وإلا فلا يجوز لك الانتصار منه كان الأخذ حيّاً أو قد نزع ومن أخذه أعوان الجبابرة ظلماً جاز له أن ينتصر من قدر على الانتصار من ماله من أعوان ذلك الجبار لأنهم شركاء وأعوان على الظلم والعدوان.
مسألة
[ صور من الظلم ]
ومن عليه لجبار حق فظلم ذلك الجبار أحداً أو أعوانه جاز لك أن تسلم
ما عليك من حق الجبار للمظلوم إن قدرت ومن له حق على هالك ولم يجد بينة ولا منصفاً أخذ من مال الهالك من جنس حقه بقدر حقه أو غير جنسه وأما من ماله ورثة الهالك فلا كانوا بالغين أو يتامى.
مسألة
[ أثر جحود الحق ]
ومن عليه حق فجحده وأوصى لمن له الحق بمثلها سقطت عنه ومن عليه حق لأحد فجحده فمات المجحود وورثة الجاحد فقد برئ من الحق وعليه التوبة، وقيل: لا يبري ومثله الغاصب.
مسألة
[ حكم مطل الغني ]
__________
(1) 2- سورة الشورى آية 41.
(2) 3- سورة الشورى آية 40. (11/93)
صفحة 1612
ومن مطل غريمه مطل ظلم فله أن ينتصر من ماله ومن كان له حق على أحد فأخذ دابة من دوابه فنتجت وهذا بعد أن أنكره والدابة ثمنها أكثر من حقه فالدابة وما نتجت فمردود على ربها وما استغل قوم وقومت علوفتها ويترددان الفضل.
النهج الثاني والثلاثون
فيما تثبت به الكتابة من اللفظ
و من تثبت عليه
النهج الثاني والثلاثون
فيما تثبت به الكتابة من اللفظ
و من تثبت عليه(1)
مسألة
[ صور من الكتابة الجائزة ]
وتجوز الكتابة على محجور البصر في الغرار أو الكفارات والسكن
الإثبات وفي المياه وجميع الأشياء سوى الأصول وما يعرف ويحتاج إلى
حوز وإحاطة وقول: تجوز عليه الكتابة في الأصول بغير وكيل والأول أصح.
مسألة
[ الكتابة المتفق عليها ]
وإذا رام أحد أن يكتب مالا يعرفه الكاتب أن به كتابة أم لا: لا يجوز للكاتب أن يدخل في رقم مجهول الحال بلا صحة ويقين وكل مشكوك موقوف.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
وإذا زبر الكاتب أوصت فلانة بنت فلان الفلاني العقري النْزوية بكذا لفلان ابن فلان فهذا لفظ جائز وثابت.
مسألة
[ أثر الكتاب على الأعمى ]
وإذا كتب الكاتب على أعمى حقاً ولم يكتبه الأعمى فلا يبطل الحق
وهو ثابت.
مسألة
[ صور من كتابة الإقرار ]
وإذا أحرز الكاتب أقر فلان بن فلان أن عليه لزوجته فلانة بنت فلان
مثل زكاة حليها ما دامت زوجته إقراراً منه لها بذلك فهذا لفظ غير ثابت واللفظ الثابت أن يكتب بمثل ما يجب عليها من زكاة حليها من تبر ولجين أو من ذهب وفضة ما دامت زوجة له وذلك من صداقها الذي تزوجها عليه.
مسألة
[ من قواعد الكتابة ]
وأما اسم يس فإنه يكتب هكذا ياسين بياء وألف وسين وياء ثانية ونون وأما في قواعد النسخ فإنه يكتب هكذا يس بياء وسين فقط.
__________
(1) 1- هذا النهج من الأمور القانونية الحديثة التي ذكرها فقهاء القانون حديثاً، وذكرها
الفقهاء قديماً مختصرة وعامة. فهذا النهج ذا فائدة مهمة جداً في الإثبات وتوثيق
عقود المداينات، والله أعلم. (11/94)
صفحة 1613
مسألة
[ حكم رفع اليمين وصيغ من الكتابة ]
ورفع اليمين عن الوصي الثقة فيها اختلاف وعن غير الثقة فلا تثبت فإذا أراد الكاتب أن يلفظ على الموصي قال كذا أوصيت يا فلان وإذا أراد أن يكتب زيادة في الوصية كتب زيادة على ما أوصى له به وإذا أوصى الموصي لأحد بما يبقى له في بيته بعد موته من تمر وحب أو ما شاء من الأنواع
لزوجته فلانة بنت فلان من ضمان عليه لها فهذا يثبت لها جميع ما خصه
في الوصية لها وإذا نسب الكاتب المسماة صحار بالسين بدلاً من الصاد
فعلى الاطمئنانة فلا يبعد من الإجازة والأصح أن يكتب صحار بالصاد
ويعجبني للكاتب أن لا يكتب إلا اللفظ الصحيح.
مسألة
[ من صيغ الوصايا ]
وإذا كتب أوصت فلانة بنت فلان أن يشتري لها من مالها رقبة مؤمنة ويعتقها عنها وصيها بعد موتها تقرباً إلى الله تعالى مقام العقبة وأوصت لها
بعد أن تستحق العتق منها بكذا كذا لارية فضة من مالها فهذا اللفظ ثابت وتكون من أوسط العبيد ذكراً كان أو أنثى.
مسألة
[ عدم وضوح الإملاء من المملي ]
وإذا كان المكتوب عليه يلتفت يمنة ويسرة ويتنحنح ولا يعلم الكاتب أن
يشعر ما يلفظ عليه أم لا إلا أن بعد تمام اللفظ يقول: نعم فلا يلفظ عليه إلا على أن قد فهم ما لفظ به عليه ولا يجري الأحكام على الظنون.
مسألة
[ أثر اللحن في الحديث ]
وعلى الكاتب أن يزبر اللفظ الصحيح من اللحن والتحريف البري من اللكنة والتحصيف وأما إن لحن في الكتابة ففي ثبوت الحق وبطلانه اختلاف.
مسألة
[ أثر طمس الأحرف ]
وإذا جيء إلى الكاتب بورقة ضعيفة ليزبرها حقاً فتطلست الأحرف وتطمست وبطل ما زبره أو بعضه فليس على الكاتب ضمان ما بطل وإن
أمره أن يأتي بأحسن منها فحسن بلا إلزام.
مسألة
[ صيغ من الكتابة ]
وإذا كتب الكاتب حقاً لجماعة كتب أن عليه لفلان وفلان وإن كتب لفلان ولفلان بإثبات اللام بعد واو العطف جاز وكله سيان.
مسألة
[ صيغ من الكتابة ] (11/95)
صفحة 1614
وإذا أراد إعادة اسم الموصي أو المقر كتب أو أقر أو أوصى فلان هذا وإن
كتب أقر بلا واو جاز أيضاً وكذلك الإقرار بعد الوصية والوصية بعد
الإقرار وإن نسقه على الأول جاز.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
ومن أراد أن يكتب لورثة ميت من ضمان من قبل ما أوصى به لهم فلان كتب وكذا كذا لارية فضة لورثة الهالك فلان بينهم على قدر ميراثهم من الهالك فلا ضمان عليه لهم من قبل وصية الهالك فلان وأوصى بقضاء هذا
الحق من ماله بعد موته.
مسألة
[ من صيغ الوصايا ]
ومن جعل وصياً له بعد نزعه وجعل له أجراً حده على ما جعله فيه وصياًً وأراد أن يشرك معه غيره كتب وقد جعل فلان فلاناً وصيته بعد موته في
قضاء دينه وإنفاذ وصاياه من ماله وقد جعل لهما كذا من الأجرة ولم يرجع
عن الأجرة الأولى فيعجبني أن يبطل الأولى وتثبت الآخرة الثابتة للموصين
على الأصح.
مسألة
[ من صيغ عقود البيع والشراء ]
وإذا باع أحد باسقات نخل واستثنى باسقة فاللفظ بأنه قد باع لفلان ماله
المسمى كذا من قرية كذا تمام اللفظ سوى النخلة الفلانية من هذا المال
بحدوده وحقوقه وسواقيه وبشربها من مائه نهر كذا أو من بئر هذا المال
وإذا كتب نخلة لأنواع البر فعليه أن يأتي بجميع ما يستحقه هذه النخلة من
جميع الحقوق جاز وثبت.
مسألة
[ أثر اللحن في الكتابة ]
وإذا أتى الكاتب من لا يفصح بالكلام العربي كالقن والعجم وأراد أن يقرئ بشيء فيعجبني للكاتب ألا يلج إلا في الكلام الصحيح المليح.
مسألة
[ من صيغ الكتابة ]
ولا يكتب الكاتب لفظة التي للذكر والذي للمؤنث لغيره ذلك أن
يكتب بدابته الذي أو سيفه التي فهذا لفظ مزحل مضمحل لا يثبت ويجوز للكاتب أن يكتب بيعاً لمن لا يملك أمره كذي المس أو العته أو المسجد أو
لغير من ذكرنا واللفظ كسائر الكتابة على الغير من الناس.
مسألة
[ كتابة المهر ] (11/96)
صفحة 1615
ومن أراد أن يزبر لعرس بشبله مهرها أقر فلان أن عليه لزوجته ابنة فلان كذا لارية فضة من مهرها العاجل الذي نكحها عليه ابنه فلان هذا ويكتب التصديق لأنه من المهر المعجل.
مسألة
[ من صيغ الكتابة لأصحاب الحرف ]
وإذا كتب الكاتب على أحد من أهل الحرف كمن كان أبوه دلالاً أو حاكياً فإن كان أبوه ميتاً كتب الذي أبوه دلالاً ولا يكتب فلان بن فلان الدلال إذا لم يكن الولد دلالاً وإذا كتب على أحد من ذرية من يمسى البلج والأرقم كتب الذي هو من أولاد البلج والأرقم أو من أولاد أبي حمد.
مسألة
[ من صيغ الكتابة ]
والذي اسمه أحمد فإنه يكتب بألف قبل الحاء وإذا كتب بغير ألف فلا يتعرى من الجواز ومن وافى كاتباً بورقة قد كتب له فيها حقاً فأراد أن يحيل الحق فإذا عرفه وعرف الحق الذي في الورقة وأنه هو المكتوب له الحق جاز
أن يحيلها إذا حل الحق وقيل: حلوله إلى الثقة العدل جائز.
مسألة
[ أثر عدم ذكر الساعات والتاريخ ]
ولا يحتاج الكاتب إلى إيضاح الساعات في التاريخ وإن أوضحها
فأحسن. وإذا كان الشيء له اسمين كتبه بما تسميه أكثر تسميته.
مسألة
[ من صور الكتابة ]
وإذا شهد شاهد بنسب أحد فكتب عليه الكاتب حقاً وأراد المشهود عليه
أن يكتب للشاهد عليه حقاً أو لشبله أو يجعله وصيه ويكتب له الأجرة فلا يجوز أن يكتب للشاهد ولا ابنه وقت الشهادة.
مسألة
[ صور من الوصية ]
ومن له أولاد ذكور وإناث أعطى بعضهم شيئاً في حياته وأوصى للآخر من بعد نزعه من ضمان عليه لهم بقدر ما أعطى إخوتهم في حياته
كإخوتهم وإذا وافى الكاتب أحداً وأراد أن تقر بماله الفلاني لولده فلان
عوض ما أعطى إخوته ولم يعلم الكاتب أنه أعطى إخوته شيئاً أم لا فإن استراب قلب الكاتب فالسلامة أسلم وإلا فلا بأس على الكاتب إن كتب
عليه وأمره إلى الله.
مسألة
[ من صور الكتابة ]
وإذا أقر أخو السجين بحق فإقراره هدب وهو إذا أقر فيما سجن عليه (11/97)
صفحة 1616
وإن أقر فيما غير ما سجن عليه أخذ بما أقر ولا ضمان على الكاتب إذا كتب عليه ما أقر به وإن أطمس الكاتب شيئاً مما كتبه على من أقر عنده فإن كتب هذه التطميسة وكتبه فلان بيده وإن كتبه في الحاشية أو بين الأسطر جاز.
مسألة
[ من صيغ الكتابة ]
وإذا كتب جماعة المؤنث فإن كتب بعد أن يستحق العتق لأن نون
جماعة المؤنث يجوز حذفه على حال وأما في السواقي إذا لم تعرف ولم
تضف إلى شيء فإنها تكتب بقاف غير باء هكذا وساق وأما أثري ماء
فيفتح الثاء.
مسألة
[ وصف الجماد ]
ويجوز أن يوصف مالا يعقل بالتذكير والتأنيث وإن كتب لمسجدين
عالي وأسفل أو مالين فإنه يكتب المال العالي للمسجد العالي وللمسجد
السافل والأسفل بلا مين من محلة كذا من قرية كذا بألف ولام وعلى
الكاتب أن يلفظ الصاح الثابت ويكتب في أول السطر بسم الله الرحمن
الرحيم للبركة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بسم الله فهو
أجذم»(1) أي مقطوع الرأس وإذا كتب مائة لارية فضة فالأصح أن يكتبها هكذا مائة ويكتب الهمزة على الألف والياء.
مسألة
[ لفظ الرجوع عن الوكالة ]
لفظ رجوع عن الوكالة: أقر فلان ابن فلان فإنه قد رجع عن توكيله لفلان ابن فلان في جميع الأشياء كلها ويؤرخ وأما كتابة مائتي لارية فإنها تكتب مائتي على الأصح وإن كتب مائتي فلا يخرج من لغة العرب وإن
كتب شهر جمادى الأولى والأخرى جاز ويجوز شهر جمادى الآخرة هذا
ورد في لغة العرب ومن أراد أن يكتب له الكاتب أنه قد استوفى من حقه المكتوب له هنا على فلان جاز وبين لفظ قبض أو استوفى منه كذا كذا
محمدية فضة كله جائز.
مسألة
[ صور من الإقرار ]
لفظ نفقة: أقر فلان ابن فلان بأن عليه لزوجته فلانة نفقة ولدها فلان
__________
(1) 1- الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير 2/322. قال أخرجه ابن ماجة
والبيهقي عن أبي هريرة، وأيضاً عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة. (11/98)
صفحة 1617
إلى مدة كذا وذلك من صداقها العاجل الذي تزوجها عليه إقراراً منه لها
بذلك بتاريخ كذا.
مسألة
[ من صور الإقرار ]
لفظ إقرار بالإماء أقر فلان ابن فلان بأن عليه لزوجته فلانة أمتين بنسبها إلى مدة كذا وقد جعلها مصدقة عليه في تبعيتها حياً وميتاً بتاريخ كذا.
مسألة
[ لفظ الوكالة في النكاح ]
لفظ وكالة في النكاح: أقر فلان ابن فلان بأنه قد أقام فلاناً في نكاح
ابنته أو من يلي تزويجه من النساء بمن تشاء من الرجال الأكفاء وبما
يتفقان عليه من الصداق الجائز وجعل له أن يأمر من يزوجها من الرجال
إذا لم يحسن اللفظ إقامة في ذلك أقامه مقامه وأنزله منزلته بوكالة
صحيحة شرعية.
مسألة
[ لمن كتابة الصكوك ]
عن الشيخ الفقيه سعيد بن مبارك الكندي: أما كتابة الحجر فللحاكم
وأما غيره فيعجبني أن يناظر الإمام سيدنا في ذلك إن أراد زيادة المحنة لنفسه وإلا فالسعيد لمن اكتفى بغيره ولو في إنفاذ حق.
مسألة
[ الإقرار بالعوض ]
لفظ إقرار بالعوض أقر فلان ابن فلان بأن عليه لفلان كذا إلى مدة كذا وأقر فلان هذا أن هذا الحق المكتوب عليه هنا لفلان من ثمن ما اشتراه منه أو عن عوض أخذه منه وأنه على أداء هذا الحق بعض انقضاء المدة (...)(1) هنا ويجوز التصديق.
مسألة
[ الإقرار في تخطيف السواقي ]
لفظ من رام تخطيف ساقية في ماله أقر فلان لفلان بساقية نهر أو زجر في ماله المسمى كذا من قرية كذا ليمر فيها الماء إلى مال فلان وهو ماله المسمى
كذا إلى مال فلان وهو ماله المسمى كذا من قرية كذا بحق له عليه إقراراًَ
منه له بذلك.
مسألة
[ لفظ الاستحقاق ]
لفظ ضمان أقر فلان أنه إن استحق ورثة أبيه فلان على فلان حقاً وهو كذا فما دونه من قبل أبيه هذا فقد ضمن لهم بمثل ذلك ضماناً لازماً عليه
لهم حياً وميتاً.
مسألة
[ مسألة في الشفعة ]
لفظ وكالة في الشفعة قد أقام فلان فلاناً وكيلاً له في أخذ شفعته من
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: المدة المحددة. (11/99)
صفحة 1618
جميع ما يجب عليه له منه الشفعة من جميع الناس ومن جميع ما يجب له
فيه الشفعة من جميع الأشياء ومن جميع المشتركات من الحقائق والمصارف
في إحضار الثمن من ماله أو غيره في ثلاثة أيام من حيث ما أخذ له الشفعة
أقام في ذلك مقامه وأنزله منزلته بوكالة صحيحة ثابتة شرعية.
مسألة
[ أثر سهو الكاتب ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة: إذا سهي الكاتب وزبر سوى
ما أملى عليه القاري فيعجبني أن يتخلص مما صنيعه من القرطاسة لأن الغلط
في الأموال مضمون وإذا أبرأه رب القرطاسة بري.
مسألة
[ كتابة في المعاملات ]
وإذا شهر للكاتب أن أكثر المعاملات البشر فيما ظهر وانتشر أنهم
يدخلون في شروطهم لبيع الخيار الربا فهل يحل له الوقوف عن الكتابة
بينهم فالكاتب ما يلزمه إلا ما صح باطله من الشروط ألفا سدة التي توجب الربا أو يجوز له أن يقف عما استراب حتى يتضح له الصواب.
مسألة
[ صيغ من الإقرارات ]
وإذا رام الكاتب اللفظ على القارئ له كذا أقررت يا فلان أم يقول أءقررت يا فلان فكل هذا جائز وثابت وإن لم يسم باسمه إذ هو يخاطبه كمن
خاطب عرسه بالطلاق فقال لها أنت طالق طلقت ولو يسم باسمها.
مسألة
[ أثر الغلط في الكتابة ]
وقيل: إن الكاتب إذا غلط في كتابته فلا ضمان عليه في القرطاسة ولأن الإنسان موكل به النسيان ولا يكاد يحترز منه فسبحان من لا تدركه
الصفات ولا تغيره الأوقات.
مسألة
[ أثر الكتابة بعد إتمام الصك ]
وإذا كتب الكاتب عند إتمام الصك وكتبه وصح معه الفقير إلى الله
تعالى هل يجوز ذلك خرج من قبل القرطاسة إذا الحق قد ثبت بغير هذا فلا بأس على الكاتب لأن هذا جرت به العادة.
مسألة
[ إجراء الأنهر ]
وإذا كان النهر لا شبهة فيه إلا أنه أجري تحت طريق أو تحت نهر غيره إذا
لم يكتب بحدودة مطرقة وحريمه وإنما كتب (...)(1) الفلاني فلا بأس على الكاتب أن يكتب في مثل هذا النهر ولا حرج.
مسألة
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: إنما كتب الكاتب الفلاني. (11/100)
صفحة 1619
[ أثر الاشتباه على الكاتب ]
وإذا أشبهه على الكاتب أمر نهر أو مال ورأى فيه ورقة بخط كاتب المسلمين فكتابة كتاب المسلمين حجة وجائز للكاتب التأسي ممن هو حجة
في الكتابة وغيرها حتى يتضح له الباطل ويستنير له العاطل.
مسألة
[ كتابة الوصية ]
وإن جعل وصيه اثنين فجائز أن يكتب على رأي وصيه وإن كتب
وصيه بباء واحدة وإن كتب على رأي من ينفذه وصيته جاز وإن كتب على رأي من جعله وصيّاً جاز وكذلك إن جعل وصيّه رجلاً وامرأة.
مسألة
[ حكم استمرارية الولاية ]
ومن جعل الإمام أو القاضي كاتباً ثم مات من جعله فقال بعض المسلمين لا يجوز له أن يكاتب بين أحد حتى يتمم له ذلك غيره ممن يجوز إتمامه
وقول: يجوز له ذلك ما لم يحجر عليه والأول أصح.
مسألة
[ أثر الغلط في التاريخ ]
وإذا غلط الكاتب في تاريخ الصك فإن قدر على إصلاحه أصلحه وإن تعذر عليه حصول الصك فلا يلزمه شيء.
مسألة
[ صيغ من الكتابة ]
وإذا كتب الكاتب ما يكتب بالظاء بالضاد أو بالعكس فلا يبطل الحق
بمثل هذا وما أشتبه أنه يكتب بالظاء أم بالضاد فإنه يكتبه بالضاد.
مسألة
[ عدم اتساع الورقة للكتابة ]
وإذا جيء للكاتب بقرطاسة صغيرة أو خلقة ضعيفة فكتب فيها فلم تسع فإذا أذن له ربها بالكتابة فيها فلا ضمان عليه.
مسألة
[ أثر الخطأ في الكتابة ]
وإذا كتب الكاتب أقر فلان لفلان بنخلتي برشي من ماله ولم يأت بياء الإضافة أو كتب شهرين زمان ولم يكتب شهري زمان أما كتابة النخلتين
فإنه يكتبها بالإضافة وهو الأصح وإن كتبها بالنون فلا يعدم من الجواز وأما كتابة الشهرين فلا تبطل الحق بغير الإضافة.
مسألة
[ نوع من الكتابة ]
وإذا كتب وبكذا كذا نخلة من خيار ماله تثبت وأما الشيخ فلا يعجبه ذلك.
مسألة
[ نوع من الكتابة ]
وإذا كان للكاتب حق على أحد جاز له أن يكتب على من عليه الحق الحق لغيره من الناس كوكيل أو ذي قرابة والصدقات المؤجلة لا يكتب لها تصديق.
مسألة
[ تقديم النصيحة ] (11/101)
صفحة 1620
وجائز للكاتب أن يزبر على ذي الوصب إذا لم يتغير عقله ولو لم يقدر على القيام إلا بممسك وإذا أراد الموصي أن يجعل وصيّه غير ثقة هل على
الكاتب إعلامه أن غير الثقة لا يجوز للوصاية فنعم يستحب له ذلك وإن لم
يقل له فلا بأس عليه.
مسألة
[ عرض الكتاب على من يعلم ]
وإذا كان الكاتب قليل العلم فإنه يكتب في آخر الوصية ولا يؤخذ بما كتبته هو حتى يعرض على المسلمين ويصح عدله وصوابه.
مسألة
[ الوصية وكتابتها ]
وإذا صحت وصاية الهالك مع الكاتب ثم رام من الورثة بيع حقه من مال الهالك فما لم يصح مع الكاتب أن الوصية لم تنفذ (...)(1) فلا يضيق عليه.
مسألة
[ صيغ من الإملاء للكاتب ]
ومن قال للكاتب: اكتب علي كذا كذا لارية ولم يقل فضة فجائز للكاتب أن يكتب عليه فضة ويلفظ عليه بذلك.
وإذا رام الوثني كتابة حق ولم يجد بينة تشهد له حقيقة جازت شهادة أرباب الصلب له من أهل دينه وجائز للكاتب أن يكتب عليه على الاطمئنانة.
مسألة
[ صيغة من صيغ الشراء ]
وإذا كتب يمنين سليط ومكوكين حرض وجرابين تمر وبلارتين فضة ولم يسقط نون البتية للإضافة وبخمس عشرة لارية فضة للكذا يشترى بهن فهذا
ثابت ويشترى بها أحسن وثبت وأما بقية اللفظ ففي ذلك اختلاف قول تثبت وقول لا يثبت.
مسألة
[ أثر كتاب الصك بعد مدة ]
أما إذا مات سيد ذي رق فجاء بعد مدة يريد أن يكتب حقاً فشهدت عليه البنية أنه فلان من غير صحة فلا يضيق عليه ذلك.
مسألة
[ الوصية للمسجد ]
ومن أوصى لمسجد كذا أو المسجد كذا وقال في آخر اللفظ من قرية كذا أو لم ينسب للقرية كل مسجد على حدة فهذا ثابت وجائز إن شاء الله.
مسألة
[ وكالة الولي في التزويج ]
وإذا أتى الكاتب رجل يريد ليكتب صك وكالة في نكاح بضة يلي نكاحها فادعى أنها ابنته أو أمه أو أخته جاز أن يكتب عليه ولو لم تحضر
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: غير معروفة، ولكن المعنى بدونها سليم (من قبل الورثة). (11/102)
صفحة 1621
المرأة ولم يصح عنده النسب وأما غير هؤلاء فحتى يصح أنها ابنته
نسبها منه.
مسألة
[ صيغ من الإقرار ]
عن الشيخ سليمان بن مداد: إذا أقر عمرو لزيد أو خالداً بحق بألف قبل واو خالد فقال بعض: إن الإقرار لخالد هدر إذا أتى بلفظة شك وأثبت الحق آخرون ولم يجعل أو هنا للشك لقوله تعالى: { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } (1) والله تعالى منفي عن الشك وإنما معناه ويزيدون.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
وإذا وجد منسوقاً على أثر وصية ثابتة ولفلان بكذا لارية فضة فهذه
وصية ثابتة من ثلث مال الهالك.
مسألة
[ رأي بعض العلماء في الكتابة ]
وإذا كتب الكاتب لفظة يقتضى به السنة بألف مكان ياء يقتفي ويشتري فمثل هذا ثابت ولا يبطل الحق به وهو رأي الشيخ الفقيه ناصر بن خميس
بن علي عن الشيخ عامر بن محمد بن مسعود: وإذا أبدل الكاتب مكان
الضاد ظاء أو عكس فإذا لم يلتبس على الحاكم معرفة المكتوب فلا بأس وإن التبس فلم يعرف فعسى أن يبطل.
مسألة
[ من صيغ الوقف ]
ومن أوصى بغلة نخلة لفطرة شهر رمضان أيكتب وقفاً مؤبداً أم مؤبدة
فإنه يكتب وقفاً مؤبداً لأن المراد بالتأكيد الوقف لا النخلة.
مسألة
[ من صيغ التأجير ]
وإذا كتبة أقر فلان أن يجري ذرة ولم يكتب حب ذرة فهذا ثابت لأن
هذا من تعارف الناس في لغتهم والحلا ما يتحلى به كاللحم والحوت وما أشبهه والإدام ما يتأدم ويسبغ كالخل ونحوه لفظ من أراد أن يؤجر نفسه في شحب نهر سنة في كل شهر مرتين أقر فلان بأنه قد أجر نفسه برهة على
أن يزيح من النهر الفلاني الكيس في كل شهر مرتين سنة زمان بكذا.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
وإذا كتب الكاتب شيئاً لا يثبت في الأحكام سهواً كالوصية للوارث فإن أدرك المكتوب عليه أخبره وأصلح اللفظ وإن لم يدركه فلان عليه وإذا
كتب الكاتب مائة لارية فضة مؤجلة عليه له جاز وإن كتب مؤجلاً له عليه هذا الحق فسيان.
مسألة
__________
(1) 1- سورة الصافات آية 147. (11/103)
صفحة 1622
[ رأي الشيخ ناصر بن سليمان في صكوك الثقافات ]
عن الشيخ ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد: إن الصكوك في إثباتها اختلاف والأصح أن صكوك الثقات ثابتة معمول بها وقد كشف الله بها
عن المسلمين الكربة ولولا ذلك لذهبت حقوق وتعطلت فروض.
مسألة
[ قول الشيخ ناصر بن خميس بن علي في عادات أهل أذكي ونزوى ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: إن المناذرة أهل أزكى(1) يزبرون بالذال وأما أهل فلوج من نزوى(2) فإنهم يكتبون بالظاء ويجوز للكاتب أن يكتب إقرار بحق في نصف الدابة والعبد ويثبت ذلك وأما البيع فالوقوف
عنه أسلم وتقديم الحق على البيع وبالعكس سيان غير أنا إذا قدمنا البيع على الحق استأذن رب الحق أن تكتب البراءة للمشتري ولا يجوز للأب أن يشهد على من يكتب حقاً لابنه على الأصح وفيه اختلاف وإن كتب بما في هذا
المبيع من حقوق أو المباع فكله جائز.
مسألة
[ من صيغ بيع الأصول خياراً ]
ومن رام بيع أصل مال مباع بالخيار زبره أقر فلان بأنه قد باع لفلان
أصل ماله المسمى كذا من نهر كذا من قرية كذا إتمام اللفظ ولا يصح بيع القطع فيما بيع خياراً إلا برأي من له الخيار فيه إذا كان ممن يجوز رضاه
على الأصح.
مسألة
[ من صيغ الوصايا ]
__________
(1) 1- أزكى: ناحية من نواحي عُمان تحيط بها من الشمال ولاية سمائل، ومن الجنوب
ولايتا أدم ومنح، ومن الشرق ولاية المضيبي، ومن الغرب ولاية نزوى، فهذا الموقع
المتميز جعلها ملتقى للطرق البرية بالسلطنة تبلغ مساحتها (2500 كم مربع) وعدد
سكانها 130 ألف نسمة.تبعد عن مسقط 140كم، تشتهر بأنها أقدم المدن العمانية،
يوجد بها عدد من القلاع والحصون والأبراج التاريخية، ويقال بها 142 برجاً
تاريخياً انظر سلطنة عمان ومسيرة الخير - المنطقة الداخلية.
(2) 2- نزوى: من أشهر المدن العُمانية وهي ذات تاريخ عريق وهي بيضة الإسلام في كثير
من عصور الأئمة ومنها تخرج كثير من فطاحل العلماء. وهي في داخل عمان. (11/104)
صفحة 1623
وإذا كتب أوصى فلان بأن أوان عبده حر بعد موته فإنه يخرج مخرج التدبير وإذا كتب فلان لفلان كذا من الثمن أو قيمته كذا أو عوض كذا
ولم يكتب أخذه منه فهذا يخرج مخرج العوض وإذا كان اسم الرجل الحر
العبد فإنه يلقط عليه كذا أقررت بالعبد أو يا أيها العبد أو أيها العبد وأيها الرجل كله جائز.
مسألة
[ إقرارات البيع ]
وإذا كتب أقر فلان أنه قد باع لفلان نصف أثر وأثر ماء تمام اللفظ فلا يعدم هذا من الاختلاف في إثبات الحق وإبطاله والأصح أن يكتب نصف
أثار ماء وإن كتب بكذا لإصلاح الساقية الفلانية جاز وكذا الأجالة كدي
ولم يكتب للأجالة ألفاً قبل أجل ففي ثبوته اختلاف والأصح الإثبات.
مسألة
[ من ألفاظ الوكالة ]
وإذا كتب بكذا كذا لارية فضة لفلان على فلان وقد جعله وصيه
ووكيله ولم يذكر الحياة ولا الموت فهذا لفظ مختلف فيه يثبت الوكالة في
الحياة والوصية بعد الموت وقول: لا حتى يقول وكيله في حياته ووصيه
بعد مماته.
مسألة
[ من صيغ الإقرارات ]
وإذا كتب وقد جعل فلان فلاناً وكيله ووصيه ولم يذكر الحياة والموت ولا استيفاء حقه من ماله فلا يعتري من الاختلاف في استيفاء الحق ومن
لزمته تبعة من غلة مال مسجد فليكتب: أقر فلان بأن عليه المسجد(1) كذا
كذا وكذا مما عليه من غلة ماله المسمى كذا تنفذ في غلة مال هذا المسجد.
مسألة
[ من صيغ الوصايا ]
وإذا وجد في وصية الهالك على نسق غيره ولزوجته فلانة بنت فلا بمثل نفقتها من ماله بعد موته من ضمان عليه لها ولم يكتب ما دامت حية ولا ما دامت في عدة التربص منه فإن أخذت نفقة يوم فقط فذلك رأي لبعض الفقهاء.
مسألة
[ نوع من كتابة الشهادة ]
ومن عرف رجلاً بقوله واطمأن قلبه بصدقه وانزاح الريب عن لبّه جاز
أن يشهد عليه على قول إن عرف الأحكام الاطمئنانة ولا يجوز الكتابة لمن شهدت له بنسب من يكتب حقاً في ذلك الحين ولم يتضح لنا العلة المانعة
__________
(1) 1- الأصح: بأن عليه للمسجد. (11/105)
صفحة 1624
من ذلك وقد شاهدنا بعض الكتاب يكتب ذلك.
مسألة
[ نوع من الإخبار بنقص العقل ]
وإذا أخبر أحد الكاتب أن فلاناً ناقص العقل واطمأن قلبه بتصديقه ورام الشهود عليه رقم حق عند هذا الكاتب فإذا شك في إتمام عقله يقول من
أخبره وترك الكتابة عليه فلا يضيق عليه وإن كتب وقد أرهن عليه ماله
الفلاني بإثبات الألف قبل الراء وحذفها.
مسألة
[ صيغ الجموع ]
وجميع ما يعقل فإنه يشاور عليه بالذين وهؤلاء وأما ما لا يعقل فإنه
يجمع علي بالذي والتي واللاتي وهي وهن.
لفظ كتابة السكن أقر فلان أن عليه لزوجته فلانة سكناها في موضع كذا ليس عليها اتباعه إلى غيره إلا برضاها ما دامت عنده في حكم الزوجية
وذلك من مهرها الذي نكحها عليه.
مسألة
[ كتابة إضافة الأثر إلى الماء ]
وإذا كتب الكاتب: وقد باع فلان لفلان اثني عشرة أثر ماء من مائة بإضافة الأثر إلى الماء أم يكتب بعد الراء الفاء وينصب كلمة ماء يجوز فيه
الحال والأصح الإضافة ومن جعله صفة فلا يبعد من الجواز.
مسألة
[ الشراء من الصك ]
وإذا سيح الكاتب نهراً على موات من الدقعاء وكتب فيه بخطه ولم
يناظر فيه المسلمين وإلا أراهم الصك يجوز الشراء منه كان له فيه شركاء أو
لم يكن فمن علم أصل حال النهر جاز له الشراء منه.
مسألة
[ حجة الكتابة ]
ولا حجة في كتابة الكاتب إذا كان له فيه حصة لمن لم يعلم فيه كعلمه ومما ينبغي أن يتقدمه غيره بالكتابة فيه.
مسألة
[ صيغ من الكتابة ]
وإذا تأجلت الغيداء في تسليم حق أيكون بإثبات النون من توفي أم
يحذفها فإنها تكتب بالياء المخففة غير المفتوحة.
مسألة
[ أثر غياب من عليه الحق ]
وإذا نظر الكاتب على أحد بإقرار بحق أو وكالة فغاب من عليه الحق فللكاتب أن يكتب عليه كما لفظ إذا قبل الوكيل الوكالة ولو لم يكن
حاضراً عند الكتابة.
مسألة
[ وكالة استقباض ]
لفظ وكالة استقباض: قد أقام فلان فلاناً وكيلاً له في قبض كذا من (11/106)
صفحة 1625
أجرته من بيت المال كذا فهذا اللفظ له قبض ما جعل له أن يقبضه.
وإذا شهد عند الكاتب رجل أو امرأة بنسب أحد وهو يطمئن بقوله إلا أنه غير ثقة فلا تخلو إجازة ذلك من قول بعض الفقهاء.
مسألة
[ إقرار المملوك ]
وإذا لزمت المملوك تبعة فأراد أن يقر بها أو يوصي بها جاز للكاتب أن يقبض منه القرطاسة ويكتب عليه ويردها عليه ولو بغير رأي سيده على قول بعض الفقهاء لعله يعتق ويتخلص مما لزمه.
قال الشيخ عبد الله بن مبارك الربحي: إن هلا(1) بضم الياء ولام ألف
ممدود ولم يعجبه أن يؤرخ الصكوك بالمتزبي لأن الحكم إذا غرب عليه علم احتاج إلى شهادة عدلين بمعرفته.
مسألة
[ كتابة الحجر ]
ويكتب في الحجر ليس له في نشبه تصرف لا تصرف لأنه مصدر
صرف.
ومن لا يعرف نفسه أنه من أي قبيلة وأخبره أناس أنه منهم هل للكاتب أن يكتب عليه وينسبه فإذا عرفه بوجه حق من خبر مخبر ينشرح به صدره إشهادة عدلين أو اطمئنانة بشهادة شهرة لا شك فيها وسعه ذلك.
مسألة
[ من الإقرارات ]
وإذا كتب: أقر لفلان عشرين لارية فضة فهذا لا يثبت إذ هو لفظ
مرجل ولا يثبت ما عطف عليه وإذا كتب لثلاثة مساجد وكتب الذي
وهي التي مؤخر جاز كله قول والأحسن أن يكتب اللاتي إذا كتب أن
عليه لزيد عشرين لارية فضة وإن عليه لعمر خمسين لارية فضة فما كتب
لزيد ثابت وما كتب لعمرو وفيه اختلاف قول يثبت وقول لا يثبت.
مسألة
[ نوع من الصيغ ]
ومن أراد أن ينسق شيئاً على إقرار أو وصية كتب وبكذا من ماله بعد موته على سنة إنفاذ غلة المال الفلاني من سقي نهر كذا من قرية كذا وهو
المال المعروف للمسجد الفلاني الذي بمحلة كذا من قرية كذا من ضمان
لزمه منه غلة هذا المال.
مسألة
[ نوع من الوصايا والإقرار ]
ومن لزمه ضمان من مال مسجد لا من غلة (...)(2) وبمحمدية فضة
__________
(1) 1- الأصح والله أعلم: بهلا، وليس هلا أو يهلا.
(2) 1- طمس في الأصل ولعلها: لا من غلة كتبها وبمحمدية. (11/107)
صفحة 1626
تنفذ من ماله بعد موته في إصلاح مسجد الفلاني من القرية الفلانية من
المال المسمى كذا من سقى نهر كذا من ضمان لزمه منه وإذا أوصى الموصي بكذا كذا لارية محمدية فضة ولم يوص بها لشيء ولا لأحد فإنها باطلة
وباطل أيضاً ما نسق عليها من إقرار أو وصية.
مسألة
[ أهمية معرفة الوكيل ]
وليس على الكاتب معرفة من يكون وكيل في نكاح من يلي نكاحه من النساء ولا معرفة المرأة التي يزوجها الوكيل ولا معرفة المتزوج وإنما عليه
معرفة من يكتب له الوكالة وإذا كتب في أول الوصية أوصى زيد بجميع ما يحتاج إليه من ماله بعد موته من جميع جهاز المتوتى إلى أن يواري في قبره فيدخل في هذا جميع ما يحتاج له الميت حتى يضرح في قبره.
مسألة
[ من صيغ الوكالة والوصية ]
وإذا كتب وقد جعله وكيل في حياته ووصيه بعد موته ولم يزد على ذلك كفى في الحالين معاً رأى الشيخ ناصر بن خميس وإن كتب وقد جعله
مصدقاً عليه في تبقية هذا الحق المزبور هنا ولم يكتب في حياته وبعد موته
فإنه يحكم في الحياة وبعد الموت على الأصح وإذا مات من له الحق ومن
عليه بعد حلوله بطل على الأصح وأما إن ماتا قبل حلوله ففيه اختلاف.
النهج الثالث و الثلاثون
في الحقوق و الوكالة
و أحكامها
النهج الثالث والثلاثون
في الحقوق و الوكالة(1) و أحكامها
مسألة
[ استلحاق الأخ لأخيه ]
__________
(1) 1- الوكالة لغة: تلفظ بالفتح والكسر، وهي من التوكيل كما في الصحاح وهي مصدر
وكل يكيل، فهو وكيل فعيل بمعنى مفعول لأنه موكول إليه الأمر، وتأتي بمعنى
الحفظ، ومنه قوله تعالى: { حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } آل عمران 173، ومنها
{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم } هود آية 56.
اصطلاحاً: عند الحنفية: تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل، وعند المالكية نيابة ذي حق
غير ذي إمرة وعبادة لغيره فيه غير مشروطة بموته. انظر المعاملات المالية باب الوكالة للمحقق. (11/108)
صفحة 1627
ومن له نشب يحوزه منذ بره فنازعه فيه مدع وادعى أنه أخوه وشهد آخرون أنه أخوه من زنا فهذه شهادة مردودة إلا أن يصح أن أب هذا المدعي تزوج أمه فولدت هذا وهي في حباله وإن أراد يمينه فله اليمين في الميراث
ولا يمين في النسب على الأصح.
مسألة
[ أثر شهادة الشهرة في الحوز ]
ومن كان يحوز مالاً فنازعه فيه منازع فالحوز حجة وعلى المدعي البينة على ما يدعي إذا صح حوزه وشهادة الشهرة مقبولة في الحوز.
مسألة
[ اختلاف الراهن والمرتهن ]
عن الشيخ مسعود بن رمضان: ومن بيده مال يحوزه ويمنعه ويدعيه
رهناً ثم رام رب الأصل فك ماله ولم تكن للمشتري بينة في الثمن الذي
ارتهن به المال فتشاجرا فالقول في الثمن قول الراهن مع يمينه لأنه غارم
وعلى المرتهن الإلية.
مسألة
[ الاختلاف في الميراث ]
ومن مات عن أشبال ونسب فحاز بعض أشباله نشبه برهاً والأشبال في دار والنشب في سواها ناء عنهم ثم مات بعض أشباله عن ورثة فطلبوا مال أبيهم من ذلك النشب فأنكرهم الورثة فإذا صح القسم لما خلفه الهالك فلا حجة للمدعي وعليه البينة وإذا لم يصح القسم فعلى الحائز من الإخوة البينة بالقسم ولا تقبل إلا بالبينة العادلة أنها لم تجر في هذا المال قسمة وإن خلفه الهالك عليه ميراثاً.
مسألة
[ أثر حوز الشريك على شريكه ]
ومن له حصة في باسقة وقيعة فغاب من له الحصة وحاز حيناً بأكثر الباسقة وأكلها حتى مات وحازها وارثه فآب من غاب وقرب من ضرب وقدم من هرب وأقام البينة على ذنوبه وتمسك الوارثون بحوز أبيهم فإذا
صح سهم الضارب واتضحت دعوى الغائب واستنارت حجة الهارب فليس حوز الشريك حجة.
مسألة
[ نوع من ادعاء الملك ]
ومن حاز مالاً وادعاء ملكاً بحضرة المجبور عليه فلم ينكر وكان ممن
له الإنكار ثبت عليه حي أو مات إلا أن يصح بالبينة العادلة خلاف ما فاه
به الحائز.
مسألة
[ أثر الموت بعد الحوز ]
وإذا خلف على أخوة مالاً فحاز أحدهم وتصرف فيه ببيع أو إقرار أو (11/109)
صفحة 1628
غير ذلك ولم يصح من المجبون عليه إنكار ثبت عليه الحوز وإذا لم يدعيه الحائز ملكاً فحوز الشريك ليس بحجة ومن حاز مالاً وادعاه ومات فهو لورثته
ولو على شريكه.
مسألة
[ أثر الموت بعد التصرف بالمال ]
ومن حاز مال أبيه أو أمه فمات بعد أن تصرف في المال ببيع خيار أو رهن أو غير ذلك ثم طلب رب المال ماله وتمسك ورثته بحوز الابن والأبوان حاضران البلد ولم ينكرا فحوز الولد لمال والده ليس بحجة فإن أتلفه ببيع أو رهن أو غير ذلك مع علمهما أو يدعيه ملكاً ولم ينكرا ثبت عليهما وهما وغيرهما في الحكم سيان.
مسألة
[ أثر الحجة في إثبات الميراث ]
ومن مات عن ورثة وعقار فحاز أحدهما العقار ثم مات فتصرف فيه
وارثه ثم طلب من لم يحز حصته منه أو وارثه فإذا صح بالبينة العادلة
نصيب من لم يحز وإن لم يعلم بتصرف الحائز فله حصته وإلا فلا حجة
بعد موت الحائز.
مسألة
[ صور من المناسخة الحديثة ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن غسان: ومن سكن دار بعد موته ثم
مات الساكن أيضاً فطلب ورثة رب الدار الأول الدار فتمسك ورثة
الساكن بالحوز من هالكهم وشهدت البينة بالدار أنها للهالك الأول ولم
يعلموا أنها خرجت منه بوجه فحوز الآخر حجة المسألة المتقدمة موجودة
في الجامع وفي جزء الدعاوي وإذا أحد ادعى دار هالك ورثته حاضرون
ولم ينكروا وليس الساكن وارثاً فالدار لورثة الثاني إلا أن تصح بالبينة العادلة
أن المال للهالك الأول ولم تخرج من يده إلى أن مات وتركها ميراثاً لورثة
فلان وفلان فحينئذ يكون فيها الاختلاف.
مسألة
[ أثر عدم الحوز وثبوت العطاء ]
وإذا ادعى أحد الورثة أن أباهم أعطاهم مالاً وحازوه وأشهر الحوز إلا أن
العطاء لم يصح مع وجود أبيهم فإذا صح في حياة أبيهم وهم بالغون بائنون
عنه ثبت لهم الحوز وإلا فحوزهم هدر بعد موت أبيهم إلا بالبينة.
مسألة
[ صور من الميراث ] (11/110)
صفحة 1629
وإذا مات ميت وترك ورثة بالغاً ويتمً فادعى البالغ على أحد حقاً فأنكره فخلفه فلما بلغ اليتيم طلب حقه من هذا الرجل وحاكمه وصح عليه الحق
ببينة عادلة فإنه لا يحكم عليه إلا بنصيب من صح عليه البينة.
مسألة
[ أثر اليمين الفاجرة ]
وإذا ادعى أحد على أحد حقاً فأنكره فحلفه ثم أتى عليه ببينة فقيل: إن الحق يلزمه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة»(1) وقيل: لا
يلزمه حق وإنما يلزمه حق ومن لم يحلفه من الشركاء.
مسألة
[ أثر تعارض البينات ]
ومن ادعى شيئاً في يد غيره أنه له وأقام عليه البينة العادلة وأقام الآخر
البينة العادلة أنه له وشهدت كل بينة منهما بالشراء وإنفاذ الثمن ولم
توقب البينات أرأيت لو لم تكن لأحدهما بينة ولم يكن في يد أحدهما
فإذا كان في أحدهما فذوا اليد أولى به وقول : خصمه أولى به ممن بيده
والأول أصح.
مسألة
[ أثر اليمين على القضية ]
وإذا كان الشيء في المتداعبين معاً فبينهما نصفان إن أقاما كلاهما وإن أقسما قسم بينهما ومن نكل فلا شيء عليه له وإن لم يكن في أيديهما ولا لأحدهما وأقاما كلاهما البينة وزع بينهما نصفين ولهما على بعضهما
الأيمان إن لم يقيما بينة.
مسألة
[ أثر اختلاف الاخوة في المال ]
وإذا كان المال شركة بين أخوين وادعى أحدهما المال له وادعى الآخر أنه خلفه أبوهما ولم يجز فيه توزيع فإن كان في يد من يدعيه أنه له فعلى أخيه
البينة أنه بينهما وعلى الحائز يمين قطع وأنه في أيديهما معاً فقد أقر الآخر بالنصف فلما أخذ المنكر النصف فعليهما في النصف الآخر البينات فإن
أعجزا حلفا فإن حلفا قسم المال بينهما للمنكر ثلاثة أرباعه ولمدعي النصف ربعه وإن صح بالبينة العادلة أن المال مخلف والدهم ولم يجز في توزيع
وزع بينهم أنصاف وفيه اختلاف.
مسألة
[ أثر وجود أدوات الخفض ]
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص ومعنى الحديث صحيح لا غبار عليه. (11/111)
صفحة 1630
ومن نازع في دار ادعى أنه باعها من آخر وأجرها وجحد الآخر فالدار لمن هي بيده وعلى المدعي البينة وعلى المدعى عليه الإلية ومعنى من أي على لأن أدوات الخفض ينوب بعضها مناب بعض.
مسألة
[ أثر تبرئة الخصم على سقوط الدعوى ]
ومن ادعى على آخر مالاً في يده فبرء إليه منه سقطت بالخصومة بينهما فقد قيل عن أبي سعيد: إن هذا بمنزلة العطية والهبة فإذا وهبه سقطت
الخصومة وله الرجعة قبل الإقرار إذا صدرت من صحيح وأما من الموصوف
فلا يثبت التبري.
مسألة
[ أثر البراءة في الخصومة ]
عن أبي المؤثر: البراءة ترك وعطية ولا تثبت من ذي وصب. وقال الأزهر
بن محمد بن جعفر(1): إنه كالإقرار والأول أصح. ومن ادعى على آخر
مالاً بصفة فبري المدعى عليه من ذلك الذي وصفه خصمه سقطت
الخصومة عنه وإن وجد ما ادعاه في يده غيره عادت الخصومة إلى الثاني
والتبري هو أن يقول: قد أبرأت من هذا المال إلى فلان أو قال هذا المال
ليس لي وهو لفلان.
مسألة
[ أثر التبرء من مال الغائب ]
ومن تبرى من مال إلى صبي أو غائب أو معتوه أو من لا يملك أمره فإن الطالب لا يصل إلى هذا إلا ببينة عادلة فإن صح أقام الحاكم وكيلاً لمن تبري إليه من هذا المال وسمع البينة وحكم له بالمال واستثنى للغائب حجته ولذي
اليتم إذا أنس هذا إذا اتبري إلى معروف.
مسألة
[ التبري من شيء غير مسمى ]
ومن تبرى إلى أحد غير مسمى فلا يثبت ذلك وحكم المال له حتى يصح بالبينة العادلة قول المتبري وإن تبرى بحق فهو كالقضاء إن قبله المقضي
__________
(1) 1- الأزهر بن محمد بن جعفر: هو أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر من علماء
عُمان، قال في كشف الغمة ص293. ثم كان من هؤلاء الثلاثة أبو جابر محمد بن
جعفر، وأبو المؤثر، ونبهان بن عثمان مداد أهل نحلة الحق من أهل عمان على أبي
المنذر وأبي محمد بشير وعبد الله بن محمد بن محبوب -رحمه الله- وأبي علي
الأزهر بن محمد بن جعفر وأبي الحواري المعروف بالأعمى، كشف الغمة ص293. (11/112)
صفحة 1631
بحقه وإلا فلا.
مسألة
[ صور من اختلاف أصحاب الأنهار مع أصحاب الأرض ]
وإذا وجدت القيعة يترفق بها أرباب الدار لسبح أنهارهم وغير ذلك حتى
هلكت على ذلك أعين من أرباب الأرض والأنهار وبها باسقات نخل ثم
أنكر بعض الورثة وادعوا أنمى ينتفعون من الدقعاء هذه برأي أربابها فإن أقر
من ينتفع لأهل الأرض بالأرض أو صحت لهم بالبينة فالقول لرب الأرض
وإلا فلهم الترفق كما سبق ولهم نخلهم أعني أرباب الأرض.
مسألة
[ كيفية ثبوت الحقوق والحدود ]
ولا تقبل في الحقوق والحدود إلا بالبينة العادلة وهم ممن تجوز ولايتهم لمن شهدوا معه وأما في غير ذلك فتجوز شهادة الشهرة إذا اطمأن بها قلب
الحاكم في النكاح والموت والنسب والولاء والحوز وهو رأي الشيخين
سعيد بن عبد الله وعبد الله بن محمد بن غسان.
مسألة
[ حكم التصرف في القيعة ]
وإذا كانت الركية شركة لعدة نفر وهي في قيعة أحدهم وراموا بناء
نقص على شاطئها إذ هي ركية زجر فأبى عليهم شريكهم رب القيعة
وادعى أن ليس ذلك من سالف فلا يحكم ببناء طين على رب الأرض في
أرضه إلا أن تشهد البينة أن لها ذلك من قبل.
مسألة
[ الشهادة على الميراث والملكية ]
وإذا مات الميت عن زوجة وولد من سواها فادعت المرأة مالاً لزوجها
وتريد حقها منه فأنكرها الولد وادعى أنه ماله فشهدت شهرة الدار أن هذا المال يحوزه الهالك ويمنعه إلى أن مات وخلفه على زوجته وولده هذين وشهدت أيضاً شهرة بالمال للولد وإن أباهم أقر عندهم أن المال لولده هذا فهذه شهادة مردودة من الشهرة وأما على الحوز ففيها اختلاف.
مسألة
[ الشهادة على الميراث ]
ومن ادعى على أحد أنه حاز مالاً له فيه حصة من ميراث بعد أن هلك رب المال والحائز منكر ويدعي المال له فأحضره المدعي شهود شهرة أن المال خلفه الهالك فإذا عارضت شهود الشهرة مثلها فلا تصح الدعاوي إلا بالبينة العادلة.
مسألة
[ أثر شهادة الشهرة في إثبات الحقوق ] (11/113)
صفحة 1632
ومن ادعى على أحمد أنه أخذ عليه مالاً فيه حق من قبل إرث وأنكر المدعى عليه فشهدت الشهرة أن هذا المال خلفه فلان فهذه شهادة لا يحكم
بها ولا تقبل فيما يجوز ويمنع فإن صح بالبينة وإلا فبالإلية بمنشئ البينة.
مسألة
[ أثر الحوز والإقرار واليمين في إثبات الحقوق ]
ومن ادعى على أخيه أنه حاز عليه مالاً خلفه أبوهما لم يوزع فأنكر حوز المال وأقر بنخل معروفة لأبيه في هذا المال وشهدت الشهرة أن المال لأبيهما
وفي حوزه إلى أن مات فليس هذه الشهادة حجة وذوا اليد أولى بما في يده
ولا يلزمه إلا بما أقر به إلا أن يصح بالبينة العادلة وإلا فبينهما الأيمان.
مسألة
[ أثر العطية في الميراث ]
وإذا أعطى الأب ابنه البالغ مالاً فحازه فلما أن نزعه أعطى ابنه الآخر مالاً فحازه ثم مات الأب فغير الولد الكبير فيما أعطاه أخوه خير الولد الكبير بين
أن يتم العطية هو لأخيه أو يرد هو ما وزعاه معاً وأما الزوجة قول لها ثمن ما صار إليهما وقول: لا شيء لها.
مسألة
[ أمثلة من الحجر الصحي ]
ولا يجوز عزل المجدور وله أن يقيم بداره مع أهله ولا حجة في إزاحته وإبقائه من مستقر وعزله عن الناس والآفات تنْزل بقضاء وقدرة من الله وإنما أجازوا عن المجذوم لأن وصبه لا يبري والعياذ بالله من كل بلاء.
مسألة
[ اختلاف العم وابنة الأخ في الميراث ]
وإذا تداعيا عم وبنت أخيه في مال فالعم يدعيه لأخيه الهالك وبنت
الأخ تدعيه لأمها الهالكة فإن الحاكم يدعوهما بالبينة العادلة فمن شهدت له حكم له به ولكل منهما ميراثه منه.
مسألة
[ أثر اليتم في الادعاء ]
وإذا ادعى حقاً في مال في يد أيتام وادعى أن له فيه ميراثاً والمال خلفه
أبو الأيتام عليهم فهذا لا يحكم فيه إلا بالبينة العادلة ولا ينزع من يد
الأيتام إلا بذلك.
مسألة
[ أثر عودة الغائب على الحوز ]
وإذا ورث أخوان مالاً من أبيهما أو أمهما فضرب أحدهما مهمهاً (11/114)
صفحة 1633
وحاز بمال فحاز الحاضر المال فقدم الضارب وآب الغائب فادعى الحوز
أخوه للمال وشهدت له البينة بذلك فحوزه هدر إلا أن يأتي الحائز ببينة
عادلة تبطل عنه حجة أخيه من بيع أو إقرار أو قسمة وإلا فحصة الغائب
في المال ثابتة.
مسألة
[ ماهية الشهادة الجائزة ]
وإذا تداعيا خصمان في مال فدعيا بالبينة فشهد أحد الشهود أن هذا لمال نعرفه لفلان وقال الثاني: في يد فلان وقال الثالث: يحوزه فلان وقال
الرابع: هذا لفلان يأكله ويعمره فقد جاء الاختلاف في معنى الشهادة
واتفاقها فقول: إذا اتفق المعنى واختلف اللفظ فالشهادة جائزة وقول: حتى
يتفق اللفظ والمعنى.
مسألة
[ أثر ادعاء الحوز ]
وإذا ادعى على آخر أن المال الذي يحوزه هو لأبي وفي حوزه إلى أن
مات فأنكر دعواه وعجز المدعي البينة ونزلا إلى الأيمان فإنها تكون يمين قطع
لا علم.
مسألة
[ أثر اختلاف الزوج والزوجة في الحوز ]
وإذا تداعى الزوجان في مال كل يدعيه فإذا صح أن المال أصله للزوجة فهو لها ولا يضره حوزه له دونها وإن صح أن له فهو له ولا يضره حوزها
لماله إلا أن يصح انتقاله من ربه بوجه حق أو بينة أو إقرار وبينهما الأيمان.
مسألة
[ أثر الحوز على ادعاء الملك ]
ومن دخل في نشب ضارب على نية إصلاحه فحازه وتمسك بحوزه
وادعى الملك فلما قدم الضارب طلب حقه فأنكره فشهدت الشهرة أن هذه الأموال خلفها فلان على ورثته وهم هؤلاء طالبون فالأموال هي لمن في يده حتى يصح بالبينة العادل خلاف ما ادعوا.
مسألة
[ أثر الادعاء على الملك ]
وإذا ادعى أحد في مال أحد نخلاً محدودة أو قيعاً محدودة فأحضر على
ذلك شهود شهرة من أرباب الدار فشهدوا أن هذه النخلات لفلان هذا
خلفها عليه أبوه وأنكره الحائز فإن كان الشهود عدولاً جازت شهادتهم
وإلا فالمال لقابضه.
مسألة
[ قول الشيخ محمد بن عبد الله في الادعاء ] (11/115)
صفحة 1634
عن الشيخ محمد بن عبد الله: وإذا كان المال في حوزه أحد فادعاه آخر فهو للحائز إلا أن يصح بالبينة العادلة أن للمدعي فيه حقاً.
مسألة
[ الوكالة في الادعاء ]
وإذا ادعى أحد في مال امرأة حقاً فوكلت وكيلاً يخاصم لها فوجبت
على المدعي البينة فأعجزها ورام يمين المرأة فطلب الوكيل الرفعان إلى
القاضي هل يجاب إلى ذلك أم لا؟ فإذا رضي الخصم من خصمه باليمين
فلا رفعان عليه ويبعث الحاكم ثقة يحلفها في دارها إن كانت من أهل الستر فينقطع الحكم.
مسألة
[ الرجوع لليمين إذا عجزت البينات ]
ومن ادعى مزرعاً يزرعه وادعى آخر أنه بينهما وكل يزرعه سنة ولم يصح ذلك إلا بدعواهما قول: كلاهما مدعيان ويدعا كل منهما بالبينة على ما
يدعا فإن أعجزاها واصطلحا فسبيل ذلك وقول: مدعي البعض هو المدعي ومدعي الكثر هو ذو اليد وبينهما الإليات إذا عجز البينات.
مسألة
[ أثر عدم أخذ الميراث في حينه ]
من كتاب الاهتداء: ومن وقع له ميراث ممن يرثه فلم يتوصل لحقه حتى مات فطلبه وارثه بعد نزعه فعن أبي المؤثر فإنه وزع التراث مع وجوده فلم يطلب حتى مات فلا شيء له وإلا فلورثته حق هالكهم وإن حازوا عليه المال وادعوه ملكاً في حياته فليس لورثته شيء.
مسألة
[ أثر الصك في إثبات الملك ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله: ومن بيده مال يحوزه برهاًً فنزع وخلفه فادعى فيه مدع حقاً فأخرج صكاً فيه بيع خيار له أو لأبيه على رب المال
وإن غرب على ورثته علم الصك إذ لم يقع منه حوزه انقضت مدة الخيار
ولم تنتقض أو كان إقرار أو بيع قطع ففي ذلك اختلاف قول: إن حوز البيع والمقر حجة له والمال لورثته وقول: حوز البائع ليس بحجة والمال لمشتريه.
مسألة
[ أثر موت صاحب الصك ]
وأما ادعى بيعاً أو إقراراً لمن يرثه في مال أحد هالك والمقرور له هالك
فاطلع صكّاً بخط كاتب فهذا صك لا عمل عليه على الأصح لأن الصكوك تبقى والأموال تنتقل ولأن من الحق عليه ماتا وماتت حجتهما هذا إذا لم (11/116)
صفحة 1635
يحز المشتري المال.
مسألة
[ أثر موت صاحب المال والمال في يد غيره ]
وإذا (...)(1) زيد من عمرو مالاً ومات عمرو وباع زيد المال واطلع
أحد صكوكاً في المال فيها بيع خيار لم تنتقض مدته فلا عمل هذه
الصكوك على الأصح.
مسألة
[ أثر الحوز على شهادة الشهرة ]
من كتاب منهاج العدل(2): ومن بيده مال يحوزه ويستغله فادعى أحد حصته من قبل ميراث إذا المدعي أحد وارثين الهالك وأنكر الحائز وشهدت الشهرة أن المال للهالك الذي يدعي هذا المال أنه وارثه يحوزه حتى أضرح
فإنهم يرجعون إلى شهادة أرباب البلد إلا أن تصح بينة عادلة تشهد له في
المال حكم له بما شهدت.
مسألة
[ عمل الإمام راشد بن سعيد في الحد من الطمع ]
عن الإمام راشد بن سعيد(3) إلى أبي محمد عبد الله بن سعيد: إن
الأطماع قد اتسعت في أموال الناس وجعل كل من ادعى في مال أحد
دعوى طرح يده فيه فالوجه أن ينادي لهم في الأسواق والمحافل إن من طرح يده في مال يحوزه غيره ويدعيه ملكاً عوقب ولا يدعي بالبينة العادلة بل
يرجع إلى شهادة مثر في الدار حتى تنحسم مادة الطمع عن الشيخ شايق بن عمرو(4)
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: إذا أخذ زيد.
(2) 2- كتاب منهاج العدل: بعد البحث فيما لدي من كتب ومراجع لم أعثر على هذا
الكتاب ولا على مؤلفه، والله أعلم. وقال لي بعض طلبة العلم أنه للورجلاني.
(3)
1- الإمام راشد بن سعيد: هو راشد بن سعيد بن راشد الغافري حاصر حصن العقير
ومعه أهل بهلا وأذكي ونزوى والظاهرة وبنو غافر وبنو ريام وداروا به فلا يخرج منه
أحد ولا أحد يدخل حتى فرغ ما معهم، وطلبوا الصلح فصالحهم على هدم الحصن
فهدموه، انظر كشف الغمة ص389 رقم 518 ولعله الإمام راشد بن سعيد
اليحمدي النْزوي بعدما توفي الإمام الخليل بن شاذان عقد المسلمون الإمامة لراشد بن
سعيد اليحمدي الخروضي النْزوي 425هـ. والله أعلم.
(4) 2- شائق بن عمرو: لم أعثر له على ترجمة. (11/117)
صفحة 1636
: من قضى آخر مالاً من أمواله بحق عليه معلوم أو مجهول فحازه المقضي حتى الحد والمقضى له عالم فلم يغيّر بعد أن وري المقضي في سربه
فإذا قضاه ماله في صحته ثبت ولا خيار لورثته وأما في وصيه فالخيار لورثته
بين تسليم المال أو ثمنه فإن أعلم الحق فكما أقر وإن أبهمه قومه أهل العدل
وأما إن قال: ليس هو يوفي فلا خيار للورثة.
مسألة
[ أثر حوز المقضى له ]
وأما حوز المقضى للمال ومنعه في حياته فإذا مات فالمال للمقضي
وللمقر له وليس حوزه يثبته للورثة وقيل: غير هذا وهذا هو الأصح.
مسألة
[ أثر الإقرار في الحوز ]
ومن أقر بماله لشبله ولم يحرزه الشبل وإنما هو في حوز أبيه برهاً حتى
نزع وأودع رجمه أعني الشبل طلب وارثه المال واحتج ورثة الحد أنكم
علمتم بالإقرار فلم تقبض المال ولم يقبضه أبوكم في حياته ففي ذلك
اختلاف والأصح أن كلام المقر ليس بحجة.
مسألة
[ أثر الإقرار وموت المقر له ]
ومن أقر لأحد بشيء من ماله فمات المقرور له وقد علم الإقرار فلم
يطلب إلى أن مات فقول ليس لورثته مطلب لما لم يطلبه أبوهم وقول: لهم
ذلك والأصح أن كلام المقر ليس بحجة على المقر له ولا على ورثته.
مسألة
[ في اختلاف المتبايعين ]
عن الشيخ محمد بن عبد الله بن مداد: ومن ساوم أحداً على شراء مال
بثمن معلوم وسلم الثمن بلا صفقة وحاز المشتري المال برهاً ثم ادعى البائع عدم الصفقة فعلى المشتري البينة أنه أوجد على رب المال الإلية ما ساومه
ولم يوجبه ماله.
مسألة
[ صور من اختلاف المتبايعين ]
ومن بيده مال خيار يحوزه ويمنعه ثم قال له رب المال: إني أبايعك أصل هذا المال بكذا فأنفذه الثمن ولم تكن بينهما واجبة بيع حاز المال تناكرا بعد ذلك فإذا لم تكن عند رب المال بينة أن المشتري ما يحوز هذا المال إلا بالبيع الخيار فالقول قول من بيده المال أنه اشتراه قطعاً.
مسألة
[ المطالبة بالمؤجل بعد موت الزوج والزوجة ] (11/118)
صفحة 1637
عن الشيخ محمد بن عبد الله: وإذا ماتت المرأة ولها على زوجها مهر
في صك فلم يطلبه ورثتها حتى مات الزوج فطلبوه من وارثه ففي ذلك اختلاف قول لهم مهر أمهم إذا صح الحق وإن لم يصح أداؤه وقول: لا
حجة لهم بعد موت الزوج ولو صح الحق حتى يصح أن الحق باق على
الزوج إلى نزعه.
مسألة
[ صور من التناسخ في الفرائض ]
وإذا مات من له الحق ووارث وارثه ومن عليه الحق ووارثه ووارث وارثه
ولم يطلبوه أو إرث الميت الأول الحق فقول: لا حجة لهم وقول: لهم إذا
تتابع موتهم وتقارب وقول: للوارث الثاني حجته وليس للثالث حجة ولا
لمن بعده.
مسألة
[ حكم الوكالة بعد موت الموكل ]
وإذا جعل أحد وكيلاً في عمل شيء فمات الجاعل قبل أن ينفذ الوكيل الفعل لم يكن للوكيل إنفاذ ما جعل فيه وكيلاً لأن الأمر والوكالة يبطلان
بعد موت الآمر والموكل فإن فعلا بعد ذلك ضمنا ما أتلفاه من المال بعد علمهما بموت الآمر والموكل فإن اعترف الموكل أو الآمر بشيء مع المأمور
لزيد أو للفقراء جاز تسليمه لمن اعترف له به في حياة الآمر والموكل بعد
موته فيما بينه وبين الله وعليهما الضمان في الحكم إلا أن تقوم لهما
بذلك بينة.
مسألة
[ أثر رجوع الموكل بعد إمضاء ما وكل به ]
وإن رجع الآمر والموكل فيما دفعاه بعد إمضاء الفعل فلا رجعة لهما ولا ضمان على المأمور والموكل وكذلك إن ضاع منها وليس عليهما تعريف
الأمر بضياع ما صار إليهما وجوباً ويستحب لهما ذلك ليخرج مما لزمه
وعليه هو أن يتعرف صحة ما وجب عليه حتى يتيقن على براءة ذمته.
مسألة
[ التهاون في الحفظ يوجب الضمان ]
وإذا أمر أحد بتسليم حق لأحد أو وكيله فتعمد لإتلاف ذلك أو قصر في حفظه ضمنا وكان عليهما رد ما أخذاه لمن أخذاه منه ولا بون بين أن
يعترف عندهما أنه ماله ويتطوع به على المأمور له أو يقضيه في دين عليه.
مسألة
[ أثر الوكالة والوصية لما بعد الموت ] (11/119)
صفحة 1638
وإن جعل الموكل للموكل وكيلاً له في الحياة ووصيه بعد الوفاة في إنفاذ حق سماه له لزيد فله إنفاذه في حياته وبعد وفاته لأن الآمر له التصرف في
ماله في حياته وليس له ذلك بعد موته إلا في دين يقر به أو وصية.
مسألة
[ ضمان تنفيذ الوصية ]
وإن ضمن أتوصي(1) شيئاً من مال الميت أنفذه فيما أنفذ فيه مال الميت ديناً أو عيناً ولا بون فيما يلزم ضمانه من مال الآمر في الحياة وبعد الوفاة
وصار من جملة ما جعله الهالك من ماله الذي وجد في وصاياه ودينه.
مسألة
[ مخالفة الأمانة ]
ومن دفع لآخر ورقاً ليدفعها لزيد فدفع المأمور قروضاً ورغب في ذلك المأمور له أو لم يرغب فإن قبض ذلك منه فهو للآمر في يد المأمور ومخالفته
له مخرجة له من حكم المأمور به.
مسألة
[ أثر تعدي الوكيل ما وكل به ]
ومن وكل وكيلاً في شراء شيء فرسم له فتعداه إلى غيره لم يلزم الأمر فعله لمخالفته له إلا أن يجيز له فعله وإن أمره بفعل معصية فلا يجوز له امتثال أمره وليس للآمر أن يأمر بذلك.
مسألة
[ من صور البيع ]
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دفع إلى عروة ابن عبد الله البارقي دينار أو أمره
أن يشتري له ضحية فاشترى به شاتين فباع أحدهما بدينار وجاء إليه بشاة ودينار فأجاز - صلى الله عليه وسلم - فعله وأمره بتفريق الدينار على الفقراء وللموكل الآمر أن يمنع من وكله أو أمره بإنفاذها أمره بإنفاذه قبل المخالفة وقبل إيقاع الفعل المأمور بفعله وبعد المخالفة(2).
مسألة
[ تنفيذ الوصايا ]
وأجمعوا أن للوصي أن ينفذ الوصايا من ماله أو يقترض من مال غيره أن يأخذ بدله من الميت مما هو مسلط عليه فيما يبنه وبين الله وليس ذلك في
حكم الظاهر لأنه بعد سقوط الدين والوصايا عن الهالك.
مسألة
__________
(1) 1- الأصح: وإن ضمن الوصي شيئاً...
(2) 1- انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص100 رقم 39. قال أخرجه البخاري وأورد
الترمذي له شاهداً من حديث حكيم بن حزام، ورواه الخمسة إلا النسائي. (11/120)
صفحة 1639
[ الشراء الصحيح ]
وإذا وكل زيد عمرو في شراء عبد فوافق عبداً في يد وكيل موكله
فالشراء باطل لأن عرف الناس وعادتهم لا يأمر بشراء ما ملكوه وهذا
الموكل اشتراه مال الموكل بماله.
مسألة
[ صور من البيع الفاسد ]
ومن وكل في عبد فاشترى له عبداً من أعيان ملك الوكيل لم يجز علم الوكيل ذلك أو جهله لأن الشراء والبيع لا يصحان إلا من متتابعين فالوكيل هذا اشترى من غير بائع ومن وكل في شراء عبد فاشترى له الوكيل إياه أو ابنه أو أخاه أو من يناسبه عتق من مال الوكيل في رأي معاوية عزان بن الصقر(1) علم أو جهل نسبهم.
مسألة
[ صور من البيع الفاسد ]
عن الشيخ محمد بن جعفر: من اشترى من يعتق على موكله إذا ملكه متعمداً عتق من مال الموكل ولا ضمان على الوكيل وقال بعض الفقهاء: لا ضمان على الوكيل في حالتي العمد والخطأ لأن عقد الشراء دخل في ملك الآمر ولم يتعلق للوكيل في العقد حق لأن نفس العقد يوجب إخراجه من
ملك البائع إلى ملك الآمر.
مسألة
[ صور من البيع ]
ومن وكل أحداً في شراء شيء ولم يدفع له الثمن كان للوكيل منع
الموكل من قبض البيع حتى يوفيه الثمن فإن توى في يد الوكيل كان حكمه حكم الرهن دون حكم المبيع إذا توى في يد البائع.
مسألة
[ تصرف الوكيل في مال الموكل ]
ومن وكل وكيلاً في شراء قينة بألف درهم فاشترى جارية بألفين وبعث بها فباشرها وأولدها فاختلفا في الثمن فإن القول للوكيل مع يمينه إذا لم
يكن حين بعثها إليه قال للرسول: قل له هي الجارية التي أمرتني بها ويكون
على إلا مر ثمن الأولاد وعقرها وله رد الجارية ويثبت الأولاد من أبيهم.
مسألة
[ الوكالة المحددة ]
وإذا وكله أن يشتري جراباً من تمر السر وهما في صحار فاشترى له واستأجر على حمله إليه فإن الكراء لا يلزم الآمر حكماً لأنه وكله في الشراء
__________
(1) 1- معاوية عزان الصقر: والصحيح أبو معاوية عزان بن الصقر النْزوي العقري. (11/121)
صفحة 1640
لا في الحمل والنظر يوجب الضمان على المأمور إن توى والكراء على الآمر
ولو أني والتوى.
مسألة
[ من صور الوكالة ]
ومن وكل وكيلاً في شراء مال إلى أجل فاشتراه إلى الأجل فنْزع الوكيل لم يحل الثمن على الموكل والحق على الموكل إلى أجله ولرب الحق أخذ
حقه من تركة الوكيل لأنه حل استيفاءه بموته وليس لورثة الوكيل أخذ الحق من الموكل قبل محله ومن وكل وكيلاً في شراء شيء ودفع إليه الثمن
فاشترى له ما أمره بشرائه فبعث به إليه وصرف الثمن في حاجته ثم نفذ ثمن الشراء من ماله جاز له ذلك لأن الشراء وقع على الوكالة والثمن بالثمن.
مسألة
[ صور من تصرف الوكيل الفاسد ]
ومن وكل وكيلاً في شراء شيء بهذه الدراهم فأنفقها الوكيل
في مصالحه ثم اشترى له ما أمره بشرائه بثمن من عنده فلا يلزم ذلك الأمر ما اشترى له وصار الوكيل ضامناً للثمن متبرعاً بما اشتراه من غير وكالة كمن
تدران بتصدق بمعلوم فتوي فليس عليه بدله ومثله الوكالة ومن وكل في
شراء شيء فدفع للوكيل دراهم واشترى بدنانير لم يلزم الأمر لمخالفته له وانتقاله عما رسمه له.
مسألة
[ صور من الوكالة ]
ومن وكل في شراء شيء مثل عبد بثمن مسمى وسمى له الجنس ووكله آخر في شراء عبد على تلك الصفة فاشتراه وسما به لأحدهما فله القول مع
يمينه لأن ليس في شرائه لأحدهما إبطال حق الآخر والنية للوكيل.
مسألة
[ صور من الوكالة ]
ومن وكل في شراء نصف عبد معين ثم وكله آخر في مثل ذلك فاشتراه في النصف الأول للأول والنصف الثاني للثاني ولا شيء للوكيل لأن
الوكالتين قد صحتا.
مسألة
[ متى يضمن الوكيل ]
ومن دفع لوكيل مالاً يشتري له به غلاماً فهلك المال بعد الشراء ضمن الوكيل بإجماع ويكون البيع له لمخالفة من وكله وكان له أن يعقد البيع على الثمن الذي أمر بالشراء به.
مسألة
[ صور من الوكالة ]
ومن وكل في شراء شيء ولم يدفع للوكيل الثمن فاشترى له كما (11/122)
صفحة 1641
أمره كان الثمن على الوكيل للبائع دون الموكل وللوكيل أخذه من
من وكله.
مسألة
[ صور من الوكالة ]
ومن وكل في شراء شيء فاشتراه فأرى به عيباً قبل قبضه كان الخيار للموكل فإن قبله ألزمه الثمن وإن يكن العيب مما يستهلكه فلا يلزمه وهو
على الوكيل ولو وكله في دراهم يتصدق بها عنه فتصدق بدراهم من قبل
نفسه ضمن ما قبض ولا يتصدق إلا بوكالة ثابتة لأن الوكالة الأولى في عين فلما زالت بتصرفه للدراهم قبل أن يتصدق بطلت الوكالة.
مسألة
[ تعدي الوكيل وضمانه ]
وإذا قبض الوكيل الثمن قبل الشراء فاشترى به ثم توي الشراء فلا ضمان عليه إذ هو أمين وإن اشترى فتوى الشراء ثم قبض الثمن من بعد ضمنه وإذا تعدى الوكيل أمر من وكله أخرجه تعديه من الوكالة وصار ضامناً.
مسألة
[ الوكالة في الصرف ]
ومن وكل وكيلاً في صرف دنانير فصرفها واشترط الخيار لنفسه أو لمن وكله بطل الصرف من قبل الخيار لأن الصرف يوجب التغاضي فوراً لقوله
- صلى الله عليه وسلم -: «إلا ها وها»(1) والخيار يوجب التراخي في التسليم ومن وكل في بيع شيء ولم يشترط النقد ولا النسيئة فباعه بدراهم ودنانير بنقد جائز ذلك
وإن باعه بنسيئة بدراهم أو دنانير ففيه اختلاف فبعض ضمنه الثمن.
مسألة
[ وكالة القبض من المفلس ]
ومن وكل في مطالبة حق فأحاله المديون على آخر فاحتصر المحال عليه وأفلس فالوكالة ثابتة ويرجع الوكيل على المحيل بحق من وكله لأنه لم
يوكله في إزاحة حقه ونلقه وإنما وكله في القبض فقط.
مسألة
[ الوكالة في الرهن ]
__________
(1) 1- حديث الربا وتحريمه معروف لدى العامة والخاصة، وهذه العبارة جزء من حديث عمر
بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالورق رباً، إلا
هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر رباً، إلا هاء وهاءَ» أخرجه البخاري ومسلم والموطأ والترمذي
وأبو داود والنسائي. انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/544. (11/123)
صفحة 1642
ومن وكل في رهن شيء بدراهم مسماة فرهنه عند نفسه ودفع الدراهم
للآمر وأبهم عليه الأمر فإن الشيء لا يكون رهناً وتكون الدراهم عليه قرضاً لأن قوله له: ارهن شيء ارتهاناً من غيره لأنه نكرة والوكيل معرفة والمعرفة
لا تدخل تحت النكرة.
مسألة
[ بطلان تصرف الوكيل ]
ومن وكل في رهن شيء فرهنه الوكيل مع وكيله ثم افتكه له يكن
للوكيل أن يرهنه من قبل أن الموكل لما رهنه بطل تصرف الموكل فيه بحق المرتهن بطل أيضاً تصرف من يتصرف عن أمره.
مسألة
[ الوكالة في القبض ]
ومن وكل في تقاضي دين فقول: ليس له القبض لأنه وكل في التقاضي فقط حتى يوكله في التقاضي والقبض وقول: إن التقاضي يوجب القبض
وهو الأصح لأن من كان له حق الطلب كان له حق القبض.
مسألة
[ الوكالة في البيع ]
واختلفوا في الوكيل إذا وكل في بيع شيء فقول: ليس له أن يصارف بالثمن وإنما له قبضه فقط لأن المصارفة بيعة ثابتة ولم يؤذن له بها وقول: له
أن يعتاض ما هو ثمن لأنه هو الخصم في الحق.
مسألة
[ حكم توكيل أهل الذمة ]
ولا يجوز لمتحنف توكيل ذي ذمة فيما يدين به مما لا يحل في دين
المتحنفين ولا يحل ولو وكل رجلان رجل في سلف فأسلف لهما وخلط الدراهم مع التسليم فبعض ضمنه لتعديه خلط المال بلا أمر وصيرورة مالهما
غير معلوم قبل السلف ومميز من مال صاحبه وقول: لا يضمن.
مسألة
[ أثر ارتداد الوكيل ]
ومن وكل وكيلاً فارتد الوكيل والحق بدار الحرب أو مسه مس ثم رد عليه عقله أو تحنف المرتد فهو على وكالته لأن الوكالة إباحة للوكيل فيما
أذن فيه وذهاب عقله لا يمنعه من استعمال ما أبيح له وإذا قال قد وكلتك في قليل أو كثير فإنه يكون وكيلاً في الحفظ فقط.
مسألة
[ صورة من الوكالة المحددة ]
وإذا وكل في قبض شيء غداً فليس له قبضه في غير ما حد له ولو وكله
في قبض شيء بمحضر أحد فليس له قبضه إلا بمحضره. وإذا وكل رجلين (11/124)
صفحة 1643
في دفع هبة فدفعها جاز وإذا وكل الوكيل وكيلاً في دفع ما أمر بدفعه فدفعه وكل الوكيل جاز ولو لم يكن بأمر من وكله.
مسألة
[ الوكالة في دفع الصدقة ]
ومن تصدق على أحد بصدقة ووكل وكيلاً بدفعها فضرب المتصدق
مرتاً وجاز صفصفاً وجاوز بما فأبى الوكيل دفع المأمور بدفعه فإذا صح ذلك جبره الحاكم على الدفع من قبل أن المتصدق عليه قد ثبت له حق في قبض ذلك من الوكيل.
مسألة
[ الوكالة في قبض الهبة ]
وإذا وكل الموهوب له في قبض الهبة وكيلين فقبض أحدهما لم يجز وإذا وكل الواهب وكيلان يرجع في الهبة لم يكن للوكيل أن يوكل سواه من
قبل أن ذلك يقتضي المخاصمة ليس له توكيل سواه باتفاق.
مسألة
[ الوكالة في الرهن ]
ومن وكل في رهن شيء فقال للمرتهن: ارتهن مني هذا لزيد فالوكيل خصم فيه وإن قال له: ارتهن هذا بكذا من فلان فلا تتعلق به خصومة إذ
هو رسوله ومن وكل وكيلين فقبض حق فقبضه أحدهما فتوى ضمنه
القابض له وكل شيء جعله فيه أمينان لم يكن لأحدهما أن ينفرد بفعله
دون صاحبه.
مسألة
[ أثر موت الموكل ]
ومن وكل في حق فمات الموكل بطلت الوكالة لانتقال المالك إلى ورثته ولو وكله في قبض عبد وديعة له عند أحد فجنى على العبد جناية قبل قبض الوكيل فأخذ المستودع إرشها أو قتل العبد خطأ فأخذ المستودع قيمته لم
يكن للوكيل قبض قيمة الإرش(1) كله وإنما قبض العبد نفسه.
النهج الرابع و الثلاثون
في البيوع
و أحكام ذلك
النهج الرابع والثلاثون
في البيوع(2) و أحكام ذلك
مسألة
[ صور من البيع الجائز وغير الجائز ]
__________
(1) 1- الإرش: دية الجراحات، والجمع أروش وأراش. انظر طلبة الطلبة في الاصطلاحات
الفقهية ص135.
(2) 1- البيع: مصدر بعت، يقال: باع يبيع بمعنى ملك، وبمعنى اشترى والبيع مطلق المبادلة.
واصطلاحاً: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة، ذو مكايسة، أحد عوضيه
غير ذهب ولا فضة، معين غير العين فيه. انظر المعاملات المالية باب البيع. (11/125)
صفحة 1644
عن أبي علي رحمه الله: ومن اشترى قيعة واشترط شربها من ركية
معروفة أن ذلك لا يجوز لأنه مجهول وينتقض البيع إلا أن يوقع البيع على
جزء من الركية وقيل: ولو شرط جزءاً من الركية معروفاً لم يكن له شيء
من الخب والمصب ولا دوائر الركية وما أحاطها وله ربع الخب.
مسألة
[ أثر الجهالة في البيع ]
وإذا جهل البائع والمشتري بغرر الركية ومنْزعها وقربها أوعى تدخل فيه الجهالة من أمرها فلا يثبت البيع إن نقضاه أو أحدهما انتقض وإن أتماه تم.
مسألة
[ أثر انتفاء الجهالة على صحة البيع ]
وإذا باع أحد أرضاً معروفة بشربها من الماء فذلك أيضاً مجهول
ولا يجوز بيع المجهول لأن في الصدقات إلا أن يسمي الشرب من نهر
معروف من يوم معروف أو ليلة معروفة أو ربع أو ما كان من الأجزاء.
مسألة
[ أثر السقي على بيع النخل ]
عن الشيخ محمد بن علي (...)(1) من اشترى عشرين نخلة بشربها من
الماء من نهر كذا على مساقات أرباب الدار فهذا البيع منتقض إلا أن يحد
الماء ويعرفه قال الناظر إلا أن يكون شرب هذه النخل وأموال أرباب الدار مساقات ليس على الآثار.
مسألة
[ البيع مع الشرط ]
عن أبي عبد الله محمد بن أحمد: إن من باع مالاً على شرط ثم رجع أحدهما فالغلة لمشتريه لأنه داخل بسبب وإذا اتفق البائع والمشتري على أنه
إن أحضر الثمن إلى يوم كذا وإلا فلا بيع بينهما وكذلك العامل بالأجر
فقيل: إن هذا شرط ثابت وبيع تام وقيل : الشرط باطل والبيع منتقض
والأصح الإتمام.
مسألة
[ رأي هاشم ومسبح ]
عن هاشم ومسبح: إن من اشترى أرضاً واشترط الشروي ثم فسلها المشتري فأدرك وقد نما ثمنها فقالا: على البائع شروي الأرض لربها
وعلى المدرك أن يرد ثمن ما عمر الرجل فيها وإن قدر على إخراج ما
غرسه فيها أخرجه.
مسألة
[ صور من بيع وشراء النخل ]
ومن باع قيعاً بالشرى فغرسها المشتري فصارت نخلاً فإنما يعطيه البائع
__________
(1) 1- طمس في الأصل ولعلها: رحمه الله. (11/126)
صفحة 1645
قيعاً كقيعه وعلى أخذ القيع ثمن النخل بالأراضي وله الغلة على من استغلها وليس لمن انتزعت القيع من يده على من باع غلة وقيل: لا رد على المشتري للغلة لأنه استغل بسبب.
مسألة
[ من صور البيع ]
ومن اشترى عبداً صبياً بماية درهم واشترط الشروي على البائع إذا أدرك فيه فأدرك وقد بلغ ثمنه ألف درهم فعن أبي الوليد : يرجع عليه بشروا يوم
أخذ من يده.
مسألة
[ شراء العبيد ]
ومن اشترى عبداً بثلاثمائة درهم فإن أوفاه بمائة بعير ابن مخاض(1) ثم رد العبد بعيب وقد صار البعير ثنياً قال: يرد عليه ثمن البعير وهو مائة درهم
وإلا البعير وإلا بد له.
مسألة
[ بيع المال المشترك ]
ومن باع مالاً مشتركاً وشرط الشروي فإن علم مشتريه أن في هذا المال حصة لسوى البائع فلا أرى عليه شروي ولا خلاصاً وليس عليه رد الثمن
وإن ادعى البائع وكالة من أرباب الحصص شركائه فعليه الشروي.
مسألة
[ من صور البيع ]
ومن اشترى مالاً فأدرك فيه فعلى البائع الخلاص فإن تعذر عليه الخلاص رد الثمن وضمن بالخلاص أو لم يضمن وأما الشروي فلا يجب إلا بالشرط
من المشتري على البائع.
