صفحة 1
الكتاب: المصنف
الجزء: الثالث
المؤلف: أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي (557 هجرية) (1193 م)
تحقيق: عبد المنعم عامر و د. جاد الله أحمد
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: [د. ت]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المصنف
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي
(557 هجرية) (1193 م)
الجزء الثالث (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المصنف
تأليف
أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي
(557 هجرية) (1193 م)
الجزء الثالث
تحقيق
عبد المنعم عامر
د. جاد الله أحمد (1/2)
صفحة 3
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
[صفحة لم ترقن] (1/3)
صفحة 4
[صفحة لم ترقن] (1/4)
صفحة 5
[صفحة لم ترقن] (1/5)
صفحة 6
[صفحة لم ترقن] (1/6)
صفحة 7
[صفحة لم ترقن] (1/7)
صفحة 8
[صفحة لم ترقن] (1/8)
صفحة 9
[صفحة لم ترقن] (1/9)
صفحة 10
[صفحة لم ترقن] (1/10)
صفحة 11
[صفحة لم ترقن] (1/11)
صفحة 12
[صفحة لم ترقن] (1/12)
صفحة 13
[صفحة لم ترقن] (1/13)
صفحة 14
[صفحة لم ترقن] (1/14)
صفحة 15
[صفحة لم ترقن] (1/15)
صفحة 16
[صفحة لم ترقن] (1/16)
صفحة 17
[صفحة لم ترقن] (1/17)
صفحة 18
[صفحة لم ترقن] (1/18)
صفحة 19
[صفحة لم ترقن] (1/19)
صفحة 20
[صفحة لم ترقن] (1/20)
صفحة 21
[صفحة لم ترقن] (1/21)
صفحة 22
[صفحة لم ترقن] (1/22)
صفحة 23
[صفحة لم ترقن] (1/23)
صفحة 24
القسم الأول
في النجاسات (1/24)
صفحة 25
الباب الأول
في النجاسات
النجس [هو ما] ليس بطاهر، والأنجاس الأخباث، وفيه لغتان، نجس خفيفة، ونجس بفتحتين، أي جميع، والجمع القذر، والنجس لا يجمع ولا يؤنث.
ــــ قال أبو سعيد ـــ النجس غير النجاسة، والنجاسة أشد، لأنها عين النجاسة، والنجس هو الذي تعارضه النجاسة، والله أعلم.
مسألة:
ــــ الشيخ أبو محمد ــــ والنجس اسم يقع على معنيين، أدهما يكون نجسا لعينه، والآخر يكون نجسا لنجاسة حلته، فما كان نجسا لعينه فزوال اسم النجس غير وارد به مادامت عينه قائمة، كالدم، والعذرة، والبول، ونحو ذلك، وأما ما كان نجسا بحلول نجاسة فيه فزوال ما صار بهم تنجسا يرفع اسم النجس عنه.
مسألة:
ويدل على أن بعض أصحابنا كان يذهب إلى أن النجاسات أعيان قائمة */* (1/25)
صفحة 26
بحكم ما لاقته في حال تعلقها وظهورها عليه، فإذا كانت عين النجاسة قائمة حتى تقدمت له الطهارة انتقل إلى حكم ما لاقاه من النجاسة، فإذا زالت عين النجاسة عنه بماء أو غيه وذهبت عين النجاسة عادا إلى حكم ما كان عليه من حكم الطهارة، والاسم الأول قولهم، في الأرض يصيبها البول أو غيره من النجاسات، فحكم المكان نجس به حتى يصب الماء عليه، أو تذهب عينه بغيرها.
وقولهم في النعل والخف يطأ بهما في النجاسة فهما نجسان، فإذا ذهبت عين النجاسة عنهما فهما طاهران، وما أشبه ذلك.
مسألة:
ومجاورة الطاهر للنجس تنجسه، ومجاورة النجس للطاهر لا ينجس ما جاوره الطاهر.
والدليل على ذلك ما روى عن النبي (ص)، في الفأرة التي ماتت في السمن، فسئل عنها، فقال (ص): إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فأهرقوه.
فأفادنا بإلقاء الجامد وما حوله معنيين، أحدهما، أن ما كان نجسا في نفسه ينجس ما جاوره، والثاني، أن ما ينجس بالمجاورة لا ينجس ما جاوره فيما لا يوجب غسل ما حصل فيه.*/* (1/26)
صفحة 27
وذلك، أن الفأرة لما كانت نجسة في نفسها حكم (ص) بنجاسة ما جاورها من السمن، ولم يحكم بنجاسة السمن الجامد [المجاور] لهذا السمن النجس، إذلم يكن نجسا في نفسه، وإنما كانت نجاسته من جهته الحكم المجاورته للفأرة، والله أعلم.
مسألة:
أنجس الأنجاس عندنا البول، ثم العذرة ثم الدم، ثم الاجابة.
والأبوال كلها نجسة، لأن الله تعالى حرم الخبائث كلها، وسمى الرسول (ص)، البول من ابن آدم خبيثا، فإذا صح بالكتاب والسنة تحريم بعض البول وجب تحريم البول كله، والله أعلم.
مسألة:
ــــ أبو سعيد ــــ لكل غالب شرر، في معنى الترخيص، كأنه يقول، إن كل شرر جمع من غالب من النجاسة لم يضر الشرر إذا لم يغلب نحوه، بمعنى الأصباغ، لما قيل في أبوال الإبل، وقد قيل عن سليمان عثمان، إن شرر الدم الدم المفسوح لا يفسد، ولعله للضرورة، وإذا ثبت في شيء من النجاسة من النجاسات فلا يبعد إجازة ذلك من جميع النجاسات، إذا خرج مخرج ما جاز فيه، فيخرج أنه ما لم يغلب عليها كما كان في الماء لا يفسده ما لم يغلب عيه، لأن الطهارة من المائعات، ولو كان من غير الماء من الأدهان وغيرها، من الخل والنبيذ وغير ذلك، (1/27)
صفحة 28
كالدم، والريق، والبزاق، والمخاط، إذا ثبت في هذا مع الاتفاق أنه ليس بماء، ولا من الماء، وإنما يشبه الماء، فكذلك هذا مشتبه للماء.
وإذا ثبت نجاسة بول الإبل، وثبت الترخيص فيه في القدم فلا معنى في الافتراق في غير القدم، وإذا ثبت ذلك في البدن ففي الثوب أقرب، وإذا ثبت في الضرورة على غير الدوام لم يبعد أن يكون مثله في غير حال الضرورة ما خرج مخرجه، لأنه لم يشترط في ذلك، أنه ما دام فيحال الضرورة، ولعل في بعض القول الإطلاق، وإنما يشترط فيه بعض أنه على الضرورة، ومعنى الراية على غير شريطة.
وعن بعض قال: إنما سمعت أن المسفوح ينقض قليله وكثيره بعد موت أشياخنا، وفيه عندي نظر، والله أعلم.
مسألة:
وفيمن اغتسل ولبس ثوبا فيه بول جاف فلم يرى به بأسا، قال: إلا أن يكون بولا كثيرا.
مسألة:
حفظ أبو زياد عن الوضاح بن العباس، قال: نضحت يوما ما، فوقع على عذرة يابسة، ورجع الماء علي، فقال أبو العباس: لا بأس.
قال أبو المؤثر: حفظت هذه المسألة عن أبي زياد عن الوضاح بن عباس.*/* (1/28)
صفحة 29
الباب الثاني
في الشك والنجاسات والطهارات
ـــ محمد بن الحسن ــــ
من صلى بثوب قد شك فيه فليس الشك من أمر الدين في شيء، ما كنت عالما بطهارته فهو على طهارته حتى يصح معك نجاسته، فهذا الحكم فليس يوجب عليك نقض حتى يتبين لك فساد ذلك الثوب.
وأما ما يستبرىء القلب من شكه فليس ذلك محكوما إلا من تبرع بكل ذلك بفضله، والله أعلم.
مسألة:
ــــ أبو سعيد ـــ
فيمن عرق في ثوب فلم يعرف أنه مما تمازج النجاسة، أو هو دون ذلك، وإذا اشتبه عليه ذلك فليس عليه أن يعمل بالشبهة ويترك الحكم إذا كان بدنه في الأصل طاهرا، إلا أن تكون شبه تغلب عليه، فإن أراد أن يأخذ بالاحتياط وخاف فوت الجماعة، فإن كان الاحتياط مما له فيه التخيير فلا يترك الجماعة على التخيير، وأما إن كان الاحتياط لازما فاللازم غير التخيير، والله أعلم.
مسألة:
فما احتمل أنه حلال أو حرام، وأنه طاهر وأنه نجس./*/ (1/29)
صفحة 30
فكل شيء أصله حلال عارض الشك فيه بأنه حرام بوجه من الوجوه فهو حلال في الحكم حتى يعلم أنه قد عارضه ما يحرمه بما لا شك فيه، وكذلك جميع الطهارات إذا عارض فيه الشكوك بما يحتمل طهارتها ونجاستها فهي طاهرة حتى تصح نجاستها، والله أعلم.
مسألة وإن وجد في ثوبه ما يشبه الجنابة، لا يعرف من أين وقع فيه ولا متى وقع، أيغسل أو لا غسل عليه حتى يعلم أنه جنابة، وليس هو نجسا حتى يعلم أنه نجس؟ ـــــ فإذا احتمل ذلك فلا غسل عليه، وهو طاهر ويصلي به.
مسألة:
فيمن طرح نجاسة من الذوات رطبة في ماء جار، ينجس أو لا ينجس؟ فقد اختلف في مثل هذا، إذا وقع فيه احتمال من الطهارة و النجاسة، فيقول: يكون نجسا، لأنه يحتمل النجاسة، إنما صار بسبب وقوعها، وقول: إنه طاهر حتى يعلم أنه نجس، لطهارة أصلهما، والنجاسة لم تغلب عليه فتنقله، وطهارته عندنا أشبه الآخرة لمعان كثيرة غير الاحتمال.
مسألة:
في موضع من الأرض نجس أيصب عليه ماء وطار؟ قال: مالم يتمكن من موضع البول حتى يرطبه، ثم يطير بعد ذلك فهو طاهر؛ وقول: إذا كان الماء أكثر من البول فهو طاهر.*/* (1/30)
صفحة 31
مسألة:
فيمن كان في يده نجاسة مما له عين، ولا عين له، ثم غمس يده في خل أو طعام ثم ذكر فأخرجها، قال: إذا كانت تمكنت في الطهراة بقدر ما ترطبت وتمازجت رطوبتها رطوبة الطهارة ففيه اختلاف، فقول: يفسد الطهراة، وقول: لا يفسدها.
مسألة:
وإذا كانت أوعية فتنجست وفيها شيء من المأكولات، ولا يدري أيها، فإن كان الطعام مما يمكن غسل وأكل، إن كان مما لا يمكن غسله مثل الخل وغيره، مما يكون مائعا، فإنه إن تحرى النجس فتركه وأكل الباقي فجائز، وإن تنزه عن الجميع كان أحوط له، وأما في الحكم فحتى يعلم النجس منها فإن كان صحيحا معه أن أخذها نجس لا محالة ولا يعلم ذلك، ولام يقدر أن يتحرى الطاهر فيأكله، ولا النجس فيتركه، ولا على طهره فيغسله، فإن من طريق الورع ترك الجميع أولى به من ارتكاب الشبهة في الحرام، وهذا القول تحريته على ما أرجو السلامة. */* (1/31)
صفحة 32
الباب الثالث
فيمن نجس أحدا أو علم بنجاسة شيء
يجوز له استعماله
ومن أصاب أحدا بنجاسة بغير قصد منه لذلك فعليه أن يعلمه، فأن لم يعلمه كان عاصيا لذلك.
مسألة:
وغن كان الثوب مصبوغا فنجسه عمدا فإنه يلزمه قيمة ما ذهب من صبغه مع كرْى من يغسله، وأما الخطأ فالله أعلم.