مسألة
[ شراء مما يكال أو يوزن ]
ومن اشترى مما يكال أو يوزن بكيل مسمى ورأياه ثم بدا لهما أو
لأحدهما بعد إن كال منه شيئاً فإن كانا حداً ما تبايعا عليه جاز البيع وإن
تبايعا على مجهول عرفا سعره تم وإن احتجا بالجهالة من أصله أنهما جهلا
قدره فهو بيع ضعيف وإن كان المشتري لم يره ورآه البائع ثم بدا للمشتري
فله الرجوع وأما قول البائع : إن بايعتك ما لم تنصرف فلا حجة له إذا
أرضيه المشتري.
مسألة
[ صور من البيع والشراء ]
عن أبي الحواري: إن للبائع ما للمشتري من النقض وقال أبو المؤثر: إذا اكتال المشتري شيئاً فقبضه ثبت عليه وما لم يقبضه ويكله فلا يثبت عليه
عن ابن جعفر: ومن نظر طعاماً لم يعرف جملته فاشترى كل جري منه
__________
(1) 1- ابن مخاض وبنت مخاض: سميت به لأن أمها تكون مخاضاً، أي حاملة بأخرى. (11/127)
صفحة 1646
بكذا ثم بدا للمتبايعين الغير ثبت عليهما جري واحد وقيل: لا يثبت شيء
وإن قال: اشتريت منك جرياً من هذا الحب ثبت وله جري وقيل: يثبت
لأنه لا يعرف ذلك الجري من جملة الحب وهو مجهول ومن باع مكوك
حب على حساب الجري بعشرة دراهم إلى أجل من حب معروف ثبت
ذلك وقيل: لا يثبت حتى يسمي للدراهم شيئاً معروفاً.
مسألة
[ صور من الشراء ]
ومن اشترى تمراً أو حباً مصبوباً عزب عليه علم كيله أو ورثه فاشترى منه أجربة معروفة جاز البيع وإن اشترى على حساب الجري بكذا ولم يتبايعا
على شيء مسمى كذا من الأجرية فلهما النقض.
مسألة
[ صور من الشراء والبيع ]
عن محمد بن المسبح: ومن باع في صبه على مكوكين بدرهم والجري بخمسة دراهم ووقفا على الصبة فهذا ثابت إذا رأياه وعرفاه وإن قال:
اشتريت منك هذه الصبة على مكوك بدرهم فلا يثبت إلا المكوك وقيل
يثبت الكل إلا أن يخرج في الصبة خلاف ما ظهر أفضل أو أشر.
مسألة
[ شراء القطن ]
ومن اشترى كيس قطن على وزن كذا بدراهم فليس لأحدهما رجعة إلا أن يخرج الأسفل خلاف الأعلى وهو الأصح رأي أبي المؤثر وأبي علي.
مسألة
[ نقض البيع بالغش ]
وإذا علم البائع بغش سلعة ورام نقض البيع فله ذلك لأنه ينوب مما صنع
وإن خرج أسفل المباع أفضل من أعلاه فليس للمشتري غيره لعله المشتري
لا غير له.
مسألة
[ ظهور الغش في البيع ]
وإذا ظهر أسفل المباع أفضل من الأعلى فأراد المشتري نقضه ذلك ولو رضي البائع وكذلك إن خرج أسفل رديئاً ورضيه المشتري وأراد البايع
نقضه فله ذلك. ومن الضياء(1): ومن باع شيئاً معلوماً واستثنى منه مجهولاً
بطل البيع.
مسألة
[ صور من نقض البيع ]
ومن باع مالاً فاستغله المشتري وعمره ثم ادعى البائع الجهالة له فيه ورام النقض فله ذلك ولا شيء له في الغلة وللمشتري عليه ثمن العمار.
مسألة
[ أثر دعوة الجهالة ]
__________
(1) 1- كتاب الضياء: لمسلمة العوتيبي، وقد طبع على حساب وزارة الأوقاف. (11/128)
صفحة 1647
ومن باع أرضاً في حوزه ثم ادعى الجهالة فيها فله حجته حتى أنه باع ما عرف.
مسألة
[ متى يقبل ادعاء الجهالة ]
عن محمد بن موسى: إن البائع إذا زرع الأرض لم يقبل قوله في
الجهالة وكذلك إذا اشتراها عاملها أو قد زرعها وادعى الجهالة فيها لم
يقبل قوله فيها وليس في هاتين المسألتين اختلاف وأما المشتري فمقبول
قوله في الجهالة.
مسألة
[ صور من ادعاء الجهالة ]
ومن اشترى مالاً فغرسه وزرعه واستغله وادعى البائع فيه الجهالة فله
القول في المعرفة ما لم يقر بمعرفته ولم أسمع أن أحداً ألزمه البينة على عود
عواه قال أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر(1): إن للمشتري ما غرم
وعليه رد ما استغل.
مسألة
[ صور من نقض البيع ]
عن بعض العلماء إذا لم يكن البيع فاسداً ولا مغصوباً فمن ضمن المال بسبب بيع فله غلته وقيل: من نقض البيع من المتبايعين فعليه رد الغلة
وهو الأرجح.
مسألة
[ حكم اشتراء الشيء الغائب المعروف لديه ]
ومن اشترى ما غاب عنه وقد كان به عارفاً قبل إيقاع صفقة البيع فكرهه
لما رآه ففي ذلك اختلاف قول : ما لم يتغير عن حاله ثبت عليه وقول: إن الخيار للمشتري ولا خيار للبائع وأما موسى فقال : كلاهما بالخيار.
مسألة
[ صور من البيع والشراء ]
وإذا اتفق البائع والمشتري على إحضار الدراهم يوم كذا وإلا فلا بيع بينهما ففي ذلك اختلاف والضارب إذا كتب لبعض أقاربه في بيع ماله
فباعه وأخذ ثمنه فقدم الضارب وأنكر الأمر والطرس فأخذ ماله من المشتري وقد وزع المشتري المال واستغل الباسقات برهاً فعليه في ظاهر الحكم ما
تناول من غلة المال وعليه إجارة الأرض للزرع وله زرعه إذ هو غير غاصب.
مسألة
[ حكم شراء المغصوب ]
ومن اشترى مغصوباً أو شراء فاسداً وغرب عليه علم أصله وقد استغله
ثم أدرك فيه فقيل: إنه يرده بعينه ولا شيء عليه في الغلة وهي بالضمان
__________
(1) 1- محمد بن سعيد بن أبي بكر: لم أعثر له على ترجمة. (11/129)
صفحة 1648
وقيل: يلزمه رد الغلة ويرجع المشتري بها على البائع وقيل: لا يرجع على
البائع بالغلة لأنه إنما أتلف الأصل.
مسألة
[ غلة البيع الفاسد لمن ]
ومن اشترى مالاً فعمره واستغله ثم إن البائع نقض البيع بعلة الجهالة
فليس له من الغلة شيء وللمشتري ثمن عمارته وقال أبو الحواري: البيع
الفاسد كالبيع المنتقض غلته للمشتري بالضمان.
مسألة
[ حكم البيع مع الشرط ]
ومن باع مالاً واشترط على مشتريه أن لا يبيعه على أحد فالبيع تام والشرط باطل وقيل: البيع منتقض وقيل: إن اشترط عليه أن لا يبيعه من
أحد معروف فالبيع منتقض وإن كان شرط مجملاً فالبيع تام وقال بعض
الفقهاء: ما لم يشترطوا باطلاً فالبيع والشرط تامان والمسلمون على
شروطهم ومن أعطى أحداً أعطية فاشترط عليه أن لا يبيعها فأجرها ثم
رجع المعطي فله الرجعة وكذلك لو باع لبنته فاشترط ما كلتها فسد البيع والشرط المجهول.
مسألة
[ بيع المجهول ]
ومن باع داراً واشترط سكنها حياته فسد البيع قال ومن باع شيئاً
معلوماً واستثنى شيئاً مجهولاً لم يجز البيع كذلك لو باع معلوماً واستثنى معلوماً بطل البيع لمن باع صرة معلومة واستثنى منها كيلاً معلوماً فهذا لا يجوز.
مسألة
[ وأراد استثناء ]
ومن باع شيئاً جزافاً أي وأراد استثناء واستثنى جزء منه جاز البيع والمستثنى معلومان كذلك الأرض والنخل والدار ونحو ذلك كما لو باعه
أرضاً سوى حفر بئر منها أو عشرة أذرع لم يجز البيع لأن المستثنى غير
معلوم موضعه ومن اشترى شيئاً وافى بلا كيل ولا وزن جاز بإجماع وإن قال لربها: قد أخذتها منك بكذا كذا فقرا على ما زاد لي وما نقص فعلي هذا
غير جائز لأنه ضرب من القمار والمخاطرة المنهي عنها.
مسألة
[ الشراء على الثقة ]
عن الشيخ أبي الحسن البساني: ومن اشتري جري حب من أحد فقال
له البائع هذا الأنا فيه كما بايعتك كيله فصدقه وقبله فهذا غير ثابت حتى (11/130)
صفحة 1649
يكيله له ويقول: إنه كاله فيصدقه ولا يبري البائع من الحق لأن ليس له أن يعطيه جزافاً عن كيل ومن باع لآخر شيئاً ولم يقل البائع للمشتري قد صار لك ولا قال المشتري قد رضيته بكذا ثم قبض ما اشتراه وقبض البائع الثمن وافترقا ثم رجع أحدهما فإذا وقعت المراجعة والقبول فلا رجعة لأحدهما
وأما على ما سبق في المسألة ففي جواز الرجعة لهما اختلاف والأصح
بالواجبة والقبول.
مسألة
[ صور من البيع ]
وإذا سأل البائع المشتري من كم الحب فأخبره الثمن فقال له: ادفع إلى فلان بدرهم فدفع له أنه لا يلزمه الدرهم وإنما يلزمه مثلما أخذ أو ثمنه يوم
أتلفه لأنه لم يبايعه وهذا في الحكم.
مسألة
[ البيع إلى أجل ]
عن أبي الحسن: من قال للبائع إني أريد أخذ منك حباً إلى كذا فادفع
إلى رسولي فلان ما طلب حتى ألقاك ونتفق على السعر فأتاه الرسول فأخذ
شيئاً فشيئاً فاتقيا فأخبره الرسول أنه قبض كذا وهو عليك بكذا إلى شهر
كذا فأنعم ورضي فإن كان اعتقاد البائع عند التسليم على ذلك جاز.
مسألة
[ البيع على المرابحة ]
ومن رام شراء شيء مرابحة نسيئة فقال: علي كم الثمن فقال: له إني
بعت على سواك كذا قال: إذا أخذت منك فعلى فإذا جاءك رسولي فسلم
إليه ما طلب فجاءه رسوله فأخذه فأخبره أن رسولك أخذ كذا فاتفقا في
وقتها على الثمن فإن كان البائع لما كان الحب قال للرسول قل له أن الحب علي كذا فأخبره فقبله جاز.
مسألة
[ صور البيع الصحيح ]
وأما البيع صحيح أن يحضر البائع والمشتري ويتفقا على المتاع ويصحا صفقة بيع علي نقداً ونسيئة ويكتاله المشتري أو يزنه ويقبضه ويحله أو
يبعث إليه رسوله.
مسألة
[ حكم الاقتضاء عروض بدل دراهم ]
وإذا تبايع المتبايعان على دراهم نسيئة فلما حل الأجل اقتضى منه عروضاً بدراهمه فقد أجازوا ذلك.
مسألة
[ الشراء لموعد الحصاد ]
ومن قدم أحداً دراهم على حصاد زرعه الدرهم بكذا فإن تتامما تم وإتمامه عند حضور حصاد ثمرته تم.
مسألة (11/131)
صفحة 1650
[ صور من البيع المختلف عليه ]
ومن ساوم على شراء شيء فلم ينفقا فبعد مدة جاء المشتري فأخبر
البائع إني غرمت علي الشراء كما رسمت أو بالعكس فأنعم له فقال:
وجهه إلي وإذا جاءك رسولي سلمه له ولم يصير بيعاً في وقتها ذلك
فهذان قد قصرا في اللفظ فإن تراضيا وقد قبض المشتري على ذلك جاز
وإن نقضاه انتقض.
مسألة
[ صور من البيع ]
عن الشيخ أبي محمد الحواري بن غسان(1): ومن باع متاعاً وقبضه
المشتري فباعه ثم صح فساد البيع معهما فأحلا بعضهما بعضاً فإن كان
البيع منتقضاً فليس هو بمحظور ولا ربا أجزاهما الحل وإن دخل في بيع
الربا أراد البيع وأخذ كل واحد رأس ماله وإن أعطى البائع المشتري عناه
وأخذ هو ثمن المتاع جاز له كان أصل البيع حراماً أو فاسداً من جهة
النقض أجزأ بهما ذلك.
مسألة
[ بيع الحوت ]
عن أبي الحسن: وبائع الحوت كل حوته بكذا نقداً أو نسيئة فأتاه آت فقال له: أعطني حوتة فأعطاه لظنه مشتر فلما طلب الثمن فقال: إنما
سألتك العطاء لا البيع فإن لم يفترقا على ثمن معلوم فعليه رد الحوتة أو ثمنها وسيان بين قوله بالعين أو أعطني والقول للغارم في الثمن مع يمينه وإن أتى
بحوتة وادعى أنها كالتي أخذ قبل قوله إن حلف.
مسألة
[ بيع أموال الموتى ]
ومن باع متاعه في سوق من يزيد فقال مسعدة بن تميم وأبو الحواري:
لا يباع مال الأحياء في سوق من يزيد إلا مال مفلس أمر الحاكم أن يبيعه
وإنما تباع في من يزيد أموال الموتى ورخصوا في العروض وهو رأي سليمان
بن عثمان(2).
مسألة
[ البيع بالنداء ]
قال أبو عبد الله: ما بيع بالنداء مردود بالعيب وتدركه الشفعة وقال جل الفقهاء: لا يرد بعيب ولا يرد بشفعة.
مسألة
__________
(1) 1- أبو محمد الحواري بن غسان: لم أعثر له على ترجمة.
(2) 1- سليمان بن عثمان: أبو عثمان من عقر نزوى وهو من علماء النصف الثاني من القرن
الثاني وأوائل القرن الثالث، وهو قاضي الإمام غسان بن عبد الله. انظر إتحاف
الأعيان 1/428. (11/132)
صفحة 1651
[ البيع بالنداء وأثره ]
وإذا رام الحاكم بيع مال ذي اليتم في النداء فلا يحكم بيعه حتى يشهد النداء عدلان ممن تعتبر شهادتهما ولا يجوز للحاكم أن يأمر على المناداة في
بيع مال ذي اليتم إلا على الثقة الأمين على ما غاب من أحكام الحاكم عنه ولأن المنادي حجة الحاكم ولا تجوز الشهادة على دعوى المنادي أنه قد
نادى على مال فلان وأن بلغ كذا من الثمن إلا بحضرة الشاهدين في
مواقف النداء والعطاء حتى لا يعزب عنهما علم شيء من أمرهما فإن صح للحاكم ذلك جاز له الحاكم وإن لم يكن المنادي ثقة لأنه قد صح بالبينة لا يدعو المنادي.
مسألة
[ أثر المنادي الأمين على البيع ]
وأما إذا كان المنادي ثقة أميناً جاز للحاكم قبول قوله وكان حجة للحاكم فيما روي عنه من أمر هذا البيع لأن الثقة إذا أمره الحاكم بشيء فما غاب عنه فيما يعينه من أحكامه كان حجة وإذا نادى المنادي على مال ذي اليتم ثلاث جمع ولم يعط فيها شيئاً وأعطي في الرابعة هل له بيعه فنعم له
بيعه وقد أتى بما جاء في الأثر وليس عليه أن يعطى وإنما عليه أن ينادي
والمراد بالمناداة إعلام المشترين.
مسألة
[ حكم المناداة المشروطة ]
ومن أعطى منادياً شيئاً ينادي عليه وشرط عليه أنه إن خرج ما أحب
وإلا فلا أجرة لك علي فبعضهم قال له شرطه وأبا ذلك آخرون وقالوا: له أجرة المثل.
مسألة
[ أثر السمسرة على البيع ]
وإن قال له: بع هذا بكذا وكذا من الأجرة وإن بلغ أقل فليس لك من الأجرة شيء وما زاد فهو لك أجرة فقيل: هذا لا يجوز وقيل: يجوز مع
المتاممة وله ما زاد.
مسألة
[ أثر الوكالة في البيع والشراء ]
وإذا لم يكن للهالك وصي في بيع ماله لقضاء دينه ووكل الحاكم في
ذلك وكيلاً جاز الشراء منه ويسلم الثمن للحاكم العدل وإن قدم الحاكم الجبار وكان يحكم بالعدل جاز ذلك وإن لم يكن ولياً.
مسألة
[ حكم بيع ما ليس لك ] (11/133)
صفحة 1652
وإذا علم المشتري أن المباع ليسه للنخاس وإنما هو لسواه من الناس فهو بالخيار في تسليم الثمن فإن شاء سلم للنخاس إذ هو من يده وإن شاء
لرب الشيء.
مسألة
[ مناداة الصبي ]
وإذا نادى صبي على شيء فجائز أن يزابن على ما في يده وشريه منه. إذا
نادى المنادي على شيء فباعه وانتقض البيع فللمنادي أجرته وهي لا من مال الميت ولا من له الحق بل هي ممن أمره. وللمنادي الوفاء بمعاملة أهل الدار
يوم الوفاء لا يوم البيع إذا لم يستوف يوم البيع وإن استوفى فلرب المتاع
الصرف الأول وإن قال المنادي: إنما ينادي عليه هو له قبل قوله إذ هو في
يده حتى يقر به لغيره.
مسألة
[ البيع بالثمن البخس ]
وإذا بلغ الشيء من المنادي عشرة دراهم ثم رده إلى خمسة أيجوز شراءه
منه أم لا؟ فإذا كانت هذه عادة البياعة يسومون بثمن جزل ويبيعون بثمن بخس فذلك جائز.
مسألة
[ أثر الزيادة على السعر ]
ولا يجوز أن يعطي المشتري عطية في السلعة في من يزيد ثم يرجع فهذا
قد لزمه ما أعطى إلا أن يقيله البائع وقال أب زكريا فيمن يزيد على النداء:
إن البيع لا يثبت عليه.
مسألة
[ تحريم الغش ]
ومن أعطى نخاساً بضاعة فليس له أن يرسم فيها ولا يزايد عليها وإن فعل
فلا يحرم الثمن وإنما يكون بمنزلة الغش إذا نوى ذلك وإن قصد المنادي إلى الغش أثم.
مسألة
[ البيع بالنداء ]
ومن أعطى المنادي سلعة يبيعها له ولم يوقت له فباعها تم البيع فإن وقت أوحد فخالف بطل البيع.
مسألة
[ صور من البيع والشراء ]
لفظ ما يثبت به البيع إذا قال البائع للمشتري قد اشتريت مني ذا بذا أو ذا أو قال قد بعث لك هذا بكذا أو قد رضيت لهذا أو قد أخذت لهذا الشيء بكذا أو قد قبلت هذا بكذا أو قد وجبت عليك هذا بكذا فقال المشتري:
نعم قد قبلت ثبت عليه البيع.
وإذا قال المشتري للبائع: قد بايعتني هذا بكذا فقال البائع: نعم ثبت (11/134)
صفحة 1653
البيع وإن قال: بايعني هذا المتاع بكذا فقال: نعم فهذا موقوف على رضى المشتري وليس للبائع رجعة إذا ثبت البيع منه ويخيره المشتري بين إتمام البيع وتسليم الثمن وبين الترك فإن مات المشتري قبل أن يعلم رضاه فيعجبني أن يكون حكمه حكم النكاح إذا لم يصح رضى المرأة بالتزويج حتى ماتت
وقد قبلها الزوج فعلى ورثتها البينة وإن ادعى الزوج رضاها لطلب الميراث كان عليه البينة وإلا فقد ماتت حجتها.
مسألة
[ من صيغ البيع ]
وإذا اتفق المتبايعان على شراء شيء بدراهم فقال: قد بعتني هذه السلعة بهذه الدراهم فقال: نعم فهذا ليس بيع حتى يقول: هذه السلعة بهذه
الدراهم فعلى معنى التعارف يثبت البيع وقال بعض الفقهاء: وهو الأصح:
إن من قال عند عقدة البيع: رضيت إن شاء الله ما قد قال قد انهدم ما كان
من بيع.
مسألة
[ البيع بالمساومة ]
ومن ساوم على متاعه بثمن فقال المشتري: قد اشتريت كما قلت فأبى البائع بيعها أو لم يبن منه رضى أو كراهية فهي لمشتريها أو ليس لأحدهما نقض.
مسألة
[ أثر الرجوع في البيع ]
وإذا تبايع اثنان على دابة قد عرفاها بثمن حده ثم بدا للمشتري الرجوع فلا رجوع له وكذلك سائر البضاعات.
مسألة
[ صور من الرجوع في العطية ]
ومن له حصة في دار فقال: أعطيت فلاناً منها حصتي فإن حصته تكون
له ما كانت إذا كان الواهب ميتاً وإن كان رجع عن العطية أو البيع بالجهالة فله ذلك.
مسألة
[ صور من الندم ]
ومن مات في معاملة بيعه وشرائه فربح ثم ندم وتاب وعزب عليه علم ما ربح قال أبو عبد الله: عليه رد ما ربح فإن تعذر عليه معرفة أربابه فرقه على ذي العيلة ولا يسعه جهل ذلك فإن أحتضر ولم يدن بالخلاص هلك.
مسألة
[ الاستفادة من المال المشتبه به ]
ومن بيده مال حلال بمال محظور فقول: إن حكم ما في يده حلال
حتى يصح حجره فعلى هذا لا قول يجوز الانتفاع منه وقول: هو محجور
حتى يصح الحلال منه وقول: يجري أحكامه على الأغلب.
مسألة (11/135)
صفحة 1654
[ متى يجوز الرجوع في البيع ]
عن أبي الحسن: ومن لزمه الجند في غرامة هل يجوز الشراء منه أيان ملازمتهم له؟ فإذا كان البيع برأيه لفك نفسه من الهلاك لم يجبر على البيع
فإنه يرجى للمشتري الثواب من العزيز الوهاب إذا لم يكسره عند شرائه فإن هو كسره وهو متبرع فله فيما باعه الرجوع.
مسألة
[ أثر التسعير ]
عن أبي المؤثر: ولا يجوز الشراء من سعّر عليه السلطان بضاعته وهو
رأي محمد بن جعفر لأن التسعير غير جائز على الأصح وقول: يجوز وقد
نهى - صلى الله عليه وسلم -(1) عن ذلك وقيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعر على
تاجر بضاعة ثم رجع عن ذلك وأمره أن يبيع بما شاء من الثمن.
مسألة
[ التجارة في غير الأسواق ]
جبر السلطان أن يتجر التجار في دورهم وإنما يكون ذلك في الأسواق فجائز الشراء منهم والبيع لهم وقد ظلمهم من حمل عليهم ذلك.
مسألة
[ البيع في السجن ]
وبيع المسجون في سجنه لا يصح ولا عطية ولا شيء من أفعاله كإقرار
أو غيره إلا إذا حبس لغير ما أقره وكان ماله في يده يأمر فيه وينهى ولم يحل بينه بغصب ولا مطالبته دين محجور عليه فجائز تصرفه في ماله.
مسألة
[ من صور البيع ]
ولا يجوز شراء نشب من أحد المتغلب نشبه ولو من يدر به لأنه لو كان باختيار لم يبع ماله وإنما باعه لعلو يد المتغلب عليه.
مسألة
[ بيع المغصوب ]
وإذا كان المال المغتصب شركة بين اثنين فباع أحدهما حصته على
شريكه فبيع المغصوب غير جائز على الشريك ولا غيره وللمشتري النقض
__________
(1) 1- النهي عن التسعير: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: غلا السعر في المدينة
على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسعِّره لنا، فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله
وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دمٍ ولا مال» رواه الخمسة إلا النسائي وصححه
ابن حبان.انظر بلوغ المرام ص99 رقم 32. (11/136)
صفحة 1655
إن رامه وعلى البائع رد الثمن.
مسألة
[ بيع المال المغتصب ]
ومن لزمته تبعة لمال مغتصب سلمها لرب المال المغتصب منه عن أبي الحسن: لا يجوز البيع مال المغتصب ولو باعه ربه في دين أو نفقة أو
كسوة ثبت عليه حكمها ولو تركه برهاً فإذا نقضه انتقض ولو وكل في
بيعه لم يثبت.
مسألة
[ صور من بيع ذي رق ]
وإذا ألقى ذو رق بيده إلى خيار فاشتريه بثمنه أو دونه من ربه فأدى ثمنه
فأعتقه فإذا اشتراه بثمنه عتق وإن اشتراه بدون ثمنه عتق وعليه رد فضل ثمنه
لربه والبيع منتقض وإذا اقتد سيده على أخذه فأخذوه واقتناه أو باعه فلا
يسعه ألا العتق وقع عليه بسبب البيع المنتقض ولكن بيع الغاصب بفضل
الثمن وإذا لم يعتقه الجبار وأخذه سيده وحسب ما أخذه من الثمن من أجرة عمله فله ذلك إذ هو عبده وإن تعذر عليه حصول العبد نفسه وحصل له
مال أو للجبار فقول: له ذلك وقول: حتى يصح بالبينة العادلة أن الجبار
استغل منه كذا أو تكون له أجرة معلومة كل يوم منه كذا.
مسألة
[ بيع العبد المغصوب ]
ومن غصب عبداً وباعه فاشتراه على علم أنه مغصوب فاحتضر العبد في يد المشتري فليس له الرجعة بالثمن على البائع وبنفسه أتوى نشبه.
مسألة
[ التخلص من بيع المغصوب ]
ومن باع عبداً مغصوباً لا يعلم البائع بغصبه ولا المشتري ثم رام المشتري الخلاص لزمه الرد العبد لربه ولا يرجع على البائع بالثمن.
مسألة
[ حكم مبايعة الأجناد والشراة ]
وجائزة مبايعة الأجناد والشري منهم ما لم يعلم حرام ذلك وكذلك
يشترى لهم أنه دفعوه له حراماً ولا يجوز أن يشتري لهم ما يتقون به على المسلمين كالسلاح وغيره قال أبو المؤثر: لا يجوز الشراء الجند ولا البيع
لهم ولا كرامة لهم. وقال محمد بن جعفر: لا بأس بأخذ جائزة الجبابرة
وقبول هديتهم وأكل طعامهم ولبس ثيابهم ما لم يعلم أنه محظور.
مسألة
[ البيع بالمشاورة ] (11/137)
صفحة 1656
وإذا تبايع اثنان على مشورة زيد فهذا غير ثابت وإن تبايعا على رضاه فإذا رضي ثبت البيع وإلا فلا والمشاورة تكون موقوفة فإن شاء قبل وإن شاء لم يقبل ففي المشورة لا يلزمه إلا باختياره وفي رضى فلان يلزمه إذا رضي
فلان وقيل: إذا كان بيع فيه شرط منتقض.
مسألة
[ شراء الدابة على الخيار ]
عن أبي الحسن: من اشترى دابة على مشورة عشرة أيام فنتجت في
العشر فالنتاج لمن له الخيار والمشورة إن كانت في يده وإن رام أحدهما
النقض فله ذلك كانت في يد المشتري أو البائع وللمشتري ما للبائع وقول:
إن النقض لذي المشورة لأن البيع متعلق عليه.
مسألة
[ بيع ما كفرته الأشجار ]
وعن أبي علي: إن من باع قيعاً ذات أشجار كفرتها عن رأي العين
كالحلف(1) والأسل(2) وشبههما فأحرقه المشتري فلما ظهر وجه الأرض غير البائع البيع وادعى أني بعت ما لم أره فلا حجة له إذا علم حدود ما باع.
مسألة
[ صور من بيع الأرض ]
ومن باع حفرة من أرض قد عرفها وعرف لكل حفرة من الذرع
فقبض البائع الثمن ولم يقبض المشتري الأرض فهذا مجهول لا يثبت
لاختلاف الذرع ولو اتفقا على ذراع عرفاه لأن رب الزراع يغيب ويموت
وإن تتامما عليه تم.
مسألة
[ صور من بيع الأرض ]
ومن باع أرضاً على بذر مكوك كم من رمح وعرف الرمح الذي يقاس به المكوك وطوله ثبت البيع.
مسألة
[ صور من بيع الباسقات ]
عن هاشم بن الجهم والعلاء بن أبي حذيفة: إن من باع قيعاً بها
باسقات نخل فأدرك المشتري في بعضها فإن كان البيع جملة بصفقة
فللمشتري الخيار بين قبول البيع ورده وإن كان البيع متفرقاً فأدرك في
بعضه ثبت الباقي.
مسألة
[ صور من بيع الشفعة ]
__________
(1) 1- الحلف: نبات الحلفاء، وهو نبات معروف يصنع منه الورق. انظر المصباح
المنير 1/177.
(2) 2- الأسل: الشوك الطويل من شوك الشجر.انظر مختار الصحاح ص17. (11/138)
صفحة 1657
عن أبي زياد: ومن اشترى مالاً بصفقات متفرقة فأدرك بعضه بالشفعة فليس للمشتري رد ما تدركه فيه وقد ثبت عليه البيع بثمنه وهذا مما يجتمع
عليه في الشفعة وما أدرك في المال بغير الشفعة ففيه اختلاف وإن أدرك في
المال بساقية أو طريق فله رده وله ما سلم من ثمنه على بائعه.
مسألة
[ بيع ما لا يعرف حدوده ]
ومن باع أرضاً لا يعرف حدودها على مشتر قد عرف ذلك فإذا لم يعلم ذلك المتتابعان معاً فهذا مجهول ولمن جهل النقض وإن أتماه تم.
مسألة
[ صورة من بيع الأرض ]
وإذا كان لأحد أرض داخلة في أرض جاره والتبست عليهم معرفة حال حدودها فجائز أن يبيع له حقه من هذه الأرض إذا طابا بذلك نفساً وأما في الحكم فلا حتى يكون عارفين معاً.
مسألة
[ صور من بيع الأرض ]
ومن باع أرضاًَ له على آخر فشرب من مسقا واحد هي وأرض المسقا منها ولم يشترط لها مسقاها الأول كما كان تشرب فإن اختلفا انتقض البيع وقيل: البيع تام وله مسقا أرضه كما تقومه العدول بلا ضرر وإذا اقتسم الشركاء مالهم ولم يشترطوا مسقاً لهم ولا طريقاً فلهم ذلك ومن باع
بستاناً وله طريق في منزل وطريقه في ذلك المنزل فله أن يقطع له طريقاً إلى الطريق الحائز وحيث يؤمن الضرر على المشتري وإلا فجائز للحاكم جبر
البائع على إخراج الطريق للمشتري لماله.
مسألة
[ حكم بيع المغشوش ]
وبيع المغشوش غير جائز وهو تغير الصورة عما كانت عليه وأما محمد
ابن المختار قال: من اشترى المغشوش جاز بيعه وإن غشه هو بنفسه حرم
عليه بيعه وقيل: يجوز بعد الإعلام.
مسألة
[ صور من بيع الإماء ]
ومن باع قينة فمسها المشتري فأنجلها ثم استحقت عليه رجع على بائعها بثمنها وله أخذ أشباله منها بثمنهم ثمن أرقاء أيان مولدهم وقيل: أيان الحكم
وهم أحرار ولا عقر عليهم وأما السارق والغاصب نفسه للأمة فأولاده منها ملك للمغصوبة منه وهي أيضاً لربها.
مسألة
[ البيع نسيئة ] (11/139)
صفحة 1658
ومن باع متاعاً بثمن معلوم نسيئة فأمر البائع المشتري أن إذا خلي الأجل اشتر لي بالثمن كذا فاشترى كما أمره فتوى فأرى له ثمن ماله والأصح أن يقبضه الذي عليه ويرده إليه فهذا يكون حكمه أميناً.
مسألة
[ بيع الدابة مع الشرط ]
ومن اشترى دابة وشرط بائعها إن لم يكن بها من شحم وإلا فهي رد عليه ولم ير بها ما شرط فالبيع مردود فإن أكل اللحم سلم الثمن قال المسبح: ويطرح عنه ثمن من الشحم وقيل: البيع منتقض وجد بها أو لم يجد.
مسألة
[ حكم الشراء ممن لا يزكي ]
ومن لا يزكي نشبه فأما في التنزه فلا يشتري منه شيء وقول: لا يشتري منه غلة ماله الذي لم يزكي ثمرته وقيل: من تسعة أعشارها جائز وقيل:
يفسد البيع كله لأنه صفقة وقيل: هو عيب فإنه أتمه المشتري ثم وإلا فمنتقض وقيل جائز وللجابي الخيار أن يأخذ الزكاة من المشتري أو من الثمرة. (11/140)
صفحة 1659
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
القطعة الثانية
الكوكب الدري والجوهر البري
تأليف
الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي
- رحمه الله -
من علماء القرن الثاني عشر الهجري
السادس الجزء
تحقيق
د. جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك ورئيس قسم الفقه وأصوله في جامعة الزرقاء الأهلية حالياً
وأستاذ الفقه في جامعة السلطان قابوس بعمان سابقاً
1419 هـ - 1998م
النهج الخامس والثلاثون
الإمامة
و أحكامها
النهج الخامس والثلاثون
الإمامة و أحكامها
مسألة
[ الأدلة على السمع والطاعة ]
قال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ } (1) وقال لإبراهيم عليه السلام: { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } (2) تنْزيهاً للإمامة ورفعاً لقدرها أن ينالها عات أو يتحلى بها باغ قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } (3) وهم الأئمة فأوجب طاعة الإمام العادل على المؤمنين ولأن الله أوجب حدوداً في كتابه العزيز لا يقيمها إلا الأئمة وهم ورثة الأنبياء في الأرض وخلائفهم قال الله تعالى: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (4). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أطيعوا أولات
أموركم»(5)
__________
(1) 1- سورة السجدة آية 24.
(2) 2- سورة البقرة آية 124.
(3) 3- سورة النساء آية 59.
(4) 4- سورة الحج آية 41.
(5) 1، 2، 3- أحاديث السمع والطاعة وردت في باب آداب الإمارة فمثلاً في حديث
العرباض بن سارية الذي أخرجه أبو داود والترمذي : «أوصيكم بتقوى الله والسمع
والطاعة، وإن عبداً حبشياً ...» جامع الأصول 1/278 - 279 رقم 67 وفي كنْز
العمال 6/49 في طاعة الأمير والترهيب عن البغي ومخالفته أرقام: 14795،
14796، 14797، 14798، 14799، 14800، 14801. (12/1)
صفحة 1660
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
القطعة الثانية
الكوكب الدري والجوهر البري
تأليف
الشيخ العلامة عبد الله بن بشير بن مسعود بن سعيد الحضرمي
- رحمه الله -
من علماء القرن الثاني عشر الهجري
السادس الجزء
تحقيق
د. جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك ورئيس قسم الفقه وأصوله في جامعة الزرقاء الأهلية حالياً
وأستاذ الفقه في جامعة السلطان قابوس بعمان سابقاً
1419 هـ - 1998م
النهج الخامس والثلاثون
الإمامة
و أحكامها
النهج الخامس والثلاثون
الإمامة و أحكامها
مسألة
[ الأدلة على السمع والطاعة ]
قال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ } (1) وقال لإبراهيم عليه السلام: { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } (2) تنْزيهاً للإمامة ورفعاً لقدرها أن ينالها عات أو يتحلى بها باغ قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } (3) وهم الأئمة فأوجب طاعة الإمام العادل على المؤمنين ولأن الله أوجب حدوداً في كتابه العزيز لا يقيمها إلا الأئمة وهم ورثة الأنبياء في الأرض وخلائفهم قال الله تعالى: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (4). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أطيعوا أولات
أموركم»(5)
__________
(1) 1- سورة السجدة آية 24.
(2) 2- سورة البقرة آية 124.
(3) 3- سورة النساء آية 59.
(4) 4- سورة الحج آية 41.
(5) 1، 2، 3- أحاديث السمع والطاعة وردت في باب آداب الإمارة فمثلاً في حديث
العرباض بن سارية الذي أخرجه أبو داود والترمذي : «أوصيكم بتقوى الله والسمع
والطاعة، وإن عبداً حبشياً ...» جامع الأصول 1/278 - 279 رقم 67 وفي كنْز
العمال 6/49 في طاعة الأمير والترهيب عن البغي ومخالفته أرقام: 14795،
14796، 14797، 14798، 14799، 14800، 14801. (13/1)
صفحة 1661
وقال لمعاذ رضي الله عنه: «ولا تعص إماماً عادلاً»(1) وقال
- صلى الله عليه وسلم -: «إن وليكم حبشي مجدع فأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوه»(2) والجذع في اللغة قطع الأنف والأذن والشفة وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا
تجتمع أمتي على ضلال»(3).
مسألة
[ حكم الإمامة ]
وقد أجمعوا على الإمامة فقد ثبتت طاعة الإمام من الكتاب والسنة ومن الدليل على ذلك إجماع الأمة أن لله فروضاً أمر بها وحدوداً أوجبها لا يقوم
بها إلا المصيب منهم على نفسه مما يوجب الله عليه وإنما يقيم بها الأئمة
فيهم وأمراءهم.
مسألة
[ الدليل على وجوب الإمامة ]
وفي الحديث: «إن ما أفضل ما أنعم الله على العباد بعد أن ابتدأ
خلقهم نعمتان أحدهما الرسول الهادي الذي لا يصاب علم الدين إلا من
قبله والثانية الإمام العدل الذي لا تصلح الدنيا إلا على يديه»(4). عن
الشيخ أبي محمد بن إبراهيم بن سليمان في وجوب فرض الإمام بالكتاب
والسنة وإجماع الأمة قوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى
اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } (5) وقال الله تعالى:
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ
أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل } (6) ففرض على الحاكم العدل في رعاياهم وفرض
__________
(3) 4- أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن من حديث أنس -رضي الله عنه- 2/1303 وفي
سنده ضعف لضعف أبي خلف الأعمى، وأخرجه الترمذي 4/466، من حديث ابن
عمر، وقال حديث غريب لأن فيه سليمان المدني، وقد ضعفه غير واحد. انظر ميزان
الاعتدال 2/219.
(4) 1- الحديث بهذا النص لم أعثر عليه ولكن المعنى صحيح فأفضل نعمة على الإنسان هي
هدايته للحق، وهذا لا يتم إلا بمعرفة الرسل وإرسالهم من أفضل النعم والله أعلم.
(5) 2- سورة النساء آية 59.
(6) 3- سورة النساء آية 58. (13/2)
صفحة 1662
على الرعية الطاعة لأولي الأمر منهم وأن يردوا ما تشاجروا فيه إلى
الكتاب والسنة.
مسألة
[ حكم شهادة الجبار ]
أجمعت الأمة أن شهادة الجبار غير جائزة ولقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا
ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } (1) والجبابرة ليسوا من المؤمنين وقد خاطب الله العباد بالإيمان وقال: { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ } والجبار ليس بمرضي ولا كرامة له، وقال
في جزاء الصيد: { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } (2) والجبار لا يحكم بما
أنزل الله والله تعالى يقول: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (3) و { الكَافِرُونَ } (4) و { الفَاسِقُونَ } (5).
مسألة
[ حقوق الإمام على الرعية ]
وللإمام على الرعية حقوق أوجبها الله في أنفسهم وأموالهم وتطريق أقر له في عيوب أحكامه عليهم من سبيل ما يتعارفون من مجاري أحكامه عليهم.
مسألة
[ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفتح ]
ومن سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا افتتح داراً أمر عليها أميراً مرضياً
وكذلك يفعل إذا خرج من المدينة إذا نوى حجاً أو غزواً وأشهر من يأمره بعده أو هو قائم ومحاضر وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل(6)
__________
(1) 4- سورة الطلاق آية 2.
(2) 5- سورة المائدة آية 95.
(3) 1- سورة المائدة آية 45.
(4) 2- سورة المائدة آية 44.
(5) 3- سورة المائدة آية 47.
(6) 4- معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي، السيد الإمام أبو عبد الرحمن
الأنصاري الخزرجي المدني البدري شهد العقبة شاباً أمرد وله عدة أحاديث.
روى عنه ابن عمر وابن عباس، وجابر وأنس وأبو أمامة وأبو ثعلبة وغيرهم كثير
رضي الله عنهم. نزل حمص وشارك في الفتح الإسلامي لبلاد الشام في عهد الصديق وعمر
رضي الله عنهما. ولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بلاد اليمن. ودعا له عندما ودعه قائلاً: حفظك
الله من بين يديك ومن خلفك ودرأ عنك شر الإنس والجن. وهو من الأربعة الذين
جمعوا القرآن الكريم وقال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ» وغير ذلك = (13/3)
صفحة 1663
رضي الله
عنه على اليمن والعلاء بن الحضرمي(1) على البحرين(2) وعتاب بن أسد(3)
على مكة وسواهم في سائر البلاد وعلى الغزو والجهاد ثم أخذ من بعده
مثال واحتذى أفعاله وأقواله وقد قال الله تعالى خطاباً الكافة المسلمين: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ } (4) فدل آخر الكلام على فرضه لأنه ليس لأحد أن يقطع بعضه عن اتصال مخرج لفظه والأمر يخرج في الكلام غيباً وإطلاقاً وطلباً وتأديباً
__________
(1) = من أحاديث، توفي رضي الله عنه في طاعون عمواس وكان عمره مختلف فيه ما بين
28 و 34 سنة والله أعلم، انظر سير أعلام النبلاء 1/443 - 461 رقم 86.
1- العلاء الحضرمي بن عبد الله بن عماد بن أكبر بن ربيعة بن مقنع بن حضرموت: كان
من حلفاء بني أمية ومن سادة المهاجرين، أخوه ميمون بن الحضرمي، ولاه رسول الله
(- صلى الله عليه وسلم -) البحرين ثم وليها لأبي بكر وعمر. وقيل بعثه عمر إلى البصرة، أظهر الله على
يديه كرامات وفتح البحرين وغزا فارس. وتوفي رضي الله في مفازة وليس فيها ماء
فأرسل الله سحابة فأمطرت فغسل ودفن ولم يلحد له هذا ما رواه أبو هريرة، انظر
سير أعلام النبلاء 1/262 - 266.
(2) 2- البحرين: دولة تقع على الخليج العربي وهي ضمن مجموعة الدول الخليجية وهي
عضو في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئة الأمم المتحدة وعضو في
المحافل الدولية المتعددة.
(3) 3- عتاب بن أسيد: بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو عبد الرحمن، أسلم
يوم الفتح، واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على مكة لما صار إلى حنين واستمر، أقره الصديق
-رضي الله عنه- وكان صالحاً فاضلاً. وفاته: قيل أنه توفي يوم وفاة الصديق، وقيل
مات في أواخر خلافة عمر -رضي الله عنه- أنظر كتابنا القضاء في صدر الإسلام
تاريخه ونماذج منه ص81-82.
(4) 4- سورة الأحزاب آية 21. (13/4)
صفحة 1664
والأصل فيه الفرض لأن ما لم يكن منه فرض بمجاز الكلام فالفرض منه
كقوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه } (1) والإطلاق كقوله
تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } (2) { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } (3) وأما على التأديب فكقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا إِذَا
تَبَايَعْتُمْ } (4) ثم إن الأمة مجتمعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يول والياً على مصر
والأمر على جيش إلا عدل لأمر مرضياً براً تقياً مواسياً خفياً وكل من ولاه
أمره بتقوى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مسألة
[ دليل من قال إن الإمامة ليست بفرض ]
ولا بد للرعية من إمام جري عليهم أحكامه وتمضي فيهم أقسامه الدليل على من زعم أن الإمامة ليست بفرض أخبرنا عن الأحكام التي أثبتها الله في كتابه وأوجبها على خلقه من يليها ومن كلف إمضاءها فإن قال واحد
من المسلمين فقد أقر أن الإمامة مفروضة.
مسألة
[ الرد بالمعقول ]
ومن ادعى أن الأحكام يقيمها واحد من المسلمين فقد زعموا أن الله لم
يوسع للناس إلا أن يكونوا كلهم حكاماً فإن قال إذ ذلك لذوي العدل منهم قلنا: فلو كانوا مثلاً الوفاء هل لأحدهم أن يحكم دون صاحبه فإن قال:
نعم فقد خرج من المعقول وأتى ما لا تقبله ألباب ذوي العقول وخالف عن
ما ورد عن ذوي الحجج من القول.
مسألة
[ فرض الدخول في طاعة الإمام ]
وإذا ثبتت إمامة الإمام وجبت طاعته على الإمام وأما قبل أن يعقدوا له الإمامة فليس الدخول فيها فرضاً وهو نفل وإنما الفرض إذا صح العقد.
مسألة
[ اشتراط العدد والذكورة ]
عن سعيد بن قريش: لا تعقد الإمامة في عصابة أدناهم أو غير رجلاً.
__________
(1) 1- سورة البقرة جزء من آية 282.
(2) 2- سورة الجمعة آية 10، وهناك قوله تعالى { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا الله }
سورة البقرة آية 200.
(3) 3- سورة المائدة آية 2.
(4) 4- سورة البقرة جزء من آية 282. (13/5)
صفحة 1665
مسألة
[ أهمية العدل في الرعية ]
وللإمام أن يصلي الجمعة ويقيم الحدود ولو لم يعلم أنه يملك قال
النبي - صلى الله عليه وسلم -: الإمام الجائر خير من الفتنة والكل لا خير فيه»(1) وقال
لأصحابه: «إذا وليتم أمراً مني فاعدلوا فمن لم يعدل فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين»(2).
مسألة
[ معنى الإمام ]
وعلى الإمام أن يؤلف بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين. والإمام الكتاب لقوله تعالى: { يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } (3).
مسألة
[ وظيفة الإمام ]
عن أبي عبيدة(4): إن اسم الإمامة يطلب على أئمة العدل والعادلين
لقوله: { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } (5) في كتابه المكنون
{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ } (6) وكان
النبي - صلى الله عليه وسلم - إمام الخلق أجمعين منذ بعثه الله إلى يوم القيامة لأنهم مقتدون به والخلفاء المرضيون أئمة للرعية والقرآن العظيم إمام المسلمين.
مسألة
[ أسماء الأئمة ]
وأول الأئمة المرداس بن حدير(7)
__________
(1) 1- هذا الحديث بهذا النص لم أعثر عليه وله شواهد في المعنى منها: «إقامة حد من
حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله» عن ابن عمر كنْز العمال 6/8،
وآخر: إذا مررت ببلدة ليس فيها سلطان فلا تدخلها إنما السلطان ظل الله ورمحه في
الأرض، كنْز العمال عن أنس 6/18 رقم 14598.
(2) 1- هذا الحديث له شواهد كثيرة جداً في أهمية عدل الأئمة انظر كتابنا القضاء في
الإسلام وآداب القاضي وانظر كنْز العمال 6/8، 9، 11، 10.
(3) 2- سورة الإسراء آية 71.
(4) 3- أبو عبيدة : انظر الأجزاء السابقة.
(5) 4- سورة التكوير آية 20.
(6) 5- سورة القصص آية 41.
(7) 1- المرداس بن حدير: هو أبو بلال مرداس التميمي المعروف بابن أدية وهي أمه أو جدته،
زعيم جماعة القعدة بالبصرة شهد صفين مع علي بن أبي طالب، وأنكر التحكيم
واشترك في معركة النهروان مع المحكمة وبعدها أوى إلى تميم بالبصرة متخذاً سبيل
الدعوة ومنكراً الخروج والاستعراض، سجن على يد عبيد الله بن زياد ثم خرج في
نحو أربعين رجلاً فأبيدوا على يد جيش وجهه لهم ابن زياد عام 61 . انظر كشف
الغمة ص298 - 299 . (13/6)
صفحة 1666
ثم فزيب والزحاف ثم عبد الله بن يحيى طالب الحق ثم المختار بن عوف الأزدي ويكنى بأبي حمزة ثم الجلندي بن مسعود ثم وارث بن كعب ثم غسان بن عبد الله ثم عبد الملك بن حميد ثم
المهنا بن جيفر ثم الصلت بن مالك وأتي ابن بور في إمامة عزان بن تميم(1).
مسألة
[ حكم وجود أكثر من إمام ]
وآخر أئمة عمان سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب(2) رحمهم
الله. وإذا عقد الإمامة لإمام عدلان من المسلمن ممن هما حجة بالعلم
والورع ثبتت إمامته ووجبت طاعته على قول وقال أبو المؤثر: إن عقدة
الاثنين من المسلمين لا تثبت إمامة الإمام حتى تكون برأي جماعة المسلمين
قال الله تعالى: { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ } (3) وقال: { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ } (4).
مسألة
[ ما يجب على الإمام ]
__________
(1) 2- عزان بن تميم: تولى الإمامة يوم الثلاثاء لثلاث ليال خلون من شهر صفر سنة (277)
وممن حضر بيعة موسى بن موسى بن علي، وعمر بن محمد القاضي، ومحمد بن
موسى بن علي، وعزان بن الهزبر، وأزهر بن محمد بن سليمان. انظر كشف الغمة
ص265 - 269.
(2) 3- سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب: من الأئمة المنصوبين بعمان بعدما اختلفت
كلمتهم أبو القاسم سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن
هبَيْرة فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول من عقد له الإمامة أبو محمد الحواري بن عثمان، ثم
أبو عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، ثم أحسب محمد بن زائدة السمؤلي، وكان
عالماً - رحمه الله - انظر كشف الغمة ص303 رقم 477.
(3) 1- سورة البقرة آية 251.
(4) 2- سورة النساء آية 135. (13/7)
صفحة 1667
وعلى الإمام أن يتعاهد رعيته وكان سيدنا عمر رضي الله ولي الأمناء وجعل عليهم عيوناً وعلى العيون عيوناً فإن قصر الإمام عن إحاطة رعيته والذود عنهم فهو خسيس المنْزلة ولا يخرج من الولاية ما لم يعمل الجور في رعيته ولم يغير إذا علمه وإذا عقدوا للإمام فساق أهل الدعوة ولم يغير
عليهم ذلك المسلمون فأقام بالعدل وتولي أهل الفضل ثبتت إمامته وإن عدل عن الصواب نقض عقدته أولوا الورع والألباب.
مسألة
[ من هم أهل الحل والعقد ]
وإن عقد للإمام جمة بشر ليس هم بطر ولا أشر إلا أن قلوبهم غافية من الكتاب والعلم مقدم وسنة الملك الوهاب فعقدهم محلولة إذا عزبت من
رأي من بيده الحجة مجعولة والرأي والفضل لأرباب العدل ولا كرامة
لأهل الجهل. وإن أحسن الإمام وأتم العقدة الأعلام ثبت على سائر الأنام.
وإذا حاذر المسلمون إن تركوا الإمامة استولى أرباب الخلاف عليهم جاز لهم أن يعقدوا الإمامة لثقة أمين مأمون على دين الله إذا عمل بما علم ووقف عما جهل حتى يسأل وكان مشاوراً في أمره ولا يقدم على محجور ولا
يركب محظور.
مسألة
[ أنواع الإمامة ]
عن الشيخ أبي الحسن: الإمامة على ضربين دفاع وشري فإمامة الشري على قسمين قسم أن يكون عالماً بصيراً مميزاً قوياً ورعاً والثاني يتولى ببصر
نفسه ويبري ببصر نفسه إلا أنه ضعيف في الشريعة والأحكام قوياً في نكاية أعداء الإسلام فقد قيل: إنه تجوز إمامته.
وإذا اجتمع المسلمون على رجل واختاروه للإمامة فأبى قبولها فإذا لم يحصل لهم مثله جاز لهم جبره وإذا طلب هو ذلك لم يجز لهم تقديمه
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أخونكم من طلب الإمارة»(1)
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص. والوارد النهي عن طلب الإمارة منها: عن المقدام بن معد
يكرب - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب على منكبيه، ثم قال له:
أفلحت يا قُديمُ إن مت ولم تكن أميراً ولا كاتباً ولا عريفاً» أخرجه أبو داود. وانظر
باب الخلافة والإمارة وكراهية الإمارة في كتب الحديث. (13/8)
صفحة 1668
.
مسألة
[ لفظ مبايعة الإمام ]
لفظ مبايعة الإمام: إنا نبايعك لله بيعة صدق ووفاء لنا ولجميع المسلمين على طاعة الله ورسوله والعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى
إقامة الحق في القوي والضعيف والقريب والبعيد والعدو والولي وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنك قد اشتريت نفسك لله على الجهاد في
سبيل الله وقتال أعداء الله حتى يفيئوا إلى أمر الله.
مسألة
[ البيعة المختصرة ]
وهذه أيضاً بيعة مختصر كافية: إنا نبايعك أن تكون إماماً للمسلمين
على طاعة الله ورسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مسألة
[ أقل عدد المبايعين ]
وأقل من تجوز به عقد الإمامة اثنان من علماء المسلمين الذي هم حجة
الله وذلك بعد الرضى والمشورة لعلماء المصر وفقهاء العصر فإذا أنصف
وجبت طاعته على من حضر البيعة أو غاب.
مسألة
[ ما يطلب من الإمام ]
وعلى الإمام الوفاء بما عاهد عليه الله في رعيته لقوله تعالى : { وَأَوْفُوا
بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ } (1) وقال: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُم } (2)
وعلى الكل التسليم للحق والانقياد له من الخلق لقوله تعالى : { الْحَقِّ أَحَقُّ
أَنْ يُتَّبَعَ } (3).
مسألة
[ قول أبي زكريا ]
عن القاضي أبي زكريا(4): إذا عقد الأعلام للإمام مطلقاً وجب عليه الخروج وإن عقد له على دار محظورة لم يلزمه ذلك إلا أن يصير في حد
__________
(1) 1- سورة النحل آية 91 .
(2) 2- سورة البقرة آية 40.
(3) 3- سورة يونس آية 35 { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَع } .
(4) 4- القاضي أبو زكريا: هو العلامة الفقيه أبو زكريا يحيى بن سعيد العقري النْزوي وهو
شقيق العلامة أبي علي الحس بن سعيد بن فريش العقري النْزوي، وأبو زكريا يعد من
فطاحل العلماء وأجل الفقهاء عارفاً بالأصول والفروع له كتاب الإيضاح في الأحكام
والقضاء، طبع لحساب وزارة التراث العمانية. انظر نزوى عبر الأيام ص108. (13/9)
صفحة 1669
القدرة فيكون الخروج عليه فرضاً فكلما حمى بلد أخرج إلى غيرها.
مسألة
[ الاعتراض على من يقول أن الأئمة من قريش ]
قال أبو سعيد: إذا سئلت عن الإمام لا تعرف حاله وما يجب له فقل: يجب للإمام كذا ويجوز له فعل كذا وقول : كذا ومن حاله كذا إذا لم
تسأل عن إمام بعينه وإن قيل: لا يكون الإمام إلا قرشياً لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
«الأئمة من قريش»(1) قلنا له: إن قوله هذا دعوى على كتاب الله تعالى
لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنْكُمْ } (2) فعم الخطاب الكافة من المؤمنين فإن صح الخبر معناه أن
الإمامة في قريش في أيام عدلها ودليل آخر ما يروى عن أبي بكر الصديق
رضي الله عنه أنه قال في خطبته لما ولي الإمارة: إني وليتكم ولست بخير
منكم فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت فلا سبيل لي عليكم.
مسألة
[ خلافة عمر بن العزيز - رضي الله عنه - ]
ولا تجوز إمامة من لم يجمع المسلمون على إمامته وإن عدل وحكم بما أنزل الله وجبت طاعته ألم تر أن المسلمين لم يتولوا عمر بن عبد العزيز وهو صحيح السيرة لما استبز في الإمارة برأيه.
مسألة
[ السؤال عن أهل الأحداث ]
وإذا غرب علم من قدم الإمام فحكم الوقوف حتى يصح حاله وصحة
إمامته ولا تصح البراءة منه حتى يصح جوره ولا يلزم السؤال عنه وإنما
__________
(1) 1- هذا الحديث صحيح ورد بصيغ متعددة منها : «الناس تبع لقريش في الخير والشر»
أخرجه مسلم رقم 11819الإمارة، و«الناس تبع لقريش في هذا...» البخاري ومسلم
- 6/385، مسلم رقم 1818، ومنها: «لا يزال الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان
البخاري 6/389، وانظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 4/42 - 43،
44، 45، 46 وللعلماء في تأويل وتفسير الحديث مذاهب مختلفة والله أعلم.
(2) 2- سورة النساء آية 59. (13/10)
صفحة 1670
السؤال عن أهل الأحداث المجتمع على تحريمها الذي يكفر راكبها وإذا لم
يصح الحدث لم يلزم السؤال.
مسألة
[ متى يتم عزل الوالي ]
عن أبي محمد: وعلى الإمام عزل الوالي إذا شكته الرعية ولا يكلفهم
البينة بإحداثه التي يستوجب بها العزل ويولي أرباب الفضل والأمانة
وللإمام أن يمنع من عمل المغشوش من دراهم وغيرها.
مسألة
[ من وظائف الإمام ]
وليس للإمام أن يعاقب على بيع المغشوش فإن قيل له: لم جاز له على
فعل ثم لا ينهى عن الرضى به؟ قلنا: لأنها أملاك لملاك فإن كانت فاسدة أو متغيرة بفعل أربابها فإن ملكهم لم يفارقها.
مسألة
[ ما يجب على الإمام وما ينهى عنه ]
وعلى الإمام استعمال الأمناء في رعيته فإذا رفع إليه المسلمون مظلمة
على عامل ذلك قبل منهم وأنفذ ما رفعوه إليه وردهم إلى الحق وقبل نصح أوليائه وإخوانه وأمرهم بالمعروف والنهي عن المنكر. وإذا استعمل الإمام
عاملاً بعد أن صح ظلمه وجوره واستتيب فإن لم يتب وأصر استحق الخلع
وإن لم يصح ظلمه بشهادة عدلين وكره المسلمون له استعماله كابه القبول منهم والأخذ بالثقة في دينه وأمانته قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ } (1) الآية. فعلى الإمام الإنصاف أولاً من نفسه وماله ورعيته
وقال الله تعالى: { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَق } (2) تمام الآية.
ويكره للإمام وعماله قبول الهدايا من ضارب أو أهل الأمن من عود
ذلك وأما قبول الهداية على الحكم فذلك سحت محجور فإن فعل لزمه رد
ما أخذ(3).
مسألة
[ صفات الولاة ]
__________
(1) 1- سورة النساء آية 135.
(2) 2- سورة ص آية 26.
(3) 3- لأن الهدية في مكان الشبة رشوة، وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: «هدايا العمال غلول». (13/11)
صفحة 1671
ولا يجوز للإمام استعمال السفهاء من أقاربه ولا سواهم وكفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً لخائن وأمينه خائن(1)، ومن ولى على أمانته السفهاء فقد خان أمانته ولزمت استتابته إن تقدمت له ولاية وإن أصرى برأيه منع وخلع.
مسألة
[ من هو المتولي للأحكام ]
ولا يجوز للإمام أن يولي الأحكام إلا من يحسنها فإن أبى فقد رد الأمر
إلى من لا يعلم أنه يعدل فيهم أو يجور أو يخطئ أو يصيب.
مسألة
[ صفات المتولي على الصدقات ]
ولا يجوز للإمام أن يولي على الصدقات من لا يعرف عدلها ومن
يأخذها ويضعها في غير حلها وليس له تولية غير العارف بأمور الحرب على سراياه وجيوشه وإن ولي على أمر من أموره غير أهله فقد حكم بغير ما
أنزل الله ووضع أمانته مع غير أهلها.
مسألة
[ صفة ولاية الكتمان والظهور ]
فإن قيل: فما صفة الكتمان والظهور؟ قلنا: إن كتمان المسلمين أكثر من ظهورهم منذ مات علي(2) رضي الله عنه إلى زمن عبد الله بن يحيى(3)
كلها كتمان وهو سبعة وتسعون برهة فإن قيل: فما الظهور؟ قلنا: هو زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين من بعده فإن المسلمين أظهروا دينهم وحاربوا
__________
(1) 4- هذا معنى حديثه - صلى الله عليه وسلم -: «يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاة ظلمة
خونة وفقهاء كذبة فمن أدركهم فلا يكون لهم عريفاً ولا جابياً ولا خازناً» كنْز
العمال 6/77 رقم 14909 الخطيب عن أبي هريرة.
(2) 1- علي: هو الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوج ابنته
الزهراء -رضي الله عنها- ورابع الخلفاء الراشدين، لم تجتمع الإمامة عليه، وقامت
في عصره صفين والجمل، وهو أشهر من أن يكتب عنه ويعرف.
(3) 2- الإمام عبد الله بن يحيى الكندي الحضرمي الملقب بطالب الحق، التقى بأبي حمزة
المختار بن عوف الأزدي في موسم حج 128هـ وثار ضد الأمويين عام 129هـ = (13/12)
صفحة 1672
من خالف أمر الله فظهروا على المشركين وأظهروا دين رب العالمين وعلى
أئمة العدل إذا ظهروا لم يستطيع أحد أن يعصي الله ويطيع الشيطان لعنه
الله بين أظهرهم علانية إلا أخذوا على يديه أخذاً وبيلاً ومنعوه عن هواه عقوبة وتنكيلاً كما وصفهم الله إذ قال: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي
الْأَرْضِ } (1) الآية.
مسألة
[ حكم الله في أهل الفساد ]
وإذا أظهر الله أهل الحق أوهن الباطل ولا يجتمعان أبداً ولن ترى على
أهل الحق من أهل الباطل يداً ومن رغب عن طاعة الله أذله وقض وحد
حسامه وأفله والحق هو سيف الله على العباد والقاصم لأرباب الكفر والعناد ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.
مسألة
[ لا بد من إظهار أمر السلطان ]
ولا يجوز لسلطان أهل العدل أن يكتم لأن اسم السلطان لا يقع إلا
على متسلط بأمر الله حاكم بالعدل على عباد الله عامة قاهر الباطل
وأهله فإن لم يفعل ذلك صار كسواد الناس وعوامهم فإذا لم
يأمر بالمعروف وينهى عن منكر فقد زال عنه اسم السلطان وصار
حزباً للشيطان.
مسألة
[ صفات الإمام ]
وعلى المسلمين أن يختاروا لأمرهم أفضل أهل زمانهم ممن يقوم بالحق ويعمل به وإن يكون أعلمهم وأفقههم بالكتاب والسنة مع ورع صادق
ويقين خالص وعفة بطن شديد في غيره عفيف لين الجانب من غير ضعف. وينبغي للإمام أن يكون مأمون الغوائل عاملاً بما علم وبما لم يعلمه مسائل
ولا ينهى عن شيء إلا وقد انتهى عنه ولا يأمر بشيء إلا وقد ائتمر به وأن يحب لرعيته ما يحب لنفسه وعياله.
مسألة
__________
(1) = واحتل صنعاء ووجه حملة إلى مكة للاستيلاء عليها على أن تواصل الحملة السير إلى
الشام، فسقطت مكة دون قتال وتلتها المدينة بعد معركة قديد عام 130هـ، ثم
استردها الأمويون وقتل بمعركة جنوب مكة في مواجهة مع الجيش الأموي بقيادة
عبد الملك بن عطية السعدي، وتشكل حركته أول إمامة ظهور الإباضية بجزيرة
العرب. انظر كشف الغمة ص299 رقم 477.
1- سورة الحج آية 41. (13/13)
صفحة 1673
[ بمن يستعين الإمام ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له الناهين عن
المنكر الراكبين له»(1) وأن يستعين في أموره الصالحين الأخيار وأن يشد
وطأته على المردة الفجار المساوي بين البعيد والقريب والأهل والغريب.
مسألة
[ أخلاق الإمام ]
ومن أخلاق الإمام أن يكون طويل التفكر في رعيته الرشيد في حالته المشفق للعامة يسلك سبل السلامة عن عمر رضي الله عنه قال الخلافة ما
ائتمن عليها والملك ما أخذه قهراً بالسيف وعنه الإمامة في ذوي الصلاح
ولو كان أسود أو قال: «والله لو أدركت أبا عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة
لعله أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفه عليكم ولم تخالجني فيه الشكوك وهل
دليل على أنهما أصلح زمانهما.
مسألة
[ صفات المسلم ]
والإمام الذي يؤمن الظلم والهضم وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا يؤمر الفاجر إلا الفاجر فالمسلم لا يخالف الاستقامة ولا ينكر
العدل وإذا التبس عليه أمر رفضه حتى يتحقق حقه فيعمل به أو باطل فيذره.
مسألة
[ من صفات الإمام ]
ولا ينبغي للإمام أن يكون عجولاً في أموره لأن من لقي الله تعالى على غير استقامة لم يستطع العودة إلى دار الغرور وليصلح ما أفسده من الأمور
لا يريد بالاستقامة ولا يبتغي عنها حولاً.
مسألة
[ قول أبو عبيدة في الإمامة والرعية ]
عن جابر بن زيد(2)
__________
(1) 1- هذا مصداق حديثه - صلى الله عليه وسلم - عن أبي زيد أسامة بن حارثة -رضي الله عنهما- قال:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق
أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا
فلان مالك؟! ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقول: بلى، كنت آمر
بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» متفق عليه.
(2) 1- جابر بن زيد -رضي الله عنه- مؤسس أهل الدعوة انظر تراجم الأجزاء السابقة. (13/14)
صفحة 1674
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «المؤمن وقاف والمنافق وثاب»(1) قال أبو عبيدة:(2) الواقف السائل مصيب والواقف الشاك في
أمر مريب عن أي عبيدة أن الإمام إذا رأى من رعيته العدول عن طاعة
الرحمن والولوج وانهماك في العصيان دعاهم إلى الوفاء بطاعته وإذا كتم
خرج من الإمامة وضلت رعيته بارتكاب المحظور وإذا قهر وذل وقسر
خرج من الإمامة.
مسألة
[ طلب الإمام الاستقالة ]
وقيل: إن أبا بكر بلغه أن جماعة من الناس كرهوا تقديمه فخطبهم
وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس كرهتموني فأقيلوني أقيلكم لعلة فاستقيلوني أقلكم فأجابه علي هيهات هيهات لا تقال ولا تستقال فأجمع
صالح الأمة على الرضى بإمامته ولا حجة في إنكار العوام الدليل على أن
الحجة هم العلماء قوله تعالى: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِه } (3) إلى قوله: { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فالمستنبطون
هم العلماء بالكتاب والسنة وكان عمر إذا رأى من المسلمين تقصيراً أما إن توفوا بما عاهدتم وإلا خرجت من الإمامة لأن وجب عليه الوفاء لله.
مسألة
[ عدد رجال الإمام ]
وإذا بقي مع الإمام أربعين رجلاً يتولى بعضهم بعضاً صلحاء أمناء فلا
عذر له في الضعف وإن لم يكن بتلك الحالة وسعه الخروج منها وحل للولي وصار بحد التقية وحالة الداخل في الإمامة كحالة المسجون أو مرتكب
__________
(1) 2- هذا الحديث له شواهد كثيرة منها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤمن غرٌّ كريم، والفاجر خبٌّ لئيم» رواه أبو داود رقم 790 في الأدب،
باب حُسن العشرة والترمذي رقم 1965 في البر والصلة وهو حديث حس،
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد في المسند، والحاكم 1/43 وغيرهم.
(2) 3- أبو عبيدة هو عالم المذهب -رحمه الله- انظر التراجم في الأجزاء السابقة.
(3) 1- سورة النساء آية 83. (13/15)
صفحة 1675
للخطر وقد روي أنه قال: وددت أن تضرب عنقي أحب إلي من أن أتولى
هذا الأمر وعلى ظهر الدقعاء زمن من هو أقوى عليه مني.
مسألة
[ حكم مغتصب الإمامة ]
ومن دين المسلمين تقويم الأئمة عن تراض ومشورة ومن اغتصب الإمامة فهو باغ بعد أن يمتنع عن ردها إلى أهلها.
مسألة
[ من صفات الإمام ]
ومن إن دينهم أن لا يتخذوا إماماً ضعيفاً عن نكاية العدو ولا مداهناً ومن دينهم لا يجبوا صدقة من لا يحموه ومن دينهم لا يجمعوا زكاة وخراجاً
في أرض واحدة.
مسألة
[ متى تكون بيعة الدفاع ]
وإذا حاذر المسلمين على الدولة أن تذهب وعلى البلد والرعية أن تعطب جاز لهم أن يبيعوا رجلاً بيعة دفاع إذا كان ذا قوة ونظر وورع وتوقف ولو
لم يتول ببصر نفسه ولا يبري ببصر نفسه.
مسألة
[ مشاورة الإمام للأمة ]
وعلى الإمام أن لا يقدم على شيء إلا بمشورة من المسلمين من أهل العلم والورع وهم الأولياء لا سواهم فإن خالف شرطاً مما اشترطوا عليه زالت
إمامته بنقضه للعهد الذي بويع اتفاقاً.
مسألة
[ عزل إمام الدفاع ]
وإذا عقد المسلمون لإمام الدفاع الضرورة فإذا زالت الضرورة وانزاحت جاز لهم عزله إذا وجدوا من هو للإمامة موضع ولم يقترف حوباً بمعرفة منها.
مسألة
[ العلم من شروط الإمامة ]
وإذا كان الإمام قليل العلم وشرط عليه العقاد شروط لا تستقيم الإمامة إلا بها تم حكم بحكم في مال أو نفس أو نصب حرباً على وجه الحكم من
غير أن يدعي حقاً لنفسه فعورض فادعى مشورة المسلمين قبل منه ولا يلزمه
أن تبين من شاوره وقيل: يلزمه البين طلب منه أو لم يطلب وقيل: إذا طلب النْزح عن نفسه أشبهه.
مسألة
[ مشاورة الإمام للأمة ]
وأما إن ادعى أنه شاور أحداً من أهل الدعوة ممن لا تثبت له ولاية فلا حجة له بذلك فإذا احتج بقوم قد احتضر وإلا فلا يساء الظن بإمام المسلمين وهو على إمامته ومنزلته ومن لم يكن له ولاية فليس هو من أهل الشورى (13/16)
صفحة 1676
فإن احتج برجل واحد من أهل الشورى كان بذلك حجة لأن هذا بمنْزلة
الفتيا في الحكم فإن رام منهم كتاباً فيما يأتي وما يذر فكتبوا له وقد صح مخالفته لما كتبوا فلهم منعه ويلزمه قبول ذلك منهم فإن رسموا له صفة ما
يفعلونه الأئمة ولم يخصوه هو بذلك فإذا جعلوا له فعل ذلك جاز له فعله
وإلا فلا.
مسألة
[ حكم الاستغناء عن المشاورة ]
وإذا لم يكن الإمام عالماً ولم يتق الرخص التي غير معمول بها فطلب من المسلمين أن يكتبوا له كتاباً بما يأتي وما يذر ليستغني به عن مشورتهم فليس
لهم إجابته.
مسألة
[ متى يعزل الإمام ]
وإذا كان بالإمام فظاظة وخوفاً على المسلمين وقلة المبالاة بهم لا يقبل
إلا بما يهوى وهو قليل العلم فلا تصح إمامته لأن موسى بن أبي جابر(1)
عزل محمد بن أبي غسان(2) بهذه الخصال قال الله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ
رَحِيمٌ } (3) وقال: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } (4) فإذا كان على غير هذه الصفة كان مخالفاً.
مسألة
__________
(1) 1- موسى بن أبي جابر: من بني ضبة وقيل من بني سامة بن لؤي بن غالب كان أحد
العلماء الأربعة الذين حملوا العلم عن الربيع بن حبيب -رحمه الله- من البصرة إلى
عُمان، وكان من العلماء في عصره ومرجعاً للمسلمين في ذلك الأوان وعلى رأسه
قامت الإمامة بعد انقطاعها بقتل الإمام الجلندي. انظر إتحاف الأعيان 1/168.
(2) 2- محمد بن أبي غسان: لعله: أبو عبد الله محمد بن أبي غسان النْزوي من أجل
العلماء بالقرن السادس الهجري ويقال أنه توفي في الثامن والعشرين من جمادى
الأولى سنة 79هـ من خلال هذا التاريخ أن المعاصر لموسى بن أبي جابر غير هذا والله
أعلم. نزوى عبر الأيام ص30.
(3) 1- سورة التوبة آية 128.
(4) 2- سورة الفتح جزء من آية 29. (13/17)
صفحة 1677
[ شروط عزل الإمام وإعادته ]
وإذا عقد المسلمون لإمام ضعيف على شرط أن لا يقدم على أمر إلا برأيهم فغابوا أو ماتوا وبقي معه ضعفاء علم وبصر إلا أنهم ثقات أمناء فعلى هذا الإمام القيام بما بلغ طوله وحوله ويستعين بمن حضره من ذكرت ويعمل
بما علم ويقف عما جهل وإذا خالف الإمام الضعيف ما شرط عليه ولم
يتلف مالاً ولا نفساً ثم تاب وأناب بطلت إمامته وهو على ولايته وصار كواحد من المسلمين وليس لهم مبايعته ثانية إلا بعد استبراء حالته
والاستدامة لينظر حاله فأراه مستحقاً فلا بأس عليهم أن يعقدوا له ثانية
انتظروه سنة فإن استقام وإلا رفضوه.
مسألة
[ قول علي -رضي الله عنه- في شروط الإمامة ]
وقيل: لما خرج طلحة(1) والزبير(4) إلى مكة قام علي على المنبر فحمد
الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس أحق عباد الله بهذا الأمر أقواهم عليه
وأتقاهم لله فيه ولا يحل إلا برضى المهاجرين والأنصار ولعمري أن لو
كانت الإمارة لا يكون حتى يحضرها جميع المسلمين ما كان إلى ذلك من
سبيل وأقل ما على الإمام أن يعلم ما يسع جهله ومالا يسع جهله وإنما
يستحق الإمامة بكمال بصيرته وصحة علانيته وسريرته وبيان النصيحة منه للعباد والذود عن البلاد ولو كان لا يستحق الإمام الإمامة وفي المصر من
هو أعلم منه لاختلطت أمور المسلمين ولكانوا كل يوم ينتظرون من يزيد
إمامة إمامهم إذا أتى من هو أعلم منه.
(2)
__________
(1) 3- طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب...
القرشي المكي أبو محمد. أحد العشر المشهود لهم بالجنة له عدة أحاديث حدث عنه
بنوه، يحيى وموسى وعيسى والسائب بن يزيد ومالك بن أوس بن الحدثان وغيرهم =
(2) = كثير، شلت يده يوم أحد وهو يقي النبيص، اشترك في الفتنة في قتال علي -رضي الله
عنهما- وقتل سنة 36هـ في جمادى الآخرة وقيل في رجب وهو ابن اثنتين
وستين سنة أو نحوها. وقيل أن الذي قتله مروان بن الحكم. انظر سير أعلام النبلاء
1/23 - 40.
4- الزبير: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي... حواري رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد
الستة أهل الشورى، وأول من سل سيفه في سبيل الله، أبو عبد الله أسلم وهو حدث،
له ست عشرة سنة وغيرهم. شارك في الفتنة التي وقعت بعد مقتل عثمان -رضي
الله عنه- قتل يوم الجمل وقال علي لقاتله: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قاتل
زبير في النار» انظر سير أعلام النبلاء 1/41 - 67. (13/18)
صفحة 1678
مسألة
[ مناقب معاذ بن جبل ]
وقد ولى المسلمون أبا بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ
حاضراً وهو الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يأتي معاذ إمام العلماء وفي
نسخة: أعلم العلماء»(1) وفي الحديث مناقب الصحابة رضي الله عنهم أن
معاذ أعلم أمتي بالحلال والحرام(2).
مسألة
[ من كلام علي في الإمامة ]
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص(3) في بعض غزواته وفي الجماعة خير منه واستخلف المسلمون بعد موت نبيهم أبا بكر وفي الجماعة من هو أعلم منه وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «معاذ يسبق العلماء بِرَتْوةٍ ومعاذ في الجماعة»(4).
مسألة
[ تابع كلام الإمام علي -رضي الله عنه- ]
ولا إمامة لمحجوب البصر لأنه لا قضية له ولا شهادة وأما في الحدود في القذف فلا بأس بإمامته إذا كان أهلاً لها بعد أن يتوب.
مسألة
[ الفرق بين الإمام والعالم ]
__________
(1) 1- انظر سير أعلام النبلاء حياة معاذ بن جبل 1/449 والاستيعاب في معرفة الأصحاب
10/105 رقم 2416.
(2) 2- نفس المصادر السابقة.
(3) 3- عمرو بن العاص: الإمام أبو عبد الله ويقال: أبو محمد السهمي، داهية قريش
ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة والدهاء والحزم. هاجر مسلماً في أوائل
السنة الثامنة مرافقاً لخالد بن الوليد وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة. حدث عنه
الجمع الغفير، اشترك في الفتنة وكان في معسكر معاوية بن أبي سفيان، له مواقف في
الجاهلية كثيرة منها ترأس وفد قريش للنجاشي ومواقف كثيرة في الإسلام منها يوم
اليرموك -رضي الله عنه- توفي في مصر ليلة عيد الفطر سنة 42هـ وقيل 43هـ. انظر
سير أعلام النبلاء 3/54 - 77 رقم 15.
(4) 4- انظر سيرة معاذ بن جبل في سير أعلام النبلاء 1/446. (13/19)
صفحة 1679
عن أبي المؤثر من كتاب البيان والبرهان(1)، فإذا ظهر المسلمون في أرض قدموا أفضلهم فإن استووا فأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشدهم بأساً وأنكاهم للعدو والإحاطة من وراء حريمهم والحفظ للرعية.
الفرق بين الإمام العالم وخلافته فإن المسلمين إذا عقدوا للعالم الإمامة فوضوا الأمر إليه وإن قدموا الضعيف عند عدم العالم جازوا ذهاب الدولة واستيلاء العدو عليهم على شروط يشرطونها عليه وهو أن لا يقدم على
شيء إلا بمشورتهم.
مسألة
[ من شروط الإمام ]
ولا يجوز لهم أن يعترضوا من ينتهك ما يدين بتحريمه ويستتيبونه
ويقدمونه إماماً إذا ذلك لا يتوب إلا للتقدمة والإمارة وقد صار منها مرتاباً
في أمره فإذا كان عليهم عزل المتهم بعد أن عقدوا الإمامة فكيف يجوز لهم العقد على متهم قال الله تعالى: { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } (2) الآية.
وإذا نزل الإمام بمنزلة التهمة استتابه المسلمون فإن تاب وإلا عزل فإن لم
يعتزل وحارب حورب وصار باغياً حتى يفيء إلى أمر الله.
وإذا وجب على الإمام الحج إذا استأمن على أمانته من يثق ويجعل للرعية خليفة لا إماماً ولمن يجعله له أن يفعل كفعله.
مسألة
[ وجوب الإمامة ]
عن الفضل بن الحواري(3) والوضاح بن عقبة(4)
__________
(1) 1- كتاب البيان والبرهان: للعلامة الورجلاني وهو مغربي من علماء المذهب.
(2) 2- سورة التوبة آية 109.
(3) 1- الفضل بن الحواري: هو الشيخ الفقيه العلامة أبو محمد الفضل بن الحواري
الأزكوي من بني سامة بن لؤي بن غالب من أشهر علماء عمان في القرن الثالث
عاصر الفتنة وقتل فيها -رحمه الله- انظر إتحاف الأعيان 1/197.
(4) 2- الوضاح بن عقبة: من علماء عُمان وقد عمل كوالي للإمام مهنا بن جيفر علي توام،
وقد قتل في فتنة بني الجلندي ومن عقبه من العلماء ابنه زياد وحفيده الوضاح بن
العباس بن زياد وهو من الطبقة الرابعة من علماء عُمان. كشف الغمة ص258. (13/20)
صفحة 1680
وموسى بن علي(1): لا يعقدوا لواء ولا يقيموا حداً على متبع هواه ولا يجهر عرمرم ولا يؤمن أحداً من الأمم ولا يحكم بحكم قد أجمع عليه أرباب العلم إلا بإمام حر نقي مسلم.
مسألة
[ أهمية معرفة الإمام ]
وإذا سأل العامة الإمام عن من عقد له الإمامة فليس عليه إعلامهم لأنهم
ليسوا بحجة ولا كرامة لهم وإنما ذلك عليه العلماء وقيل: النظر إلى أئمة
العدل عبادة.
ومن ترك معونة الإمام مع استطاعته لذلك فمنزلته خسيسة ومن صحت منه التقية من أئمة العدل فقد أوجب على نفسه البراءة مع من يتولاهم
وهو رأي محمد بن جعفر(2) والربيع وتجوز التقية للإمام إذا توعد على فعل
حق ومن يتق على إنفاذ كلمة حق فلس بإمام.
مسألة
[ الإكراه على فعل الشرك ]
ومن اتقى مشركاً وأمره ليسجد لوثنه وتوعده إن لم يفعل وغلب على
ظنه إن لم يفعل فعل به جاز له ذلك وله العذر عند الله والمسلمين ولا يجوز
هذا ممن دان به واعتقد الرضى به.
مسألة
[ الإمام عند اتحاد القطرين ]
وإذا اتصلت مملكة إمامين كإمام حضرموت وإمام عمان اختار المسلمون أيهما أحق بالإمامة منهما وأقاموا إماماً لهم ولا يجوز أن يكون إمامان في أمر واحد.
مسألة
__________
(1) 3- موسى بن علي: العلامة الجليل موسى بن علي بن عزرة الأزكوي كان هو وأخواه
محمد بن علي والأزهر بن علي من أجل العلماء في زمانهم، ولد ليل عاشر من
جمادى الأخرى سنة 177هـ قبل وفاة جده موسى بن أبي جابر، نشأ في وطنه
أزكى. انظر إتحاف الأعيان 1/182 - 193.
(2) 1- محمد بن جعفر: هو الشيخ العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي من مشاهير
العلماء في زمانه ومن المؤلفين المجيدين وهو من علماء النصف الأخير من القرن
الثالث، وكان أصم من أشياخه العلامة محمد بن محبوب له مؤلفات منها جامع بن
جعفر وقد حققت القطعة الثانية في الأجزاء الرابع والخامس والسادس. ولدينا القطعة
الثالث وهي الجانب العقابي. كشف الغمة، إتحاف الأعيان 1/206 - 208. (13/21)
صفحة 1681
[ موقع الإمام عند اتحاد البلدان جميعها ]
وإذا اتصلت مملكة الأئمة بطلت إمامة الكل واختار المسلمون إماماً لإمام البحرين وعمان وإمام حضرموت ولو كان بنَزوى إمام وبصحار سلطان لجاز لأهل الجو أن يقدموا إماماً فإذا اضمحل ملك السلطان الذي بصحار واتصلت مملكة نزوى والجوي بطلت إمامتهما واختار المسلمون إماماً يقيمونه.
مسألة
[ من تجب طاعته ]
وإذا قدم الإمام من لا ولاية له ولا عداوة فلا يلزم المسلمين إمامته ولا إعانته وليس كل من انتحل الدعوة وتسمى بالنخلة وجبت إجابته وطاعته وفي الحديث: «من قتل تحت راية عمية مات موتة جاهلية»(1) والعمية الضلالة.
وليس للإمام أن يسأل رعيته الحل من أموالهم لأنهم يتقوه فإن بدؤوه
بالحل جاز وليس له أن يحتجب عنهم إلا لما لا بد منه للحديث «من أولاه
الله أمور خلقه فاحتجب حجب الله رحمته عنه»(2).
النهج السادس والثلاثون
في حدث الإمام و سراياه
و أحكام ذلك
النهج السادس والثلاثون
في حدث الإمام و سراياه و أحكام ذلك
مسألة
[ حكم السلب وسفك الدماء ]
__________
(1) 1- الحديث: عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من قُتل تحت راية
عمية يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقتله جاهلية» أخرجه مسلم رقم 1850 في الإمارة
باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، والنسائي 7/123 في تحريم الدم،
باب التغليظ فيمن قتل تحت راية عمية.
(2) 2- رواية ثانية: من ولي من أمور المسلمين شيئاً فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم، وفقرهم
وفاقتهم احتجب الله عنه يوم القيامة دون خليته أو حاجته وفاقته وفقره، رواه مسلم
في صحيحه كتاب الإمارة رقم 1826 وأبو داود رقم 2851 كتاب الوصايا، راجع
عون المعبود شرح سنن أبي داود 8/70 - 71. (13/22)
صفحة 1682
وإذا صح في رعية الإمام ممن جهزه للانتهاك كالسلب وسفك الدماء وحرق الدور فإن جهزهم وخرجوا برأيه وعلم فعلهم ضمن الفاعل والإمام ذلك في أموالهم دون أموال الله وإن خرجوا بلا رأيه فضمان ما ركبوا في أموالهم وكان الإمام مستحلاً لما أمرهم بفعله ومتأولاً فذلك خطأ وهو في
مال الله.
مسألة
[ أثر الخطأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
عن محمد بن محبوب(1): لأن الإمام أو ولاته إذا بعثوا من يأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر فأخطأ سبيل الرشاد وسلكوا منهج العبث
والفساد فلا عليهم وعليهم الضمان وهو في بيت المال.
مسألة
[ وصية الإمام للجيش ]
عن أبي عبد الله محمد بن محبوب: وإذا بعث الإمام من يأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر فعرضوا ما خرجوا له وحوربوا وسلبوا جهلاً
فإذا صح صنيعهم بشهادة عدلين ضمنوا ما تعدوا فيه من أخذ المال
وحرق المنازل وهو في مال الله وعلى الإمام أن يتقدم على من يبعثه
ويعرفهم ما يأتوا وما يزيدوا فمن تعدى على شيء مما نهى عنه كان
ضمانه في ماله خاصة.
مسألة
[ أثر مخالفة رأي القائد ]
وإذا خرج الإمام بمن معه على أهل البغي فبغى من بغى من عسكره فحرق وسلب فخيانة الفاعل في نشبه إذا نكص وخالف ما أمر به.
مسألة
[ دية من قتل برأي القائد ]
عن أبي عبد الله: وإذا خرجت سرية الإمام فضربوا أحداً بغير حق فمن مات ممن أكلوه في ثلاثة أيام فعلهيم القود وإن مات بعد ثلاث فعليهم الدية وإن ضربوه بما استحق برأي الإمام أو برأي القائد فالدية في مال الله.
مسألة
[ أثر استتابة الإمام ]
عن الصلت بن مالك(2)
__________
(1) 1- محمد بن محبوب: من أعلام المذهب انظر الأجزاء السابقة.