مسألة:
ــــ أو الحوارى ــــ فيمن توضأ من بئر لقوم ونجسها، فقال للقوم: إني قد نجست هذه البئر، فأحب أن تنزحوها، فوعدوه، ثم لم ينزحوها، فيقول: إذا أنعموا له بذلك فنرجو أن سلم إن شاء الله.
كما قيل في الصبي والأمة: إنهما يصدقان في نجاستهما، فإذا صدقا في فسادها صدقا في صلاحها.
وكذلك إن أمر ثقة، يأمر من ينزحها، فقيل له [فقال]: الثقة بذلك، فهو سلم، وكذلك إذا قيل له غير الثقة بنزحها، جاز له ذلك إن شا الله حتى يعلم أنها لم تنزح، إذا كانوا يدينون بذلك.*/* (1/32)
صفحة 33
قال المصنف: وق غرفت قولا، أن يقبل إلا الثقة، فرقا بين ماله وعليه والله أعلم.
مسألة:
ومن باع سمنا بخسا، رجع إلى القيمة، ويرد على المشتري فضل القيمة، لأنه ينتفع به رد ثمنه كله، ولا يعرفه القصة، ويقول: هذا ما لزمني ضمانه من مالك.
مسألة:
ومن شرب ماء نجسا وأنت تراه ـــ كان عالما بحكم النجاسة، فإذا رأيته يصلي صلاة، فقد زال عنه حكم النجاسة، وإن كان غير عالم بحكم النجاسة فحتى يعرفه، أو لم يعلم أنه قد غسل.
مسألة:
ومن تطهر من بئر نجسة فعرفته، فلم يقبل ثم تطهر من بئر طاهرة ـــ فإنه إن غاب قدر ما يصلي صلاة قد مضى وقتها عليه غير تلك الصلاة لم ينجس البئر، وإن لم يمض عليه قدر ما يصلي أو يتوضأ من غيرها، ثم مسها فقد تنجست أيضا ــ والله أعلم.
مسألة:
ومن رأى في بئر نجاسة، ثم غاب، ثم رجع ورأى أصحابها يسقون منه لعله لم يقع عليها حكم الطهارة عنده حتى يعلم أنها قد طهرت.*/* (1/33)
صفحة 34
مسألة:
ــــ أبو الحسن ـــــ فيمن علم من رجل من أهل القبلة، أن بئرهم نجسة، وغاب ثم رجع فأتاه منها بماء، قال: كان صحبها قد علم بنجاستها فله أن ينتفع بذلك، وإن كان لم يعلم بنجاستها لم ينتفع بها حتى يعلم أنها قد نزحت.
وقول: لا ينتفع بها حتى يعلمه من يأتيه أنه قد نزحت، إلا أن يكون الذي علم بنجاستها ثقة مأمونا، ونحى هو بالماء إليه فذلك جائز، ولو كان منها، وما لم يأته به العالم بنجاسة البئر من البئر فلا ينتفع به حتى يعلم طهارتها لأنها نجسة، فإن كان هو نجسها فأعلمهم / ثم غاب فسقاه أحد منها، فإن كانوا صقوه أعجبني أنه يجوز له الانتفاع بذلك، وتكون طاهرة، وإن لم يصدقوه فهي بحالها، إلا أن يخرج في الاعتبار أنه قد استقى منها على الدوم مقدار أربعين دلوا، فحينئذ تطهر، وقول: حتى يكون بالنية.
مسألة:
ومن جد في موضع من الارض نجاسة، ثم رجع فلم يرها فلا بأس بذلك إذا أصابها الريح والشمس، فإن الأرض يطهر بعضها بعضا، وإن كان موضعا لا تصيبه الريح والشمس وصببت عليه الماء، فحتى تيبس الرطوبة، ثم تطهر الأرض.
قال أبو الحواري: إذا كان الماء أكثر من النجاسة طهر ويصلي عليه، ولو كان رطبا.
مسألة:
ـــ أبو سعيد ـــ في موضع من الارض، أو حجارة رأيت عليها عذرة،*/* (1/34)
صفحة 35
ثم رأيتها ذاهبة، قال: علمت نجاسة ذلك الموضع فهو على نجاسته حتى يعلم طهارته باليقين والعيان، أو ما لا شك فيه من غسل، أو أنها ذهبت عنها وضربتها الريح مدة، والشمس مدة بعد.
مسألة:
ـــ أبو سعيد ــــ فيمن مس من جدار المسجد بيده، وفيها جنابة رطبة، وخلا زمان، ثم رجع إليه وقد تغير، قال: يعجبني أن يغسل الموضع ولو لم ير به أثر، إذا كانت من الذوات.
مسألة:
ــــ أبو سعيد ـــــ فيمن رأى في رجل نجاسة، أن ذلك مختلف فيه، فقول: هو على حاله، والله أعلم أن الآخرة قد علم بها حتى يعلم أنه غسلها أبدا بحكم، أو اطمئنانة، فلا تجوز الصلاة خلفه، وقول: يتنكبه ثلاثة أيام ثم يصلي خفله، وقد حصل له حكم الطهارة، وقول: إذا غاب عنه بقدر ما تطهر النجاسة ولم يرها جاز له أن يصلي خلفه إذا علم أنه قد علم بها.
مسألة:
فإن لم يعلم أن الذي هي فيه قد علم بها، وغاب عنه بقر ما يطهرها، فقول: إنه بحاله يتنكبه ثلاثة أيام، وقول: إن غاب عنه بقدر ما يطهرها فقد زال عنه حكم النجاسة، إذا انمحى أثرها، لأنه إذا ثبت ذلك في الذوات كان في أهل القبلة أقرب، لأن حكمهم الطهارة، وقول: إنما هذا في العالم بنجاسته، وأما الذي لا يعلم بها فهي على حال النجاسة، لأنه متعبد بغسلها إذا علم.*/* (1/35)
صفحة 36
الباب الرابع
في نجاسة المائع والجامد
يقال: ماع الماء والدم يميع ميعا إذا جرى على وجه الأرض جريا منبسطا، وقال: من الدماء مائع ويبس، هو ضد الجامد، وأميعه إذا أماعه.
مسألة:
والاستدلال على الجامد من المائع أن يطرح خاتم أو حصاة بقدره فإن سقطت إلى أصل الإناء فذلك مائع يراق جميعه، لأن الذي لاقى النجاسة قد سرى في الجميع، وإن لم ينزل رمى ما حول النجاسة، وإن نزلت إلى بعضه أخرج إلى حيث بلغت الحصاة أو الخاتم، ويجوز أن يكون الأعلى مائعا والأسفل جامدا.
قال المصنف: رفع لي القاضي أبو محمد الحصر عن القاضي أبي بكر، فيما أرجوا أن الخاتم مقدار درهمين، والله أعلم.
مسألة:
وكل ما مائع وقعت به النجاسة أفسدته مثل اللبن والسمن والخل والعسل ومثله يفترق معنا كثرته ولا قلته، للرواية عن النبي (ص) في السمن، لما سئل عنه، فقال (ص) إن كان مائعا فأريقوه، وإن كان جامدا فألقوها وما حولها، فأفسد المائع من ذلك جملة، ولم يقصد كثرة من قلة، فهو على هذا الحكم محمول، والله أعلم. (1/36)
صفحة 37
مسألة:
ـــ ابن عمر ــــ قال: كان عند النبيء (ص) حيث سأله رجل عن فأرة وقعت في ودك جامد، قال: اطرحوها وما حولها، وكلوا ودككم، قالوا: يارسول الله، إنه مائع، قال: إنتفعوا به ولا تأكلوه.
فأفاد الخبر هذا الخبر أمرين، أحدهما جواز الانتفاع وإن كان مائعا، والثاني: إنه أجاز أكل سوى ما حول الفأرة إذا كان جامدا، والله أعلم.
مسألة:
ومن الدليل على صحة قول أصحابنا ما روى عن النبيء (ص) إنه مر بعمار ابن ياسر، وهو يغسل ثوبه من النجاسة، فقال له: ما نخامتك ودموع عينيك و الماء الذي [في] ركوتك إلا سواء، إنما يغسل الثوب من خمس، وذكر فيها المني فبين ذلك أيضا أنه (ص) قرر المني بالدم والبول، وفي إسقاطه (ص) من نخامة وإيجاب الغسل من مني يصيب الثوب، فقال: إن كان رطبا فاغسليه، فإن كان يابسا فافركيه دليل على النجاسة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغسل المني من ثوب رسول الله (ص) دل على نجاسته. وقيل: قالت: كان إذا أصاب ثوبه المني غسله.
وعن ابن عباس قال: من صلى وفي ثوبه جنابة أعاد الصلاة.*/* (1/37)
صفحة 38
مسألة:
فيمن في يده عقر من دم غير فائض، فنسي أن يغسله حتى أكل طعاما رطبا، سمنا أو غيره وهو ممد يده إلى الطعام مرة بعد مرة ويمس العقر الطعام، هل يكون الطعام طاهرا، أو ما قطر إلى ثيابه من السمن على موضع العقر مالم يعبره الدم على قول كالماء.
قال: هكذا أرجو أن يخرج عندي. (1/38)
صفحة 39
الباب الخامس
ما يجوز الانتفاع به من النجاسات
ـــ الشيخ أبو محمد ــــ قال أصحابنا: استعمال السمن الذائب إذا حكم له بحكم النجاسة للسراج، لأن ما عرض فيه من النجاسة لم يحرم عين السمن، وإنما منع من استعماله للأكل لاختلاط النجاسة به.
فإن قيل: لم لم يحرم الانتفاع به لأجل نجاسته، لقول نجاسته، لقول النبي (ص): لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها.
قيل له: الشحم حرمه الله لعينه، فعينه محرمة، وهذا حلال في الأصل، ممارضة له نجاسته.
وإن قيل: فقد قال (ص): إن كا مائعا فأريقوه، فأمر بإراقة سؤر الكلب، ولو جاز الانتفاع به لما أمر بإراقته وهو ينهى عن إضاعة المال.
قيل له: الأمر بإراقته لا يوجب ترك الانتفاع به، من قبل أن إراقته فيها استهلاك لوجه ينتفع به، مثل الدباغ والسراج وغير، وأيضا فالذي أفادنا الأمر بإراقته هو المانع من أكله.*/* (1/39)
صفحة 40
وقد روى عن النبي (ص)، أنه أمر بالاستصباح به من طريق على، كل الأمر على هذا حملناه على الوجه الذي يقع الانتفاع به بعد الدباغ، وإن كان نجسا أباح ما كان ممنوعا من أجله، والله أعلم.
مسألة:
وقيل: يجوز بيع الهن النجس، والصبغ النجس، وكل ما كانت النجاسة حادثة فيه من الطهارات ويعلم بذلك، وقول: لا يجوز بيعه، والله أعلم.
مسألة:
ـــ كتاب الأشراف ــــ واختلفوا في عجين بالماء النجس، فقول مجاهد: يطعمه الدجاج، وقول الحسن بن صالح، يطعم ما لا يؤكل لحمه، ومالك والشافعي تطعم [به] البهائم، وأبو بكر لا يطعم شيئا، للثابت عن رسول الله (ص)، أنه سئل عن شحوم الميتة تدهن بها السفن والجلود وينتفع بها، قال: لا هي حرام.
ـــ أبو سعيد ـــــ هذه الأقاويل تشبه ماقيل، ويجوز أن يطعم الأطفال، وليس ذلك كله إلا فيما كان من الطهارات، وعارضتها النجاسات، وأما ما كان أصله نجسا حراما فلا يلحقه هذا، وليس قول أبي بكر في شحوم ميتة مما يحجر عندي مما قيل في هذا، والله أعلم.
مسألة:
ــــ أبو سعيد ـــــ أكثر ما قيل إن هذه الأشياء إذا تنجست، من العجين والطبيخ وما أشبه ذلك، أنه لا وجه إلى تطهيرها ويدفن ولا يطعم شيئا من الدواب، */* (1/40)
صفحة 41
ولا أحد من الناس، صغيرا ولا كبيرا، ولا تباع، ولعله يخرج، ولا توهب، لأنه إذا ثبت أنه لا ينتفع بها بوجه بطل بيعها وهبتها، لأنه محرم، فلا يغير.
وقول: أنها، وإن ثبت أن لا وجه إلى طهارتها فإنه يطعم الدواب، ولو كان نجسا، بأن الدواب لا إثم عليها، ولا تعبد.
وقيل: يجوز أن يطعم ذلك الدواب والأطفال من الناس، وكل من لا إثم عليه، لأنه يقع لهم موقع النفع، وليس عليهم منه مضرة، ولا إثم عليه.
ولا يبيعه البائع، ولا ينتفع بثمنه ولو يخبر بذلك وبنجاسته.
وإذا ثبت ذلك، أنه لا يبيعه، فلا يبعه لأهل الذمة ولا لأهل الاسلام، لاختلاط الحرام بالحلال، وبيعهما في صفقة واحدة حرام.
وقول: يجوز أن يباع إذا علم بذلك المشتري، وإنما ذلك عيب عارض الحلال، وليس هو في الأصل حرام، يجوز أن نطعمه الدواب والأطفال، ولو كان لا يجوز الانتفاع به بحال لم يجز بيعه بحال، ولو تراضيا على ذلك، البائع والمشتري، وعلما به، لأن في ذلك ضررا من المشتري على نفسه، والضرر غرر، وكل غرر باطل.*/* (1/41)
صفحة 42
مسألة:
كما قيل العذرة إنها فختة من حرام، وإنها إذا خلطت بالطاهر من التراب أو رماد أو روث، أو بعر أن يبيعها في جملة ذلك لثبوت الانتفاع بها، وأن الشراء لا يقع موقع الضياع ولا إضاعة المال.
وقيل: لا يجوز بيعها على حال في شيء مخلوطة فيه من الطواهر، لأن الصفقة فيه على حلال وحرام، ورجس وطاهر.
وإذا ثبت إجازة بيعها للانتفاع بها وحدها جائز لم يبعد أن يجوز بيعها وحدها لمعنى ثبوتها بنفسها نافعة جاز الانتفاع بها مخلوطة بغيرها ووحدها.
مسألة:
وأما مالا ينتفع به إلا في إثم وفي حال ضرورة فلا يجوز بيعه ولا شراؤه، وذلك محجور محرم باتفاق من كل ما كان أصله حراما أو رجسا، وليس الرجس معارضا له، كالحمر والخنزير والميتة، لأنه على غير الضرورة لا يجوز، وعلى الضرورة لا يجوز منعه، ولا يجوز أن يطعم شيئا من الدواب والأطفال إلا في حال ما خصته الضرورة.*/* (1/42)
صفحة 43
مسألة:
فيمن طبخ طعاما ودكا للكحال فوجد فيه ميتة هل يسرج به، ويكون كحله بالدخان طاهرا.
فأما استعماله فالسراج به مختلف فيه، وأكثر القول يجوز استعماله، وأما الدخان فقول نجس، وقول ليس بنجس، لأنه غير النجس. وبذلك دخان العود النجس والحطب مثله.
وكل شيء من الطواهر عارضته نجاسة فلزمت الضرورة البالغين إليه ليحيى به نفسه فه أولى من الحرمات في الأصل ما لم يغلب المحرم على الحلال فيستهلكه، وينتقل إليه معناه واسمه، فهنالك يكون عندي مثله، فإذا صار مثله فبأيها شاء أحيا نفسه إذا كان مما يحيى ويعصم، وإن كان مما لا يحيىى و لا يعصم، وهو من المجتمع على نجاسته، فلا يجوز في حال اضطرار ولا غيره.
مسألة:
وقيل: إذا وجد المضطر شيئا من المحرمات مما يعصم ويحيى، وشيئا من أموال الناس الحرام الذي لا يحل بوجه من بيع ولا هبة ولا إدلال أنه يحيى نفسه من المحرم المباح، من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أشبه، ولا يأكل من أموال الناس، لأن هذا مباح، لا يلزم فيه ضمان، وجميعها محجوران إلا عند الضرورة.
وقول: من إنه مخير، إن شاء أحيا نفسه من هذا ولا تبعة عليه ن وإن شاء أحيا نفسه من هذا، ودان مما يلزمه من الضمان.*/* (1/43)
صفحة 44
وقول: ليس له أن يأكل الرجس المحرم إذا وجد الطاهر الحلال، ولم يعارضه في ذلك معارض، ولا حجة تمنعه تكفره مخالفتها، لأنه لو وجد أرباب الأموال فباعوا إليه منها ما يتعوض به بعدل السعر، أو بأكثر من عدل السمر لم يكن له أن يأكل من المحرمات الرجس، وكان عليه أن يشتري بقدر ما يحيي به نفسه، ولا يثبت عليه في الضرورة إلا عدل السعر، ولو اشترط عليه البائع في البيع بأكثر من عدل السعر بنقد أن نسيئة كان ذلك مردودا إلى عدل السعر في الحكم، وكان ذلك محجورا عل البائع أن يشترط في حال الضرورة ويحتكر ماله حتى يأخذ بأكثر من عدل السعر، والله أعلم */* (1/44)
صفحة 45
الباب السادس
منه اخر المعتبر
فيمن رأى في صبي نجاسة ثم غاب، فأمكن طهارته بوجه من الوجوه في غيبته ولو لم يعلم، قال يفسد ما مس من ذلك لثبوت طهارة الانسان في بدنه وثوبه حتى يعلم نجاسة مما لا شك فيه.
ويخرج هذا في البالغين المتعبدين بالطهارة من أهل القبلة، علم صاحب النجاسة بها أولم يعلم.
ويخرج، أن هذا إذا علم بها، وإن لم يعلم، فالنجاسة بحالها، حى يعلم طهارتها بحكم أو اطمئنانة، ولا يلحق ذلك في الصبي بحال، لأنه غير متعبد بالطهارة من النجاسة، وهو في الحكم نجس حتى يعلم طهارتها.
ويخرج، أنه من حيث علم بالنجاسة من بدن أو ثوب في بالغ أو صبي من أهل القبلة فهو بحاله ما لم تصح طهارته بحكم أو اطمئنانة، علم بها صاحبها أو لم يعلم.
وهذا الاختلاف كله إنما يخرج على الاطمئنانة والشبهة.
والأصل، أن كل فاسد فهو حتى تصح طهارته بحكم، أو بما لا شك فيه بحكم الاطمئنانة إذا غلب حكمها على الحكم.*/* (1/45)
صفحة 46
وكل ما صحت طهارته ففي الحكم طاهر حتى تصح نجاسته بما لا شك فيه بحكم أو اطمئنانة.
وهذه الأقاويل داخلة بين هذين الأصلين فيما يقرب الاطمئنانة ويبعدها، لا بحكم القضاء.
مسألة:
فإذا ثبتت طارة العالم بالنداسة من غيره، من صبي وغيره، في ثوب أو غيره، ثم غاب بقدر ما يمكن طهارته في الحكم، ثم مسه بما يثبت طهارته هو من وضوء أو ثوب أو بدن، فحتى يعلم أن الذي مسه نجس فهذا على أن النجاسة بحالها من حيث ما كانت، فمتى مس موضعها شيء من الطهارات مالم يعلم طهارتها فهو نجس حتى يعلم طهارة ذلك الحكم.
فهذان هما الأصلان اللذان عليهما العمل، والاختلاف في الصبي والبالغ، علم البالغ أو لم يعلم، على ما يقرب الاطمئنانة ويبعدها.
مسألة:
ويخرج، أنه لو احتاج إلى ذلك الثوب بعينه الذي قد علم منه النجاسة، وقد غاب عنه، على صبي أو بالغ، ثقة، أو غير ثقة، إلا نه من أهل القبلة، للباس، أو لأداء فريضة به، وغاب عنه، طهر أو لم يطهر، أو لم يطهر، إن هذا فصل يأتي.
ويخرج، أن ليس له استعماله على الانفراد من أداء فريضة ـ واستعماله بطهارة، إلا أن يعلم طهارته بحكم أو اطمئنانة، وإن كان لا يخلو على حال من دخول */* (1/46)
صفحة 47
الاختلاف فيه، لثبوت حكم الطهارات، أنها على أصلها، فإن لم يجد إلا هذا الثوب وقد احتمل طهارته فيعجبني أن يكون له الصلاة به، وعليه الصلاة به، وألا يصلي عاريا، ولا بثوب نجس على الحقيقة، ولا يخرج الحكم النجس في ثبوت التيمم لاحتمال الطهارة منه، وإن تيممه كان أحب إلي.
مسألة:
ومما يقرب على حكم الاطمئنانة في هذا الثوب، أن لو سأل صاحبه ثوبا يلبسه، فأعطاه هذا الثوب الذي كان عالما بنجاسته، فلم ير فيه نجاسة، فهذا أقرب أن يكون لا يعطيه ثوبا نجسا يصلي فيه، ويخرج في حكم الاطمئنانة طهارته.
وكذلك في اللباس، إذا سأله فأعطاه إياه، ففي الاطمئنانة ألا يعطيه ثوبا نجسا، ولا يعلمه، وبمقدار ما يبعد عنه الاطمئنانة في ذلك، وقد علم الأصل، أنه نجس فهو على حال الحكم حتى تثبت معاني طهارته بحكم أو اطمئنانة وعلى كل حال، فإذا كان قد صح نجاسته فلا يخرج حكم طهارته بشيء من هذا إلا بعلم ذلك.
ولو سأله أن يعطيه ثوبا يصلي فيه، وكان ثقة أو مأمونا، فقد يمكن أن يعلم بنجاسته وينساها، ولو قال: إنه طاهر عنده في الحكم، أنه طاهر، ولا يخرج من حكم النجاسة إلا أن يعلمه أنه طهره من تلك النجاسة، أو قد طهر منها، ويكون ثقة ومأمونا، وفيها اختلاف في قبول قوله في الطهارة والنجاسة.
مسألة:
فإن رأى رجلا يمس شيئا رطبا، فقال له: إنه نجس فلم يقبل منه حتى غاب عنه ساعة ومسه بالموضع، هل يحكم بطهارته؟ */* (1/47)
صفحة 48
قال: أما في الحكم فلا يبين لي ذلك، وأما في الاطمئنانة فذلك إلى ما يقع له، ويسكن إليه، فإن لم يطمئن إلى طهراته فليتنكب عنه ثلاثة أيام في مثل هذا، مثل ألا يصل خلفه ولا يمسه منه شيء، وأشباه هذا، ولا أعلم بعد الثلاثة علة تزيل النجاسة إلا الاطمئنانة أيضا، إلا عندي، أن الثلاثة أيام يطال فيه مرجى أن يأتي منه النسل على الموضع.
وكذلك إذا رأى في ثوبه نجاسة، أو نعله، من حيث تمس رجله، فقول: أن ليس في ذلك فرق، وقول: بينهما فرق.
قال: ولا يبين لي بينهما فرق، وإذا احتمل طهارة ذلك ولم ير بعينه وكان البعيد بطهارته على غيره.
قيل: فإن كانت النجاسة التي مستها ليس لها ذات وغاب عنه بقدر ما يحتمل طهارة ذلك ونجاسته، أو كانت غير الذات فيقع لي أن ذلك سواء، فإن كان عن قفا الامام في الصف الأول فيه النجاسة في بدنه وثوبه وهذا يعلم أنها فيه،
فقول: صلاته تامة، لأنه قائم في الصلاة، ليس هو إمام فتفسد صلاته بصلاته ولا مس منه ما يفسد.