(2) 1- الصلت بن مالك: هو الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب اليحميدي الخروصي
عقدوا له البيعة بعد وفاة الإمام المهنا بن جيفر، وذلك بعد العصر من يوم الجمعة 16/
ربيع الثاني سنة 237هـ ومن العلماء الحاضرين للبيعة محمد بن محبوب الرحيلي،
والمعلى بن النير، وزياد بن الوضاح، ومحمد بن أبي حذيفة وغيرهم كثير. سار على
نهج سلفه وأصاب عُمان الجوائح وتوفي رحمه ليلة الجمعة منتصف ذي القعد من
سنة 275هـ ودفن في مقبرة الأئمة في نزوى. نزوى عبر الأيام 82 - 85. (13/23)
صفحة 1683
: وإذا حدث الإمام فاستتابه المسلمون وأقروه
بعد أن تاب وهو على حالته من الولاية وليس للمسلمين أن يأتمنوا أهل الإحداث على دمائهم وأنفسهم فإن عزلوه فأبى الاعتزال حاربوه وإن تابوا قبلوا منه وتولوه.
مسألة
[ أثر عدم انصياع الإمام للمسلمين ]
وإذا حدث الإمام حدثاً فالكرة عليه المسلمون فادعى أنه محق فيه
وأن المنكر هو المبطل فعليهم خلعه إذ هو محدث مبطل مصر فإن أبى
ناصبوه الحرب.
مسألة
[ أثر توبة الإمام على الولاية ]
وإذا خلع المسلمون الإمام بحدث فاستتابوه عماله جاز لهم استعماله لأن
على المسلمين قبول التوبة وبلغنا أن المغيرة بن شعبة(1) كلم علياً في تثبيت معاوية على الشام بطاعته فأبى علي وقال: ما كنت متخذ المضلين عضداً.
مسألة
[ وصية الإمام غسان بن عبد الله ]
عن أبي مودود والي الإمام غسان بن عبد الله(2): لا تولي من يختلف
عليك المسلمون في عدالته فتخون الله بخلافة الصادقين الذي يحبون الله
ويريدون وجهه وأنت قادر على ذلك.
مسألة
[ بطانة الإمام ]
__________
(1) 1- المغيرة بن شعبة: ابن أبي عامر بن مسعود بن معتب الأمير أبو عيسى من كبار
الصحابة أولى الشجاعة والمكيدة شهد بيعة الرضوان، وكان يقال له مغيرة
الرأي. حدث عنه بنوه عروة، وحمزة، وعقاد والميسور بن مخرمة وغيرهم
الكثير، توفي رضي الله عنه سنة 50هـ وله سبعون سنة. انظر سير أعلام النبلاء
3/21 - 32.
(2) 2- الإمام غسان بن عبد الله: عقدوا له الولاية بعد وفاة الإمام الوارث وذلك في 6/
جمادى الأولى سنة 192هـ وكان على رأس العلماء العاقدين له العلامة سليمان بن
عثمان النْزوي ومسعدة بن تميم النْزوي، فقام بالحق خير قيام، حارب الجور فلم يستقر
له المقام وحارب القراصنة. توفي رحمه الله 26هـ من شهر ذي القعدة الحرام سنة
207هـ. انظر نزوى عبر الأيام ص72 - 75 . (13/24)
صفحة 1684
وإذا ائتمن الإمام من لا يراه الصالحون أميناً فقد خان الله وحاربه وحل خذلانه وحرمت نصرته ولا يميلن إلى العسر ومعه العسر وهم الصالحون
المقلدون أمورهم قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } (1).
مسألة
[ خروج الوالي عن طاعة الإمام ]
وإذا خرج الوالي من طاعة إمامه ولم يتعذر عنه بمظلمة ولم يدر طاعة
إمامه فللإمام عزله فإن أبى بعث إليه ثقاتاً ينصحونه فإن لم يقبل عوقب فإن امتنع حورب وكان باغياً عاصياً فإن احتج بحجة هاودوه حتى يعلموا حجته وأنه باغ أم مبغياً عليه ولا يجوز خلع الأئمة والبراءة منهم بالظنون والتهم من رعاياهم بل صادقة فيما غاب من أحكامها جائزة الرأي فيما تريد من مصالح رعاياها بذلك جرت سنة نبيها ما لم يخرج إلى صرح معصية بأربابها.
مسألة
[ معالجة ارتكاب الأعوان المنكر ]
عن أبي سعيد: وإذا ظهر أعوان الإمام منكر أو حاذر إن عاقبهم في تلك الحال أن تفشل دولته ورجاء أن يعينوه على صرف ما هو أعظم منه منكراً
ففي ذلك اختلاف قول: لا يسعه إلا إنفاذ الأحكام وقول: هو كغيره
وتسعه التقية هذا إذا كان غير مناصب للعدو وأما إذا ناصب الإمام عدوه للحرب فله ترك الأحكام وإقام الحدود حتى يفرغ من حرب عدوه وله
الخيار في ذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حقوق الله وله
فيها الخيار لما يصلح الإسلام من مؤاخذة أو ترك.
مسألة
[أثر اجتهاد الإمام]
وإذا اجتهد الإمام في تولية عامل فأصاب العامل شاركه الإمام في الأجر وإن أخطأ فعلى نفسه الوزر وإذا لم يجتهد فأصاب لم يكن له في ثوابه
نصيب وإن أخطأ تنازعنَّ كأس الإثم والحوب.
مسألة
[ عقوبة الضرب غير المبرح ]
وللحاكم أن يود باب الضرب غير المبرح وأكثره ثلاث مرات وقيل:
إلى خمس ضربات فإذا رأى في ذلك زجراً لعسكره ورعيته عن بسط
__________
(1) 1- سورة الأحزاب آية 36. (13/25)
صفحة 1685
أيديهم فيما لا يحل لهم البسط فيه.
مسألة
[ أثر موت الإنسان أثناء إقامة الحد ]
وإذا أمر الإمام بضرب من وجب عليه الحد فمات أيان الضرب أو بعده فلا شيء على الإمام وهذا قتيل الله عز وجل وإن حده فيما يلزمه فيه دون
الحد كالتعزير فله الدية وهي في مال الله وإن ضربه في شيء لا يلزمه فيه
حد ولا تعزير فديته على الإمام في ماله.
مسألة
[ حكم قتل الإمام شخصاً بغير حق ]
وإذا قتل الإمام شخصاً فلما تدبر أمره فإذا هو لم يستحق القتل فديته
على الإمام ولا قود عليه إذا كان الإمام عدلاً وإن كان بعكسه فعليه القود وليس على المأمور شيء إذا أجبره على قتله.
مسألة
[ حكم التجسس على الفسقة ]
وليس على الإمام بأس أن يتجسس عن أصحاب المنكر الفسقة في
دورهم وهو رأي محمد بن محبوب.
مسألة
[ حكم الردة ]
وإذا رأى الإمام امرأة مطروحة ومعها ولد فليس عليه أن يتحسس حالها. وعلى الإمام تعزير من ارتد ولا يعزر تعزيراً يخرج من حد التعزير ولعل هذا ارتد لبعض أديان أهل القبلة ومن ارتد إلى الكفرة فحده القتل.
مسألة
[ أهمية البطانة الصالحة ]
وإذا رأى المسلمون من الإمام حكماً عزب عليهم كيفيته جاز لهم
تصديقه وقد ائتمنه الله على ذلك حتى يصح عندهم خطأه وعليه اتخاذ
وزراء صالحين لا ينتهكون ما حرم في دين رب العالمين.
مسألة
[ اجتهاد الإمام ]
وإذا حكم الإمام بحكم زل فيه وهو مجتهد في إصابة الحق عذر وتولاه المسلمون. ومن ولج في دين المسلمين فحرم منه لحرمتهم حتى ينقض
إيمانهم بكفر ولا يدعي ظالماً حتى يصر على ما دخل فيه من قبيح الأمر.
مسألة
[ أثر اختلاف الإمام والرعية ]
وإذا اختلف الإمام وأرباب الدار في حكم فليس لهم أن يقطعوا فيه حتى يراجعوا المسلمين فيخبرونهم بخطئهم أو صوابهم.
مسألة
[ أثر قصر نظر الإمام للأحداث ] (13/26)
صفحة 1686
وإذا نزل بالرعية حكم قصر نظر الإمام عنه فليس لهم خلعه حتى يسأل عنه العلماء وليس له أن يحكم فيما اشتبه عليه برأيه حتى يكون بقرآن أو أثر.
مسألة
[ حجية الإجماع ]
وإذا حكم الإمام برأيه أو بمشورة فقيه واحد وخالفه سائر الفقهاء ثبت حكمه إذا كان من طريق الرأي والاجتهاد وهو رأي أبي مالك(1) فإن أجمع
الكل على رأي وخالفهم الإمام وحده بطل حكمه وولي الحكم سواه لأن الإجماع حجة من ذوي الحجة.
مسألة
[ ثبوت ولاية الإمام ]
والإمام حجة الله في أرضه فإن أقام الحق وعمل بالكتاب والسنة ولم
يظهر منه حدث يزيل ولايته وثبوت ولايته.
مسألة
[ وجوب ولاية الحاكم ]
وولاية الإمام تجب بحكم الظاهر ولا تكليف على الناس فيما غاب من أمره وهو حجة على من كان في سلطانه والمسلمون حجة ما قاموا بدين الله فإن غيروا الله بهم وخرجوا من أن يكونوا حجة وهم على حكم كتاب
العدل حتى يصح مروقهم منه ومن خرج من حكم الحق ولج في الباطل بلا محالة وليس بين هاتين المنزلتين منزلة ثالثة.
(2)
مسألة
[ كيفية إقامة الدعوى ]
وإذا ادعى الإمام على أحد حقاً فأنكر المدعى عليه دعي بالبينة العادلة ولا يقبل قوله إذ هو مدع كغيره ولا يجوز أن يحكم لنفسه ويحكم القاضي
بينه وبين خصمه.
مسألة
[ الإمام مصدق في رأيه ]
وإذا ادعى الإمام أشياء مما هو فيها أمين ولا يدعي الحكم فيها غيره فهو مصدق ولا سؤال على المسلمين على كيفية فعله وعلى المسلمين السمع والطاعة له كقطع يد سارق أو حد زان أو ما أشبه ذلك.
مسألة
[ معاملة الإمام بالظاهر ]
وإذا حكم الإمام بحكم فيه مصدق فحكم بما أنزل الله فحظه أخذ وربه أطاع وإن حكم بالهوى في سريرته وخفي أمره على المسلمين فحظه ترك وربه عصى والله محاسبه في ذلك وغيره وليس على الناس علم ما غاب من أمره.
__________
(1) 1- أبو مالك: هو غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري، ذكره السيابي في =
(2) = الطبقة الثالثة من علماء عُمان. كشف الغمة ص297 رقم 476. (13/27)
صفحة 1687
مسألة
[ الإمام مصدق في قوله ]
عن أبي الحسن البسياني: وإذا نجع الإمام رجلاً في مجلس الحكم فتوفي فادعى أنه قتل بحق فإنه مصدق في قوله مطلق في فعله ما لم يخرج فعله
من تعارف الأئمة.
مسألة
[ متى يعزل الإمام ]
وإذا وثب الإمام على أرباب قرية فقتلهم وخرب ديارهم فيما ظهر من
أمرهم لا يعلم منهم حدث فلا يقبل قوله ويستتاب فإن تاب وإلا عزل فإن لم يعتزل وحارب حورب.
مسألة
[ تصديق الإمام فيما يفعل ]
وإذا أمر الإمام بقتل نفس فإذا كان على الحكم فليس على المأمور رسوله على أي حدث استحق القتل والإمام مصدق ما لم يصح مينه.
مسألة
[ تنفيذ أوامر الإمام ]
وإذا أمر الإمام بقتل رجل فسأل النظر في قتله فلا يعجل عليه حتى يتبين من أمره ما شبهة فيه وإن ادعى أن لا ذنب له وسأل البينة كان على الإمام البينة بما يستحق فأن أعجزها زال عنه القتل وقال بعض العلماء أن الإمام مصدق فيما كان على سبيل الحكم لغيره ولا ينبغي الإقدام على النفوس إلا بالصحة وليس الإمام معصوماً في السر والعلانية فإذا كان قول الإمام حجة عليه وادعى حجة تزيل عنه ما وجب عليه كان بمنزلة الخصم في الأموال ويؤجل أجلاً فإذا أجل الأجل نفذ عليه الحكم بالقتل بقول الإمام.
مسألة
[ كيفية ثبوت حد الزنى ]
وإذا ادعى الإمام أنه شهد عليه أربعة شهود على زنى رجل وأنه أقر عنده بالزنى فلا يقبل ذلك منه إلا بالبينة فإن أصحها وإلا أقيم عليه الحد وبري منه.
مسألة
[ إحسان الظن بالحاكم ]
وإذا بخع الإمام متحنفاً ولياً في مجلس الحكم فالقاتل والمقتول على
ولايتهما حتى يصح باطل أحدهما فإن طالبه أولياؤه أن يبين لهم أمره فبينه فسبيل ذلك وإلا فعليهم أن يحسنوا بالإمام الظن.
مسألة
[ متى يعزل الإمام ]
وإذا خرج فعل الإمام من تعارف على الأئمة سأله المسلمون عن فعله فإن أصح عذراً وإلا استتيب فإن أبى عزل فإن لم ينزل وحارب حورب.
مسألة
[ أهمية البينة في الدعوى ] (13/28)
صفحة 1688
وإذا أمر الإمام بقتل رجل أو رجمه وادعى أن البينة قامت له بفعله صدق إلا أن تصح تهمته وليس عليه إحضار البينة إذا طلب ذلك المأمور بقتله أو
رجم فلا يستعجلوا عليه حتى تشهد عليه البينة بحضرته.
مسألة
[ الإنصاف من الجاني ]
وإذا قتل الإمام قتيل أو سرق له نشب جزيل أو قليل أو تهم به أحداً لم يكن له أن يعاقبه بنفسه وإنما يرفع الأمر إلى القاضي الذي ينصف الناس
حتى ينصف من الجاني إن صح عليه الفعل.
مسألة
[ كيفية حل التنازع أمام الإمام ]
وإذا تنازع خصمان إلى الإمام في شيء فقال الإمام قد صح عندي
إقرار المطلوب للطالب بهذا الحق أو قد شهدت به البينة عليه فأنكر
المطلوب الإقرار والبينة فلا يكلف الإمام إحضار البينة عليه إذ هو مأمون
في مثل هذا.
مسألة
[ تنفيذ العقوبة بعد ثبوتها ]
وإذا أمر الإمام برجم رجل أو قتله أو قطع يده وادعى أن زان محصن أو سارق أو قاتل نفس وقد صح هذا فإن كان قد أنفذ فيه الحكم قبل قوله عليه ولو أنكر الجاني إذ هو أمين على الأحكام فيما بين الناس وإن لم تنفذ فيه الأحكام ففي ذلك اختلاف قول: يقبل قوله وقول: لا إلا بالبينة.
مسألة
[ عزل الإنسان من عمله ]
وإذا ولى الإمام والياً وأبانه من عمله فهو مأمون في ذلك ولا يحكم
عليه بسوء الظن من لم يعرف حالة من ولاه ويصح من أبانه فهو على
أمانته وطاعته.
مسألة
[ قتل الإمام بدون حق يوجب عزله ]
وإذا قتل الإمام أحداً بغير حق مرق من الإمامة ولزمه القود لأولياء
المقتول ولا عذر له في ذلك.
مسألة
[ متى يستوجب الإمام البراءة ]
وإذا قتل الإمام أحداً عمداً في مجلس الحكم فليس لأوليائه به البراءة منه حتى أنه يصح قتل على فعل يستوجب به البراءة والإمام على إمامته فإن
طولب وادعى أنه قتله بحق أحسن به الظن.
مسألة
[ من أسباب العزل ]
وإذا قتل الإمام في مجلس الحكم فأخطأ بحكمه بالنص أو السنة أو
الإجماع مما لا يعذر بالخطأ والجهل فيه كان عليه القود أيضاً كرجم الزاني (13/29)
صفحة 1689
البكر وهو عليه الجلد ونزول إمامته.
مسألة
[ قول القاضي الحضرمي ]
عن القاضي الحضرمي بن سليمان وإذا اقتتل باغيان فقهرهما الإمام
حرمت عليه إعانة أحدهما ونصرته لأنهما كلاهما باغيان على الخطأ وإن
حاذر اجتماعهما من عليه ضم أقربهما إلى الحق فإن استويا اجتهد رأيه
ولا ينوي إعانة أحدهما فإن أدبر الذي أعان عليه فليس له قتال من إعانة لأنه حصل بإعانته في أمانه.
مسألة
[ القتل لا يكون إلا بحجة ]
وإذا أمر الإمام أحداً أن يقتل وليه فليس لطاعته إلا بحجة يعلمها وعليه أن يستعفي الإمام في ذلك ولأنه قد ورد في الأثر أن لا تقتل وليك بغير حجة.
مسألة
[ الشهادة على الزنا ]
عن أبي المؤثر وإذا أقام الإمام للزاني حداً على رجل بشهادة عدلين
من قومنا فعورض واحتج بأن المسلمين قد حكموا بشهادتهم في القود
فإن أشياخنا لا يجيزوا شهادة قومنا في الحدود على المسلمين فيما يكفر
به المسلم وقد أخطأ هذا الإمام إذا خالف السنة والكتاب وعليه الدية
في ماله من ضرب أو قطع والله تعالى أمر في الحد في الزنا بشهادة
أربعة متحنفين.
مسألة
[ من يحق له الشهادة ]
وإذا حكم الإمام على المسلمين بشهادة قومهم في الحدود ولزمته التوبة
فإن أصر فليس له إمامة وليس هو بمؤمن لقوله تعالى: { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } (1) الآية.
مسألة
[ عدالة الأئمة ]
عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله(2): أن الأئمة
مطوقة والأقوال في غبوب أحكامها جائزة الرأي فيما تدبر من مصالح
__________
(1) 1- سورة النساء آية 115 .
(2) 2- أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب: الرحيلي المخزومي القرشي كان هو وأخوه
والشيخ عبد الله بن محمد بن محبوب والد الإمام سعيد بن عبد الله من كبار علماء
عُمان والغاية في العلم والفضل في أهل زمانهم توفي بعد عزل الإمام الصلت بن
مالك سنة 273هـ. انظر إتحاف الأعيان ص1/194 - 195. (13/30)
صفحة 1690
رعاياها ومما تحاوله من تقويمه دولتها أمينة للمسلمين فيها بذلك جرت السنة
ما لم يخرج إلى صريح المعصية في أقوالها وأفعالها.
مسألة
[ قتل الثاني من الإمامين ]
عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم إمامين في أرض فاقتلوا الأحدث منهما»(1) لأن المسلمين إذا اجتمعوا على عقدة الإمامة لإمام ثم خرج عليه إمام ثاني بلا
أن يصح من الأول حدث بكفره فالثاني هو الذي يدعى إلى الفيئة للحق فإن فاء وإلا كفر وحل دمه.
مسألة
[ حرب الخارج عن الإمام ]
ومن أعظم المعاصي خروج إمام إلى إمام بلا حدث يشتهر منه على رعيته وعلى المسلمين خلع الخارج وحربه مع إمامهم إن لم يمتنع عن البغي.
مسألة
[ أثر الاطلاع على عيوب الإمام ]
وإذا طلع المسلمون على حدث مستتر من الإمام برؤوا منه سريرة حذر الفتنة والفرقة ولا تحل لهم البراءة ممن تولاه ممن لم يعلم منهم كعلمهم فيه
لأن كلا خص بما علم في الإمام وغيره.
مسألة
[ متى يجوز الخروج على الإمام ]
ولا يجوز الخروج على الإمام ومحاربته حتى تظهر إحداثه ويسمى به المسلمون وأهل العلم لا يطلعون على ما يطلع عليه الجهال من الإحداث.
مسألة
[ معاملة البغاة ]
عن الفضل بن الحواري عن محمد بن محبوب: إن من خرج على
المسلمين باغياً فقتل منهم ثم أظهر الله المسلمين عليه فللمسلمين قتل البغاة
سراً وعلانية كان ولياً لدم المقتول أو لم يكن وأما اتباعه فلا إلا بالبينة ورأي
الإمام وإذا صحت عليهم البينة الفعل عند الإمام فلا يقتلهم حتى يسمع
البينة وللإمام والوالي إسماع البينة على أهل البغي وله أن يدعوهم برسول الحاكم فإن أجاب أحدهم بما تجب عليهم وإن أبوا قوتلوا حتى يفيئوا إلى
أمر الله تعالى وأمر المسلمين وللوالي أخذهم بغير رأي الإمام.
مسألة
[ أهمية الطاعة للإمام ]
__________
(1) 3- المعنى صحيح وله شواهد كثيرة، وخاصة في بيعة الإمام الأول والخروج عليه. (13/31)
صفحة 1691
وإذا انتظم الأمر على الإمام فليس لأحد من المسلمين دعوتهم إلا برأيه ومن قتل مسلماً بحكم جائر جاز قتل القاتل لأولياء المقتول أعني الأمر بالقتل وهو الجبار ولا يجوز قتل المأمور إلا أن يصح أنه يقدر على مخالفة أمره.
مسألة
[ قتل البغاة ]
ومن قتل المسلمين بغيِّه أو ببغيه أو دلالته قتل وإلا يسع الإمام العفو عنه ومن سفك دماء المسلمين ببغيه فإن أخذ مولياً قتل وإن ألقى بيده إلى
المسلمين قبل ذلك لم يقتل.
مسألة
[ حكم الخارج على الإمام ]
عن أبي المؤثر من كتاب الصفات والأحداث فإذا خرج على الإمام
خارج فإن أحدث أحد كسفك الدماء وأخذ الأموال إن احتج عليهم الإمام
إن أمكنت الحجة فإن فاءوا ودانوا بما لزمهم حكم عليهم بحكم الكتاب
والسنة بما استوجبوا وإن امتنعوا أو قاتلوا قوتلوا.
مسألة
[ معاملة الباغي المسالم ]
وإذا خرج على الإمام خارج ولم يقتل أو لم يسلب وجه الإمام إليه صلحاء قومه يسأله عن خروجه لماذا وما نقم كما أرسل على زيد بن صوحان(1) لطلحة والزبير سألهما ماذا نقما عليه ومن خرج على الإمام
وأصح حجة حق عليه أجابهم إلى الحق وإن خرجوا مكابرين جهز عليهم
جيشاً عرمرماً يسايروهم ولا يدونهم بالقتل حتى يحدثوا أو يمتنعوا بيعهم
عن ردها أخذوا كما فعل عمر بن عبد العزيز ببسطام الصبغري(2).
مسألة
[ معاملة بغاة أهل القبلة ]
وإذا خرج على الإمام باغ فقاتله فولى مدبراً وحطت الحرب أوزارها
__________
(1) 1- زيد بن صوحان: هو زيد بن صوحان بن حجر بن الحارث بن هجرس... العبدي
الكوفي، كان من العلماء العباد، أسلم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا صحبة له، شارك في جيش
علي وقطعت يده في نهاوند وذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتل يوم الجمل، فطلب أن تشد عليه
إزاره ويدفن بدمه وقال: فإني مخاصم -رضي الله عنه- انظر سير أعلام النبلاء
3/525 - 528 رقم 133.
(2) 2- بسطام الصبغري: لم أعثر له على ترجمة. (13/32)
صفحة 1692
حرم على المسلمين قتل المولى دبره منهم كذا الجريح المتشحط بدمه ولا
يعقروا لهم دابة ولا يغنموا مالاً ولا يسلبوا سلباً ولا يلجوا منْزلاً ولا
يكسروا قفلاً ولا يقلعوا باباً ولا يجبروا أحدا على القتال وهذا في بغاة
أهل القبلة.
مسألة
[ قول الجلندي بن مسعود ]
عن الجلندي بن مسعود(1): قتل من أعان على المسلمين غيلة ولو لم
يشهد بيعتهم لإمامهم وليس للمسلمين أن يتفرقوا فيفشلوا والله تعالى
نهاهم عن ذلك بقوله: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (2).
مسألة
[ رسالة العلماء للإمام عبد الملك بن حميد ]
جواب موسى بن علي وهاشم بن غيلان(3): بسم الله الرحمن إلى
الإمام عبد الملك بن حميد نوصيك بتقوى الله وطاعته والقيام لسبيل ما
جعلك لسبيله من دينه المطوقة حقوقه التي وجبها بميثاقه وأحسن رعاية ذلك بالجهل والتشمير فإنها نعمة من الله أسبغها عليك وهدية صرفها إليك عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يظلمه»(4)
__________
(1) 1- الجلندي بن مسعود: هو الإمام الجلندي بن مسعود، بيعته كانت سبباً لقوة المذهب،
وكان عادلاً مرضياً، قتل رحمه الله في حربه مع خازم الذي طلب منه السمع
والطاعة للخليفة فرفض ووافق على إعطائه المال وخاتم شبيان فرفض فقاتل حتى قتل.
انظر كشف الغمة ص248 - 251 رقم 455.
(2) 2- سورة آل عمران آية 105.
(3) 3- هاشم بن غيلان: هو الشيخ العلامة أبو الوليد هاشم بن غيلان السيجاني نسبة إلى
سيجا بلد من أعمال سمائل، وكان أخوه عبد الملك ابن غيلان وابنه محمد بن هاشم
بن غيلان من رجال العلم في زمانهما إلا أن الشيخ كان معدوداً من كبار علماء زمانه
بعمان في آخر القرن الثاني وأول القرن الثالث وهو والشيخ سليمان بن عثمان من =
(4) = تلاميذ موسى بن أبي جابر الأزكوي يقال أنه توفي في زمن عبد الملك بن حميد. انظر
إتحاف الأعيان /176 - 179.
1- روي بروايات متعددة انظر أبو داود رقم 4893 باب المؤاخاة، ورواه أيضاً الترمذي
رقم 1486 في الحدود، باب ما جاء في الستر على المسلم وهو في الصحيحين
والترمذي رقم 1927 في البر والصلة، ورقم 1928، 1930. البخاري 5/70 في
المظالم ومسلم رقم 2580 في البر والصلة. (13/33)
صفحة 1693
وسباب المسلم
فسق لمن سبه وقتاله كفر فكفروا اتبعوا سنن المهتدين قبلكم ومن لم ينكر
المنكر بلقلقه أو بقلبه فهو ميت الأحياء ويجوز أن يقال: ترك الحق شريداً وغريباً وطريداً وأشباه ذلك كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «بدء الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ»(1).
مسألة
[ أصناف المسلمين ]
ومن كلام زيد بن حصن: لو لم أجد على إنكار المنكر وتغير البدع
وقتال الفاسقين أحداً من المساعدين لقاتلتهم بنفسي حتى ألقى ربي وقد
غيرت الجور ودعت الفيء والفجور.
والمسلمين ثلاثة: صابر ومتصابر وشاكر فالمتصابر الذي لا يحب أن
يأتيه البلاء وإذا أتاه تصابر له على ضجر والصابر لا يحب أن لا يأتيه البلاء
فإذا أتاه صبر له على غير ضجر والشاكر الذي يحب أن يأتيه البلاء فصبر له فيثاب فهو أفضل الثلاثة درجة.
وإذا سار الإمام في رعيته غير الحق كثرت المناكر ومات الحق وأهله واشتد عضد المفسد المكابر حتى صار أهل الحق لا يستطيعون حيلة على
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن المنكر إذا ابتدأ به من تسمى الحق
بلسانه وخالفه بفعله فيتأهب لزوال نعمته وتغير حاله وليس للإمام أن تمنعه
تقية ولا تذهب به حمية وعليه أن يساوي في الحق بين الوضيع والشريف والقوي والضعيف والبغيض والحبيب والنازح والقريب ولا يكون من الذين ذمهم الله بقوله: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } (2) وقد خاطب الله نبيه
__________
(1) 2- انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/275 - 276 أرقام 62، 63 أخرجه
الإمام مسلم، والترمذي رقم 2631 وقال حديث حسن غريب صحيح.
(2) 1- سورة الجاثية آية 23: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ } . (13/34)
صفحة 1694
محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئا } (1) تمام الآية.
مسألة
[ الإمام راع في رعيته ]
والإمام راع على رعيته ومسؤول عنها فعليه أن يأمرهم بطاعة الله بعد أن يأتمر بها ويدعوهم إلى الوفاء بعهد الله وإن يفيء لهم به وأن يتعاونوا على
البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان وقال الله تعالى: { لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } (2) إلى تمام الآية.
مسألة
[ حرص الإمام على الرعية ]
وعلى الإمام أن يحرض الناس على أداء المفترضات من الصلاة والصوم والزكاة قال الله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُم } (3) الآية.
مسألة
[ صلاحيات الإمام ]
وإذا قل على الإمام الطعام وخاف ذهاب الدولة من المردة الطعام جاز له جبر الناس على بيع ما عندهم بعدل السعر وإن امتنعوا جاز دخول دورهم
في النظم والنثر والأصح أن يؤخذ نصف ما عندهم وهو رأي أبي علي الحجازي فإن أبوا المبايعة نسيئة فإن قدروا على شراء النقد فحسن وإلا
ضمن لهم الإمام نصره الله بتسليم الثمن إذا حاذروا ضرراً (...)(4) ذي
قبلة أو عابد وثن.
مسألة
[ تصرفات الإمام ]
وإذا اشتهر أن لبعض الناس طعاماً في دار قد رتج بابه وغلق
__________
(1) 2- سورة الجاثية آية 18، 19.
(2) 1- سورة المجادلة آية 22 .
(3) 2- سورة المائدة آية 68.
(4) 3- طمس في الأصل: ولعلها: ضرراً أو حرب ذي قبلة. (13/35)
صفحة 1695
واضطر المسلمون إلى أخذه بالثمن جاز دخوله عليه وأخذ ما بها بسعر يومه والشهرة كالشاهدين العدلين وأصح من غير مين.
مسألة
[ ماذا يقال بعد عقد الإمامة ]
وإذا عقد المسلمون لإمام الإمامة قام مكبر يكبر في الآقات تكبيراً فرداً
بغير حكيم وأن يكون بعد كل صلاة فريضة وما بعده أن يقول: لا حكم
إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله ولا
حكم إلا لله حباً وموالاة لأولياء الله لا حكم إلا لله خلعاً أو فراقاً لأعداء
الله لا حكم إلا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا حكم إلا لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم يقول: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد
ثلاث مرات ولله الحمد.
مسألة
[ أثر عقد الإمامة لإمام ثم وجد صاحب الحق ]
إذا عقد المسلمون الضعفاء لإمام على ما أوجبه الله على الأئمة فحكم فيهم بحكم الكتاب والسنة ثم ظفروا بمن أولى بالإمامة منه علماً وثروة
وعصبة هل للإمام والعاقدين له أن يخلعوه ويدخلوا في بيعة الثاني؟ فإذا
اجتمع المسلمون على رأي استصلحوه جاز لهم ذلك على صحة مجهود
الرأي من الأمناء الثقات لا على المكابرة والمعاندات.
مسألة
[ أثر تغير حال الإمام الصحية على الإمامة ]
والأصح أن إذا نزل الإمام منزلة يتخلف فيها عزله كعاهة حدثت به لا بارتكاب حوب ولا باكتساب شيء من الذنوب أفلا يصبوا على الإمام
التبري من الإمامة في من قبلها ولو اختلفوا فيه وإجماع المسلمين حجة في
خلعه ونصرته ولو اجتمع أهل الحجة في مختلف فيه كان إجماعهم حجة.
مسألة
[ أثر جنون الإمام ]
وإذا ذهب عقل الإمام سقطت الأحكام عنه وزالت المفترضات وحال
عنه التعبد وبطلت إمامته فإن لم يقدموا سواه حتى بري كان على إمامته.
مسألة
[ إصابة الإمام بالمس ]
وإذا مس الإمام مس فساعة يذهب عقله وطوراً يفيق فلهم الاختبار في عزله وتركه وكذلك إذا ذهب سمعه أو بصره أو كلامه إن شاءوا عزلوه (13/36)
صفحة 1696
ون شاءوا أقاموا بما عجز عنه فإن عزلوه أقاموا إماماً غيره.
مسألة
[ إصابة الرعية بمصيبة ]
وإذا أخذت الإمام رعيته وبقي بلا معين ولا وزير هل تزول إمامته
كان شارياً أو مدافعاً فإذا اجتهد في إقامة العدل فلا يكلف فوق طاقته
وعلى إمامته.
مسألة
[ أثر تعذر البطانة الصالحة ]
عن أبي عبد الله: وإذا تعذر على الإمام حصول من يستعين به من أهل العدل على أمور المسلمين فإن أقام بما يجب عليه فلا أرى له أن يخلع نفسه
ولا يضع إمامته في غير أوليائه وعليه الاجتماع بما بلغ حوله وطوله.
مسألة
[ وجوه الإمامة ]
والأئمة على وجوه فإمام شري وهو الذي نفسه لله وبويع على ذلك
وإمام جيش فذلك أمين للأمر والنهي وهو كالوكيل للمسلمين فلمن وكله عزله وإمام دفاع فله أن يخرج إن شاء وللمسلمين عزله.
مسألة
[ عدم قبول تنازل الإمام ]
وإذا قال الإمام للأعلام: هذه إمامتكم فخذوه فلا ينخلع بهذا من إمامته
ويستتاب من ذلك لأن هذه اللفظة من علامات الغيض ويؤمر بتقوى الله
فإن رجع وإلا أقيمت عليه الحجة وليس لهم أن يبرئوه منها.
مسألة
[ أثر ارتكاب الإمام للكبائر ]
وإذا قذف الإمام أو زنى أو لا عن عرسه أو قتل نفساً ظلماً أو ارتد عزل وأقيم عليه الحد فإن تاب تولاه المسلمون على حالته ولا يرد إلى إمامته.
مسألة
[ توبة الإمام قبل عزله ]
وإذا ارتد الإمام أو تاب قبل إقامة غيره لم يعزل وإن رجع إلى دين أهل القبلة ومرق من دين أهل الاستقامة استتيب فإن تاب قبل منه وإن أصرى
برأي منه وزالت إمامته وحورب حتى يعتزل ويقدم إماماً سواه.
مسألة
[ الإمام الشاري وقول أبو زكريا فيه ]
عن القاضي أبي زكرياً في الإمام الشاري: إذا أراد الاستعفاء من الإمامة فإذا هو والمسلمون أصلح للدولة والإسلام لم يضق عليه ولا عليهم وقيل:
ليس لهم ذلك وإنما ذلك للإمام الدفاع.
مسألة
[ متى يخلع الإمام نفسه ] (13/37)
صفحة 1697
وأما إن اتفق الإمام وبعض الأعلام على ترك الإمامة وأبا ذلك آخرون فليس لهم التبري من إمامته حتى يجتمع رأي الكل على الاستعفاء ولا ينبغي للإمام إذا بايع المسلمين أن يخلع نفسه من غير حدث ولو لم يبق معه أحد
فإن خلع نفسه من غير حدث هلك.
مسألة
[ اتهام الإمام وعزله ]
وإذا نزل الإمام بمنزلة التهمة ولو تاب عند المسلمين لما استتابوه وتظاهرت عليه التهم بنفض ما يعطيهم من التوبة زالت إمامته وحل عزله لا يكون
الإمام تهماً إجماعاً.
مسألة
[ حكم البراءة من الإمام ]
وإذا أحدث الإمام حدثاً وعلمه أحد فلا يجوز له أن يبري منه عند من لم يعلم حدثه وله أن يبري منه سريرة وإذا استتابه فلم يبت فله أن يبري منه
عند من علم كعلمه.
مسألة
[ أثر ارتكاب الإمام كبيرة ]
عن أبي القاسم: وإذا ركب الإمام كبيرة مما ليس يلزمه فيه حد
استتيب فإن تاب رجع إلى ولايته وإمامته وإن أصر بري منه وخلع وقيل:
يبرى منه ثم يستتاب وهو وسواه سيان وقيل : شتان وليس هو كغيره
وهو رأي أبي مالك.
مسألة
[ أثر عدم معرفة حكم الإمام ]
وإذا حكم الإمام بحكم غرب على المسلمين عدله فإنه مصدق مؤتمن
على أمانة الله عليه ورسوله والمسلمين حتى يصح خطأه إذا كان حكمه
محتملاً وإن استريب أنزل منزلته عن أبي المؤثر وإذا كان المسلمون في
فسحة من أمرهم وعدوهم ناء عنهم وصح عجز الإمام ومن معه عن إنفاذ الأحكام فيه ونكاية العدو وإقامة الحدود فله خلع الإمامة وللمسلمين خلعه
عن ذلك وله العذر والسعة في ذلك وأقام المسلمون إماماً يقوم بأمرهم على رضى خالقهم بالقوة والغرم والاجتهاد وليس لهم إهمال أمرهم.
النهج السابع والثلاثون
في منشؤه من الأثر
النهج السابع والثلاثون
في منشؤه من الأثر
مسألة
[ الإنكار بالقلب ] (13/38)
صفحة 1698
المنكر بالقلب هو البغض لها وأنه غير راض بذلك ولم يمنعه عن الإنكار باللسان إلا عدم الاستطاعة من التقية(1).
مسألة
[ أثر تحريم الشيء على النفس ]
ومن دان بتحريم شيء في مذهبه حرم عليه استعماله لمن يدين بتحليله
ولا يطعمهم نجساً في دينه ولو حكموا بطهارته في دينهم وليس له أن
يصوب دينهم فيما يخالف دين رب العالمين.
مسألة
[ حكم جعل ذكر الله علامة لإنهاء الشيء ]
وليس لمن يطوف بمتاع أن يذكر الله على سلعته لشفق ويجعل
الذكر علامة لذلك وكذلك من يعمل عملاً ويجعل ذكر الله سمة
لإتمام عليه.
مسألة
[ الاستفادة من الأفيون ]
ومن له حق على آخر فلا بأس عليه أن يستوفي منه شيئاً من الأفيون لأنه ينتفع به لغير الأكل كالصبوغات ونحوها من اللجوخات.
مسألة
[ من صيغ الدعاء ]
وإذا أضر الهرباس جاز قتله وقيل: يعرقب ولا يقتل. وجائز أن يقال في الدعاء اللهم اهدني بالهادي يا خبير بين لي ما مبين علمني يا عليم على
سبيل الدعاء لله تعالى لا على التحكيم.
مسألة
[ ختان القيان ]
وما يبقى بين الأسنان من الطعام فتسنه فسرطه مكروه وليس بمحظور
وإن لم يتبين فلا بأس سرطه ومن نشأت معه قينة جاز له أن يأمر بختانها.
مسألة
[ كيفية التعديل ]
وللمعدل أن يعدل من عرف بالأعمال الصالحة والموافقة في الديانة ولو
كانت سريرة بخلاف علانيته وإذا قال المعدل: فلان جائز الشهادة عند فقد عدله على قوله.
مسألة
[ حكم تهجين الخنزير والغنم ]
وإذا أنتجت النعجة خنزيراً أو الخنزير نعجة فالخنْزير حرام لا يؤكل منه شيء ولو نتجته نعجة وأكل النعجة إذا أنتجتها خنْزيرة ففي أكلها اختلاف.
مسألة
[ عدة زوجة المخسوف به ]
ومن خسف الله به حيواناً فعدة زوجته عدة المطلقة ومن خسف به
فعدتها عدة المميتة.
مسألة
__________
(1) 1- لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم في باب الإيمان. (13/39)
صفحة 1699
[ كيفية التخلص من الذر والفئران ]
ولا يجوز رمي النوى وما أشبهه في الأماكن المربوبة والأودية التي يبن القرى وجائز قتل الذر الأحمر إذا أضر بغير النار وأما بالنار فلا والفئران إذا تعذر قتلها بغير السم جاز قتلها به إذا أضرت.
مسألة
[ أثر عدم التغسيل والتكفين ]
وإذا مات مع من ليس بمحدود وحاذر ضرره فلم يغسلوه ولم
يجهزوه ولم يواروه فلا أقول بهلاكهم والله ولي المؤمنين ولا تسقط
ولاية الولي عنهم.
مسألة
[ حكم القيام للأشخاص ]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب أن يمتثل الناس له قياماً فليتبوء مقعده من النار»(1) فإنما ذلك على الجبر منه لهم وعلى غير الجبر فلا حرج عليه ولكل امرئ ما نوى.
مسألة
[ لا إكراه في الدين، وصيغ من الأدعية ]
ومن كان أبواه ذميين فأرضعته متحنفة فلا يجبر على الدخول في
الإسلام إذا بلغ.
ولا يجوز أن يقال: إن الله هو المحافظ لأن المحافظ هو المحاذق على الشيء أن لا يفوته وإنما يقال الله خير حافظاً وجائز للداعي أن يقول: اللهم أرني
نبيك محمداً - صلى الله عليه وسلم - في منامي ولا يعجبني أن يقول من يعزم على الجن:
أجيبوا في منامي ولا يعجبني أن يقول من يعزم: يا جبرائيل ومكيائيل
وأحرقوا هذا العارض إلا على الشريطة لأن العارض لا يدري به من أي الوجوه كان لأن الله يفعل بعباده ولعباده ما شاء وإنما يقرأ القرآن وما يجوز
من أسماء الله تعالى.
مسألة
[ السلام على المشرك ]
ويجوز للتائب المقلع أن يقول: اللهم ارزقني الجنة وجائز أن يقول
للمشرك عند التحية: سلمك الله وعافاك(2) ويعتقق مما أنت فيه ويكون
على جهة الخير والدعاء.
مسألة
[ رؤية ملك الموت ]
__________
(1) 1- رواه أبو داود رقم 5229 في الأدب، باب قيام الرجل للرجل، والترمذي رقم
2756 في الأدب، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، وإسناده صحيح.
(2) 1- الصحيح: ويعتقك مما أنت فيه. (13/40)
صفحة 1700
ويوجد أن المريض يعاين ملك الموت أيان نزعه ولا يحتضر حتى يعرف نفسه شقي أم سعيد الدليل على ذلك: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً } (1) الآية ويقال: إن النور الذي يرى على أرباح الصلاح هو من زيادة الملائكة ويقال: إن النور من كثرة التطهر
والصلاة وإن التأثير من النثرة.
مسألة
[ القول في عذاب القبر ]
ولا يجوز أن يقال البلاء من الله لأنه لا تضاف إليه إلا الصفات
الحسنة وإن كان لا يقع شيء إلا بمشيئته وما لم يشأ لم يكن ولا يقال
كل شيء بأمر الله لأن الكفر شيء والله لم يأمر وإنما يقال كما قال النبي
إبراهيم عليه السلام: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } (2) ولا يقال المرض
من الله.
مسألة
[ من عقوق الوالدين ]
وعقوق الوالدين من فعل بهما فعل لا يجوز في حكم الله.
مسألة
[ القول في عذاب القبر ]
وأما عذاب القبر ففيه اختلاف بعض أثبته وبعض نفاه ولهم وفيه احتجاجات من الآيات والروايات ويقال: إن من فعل كذا لم يمت حتى
يرى مقعده من الجنة فإني لم أعتقد ذلك لعدم صحته(3).
مسألة
[ درجات أهل الجنة ]
ولأهل الجنة درجات كما لأهل النار دركات والعياذ بالله.
مسألة
[ من هم الأبدال ]
ومن الأرض لا تخلوا من سبعين صديقاً وهم الأبدال وليسو أبدالاً بكثرة الصوم والصلاة وإنما ذلك بالصنحا وصحة القلوب لله وصفة السخاء أنهم
لا يبخلون بما يجب عليهم في أموالهم وأنفسهم أما صحة القلوب فلأن
__________
(1) 2- سورة المؤمنون آية 99.
(2) 1- سورة الشعراء آية 80 .
(3) 2- وردت أحاديث تثبت عذاب القبر منها ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر» رواه
مسلم رقم 2868 في صفة الجنة والنسائي 4/102 في الجنائز عذاب القبر. وأخبار
الآحاد اختلف العلماء في دلالتها وحجيتها. (13/41)
صفحة 1701
قلوبهم قد صحت من الغل والحسد والكبر والرياء والإعجاب وليس فيها
إلا طاعة الله تعالى.
مسألة
[ أثر حب الله للعبد ]
عن الشيخ عمر بن سعيد(1): إن الجنان طبقات وأعلاهن جنة الفردوس وهي للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وإن أتياهم (...)(2) بغير مني
وإذا أحب الله عبداً زوي عنه الدنيا أي وفقه للأعمال الصالحة وربما يبتلى
بما يكره ليؤجر.
مسألة
[ بعض حقوق الآخرين ]
ونية المحوّر على السارق والأبق وحصر البول فلا يجوز ولا نفخ
القبقب وأما التجوير على من فر بحق لزمه في نفس أو مال فلا يضيق إذا
لم يلحقه ضرر.
مسألة
[ حكم حرق أسماء الله الحسنى ]
ولا يجوز حرق أسماء الله تعالى بالنار وأما وضع الدخان على مناسم
ذي الوصب ورائحة الفوم(3) لمن به عارض فلا يضيق إذا رجا له الشفاء
وأمنت عليه أمنه المضرة وترك ذلك مع محاذرة الضرر أسلم.
مسألة
[ حكم السحر والعمل به ]
ومن ينسب إليه السحر من بني آدم أنهم يتسنمون ظهور أمهات عامر
فلم يتحقق ذلك ولم تنفه ونرد ما لم نعلم ذلك إلى علام الغيوب وأما
أكلهم للبشر فلا نقول لأن المخلوق يحيي ويميت ومن قال ذلك فقد افترى
إثماً عظيماً وأما أن يحتال الظالم بحيله يتخفى على البشر فعسى كالقمار والسحر الذي كره الله.
مسألة
[ تعلم علم الفلك ]
ولا يجوز اعتقاد صحة علم الفلك الذي يتعلمونه الناس في زماننا وأنه لا يخطئ وكذلك يدعيه أهل زماننا أنه علم رمل لأن الكتب لا تؤمن من
__________
(1) 1- عمر بن سعيد: هو الشيخ الفقيه أبو حفص عمر بن سعيد بن راشد بن ورد البهلوي
من علماء النصف الأخير من القرن الثامن وأوائل القرن التاسع، وهو من فقهاء زمانه
وكان ممن يقول الشعر له قصائد وأراجيز في الفقه أكثرها في الأديان. انظر إتحاف
الأعيان 1/405 - 415.
(2) 2- طمس في الأصل.
(3) 1- الأصح -والله أعلم- ورائحة الثوم. (13/42)
صفحة 1702
تبديل النساخ وأما العلم المنزل من الله فهو واجب رملاً كان أو فلكاً فتجب صحة اعتقاده وأما علم الرؤيا فقيل: إنه منسوخ وقيل: هو ثابت وهو
ضرب من الوحي وللمراءتين في التعليم للعلم وغيره وليس لمدعي علم الفلك
أن يحكم بالمغياب ويقطع عليها فإن رد علم الغيب إلى الله وإنما يقول
أصدق الحساب.
مسألة
[ تعلم علم الحساب ]
ومن كان يعرف علم الحساب والمنازل والبروج فلا يقول قطعاً أن هذه المنْزلة سعيدة أو نحسة وإنما يقول: ذلك على الشريطة إن وافق الحساب
فإنه كذا وكذا والله أعلم.
مسألة
[ البول في الماء الجاري ]
وإذا ضر بالمرأة دم حيضها جاز أن يطلق عنها الدفع الضرر إذا أمن
الضرر من إطلاقه. وأجاز بعض العلماء البول في الماء الجاري وأبا ذلك
آخرون إلا من المضرة.
مسألة
[ إزالة المؤذيات ]
وجائز قتل كل مؤذ والذر والفشا حين قيل أنهن غير مؤذيات والصرصر والخنافس غير مؤذيات ولا يضيق قتل الرمة لأنها مؤذية وإن وقع مما ذكر
ضرر جاز قتله وإن تعذر قتله بسوى النار وأضر في الأطعمة والثمار جاز إحراقه ولا يضيق أن يشوى الجراد والفنازيز بالنار ولا يجوز قتل شيء من
خلق الله عبثاً.
مسألة
[ أثر الغيبة ]
وقتل القمل بالشمس جائز إذا خيف ضرره وغيبة المسلم تنقض الوضوء
أو الصوم . ومن قصد ذم شخص بما فيه قد اغتابه وإن كان بما ليس فيه فقد كذب عليه وبهته وكان أعظم جرماً وأكثر إثماً.
مسألة
[ حكم إجابة الدعوة ]
ومن دعا أحد لدعوة وقال: إني صائم وعن صيام رمضان ولم يكن
صائماً فإن نوى المندوحة عن الكذب فلا بأس عليه ولا سيما إذا كان بقي رب الدعوة وأشبه على حال الطعام وأما من دعي إلى أكل طعام لا شبهة
فيه فعليه الإجابة فرضاً وسنة.
مسألة
[ تفضيل النفس على العيال ]
ومن أنصف عرسه مما يجب عليها لها وأراد أكل شيء دونها كالفاكهة وغيرها فأما في الجائز فحلال له ذلك وإنما هذا سوء أدب ويكره ذلك.
مسألة
[ حكم هجرات الجار والقريب ] (13/43)
صفحة 1703
وإذا رأى المرء مما يكرهه من رحمه أو جاره ونوى بهجرانه له ردعاً عن سوء صنيعه القبيح ولم ينو قطيعته فلا بأس عليه وهو مثاب إن شاء الله ولا سيما إن هجره على معصية.
مسألة
[ مصير من مات على غير الإسلام ]
وجائز تخطية من خالف دين المسلمين أهل الاستقامة في الدين من
جميع الفرق المارقة من دين رب العالمين الحائدة عن منهج المؤمنين وإن مات على غير ملة الإسلام فهو في النار حقاً.
مسألة
[ طول يوم القيامة على المسلم والكافر ]
عن أبي سعيد: إن يوم القيامة طوله على المؤمنين كما بين الصلاتين
وعلى الكافر كألف سنة.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجوز أن يقال : اللهم أغنني عن جميع خلقك
وإنما يقال: اللهم أغنني عن أشرار خلقك»(1).
مسألة
[ مساكن الجن ]
ويقال: إن مسكن الجن الخرابات وفي أطراف الأرض ومنهم مع بني آدم ومنهم تحت الأرض وقيل: لهم مواشي وسكونهم الغيران.
مسألة
[ متى يباح الغناء ]
ويجوز الغناء في أربعة أشياء ومحرماً في سواها حدو المرأة وزجر الدابة
وما لم يخرج على النوح والصراخ ونحوه وما لم يكن ندباً ومختلف في
الندب على الموتى.
مسألة
[ حكم اللعب وحالاته ]
واللعب كله محرم وأما لعب الصبيان فمختلف فيه وفي إنكاره ومن
أصر على صغير فهو كبر إذا تلذذ البالغون بالنظر في لعب الصبيان فلا يحل
لهم وكذلك لعب العبيد والهنود وجميع الملاهي محرم وما خرج من
المعروف فهو منكر ويجوز الملاعبة بالجياد والأنبال وملاعبة الزوج زوجته
والطفل والملاعبة بالأسلحة إذا تقربوا بذلك إلى الله تعالى ولا يجوز نظر
شيء مما ذكرنا على معنى التلذذ واللهو.
وكل كذب حرم إلا ما جر منفعة للمسلمين أو دفع عنهم مضرة إذا تعذرت المناديح.
مسألة
[ حكم المداحين ]
__________
(1) 1- الحديث لم أعثر عليه بهذا النص وله شواهد. (13/44)
صفحة 1704
والعامل بيده أفضل من التاجر والتاجر أفضل من الباطل ومن أعجبه ما مدح به أثم وعليه مدافعة ذلك. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حثوا في وجوه المداحين التراب»(1) ومعناه إذا مدحه بما ليس فيه.
مسألة
[ أثر المن على الأعمال ]
ومن أقرض وليه قرضاً ثم غاب عنه لام نفسه وشكا حاله عند جلاسه
في غيبة المقترض وإذا حضر منعه الحياء عن مطالبته فهذا ليس من الغيبة
وليس من أخلاق المؤمن أن إذا فعل حسنة أشابها بمن وكدرها لأن الله ذم
من منَّ ومَنَّ.
مسألة
[ جواز القيام لأهل العلم ]
ومكروه أن يحسر الرجل رأسه عند وقوع المصيبة وحلول الأزمة وأما النساء فمحرم ذلك وحرام شق الجيوب على المصيبة.
والقيام للعالم من المجلس جائز إجلالاً أو لمن يتقى وللأب والصديق الذي له عليه يد ولا بأس على القائم والمقيوم له(2).
مسألة
[ أدب الأسماء، واستعمال أواني الذهب والفضة ]
عن الشيخ عامر بن محمد: ولا يجوز التسمي بالرزاق لأن الرزاق هو
الخالق وقيل: مكروه.
ويكره التأني بأوان اللجين والتبر وقيل: محرم لا نهي أدب وأما الشرب فيها فمحرم بالسنة ومن توضأ بإناء أحدهما ففي نقض وضوئه وإتمامه اختلاف(3).
مسألة
[ من علاقة الرجل بزوجته ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: ومن كانت له زوجة لا رغبة لها
في الغشيان وقيل: له أن يشق صفدعاً أمامها لتزيد رغبتها فترك هذا أولى وسيما إذا لم يعلم حقيقة النفع.
مسألة
[ صور متعددة من المعاملة ]
__________
(1) 1- حديث صحيح أخرجه مسلم في الزهد 68، 69 وأبو داود في الأدب 9 والترمذي
في الزهد 55، وابن ماجة في الأدب 36. وأحمد في مسنده.
(2) 1- في غزوة بني قريظة عندما جيء بسعد بن معاذ -رضي الله عنه- قال النبي - صلى الله عليه وسلم -
للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
8/277 رقم 6099.
(3) 2- وردت أحاديث كثيرة تنهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة وأن النهي للتحريم. (13/45)
صفحة 1705
ومن مشى في سيل فوقعت في نعله قذاة فاحتال في طرحها في الطريق
فإذا وقعت من غير معالجة منه فلا بأس عليه.
ويجوز أكل التمر بنواه إذا أمنت مضرته وأما أشبهه كالنبق وغيره.
وجائر للمرأة لبس الدشداش إذا نوت الستر لا التشبيه بالرجال وهو رأي القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة.
مسألة
[ حكم الاستنجاء في النهر ]
ومن رام الاستنجاء في نهر في موضع مباح فوجد به صبياً لوّح له أن
ينْزاح عنه فإن لم يكتف بالتلويح وصرح له فلا بأس.
مسألة
[ لباس المرأة عند مماليكها ]
وجائز طرح أوراث الأنعام في دروسها لمعنى الصلاح ويجوز التبرج
للمرأة عند مماليكها العقلاء البالغين على قول وقيل: لا يجوز.
مسألة
[ حكم ركوب الجمال مع المرأة ]
ولا يجوز لمن كارى جمالاً له ولزوجته أن يركب الجمال مع المرأة إذا لم يكن ذا رحم منها ولو كان الزوج معها خوفاً من نزعات الشيطان
ووسواسه أعاذنا الله منه.
مسألة
[ صور من الرقية ]
ولا يضيق على الراقي أن ينفخ في الطعام الذي يرقي فيه إذا كان في
كتاب الله تعالى وأسمائه. وجائز طرح الحب المسموم للطير طلباً للانتفاع
به للأكل على وجه العبث إذا أمنت المضرة منه على أكله ويكره المشي
حافياً من جهة فل الطهارة ويقال: إنه يضعف النظر من جهة الطب ومن
نوى فعل فضيلة فلم يفعل فلا إثم عليه.
مسألة
[ أهمية الولاية في الدعاء ]
وإذا أدى المتعبد ما يجب عليه في نشبه فلم يتصدق فلا إثم عليه إذا لم
يكن بذي الفرق خصاصة ويخاف عليه الضرر إذا منعه ومن حج عن من لا يتولاه فليس عليه أن يدعوا له وإن لم يدع له فلا يستحق الأجرة ولو رضي
له الوصي ولا يسع الوصي أن يجيبه إلى ذلك.
مسألة
[ كيفية دخول المدنية ]
وليس على من رام ولوج مدينة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - إحرام ورد السلام (13/46)
صفحة 1706
فرض لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } (1) وكذلك في الصباح والمساء ويستحب لأهل العز أن يغري بعضهم بعضاً
من غير إيجاب.
مسألة
[ حلق العانة، وإطعام السباع الميتة ]
ومن أراد أن يحلق عانته ليلاً تمت معه الشعر فلا بأس عليه إذا لم يخف
من ذلك تألد ضرر.
واختلفوا في إعطاء السباع الميتة من ذات الدم الأصلي بالفضل أجاز
ذلك بعض وأباه آخرون.
مسألة
[ معاملة عباد الصلب ]
وإذا رام عباد الصلب إحراق موتاهم في دور المسلمين فإذا لم يطلعوا
على صنيعهم جاز التغاضي عنهم ولا تجوز كتابة القرآن بالمتربي وأما أسماء
الله تعالى فلا يضيق ذلك.
مسألة
[ تشميت العاطس ]
وإذا حرك العاطس بالحمدلة لسانه وسمعه من معه فترحم له جاز ولو لم يجهر المشمت وإن جهر بالتسمية ورد فهو أفضل وأطيب للنفس وقيل:
يجوز رد السلام والتشميت الإجهار إذا لم يتم العاطس الحمدلة والمسلم
السلامة فلا يشمت بالعاطس ولا يرد السلام على المسلم.
مسألة
[ أثر نظرة السفيه عورة المسلم ]
ومن رام الاستنجاء من نهر وحضره سفيه ينتظره فإن كان يتيقن منه
نظرة السوأة والماء صافياً لا يمنع الناظر فعليه ستر سوأته من إرخاء ملاءته ولا يجوز له إبداءها.
مسألة
[ حكم ترك ما أمر الشارع بقتله ]
ومن ترك قتل ما أوجب الشرع قتله إذا لم يقدر على قتله إلا بلزوم الضمان فلا بأس عليه لأن المخلوق لا يدري متى يفجأه حمامه ويصدع عليه بالنوح حمامه ويواري في رحمه ويبسط في ضريحه ويحرم ممر ينسجه
وتريحه وينفرد في سربه بعد أن يقال للموت: خذه وسربه.
مسألة
[ حكم ذكر اسم الله في الخلاء ]
ومن كان على حدث سلح أوراقة بول جاز له أن يذكر الله سراً في قلبه كان في براح أو مستراح وإذا كان في المسألة اختلاف وعزب على المبتلى
علم عدل تجراه ومن أخذ بقول من أقول المسلمين فلا يهلك.
مسألة
[ كيفية عبادة الله ]
__________
(1) 1- سورة النساء آية 86. (13/47)
صفحة 1707
ومن عبد الله بتوهم قلب فهو مشرك ومن عبد الاسم دون المعنى فهو كافر ومن عبد الاسم والمعنى فقد جعل لله شريكاً ومن عبد المعنى أضل.
مسألة
[ أكل أموال الناس بالباطل ]
عن الشيخ علي بن مسعود بن محمد المحمود في قول الله تعالى: { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (1) كالغصب والسرقة وأمثالها.
مسألة
[ على ماذا يبنى الدين ]
عن الشيخ ناصر بن خميس بن علي: إن الدين بني على الحكم وقيل:
على الاطمئنانة والعرف والعادة ولكل قول أصل.
مسألة
[ أقمشة الرجال ]
وإذا كان مصر الثوب من قطن أو سداة أو بالعكس جاز لبسه للرجال وقيل: لا يجوز وهو الأصح.
مسألة
[ كراهية السواك بعد الوضوء ]
عن الشيخ درويش بن جمعة بن عمر الأدمي: ويكره السواك بعد
الوضوء والكلام ي غير الطاعة مع الوضوء وفي كل حال وإذا لم يخرج
الكلام من حد الحاجة فلا بأس به ويكره الكلام للمتعري من غير ضرورة.
مسألة
[ محاسبة النفس ]
ومن أعجبه فعله أنه مؤد ما أمره الله به للخالق والخلق فإذا أخذلت نفسه بتوفيق الله له الطاعة فلا بأس عليه ولا إثم.
مسألة
[ كيفية الدعاء ]
ولا يجوز أن يدعى الله بحق كذا من أسمائه ورسله وكتبه لأنه ليس
لأحد على الله حق وقيل: يجوز والأول أصح ولا يجوز العمل بالأسماء
التي هي في غير عربية إلا لمن عرفها وعرف عدلها.
مسألة
[ حكم بيع الأفيون ]
ويروى أن الإنسان إذا هم بالطاعة ونوى العمل بها فاحت منه ريحة
طيبة فعلم الحفظ بذلك وإذا هم بالمعصية فاحت منه ريح نتنة فعلم الحفظ ذلك. ولا يجوز بيع الأفيون للدواء وشراؤه.
مسألة
[ ماذا يقال عن الظواهر الكونية ]
وإذا همهم رعد يجوز أن يقال: يا كريم وينوي أن الله هو الكريم المنعم
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 188. (13/48)
صفحة 1708
لا الرعد ولا يجوز أن يقال: قوس قزح وإنما يقال: قوس الله لما يستوي
بعد المطر من اختلاف الأرياح كالقوس المحنا من حمرة قانية وصفرة فاقعة وخضرة ناصعة.
مسألة
[ من آداب قضاء الحاجة ]
ومن أصاب اعتراء وصب فترك دواه متكلاً على منْزله فهلك فلا إثم
عليه ولا هلاك وإن ترك الدواء أيسأمن برئ وصبه فماله من أسر الحوب فكاك ويكره استقبال القبلة واستدبارها لبول والغائط واختلفوا بين كونه في الصحراء وبين كونه في الحوائط وقيل: لا يجوز استدبارها دون استقبالها.
مسألة
[ أثر اللحن في القرآن ]
ومن وجد نملة زائدة في يده أو أبان سناراً غولاً فإنه يستغفر الله ويتوب إليه ومن لحن في القرآن أو بدل آية أهل الجنة لأهل النار أو بالعكس خطأً فلا بأس عليه لقوله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } (1).
مسألة
[ من أفعال العبد ]
ويقال: التقوى غير الفتوى معناً على حكم الظاهر والتقوى فيما يخص العبد من باطن العلم والمتعبد عقله حجة عليه فما أنكره العقل مما هو مباح
في حكم الشرع فعليه الوقوف حتى يتضح له الحق وهذا لأهل المراقبة لله.
مسألة
[ من أفعال العبد ]
قوله تعالى: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ } (2) أي ساعاته وكل ساعة منه ناشئة
سمت بذلك لأنها تشاء أي تبيده واو الوطء الموطأة والمواقفة والناشئة أول
الليل وينبغي للعبد أن يعرض نفسه للطاعة في كل وقت ليلاً أو نهاراً لأنه لا يدري أي ساعة القبول وينبغي للعبد المسارعة في الطاعات والمواظبة على
الجماعات وأداء جميع المفترضات وإن يبرأ الوالدين والأولاد وجميع العباد
من أرحام وجيران وأصحاب وإخوان وأن يحسن خلقه للناس وأن تكون
نيته عافية من الالتباس.
مسألة
[ صور من النوافل ]
__________
(1) 1- سورة الأحزاب آية 5.
(2) 2- سورة المزمل جزء من آية 6. (13/49)
صفحة 1709
ومن قدر على الانتفال فليتنفل أربع ركعات قبل صلاة الظهر بعد الزوال وأربع ركعات قبل صلاة العشاء الآخرة وثماني ركعات قبل الفجر غير
ركعتي السنة ركعات قبل صلاة الضحى ومن أراد أن يتنفل بصوم فليصم
من كل شهر يوم ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر ويوم تاسع وعاشر من
شهر محرم ويوم سبعة وعشرين من رجب.
مسألة
[ حكم لحوم الحيات ]
ولحوم الحيات حرام ومن اضطر إلى أكله فلا بأس إذا رجا الشفاء في أكله.
مسألة
[ صور من المعاملة ]
ويوجد أن من حمل شيئاً من عصب أم عامر لا يعلم السحر فيه شيئاً ومسكه وضفره فلا يضيق حمل ذلك إذا ذكي وطهر المذبح وإذا دفع
مسلكه طهر ولو لم يذكى على قول ويجوز الإحسان ولو إلى عبدة
الأوثان لأنه الله تعالى لا يعزب عليه إحسان محسن ولا يضيع عمل عامل
من إنس وجن.
مسألة
[ الأمانة في النقل ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: ومن نسخ كتب القوم فرأى ترحماً عمن
وقف المسلمون عن ولايته وقوف إشكال أو رؤيا أو يبرءون منه فلا يضيق
إذا لم يعتقد ذلك بقلبه وإنما يحكي كما رأى وسمع فيمن الحكاية.
مسألة
[ حكم الجهاد تحت راية الفساق ]
ولا يجوز الجهاد تحت لواء الفاسقين وينتهك ما حضر في كتاب رب العالمين وسنة رسوله الأمين وما أجمع على تحريمه أرباب العلم المهتدين
وليس للمؤمن إهمال النية عن الجهاد إذا وجد السبيل مع من تمسك بدين بالصمد الجواد فرضاً أو نفلاً قولاً أو عملاً ولا تجوز كتابة ما لم يعرفه من الأسماء و كتب بآيات وصادات أو حرف متفرقات فلا بأس ويجوز قبول
فتي الثقة العدل المعروف والصلاح المأمون على نفل الشريعة إذا قال: الحق
لأن الله تعالى أخذ على عباده الميثاق أن لا يقولوا على الله إلا الحق وأما على جهة التقلد فلا.
مسألة
[ تفسير آية الحسنة ] (13/50)
صفحة 1710
وأما تفسير قوله تعالى: { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ.. } (1) تمام الآية فالحسنة هنا الخصب ورخص السعر
والسيئة الغلاء والجدب وأما قوله: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } (2)
فهو الفتح والنصر والغنيمة والسيئة الحرب والهزيمة.
مسألة
[ قراءة آيات التوحيد ]
عن الشيخ ناصر بن خميس: ومن قرأ آية التوحيد فوقف بين النفي والإثبات وفي الاطمئنانة أنه يستثني سراً فاستثناه سراً فلا ينفعه عند من
سمعه لأن الله تعبد خلقه بحكم الظاهر وله حكم العلانية والسرائر.
مسألة
[ القول في نزول عيسى عليه السلام ]
وقد تواترت الأخبار وأطبقت السن الأبرار والفجار أن عيسى النبي لم
يمت وأنه رفع إلى السماء وأنه سيبعث عند اقتراب الساعة ويملأ الأرض
عدلاًَ ولم يعلم صحة ذلك من كتبا ولا سنة والله قادر على ما يشاء ولا قوة
إلا بالله.
مسألة
[ تفسير آيات ]
وأما تفسير قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ } (3) أي أداء ما لزم من الواجبات لله وأما قوله
تعالى: { )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } (4) أي إقامة ذكر الله وطاعته.
مسألة
[ من أصحاب الرأي ]
وأما أصحاب الرأي هم قوم من أهل الخلاف وهاوم تفسيرها تعالوا وقيل: إن أول من يعطا كتباه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب وله شعاع كشعاع الشمس ثم يقول أين أين أبو بكر؟ فيجاب: إنه زف إلى الجنة.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عائشة «إن الخلق كلهم يحاسبون يوم القيامة
__________
(1) 1- سورة النساء آية 78.
(2) 2- سورة النساء آية 79.
(3) 1- سورة المنافقون آية 9.
(4) 2- سورة الجمعة آية 9. (13/51)
صفحة 1711
إلا أبو بكر»(1).
مسألة
[ نوع من القراءة والإعراب ]
وأما إعراب فاصدق فإنه جواب للنفي والاستفهام بالفاء وأما جزم واكن
العطف على موضع الفاء وما بعده ويجوز نصبه ويكون معطوفاً على
فاصدق وأكون وقري برفع النون ولا يجوز دخول البيوت المسكونة بغير استئذان أهلها.
مسألة
[ أثر دخول البيت بلا إذن أصحابه ]
ومن دخل داراً بلا إذنه انتقض وضوءه وفي نقض صومه اختلاف.
مسألة
[ من قراءة القرآن ]
وسكن الأعمى ومطلقته في بيت واحد اختلاف والتنزه أولى وقوله
تعالى: { إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } (2) فالوقوف على الكنود والموءودة قول: تكتب بواو واحد وقول: بواوين وقيل: تقرأ بالتمكين وقول: بغير تمكين.
مسألة
[ تفسير قوله تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) ]
عن القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة في تفسير قول الله تعالى: { إِنَّ
اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } (3) ومعنا لا ينتقص من الأجر ولا يزيد في العقاب.
مسألة
[ قراءة القرآن عند النوم ]
ومن تلا شيئاً من الآيات عند منامه فرأى شيئاً من الدراهم فوق فرشه
عند قيامه فلا أقول فيها شيئاً لقلة علمي بحقيقتها ولا من أي جهة هي والموجود في الآثار عن أولي الأبصار من وجد في داره شيئاً يملك مثله فهو
له حلال بلا مراء ولا جدال على الأصح من الأقوال.
مسألة
[ أثر ملك المرأة العبد ]
واختلفوا في الغادة إذا ملكت قناً ذكراً فقال قوم: له أن يمسها وتمسه في سائر الجسد لغير شهوة ولا يأكل معاً وأنه بمنزلة ذي محرم وقيل: لا يجوز
وإن كان لها في حصة ففي ذلك اختلاف وفي هذه المسألة الأصح عدم
__________
(1) 3- انظر كنْز العمال الجزء الثالث عشر فضائل الصديق ص6، 7 انظر رقم 36091،
36092، 36093 ...
(2) 1- سورة العاديات آية 6.
(3) 2- سورة النساء آية 40 : { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ
لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } . (13/52)
صفحة 1712
الجواز وفي الأول الجواز.
مسألة
[ صلة الجار ]
وصلة الجار واجبة كالرحم بيتاً سيما في الحزن والجدل ويجب الوصول
إلى الوالدين إلى سنتين مسير وأما سائر الأرحام فإلى مسير سنة وذلك عند الاستطاعة وإلا فتكفيه النية وقيل: تجب صلتهم إذا التقوا إلى أربعة أجداد
دم قبل الآباء والأمهات وقيل: ما صح النسب.
مسألة
[ صور من المحرمات بالرضاع ]
ومن نكح ثلاث بضات فاثنتان عنده بحد الرضاع والثالثة قد كبرت ثم
إن الكبيرة أرضعت أحد الاثنتين الطفلتين فجاز بالمرضوعة فأرضعت الكبيرة الأخرى من الطفلتين فإذا لم يجز بالكبيرة فرق بينه ويبن الصبية المرضوعة
أولاً والذي أرضعتها من بعد الصبيتين هي زوجته وإن جاز بالكبيرة فرق
بينه وبينهن معاً ولا يحل له نكاح أم وبناتها من النسب ولا من الرضاع.
النهج السابع والثلاثون
في الإعراب
وأحكام شيء من كلام العزيز الوهاب
النهج الثامن والثلاثون
في الإعراب
وأحكام شيء من كلام العزيز الوهاب
مسألة
[ كتابة قدِم ]
عن الشيخ صالح بن سعيد: إن قدم تقدم بكسر الدال في الماضي
وكسرها في المستقبل من قدم الغيبة والرواية بكسر الراء وبفتحها لغة وصل بفتح الصاد من الوصول.
مسألة
[ كتابة ومعنى اليمين ]
اليمين أقسم يقسم قسماً بفتح السين في الماضي وكسرها في المستقبل والاسم القسم بفتح القاف والسين وأما إذا كان من القسمة فبفتح السين
في الماضي وكسره في المستقبل وتسكينها في المصدر والنصب قسم
بكسر القاف.
مسألة
[ تشكيل الجباة ]
الجباه بكسر الجيم وجباه الوجوه وبضم الجيم جباة الصدقات أجرى
يجري بالألف في الماضي وضم الياء في المستقبل وكسراء الراء إذا كان
بمعنى يكفي وجزى يجزي بمعنى الثواب.
مسألة
[ معنى الجبر ]
أجير يجير بمعنى أجير على فعل شيء وجبر يجبر إذا مض وجبر وقسر وأقول: الله تعالى الجبار بمعنى جبره الكسير وقيل: بمعنى عزيز وقيل: بمعنى ملك.
مسألة
[ جمع الاسم المنقوص ] (13/53)
صفحة 1713
وجمع اسم المنقوص بالمكسر إذا كان من أسماء المفردات كشراه وقضاه وولاه بضم أوله وغنم يغنم غنماً بفتح العين وكسر النون في الماضي وفتح
الياء والنون في المستقبل وضم الغين وتسكين النون في المصدر.
مسألة
[ كتاب يغضب ]
غضب يغضب بفتح الغين وكسره في ماضيه وفتح الياء والضاد في
مستقبله ظفر يظفر بفتح الظاء وكسر الفاء في ماضيه وفتح الفاء في مستقبله.
مسألة
[ كتابة وتشكيل سكن ]
سكن يسكن بضم كاف مستقبله تلف تكسر لام ماضيه وبفتحها في مستقبله بتلف ووقف يقف وركعات بكسر الكاف من الواحدة وفتحها في الجمع شبهة وشبهات بضم الباء وشبيهات والولد من الوالدة والنِّحلة من النِّحل والنَّخْلة من النخل بإسكان خاء الواحدة وفتحها في الجمع وردَّ يُرد بضم راء المستقبل طلب يطلب بفتح اللازم في الماضي وضمها في المستقبل طلب يطلب ظهر يظهر وحفظ يحفظ فأما ظهر فهاؤها مفتوحة في الماضي ومضمومة في المستقبل وفاء حفظ مكسورة في الماضي ومفتوحة في المستقبل عزم يعزم بكسر زاء ماضيه وبفتحها في المستقبل.
مسألة
[ كتابة ضمن، كفاية ]
ضمن يضمن بكسر ماضيه وفتحها في مستقبله والدرع بكسر الدال
درع الحديد والقميص من كتاب كفاية بكسر كاف الكفاية وكلمة بشيء
لا يجوز تنوينها عند اندراج الكلام وهو عن الشيخين علي بن مسعود
ومسعود بن محمد.
مسألة
[ حكم الترجيع في القراءة ]
عن الفقيه ناصر بن خميس: والترجيع في القراءة لا يزيد فيها زيادة
يجاوز الحد المحمدية بضم الميم وسمام النهر بفتح السين والأعرابي بكسر
الهمزة وهو أحد الأعراب واسم خلف فمصروف.
مسألة
[ معنى النجس ]
ويقال: إن الله إذا أحب عبداً وأنعم عليه أحب أن يرى نعمته عليه فياء ويرى يجوز فيها الفتح والضم فعل بكسر الفاء نجس لا يفرد فإذا فرد قالوا: نجس بفتح الجيم والنون النجس القذر قال الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ (13/54)
صفحة 1714
نَجَس } (1) الرصاص بفتح الراء وبكسرها لغة الشبهة بفتح الشين والباء
ضرب من النحاس يشبه الذهب المفضل اسم شخص وهو بضم الميم وبفتح الفاء والضاد مع تشديد الضاد.
مسألة
[ صور من الكتابة ]
وغر الجدار بكسر الغين جف يجف بفتح بائه وجيمه حضر وحضر بالتشديد والتخفيف إذا زرعه أو ماله بحضار والصوم فيه بشاهد متخير
قول: متخير الخاء المعجمة والياء من قول بالخاء المهملمة والياء.
مسألة
[ إعراب بعض الألفاظ ]
اختلف المسلمون في الفقير والمسكين من نبت لحمه على المسكنة والفقير من كان غنياً فافتقر، وقول: هما سيان { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ } (2)
يجوز نصب راء الطير على النداء فرأي بالرفع.
مسألة
[ من هو المسكين ]
قوله تعالى: { )أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ } (3) بتشديد السين وهم دباغون الجلود والجلد في لغة العرب يسمى مسكاً بفتح الميم وهو الجلد
المديون أسرج على الفرس إذا شد عليها وأسرج السراج إذا أضاء.
مسألة
[ إعراب جواب النفي والاستفهام ]
وجواب النفي والاستفهام بالفاء يكون منصوباً أو غير منصوب رهن الشيء برهنه ثلاثي وأرهنه لغة وهو رباعي الحنا ما يتحنى به مقصوراً
ويأتي ممدوداً.
مسألة
[ تشكيل بعض الأسماء ]
واسم الشاعر عز ذو الرِمة بكسر الراء وفتح الميم واسمه غيلان
والمنسوب إلى اللغة لغوي بضم اللام السدى بضم وهو أحد المفسرين قتادة بضم القاف هو اسم رجل وقيل: إنه بفتح القاف جن يجن إذا ذهب عقله
بفتح الجيم والياء في المستقبل فعل بفتح يفعل السمة من السعف بضم السين وكذلك السعفة وأما حتى يغفل عنها كلها فاللام كلها مجرور نسأل الله أن يعيد علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين فعين جميع في محل جزء وأما
البليج هو بالباء المعجمة من أسماء السفن والدوبح بالدال المهملة السلعة
__________
(1) 1- سورة التوبة آية 28.
(2) 1- سورة سبأ آية 10.
(3) 2- سورة الكهف آية 79. (13/55)
صفحة 1715
بكسر السين من التجارة وليس على من يقرأ الأشعار استعاذة وإنما يقول: ولذكر الله أكبر والمحل بضم الميم اسم والمحال بفتح الميم الشيء الذي لا
يكون نُمرود بضم النون اسم رجل جبار ذرعه القيء أي غلبه بالذال
المعجمة والشوران بضم الشين اسم الشجر والزعفران بفتح الراء.
مسألة
[ تشكيل بعض الكلمات ]
القلة بكسر القاف ضد الكثرة { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } (1)
بهم صدوا أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهديهم وقول: مع هديهم قال الشيخ
خميس بن سعيد: إن ميم منير مضموم وميم منير مكسور واجتنبوا في
ضحاياكم العوراء البين عورها التي يجوز فيها الرفع والنصب وهو عن
الشيخ ناصر بن خميس بن علي والجفاء ضد السرور ممدوداً ثمرات النخل
بثمر رباعي بفتح ألف الماضي وضم التاء وكسر الميم في المستقبل.
مسألة
[ تشكيل الملك ومعنى ذلك ]
الملك بضم الميم من ملك السلطنة وبكسر الميم ما ملكت اليمين وبضمه والكسر أفصح عتق بفتح أحرفه بأن من الرق وجه سيده وأعتق بضم الألف وكسر التاء ما لم يسم فاعله وأعتقه سيده بألف القطع.
مسألة
[ تشكيل معاني بعض الكلمات ]
عن الشيخ خميس بن سعيد البستاني: السبا بكسر السين ما يأسره المسلمون ويغنموا من نساء المشركين الجيروب بفتح الجيم والباء وضم الراء قدم يقدم من القدوم من السفر بفتح القاف وكسر الدال في الماضي من
التقدمة وهي الوجاهة قال الله تعالى: { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } (2) وقد
يقدم بضم الدال من الماضي والمستقبل ضد حدث الوطء المكنى به عن
الجماع بالهن الجلندا بفتح الجيم وضم اللام ممدود أو الجلندي بضم الجيم
وفتح اللام مقصور القود بفتح القاف والأرض بفتح الهمزة والعقر بضم
العين والنفاس بكسر النون والنفساء بضم النون وفتح الفاء وفيها بفتح النون
وإسكان الفاء والوصاية بفتح الواو وكسرها غنم يغنم بفتح عين الماضي
__________
(1) 1- سورة الفتح آية 25.
(2) 1- سورة هود 98. (13/56)
صفحة 1716
وكسر النون وفتح بالمستقبل وفتح نونه الوكالة بفتح الواو وكسرها الحمد
لله حق حمده بفتح القاف الحمد لله حمداً كثيراً بنصب الدال الدعوة إذا
دعاه لأمر بفتح الدال الهوى مقصور هو النفس والهوى ممدود وهو ما بين الخضل والغبراء.
مسألة
[ كتابة الثرى ]
الثرى مقصور والتراب والثراء ممدود المال الصفا مقصور الحجارة
والصفا المحدود المودة الفتى مقصور والفتا ممدوداً وأحد الفتوة النساء
مقصور النون والسناء ممدود الشرف.
مسألة
[ معاني بعض الكلمات ]
الخلال الحشيش الرطب والخلا ممدودة الخلوة النساء مقصور النون ممدود التأخير العشاء مقصور داء في العين والعشاء ممدود الأكل ماشياً الحوي
مقصور الجوع الجري ممدود والهوى العرس مقصور ما حول الدار والعراء ممدود المكان الخالي الحفاء بالخاء المهملة دواء والحفاء ممدود المدى بغير نعال النفي مقصور الرملي المجتمع والنفاء ممدود مصدور وفي العراء مقصور ولد البقرة والعري ممدود الولوع بالشيء وقيل: المكان الخالي الحياء مقصور
الخصب والحياء ممدود الاستحياء الوري مقصور الخلق والورى ممدود وما
خلف الشيء النجا مقصور سلخ إهاب الدابة والنداء ممدود سرعة الهرب الدوي مقصور المرض والدوي ما يتداوى به الوحي المقصور الصوت
والوحا ممدود السرعة السفا مقصور تراب القير والسفاء ممدود الخفة
والطيش البري مقصور التراب والبراء ممدود مصدر العمي مقصور عمي
الغير والعماء ممدود السحاب الرقيق الجلاء مقصور الكحل والجلاء ممدود الخروج من الوطن الغناء مقصور غبث الثعلب والقنا ممدود، الموت الفضا
بالفاء مقصور البلغة والفضا ممدود المكان الواسع.
مسألة
[ كتابة وتشكيل بعض الكلمات ]
الذكي مقصور إشعال النار والذكاء ممدود الفهم العفي مقصور ولد الحمار والعفاء ممدود الرحم الملأ المقصور الأرض الواسعة والملا ممدود الحلق الجد بفتح الجيم العطية والجداء ممدود الغني البدا مقصور الرأي الرشيد
والبداء ممدود بغير الرأي. (13/57)
صفحة 1717
مسألة
[ في التشكيل والكتابة والمعاني ]
ريح الصبا التي تأتي من ناحية المشرق مقصورة الصبا ممدود مصدر صبا الكرى مقصور النوم والكراء ممدود تنبيه الخائف نفسه لأبي الدرداء يعتري المقصور الإباء ممدود وأطراف القصب الغمي مقصور سقف البيت والغماء ممدود الدنيا الغر مقصور الرمي والغراء ممدودها يعرى به السم الصلي خر
النار مقصور والصلاء ممدود لهبها الفداء مقصور العذاب وأما الفداء ممدود
ما يفتدى به الإضا مقصور الغدير والإضاء ممدود العذر السحمي مقصور القرطاس والسجاء ممدود طير وهو ولد الخفاش الضحى مقصور أول النهار والضحى ممدود يجوز قصره اللوي الرمل واللواء ممدود لواء الأمير الآتي
مقصور الساعة والآتي ممدود الآنية العداي مقصور الأعداء والعداء ممدود والمولاة الكبا مقصور لم أر تفسيره مقيداً وأما الممدود هو المتاع الروي
مقصور حبل تشد به الخيل البلا مقصور القديم ضد العافية والبلا ممدود
الشيء البالي الأفا مقصور وممدود بلوغ الشيء ومنها والقري بكسر القاف ممدود ومقصور وهو الضيف السوي بكسر السين وفتحها لغير ممدود
ومقصور القلا بفتح القاف وكسرها ممدود ومقصور هو القيض لقا بضم
الام وكسرها مصور وممدود ويوم القيامة الغا بكسر الغين مقصور سقف
الدار وبتفحها سحاب رقيق عمر بفتح الغين ماء كثير وبفتحها ستر
وبضمها شحن لم يجرب الأمور.
مسألة
[ في التشكيل والمعاني ]
السلام بفتح السين تحية وبكسرها حجر وبضمها عرق الكلام بالفتح هو القول بفتح القاف وبكسرها الجراحة وبضمها الأرض الصلبة الحرة بفتح
الحاء الحجارة وبكسرها الحر المعروف وبالضم امرأة حرة ضد المملوكة حلم بفتح الباء الحاء والأديم بكسرها عفو العافين عن الجاني وبضمها حلم النائم السبت بالفتح هو يوم معروف وبالكسر النعال وبالضم السين نبت شجر (13/58)
صفحة 1718
السهام بفتح السن الحر وبكسرها سهم القوس وبالضم الضياء الدعوة بفتح الدال الدعاء إلى الله وبكسرها الادعاء وبضمها طعام يدعى الناس لأكله
شرب بفتح الشين الشربة وبكسرها اسم المشروب وبضمها عصير العنب.
مسألة
[ في التشكيل والمعاني ]
الخرق بفتح الخاء أرض واسعة وبكسرها السخاء والكرم وبضمها
الحق الملام بفتح الميم الخلق وبكسرها امتلاء الإناء وبضمها ثوب للحا
بفتح الحال قول العدول وبكسر حي الرجل وبضمها شعر اللحية الشكل
ما أشبه الشيء وبكسرها الدلال الحسن وبضمها قيد الفرس الصرة بفتح
الصاد النجوم وبكسرها نثر البرد وبضمها صرة الدراهم الكلاء بفتح
الكاف نبت وبكسرها الحفظ والكلابة وبالضم جمع كلوة الكرا بفتح
الكاف النوم وبكسرها أجرة الأجير وبضمها لغة يسم الكره القسط
بفتح القاف الجور وبالكسر العدل وبالضم شجر تبدأ وبها العرف بفتح
الغين رابحة لطيف وبكسرها طيف وبضمها قول: المعروف والجد بفتح
الجيم آب الأب وبالكسرة ضد اللعب وبالضم بعض القلب الجوار بفتح
الجيم جمع جارية وبكسرها الجار وبضمها الاستجارة عند النوائب الأمة
بفتح اللام الشجة وبكسرها ضد الشجاعة والبأس وبضمها الحلق من
الأنبياء الحمام بفتح الحاء طير معروف وبالكسر الموت المخوف وبالضم شخص موصوف، اللمة بفتح اللام الخوف وبكسرها الرأس وبالضم
الجماعة، المسك بفتح الجيم الجلد، وبكسرها المسك المعروف وبضمها
إنفاق المال الحجر بفتح الجاء مقدم القميص وبكسرها العقل وبالضم اسم
رجل وهو أب امرئ القيس السقط بفتح السين الثلج وبكسرها النار
وبضمها الولد قبل تمام مدته، اللقمة بفتح القاف سؤر الأسد وبكسرها
ورأس الجبار وبضمها صلحاء الدار وأكياسها، الرق رمل متصل بضعه
ببعض وبكسرها خبز رقيق وبضمها أرض لا يضر بها مطر، صل بفتح
الصاد صوت الحديد وغيره إذا حرك وبكسرها هلاحية وبالضم الماء
المتسنيه، الطلا بفتح الطاء ولد الصبي وبالكسر الخمر وبضمها حبل (13/59)
صفحة 1719
محبوس، الرشا بفتح الراء الغزال وبكسرها حبال الزجر المربوطة في
أفواه الدلاء وبضمها السحت المحرم وهو الرشوة، الزجاج بفتح الزاء
القرنفل بكسر الرّمح وبضمها الزجاج المعروف، للقاو وبفتح اللام كبس
المنْزل وبكسر ملاقاة الناس وبضمها العسل المصفى، المنه بفتح الميم
اللحية وبكسرها المنه والمذمومة بعد العطاء والممدوحة مع العطاء بالضم
قوة الإنسان، القري بفتح القاف ظهر النهد وبكسرها إقراء الضعيف
وبضمها جمع قرية، الظلم بفتح الظاء الإنسان وبكسرها الأنعام وبضمها
أداء في الإنسان، القطر بفتح القاف الغيث وبكسر النحاس وبضمها اسم
العود الذي يتبخر.