وأحسب قوله: أنه لا يرى صلاته تامة، لأنه شبه الفرحة إذا لم تتم صلاته.*/* (1/48)
صفحة 49
مسألة:
وإن كانت النجاسة في نعله أو ثوبه، واحتمل بعد ذلك أن يكون ذلك ثوبا غيره، أو لا يمس النعل رطوبة فأحب أن يصلي خلفه ولا يدع الصلاة، وإذا لم يحتمل له مخرج من النجاسة كنجاسة بدنه فيعجبني، إن وجد صلاة، ألا يصلي خلفه ـ وإن لم يجد صلاة جماعة لم أمنعه الجماعة، إذ هي واجبة، وإذ ذاك محتمل طهارته ونجاسته، إلا أني أحب له أن يصلي الجماعة، ثم يبدل فرادى للاحتياط، لئلا يفوته فضل الجماعة، ولا يدخل في شبهة، وإن لم يبدل ووجد جماعة أخرى أو لم يجد، فإذا احتمل طهارة ذلك ونجاسته فيما غاب عنه، وصلى على هذا الاعتقاد، إذ لم ير نجاسته تمنعه عن الصلاة فلا يبين لي عليه إعادة، على ما يخرج. */* (1/49)
صفحة 50
الباب السابع
في وجوب طلب الماء، من رجا ومن لم يرج
و أما إذا صار المسافر في موضع اليائس من وجود الماء وحضرت الصلاة فالمأمور به أن يطلب الماء ويجتهد في بغيته، ولا بد من الطلب والملاحظة يمينا وشمالا، ويسأل أصحابه، إن كان معه ناس ـ والطلب فريضة، لقول الله تعالى: ((فإن لم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا)) فلم يبح التيمم إلا بعد العدم من الماء، والعدم لا يكون إلا بعد الطلب والاجتهاد فإن جهل الطلب مع إياسه من وجود الماء وتيمم وصلى فعليه البدل، وأخاف أن تلزمه الكفارة، لتركه المفروض عليه، وعدوله إلى ما سواه لغير عذر، ولا يعذر بالتضييع لما أمر الله به من الطلب للماء مع الإمكان له من الطلب، لأن حدوث الماء في تلك الأمكنة جائز في قدرة الله أن يحدثه في الأماكن الميئوس من وجوده فيها، إذ كان ذلك غير محال منه، جل وعلا.
فإذا لاحظ فلم يجد الماء، ثم تيمم وصلى، ثم حضرت فريضة أخرى فإنه يلاحظ أيضا ويطلب، أحوط له في دينه.
فإن كان عهده بالملاحظة والطلب قريبا، وموضع الفريضة الثانية هو موضع */* (1/50)
صفحة 51
الفريضة الأولى أو قريبا منه، ولا يجوز حدوث الماء في تلك المدة اليسيرة، ولا يرى علامات تدل على حدوثه، مثل المطر، أو نزول أحد في تلك الأمكنة فأرجو أن يجوز له التيمم بلا ملاحظة ولا طلب، مع هذه الصفة، والله أعلم.
وفي موضع، والمسافر إذا لم يسأل أصحابه عن الماء ورآهم تيمموا وصلوا، وتيمم هو وصلى، وقد كان عليه أن يسألهم، فإذا لم يسألهم فعليه بدل الصلاة في الوقت وبعد الوقت.
مسألة:
وإذا حضرت المسافر الصلاة والماء عنده بعيد عن يمين أو شمال، أو يخاف فوت أصحابه فإنه يتيمم ولا يعرج عليه، وليس على المسافر أن يشق على أصحابه الذهاب إلى الماء إذا لم يكن على طريقة بقدر ما لا يعوقه، فله أن يتيمم ويصلي، وإن علم أن الماء زال من طريقه تيمم وصلى وليس عليه أن يمضي إلى الما إذا كان في ذهابه إليه مشقة على أصحابه، إلا أن لا يشق عليه فيأمنوا على أنفسهم من الطريق.
مسألة:
وجاز التيمم في أول وقت الصلاة، وفي وسطه وآخره، لقول الله تعالى: ((إذا قمتم إلى الصلاة .. )) إلى قوله: ((فإن لم تجدوا ماء فتيمموا)) ولم يشترط إذا قمتم في آخر الوقت. */* (1/51)
صفحة 52
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن التيمم في آخر الوقت وقت الصلاة، وليس له أن يتيمم في أول الوقت، لما رجوا من وجود الماء.
وهذا القول الذي ذهبنا إليه من قول بعضهم: انظر، لأن الله تعالى عقب ما ذكره من الطهارة بالماء ((فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ... )) وكان من أراد القيام إلى الصلاة، وليس عليه أن يؤخرها إلى وقتها بل يجب عليه تعجيل الصلاة فإن لم يجد الماء تيمم، وليس عليه ان يؤخرها إلى وقتها بل يجب عليه تعجيل الصلاة لما يلحق التأخير من الأسباب والعوائق، والمخصص لوقت دون وقت محتاج إلى دليل.
مسألة:
وأجمعوا، أن الإنسان إذا كان في موضع يعلم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، أن عليه قصد المال، وليس له أن يتيمم لأنه داخل في قوله: ((إذا قمتم إلى الصلاة)) وهذا يقدر أ يأتي بالطهارة التي أمر بها، وهي الماء، وليس له أن يعدله ‘لى التراب إذا علم أنه يصل إلى الما قبل خروج الوقت، ولا تنازع فيه.
وبلغنا أن معاذا كان أحب إليه حين تحضره الصلاة أن يتيمم ويصلي، وإن كان الماء قريبا منه والله أعلم.
مسألة:
فيمن دنا من الماء وطمع أن يدركه في أول الصلاة أ في وسطها، هل يجزئه أن يتيمم حتى تحضر ويصلي، قال: قد قيل ذلك.*/* (1/52)
صفحة 53
وقول: أنه ينتظر ما دام يرجو وصول الماء بغير مخاطرة بصلاته، فإن جاء إلى الماء وقد جمع، قال: أما الأولى ففيها اختلاف، ويعجبني أن يعيد إذا كان التيمم، وفي موضع: إن كان يعرف الماء، أو دل عليه، ورجا أن يدركه، وأحب ألا يخاطر بها؛ وإذا كان جاهلا بالماء وحضرت الصلاة أحببت له الصلاة في الوقت، ولا يدعها خوف الأحداث.
مسألة:
ولا يجوز التيمم للفرض قبل وقته في قول الشافعي.
قال أبو حنيفة: يجوز.
وطلب الماء بعد دخول الوقت شرط في صحة التيمم.
قال أبو حنيفة: ليس بشرط فيه، الحجة عليه قوله تعالى: ((فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا))، ولا يقال لم يجد إلا إذا طلب ولم يجد، والله أعلم
مسألة:
ومن كان في الحضر فلم يجد ماء وخاف فوت الصلاة فقول: يتيمم ويصلي، وقول: يطلب الماء، ولو فات الوقت، وفي موضع: لو أن رجلا أخر الصلاة في السفر رجاء أن يلحق الماء حالا يفوت وقتها كان عليه القضاء والكفارة، وكذلك المقيم عل قول من رأى عليه التيمم.
مسألة:
وليس على المسافر أن يشق على أصحابه ولا على نفسه في الذهوب إلى الماء */* (1/53)
صفحة 54
إذا لم يكون على طريقة بقدر ما يعوقه في الذهوب إليه عن سفره، فليتيمم، فذلك جائز له.
مسألة:
وفي جواب أبي عبد الله في رجل مسافر لم يجد الماء في طريقه وهو يعلم ماء زائلا عن الطريق، أله أن يتيمم بالصعيد؟ قال: نعم.
قيل له، وهو قدام داره التي بعوتب من صحار، بالقرب من مسجد الباذامة: فمقدار كم يكون بينه وبين الماء يكون، كالعسكر، قال: لا، قيل: فكم؟ قال: كالخور، خور جناح، كأنه يريد إذا كان الماء عن طريق كذلك فيتيمم، ولا يعرج إليه إلا أن يكون كمثل الخور من موضعه.
قال أبو محمد: إن أحوال الناس مختلفة، فمنهم من يصل إلى المكان البعيد وينال الما ولا يلحقه مشقة، وآخر يلحقه كثير المشقة مع قرب الماء منه، وليس في التحديد للمواضع خبر، ولا ينبغي ن يتعمد عل ما قدر من المكان لكل إنسان، وفي كل الأوقات.
مسألة:
قال أبو سعيد: يخرج في قول أصحابنا، أنه ليس على المسافر أن يعدل عن سفره، في طلب الماء في جميع ما يلحقه فيه الضرر من وجه من الوجوه، في مال، ولا في نفس، فإذا كان على غير ذلك، وإنما هو على ما تقع عليه من المشقة و من التعوق عن سفره، فإنه يمضي في سفره ولا يعدل في طلب الماء إذا لم يكن */* (1/54)
صفحة 55
يعوقه، ولو سمع مثل صوت الراجزة، ولا يعرف أين هي، وأما إذا عرف الما وكان يرجوه بال مشقة يدخل عليه منه الضرر فعليه أن يعدل إلى الماء. وقد يخرج تحديد ذلك في النظر، لا على التحديد في المسافة.
وعن موسى بن علي، قال: من خرج من منح يريد نزوى ولم يكن في الطريق ماء أنه ليس عليه أن يذهب إلى كرشى إذا كان بها ماء.
قال: وعندي أن الناس في هذا مختلفون، فواحد يشق عليه وعلى أصحابه ويعوقهم عن طريقهم، وواحد يمكنه أن يذهب إلى الماء ويلقى أصحابه، ولا يشق عليه في ذلك، ولا يعوقهم، ولو كان الماء بعيدا.
مسألة:
وقال: إن أبا عبد الله، أو محمد بن محبوب أو كلاهما صلى في الكريش بالتيمم ولم يمر إلى كرشي يطلب الماء.
أبو المؤثر قال: سألت أبا عبد الله في مسافر في طريق الباطنة لم نزل على بئر هل عليه أن يطلب بئرا؟ قال: ليس عليه أن يطلب بئرا.
مسألة:
وقيل: إن البادي إذا كان منزله [بعيدا] (زيادة من المحقق) عن الماء، إذا ذهب إليه في أول وقت الصلاة، لم يرجع إلى منزله حتى يفوت قبل أن يصل إلى منزله، يصلي فيه؟ لم يكن عليه أن يذهب. */* (1/55)
صفحة 56
الباب الثامن
من عدل عن الوضوء إلى التيمم
التيمم جائز لكل ذي علة ومريض يخاف زيادة مرضه من الماء، مقيما كان أو مسافرا، بقوله تعالى: ((وإن كنتم مرضى)) وذلك عام لكل عاجز عن الماء التيمم عافيه وله العذر به.
والعجز عن استعمال الماء عجزان، عجز عدم، وعجز بينه، وكلاهما مبيحان لصاحبهما العدول إلى التيمم بهما.
فأما عجز العدم فهو تعذر حصوله لديه، بألا يجده أصلا، ولا يجد ما يتناوله به فعلا، وأما عجز البينة فهو تعذر وصوله إليه، بأن يحول بينه وبينه عدو يخافه، أو سبع يطلبه، أو مرض يدنفه.
وكل هذه الاحوال التيمم بها جائز، وليس له ولا عليه أن يحمل نفسه على حالة مخوفة أو يعرضها لمخاطر متلفة، فقد يسر الله على عباده تخفيفا، وكان بهم، وله الحمد، رحيما لطيفا، لما روى عن ابن عباس، أنه قال: نزلت هذه الآية فيمن به جرح أو قرح؛ وفي موضع عنه، أن المراد بها المجدور وصاحب القرح الذي يخاف، إن اغتسل أو توضأ، أن يؤذيه أذى شديدا؛ وفي موضع، أنها */* (1/56)
صفحة 57
نزلت في أصحاب النبي (ص) حين فشت فيهم الجراحات، فخافوا على أنفسهم من الماء، وابتلوا بالجنابة، فشكوا إلى النبي (ص)، فنزلت فيهم، ((وإن كنتم مرضى)).
وعنه أيضا، أن الله تعالى جعل المريض الذي يخلف على نفسه الضرر من استعمال الماء بمنزلة المسافر الذي لا يجد الماء.