مسألة
[ في تشكيل الكلمات ]
غمر وبفتح الغين سكن وبكسرها استغنى وبضمها الحرب، البر بفتح
الياء المروه وبكسرها العفة وبضمها حب البر، الجنة بالفتح دار الخلد
وبكسر الجيم الجن وبضمها الترس، الظهر يكتب بالظاء هو ظهر كل دابة، والصخرة من الحجر تسمى صهر بالضد، والضب هو كالرجل هذا يكتب بالظاء والضب الدابة المعروفة في البيداء يكتب بالضاد.
مسألة
[ في التشكيل والكتاب والمعاني ]
القيظ معروف في زمن إدراك الثمر ويكتب بالظاء وقيض بالضاد قشر البيض، الظن بالظاء ضد اليقين والطن بالطاء ضد البخل، الحنظل بالظاء
نبت معروف طعمه مرو الحنضل بالضاد الطفل، للرض بالظاء الجوع الألم، الظرير الضاد الحجر والضرير بالضاد الأعمى، الضرب بالظاء نبت
والضرب بالضاد الحسام وغيره، الطحه بالطاء الطعنة النجلاء والضجة
بالضادة كثرت الأصوات، الظراب بالظاء مجمع الحجارة والضراب
بالضاد نزو البهائم، المظ بالظاء الرمان، والمضن بالظاء وسخ الوجه، والضد بالضاد ضد الشيء الظهر بالظاء معروف ينبت أطراف الأنامل، والضفر
بالضاد الرجل القصير الطر بالطاء الصخرة الصماء والضر بالضاد ضد
النفع الظر بالظباء ضد الخذلان والضفر بالضاد قلد شعر الرأس ما يعرض (13/60)
صفحة 1720
الغبط للإنسان عند العظب بالظاء والغيض بالضاد فيضان الماء العظيم بالظاء واحد العظام والغيضم بالضاد مقبض القوس والنبظ ماء الفجل والنبض
بالضاد معروف.
مسألة
[ معنى الزرب ]
الزرب وهو الحظيرة التي تجتمع بها الغنم تكتب بالظاء والحظيرة مجمع
القوم غطت الحرب إذا استبقت والعض بالضاد عض الناب.
مسألة
[ ما يبدأ بحرف الطاء والظاء ]
الحظر بالظاد الحرام وحضر بالضاد ضد غاب الظرف بالظاء المنطق
الحسن والضرف بالضاد ناعم المعيشة، الظل بالظاء هو القيء الضل بالضاد
هو الضلال الظل بالظاء ما برح وضل بالضاد ضد من اهتدى السبيل، نظن بالظاء بمعنى رأى نظر الشيء بالضاد إذا تصرى بها واستتار، الظجر بالظاء
قلة البصر وهو الملل والسأم والضجر بالضاد المطل والمن النظير بالظاء هو
الشبيه والنظار بالضاد الفضة.
مسألة
[ معنى الحظ ]
فاظن بالظاء أي ضاق وفاض بالضاد إذا طغى من الإناء وانضب،
الخظ بالظاء من يناله المرء عند إقبال دهره إليه والحض بالضاد النصب من
كل شيء.
مسألة
[ في المواضع التي لا يجوز الوقف عليهن وهي عشرين موضع ]
نقل عن الشيخ أبي عبيدة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في القرآن خمسة عشر موضعاً من تعمد الوقف عليها فقد أثم فاحفظوها».
مسألة
أولها في سورة البقرة لا يجوز الوقف على قوله تعالى: { فَزَادَهُمُ اللَّهُ
مَرَضاً } (1) حتى يقول: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
مسألة
وفي سورة البقرة أيضاً قوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ } (2) لا يقف حتى يقول: { وَإسْمَاعِيل } متصلاً بالبيت.
مسألة
وفي النساء: لا يجوز الوقف على { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } حتى يقول: { وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه } (3).
مسألة
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 10.
(2) 2- سورة البقرة آية 127.
(3) 3- سورة النساء آية 131. (13/61)
صفحة 1721
وفي الأعراف لا يجوز الوقف على قوله تعالى: { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً } حتى يقول : { إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ } (1).
مسألة
وفي الأنفال لا يجوز الوقف على قوله تعالى: { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُون } حتى يقول: { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } (2).
مسألة
في الأنبياء لا يجوز الوقف على قوله تعالى: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ } (3) حتى يقولوا: { الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ } .
مسألة
وفي يس لا يجوز الوقف على قوله تعالى: { مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا }
بل يقف على { مَرْقَدِنَا } (4) ويتم الآية.
مسألة
وفي الصافات على قوله تعالى: { لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى } حتى يقولوا: { وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ } (5).
مسألة
وفي الرحمن لا يجوز الوقف على قوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ }
حتى يقول: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ } (6).
مسألة
وفي الممتحنة لا يجوز الوقف على قوله تعالى: { يُخْرِجُونَ الرَّسُول }
حتى يقولوا: { وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ } (7).
مسألة
وفي سورة الملك لا يجوز الوقف في قوله تعالى: { قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ }
حتى يقول: { فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْء } (8) وفي المعارج ولا
يجوز الوقف على قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } حتى يقول:
{ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } (9).
مسألة
__________
(1) 1- سورة الأعراف آية 89.
(2) 2- سورة الأنفال آية 34.
(3) 3- سورة الأنبياء آية 24.
(4) 4- سورة يس آية 52 .
(5) 1- سورة الصافات آيات 8، 9.
(6) 2- سورة الرحمن آيات 26، 27.
(7) 3- سورة الممتحنة آية 1.
(8) 4- سورة الملك آية 9.
(9) 5- سورة المعارج آية 29، 30. (13/62)
صفحة 1722
وفي التكوير قوله تعالى: { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } حتى يقول:
{ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } (1).
مسألة
وفي التين قوله تعالى: { أَسْفَلَ سَافِلِينَ } حتى يقول: { إِلَّا الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } (2).
مسألة
وفي سورة الماعون لا يجوز الوقف على قوله تعالى: { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ } حتى يقول: { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } (3).
مسألة
وسكنات القرآن سبع في قوله تعالى: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } (4) هنا سكنة.
مسألة
وفي سورة يس على: { مَرْقَدِنَا } (5) وفي القصص عند { الرِّعَاء } (6).
مسألة
وفي سورة القيامة على: { مَنْ رَاق } (7).
مسألة
وكذلك على { يَتَفَكَّرُونَ } (8).
مسألة
وفي الكهف على { عِوَجَاً } (9).
مسألة
فهذه سبع مسلمة.
مسألة
[ الشاهد من سورة يوسف ]
قال الله تعالى في قصة يعقوب وأولادهم عليهم السلام قوله تعالى:
{ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } (10) ولم يقل بمصدق ومن شأن
العرب الإيجاز ومغايرة الكلام قلنا : لأن التصديق يحتمل باللسان فقط وأما الإيمان فباللسان والقلب فلهذا كان الإيمان أبلغ.
مسألة
[ مناسبة الخطاب ]
وقوله تعالى: { أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } (11) وكان الوجه أن يقول: وتدعون أحسن الخالقين لحكمة في ذلك أن الإنسان يدع الشيء
بعد استعماله له وهؤلاء الكفار لم يعبدوا الله في سائر أعمارهم وتركوا
عبادته في اللاحق فلهذا خاطبهم بذلك.
مسألة
[الحكمة من بعض القراءات]
__________
(1) 1- سورة التكوير آية 25، 26.
(2) 2- سورة التين آية 5، 6 .
(3) 3- سورة الماعون آية 4، 5.
(4) 4- سورة الأعراف آية 23.
(5) 5- سورة يس آية 52.
(6) 6- سورة القصص آية 33.
(7) 1- سورة القيامة آية 27.
(8) 2- وردت هذه الكلمة في آيات كثيرة.
(9) 3- سورة الكهف آية 1.
(10) 4- سورة يوسف آية 17.
(11) 1- سورة الصافات آية 135. (13/63)
صفحة 1723
فإن قيل: لم قال الله تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ } (1) وفي الآية الأخرى: { نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإِيَّاهُمْ } (2) الحكمة في ذلك أنه لم قدم أرزاق الآباء توهم الآباء أن الأبناء يأكلون رزقهم وأن الأبناء لا رزق لهم فلما خاطبهم بتقديم رزق الأبناء
علموا أن كل مخلوق يسر الله له رزقه.
مسألة
[ تقديم قراءة الزانية على الزاني ]
فإن قيل: لما قدم الله ذكر الزانية وأخر السارقة على السارق؟ قلنا: لأن
السرقة تفعل بالقوة والرجل أقوى من المرأة والزنى يفعل بالشهوة والمرأة
أكثر شهوة من الرجل(3).
مسألة
[ الحكمة من اختلاف العقوبات ]
فإن قيل: لم أمر الله بقطع يد السارق ولم يأمر بقطع عرد الزاني وهو قد باشر الزنى؟ قلنا: لأن جذه يورث قطع النسل ولأن اللذة لم تحصل للعرد
نفسه وإنما حصلت للجسد كله فلذا فرق الضرب على جسده وقطعت يد السارق لأنها أخذت المال وحدها.
مسألة
[ الحكم من قوله (وعصى آدم ربه فغوى) ]
فإن قيل: لم قال تعالى: { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } (4) ولم ينسب
حوى إلى المعصية لأنها أكلت الشجرة قبله ثم دعته إلى الأكل؟ قال أبو
الحواري: لأنها حرمت وستر الحرم من الكرم.
مسألة
[ الحكمة في رجم المحصن ]
فإن قيل له: لم حكم الله برجم ذوي الإحصان إذا زنوا دون غيرهم؟
قلنا: لأنه فعل فعل الحمر والكلاب وقيل: إنه لما أنعم الله عليه بالتزويج
كفر نعمة الله بارتكابه المعصية وقيل: إنه لما ضاق طعم الغيرة وعلم قدر ضررها وقيل: لأنه نثرت عليه الدراهم عند التزويج فكذا نثرت عليه
الحجارة لما عصى الله.
مسألة
[الحكمة في جلد الأعزب وليس رجمه]
__________
(1) 2- سورة الإسراء آية 31.
(2) 3- سورة الأنعام آية 151.
(3) 1- قال تعالى: { والسارق والسارق فاقطعوا أيدهما } سورة المائدة آية 38. وقال
تعالى: { الزانية والزاني... } سورة النور آية 2.
(4) 2- سورة طه آية 121. (13/64)
صفحة 1724
فإن قيل: لم لم يوجب على الزاني غير المحصن الرجم وأوجب عليه
الجلد وكلاهما ركبا نهي الله؟ قلنا: لأن هذا لم يعرف مقدار الغيرة ولأن
الزاني المحصن فعل مع الناس ما لا يجب أن يفعل معه.
مسألة
[الحكمة في تخفيف العقوبة عن العبد]
فإن قيل: لم أوجب الرجم على الحر المحصن ولم يجب على العبد
المحصن والخطاب عام؟ قال ابن عباس: الأرقاء يجلدون وإذا تزوجوا وزنوا والأصح: أنهم لا رجم عليهم والآية وردت بنفي الرجم عن الأرقاء.
مسألة
[ الحكمة في عدد الجلد ]
فإن قيل: لما جلدت مائة جلدة؟ قلنا: لأن السنة ثلاثمائة وستون
يوماً منها في الحيض لكل شهر عشرة أيام تكون مائة وعشرين يوماً
وللنفاس أربعون يوماً تبقى مائتان لكل واحد من الزانين مائة يوم ولكل
يوم ضربة.
مسألة
[ الحكمة في الشدة ]
فإن قيل: لم قال الله تعالى: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ
اللَّهِ } (1) ؟ قلنا: لأنه لا يرحم نفسه ولا أخاه وكان قال حرمتي لأهل
رحمتي ورحمتي لا هل حرمتي فمن لا حرمت له ولا رحمة له.
مسألة
[ الحكمة في الضرب على الظهر ]
فإن قيل: لم أمر بالضرب على الظهر قلنا : لأن الله تعالى وضع ماء
الأمانة على الظهر وهو ماء الشهوة فلما وضعها في غير موضعها استحق
الجلد على الظهر.
مسألة
[ الحكمة من إظهار العقوبة ]
فإن قال قائل: قال الله تعالى: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ } (2) وأمر في جميع الأحوال بالستر عليه؟ قلنا: ليكون عبرة
لسائر الخلق ليرتدعون في المستقبل أيضاً وليكونوا حافظين لعدد الضرب والطائفة اثنان.
مسألة
[ الحكمة من الشهادة على الزنا ]
فإن قيل: لم أمر الله تعالى بالإشهاد على الزنا بأربعة شهود دون غيره
من الحقوق؟ قلنا: طلبا للستر وتقليلاً لإقامة الحدود لأن الزانين اثنان فاحتج كل واحد منهما شاهدين فصاروا أربعة شهداء.
النهج التاسع والثلاثون
__________
(1) 1- سورة النور آية 2.
(2) 2- سورة النور آية 2. (13/65)
صفحة 1725
في الدعاوى
و أحكامها
النهج التاسع والثلاثون
في الدعاوى(1) و أحكامها
مسألة
[ أثر انعدام البينة ]
ومن بيده داراً فادعاها آخر وأقام عليها بينة أنه مات أبوه وخلفها له ميراثاً ولا يعلمون له وارثاً غيره وأقام عليها الأجرة بينة أنه ورثها من أخيه حكم بالدار بينهما وحلفا لبعضهما بعضاً أنه ما يعلم شهوده شهود والد بباطل ولا حق لمن نكل.
مسألة
[ أثر التاريخ في البينة ]
وإذا وقتت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى فبينة المؤقتة أولى وقيل:
هما شتان والأول أصح.
مسألة
[ أثر اختلاف التاريخ ]
وإذا وقتت البينات معاً واختلفا في الوقت فالأصح أن بينة الوقت الآخر أولى لأنه لم يمكن الانتقال من ذي البينة الأولى إلى ذي البينة الآخرة.
مسألة
[ أثر شهادة الشراء على الميراث ]
وإذا ادعى اثنان شيئاً ورام أحدهما البينة أنه ورثه من أبيه وأقام مدع أنه أباه باع هذا الشيء لهذا المدعي في حياته فبينة الشراء أولى وشهادة الشراء تنقض شهادة الميراث.
مسألة
[ أثر بينة التصدق على الميراث ]
وإذا ادعى مدعيان شيئاً فأقام أحدهما بينة أنه ورثه من ميراثه له وأقام الخصم بينة أن الهالك تصدق به على هذا وأعطاه إياه أو نحله كانت بينة الميراث هدر.
مسألة
[ كيفية إثبات الأموال ]
ومن بيده أموال فادعاها مدع فشهدت بينة الحائز أن هذه أموال كانت لأبيه ولم يشهدوا أن أباه مات وتركها ميراثاً فقال: لا يقضى بها له ولو
شهدوا أنها لأبيه فسواء وقول: إنها إذا شهدوا أنها لأبيه ثبت ولو لم
يشهدوا أنه ورثها منه.
مسألة
[ استحقاق التركة ]
__________
(1) 1- الدعاوى: مفردها دعوى. وهي مطالب، والدعوى : ما يرفعه المدعي للقاضي
للمطالبة بحقه. والدعوى قضية لم تثبت بعد وهي من الادعاء. انظر المصباح المنير
ص232 - 233 بتصرف. (13/66)
صفحة 1726
وإذا شهدت البينة أن جد هذا مات وترك له هذا الشيء ميراثاً لم ينفذ هذه الشهادة حتى يشهدوا أنهم لا يعلمون له وارثاً سواه على الأصح وقول: الأول كاف ولم يكلفوا تعديل الورثة.
مسألة
[ تصادم البينتين في إثبات الوارث ]
وإذا كانت الدار في يد مالك فأقام آخر شاهدين أنه أباه مات وخلفها عليه ولا يعلمون له وارثاً غيره وأقام هذا شاهدين أن أباه تزوج على أمة وأن أمه ماتت وتركتها ميراثاً لا يعلمون وارثاً غيره فإنه يقضى بها لابن المرأة لأن الرجل خرج منها حيث تزوج عليها.
مسألة
[ اختلاف العم وابن أخيه في الميراث ]
وإذا كان المال في يد عم وابن أخيه فادعى العم أنه ورثه من أبيه بعد موته لا يعلم له وارثاً غيره من أبيه وادعى الأخ أنه ورثه من أبيه ولا يعلم أن له وارثاً غيره فإن أحضر البينات على دعواهما قسمت بينهما نصفان.
مسألة
[ صور من اختلاف الورثة ]
وإذا ادعى العم أن أخاه أب هذا مات قبل أبيه وشهدت بذلك البينة وورثه أبوه وورث هو أباه لا يعلمون له وارثاً غيره وشهدت بينة ابن الأخ أن الدار كانت لجدّه فمات وورثها أبوه وعمه ثبتت بينة المدعي الأول وبطلت بينة الآخر وقيل: تبطل شهادة البينتين لأن إحداهما كاذبة ولم نعلم أيّهما
وروي عن بعضهم أنه قال: يعطى ابن الأخ ربع المال لأن بينته قامت على النصف ويعطى العم ثلاثة أرباع المال لأن بينته قامت على كله ويعطى العم أيضاً سدس صلب مال لأخيه قال أبو الحواري: هذان يتوارثان من بعضهما بعضاً كالغرقا والهدما(1).
مسألة
[ أثر اختلاف البينات في إثبات الملك وإثبات الورثة ]
وإذا قسم المال وادعى بعض الورثة شيئاً منه في يد غيره فعليه البينة أنه لم يقسم فإن لم يعلم أن قسم فلا يقبل قوله البينة أنه لم يقسم حتى يشهدوا
__________
(1) 1- الغرقي والهدمى: مسائل فرضية شرحها الفراض في الميراث تحت عنوان الغرقى:
الذين لا يعرف موت أحدهم قبل الآخر، وكذلك الهدمى مثل البراكين الزلازلا. (13/67)
صفحة 1727
وإن هذا الموضع مشاع بين الورثة واختلفوا إذا مات أحد الورثة ولم يكن
في ميراثه فليس لورثته حجة لأنه مات وماتت حجته إلا أن يصح بالبينة أنه
لم يقسم الميراث بينهم ولم يدعيه من بيده ملكاً وإن عند من بيده وكالة أو
عمالة وقيل: الثاني حجته وليس للثالث حجة ما لم يطلب الثاني وقيل: له حجته ما لم تقطعها حجة وقيل: حتى يصح أن المال مشاع وقيل: ما لم
يصح القسم وقيل: ما لم يتتابع موتهم.
مسألة
[ صورة من الاستلحاق ]
وإذا ادعى أحد حقاً في ميراث من أبيه حازه عليه أخوه فأقر الحائز بالأخوة وإذا ادعى أنه من سفاح وأحضر المدعي عليه بينة أنه أخوه من سفاح فشهود الإخوة أولى وإقراره وله الميراث.
مسألة
[ كيفية ثبوت دعوى النسب ]
وإذا ادعى أحد أنه ابن عم الهالك دعي بالبينة بتسمية الآباء وألقى النسب إلى حد يجمعهما.
مسألة
[ الاختلاف بعد موت أحد الورثة ]
عن الشيخ أبي سعيد في من ورثوا مالاً فحازه أحدهما دون الآخر فمات الحائز وخلفه على ورثته فادعى الأحياء حصصهم من المال وقد كانوا ادعوه إلى الهالك فلهم حقهم إذا لم يقسم المال أولاًً ولا يموت حقهم من المال
بموت صاحبهم.
مسألة
[ أثر ثبوت البينة الثانية بعد تلف المال ]
وإذا ادعى أحد ميراثاً من هالك وأصح بينة على إلقاء النسب فحكم له بالمال ثم ادعى آخر أنه أقرب نسباً من الأول للهالك بعد أن أتلف الأول
المال فقيل: لا غرم على الحاكم ولا الوصي ولا الشهود وإنما قيل: الغرم
على الشهود وعن أبي معاوية: لا غرم على الشهود فإن وجد المال بيد
المدعي للميراث ونزع منه ودفع لمستحقه وإن استهلكه سلّم ثمنه.
مسألة
[ أثر الاختلاف في استلحاق الغلام ]
وإذا ادعى مدعيان صبياً أن ولدهما ولم يصحا على ذلك ببينة فأمره موقوف ويؤخذ بمئونته إلى بلوغه فإذا بلغ وأقرانه ولداهما ثبت له إذا لم يكن من وطئ امرأة واحدة ويحتمل أن يكون ابنهما من امرأتين ويحتمل أن (13/68)
صفحة 1728
يكون ابن غيرهما وإذا مات هذا الصبي قبل بلوغه لم يحكم لهما منه
بميراث وإن مات أحد المدعيين وقف الميراث إلى بلوغه فمن أقر له بعد بلوغه وورثه وإن ماتا فكذلك وإن مات الصبي بعد موت الرجلين قبل بلوغه فلا ميراث له من أحدهما لأنه لا يرث منهما إلا بالإقرار والإقرار لا يكون إلا
بعد بلوغه وميراثهما دونه.
مسألة
[ أثر ادعاء الولد من حنفي ووثني ]
وعن موسى بن علي: ومن كان له زوجة وسرية فولدتا معاً في ليلة
واحدة فأتت واحدة منهن ذكراً وأتت الأخرى أنثى فادعتا الذكر كلاهما
فهو لمن في يده إن كان في يد أحدهما وإلا لزمتا تربيتهما معاً وكانا
ولديهما ولزمهما نسبهما وإذا كان في يد وثني وحنفي صبي فادعى الوثني
أنه ولده وادعى المتحنف أنه عبده فهو حر مسلم يسعى للمسلم بنصف ثمنه فإن تحنف الوثني ومات وورثه الصبي.
مسألة
[ أثر ادعاء السيد أن الحمل منه ]
ومن اشترى قينة حبلى فولدت معه فادعى أنه ولده البائع فلا تقبل دعواه ولا يجبر المشتري على بيعه ويقال للبائع: إن كنت صادقاً فأخلص ولدك
من الرق فإن خلصه ومات ورثه.
مسألة
[ التخلص من الرق ]
ومن باع غلامين على توأمين فأعتق المشتري أحدهما ثم إن ادعى أنهما ولداه فلا تقبل دعواه في الذي لم يبع ويقبل قوله في المعتوق وإن مات ورثه وإن أعتق الثاني قبل موت المدعي إن ولده ورثه وعليه تخليصه من الرق ولا
يجبر مشتريه على بيعه.
مسألة
[ دعوى الأخوة وكيفية إثباتها ]
وإذا ادعى زيد أنه ابن عمرو فأنكر عمرو دعواه فأقام عليه بينة قبلت بينته وقضى له ثبوت نسبه منه وأن لم يدع قبله مالاً ومثله دعوى الأب للابن
حذو النعل بالنعل وإذا كان صبياً في يد أحد يدعي أنه التقطه وادعى رجل آخر أنه أخوه فهو أخوه وقبلت بينته ودفعته إليه.
مسألة
[ كيفية استلحاق الأم ابنها ] (13/69)
صفحة 1729
وإذا ادعت امرأة على رجل أنه ابنها فأنكر فأقامت عليه بينة قبلت بينتها وحكم بأنها أمه وإن لم تدع قبله ميراثاً ولا نفقة ومثله إذا ادعي هو أنه لها
شبل فأنكرت حذو النعل بالنعل.
مسألة
[ الحكم على الغائب ]
امرأة ادعت على رجل أنه ابن ابنها فأنكر فإن ادعت قبله ميراثاً أو
نفقة دعوناها بالبينة فإن أصحتها حكم لها عليه بما يجب لها من مؤونة
وميراث فإن كان أبوه غائباً فآب فأنكر لم يقبل إنكاره بعد أن مضى
عليه الحكم.
مسألة
[ إثبات البنوة للأم ]
وإن قالت: حدته مالي قبله ميراث ولا أطلبه بمؤونة وإنما أردت إثبات النسب لم تقبل بينتها ولم يكن خصماً إذا كان أبوه حيّاً.
مسألة
[ أثر إنكار الزوجية ]
وإذا ادعت المرأة أن فلاناً زوجها وأنكر وادعت أن لها منه ولداً فإذا لم تكن له البينة جبر علي تسريحها وحده بعد أن يحلف أن ما عليه لها حق
من قبل نفقة ولا صداق ثم يطلقها.
مسألة
[ إثبات أو نفي الكسوة والنفقة ]
وأما إذا لم يفصل الولد كانت اليمين ما قبله ولا عليه لهذه المرأة حق من قبل ربابة هذا الولد ولا كسوته وإن فصل حلف ما عليه لهذه المرأة من قبل نفقة هذا الولد وكسوته.
مسألة
[ ثبوت دعوى الاستلحاق أو الرق ]
وإذا كان للمرأة غلامان فادعى أن أحدهما شبله والآخر مملوكه فمات وأمرهما مبهم لا يعلم الولد من العبد فهما حران جائزة شهادتهما ويجد من
قذفهما ويحد أن لمن قذفاه وفي الأخير اختلاف ويسعيان بنصف ثمنها
لورثة المقر.
مسألة
[ حكم إنكار الحمل ]
وإذا نكح الرجل امرأة لم يجز بها فحملت فأنكره فادعته منه وأنه كان يدخل عليها سراً فإن أقامت بينة أنه كان يدخل عليها سراً أو جهراً ألزم
الولد ولاعنها.
مسألة
[ متى يبطل اللعان ]
عن أبي الحواري: وإذا تزوجت المرأة ورضعت(1) لأقل من ستة أشهر
فلا ملاعنة(2)
__________
(1) 1- الأصح: ووضعت.
(2) 2- الملاعنة: من اللعان: واللعان من اللَّعن: الإبعاد والطرد من الخير وقبيل الطرد والإبعاد
من الله ومن الخلق السب والدعاء. وقال ابن مفلح: وأصل اللعن الطرد والإبعاد.
يقال: لعنه الله ، أي باعده. قال تعالى في إبليس { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ } أي الطرد
والإبعاد من الرحمة.
اصطلاحاً: قال العيني: عبارة عما يجزئ بين الزوجين من الشهادات الأربع. البناية
شرح الهداية 4/738.
قال الكشناوي: هو حلف الزوج على زنا زوجته أو نفي حملها اللازم له. (13/70)
صفحة 1730
بينها وبينه ويطلقها ويهدر عنها الحد بالشبهة إلا أن يقر
بالفجور أو تشهد عليه البينة بذلك أربعة شهود عدولاً وأما إذا ولدت لأقل
من ستة أشهر فانتفى ولم يقذفها وقال العلماء : أكرهت بريء من الولد إلا
أن تحضر بينة أنه قد خلالها ستة أشهر من ملكها وليس بينهما لعان ولا
عليهما وقال بعض الفقهاء: ولو جاءت به لستة أشهر أو أكثر كان بينهما الملاعنة ولا يلزم الولد إلا أن يقر بالجواز أو تصح خلوته بالبينة وتأتي به لستة أشهر أو أكثر.
مسألة
[ الدعوى على المشتري، وكيفية ثبوت الأصول في الحجة ]
عن الشيخ أبي محمد: ومن اشترى مالاً فادعاه مدع أنه له فعلى المدعي البينة فإن أعجزها ورام إلية المشتري حلف الله لقد اشترى هذا المال ولم
يعلم لهذا فيه حقاً ومثله الوارث والموهوب له واختلفوا في اليمين على صفة المال والمشاهدة وإن ثقل على الحاكم بعث من يحلف الخصم بحضرة المال
وإذا لم تصح يد لأحد الخصمين في المال حلفهما الحاكم إذا عجز البينة
فمن نكل منع ومن حلف أخذ المال وقول: لا يصح الحكم في الأصول إلا بالبينة أو اليد وذوا اليد أحق بما في يده يحلف أو يرد اليمين وإذا تداع
الخصمان في مال ولم يكن لهما فيه يد ولا لأحدهما ثم طرح أحد
الخصمين يده فيه فرام خصمه صرفه فإنه يصرف عن المال حتى يصحا ببينة على دعواهما أو يتفقا ويمنع التصرف فيه حتى يقطع الحاكم فيه.
مسألة
[ ادعاء ملكية الأرض ]
وإذا ادعى مدع في أرض أحد أرضاً فأقر المدعى عليه وادعى جهالة حدها
وأنعم الخصمة يجوز ما شاء من الأرض ويحلف عليه فله ذلك ولا أحب
لهذا الحالف أن يحلف على هذه الأرض قطعاً.
مسألة
[ متى يحلف في الأصول ]
وإذا كانت الأرض في يدي مالك ورثها من أبيه ورثها أبوه من جده توارثاها إلى ثلاثة أجداد وشهد شاهد أنها له لم يَنْعَفِ ولم ير بعض الفقهاء التحليف في الأصول إلا على شيء محدود.
مسألة
[ حكم التحليف على الأصول ] (13/71)
صفحة 1731
عن أبي الحسن: ومن ادعى حقاً في مال متفرق فلا يصح التحليف عليه حتى يجده ويقر بحدوده ولو غاب عنهما إذا حداه والأصح التحليف على الأصول بحضرتهما.
مسألة
[ أثر الأحداث في الملك ]
عن الشيخ أبي جابر(1): ومن أحدث حدثاً على أحد فرفع المحدث عليه على المحدث إلى الحاكم ثم طلب المحدث الرفعان إلى القاضي فرام المحدث عليه صرف الحدث فادعى أنه أحدثه في ملكه فليس عليه صرفه حتى يحكم عليه بذلك.
مسألة
[ عدد الشهود على الحدث ]
ومن أحدث عليه حدثاً فطلب إلى الحاكم الوقوف عليه فليس له إجابته حتى يصح الحدث معه بشهادة عدلين مبرآن من الحيف والمين.
مسألة
[ تعارض البينات ]
وإذا ادعى خصمان في مال فأقام هذا بينه أن الحاكم حكم له به وأقام حريمه بينة مثله وجهلت البينة من قضى له بالمال أولاً ولم ير زجراً الشهادة فللحاكم في ذلك الخيار بين أن يقره كما كان وإن شاء دعاهما بالبينات
فمن أعجزها فعن المال بان.
مسألة
[ ثبوت الادعاء لمن بيده البينة ]
وإذا ادعى اثنان شراء مال وقام واحد منهما بينة أن اشتراه ولو توقت البينات الشراء فإن كان في يد أحدهما فذوا اليد أولى به إلا أن يصح بالبينة خلاف ذلك.
مسألة
[ البينة على المدعي ]
وإذا ادعى جماعة مالاً فمن كان في يده فهو أحق به وعلى المدعين البينة
وإن كان في حوزهم معاً دعوا بالبينات فإن أعجزوها حلفوا فإن حلفوا
أوزع المال بينهم فمن نكل فلا شيء له.
مسألة
[ طلب الحاكم البينة على الدعوى ]
وإذا ادعى جماعة مالاً لم يكن في حوزهم صرفهم الحاكم عنه ودعاهم بالبينات فإن أعجزوها فلا حجة لهم في المال فإن رأى الحاكم توقيف المال في
__________
(1) 1- أبو جابر: أعتقد أنه محمد بن جعفر العلامة صاحب الجامع. (13/72)
صفحة 1732
يد ثقة كان له ذلك وإن رفع يده عن توقيفه فلا جناح عليه وإن اصطلح الخصوم في المال فليس للحاكم عليهم سبيل وأما إذا انتزع الحاكم المال من أيديهم بحجة حق فأوقفه في يد ثقة فلا يسلمه إلى المدعين إلا بالبينات ولا إلى سواهم واليد الغرس والبيداء والزراعة والاستغلال وأما رضم الأرض وسقيها فليس بيده.
مسألة
[ أثر الاختلاف في المال ]
عن سعيد بن قريش: وإذا صح المال في حوز مالكين ويتقاسمان ثمرته
ثم اختلفا وادعى أحدهما كله وادعى الآخر فيه النصف فليس قسمة النصف توجب حكماً عليهما البينات في دعواهما.
مسألة
[ أثر تساوي البينات ]
عن محمد بن محبوب روح(1): وإذا تشاقا خصمان في مال كلاهما
يدعيه له فإذا لم تكن لأحدهما فيه يد دون خصمه كان لهما معاً اليمين
على خصمه فإن حلفا تشاطراه ومن نكل فلا شيء له على ما نراه وكذلك
إذا تكافأت بيناتهما.
مسألة
[ أثر الادعاء المشاركة في الإرث ]
عن أبي الحسن ومن ادعى قاعاً ورثها من أبيه وادعى مدع فيه حصة ولم يدع أنه ورثها وأعجز البينة وطلب كل واحد منهما الحلف على حقه فإن كان في يد أحدهما فعلى خصمه البينة فإن أعجزها فيمن من في يده
الأرض وإن رد اليمين وسلم المال فله ذلك.
مسألة
[ تعاون الشركاء ]
وإذا كان شركة بين اثنين فصرمه أحد في غيبة شريكه فعليه الإلية أنه لم يخنه.
(2)
مسألة
[ أثر مطل المشتري البائع ]
ومن اشترى مالاً فمطل بائعه في تسليم الثمن حتى استغله فلما طلبه
بالثمن أبا أن يعطيه إياه فاسترده منه قال أبو المؤثر : الغلة للمشتري وهو إثم
في مطله إذا كان على استطاعة من تسليمه.
مسألة
[ أثر بيع الخيار في الغلة ]
واختلفوا في رد الغلة فيما بيع خياراً قولاً تقوم الغلة على المشتري إذا غير وله غرمه وقيل: لا رد عليه لأنه استغل بسبب وإنما يرد الغلة الغالط
__________
(1) 1- يظهر لي: أن العبارة عن محمد بن محبوب بن الرحيل. أو عن محمد بن محبوب =
(2) = عن ابن روح. والله أعلم. (13/73)
صفحة 1733
والغاصب وإن غير البائع فلا رد على المشتري ما جاءت السماء المشتري
وأما إذا كان البيع أصلاً فالأصح أن لا رد على المشتري كان الغير منه أو من البائع إذا كان بوجه يثبت منه الغير.
مسألة
[ أثر تحديد حفر الباسقات ]
ومن له قيع بها حفر لأيتام وبلغ فعزب عليهم مواضع الحفر فإنه يؤمر
رب القيع أن يعين لهم موضع حفر باسقاتهم فإن عينها قبلت منه مع يمينه
وعلى أرباب الحفر البينة في تحديد حفرهم.
مسألة
[ أثر التعدي ليلاً على الزرع ]
ومن ادعى على آخر أنه قطع له صرماً ليلاً متعدياً فأنكره المدعى عليه فرام يمينه فردها عليه فإن وقفوا على الصرم المعقوش حلف المدعى عليه أنه ما
قعش الصرم الذي هذا قعش صرمه متعديا بلا رأيه.
مسألة
[ الادعاء على الغائب ]
وأما إذا كان الصرم غائباً حلف المدعى عليه أنه ما قعش الصرم الذي
عينه خصمه بلا رأيه وإن تهمه ولم يحقق دعواه عليه حلف ما قبله فهذا
حق من قبل الصرم الذي يدعيه هذا.
مسألة
[ الادعاء على الغير ]
ومن ادعى حدثاً واتهم به أحداً فلا رد على المدعي في اليمين إذا ادعى تهمه واليمين على المدعى عليه فإن حلف وإلا أخذ بالحق المدعى عليه به بالتهمة.
مسألة
[ اختلاف حول الباسقة ]
عن أبي سعيد: وإذا طلع أحد باسقة لجناء معوها وأنكر عليه وادعيا كلاهما أن الباسقة له دعيا بالبينة فمن شهدت له بها فهي له وإلا حلف كل واحد منهما لخصمه وإن أحضر كلاهما البينة أنها له قسمت بينهما إذا لم يحرزها أحدهما وإن أعجز البينة واصطلحا فسبيل ذلك ومن كان بيده فهي له.
مسألة
[ الاختلاف حول الحوائط المتصلة وغير المتصلة ]
وإذا كان الحائط بين دارين فتشاجرا فيه أربابهما فادعاه كل منهما له فإذا
كانت لهما عليه جذوع فهي له ولا يستحق من الدعن شيئاً لأن الجراري والبواري لا يستحقان من الحائط شيئاً وقال بعض العلماء: إذا اتصل الحائط لرب ببناء أحدهما وللآخر عليه جذوع إلا أن يكون اتصالاً لا يرتفع فإذا (13/74)
صفحة 1734
كان يرتفع فالحائط لرب الاتصال ولرب الجذوع موضع جذوعه وقال
بعض العلماء: إذا لم يكن متصلاً ببناء واحد منهما ولم يكن عليه جذوع
فهو لهما معاً وقيل: لو كان لأحدهما عليه جذوع وللثاني أقل أو أكثر فهو بينهما نصفان وقال بعضهم: للأكثر خشباً ما تحت خشبه وللأقل ما تحت خشبه ولم يكن بينهما نصفان وقول: إذا كان لأحدهما عليه خشب
وللآخر عليه حائط سترة فالحائط الأسفل لرب الخشب ولرب السترة سترته وأما إذا لم يكن لأحدهما سترة ولا خشب ولم يكن متصلة ببنائهما ولا لأحدهما عليه دعن فالحائط بينهما ولا يستحق الدعن شيئاً.
مسألة
[ الاختلاف حول المشاركة أو الاشتراك في البناء ]
وإذا كان الحصن بين اثنين وكلاهما يدعيانه والقمط(1) إلى أحدهما فهو يبنهما ولا عمل على القمط وكذلك إذا كان وجه البناء إلى أحدهما
وظهره إلى الآخر كان لهما معاً ولا فرق بين الظهر والبطن وقال بعض
العلماء: يقضي بالحصن لمن كان إليه القمط وأنصاب اللبن وقيل: إذا كان أسفل الحائط لأحد وأعلاه لأحد فرام من له الأسفل هدم حصته فليس له
ذلك وليس فتح كوّ(2) فيه ولا باباً ولا يدخل فيه جذعاً ما لم يكن قد سبق
له فيه إلا برأي رب الأعلى وقيل: لا يمنع من تركيب جذع إذا أمنت
__________
(1) 1- القمط: لها معاني متعددة: منها: القماطة: وهي الخرقة التي يشد بها الطفل. ومنها
الحبل الذي يشد به الأسير، ومنها ما حكم فيه القاضي شريح: تنازعا في حصن
فقضى به للذي إليه القُمُط وهي الشُرط جمع شريط وهو ما يعمل من ليف وخوص،
وقيل القمط الْخُشُب التي على ظاهر الحصن أبو باطنه يشد إليها حرادى القصب أو
رؤسه. انظر المصباح المنير 2/624.
(2) 1- كوى: وتكتب كوة تفتح وتضم النقبة في الحائط وجمع المفتوح على لفظة كوات
مثل حبة وحبات. وجمع المضموم كُوى بالضم والقصر مثل مدية ومدى، والكوة
بلغة الحبشة: المشكاة. والكوّ بالفتح مع حذف الهاء لغة حكاها ابن الأنباري وهو
مذكر فيقال هو الكو. المصباح المنير 2/661. (13/75)
صفحة 1735
المضرة وليس لمن بناءه العلوان أن يحدث على أحد بناء ولا جذوعاً ما لم
يكن من قبل ولا يشرع جناحاً.
مسألة
[ الحائط بين الدارين ]
وإذا كان الحائط بين دارين فأقاما كل منهما بينة أنه له قضي به بينهما وإن صح أحدهما بينة وأعجزها الآخر قضي به لرب البينة فإن كان للآخر
عليه له جذوع نزعت.
مسألة
[ أثر الإقرار في إثبات الدعوى ]
وإذا كان الحائط بين دارين فادعى مدع أن رب أحد الدارين أقر أن الحائط له وأقام على ذلك بينة قضي له بحصته منه ويكون بينه وبين الآخر.
مسألة
[ أثر منع صاحب الدار من إحداث شيء حول الدار ]
وإذا كان الحائط في يد مالك وله جذوع شاخصة على دار غيره فرام
آخر أن يجعل عليه كنيفاً(1) فلرب الحائط منعه وليس لمن شرعت عليه
قطعها وإذا كانت أطراف الجذوع خارجة لا ينتفع بها رب الدار قطعت.
مسألة
[ أثر الهدمى على المشتركين في العلو والسفل ]
وإذا كان الحائط أسفله لأحد وأعلاه للأحد فانهد لم يجز من له الأسفل على بناء حقه ولرب الأعلى بناء الكل فإن أراد رب الأسفل سكن داره سلم ما أنابه وقيل: على رب الأسفل بناء داره حتى تكون كما كانت.
مسألة
[ أثر الأيمان في إثبات الحق ]
وإذا كان الجدار بين منْزلين فتشاجر فيه أربابهما فنزلا إلى الأيمان فحلف أحدهما أنه له ونكل الآخر ولم يدع الحالف ما أقام عليه الجدار من الأرض فليس له إلا ما حلف عليه والأرض بحالها.
مسألة
[ الاختلاف حول الأرض القائم عليها الجدار ]
وإذا ادعى أحد جداراً وادعى الآخر الأرض التي بنا بها الجدار فعلي كل منهما البينة وإن أقر كل منهما لخصمه بدعواه ثبت لكل ما يدعيه فإن وقع الجدار فليس لربه بناه في الأرض بلا إذن ربها.
مسألة
[ الاختلاف حول الماء ]
__________
(1) 1- الكنيف: الحظيرة، والكثيف الساتر، ويسمى الترس. كنيف لأنه يستر صاحبه،
وقيل للمرحاض كنيف لأنه يستر قاضي الحاجة، والجمع كُنف مثل نذير ونذر. انظر
المصباح المنير 2/657. (13/76)
صفحة 1736
عن أبي الحواري: وإذا تشاف خصمان في ماء دعيا بالبينة فإن أعجزاها فبينهما الإليات فإن حلفا وزع بينهما ومن نكل فلا شيء له واليد في الماء السقي به مع ادعاه الملك ولو سقي به مال غيره وإذا شهدت البينة زيداً كان يسقي بهذا الماء مال عمرو فعمرو ذوا يد فيه إذا أقر زيد بالماء لعمرو وإلا
فليس لعمرو فيه يد للاحتمال أنه له أو لغيره.
مسألة
[ صيغة اليمين على الماء ]
ولفظ الإلية في الماء فإنه يحلف بالله ما قبله لفلان هذا حق من مائه الذي يدعيه من جنورة كذا من نهر كذا.
مسألة
[ حكم إحداث المجرى ]
ومن أحدث مجرى ماء في مال حازه متعدياً فأهمل الجار الإنكار حتى
غرس المحدث باسقات أو زرع زراعات ثم أنكر فإن أحدثه بغير رأيه حكم عليه بصرفه وإن كانت الساقية تمر في مال أحد لآخر فادعى رب الساقية
أنها أصل وادعى رب الأرض أنها حملان أو عارية فالقول لرب الساقية
وعلى رب الأرض البينة.
مسألة
[ حكم العارية بعد موت المستعير ]
ومن استعار طريقاً أو مسقاً لماله فمات المستعير فإذا صح أنها عارية فإنها تبطل موت المعير وإن كان تصح أنها عررية وصح تخطيفها للماء هذا
وسقيها منه وصح تطرقه في الطرق لماله ثبت على ورثته حتى يصح بالبينة
غير ذلك.
مسألة
[ ثبوت ملك المسقى ]
ومن له أرض يسقيها من ساقية ويتطرق من طريق وليس لأحد فيها مسقى ولا تطراق اشتراها أو ورثها على ذلك فهي له حتى يصح لغيره فيها حق.
مسألة
[ أثر المضرة في التغير ]
ومن ادعى مسقاً لأرضه على آخر فأنكر المدعى عليه فشهدت له البينة بالمسقي في أرضه إلا أنها لم تحد موضعها فعلى رب الأرض إخراج مسقى
في أرضه حيث لا مضرة على أحدهما.
مسألة
[ اليمين على المنكر ]
ومن ادعى على شركائه مسقى وطريقاً فأقر له بعضهم وأنكر البعض فلا يلزم إقرار بعض الشركاء على من أنكر منهم إلا بالإقرار الكل أو بينة وإلا فعلى المنكر الإلية.
مسألة
[ أثر الضمان بغير المضرة ] (13/77)
صفحة 1737
عن أبي سعيد: وإذا طرت باسقة أو دوحة بطريق أو ساقية لقوم
ضاربين لا تنالهم الحجة فإن صح ذلك للحاكم رفع المضرة فإن تعذر
حصول الحاكم فجماعة المسلمين ويستثني للضارب حجته ولا ضمان
على أحد.
مسألة
[ أثر الإقرار في ثبوت الحق ]
وإذا ادعى الخصم على خصم أنه دفن له مسقى ماله وأقر المدعى عليه بدفن المسقى فهذا الدافن قد أقر بالمسقا ولو في مال.
مسألة
[ أثر العجز عن إحضار البينة ]
ومن ادعى طريقاً في مال حد فعلى المدعي البينة فإن أعجزها ورام إليه من
ادعى عليه فعليه الإلية أن ليس لهذا المدعي فيه طريق أعني في ماله الذي
يدعي فيه الطريق في ثبوت اليمين في الطريق الجوائز اختلاف.
مسألة
[ حكم الأيمان في الطريق الجوائز ]
وإذا كانت الساقية جائز القوم معروفين فلهم وعليهم فيها الأيمان
وكذلك إن كانت لكافة أرباب النهر وقيل: لا أيمان في الطريق الجوائز إلا بإذن أهلها أجمعين.
مسألة
[ أثر اليمين على الدعوى ]
ومن ادعى طريقاً في مال أحد فعلى المدعي البينة فإن أعجزها ورام البينة من ادعى عليه فعليه الإلية أن ليس لهذا فيه طريقاً أعني في ماله الذي يدعي
فيه الطريق وفي ثبوت اليمين في الطرق الجوائز اختلاف.
مسألة
[ الأيمان في الطريق الجوائز ]
وإذا كانت الساقية جائز القوم معروفين فلهم وعليهم الأيمان فيها
وكذلك إن كانت لكافة أرباب النهر وقيل: لا أيمان في الطريق الجوائز إلا
بإذن أهلها أجمعين.
مسألة
[ حكم الادعاء على مورث في الطريق ]
ومن ادعى طريقاً كان يسلكه أبوه في مال أو دار وأحضر على ذلك بينة فأنكر المدعى عليه ورام يمينه حلف بالله أن أباه كان يسلك هذا الطريق وأنا من بعده ولم أعلم أن شهودي شهدوا لي زوراًَ. ومن طلب طريقاً لماله أو
داره ولم يدعها على أحدكم لها بها بالثمن من أقر المواضع إليه وإن ادعى
على أحد ولم تكن له بها إلا بالبينة العادلة.
مسألة
[ أثر غياب الوارث عن الدعوى ] (13/78)
صفحة 1738
ومن ادعى أرضاً على وارث أنه اشتراها من هالكه وفي الورثة أغياب
فأقام على دعواه بينة فللحاكم أن يقضي بما شهدت به البينة ولا ينتظرون
قدوم الغائب لأن الدعوى إذا كانت على ميت فأي الورثة حضر فهو خصم اقتسموا المال أو لم يقتسموه.
مسألة
[ رأي بعض العلماء في الدعوى السابقة ]
عن محمد بن محبوب وأبي المؤثر وأبي الحواري: لا يحكم على أحد
الورثة بما يدعى على الهالك حتى يحضروا كلهم.
مسألة
[ موت المدين والمدان وأثره على الدين ]
عن أبي مروان سليمان بن الحكم(1): ومن له دين على آخر فماتا معاً عن ورثة وأقام ورثة من له الحق بينة بحقهم على الهالك فحكم لهم أبو مروان
بالحق بعد خلو بره وقيل: حتى يصح بقاء الدين إلى موت من عليه الحق
وإلا فقد بطل وهو الأصح والمحكوم به من أكثر الفقهاء.
النهج الأربعون
في الدعاوى في العروض
و في إثبات اليد
النهج الأربعون
في الدعاوى في العروض و في إثبات اليد
مسألة
[ التنازع في الإناء يحكم لمن في يده ]
وإذا تنازع اثنان في إناء فتنازعا فيه وادعى أحدهما أنه له وادعى الآخر أنه أرهنه عليه فهو لمن في يده وعلى خصمه البينة وهو رأي الشيخ أبي سعيد.
مسألة
[ حمل المتنازع عليه إلى مجلس الحكم ]
وما كان يمكن حمله إلى الحاكم حمل مثل العروض إذا تنازع فيه
الخصمان وما لم يمكن حمله فالحكم فيه كالحكم في الأصول.
مسألة
[ صور من اختلاف المتبايعين ]
ومن اشترى ملاءة وغاب بها ثم ادعى بها عيباً فإن كان بائعها استوفي ثمنها فله القول مع يمينه أنه بايعه ولا يعلم به هذا العيب وإن بقي شيء من الثمن ولو قل فللمشتري مع يمينه وقيل: إن القول للبائع على حال إلا أن يكون للمشتري فيه الخيار فالقول له في مدة الخيار مع يمينه.
مسألة
__________
(1) 1- أبو مروان سليمان بن الحكم: وأخوه المنذر بن الحكم من عقر نزوى من علماء القرن
الثالث. وأبو مروان ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك رحمه الله. انظر إتحاف
الأعيان 1/427. (13/79)
صفحة 1739
[ صور من التنازع ]
ما كان من الأشياء تشابه عيناً وصفة فوقع فيه الشاكر فاليمين على بائعه بالعلم وعلى مشتريه بالقطع إذا وجبت عليه كالدراهم والثياب وما أشبه
ذلك وكل ما لم يتشابه فاليمين فيه بالقطع على البائع والمشتري وفيما يكون من دعاوى البيع وإن كان فيما يثبت من الحجة في البيع فاليمين فيه وأما إذا كانت الدعاوي في الثمن مع دعوى البيع وإنما يطلب اليمين فلا يمين على المدعى عليه وإنما اليمين ما قبله له الدراهم من قبل هذا البيع الذي يدعيه عليه.
مسألة
[ الدعوى على الهالك ]
من الضياء(1): ومن أقام على هالك بينة بحق حكم له به ولا يكلف أنه مات والحق باق عليه وعلى أهل الميت البينة أن الميت قد بري منها قبل موته ويؤمر بتقوى الله تعالى.
مسألة
[ كيفية أخذ الحقوق من مال الغائب ]
ومن مات وعليه دين و وارثه ضارب قد جاوز خضماً أو جاوز مفازة وقامت البينة بالحق فإنه له وصي أمر أن يقضيه عنه وإلا فللحاكم أن يبيع
ماله ويقضي عنه ما ثبت عليه بعد أن يستحلف أهل الحقوق وإن لم يكن حاكماً فجماعة المسلمين وللوارث حجته.
مسألة
[ كيفية إثبات المال للميت ]
ومن مات وخلف مالاً فادعاه مدع فلا يحكم له به إلا بالبينة ولا يكلف ورثته البينة أنه للهالك لأنه يحتمل أنه ورثه أو وهب له من غير بينة.
مسألة
[ متى يقسم الورثة اليمين ]
ومن ادعى حقاً على ميت فأنكره الورثة فعليهم يمين علم أنهم ما يعلمون على هالكهم هذا الحق إذا كانوا بالغين أو ممن تجب عليه اليمين.
مسألة
[ صور من إثبات الحقوق في ذمة الغير ]
__________
(1) 1- كتاب الضياء: لسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري وقد طبع الكتاب على حساب
وزارة التراث والثقافة العمانية. (13/80)
صفحة 1740
عن أبي عبد الله: ومن أكل مالاً فادعاه علي هالك فطلبه ورثته إليه أو مات الأكل فإذا كان يأكله بعلم ربه حتى ولج الأكل في سربه فقد مات وماتت حجته وما خلفه فلورثته حتى يصح أنه أكله بوكالة أو منحة أو وجه حق وأما إذا مات المأكول عليه والأكل حي وصح أن المال للهالك فورثة الهالك أحق به وإن كانا حيين ولم يصح أن الحائز ادعى المال بعلم المحيوز
عليه فالمال لربه فإن حازه وادعاه بعلمه ولم ينكر عليه فهو للحائز.
مسألة
[ أثر الاستخدام على الدعوى ]
ومن أشهد لآخر بمال وكان يأكله المشهد إلى أن مات وطلب المشهود له فهو للمشهد به له فإن قبضه المشهود له به فرده إلى المشهد فأكله بعلم
المشهود له به حتى مات فهو لورثته أعنى المشهد به.
مسألة
[ أثر ادعاء الإرث في حياة الموروث على الشيء ]
ومن ادعى ميراثاً من مال جده لأبيه ولم يدعيه أبوه حتى مات فدعواه هذا إلا أن يكون موت أبيه وجده متتابعان.
مسألة
[ أثر استخدام أبناء أحد الورثة للمال على ملكية الشيء ]
عند محمد بن خالد: ومن مات وخلف ولدين بالغين فأكل أحدهما
المال على أخيه بعلمه ولم يغير ولم ينكر حتى مات الحائز فورثة الحائز أولى
بعد حصته له بما حازه هالكهم إلا أن يصح بالبينة أن المال مشاع بين
الأخوين لم يقسم.
ومن كان له في نشب قوم حصة مشاعاً في جملة المال فلم يطلبه منهم
حتى توارث المال وارث بعد وارث فإن حصته له ما لم يدعيها الحائزون لأنفسهم ملكاً وهو لا يغير ولا ينكر وإلا فسكوته من غير ادعاء الحائز لا
يبطل حجته.
مسألة
[ أثر التصرف في المال أمام حائزة دون إنكار ]
واختلفوا فيمن حاز مال غيره ورب المال لم يغير ولم ينكر وكان ممن له الإنكار فقال بعضهم: يثبت ذلك عليه ويملكه دونه إذا علم الحوز والادعاء
ولم ينكر وقول: لا تثبت عليه حجة الحائز إذا كان في عدم إنكاره
وسكوته متعجباً عن تعدي هذا الظالم والأول أصح.
مسألة
[ أثر الشبهة في التصرف في الشيء ] (13/81)
صفحة 1741
ومن بيده مال خلفه عليه أبوه فله إحلال حتى يصح بالبينة العادلة
حجره وسئل أبو المؤثر عن ملكان بيد أبيه مال لأغياب ويدعيه الأب ملكاً والولد يتحرج الأكل منه فأمره أبو المؤثر بالانتفاع به حتى يتضح لك
بالبينة العادلة حظره.
مسألة
[ أهمية الإقرار في إثبات الحقوق ]
ومن كان لزوجته صداق أو دين فحاذر من له الحق الجاء ماله فإنه يدعي عليه جميع ماله دونه فإن أقر له به انقطعت الحجة وإن قال له: إنه ماله
أخذه الحاكم بإقراره.
مسألة
[ صورة من الحيلة في البيع ]
ومن اشترى مالاً فعدم فيه البينة فالحيلة فيه أن يبيعه لغيره من يتقى به بحضرة ربه ويشهد أنه باعه عليه بلا حاجز ولا مانع فإن ادعاه مدع طلبه بالبينة وسلم البائع من أقام البينة.
مسألة
[ من الحجج الدارئة للحد ]
من سرق سرقة فأراد أن يدرأ الحد عن نفسه فليحتج أنه اشتراها درأ عنه الحد إلا أن تقوم عليه البينة أنه سرقة وإن احتج أن له درأ عنه الحد بالشبهة.
مسألة
[ خطورة الحلف بالله كاذباً ]
ومن زنى بجارية فاحتج أنها له أو له فيها شقيص درأ عنه الحد. ومن
أراد أن يحلفه السلطان فأراد أن لا يحنث فإنه يمتنع عن اليمين إلا أن يحكم عليه السلطان على به فإذا حكم عليه وحلف فإنه لا يحنث قال الله تعالى:
{ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ
الْأَيْمَانَ } (1) وقال الله تعالى: { وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ } (2) وقد
ذم الله من حلف به كاذباً في جملة آيات.
مسألة
[ خطورة الأيمان الكاذبة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لا يحلف أحد على مثل جناح
بعوضة فما فوقها إلا كانت وكتة في قلبه»(3)
__________
(1) 1- سورة المائدة آية 89.
(2) 2- سورة البقرة آية 224.
(3) 1- كنْز العمال 16/693 رقم 46367 نفس اللفظ وفقط بدل (وكنة) نكتة» قال
أخرجه الخرائطي في مساوي الأخلاق عن عبد الله بن أنيس. ورقم 46372 عند
الحاكم في الكنى، وهناك روايات متعددة للحديث. (13/82)
صفحة 1742
والوكتة بالتاء المعجمة بنقطتين من فوق وهو الإبر اليسير وجمعها وكت. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحلف أحداً
يميناً يقطع بها مال امرئ هو فيه فاجراً لا لقي الله وهو عليه غضبان»(1) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الأيمان الفاجرة تدع الدار بلاقع(2)»(3).
مسألة
[ التأجيل لإحضار البينة ]
وإذا عرف الحاكم موضع المدعي من المدعى عليه ولو لم يطلبها خصمه لقطع الحجة بينهما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين»(4)
إذا عجز الخصم البينة وقيل: البينة وقيل: ليس للحاكم تحليف الخصم
حتى يطلبها خصمه أو يقول للحاكم أن يحكم له بما يجب عليه وإن أراد
الخصم أجلاً في إحضار البينة أجله الحاكم وإن هدر بينته قطع الحاكم
الحجة بينهما باليمين.
مسألة
[ آداب الحلف بالله ]
وإذا أراد الحاكم تحليف الخصم تلا أولاً هذه الآية: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ } (5)
__________
(1) 2- كنْز العمال 16/691 رقم 46354 أحمد في مسنده ومسلم في كتاب الأيمان رقم
218، عن الأشعث بن قيس، وانظر رقم 46368، 46376، 46379، وغيرها.
(2) 3- بلاقع: جمع بَلْقع، وبلقعة وهي الأرض القفر التي لا شيء بها، يريد أن الحالف بها
يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق. النهاية في غريب الحديث والأثر 1/153.
(3) 4- كنْز العمال 16/696 رقم 46383 قال أبو الحسن خيثمة بن سليمان ابن حيدرة
الاطرابلسي - عن واثلة، ورقم 46386 الديلمي في الفردوس عن أبي هريرة، ورقم
46388، وغيرها.
(4) 5- أخرجه الترمذي رقم 1341 في الأحكام باب ما جاء في أن البينة على المدعي =
(5) = واليمين على المدعى عليه، وإسناده ضعيف، وقد أخرجه البيهقي 10/252 من
حديث ابن عباس وحسّن إسناده والحديث في الصحيحين بلفظ (لكن اليمين على
المدعى عليه).
1- سورة آل عمران آية 77. (13/83)
صفحة 1743
إلى تمام الآية ثم قال للخصم: أتحلف فإن قال: نعم حلفه.
مسألة
[ لفظ اليمين ]
ولفظ اليمين أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال عالم السر والعلانية أن ما علي لفلان هذا كذا
وإن كنت حانثاً في يميني هذا فينتقم الله من الحانثين بنكال الدنيا وعذاب الآخرة وإن أردفه قال: فإن كنت حانثاً في يمينك هذا فعليك لله حجة إلى
بيت الله الحرام يؤديها بجميع فرائضها وسننها وواجبها وما يستحب فيها
وكل مال تملكه فثلثه للفقراء والمساكين وكل مملوك لك فهو حر لوجه الله تعالى جاز وإن أردفه بطلاق كل زوجة لك هي طالق ثلاثاً جاز على رأي النصب بالأيمان في الطلاق والعتاق والحج ولا تجوز الإلية بالخروج من الملة الإسلامية ولا أنه زان ولا كافر ولا أنه مرجي ولا معتزلي.
مسألة
[ من صيغ اليمين ]
ومن ادعى حقاً لنفسه فاليمين فيه قطعاً على المدعى عليه وأما من ادعى على ميت أنه وارثه أو مال اشتراه أو وكيل وكله في قبض شيء له فأنكر أنه لم يقبضه أو ما زال إليه من غيره بشراء أو هبة فإنما عليه يمين علم ولفظ يمين العلم أن يحلف: لقد اشترى هذا المال أو ورثه ولا يعلم لهذا فيه حقاً وليس للحاكم أن يزيد في اليمين سوى ما يدعيه الخصم ولا يقول ولا أقل ولا
أكثر إلا بمطلب خصمه لأنه يمكن أن يكون له عليه حق نسيه أو يرد عليه
الإلية أو يقول له به.
مسألة
[ صلاحية الحاكم في اليمين ]
عن محمد بن المسبح: جائز للحاكم أن يحلف الخصم بأقل أو أكثر لأن الحق لو قد أو نما احتاج إلى يمين أخرى ويدخل في أقل أو أكثر ما نما أو
نقص من الحق.
مسألة
[ متى يرد اليمين ]
اتفق أصحابنا على رد اليمين على المدعى عليه إذا طلبها المدعي ولا
يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة عدل واحد مع يمين المدعي وإذا حلف
الحاكم الخصم بيمين القطع في موضع يمين العلم أو بالعكس لزمته التوبة
ورد الخصوم ونقص ما به محكوم.
مسألة
[ حكم تأجيل اليمين ] (13/84)
صفحة 1744
وإذا وجبت اليمين للخصم على خصمه فليس للحاكم تأجيلها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم باليمين على المنكر للحق ولم يرد عنه التأجيل وإذا اختلف
الدعاوى حلف على كل دعوى في وقتها.
مسألة
[ أثر التعنت في اليمين ]
ومن تعنت خصمه في الإليات أمره الحاكم أن يجمع دعواه ويحلفه
عليها يميناً واحدة وهو رأي محمد بن محبوب.
مسألة
[ تبادل الأيمان ]
ومن رد اليمين على خصمه فحلفه الحاكم ببعضها ثم أمره الخصم بالإمساك وأن يحلف هو فله ذلك ما لم يتم عليه اليمين وهو رأي أبي سعيد.
مسألة
[ حكم فداء اليمين ]
واختلفوا فيمن ادعى عليه بباطل قول: إنه يحلف وقول: لا يحلف
ويدين بالحق خوفاً أن إذا حلف ضيع ماله وأطعم خصمه الحرام وروي أن حذيفة فدى يمينه بمال وروي أن أبا عبيدة(1) حلف على أربعة دوانق(2).
مسألة
[ لفظ قطع حجة الخصم ]
لفظ قطع حجة الخصم أن يقول له الحاكم: كذا يا فلان قد قطعت
دعواك وكل دعوى لك كانت لك على خصمك هذا فيما مضى إلى
هذا الوقت في هذا اليوم فإذا أنعم وحلفه لم تسمع دعواه بعد ذلك في
تلك الخصومة.
مسألة
[ رأي الحاكم في اليمين ]
وإذا رام الخصم تحليف خصمه على كتاب الله ليس ذلك لازماً إلا أن
يرى الحاكم في ذلك وجه مصلحة من ردع الخصوم.
مسألة
[ من ليس عليهم يمين ]
وتجب الأيمان بين الناس في كل شيء ما خلا الحدود والقذف والشتم الذي يجب به الحد فلا أيمان فيه إلا على السرق وقول: ما وجب فيه
التعزير وما لا حد فيه ففيه اليمين قال أبو المؤثر: لا أرى فيما يجب فيه
__________
(1) 1- أبو عبيدة: عالم المذهب وهو العلامة مسلم بن أبي كريمة..
(2) 2- داونق: مفردها دانق وهو معرّب وهو سدس درهم وهو عند اليونان حبتا خرنوب
لأن الدرهم عندهم: اثنتا عشرة حبة خرنوب والدانق الإسلامي حبتا خرنوب وثلثا
حبة خرنوب، والدرهم الإسلام في ست عشرة حبة. انظر المصباح المنذر 1/239. (13/85)
صفحة 1745
التعزير والحبس أيماناً وهو رأي أبي الحواري وليس للصبيان ولا عليهم أيمان ولا على محتسب لذي يتم كان أو ضارب يمين وعلى طريق أو مسجد ولا صافية وما أشبه ذلك أيمان وقيل: لا يمين في النكاح ولا في النسب ولا الرد
لهم ولا عليهم ولا يمين على الأعمى ولا له وفي هذا يجري الاختلاف بين العلماء والأسلاف.
مسألة
[ أثر رجوع الشهود على اليمين ]
ولا يمين على ذي حكم لمن حكم عليه ولا على الشاهد أنه ما شهد
بباطل ولا حكم الحاكم بغير الحق وإن ادعى الخصم أن الشهود رجعوا عن شهادتهم عليه ولا يمين عليهم وقيل: عليهم اليمين لأنهم أتلفوا نشبه.
مسألة
[ الوصية للأقربين ]
ومن ادعى وصية للأقربين أو للفقراء أو للمساكين أو ابن السبيل أو شيء من
أنواع البر فليس له يمين ولا عليه وللوصي اليمين على الورثة فيما أوصى به الموصي في أنواع البر ويحلفون أنهم ما يعلمون أن هالكهم أوصى بكذا.
مسألة
[ حكم يمين الولد على أبيه ]
وليس للولد على أبيه يمين وقول: له عليه والأول أصح وللأب والأم
اليمين على ولديهما وللوالد اليمين على أمه.
مسألة
[ أقصى مدة الحمل ]
وإذا أتت المرأة بولد لسنتين مذ طلقها بعلها فهو للمطلق إذا لم تزوج ولا يمين عليها.
مسألة
[ أثر شهادة البينة على اليمين ]
واختلفوا في إيجاب اليمين على المدعي إذا شهدت له بحقه البينة وإذا
ادعى الخصم أن الشهود رجعوا عن شهادتهم عليه وأنكروا فعلى قول من أوجب عليهم اليمين أنهم إذا نكلوا لزمهم غرم ما تلف بسب بشهادتهم.
مسألة
[ أثر ادعاء الزوجة رقيق زوجها ]
وإذا مات الزوج وفي داره رقيق فادعتهم الزوجة فإنهم للزوج وعلى
المرأة البينة بما تدعيه وإذا شهدت البينة أنها اشتريت فلاناً فلا يقبل قولها
حتى تقول فلان هذا لأن الأسماء تنفق ولو أسلمتهم لمؤدب أو مشاجر لأن
المرأة تفعل مثل ذلك في مال زوجها.
مسألة
[ ادعاء أحد الزوجين على الآخر ] (13/86)
صفحة 1746
واختلفوا في الأصول فقيل: القول قول الحي منهما أعني الزوجين والمتساكنين والشريكين وقيل: لا تثبت الدعوى في الأصول إلا بالبينة
وإذا طلب ورثة الزوج يمين الزوجة أنها ما سترت عليهم مما خلفه هالكهم
شيئاً فلهم ذلك وإن نكلت عوقبت وخلدت في السجن أو تموت وكذلك الزوج والمسلم والذمي والعبد في الحكم سيان.
مسألة
[ حكم الإيلاء والظهار من المطلقة ]
ومن طلق عرسه طلاقاً يملك فيه رجعتها وآلا(1) منها أو ظاهر(2) ثم
مات أحدهما فادعى الحي أنه مات في العدة فالقول قول الحي منهما مع
يمينه إلا أن تشهد البينة بخلاف ذلك وإن ماتا معاً فالقول لورثة الميت
الآخر لا أول مع يمينه وله التراب من نشب الميت الآل أن يصح إن مات
بعد انقضاء العدة.
مسألة
[ أثر موت بعل الصبية ]
وإذا مات بعل الصبية وهي في حباله أو أبرأها برآن الشرط فماتت بعد بلوغها وعزب علم رضاها وكراهيتها فرام وارثها تراثها من البعل فله ذلك لأنها امرأته في الحكم حتى يصح غيرها منه.
(3)
__________
(1) 1- الإيلاء:بالمد: الحلف، وهو مصدر، يقال: آلى بمدة بعد الهمزة، يؤلي إيلاءً. وتألى ويتألى
وكذا ائتلى، قال الله تعالى: { وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ } النور آية 22.
اصطلاحاً: وهو الحلف على ترك قربان المنكوحة على ترك أربعة أشهر فصاعداً. عن
البناية شرح الهداية 4/633.
وقال ابن عرفة: حلف زوج على ترك وطء زوجته يوجب خيارها في طلاقه شرح
كتاب الحدود لابن عرفة التونسي ص202 وفي شرح النيل وشفاء العليل 7/180.
وشرعاً: الكلام المانع من وطء الزوجة ولو أمة. وانظر أحكام الإيلاء والظهار للمحقق.
(2) 2- ظاهر : من الظهار. يظاهر ظهاراً. والظهار لغة : مقابلة الظهر بالظهر. =
(3) = اصطلاحاً: قال الطحطاوي: تشبيه المسلم زوجته أو ما يعبر به عنها أو جزء شائع
منها بمحرم عليه تأبيداً. حاشية الطحطاوي على الدر المختار 2/195 - 196+.
وعند صاحب شرح النيل وشفاء العليل: تشبيه المسلم المكلف من تحل له أو جزئها
بظهر محرم أو جزء، وإن بصهر أو رضاع. (يتفق مع تعريف المالكية).
وانظر أحكام الظهار الدكتور جبر فضيلات. (13/87)
صفحة 1747
مسألة
[ أثر يمين ورثة الزوج ]
وأما إذا أراد ورثة الزوج يمين ورثة الزوجة فلهم عليهم اليمين على
ما يدعون.
مسألة
[ أثر إنكار الطلاق بعد موت الزوج ]
وإذا أقرت المرأة أن زوجها طلقها ثم لما أن مات أنكرت الطلاق فلها ميراثها منه مع يمينها.
مسألة
[ أثر اليمين على الميراث ]
اليمين على الزوجة إذا أرادت الميراث من زوجها بعد إقرارها بالطلاق.
مسألة
[ دعوى المرأة مقبولة ]
وإذا ذو وصب طلب امرأته فمات فادعت المرأة أن عدتها لم تنقض فلها القول في ذلك.
مسألة
[ أثر إنكار طلاق الثلاث ]
وإذا ادعت المرأة على بعلها طلقها طلاق الثلاث فأنكر ثم مات في العدة فقول: لا ميراث لها منه وقول: إذا كذبت نفسها ورثته.
مسألة
[ أثر انقضاء العدة على الميراث ]
ومن طلق امرأة تطليقة ثم ماتت فطلب ميراثها منها واحتج أن عدتها لم
تنقض وهي ممن تحيض فله ميراثه منها ولو خلا لذلك بره إذا لم يصح
بشهادة عدلين لم تقر بانقضاء العدة.
مسألة
[ دور الحاكم في الرجعة ]
وإذا ادعت الزوجة على زوجها الطلاق وأنكر فعليها البينة فإن أعجزها فيمينه أنه ما طلقها فإن كان الطلاق رجعياً جبره الحاكم على ردها حذر الشبهة عليها.
مسألة
[ دعوى الطلاق من الزوجين ]
وإذا ادعت المرأة البينونة على بعلها قال لها: الحاكم بعد أن يحلفه لها إن كنت صادقة في دعواك عليه فاهربي منه وافتدي بما تقدرين عليه من صداق
أو مال فإن قبل فديتها أمره الحاكم بتقوى الله لأنها إن كانت صادقة
حرمت عليه الفدية وإن أبى قبول الفدية لمجاهديه حين يروم سرها فإن
اقتسرها فالله أولى بعذرها.
مسألة
[ أثر إنكار الطلاق من الزوج ]
ومن طلق عرسه ثلاثاً وأنكرها فلم يقبل فديتها وحكم الحاكم عليها باتباعه أمره الحاكم بتقوى الله وإن لا يحملها على ركوب المحظور وقد
أجاز لها الشرع بحقك إن رمت سرها في تلك الحال وإن أراد يمينها شرط
عليه الحاكم أن يمينها بطلاقها فإذا حلفت طلقت.
مسألة (13/88)
صفحة 1748
[ الحلف بالطلاق ]
شهد عليه عدلان أنه طلق عرسه فحلف بطلاق نسائه وعتق عبيده أنهما شهدوا عليها بباطل فلا طلاق عليه ولا عتق فإنه حلف على علمه وإنما يطلق التي شهد عليه العدلان أنه طلقها.
مسألة
[ أثر إكذاب الشهود أنفسهم ]
عن هاشم إذا شهد عدلان على بعل أنه طلق عرسه وحكم الحاكم العدل بشهادتهما فأكذب الشاهدان أنفسهما بعد الحكم وقع الطلاق.
مسألة
[ القول قول الزوجة في العدة ]
ومن طلق زوجته فانقضت عدتها فادعى أنه ردها وأنكرت فليس في هذا أيمان إلا بالبينة فإن ادعى موت البينة أو غيبتها فلا يمين عليها وقد خرجت منه.
مسألة
[ مدى جواز إحضار المرأة لمجلس الحكم ]
ومن طلب إلى بضة محذورة حقاً ورام إحضارها في مجلس الحكم
فلا يجاب إلى ذلك بالنهار ويؤخر الحاكم إلى الغسق وإن وكلت من
يحاكم عنها فلها ذلك وإذا وجبت عليها اليمين أمر الحاكم من يحلفها من ثقات المسلمين.
مسألة
[ رسول القاضي للمرأة ]
وإذا وجبت اليمين على موارة الكفلين دعجة العينين فأنزة الطرفين نعمة الساقين بعث لها الحاكم من يحلفها في دارها إذا كانت من النساء اللاتي
لا يتبرجن.
مسألة
[ أثر حضور المرأة بنفسها لمجلس الحكم ]
وقيل يجوز خروج المرأة للأحكام بنفسها تأسياً بابنة سيد الكونين وأم الحسنين فاطمة(1) الزهراء روي أنها خرجت لأبي بكر رضي الله عنهما
أجمعين تلتمس ميراثها من فدك هي وابنة عتبة(2)
__________
(1) 1- فاطمة الزهراء: بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
وزوجها علي بن أبي طالب وهي أم الحسن والحسين ومحسن. أول من لحق برسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته -رضي الله عنها-.
(2) 2- هند بنت عتبة: ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها صفية بنت أمية ابن
حارثة الأوقص بن مرة. تزوجت بأبي سفيان بن حرب، أسلمت بعد فتح مكة وقد
هدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دمها وهي أم معاوية أول ملك في الإسلام. انظر الطبقات الكبرى
لابن سعد 8/235 - 237. (13/89)
صفحة 1749
زوجة أبي سفيان وقد
خرجت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان تشكو زوجها فلم ينكر عليها عليه السلام خروجها من منزلها بلا رأيه وقد خرجت حبيبة بنت عبد الله بنت
أبي تشكوا من زوجها ثابت بن قيس(1) فلم ينكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة
[ أثر التقية في التنازل عن المهر للزوج ]
وإذا أعطت المرأة مهرها لزوجها ثم مات فطلبته من الورثة وأقامت بينة
أنها إنما أعطته بمطلب منه فلها مهرها وعليها اليمين أنها ما أعطته إلا عن تقية حذر الإساءة منه لها.
مسألة
[ صورة من المطالبة بالمهر ]
وإذا قبل الأب عن ابنه بمهر عرسه فمات الأب وطلبت المهر فأبى إذا ضمن به أبوه فعليه لها اليمين أنه ما يعلم أن على أبيه هذا الصداق إن كان الأب خلف مالاً وإن لم يخلف شيئاً فلا يمين على الولد لأنه لم يرث شيئا.
مسألة
[ صورة من المطالبة بالمهر ]
وإذا قضى البعل عرسه مالاً بمهرها في صحته فلا يمين عليها للورثة والمال لها وإن قضاها في وصية فللورثة الخيار بين إتمام ذلك أو يسلموا لها مهرها ويقتسموا لمالهم.
مسألة
[ أثر ادعاء الورثة على الزوجة في الميراث ]
وإذا قضى البعل عرسه مالاً فادعى ورثته بعد موته أنه ألجأه إليها ولا هو أكثر من حقها.
مسألة
[ صورة من الشهادة ]
وإذا تحملت البينة شهادة فليس عليهم أن يشهدوا أن الحق باق إلى أن يشهدوا وإنما عليهم أن يشهدوا أنهم ما يعلمون أنه سلمه لربه.
مسألة
[ من عيوب النساء ]
__________
(1) 1- ثابت بن قيس: بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس... أبو محمد وقيل أبو
عبد الرحمن. خطيب الأنصار، كان من نجباء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولم يشهد بدراً،
شهد أحداً وبيعة الرضوان. أمه هند الطائية، وهو التي شكته زوجته جميلة وتقول: يا
رسول الله: لا أنا ولا ثابت بن قيس. قال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم،
فاختلعت منه. استشهد رضي الله عنه في معركة أجنادين أو اليرموك. انظر سير
أعلام النبلاء 1/308 - 316. (13/90)
صفحة 1750
ومن أقر لعرسه بمهر ثم أقر له بأملاكه وقال: مالها بوفاء فطلبت
بصداقها منه أو من ورثته بعد موته فلها حقها وإقراره ثابت عليه وإذا ادعى الزوج على زوجته الرتق فأنكرت فعليه البينة فإن أعجزها فله يمينها ما تعلم
أنها رتقاء والبينة عدول النساء أو عدلان من الرجال قد نكحاها أو عرفاها بالرتق في صبائها.
مسألة
[ متى يجبر الزوج على الطلاق ]
ومن تزوج على غائب أو قال: أرسلني لأتزوج له فأنكر الزوج جبر
على الطلاق ولا مهر على الزوج ولا على الرسول وإن لم يدع أنه أرسله
فلان وأمره أن يتزوج له فعلى الرسول نصف المهر ويجبر الزوج على
الطلاق حذر أن يكون أمره.
مسألة
[ نكاح الصبي ]
وإذا نكح الصبي بالغة فلما بلغ كره فرامت طلاقه خوف الشبهة
فأجابها الحاكم إلى ذلك ولعله رضي ولعله رضي بها سراً إبان بلوغه
للإزاحة عن الشبهة.
مسألة
[ أثر المنع من المعاشرة ]
وإذا حكم الحاكم بنفقة زوجته لما مضى وكسوتها فادعى أنها تمنعه
نفسها من عشرتها فله عليها اليمين أنها لم تمنعه نفسها فيحال ما يجب
عليها معاشرته فإن نكلت وردت عليه اليمين فلها ذلك.
مسألة
[ صورة من قضايا الزوج والزوجة ]
وأما إذا لم يحكم للزوجة على زوجها بشيء فلا أيمان بينهما ولأنها ليس
لها شيء ويؤخذ لها بما يجب لها في المستقبل.
مسألة
[ أثر امتناع الزوجة عن زوجته ]
وإذا تطلب الزوجة زوجها ما يجب لها فأما في الحكم فالأصح أنه لا
يحكم لها بشيء وأما فيما بينه وبين الله فلا يبرأ من ذلك وهو ظالم آثم
تلزمه التوبة إلى الله ولها الانتصار من نشبه بقدر حقها.
مسألة
[ أثر تعارض البينات ]
وإذا شهدت البينة الغائب أنه ترك لزوجته مئونتها وشهدت بينة أنه لم يترك لها شيئاً فالبينة بينة الزوج.
مسألة
[ أثر رفض الصبية نكاح زوجها ]
واختلفوا في الصبية متى يجوز لها الغير من زوجها قول: إذا رأت الدم
في أول حيضة وقيل أن تغتسل من أول حيضة وقول: يقبل قولها ولو بعد (13/91)
صفحة 1751
سنة إذا ادعت مذ بلغت لم ترض به بعلاً فالقول لها مع يمينها.
مسألة
[ قول المرأة في إنكارها الرضى بالزوج ]
وإذا أنكرت المرأة الرضى بالزوج فالقول قولها وعليه البينة بعد تزويج بالرضى فإن أعجزها فيمينها على بعض القول.
مسألة
[ الإشهاد على رد الزوجة ]
ومن أشهد على رد زوجته ثلاث مرات ومن غير طلاق فالقول قول الزوج أنه لم يطلق حتى يصح أنه أشهد على ارتجاعها من طلاق ولا حرج
في معاشرته لها.
مسألة
[ أثر إنكار الزوج للزواج ]
ومن ادعى تزويج امرأة وأنكرته فأشهد عدلين أقرت له بالزوجية ولم
تكن له بينة بأصل النكاح فالإقرار بالتزويج ضعيف إلا أن يكون أمرهم
معروفاً مشهوراً بالإيواء إليها والخروج من عندها.
مسألة
[ أثر الإقرار بالوثنية على عقد النكاح ]
من نكح امرأة وأقرت أنها عند العقد كانت وثنية فأكذبها فإن أقرت
بذلك بعد الجواز فلا يقبل قولها وإن أقرت قبل الجواز فسد النكاح.
مسألة
[ صور من الإقرار وحيازة الأموال ]
وإن تحنفت وثنية فنكحت فأقرت لبعلها أنها زنت في الشرك فلا بأس
على بعلها في إمساكها وإن أقرت بالزنا بعد التحنف فإن صدقها أخرجها
ولا مهر لها على قول وإن كذبها جاز له المقام معها.
وإن رفع الحاكم أن فلاناً توقع على مال فلان الغائب فحازه وأقام على دعواه بينة وليس هو بوكيل للغائب نزع الحاكم المال من يد الحائز إلى قدوم الغائب وجعله في يد ثقة وإن صح أن الحائز حاز المال بحجة حق فلا يعرض له.
مسألة
[ المخاصمة عن الصبي واليتيم ]
عن أبي سعيد: وإذا خاصم ذوا الصبوة فيما يعقل المخاصمة فيه سمعت دعواه وإن كان له أب تولى المخاصمة عنه وأما اليتيم فعلى الحاكم أن يقيم له وكيلاً يخاصم له وأما اليمين متى بلغ.
مسألة
[ إقرار اليتيم على نفسه ] (13/92)
صفحة 1752
وليس لذي اليتم يمين ولا عليه وقيل: له ولا عليه ولا تجوز إقراره على نفسه وقيل: للوصي أن يحلف لليتيم وكذلك لأبيه يحلف أن ما عليه لهذا الصبي ابن هذا ويسمى باسمه كذا وكذا وإن حضر اكتفى بالإشارة دون التسمية.
مسألة
[ أثر إقرار الأعمى ]
وإذا أقر الأعمى لرجل بحق وسمى باسم الطالب فادعى مدع أنه هو
الذي أقر له الأعمى بالحق لأنه اسمه يواطي اسم المقرور له فليس
للحاكم أن يأمره بالتسليم إليه إلا أن يصح بالبينة أنه هو الذي أقر له
الأعمى ووصفه.
مسألة
[ الاختلاف في سعر البيع ]
ومن ادعى أنه باع لمشتر شيئاً فأحضر البائع أنه باعه بثمن وهو كذا نقداً وأحضر المشتري بينة أنه باعه بأكثر من ذلك الثمن نسيئة فبينة البائع أولى وأخذ البائع بالنقد وأكثر الثمنين.
مسألة
[ صور من اختلاف المتبايعين ]
ومن أقر أنه باع ماله لزيد وأشهد أنه أبرأه من الثمن أو أنه استوفاه منه
ثم طلب البائع الثمن فأنكره المشتري وتمسك بإقراره له فعلى المشتري
اليمين أنه أوفاه ثمن ماله وأما إذا لم تكن للمشتري بينة بالوفاء فالقول
قول البائع.
مسألة
[ حكم يمين السيد لعبده ]
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يمين على عبد لسيده ولا على سيد لعبده»(1) فتأويله أنه لا يحلف العبد على حكومة إلا بإذن سيده.
مسألة
[ أثر السكت على إقرار الملكية ]
وفي مدعيين أقام كل واحد منهما بينة على خصمه أنه رق له فالبينة
للأول والآخر مملوكاً وإذا ادعى مدع على قوم أنهم مماليكه له فلم ينكروا
ولم يقروا فلا تثبت عليهم الملكة بالسكوت.
مسألة
[ دعوى اليهودي على المسلم ]
وإذا ادعى يهودي على مسلم حقاً وشهد له عدلان من اليهود بحقه فإنه يؤخذ كل منهما بما قامت عليه البينة.
مسألة
[ أثر حنث الوثني في يمينه ]
__________
(1) 1- انظر كنْز العمال 12/708 رقم 46454 «ولا يمين لمملوك مع يمين مليكٍ ولا يمين في
قطيعة رحم...» قالوا فيه حزام بن عثمان الأنصاري متروك بالاتفاق، مبتدع. (13/93)
صفحة 1753
وإذا حلف الوثني فتحنف وحنث في يمينه فإن كان ما حلف عليه
محظور في دينه فعليه الحنث وإلا فلا حنث عليه وقيل : عليه الحنث على
حال وقيل: لا حنث عليه على حال.
مسألة
[ أثر تصديق الادعاء ]
وإذا ادعى مدع على آخر مالاً فصدقه وسلمه له فحازه ثم أنكر فإن ادعى مالاً معروفاً وصدق دعواه فلا رجعة له قبضه الآخر أو لم يقبضه.
مسألة
[ من صور الإنكار ]
ومن ادعى حقاً على آخر فسأله الحاكم فقال: لا أنكر وإن قال: لا أنكره بها لزمه الحق وكان هذا إقراراً منه.
مسألة
[ من صور الادعاء والاسترجاع ]
وعن أبي الحواري: ومن ادعى حقاً على آخر فادعى فصدقه وأوفاه
ثم مات ورام وارثه استرجاع الحق فلا رد عليه إذا كان يعلم أن الحق
على الهالك.
مسألة
[ من صور الادعاء بين الزوج والزوجة ]
وإذا ادعت امرأة على زوجها ألف درهم والدرهم ستة دوانيق وشهد لها
بذلك عدلان وأقر الزوج بالألف إلا أنه عدتي وشهد له بذلك عدلان
فالقول البينة للمرأة.
مسألة
[ أثر حلول الأجل ]
وإذا كان الحق إلى أجل فحل الأجل فادعى من عليه الحق أن سلمه
وادعى الطالب بقاءه فالقول للمطلوب بعد خلو الأجل وقول: إن القول للطالب وهو الأصح كان قبل خلو المدة أو بعدها سيان.
النهج الحادي والأربعون
في أدب الحاكم
و ما يجوز له فعله و ما لا يجوز
النهج الحادي الأربعون
في أدب الحاكم
وما يجوز له فعله وما لا يجوز
مسألة
[ أهمية الأحكام ]
الأحكام فريضة من فرائض الله اللازمة وشعبة من شرائع الإسلام الواجبة قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } (1) الآية.
مسألة
[ الحكم بما أنزل الله ]
__________
(1) 1- سورة النساء آية 135. (13/94)
صفحة 1754
وقد قال الله تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } (1) وقال: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ } (2) وجملة آيات من القرآن تؤيد ثبوت الأحكام.
مسألة
[ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في إرسال القضاة ]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -(3) أنه كان يقضي بين الناس وأمر أصحابه بالقضاء وبعث علياً رضي الله عنه إلى اليمن قاضياً وبعث عمراً أبا موسى الأشعري(4) إلى البصرة قاضياً وبعث عبد الله بن مسعود(5) قاضياً على إلى الكوفة.
مسألة
[ الأدلة على مشروعية القضاء ]
اعلم أن وجوب القضاء ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وقيل: أول ما قضى بالأرض آدم بين ابنيه قابيل وهابيل يروى أن قابيل رام نكاح توأمته اقليماً وكان في زمانهم لا يتزوج الأخ بتوأمته وإنما له نكاح توأمة أخيه وقيل: إن اقليماً أول ولد ولدته حوى مع قابيل وتوأمة هابيل تسمى لموذا.
مسألة
[ صفة حكم آدم عليه السلام ]
صفة حكم آدم على ولديه أن يقربا قرباناً كما قال الله وهو أن يشعلوا ناراً فمن أكلت النار قربانه فهي له مقبولة فأكلت قربان هابيل وردت قربان قابيل فحمله الغيظ على بخع أخيه، وقد حكا الله تعالى حكم داود
وسليمان(6)
__________
(1) 2- سورة النساء آية 105.
(2) 3- سورة المائدة آية 49.
(3) 1- انظر كتابنا القضاء في صدر الإسلام تاريخه ونماذج منه.
(4) 2- أبو موسى الأشعري: صحابي جليل تولى القضاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر بن الخطاب وغيرهما.
(5) 3- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: صحابي جليل حضر المشاهد وهو من علماء
الصحابة الكبار الذين شهد لهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك.
(6) 1- قصة هذا الحكم وردت في سورة الأنبياء : قال تعالى: { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ
يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } آية 78 . (13/95)
صفحة 1755
عليهما السلام في الحرث الذي نفثت فيه غنم القوم والنفش
الأكل ليلاً وقيل: إن الحرث كان كرماً صفة ما قضاه سليمان عليه السلام
على أرباب الغنم أن تدفع الغنم لأرباب الحرث ينتفعون بما يأتي منها من
جميع الأشياء سنة وعلى أرباب الغنم أن يزرعوا لأرباب الحرث مثل حرثهم فقال له داود: نعم ما قضيت قال الله تعالى: { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ } (1).
مسألة
[ سن سليمان عندما قضى ]
وقيل: إن سليمان عليه السلام حكم بهذه القضية وهو ابن إحدى
عشر سنة قال الله تعالى: { )فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً
وَعِلْماً } (2) وكان سليمان بن داود عليهما السلام يقضي بين الناس يوماً
وبين البهائم يوماً وكان إذا حكم على خصم نزلت سلسلة من السماء
فأخذت بعنق الظالم.
مسألة
[ قصة السلسلة ]
وقيل: إن رجلاً استأمن أميناً مالاً فجعله في خشبة مثقوبة فأنكر الأمانة
فتحاكما فأمرهما أن يذهبا إلى السلسلة فقبض المستودع الخشبة بما فيها
فحلف ونال السلسلة كليهما فتعجب داود فأوحى الله إليه أن أمانته في
الخشبة فرفعت السلسلة فأمر الله بالإشهاد والأيمان.
مسألة
[ وجه تفسير خصمان... ]
فإن قيل: لم قال الله تعالى: { خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } (3) وليس بخصمين ولا بغى بعضهما على بعض قلنا: إنه أخرج الكلام على وجه المعاريض التي يسلم بها القائل من الكذب فإن قيل: قد أخبر الله عنهما
بأنهما خصمان إنما حكى كلاماً قد قطع أوله فدل على إخراجه على سبيل المعاريض وقيل: إنما هو مثل لأن الملائكة لا يبغون وقيل: إن الخصمين المذكورين كانا من الإنس وإنما فزع داود منهما لأنهما تسور المحراب بعد
أن ارتج بابه ودخلا في غير وقت جلوسه للقضاء.
مسألة
[ سيرة داود في اختبار الخصوم ]
__________
(1) 2- سورة ص جزء من آية 26.
(2) 3- سورة الأنبياء آية 79.
(3) 1- سورة ص آية 22. (13/96)
صفحة 1756
ويروى أن داود جلس على بابه من يختبر له أحواله الخصوم فما مر به
أحد إلا وهو راض عنه فأخبره بذلك وأمره أن يعقد(1) عدا على غير ذلك
الباب الأول يخرج منه المحكوم له والباب الثاني يخرج منه المحكوم عليه فلم
يمر به أحد إلا سب داود(2).
مسألة
[ سيرة عمر في القضاء ]
وقيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلاً على القضاء فاختصم إليه رجل في دينار فدفعه لهما فبلغ ذلك إلى عمر فعزله(3).
مسألة
[ عظم الحكم عند الله ]
وكتب أبو بكر لعمر أنه ليس شيء أعظم من الحكم عند الله وما عظم عند الله فهو عظيم وخطره جسيم.
مسألة
[ أهمية الحكم ]
عن حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بالحكم صاح واشتد عليه ثم سكن
واستمر لأمر الله فأعطاه الله النصر والتوفيق فحكم بين الناس بما أمره الله.
مسألة
[ تحاكم أهل الذمة ]
وقيل: إن ذا ذمة ومتحنف تحاكما إلى عمر فرأى الحق لذي الذمة
فقضى له فقال ذو الذمة: إن جبرائيل وميكائيل على لسانك من يمينك
وشمالك فقال له عمر: وما يدريك؟ قال: إنهما مع كل من قضى بالحق
فإن جار عرجا ووكلاه إلى الشياطين وإلى نفسه فقال عمر : هو كما قال.
مسألة
[ من رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري ]
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: سلام عليك ورحمة الله أما بعد
فإن القضاء فرض محكم وسنة متبعة فأفهم إذا ولى إليك فإنه لا ينفع التكلم بالحق والعمل بخلافه واس بين الناس وشيد على أساس والحظ إلى الخصمين بنظر العينين حتى لا يطمع أحد فيك شريف ولا ييأس من عدلك ضعيف.
مسألة
[ من الرسالة ]
__________
(1) 2- هكذا في الأصل والصواب يقعد. من القعود والمراقبة.
(2) 1- السبب في ذلك أن طبيعة البشر تحب أن يحكم لها بالحكم فإن حكم عليه لم يقبل
الحكم وأخذ يتكلم بغير حق.
(3) 2- السبب في ذلك أن من صفات القاضي الحزم في تنفيذ الحق رضي الخصوم أم لا.
وعمل القاضي هذا ينم عن عدم الحزم. (13/97)
صفحة 1757
والصلح بين الناس جائز إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك فأرشدك أن ترجع فيه للحق فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
مسألة
[ حجية القياس من الرسالة ]
وينبغي للحاكم أن يعرف الأشياء ويقيس الأمور بنظائرها وأن يتعمد أقربها إلى الله وأشبهها بالحق وأن يؤجل من ادعى بينة غائبة أجلاً ينتهي إليه فإن أحضرها وإلا أمضيت عليه الحكم والمسلمون عدولاً على بعضهم بعضاً
إلا مجلود في حد أو شاهرة عليه شهادة زور فإن الله تولى منهم السرائر
وردهم إلى البينات والإليات.
مسألة
[ صفات القاضي في الرسالة(1) ]
ولا يكون الحاكم ضجراً ولا قلقاً ولا مؤذياً للخصوم فالحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذخر من صحت نيته أخلصت طويته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس.
مسألة
[ التخلق بما ليس فيه ]
من تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه لله وما ظنك بثواب غير
الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته وإياك والرأي فإن الله رده على ملائكته
بقوله: { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } إلى قوله: { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا
تَعْلَمُونَ } (2) وقال لنبيه: { لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } (3) ولم يقل:
بما رأيت، على الحاكم أن يدني الضعفاء حتى يشتد قلوبهم ويتعهد الغرباء فإنه إذا لم يتعهدهم تركوا حقوقهم.
مسألة
[ كيفية قضاء معاذ ]
روي عن معاذ أنه لما بعثه رسول الله إلى اليمن قاضياً أمره أن يقتضي بما
__________
(1) 1- رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري تعتبر من الوثائق التاريخية الهامة جداً الدالة على
عدالة الإسلام ونزاهة القضاء وحريته وعدم السيطرة عليه. وقد شرحت في كتب
متعددة منها إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، وكتابنا القضاء في الإسلام
تاريخه ونماذج منه.
(2) 1- سورة النساء آية 105.
(3) 2- سورة البقرة آية 30. (13/98)
صفحة 1758
في الكتاب فإن لم يكن في الكتاب فالسنة وإلا فبالرأي وأهمل ذكر
الإجماع لأنه لم يكن في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -(1).
مسألة
[ حكم علي في الحواس ]
عن أبي سعيد عن أبيه عن جابر أنه قدم رجل إلى عمر وقد ضرب على رأسه فادعى وليّه أنه ضربه فلان فنزل الماء في عينه فعمذ وذهب شمه
وخرس لقلقه وانصرى ماء صلبه فلم يقض عمر فيه بشيء فأوتي به لعلي فحكم به لكل شيء أذهب منه بالدية كاملة(2).
مسألة
[ كيفية معرفة ذهاب البصر ]
الحكم في معرفة ذهاب البصر فإنه يقابل بعينه الشمس فإن لم تطرف
فقد ذهب نورها.
مسألة
[ كيفية معرفة ذهاب الشم ]
الحكم في معرفة ذهاب الشم بأن تحرق خرقة وتجعل تحت أنفه فإن
دمعت عيناه فالشم باق وإلا فقد ذهب.
مسألة
[ اختبار ذهاب الحواس أو بقائها ]
وما أخرس اللقلق فإن علامته يوخز بخياط فإن خرج منه دم أسود
فاللقلق قد ذهب فإن خرج دم أحمر فالنطق باق وسمة ذهاب السمع فإنه
يخرج ليلاً بحيث لا يشعر بأحد ويزعق به زعقة شديدة فإن التفت فالسمع
باق وإن لم يلتفت فالسمع ذاهب.
مسألة
[ اختبار بقاء ماء صلبه ]
وأما صفة ذهاب ماء صلبه فإن يقعد في الماء فإن تقلص أيره فالماء باق
وإن لم يتقلص فالماء قد ذهب ولعلي رحمه الله قضى بأجمه.
مسألة
[ سيرة يحيى بن أكثم في تعيين القضاة ]
وكان يحيى بن أكثم(3)
__________
(1) 3- قصة إرسال معاذ قاضياً إلى اليمن وسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بما تقضي يا معاذ إن عرض
لك قضاء أيضاً معروفة في كتب السنن وانظر كتابنا القضاء في صدر الإسلام حياة
معاذ بن جبل -رضي الله عنه- وسيرته في القضاء.
(2) 1- قضاء على هذا في الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية وقد نقلت نماذج في كتابي
القضاء في صدر الإسلام فارجع إليه.
(3) 1- يحيى بن أكثم: ذكره في ميزان الاعتدال من أكابر الفقهاء روى عن سفيان بن عيينة
وطبقته، حدث عنه الترمذي. انظر ميزان الاعتدال 4/361 رقم 9459. (13/99)
صفحة 1759
بالثاء المثلة من فوق يمتحن من يستقضيه فقال الرجل: ما تقول في رجلين زوج كل واحد منهما بأمه فولد لكل واحد من امرأته ولداً فما القرابة بين الولدين فعزب عليه علمهما على المسؤول فقال
يحيى: كل واحد منهما أخ الآخر لأمه.
مسألة
[ سيرة عمر بن عبد العزيز في افتتاح مجلس الحكم ]
وقيل دخل امرئ شامي على عبد الملك بن مروان(1) فقال: إني نكحت غادة ونكحت شبلي ابنتها ولا غنى لنا عن رفدك فقال له عبد الملك بن
مروان: أخبرتني بقرابة شبليكما أجزتك فقال: أحدهما عم الآخر وأيضاً
خاله وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله إذا جلس في مجلس الحكم قال:
بسم الله الرحمن الرحيم ثم حوقل ثم قال: استمسك بالعروة الوثقى
التي لا انفصام لها والله سميع عليم وتعززت بالله العزيز الحكيم وتوكلت
على الله رب العرش العظيم أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون.
مسألة
[ قول بعض الحكماء ]
قال بعض الحكماء: ما من مستقبل يوماً وليس بمستكمله ومستقبل غداً وليس هو من أهله ولو رأيتم الأجل ومسيرة لأبغضتم الأمل وغروره.
مسألة
[ واجبات القاضي ]
وقيل: إن القاضي إذا لم يحتمل اللوائم وأحب المحامل وكره العزل فليس بقاضي.
مسألة
[ قضاء داود عليه السلام في المرأتين ]
يروى أن امرأتين وصلتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولدنا ابنين فحمل الذئب أحد الولدين وادعت كل واحد أنه ذهب بابن الأخرى فتحاكما إلى داود عليه
السلام فقضى به للكبرى ثم خرجتا إلى سليمان فأمر به أن يشطر فأبت الصغرى فقضى به لها.
مسألة
[ من أسباب عزل القاضي ]
وقيل: عزل عمر بن عبد العزيز قاضياً له فسأله عن ذنبه فقال: إنه بلغني
__________
(1) 2- عبد الملك بن مروان: من حكام بني أمية كثرة في عهده الفتن وخاصة خلافة ابن
الزبير ولم يبقى في ملك بني أمية إلا الشام، وكان الحجاج سيف بني أمية وله قصص
كثيرة معروفة لا داعي لذكرها هنا ارجع إلى سيرة ملوك بني مروان. (13/100)
صفحة 1760
أن كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكموا إليك.
مسألة
[ سيرة شريح في القضاء ]
وقدم أشعريين على النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرضا له بالعمل فتغير وجهه فقال: «إن أخونكم عندي من يطلبه فعليكما بتقوى الله»(1) فما استعان بهما على
شيء فقط(2). وقيل إن شريحاً(3) كان قضى لعمر كان كلما قعد للحكم
نظر في رقعة مكتوب فيها: { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ..... يَوْمَ الْحِسَابِ } (4).
مسألة
[ نصيحة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر ]
روى أبا ذر(5)
__________
(1) 1- أخرجه البخاري 13/112 في الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة.
ومسلم رقم 1733 في الإمارة باب النهي عن طلب الإمارة، وأبو داود رقم 293
في الخراج والإمارة باب ما جاء في طلب الإمارة، والنسائي 8/224 في آداب
القضاة، باب ترك استعمال من يحرص على القضاء.
(2) 2- هكذا في الأصل: والصواب: قط.
(3) 3- القاضي شريح: اسمه شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي وهو
أبو أمية القاضي، أدرك شريح الجاهلية وروى ابن السكن خبراً يدل على صحبته،
والثابت أنه من كبار التابعين ولاه عمر القضاء وله أربعون ستة وكان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -
ولم يره وقال عنه نفسه وليت القضاء ولعمر وعثمان وعلي، فمن بعدهم إلى أن
استعفيت من الحجاج، وكان عمره 120 سنة. وله قضايا كثيرة ومتعددة –رضي
الله عنه- انظر كتابنا القضاء في صدر الإسلام تاريخه ونماذج منه 162 - 163.
(4) 1- سورة ص آية 26.
(5) 2- أبو ذر: هو جندب بن جنادة الغفاري أحد السابقين الأوليين من نجباء أصحاب
محمد - صلى الله عليه وسلم - كان خامس خمسة في الإسلام، هاجر إلى المدينة بعد إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - له
بالهجرة. روى عنه الخلق الكثير منهم: حذيفة بن أسيد الغفاري، وابن عباس، وأنس
بن مالك، وابن عمر، وجبير بن نفير، وأبو مسلم الخولاني وغيرهم. فاتته بدر،
وشهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب له قصة مشهورة في غزوة تبوك، وسيرة
هذا الصحابي مشهورة وقال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «تمشي وحدك وتموت وحدك، وتبعث
وحدك». وفاته كانت على قارعة الطريق -رضي الله عنه- انظر سير أعلام النبلاء
46 – 78/2. (13/101)
صفحة 1761
رضي الله عنه أنه قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي:
«يا أبا ذر إنك ضعيف وهي يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى ما وجب عليه فيها»(1) وأتى الأشعث بن قيس شريحاً في مجلس
القضاء فظن شريح أنه أتاه مسلماً فأدناه منه فقال: إني جئت مخاصماً
فقال: تنقل مع خصمك فتنقل مغضباً.
مسألة
[ سيرته مع أقاربه ]
وقيل: إن ابن عم الشريح أتاه فقال: إن لي معك حقاً وقرابة وإني أريد
أن أقدم إليك خصماًَ وأحب أن تقضي لي عليه فقال مرحباً فأتيا شريحاً
فحكم على ابن عمه فسأله إتمام العهد فقال له: هيهات حال الحق بيني
وبين ذلك.
مسألة
[ من قضاء شريح ]
وتخاصم خصمان إلى شريح فجعل أحدهما يصيح ويختلط فقال
شريح: خصمك دواؤك وبينتك شفاؤك فأقرأ من شفائك على دائك أي
ائت بينة على دعواك فأتى بها فقال له شريح: فأما أنا فلم أدعكما وأقمتما
فلم أمنعكما فاتقيا الله.
مسألة
[ كيفية حكم القاضي ]
وخاصمت امرأة إلى شريح فجعلت تبكي فرآها رجل تبكي فقال:
كأنها مظلومة، فقال شريح: قد جاءوا إخوة يوسف يبكون وكان شريح
يقول للخصم: يا عبد الله لا أقضي لك وإني لأظنك ظالماً وإني لا أقضي
بالظن وإنما أقضي بالبينة وإن قضائي لا يحل لك حراماً والحق أحق أن يتبع.
مسألة
[ من سيرة شريح في القضاء ]
وقيل: كان شريح مزاحاً فقدم إليه خصمان في قضية وأقر المدعى من حيث لا يشعر فقضى عليه فقال: أتقضي علي بغير بينة؟ فقال: قد شهد
عندي ثقة وهو ابن خالتك.
مسألة
[ قضاء زيد بن ثابت ]
قال الشعبي(2)
__________
(1) 3- أخرجه مسلم رقم 1823 في الإمارة باب كراهية الإمارة بغير ضرورة وأبو داود رقم
286 في الوصايا، باب ما جاء في الدخول في الوصايا، والنسائي 6/255 في
الوصايا، وأخرجه أحمد في مسنده 5/73 والحديث صحيح.
(2) 1- الشعبي: عامر بن شراحبيل بن عبد بن ذي كبار، وقيل من أقيال اليمن، الإمام علامة
العصر أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي ولد في إمرة عمر بن الخطاب لست سنين
خلت منها وقيل ولد سنة إحدى وعشرين، حدث عن خلق كثير منهم: سعد بن أبي
وقاص وسعيد بن زيد وأبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم، وأسامة بن زيد، وأبي
مسعود البدري وأبي هريرة وأبي سعيد وعائشة وغيرهم كثير، خرج على الحجاج
وقبض عليه، وعفى عنه قيل أنه توفي سنة 104هـ وقد بلغ 88 سنة. وقيل غير
ذلك. انظر سير أعلام النبلاء 4/294 - 319. (13/102)
صفحة 1762
: كان بين يدي عمر بن الخطاب وأبي بن كعب خصومة فحكما زيداً بن ثابت بينهما فأتياه في منْزله فقالا له: أتيناك للحكم بيننا
وفي بيته يؤتى الحاكم.
مسألة
[ صور من القضاء ]
يروى أنه عمر غَبتْه خصومة في شيء وهو أمير فاجتمع مع خصمه إلى
أبي بن كعب فطرح له أبي وسادة ليجلس عليها فقال له: هذا أول جورك
ثم قام عمر وقعد مع خصمه فوجبت على عمر اليمين فحلف(1).
مسألة
[ من المصدر للحكم ]
والحكم لا يكون إلا من إمام عادل أو وال تحت إمام عادل أو قاض جعله الإمام أو الجماعة عند عدم الإمام للحكم بين الناس أو رجل رضي به
الخصمان أن يقضي بينهما.
مسألة
[ الحكم بتراضي الخصمين ]
وإذا حكم أحد يحكم بتراضي الخصمين فلا جبر له على الخصوم وإذا
قدم الإمام العدل قاضياً عدلاً فهو بمنزلة الإمام وجائز جبره في الأحكام.
مسألة
[ أثر تعيين الإمام الجائر حاكماً ]
واختلفوا في الإمام الجائر إذا قدم حاكماً فإن كان الحاكم عدلاً ودخل في الأحكام على طاعة الله لا على طاعة الجائر ولا لثبوت يده ولا تقوية لحجته جاز حكمه إذا لم يرح من يقوم بالحكم سواه وهو مأجور إن شاء الله.
مسألة
[ صفات الحكام ]
وقال بعض الفقهاء: لا يجوز الحكم بأمر الجبابرة ولا كرامة لهم ولا يجوز لأئمة المسلمين استعمال غير أهل العدل في جميع أمورهم ولا يأتمن على أمانته غير الأمناء من أرباب الدعوة لأن المسلمين هم خلفاء الله في أرضه.
مسألة
[ المؤمنون خلفاء الله في أرضه ]
قال الله تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
__________
(1) 1- هذه القصة حصلت بين عمرو وأبي بن كعب وكان القاضي زيد بن ثابت كما سبق.
انظر كتابنا القضاء في الإسلام وآداب القاضي المساواة في القضاء. (13/103)
صفحة 1763
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } (1) فالمؤمنون هم خلفاؤه في
أرضه بحكم كتابه.
مسألة
[ حجة من أجاز حكم الجبابرة ]
وحجة من أجاز الحكم بأمر الجبابرة إذا حكم الحاكم بالحق أن المؤمنين هم خلفاء الله في أرضه ولو لم يستخلفهم أحد فجعل الجبار كالعدم إذا لم
يشد عضد الجبار.
مسألة
[ إذا كان الجبار من أهل الدعوة وأثر ذلك ]
وإذا كان الجبار من ذوي الدعوة فعصى الله بمخالفة أمره وارتكاب نهيه وقام بما تعبد به من الفرائض سقط عنه الفرض وهو في حال انتهاكه المحارم عاص الله وأمره بالأحكام هو أمر بالمعروف.
مسألة
[ الولوج في الأحكام ]
الولوج في الأحكام على وجهين أحدهما أن يكون الداخل فيه مخير بين
الولوج والخروج إذا رجا سواه في الحكم ممن هو أعلم وأفضل منه وأفهم للقضايا.
مسألة
[ من يتوجب عليه القضاء ]
ومن طلبت إليه الأحكام وكان عالماً بما ابتلي به عارفاً موضع المدعي من المدعى عليه وإن على المدعي البينة وعلى المدعى عليه الإلية كان لا تخيير له
ولو لم يعرف إلا قضية واحدة في عمره فإن ضيعها كان مضيعاً للفرض الواجب عليه.
مسألة
[ قيام الجماعة محل الحاكم ]
وإذا تعذر حصول الحاكم فعلى جماعة المسلمين إنفاذ الأحكام إن
استطاعوا وإن عدم الجماعة وقدروا حداً من المسلمين على إنفاذ الأحكام
لزمه ذلك وقام مقام الجماعة إذا كان عالماً بما يلج فيه.
مسألة
[ من له حق العزل ]
وإذا أقام الإمام قاضياً فرام عزله فله ذلك وإن أقام الجامعة قاضياً فراموا عزله فليس لهم ذلك إذا حكم بالحق ولم يضعف عن الأحكام.
مسألة
[ الاستعفاء من القضاء ]
وإذا أراد القاضي الاستعفاء ممن أقامه من الجماعة أو إمام فليس لهم ذلك ولا له إذا التزم الأمر مجملاً وليس له عليهم شريطة عند الدخول في ذلك
إلا أن يتفق هو وإياهم على غيره ممن أحق.
مسألة
[ متى يترك العمل ]
__________
(1) 1- سورة النور آية 55. (13/104)
صفحة 1764
والإمام القاضي والوصي وغيرهم ممن دخل في عمل طاعة فلا يجوز له تركها إلا للأفضل منه.
مسألة
[ صفات القاضي ]
وقيل: لا يجوز القضاء إلا لمن جمع العلم والحلم التقوى والورع والفهم
وأن يكون حافظاً للكتاب عالماً بناسخه من منسوخه وحظره وإباحته
ومحكومه من متشابهه وخاصه من عامه وفرضه وندبه وأن يكون عالماً
بالسنة وناسخها ومنسوخها وعالماً باختلاف أهل دهره وعالماً بلغة العرب وعالماً بتأويل القياس وموارده ومصادره ومحتمله وغير محتمله وأن يكون
عاقلاً مميزاً عدلاً في دينه.
مسألة
[ نقض الحكم ]
واختلفوا في إجازة الحكم اللقيط ولا يجوز أن يكون المتهم حاكماً وكل حكم بالحق فلا يجوز نقض حكمه الحاكم غيره.
مسألة
[ جلوس القاضي للقضاء وأحواله ]
وإذا رام الحاكم البروز لموضع الحكم فقضى أربه وتوضى وتغذى وبرز وعليه السكينة والوقار ولا يبرز وهو مغضب وإن حدث له غيظ بعد أن
خرج رجع حتى يسكن غيظه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن يقضي القاضي على
سغب ولا ضمان ولا حزن»(1) فإذا وصل وسلم على من في مجلسه ثم
سأل الله العافية والعون والإرشاد والعصمة والتوفيق لمرضاته واستقبل في جلوسه القبلة.
مسألة
[ من آداب مجلس الخصمين ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لكل شيء شرف وشرف المجالس ما استقبل به القبلة
فإذا جلس إليه الخصمان عرض عنهم هنيئة حتى تجتري قلوبهم وتنشط
ألسنتهم ويذكرون حجتهم ويسوي بينهما في المجلس واللحظ والكلام.
مسألة
[ صفات مجلس القضاء وآدابه ]
ويليق بحاله أن يكون عن يمينه وشماله صلحاء علمائه يرشدونه ويقوّونه
__________
(1) 1- الحديث صحيح ومتفق عليه برواية ثانية: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان»
أخرجه البخاري 13/120، 121 في الأحكام ومسلم رقم 1717 في الأقضية باب
كراهية قضاء القاضي وهو غضبان، والترمذي رقم 1334 في الأحكام وأبو داود
رقم 3589 في الأقضية والنسائي 8/237، 238 في القضاة، باب ذكر ما ينبغي
للحاكم أن يجتنبه. (13/105)
صفحة 1765
إذا عن النهج عدل ويذكرونه إذا عن الحق غفل ويؤدون الخصوم ليسلم
غداً بين يدي الحي القيوم ويستحب له أن يقعد إلى نصف النهار إن استطاع ويكون النساء في مجلس الحكم أقرب من الرجال إلى الحاكم ليكن أخفض لأصواتهن ويستحب له مشاورة العلماء بلسان العرب وبكتاب الله وسنة
نبيه وآثار المسلمين وينبغي للحاكم إذا ورد عليه أمر مشكل توقف وطالع وسأل فإن اهتدى للنهج السوي أمضى الحكم وإلا فلا لوم عليه فيما عزب عليه علمه.
وينبغي أن يشهد العدول على ما أمضاه من الأحكام أو يزبر ذلك في الكاغد بالأقلام ليكون على من أمره ويكون للآتي بعده عارفاً بما صدر من زجره وكذلك كان فعل أبي مروان ومن نهج منهجه من الأخوان.
مسألة
[ كيفية انتداب القاضي للقرى ]
وإذا أنفذ الحاكم لبعض القرى حكماً وسمه عنده في الدفتر وحرزه
بالأقلام والمداد من جوف المحابر ليعرف كيفيته ما منه صدر من الأحكام
وإن استخلف خصماً أثبته وأشهد عليه عدلين من الإسلام.
مسألة
[ أثر تعنت الخصم على خصمه ]
وإذا تعنت خصم خصماً وفرق عليه الدعاوي لتفترق عليه الإليات ردعه وجمعها عليه وحلفه يميناً واحداً بباري البريات ومحي العظام الرفات.
ويتجنب المزاح في مجلس الحكم للأحكام ولا يسار خصماً من الأنام.
مسألة
[ كراهية اشتغال القاضي والحاكم بغير الحكم والقضاء ]
ويكره للحاكم البيع والشري ما ولي الأحكام بين الورى وإن ولي ذلك سواه فلا بأس عليه ولا التباس لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما عدل وال تجر في رعيته»(1)
ولا يستقرض من الخصوم ولا يستعير إلا لمن سبقت له منه يد قبل الحكم من مثر أو ذي عيلة فقير.
مسألة
[ حكم إفتاء القاضي على الحكم ]
ويكره له أن يحكم على الجذع والجدل المفرط والوصب المقلق والنعاس الغالب. ويكره له الفتيا في الأحكام إذا سأل عنها قال: إنما أقضي ولا أفتي
__________
(1) 1- روي عن عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- «تجارة الولاة من أشراط الساعة» = (13/106)
صفحة 1766
ولا بأس عليه أن يفتي في سائر أمور الدين.
مسألة
[ إكرام الخصوم معاً ]
ويكره له أن يقرئ أحد الخصمين دون الآخر لرواية رواه علي رحمه
الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -(1) أنه نهانا أن تقري خصماً إلا ومعه خصمه وأن يكون
متثبتاً في أمره حليماً متعطفاً سليماً.
مسألة
[ اعتماد القاضي على الله ]
وينبغي له أن لا يحتفل بالعواقب ولا يخشى الدوائر ويمضي لأمر الله
ويتوكل على الحي القيوم الذي لا يموت ويصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما
بينه وبين الناس والله لطيف خبير.
مسألة
[ من آداب القاضي ]
عن أبي الدرداء(2) رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أعطي حظه
من الرفق أعطي حظه من الخير ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير»(3) وله عيادة ذوي الإوصاب وتشييع الجنائز وتهنئة القادم تأسياً
برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة
[ مجلس القاضي ]
__________
(1) = والحديث أخرجه السيوطي في الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير 3/96
قال الحاكم في الكنى عن رجل.
1- المبدع شرح المقنع 10/35، وفتح القدير للكمال بن الهمام 7/274.
(2) 1- أبو الدرداء: قاضي دمشق وصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عويمر بن زيد بن قيس، ويقال:
عويمر بن عامر، حكيم هذه الأمة وسيد القراء بدمشق روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة
أحاديث روى عنه أنس بن مالك وفضالة بن عبيد، وابن عباس وأبو أمامة، وعبد الله
بن عمرو بن العاص وغيرهم ومن جلة الصحابة توفي -رضي الله عنه- قبل عثمان
بثلاث سنين انظر سير أعلام النبلاء 2/335 - 354.
(3) 2- أخرجه الترمذي رقم 2014 في البر، باب ما جاء في الرفق ورواه أيضاً أحمد في
المسند والبغوي في شرح الستة وهو حديث حسن. (13/107)
صفحة 1767
وينبغي له الجلوس في المجلس الفسيح في وسط الدار الذي يحكم فيه ولا يحتجب إلا من عذر لما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ولي شيئاً من أمور الناس فاحتجب عنهم دون حاجتهم أحجبه الله دون حاجته يوم القيامة»(1)
وينبغي له الجلوس حيث لا يؤذيه حر ولا قر ولا دخان ولا ريح نتنة تؤذيه ويكره الجلوس في المسجد للقضايا تأسياً لرسول المرتضى لما روى معاذ
رضي الله عنه أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «جنبوا صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم عن مساجدكم(2).
مسألة
[ احترام المساجد ]
ولا تقام الحدود في المساجد ولا تسل فيها السيوف ولا يباع فيها ولا يشترى ولا لغو فيها ولا مراء وإن اتفق ذلك فالمبتلى غير هالك والأصح
جواز الحكم أين ما اتفق من مسجد أو طريق أو دار حاكم أو مجلس عدو
أو صديق.
مسألة
[ اتخاذ كاتباً ]
وإذا دعته الضرورة لاتخاذ حاكم اتخذه أميناً حاذفاً بعيداً من الطمع ويوصيه
بتقديم من سبق إليه من الخصوم وإن احتاج إلى كاتب اتخذه عدلاً أميناً يكتب عليه ما يمضيه من الأحكام وما يعينه من حوائج الإسلام وكان سعيد بن المبشر كان كاتباً لموسى بن علي وكان زيد بن ثابت كاتباً لعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ومعاوية بن أبي سفيان كاتباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة
[ اتخاذ ترجمان ]
__________
(1) 3- الحديث: «من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم، =
(2) = وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة...» أخرجه الترمذي رقم
1332، 1333 في الأحكام باب ما جاء في إمام الرعية وأبو داود رقم 2948
في الخراج والإمارة باب ما يلزم الإمام من أمر الرعية وإسناده حسن. والمسند عن
أحمد 5/238).
1- الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغر 2/63 قال عن ابن ماجه رقم 750
وقال في الزوائد: إسناده ضعيف فإن الحارث بن نبهان متفق على ضعفه. ابن ماجه
ص1/247. (13/108)
صفحة 1768
وله أن يتخذ ترجمان يعرف اللغات ليعبر له ما خفي عليه أن يكون
شرطه من العدول الثقات ويروى أن زيد بن ثابت كان ترجماناً لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وأن ينظر فم الخصم أيان يفوه بالدعوى.
مسألة
[ جواز تأديب الممتنع عن الحق ]
ومن امتنع عن الحق أدبه بالضرب والحبس على قدر استحقاقه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن عجز فبلسانه وإن عجز فبقلبه وهو
أضعف الإنكار»(1) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يد الإمام على الفاجر والبار»(2) وقيل:
يجوز له الحكم بما علم في مجلس الحكم أو بعد أن جعل حاكماً وأما قبل
ذلك فلا وبين ذلك بون لأن ما علمه وهو حاكم من حق تثبت عنده وصح
في مجلسه للحكم وله أن يحكم في مصره حيث شاء الحجة لمن قال يجوز
الحكم بما علم في غير مجلس بعد أن جعل حاكماً له أن يحكم في مصره
كالذي علمه في مجلسه سيان وقيل: علم الحاكم أصح من البينة لأن البينة تحتمل الغلط وشهادة الزور في الباطن.
مسألة
[ من صفات الشاهد ]
قال الله تعالى: { إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (3) قد حكم - صلى الله عليه وسلم -
بعلمه بين سعد بن أبي وقاص(4)
__________
(1) 1- رواية مسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم
يستطيع فبقبله، وذلك أضعف الإيمان» رقم 49 في الإيمان، والترمذي رقم (2173)
في الفتن وأبو داود رقم (1140) في صلاة العيدين، ورقم (4340) في الملاحم
والنسائي 8/111 في الإيمان وابن ماجه رقم 4013 في الفتن.
(2) 2- هذا الحديث دليل على سلطة الإمام على جميع أفراد الرعية باختلاف أحوالهم. وله
شواهد تؤكد على معناه.
(3) 1- سورة الزخرف آية 86.
(4) 2- سعد بن أبي وقاص: هو مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب... الأمير
أبو إسحاق القرشي، أحد العشرة وأحد السابقين الأولين وأحد من شهد بدراً
والحديبية له عدد من الأحاديث حدث عنه ابن عمر وعائشة وابن عباس والسائب بن
يزيد وبنوه، وعروة بن الزبير وخلق كثير. كان -رضي الله عنه- مستجاب الدعوة،
كان رامياً جمع له النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد أبويه، كان سعد آخر المهاجرين وفاة توفي
-رضي الله عنه - انظر سير أعلام النبلاء 1/96 - 134. (13/109)
صفحة 1769
وعبد الله بن زمعة(1).
ولا ينبغي أن يشتق على نفسه بطول الجلوس لألا يعتريه السأم والضجر.
مسألة
[ العدالة في القضاء ]
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إياكم والإفراد فقيل له: وما هو؟ قال: الشرع
إلى إفضاء أرب أرباب الإثراء والمتملق عن قضاء أرباب العيلة الفقراء»(2)
ولا يسمع حجة خصم إلا وخصمه معه حذر أن يعلق بقلبه شيء من
دعوى خصمه.
مسألة
[ الاهتمام بالرعية ]
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ومن ولي شيئاً من أمر هذه الأمة فاسترحم فلم
يرحم وحكم فلم يعدل بين الخصم وعاهد فلم يف فعليه غضب الله ولعنه
الله إلى يوم القيامة(3).
مسألة
[ وقوف القاضي على جسر جهنم ]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ما من وال على عشرة إلا غل يوم القيامة حتى يقف على
جسر جهنم فإن عدل وإلا انخسف به جسر جهنم في جب حالك سبعين خريفاً معذباً(4).
مسألة
[ ما يراه القاضي من العذاب ]
عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يؤتى بالقاضي يوم القيامة فيرى من شدة الحساب ما يتمنى إلا أن يكون قضى بين اثنين في تمرة واحدة(5)
__________
(1) 3- عبد بن زمعه: ورد ذكره في حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
(2) 1- لم أعثر عليه بهذا النص ومعنى الحديث صحيح.
(3) 2- الحديث ورد بروايات متعددة انظر الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير 3/245.
(4) 3- هذا الحديث له شواهد في الصفحة التالية وهي في الترهيب من تولي القضاء. وقد =
(5) = روى الشوكاني 8/293 رقم 5 عن أبي مامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما من رجل يلي إمرة
عشرة فما فوق أتى الله عز وجل يوم القيامة يده إلى عنقه فكته برَّه، أو أوأبقه إثمه، أو
لها ملامة، وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة» وحديث آخر برواية
مختلفة والمعنى واحد قال رواهن أحمد في مسنده.
1- رواية الحديث عن عائشة قالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لتأتين على القاضي العدل
يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في ثمرة قط» قال في نيل الأوطار:
وحديث عائشة أخرجه أيضاً العقيلي وابن حبان والبيهقي وقال في مجتمع الزوائد
إسناده حسن. نيل الأوطار 8/294. (13/110)
صفحة 1770
.
مسألة
[ القاضي في اللغة ]
والقاضي في اللغة هو الحاكم لقوله تعالى: { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } (1).
مسألة
[ منزلة من تولى القضاء ]
وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «يوشك الرجل أن يتمنى أن خر من السماء ولم يل
من أمور الناس شيئاً»(2) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من عقد عليه القضاء فكأنما ذبح
بغير شفرة»(3).
مسألة
[ إنصاف القاضي من نفسه ]
وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يكون الحاكم حاكماً حتى يكون إنصافه من دينه إذا افترس نعجة غيره كإنصافه من ذئب غيره إذا أكل نعجته فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»(4).
مسألة
[ عدم سؤال الإمارة ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسألوا الإمارة فإنكم إن أعطيتموها عن مسألة وكلتم إليها وإن أعطيتموها من غير مسألة أعنتم عليها»(5) وقال عمر: ما أحب أن أكون كالسراج يضيء الناس ويحرق نفسه وهو ممن يجور في حكمه.
مسألة
[ قول عمر -رضي الله عنه- في الحاكم ]
وقال عمر: إن الحاكم ليكايد بماء لجياً عميقاً تغشاه أمواج تيارات الظلم فترفعه طوراً وتخفضه طوراً وهو يرسب ويطفو أو قل من كائد لجة لا
__________
(1) 2- سورة الأنعام آية 57.
(2) 1- هذه الأحاديث ترهيب من تولي القضاء وفيها ضعف.
(3) 2- الرواية عند الآخرين «من جُعل قاضياً بين الناس، فقد ذبح بغير سكين» أبو داود رقم
3571، 3572، في الأقضية باب في طلب القضاء، والترمذي رقم 1325 في
الأحكام. وهو حديث صحيح.
(4) 3- هذا الحديث بهذا النص لم أعثر عليه ولكنه يحث على الإنصاف من النفس والعدل
في الحكم.
(5) 4- ورد برواية أخرى: «من سأل القضاء وُكِل إلى نفسه، ومن جبر عليه، ينْزل عليه ملك
يسدده» انظر أبو داود رقم 3578 في الأقضية، باب طلب القضاء والتسريع إليه،
والترمذي رقم 1323، 1324 في الأحكام وهذا حديث حسن غريب. وانظر نيل
الأوطار 8/289 رقم 2، 3. (13/111)
صفحة 1771
يوشك أن يغرق إلا من رحم الله وللقضاة غدا موقف لا يفكهم منه إلا
العدل وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من ولي من أمتي أمراً ولم يحطهم رعاية كبه الله على
وجهه في النار ألا فلينازع هذا الحاكم لله نفسه قبل نزع نفسه»(1) ولا
يتقوى بسلطان فيما لم يأذن له به ولا يغضب لله بأكثر مما أمره ولا يرضى
له بأكثر مما رضي منه مما أحله وحظره وليذكر قدرة الله عليه.
النهج الثاني والأربعون
في الدعاوي المسموعة والمردودة
و معرفة المدعي والمدعي عليه
النهج الثاني الأربعون
في الدعاوي المسموعة والمردودة
و معرفة المدعي و المدعى عليه
مسألة
[ من هو المدعي والمدعى عليه ]
اختلف المسلمون في المدعي والمدعى عليه وميزوا ذلك بأصول يذهبون وأحكام يبنون عليها فقال بعضهم : المدعي إذا ترك الخصومة ترك والمدعى عليه لم يترك ولو ترك الخصومة إلا أن يقر أو يحلف.
مسألة
[ اختلافهم في المدعي والمدعى عليه ]
وقيل: المدعي الطالب والمدعى عليه المطلوب وقيل: المدعى من ادع
الأصل والمدعى عليه من ادعى أمراً حاذفاً وهذا غير عام وقيل: المدعي
من حسن أن يطالب بالبينة والمدعى عليه إذا أنكر لم يطالب بالبينة
ويروى عن بعضهم أن المدعي من ادعى خلاف الظاهر والمدعى عليه من الظاهر معه.
مسألة
[ أنواع الدعوى ]
والدعاوي على ثلاثة أضرب أحدها غير مسموعة أصلاً وهو أن يدعي أحد أنه وعده بهبة أو صدقة أو يدعي ما لا يحل أو يدعي على مشهور
النسب أنه مملوك أو على من أسن منه أنه ولده وشبه ذلك ولا بينة عليه وأما الدعوى المسموعة وفيها البينة وهي من ادعى على آخر حقاً في يده يحتمل
أن يكون له أو للمدعى عليه فعلى المدعي البينة فأن أعجزها ورام يمين المنكر فله ذلك عليه.
مسألة
[ ماهية الدعوى المسموعة ]
__________
(1) 1- هذا الحديث سبق ذكره برواية ثانية في هذا النهج فارجع إليه. (13/112)
صفحة 1772
وأما الدعوى المسموعة ولا بينة لها وهي لمن عنده بشر يخدمه ولا يعرف حاله فإذا ادعى الحرية فهو حر ولا يكلف بينة على دعواه وكم نطلق زوجته طلاقاً رجعياً فيردها بعد خلو شهر فتدعي انقضاء العدة قبل قولها ولا بينة عليهم وإذا كان للأب أولاد وثنيون ومتحنفون وهو متحنف فيموت فيأتي أولاده الوثنيون قبل توزيع تراث أبيهم فيدعوا أنهم أسلموا قبل موته فإنهم يرثون ولا بينة عليهم بما ادعوا وأشباه ذلك.
مسألة
[ حمل الدعوى إلى الحاكم ]
وإذا جرت الدعاوي فيما يمكن حمله إلى الحاكم حملوه إليه ومالا يمكن
حمله بعث إليه الحاكم عدولاً يقفون عليه ويخيرونه وإن بعثهم ليحكموا
فيه وكانوا أهلاً لذلك جاز.
مسألة
[ كيفية سماع الدعوى ]
وإذا حضر الحاكم خصمان فادعى كل منهما على صاحبه حقاً سمع دعوى الأول حتى تنصري حجته ثم يسمع دعوى الثاني وقول هو مخير
في ذلك.
مسألة
[ صور من القضاء بالبينة ]
وإذا تخاصم اثنان في دار وهي بيد أحدهما وأقام المدعي بينة أن أباه
اشتراها منه ومات أبوه فأنكر المدعى عليه فعليه البينة أنهم لا يعلمون أن لا
أبيه وارثاً غيره فإن أقامهما قضي له بالدار.
مسألة
[ نوع من الادعاء ]
ومن بيده أمانة لميت لا يعلم وارثه فادعاها مدعى أنها لأبيه وهو هذا الميت فأقام المدعي بينة أنه أبوه لا يعلمون له وارثاً غيره أجاز الحاكم شهادة على نسبه وحكم له بماله.
مسألة
[ إثبات النسب بالبينة ]
ومن ادعى ميراثاً في يد آخر فأقام بينة تلقي نسبه بنسب الميت على جد وأنهم لا يعلمون له وارثاً غيره قضى له الحاكم بالميراث.
مسألة
[ تعارض البينات في النسب ]
وإن أقام مدع أن ذلك الهالك أبوه أو ابنه ولا وارث له غيره دفع الميراث له وجعله أحق به من الأول وإن شهدت البينة الأخرى أنه ابن عمه وألقوا النسب على جد وقبيلة أخرى فالبينة الأخرى معارضة والأولى أصح.
مسألة
[ شهادة تحويل النسب ] (13/113)
صفحة 1773
لأنه لو جاز تخويل النسب إلى قبيلة ثانية لجاز إلى ثالثة ورابعة فما فوقها وليس للحاكم أن يكلف البينة في الموارث أن الهالك لا وارث له قطعاً لأن
هذا غيب وإنما عليهم شهادة علم.
مسألة
[ إثبات موت الموروث ]
وإذا ادعى الوارث موت أبيه وأقام على ذي بينة أجاز الحاكم شهادة بينة وقضى له بميراثه أنه لم يكن معه أحد من الورثة سواه.
مسألة
[ صور من إثبات البينة للميراث ]
وإذا ادعى داراً أو أرضاً أنها لجده وأقام على ذلك بينة وأنه مات وتركها ميراثاً لهذا ولا لأبيه فشهادتهم هدر أي باطل وإن شهدت البينة أن فلاناً جد فلان هذا مات وترك أرضه هذه أو داره ميراثاً لأب هذا المدعي لا يعلمون له وارثاً غيره فشهادتهم أيضاً باطلة حتى يشهدوا إن أب هذا مات وتركها ميراثاً لأبيه وعمه ثم مات أبوه وترك حصته ميراثاً له لا يعلمون له وارثاً غيره
ثم ادعى عمه أن أخاه أب هذا مات قبل أبيه ورث أبوه من ماله السدس ثم مات أبوه فورثه هو فللحاكم أن يقضي به للمدعي الأول لأن الشهادة
الأخرى معارضة وروي عن بعض العلماء أنه أهدر كلا البينتين لأنه لا بد أن تكون أحد البينتين كاذبة وقول: يكون ميراثهما كميراث الغرقى والهدمى.
مسألة
[ تعارض البينات يسقط إحداها ]
ومن أقام بينة على ميت أنه مات يوم كذا وورثه ابنه هذا ولا يعلم له وارثاً غيره ثم أقامت امرأة بينة أنه تزوج بها يوم كذا بعد ذلك اليوم فشهادة شهود المرأة هدر لأنها معارضة ولو جاز ذلك لجاز إلى مالا نهاية له.
مسألة
[ صور من الادعاء ]
ومن ادعى داراً في يد مالكها فأقام البينة فشهد أحدهما أنه اشتراها منه
بكذا وشهد الآخر أنه وهبها له وأحرزها هدرت شهادتهما لاختلافهما وأنه
لا بد من مين أحدهما.
مسألة
[ صور من الادعاء ]
ومن ادعى مالاً في يد غيره أنه اشتراه منه وأقام على ذلك بينة أنه تصدق بها عليه فلا يثبت له شيئاً لأنه أكذب نفسه والكذب بينته.
مسألة
[ صور من الادعاء ] (13/114)
صفحة 1774
ومن ادعى مالاً ميراثاً ثم ادعى أنه اشتراه ولم يرثه قط فأقام بينة على الشراء ولم يقض له بشيء لأنه أكذب نفسه وأكذب بينته ومن ادعى شيئاً هبة ثم أتى ببينته أنه تصدق به عليه وإن ادعى أنه لما جحده الهبة سأله أن يتصدق بها عليه فللحاكم أن يجيز ذلك لأنه لم يكذب نفسه ولا بينته واختلفوا في
البينة فقال بعض العلماء: إن بينة ذي اليد أولى لأن معه حجتان وقول: إن
بينة المدعي أولى لقوله عليه السلام: «على المدعي البينة»(1) والأول أصح.
مسألة
[ شهادة البينة زوراً ]
ومن ادعى مالاً في يد غيره وأنكر الحائز فأتى بينته له تشهد له بالمال
فأراد من بيده المال يمينه أنه لا يعلم أنّ بينته تشهد له زوراً فله ذلك.
مسألة
[ صور من الإقرار ]
ومن ادعى مالاً في يد غيره وأقر المدعى عليه أن له فيه حصة سماها فقد اختلفوا في ذلك فقال بعضهم: إن البينة على من بيده المال بإقراره له
بالحصة فصار المدعي ذا يد بهذا الإقرار وقول: لا يثبت عليه إلا ما أقر به
وهو الأصح حجةً لو أن لكل شيء من أقر مما في يده أشرعت الإقرار كله ووجبت عليه البينة لما أقر أحد لأحد بحق.
مسألة
[ أثر تاريخ البينة ]
وإذا ادعى اثنان مالاً ليس في يد أحدهما ادعيا عليه بالبينة فإن
أحضراها فلمن شهدت له وإن نكات فأوزع بينهما وإن أرخت أحد
البينتين ولم تؤرخ الأخرى ولم تحد فالمال لمن أرخت بينته وحدث إذ هو
ليس في أيديهما.
مسألة
[ صور من الدعاوي ]
__________
(1) 1- الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال في خطبته «البينة على المدعي واليمين على المدَّعي عليه» أخرجه الترمذي رقم
1341 في الأحكام باب ما جاء في أن البينة على المدعي... وإسناده ضعيف وقد
أخرجه البيهقي 10/252 من حديث ابن عباس وحسن إسناده الحافظ في الفتح. (13/115)
صفحة 1775
ومن ادعى عبداً فأنكره العبد وادعى الحرية فله القول وعلى مدعي رق البينة فإن شهدت عليه البينة بالرق هدرت حتى تشهد أنه عبده ولم يعلموا
أنه خرج من ملكه بوجه حق.
مسألة
[ استواء إقرار الذكر والأنثى ]
وإذا أقر العبد البالغ بالرق لمن ليس في يده لم يحكم به للذي ليس في
يده على الأصح ويحكم له به لمن أقر له بالملك وحكم الذكر والأنثى في
الإقرار سيان.
مسألة
[ أثر إقرار الأمة البالغة ]
وإذا أقرت الأمة البالغة بالرق ولها أولاد بالغون لم يحكم به عليهم بالرق حتى يقروا بأنفسهم بالرق كأمهم وأولادها الصغار تبع لها فإن أنكروا الرق بعد بلوغ لم يحكم عليهم به.
مسألة
[ إقرار القن بالرق ]
وإذا أقر القن البالغ بالرق لمن هو في يده فباعه ثم علم مشتريه أنه حر فهو حر في الحكم وحكم على العبد بالثمن لمشتريه لأنه غرة.
مسألة
[ أثر السكوت في البيع ]
ومن أتى بعبد بالغ فباعه وهو ساكت لا يقر ولا يغير فهو في الحكم حر وليس عليه لمشتريه شيء وعلى البائع رد الثمن الذي أخذه إذا صح أنه حر.
مسألة
[ أثر عدد الشهود ]
ومن ادعى دعوى وأقام عليها أربعة شهداء وأقام خصمه شاهدين حكم به لمن تحت شهوده وقول إن الشاهدين الأربعة سيان وقول يوزع على عدد رؤوس الشهود إذا استووا في العدالة.
مسألة
[ أثر القسم والصلح ]
والقسم والصلح ضرب من الحق جاريان مجرى القياض والبيع وهو
إزالة مال بمال فيقع موقع القياض والبيع ويدخله من الجهالة ما يدخلها وهو فيما التبس من الأمور.
مسألة
[ ترديد الخصوم إلى الصلح ]
ولا بأس على القاضي في مطل القضاء ما لم يتضح له الحق قال عمر ورددوا الخصوم إلى الصلح لأن الأحكام تورث بينهم الضغائن والإحن(1).
مسألة
[ نقض الصلح ]
وإذا اصطلح الخصمان فافترقا فأشهد أحدهما بنقض الصلح فلما علم خصمه نقض أيضاً من يومه فإن اجتمعا على ذلك جاز النقض وإن نقض أحدهما وأتم الآخر فالله أعلم.
مسألة
__________
(1) 1- من رسالته لأبي موسى الأشعري. (13/116)
صفحة 1776
[ أثر العثور على البينة على الصلح ]
ومن ادعى على أحد حقاً فأنكره فصالحه ثم أصاب بينة على حقه فله النقض ويرد عليهم ما صالحوه عليه ولهم أيضاً مثل ذلك.
مسألة
[ متى يجوز للقاضي دعوة الخصوم للصلح ]
وليس للقاضي إذا صح له القضاء أن يصلح بين الخصوم عند قطع الحكم لأن ذلك يقع موقع التوهين على إنفاذ الحق وإنما يجعل على ذلك ثقة ولا
يتكلم القاضي في ذلك بشيء.
مسألة
[ الصلح في المجهولات ]
واختلفوا في الصلح في المجهولات ما لم ينقضه أحدهما والنقض جائز
لمن جهل ذلك منهما والصلح على الرموم ضعيف.
مسألة
[ نقض الصلح ]
والصلح على الذي لا رجعة فيه هو أن يقول الخصم لخصمه قد
أصلحتك على كذا وكذا درهم وما اصطلحا عليه من نوع ويقيل الآخر ويقول: قد أبرئت إليك من هذا المال الذي ادعيته عليك ثبت ولا نقض فيه
إذا كان عالماً به والمدعى عليه مقربه ولا يثبت الصلح على الإنكار ولمن أراد النقض له النقض من المصطلحين.
مسألة
[ الصلح على الحصص بين الشركاء ]
وإذا كان الشيء مشتركاً بين شريكين فادعى فيه ثالث بدعواه فصالحه أحد الشريكين ففيه قولان قول: أن الصلح باطل لأنه صالح على مشترك
وقول يمضي في حصته بنفسه الحجة أن الصلح كالبيع وأنه لو باع مالاً
مشتركاً بطل بيعه وقول: يثبت في حصته ولا يثبت في حصة شريكه.
مسألة
[ الصلح على التراضي ]
وإذا تداعيا اثنان في حق يجب عليهما فيه الحبس لجنسهما فاصطلحا في الجنس وأشهدوا على أنفسهما إلا أنهما لا ينقضاه وأبري كل منهما خصمه فلمن أراد النقض منهما النقض فله والصلح في الحبس لأن المحبوس مقهور والصلح على التراض.
مسألة
[ الإقرار في الحبس ]
ولا يثبت الإقرار في الحبس إلا أن يقر به قبل ولوجه في الحبس أو بعد خروجه منه ويجوز للحاكم أن يأمر بالصلح ولو في مجلس الحكم ولا يجبر
على ذلك وأما سعيد بن قريش فلم يجز ذلك للحاكم في مجلس حكمه.
مسألة
[ تلقين الخصم حجته ] (13/117)
صفحة 1777
قال محمد بن محبوب رحمه الله: إن يلقن الخصم حجته ويفتح له
حجته يتقوى بها بالحق إذا كان ثقة وقول: ليس له ذلك كان الخصم ثقة أو غير ثقة وقول: له ولا عليه، وقول: له وعليه وأما سوى: الحاكم فله ذلك:
في غير مجلس الحكم وله الشرط في إجازة ذلك أن يكون الخصم محقاً في
دعواه عامياً بحجته وخاف أن يلزمه المكتنه ما ليس عليه أو يؤخذ منه ما هو
له على نية النصرة له والمعونة على البر والتقوى.
مسألة
[ حكم شهادة القاضي للخصم ]
وقيل: تحاكم خصمان إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستشهده أحدهما فأبى فقال: إن شئتما حكمت بينكما ولم أشهد وإن شئتما
شهدت ويحكم غيري بينكما.
مسألة
[ حكم شهادة الحاكم ]
وتجوز شهادة الحاكم وحده فيما حكم به ما كان حكماً وإن عزل حتى يكون عدلين وإذا وجبت الألية على الخصمين وكان الحاكم يعلم منها
التحري على الحلف بالباطل فليس له تحليفه ويأمرهما بتقوى الله ويردهما
إلى سواه من الحكام.
مسألة
[ البينة أولى من قول الحاكم ]
عن محمد بن محبوب: وإذا شهد العدلان أنه قضى لزيد على عمرو
بألف درهم وقال الحاكم: بل قضيت على زيد لعمرو فقول: إن البينة أولى
من قول الحاكم كان في حكمه أو عزل.
مسألة
[ شهادة الحاكم على القتل ]
وإذا طلع الحاكم على قتل أو كان قد علم قيل إن بلي الحكم بينهم فلا يحكم بينهم بنفسه ويردهم إلى غيره وهو رأي محمد بن محبوب.
مسألة
[ الشهادة بعد العزل ]
وإذا شهد القاضي بعد عزله أنه قضى بكذا هدرت شهادته إلا أن يكون
معه عدل غيره وتجوز الشهادة على حكم الحاكم إذا تشهدوا أنهم حضروا مجلسه وحكم بكذا.
مسألة
[ إقرار الخصم لخصمه ]
وإذا أقر الخصم لخصمه عند الحاكم في غيبة خصمه فلما حضر أنكر فإن كان إقراره في موضع الحكم ثبت عليه وحكم عليه بتسليمه.
مسألة
[ حكم الإقرار وهو مستتر ] (13/118)
صفحة 1778
ومن أقر عند الحاكم لخصمه وهو مستتر حين الإقرار فليس للحاكم أن يأخذه بإقراره حتى ينظر فاه إذا وافاه بإقرار حين يقر ويدعي.
مسألة
[ العفو عن حق النفس ]
وإذا لم يطلب الخصم مدرة وحضر خصمه بلا أمر الحاكم فأبى خصمه موافاته فلا عقوبة عليه ولا حبس على الموافاة وأما إن أعطاه مدرة الحاكم وأشهد على ذلك فأبى عن الموافات من غير عذر عاقبه الحاكم بما يستحق
وإذا أتى الخصم الموافى بعد أن أعطي فوجبت عقوبته فعفا عنه خصمه فلا عفو له فيما لله وله العفو عن حق نفسه.
مسألة
[ إنكار الخصم المدرة ]
وإذا أعطى الخصم خصمه مدرة ليوافيه فلم يوافه وأنكر المدرة وأراد خصمه يمينه فلا يمين عليه لأنه لم يتعلق في هذا حق للرافع إلا أن يشهد
عدلان أنه أعطاه مدرة الحاكم جاز حبسه.
مسألة
[ كتاب الحاكم للحاكم ]
ومن ناء عن دار الحاكم فطلب خصمه موافاته فلا يجاب إلى ذلك وإنما يكتب هذا الحاكم لحاكم بلد الخصم أن يجمع بينهما ويسمع دعويهما فإن أنفذ ذلك الحاكم الحكم بينهما وإلا رفعهما إليه وإذا كان الدار لا حاكم بها رفعاً إلى جماعة المسلمين من تلك الدار.
مسألة
[ لا تكليف فوق الطاقة ]
وإذا رفع الخصم على ذي وصب أو نصب لا يستطيع موافاة الحاكم لا تكليف عليه فيما لا يطيق كما لا يكلف من أداء الفرائض مالا يطيق فإن
صح عليه حق للطالب فسأل أن يحجر عليه من نشبه بقدر حصته جاز
خوف الحوادث.
مسألة
[ التوكيل في الدعوى ]
ولذي الوصب أن يوكل من يقوم مقامه فيما يدعيه أو يدعيا عليه
وكذلك محجوب البصر وإذا كانت الدعاوي ممن تفوت سارع الحاكم في إنفاذها كالقتل والضرب ونحوهما وأما مثل الديون والمنازعات والشفع في المشتركات والكسوة في النفقات ونحوهما من المحاكمات فهذا إذا رفع
للحاكم أعطي الخصم مدرة يريه إياها ويشهد على ذلك بينة.
مسألة
[ إعطاء ذي الصبوة مدرة ]
وقيل: يجوز إعطاء ذي الصبوة مدرة لموافاة خصمه له ويتركها في (13/119)
صفحة 1779
الأرض ولا يقبضها له في يده وقيل: لا يجوز لمن أخذ مدرة لخصمه أن يوافي
بها لسوى من أرادها له ولا يرسلها الخصم بيد غيره وفي الإرسال اختلاف.
مسألة
[ الطلب بالرفع للقضاء ]
وإذا طلب الخصمان إلى الوالي أن يرفعهما إلى القاضي والوالي الكبير
فلهم ذلك وكذلك إلى الوالي الذي ولاه وأما إلى سوى من ولاه أو القاضي
أو الإمام فلا وقيل: كان رجل من صحارى ادعى على أحد من توام(1) له
حقاً فكتب والي صحار إلى توأم أن يرفعه إليه فأبى وقيل: إذا أراد المحكوم
عليه الرفعان حقاً إلى القاضي أو الإمام فله ذلك وأما الطالب فلا.
مسألة
[ تسليم المطلوب للحاكم ]
وإذا كان الطالب من بلد السير والمطلوب من نزوى(2) وعنده صحة أو بينة بالسر فعلى رب الحق أن يأخذ كتاباً من الإمام إلى عامل السر يسمع ويعرف الإمام بما صح عنده ويأخذه بما يجب عليه.
مسألة
[ عدم نقل رفع القضية ]
وإذا كان الحاكم يحكم بالعدل فليس للخصم أن يطلب الرفعان إلى
غيره وللوالي الكبير أن يرفع أرباب الأحداث القضية من قتل أو كلوم أو
ضرب أو سرق أو نحو ذلك إلى موضعه ويحبسهم في حبسه إلا الحقوق
فإن أربابها يحبسون في مواضعهم.
مسألة
[ أين حبس النساء ]
ولا يحبسن النساء إلا في دورهن إلا في الأمور العظام وتقبل منهم الوكالات في الأحكام.
مسألة
[ أثر العجز عن حمل البينة ]
وإذا عنت خصماً مخاصمة في غير داره وكان الشهود الذين يشهدون
عليه في غير داره وعجز خصمه عن حمل البينة خيره الحاكم بين الخروج لاستماع البينة عليه أو يأمر الحاكم من سمع عليه البينة فيحكم عليه بما
اختار وهو رأي أبي علي.
مسألة
[ دعوى المرأة على بعلها ]
__________
(1) 1- توأم: تطلق على واحة البريمي وحتى الآن هناك مستشفى تابع للإمارات العربية باسم
مستشفى توأم.
(2) 1- نزوى: عاصمة عُمان في فترات متعددة وهي بيضة الإسلام وهي في داخلية عُمان.
سبق ذكرها. (13/120)
صفحة 1780
وإذا ثبتت لامرأة على بعلها فريضة وحضر الرجل وعنده امرأة أنها هي المستحقة للفريضة ولم يعرفها الحاكم فليس للحاكم قبول قولها لأنها مدعية لنفسها إلا أن يعرفها الحاكم بالبينة أنها هي التي ثبت لها الحق.
مسألة
[ إقرار البعل بالنفقة ]
وأما إذا أقر البعل أنها هي التي تثبت لها الفريضة ثبت إقراره عليه لها
وقوله دعوى إذا ثبت الحق لسواه وهو متعلق بذمته في الأحكام.
مسألة
[ جواز إقرارها بما قبضت ]
وروي أن بعضاً قال إذا عرفها الحاكم بالشخص أنه هو الذي ثبتت له
هذه الفريضة على هذا فالحاكم يثبت لها حقها ويجيز لها إقرارها بما قبضت
من غير قطع.
مسألة
[ أثر عدم التحقق من الدعوى والمتهم ]
ومن باع لمشتر شيئاً فاشتبه عليه المشتري من غيره فليس له تحقيق
الدعوى على أحدهما حتى يعلم خصمه علماً لا شك فيه وله عليهم اليمين
إن رامها على رسم الدعوى.
مسألة
[ أثر وقف الحاكم المال ]
وإذا وقف الحاكم مالاً حتى يحضر عليه البينة فلا ينبغي لأحد أن يشتريه ولا شيئاً منه ولا يتعرض لمخالفة حكم الحاكم في شيء.
مسألة
[ صور من البيع والإقرار والادعاء ]
ومن باع عبداً جلبه من دار نائية ثم قدم من تلك الدار قادم يدعيه
حضرها الحاكم المدعي والمدعى عليه البينة فهرب رد العبد بالعبد فباعه فأقر بيعه وقبض ثمنه وهو غير متهم فسأله الوالي عن هربه فقال: لما علمت
برسولك هربت فلا نرى عليه حبساً وعلى مدعي العبد طلبه لا على الوالي وأما إن كان من بيده متهماً وخيف هربه بالعبد من قبل أن يحضر عليه
الطالب البينة لم أر بأساً بحبسه وينزع العبد من يده إلى ثقة حتى تحضر بينة الطالب وإن أشهد للطالب عدل واحدٍ في يد غيره فطلب توفيق المال إلى أن الشاهد الآخر ضرب له الحاكم أجلاً ووقف المال وقيل: لا يكون الوقف
إلا بشاهدين وقيل: إذا شهد العدلان وكان الحاكم في السؤال عن
الشاهدين وقف المال حتى يعرف عدالتهما.
مسألة
[ أثر توقيف الخصم ] (13/121)
صفحة 1781
وإذا وقف الحاكم شيئاً يحتاج لرؤية وكان توقيفه في غير يد الخصمين أخذهما الحاكم بالنفقة والرزية له معاً إلا أن يقر أحدهما به لخصمه ومن
صح له فمئونته عليه وإن لهما فعليهما وأما إن وقف فيما يجب توقيفه في
يد أحد الخصمين فمئونته على من وقف في يده فإن حكم به لخصمه رد
عليه ما سلمه.
مسألة
[ صور من ادعاء الرهن ]
ومن ادعى شيئاً له عند أحد فأقر المدعى عليه وادعى أنه رهن معه في حق سماه فالشيء لربه وعلى مدعي الرهن البينة وقول: إن القول قول من بيده الشيء إلى ثمنه والأول أصح.
مسألة
[ لا يلزم إلا بما أقر ]
وإذا ادعى خصمان على خصم حقاً فلما سأله الحاكم بأخذه حتى يصح عليه وإن أقر بشيء فليس عليه إلا ما أقر به.
مسألة
[ ادعاء الرق لا يؤخذ به ]
ومن اشترى من أحد شيئاً فلما طولب بالثمن ادعى أنه رق فلا يقبل قوله ويؤخذ بما عليه إلى أن يتضح بالبينة العادلة وكذلك سائر الجنايات.
مسألة
[ صور من الادعاء ]
ومن ادعى رهناً في يد أحد فأنكره خصمه وادعى أنها وديعة وقد سلمها له فإن البينة على من ادعى الوديعة وبينهما الأيمان.
مسألة
[ صور من الإقرار ]
ومن ادعى على أحد دعوى مع الحاكم فأقر له خصمه أخذ الحاكم بما
أقر ثم أنكر بعد الإقرار ورام إلية خصمه فليس له ذلك لأنه صدقه بما ادعى وأما من شهدت عليه البينة بحق عند الحاكم فأنكر هو عليه الحاكم بتسليم
المال وله اليمين على خصمه إذا أرادها هذا إذا لم يقبل البينة وقبلها عليه
الحاكم وأما إن قبلها فهي له كإقراره.
مسألة
[ صور من الادعاء ]
ومن ادعى حقاً على أحد حالاً فأقر له به خصمه وادعاه آجلاً فإن الحق حال وعلى مدعي الآجل البينة وبينهما الأيمان.
مسألة
[ صور من نزع الميراث ]
وإذا ورث أحد من هالك ميراثاً ثم صح له وارث غيره أولى بالميراث منه نزع من يده إلى مستحقه.
مسألة
[ صور من الإقرار ] (13/122)
صفحة 1782
الكتاب: الكوكب الدري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] وإذا أقر مقر لأحد أن فلان وضع عندي كذا وأمرني بدفعه إليك ثم إني دفعه فحاكمه فلا يجوز للحاكم جبره بالدفع وله أن يأمره بلا جبر فإن رفعه باختياره فسبيل ذلك.
مسألة
[ صور من الاستثناء في الإقرار ]
ومن ادعى على أحد ألف درهم فأقر له بالألف إلا خمسين درهماً فإن وصل الاستثناء بالكلام فله مثنوية وإن أقر بالحق وادعى التسليم دعي بالبينة
ومن ادعى على أحد عروضاً فأنكره وأقر له بدراهم فطلبها منه فأنكر أيضاً الدراهم أخذ بما أقر ولا يقبل إنكار بعد الإقرار.
مسألة
[ الاتفاق على الإقرار ]
ومن ادعى على أحد أنه سرق له شيئاً فقال المدعى عليه لي عليه فادفع لي حقي رددت عليه شيئه فإن تما على الإقرار تم وإن رجعا فلهما الرجعة حتى يقرا أمراً صحيحاً لبعضهما برأيهما.
مسألة
[ ادعاء المال قراضاً ]
ومن ادعى على أحد مالاً قرضاً فأقر المدعى عليه وادعى أنه قبضه مضاربة فهو مدع للمضاربة أو فضل بين الإقرار والدعوى وإن قال أنه قبض منه هذا المال مضاربة في نسم قبل قوله وعلى مدعي القرض البينة الحجة في الفرق بين الإقرار وبين الآخر أن إقراره الأول لما فضله ثبت عليه الحق
ودعواه المضاربة دعوى والثاني لم يقر شيء يجب عليه الضمان وإنما أقر
بمضاربة وهو أمين.
مسألة
[ صور من الاختلاف بين المتبايعين ]
ومن باع مالاً فأشهد أنه قد استوفى ثمنه وهو لم يستوفه فطالب به
المشتري فأنكره فعن أبي الحوري أن على المشتري الإلية بالوفاء وإن لم يكن
مع المشتري بينة بالوفاء فالقول قول البائع.
مسألة
[ إقرار المدعى عليه ]
ومن ادعى شيئاً في يد أحد فأقر له المدعى عليه بنصفه فإن تكن له في يده بينة بالجزء الذي أقر به وإلا فمدع الكل أولى مع بينة أنه ما يعلم له فيه حقاً.
مسألة
[ أثر ضياع المقر به ] (13/123)
صفحة 1783
ومن أقر لآخر بشيء معين فتوى من غير تعمد فلا ضمان عليه وليس له أن يحول بينه وبينه ولا أن يقبضه إياه وكذلك العطية وأمثالها وإنما عليهم إعلامه وتحديده وليس عليهم تسليمه حكماً وأما البائع الشيء فعليه تسليمه لمشتريه فإنه لو لم يسلمه فتوى فهو من ماله وذاك لو توى ما لزم المعطي ولا المقر ولا الوارث شيء ما لم يحل بينه وبين مستحقه.
مسألة
[ نوع من الادعاء ]
ومن ادعى على آخر مائة درهم فأقر له بها وادعى أنه سلم منها خمسين درهماً فأقر الآخر بالتسليم وإنما ادعاه من حق غير الذي أقروا له به فهو مما
أقر له به إلا أن يصح على دعواه ببينة عادلة أنه من غير هذا الحق فله حقه.
النهج الثالث والأربعون
في الشهادات
و من يجب عليه تحملها ومن لا يجب
النهج الثالث الأربعون
في الشهادات(1)
و من يجب عليه تحملها و من لا يجب
مسألة
[ أهمية الشهادة ]
الشهادة ركن من أركان شرائع الإسلام وهي فرض كفاية فإذا قام
البعض أجزأ عن من لم يقم بها من الأنام وإن اجتمعوا على تركها كفروا
كفر نعمة لا كفر عبده الأصنام قال الله تعالى: { وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا } (2) فقال قوم بوجوبها بعد تحملها وقول: بوجوبها تحملها ولم
يختلفوا في وجوبها ولزومها قال أبو عبد الله : يسع من دعي إلى الشهادة
أن يأبى إذا وجد سواه ومع الضرورة فلا يسعه التخلف عن أبي معاوية
وأبي علي أنهما قالا على المرء أن يشهد إذا دعي كما عليه أن يؤدي إذا
تحمل قال الله تعالى: { وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ } (3) هو أن يقول لك:
لا أجعلك في حل حتى تشهد وهو يجد غيره أو يقول لكاتب مثل ذلك مع وجود غيره.
مسألة
__________
(1) 1- الشهادة: من المشاهدة والمعاينة والحضور.
اصطلاحاً: قال ابن عرفة في حدوده 2/582 قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه،
الحكم بمقتضاه إن عدل قائله مع تعدده أو حلف طالبه».
(2) 2- سورة البقرة جزء من آية (282).
(3) 3- سورة البقرة جزء من آية (282). (13/124)
صفحة 1784
[ أداء الشهادة ]
قال أبو محمد: اتفق الناس على أن الشهداء إذا دعوا إلى الشهادة لم
يسعهم الامتناع عن أدائها إلا من عذر وكذلك الكاتب إلا أن يكون
مشغولاً بمهم.
مسألة
[ صفة الكاتب ]
ولا يجوز أن يكون كاتباً إلا أن يكون عالماً بأحكام الكتابة وإن حاذر الشاهدان فوت حق من تخلفهما عن الشهادة من هلاك ذي وصب أو فوت وصية وجب عليهما تحمل الشهادة إذا تعذر وجود غيرهما.
مسألة
[ حكم أداء الشهادة ]
وإذا تحمل الشاهد الشهادة ودعي إلى تأديتها فأبى كان عاصياً بتخلفه إذا الأمة مجتمعة على وجوب فرض الأداء فإن قام بأدائها سواه لزمته التوبة لمن
من طين سواه.
مسألة
[ ما يترتب على عدم الشهادة ]
وإذا تحمل اثنان شهادة فشهد أحدهما وأبى الآخر وبطل الحق بسبب
إبائه ضمن ما توى بسبب تخلفه فإن أخذ عوضاً أدائها لزمه رده.
مسألة
[ خوف الشاهد على نفسه ]
وأما إذا حاذر الشاهد ضرراً على نفسه أو من يمون من سغب أو كسوة باشتغاله لا بأداء الشهادة كان اشتغاله بفرض نفسه أولى.
مسألة
[ حكم أخذ الأجرة على الشهادة ]
وأما إذا دفع المشهود له عوضاً للشاهد ليقيم به رمقه وليسد به خلة سغبه لزمه أداء الشهادة وجاز له أخذ الأجرة.
مسألة
[ حجة من أجاز الأجرة ]
الحجة لمن أجاز الأجرة للشاهد على أداء ما تحمل من الشهادة إجماع الناس من أن وصي اليتيم عليه حفظ ماله والقيام بمصالحه وليس له عوض
فإن عجز بالاشتغال بمصالح نفسه جاز له أخذ العوض لقوله تعالى: { وَمَنْ
كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } (1).
مسألة
[ أداء الشهادة ]
ومن أدى شهادة مرة سقط عنه الغرض وجاز له أخذ العوض ثانية وصار كالأجير الذي أجر نفسه على عمل لا يلزمه فعله مما هو طاعة لله كالحج
وغيره من الأعمال.
مسألة
[ الشك أو النسيان في الشهادة ]
وينبغي لمتحمل الشهادة أن يخبر المشهود له أنه كثير الشك
__________
(1) 1- سورة النساء آية 6. (13/125)
صفحة 1785
والنسيان فلا يتكل على شهادته فإن أشهده بعد ذلك فلا لوم عليه فما
شك فيه أو نسيه.
مسألة
[ أداء الشهادة ]
ومن لزمته شهادة فسئل أدائها أداها حذر الحوادث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني ثم الذي يليه»(1).
مسألة
[ حكم الشهادة قبل طلبها ]
ولا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يستشهد للحر البالغ الذي يعبر عن نفسه وأما لذي الصبا أو ميت أو لذي مس أو عته فهؤلاء له أن يبتدي لهم بالشهادة.
مسألة
[ إخبار الحاكم بأن عنده شهادة ]
والأصح لحامل الشهادة لمن لا يملك أمره ولا يعبر عن نفسه كمن ذكرنا إلى أن يخبر أولي الأمر أن عنده شهادة لأحد هؤلاء الذي رمقناهم فإذا أمره الحاكم بأدائها أداها ولا يبتدي بالشهادة.
مسألة
[ أثر التقية في الشهادة ]
ومن لزمته شهادة على من يتقيه فحاذر على نفسه أو نشبه وسعه كتمانها أو يعتقد أدائها إذا أمن وقول: لا يسعه والأول أصح الحجة أن هذا قول لا
فعل وإنما لا يجوز التقية في الفعل.
مسألة
[ عدم التكليف فوق الطاقة ]
وإذا كان من له الشهادة يعلم تعدي من عليه الحق فليس له أن يكلف
الشاهد أداء الشهادة عليه لأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
والمؤمنون إخوة.
مسألة
[ الشهادة مع أئمة الجور ]
واختلفوا في أداء الشهادة مع أئمة الجور فأجازها قوم وأبا جوازها
آخرون إذا لم يؤمن الجاير من الحكم بغير ما أنزل الله فإن أمن فلا بأس وله
ما عمل من خير وعليه ما عمل من شر.
مسألة
[ الشهادة على العقود الفاسدة ]
ولا يجوز الشهادة على ما يجوز من البيوع الفاسدة والنكاح المحرم
وجميع ما لا يثبته الشرع ولا يجوز للشاهد أن يشترط إن أراد أن يحملها
__________
(1) 1- أخرجه البخاري 5/191 في الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد،
وفي فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسلم رقم 2533 في فضائل الصحابة، والترمذي
رقم 3858 في المناقب باب ما جاء في فضل النبي - صلى الله عليه وسلم -. (13/126)
صفحة 1786
وإلا فلا حجة عليه فإذا كان الحكم في البلد وإن كان في غير البلد فله ذلك
إن شرط أنه لا يخرج في تأديتها.
مسألة
[ أثر تذكير الشاهد ]
وإن نسي الشاهد فذكره ولي لا يشك في قوله فلا يشهد حتى يذكر بنفسه وما يشك فيه لم يشهد فيه.
مسألة
[ أثر عدم سماع الشهادة على الحق ]
ومن أدعي للشهادة فجعل أنامله في أذنيه خوفاً أن يسمع الشهادة فإذا كان في المجلس من يقوم بها غيره فلا إثم عليه وإن بطل الحق بترك شهادته
فقد غر المشهود له ولا نأمن عليه الإثم ولا نلزمه الغرم ولم نثبت ولايته أن
لو كان ولياً لنا إلا بعد توبة وتوبة الغرم وإن لم يدع وكان في المجلس من الثلاثة فصاعداً لم يلزم هذا ما لزم من ادعى وقد أسي ولا إثم عليه ولا غرم
ولا تزول ولايته.
مسألة
[ أثر سريرة الإنسان على قبول الشهادة ]
ومن عرف للأعمال الصالحات والمسارعة بالخيرات من قول أو عمل
تولاه المسلمون وقبلوا شهادته ولو كانت سريرته مكفرة.
مسألة
[ من هو العدل ]
وفرق بعضهم بين الثقة والعدل والولي فقال قوم العدل بالذي يؤمن على الأمانات ولم يكن مصر على شيء من الجنايات مسارع لفعل الخير مجانب للشبهات مأمون على الشهادات.
مسألة
[ من هو الثقة ]
والثقة هو المأمون على حمل الشهادة التي تشهدها وإذا حدث صدق
وإذا عاهد وفاء وإذا أمن أتمن وإذا عومل أنصف عامل بالخيرات مجتنب للشهادة هذا هو الثقة وقول هو ولي.
مسألة
[ من هو الوالي ]
وأما الولي هو من عرف منه ما ذكرنا مع موافقته للمسلمين في جميع ما يستحق به الولاية فهذا تجوز شهادته في كل شيء حتى يعلم منه خلاف ذلك.
مسألة
[ الثقة عند أبو سعيد ]
قال أبو سعيد: الثقة من تظاهرت منه الأمانة وأمن الجناية ولا يسعى لمن
لا يسعه بجهل ولا علم جازت شهادته.
مسألة
[ متى ترد الشهادة ]
وإذا واقع الولي صغيرة بطلت شهادته حتى يتوب فإن أبى عن التوبة برئ منه وإذا واقع كبيرة قبل أن يشهدوا من بعد أن يشهد ثم تاب فإن شهادته (13/127)
صفحة 1787
تلك مردودة وأما فيما يستأنف فمقبولة وكذلك ولايته فيما لم يشهد فيه.
مسألة
[ من لا تجوز شهادته ]
ولا تجوز شهادة من أحدث ولايته وعدالته عن من لا يجوز شهادته ولا يجوز شهادة المتهمين على شيء من الأحكام مما لا يتم الحكم إلا به ولا
ينفذ الحكم بما انفردوا من الكتب.
مسألة
[ أصناف لا تجوز شهادتهم ]
ومن لم تجز شهادة في شهادته في شيء لم تجز عدالته فيه ولا حكمه ولا تجوز شهادة الأقلف من الرجال في شيء وتجوز شهادة الأقلف من النساء
ولا تجوز شهادة الأخرس بالإشارة والإيماء ولا تجوز شهادة ذي المس ما لم
يفق فإن فاق جازت شهادته في حال إفاقته وسلامة عقله ولا تجوز شهادة
ذي الصبوة ولا الناشئ والثمل ولا الشريك لشريكه ولا تجوز شهادة السيد لعبده ولا من ادعى إليه شيء فأقر به لغيره وهو في يده ولا تجوز شهادة من يدفع عن نفسه مغرماً أو يحولها مغنماً.
مسألة
[ شهادة الوكلاء ]
وغير جائز شهادة الوكلاء إلا لمن وكله الحاكم الذي يتم أو ضارب أو ذي عته أو أخرس ومن شهد على فعل نفسه ردت شهادته إلا الحاكم فيما حكم به والوالي على ما عقد من النكاح.
مسألة
[ شهادة على الصداق ]
وتجوز شهادة بالصداق وإذا صح النكاح بشهادة غيره لا، إلا الأب لابنته ومن قذف أو شتم ثم شهد بما فعل لم تجز شهادته.
مسألة
[ شهادة الزوج على زوجته ]
وشهادة الزوج على زوجته جائزة ويتم الحد به إذا أشهد عليها بالزنا إلا أن يكون قذفها.
مسألة
[ حكم شهادة الخنثى وولد الزنا ]
ولا تجوز شهادة من لم يحسن أركان دينه كالصلاة والزكاة والتيمم
وغير ذلك والغسل من الجنابة وقد مر عليه وقت صلاة وسئل عنه ولا
تجوز شهادة الخنثى في الزنا وهو الذي فيه إلية الذكر والأنثى من عرد
وفرج وإنما شهادته شهادة امرأة في جميع الشهادات وتجوز شهادة ولد
الزنا إذا كان عدلاً.
مسألة
[ من أصناف لم تقبل شهادتهم ]
قال جابر ومسلم: لا يجوز شهادة خصم ولا سفيه ولا ذي غمر بأخيه (13/128)
صفحة 1788
ولا ذي مس ولا ذي حنة ولا تجوز شهادة قائف القاضي على الأثر ولا
تجوز الشهادة على الخصوم وتجوز لهم.
مسألة
[ حكم شهادة الشعراء ]
واختلفوا في شهادة الشعراء فأجازها قوم وأبا جوازها آخرون واختلفوا فيمن أخفى شهادته فتقرر خصمه فأقر له وهو لم يشهر بهما قول عليهما أن يشهدا بما سمعا وقول: لا يلزمهما ذلك.
مسألة
[ شهادة المستأجر ]
ولا تجوز شهادة الساكن فيما يسكنه من الدور كان بكراء أو غير كراء.
مسألة
[ شهادة المملوك ]
ولا شهادة المملوك ولو كان محتلماً فقيهاً مسلماً وقول: إذا كانوا
عدولاً جازت شهادتهم.
مسألة
[ أصناف لا تقبل شهادتهم ]
ولا تجوز شهادة تارك الجمعة من غير عذر ولا شهادة من لم يصل
الخمس مع الجماعة من غير عذر ولا تجوز شهادة المريب ولا العاق لوالديه
أو أحدهما ولا شهادة كاتم الزكاة ولا تجوز شهادة من وجب عليه الحج فلم يحج من غير عذر بدين بالأداء ولا يجوز شهادة المورش بين البهائم ولا من يشرف على جيرانه ولا من أكثر السكر من النبيذ ولا اللوطي ولا تجوز
شهادة المنتحي إلى سوى قومه يدعي أنه عربي وهو مولى وتجوز شهادة
اللقيط إذا كان عدلاً وتجوز شهادة الأعمى فيما يستدل عليه بالخبر كالموت والنسب والنكاح وما أشبه ذلك.
مسألة
[ حكم شهادة الأعمى ]
وإذا تحمل الأعمى شهادة وهو يبصر فأداها بعيد ذهاب بصره أجاز الحاكم شهادته إذا عرف عدالته وذلك إذا شهد بأرض أو بنخلة ووضعها بحدودها قبلت شهادته من بعد أن يشهد عدلان أن الأرض الذي يشهد بها الضرير هي هذه ولا تجوز شهادته في النسب على غير الخبر ولا تجوز على
الزنا والسرق ولو ادعى أنه تحملها قبل ذهاب بصره وكذلك جميع الحدود وتجوز شهادة الأعمى والمعتوه إذا شهدوا عن شهادتهم وهم أصحاء وتجوز شهادة الأعمى في الرضاع والنكاح والرد وجائزة شهادة النساء وحدهن
فيما لم يطلع عليه الرجال وتجوز في ذلك امرأتان عدلتان.
مسألة
[ شهادة القابلة ] (13/129)
صفحة 1789
وجائزة شهادة القابلة وحدها في الولد إذا كانت عدلة ولا تجوز
في الاستهلال والموت والذكورة والأنوثية وأجاز بعض شهادتهما
في الاستهلال(1).
مسألة
[ حكم شهادة النساء ]
ولا تجوز شهادة النساء في جميع الحدود وقيل: تجوز في الزنا خاصة
وتجوز شهادتهن في الحقوق كلها والطلاق وغير ذلك إذا كن مع الرجال.
مسألة
[ عدد النساء في الشهادة ]
وإذا شهد رجل وامرأتان على الإحصان جازت شهادتهم أو تجوز شهادة النساء في العذرة والرتق وحياة المولود وأقل ذلك امرأة حرة وقول: لا
تجوز شهادة النساء في شيء إلا أن يكن أربعاً ويروى عن بعض الفقهاء أنه أجاز شهادة امرأتين بلا رجل ويقيمهن مقام الرجلين فكما يجوز الحكم
بشهادة رجلين فكذلك يجوز بشهادة امرأتين.
مسألة
[ حكم شهادتهن في الموت ]
وإن أجمعوا لا تجوز شهادة رجل واحد إن لم يكن معه امرأتان أو رجل غيره قال أبو عبد الله: لا تجوز شهادتهن وحدهن في الموت.
مسألة
[ اختلاف شهادة القابلتين ]
وإذا كانتا قابلتان فشهدت إحداهن أن الجنين خرج حيّاً ثم مات وقالت الأخرى: خرج ميتاً فالقول لمن شهد بالحياة وشهادة النساء مع الرجال
جائزة على الأصح في الولاية والبراءة.
مسألة
[ حكم شهادة المجوسي ]
وإذا اشترى المسلم عبداً من مجوسي فادعى العبد مجوسي آخر وشهد
له مجوسيان بذلك جازت شهادتهما في العبد ويرجع المسلم على البائع
المجوسي بالثمن.