مسألة:
ومن خاف على نفسه التلف من استعمال الماء لشدة البرد تيمم وصلى، وفي إعادة الصلاة اختلاف بين أصحابنا وبين قومنا أيضا.
قال الشافعي: يعيد، وقال أبو حنيفة: لا إعادة عليه.
وكذلك من كان على قرحه دم يخاف من غسله، ففيه اختلاف.
وكذلك من حبس في موضع نجس، أو ربط على خشبة صلى حسب حاله.
وقال الشافعي: يعيد، وقال أبو حنيفة: لا يعيد، والله أعلم.
مسألة:
وليس لمقيم ولا مسافر التطهر بالماء عند الخوف منه لشدة البرد إذا خافا على أنفسهما من الهلاك، ومنه لما يؤدي إليه. لما روى، أن عمرو بن العاص أجنب وهو أمير على جيش في غزوة ذات السلاسل، فخاف من شدة البرد، فتيمم، وصلى،*/* (1/57)
صفحة 58
فلما قدم على النبي (ص)، أخبره أصحابه بذلك، فقال: ياعمرو، لم فعلت ذلك، أو قال: من أين علمت ذلك، وقيل: قال: صليت بهم وأنت جنب؟ قال: يارسول الله، إني سمعت الله تعالى يقول: ((ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان رحيما)). فضحك النبيء ولم يقل شيئا. وسكوته عن فعل هو هذا رضي به، لأنه عليه أن يعرف الحق وينهى عن الباطل.
وروى عن النبي (ص)، أنه شج رجل في عهده، فأفتاه رجل بغسلها، فأصابه من ذلك علة، فمات، فقال النبي (ص) قتلوه، قتلهم الله.
وروى، أن رجلا أصابته شجة فأجنب، وقد اندملت عليه، فاستفتى له فأمر بالغسل، فمات، فقال (ص): قتلوه، قتلهم الله.
وفي موضع: إنما كان يجزيه التيمم، ففي هذا ما يدل على إحيا النفس، وفيه دليل تقول: دملة الدواء فاندمل. والكزاز: يؤخذ من شدة البرد. والعقر تعترى من الرعدة على أنه لم يجعل للمستفتي والمستفتى له عذرا، والله أعلم.
تفسير الاندمال التمايل من المرض والجرح، تقول: رجل مكزور، والكزازة اليبس والانقباض كز قليل الخير.
وفي بعض الكلام، كريم هز افتز، كذلك السيد البر، ولئيم هز فارتز، */* (1/58)
صفحة 59
كذلك الضيق البز، وعرق السوء يكتز. والرتزاز الثبات في شيء، والبز الخفيف من الرجال.
مسألة:
ومن كان به جدري شديد، فنرجو أن التيمم له جائز، وإن قدر المجدور على الوضوء توضأ، وإن لم يقدر تيمم
مسألة:
قال: وقد رأيت أبا عبيدة مرض مرضا، فكان له تراب في شيء موضوع، فكان إذا حضرت الصلاة تيمم بذلك الصعيد، وهو مقيم بالبصرة.
مسألة:
ويجب على الانسان الوضوء قائما وقاعدا حيث يضع جنبه، فإن لم يجد من يناوله وخاف فوت الصلاة تيمم وصلى، فإن لم يقدر على التراب ضرب بيده على فراشه. إذا ثار الغبار تيمم وصلى.
وكذلك من كان في البحر فلم يقدر على الوضوء ولا الغسل وهو جنب، فليضرب بيده على فراشه، فإذا ثار الغبار تيمم وصلى.
والمريض الجنب إذا غسل الأذى وتوضأ ولم يتيمم، جهلا منه بأقل ما عليه، بدل الصلاة بعد الاغتسال.
مسألة:
قال أبو زياد، كنت في طريق مكة أتوضأ وأنا جنب، وظننت أنه يجزي */* (1/59)
صفحة 60
عن التيمم، سألت سليمان، فسكت عني ساعة، ثم قال لا ينقض، قال لي، كان عليك أن تتيمم بدل الوضوء.
قال غيره: نقض، وقال، هكذا في الجنب إذا لم يجد الماء لغسله، ووجد الوضوء، فقول، يلزمه النقض إذا لم يتيمم، وقول، لا نقض عليه إذا كان قد توضأ.
كما قيل فيمن يسيل منه الجم ولا ينقطع، فقول، يتوضأ ويتيمم، وقول، لا تيمم عليه.
مسألة:
ــــ وفي الضياء ـــــ من كان به جرح يضره الماء، ووجب عليه الغسل، غسل سائر جسده ولا يتيمم عليه، لأن عليه غسل مواضع الصحة، لإمكان غسله، ولا يجب عليه التيمم، لأنه لا يجوز له الجمع بين البدل والمبدل منه، فإذا لزمه الغسل سقط التيمم، والله أعلم.
مسألة:
ومن كان معه ماء فخاف على نفسه، إن استعمله، من برد أو عطش، يلحقه عرض وهو له محدث، وقد أمر بالصلاة فلا يحل له أن يستعمله للطهارة، لأنه منهي عن ذلك، وإذا كان منهيا عنه ان محرما عليه استعماله للطهارة، وإن استعمله لذلك كان عاصيا لربه.
وفي موضع، إن كان معه ماء لطعامه وشرابه، وكذلك أصحابه، فإنهم يتيممون */* (1/60)
صفحة 61
ويتركون ذلك الما لطعامهم وشرابهم إلا ما قد علموا أنهم قد استغنوا عنه.
وزعم أزهر بن علي أنه صحب علي بن عزرة، وجعفر بن زياد، وعلي ابن موسى من أزكى إلى نزوى غير مرة، قال، وربما كان عندنا سعنان عظيمان، فيتيممون بالصعيد ويصلون، يتركون الماء مخافة أن يحتاجوا.
ومن لم يمكنه الوضوء إلا أن يتعرى بالناس ولا يقدر على حمل الماء تصعد وصلى، وكذلك إن وجد ماء عليه ناس ولا يقدر على ستره، ولا حيلة في الماء، فالصعيد مجز، لأنه بمنزلة المعدم.
مسألة:
[وكذلك] من كان بدنه نجسا فلم يجد سترا حتى يغسله وثوبه.
مسألة:
وإذا خرج كان مع المسافر دابة وماء قليل، وإن مسح لم يبق ليسقى الدابة، وإن سقى الدابة لم يبقى لمسحه، فإنه يحبس الماء على نفسه ودابته، وكذلك لو كانت دابة غيره، أو لصاحب له.
مسألة:
فيمن يحفظ للناس أموالهم، مثل، الشائف والراقب، والمؤتمر بأجرة */* (1/61)
صفحة 62
أو غير أجرة، إذا كان في موضع ليس فيه ماء، والماء قريب منه أو بعيد أو لم يمكنه أحد يأتمنه، وهو يخاف السرقة أو الدواب.
قال: إذا خاف على ماله، أو على مال قد لزمه حفظه بوجه، فقيل: إن له العذر في ذلك، ويتيمم إن لم يجد ماء حيث يؤمر على قول من يقول: إن الخائف كمن لم يجد الماء.
قيل: فإن ائتمن من لا يعرفه، فخان، هل يضمن؟
قال: إن ائتمن من لا يؤمن به فخان لزمه ما خان فيها، وإن كان لا يعرفه فليس له أن يأتمنه على أمانته.
مسألة:
قال أبو المؤثر: حدثنا أبو زياد، أن المسلمين كانوا إذا سافروا من أزكى صوا بالتيمم، وصبوا فضل مائهم في حيل فرق.
مسألة:
ومن انتقض وضوؤه عند المقبرة، وحضرت صلاة الجنازة فله أن يتيمم ويصلي، فإن كان هو الذي يلي الصلاة على الميت فليقدم للصلاة متوضئا.
قال: أبو محمد: من كان محدثا جنبا يقدر على الماء ل يكن له أن يتيمم للجنازة، وإن كان قد قال بذلك ابن جعفر.*/* (1/62)
صفحة 63
فإن احتج فهذا القول محتج، فقال: إني رأيت الله أباح التيمم لمن خاف فوت الصلاة، والجنازة تفوت.
قيل له: الجنازة لا تشبه الصلاة التي تشتبهها بها، لأن الحاضرين، إن كانوا كلهم محدثين، فعليهم الطهارة، إلا أن يكونوا لا يجدون الماء، وخاف على الميت، إن أخروه ـ إلى وجود الماء، فيتيممون ويصلون، وإن كان بعضهم متطهرا ففرض الصلاة لازم للمتطهر دون المحدثين، لأنها على الكفاية، ولا تقبل في الحضر إلا بطهارة، إذ وقت ما لنفل في كل زمان إلا وقتا منع فيه، والله أعلم.
ووجه آخر، أن من خشي فوت الجمعة لم يكن له التيمم، وإن فاتته فليصليها إلا بطهارة الماء.
ولو كانت العلة التي ذهب من قال بجواز التيمم للجنازة هي فوات الصلاة لوجب أن نجيز التيمم لمن خشي فوات الجمعة، والجمعة وسائر الصلوات المفروضات أشبه، لأن الجمعة ليست على الكتابة، كما أن الطهر ليس على الكفاية، لو شبه بالطهر كان دليله أهدى من أن يشبه بالصلاة التي موضعها على الكفاية.
فإن قال: الجمعة لها بدل، و الجنازة ليس لها بدل.
قيل له: اذا أقت أنت الجمعة صار لها بدل، فعلتك توجب ألا تفوته، والذي تجب له الصلاة بالتيمم على الجنازة ليس بواجب عليه اتيان تلك الصلاة، ولا تشبهها بالصلاة التي ليس له تركها، والله أعلم.
مسألة:
ـــ أبو المؤثر -في الجنب يأتي بالماء، ويخاف ان غسل لم يدرك الصلاة.*/* (1/63)
صفحة 64
قال: إن لم يطمع أن يدرك من الصلوات شيئا فليتمم ويصلي، ثم يغسل و يعيد الصلاة.
قال: وان طمع أن يدرك من الصلاة ركعة بعد أن يغسل، قبل أن تطلع الشمس أو تغيب، أو في الهاجرة والعصر، قبل أن يفوت الوقت فليغسل وليصل، وإن لم يطلع أنه أدرك ركعة تامة اذا غسل فليتمم، وليصل، وليعيد الصلاة اذا اغتسل.
قيل: فإن طمع أن يغسل ويدرك ركعة فلم يدرك شيئا؟
قال: لا شيء عليه. قيل: فإن خاف ألا يدرك شيئا إن غسل أو توضأ، فغسل أو توضأ عمدا؟
قال: لا شيء عليه، وإنما ذلك استحسان.
قال أبو الحسن: إذا كان الجنب واجدا للماء، لا يلتمسه، غسل وصلى ولو فات الوقت، وإن كان يستقي من بئر أو يلتمسه من نهر فهو كما قال: إذا خاف الفوت تصعد وصلى؛ وقول: إنه إذا لم يرج أنه يدرك الصلاة كلها تيمم وصلى، لأنه معدم للماء حين خاف فوت الصلاة، لأن الصلاة لا تكون إلا في وقتها، ولا تنفع في غير وقتها، وذلك إذا كان ناسيا، أو ناعسا، أو معدما للماء، أو كان في حال العذر، وإن كان متعمدا لتركها حتى فات وقتها، ثم تاب ورجع وخاف فوت الوقت فإنه كما قال.
وقول: كيف فهو كما قال.*/* (1/64)
صفحة 65
وقول: يتيمم ويصلي، لأنه لا تجوز الصلاة إلا في وقتها، وإنما الضوء والصلاة في وقتها.
مسألة:
ـــ أبو المؤثر ـــ إن جاء إلى الماء وهو جنب، وخاف الفوات إن غسل، فتيمم وصلى، ثم لم يغسل حتى جاء وقت الصلاة.