مسألة
[ أثر شهادة أهل الذمة على المسلم ]
روي عن بعض الفقهاء أن العبد لا ينزع من يد المسلم بشهادة المجوسيين وإنما يرجع المستحق للعبد بالثمن على من باعه لأنه أتلفه عليه ولا على
المسلم حجة بشهادة أهل الذمة.
مسألة
[ أثر شهادة المجوسي ]
ولو أن مجوسيّاً اشترى عبداً من مسلم فادعاه مسلم أو مجوسي
وأحضر عليه شاهدين مجوسيين فلا أجيز لهما شهادتهما لأن هذا يرجع
__________
(1) 1- جواز ذلك لأن هذا الأمر لا يطلع عليه الرجال. والاستهلال هو ثبوت حياة المولود
عند الولادة. (13/130)
صفحة 1790
معناه على المسلم.
مسألة
[ اختلاف المصلي والذمي ]
وإذا تنازع ذمي ومصل في شيء فأقام المصلي شاهدين ذميين وأقام
الذمي شاهدين مصليين فالذمي أولى به لأن بينته مسلمة والإسلام يعلو ولا يعلى عليه وقيل: يتخاصمان بعد أن يحلفا وإن كانت بينة المصلي مصلية
وبينة الذمي ذمية فهو للمصلي بلا وأما إذا لم تكن لهما بينة فالمصلي أولى
به وقيل: بينهما نصفان.
مسألة
[ أثر ادعاء إسلام الميت ]
وإذا مات الولد وأبواه وثنيان فادعيا أن ابنهما مات وثنياً وادعيا أولاده أنه مات مسلماً إذ هم مسلمون فالقول لأولاده لا ميراث منه لأبيه الوثنيين.
مسألة
[ أثر ادعاء إسلام الميت من أحد الأبناء ]
وإذا مات الميت عن ولدين متحنف ووثني فادعى كل منهما أن أباه مات على ملته وأقاموا على دعواهم بينات وأنهم لا يعلمون له وارثاً غيره حكم بميراثه للمسلمين ويصلى عليه.
مسألة
[ ادعاء الموت على الوثنية ]
وإذا صح الأب وثنياً فمات وترك ابنيه هذين فادعى كل منهما مات على ملته فالوثني أولى بميراثه حتى يصح انتقاله ومثله بالعكس وإذا اشتبه الأمران فالإسلام أولى إذا كان في دار الإسلام.
مسألة
[ أثر الاختلاف في ملة الميت على الميراث ]
وإذا مات الميت عن زوجة مسلمة وأولاد وثنيين وله أيضاً أخ مسلم فادعى كل منهما مات على دينه لامرأته وأخيه ولا شيء لأولاده.
مسألة
[ الاختلاف في ملة الميت والادعاء ]
ومن مات عن ابن وثني وابن متحنفة وأخ متحنف فادعى الأخ والابنة
أنه مات حنفيّاً وادعى ابنه الوثني أنه مات وثنياً فإنه يحكم له بالإسلام
ويصلى عليه والميراث لابنه وأخيه.
مسألة
[ ادعاء الحرية ]
وإذا مات الوثني وله ورثة وثنيون وله قينة ذمية فادعت العتق في حياته وقال الورثة: بل حررت بعد موته فإنها مدعية وعليها البينة أنها حررت قبل موته.
مسألة
[ ادعاء الزوجة النصرانية أنها أسلمت ] (13/131)
صفحة 1791
وإذا مات المسلم وله امرأة نصرانية فقالت: قد أسلمت في حياته فعليها البينة فإذا أعجزتها فلا ميراث لها أو عليهم يمين علم أعني الورثة وإن لم تقل
أنها كافرة وأسلمت وإنما ادعت الإسلام فقط قبل قولها بالميراث.
مسألة
[ إقرار المرأة بالطلاق ثم الرجعة ]
وإذا مات الزوج عن امرأة وورثة فادعى الورثة أنها بتت ثلاثاً وأنكرت هي ذلك ألزمنها البينة فإن أعجزوها حكمنا لها بالميراث وعليها البينة إن
رامها الوارث.
مسألة
[ ادعاء الطلاق ]
وإذا مات الميت عن زوجة وورثة فأقرت الزوجة أنه بتها واحدة وأنه
ردها في عدتها وأنكر الورثة المراجعة البينة على الزوجة بالمراجعة إذ هي
مقرة بالطلاق.
مسألة
[ حكم شهادة أهل الذمة ]
ولا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين لذمي ولا لمسلم وتجوز
شهادة المسلم عن الذمي للذمي وقيل: تجوز شهادة الذمي للمسلم ولا
تجوز على المسلم.
مسألة
[ شهادة المجوسي على المجوسي ]
وإذا ضرب مجوسي مجوسياً فمات قبل ثلاثة أيام وأسلم الضارب بعد
موته ثم شهد مجوسيّاً والمضروب مات مسلماً وشهد مسلماً أن المضروب
مات مجوسياً فعلى الضارب دية مسلم ولا تقبل شهادة المجوسيين عليه في
القود وإنما تقبل على إسلامه ويكون ميراثه وديته لورثته المسلمين.
مسألة
[ شهادة الشريك لشريكه ]
وشهادة الشريك لشريكه فيما هو مشاع بينهما فيها اختلاف قول: إنها جائزة وقول: لا يجوز.
مسألة
[ الشهادة على النسب ]
عن الفضل ابن الحواري: وإذا كانت بين الشريكين أمة شهد كل منهما على صاحبه أنها أخته من النسب فشهادتهما غير مقبولة حتى يشهد مع
أحدهما شاهد آخر ويكونا عدلين. (13/132)
صفحة 1792
مسألة
[ الوكالة من الزوجة لزوجها ]
قال أبو عبد الله في أربعة أنفار لهم أربع نسوة بينهن ادعى مال كل واحد منهما بالوكالة على زوجته في قسم هذا المال أو في بيعه وقبض ثمنه فلا
يجوز شهادتهم في القسم لأن كلاً منهم شهد بإتمام فعله وما دعاه أنها
وكلته في بيع مالها فإن كان حيوناً جاز فإن كان أصولاً فلا على الأصح.
مسألة
[ الشهادة بالوكالة ]
وإن شهد عدلان عند حاكم بوكالة من أحد في بيع ماله وقبض ثمنه فأجازه الحاكم للبيع فاشترى الشاهدان بالوكالة أو أحدهما من المال شيئاً فأنكرت المرأة الوكالة فلا يقبل إنكارها ولهما ما اشتريا وأما إن اشتريا قبل
أن يشهدا ثم شهدا هدرت شهادتهما والشرط إذا كان حياً باقياً في أحكامه
لم يعزل وأما إذا عزل حتى يشهد عدلان أنهما حضر هذا الحاكم وقد حكم لهذا الوكيل بهذا البيع وصحت عنده وكالته وأن عزل الحاكم فشهدا هذان وشاهداً غيره عدل جاز البيع وإلا فالبيع باطل وعلى مدعي الوكالة يمين بالله
ما وكلته في بيع ماله هذا.
مسألة
[ البيع بالوكالة ]
ومن باع مالاً بوكالة بثمن فأنكر بعضه فلا تجوز شهادة الوكيل بالبيع إلا
بشاهدين سواه وإن أقر المشتري بالشراء من الوكيل ومن ادعاه لغيره إنما
يشهد في الثمن جازت شهادته مع عدل سواه.
مسألة
[ الشهادة على الكراء ]
ومن اكترى دابة فاعتراها مهض فشهد أن فلان أحدث بها ما بها جازت شهادته إلا أن تشهد عليه البينة أنه حمل عليها غير ما أكتراها له.
مسألة
[ الشهادة على الإيجار ]
ومن استأجر داراً إلى وقت معروف فنوزع فيها ربها فشهد المقتعد بها
أنها لمن أقعده لم تقبل شهادة المقتعد في أجل انعقاده وتجوز ليسوا من أسكنه وقيل: إن شهادة الساكن لا تجوز إلا بأجر أو غير أجرة.
مسألة
[ الشهادة على عتق العبد ]
وإذا اشتركوا في العبد ثلاثة شهد اثنان على الثالث أنه أعتق حصته منه ردت شهادتهم ويمنع الشاهدان من استخدام العبد لأنهما اعترفا بحريته.
مسألة (14/1)
صفحة 1793
[ الشهادة على عزل الوكيل ]
وإذا عزل الوكيل عن الوكالة جازت شهادته لمن وكله إلا أن يكون قد
خاصم في شيء ففي شهادته اختلاف ولا تجوز شهادة وكيل ذي اليتم له
على غير فعله ولا على فعله تقدم مع الحاكم أو لم تتقدم وتجوز شهادته على غير فعله ولو لم يتقدم بها مع الحاكم.
مسألة
[ شهادة الأجير ]
وكرهوا شهادة الأجير لمن استأجره وأجازها بعض وشهادة العامل إذا
أبانه رب المال من ماله جائزة إلا ما شهد فيه وهو عامل فردت شهادته.
مسألة
[ شهادة الوكيل لوكيله ]
وإذا باع الوكيل مالاً على مشتر فأعلمه أنه لغيره وأنه أمره ببيعه ثم قدم رب المال فطلب الثمن وأنكر المشتري لم تجز شهادة الوكيل ولو أقر
المشتري أنه أعلمه أن المال لغيره.
مسألة
[ شهادة الوكيل على مشتري ]
وإذا شهد الوكيل على مشتري مال منه بصحة الوكالة بثمن المال وأنه كذا أو معه شاهد غيره جازت شهادته وأما إن شهد أنه باع له ماله بكذا لم تجز شهادته لأن يشهد على فعل نفسه.
مسألة
[ شهادة وكيل الغائب ]
وشهادة وكيل الغائب من المصر إذا لم تنله الحجة جائزة وأنزلوه منْزلة اليتيم وتنفذ عليه الأحكام وله ولو لم يكن له وكيل وله أن يخاصم عنه.
مسألة
[ الشهادة على هالك بدين ]
وإذا شهد شاهدان لشخص على هالك بدين وشهد الآخر لشاهديهما بدين عليه أيضاً فشهادة الكل للكل جائزة لأنهم لا شركة بينهم في أصل
الدين وقيل: مردودة لأنهم مشتركون في قسمة الدين والأول أصح.
مسألة
[ شهادة الأخوة بعضهم على بعض ]
وإذا شهد بعض الورثة على بعض فلا تجوز شهادتهم ولو كانوا عدولاً ومثاله إذا كانوا ثلاثة أخوة فشهد أحدهما بأخ رابع أو شهد اثنان فأنكر
الثالث ردت شهادتهما ولو كانوا عدلين.
مسألة
[ الإنكار ثم الإقرار بالشيء ]
من أنكر شيئاً ثم أقر به لم تجز شهادته فيه ومن نازع في مال ثم برئ منه وشهد أن المال لآخر جازت شهادة البائع فيما باع.
مسألة
[ الشهادة على العطية ] (14/2)
صفحة 1794
ومن أعطى عطية ونوزع فيها المعطى فشهادة المعطى للمعطى جائزة لأن المعطى لا يرجع فيما يستحق عليه على المعطي بشيء وأما البائع فيرجع عليه المشتري فيما يستحق منه بثمنه.
مسألة
[ الشهادة على الإقالة ]
وإذا اشترك ثلاثة في بضاعة فباعوها فاستقالهم المشتري فأقالوه فأنكر أحدهم الإقالة بشهادة شريكه فشهادة شريكه غير جائزة عليه قال أبو
معاوية أن شهادة المقطوع عليهم السبيل جائزة على القاطعين في القتل وأما
في شهر السلاح وأخذ المال فلا لأنهم إذا شهدوا أنهم سلبوهم وشهروا
عليهم السلاح فقد شهروا لأنفسهم.
مسألة
[ الشهادة على القتل ]
وشهادة غير أولياء المقتول جائزة في قتله واختلفوا في شهادة الوصي
على الميت بما عليه من الحقوق فأجازها بعضهم ما لم يجر لنفسه من ذلك
نفعاً وقيل لا تجوز.
مسألة
[ الشهادة على الوصية ]
قال أبو محمد: أوصى إلى اثنين بوصية فلم ينفذاها عنه فإن من علم
الوصية فلا يجوز له الشراء من مال الهالك إذا باعه الورثة ولا يشهدوا
عليهم ولا لهم فإن قضوا الوصايا جازوا ما أن باعوا لأنفسهم فلا يجوز.
مسألة
[ أثر شهادة الوصي الثالث ]
وإذا كان للهالك وصيان فلا تجوز شهادتهما بوصي ثالث لأن في ذلك منفعة لهما.
مسألة
[ شهادة اليتيم ]
ووصي ذي اليتم إذا تحمل شهادة أخبر الحاكم بها فإن أمره الحاكم
بأدائها أداها وخاصم له وجازت شهادته ومخاصمته.
مسألة
[ شهادة الوصي للميت ]
واختلفوا في شهادة الوصي للميت بعد أن يدرك ورثته ويقبضوا مالهم فقول: تجوز شهادته له وعليه وقول: لا تجوز له شهادة الحجة أن لو قبض
ذلك جاز عليهم وكان خصمان في ذلك.
مسألة
[ شهادة الطفل وشهادته للطفل ]
وإن شهد له بعض الورثة على الميت شهادة وهو طفل جازت شهادته وقول لا تجوز للطفل وتجوز للبالغ لأنه يقبض لنفسه.
مسألة
[ شهادة الوصي بالدين ] (14/3)
صفحة 1795
وإذا شهد الوصيان على دين أو وصية على هالك قبل تسليم الحق جازت شهادتهما وإن سلم الحق وشهد هدرت لأنهما يدفعان عن نفسهما الضمان
قال عزان ابن الصقر تجوز شهادة الوصي بالدين ولا تجوز على المال وقال
محمد بن جعفر: تجوز شهادته بالمال إذا قبضه غيره.
مسألة
[ شهادة الوصي بقبض الدين ]
وإذا أقر الوصي بدين على الميت فإن الحاكم لا يأذن له بالدفع إلى من شهد له بالوصية ويقيم الحاكم وصياً للميت يقبض الحق منه الذي أقر به للميت.
مسألة
[ الشهادة على الوصية ]
ومن أوصى إلى وصيين وأشهدهما بوصية جازت شهادتهما بالوصية وبطلت وصايتهما وأقام الحاكم من ينفذ له وصايا.
مسألة
[ حكم الوصية للشراة ]
ومن أوصى للشراة بوصية أو لامرأتين أو لذي عيلة فشهد منهم شاهدان بذلك جازت شهادتهما وتبطل حصتهما من الوصية وترجع لورثة الموصي شهادتهم باطلة إلا أن يشهد من كل فريق للآخر وقيل في الشراة والفقراء
أنه جائز ولا تبطل حصة الشهود لأن الفقراء والشراة ليسوا معروفة ولا
معنيين وإن شهدوا الشراة للفقراء للأقربين جاز لأنه يدخل في الشراة اسم الفقراء إذا كان الشاري فقيراً أو لا يدخل الفقراء في اسم الشراة.
النهج الرابع والأربعون
في شهادة الزور
والشهادة على الطلاق والنسب
النهج الرابع والأربعون
في شهادة الزور(1)
و الشهادة على الطلاق و النسب
مسألة
[ عِظم شهادة الزور ]
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور ورفع بها صوته(2)
__________
(1) 1- شهادة الزور: وهي الشهادة بالكذب والبهتان تقلب الباطل حق والحق باطل لصاحبها
العذاب الأليم يوم القيامة والخزي والندامة.
(2) 2- رواه البخاري 5/182 في الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور باب عقوق
الوالدين من الكبائر، ومسلم رقم 88 في الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها والترمذي
رقم 207 في البيوع باب ما جاء في التغليظ في الكذب والزور ونحوه، والنسائي
7/88، 89 في تحريم الذم باب ذكر الكبائر. (14/4)
صفحة 1796
ومن الزور قذف المحصنات وشاهد الزور لا تقبل له شهادة أبداً إلا بعد أن يتوب.
مسألة
[ خطورة شهادة الزور ]
وإذا شهد الشاهد زوراً ثم تاب وأقلع رجع قبلت شهادته فيما يستقبل
من أمره ولا تقبل شهادته فيما شهد به زوراً ولو تاب وقيل: شهادة الزور
قاتل ثلاثة قتل نفسه بالمعصية ومن شهد عليه بذهاب ماله ومن شهد له
بأكل المحظور.
مسألة
[ كيفية قبول توبة شاهد الزور ]
ولا تقبل توبة شاهد الزور حتى يغرم الحق الذي تلف بشهادته وإن ارتشى على شهادته رد ما ارتشاه وتاب لمولاه وإن أخلوه بري على الأصح.
مسألة
[ كيفية بعث شاهد الزور ]
وللحاكم جلد شاهد الزور ويطاف به ويذاع به وبذكره ويطال حبسه أو يحدث توبة وقيل: يبعث شاهد الزور يوم القيامة دالعاً لسانه كالكلب وقيل:
إن عمر بن عبد العزيز أطال حبس شاهد الزور وقيل: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجلد شاهد الزور أربعين جلدة ويحلق رأسه ويطاف به.
مسألة
[ مدى جواز ثبوت لحق بشهادة الزور ]
واختلفوا في استخراج ذي الحق حقه بشهادة الزور فأجاز ذلك بعضهم ولم يجزه آخرون ورأي أبي سعيد جواز ذلك ولا تبطل الحق الثابت بشهادة الزور وعليه التوبة من رضاه بالباطل أعني رب الحق وقيل: لا يحوز لرب
الحق أخذ حقه بشهادة الزور إلا إذا كان نفس الحق لا عوضه وإن أخذ غير عين ماله فعليه التوبة.
مسألة
[ ممن يأخذ المشهود عليه حقه؟ ]
وأما المشهود عليه زوراً وهو يعلم ذلك فقيل: إنه مخير في أخذ عوض
ماله من مال الشاهدين أو المشهود ولا نعلم اختلافاً في الأخذ من مال
المشهود له إن قدر على علانية أو سريرة.
مسألة
[ أثر شهادة الزور في الطلاق ]
وإذا شهد شاهدان أن على رجل أنه طلق عرسه ثلاثاً وهما يعلمان أنهما شهد زوراً فقضى القاضي بشهادتهما حرم عليهما نكاحهما ومثله في الأمة لأنهما يعلمان بها في الرق لسيدها.
مسألة
[ شهادة من أكل أموال الناس بالباطل ] (14/5)
صفحة 1797
ومن ادعى على حد مالا يشهد له به شاهدا زوراً فقضى له به الحاكم فلا يجوز الأكل منه لقوله تعالى: { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا
بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ } (1) الآية.
مسألة
[ أثر شهادة الزور على ضمان الحق ]
قال محمد بن محبوب: من شهد زوراً مع شاهدين سواه فحكم الحاكم بالحق بشهادتهم فلا ضمان عليه لأن الحق صح بشهادة غيره وإن حكم
بالحق بشهادته وشهادة شاهد معه ضمن نصف الحق وقيل: يضمن الكل.
مسألة
[ التقية في شهادة الزور ]
ولا تجوز التقية في شهادة الزور لأنها فعل والتقية في الأفعال غير جائزة.
مسألة
[ تأديب شاهد الزور ]
وإن شهد شاهد على رؤية هلال رمضان أو شاهدان على شوال وصح أنهما شهدوا زوراً أدبهما الحاكم على ما يراه ردعاً لهما ولسواهما.
مسألة
[ توبة شاهد الزور ]
ومن شهد بشهادة ثم صح معه أنه أخطأ أو غلط وقد حكم الحاكم بشهادته وقد مات المحكوم له والمحكوم عليه فعليه الغرم لمن حكم عليه بغلطه
أو خطئه في ماله لورثة المحكوم عليه وإن أجله رب الحق بري على قول.
مسألة
[ جواز الشهادة بما عنده من العلم ]
وشدد في الحل للمرء شيء والمربي ومن طرحت شهادته ثم تاب وأصلح ثبتت ولايته وبطلت شهادته فيما زُوِّر فيه وإن لم يحكم بشهادته ثم تاب
فلا غرم عليه.
مسألة
[ جواز الشهادة بما عنده من العلم ]
ومن رأى أحداثاً على من يملك أمره كالمساجد أو السبل جاز له أن
يشهد بما عنده من العلم وإذا صح الحدث جاز للحاكم صرفه وأخذ محدثه بزواله من خير وأمره.
مسألة
[ جواز الشهادة على ما رأى ]
وإذا تنازع خصمان في ماله وتناكرا فإن الحكم يكون في المال ويجده الشهود بحضرة الحاكم ويشهدون فيه بما عندهم من الشهادة وقيل: تجوز شهادة على الصفة التي يدرك بها المال أو معرفته وإذا أخذ أحد الشاهدين
ولم يجد الآخر بطلت الشهادة.
مسألة
[ الشهادة على الأرض ]
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 188. (14/6)
صفحة 1798
وإذا شهد الشاهدان العدلان لزيد في أرض عمر وموضع كذا
كذا من الزرع ولم يجداه في موضع ثبتت شهادتهما إذا أخذ
الأرض ووصفاها.
مسألة
[ أثر الحكم للمدعى عليه ]
وإذا اختلف المدعي والمدعى عليه حكم الحاكم بقول المدعى عليه أن الأرض التي يدعيها في الموضع الفلاني من المال واستحلفه على ذلك وكذلك إذا ادعى باسقة أو دوحة وقيل: له أوسط المواضع بلا ضرر على الخصمين.
مسألة
[ تحديد طول وعرض الأرض بالشهادة يعمل به ]
وإذا شهد العدلان بباسقة غير محدودة ولم يميزاها من المال قائماً له
بالقسط كتوزيع مشاع وأما إن حد الشاهدان الأرض طولاً وعرضاً أو نخلة معلومة وحكم الحاكم بما شهدا به.
مسألة
[ صيغة الشهادة المقبولة ]
وإذا شهد عدلان أن هذا المال لزيد يحوزه ويمنعه ويدعيه ملكاً له ولم
أعلم أنه زال عنه بوجه حق جازت شهادتهما وإن قالا: إنا نعرف هذا المال لزيد فلا تقبل شهادتهما.
مسألة
[ الحكم لمن شهدت له اليد ]
وإذا قال الشاهد: تشهد أني رأيت هذا المال في يد زيد ولم يشهدا به له فللحاكم أن يحكم لمن شهد له باليد.
مسألة
[ أثر إعمار الدار على الملكية ]
وإذا كان الزوجان في دار هي للزوجة وشهد عدلان أن البعل يعمرها ويحوزها فالدار للزوجة فلا يضرها قيامه بدارها وحوزه بمالها ليس
بحجة عليها.
مسألة
[ مما يشهد الشاهد ]
وليس للشاهد أن يشهد إلا بما علم من شراء أو إرث أو عطية أو ما أشبه ذلك.
مسألة
[ الشهادة للغائب بالملكية ]
وإذا شهد العدلان أن هذه الدار لفلان الغائب لا نعلم أنه وهبها ولا باعها والمشهود له قد مات منذ بره فالدار لورثته إلا أن يأتي مدعيها ببينة أنه باعها لهم أو وهبها لهم فإن قيل: أو ليس قد شهدوا على عيب إذا لم يعلموا
بصنيع ربها في غيبته قلنا: إنما شهدوا بما علموا فإن علم أحد بصنع الغائب فليأتي على ذلك ببينة.
مسألة
[ كيفية تقسيم الملك عند اختلاف الادعاء ] (14/7)
صفحة 1799
وإذا ادعى أربعة في مال فادعى أحدهم الكل والثاني النصف والثالث الثلثين والرابع الثلث فقسمه يخرج من خمسة عشر سهماً لمدعي الكل ستة والمدعي الثلثين أربعة والمدعي النصف ثلاثة والمدعي الثلث سهمان وقال
قوم لمدعي الكل النصف وثلث السدس والمدعي الثلثين وسدس وثلث
سدس والمدعي النصف نصف السدس.
مسألة
[ كيفية تقسيم الملك بالأسهم ]
عن أبي الحواري وأبي يحيى وأبي ميسرة إذا أقام أحد ببينة في دار أنه له كلها وأقام آخر ببينة أن له نصفها وأقام آخر بينة أن له ثلثها قال أبو يحيى: أصلها من ستة أسهم وتصح من إحدى عشر سهماً فلمدعي الكل ستة ولمدعي النصف ثلاثة والمدعي الثلث سهما وقول: تقسم من ستة وثلاثين وسهماً.
مسألة
[ أثر معارضة البينة الحقيقة بماذا يعمل ]
وإذا شهدت البينة أن فلاناً طلق زوجته وتعلم المرأة أنه لم يطلقها فلا
يحل لها أن تزوج ولو على الحاكم طلاقها إلا أن ينكح من لا يجوز له الجمع بينهما من النساء فلها أن تزوج وهو رأي أبي الحواري وقيل: لا يجوز لها التزويج حتى يجوز بأختها أو أربعاً غيرها فحينئذ يحل لها النكاح.
مسألة
[ أثر شهادة الزور على النكاح ]
وإذا علمت أن الشاهدين شهدوا زوراً فليس لها منع زوجها من غشيانها سراً.
مسألة
[ أثر نسيان الحادثة على الشهادة ]
عن أبي سعيد وأبي الحسن: وإذا شهد عدلان على رجل أنه طلق زوجته ولم يعلم هو أنه طلق أو لم يطلق فعلمه أولى من شهادة البينة فيما بينه وبين
الله ما لم يحكم عليه الحاكم بالطلاق وقيل: إن شهادة الشاهدين حجة
على ما يمكن أنه ينساه.
مسألة
[ لا يجوز كتمان الطلاق ]
ومن طلق زوجته بمحضر شاهدين فسألهما كتمان ذلك فليس لهم
كتمان ذلك وعليهما إعلام الزوجة بما شهدا فيه.
مسألة
[ متى تبطل الشهادة ]
ومن كتم شهادة علمها من زوج طلق زوجته ثلاثاً وكان يساكنها
بمحضر البينة ولم تنكر عليه البينة بطلت شهادته إلا أن يصح عذره بوجه يوجب فيه العذر.
مسألة (14/8)
صفحة 1800
[ متى تكون الرجعة في الطلاق ]
وإذا شهد عدلان على رجل أنه بت عرسه ثلاثاً ثم فرق الحاكم بينهما ثم رجعا أو أحدهما من قبل أن تنكح المرأة فإن كانت هي ادعت الطلاق عند الحاكم فقد مضى الحكم ولو رجعا وعليهما غرم ما نوى عليه بشهادتهما
وأما إذا لم تدع المرأة الطلاق فإن لم تكن نكحت فلزوجها الرجعة إليها
وتجبر على ذلك وإن تزوجت فلا رجعة لهما إذا كانا أيان الشهادة ممن
يجوز شهادته وقد مضى الحكم وألزما ما نوى على الزوج.
مسألة
[ في تحمل الشهادة ]
ولا يحل للشاهد أن يتحمل الشهادة فيما لا يثبت شرعاً من البيوت
عابل(1) يعلمهم بعدم جواز البيع وإن جهل أن الشراء غير جائز أو جهل في حدود المباع كان أبعد من ثبوت الشهادة.
مسألة
[ فيما تجوز التقية ]
وإذا جبر ذو مال على بيعه وخاف الشاهد أو رب المال على نفسيهما جاز للشاهد أن يتحمل الشهادة ولا يجوز له تأديتها لأن التقية تجوز في
القول ولا تجوز في الفعل.
مسألة
[ ادعاء تحمل الشهادة ]
ومن دعي لتحمل شهادة في أصل مال عزب عليه علم ربه إلا أن بائع المال يحوزه ويدعيه فإن كان قعوده في الدار قعود سكن أو حوزه للمال
حوز ملك فهو له وتجوز الشهادة فيه وعليه وإلا فلا.
مسألة
[ بيع المال المشترك ]
ومن باع مالاً له فيه شريك والشاهد يعلم ذلك فلا تجوز له الشهادة إلا في نصيب البائع لأن بيعه لمال غيره وكالة باطل وما احتمل حقه وبطله
فالحق أولى به حتى يصح باطله.
مسألة
[ جواز البيع والشهادة على الوصف ]
ومن أقر لآخر بماله أو باعه إياه والمال غائب وأشهد بينة بجميع حدوده
وصفاته جاز البيع وثبت وللبينة أن تشهد في الحدود على الوصف ولو لم
يقفوا على عين المال.
مسألة
[ الشهادة على العطية ]
وإذا شهد عدلان أن زيداً أعطى نشبه عمراً وشهد عدلان أنه أعطاه
__________
(1) 1- هكذا في الأصل والصواب والله أعلم: عامل يعلمهم. (14/9)
صفحة 1801
خالداً فالمال لمن سبقت له العطية إذا أرخت البينات وإن لم تؤرخ وكان أحدهما لا تثبت له العطية بالإحراز فالعطية لمن لا إحراز عليه وإذا لم تؤرخ البينات وكان عليهما الإحراز معاً واستوى التاريخ فالعطية بينهما وقيل: إن شهدت البينة قبل لمن عليه الإحراز بالعطية ولم تشهد بالعطية والإحراز فلا تثبت العطية.
مسألة
[ أثر تعارض الشهادات ]
وأشهد البينة بالولاء لأحد وشهدت بينة أخرى أن غربي فالبينة بأنه غربي أولى من بينة الولاء وبينة الحرية أولى من بينة الرق والولاء فإن قيل: فما
معنى لإعتاقه ولأصله؟ فالعتاق ما صح أنه أعتق أبوه وأجداده فولاهم من أعتقهم والصلبية مالا يعرف تشهد عن شهادة أو بإقرار في كل ذلك تجوز الشهادة عن الشهادة وشهادة الرجال والنساء.
مسألة
[ أثر الشهادة والرجوع عنها في الرضاع ]
وإذا قالت امرأة أني أرضعت فلاناً ثم ادعت أنها لم ترضعه أو كان
بالعكس جاز الزوج أو لم يجز فرق الحاكم بينهما أو لم يفرق فإن كانت
عدلة قبل قولها على حال إذا ادعت النسيان وإذا علمت من تدعي الرضاع
بين صبي وصبية نكاحهما وتراهما مجتمعين ولم تنكر حتى خلالها دهر
هدرت شهادتهما وإن رجعت قبل التفريق جاز رجوعها وأما بعد التفريق
فلا يجوز رجوعها أو ضمنت المهر للزوج.
مسألة
[ حكم شهادة القينة بالرضاع ]
وإذا شهدت قينة برضاع سيدها فلا يجب له بيعها ولا نكاحها ولا أولادها ما نسلت وقيل: يجوز بيعها ما لم يجز لنفسها بشهادتها نفعاً.
مسألة
[ أثر الجوز على الشهادة ]
وإذا نكح الرجل امرأة على نية جاز ومات جاز لمن صح له ذلك أنه أن يشهد أنها امرأة ولو لم يشهدوا عقدة النكاح.
مسألة
[ أثر التزويج على شهادة ابن لأبيه والأب لابنه ]
ويجوز شهادة الأب لابنه برضى امرأة قد تزوجها الولد إذا زوجه بها غير
أبيه وإن زوجه أبوه لم تجز شهادته في الصداق والرضى ولا تجوز في التزويج لأنه هو المزوج وهو رأي أبي الحواري وموسى بن علي ومحمد بن علي. (14/10)
صفحة 1802
مسألة
[ الشهادة على البلوغ ]
وإذا شهد عدلان مع الحاكم ببلوغ امرأة فأمر بنكاحها فلما نكحت
وجيز بها غيرت واتضح أمرها أنها لم تبلغ فلها الغير وللزوج المهر على
الشاهدين وإن علم الزوج قر وبرها فلا شيء له.
مسألة
[ كيفية الشهادة بالتحريم ]
وإذا شهد عدلان بتحريم امرأة على زوجها فلا تقبل شهادتهما حين
يفسر الحرمة ويراها الحاكم إذا شهد عدلان بأن فلان ولي فلان في تزويجها فليس لأحد الشاهدين تزويجها وهو رأي الوضاح وابن محبوب لعله إذا
شهد العدلان بأن فلاناً ولي فلانة في التزويج وكان أحد الشاهدين يريد
تزويج المرأة أن شهادتهما مردودة ولعلي صفحت المسألة الأولى سهواً
فليتأمل قارئها فيها.
مسألة
[ الشهادة على المال ]
وإذا شهدت المرأة أن لها على زوجها مائة محمدية فضة وشهدت لها
بينة أخرى أن لها خمسين محمدية فضة والحقان من صداق أو غيره إلا
أنهما من جهة واحدة حكم لها بالأكثر مع يمينها وإن ادعت الكل والحق
من جهات شتى وحلفت حكم لها به وأما إن صح تزوجها مرتين أو صح
أن هذا غير ذلك ثبت الحقا ولو كان الإقرار أنه من صداق.
مسألة
[ أثر الإقرار بأقل من الدعوى ]
وإذا ادعى أحد بألف درهم فأقر أن عليه تسعمائة درهم فأقام عليه بينة بالألف وأبطل عنه الباقي.
مسألة
[ تعارض بينة المرأة الرجل فالقول قول المرأة ]
وإذا ادعت المرأة على زوجها بألف درهم والدرهم ستة دوانيق
وأحضرت على ذلك بينة وأقر الزوج بالألف وادعى أنه عدني وأحضر على ذلك بينة فالقول قول بينة المرأة.
مسألة
[ أثر الإقرار عند الاستفهام ]
وإذا زوج رجل رجلاً واستفهمه ليشهد والحاضرون فإذا أقر عند
استفهامه له بالتزويج أنه قد رضيه وأن عليه هذا الحق لزوجته وخرج هذا
إقرار والمزوج وسواه سيان.
مسألة
[ شهادة الحضور على النكاح ]
وإذا قال المنكح يشهد عليك الجماعة والحاضرون فقد أبان نفسه منهم وإن قال نشهد عليك أنا والجماعة الحاضرون فقد دخل في الشهادة.
مسألة (14/11)
صفحة 1803
[ التحري في الشهادة على الفروج ]
إذا طلب رجل من آخر يشهده في تزويج ابنته برجل عنده فإذا علم أن له ابنه جاز له أن يشهد التزويج وإن لم يعلم بنفسه بشهادة عدلين أو بشهرة قاضية يطمئن بها قلبه فهذا مدع ولا يقبل قول مدع في أقل شيء فكيف
في إباحة الفروج.
مسألة
[ أثر تعارض البينات ]
وإذا أتى الزوج بينة بالرضى وأتت المرأة بينة بعدمه فشهود الرضى أولى قال أبو عبد الله وأبو علي: وإذا شهد عدلان على أحد بنقصان عقله وشهد عدلان بالعكس أن بينة صحة العقل أولى.
مسألة
[ من الصيغ المكروهة ]
عن أبي الحواري وإذا شهدت البينة أن فلاناً أشهدنا وهو صحيح العقل فذلك مكروه للشهود والكاتب وإنما يقولون ولا نعلم في عقله نقصاناً.
مسألة
[ صيغة الشهادة المقبولة ]
وإذا شهدت البينة أن فلاناً أشهد ولا نعلم في عقله نقصاناً ثم شهدت أخرى بنقصان عقله قبلت شهادتهم.
مسألة
[ صورة من الكاتبة ]
وإذا كتب الكاتب على صحيح جاز أن يكتب في صحة عقله.
مسألة
[ شهادة الشهرة ]
وإذا شهد عدلان على متوارثين أن أحدهما مات قبل الآخر قبلت شهادتهما ولا تقبل شهادة الشهرة في التقديم والتأخير وإذا شهد عدلان
بموت أحد وشهد عدلان بحياته فشهادة الحياة أولى ما لم يحكم الحاكم
بموته فإن حكم بموته فلا تصح حياته إلا بالعيان فالعيان أصح من البينة.
مسألة
[ بينة الحياة مقدمة على بينة الموت ]
وإذا شهد عدلان بموت أحد واعتدت زوجته ونكحت ثم شهدت بينة أخرى بحياته فبينة الحياة أولى من بينة الموت ثم بعد مدة جاء الخبر بصحة
موته وقيل: إذا شهدت البينة العدالة بموته ونكحت زوجته هدرت بينة
حياته قلت أو كثرت وشهادة الولد مع شاهد غيره بموت أبيه جائزة وتعد الزوجة بذلك ويحل لها التزويج ولا تجوز شهادته في الميراث لأنه شهد
لنفسه بالمنفعة.
مسألة
[ الأخذ بالإقرار ]
ومن شهد على نفسه بحقوق مختلفة غير متواطئة إلى الرجال مختلفة أو متفقة أحد بجمله ما أقر له.
مسألة (14/12)
صفحة 1804
[ أثر الإقرار على النفس بإقرارات متعددة ]
ومن شهد على نفسه بألف درهم إلى شهر رمضان وألف درهم إلى شعبان والحق لواحد وأراد الطالب الألفين قبل قوله لاختلاف الأجلين ومن شهد على نفسه بألف درهم لأحد إلى رمضان ثم أشهد له بألف غيره إلى
شهر رمضان من تلك السنة وأخذ واحد وبينهما الأيمان لأن الشهادة
والأجل تواطأا.
مسألة
[ أثر عدم التاريخ في الشهادة ]
ومن أشهد بألف درهم لأحد وأشهد له أيضاً بألف غيره ولم يوقت أو وقت في شهر واحد بلا تاريخ فهي ألف واحدة.
مسألة
[ الشهادة في المجالس المتعددة ]
ومن شهد جهة شهادة في مجالس شتى إذا ادعى المطلوب أنها واحد إلا
أن يشهد بالبينات باختلاف الأسباب ويبغضونه من ثمن كذا وهذا من ثمن
كذا ثبت كله.
مسألة
[ الشهادة بالمال ]
وإذا شهد عدلان لزيد على عمرو بمائة وخمسين درهماً ثبت الخمسون وبطلت المائة فإذا شهد بخمسين درهماً فضة ومائة درهم فضة ثبت الكل.
مسألة
[ إعادة الادعاء بعد ثبوت الأول ]
ومن ادعى على آخر مائة درهم وأقام عليها بينة وحكم الحاكم له بها ثم ادعى عليه مائة أخرى فأقام عليها بينة فلا تثبت هذه المائة الأخرى عليه لأنه صار برئاً مع الحاكم بتسليم المائة الأولى إلا أن يأتي ببينة على دعواه الأخرى.
مسألة
[ الاختلاف في الشهادة بين التعجيل والتأجيل ]
وإذا ادعى أحد حقاً على أحد فأقر له به إلا أنه دعاه مؤجلاً فأقام شاهدين فشهد أحدهما أنه معجل وشهد الثاني أن مؤجل فقيل إن الحق مؤجل وقيل:
معجل وتبطل الشهادة بالأجل ومن ادعى على أحد ألف درهم فشهد له
شاهد بالألف وشهد له آخر بألف وخمسمائة كانت شهادة من شهد
بالألف باطلة لأنه شهد بغير ما استشهد.
مسألة
[ الشهادة للمرأة على بعلها ]
وإذا شهد عدلان لامرأة على بعلها مائة باسقة صداقاً ثم قال أحدهما قد قبضت منه خمسين باسقة أو أبرأته منها قبل للمرأة إن شاءت تقبل شهادته (14/13)
صفحة 1805
أو تأتي ببينة تشهد لها غيره وقيل: عليه هو أن يأتي بشاهد مع الأول يشهد
له بالخمسين لأن حقها ثبت بشهادتهما والأول أصح.
مسألة
[ الشهادة على الأرض ]
وإذا شهد عدلان لأحد بطريق ما في أرض فلان أو في أرض فلان ردت شهادتهما حتى يثبتا الشهادة على أحدهما أو كلاهما فإذا شهدت البينة في
مال عمر وطريقاً في مال زيد ثبتت الشهادة ولو لم يحدوا لها لأن الطريق معروفة وإن حددها أنها طريق تابع أو طريق قائد فحسن وإن شهدت البينة
أن فلاناً كان يحوز لماله من هذا الطريق التي في مال فلان لم تجز شهادتهما
حتى يشهدا أن له طريقاً في هذا المال إلى ماله وإذا شهدت البينة أن أب هذا المال ثبت للوارث ما كان له وأما الأحداث على الطريق فقيل تثبت بموت المحدث ما لم يصح باطل الحدث.
مسألة
[ شهادة بينة بالحدث ]
وإذا شهدت البينة أنا لا نعلم هنا حدثاً قبل هذا وهو حدث قائم على الطريق فلا يزال بهذه الشهادة حتى يشهد أن فلان أحدثه متعدياً بل
هذه الشهادة.
مسألة
[ كيفية الشهادة على الحدود ]
وإذا شهد عدلان على رجل أن سرق أو أربعة أنه زنا لم يحكم
بشهادتهم لأنهم ربما يعرفون وجه ذلك وتجب للحاكم الثاني
بتفحص الشهود عن حالة الزنا والسرق فإن أتيا بأمر ثبتت عليهما الحجة أثبتها عليهما وإن شهد شاهد أن فلاناً سرق من فلان بالكوفة وشهد آخر أنه
سرق منه بالبصرة فإنه سقط عنه الحد بالشبهة وعليه رد ما سرق.
مسألة
[ أثر الخطأ في الشهادة ]
وإذا شهد عدلان على أحد أنه سرق بما يجب به القطع فقطع ثم ادعيا
على آخر وقال: لا إنا أخطأنا في الأول لظننا أنه هو ضمنا دية المقطوع ولا تقبل شهادتهم على آخر.
مسألة
[ التثبت من الشهادة ]
وإذا اختلف شهادة الشاهدين في الموضع أو ليوم أو الحوز والقيمة بطل القطع لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
مسألة
[ الشهادة على القتل العمد ] (14/14)
صفحة 1806
وإذا شهد رجل على رجل أنه قتل زيداً وشهد رجل آخر أنه أمر بقتله قتل به وإن قال أحدهم: قتله في يوم كذا في شهر كذا وشهد الآخر
بخلاف ذلك وبطلت شهادتهما لاختلافهما.
مسألة
[ أثر القرابة على الشهادة ]
وإذا ادعيا ميراث هالك مدعياً وأقام أحدهما بالبينة بإقرار الهالك أنه ابن عمه وأقام الآخر بينة بإلقاء نسبة بنسب الهالك فبينة إلقاء النسب أولى من
بينة الإقرار وقول: إن استوت البينات في الإقرار والنسب فالميراث بينهما
وإذا شهدت بينة أحد المدعيين بنسب أقرب للميت من نسب الآخر
فالميراث للأقرب ولا يجوز أن تشهد البينة أن هذا وارث فلان لا نعلم له
وارثاً غيره وإنما يشهدون بنسب الهالك والمدعي حتى يلتقيا عن حد واحد.
مسألة
[ أثر نسيان الجد في النسب وعلى الشهادة ]
عن أبي الحواري عن نبهان ابن عثمان أنه إذا نسيا الشهود الجد الذي يلتقي به النسب للهالك والمدعي بطلت شهادتهم ولو كانوا قبل الشهادة يعرفونه فإن شهد عدلان بإلقاء النسب إلى جد يجمعهما حكم الحاكم له بالميراث فإن ادعى مدع أنه أقرب نسباً من ذلك إلى الهالك وأتى ببينة رد
إليه الميراث.
مسألة
[ الشهادة على ثبوت النسب والميراث ]
وإذا ادعى مدع أن الهالك من غير القبيلة الأولى وأقام على ذلك البينة
فإذا كان الحاكم قد حكم بالنسب الأول فلا يقبل قول الآخرين ويحول
نسبه بعد أن ثبت معه وإذا شهد عدلان أن جد هذا الرجل مات وترك هذه الدار ميراثاً فلا يحكم له بها حتى يقولان أنه مات وورثه أبوا هذا وورثه.
مسألة
[ اختلاف التاريخ في الشهادة ]
وإذا أقام مدع بينة أن أباه مات يوم كذا وأنه وارثه فحكم له بالميراث ثم ادعت امرأة أن الهالك نكحها على مهر وهو كذا بعد اليوم الذي شهدت
فيه البينة بموته هدرت بينتهما ولم يحكم لها بشيء.
مسألة
[ الشهادة على أن الزوجية مستمرة ] (14/15)
صفحة 1807
وإذا ماتت امرأة وادعى رجل أنها كانت امرأته وأحضر البينة على ذلك فلا يكلف البينة أن تشهد أنها امرأته إلى أن ماتت وأنهم يشهدون أنها
زوجته ولا يعلمون أنها خرجت منه بوجه حق.
مسألة
[ أثر الشهادة على المستلحق وحده ]
وإذا مات الميت عن ثلاثة أخوة فشهد أحدهم بأخ لهم رابع فلا تقبل شهادته على إخوته ولو كان عدلاً وإنما تقبل على نفسه لأن شهادة الورثة لا تقبل شهادتهم على بعضهم بعض ولو كانوا عدولاً.
مسألة
[ أثر استلحاق أحد الورثة من نكاح السر ]
ومن كان يطأ قينته سرا وخلف أولاداً فأقر أحد الأولاد أن القينة حبلى من أبيه وأنكر سائر الورثة فشهادته جائزة عليه في حصته ولا تقبل على
إخوته إلا أن يصح التسري لها من أبيه.
مسألة
[ أثر ظهور كذب الشهادة على السماع ]
وإذا شهد عدلان عن شهادة عدلين هالكين أن فلاناً مات وأخذ وارثه
ماله وذهب له ومات ثم قدم المشهود عليه بالموت فلا غرم على الشاهدين الحيين لأنهما شهدا عن شهادة غيرهما.
مسألة
[ الشهادة على إقرار الهالك ]
وإذا شهد عدلان بإقرار الهالك أن فلاناً وارثه ولم يصح له وارث بنسب فدفع إليه المال فتوى ثم صح له وارث فلا غرم على الشاهدين لأنهما شهدا على إقرار الهالك.
النهج الخامس والأربعون
في الشهادة المعارضة
و البراءة من شيء
النهج الخامس والأربعون
في الشهادة المعارضة(1) والبراءة من شيء
مسألة
[ عدم قبول الشهادة المعارضة ]
وإذا صح البينة أن زيداً قتل عمراً فأتى المدعى عليه ببينة أن المشهود عليه أنه قاتل كان عندنا تاريخ البينة للقتل هو في دار كذا نائباً عن الدار التي فيها القتل فلا تقبل لأنها معارضة.
مسألة
[ صور من المعارضة للشهادة ]
__________
(1) 1- الشهادة المعارضة: هي الشهادة التي وجد دليل يثبت عدم صحتها أو تحققها
كالشهادة على القاتل أنه ساعة القتل لم يكن في مكان الحادث وهذا يثبت عدم
تحقق الشهادة. (14/16)
صفحة 1808
وإذا أقام الولد عدلين أن أباه مات يوم كذا ثم أقام آخر بينة أن فلاناً الهالك أبوه وأنه مات يوم كذا قبل تاريخ أولئك أو بعده فالميراث لمن
شهدت بينته أولاً والثانية معارضة وإذا أقام الولد بينة أن أباه أعطاه عطية فأحرزها وأقام الورثة بينة أن أباهم لم يزل يأكل هذا المال ويتصرف فيه فلا
تقبل شهادة الورثة لأنها معارضة وإذا شهد عدلان بحق على أحد فأتى
المشهود عليه بأربعة شهداء أن هذان الشاهدان المذكوران شهدا ميناً وزوراً
فلا تقبل شهادتهم أو هي معارضة وقد ثبتت شهادة العدلين.
مسألة
[ متى يضمن الشاهد التلف ]
وروي عن بعض الفقهاء أنها لا تقبل الشهادة على المشهود عليه بالباطل فإن أمضى الحاكم شهادتهما ضمنا ما تلف بشهادتهما وإن لم يمض الحكم بطلت شهادتهما وتقبل شهادة العدلين عليهما.
مسألة
[ صورة من الشهادة المعارضة في الزواج ]
وإذا شهد عدلان بموت ضارب قد جاب مرتاً أو صرى بما وزع نشبه ونكحت عرسه ثم شهد عدلان بحياته أن شهدتهما معارضة مردودة وهذا
رأي أبي سعيد عن أبي محمد وإذا شهد وليان على ولي لهما أنه بخع نفساً
فإن كانت شهادتهما محتملة للحالين قبلت وليس له ترك ولايتهما وعلى
الحاكم أن يقيده بشهادتهما وأما إذا تنافت شهادة الشاهدين لم يجز
للحاكم قبولها ويولي الحكم غيره.
مسألة
[ تعارض الشهادات ]
وإذا شهد عدلان أنهما رأيا فلاناً يوم النحر بمكة وشهد عدلان أنهما
رأياه يوم النحر في تلك السنة بعمان فهدرت شهادة الآخرين وأقيد به وأما
إذا صحت الشهادة في يوم واحد فشهادة الموت أولى وإذا شهد عدلان
بموت رجل يوم الغراق وشهد آخران أنه نكح في ذلك اليوم فلانة وأتت منه بهذا الولد فلا تقبل بينة المرأة ولا الولد وأما إذا جاء المشهود عليه بالموت حيّاً وصح مين الشاهدين بإقرارهما قتلا بمن قتل بشهادتهما وردت على
ورثتهما دية رجل واحد وقيل: يقتلان ولا رد على ورثتهما وإن قالوا: شبه
لنا لزمتهم الدية.
مسألة (14/17)
صفحة 1809
[ من صور المعارضة وأثرها على الميراث ]
وإذا ادعى مدعيان عند الحاكم كل واحد منهما مارق الآخر وأحضر
كل واحد منهما على دعواه بينة فإذا أمضى الحاكم الحكم على أحدهما لم تقبل بينة الآخر لأنها معارضة وإذا ادعت امرأة ميراثاً من أبيها وأحضرت عدلين أنه أبوها هذا الهالك وأقام الورثة بينة أن أباها الهالك نتجها من قينة
أمّه فلا تقبل شهادتهما إذ هي معارضة ولها ميراثها من ماله.
مسألة
[ الولد للفراش وللعاهر الحجر ]
وأما إن شهدت البينة أنها أنتجت من أمه وكان لهذه الأمة زوج غيره فلا يلحقها نسبها والولد للفراش وللعاهر الحجر.
مسألة
[ عطية المريض ]
ومن أبري من حق له عند موته برأي المطلوب وإن أعطاه فالعطية عند الموت ضعيفة قال أبو المؤثر: إن قال قد أبرأته منه فهذا ترك له وعطية ولا
تجوز عطية المريض ولا تركه(1).
مسألة
[ دين المريض وإبراءه للغير ]
وذو الوصب إذا كان عليه دين يستغرق سبده ولبده فبري من ماله لأحد وقال: مالي لفلان لا حق لي فيه فإن اتهم في ذلك فلا أقوى على إثبات ما
قال وإن صح الاحتمال إن قبله له حقاً ببعض الأسباب فهو أولى بماله.
مسألة
[ نكاح المريض مرض الموت ]
عن الأزهر بن محمد بن جعفر: من نكح مملوكة فأولدها فلما أن نزعه تبري إلى أولاده منها بشيء من ماله فإن كان كنحو ما يشترون به دفع في أثمانهم وإن ذهبوا في الرق رجع ما أوصى به لهم لورثة الموصي وقيل: إن
البراءة لا تثبت إلا بالإحراز وهي كالعطية وعطية المريض غير جائز.
مسألة
[ تفويض في توزيع المال ورجوعه عن ذلك ]
__________
(1) 1- المريض ينقسم إلى قسمين مرض لا يعدم المسؤولية وهو المرض الخفيف مثل الرشح
الصداع... ومرض يعدم المسؤولية وهي الأمراض الخطيرة مثل السرطان والسل
والإيدز فهذا القسم يجعل المريض محجور عليه في تصرفاته المالية وذلك لمصلحة
الورثة. والله أعلم. (14/18)
صفحة 1810
ومن دفع لآخر مالاً وتبرى إليه منه أو أحله منه أو قال: بعه كيف شئت ووزع ثمنه على الفقراء ثم رجع يطلبه فإن رجع قبل أن يصل الفقراء فهو مردود وإن ادعى توزيعه على الفقراء قبل قوله.
مسألة
[ صور من البراءة ]
عن أبي سعيد فإن باعه ولم يفرق ثمنه رد عليه الثمن ومن له حق على
أحد فقال المطلوب للطالب: أبرني منه قال: قد أبرأت إليك مما عليك لي
فليس ذلك براءة وإن قال: قد أبرأتك منه وقبل منه صح البرآن ومن كان
بينة وبين أحد مشاركة في مال مما هو ليس متعلقاً في ذمته فأبرأه منه لم يكن ذلك برآناً وإن قال: قد برئت إليك من ذلك كان برآناً جائزاً إذا أحرزه
عليه لأنه يقوم مقام العطية.
مسألة
[ صورة من شهادة النسب ]
وإذا شهد أحد من أهل الدم أنه لبني فلان وكان عدلاً قبلت شهادته ويلقي سهمه من الدم وقيل: لا تقبل شهادته فيه.
مسألة
[ الوصية للأقربين ]
ومن أوصى لأقربيه بوصية أبهمها فشهد عليه عدلان منهم بعينها
حسبت الوصية فإن نالتها بطلت أصلاً وإن لم تنلها ثبتت لسواهما من
الأقربين وإذا شهد أحد الورثة بحق على هالكهم ثبتت في حصة الشاهد شهادته وقال موسى بن علي: تثبت في مال الهالك على حصص الكل إذا
كان الشاهدان عدلين.
مسألة
[ الشهادة على الوصية ]
وإذا شهدت عدلان فلاناً أوصى لفلان يوم الخميس بوصية وشهد عدل أنه أوصى له بها يوم الجمعة تثبت لأن الوصية لفظ لا عمل وإن شهد عدلان على وصية فشهد أحدهما أنه أوصى له بها بالكوفة وشهد الآخر أنه أوصى
له بها بمكة تثبت الوصية لمن أوصى له بها.
مسألة
[ حكم شهادة الوالد لولده ]
واختلفوا في شهادة الوالد لولده على ولد الآخر فأبى جوازها بعض
الفقهاء وأجازها آخرون وهو الأصح.
مسألة
[ من صور الشهادة ]
وشهادة الأب لابنه فيما لا يجوز له في حياته يجوز له بعد وفاته إذا
شهد له عنه عدلان بعد موته لأنه لا يجر لنفسه بها منفعة هذا إذا لم يكن (14/19)
صفحة 1811
شهد بها في حياته فردت إليه وإن ردت في الحياة بطلت في الحياة وبعد
الموت ويجوز في حكم الأب لابنه فيما زاله الابن لغيره وتجوز شهادته له في
تثبته له في الأصل إلا ما يلزم الابن فيه الضمان فلا تجوز شهادته له فيه.
مسألة
[ فيما تجوز شهادة الوالد لولده ]
وتجوز شهادة الوالد لولده في النكاح والرضاع ورضى المرأة والحدود والقصاص ولا تجوز شهادته له فيما يأخذ به الدية ويجوز تعديله لولده
ولبنية ولده.
مسألة
[ حكم تعديل الأب لولده ]
ولا تجوز حكمه وتعديله لولده في جميع ما لا تجوز له فيه الشهادة
وذلك في كل ما جر بشهادته مغنماً ويربح فيه مغنماً.
مسألة
[ تعديل الولد لأبيه وأمه ]
ويجوز حكم الولد لأمه وأبيه وتعديله لها بينتهما في كل شيء وقد
أجاز الإمام المهنا بن جيفر شهادة محمد بن زائدة على ولده وقيل: شهادة غدانة لابنته.
مسألة
[ رأي جابر بن زيد في شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول ]
عن جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع أنهم أجازوا شهادة الوالد لولده
على ولده وشهادة الولد لأبويه وإخوته وأخواته وجده وجدته وأخواته
وامرأته فهؤلاء تجوز شهادتهم لبعضهم بعضاً.
مسألة
[ في شهادة الوالد لولده ]
ولا تجوز شهادة الولد لوالده على من جعل ماله بصحة الحديث الوارد
عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك»(1) وعلى قول من لا يجيز الانتفاع
بشيء من ماله إلا برأيه أجاز شهادته لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل أولى بماله»(2).
مسألة
[ مسائل في الشهادة ]
وتجوز شهادة الوالد لولده في الوكالة بلا قبض مال وقيل: لا يجوز قال
أبو الحواري: تجوز إذا كان عدلاً وتجوز شهادة الأرحام لبعضهم بعضاً ولا
__________
(1) 1- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 1/399. قال أخرجه أبو داود رقم 3530،
وابن ماجة 2292، وأحمد 6678 وغيرهم.
(2) 2- معنى الحديث صحيح ولم أعثر عليه بهذا النص. (14/20)
صفحة 1812
تجوز شهادة السيد لمملوكه لأنه ماله ويروي شريحاً إجازة شهادة أب وفعل
قيل له في ذلك فقال: ومن يشهد لها سوى أبيها أو بعلها وقال أبو بكر
أحمد بن محمد بن خالد: إذا كان الولد مملوكاً أو وثنياً جازت شهادة أبيه المسلم له وتجوز شهادة الولد على قذف ولده وتجوز شهادته لابنته بالطلاق
من بعلها ولا يثبت بها لها المهر.
مسألة
[ شهادة المتلاعنين ]
عن أبي جعفر الخراساني وإذا رأى أحداً يذبح نفساً فدخل مسجداً فيه جماعة فعزب عليه علم الذابح فالوقوف عنهم أولاً ولا تجوز شهادة بعضهم
إلا أن يشهدوا معاً ويشهد معهم آخر فيعلم أن أحدهما برئ من الذابح أو يشهد منهم ثلاثة فيكون اثنان منهما بريتين قال أبو عبد الله: أحسن ما قال
أبو حفص.
مسألة
[ التأجيل في إثبات البينة ]
وأما المتلاعنان إذا اجتمعا في شهادة كانت شهادتهما شهادة امرأة على الاحتياط لأنه لا بد من مين أحدهما وقول تجوز شهادتهما على الانفراد
حذر تلف الحق وتجوز شهادة المسلمين على البغاة إذا شهد عدلان من المسلمين من حضر الحرب وقالا: إن فلاناً من الباغين قتل فلاناً من المسلمين.
مسألة
[ مدة تأجيل طلب الشيء ]
وإذا ادعى الطالب ببينة أجّل في إتيانها ويكتب له الحاكم مدة الأجل فإن تخلف لعذر وصح عليه لأن المخلوف لمحكوم وإلا أخذه الحاكم بما يجب
عليه من البينة فإن أعجزها لم يحكم له بشيء.
مسألة
[ تأجيل البينة في النكاح ]
ومن ادعى شيئاً في يد غيره أجل ما تأجل ما لم يكن أجلاً فاحشاًَ مما فيه الضرر ويؤمر المطلوب أن لا يتصرف فيه شيء حتى ينقضي الأجل
وينصري الحكم بينهما.
مسألة
[ الشهادة على نكاح المرأة ]
وإذا ادعى على رجل نكاح امرأة ورضاها فأنكرت فادعى بينة أجل بقدر ما يأتي بها فإن كانت تحت بعل لم يؤجل ولا يجاب إلى حبسها عن بعلها
إلا أن يصح العقد بعدلين فيمتنعان عنها معاً وله الأجل بقدر ما يأتي بالبينة (14/21)
صفحة 1813
فإن أعجزها هدرت حجته وأما إذا صحت العقدة للطالب قبل نكاحها فرام يمينها أنه ليس لها بعل فله ذلك فإن حلف برئت وإن ردت عليه اليمين
فحلف ثبتت عليها أحكام الزوجية وأما إذا ثبتت عليها عقدة النكاح لغيره
وقد رضيت به بعلاً لم يكن عليها للطالب يمين لأن نكاح الآخر قد ثبت
عليها ولو أقرت للأول لم يقبل قولها إلا بعدلين وإن ادعت امرأة على بعلها طلاقاً فادعت بينة أجلت بقدر إحضار بينتها من موضعها وإن ادعت أنه ممن يرد نكاحه أو بينهما حرمة سلفت من رضاع أو غيره أجلت في هذا كله
حتى تحضر بينتها.
مسألة
[ أثر العيوب بعد النكاح ]
وإذا ادعى على عرسه مساً أو خداماً أو يرد به النكاح فعليه البينة أنه كان بها قبل أن ينكحها وإنما ترد المرأة بهذه العلل قبل الجواز وكذلك لها على
البعل فإن أجاز ثبت عليه المهر.
مسألة
[ العيوب بالزوج ]
وإذا جاز الزوج به من تلك العلل شيء فالمرأة بالخيار بين الاستقامة معه وبين الخروج ولا لها من مهرها نقير ولا قنطار وقال محمد بن محبوب
لها الخيار كماله وبذا وردت الآثار ما لم يجز فإذا جاز ليس لها من
عشرته إقرار.
مسألة
[ ادعاء الزوج على الزوجة وإنكاره ]
وإذا ادعى الزوج الرتق وأنكرت الزوجة فبينهما الأيمان وليس في ذلك
بينات إلا أن يشهد عليها عدلان قد نكحها فهلا فيما خلا من الزمان أو
عرف بها ذلك في الصبا أيان لم تتعبد بالاستتار.
مسألة
[ ادعاء المرأة على الزوج ]
وإذا ادعت المرأة الطلاق على بعلها وادعت أن لها بينة عليه نائبة عزلت عن بعلها أن سمعت بينتها ولم يعرف باطل ما فاهت به وقد أجل بعض
الحكام مدعي بينة بمكة إلى قدوم الحاج وإن لم يسم بينة لم يؤجل.
مسألة
[ أثر عدم قبول البينة ]
ومن ادعى بينة لم تقبل شرعاً لم يؤجل ومن طرحت بينته والمدعي بينة أخرى أجل وقيل يؤجل من ادعى بينة ثلاثة آجال ويصري الحاكم حجته
وقال أبو عبد الله يؤجل ما ادعى بينة وإذا ادعى الخصم شهادة ممن يأتي (14/22)
صفحة 1814
إجابته إلى الوصول لأداء الشهادة وهو صحيح لم يقبل منه شاهد عن شاهد ولم يؤجل وإن أحضر بينة بعد خلو الأجل إلى ثلاثة أيام قبلت بينته.
مسألة
[ ادعاء القن التحرر ]
وإن ادعى قن التحرير من سيّده وأن له بينة أجل بقدر ما يأتي بينته ومنع سيّده من بيعه وله استخدامه بالأجرة فإن صحت دعواه، دعواه بالبينة
العادلة فله أجرته ويحاصص بمئونته وكسوته ويأخذ بما بقي ومثله الأمة فإن احتسب محتسب لذي يتم أو مس ادعته أو من لا يملك أمره وادعى على
أحد بمال أجل بقدر ذلك.
مسألة
[ الادعاء بحيازة ملك الغير ]
وإن ادعى مدع قاض على شيء في يد غيره أجل إلا أن يكون قد تلف ذلك الشيء وإن احتج في تجريح شاهد أو معدل أجل بقدر ما يحضر بينته
إذا كانت البينة قد عدلت عليه.
مسألة
[ مدة التأجيل ]
وإذا ادعى مدع نهر في قرية أو شيئاً مما لا يزول من موضعه كالقيعة
والدار والأصول أجل ما تأجل عن محمد بن محبوب وإذا ادعى أحد على
أحد حقاً وادعى بينة حبس له يوماً فإن أتى بها وإلا ترك إن لم يجد كفيلاً
ومن ادعى بينة سأل الحاكم عنها فإن كانت عدلة أجله وإلا أنفذ الحكم عليه.
مسألة
[ الحكم للبينة ]
ومن ادعى حقاً فأنكره خصمه دعي بالبينة فإن أحضرها حكم له بحقه وإن أعجزها ورام إلية خصمه حلف له فإن أحضرها بعد الإلية لم تقبل
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لك إلا ذلك لمن سأله»(1) وقيل: تسمع بينته لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة العادلة خير من اليمين الفاجر»(2).
مسألة
[ السرية في المراسلات ]
عن الربيع: إذا عرف بينته وأهدرها وحلف خصمه لم تسمع من
بعد وإن لم يعرفها ثم عرفها سمعت وقول: لا تسمع على حال إذا هدرها
وقول: تسمع على حال إذا أتى بها بعد الإلية وينبغي للحاكم أن يرسل
بمسائلة من يثق به وأن يرسلها مختومة لا يدري ما فيها إلى أن تصل
المسؤول لأن الناس قد غلب عليهم الطمع.
مسألة
__________
(1) 1- لم أعثر عليه بهذا النص.
(2) 2- سبق ذكره. (14/23)
صفحة 1815
[ ألفاظ شهادة التعديل ]
وأما لفظ التعديل هو أن يقول أن فلاناً عدلاً عندي أو ثقة لي أو ولي للمسلمين من الأولياء في الدين لأهل الحق أو هو جائز الشهادة أو لا أعلم
منه إلا خيرا وأنه من خيار المسلمين أو من أفاضلهم أو من الصالحين فبهذا أن تثبت ولايته وتجوز شهادته.
مسألة
[ صيغ من التعديل ]
وإذا قال أن فلاناً ثقة أو عدل في دينه قبلت شهادته ولم تثبت ولايته وإن قال فلان أثق به أو ائتمنه أو أمين فلا تقبل شهادته وتثبت ولايته.
مسألة
[ حكم التعديل والتزكية ]
وفي الأثر أن تزكية الشهود لم تكن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن
الصحابة وقال عمر: المسلمون عدول بعضهم على بعض وقد نهى الله عن تجسس العورات وقيل: إن المسألة عن الشهود بدعة عن محدثه إلا أنه لما
ظهرت في الناس شهادات الزور ونما فيهم العيب والفجور وأخذ أموال
الناس بالرشا وكثر فيهم الطمع وفشا أمر المسلمين بذلك طلب السلامة من المهالك والسؤال عن البينة في يوم الحاجة إليهم لا عما سبق لأن الأحوال تتقلب وتتحول فمن طرحت شهادته في شيء ثم عدل بعد ذلك جازت شهادته وقيل: لا تجوز في ذلك الحكم وتجوز في سواه ولا يقبل التعديل إلا
من معدل منصوب.
مسألة
[ حكم تعديل المرأة ]
ويقبل من الواحد كالولاية ولا تقبل البراءة إلا من عدلين وقيل: يقبل من المرأة الثقة التي تبصر ما تثبت به الولاية والبراءة إذا تعذر حصول رجل ثقة
قال محمد ابن المسبح: لا تكون المرأة معدلاً منصوباً ويجوز تعديل المرأة
للمرأة وتؤخذ الولاية من العبد الثقة إذا كان ممن يبصره ذلك ولا يجوز
تعديله كما لا تجوز شهادته وقيل : شهادته وتعديله جائزة.
مسألة
[ تعديل حامل الشهادة ]
عن محمد بن محبوب(1) أن ولاة الإمام على عدالتهم فلا سؤال عنهم
__________
(1) 1- محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي شيخ المسلمين في
عصره. سبق ذكره وترجمته في الأجزاء السابقة. (14/24)
صفحة 1816
ولو غاب أمرهم حتى يصح منهم عنهم خلاف ما ظهر ويجوز تعديل
حامل الشهادة إذا كان الحامل الشهادة عدلاً.
مسألة
[ تعديل الوكيل ]
وإذا كان الوكيل عدلاً جاز تعديله للشاهد الذي يشهد على من وكله وأما الخصم فلا تثبت على تزكية شهادة خصمه حتى يصدقه فيما شهد
عليه به وقيل يجوز تعديله عليه لأنه يخرج مخرج الإقرار.
مسألة
[ أثر تجريح الشهود ]
ولا يقام من أهل الخلاف مُعدل ولا أهل الذمة وقال موسى بن علي ومحمد بن محبوب إذا جرح الخصم الشهود بعد أن عدلوا قبل قولهم
ودعي بالبينة العادلة وأما محمد بن محبوب فلم يقبل ذلك من الخصم ومن
جرح شهود خصمه فقد ثبت عدالتهم لأنه لا يكون التجريح إلا بعد
التعديل وقول: إن التجريح يقبل قبل التعديل ولا يقبل معه. وليس على
الحاكم أن يحتج على الخصم في تجريح البينة ولا المعدلين إلا أن يطلب ذلك الخصم المشهود عليه والمعدل عليهم وإذا شهد مع الحاكم عدلان فادعى
الخصم أنهما عبدان وقف الحاكم عن إمضاء الحكم بشهادتهما فإن صح
دعوى الخصم ردت شهادتهما على الأرجح.
مسألة
[ أثر تجريح المعدل بما تسقط عدالته ]
وإذا كان الحاكم يتولى الشاهد فجرحه خصمه أي جرح المعدل بما
تسقط به عدالته فلا يحكم بشهادته فإن وقف عنه بلا تجريح فللحاكم أن
يمضي فيه الحكم بعلمه وأما إذا رفع الخصم ولاية شاهد خصمه للحاكم والخصم ولي فإذا لم يعدله المعدل لم يحكم أيضاً بشهادته وقول: إذا ثبتت
ولايته مع الحاكم حكم بشهادته وقيل: إذا جرح المعدل الشاهد عند
الحاكم وهو يتولاه أقام الحجة على المعدل حتى يوضح له ما جرح عليه
وليس عليه السؤال عنه كانت ولايته بخبرة أو رفيعة.
مسألة
[ عدم انتقال البينة من دار إلى دار ]
وقيل: لا تحمل البينة من دار إلى دار في الدين والوكالات والوصايا
والنشب في الميراث وما أشبه ذلك وإنما تسمع في دار من عليه البينة ولو استطاع حملها وكذلك في المضار والأحداث.
مسألة
[ شهادة الإقرار على النكاح ] (14/25)
صفحة 1817
لفظ الشهادة بالإقرار على النكاح يقول: أشهد أن فلاناً تزوج فلانة تزويجاً صحيحاً وحصلت له في عقدة نكاحه ولا أعلم أنها حرمت منه
بوجه حق ولا بسبب من الأسباب.
مسألة
[ الشهادة على الطلاق ]
لفظ الشهادة على الطلاق قال: أشهد أن فلاناً طلق زوجته ثلاثاً بكلمة وبانت منه وانقطعت عصمة الزوجية بينهما ولم أعلم أنها حدوث بينهما
عقدة نكاح هذا إذا طال العهد بالطلاق.
مسألة
[ لفظ الشهادة على الوكالة ]
لفظ الشهادة على الوكالة قال: أشهد على إقرار فلان بجميع ما سمى ووصف من إقراره في هذا الكتاب من الوكالة المذكورة لفلان على
الشرائط المشروطة المثبتة ولم أعلم إبطالها بوجه حق والشهادة علم يؤديها محتملها على ما علم من حال الشهود عليه وقيل: إذا ادعى مدع مملوكاً
فأنكر المدعى عليه وشهد عدلان أنه عبده لم تقبل شهادتهما حتى يقولا:
ولا نعلم أنه خرج من ملكه ببيع ولا وجه حق.
مسألة
[ إقرار العبد بالرق ]
وإذا أقر عبد بالرق لأحد شهدت الشهود عليه بالرق بإقراره ولا
يشهدون أنه عبده قطعاً وبينهما بون.
مسألة
[ حكم أداء الشهادة بالمعنى ]
وإذا نسي الشهود اللفظ أو تيقنوا المعنى فلا يضيق عليهم أداء الشهادة بما عندهم من المعنى.
مسألة
[ الشهادة بما في الكتاب ]
وإذا شهد عدلان أن المال الذي في يد فلان حرام أو زوجته عليه حرام أو بينهما حرمة ولم تفسر البينة الحرمة لم تكن البينة في هذا حجة في الأحكام
ولا قذفه لمن شهدوا عليه ولم يكفر المشهود عليه بشهادتهم وإذا قال
الشاهد: أشهد عليك بما في هذا لكتاب فأنعم المشهود عليه جازت
شهادتهم عليه بما فيه وإن استودع الكتاب الذي فيه الشهادة ثقة جاز أن
يشهد بما فيه حتى يصح أنه غير حاله.
مسألة
[ الشهادة بما في الكتاب ]
ومن سلم إلى الشهود كتاباً فيه وصية وأشهد على ما فيه ولم يقل أنه قرأه ولا قرأ عليه وفهمه لم يشهدوا عليه حتى يقرأ ويفهم ما فيه وإن تدبر
لفظه ومعانيه.
مسألة (14/26)
صفحة 1818
[ كتابة الشهود شهادتهم ]
وإذا كتب الشهود شهادتهم بأيديهم ودفعوا الكتاب إلى ثقة وأتاهم بها وقد غاب عنهم علم بعض الشهادة فلا يشهدوا حتى يعلموا الشهادة كلها
إلا أن يكون مع الأمين ثقة غيره يشهدوا وهو رأي أبي عبد الله وقيل: لهم
أن يشهدوا وإذا بعثوا بالطرس مع ثقة وقيل: إذا عرفوا كتبهم جازت لهم الشهادة بها ولو بعث بها غير ثقة.
مسألة
[ غياب أو موت من أشهد على نفسه والشهادة عليه ]
ومن أشهد على نفسه بشهادة فغاب أو مات فيأتي الشاهدان الكاتب أن يثبت شهادتهما فقال بعضهم: لا يجوز للشهود ولا الكاتب ذلك على
حفظ شهادتهم وأما بعض الفقهاء فقد أجازوا ذلك إذا كانا لكاتب كتب
فيه لفظ ألفاظ الشهادة عليهما ولم يخرج الكتاب من معاني الشهادة التي تحملاها لأن المعاني تضمنها الكتاب.
مسألة
[ تحمل الشهادة الملحونة ]
الحجة في ذلك أن لو تحمل الشاهد الشهادة ملحونة جاز له أداءها بلفظ معرب إذا لم يخرج ذلك من المعاني وإن تحملها بجملة ألفاظ وأدها بموجز
من اللفظ يقتضي المعنى جاز وفرقوا بين القارئ والأمي فقال ابن محبوب:
إن القارئ إذا دفع إلى الشهود الكتاب وأقر أنه كتبه بيده وأشهدهم عليه
جاز وأما سواه فلم يشترط الختم فإن لم يقل أنه قرأه هو لم تجز الشهادة عليه كاتباً أو أمياً وأما الأمي فلا تجوز شهادة عليه حتى يقرأ عليه ويقر أنه سمع ما فيه إذا كان الشاهد حاضر القراءة الكتاب عليه وإذا قال المشهود: إنا نشهد عليك بما في هذا الكتاب أو بما في هذا الصك من إقرار أو وصية فأنعم جاز رأي محمد بن محبوب.
مسألة
[ أنواع من الشهادة ]
وإذا قال الشاهد أنا أشهد كشهادة فلان فبعض أجاز شهادته وأبى جوازها آخرون حتى يشهد بنفسه شهادة تواطؤ شهادة الآخر لا تختلف
بلفظ ولا معنى.
مسألة
[ حكم اجتماع الشهود أو تفريقهم ]
ولا ينبغي للحاكم أن يشهد كل شاهد على حدته بل يجمعهما (14/27)
صفحة 1819
ويستشهدهما معاً لقوله تعالى: { أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا
الْأُخْرَى } (1) إذا اجتمعا قوى بعضهما بعضاً وإذا قال الطالب: اشهدوا
علي لفلان كذا فيقول المشهود عليه: نعم شهدوا ثبت على هذا الحق لأنه
قوله ذلك تصديقاً بما ادعى عليه وإن كان الحاكم يعلم صدق الشاهدين إلا أنهما غير عدلين وشهدا معه بحق لم يجز له أن يحكم بشهادتهما ولا تبطل شهادتهما ويولى الحكم بينهما غيره.
مسألة
[ موت الشاهد أو غيابه ]
وإذا شهد مع الحاكم شاهد فمات أو غاب فادعى المشهود عليه أنه رجع عن شهادته هدر قوله إلا بعدلين.
مسألة
[ أثر قول الشاهد توهمت أو زدت ]
وإذا قال الشاهد للمشهود عليه قد فعلت كذا فسكت فقيل له قل نعم فقالها فلا تثبت عليه إلا أن يقول: نعم، قد فعلت وإذا قال الشاهد بعد أن
شهد ذكرت كذا أو توهمت أني زدت كذا قبل منه ما لم يقع الحكم فإذا
وقع منه الحكم لم يقبل منه زيادة ولا نقصان.
مسألة
[ إقرار المشهود عليه ]
وإذا قال الشهود: أشهد عليك فقال المشهود عليه: إي أو قال: بلى
ثبت عليه ما شهدوا به لأن قوله ذلك لقوله نعم لقوله تعالى: { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي } (2) وقال في موضع آخر : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } (3).
مسألة
[ سؤال الشهود عن شهادتهم ]
وإذا لم يصف الشاهد المشهود عليه بحلية يعرف بها كالقلاني أو
البرواني في النسب إلى القبيلة أو الدار فلا تثبت شهادته وإذا قال المدعى
عليه: اسأل الشهود من أين عرفوا هذا الحق على فلان يلزمه سؤالهم وإن
سألهم فلا بأس عليه ولا التباس.
النهج السادس والأربعون
في كشف الأسر
فيما خفي من الأفكار
النهج السادس والأربعون
في كشف الأسر فيما خفي من الأفكار
مسألة
__________
(1) 1- جزء من آية 282 سورة البقرة.
(2) 1- سورة يونس 53.
(3) 2- سورة سبأ آية 3. (14/28)
صفحة 1820
[ معاني عدد كلمات وحروف الشهادتين ]
فإن قيل لم كانت لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع كلمات
وأربعة وعشرين حرفاً ولم كان الأذان تسع عشرة كلمة قلنا كانت لا إله إلا الله سبع كلمات بعدد أبواب جهنم فإن قال لها مخلصاً كفى أبواب جهنم السبعة قال فخر الدين: إنما كانت لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أربعة وعشرين ساعة فإنما كان الأذان تسع عشرة كلمة وزبانية جهنم تسعة عشر فمن أذن لله مخلصاً كفاه الله شرهم.
مسألة
[ معاني بسم الله الرحمن الرحيم ]
فإن قيل: لم كانت بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفاً؟ قلنا:
لأن رؤوس الزبانية تسعة عشر فمن قالها مخلصاً لله كفاه الله كما كفا
المؤذنين شرهم بكل حرف من البسملة واحداً منهم.
مسألة
[ لماذا قدم النفي على الإثبات ]
فإن قيل: لم كان النفي مقدماً على الإثبات في قول لا إله إلا الله قلنا:
هذا رد على زاعم الشريك وقيل: ليتفرغ قلب الموحد عما سوى الله تعالى بلسانه كما فرغه بقلبه ليوطئ اللسان القلب ليفرغ عما سوى الله.
مسألة
[ معنى عدد كلمات لا إله إلا الله ]
فإن قيل: لم كانت لا إله إلا الله أربع كلمات قلنا: إنه لما كان الليل والنهار مثله كالإنصاف أربعة فالكلمات بعدهن ليكون فرقاً لها في اليوم
والليلة مغفوراً له ما عمل فيها في الشهادتين.
مسألة
[ معنى حروف اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
فإن قيل: لم كان اسم محمد أربعة أحرف قلنا: ليوافق اسمه تعالى وقد
قرن اسمه باسمه في الشهادتين قوله تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } (1) أي
لا أذكر إلا ذكرك مقرون بذكري.
مسألة
[ ما معنى حروف محمد - صلى الله عليه وسلم - ]
__________
(1) 1- سورة الشرح آية 4. (14/29)
صفحة 1821
فإن قيل : ما معنى حروف محمد؟ قلنا : معنى الميم محو الكفر بالإسلام وقيل : منة الله على المؤمنين به لقوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ } (1).
مسألة
[ معنى الحاء والميم الثانية ]
فإن قيل: وما معنى الحاء قلنا: حكمة من الخالق وقيل: حياة أمته به وأما الميم الثانية فمغفرة الله تعالى لأمته وقيل: منادي الموحدين.
مسألة
[ معنى الدال ]
وأما الدال فالداعي لقوله تعالى: { وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ } (2) وقيل: هو الدليل.
مسألة
[ لماذا أسماه الله سراجاً وفضائل اسمه - صلى الله عليه وسلم - ]
فإن قيل : لم سماه الله سراجاً قلنا : لأن الله هدى به العباد من ظلمات الكفر كما يهتدون بالسراج من ظلمة الليل لقوله تعالى : { وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً } (1) وفي اسمه - صلى الله عليه وسلم - عشر خصائص أفاض اسمه إلى
نفسه وقرن اسمه إلى اسمه وكتب اسمه على ساق العرش وشق اسمه من
اسمه وأجرى سفينة نوح عليه السلام باسمه ووافق اسمه اسم الباري في
عدد الحروف وسخرت الشياطين لسليمان عليه السلام باسمه وتاب الله
على آدم عليه السلام باسمه وسأل آدم التوبة ببركة اسمه وكني آدم بأبي
محمد وجعله أشرف أولاده.
مسألة
[ لماذا أسماه الله عبداً ]
فإن قيل: لم قال الله تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (3) ولم يقل بنبيه قلنا: لئلا يتهم أنه ابنه كما اتهمت
النصارى عيسى عليه السلام أنه ابنه.
مسألة
[ الفرق بين الصفات ]
فإن قيل: ما الفرق بين السخي والكريم والبخيل واللئيم؟ قال السابوري من يجمع ويمنع ولا يشفع ولا ينفع فهو لئيم ومن جمع ولم يمنع وشفع ولم
__________
(1) 2- سورة آل عمران آية 164.
(2) 1- سورة الأحزاب آية 46.
(3) 1- سورة الإسراء آية 1. (14/30)
صفحة 1822
يشفع فهو كريم فهذا لا يقال إن الله كريم سخي ويقال كريم جواد لأنه فعل التنفع سواه.
مسألة
[ أول ما خلق الله ]
ويقال: أول ما خلق الله زمردة خضراً وقيل: اللوح والقلم وقيل:
الوقت والزمان وقيل: العرش والكرسي ويقال: خلق جوهر متغير يأمن من الألوان والأطباع والهبات فركبها كما شاء بقدرته فإن قيل: لما جعل الله الآخرة غائبة عن الأبصار قلنا: لأن الله تعالى أراد عمار الدنيا ولو رأى
الخلق الآخرة لأعجبتهم وتركوا عمارة الدنيا وأيضاً لو رأوها ما أنكرها أحد ولزالت كلفة الاجتهاد.
مسألة
[ لمن خلق الله الدنيا ]
فإن قيل: أخلق الله الدنيا للمؤمن أم الكافر قول: إنه خلقها للكافر دليل قوله تعالى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً } (1)
وقول: خلقها لهما بدليل قوله تعالى: { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } (2) إلى
قوله: { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً } وهذا هو الأصح.
مسألة
[ لما وضع الله المكاسب في الدنيا ]
فإن قيل: لم وضع الله المكاسب في الدنيا قلنا : لأوجه أراد أن يعمر
الآخرة فزينها بمكاسبها الداران معمورتين الثاني وضع الكسب بين الطاعة والمعصية ليحجب الخلق عن المعصية رحمة منه تعالى.
مسألة
[ الحكمة من جعل الأمة الإسلامية آخر الأمم والحكمة من خلق العرش ]
فإن قيل: لم جعل هذه الأمة الآخرة الأمم؟ الحكمة في ذلك أن كل شيء
كان مقدمه العقوبة لقوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولاً } (3) ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان مقدم الرحمة تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (4) وأراد أن تكون الخاتمة على الرحمة لا على العقوبة فإن
__________
(1) 1- سورة الجن آية 16 أي وإن لو استقاموا ...
(2) 2- سورة البقرة آية 126.
(3) 1- سورة الإسراء آية 15.
(4) 2- سورة الأنبياء آية 107. (14/31)
صفحة 1823
قيل: لم خلق الله العرش ولا حاجة له به قلنا: جعله موضع خدمة ملائكته
لقوله تعالى: { وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ } (1) أراد إظهار
قدرته وعظمته للخلق.
مسألة
[ لم حجب رؤيته سبحانه وتعالى ]
فإن قيل: لم حجب الله الخلق عن رؤيته أن ذاته ذاتاً لا ترى لا من جهة الحجاب والمحبة والهيبة وليكون لك فضلاً للمستدلين.
مسألة
[ الحكمة من نزول القرآن مفرقاً ]
فإن قيل: لم أنزل الله القرآن متفرقاً قلنا تفضيلاً لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لتكون الرسالة متصلة في كل وقت والثاني لو أنزله دفعة لم يستطع حفظه لقوله تعالى:
{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } (2) والثاني لو أنزل دفعة لامتنع أن يكون فيه
ناسخ ومنسوخ.
مسألة
[ لم صعقت الملائكة عند نزول القرآن ]
فإن قيل: لم صعقت الملائكة حين نزل القرآن وسمعوه قلنا: لأن النبي
محمد - صلى الله عليه وسلم - عندهم من شرائع الساعة والقرآن كتابة ولهيبته كلام المولى
جل وعلا.
مسألة
[ خلق الخلق شقياً وسعيداً ]
فإن حد قيل(3) لم خلق الله تعالى الخلق سعيداً وشقياً قلنا: لأن الله علم
أن فلاناً سيعصي في الأزل فخلقه شقياً وإن فلاناً سيطيع فخلقه سعيداً.
مسألة
[ ابتلاء الأخيار ]
فإن قيل: لم شدد الله البلاء على الأخيار قلنا: لأن الله تعالى يبغض
الدنيا فامتحن الأخيار فيها كيلا يميلوا إليها ويركنوا لحبها وحجب عنهم
الدنيا ليفرغوا للطاعة.
مسألة
[ لأي شيء خلق إبليس ]
فإن قيل: لأي شيء خلق الله إبليس قلنا : ليميز به المطيع من العاصي
وخلق الأنبياء ليقتدي بهم الأولياء وتمن الدنيا تركها إلا أنه لو لم يكن إبليس
لما كان للناس بالرسل حاجة.
مسألة
[ لعن إبليس ]
__________
(1) 3- سورة الزمر آية 75.
(2) 4- سورة القيامة آية 17.
(3) 1- هكذا في الأصل، والصواب: فإن قال أحد، أو فإن أحد قال. (14/32)
صفحة 1824
فإن قيل لم لعن الله إبليس لما عصى ولم يلعن آدم عليه السلام؟ قلنا عن محمد: لأن آدم ندم على ذنبه وبكى ولم يصر ولأن إبليس أصر على
معصية الله واستكبر وكفر كما ذكر الله في كتابه العزيز فإن قيل: لم
الحكمة في إمهال العصاة؟ قلنا: ليرى عبادة أن العفو والإحسان أحب إليه
من الأخذ والانتقام ليعلموا غاية نراه لإمهال العقوبة عنهم فإن تابوا استحقوا رضاه وإن أصروا قضى فيهم بما توعدهم وأمضاه.
مسألة
[ توزيع الأرزاق ]
فإن قيل: الأرزاق موزعة بين الخلق أملاً قلنا: نعم.
مسألة
[ الحكمة من السعي والكد ]
فإن قال: فما فائدة الكدّ والسعي في طلبها قلنا: لأن هذا أيضاً موزع.
مسألة
[ أمر الجنة ]
فإن قال: أيعلم الله للجنة نهاية قلنا: لا وإنما يعلم أن لا نهاية لها.
مسألة
[ الحكمة من الإبقاء على إبليس ]
فإن قيل: لم أهلك الله أعداء سائر الأنبياء وإبقاء عدو آدم وهو إبليس
قلنا: لأن إبليس لم يكن عدو لآدم وإنما كان عدو الله فأبقاه الله إلى آخر
الدهر امتحاناً للخلق.
مسألة
[ الحكمة من بقاء إبليس وموت الأنبياء ]
فإن قيل: لم أبق الله إبليس وأمات النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: لأن الدنيا لإبليس والآخرة جنة الأنبياء وما عند الله خير للأبرار وقيل: أنه دعا ربه بذلك
فأجابه ودعا - صلى الله عليه وسلم - الرفيق الأعلى فأجيب.
مسألة
[ الحكمة من الدفن ]
فإن قيل: ما الحكمة في القبر قلنا: ستر المؤمن وأجراً له لأن سائر
الأديان لا يضرحون موتاهم وليكون سجناً للكافر وحصناً للمؤمن لقوله
- صلى الله عليه وسلم - القبر أول منْزل من منازل الآخرة فأما روضة من رياض الجنة وأما
حفرة من حفر النار(1).
مسألة
[ الحكمة من سؤال منكر ونكير ]
__________
(1) 1- ورد عند الترمذي في الزهد برقم 2309 باب رقم 5 وإسناده حسن «القبر أول منْزل
من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعد أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه». (14/33)
صفحة 1825
فإن قيل: ما الحكمة في سؤال منكر ونكير قلنا: لأن النبي أبرأ لهم - صلى الله عليه وسلم -
قال: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى } (1) عياناً ليزداد يقينا كذلك يحيي الله الموتى في القبر ليزداد يقيناً بإنفاذ ما وعدهم وتوعدهم فيه.
مسألة
[ الحكمة من عذاب القبر ]
فإن قيل: ما الحكمة في عذاب القبر؟ قلنا: تخويفاً للمؤمن حتى يتعوذ
منه وتطهير المؤمن لأن الله تعالى جعل له خمسة أنهار يغسله بها الاستغفار والصلاة والصدقة والقيامة.
مسألة
[ التحريم على الأرض أكل أجساد الأنبياء والشهداء ]
فإن قيل ما الحكمة في الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء
وأجساد الشهداء: قيل: إن الأنبياء لا ذنوب لهم فيمر التراب على أجسادهم فيطهرها وكذلك الشهداء ولهذا لم يحتج إلى الصلاة على الشهداء وقولنا:
إنه يصلى عليهم وإنما لا يغسلون ولعل هذا غلط من النساخ.
مسألة
[الحكمة من مرور المؤمنين على النار]
فإن قيل: ما الحكمة في ورود المؤمنين النار؟ قلنا: ليعرفوا الجنة وقيل: ليعرفوا مقدار ما رفع الله عنهم من عظم النقمة لأنه تعظيم واجب في
الحكمة فإن قيل: هل يشمت بإدخال المؤمنين النار قلنا لأن الله تعالى لا
يدخل المؤمنين النار وإنما يريد ورد الطير الماء هو حال يعرفه إبليس قال الله تعالى: { لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } (2) أيصير من لا يسمع حسيس شيء أن يكون فيه هذا ما لا يتوهمه ذووا حجا.
مسألة
[ عدد النيران والجنان ]
فإن قيل: لم خلق الله النيران سبعاً والجنان ثمان؟ قلنا: لأن الجنان فضل والنيران عدل وينبغي أن يكون الفضل أكثر ولذلك قالوا: إن مدارج الخير
ثمانية ومدارج الشر سبعة.
مسألة
[ أيهما أفضل الخوف أم الرجاء ]
فإن قيل: ما أفضل الخوف أم الرجاء قلنا: هما سيان والخوف للصحيح أفضل والرجاء لذوي الوصب أفضل وقيل: الخوف للعاصي أفضل والرجاء للطائع أفضل.
مسألة
__________
(1) 2- سورة البقرة آية 260.
(2) 1- سورة الأنبياء آية 102. (14/34)
صفحة 1826
[ أرجى آية في القرآن ]
فإن قيل: أي آية في القرآن أرجى قلنا: قوله تعالى: { فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } (1) وقيل: له تعالى: { أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } (2) وقيل قوله تعالى: { لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه } (3).
مسألة
[ عدم القنوط من رحمة الله ]
فإن قيل له: قال الله تعالى: لا تقنطوا من رحمة الله قلنا: لأنه لا تعظم
عليه المغفرة لأنه يغرق في بحر كرمه ذنوب عباده ولا بين يديه أربعة أشياء الشهادة والرحمة والشفاعة والمغفرة.
مسألة
[ أي آية أخوف ]
فإن قيل: أي آية أخوف قلنا: قوله تعالى: { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } (4)
وقيل: { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ } (5) وقيل: { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } (6) وقيل:
{ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } (7) وقيل: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً } (8).
مسألة
[ تقدير الذنوب على العباد ]
فإن قيل: لم قدر الله الذنوب على العباد؟ قلنا: لئلا يعجبوا بأنفسهم ولإظهار منته عليهم ولرغم الشيطان ولسرور النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفاعة لهم
وليعرفهم فاقتهم إلى عفوه وغفرانه.
مسألة
[ لم من الله على المؤمنين ونهانا عن ذلك ]
فإن قيل: لم من الله على المؤمنين ونهانا عن المن؟ قلنا: لأن العبد إذا من داخله الكبر على من منَّ عليه والله تعالى إذا من يحب أن يرى نعمته على
عباده ويظهرها ومن إظهار النعمة شرف العبد ولأن الله تعالى يعطي من
ملكه والعبد لا ملك له حقيقة.
مسألة
[ الحكمة من عدد المؤمنين والكافرين ]
__________
(1) 1- سورة الأحقاف آية 35.
(2) 2- سورة طه آية 48.
(3) 3- سورة الزمر آية 53.
(4) 1- سورة آل عمران آيات 28، 30.
(5) 2- سورة الرحمن آية 31.
(6) 3- سورة التكوير آية 26.
(7) 4- سورة النساء آية 123.
(8) 5- سورة المؤمنون آية 115. (14/35)
صفحة 1827
فإن قيل: لم جعل الله الكفار أكثر من المؤمنين؟ قلنا: ليريهم أنه مستغن عنهم وعن طاعاتهم كلهم وأيضاً ليريهم لحفظ لهم من كثرة أعدائهم وهم أقلاء.
مسألة
[ الحكمة من تعظيم النعمة ]
فإن قيل: لم لم يخلق المؤمنين في الجنة قلنا لتعظيم النعمة عليهم وليأمنوا من الزوال عنها وليكون لهم عن التجار لا ذل السؤال.
مسألة
[ حكم النار ]
فإن قيل: نار جهنم خير أشر قلنا: هو عذاب الآخرة ولا شره.
مسألة
[ الحكمة من خلق النار ]
فإن قيل: ما لحكمة في خلقها قلنا: ليكون الخلق على هيبة ويروى أن
الله قال لموسى عليه السلام إنما خلقت النار لئلا أجمع أوليائي وأعدائي في
دار واحدة.
مسألة
[ ما الحكمة في خلق السماء بغير عمد؟ ]
فإن قيل: ما الحكمة في خلق السماء بغير عمد وخلقها قبل الأرض قلنا: ليتميز فعله من أفعال الخلق لأنه خلق السقف أولاً ثم الأساس وأعمال العباد بالعكس ورفعها على عمد ليدل على قدرته.
مسألة
[ ما هو السواد الذي في القمر؟ ]
فإن قيل: فما هذا لسواد الذي في القمر قيل عن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه أنه أثر مسح جناح جبرائيل عليه السلام ومن تأملها وجدها حروفاً مقطعة وجمعها جميلاً(1).
مسألة
[ غروب الشمس أين يكون؟ ]
فإن قيل: إن الشمس إذا أفلت أين تضمحل وتذهب قيل: إن حوتاً
يبتلعها وقيل: تغرب في عين حمئة كما قال الله تعالى(2)، وقيل: إنها
تصعد من سماء إلى سماء حتى تسجد تحت العرش وقيل: تغرب عن قوم
وتطلع على آخرين(3).
مسألة
__________
(1) 1- أثبت العلم الحديث بعد صعود المركبات الفضائية للقمر أن ما نراه هو تضاريس القمر
من جبال وأرض وغير ذلك والله أعلم.
(2) 2- ورد ذلك في قضية ذي القرنين قال تعالى: { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً } سورة الكهف آية 86.
(3) 1- قيل أن الشمس لا تغيب فالمسافر من المشرق إلى المغرب يسير مع الشمس ولا تغرب
الشمس عليه والله أعلم. (14/36)
صفحة 1828
[ طمس نور القمر والشمس يوم القيامة ]
فإن قيل: ما الحكمة في أن الشمس والقمر يطمس نورهما يوم القيامة؟
قلنا: ليتحقق عبادهما أنهما ليسا بآلة فلو كانا كما زعموا الدفعان عن
أنفسهما ذهاب نورهما وهذا السر في ذهاب نورهما بالخسوف في الدنيا.
مسألة
[ أيهما أفضل الليل أم النهار ]
فإن قيل: الليل أفضل من النهار؟ قلنا: إن الليل أفضل من وجوه أولها أن الليل راحة والراحة من الجنة ولأن الله تعالى قال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ
أَلْفِ شَهْرٍ } (1) وليس في الأيام مثلها ويروى عن بعض العلماء أن النهار
أفضل لأنه نور ولأن الجنة لا ليل فيها وأيضاً النهار للكسب والمعاش وهما يخرجان من كف ملك.
مسألة
[ الحكمة من خلق الجبال ]
فإن قيل: ما الحكمة في خلق الجبال: قلنا لحاجة الخلق إلى سكون
الأرض فأوقدها الجبال وفيها خصائص أحدهما تجر البرودة إلى نفسها
فتدفعه الخلق بالمقادير ومنها استخراج المعادن وهي تسبح لله تعالى فإن قيل: هل أقسم الله شجرة طوبى وسدرة المنتهى في القرآن؟ قلنا: نعم عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: { طسم } (2) فالطاء شجرة
طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة
[ أقسام النار ]
أقسام النار خمسة نار للشجر لقوله تعالى: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ
الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } (3) والحجر لقوله تعالى:
{ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً } (4) ونار الحذر لقوله تعالى: { مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ
__________
(1) 2- سورة القدر آية 3.
(2) 1- الشعراء والقصص آية 1.
(3) 2- سورة يس آية 80.
(4) 3- سورة العاديات آية 2. (14/37)
صفحة 1829
الْمَوْتِ } (1) ونار العبر: { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ } (2) ونار الحشر لقوله تعالى: { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (3).
مسألة
[ مقدار الذرة ]
فإن قيل: فما مقدار الذرة التي ذكرها الله في قوله تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } (4) فتقول سبعون ذرة يزن جناح بعوضة وسبعون جناح بعوضة يزن حبة.
مسألة
[ حكم خلق الجوارح ]
فإن قيل: جعل الله للمخلوق عينين وأذنين وجعل له لساناً واحد؟ قلنا: لحاجته للسمع والبصر أكثر من النطق قال أبو ذر رضي الله عنه: أنصف
أذنيك من فيك فإنما جعل الله لك أذنين ولساناً واحدا ليكون سمعك أكثر
من نطقك.
مسألة
[ الحكمة من خلق آدم من تراب ]
فإن قيل: لم خلق الله آدم من تراب؟ قلنا: لأنه لم يكن قبل آدم شيء سوى التراب وخلق حوى منه ليكونا من جنس من واحد وليكون آدم أصلاً للجنس وأيضاً جعل اختلاف المخلوقات من أشياء مختلفة ليستدل على قدرته.
مسألة
[ نقل ملك الدنيا ]
فإن قيل: لم نقل الله ملك الدنيا عن الملائكة عليهم السلام وأعطاه آدم فذلك لفضيلة آدم لأن من أجلس على مقام الأمير ليس كمن أجلس على
مقام الخليفة.
مسألة
[ الحكمة من إخبار الملائكة بآدم عليه السلام ]
فإن قيل: لم شاء الله الملائكة قلنا: ليظهر السخط الذي كان في سرهم وأيضاً عرفهم بخلق آدم قبل أن يخلقه وقيل: ليس هو مشاورة وإنما هو خبر.
مسألة
[ الحكمة من إخراج آدم من الجنة ]
فإن قيل: لم أخرجه الله تعالى من الجنة بذنب واحد قلنا لأنه أمره بأمر واحد فتركه وأمرنا بأوامر كثيرة فإن قصرنا في واحد أدينا الباقي.
مسألة
__________
(1) 4- سورة البقرة { ) يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ } آية 19.
(2) 5- سورة الواقعة آية 71.
(3) 6- سورة آل عمران آية 131.
(4) 1- سورة الزلزلة آيات 7، 8. (14/38)
صفحة 1830
[ الحكمة من نهي الله آدم عن أكل الشجرة ]
فإن قيل: لم نهى الله آدم عن أكل الشجرة؟ قلنا: ليكون منه الامتناع
من الأكل طاعة كما لا يكون فعله طاعة وقيل: لم علم أنه ليأكل منعه
ليكون أكله معصية لإمضاء علم الله.
مسألة
[ الحكمة من معاقبة آدم ولم يعاقب حوى ]
فإن قيل: لم لم تعاقب حوى على أكل الشجر؟ قلنا : لو علم فيها لامتنع آدم من أكلها ولم يتبين علم الله في ذلك وأيضاً صرف الله العقوبة عنها
ببركة آدم فلما واقعها آدم عاقبهما معاً فإن قيل: لم نسب الله آدم إلى
المعصية ولم ينسب حوى؟ عن أبي الحواري: لأن حوى كانت امرأة لآدم
وستر الحرم من الكرم.
مسألة
[ الحكمة من إخراج الثمر من الأكمام ]
فإن قيل: لم أخرج الله ثمر الأشجار من الأكمام وجعل التين خاصة من غير أكمام؟ قلنا: لأنه لما عصى الله آدم لم يستر شيء من الشجر سوى
شجر التين.
مسألة
[ الحكمة من تخليف آدم ]
فإن قيل: ما الحكمة في تخليف آدم قلنا: خلفه لعشرة أشياء ليكون
خليفة في الأرض ولبيان فضيلة العالم على العابد ولامتحان الملائكة
بالسجود ولسان حظ الملائكة في قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ولتحقيق قوله تعالى: { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } (1) ولإظهار أثار الألوهية في الأرض
ولامتحان إبليس ليظهر منه ما علم الله ولإخراج الأنبياء والأولياء من صلبه ولإصلاح الأرض بعد فسادها ولظهور النبي - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة
[ الحكمة من بقاء أربعين سنة طين ]
فإن قيل: ما الحكمة في تصوير آدم أربعين سنة قبل أن تنفخ فيه الروح؟ قلنا: ليضم فيه إبليس بالحقارة حتى أبى عن السجود له وقيل: ليكون دليلاً
على التأني في الأمور.
مسألة
[ الحكمة من إخراج آدم من الجنة ]
__________
(1) 1- سورة البقرة: من الآية30. (14/39)
صفحة 1831
فإن قيل: ما الحكمة من(1) إخراج آدم من الجنة قلنا: العشرة إن شاء لأن الله تعالى عير عشرة أشياء على سوم المعصية الاسم على إبليس وعلى يونس عليه السلام والصوم على قوم داود عليه السلام والغلب على تغلبه والدين
على برصيص وبلعام بن باعور والعلم على أمية بن الصلت واللسان على من ضرس والمال على بني مروان وأبي قرطوس والمكان على آدم والقرون.
مسألة
[ الحكمة من اتخاذ إبراهيم خليلاً ]
فإن قيل: لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قلنا : لكرمه وحسن خلقه ولأنه
لا يأكل إلا مع الضيوف ولا أسلم نفسه إلى النيران وماله إلى الضيفان
وولده إلى القربان وقلبه إلى الرحمن.
مسألة
[ الفرق بين طلب إبراهيم وطلب موسى عليهما السلام ]
فإن قيل: لم أجاب الله إبراهيم في إحياء الموتى ولم يجب موسى في
سؤال الرؤية؟ قلنا: لأن موسى سأل ما لا يليق في صفات الله ليري قومه
أن الرؤية لا تجوز على الله تعالى وإبراهيم سأل فيما يحتج به على أعدائه
وإحياء الموتى من المعجزات الباهرات.
مسألة
[ مكافأة إبراهيم ونوح عليهما السلام ]
فإن قيل: لم أشرك إبراهيم مع محمد عليما السلام قلنا مكافأة له لأنه دعا لنا ودعا لنا نوح فكافأه الله حيث قال: { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ } (2) فكافأه بقوله : { سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ } (3) وكافأ إبراهيم بالصلاة عليه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: { سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ } (4).
مسألة
[ طلب إبراهيم عليه السلام ]
__________
(1) 1- الأصل: فإن إخراج آدم، والصواب: من إخراج.
(2) 1- سورة نوح آية 28.
(3) 2- سورة الصافات آية 79.
(4) 3- سورة الصافات آية 109. (14/40)
صفحة 1832
فإن قيل: لم سأل إبراهيم ثناء حسناً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } (1) فهل يكون هذا طلب الرياء والسمعة قلنا : إنما إبراهيم سأل الصفات المحمودة التي تستحق بها الثناء كما قالت الأولياء : { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } (2).
مسألة
[ رؤيا إبراهيم والحكمة منها ]
فإن قيل: لم أمر الله إبراهيم بذبح ولده في المنام ولم يأمره باليقظة؟ قلنا: لأنه ليس شيء أبغض على الله من قتل المؤمن فلذلك أراه في المنام ورؤيا
الأنبياء حكم.
مسألة
[ فداء إسماعيل والحكمة منه ]
فإن قيل: لم فداه؟ قلنا: لأن في علمه أنه يخرج من صلبه مثل محمد
- صلى الله عليه وسلم - ويقال: لبره وطاعته لأبيه حيث قال: { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } (3) لأن سارة أزعجته من دار أبيه.
مسألة
[ حكمة ابتلاء إبراهيم عليه السلام بالنار ]
فإن قيل: لم ابتلاه بالنار؟ قلنا: لأنه كان يخافها ليبين له أن النار لا تضر ولا تنفع.
مسألة
[ ابتلاء يعقوب عليه السلام ]
فإن قيل: ما الحكمة في ميل يعقوب ليوسف دون إخوته؟ قلنا: لأنه
كان يتيماً من أمه فرحمه وقيل: لما أراد الله ابتلاه حببه إليه في غيبه عنه
ليشتد عليه البلاء لأنه لا كي أشد من كي الولد إلا أن نوحاً دعا على الكفار فأغرقهم الله.
مسألة
[ الحكمة من تفرق يوسف عن أبيه ]
فإن قيل: لم فرق يوسف عن أبيه؟ قلنا: لأنه استطعمه فقير فلم يطعمه فانصرف حزيناً فابتلاه الله بهذه الأحزان وأن يعقوب استعان بغير الله
وسلم يوسف لغير الله فأورثه الله الحزن.
مسألة
[ الحكمة من ذهاب بصر يعقوب ]
فإن قيل: لم ذهب بصره؟ قلنا: لئلا يزداد حزنا إذا نظر أوده.
مسألة
[ قصة يعقوب ]
فإن قيل: ولم قال: { صَبْرٌ جَمِيلٌ } (4) ثم قال ناقض فقال: { يَا أَسَفَى
__________
(1) 1- سورة الشعراء آية 84.
(2) 2- سورة الفرقان آية 74.
(3) 3- سورة الصافات آية 102.
(4) 1- سورة يوسف آية 18. (14/41)
صفحة 1833
عَلَى يُوسُفَ } (1) وقال: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } (2) قيل: إنما الشكاية من النفس للخالق جائزة ترى إلى أيوب عليه السلام: { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ } (3) وقال الله: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً } (4).
مسألة
[ ابتلاء يوسف بالرق ]
فإن قيل: لم ابتلى الله يوسف بالرق والسجن قلنا ليرحم المماليك إذا صار ملكاً كما ابتلاه يجفاء الأقارب والحساد ليعتاد الاحتمال للقريب والبعيد.
مسألة
[ لما قال في قصة يوسف أحسن القصص ]
فإن قيل: لم قال الله تعالى في قصته أحسن القصص قلنا: لأنه كان
أحسن البشر ونسبة أحسن الأنساب وحاله في الحب أحسن الأحوال
ودعائه أحسن الأدعية وتزويجه أحسن التزويج وتشبهه أحسن التشابيه
وعلمه أحسن العلوم فإن قيل: لم قطعن النسوة أيديهن ولم نقطع
زليخا يدها قلنا: لأن يوسف عليه السلام كان في منْزلها ولم تحقد الفراق
وقيل: لأنهن كن يعبن على الزليخا والبغي صراع.
مسألة
[ شكر يوسف ]
فإن قيل: ولم شكر يوسف على إخراجه من السجن ولم يشكر على إخراجه من الجب حيث قال: { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ
السِّجْنِ } (5) قيل: لأنه قال لإخوانه: { قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } (6) فلو ذكرهم الجب لكان تثريباً ولأنه كان في السجن مع الكفار وفي الجب مع جبرائيل عليه السلام.
مسألة
[ معنى همت به وهم بها ]
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } (7) قلنا:
__________
(1) 2- سورة يوسف آية 84.
(2) 3- سورة يوسف 86.
(3) 4- سورة الأنبياء آية 83 { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .
(4) 5- سورة ص آية 44.
(5) 1- سورة يوسف آية 100.
(6) 2- سورة يوسف آية 92.
(7) 3- سورة يوسف آية 24. (14/42)
صفحة 1834
همت به حراماً وهم به حلالاً وقيل: همت به سفاحاً وهم بها نكاحاً وقيل: همت بمضاجعة وهم بمدافعتها وقيل: همت به قراراً وهم بها إقرار.
مسألة
[ مدح الحكيم نفسه ]
فإن قيل: هل يجوز للحكيم أن يمدح نفسه قلنا: نعم إذا كان ذلك تبيينها للخلق وشكر الخالق وذكر المنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»(1) ليقف الناس على مناقبه وقال يوسف عليه السلام: { إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } (2).
مسألة
[ طلب الإمارة ]
فإن قيل لم قال يوسف: { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْض } (3) قلنا: لأنه
علم من الرؤيا التي رآها الملك أن الناس يمتحنون بالقحط فخاف عليهم
الضياع فأحب أن تكون يده في الخزانة ليغنيهم وقت الحاجة فاستدعى الأمر لنفسه فإن قيل: كم لبث يوسف في السجن قبل اثني عشر سنة بعدد
حروف { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } (4) وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لولا كلمة يوسف
ما لبث في السجن ما لبث في هذا قال: إن العاقبة للمتقين أحب لي(5).
مسألة
[ الحكمة من تأخير الاستغفار ]
فإن لم قال يوسف لإخوته: { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } (6) ولم يستغفر لهم في الحال قلنا: أخرهم إلى السحر فإنه وقت أرجى للعبادة وللدعاء
وقيل لهم: خصم غير يوسف فأخرهم حتى يمضي خصمه.
مسألة
[ الحكمة من إلقاء موسى في اليم ]
__________
(1) 1- ورد الحديث بروايات متعددة تجمع على «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» منها رواه مسلم
رقم 2278 في فضائل، باب تفضيل نبينا على جميع الخلائق، وأبو داود رقم 4763
في السنة، باب التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والترمذي رقم 3615 في
المناقب باب ما جاء في فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2) 2- سورة يوسف آية 55.
(3) 3- سورة يوسف آية 55.
(4) 4- سورة يوسف آية 44.
(5) 5- ورد هذا الحديث في كتب التفاسير عند التحدث عن سجن يوسف عليه السلام انظر ذلك.
(6) 1- سورة يوسف آية 98. (14/43)
صفحة 1835
فإن قيل: ما الحكمة في أمره تعالى بإلقاء موسى في اليم؟ قلنا: لأن المنجمين إذا ألقى شيء في الماء خفي عليه أمره فأراد الله أن يخفى أمره
عنهم لئلا يخبرون به فرعون.
مسألة
[ الحكمة من احتراق لسانه عليه السلام ]
فإن قيل: لم احترق لسانه ولم تحترق أنامله حين قبض على النار قلنا:
حتى لا يأكل مع فرعون. فتجب عليه حرمة الممالحة وأيضاً ليكون دليلاً
على إعجازه. وسببه بنجاته من القتل.
مسألة
[ معجزة موسى ]
فإن قيل: لم أرسله الله بالعصي والحجر قبل لأن فرعون كان حماراً
ويدنو من الحمار بالعصي وأيضاً كان فرعون كلباً والحجارة تطرد الكلاب وأيضاً أن العصي والحجر من آلات الرعاة وموسى كان راعياً.
مسألة
[ خوف موسى من العصا ]
فإن قيل: لم خاف موسى من العصي ولم يخف إبراهيم من نار نمرود
ونغير كان من فعل الله تعالى وأيضاً ظن موسى أنها الحية التي أخرجت آدم
من الجنة فخافها لأنها كانت مخبأة.
مسألة
[ الدعوة باللين ]
فإن قبل لم قال الله تعالى لموسى وأخيه: { فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً } (1) وقال: - صلى الله عليه وسلم - { وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } (2) قلنا: لأن طبع محمد كان على اللين وطبع
موسى كان على الغلاظ والصلابة قيل : ليكون حجة على فرعون.
مسألة
[ كيفية سؤال التنبيه ]
وقيل: لما سأله عما بيمينه وهو يعلم ذلك قلنا : هذا سؤال تنبيه أراد أن ينبه لأنه وصل درجة نسي فيها الكونين في ذلك الحال ونسي نفسه فذكره بنفسه وما بيمينه.
مسألة
[ الحكمة من الأمر بخلع النعل ]
فإن قيل: لم أمره بخلع نعليه؟ قلنا: لتصل بركة الأرض المقدسة إلى
قدميه وأيضاً لا ينبغي لبس النعلين بين يدي الملوك.
مسألة
[ تفضيل المقامات ]
__________
(1) 1- سورة طه آية 44.
(2) 2- سورة التوبة آية 73: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } وسورة
التحريم آية 9. (14/44)
صفحة 1836
فإن قيل: لم وعده بالكلام في الجبل؟ قلنا: لإرادته تعالى تشريف الجبل بموسى وتشريف موسى بالجبل لأن من المقامات فاضل ومفضول.
مسألة
[ اختصاص موسى بتكليم ]
فإن قيل: لِمَ لَمْ يكلمِّ الله سائر الأنبياء؟ قلنا: إنه لم يكن لنبي من الأنبياء عدو مثل ما لموسى كفرعون واليهود وقارون ولم يكن قوم أسوأ أدباً وأقسى قلباً من قومه فخصه الله بذلك له ليتحمل ما امتحن من الأذى.
مسألة
[ الاستزادة من الخير ]
فإن قيل: فمن أين هاج لموسى سؤال الرؤية؟ قلنا: لما سمع الكلام طمع
في الرؤية فقال هذه لذة الخير فكيف بلذة النظر ويقال: طبع البشرية في
الخلق إذا ظفر بشيء طلب ما هو أعلى منه.
مسألة
[ الحكمة من منع الرؤية ]
فإن قيل: ولم منعه الرؤية؟ قلنا: لأن الرؤية غاية الكرامة ولأن ذات الله منَزهة من أن ترى ولأنه لو أذن له في الرؤية لطلب الزيادة ولا زيادة فوقها.
مسألة
[ لما صار الجبل دكّاً ]
فإن قيل: لما صار الجبل دكّاً وبقي اسمه، قلنا: لأن الله تعالى جعل
الجبل فداء لموسى حيث سأل مالا ينبغي أن يسأله ولأنه لو لم يكن
مدهوشاً لذاب كما ذاب الجبل وأيضاً فإن الجبل خلق للفناء والاسم للبقاء
فلا يفنى أبداً.
مسألة
[ قول موسى للخضر عليهما السلام ]
فإن قيل: كيف قال للخضر عليه السلام: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ
صَابِراً } (1) فلم يصبر وقال إسماعيل عليه السلام : { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ
مِنَ الصَّابِرِينَ } (2) فصبر؟ قلنا: لأن موسى كان متعلماً والمتعلم لا يصبر إذا رأى شيئاً حتى يفهمه وإسماعيل لم يكن كذلك.
مسألة
[ اختلاف المواضع والأحوال ]
فإن قيل: لم نجع موسى في أربعين ليلة ولم يصبر في نصف يوم حتى
قال: آتنا غداءنا؟ قلنا: لأن سفر الخضر سفر التأديب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع في أقل من نصف يوم وحضوره للجبل سفر اللقافا(3) نسيه هيبة
__________
(1) 1- سورة الكهف آية 69.
(2) 2- سورة الصافات آية 102.
(3) 3- هكذا في الأصل. (14/45)
صفحة 1837
الموقف للطعام والشراب.
النهج السابع والأربعون
في إيضاح
الحجج و البراهين
النهج السابع والأربعون
في إيضاح الحجج و البراهين
مسألة
[ حكم نكاح الزانية من الزاني ]
الحجة في تحريم النكاح للزانية على من زنا بها قلنا: إن المتلاعنين لا
يجوز لهما الرجوع إلى بعضهما بعضاً ولو تابا وأكذب الزوج نفسه وتاب
من قذفه إياها بالزنا لأن الحكم إذا جرى مجرى العقوبة لم يرتفع بالتوبة.
مسألة
[ وجوب الدعاء ]
الحجة في وجه الدعاء ووجوبه بما معلوم أن الله سيفعله بغير دعاء هو ما يكسبه الداعي من الأجر وفضل الطاعة بالدعاء وما يناله من خشوع قلبه والتأديب ولأنه يجري مجرى التسبيح والتقديس.
مسألة
[ علة تحريم لحم الخنزير ]
الحجة على تحريم أكل لحم الخنزير بكليته حتى شحمه أن الله رد
الكائنات إلى إقرار المذكورات وهو الخنزير وإن ورد التحريم مخصوصاً في
اللحم ولأن رسول الله بعث بقتله وما قتله فكان محرم.
مسألة
[ حجة الهجوم على أرباب المنكر ]
الحجة لمن جوز المهجوم(1) على أرباب المناكر ولم يجوزه على أرباب
الدين أن من يحمل ديناً برأي ربه ليس كمغتصبه ولا مقتسره ولأن بلالاً لما
دان ديناً وطلب به أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتواري عن خصمه حتى تيسر له الأداء.
مسألة
[ ترك تغيير المنكر باليد لمن لا يستطيع ]
الحجة لمن قال بترك النكير باليد واللقن على من يستطعه لأن الإنسان ممنوع من إلقاء نفسه إلى التهلكة وممنوع من تضيع ماله لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال.
مسألة
[ عدم مجالسة أهل المنكر ]
الحجة في تحريم مجالسة المؤمن لأهل السفه المنكبين(2) على المنكر قوله
تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
__________
(1) 1- هكذا في الأصل، والصواب: الهجوم.
(2) 2- المنكبين : أي المصرين على المنكر والله أعلم. (14/46)
صفحة 1838
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه } (1) إلى تمام الآية.
مسألة
[ حجة من يقول لا تقام الحدود إلا بالإمام ]
الحجة لمن يقول: إن الحدود لا يقيمها إلا الأئمة والأمر ورد عموماً قوله تعالى في غير آية فإن الإجماع ورد أن الشاهد لا يقوم بالحد ولو قدر عليه
يدل على التخصيص وقوله تعالى: { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ } (2) فأجر
الخطاب للواحد وهو للإمام.
مسألة
[ التعامل مع الجبابرة ]
الحجة لمن لم يجوز الرفعان إلى الجبار في كل شيء لئلا يكون شاداً على عضده ومقوياً لسلطانه وحذر أن يحكم على المسلمين برأيه إذ هو ليس من ذوي الرأي ولأن طاعته غير واجبة على المسلمين.
مسألة
[ تصويب الحجة ]
الحجة لمن قال بتصويب الحجة لأخذ حقه منهم وإن يظهر لهم
تصويب في دينهم بلسانه ما فعل النبي للحجاج بن عياض(3) لما
استأذنه للذهاب إلى مكة لأخذ حقه منهم وأن يقول في الرسول
- صلى الله عليه وسلم - ما يقول.
مسألة
[ حكم الإقامة في دار الظلم والقهر ]
الحجة لمن أجاز للمسلم في دار يظلم فيه أن الإقامة لا تحرم على المسلم في دار تناله فيه منفعة جزيلة وينجو بها من ذل الفاقة وأن تناله من عز الفتاك
أكثر كما يجوز له أن يعمل لأهل الذمة إذا احتاج إلى عمل يرفعه عن العيلة.
مسألة
[ جواز أخذ الغريم ماله من مال غريمه ]
الحجة لمن يجوز للغريم أخذ حقه من مال غريمه إذا أعجز البينة أو
المنصف وقد أجازوا ذلك للحاكم لأن الحاكم هو الذي جعل لذلك وليس ذلك للعوام ولو جاز ذلك لجاز للعوام أن يبيعوا مال الهالك ويقبضوا دينه.
__________
(1) 3- سورة الأنعام آية 68.
(2) 1- سورة النور آية 8 .
(3) 2- الحجاج بن عياض، والصواب: الحجاج بن علاط السلمي أسلم واستأذن من النبي
- صلى الله عليه وسلم - الذهاب إلى مكة بعد غزوة خيبر لجمع أمواله وكان له أموال كثيرة عند صاحبته
أم شيبة بنت أبي طلحة وطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن في القول فيه بأنه أصيب في = (14/47)
صفحة 1839
(1)
مسألة
[ وجوب الضمان على الملتقط ]
الحجة لمن لم يجب الضمان على الملتقط إذا فرق ثمنها على منوال
الشرعي وقد أخذها على وجه الاحتساب لربها قوله تعالى: { مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } (2) وأي إحسان أحسن من أخذ اللقطة وعرفها وفرقها كما أمره الله ورسوله.
مسألة
[ إيواء الضوال ]
الحجة لمن قال بجواز إيواء الضالة مع توعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على من يؤويها إنما
التوعد ورد على من فعل ما نهى عنه فأما للتقرب إلى الله بفعل شيء من
الطاعة فلا يلحقه التوعد وإنما له الثواب في المآب مهما آوى من الدواب.
مسألة
[ البدل في الطهارة ]
الحجة لمن قال بغسل حد والمن لمن نكحت حاضت وطهرت أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أمرها إذا لم تجد الماء بتيمم وأخذ المبدل كالمبدل منه على قول.
مسألة
[ حكم الجلد بعد دبغه ]
الحجة لمن جوز الانتفاع بإهاب الميتة قوله - صلى الله عليه وسلم -: أيما إهاب دبغ فقد طهر(3)
ومر - صلى الله عليه وسلم - على شاة ميمونة(4)
__________
(1) = خيبر وأن اليهود انتصروا على محمد فأذن له وقصته معروفة. ارجع إلى سيرة ابن هشام
القسم الثاني 2/345 - 349.
(2) 1- سورة التوبة آية 91.
(3) 2- ورد الحديث بروايات متعددة منها هذه الرواية الترمذي رقم 1728 في اللباس، باب
ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت. والنسائي 7/173 باب جلود الميتة. وعند مسلم
رواية ثانية المعنى واحد رقم 366 باب طهارة جلود الميتة والموطأ 2/498 في الصيد،
باب ما جاء في جلود الميتة.
(4) 1- ميمونة: بنت الحارث ثابت حزن بن بجير... بن عامر بن صعصعة وأمها هند بنت
عوف بن زهير... تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة زوجها أبو رهم. زوّجه إياها العباس
ابن عبد المطلب وكان يلي أمرها وهي أخت أم الفضل زوجة العباس -رضي الله
عنهم- تزوجها بسرف بعد عمرة القضاء وكانت آخر امرأة تزوجها - صلى الله عليه وسلم -. انظر
الطبقات الكبرى لابن 8/132 - 140. (14/48)
صفحة 1840
أعطيتها من الصدقة فماتت فقال لهم: هلا
دبغتم إهابها فانتفعتم به وأيضاً قد انتقل حكمه عن اسم الإهاب.
مسألة
[ دليل استعمال الدهن النجس ]
الحجة لمن أجاز استعمال الدهن النجس وغيره من المائعات للسراج
ونحوه لأن ما حل فيه من النجاسة معارضة لم ينجس عينه ولم يحرمها وإنما استعماله للأكل لاختلاط النجاسة به.
مسألة
[ حجة من أجاز لحوم السباع ]
الحجة لمن أجاز أكل لحم السباع وأحل أكله أن الرواية في تحريمه تأديباً لأن النص لم يرد بتحريم بقوله تعالى: { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ } (1) فخرج تحريم لحوم السباع عن سائر المحرمات.
مسألة
[ حجة من قال مس الزوجة لا ينقض الوضوء ]
الحجة لمن قال أن مس الزوجة لا ينقض الوضوء لرواية وردت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل(2) بعض نسائه
ويصلي ولا يعيد وضوءه وهو رأي علي وابن عباس رضي الله عنهما.
مسألة
[ كيفية التيمم ]
الحجة لمن قال بالتيمم إلى الرسغين وإلى الكعبين إجماع الأمة ولو كان
في النص أنه بدل من الماء وإن حكم البدل كحكم المبدل منه قال: ولو كان ذلك لوجب أن يشبهه في كل حالاته وأن يكون التيمم لجميع الأعضاء.
مسألة
[ حجة وجوب غسلة الإسلام ]
__________
(1) 2- سورة الأنعام آية 145.
(2) 1- ورد بروايات متعددة منها ما ذكره المصنف انظر البخاري 4/131 في الصوم،
باب القبلة للصائم، وباب المباشرة للصائم، ومسلم رقم 1106 في الصيام، باب
بيان أن القبلة في الصوم ليست بمحرمة، والموطأ 292/1 في الصيام، أبو داود رقم
2382، 2383، 2384، 2386 في الصوم باب القبلة للصائم، والترمذي رقم
727، 728، 729، في الصوم باب ما جاء في القبلة للصائم، وباب ما جاء في
مباشرة الصائم. (14/49)
صفحة 1841
الحجة لمن قال الوثني إذا تحنف وجب عليه الاغتسال لقوله تعالى: { إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } (1) ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً أسلم في عهده فأمره بالاغتسال ولنا في رسول الله أسوة حسنة.
مسألة
[ أثر الردة على تصرفات المسلم ]
الحجة لمن قال: إن المسلم إذا توضأ ثم ارتد بطل وضوءه وحبط عمله
قوله تعالى: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } (2) وقوله تعالى: { وَمَنْ
يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (3).
مسألة
[ حجة من أجاز الصلاة على الميت الغائب ]
الحجة لمن أجاز الصلاة على الميت بعد أن يضرح ويوارى يرجمه بفعل
النبي لما أتاه خبر نعي النجاشي ملك الحبشة جمع أصحابه وصلى عليه بعد
مدة طويلة وبعد مسافة.
مسألة
[ البكاء على الميت ]
الحجة لمن أجاز البكاء على الميت غير النوح ما رواه جابر بن عبد الله
الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ ابنه وهو يجود بنفسه فوضعه في حجره فبكاه
فقال له عبد الرحمن بن عوف في ذلك فقال إنما يبكي عليه رحمه له(4).
مسألة
[ زوال اسم الحيض بالطهارة ]
الحجة لمن قال: إن الحائض إذا طهرت من الحيض زال اسم الحيض عنها لأن مجيء الحيض هو الذي زال حكم الطهر عنها فارتفاعه بوجوب ردها
ما كانت عليه قبل مجيء حيضها من الطهارة ولو لم تغتسل.
مسألة
[ حجة من قال بوجوب غسل الرأس ]
الحجة لمن أوجب غسل الرأس كله عند الوضوء قوله تعالى: { ثُمَّ
__________
(1) 1- سورة التوبة آية 28.
(2) 2- سورة الزمر آية 65.
(3) 3- سورة المائدة آية 5.
(4) 1- حديث صحيح رواه البخاري 3/139 في الجنائز باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنا بك
لمحزونون» ومسلم رقم 2315 في الفضائل باب رحمته - صلى الله عليه وسلم -، الصبيان والعيال
وتواضعه، وأبو داود في الجنائز باب في البكاء على الميت رقم 3126. (14/50)
صفحة 1842
لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } (1) فقد وجب الطواف بالبيت كله وكذلك قوله تعالى: { وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ } (2)
يقتضي استيعاب مسح الرأس كله.
مسألة
[ جواز الوضوء على غير ترتيب ]
الحجة لمن قال: يجوز الوضوء على غير ترتيب النص قوله تعالى:
{ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } (3) فلو قدم نسكاً قبل نسك جاز وقوله تعالى: { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي
وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } (4) والإجماع على تقديم الركوع على السجود.
مسألة
[ حكم الماء المضاف ]
الحجة لمن لا يجيز التطهر بالماء المضاف لقوله تعالى: { وَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً } (5) وإنما أجازوا المتطهر بماء البحر للسنة الواردة فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطهور ماؤه والحل ميتته»(6).
مسألة
[ الفرق بين الطاهر والمتطهر ]
الحجة لمن قال بنقض طهارة المتوضئ إذا تنجس بعض بدنه لأن الله تعالى
لم يجز للداخل في فرض الصلاة أن يدخل فيها حتى يجتمع له اسمان
أحدهما طهر والثاني التطهر لأنا أجمعنا أن الطاهر من النجاسة غير المطهر
إذا صلى لم يكن مؤدياً للفرض.
مسألة
[ جواز الصلاة بالوضوء الواحد للعدد ]
الحجة لمن قال: إن من تطهر لنافلة جاز أن يصلي به الفرض إن المتطهر
__________
(1) 2- سورة الحج آية 29.
(2) 3- سورة المائدة آية 6.
(3) 1- سورة الحج آية 29.
(4) 2- سورة آل عمران آية 43.
(5) 3- سورة الفرقان آية 48.
(6) 4- رواه الموطأ 1/22 في الطهارة، باب الطهور للوضوء. وأبو داود رقم 83 في الطهارة
باب الوضوء بماء البحر، والترمذي رقم 69 في الطهارة باب ما جاء في ماء البحر
والنسائي 1/176 في المياه باب الوضوء بماء البحر وهو حديث صحيح. وابن خزيمة
والشافعي في مسنده وأحمد في المسند. (14/51)
صفحة 1843
لم يؤخذ عليه أن يتعمد بالطهارة صلاة مخصوصة وإنما أمر ليعتقد بالطهارة
لرفع الأحداث فإذا اعتقد ذلك صار طاهراً لما يوقع من الصلوات.
مسألة
[ حضور الجنازة بغير وضوء ]
الحجة لمن لم يجب التيمم على من حضر الجنازة وهو غير متوضئ وللجنازة من يقوم بالصلاة عليها سواه لأنها فرض كفاية إذا قام بها البعض سقط عن من
لم يقم به فإذا كان هكذا سقط فرض التيمم عن من لم يتوض بالماء.
مسألة
[ الوضوء من المذي والوذي ]
الحجة لمن لم يجوز التطهر أوجب الوضوء من المذي والوذي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوء من المذي واجباً كالغسل من المني»(1) والنوم منضجعاً ينقض الطهارة.
مسألة
[ عدم جواز التطهر بالنبيذ ]
الحجة لمن لم يجوز التطهر بالنبيذ لأن الله تعالى خاطبنا بما تفعل به
العرب والعرب تفعل بالمقيد مالا تفعله بالمطلق وبالعكس.
مسألة
[ أثر النسيان في الوضوء ]
الحجة لمن أسقط عادة الصلاة لمن كان الماء في رحله فنسيه وصلى
متصعد ثم علم بالماء وقد علقه بعدم وجوده لا يكون ويحتمل أنه لا يجد الإنسان الشيء وهو موجود ولم يقل فإن لم تجدوا ماء فتيمموا.
(2)
مسألة
[ من عليه فرض الوضوء وأثر النسيان بالتيمم ]
الحجة لمن أوجب على من صلى بالصعيد وقد نسي الماء في رحله أن العبادات إذا لزمت الأبدان فليس جهل وجود الماء يسقط فرض ما وجب
عليه من فرض الطهارة للصلاة لأن من احتلم ونسي وصلى عليه فرض
الغسل والصلاة.
مسألة
[ حكم الوضوء بالماء المستعمل ]
__________
(1) 1- فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي والموطأ عن علي بن أبي =
(2) = طالب -رضي الله عنه- قال محمد بن الحنفية، قال علي : «كنت رجلاً مذاءً
فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله،
فقال: يغسل ذكره ويتوضأ». (14/52)
صفحة 1844
الحجة لمن قال: إن فضل الماء المتطهر به لا يجوز به التطهر ثانية ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة أشارته المرأة من فضل وضوئها فإن قيل:
أخص المرأة بذلك؟ قلنا: والرجل داخل معها وتدخل معه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شقصاً له في عبد قوم عليه»(1) وكانت الأمة مثله بإجماع.
مسألة
[ تداخل السنن والواجبات ]
الحجة لمن قال: إن الاغتسال يوم الجمعة للجنب لا يجزئه عن غسل
الجنابة والغسل للجمعة لأن الجنب عليه الطهارة بنية يجددها مع الفعل
للفعل والمتطهر للجمعة لا نية عليه إذا الغسل لها غير واجب.
مسألة
[ أثر النية في الأعمال ]
الحجة لمن يوجب التطهر بغير نية قوله تعالى: { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ } (2) وقال: { إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ } (3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات»(4).
مسألة
[ احتلام المرأة ]
__________
(1) 1- الحديث صحيح روي بروايات متعددة فيها زيادة انظر البخاري 5/97 في الشركة
باب الشركة في الرقيق ومسلم رقم 1502، 1503 في الأيمان باب من أعتق
شركاً في عبد، أبو داود رقم 3934، 3936، 3938، 3939 والترمذي في
الأحكام رقم 1348 في الأحكام باب ما جاء في العبد يكون بين الرجلين فيعتق
أحدهما نصيبه.
(2) 1- سورة الزمر آية 11.
(3) 2- سورة البينة آية 5.
(4) 3- حديث صحيح مشهور رواه البخاري 1/7 - 15 في بدء الوحي وفي الإيمان...
ومسلم رقم 1907 في الإمارة. وأبو داود رقم 2201 في الطلاق والترمذي رقم
1647 في فضائل الجهاد باب ما جاء فيمن يقاتل رياء الدنيا والنسائي 1/59 – 60
في الطهارة باب النية في الوضوء. (14/53)
صفحة 1845
الحجة لمن أوجب التطهر على المرأة إذا رأت في منامها ما يراه الرجل من الاحتلام أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأوجب عليها الغسل إذا أنزلت الماء الدافق(1).
مسألة
[ القطع يسقط الضمان ]
الحجة لمن قال: إن السارق إذا قطعت يده يسقط عنه ضمان ما سرق ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة عنه أنه قال: «إذا قطعت يد
السارق فلا ضمان عليه فيما سرق»(2).
مسألة
[ الجمع بين غسل الجنابة والحيض ]
والحجة لمن قال: إن المرأة إذا نكحت ثم حاضت قبل الاغتسال أنه
يلزمها غسلان لأن الله أوجب فرض التطهر من الجنابة على حدة الذكور والإناث لقوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } (3) وقد أمرها رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بالاغتسال عند إدبار حيضها.
مسألة
[ التيمم لكل صلاة ]
الحجة على المتيمم لصلاة الفرض إذا قضاه ورام صلاة نفل تيمم لها أيضاً ولو لم تنتقض طهارته لأنه لما كان مخاطباً بالفرض لزمه طلب الماء له فلما
آيس وجب عليه التيمم لذلك أوجبنا عليه التيمم للصلاة الأخرى.
مسألة
[ أثر وجود الماء أثناء صلاة المتيمم ]
الحجة لمن قال: إن على المتيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة خرج منها وتوضأ بالماء وصلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم» ولوالي
__________
(1) 4- احتلام المرأة: هذه القصة وردت في مسلم رقم 314 في الحيض باب وجوب الغسل
على المرأة بخروج المني منها والموطأ 1/51 في الطهارة باب في المرأة ترى ما يرى
الرجل. والنسائي 1/112، 113 في الطهارة باب غسل المرأة.
(2) 5- هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أخذت به الحنفية والمالكية =
(3) = والشيعة الزيدية. واشترط البعض إذا استهلكت السرقة قبل القطع أما إذا كان المسروق
باقياً بعد القطع فالجميع متفقون على الضمان. انظر التشريع الجنائي الإسلامي
2/618 - 620 .
1- سورة المائدة آية 6. (14/54)
صفحة 1846
حجج فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته ولم يذكر صلاة من غير صلاة.
مسألة
[ مدة التيمم ]
الحجة لمن قال: إن التيمم لا ينقضه الماء أو حدث ينقض الطهارة كالماء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر حجج فإذا وجد الماء
فليمسه جلده»(1).
مسألة
[ حجة من قال بإعادة الصلاة عند وجود الماء ]
الحجة لمن قال ببدل الصلاة لمن صلى بالتيمم إذا وجد الماء ولو فات الوقت أن ما حضر بوقت فخروج الوقت لا يخرجه إلا فعله أو بداله ألا
ترى إلى النائم والناسي خروج الوقت لا يزيل عنها فرض الصلاة كمن
وجب عليه فرض الصوم فعجز الهلال.
مسألة
[ وجوب غسل محل القطع ]
الحجة لمن قطعت جارحة من جوارح وضوئه وجب عليه غسل موضع القطع أن من كلم في ساعده له غرز وجب عليه غسله إذا برأ وكذلك إذا اضمحلت بشرته وزالت وجب عليه غسل موضعها.
مسألة
[ صلاة الصبي ]
الحجة لمن أوجب على الصبي إذا بلغ وهو في الصلاة أن يهدرها ويصلي بطهارة يحدثها بعد أن تعبد بأداء الصلاة لأنه لما أنس رشده لزمه الفرض فوجب عليه أداؤه بطهر يحدثه ونية يجددها ليؤدي فرضه بنيته.
مسألة
[ أثر مس العورة ساهياً ]
الحجة لمن قال: المتطهر للصلاة إذا مس عورته ساهياً أو ناسياً انتقضت طهارته لأنه إذا خرج منه ريح فسد وضوءه ناسياً أو متعمداً افتراهما سيان.
مسألة
[ مسح الوجه عند التيمم ]
الحجة لمن قال: إن المتيمم إذا لم يعلق بوجهه من التراب الذي يتمم به شيء لم يتم تيممه لقوله جل وعلا: { فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } (2) يعني من الصعيد.
مسألة
[ غسل الجنابة ]
الحجة لمن أوجب غسل الفم ووالج الأنف على الجنب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فبلوا
__________
(1) 1- قال في بلوغ المرام من أدلة الأحكام 16 رقم 6 باب التيمم قال: رواه البزار
وصححه ابن القطان ولكن صوَّب الدارقطني إرساله وصححه الترمذي عن أبي ذر.
(2) 1- سورة المائدة آية 7. (14/55)
صفحة 1847
الشعر وأنقوا البشر»(1) فلما كان الفم ووالج الأنف يباشران الفعل وجب غسلهما لاستحقاقهما اسم البشرية.
مسألة
[ بقاء العلاقة الزوجية بعد الموت ]
الحجة لمن قال: إن الزوجين إذا مات أحدهما غسله الحي منهما وأن العصمة لم تنقطع بينهما قوله تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ
أَزْوَاجُكُمْ } (2) وقال: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً } (3).
مسألة
[ المؤمن طاهر حياً وميتاً ]
الحجة لمن قال: إن المؤمن طاهر حياً وميتاً قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينجس حياً ولا ميتاً وإنما الغسل عبادة على الأحياء بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «غسلوا موتاكم فحلول
الموت فيه لا يتقله عما كان»(4).
مسألة
[ الكفن من رأس المال ]
الحجة لمن قال: إن الكفن من رأس المال لقوله - صلى الله عليه وسلم - في ميت مات
بحضرته فقال: «كفنوه في ثوبيه»(5) فأضاف ملكهما إليه.
مسألة
[ لا يكون الكفن إلا في ثياب بيضاء ]
والحجة لمن قال: لا يكون الكفن إلا بالثياب النقية البيضاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم وكفنوها موتاكم فإنها من
خير ثيابكم»(6).
مسألة
[ الإسراع في الدفن ]
الحجة لمن قال بتعجيل مواراة الميت قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينبغي أن تحبس
__________
(1) 1- الحديث : «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وانقوا البشر» أخرجه أبو داود رقم
248، باب الغسل من الجنابة، والترمذي رقم 106 في الطهارة باب ما جاء أن تحت
كل شعرة جنابة.
(2) 2- سورة النساء جزء من آية 12.
(3) 3- سورة البقرة آية 234.
(4) 4- بهذا النص لم أجده هناك أحاديث تحث على غُسل الميت.
(5) 1- حديث متفق عليه وهو عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في
الذي سقط عن راحلته فمات «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه».
(6) 2- حديث صحيح رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. (14/56)
صفحة 1848
جيفة مسلم بين ظهراني أهله ويكره الإسراع بالجنازة إسراعاً عنيفاً.
مسألة
[ يؤم الصلاة على الميت أفضلهم ]
الحجة لمن قال: أفضل الجماعة أولى بالصلاة على الميت» وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
«ليؤم القوم أفضلهم»(1) هذا الخبر عام لأنه قد يكون قريباً للميت من طريق الرحم عبداً أو أنثى أو وذمي فلا يكون أولى بالصلاة عليه.
مسألة
[ يغسل الميت مرة واحدة ]
الحجة لمن قال: إن الميت لا يعاد غسله ولو أحدث وإنما يغسل الموضع ويوضأ لأن فرض الغسل قد سقط عنه بالغسلة الأولى وإعادة الغسل غير
لازمة لأنها فرض ثاني.
مسألة
[ الأذان قبل دخول الوقت للجمعة ]
الحجة لمن أجاز الأذان قبل طلوع الفجر وقبل دخول الوقت لصلاة
الجمعة أن بلال كان يؤذن بليل فردوا الجمعة قياساً على الفجر ولما
روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: «إن بلالاً كان يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى أذان ابن
أم مكتوم»(2).
مسألة
[ وجوب الأذان ]
الحجة لمن لم يقل بوجوب الأذان أن الفرض لا يدعه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر
ولا حضر وقد أمر بلالاً(3) يوم الخندق(4) أن يقم ولم يؤذن وقد تهون الليل.
مسألة
[ إعادة الأذان ]
__________
(1) 1- الحديث الوارد هو «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله...» انظر جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 5/574 رقم 3818.
(2) 2- روايات متعددة والمعنى واحد انظر البخاري 4/117، في الصوم ومسلم رقم 1092
في الصوم، والموطأ 1/74 في الصلاة باب قدر السجود، النسائي 2/10 في الأذان،
والترمذي رقم 203.
(3) 1- بلال: مولى أبي بكر الصديق وأمه حمامة، وهو مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السابقين
الأولين الذين عذبوا في الله شهد بدراً، وشهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - على التعيين بالجنة.
توفي بالشام سنة 21 ه ودفن بباب الأربعين. انظر سير أعلام النبلاء 1/347 -
360 رقم 76.
(4) 2- يوم الخندق: غزوة الأحزاب. (14/57)
صفحة 1849
وحجة من قال بإعادة الأذان لمن أذن قبل ولوج الوقت للصلاة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن كان بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم»(1) فجعله للعلة المذكورة للصلاة.
مسألة
[ الصلاة في الأرض المغصوبة ]
الحجة لمن أجاز الصلاة في الأرض المغصوبة لأنه إذا صح الأذان انزاح
المنع كما لو انزاحت النجاسة من الأرض النجسة جازت فيها الصلاة.
مسألة
[ وحجة من قال بعدم السجود على كور العمامة ]
الحجة لمن لم يجوز السجود على كور العمامة أن الله تعالى أثنى على المصلين بقوله: { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } (2) والسجود
على كور العمامة لم تحصل منه تلك السمة التي ذكرها الله تعالى.
مسألة
[ حكم الصلاة خلف الصبي ]
الحجة لمن لم يجز الصلاة خلف الصبي أن ليس من ثبت له الصلاة جاز الائتمام به فإثبات الصلاة لا يكون دليلاً على انعقاد الجماعة لأن المرأة لها صلاة وليس لها جماعة ولا يجوز الائتمام بها.
مسألة
[ حكم صلاة الجمعة خلف الجبابرة ]
الحجة لمن لا يجيز صلاة الجمعة خلف الجبابرة لأن الجمعة في الأصل وحيث مع الإمام العادل باتفاق الأمة ولم توجبها إلا حيث أوجبها الإجماع.
مسألة
[ أهمية الخطبة يوم الجمعة ]
الحجة لمن قال: إن الخطبة ليست من الصلاة ولا بدلاً من ركعتين أنها لو
كانت كذلك لكان من لم يدركها أعاد الصلاة أربعاً ولو كانت كذلك ما جاز أن يدبر بها القبلة.
مسألة
[ حكم صلاة اللاغي يوم الجمعة ]
الحجة لمن أبطل الصلاة الجمعة على اللاغي فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من لغى فلا جمعة له»(3)
__________
(1) 3- رواه البخاري 2/86 في الأذان، باب الأذان قبل الفجر، ومسلم رقم 1093 في
الصيام وأبو داود رقم 2347 في الصوم باب وقت السحور، والنسائي 4/148
في الصوم.
(2) 1- سورة الفتح آية 29.
(3) 1- الحديث الذي أخرجه الجماعة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة
أنصت -والإمام يخطب- فقد لغوت» وعند الترمذي «فقد لغا» واللغو: الهذر من
الكلام والباطل. (14/58)
صفحة 1850
فلهذا كان الصمت عليه واجباً فلما تركه لزمه نقض صلاته.
مسألة
[ حكم من انتقضت صلاته في صلاة الجمعة ]
الحجة لمن قال: أن إذا صلى الجمعة وكبر لإحرامه ثم أنقض عنه الجماعة أنه يبني على صلاته ويتمها جمعة لأنهم اشتركوا فيها ولأن الإمام إذا
أحدث بعدما افتتح ثم استخلف عليها من لم يشهد الخطبة وفاته منها شيء
بنى على ما بقي منها للزومه ذلك.
مسألة
[ حكم صلاة الوتر ]
الحجة لمن قال: إن الوتر ليس بفرض إنما هو سنة واجبة قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«إن الله زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم»(1) ولم يقل
زاد عليكم.
مسألة
[ وجوب قراءة الفاتحة ]
الحجة لمن قال: إن الصلاة لا تصح إلا بفاتحة الكتاب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج»(2) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بأم الكتاب»(3).
مسألة
[ أثر اغتصاب الجبابرة الزكاة ]
الحجة لمن قال: إن من عليه زكاة فميزها فتوقع عليها الجبابرة فاقتسروها ووزعوها على الفقراء بحضرته أنه لا يسقط عنه فرضها لأن ضمانها قد
تعلق على مقتسرها فلا يثبت لربها الضمان ويسقط عنه الفرض.
مسألة
[ إحسان الجوار ]
الحجة لمن أوجب على المتعبدين حقوقاً في أموالهم غير الزكاة قوله
__________
(1) 1- رواه أبو داود رقم 1418 في الصلاة، باب استحباب الوتر، والترمذي رقم 452 في
الصلاة، وانظر تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر 2/16.
(2) 2- أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة. انظر
جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 5/327 رقم 3424.
(3) 3- رواه البخاري 2/199، 200 في صفة الصلاة، ومسلم رقم 394 في الصلاة باب
وجوب قراءة الفاتحة وأبو وأبو داود رقم 822 في الصلاة، الترمذي رقم 247 في
الصلاة. النسائي 2/137، 138. (14/59)
صفحة 1851
تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } (1) إلى { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: ليس بمؤمن من بات شبعاناً وجاره طاوياً(2).
مسألة
[ عدم خلط الشعير بالبر في الزكاة ]
الحجة لمن أوجب الزكاة في نشب ذي اليتم والمس قوله - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذ الزكاة من أغنيائكم وأوضعها في فقرائكم»(3) وأطفال المسلمين
ومجانينهم داخلون في الخطاب معهم.
مسألة
[ عدم خلط الشعير بالبر في الزكاة ]
الحجة لمن لم يجز حمل الشعير على البر في أداء الزكاة أنهما جنسان
مختلفان وثمرتان متفاوتان.
مسألة
[ إخفاء الصدقة ]
الحجة لمن قال: إن إخفاء الصدقة أفضل قوله تعالى: { إِنْ تُبْدُوا
الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ } (4) ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أي رجل تصدق بصدقة فخفت يمينه
ما أعطت شماله»(5).
مسألة
[ لبس الخفين ]
الحجة لمن قال: أن المحرم إذا لم يجد النعلين فيلبس الخفي.
مسألة
[ زكاة مال الصبي ]
الحجة لمن لم يوجب الزكاة في مال لم يتعبد قوله تعالى : { خُذْ مِنْ
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 177.
(2) 2- جاء الحديث في الحث على الكافل والتصدق بغير الزكاة والوصية بالجار والأحاديث
في هذا المجال كثيرة والحديث ورد بروايات «ليس منا من بات شبعان وجاره
جائع...» وعلق عليه ابن حزم في المحل فارجع إليه.
(3) 3- الرواية المتفق عليها: «إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم
وترد على فقرائهم» وهذا لفظ البخاري انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
4/550 رقم 2655.
(4) 1- سورة البقرة آية 271.
(5) 2- حديث صحيح في باب صدقة التطوع وعدم الرياء. (14/60)
صفحة 1852
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } (1) والطفل لا يطهره أخذ ماله لأن
الله لم يكلفه ما كلف البالغ.
مسألة
[ عبادات الأطفال ]
الحجة لمن أجاز حج الصبي والعبد أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ألهذا حج فقال لها: «نعم ولك أجره»(2).
مسألة
[ حكم قبول الهدية لعامل الصدقة ]
الحجة لمن أجاز لعامل الصدقة عن قبول الهدية إلا من طريق الرشا قوله
- صلى الله عليه وسلم -: «لو أهدي إلى ذراع لقبلت»(3) وروي عنه نهي عماله عن قبول
الهدية والصدقة إلا ممن كان بينه وبين ذلك قبل الحكم.
مسألة
[ أخذ الجزية من أهل الذمة ]
الحجة لمن قال: يأخذ الجزية من كل ذمي إلا من فرح بالإجماع قوله
تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا
حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (4).
مسألة
[ احتجام المحرم ]
الحجة لمن أجاز للمحرم أن يحتجم إذا اضطر إلى ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم(5) إذا لم
يقطع المحرم شعراً ولم يرد في الحديث ذكر الشعر.
مسألة
[ زواج المحرم وتزويجه ]
__________
(1) 1- سورة التوبة آية 103.
(2) 2- أخرجه مسلم 1336 في الحج باب صحة حج الصبي والموطأ 1/423 في الحج،
وأبو داود رقم 1736 في المناسك باب الصبي يحج، والنسائي 5/120.
(3) 3- قبول الهدية ممن بينهما أصلاً علاقة تهادي قبل تولي منصب القضاء والله أعلم.
(4) 1- سورة التوبة آية 29.
(5) 2- رواه البخاري 4/155 في الصوم باب الحجامة، ومسلم رقم 1202 في الحج باب
جواز الحجامة للمحرم، وأبو داود رقم 2372 في الصوم باب الرخصة للصائم أن
يحتجم، والترمذي رقم 775، 776، 777، في الصوم. (14/61)
صفحة 1853
الحجة لمن لم يجز للمحرم أن يزوج ولا يتزوج من تزويجه من النساء
ولا يطأ فراشاً تقدم في ملكه ما روي عن عثمان بن عفان رحمه الله أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يفعل ذلك»(1).
مسألة
[ أخطاء المحرم وما يقابلها من الفداء ]
الحجة لمن قال: إن للمحرم أن يميط الأذى عن نفسه ويفتدي أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - لما آذت كعب(2) ابن عجرة هوام رأسه وهو محرم أمره أن يحلقه
وينسك بشاة أو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
مسألة
[ حجة من قال الحج على التخير ]
الحجة لمن قال بتأخير الحج إلى آخر العمر أن الأمر بالفعل لا يلزم في وقته إلا من كان عليه قادراً فإن أخره بعد لزومه حتى زمن جاز أن يحجج عن
نفسه بالخبر الوارد.
مسألة
[ ما على الحاج من طواف وسعي ]
الحجة لمن قال: إن القارن بالحج والعمرة يجزئه طواف واحد وسعي
واحد ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طوافك وسعيك يجزئ بأنك لحجك
وعمرتك الحجة لمن أوجب الجزاء في الخطأ وإن لم يأت وجوبه نصاً أن من
شأننا القياس وقد أوجب الله تعالى في قاتل الخطأ في النفس الكفارة ومن
أصل القايسين أن يردوا حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق به.
مسألة
[ أمر النكاح إلى الأولياء ]
الحجة لمن قال: إن أمر النكاح مردود إلى رضى الزوجين لا إلى الأولياء قوله تعالى: { أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } (3) فأضاف التراضي إلى الزوجين
ولم يجعل للولي حظاً من الخطاب.
مسألة
__________
(1) 3- الدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» جامع الأصول في
أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 3/53 رقم 1333.
(2) 1- كعب بن عجرة الأنصاري السَّالميُّ المدني، من أهل بيعة الرضوان، له عدة أحاديث
روى عنه بنوه سعد ومحمد وعبد الملك وربيع، وطارق بن شهاب وآخرون. حدث
بالكوفة وبالبصرة -رضي الله عنه- انظر سير أعلام النبلاء 3/52 - 54.
(3) 1- سورة البقرة آية 232. (14/62)
صفحة 1854
[ حكم شهادة غير العدول ]
الحجة لمن قال بجواز شهادة غير العدول في النكاح والرد من الطلاق
لأنها شهادة حضور ليست شهادة أخبار وإن كان المذكور في الرد شهادة العدول فإنهم عدول في الإقرار لا في الأداء.
مسألة
[ حكم تزويج اليتيمة ]
الحجة لمن قال: إن تزويج اليتيمة جائز على نظر المصلحة لها وأنه
موقوف إلى بلوغها ورضها أن الموصي إذا أوصى بأكثر من ثلث ماله
فوصيته موقوفة على رأي الوارث فيما نما على الثلث وإن من باع مال غيره فالبيع موقوف على رضاء رب المال.
مسألة
[ حكم عدم ورود ذكر المهر في العقد ]
الحجة لمن قال: إن النكاح ينعقد ولو لم يرد ذكر المهر ولها مهر مثلها قوله تعالى: { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } (1) إلى تمام الآية فأثبت النكاح مع إهمال ذكر الصداق.
مسألة
[ ماهية الخلع ]
الحجة لمن قال: إن الخلع فسخ نكاح إجماع الأمة أنهما يتوارثان ولو
هلك أحدهما في العدة وهو رأي ابن عباس وجابر بن زيد رضي الله عنهما.
مسألة
[ حكم نكاح السر ]
الحجة لمن قال نكاح السر لا يثبت ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يجوز النكاح إلا بالإعلان ليمتاز من حكم السفاح
وقيل: إذا استكتم الشاهدان على النكاح فرق بين الزوجين.
مسألة
[ حكم الخيار في النكاح ]
الحجة لمن قال: إن للمرأة الخيار كما للرجل إذا كان مما يرد به النكاح أنهم ردوا البرصاء إلى ذي العنة(2) وكذلك الرتقاء والنحشاء(3) وغير ذلك
من العيوب.
مسألة
[ حكم مهر الزانية المتزوجة ]
الحجة لمن قال: إن المرأة إذا زنت ولها بعل بطل مهرها عنه قياساً على
__________
(1) 1- سورة البقرة آية 236.
(2) 1- العُنَّةُ: صفة العنين: وهو الذي لا يقدر على إتيان النساء والمرأة لا رغبة لها بالرجال.
انظر طلبة الطلبة ص136.
(3) 2- النحشاء: عيب من عيوب الزوجية وهو مرض يجيز للرجل فسخ النكاح. (14/63)
صفحة 1855
المرتدة لأنها إذا وطأت فراشه غيره ظلماً وتعرضت لإبطال ما وجب لها بالمعاشرة فشابهت المرتدة وحكم عليها بحكمها.
مسألة
[ أثر الردة على النكاح ]
الحجة لمن قال: إن من له زوجة فارتد بطل نكاحها فإذا أسلم ردت عليه زوجته تأسياً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد روي عنه أنه رد ابنته زينب على العاص
بن الربيع(1) وأبو سفيان وامرأته هند كانت مقيمة على الكفر فأسلمت
فردها إليها على النكاح الأول.
مسألة
[ النكاح مقابل المنفعة ]
الحجة لمن وجب عليه صحة النكاح على المهر المجهول وأثبته ما فعل موسى في تزويج ابنة شعيب عليه السلام على استئجار السنين المذكورة
والعمل المجهول فإذا كان هذا عمل أنبياء الله فالاقتداء بهم واجب والتأسي
بهم عبادة.
مسألة
[ حكمة الجماع في نهار رمضان ]
الحجة لمن قال: إن المباشرة عرسه نهاراً في رمضان متعمداً أن عليه
القضاء والكفارة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من وطأ زوجته عمداً في رمضان فعليه
القضاء والكفارة»(2).
مسألة
[ أثر النية في الصوم ]
الحجة لمن قال: الصوم لا يجوز إلا بتثبيت نية من الليل في نفل ولا
__________
(1) 3- العاص بن الربيع: هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد =
(2) = مناف، صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج ابنته زينب وهو والد أمامة التي كان يحملها النبي
- صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أخت أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- أثنى عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -
فقال: «حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي» وكان من تجار قريش وأمنائهم لما هاجر
رد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجته زينب بعد ستة أعوام على النكاح الأول، وفي رواية بعقد
جديد والله أعلم. انظر سير أعلام النبلاء 1/330 - 334.
1- وردت القصة بروايات متعددة وختمت بالكفارة على المجامع في نهار رمضان. انظر:
جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - 6/422 - 427 رقم 4616 ورقم 4617. (14/64)
صفحة 1856
فرض أنه دخل على عائشة فقدمت له طعاماً فأكله فقيل له: ألست صائماً؟ فقال: «إني لم أثبت بالنية من الليل»(1).
مسألة
[ أثر الكذب على العبادات ]
الحجة لمن قال: إن الكذب المعتمد عليه ينقض الطهارة والصوم وكذلك غيبة المؤمن ما روى أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن
النميمة الكذابة والكذب والغيبة ينقض الصوم والوضوء»(2).
مسألة
[ الصوم في السفر ]
الحجة لمن قال: لم يجوز الصوم في السفر قوله تعالى: { فَمَنْ كَانَ
مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (3) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس من
البر الصيام في السفر»(4) وخير أصحابنا في ذلك أكثرهم.
مسألة
[ قبول شهادة العدل الواحد ]
الحجة لمن قال بقبول شهادة العدل الواحد لأن الله تعالى تعبد الخلق بعبادات مختلفة فأما الأموال فأمر أن لا تقبل فيها إلا شهادة عدلين وفي
عمل الأبدان أن تقبل فيها شهادة العدل الواحد بقوله جل ذكره: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ } (5) فلما أمر بالتبين عند خبر الفاسق علمنا أنه أمر بقبول خبر غير الفاسق.
النهج الثامن والأربعون
في إقرار الوارث بالوصايا
و أحكام ذلك
النهج الثامن والأربعون
__________
(1) 1- أهمية النية في الصوم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا
صيام له» أخرجه أبو داود رقم 2454 والترمذي 730 في الصوم والنسائي 4/196،
197 باب النية في الصوم. والدارمي في سننه 2/6 في الصيام.
(2) 2- في الترهيب من الغيبة والنميمة والكذب والله أعلم.
(3) 3- سورة البقرة آية 184.
(4) 4- رواه البخاري 4/161، 162 في الصوم ومسلم رقم 1115 في الصيام باب جواز =
(5) = الصوم والفطر في شهر رمضان، أبو داود رقم 2407 في الصوم والنسائي 4/176
في الصوم.
1- سورة الحجرات آية 6. (14/65)
صفحة 1857
في إقرار الوارث بالوصايا(1) و أحكام ذلك
مسألة
[ أثر إقرار الوارث ]
ومن هلك أبوه ولا وارث له غيره فأقر الابن أن أباه أوصى لزيد بثلث ماله ثم قال: لا بل أوصى به لفلان وأني نسيت فإن الثلث لمن أقر به أولاً
ولمن أقر به آخر ثلث غيره لأنه استهلك الثلث الأول فضمنه.
مسألة
[ صورة من الإقرار ]
وإذا أقر الولد أن أباه أوصى لهذا بثلث ماله ثم سكت ثم قال: أوصى به لهذا فإنه يدفع إلى الأول كاملاً ويدفع إلى الآخر نصف الثلث.
مسألة
[ كتابة الوصية ]
ومن له حق على آخر فقال: إن لم أكتبه عليك فهو وصية لك مني
فمات من له الحق فهو وصية كما أشهد به إن خرج من الثلث وعلى الورثة البينة أن كتبه وعلى الموصى له يمين أنه ما كتبه له.
مسألة
[ أثر القتل على الوصي ]
ومن أوصى لآخر بثلث نشبه ثم أصماه جماعة بتعدي ذي ظالم عليه
فإن قتله خطأ فللموصي له ما أوصى له به وهو ثلث الدية وثلث المال وإن
قتل عمداً فلا حق له في الدم إلا أن يعفو الورثة عن القتل ويصالحوه فإن
رجع العمد دية كان للموص له ثلث الدية.
مسألة
[ أثر إبراء المقرور له المقرر ]
ومن قال: عندي لك يا فلان كذا فأبى المقرور له وقال ليس لي عندك شيء ثم رام أخذها منه فأنكره فلا يحكم له بشيء لأنه أبرأه إلا أن يقر له
المقر ويصدقه المقرور له لزمه الذي أقر له به.
مسألة
[ نوعية الإقرار ]
ومن قال عندي كذي مائة دينار لأحد هذين الرجلين وهما فلان وفلان ولم أعلم لأيهما هي فإنه يجبر أن يبين لأيهما هي ويحلف لآخر فإن نكل
سلم له مائة أخرى كمثل ما أقر به.
مسألة
[ صورة من الإقرار ]
ومن قال: كل شيء بيدي من دنانير أو متاع أو دراهم فهو لفلان ليس
لي منه شيء فهذا غير ثابت إلا أن يعلم الشيء الذي أقر به يوم أقره.
مسألة
[ من ألفاظ التبرع والتنازل ]
__________
(1) 1- الوصايا: جمع وصية، والوصية من أوصى يوصي إيصاء ولها مشتقات كثيرة.
واصطلاحاً: عقد مضاف لما بعد الموت. (14/66)
صفحة 1858
ومن قال: قد تصدقت أو جعلت أو وهبت كذا من مالي في سبيل الله
أو للفقراء ولأرحامه وهو صحيح أو مريض أحرز عليه أو لم يحرز حتى
مات ولم يرجع ثبت عليه وليس لورثته رجوع لأنه جعله في باب يروا نما له الرجعة إذا جعله لفقير بعينه أو في شيء سوى أبواب البر فهذا لفقير بعينه أو
في شيء سوى أبواب البر فهذا إذا لم يحرز عليه لم يثبت في الصحة ولا
في المرض وإنما يجوز بغير إحراز في الصحة مثل السبيل والفقراء والشراء
ونحو ذلك.
مسألة
[ تعارض البينات في العطايا ]
ومن أقام بينة عادلة أن أباه أعطاه عطية وأحرزها وأقام الوارث بينة أن أباه لم يزل بأكل هذا المال ويتصرف فهذه شهادة غير جائزة لأنها معارضة ومن أوصى لامرأته بكسوتها ومعاشها في ماله حتى تموت إلا أن يحدث حدثاً
فلها ذلك في ثلث ماله والمفعول أن المعاش هو الطعام فإن ادعى الورثة أنها
أحدثت حدثاً فوصيتها ثانية حتى يسمي الحدث عند الوصية لأن حركاتها
من قيام وقعود وغير ذلك كلها أحداث.
مسألة
[ من صيغ الوصية ]
ومن قال: فإذا مت فلفلان من مال كذا ولم يقل عطية ولا وصية فهي وصية.
مسألة
[ الوصية لبعض الأبناء ]
عن أبي مروان ومن أوصى لبعض أولاده بشيء في مرضه وأمضى
الباقون من أولاده وأحرز الموصى له قبل موت أبيه فلما مات الأب أولاد
الذين لم يوص لهم مشاركة أخيهم فيما أوصى أبواه له به فهم في ذلك
شركاء في الوصية ولا يضرهم إمضاؤهم ذلك وللإحراز أخيهم إلا أن
يكون أحرز في صحة أبيه على إذا عرفهم ما أوصى له به وأتموه في حياة
أبيهم لم يكن لهم رجعة بعد موته والأصح أن لهم الرجعة لأنهم أتموا ما لم يملكوا إلا أن يكون الإتمام بعد موت أبيهم فليس لهم رجعة لأن المال قد
انتقل لهم.
مسألة
[ اختلاف الشهادة على الوصية وأثرها ]
وإذا شهد شاهد على ميت بمائة درهم أوصى بها للفقراء ثم شهد شاهد
آخر أنه أوصى بها للمساكين فهي للفقراء لأنها شهادة متفقة ومن قال: (14/67)
صفحة 1859
علي حق لعمرو فإن مت فله قطعت كذا من مالي فهذه وصية لأنه أقر بالحق وأبهم عدده وإن قال: هي له بذلك الحق فهو قضى.
مسألة
[ وقف الباسقات ]
ومن وقف باسقات من ماله تنفيذ غلتهن في إصلاح مسجد كذا وما فضل فهو في قبضت أرباب المخمصة فعن أبي علي أنه جائز فيما أوقفه ولا رجعة له.
مسألة
[ أثر توزيع التركة وعدم المطالبة بالوصية ]
ومن أوصى لأحد بوصية أو دين فمات ولم يطلبها الموصى له حتى وزع ماله وارثه ثم طلب فإنه يدرك وصيته ودينه في هذا حيث وجده ويرجع
الذي اشتراه على من باعه بقدر ما أدرك فيه.
مسألة
[ الوصية للأخ لأم ]
وإذا كان للمرأة أخ لأم فقالت في صحتها يوم تموت فلأخي هذا ثلث مالي وأشهدت على ذلك أيضاً عند موتها ثم ماتت وقد أتت بولد بعد
الوصية فادعى وارثها أنها أشهدت له وهو وارث وادعى أنه استحق الوصية
بعد الموت فله وصية ويروى عن بعض الفقهاء أن الوصية له باطلة وأما إذا أوصت له وهو غير وارث ثم صار وارثاً فمات الموصي والموصى له غير
وارث فله وصيته بلا اختلاف.
مسألة
[ صورة من الوصايا ]
ومن أوصى لأقربيه بالنحلة ولابن السبيل شيء معين ولم
يفرضهما وزعت بينهم على أربعة لكل صنف منهم الربع ثم قسم الربع للأقربين وربع للفقراء على ثلاثة فثلثاه للأقربين والثلث للفقراء.
مسألة
[ صور من الوصية ]
ومن أوصى لنخلة إيمانه ولم يوص للأقربين لم يدخل الأقربون في
وصية الإيمان وإن أوصى لنخلة إيمانه ولا قربيه كان بينهما نصفان ومن
أوصى لنخلة إيمانه وللفقراء قسم بينهما نصفان ثم يكون للأقربين ثلثا
نصف الفقراء.
مسألة
[ الوصية المطلقة ]
وإذا أوصى الموصي أنه قد جعل الوصية أن يشتري من ماله بما شاء من الثمن جاز ذلك للوصي قال أبو أعلى أنه يجوز للوصي أن يشتري مما يكال
ويوزن ما شاء من مال الموصي ولو لم يجعل له ذلك وقيل: لا فرق بين ما
لا يكال ولا يوزن.
مسألة
[ أثر الإقرار بعصبة أخرى ] (14/68)
صفحة 1860
ومن أقر عند موته بعصبة في دار كذا فلما مات أنكره ورثته فإقراره بالعصبة غير ثابت إلا بالصحة وميراثه لورثته الثابت نسبهم بالبينة العادلة
ولا يعلمون له وارثاً غيره.
مسألة
[ الإقرار بوارث آخر ]
عن هاشم(1) وبشير(2) وخالد بن مسعوة(3) أنهم قالوا من أقر بوارث من غير أن يصح نسبه فالميراث له حتى يجيء ببينة تعرب عن باطل ما قال.
مسألة
[ الإقرار عند الموت ]
وإذا قدم ضارب من دار نائية ومعه غلامان فأقرانهما ابن أخيه ليس له وارث غيرهما فلما آن نزعه وتيقن ختماً أن يُسجد أصله وفرعه أشهد أن له ولدين فأرى إثبات قوله الأول وبلامين وإن رام الولدين تأجيلاً في إحضار البينات آجلاً على ما يراه الحاكم.
مسألة
[ الإقرار بزوجة عند الموت ]
وإذا ذو وصب أقر بعرس ففي ميراثهاً منه اختلاف وأما الصداق فلا حتى يصح وما أوصى به الموصي من جميع حقوق الله فهو من رأس ماله كالدين وهو رأي موسى بن أبي جابر وقال الربيع : هو من الثلث وهذا هو الأصح.
مسألة
[ أثر تأخير النذر إلى عند الموت ]
ومن أوصى بتمر وأبهم أمر الورثة بإخراج تمر دقل أخرجوا ما شاءوا ومن نذر إن عافا الله ابنه فله عشرون نخلة ثم تمادى في عطيته حتى تصرمت
أيامه وآن حمامه أوصى أن يعطا ما كان نذر له به في حياته فله ذلك من
ثلث ماله وهو رأي أبي عثمان.
مسألة
[ الحذر من فساد الوصية ]
__________
(1) 1- هاشم :هو هاشم بن غيلان وقد سبق ذكره.
(2) 2- بشير: هو الشيخ العلامة أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب الرحيلي وقد سبق
ذكره في الأجزاء السابقة.
(3) 3- خالد بن سعوة: خالد بن سعوة الخروصي من عقر نزوى من فقهاء النصف الثاني من
القرن الثالث شهد أحداث موسى وراشد وعزل الصلت بن مالك وشهد وقعة
الروضة ومن تنوف فأسره جنود راشد بن النضر وسجنه مع جملة الأسرى بنَزوى ثم
أطلقه. انظر إتحاف الأعيان ص422. (14/69)
صفحة 1861
وإذا حاذر الوصي فساد ما أوصى به عليه جاز له بيعه وحفظ ثمنه فبعض ضمنه الثمن إن توى وأما إن باعه بأمر الحاكم أو الجماعة سقط عنه الضمان وأزيح الشك والران.
مسألة
[ ظهور وارث بعد تنفيذ الوصية ]
عن أبي الحواري: من كان لا يعلم لنفسه وارثاً ولا يعلم ذلك وصية وأوصى بماله في أشياء شتى من أنواع البر فأنفذها الوصي ثم صح له وارث
فلا ضمان على الوصي وقالوا إنما أدركه الوارث في المال بعينه أخذ ثلثيه
وترك الثلث للوصية.
مسألة
[ من صور الوصية ورد البيع بالعيب ]
ومن أوصى على آخر لبيع غلامه ويتصدق بثمنه على الفقراء ففعل بعد موت رب الغلام ورد الغلام بعيب فعلى الوصي الغرم وإذا قال الوصي للمشتري: هذا الغلام أمرني الموصي أن أفرق ثمنه على المساكين ولا أعلم
لي بشيء من أمره فإن شئتم فاشتروا وإلا فاتركوا فاشتروه على هذا فلا
شيء على الوصي قال أبو عبد الله: أرى على الوصي أن يرد عليه الغلام
بالعيب إذا كان به عيب قبل البيع فإن كان للميت مال فهو في مال الميت وليس على الوصي شيء.
مسألة
[ الوصية بمتاع البيت ]
عن جابر بن زيد: ومن أوصى لأحد بمتاع بيته فإن لم يميزه فله ما سد
عليه باب البيت ويروى عن بعض الفقهاء أنه قال: إن المتاع كل شيء تمتع
به وينتفع به من الأمتعة في بيوتهم ولست أرى الثياب ولا الحلي ولا التبر
ولا اللجين ولا الدواب ولا الرقيق ولا شيء من الأطعمة ولا الأصول من
متاع البيت وأحد أن يرجعوا إلى ما يراه العدول من أهل الدار.
مسألة
[ غياب صاحب الأمتعة وموته وأثر ذلك ]
ومن استأجر داراً فجعل فيها أمتعة فغاب ولم يعلم وارث فعلى الحاكم حفظ ماله فإن علم بموته بالبينة فهو لورثته وإلا فمترك في المترك ولرب
المنْزل أجرته.
مسألة
[ حكم الوصية للابن بمثل ما للأخ ]
ومن أوصى لابنه بمثل ما أعطاه أخاه وبثلث ماله لآخر فإنه يخرج الدين من رأس ماله ثم يأخذ الموصى له بالثلث ثلث بقية المال ثم يعطي الولد مثل
ما أعطى أخاه. (14/70)
صفحة 1862
مسألة
[ الإطلاق في قوله: جعلت فلاناً وصياً ]
ومن قال جعلت فلاناً وصي ولم يقل بعد وفاته وإن قال: قد جعلت
فلاناً وكيلي في مالي وولدي بعد وفاتي فهو بمنْزلة الوصي وإن لم يقل بعد
وفاتي لم يقم مقام الوصي ومن أوصى لزيد بغلام من غلمانه وعمرو يعرفه
فهذا لا يثبت إلا أن يجعله مصدقاً وإلا فهو شاهد.
مسألة
[ صورة من الوصايا ]
ومن أوصى على وصي بعد موته وجعله مصدقاً فيما أوصى عليه فيه مصدق في الدين إلا أن يحيط بماله وفي الوصايا إلى ثلث ماله.
مسألة
[ الثقة في التصديق على الوصية ]
ومن قال: زيداً وصيي قد عرفته وبني وهو مصدق فيما قال أنه على له
أو لغيره فهو مصدق فيما قال كما جعل له وهو رأي موسى بن علي. وقال محمد بن محبوب: لا يصدق إلا أن يجد له أحداً إلى كذا صدق.
مسألة
[ صورة من الوصية ]
وإن أقر رجلان بغشيان امرأة وولداها فمات أحدهما وأوصى بحصته من
أبيه فإنه لا يكون وصياً مع الأب الباقي فوصي الأول على وصيته لهذا اليتيم فإن أوصى فيه الأب الباقي إلى وصي أيضاً فله ذلك ويكونا وصيين جميعاً.
مسألة
[ موت الموصى له قبل الوصي وسن الوصي ]
ومن أوصى لإنسان بشيء فإذا كان الموصى له قد مات قبل الوصية فالوصية مردودة إلى ورثة الموصي وإذا عقل الصبي وأوصى جازت وصيته
ولو لم يحتلم وهو رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأجاز عمر بن عبد العزيز وصية جارية بنت تسع سنين ووصية صبي ابن عشر سنين وهو رأي بعض أصحابنا أوصى بالمعروف والأصح أن وصيته تجوز إلى خمس ماله
وقول: إلى ثلث ماله.