قال: أحب أن يغسل ويعيد الصلاة، فإذا لم يفعل حتى جاء وقت الظهر فإنه يغسل، ويصلي الفجر، ثم الظهر، فإن خاف فوت الظهر صلى الظهر، ثم أل الصبح، فإن غسل ونسي إعادة الصبح حين ذكر وهو في الظهر، فقد اختلف في ذلك، غير أن الذي يقول بقطع صلاته يقول: مالم يخف فوت الظهر، فإن خاف فوتها أتمها، ثم صلى الصبح؛ فإن ذكر وقد صلى الظهر فليعد الصبح وحدها.
مسألة:
والذي لا يجد الماء للوضوء إلا ماء محالا بينه وبينه حتى يحتاج إلى المدافرة والمنازعة، فإن كان يحل بينه وبينه ظالم له كان له أن يحتج عليه، وإن اتقى في ذلك تقية، وتوسع بالتقية، وخشي على نفسه، أو على ماله، أو على دينه، فأرجو أن يسعه ذلك، وإن كان الذي يحول بينه وبينه أرباب الماء لمعنى، تحتاج إليه، أو هنالك شبهة، فأولى به عندي التيمم وترك الشبهة، والتعريض للأبدان بغير [وجه] واضح. */* (1/65)
صفحة 66
الباب التاسع
في وضوء الجاني والحاطب والطالب الضالة
فأما الذين يخرجون إلى القنص، والجراد، والحطب، ونحو هذا، ولا يريدون أن يبتعدوا الفرسخين فيؤمرون بحمل الماء للوضوء، فإن لم يكونوا على وضوء وحضرت الصلاة رجعوا يتوضأون من القرية، إذا لم يكونوا قد صاروا في حد السفر، وإن خافوا فوات الصلاة قبل الماء تيمموا وصلوا، والمحتاج إلى ذلك ليس هو في ذلك كالغنى، وهو أعذر إن خاف فوت ذلك الذي يطلبه فتيمم وصلى.
قال أبو محمد، من خرج إلى الجراد والقنص والرعي ولم يجد الماء لوضوئه، وحضرت الصلاة فعليه أن يرجع إلى الماء يتوضأ، ولا يعذر بالصعيد، إلا أن يكون إذا رجع إلى الماء فاتت حاجته، وكان في فواتها هلاك عياله، فإنه يتيمم ويمضي لحاجته، والفقير والغني في هذا واحد، إلا أن الامر لهؤلاء بحمل الماء احتياط، والله أعلم.
مسألة:
قال أبو محمد، وجائز للناس الخروج في طلب الرزق، وليس بواجب عليهم حمل الماء لطهارة لم يلزمهم فرضها، فإذا حضرت الصلاة، ووجدوا الماء توضأوا وصلوا، وإن عدموا الماء، وكان في طلبه فوات صلاتهم، أو كثرة مشقة عليهم في الذهاب إليه، أو تضييع ما يلتمسونه، وسعهم التيمم؛ فأما حمل الماء الذي ذكره */* (1/66)
صفحة 67
ابن جعفر فهو الاحتياط، لا أنه واجب، والغني والفقير فلهم أن يخرجوا في طلب الرزق.
مسألة:
قال: أبو الحواري، فأما الحاطب والجاني فقالوا، لا يخرج من القرية حتى يتوضأ، فإن انتقض وضوؤه فعند ذلك يتيمم، فإن خرج من قريته ولم يتوضأ فأدركته الصلاة، وليس معه ماء، فإن كان تلك مكسبته فإنه يتيمم ويصلي، ويمضي لحاجته، وإن لم تكن مكسبته، وهو مستغن عنه رجع إلى الماء، وتوضأ وصلى، ولو فاته ما أراد.
قال غيره، أما الراعي وطالب الضالة فلم أسمع أنهم يخرجون متوضئين، فإذا حان وقت الصلاة ولم يجدوا الماء، ففي ذلك أقاويل، قول ليس المحتاج إلى ذلك كالمستغني، لأن المستغني يمكنه يرجع ويترك ذلك، والمحتاج لا يمكنه، ويجوز له التيمم، وإنما هذا على أنه لم يصل إلى حد الفرسخين، فأما إذا جاوز الفرسخين فالتيمم جائز له إذا لم يجد الماء.
مسألة:
قال أبو سعيد، والجاني والحاطب تجوز عليهم الصلاة قبل أن يجني ويحطب شيئا، وهو في موضع لو التمس الماء لوجده في وقت الصلاة، وفي هذا الموضع فرقوا فيه، أنه إذا كان ذلك مكسبته مضى لما توجه إليه، وليس غليه أن يرجع يطلب الماء، وإن لم يكن ذلك مكسبته كان عليه طلب الماء، ولم يكن له أن يذهب لذلك إلا حتى يجد الماء ويصلي، فإن كان لا يجد الماء في وقت الصلاة أن لو التمسه،*/* (1/67)
صفحة 68
لم يكن غليه أن يتعرج إلى طلب الماء، كان ذلك مكسبته وغير مكسبته، وأما إذا كان ذلك قد جنى أو حطب شيئا، وصار ملكا له، وخاف عليه إن طلب الماء أن يضيع أو لا يصل به فليس غليه أن يطلب، ويصلي بالصعيد، لأن عليه حفظ ماله، وليس له تضييعه، كان ذلك مكسبته، كان غنيا أو فقيرا.
قال غيره: وأرجوا أنه يوجد، ولو لم يكن مكسبته إذا كان يستعين بذلك على عولته، فسبيله سبيل ما كانت تلك مكسبته.
وأما قوله: إنهم يخرجون متوضئين فذلك عندي إذا كانوا يرجون أنهم يحفظون طهرهم، وذلك في قرب وقت الصلاة. وأما من يخرج بعد الفجر فكيف يرجو أن يحفظ للطهر.
وأما قوله: إنهم يؤمرون بحمل الماء للوضوء فليس كل من يخرج لذلك يكون عنده وعاء يحمل به، ولا يقدر على ذلك.
مسألة:
موسى بن علي ـــ في شباك للطير، مد شبكة في القرية، وقعد في خيمته، وخاف، إن خرج للوضوء طار الطير فتيمم وصلى.
قال: إن كانت تلك مكسبته فصلاته تامة، وفي موضع، في الحاطب والجاني، هل عليه حمل الماء، أو يخرج متوضئا قبل فوت الوقت؟ قال: ليس ذلك عليه إذا لم تكن تلك مكسبته، أو شيء يعينه على أمر معاشه، مما يخاف دخول النقصان في سببه، يؤمر بحمل الماء، ويخرج متوضئا، فإن انتقض وضوؤه */* (1/68)
صفحة 69
وليس بحضرته ماء وحان وقت الصلاة فله أن يصلي بالتيمم، وقول: عليه أن يرجع إلى الماء ولا يصلي إلا متوضئا، فإن خاف الفوات تيمم وصلى، وقول: ليس عليه لهذا حمل الماء، ولا الوضوء للصلاة قبل فوت الوقت، لأنه لم يتعبد به.*/* (1/69)
صفحة 70
الباب العاشر
فيمن ترك الماء، وصلى بالتيمم
والمسافر إذا حان له وقت للصلاة وهو عند الماء، لم يخرج حتى يتوضأ، فإن جهل ذلك وخرج على غير وضوء، ثم تصعد وصلي، كان عليه بدل الصلاة.
قوله أي الحواري: فإن تعمد وخرج على غير وضوء، ثم تصعد وصلى فلم يزل عليه إلا البدل.
وفي موضع: إذا مر بالماء في وقت الصلاة فلم يتطهر فقد أساء، ومن لا يرجو أن يلقاه فليس عليه شيء، وله أن يتيمم، وصلاته جائزة، ولا كفارة عليه، والله أعلم.
وفي موضع: إذا كان على نية الصلاة بالماء، وكان في فسحة من الوقت، ولم يترك، على أن يتيمم، فلا كفارة عليه، ولو كان جنبا، وقول: عليه البدل، وقول: لا بدل عليه، والذي لا يعلم أشد حرما.
مسألة:
ومن جهل التيمم في موضع لا يجد الماء وصلى بلا تيمم فقول، عليه الكفارة وقول، عليه البدل بلا كفارة، وقول، في الحضر البدل بلا كفارة، وفي السفر عليه الكفارة والبدل، والله أعلم.
مسألة:
ومسافر نزل بين ماءين، مضى على أحدهما فجاوزه، ونزل دون الآخر، ثم */* (1/70)
صفحة 71
حضرت الصلاة، فتيمم وصلى، وهو يعلم أنه لو رجع إلى الماء الذي خلفه لأدركه وقت الصلاة، وكذلك لو مضى إلى الماء الذي قدامه فلا بأس عليه، ولو مضى إلى الماء كان أفضل.
قيل: فإن كان جاهلا بموضع الماء فتيمم وصلى، ثم مشى غير بعيد، فأصاب الماء في وقت الصالة، هل يجزيه؟
قال: يجزيه ذلك، وإن كان ناسيا للماء وموضعه فمختلف في صلاته وناسى الموضع أشد من الجاهل به.
في راع حضرته الصلاة، إن أتى الماء، أن تضيع غنمه، هل له أن يتيمم؟ قال: إنما يتمم من لا يقدر على الماء.
وقول، إن الخائف كمن لم يجد الماء إذا خاف على نفسه وماله.*/* (1/71)
صفحة 72
الباب الحادي عشر
في المتيمم يجد الماء قبل الصلاة أو بعدها
ومن رأى ماء يمكنه أن يتوضأ منه انتقض تيممه، وإن كان لا سبيل له إليه فتيممه تام إلا أن يكون بين تيممه وبين صلاته مدة طويلة، فإن التيمم لا يثبت، مع وجود الماء، ولا مع عدمه، وإنما يكون التيمم عند عدم الماء إلى الصلاة، والمتيمم إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء، قطعها، ولزمه فرض طهارة الماء.
ووافقنا على هذا أبو حنيفة.
وأما الشافعي وداود فقالا: إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء مضى على صلاته، ولم تكن رؤية الماء وهو في الصلاة حدثا يوجب قطعها.
دليل على صحة قولنا، إن التيمم بدل من الماء، فإذا ود المبدل منه عاد إليه وترك البدل، لأن الأبدال كلها على هذا سبيلها عندنا وعندهم.
ألا ترى أن جود الماء قبل الصلاة عندنا وعندهم حدث، والأحداث لا تختلف قبل الصلاة وبعد الدخول فيها، فيجب أن يكون في كل موضع يوجد هذا الحدث، فالطهارة بوجوده واجبة.
وقول النبي (ص)،إذا وجدت الماء فأمسسته جلدك، عموم يوجب استعماله عند وجدانه في الصلاة وقبلها.*/* (1/72)
صفحة 73
مسألة:
قال بعض قومنا: أجمع أهل العلم، أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت لا إعادة عليه.
واختلفوا فيه، إذا وجد الماء قبل خروج الوقت فقول، عليه الإعادة، وقول، لا إعادة عليه، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم.
قال: وأجمعوا على أنه إذا وجد الماء قبل دخوله الصلاة، أن طهارته تنتقض، واختلفوا فيه، إذا وجده بعد دخوله فيها.
مسألة:
اختلف أصحابنا في مسافر نسي ماء في رحله ولم يعلم به، فتيمم وصلى ثم وجده. فقول: عليه الإعادة، وقول: لا إعادة عليه.
الحجة للأول، أن العبادات إذا لزمت الأبدال فليس جهل وجود الماء بمسقط فرض ما وجب، كمن علم بجنابته بعد ما صلى، فعليه الإعادة، وكالصغير تجب في ماله الزكاة، ولا يعقل، ثم عقل، فجهله لم يسقط عنه فرض الزكاة، وهذا اتفاق بينهم.
وكذلك جهله بالماء وهو في رحله لا يسقط عنه فرض الطهارة، بل عليه إتيانه عند علمه. */* (1/73)
صفحة 74
والحجة للثاني، أن تعلق التيمم لعدم الوجدان للماء لا عدم كونه، وقد لا يجد الشيء، وهو في موضعه، ولم يقل [الله] تعالى، فإن لم يكن ماء، وإنما قال: فإن لم تجدوا ماء، فإذا لم تجده فقد حصل الشرط الذي يجوز به التيمم، وكان به مصليا كما أمر، ولا إعادة عليه.
قلا أبو محمد، والأول أنظر، وأظن الشيخ أبا مالك كان يختاره، وحجته قوية، وذلك أنهم أجمعوا، وأرجو أنه إجماع من مخالفيهم أيضا، أن رجلا لو لزمته كفارة عن طهارة فلم يعلم أن في ملكه رقبة، فصام، ثم علم، أنها كانت في ملكه، أن عليه أن يرجع فيعتقها، ولم يكن نسيانه بكونها في ملكه بمسقط لزومها له.
وكذلك المأمور بطهارة الماء إذا جهل كوز الماء من رحله لا يسقط عنه ما أمر بإتيانه.
وأيضا فإن اتفاقهم في الرقبة، لعله الرؤية، هو أصل ينبغي أن يرجعوا إليه عند الاختلاف، والله أعلم.
ولو كان الأمر على ما ذكره بعض أصحابنا من إعادة الصلاة كان من ضاع له شيء غير جائز أن يقال غير واجد له. لأنه موجود في العالم، والوجود هو القدرة على الشيء، قد تقدر عليه وتمتنع من استعماله.
ولابن محمد فيها اختيار غير هذا، يذهب إلى قل من لا يوجب الإعادة.
مسألة:
وإذا طلب المسافر الماء، ولم يجده، فتيمم وصلى، ثم علم بعد ذلك أن الماء كان */* (1/74)
صفحة 75
في رحله، أو في موضع لو طلب لوجده، ولم يعلم به، وفاتت الصلاة فعليه البدل في الوقت وبعد الوقت.
مسألة:
والمسافر إذا لم يطلب الماء في الليل، ولم يدر أين يطلب، فتيمم وصلى، فلما أصبح وجد الماء بالقرب منه فعليه البدل إذا لم يطلب الماء.
مسألة:
في الجنب إذا وجد الماء اغتسل، ولم يكن عليه إعادة ما صلى بالتيمم، لقول النبي (ص) لأبي ذر، الصعيد الطيب طهور يكفيك، ولو إلى سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك، وفي خبر آخر، فإنه خير.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الاغتسال ندبا دون أن يكون واجبا، لقوله خير.
قيل له: ليس في هذا دليل على أنه ندب، بل الأمر ورد بالفعل فهو على الوجوب إلى أن يقوم دليل بخلافه.
قال سبحانه ((فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع، ذلكم خير لكم)) فليس هذا ما يدل على أنه فرض ولا ندب، والله أعلم */* (1/75)
صفحة 76
الباب الثاني عشر
في ذكر المشركين ونجاستهم وطهارتهم
اختلف المسلمون في رطوبة أهل الكتاب، فقال بعض بنجاستهم، واحتج بقول الله تعالى: ((إنما المشركون نجس)) وقال بعضهم بطهارتهم، واحتج بأن هذه الآية نزلت في مشركي العرب ألا يقربون المسجد الحرام بعد عامهم ذلك، وأن الله تعالى قد خصهم بتحليل طعامهم، وطعامهم يكون رطبا ويابسا، وأن عمر رضي الله عنه، توضأ من جرة نصرانية، وأنكر ذلك بعض، ولم يصححه عمر، وتأول الآية في طعامهم، أنه ذبائحهم، والله أعلم.
مسألة:
قال أبو محمد اختلف أصحابنا في معنى تسمية الله عز وجل للمشركين أنجاس فيقول: معناه الشتم لهم، كما سماهم قردة وخنازير، وليس في الحقيقة قردة وخنازير، وقول: سماهم أنجاسا لملامستهم أنجاس، وقلة توقيهم لها.
قال أصحابنا: هم أنجاس في أنفسهم، ولم أعرف وجه قولهم، إن النجاسة التي سماهم الله بها وجبت لأعيانهم أو لأفعالهم، فإن كانت العين نجسة فلا تزول النجاسة، ما كانت العين موجودة، كالدم والبول والعذرة، وإن كان بفعله الذي هو اعقاده للشرك يزول بزواله، ويثبت بثبوته.
فقد قالوا: إن يده إذا غسلها بالماء ثم لاقت طاهرا رطبا لم تؤثر فيه نجسا،*/* (1/76)
صفحة 77
وأجازوا أكل ما علم أهل الكتابين. من الجبن الذي من اللبن ولم يشترطوا في هذا الموضع غسل أيدهم.
مسألة:
وعن الفضل بن الحوري، أنه دخل على زياد بن الوضاح ومعه مجوس يأكل معه، أو هما يصطبغان من إنا واحد وقول، إن طعام أهل الكتاب جائز أكله، رطبا كان أو يابسا، بظاهر الآية.
مسألة:
وعن محمد بن محبوب، أن الآية في الذباح، وما عداه فيجب اجتنابه. وقال بعض أيضا، لا يجوز أن يصلي فيما يشتري من ثيابهم إلا ما كان بقماط الغسال. وأجاز والده محبوب الصلاة في ثوب سوحي عمله مجوسي.
وفي موضع، وما باعوا من الثياب المقموطة فلا بأس به، وما كان منشورا فال يصلي فيه. وقوله، إذا نشر الذمى ثوب المسلم أو طوله فال يصلى فيه إذا كان غائبا عنه، وذلك عن أبي عبد الله.
مسألة:
ومن أجاز رطوبات أهل الكتاب أجاز شراء الدواء من عندهم، ومن لم يجزها لم يجز ذلك. */* (1/77)
صفحة 78
ولا بأس بآنيتهم الصر. والزجاج إذا غسل، ولا بأس بأكل مالا تصل إليه أيديهم من طعامهم، وهذا قول أبن محبوب.
وقال: إذا أعطى الذمى المسلم شربة فله أن يشربها إذا أتاه بها وهي جافة. لا يعلم أنه هو الذي عجنها أو مسها وهي رطبة، وذلك بمنزلة الدهن الذي يبيعونه فلا بأس به مالم يعلم أنهم مسوه.
قال: وتشتري منهم الأدهان مالم تعلم أنهم مسوها وأيديهم رطبة.
قال أبو محمد: لا بأس بالأدهان التي يبيعها المشركون إذا لم يعلم أنهم مسوها بأيديهم، لأنها تحمل من بلد الاسلام في قوارير الزجاج، أو تنقل عند البيع في مثلها، فأما ما يتولونه بأيديهم عملا فالأخذ بالتقية من شرابه واستعماله ــــ في باب الورع ــــ ولو لم يعلم أنهم مسوه.
مسألة:
قالوا: ولا بأس بشراء الجرب المكنوزة من التمر من اليهود مالم يعلم أنهم مسوا ما فيها بأيديهم. وقول، إن كسر يهودي جرابا لمسلم أفسده.*/* (1/78)
صفحة 79
مسألة:
ـــــ أبو عبد الله بن ابراهيم إلى معاذ ـــ في اليهودي إذا صاغ صوغا مجوفا، ثم طهر خارجه، هل فيه اختلاف؟ وما الأحوط؟
فالأحوط ترك الصلاة به لأنه إذا صلى به دخل في الاختلاف، ولا أحب للمقتدي به اتباع شواذ الأقاويل، وأما صوغ اليهود فتكثر العلل فيه، فقول، لا بأس برطوباتهم، مالم يعلم أنهم مسوها بما ينجسها، وقول، لا يجوز ذلك من أيديهم.
مسألة:
واختلف فيهم إذا غسلوا أيديهم، فقول، إنها طاهرة مالم تنشف [في الأصل تنشر؛ والأصل مذكور على هامش الأصل]،وقول مالم تعرف. واختلف في تطهير النجاسات فقول، لا يطهرها إلا الماء، وقول، إذا زال أثرها فإنها تطهر، لو كانت داخل بيت لا تنالها الشمس والريح، وقول حتى ينالها أحدهما؛ وقول، حتى يظهرا عليها جميعا.
مسألة:
واختلف في النار، فقول: إنها تطهر النجاسات، فإذا كان الصوغ الذي صاغه اليهودي مجوفا غير محشو، وأصله طاهر، كالذهب والفضة والنحاس والحديد، واحتمال ألا يمسه الذمي بشيء من الرطوبات النجسة، واحتمل أن يمسه أ لا يمسه،*/* (1/79)
صفحة 80
فهو طاهر حتى تصح نجاسته، وإن لم يمكن ألا يمسوه بشيء من الأشياء النجسة فإذا أدخله النار حتى تزول رطوبات النجاسة فذلك طهارته على قول؛ وأما على قول من يقول: إن النجاسة لا يطهرها إلا الماء، فإن كان ظاهرها وباطنها نجسا لم يطهر باطنها لطهر ظاهرها، أن باطنها جزء منها غير منفصل عنها، وليس هو كالمدية في غلافها أو السيف في جفنه، ولكن إن كان في الصوغ خلل ما، يدخل الماء إلى والجه، فإذا خضخض ثلاثا أو أكثر فذلك طهارته إذا لم يبق شيء من النجاسات الذاتية، والله أعلم.
مسألة:
وفي موضع: وأما المصوغ الذي يحشوه اليهودي بالقار ويمسونه بأيديهم فإذا لم يكن خارجا من القار وصلى به إنسان فأرجو ألا ينقض الصلاة. قال غيره: قول إنه يفسد الصلاة، لأن النجاسة في بدنه وفي ثيابه، حاملا له، ولو كانت متغطية وعليها غطاء. وقول: إذا كانت لا تمسه ولا تمس ثيابه فلا بأس، وهو بمنزلة البيض إذا كان فيه فراخ، وهو مغسول.
مسألة:
فيمن أعطاه يهودي خاتمه الذي تعلقه، هل له أن يصلي به إذا غسله؟ قال: أرجو أنه إذا غسله جاز له ذلك، قال: وكذلك ثوبه إذا غسل،*/* (1/80)
صفحة 81
فإن لم يغسله فقد قيل: إذا كان من لباسه لم يصل فيه حتى يعلم أنه طاهر، فإن قال اليهودي: إنه غسله ولم يلبسه فلا يصلي فيه، ولو أمنه على ذلك، لأنه غير مأمون على النجاسة، وهو نجس.
مسألة:
وعن أبي عبد الله، أنه أجاز خياطة اليهودي والنصراني مالم يبل الخيط بريقه، وكذلك الغسال، وكره الغسال محمد بن محبوب، رحمه الله، وقال: والمجوسي في هذا مثل اليهودي والنصراني.
مسألة:
قال محمد بن محبوب فيمن توضأ بماء اليهود والنصارى وهو في بيوتهم، أنه قال: أرجو ألا يكون به بأس مالم يعلم به بأسا، أو أنهم مسوه، وقال: إن ماءهم مثل دهنهم. قيل: وكذلك المجوس ودهنهم؟ قال: نعم. وقول: إن المجوس في ذلك ليسوا كأهل الكتاب.
مسألة:
وقيل: إن عجن المجوسي لمسلم أو عمل له طعاما بحضرته فلا يغيب عنه، ويغسل بدنه حتى يطهر، أو يلثم فاه لئلا يقع منه شيء.*/* (1/81)
صفحة 82
مسألة:
وقول: إذا حمل المجوسي لمسلم لحما، ثم توارى عنه خلف جدار فال يأكله، وقيل: لا بأس بما حملوه، أو كان عندهم من الفاكهة اليابسة.
مسألة:
قال بعض: من قرب إليه ثريد من بيت يهودي فلا بأس به حتى يعلم أنه مسه، سواء هو أو غيره، وما مس أهل الذمة من الدهن فغير جائز بيعه، وإن كان مختوما فلا بأس.
مسألة:
وقد أجازوا صبغ الذمي، واختلفوا في تطهيره، فقول: إذا طهر النجاسة طهر، وقول: ما دام الصبغ يخرج من الثوب فهو نجس. وعن عبد الله بن المؤثر، أن صبغ اليهودي ما دام السواد يخرج من الثوب فلا يجوز أن يصلي به.