مسألة
[ وصية الغلام ]
وإن أوصى الغلام بحق أو أوصى الإنسان بقيامه عليه فلا تثبت الحقوق
إلا ببينة وصحته ومن أوصى في وصية فعوفي انتقضت وصيته وكذلك إن أوصى في سفره ثم رجع فقيل أنه كالمريض وقيل: كالوصية في الصحة
وهو رأي أبي علي.
مسألة
[ قام الوصي بالتوكيل ]
وللوصي أن يوكل في حياته من يعينه على القيام بما هو فيه وليس له أن (14/71)
صفحة 1863
يوصي بعد موته في ذلك إلا أن يكون الميت جعل له ذلك فله أن يوصي
فيما جعل له.
مسألة
[ أثر عدم الوصية بإنفاذ حقوق الله المترتبة عليه ]
ومن قال أن عليه حجة أو نذراً أو أيماناً ولم يوص بأدائها فلا يلزمه أداءً أنه أقر ولم يوص بالإنفاذ فإن أوصى بإنفاذه ثبت عليه.
مسألة
[ تصرفات المريض مرض الموت ]
ومن أوصى أنه باع من ماله موضع كذا وهو مريض لفلان واستوفيت
ثمنه ثم مات الموصي فلورثته نقض البيع إن راموه وعليهم رد الثمن على
المقر له بالبيع.
مسألة
[ الوصية بمال مطلق على ماذا يحمل؟ ]
ومن أوصى لأحد بنخل ولم يقل من ماله فهي من ماله وكذلك الوصية
في سائر الأشياء وقيل من أوصى إلى وصي وجعل له أجرة تنمو على أجرة
مثله فله أجرة مثله.
مسألة
[ تخصيص بعض الأقارب بوصية ]
ومن خص بعض أقربيه بوصية وأوصى للأقربين جملة فأنكره الورثة ما
أوصى له به أحد مع الأقربين من وصيتهم فإن صحت وصيته رد ما أخذ
على الأقربين.
مسألة
[ مشاركة غير الموصى له في الوصية ]
وإذا ترك الميت ديناًَ يستغرق نشبه وأوصى لأقربيه بشيء فأمضى أرباب الدين وصيته فطلب الولوج مع الأقربين في الوصية فأجاز ذلك الفقهاء وأباه بعض وقيل: إذ ترك الديان الوصية للأقربين من مالهم دون الورثة وإن كانوا ثبتوا وصية الهالك فهي شركة للورثة ثلثاها وللأقربين الثلث.
مسألة
[ اقتسام الوصية بين الوصية والوقف ]
ومن أوصى بمائة درهم لآخر معنية وله ديون فإنه يعطى ثلث المائة ويوقف الثلثان منها فإذا استخرجوا من الدين ما يكون ثلثه بقي بالمائة وسائر الوصايا أعطوه المائة تامة وإن نقص الثلث وزع بين الوصايا بالحصص.
مسألة
[ وصية القن ]
وليس للقن وصية في ولده الحر ولا في نشبه وسيده أولى بنكاح ابنته
الحرة فإن زوجها أبوها المملوك وجاز البعل جاز والأصح لا يجوز.
مسألة
[ تحديد العدد في الوصية ]
ومن قال في وصيته: وأعطوا زيداً حتى مائة درهم من مالي فله مائة (14/72)
صفحة 1864
درهم وإن قال: إلى مائة درهم أعطي دون المائة بيسير.
مسألة
[ بعض أنواع الوصايا ]
ومن أوصى ببيع ماله من موضع كذا في جمة عنه أوله أو عليه جاز
ويكون من ثلث من ماله مع وصاياه ومن قال لآخر: أنفق على عيالي ألف درهم من مالك أو من عندك فادعى أنه أنفق كما أمره لم يقبل قوله إلا
بالبينة أو يقر ذلك من أنفق عليه ومن قال: أنفق على عيالي كل شهر عشرة آلاف درهم فالقول قوله إن أقر بالعيال مع يمينه ومن قال: ادفع إلى غلامي
هذا ألف درهم فأقر الغلام أنه دفعها إليه فالقول قوله وإن أنكر الغلام فعلى الدافع البينة.
مسألة
[ المخاطبة بلفظ العام ]
ومن قال لآخر: ادفع إلى زيد أو أعطه ألفاً ففعل فلما طالبه لها أنكره
وقال: إنما أردت أن تدفع له من مالك فإن الألف يلزم الأمر للدافع إلا أن
يقول: هب لها ألف درهم من عندك ولا يخدعه ومن قال في صحته أو
مرضه: قد برئ منه أو مات فيه إني جعلت للفقراء ولله أو في أنواع البر
كذا من مال ثم هلك ولم يوص بإنفاذه عنه من ماله فقد استضعف بعض الفقهاء ذلك وهو بمنْزلته إذا حنث فيها فلا يؤخذ بها الحالف ولا وارثه إذا
لمن يوص به.
مسألة
[ الوصية للحمل ]
ومن جواب الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله: ومن أوصى لبني
فلان بوصية وكانت امرأة الموصي لا ولادة حامل فإن وضعته لأقل من ستة أشهر فقد أوصى فهو داخل مع إخوته في الوصية وإن وضعته لستة أشهر
فما فوقها لم يدخل وهو رأي أبي ميسرة إلا أنه منذ موت الموصي.
مسألة
[ اشتراك المسلم وغير المسلم في الوصية ]
ومن أوصى لولد لرجل مات وكانت امرأة الموصي لولده حبلى
فأوضعته لأقل من سنتين مذ مات أبوه دخل في الوصية لأن السبب ثبت
من الأب ولو كان حياً لم يلحقه وهو رأي الفضل بن الحواري فافهم
الفرق بين الحي والميت وإذا أوصى الذمي لأقربيه وفيهم مسلمون فلهم
حصتهم من الوصية وإن أوصى مسلم وله قرابة من أهل الذمة قولهم (14/73)
صفحة 1865
حصتهم وقول: لا شيء لهم وهو رأي أبي الحسن وقول: يعطون كآخر
درجة المسلمين ولو كانوا أقرب.
مسألة
[ اختلاف الوصية في عدد الموصى لهم بين النظرية والواقع ]
عن أبي عبد الله ومن قال في وصيته وثلث مالي لبني فلان وهم ثلاثة
فوجد لأخيه خمسة أولاد فإن الوصية توزع بين الخمسة لأن الوصية قد
تثبت لبني أخيه وقوله: وهم ثلاثة صفة وإذا قال: أوصيت لبني أخي وهم
خمسة فإذا هم ثلاثة أخماس الوصي ويرجع الخمسان على ورثته لأن
الخمسة في الأولى موجودين وفي هذه الصفة معدومون وإذا قال: أوصيت
لبني أخي بثلث مالي وهم بالبصرة فلم يكن له بالبصرة بنو أخ وكان له بنو
أخ بمكة فالوصية لهم وقوله بالبصرة صفة.
مسألة
[ تقسيم الوصية حسب المنصوص عليهم ]
وإذا قال: أوصيت لمحمد وأحمد وعبد الله بنو أخي بثلث مالي فوجد
لأخيه خمسة أولاد ثلاثة محمد وواحد أحمد وواحد عبد الله فعن محمد
بن محبوب: أن يقسم الثلث على الثلاثة لأحمد الثلث ولعبد الله الثلث والثلث بين المحمدين الثلاثة.
مسألة
[ معنى الوصية لبني فلان ]
وإذا أوصى لبني فلان فهي للذكور على الأرجح وقيل: للذكور والإناث وإن أوصى لبني فلان ولم يكن فيهم ذكر فالوصية باطلة وترجع إلى الموصي.
مسألة
[ الوصية لبني أخيه مطلقاً ]
ومن قال أوصي لأحد بني أخيه بثلث ماله ولأخيه عدة بنين وزعت
بينهم على كل منهم يمين علم أنه ما يعلم أن الوصية للآخر دونه إن رام إخوته ذلك.
مسألة
[ الوصية المجهولة العدد ]
ومن أوصى لبني أخيه فصح له أخوان ولهم أولاد ولم يسم هو لمن منهم فالوصية بينهم على عددهم.
مسألة
[ الوصية لفلان وبني فلان ]
عن أبي عبد الله: ومن أوصى بألف درهم لفلان ولبني فلان وبنو فلان خمسة أنفس فإنها تكون بين فلان وبني فلان نصفان لأن هاهنا اسم مفرد
وقال أبو سعيد هي بينهم معاً على عددهم.
مسألة
[ كيفية تقسيم الوصية لمجموعتين ] (14/74)
صفحة 1866
ومن أوصى لبني فلان وبني فلان وكان بعضهم أكثر عدداً من بعض فالوصية توزع على عددهم وقول: لكل بني فلان نصفها والأول أصح
ومن أوصى لفقراء قريتين فلفقراء كل النصف.
مسألة
[ الوصية بجميع المال ]
ومن أوصى لأحد بجميع ماله ولآخر بثلث ماله ولآخر بسدس ماله
فإنه يثبت لهم ثلث ماله فلمن أوصى بالكل سهمان ولمن أوصى له
بالنصف سهمان وللذي أوصى له بالثلث سهمان ولمن أوصى له
بالسدس سهم وبطل ما زاد على الثلث وقال بعض الفقهاء: يضرب
بينهم على قدر ما أوصى لهم به فيكون للذي له النصف كنصف من له
الكل ولمن له الثلث كثلثي من له النصف ولمن له السدس كنصف ما له
الثلث ولكل من الثلث.
مسألة
[ التفويض في وضع الوصية ]
ومن أوصى لأحد بوصية يضعها حيث أراد فالوصية جائزة ويضعها الموصى له حيث شاء ولا في مملوك وقيل: إن وضعها في نفسه فلا تحرم
عليه وهو رأي أبي عبد الله ومن أوصى لصبي بوصية يضعها حيث أراد
حبس له من الثلث بقدر ما أوصى له به إلى بلوغه فإذا بلغ فعل فيه ما أراد
وإن مات قبل أن يبلغ رجع إلى ورثة الموصي الأول وقال بعض الفقهاء:
إن كان للميت الأول وصي كان ما أوصى به للصبي وإلا وضعه
السلطان أو الجماعة مع عدمه على يد ثقة إلى بلوغ الصبي وما لم يبلغ
فلا يجوز فعله.
مسألة
[ الوصية يوم التلفظ ]
ومن أوصى برقيقه لزيد فحدث له رقيق بعد الوصية فمات ثبت له ما
كان في ملكه يوم الوصية إلا أن يقول يوم أموت فرقيقي لزيد فله ما كان
يوم موته.
مسألة
[ أثر البينة في ثبوت الوصية ]
عن أبي علي: وإذا اختلف الورثة والعبيد أنّ مماليكه بعد الوصية وقال الورثة قبل الوصية فالقول قول العبيد وعلى الورثة البينة ما استفاد بعد الوصية.
مسألة
[ أثر التبرع من الزوجة لزوجها قبل الوفاة بمدة ]
ومن أعطته زوجته شطراً من مالها فتعايشا برهاً ثم ماتت الزوجة واختلف هو والورثة فالبينة على ورثة الزوج أن لزوجة حدث لها مال بعد العطية.
مسألة
[ من صيغ الوصية ] (14/75)
صفحة 1867
ومن أوصى بثلث ما يبقى من ثلث ماله لزيد ولم يوص في الثلث بشيء فله الثلث كله لأنه باق كله وإن أوصى بشيء قبل هذه الوصية أو بعدها فله
ما فضل.
مسألة
[ جواز الوصية بالجارية ]
عن أبي مروان وأبي علي سليمان بن الحكم وموسى بن علي أن من
أوصى لأحد بجزء من ماله فله ربع ماله لقوله تعالى: { فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ
الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } (1) الآية ومن قال جاريته الحامل لزيد جازت وصيته
وإن قال: ما في بطنها لعمرو جاز أيضاً.
مسألة
[ الوصية بالباسقة ]
ومن قال: باسقتي هذه لزيد وثمرتها لخالد جاز فإن كان الباسقة أثمرت
يوم أوصى فللموصى له تلك الثمرة وإن لم تكن بها ثمرة أيان نزعه فالثمرة
له مؤبدة والنخلة لمن أوصي له بها.
مسألة
[ الوصية بالحائط الشخصي والنخل الشخصي ]
ومن أوصى بحائطه هذا لعمرو وأوصى لزيد بنخلة حائطه ذلك ثم مات وهو يخرج من الثلث فلمن أوصى له بالحائط نصف النخلة وما بقي من
بياض الحائط ولمن أوصى له بالنخل نصف النخل فقط.
مسألة
[ من أنواع الوصايا ]
ومن أوصى لأحد بعضبه هذا وأوصى لآخر بنصل العضب كان النصل بينهما لأنه أوصى لهما به جميعاًَ والغمد وما سواه للموصي قال أبو سعيد:
إن وصيته بالنخل بعد وصيته بالحائط للآخر رجوع منه في الوصية لرب
الحائط وللنخل كلها بما يستحق للموصى له بها وما بقي من الحائط فلربه وكذلك العضب.
مسألة
[ الوصية بنفقة الشخص ]
ومن أوصى لآخر بنفقة لكل شهر خمسة دراهم ما عاش ولآخر بثلث
ماله فالثلث بينهما فيأخذ من أوصى له بالثلث نصفه ويوقف النصف لمن له النفقة ينفق عليه فإن مات قبل استفراغه رد الباقي على الموصى له بالثلث
وأما إذا فرغ نصف الموصى له بالنفقة قبل أن يموت فليس له إلا ذلك.
مسألة
[ تعدد الموصى لهم ]
ومن أوصى بثلث ماله لفلان ولفلان وللفقراء فللفقراء ثلث الثلث
ولفلان ولفلان ثلثاه بينهما نصفان.
مسألة
[ الوصية بالبيت ]
__________
(1) 1- سورة البقرة: جزء من آية 260. (14/76)
صفحة 1868
ومن أوصى لآخر ببيت في داره فله الثلث وطريقه حتى يخرج من باب الدار ولا يعطى بيت بلا طريق ولا ينتفع به.
مسألة
[ الوصية بثمرة البستان خمس أو عشر سنين ]
ومن أوصى لآخر بثمرة بستانه عشر سنين فأكلها بعض المدة فمات فإنها ترجع إلى ورثة الموصى بها وقول: إنها لورثة الموصى بها وقول إنها لورثة
الموصى له إلى خلو المدة وهذا هو الأصح والأوضح والأرجح.
مسألة
[ الوصية بالمرهون ]
من أوصى لأحد بشيء مرهون فقداه من مال الموصي لأنه دين عليه ثم
إن خرج من الثلث بعد أن يخرج فداه فهو للموصى له وإلا فله منه ما
يخرج من الثلث.
مسألة
[ الوصية بالدابة ]
ومن أوصى لآخر بدابة غائبة فإن خرجت من الثلث فالوصية جائزة
وعلى الموصى له إن قبل الوصية أن يأخذ الدابة حيث كان وليس على
الورثة إتيانها وعليهم أن يوكلوا من يسلمها إليه.
مسألة
[ الوصية بثياب البدن ]
ومن أوصى بثياب جسده لزيد وترك الموصي ثياباً مقطعة غير ملبوسة فللموصى له ما قطع وما لم يقطع فليس من ثياب البدن ما لم تكن أردته
لبسها أو لم يلبسها.
مسألة
[ وصية المريض بثلث ماله ]
وذو الوصب إذا استأذن ورثته أن يوصي فوق ثلث ماله أو كان
صحيحاً فأجازوا له ذلك ثم نكثوا بعد موته فقول: لا نكث لهم وهو
الأصح وقول: لهم النكث إذا جهلوا ما أوصي به وإن علموا عند
الاستئذان فلا نكث لهم.
مسألة
[ بيع المال الموصى به ]
وإذا باع الوصي مال الموصي وأنفذ ثمنه فيما أوصى به الهالك ثم
استحق عليه المال فالضمان في مال الموصي ولو وجد الموصى وصياً فجهل
أن يقيمه وأشهد ما عليه من الحقوق فإن كانت الحقوق الاختلاف فيها
وقدر على الوصي فلم يوص بها فلا يسعه والله أولى به.
مسألة
[ رفض الإنسان أن يوصي ]
ومن طلب منه أن يتوصى فأبى فلا يعجبني الإباء ما لم تخف مضرة في نفسه أو دينه أو ماله وليس للجماعة الإجماع على ترك الوصية وإن امتنع
فلا أقدم على تخطئتهم فكل أعلم بنفسه والله أولى بعذره.
مسألة (14/77)
صفحة 1869
[ الشهادة على قضاء الدين ]
وإذا تعذر على الموصي حصول وصي وأشهد ثقتين على قضاء دينه واقتضاء ديونه وإنفاذ وصاياه أجزأه ذلك مع التوبة ولا يكلف الله نفساً
إلا وسعها.
مسألة
[ وقت انتهاء التوبة ]
ومن فرَّط في قضاء دينه حتى آن نزعه فتاب ولم يجد من يشهده فإنه إذا تاب في وقت تنفعه التوبة وهو قبل السياق نفعته توبته.
مسألة
[ أثر تحسين الخط في الوصية ]
وإن كتب وصيته من لا يجوز خطه وأشهد على ذلك فإذا بلغ الاجتهاد ولم يجد غير ذلك فهو معذور إن شاء الله وأما إن وجد من يتوصى له
وجهل أن يوصي بما عليه ولم يشهد بما عليه فإنه غير معذور ولا سالم
لمخالفته للحق إذا كان الحق لازماً عليه بلا اختلاف.
مسألة
[ متى يعذر الإنسان بترك الوصية ]
ومن لم يدرك كاتباً ولا وصياًَ ولا شاهداً ممن يجوز كتابته ووصايته وشهادته فعليه الاجتهاد فإن عجز فالمعذور من عذره الله ولا يسعه ترك
ذلك بجهله إذا كان يدرك بغيته إذا اجتهد.
مسألة
[ جواز قضاء الدين عن الموكل والوصي ]
ويجوز للوصي والوكيل أن يقضي ما على الموكل والموصي من دين من ماله ويستقضي من مال من أوصى عليه أو وكله ما لم تمنعه حجة حق وقيل: إن الوكيل ليس له ذلك.
مسألة
[ متى لا تلزمه الوصية ]
ومن أراد أن يوصي فلم يجد إلا رجلاً واحداً فلا تلزم الرجل الوصاية لأنه لا يثبت الحق بشهادته كان الحق لمن عرفهم أو لم يعرفهم لغائب أو حاضر.
النهج التاسع والأربعون
في الموارث
و أحكامها
النهج التاسع والأربعون
في الموارث و أحكامها
مسألة
[ حقوق الميت من التركة ]
وليس عليه أن يلتزم بحق تعلق في ذمته فإذا مات الميت فأول ما يبدأ به
من ماله أن يكفن ويجهز جهاز الموتى ويحدث ثم يقضي دينه من جملة
نشبه ثم تنفذ وصاياه من ثلث نشبه ثم يقسم ما بقي من تركته بين ورثته
بعد جميع الديون الثابتة.
مسألة
[ أصناف الورثة ] (14/78)
صفحة 1870
ويصح الميراث للوارث من الموروث بإنفاق خمسة بالجزية والملة والنسب والنكاح والملك لأن المملوك إذا مات فماله لسيده. والوارث على ثلاثة
أصناف: ذوا سهام وفرضهم في كتاب الله كالزوجين والأبوين وأولاد من ذكور وإناث والإخوة والأخوات من ذكور وإناث لأبوين أو لأب أو لأم ثم ألحقنا بهم الجد والجدة وبني أولاد بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة
[ الدرجة الأولى تحجب الدرجة الثانية ]
ولا يرث جد مع أب ولا جدة مع أم ولا ابن(1) مع ابن ذكور فهؤلاء أحد ثلاثة أصناف ثم العصبات(2) فلهم ما فضل بعد أخذ ذوي الفروض فروضهم ولهم جميع المال مع عدم ذوي الفروض قال الله تعالى: { وَلِكُلٍّ
جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } (3) ثم من بعدهم ذوي الأرحام لقوله تعالى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } (4).
مسألة
[ أصحاب الفروض يقدمون على غيرهم ]
فأما أرباب السهام فمتقدمون على جميع الورثة وما فضل فهو
للعصبات من كان منهم أقرب للموروث نسباً ما لم يحل بينه وبين
الموروث أحد من الإناث.
مسألة
[ ميراث ذو الأرحام مع الفروض ]
ولا يرث ذووا الأرحام مع ذوي السهام ولا مع العصبات إلا مع الزوجة فللأرحام ما فضل بعد فرضهما وسنبين كل شيء في موضعه إن شاء الله.
مسألة
[ اختلاف الدين مانع من الإرث ]
__________
(1) 1- الصواب: ولا ابن ابن مع ذكر.
(2) 2- العصبات: مفردها عصبة والعصبة من العصب وهم العاقلة والعصبات أنواع :
1- عصبة بالغير الأبناء مع البنات. 2- عصبة بالنفس وهم البنوة، والأبوة، والإخوة،
والعمومة. 3- عصبة مع الغير كل أنثى لها فرض مقدر في الأصل وتحتاج في
عصوبتها إلى أنثى أخرى لم تشاركها في تلك العصوبة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اجعلوا الإخوة
مع البنات عصبات».
(3) 3- سورة النساء آية 33.
(4) 4- سورة الأنفال آية 75. (14/79)
صفحة 1871
ولا يرث متحنف وثنياً ولا وثني متحنفاً إلا أن يتحنف الوثني قبل توزيع نشب من يرثه إلا الزوجين إذا مات أحدهما على غير ملة الآخر فلا ميراث بينهما ولو تحنف الوثني منها قبل توزيع المال.
مسألة
[ ميراث العبد والقاتل (موانع الإرث) ]
ولا يرث القن بالنسب وبالعكس ولا يرث الباخع من بخعه خطأ كان أو عمدا ولا يرث ملك أهل الشرك بعضهم من بعض لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } (1).
مسألة
[ عدد السهام ]
السهام النصف والربع والثمن والسدس والثلثان والثلث فالثمن للزوجة
مع البنين والبنات أو أحدهم من الأولاد نسل الذكور وإن سفلوا كانت
زوجة أو زوجات وللزوجة الواحدة أو أكثر الربع مع عدم من ذكرنا إلا في مسائل العول(2) وهو للبعل مع وجود المرفوعين وله النصف عند عدمهم إلا
في مسائل العول وأصحابنا يتعمدون على تعويل المسائل.
مسألة
[ لمن النصف والسدس والثلث؟ ]
والنصف أيضاً للبنت المنفردة ولبنت الابن عند عدمها وللأخت للأب
عند عدم الخالصة والسدس للأب أو الجد مع الأولاد وأولاد الاثنين وللأم أو الجدة مع عدمها ومع الإخوة من الاثنين فصاعداً ولابنه الابن مع بنت
الصلب وللأخت للأب مع الخالصة ولابن الأم إذا انفرد والثلث للاثنين فصاعداً من الإخوة الأم وللأم عند عدم من لها معه السدس وولها ثلث
الباقي بعد فرض الزوجين كزوجة وأبوين أو زوج وأبوين.
مسألة
[ لمن الثلثين ]
والثلثان فرض الاثنين فصاعداً وهو أيضاً للأختين فصاعداً خالصة أو
لأب مع فقدهما ولابنتي الابن وإن سفلن.
مسألة
[ الوارثون من الرجال تسعة ]
__________
(1) 1- سورة الأنفال آية 73.
(2) 1- العول: فريضة عائلة مأخوذة من العول بمعنى الارتفاع يقال: عال الميزان إذا ارتفع.
وهو زيادة في عدد السهام عن أصل المسألة ونقصان في مقادير الأنصباء إذا ضاق
أصلها عن الفروض. أو بمعنى آخر زيادة البسط على المقام. (14/80)
صفحة 1872
والوارثون من الرجال تسعة الابن وابنه وإن سفل الأب وأبوه وإن علا والأخ وابنه وإن سفل خالصاً والأب والعم للأبوين أو الأب مع فقده وإن سفل والبعل.
مسألة
[ الوارثون من النساء ]
والوارثات من الكاعبات ست الابنة وابنة الابن وإن سفلن والأم والجدة وإن علون والأخت الخالصة أو للأب أو للأم والعرس.
مسألة
[ من لا يرث ]
ولا يرث بحال سنة القن والمصمي(1) عمداً والمدبر وأمهات الأولاد
والمرتد والخالف في الملة وفي المصمي خطأ اختلاف.
مسألة
[ من لا يسقط من الميراث ]
وخمسة لا يسقطون بحال الزوجان والأبوان وولد الصلب ذكر كان أو أنثى.
مسألة
[ منزلة ابن الابن ]
وابن الابن وإذا سفل يقوم مقام الابن في الفرض(2) والحجب(3) والتعصيب(4) مثاله ابن ابن أو بنت ابن فللأم مع هؤلاء السدس ولا يحجبها أولاد بناتها ولا يرثون معها كانوا ذكوراً أو إناثاً.
مسألة
[ من ميراث الأم ]
__________
(1) 1- المصمي: هو القاتل عمداً.
(2) 1- الفرض: معناه التقدير، الفروض أنصبة الورثة 6/1، 3/1، 3/2، 4/1، 8/1، 2/1
وقدرها الشارع الكريم ولا يجوز الزيادة عليها بقوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ... } النساء آية 13. لذا
قالوا: الإرث بالفرض: أي السهم المقدر.
(3) 2- الحجب: منع الشخص من الميراث كلاً أو بعضاً بسبب وجود شخص آخر وهو
نوعان: حجب نقصان مثلاً زوج له 2/1 ويأخذ مع الفرع الوارث 4/1 وحجب
حرمان: الأب يحجب الجد والأم تحجب الجدة وهكذا.
(4) 3- التعصب: من العصبة. وعصبة الرجل قرابته لأبيه، وبنوه والعاصب في الميراث هو
من ليس له فرض مسمى. عند انعدام الفروض يأخذ جميع التركة: الأب، الابن، ابن
الابن، الأخ، ابن الأخ، العم، ابن العم، وهكذا. (14/81)
صفحة 1873
ويحجب الأم عن الثلث إلى السدس الإخوة من الاثنين فصاعداً من ذكور وإناث لقوله تعالى: { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } (1) ولم يشترطوا في الإخوة أنهم يرثوا فإنهم يحجبون الأم ولو لم يرثوا فمن
مات وترك أبواه أو جد أبا أبيه وإخوته لأبويه أو لأبيه ولأمه فلها السدس والباقي لأبيه ولجده ولا يرث إخوته هنا شيئاً وحجباها.
مسألة
[ رأي ابن عباس في حجب الأم ]
عن ابن عباس رضي الله عنه: لا تحجب الأم عن الثلث بالأخوين حتى يكونوا ثلاثة ذكوراً وإناثاً لأن الجمع معه من الثلاثة فصاعداً وإن تفرد الأب حاز جميع الميراث وإن يكن أب وأم فللأب الثلثان وللأم الثلث.
مسألة
[ ميراث الجدة ]
ومن مات عن جدة وأب فللجدة السدس والباقي للأب أم أب أو أم أم وإن اجتمعا الجدات في درجة فمن مقام الجدة الواحدة ووزع السدس
بينهن وأخذ الأب الباقي.
مسألة
[ منزلة الأم والأب من الجد والجدة ]
وتحجب الأم الجدة عن الميراث ويحجب الأب أباه ويقوم الجد مقام
الأب جميع إلا مع الزوج والزوجة لأن لها مع الجد الثلث ولها مع الأب
ثلث الباقي. ولا يرث الإخوة مع الجد شيئاً لقوله تعالى: { آبَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } (2) وأجمعت الأمة أن ابن الابن
يقوم مقام الابن عند عدمه واختلفوا في الجد فمنهم من أقامه مقام ابنه وأبا ذلك آخرون وقد سمى الله الجد أباً كما حكى من قول نبيه يوسف عليه
السلام واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحق ويعقوب.
مسألة
[ فرض البنت وبنت الابن ]
وفرض البنت المنفردة النصف وللابنتين فصاعداً الثلثان لقوله تعالى:
__________
(1) 4- سورة النساء آية 11.
(2) 1- سورة النساء آية 11. (14/82)
صفحة 1874
{ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } (1) وإذا عدا من بنات الصلب فمن بنات الأبناء يقمن مقامهن وكذلك بنات الابن وإن سفل ما لم يحل أحد من الإناث ويقوم الأسفل
مقام الأعلى مع عدم الأعلى.
مسألة
[ ميراث بنت الابن مع البنت ]
ومن مات عن ابنة وبنت ابن فللابنة النصف ولابنة الابن السدس
تكلمت الثلثين فإن كان لابنة الابن أخ فالنصف بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كانوا بنو الإخوة كثير فالنصف بينهم كما قدمنا.
مسألة
[ ميراث البنات وبنات الابن ]
وإن مات عن ابنتين وبني ابن من ذكور وإناث فللابنتين الثلثان ولأولاد الابن الباقي وهو الثلث للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك القول في نسل
الابن ونسل ابن الابن الأسفل.
مسألة
[ تعصيب الأسفل الأعلى من البنات ]
ومن مات عن ابنتي ابن وبنت ابن أسفل فلابنتي الابن الثلثان ولا شيء لبنت الابن وإن كان معها أخ عصبها وورث إياها الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين ولو كان ابن ابن ابن أسفل منها فإنه يعصب أخته وعمته ولا يعصب إخوته إذ هو أسفل.
مسألة
[ نماذج من مسائل المواريث ]
فإن مات عن ابنتين وبنت ابن وعصبة فللابنتين الثلثان والباقي للعصبة
ولا شيء لبنت الابن ومثله إن مات عن ابنتي ابن وبنت ابن ابن وعصبته
وإن تكن العصبة أخاً وابن أخ عصبها وإن مات عن ابنتين وبنت ابن وابن ابن أسفل للابنتين الثلثان والباقي بين بنت الابن وابن ابن ابن ابن الأسفل
للذكر مثل حظ الأنثيين وخالف زيد وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا
للابنتين الثلثان والباقي لابن ابن ابن الأسفل ولا شيء لعمته.
مسألة
[ من مسائل المواريث ]
ومن مات عن ابنتين وبنت ابن وزوج وأم أو جدة فللزوج الربع وللأم أو الجدة السدس وللابنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن وتعول من اثني عشر
__________
(1) 1- سورة النساء آية 11. (14/83)
صفحة 1875
إلى ثلاثة عشر وإن مات ميت عن بنت وابنة ابن وابن ابن ابن أسفل فللابنة النصف ولابنة الابن السدس والباقي لابن الابن الأسفل فإن كن أكثر من واحدة بنات الابن فليس لهن إلا السدس.
مسألة
[ النصف فرض الأخت ]
وفرض الأخت إذا انفردت النصف وللأختين فما فوقها الثلثان ويقمن أخوات مقام الخالصات عند عدمهن في الاشتراك والانفراد كما بينا في
بنات الصلب.
مسألة
[ فرض الأخت الخالصة ]
فإن مات عن أخت خالصة وأخت لأب فلها أو لهن مع الخالصة
السدس وإن كان الإخوة لأبوين أو لأب واحد فالميراث بينهم للذكر مثل
حظ الأنثيين.
مسألة
[ ميراث الإخوة ]
ومن مات عن إخوة لأبوين وإخوة لأب فالمال للإخوة للأبوين مثل حظ الأنثيين وإن عدم الإخوة للأبوين قام الإخوة للأب مقامهم وللأخت من
الأب النصف مع عدم الخالصة وإن كن أكثر فلهن الثلثان وأما الإخوة للأم فللواحد إذا انفرد السدس وللأنثيين أو للابنتين فصاعداً الثلث لا يزاد عليه على الأصح إلا في مسائل الرد والذكور والإناث سيان.
مسألة
[ ميراث الأخت والإخوة من أي جهة ]
ومن مات عن أخت خالصة وإخوة وأخوات لأب فالأصح أن للأخت الخالصة النصف والباقي بين الإخوة للأب للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة
[ ميراث الأخت مع البنت ]
ومن مات عن بنت وأخت خالصة أخذت البنت النصف والباقي
للأخت الخالصة وإذا كانت الأخت لأب فسيان بنت وأخت خالصة وأخ وأخت لأب للبنت النصف وللأخ الخالص وأخته الباقي ولا شيء للأخ والأخت للأب.
مسألة
[ ميراث الأخت مع البنات ]
بنت وإخوة لأبوين ذكور أو إناث للبنت النصف والباقي بين الإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين بنت وابن بنت وأخت لأبوين للبنت النصف
ولبنت الابن السدس والباقي للأخت.
مسألة
[ من ميراث البنات والأخوات ]
بنتان وبنت ابن وابن أخ للابنتين الثلثان والباقي لابن الأخ ولا شيء
لبنت الابن وبنت ابن وبنت ابن ابن وأخت الأبوين للبنت النصف ولابنة
الابن السدس والباقي للأخت.
مسألة (14/84)
صفحة 1876
[ ميراث الزوجة مع الفروع والحوشي ]
زوجة وابنة وأختان للزوجة الثمن وللابنة النصف والباقي للأختين
لأبوين أو لأب.
مسألة
[ ميراث الأخوات الشقيقيات والأخوات لأب ]
أختان لأبوين وأخوات الأب للأختين للأبوين الثلثان والباقي للعصبة ولاشيء لأخوات الأب وإن كان معهن أخ ذكر عصبهن وأخذوا المال
للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة
[ نماذج من المواريث ]
أخت لأب وأم وأخ وأخت لأب للأخت الخالصة النصف والباقي بين الأخت والأخ للأب للذكر مثل حظ الأنثيين بنت وأخت لأبوين وأخ الأب للبنت النصف وللأخت الباقي ولا شيء للأخ للأب.
مسألة
[ متى يرث الإخوة لأب ]
وإذا عدم الإخوة للأبوين قام الإخوة للأب مقامهم في الانفراد والتثنية والجمع والتعصيب والفرض والذكورية والأنوثية.
مسألة
[ الأخوات مع البنات ]
والأخوات للأبوين أو لأب يقمن مقام العصبات عند البنات وبنات الابن وكذلك أخوت الأب عند عدمهن يعصبن الأخ للأبوين والأخ للأب.
مسألة
[ الأخت مع البنات ]
بنت أو بنت ابن وأخت لأبوين أو لأب فللبنت أو بنت الابن النصف والباقي للأخت كانت لأبوين أو لأب.
مسألة
[ من صور الميراث والحجب ]
بنتان وابنتان ابن وأخت للابنتين أو ابنتي الابن والباقي للأخت.
مسألة
[ ميراث الأخت لأب مع البنات ]
ابنتان وأخت لأب وابن أخ خالص فللابنتين الثلثان والباقي للأخت
للأب ولا شيء لابن الأخ للأبوين وإن كانت بنت واحدة والمسألة بحالها فللبنت النصف والباقي للأخت.
مسألة
[ ميراث أولاد الأم ]
إخوة وأخوات لأبوين وإخوة وأخوات لأم فللإخوة والأخوات للأم
الثلث وهم فيه سيان والباقي للإخوة والأخوات للأبوين للذكر مثل
حظ الأنثيين.
مسألة
[ الإخوة لأم، والأخوات لأب ]
عشرة إخوة للأم وعشرة أخوات لأب وأخ خالص فلإخوة الأم الثلث بينهم سواء والباقي للخالص.
مسألة
[ أولاد الأم ]
أخ لأب وعشرة إخوة لأم كالأولى.
مسألة
[ ميراث الإخوة من أي جهة ] (14/85)
صفحة 1877
أخت لأبوين وأخت لأب وأخت لأم تصبح من خمسة أسهم للخالصة ثلاثة ولأخت الأب سهم ولأخت الأم سهم.
مسألة
[ ميراث الأخوات من أي جهة ]
أختان لأبوين وأختان لأب وأختان لأم تصح من ستة أسهم للأختين الخالصتين أربعة أسهم ولأختي الأم سهمان ولا شيء لأخت الأب.
مسألة
[ ميراث الإخوة من أي جهة ]
أخت لأبوين وأخت لأب وأختان لأم تصح من ستة للأخت للأبوين النصف ثلاثة وللأخت للأب سهم تكملة الثلثين وللأختين للأم الثلث وهما سهمان لكل واحد منهما سهم.
مسألة
[ ميراث الأخوات معاً ]
أخت لأبوين وأختان لأب وأخت لأم الخالصة ثلاثة أسهم وهو نصف المال وللأختين للأب سهم تكملة الثلثين وللأخت للأم سهم صحت من
خمسة أسهم.
مسألة
[ من صور ميراث الأخوات ]
أختان لأبوين وأخ وأخت لأم للأختين للأبوين الثلثان أربعة أسهم وللأخ والأخت للأم الثلث سهمان ولا شيء للأخ والأخت والأخت للأب.
مسألة
[ من صور ميراث الأخوات ]
أختان لأب وأخ وأخت لأم قسمها من ستة للأختين للأبوين الثلثان أربعة وللأخ والأخت من الأم سهمان.
مسألة
[ من صور الميراث للحواشي ]
بنت وبنت ابن وأخت لأم وابن أخ لأب تصح من ستة أسهم للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي لابن الأخ للابن ولا شيء للأخ والأخت.
مسألة
[ من صور الميراث للحواشي ]
أختان لأبوين وأخت لأب وابن أخ لأب للأختين للأبوين الثلثان والباقي لابن الأخ للأب ولا شيء لأخته من أبيه مع الأختين.
مسألة
[ من صور العول ]
زوج وأم وأخت خالصة وأخت لأب للزوج النصف ثلاثة أسهم وللأم السدس سهم وللأخت للأبوين النصف ثلاثة أسهم وللأخت للأب سهم عالت من ستة إلى ثمانية.
مسألة
[ الأخ المشؤوم ]
زوج وأم وأخت لأبوين وأخ لأخت لأب للزوج النصف ثلاثة أسهم وللأم السدس وللأخت للأبوين ثلاثة أسهم ولا شيء للأخ والأخت للأب
لأن أخاها عصبها فضرها.
مسألة
[ الأخ المبارك ] (14/86)
صفحة 1878
أختان لأبوين وأخ وأخت لأب للأختين للأبوين الثلثان أربعة والثلث بين الأخ والأخت للأب للذكر مثل حظ الأنثيين لأن أباها عصبها فضرها في الأولى ونفعها في هذه.
مسألة
[ الأخ المشؤوم ]
بنت وبنت ابن ولها أخ وزوج وأبوان فللأبوين السدس أربعة وللزوج الربع ثلاثة وللبنت النصف ستة ولا شيء للابن وبنت الابن لأن أخاها
عصبها ولم ترث هي لأنها عدلت إلى ثلاثة عشر.
مسألة
[ الأخ المبارك ]
بنتان وبنت ابن ومعها أخ فللابنتين الثلثان والباقي لابنة الابن وابن الابن واجبة لأنها عصبها ضرها في الأول ونفعها في هذه وورثا معاً.
مسألة
[ من قسمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]
عن عبد الله بن مسعود رحمه الله أنه كان يعطي ثلث الباقي بعد ثلثي البنتين لابن الابن دون أخته وما فضل من الأخوات للأبوين للأخ وللأب
دون أخته ووافقه بعض الصحابة على ذلك.
مسألة
[ الإخوة مع الأبناء ]
ولا يرث إخوة الأم مع الولد وإن سفل ذكراً كان أو عكسه ولا مع
الأب والجد وإن علا ويدخل عليهم العول ويدخلون في الرد على الأصح.
مسألة
[ معنى العصبة ]
العصبة اسم جامع لكل ذكر حائل بينه وبين النسب من الإناث
يقطع النسب فأولهم الابن وابنة وإن سفل ثم الأب وأبوه وإن علا
ثم الإخوة للأبوين وما يخلو ثم الإخوة للأب وما أشبلوا فمن حام
تناوش الحطام.
مسألة
[ حجب الإخوة بالأبناء ]
ولا يرث الأخ الخالص مع الابن ولا الأخ للأب مع الأخ الخالص ولا يرث ابن العم الخالص مع العم للأب ولا العم للأب مع العم الخالص.
مسألة
[ ميراث أبناء الأخ ]
ابن أخ خالص وعشرة أولاد أخ خالص أيضاً فالمال مقسوم بينهم بالسوية على عدد رؤوسهم ولا يعطى كل واحد ميراث من أدلى به إذا كانت
درجتهم مستوية على الأصح.
مسألة
[ تقديم بعض الورثة على بعض ]
ولا يرث ابن الأخ للأبوين مع وجود الأخ للأب ولا الأخ للأب مع
الأخ الخالص لأن الخالص أدلى بطرفيه إلى المحدوث وابن الابن وإن سفل (14/87)
صفحة 1879
قدم في التعصيب على الأب والجد أب الأب وإن دنا استيفاء فرضه.
مسألة
[ لا عصبة في النساء ]
ولا عصبة في النساء إلا الأخت والأخوات مع البنت أو البنات الأخوات خالصات أو لأب كن البنات للصلب أو بنات ابن ولأم عصبة لمن عزب
علم أبيه.
مسألة
[ بعض صور التعصب ]
والأخ للأبوين يعصب إخوانه كابن الابن وكذلك الأخ للأب مع عدم الخالص إذا لم يقطع أحد بشرك أو ورق ومن الأب له يعلم وماتت أمه فعصبتها عصبته بعد أخذ ذوي الفرائض فرائضهم.
مسألة
[ لا ميراث للأرحام مع العصبات ]
ولا يرث الأرحام مع العصبات شيئاً فلو مات عن ابن بنت وابن ابن عم وأخت لأم واحدة لم يرث ابن البنت مع هؤلاء شيئاً قال الله تعالى: { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } (1).
مسألة
[ أصول توريث ذوي الأرحام ]
ذهب الفقهاء في تورث ذوي الأرحام على أصلين منهم من ورثهم
بالقرابة على سبيل توريث العصبات ومنهم من ذهب إلى تنْزيلهم وتورثهم مواريث آبائهم وإن من انفرد منهم حاز المال.
مسألة
[ أصناف ذوي الأرحام ]
وأولوا الأرحام أربعة أصناف فأولهم بنو البنات وبنات بنات الابن وبنو بنات الابن وما سفل من نسلهم ويقدم الأقرب منهم إلى الموروث ويعطى
المال كله على الأصح ذكراًَ كان أو أنثى.
مسألة
[ ميراث بنت البنت ]
مثل ذلك بنت بنت وابن بنت فمن قال بالتنزيل يعطون بنت البنت ثلاثة أرباع المال ولابن بنت الابن الربع والأصح أن المال كله لبنت البنت لأنها أقرب للميت بدرجة.
مسألة
[ بنت البنت وبنت الابن ]
بنت بنت وبنت بنت ابن فالميراث لبنت بنت الابن.
مسألة
[ ابن بنت وبنات بنت ]
ابن بنت وعشر بنات بنت أخرى فيها أقوال قول: لابن البنت المنفرد ميراث أمه ولعشر البنات البنت الأخرى ميراث أمه وقول يكون بينهم
للذكر مثل حظ الأنثيين والأصح أن الميراث بينهم بالسوية.
مسألة
[ بنت البنت وأبناء البنت ]
__________
(1) 1- سورة الأنفال آية 75. (14/88)
صفحة 1880
بنت بنت وعشرة بني بنت المال كله لبنت البنت لأنها أقرب بنات الأخ لأبوين وبنو أخت لأبوين فالمال بينهم بالسوية ولا يفضل ذكر على أنثى ولا يعطى كل منهم ميراث من أدلى به.
مسألة
[ بنت الأخ وأبناء الأخت ]
بنت أخ وعشرة بني أخت فالمال بينهم بالسوية عشر بنات أخ وبنت أخت المال بينهم سواء وقول : لكل وارث ميراث من أدلى به.
مسألة
[ بنات الإخوة ]
ثلاث بنات إخوة متفرقين فعلى قول التنزيل لابنة الأخ للأم السدس والباقي لبنت الأخ للأبوين ومن قال بالقرابة يجعل كله لأبنت الأخ
الخالص وتسقط بنت الأخ للأب في الحالين والأول صح.
مسألة
[ ثلاث بنات أخوات ]
ثلاث بنات أخوات متفرقات فالقسم بينهن على خمسة إلا بنت
الخالصة ثلاثة أسهم لأبنت الأخت للأب سهم ولا بنت الأخت سهم
كميراث أمها تهن.
مسألة
[ بنات الإخوة من طرق متعددة ]
بنت أخت لأبوين وبنت أخ لأب وبنت الأخ أو أخت لأم تصح من ستة أسهم للابنة الأخت للأبوين ثلاثة ولبنت الأخ أو الأخت من الأم سهم
ولبنت الأخ لأب سهمان فلكل ميراث من أدلى به.
مسألة
[ أبناء الأخوات وبنات الأخوات ]
عشر بنات أخت لأبوين وبنت أخت لأب وابن أخت لأم لبنات الأخت الخالصة ثلاثة أخماس المال وللبنت الأخت للأب الخمس ولأبن الأخت
للأم الخمس.
مسألة
[ بنات الإخوة ]
بنت أخت لأبوين وعشر بنات أخت لأب وخمس بنات أخت لأم فلكل منهم ميراث من أدلى به.
مسألة
[ ميراث بنات الأخت ]
عشر بنات أخت لأبوين وابنة أخت أخرى لأبوين فالمال بينهم سواء وأخذنا في هذه بالقرابة وفي الأول بالتنزيل لاتفاق نسب هؤلاء واختلاف نسب الأولاد.
مسألة
[ من صور ميراث الحواشي ]
بنت أخ لأبوين وابنة أخت لأبوين فقول لأبن الأخت الثلثان لأنه ذكر وقول لابنة الأخ لها الثلثان ميراث أبيها وقول بينهما بالسوية لأنهما في درجة.
مسألة
[ ميراث الأصول ] (14/89)
صفحة 1881
في الأجداد المحجوبين بالميراث بمن لهم أقرب منهم إلى الميت والجدات الساقطات عن الميراث بمن لهم أسفل منهم فالمنزلون ينزلوا كلا منهم منْزلة
أبيه بَطناً بَطناً ويقدمون من سبق في الميت فإن استووا قسمت حصة كل
واحد على المدلين به.
مسألة
[ درجات القرابة ]
وأما على قول من يقول بالقربة فإذا اختلفت درجاتهم فالمال للأقرب من
أي الجهات كان فيقدم أب الأم على أب أم الأب فإن استووا وكانوا من
جهة أب الميت فالثلثان لمن هو من جهة الأب والثلث لمن هو من جهة أم
الأب وأما إن كانوا من جهة وهم في درجة فلمن كان من جهة الأم الثلث ولمن كان من جهة الأب الثلثان ويقسم الثلثان بين من كان من جهة الأب.
مسألة
[ الجد الصحيح وجدة غير الصحيحة ]
أب أم أم وأب أم أب فالمنْزلون يجعلون كأم الأم وأم الأب وقال أهل القرابة لأب الأم الثلث ولأب أم الأب الثلثان ومن دنا أخذ المال من أي جهة كان.
مسألة
[ ميراث العمات والخالات ]
ثلاث عمات متفرقات وثلاث خالات متفرقات فالثلثان بين العمات على خمسة كأنه مات عن ثلاث عمات متفرقات فلمن من جهة الأبوين ثلاثة أخماس المال من قبل الأب الخمس وللعمة من قبل الأم الخمس كأنهن
أخوات متفرقات.
مسألة
[ الأخوال والخالات ]
وهكذا يوزع ثلث الخالات المتفرقات كما بينا في العمات بمنْزلة الآباء والأخوال والخالات بمنزلة الأمهات.
مسألة
[ ميراث العمات والخالات والأخوال ]
وأما القائلون بالقرابة فيجعلون الثلثين للعمة للأبوين والثلث للخالة
والخال للأبوين والقول الأول أصح.
مسألة
[ العمات والخالات والأخوال ]
ثلاث عمات خالة للثلاث العمات الثلثان والخالة والخال الثلث عشرة أخوال وعشر خالات وعمة للعمة الثلثان ولعشرة الأخوال وعشر الخالات الثلث واختلفوا في الأخوال فقال أبو معاوية أن الثلث بينهم على خمسة كالخالات وقال غيره: للخال من قبل الأم السدس والباقي للخال الخالص.
مسألة
[ خالة وبنت عمه ] (14/90)
صفحة 1882
خالة وبنت عم المال كله للخالة خالة وابن عمه المال لخالة عمه وبنت خاله المال للعمة خالة وبنت خال المال كله للخالة خالة أم وخالة أب
فللخالة الأم الثلث ولخالة الأب الثلثان.
مسألة
[ خالت أخت أم وعمة ]
عمة خالصة وخالة أخت أم للعمة الثلثان وللخالة الثلث.
مسألة
[ من ميراث الأرحام ]
عشر عمات خالصات أو خالة أو أخت أم لأم للعمات الثلثان وللخالة الثلث عشر خالات خالصات وعمة أخت أب لأب أو أم للعمة الثلثان وللخالات الثلث ولو كان معهن عشرة أخوال.
مسألة
[ من صور الرحم ]
عشر عمات خالصات أو خالة أخت أم لأم للعمات الثلثان وللخالة
الثلث عشر خالات خالصات وعمة أخت أب لأب أو أم للعمة الثلثان وللخالات الثلث ولو كان معهن عشرة أخوال.
مسألة
[ أبناء العمات وبناتهن مع الأخوال والخالات ]
ولا يرث بنات الأعمام ولا بنو العمات مع وجود الأخوال والخالات من أي جهة كانوا ولا يرثوا بنو الأخوال ولا بنو الخالات مع وجود العمومة والعمات من أي جهة كانوا.
مسألة
[ بنات العم المتفرقات وبنات العمات ]
ثلاث بنات عمات متفرقين المال كله لبنت العم الخالص بنت عم
خالص وبنت عمة خالصة المال بينهما نصفان والأصح أنه لابنة
العم الخالص.
مسألة
[ صور من الرحم ]
بنت عمة خالصة لبنت العم للأب في رأي أهل التنْزيل.
مسألة
[ من ميراث الرحم ]
ثلاث عمات متفرقات وثلاث بنت أعمام متفرقين المال كله لابنة العم الخالص وسقط الباقون.
مسألة
[ ميراث الرحم ]
ثلاثة بني عمات متفرقات تصح من خمسة لابن العمة الخالصة ثلاثة
أسهم ولابن العمة للأم سهم وعلى هذا قياس فأشابهه.
النهج الخمسون
في الحجب والعول والإنكار
والموافقة والمناسبة والمماثلة
النهج الخمسون
في الحجب والعول والإنكار والموافقة
والمناسبة والمماثلة
مسألة
[ أنواع الحجب ]
الحجب حجبان حجب إسقاط وحجب تبعيض ومعنا المنع فأما حجب التبعيض فهو الولد وولد الولد يحجبون الزوج عن النصف إلى الربع (14/91)
صفحة 1883
والزوجة أو الزوجات عن الربع إلى الثمن ذكراً كان أو أنثى وكذلك
الإخوة من الاثنين فصاعداً يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس من الجهات الثلاث ذكوراً كانوا أو إناثاً ويقال: إنه حجب حرمان وحجب نقصان.
مسألة
[ حجب إسقاط ]
وأما حجب الإسقاط والمنع وكالوالد الذي يحجب ولد الولد وكالأب يحجب أباه والأم تحجب الجدات والآباء يحجبون آباءهم والأولاد
وأولادهم يحجبون الأخوة إن كانوا ذكوراً ويحجبون أخ الأم ولو لم يكن
فيهم ذكر والأخ الخالص يحجب الأخ للأب ابن الأخ للأب يحجب الأخ
الخالص وغيره وأبن الأخ للأب الخالص أو للأب يحجب العم ولو سفل
والأخ الخالص أو الأب يحجب ابن الأخ.
مسألة
[ القاتل لا يرث ]
وأما المصمي القاتل فلا يحجب ولا يورث والقن لا يرث الحر ولا
يحجب والوثني لا يرث المتحنف وفي بعض هذا اختلاف.
مسألة
[ اختلاف الدين ]
عن أبي المؤثر لا يحجب من لا يرث الإخوة مع الأبوين فإنهم يحجبون
الأم عن الثلث إلى السدس ولا يرثون وقيل أنهم لا يحجبون ولا يرثون.
مسألة
[ نماذج من الحجب ]
عن عبد الله ابن أبي الموثر لأن المولد المملوك لا يحجب البعل عن
النصف ولا الزوجة ولا الزوجات عن الربع وأما في الغرقى والهدمى فقول
أنهم يحجبون وقول لا يحجبون ويحجب الأختان للأبوين الأخت للأب
عن السدس ويحجب البنتان بنت الابن عن السدس ومن أرحام العصبات
إلى حي الميت حجب من تأخره.
مسألة
[ أصول الفرائض ]
وأصول الفرائض سبعة ثلاثة منها تعول وأربعة لا تعول فالتي لا تعول
هي التي أصلها من اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو ثمانية والتي أصلها من ستة أو
اثني عشر أو أربعة وعشرون.
مسألة
[ نماذج من عدم العول ]
فما كان فيه نصف وما بقي فهو من اثنين كابنة وابن ابن فللابنة النصف والباقي لابن الابن وكانت لأبوين وزوج أو لأخت لأبوين وأخ للأب.
مسألة
[ ما أصله ثلاث ] (14/92)
صفحة 1884
وكل مسألة فيها ثلث وما بقي فهي من ثلاثة كأم وجد فلأم الثلث سهم وما بقي فللجد وكذلك أم وأخ خالص أو لأب.
مسألة
[ ما كان أصله من أربعة ]
وكل مسألة فيها أربع ونصف وما بقي فهي من أربعة كزوج(1) وابنته وابن ابن للزوج وللبنت النصف ولأبن الابن ما بقي كزوج وابنة وأخ خالص أو لأب.
مسألة
[ ما كان من ستة ]
زوجة وأخت لأبوين وأخ لأب للزوجة الربع سهم لأخت للأبوين
النصف والباقي للأخ للأب وليست بالخمسة إلا في بعض مسائل الرد وكل مسألة فيها سدس وثلث ونصف وثلثان فهي في ستة.
مسألة
[ ما كان من ستة ]
زوج وأم وأخ وأخت لأم للزوج النصف ثلاثة وللأم سدس سهم
وللأخوة للأم السدسان سهمان بينهما سواء.
مسألة
[ أما ما كان من ثلاثة ]
أم وأخت لأم وأب وابن أخ للأم الثلث سهمان وللأخت الخالصة ثلاثة وأبن الأخ سهم.
مسألة
[ ما كان من ستة ]
أم وأخت لأبوين وأخت لأب وأخت لأم للأم السدس سهم وللأخت للأبوين النصف ثلاثة أسهم وللأخ والأخت للأم السدس للأب السدس سهمان بينهما سواء.
مسألة
[ أصول الستة ]
جدة وأختان لأب وأخت أم للجدة سدس سهم وللأختين للأب الثلثان أربعة أسهم وللأخت للأم سهم فهذه أصله في ستة فأما السبعة فليست
بأصل إلا في بعض مسائل العول وسيان.
مسألة
[ أصول الثمانية ]
وأما أصل الثمانية فهي فيما له ثمن وربع ونصف كزوجته وأبنته وأخ لأبوين أو لأب فللزوجة الثمن سهم وللابنة النصف أربعة أسهم تبقى ثلاثة
هي للأخ ولا يكون أصل من ثمانية إلا وفيه زوجة وأولاد أولاد أولاده.
مسألة
[ أصول التسعة ]
وأما التسعة والعشرة فليستا بأصل في قسمة الفرايض إلا في بعض
مسائل العول من ستة أو في بعض مسائل الرد من أثنى عشر وكل مسألة
فيها سدس وربع وثلث ونصف وثلثان فأصلها من اثني عشرة.
مسألة
[ توزيع الأسهم ]
__________
(1) 1- هنا الزوج لا يرث إلا الربع. (14/93)
صفحة 1885
مات ميت عن زوجة وأختين لأب وأم وأخ لأب فللزوجة الربع ثلاثة وللأختين الخالصتين الثلثان ثمانية بقي سهم للأخ للأب.
مسألة
[ المسائل التي فيها عصبة ]
زوج وابنتان وابن ابن للزوجة الربع ثلاثة وللابنتين الثلثان ثمانية بقي
سهم لابن الابن ولا تصح مسألة من اثني عشرة وفيها عصبة أو عول فتصح من ثلاثة عشر أو خمسة عشر أو سبعة عشرة.
مسألة
[ أصل الأربع والعشرون ]
والأربعة والعشرون أصل لما فيه ثمن وربع ونصف وسدس وثلث وثلثان كرجل مات عن ثلاث زوجات وأربع جدات وأبا وابنتين فللجدات أربعة لكل واحدة منهن واحد وللزوجات الثمن ثلاثة لكل واحدة منهن سهم وللابنتين الثلثان ستة عشر لكل منهما ثمانية وللأب السدس أربعة أسهم.
مسألة
[ أقصى العول ]
وأقصى عول الستة إلى عشرة زوج وأختان للأب أصلها من ستة للزوج النصف ثلاثة وللأختين الثلثان أربعة عالت من ستة إلى سبعة وأن زادت
أختاً لأم عالت إلى ثمانية وأن زادت أخا أو أختاً لأم عالت إلى تسعة وإن زادت أخاً عالت إلى عشرة.
مسألة
[ عول الاثني عشر ]
وأما عول الاثني عشر فإن يعول إلى سبعة عشر أقصاه كزوجة وأم
وأختين لأبوين فللأم السدس سهمان وللزوجة الربع ثلاثة وللأختين ثمانية
وهو الثلثان عالت إلى ثلاثة عشر وإن كان مع الورثة المتقدمين أخ وأخت
لأم فلها السدس سهمان فقد عالت إلي خمسة عشر وإن كان أولاد
امرأتين فلهما الثلث وقد عالت إلى سبعة عشرة.
مسألة
[ أصل سبع وعشرين ]
وأما أصل الأربعة والعشرين فأقصى إلى سبعة وعشرين كزوجة وأبوين وابنتين أصلها من أربعة وعشرين للزوجة الثمن ثلاثة وللأبوين السدسان
ثمانية وللابنتين الثلثان ستة عشر فصحت من سبعة وعشرين.
مسألة
[ الرد واختلاف العلماء فيه ]
واختلف العلماء في الرد علي الأخوة للأم مع الأخوات وفي الرد على الأخت للأب مع الخالصة وأصحابنا يردون على كل وارث سوى الزوجين
إلا أن يموت عن زوجة أو تموت عن زوج فللحي منهما ما خلف للميت
على الأصح. (14/94)
صفحة 1886
مسألة
[ تصحيح المسائل ]
وأما تصحيح مسائل الرد على وجهين وجه لا يكون فيه من سهام ذوي الفرائض إلى عدة واحد فلم يحتج إلى حساب أكثر من توزيع نسب المالك
على عدد روس الورثة قلوا أو كثروا.
مسألة
[ من مسائل الرد ]
مات عن ابنتين وأختين لأب أو خالصتين فلكل واحدة منهما سهم قلوا أو كثروا ولو كانت واحدة أخذت المال كله وكذلك سائر الورثة من ذوي السهام إذا لم يكن غيرهم رد المال عليهم.
مسألة
[ من مسائل الرد ]
أربع أخوات لأب وأخت لأم القسم بينهم على خمسة لكل واحدة سهم وكذلك أربع بنات وأم وكذلك بنات وجدة وأربع بنات ابن وجدة
وكذلك أربع أخوات خاصان وأخت وأخ لأم.
مسألة
[ أقصى منتهى الرد ]
وأما الوجه الذي يحتاج إلى عمل وحساب وهو أن ننتظر الفرايض كم
جملتها وكم أصلها فإن نجمع سهمان فقل الرد على اثنين وأن أجمعت
ثلاثة فقل الرد على ثلاثة وأقصى منتهى الرد ستة إلى خمسة.
مسألة
[ كيفية حل الرد ]
فإذا تحققت أن الرد على كم فأحفظه ثم أنظر سهم الزوج والزوجة
كم يخرج فارفعه وانظر ما بقي هل ينقسم على الرد فإذا انقسم فاعلم أن
أصل المسألة يكون مخرج سهم الزوج والزوجة في مبلغ فما صح فهو
أصل المسألة.
مسألة
[ مسائل الرد التي فيها الزوج والزوجة ]
ومسائل الرد التي فيها الزوج والزوجة تخرج من ستة أصول فلكل
مسألة فيها ثمن الرد على خمسة فتصح من أربعين وأصل ثمن من اثنين
وثلاثين وهو كل مسألة فيها ثمن وما بقي فهو رد علي أربعة.
مسألة
[ الأصل الذي فيه رد ]
والأصل الذي في ستة عشر وهو كل مسألة فيها ربع وما بقي رد على أربعة.
مسألة
[ الأصول من أربعة ]
وأصلان من أربعة وهو كل مسألة فيها ربع وما بقي رد على ثلاثة.
مسألة
[ جملة من أصول الرد ]
وأصل أخر كل مسألة فيها نصف وما بقي رد على اثنين فهذه جملة أصول الرد.
مسألة
[ أصول الرد ]
مثال أصل الذي من أربعين زوجتان وأم وابنتان فللزوجتين الثمن (14/95)
صفحة 1887
ومخرجه في ثمانية والرد على خمسة والابنتين أربعة وللأم سهم فتضرب
الخمسة في الثمانية في مخرج سهم الزوجان فذلك أربعون للزوجة خمسة
في واحدة من الثمانية بخمسة والأم واحد في أربعة مضروب في سبعة
والاثنتين أربعة في سبعة فذلك ثمانية وعشرين وعلى هذا فقس جميع
أصول الرد.
مسألة
[ تصحيح المقامات ]
بنت وثلاث بنات ابن وثلاث جدات وثلاث زوجات فللزوجات الثمن
ومخرجة ثمانية ومخرج السدس والثلثان من ستة فالثلثان أربعة والسدس
واحد فذلك خمسة فقل الرد على خمسة فللزوج واحد من ثمانية في
خمسة بخمسة لا ينقسم وللبنت الابنة في سبعة بواحد وعشرين في سبعة
وسبعة وعشرين ثمانية لا ينقسم والجدات واحد من أربعة في سبعة سبعة لا ينقسم عليهم ولا يوافقهن والبنت ثلاثة وعشرين وإنما اتفقت رؤوسهم إلى تماثلت فثلاثة تجزي عن ثلاثة فتضرب الأربعين في ثلاثة فذلك ماية
وعشرون للزوجات الثمن خمسة في ثلاثة بخمسة عشر لكل واحدة
خمسة وللجدات إحدى وعشرين لكل واحدة سبعة ولبنات الابن كذلك وللابنة ثلاث وستون سهما.
مسألة
[ الأصل الذي من اثنين وثلاثين ]
مثال الأصل الذي من اثنين وثلاثين زوجة وابنة وبنات ابن فللزوجة
الثمن ومخرجه من ثمانية والرد على أربعة فتضرب ثمانية في أربعة فذلك
اثنان وثلاثون للزوجة ثمنها أربعة ولابنتي الابن سبعة تبقى إحدى
وعشرون سهما للابنة.
مسألة
[ مثال الأصل من ستة عشر ]
مثال الأصل الذي من ستة عشر سهماً زوج وابنة ابن فنخرج سهم
الزوج من أربعة والرد على أربعة فاضرب أربعة في أربعة فذلك ستة عشر
للزوج ربعها أربعة وللابنة تسعة(1) ولابنتي الابن ثلاثة انحسب عليهما
فتضرب رؤوسهما في ستة عشر فذلك اثنان وثلاثون.
مسألة
[ الأصل الذي من ثمانية ]
__________
(1) 1- هكذا في الأصل والصحيح الزوج الربع وبنت الابن النصف الزوج 4/1 + 2/1 =
8/(2+4 ) = 8/6 = 16/12 منها 4 من 16 وبنت الابن 8 من 16 والباقي لها رد
لعدم الرد على الزوج. والله أعلم. (14/96)
صفحة 1888
ومثال الأصل الذي من ثمانية كزوجة وجدة وأخ لأم من أربعة والرد
على اثنين فتبقى ثلاثة لا تنقسم فتضرب أربعة وهو مخرج سهم الزوجين
في اثنين فذلك ثمانية للزوجة سهمان وللجدة ثلاثة وللأخ الأم ثلاثة.
مسألة
[ الذي أصله من أربعة ]
ومثال الأصل الذي من أربعة زوجة وأم وأخ لأم وأخت لأم فللزوجة الربع سهم وللأم ثلث الرد سهم وللأخ وللأخت ثلثا الرد سهمان وإن كان الأخ لأم منفرداً والمسألة مجالها فهكذا قسمها ويكون الثلث للأم والأخ
الأم سهم وأما إذا كان الأصل من أربعة وفيه نصف وما بقي رد على اثنين كزوج وجدة وأخ لأم فللزوج النصف سهمان وللجدة سهم وللأخ أو
الأخت للأم سهم.
مسألة
[ مسألة أبوين وأربع بنات ]
عن أبوين وأربع بنات فاصلها من ستة لأن فيها سدسين وثلثين ولكل واحد من الأبوين السدس وللبنات الثلثان أربعة لكل واحدة سهم.
مسألة
[ المسألة العادلة ]
بنت وابنة ابن وأبوين للبنت النصف ثلاثة ولابنة الابن السدس سهم
من الأبوين السدس.
مسألة
[ ميراث الأخوات ]
أختان لأبوين وأختان لأم أصلها من ستة للأختين للأبوين الثلثان أربعة لكل منهما سهمان وللأختين للأم السدسان سهمان لكل منهما سهم.
مسألة
[ زوج وثلاث بنين ]
زوج وثلاثة بنين أصلها من أربعة للزوج الربع سهم بقت ثلاثة للثلاثة البنين الكل سهم.
مسألة
[ زوجة وثلاث بنين وبنت ]
زوجة وثلاثة بنين وابنة للزوجة سهم وللابنة سهم ولكل ابن سهمان.
مسألة
[ تصحيح المقامات ]
وإن انكسرت الفريضة على بعض رؤوس الورثة وانقسمت على بعض فاضرب رؤوس من انكسر عليهم في أصل الفريضة واترك سهم المنقسم
على حاله.
مسألة
[ نماذج من تصحيح المقامات ]
خمس بنات وأبوين للأبوين السدسان لكل منهما سدس وللبنات الثلثان أربعة وهن خمس من انكسر عليهن فتضرب رؤوسهن وهن خمسة في أصل الفريضة وهي ستة وذلك ثلاثون فمن كان له شيء فمضروب في خمسة
فللأب اثنان في خمسة ذلك عشرة وتبقى عشرون سهما للبنات وهن (14/97)
صفحة 1889
خمس للواحدة منهن أربعة.
مسألة
[ نموذج من تصحيح المقامات ]
أب وثلاث جدات وخمس بنات فتصح من سنة فللبنات الثلثان أربعة
وهن خمس لا ينقسم عليهن وللجدات السدس سهم منكسر عليهن
فتضرب ثلاثة في خمسة ثم في أصل المسألة وهن ستة فذلك تسعة
فللجدات سهم في خمسة عشر بخمسة عشر وللأب خمسة عشر ولكل
ابنه اثنا عشرة وإما أن تماثلت وافقت الرؤوس السهام فتضرب أحد العدد في أصل المسألة مثاله ثلاث بنات وثلاث جدات وثلاث أخوات لأب فأصلها
من ستة للجدات سهم لا ينقسم عليهن وللبنات أربعة أسهم لا ينقسم
عليهن وللأخوات سهم لا ينقسم عليهن فتماثلت الرؤوس فتقول ثلاثة تجري عن ثلاث وثلاث فتضرب ثلاثة في ستة فتصبح من ثمانية عشرة.
مسألة
[ تصحيح المقامات ]
زوجة وابن وابنة فأصلها من ثمانية للزوجة الثمن والابنة الباقي وهو
سبعة لا ينقسم عليهما ورؤوسهم ثلاثة فتضرب في أصل المسألة وهو ثمانية فذلك أربعة وعشرون للزوجة ثمنها ثلاثة وللابنة والابن أحد وعشرون.
مسألة
[ تصحيح المقامات ]
زوج وابن وابنتان للزوج الربع سهم ومخرجه من أربعة بقيت ثلاثة لا ينقسم على الابن والابنة فتضرب رؤوسهم أربعة في أربعة فذلك ستة عشر فللزوج ربعها أربعة وللابنتين ستة وللابن مثلها.
مسألة
[ من تصحيح المسائل ]
وثلاث بنين وثلاث بنات رؤوس البنين والبنات تسعة واصلها من ستة للأم سهم وللأولاد خمسة لا ينقسم عليهم فتضرب تسعة في ستة فذلك أربعة وخمسون للأم تسعة ولكل ابنه خمسة وللابن ضعفها.
مسألة
[ مسألة لا تحتاج إلى تصحيح ]
زوجة وثلاث بنات صحت من ثمانية للزوجة ثمنها سهم تبقى سبعة لكل ابنة سهمان صحت بلا كلفة ضرب ولا حساب.
مسألة
[ نموذج من المسائل ]
زوجاً وابناً وابنة صحت من أربعة للزوج ربعها سهم وللابنة سهم وللابن سهمان أم وأب أو جدة وابنين وابنة أصلها من ستة للأم أو الأب أو الجد سهم وهو السدس بقيت خمسة للابنة سهم ولكل ابن سهمان.
مسألة
[ نموذج من التصحيح ] (14/98)
صفحة 1890
وأما إن انكسر على أحد الورثة أو على كلهم فإنها أصل المسألة إنها من كم فإن يكن فيها سدس ونصف وثلث وثلثان فأصلها من ستة وإن كان فيها
ربع ونصف فأصلها من أربعة وإن كانت المسألة فيها ثلث وثلثان فمن ثلاثة وإن كان فيها نصف وما بقي فمن اثنين وإن فيها ثمن وربع وثلث ونصف وثلثان وسدس فمن أربعة وعشرين وإن كان فيها ربع وثلث وثلثان وسدس فهي من اثني عشر فإذا عرفت أصل المسألة أعطيت كل صنف من الورثة ذنوبه ومن أصل المسألة فإذا كان عول عرفت ما انتهى إليه وإن كان فيها رد عرفت ما انتهى إليه وإن وافقت السهام الرؤوس كفيت المونة.
مسألة
[ مسألة أصلها من ستة ]
زوج وأب وأم فأصلها من ستة ومنه تصح للزوج النصف ثلاثة والأم ثلث ما بقي وهو سهم وبقي سهمان للأب.
مسألة
[ نماذج من العول ]
زوج وأب وأم وأربع بنات ففيها سدسان وربع وأصلها من اثني عشر وعالت إلى خمسة عشر للزوج الربع ثلاثة وللأب والأم السدسان أربعة أسهم والأربع البنات ثمانية للواحدة منهن سهمان.
مسألة
[ العول مع التصحيح ]
ثلاث أخوات لأبوين وجدتان وخمس أخوات لأم أصلها من ستة
وتعول إلى سبعة للأخوات للأبوين أربعة وانكسر عليهن لأن لهن ثلاث وللجدتين سهم لا ينقسم عليهما وللأخوات للأم سهمان وهن خمس لا
ينقسم عليهن ولا وافقت السهام الرؤوس فتضرب عدة في الأم الأخرى ثم
في أصل المسألة وهي سبعة فذلك مائتا وعشرة أسهم فللأخوان للأبوين
ماية وعشرون وللجدتين ثلاثون وللأخوان للأم ستون.
مسألة
[ نماذج من العول والتصحيح ]
جدتان وزوج وخمس بنات أصلها من اثني عشر وتعود إلى ثلاثة عشر للزوج الربع ثلاثة وللجدتين السدس سهمان وللبنات الثلثان ثمانية لا ينقسم عليهن فتضرب رؤوس البنات المنكر عليهن في ثلاثة عشر أصل المسألة
تعولها فذلك خمسة وستون للزوج خمسة عشر وللجدتين عشرة والبنات (14/99)
صفحة 1891
أربعون للواحدة منهن ثمانية وإذا وافقت السهام بعضها بعضا حسن فيها الاختصار كمن مات عن ثلاث زوجات ست إخوان واثني عشر أختاً لأن أصلها من اثني عشر للزوجات الربع ثلاثة للواحدة منهن سهم وليست للأخوات للأب الثلثان ثمانية لا ينقسم عليهن ويوافقهن بالأنصاف فخذ
وافق رؤوسهن ثلاثة وللأخوات للأم الثلث أربعة وهن اثنا عشر لا ينقسم عليهن ويوافقهن بالأرباع فربع الأنثى عشر ثلاثة وأصل المسألة من اثني عشر وعالت إلى خمسة عشر فصارت ثلاثة وثلاثة فقل ثلاثة تجزئ عن ثلاثة
فتضرب الثلاثة في أصل المسألة بعولها فذلك خمسة وأربعون فللزوجات
تسعة وللأخوات للأب أربعة وعشرون وللأخوات للأم اثني عشرة.
مسألة
[ ميراث الخنثى ]
ومن مات عن والدين وولد خنثى فمسألته من ستة للأبوين السدسان وللابنة في حال أنها أنثى ثلاثة بقي سهم بالتعصيب وفي حال أنه ذكر
فمسألته أيضا من ستة للأبوين سهمان والباقي أربعة للولد فالحالان
متواسيان فقل ستة تجزئ عن ستة فالستة في حالين يكون اثني عشر فللأم سهمان لكل حال سهم وللأب ثلاثة أسهم في حال الوالدان يكون ذكر
سهم وفي حال أن أنثى سهمان سهم فرضه وسهم بالتعصيب وللولد سبعة ثلاثة على أنه أنثى وأربعة على ذلك ذكر ولا قطع فيها.
مسألة
[ نماذج من تصحيح المسائل ]
ومن مات عن ولدين خنثين وأب ففي حال الخنثيين ابنتان فمسألته من ثلاثة للبنتين الثلثان سهمان وللأب الثلث سهم وفي حال أنهما ذكران
مسألتهما من ستة وتصبح من أنثى عشر للأب السدس سهمان ولكل ابن خمسة أسهم فالحالان مختلفان غير أن أحدهما يدخل في الأخر فاكتفى
بالاثني عشر عن الثلاثة فقال اثنا عشر في حالين بأربعة وعشرين للأب من حال الأنثى أربعة ومن مال الذكر اثنان فذلك ستة وهو الربع ولكل من
الاثنين تسعة في حال الأنوثة أربعة ومن حال الذكورة خمسة فإن أردت
قطعها بأثلاث فوقف التسعين الذين للابنتين وبين الستة اللواتي للأب تجدها (14/100)
صفحة 1892
تتفق بالأثلاث فنأخذ ثلث الستة اثنين وثلث التسعة ثلاثة فقد تنقطع من
ثمانية للأب والربع سهمان ولكل ابن ثلاثة.
مسألة
[ ميراث أهل الشرك ]
وإذا مات ميت من أهل الشرك وله حميم من ملة أخرى غير ملته فإن وزعوا ميراثهم على مقتضى ملتهم لم يدخل المسلمون بينهم وإن رفعوا أمره
إلى المسلمين حكموا بينهم بحكم القرآن.
مسألة
[ ميراث اليهود والنصراني والمجوسي ]
ويرث المجوس اليهودي والنصراني يرث اليهودي والنصراني المجوسي إذا رفعوا أمرهم إلى المسلين حكموا بحكم القرآن.
مسألة
[ ميراث أبناء المجوسي ]
وإذا نكح المجوسي أمة فأولدها ابنتا فهلك وقد ترك أمة وابنته وهي أخته لأمه فللابنة النصف وللأم السدس وليس لها من قبل الإخوة شيء لأنها
حجبت نفسها.
مسألة
[ ميراث أبناء المجوسي وأمه ]
مجوسي نكح أمة فأنجلها شبلاً وبضة ثم مات فلأمه السدس ولولديه ما
بقى بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فإن مات الابن كان لأمه الثلث ولأخته النصف وما بقي للعصبة.
مسألة
[ من ميراث المجوسي ]
مجوسي تزوج ابنته فأولدها ولد وأنثى فلهما الثلثان والباقي للعصبة فإن ماتت ابنته المنكوحة حوت ابنتها ما لها دون عصبتها فلها من حيث أنها
ابنته النصف ولها الباقي من حيث أنها أخته من أبيها بالتعصيب وإن ماتت الصغرى فقد تركت أمها وأختها فتأخذ الثلث ميراثها من أختها وبقي
السدس للعصبة. مجوسي نكح ابنته فأنجبها شبلا وبضة فمات فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وليس لابنته المنكوحة من قبل الزوجية وكل
مجوسي نكح ما لا يحل له نكاحه في دين الله فإنهم لا يتوارثون بالتزويج
إذا رفعوا أمرهم إلى المسلمين فإن وزعوا نشبهم على مقتضى دينهم لم نر للمسلمين نقض ذلك.
مسألة
[ حكم مال المجوسي إذا تحنف ]
وإذا نكح مجوسي أحداً ممن حظر الله عليه نكاحه فمات فأخذت
ميراثها بالتزويج ثم تحنف لم يكن عليها رد ما أخذت وإن كان في يد (14/101)
صفحة 1893
الوثني مال من ربي وثمن خمر أو خنزير ثم تحنف فليس عليه إلا أن يكون
ديونا من الربا لم يقبضها رجع إلى رأس ماله ومثله إذا كان له على أحد حق من ثمن أثم أو خنْزير فلا يحل أخذه إذا تحنف وإذا تحنف الوثني وبيده إثم
أو خنْزير قائم أو مهراً أهرق الإثم ويذكي الخنْزير ويدفنه ولا يستبقيه ولا
يحل له بيعه ولا الانتفاع به.
مسألة
[ حكم أمول اليسوعي المتحنف ]
وإذا مات متحنف ووارثه متحنف وسواعي(1) فإن تحنف السواعي قبل توزيع نشبه بين المتحنفين ففي ذلك اختلاف قول ليس لمن كان عليه دين
في الشرك شيء يوم مات الموروث وقول آخر تحنفوا قبل توزيع المال صار حكمهم حكم المسلمين وشاركوهم إلا الزوج والزوجة. مسلم نكح
كتابية ثم مات فتحنفت قبل توزيع نشبه ولبده لم يكن لها ميراث منه
وميراثه لسائر ورثته.
مسألة
[ صور من الوقف ]
عن أبي علي في كتاني هلك بعد أن تحنف وغرب علم وارثه من الأرحام
فميراثه للمصلين من اليهود ومن مات عن ذوي رق وأرحام وعصبة وقف الميراث على الابن إن عتق دفع إليه وأن بيع اشترى به وإن مات دفع إلى
الورثة دونه وقول يدفع إلى ورثة الأحرار دون الأرقاء كانوا عصبة أو
أرحاماً ولا يوقف. على الولد عن أبي الحسن أن المال يوقف على الولد كما يوقف على الأبوين وإن مات أحد من ورثة الابن قبل أن يعتق ثم مات الابن بعد موت وارث الأب وكان المال وقوفاً على الابن أو على أحد من الوجوه ولو لم يصل إلى ذلك وكان مردوداً على ورثة الأب كان من يرث الأب
حياً أو ميتاً رفع إليه أو إلى ورثته.
مسألة
[ ميراث ابن ابن المشرك المسلم ]
ومن مات عن ابن مشرك وللابن ابن مسلم ففي ذلك اختلاف قول
أنهما وارثان معاً لصحة النسب لقوله تعالى: { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } (2) وقيل أن المولى هنا بنو العم وقال: هم العصبة.
مسألة
__________
(1) 1- والله أعلم: اليسوعي.
(2) 1- سورة النساء آية 33. (14/102)
صفحة 1894
[ اشتراك الحر والعبد في الميراث ]
ومن مات عن ابن مسلم مملوك وابن مشرك ولكلاً بنيه ولد حر مسلم فالميراث للولد الحر من ابن المملوك.
مسألة
[ ميراث المماليك والأحرار ]
ومن مات عن ابن أخ مملوك وأبن ابن أخ حر والأخ ميت وكلهم أحرار فالميراث بينهم على ثلاثة إذا استوى نسيهم بالعصبة فتصح من ثلاثة ولو كان بعض آباءهم ميتاً وبعضهم حياِ عن أبي الموثر من مات له ورثة مماليك فعتق المماليك قبل قسم المال فبعض قال إن المال للأحرار دون المماليك وبعض قال للمماليك ميراثهم لأنهم صاروا بمنزلة الأحرار إلا الزوج والزوجة.
مسألة
[ ميراث زوجتين أحدهما قينة ]
وإذا مات الرجل عن زوجتين حرة وقنية فحررت القينة قبل قسم الميراث فلا ميراث لها والثمن والربع للحرة فإن لم تكن تحته حرة وزع تراثه كمن
لا زوجة له.
مسألة
[ ميراث القينة من زوجها الحر ]
وإذا نكح حر قينة فماتت فحرر قبل توزيع تراثها لم يرث وإذا نكح القن حرة فطلقها سيده تطليقة فحرر فمات قبل خلو عدتها ورثته.
مسألة
[ ميراث القينة ]
وإذا نكح حر قينة فطلقها واحدة ثم عتقت فنزع قبل خلو عدتها ورثنه
وتعتد عدة الحرة المتوفى عنها بعلها إلا أن تكون اختارت نفسها حين
حررت انحسمت حصتها من ميراثه.
مسألة
[ ميراث الأمة ]
وإذا نكح الحرة أمة فحررت وهي في حبالة فاختارت نفسها قبل
غشيانها ثم ماتت وهي في العدة لم يكن لها منه ميراث وعليها عدة
المطلقة الحرة.
مسألة
[ الموت عن ابن رق ]
ومن مات عن ابن رق وللولد ولد وللميت أخوة فإن ولد الولد الحر
أولى بميراثه وليس للمملوك سبيل عن محمد ابن محبوب من مات عن
ولدين حر ومملوك وقفت حصة المملوك عليه لا يحبس المال إلا على
الوالدين وللولد.
مسألة
[ كيفية تقسيم ميراث القن ]
ومن أعتق أمة فنكحها أو نكحها سواه ثم ماتت عن أب وأخوة وأخوات مماليك فإن مالها يوزع نصفين للزوج النصف والنصف الباقي يشتري منه
أبوها وإن نما ثمن دفع إليه.
مسألة (14/103)
صفحة 1895
[ ميراث الأجناس ]
والذين يتوارثان بالجنس الزنج والهند والحبشة والنوب فإن أقر مقر أنهم
من جنسه دفع المال إليه والذكر والأنثى فيه سيان ومن له ولد ومن جنسه
في داره فلمن كان أقرب القرى منه ومن حضر القسمة من جنسه وأدنى
القرى إليه وغيرهم فالميراث بينهم وإن كان من الوالدين فميراثه كذلك من جنسه من بلده قبيلته.
مسألة
[ ميراث الجنس ]
ومن كانت أمه من جنس وابن من جنس وأبوه من جنس فميراثه لجنس أبيه وقيل الثلث لجنس أمه والثلثان لجنس أبيه وهذا رأي أبي الحواري وقيل يعطي ميراثه لجنسه من بلده وإن أدعى مدع أن من جنسه دُعي بالبينة.
مسألة
[ توريث مولى النعمة ]
في ميراث مولى النعمة وأجمع أهل العراق والشام والحجاز على توريث مولى النعمة إذا لم يكن أرباب سهام ولا عصبة ولا رحم أقاموهم مقامهم وأجمعوا على ذلك.
مسألة
[ لمن ميراث المولى (الرقيق) ]
عن أبي المؤثر مولى النعمة لا يرث وأحتج أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يورث مولى النعمة ولا نعلم أن ورث بالولاء وبلغنا أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبنائه أن ابن خالها نزع وهو مولى ابن عمرو أنه ترك مالاً فأبى عمر أخذه فقيل أن عمر(1) في ذلك فقال لو كان لي لأخذته.
مسألة
[ من مسائل الولاء ]
وقيل إن مولى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقع من عذر باسقة فمات فدعى من
حضر من أرضه فسلم إليه ميراثه ولم يرث هو بالولاء.
مسألة
[ موقف علي من ميراث المولى ]
وذكر لنا إن علياً ابن أبي طالب رضي الله عنه وجابر ابن زيد رضي الله عنه حكماً في امرأة ماتت ولم تخلف لزوجها فقصيا له بالميراث فإن لم
يكن زوج ولا زوجة فميراثه لأهل دينه فإن كان مصلياً فللمصلين فمن
أرضه عدتها التي فيها.
مسألة
[ الميراث من المطلقة قبل الدخول ]
__________
(1) 1- الصواب والله أعلم: أن ابن عمر قال في ذلك. (14/104)
صفحة 1896
ومن نكح صبية فأبرى لها نفسها بالطلاق وأوفاها صداقها ومات قبل خلوا عدتها فلا ميراث لها منه إذا لم يجز بها ونوى بالبرآن طلاقاً فإن غرب
عليه علم ما نوى ورثته ولها الصداق تام.
مسألة
[ طلاق الصبية ]
ومن نكح صبية فطلقها قبل الجواز وهو صحيح ثم مات فليس بينهما توارث ولا عدة عليها ولها نصف المهر وإن طلقها وهو مريض فمات في
مرضه قبل خلو عدتها ورثته ولها المهر وعليها عدة الوفاة.
مسألة
[ ميراث البنت قبل دخول ]
عن أبي عبد الله أنها إذا أحبست نفسها عن التزويج حتى ماتت في
عدتها ورثته ولها نصف الصداق وعليها عدة المطلقة من زوجها وبه نأخذ
والله تعالى أعلم به وبه التوفيق والحمد لله رب العالمين.
تمت القطعة الثانية من كتاب الكوكب الدري والجوهري البري وهذا في بيع الخيار وأحكامه وفي الخيار إذا بيع قطعاً وفي بيع الحيوان والشفعة في بيع الخيار وفي الشروط في بيع الخيار ومن لزمه ضمان وفي الخراج فيه وفيما
للأم من مال ولدها ونفقة الأبوين والنفقة بالميراث وفي قبض الأب حق ابنه وانتزاعه والحل منه وغير ذلك وفي معانيه لأن اختصرت هذا من قلة فهمي وركالة عقلي ولم أحط به علماً.
وكان تمامه نهار الثلثا حادي والعشرين من شهر الحج سنة مائتين وتسعة وسبعين سنة وألف سنة من هجرة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وكان تمامها على يد الأقل لله العبد الفقير المقر على نفسه بالتقصير سالم بن علي بن ناصر بن علي بن ناصر بن سعيد بن أحمد بن مانع بن علي بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن علي بن إسماعيل
الإسماعيلي الحميري بيده نسخة لوالده ومحبة وصفرة وده الشيخ الأكرم
الوالد علي بن ناصر بن علي بن ناصر بن أحمد بن ربيعة بن أحمد بن مانع
بن علي محمد بن إسماعيل الإسماعيلي الحميري اللهم ارزقه حفظ معانيه (14/105)
صفحة 1897
والعمل بما فيه إنك أنت السميع العليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً آمين.
تم الكتاب تكاملت حال السرور لصاحبه وعفا الإله بمنه وبفضله عن كاتبه.
لصاحب السعادة والسلامة وطول العمر ما ناحت حمامة وعز دائم لا
ذل فيه وإقبال إلى يوم القيامة. (14/106)