مسألة:
وعن ابن محبوب، ما علمت أن أحدا أجاز أن يضع المسلم والذمي يده في ماء واحد، وقد جاء الأثر، أن الذمي إذا صافح المسلم بيده، ويد أحدهما رطبة، أن وضوء المسلم ينتقض.*/* (1/82)
صفحة 83
مسألة:
قال: وكل بئر استقى منها ذمي بدلوه، أو مس ماءها بيده أو دلوه، ثم رجع ما مسه من مائها فيها فإن ذلك يفسدها حتى تنزح، إلا أن يكون بحرا لا تنزحه الدلاء، فهذا لا ينجسه شيء.
قال: ومن أراد أن يستقي منهم من بئر فلا يمس دلوها لا ماءها، ويستقي له واحد من أهل الصلاة، ويصب له الماء، ولا يمسه الذمي إلا أن يكون في سفر ووجد ضرورة، ولا يجد واحدا من أهل الصلاة يستقي له فإنه لا يمنع ولا يحال بينه وبين الماء، فأما في موضع يقدر على ذلك فلا أرى ترخيصا لهم، ينجسون على المسلمين مواردهم، ولكن يؤمرون أن يحفروا بئرا لأنفسهم.
مسألة:
وإن مس رجل مسلم ثوب ذمي ويده رطبة فسد وضوؤه، يغسل يده.*/* (1/83)
صفحة 84
الباب الثالث عشر
في نجاسة المنء والودي
والمني هو الجنابة، وهو غليظ له رائحة كريهة الطلع، والمذي شيء رقيق يخرج قبل الانتشار أو بعده، وهو الذال وبالدال، والودي يخرج بعد البول، وهو كالخيوط.
اتفق أصحابنا في نجاسة المني، ووافقهم على ذلك أبو حنيفة، وأما مالك والشافعي فذهبا، أنه طاهر، واحتجا بقوله [تعالى] ((ألم نخلقكم من ماء مهين)) وخلق كال دابة من ماء والماء طاهر، بقوله: ((ماء طهروا)).
قالوا: فالتعلق بالطاهر يوجب طهارته، وعلى من ادعى أنه نجس إقامة الدليل.
يقال لهم: إنه، تعالى، خلقه من ماء، كما أخبر أنه خلق البول من الماء الطاهر أو محكوم له باسم الطهارة مالم ينتقل إلى وصف ينقل حكمه.
قيل له: فقد خلق الخنازير والكلاب من المني، وهي نجسة، وخلق منه المشركون، وهم نجس، والاتفاق أنه في حال العلقة نجس، فجميع بني آدم إذا استحال الدم إلى حال البشرية كان طاهرا.*/* (1/84)
صفحة 85
مسألة:
الدليل على نجاسة المني، أنا وجدنا في الإنسان شيئين مائعين، مخرجهما واحد، أحدهما البول، والآخر المني، ووافقنا على تنجيس أحدهما، فيجب أن يكون ما خالفونا، حكمه كما وافقونا عليه أنه نجس، إذ يجمعهما المخرج، وأن كل واحد يجري عليه اسم ماء.
فإن قيل: البول لا يسمى ماء وإنما يسمى بولا، قيل له: المني لا يسمى ماء، وإنما يسمى منيا.
مسألة:
ودليل آخر، أن في الإنسان شيئين مائعين، خارجين، أحدهما المني، والآخر الدم، وهو دم الحيض، ودم النفاس. فما كان كل واحد من هذين مخرجهما موجب غسلا وجب تساويهما في الحكم لتساوي عللهما من حيث يجمعهما حكم الغسل والمراعات، وكل مائع جاء من إنسان موجب للغسل فهو نجس، والله أعلم.
مسألة:
فإن قيل: قد من الله علنا، أن خلقنا من نطفة فلا تكون المنة من نجس. فقد قيل: إنما من علينا أن نقلنا من تلك الحالة إلى ما نحن عليه من الجمال والقوة، بقوله: ((من ماء مهين)) ألا تراه خلقنا من مضغة وعلقة، وذلك نجس بإجماع، والله أعلم.*/* (1/85)
صفحة 86
مسألة:
وغسل الثوب من المذي واجب، لما ثبت عن رسول الله (ص)،أنه أمر بغسل المذي من البدن، وإذا وجب غسله من البدن وجب غسله من الثوب الذي يصلي فيه لأنه لا يصلي إلا في طاهر، وبه يقول عمر، وابن عباس، ومالك، والشافعي.
مسألة:
فيمن يرى في ثوبه زوكة تشبه زوك الجنابة، ولا يدري هي زوكة جنابة أو غيرها، أنه ليس عليه غسل حتى يصح معه أنها جنابة.86 (1/86)
صفحة 87
الباب الرابع عشر
في نجاسة البول وزوالها
اختلف الناس في بول الصبي قبل أن يطعم الطعام، واتفقوا على أن بول الجارية نجس قبل أن تطعم الطعام.
قال أبو محمد، وعندنا أنهما سواء في النجاسة، لما روى أن علي بن أبي طالب سأل النبي (ص)،عن بول الرضيع، فقال: ينضح بول الصبي بالماء، ويغسل بول الجارية، فأمر بسحة، وفي أمر النبي (ص) بغسل بول الجارية، وهي لا تطعم الطعام دليل على أن بول مالا يؤكل لحمه نجس.
مسألة:
وإذا بال الصبي في وعاء فيه مالح، غسل وأكل ولم يرم به.
مسألة:
قال أبو محمد، بول الصبي يجزىء صب الماء عليه في حال الرضاع، لما روى عن النبي (ص)، أنه أمر بصب الماء على بول الصبي، وليس في الخبر، ما كان في الرضاع.
قال، وعندي، والله أعلم، أن البول إذا كان رطبا، أن سيلان الماء عليه يكفي، للخير الوارد في بول الأعرابي في جانب المسجد، وأن النبي (ص) أمر بصب */* (1/87)
صفحة 88
ذنوب من ما عليه، والذنوب هي الدولو الضخمة، ففي السنة دليل على أن صب الماء على البول لا يبقي على مكانه أثر منه، والله أعلم.
واعتلموا، أن امرأة أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه النبي (ص) في حجره، فبال في ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، قالوا، لم يغسله، واحتجوا بهذه العلة منه.
مسألة:
فأما بول الجارية والصبي الذين قد أطعما الطعام فإنه يعرك. وأما من فرق بين بول الصبي والصبية فإن النبي (ص) قال: بول الجارية يعرك، وقد قال بعضهم: إن ذلك كله لا يعرك، لأن البول مجراه مجرى الدم، ودم الجارية والغلام سواء في النجاسات.
مسألة:
اختلف أصحابنا في أبوال الدواب، واتفقوا على أن بول الخنزير وبول ابن آدم نجس. والأبوال عندنا كلها نجسة، بدليل قول الله عز وجل: ((ويحرم عليم الخبائث)).
مسألة:
فإن قيل: لم حكمتم بتنجيس بول ما يؤكل لحمه، وقد خالفكم بعض العراقيين من أصحاب أبي حنيفة؟ */* (1/88)
صفحة 89
قيل له: قد وافقونا على أن بول جميع السباع والبهائم التي لا يؤكل لحمها نجس، وادعوا طهارة بول ما يؤكل لحمه، ولا فرق بين ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل لحمه، إذا الأبوال في المعنى كلها واحد.
والدليل على ذلك، أنا رأينا فيما لا يؤكل لحمه شيئين مانعين، أحدهما الدم والآخر البول، فلما اتفقنا جميعا على أن حكم دم مالا يؤكل لحمه كان البول بالبول أشبه في القياس.
مسألة:
وشرر البول فلا يحكم بتنجيس ما طار منه، مالم يدرك على البدن أن الثياب نجاسة بالبصر أو الثم، فإن طهر وأدركه الرائي له ببصره كان منجسا لما لاقاه، لأن النجاسة قليلها و كثيرها نجس، ولا يحكم بها إلا أن تكون عينها مرئية، ألا ترى أن الذباب يقع الدم بين يدي الحجام، وعلى العذرة الرطبة والإنسان يقربها، وتسقط على بدنه فيحس ببرودته والرطوبة على بدنه، ومعلوم، أنهم إذا وقعوا عليها وهي رطبة، أجنحتهم وسائر ما يلاقيها منهم يابس، أنهم يأخذون منها، ثم يلقون به الطاهر من الإنسان، فلا يكون لذلك حكم النجس حتى تؤثر على البدن والثياب شيئا من غير النجاسة، والله أعلم.
مسألة:
ويوجد عن الربيع، أنه رخص في قيء الجمال والشرر الذي يطير من بولها ما لم يصبغ القدم.*/* (1/89)
صفحة 90
قال أبو عبيدة، أرخص ذلك ما وجدت برودته ولم يره، وأبوال الدواب والبشر في الحصير والدعن والجندل يجزيها صب الماء عليها عن العرك. ويدك على صب الماء عليه بغير إجراء اليد عليه يكفي، قول أبي علي موسى بن علي في جراب كنز بماء نجس، أنه يشكل ويصب عليه الماء صبا.
وقالوا في جراب تبول عليه الشاة، أن صب الماء على ظاهره يكفي.
مسألة:
وإذا أصاب بول سنور ظرفا فيه حب، أخرج ما علم أن البول أصابه وغسل ـ فلا بأس بالباقي.
وقد قيل: إن الحب ينخل عند الغسل حتى يدخل الماء الطاهر مداخل النجس لأن الحب ينشف الماء، وإن كان البول والبعر في قطر الوعاء الرطب منه وما مسه، ويغسل، ولا بأس باليابس من القطر مالم ير فيه شيئا.
مسألة:
أبو سعيد ـــ أن بول البشر ممن يأكل الطعام أشد نجاسة من جميع الأبوال لأنه لا يجوز أكل لحمه في حال ضرورة ولا غيرها، ولا في حال من الأحوال، وبعده القرد والخنزير أشد، لأنه محرم كله. قال: ثم الكلب لثبوت مجراه على جلده، وهو نجس لمعنى الاتفاق.*/* (1/90)
صفحة 91
مسألة:
وقيل في بول الطير، إن م كان يفسد خزقه يفسد بوله، وما لا يفسد خزقه من الطير لا يفسد بوله، وكذلك بول الفأر والحيتان والأماحي، وما أشبه هذا فقول، يفسد، وقول، لا يفسد.
مسألة:
وفي موضع، والحبوب التي يبول عليها البقر في الجنو، فإن ما أصابه البول نجس، والدليل على ما أجمعوا عليه، أن الدواب لو بالت على الحبوب مصفاة حكم بنجاستها، وإنما قالوا: ما كان في حال الدوس لا يحكم بنجاسة الحب، لعدم العلم بأن بولها قد مس الحب، لاختلاط التبن به، وعلو التبن عليه، ومن شأن الحب النزول والتبن الارتفاع، وإن كان هكذا كانت الجواب إنما ترش البول على التبن، ويجوز أن ينال الحب منه أيضا، ولكن لما لم يعلموا ذلك تيقنا لم يحكموا بتنجيسه، والله أعلم.
وفي موضع، لا بأس بالحب الذي تدوسه البقر إذا بالت فيه ويغسل ويؤكل.
مسألة:
أبو سعيد ـــ أما بول الأنعام فلا أعلم من قول أصحابنا فيها ترخيصا إلا ما يخرج بمعنى الضرورة، نحو مقيل في بول الدواسير والزواجر، وما قيل في الشرر من بول الإبل في الضرورات ما لم يصبغ القدم، وقيل في إصباغ القدم أنه، ما لم يعلم ظاهره رطوبة لمعنى إصباغ الوضوء.*/* (1/91)
صفحة 92
وفي موضع، حتى يصبغ القدم يعين يرطبها، والإصباغ الغلبة على الشيء.
وقول، مالم يتبين فيه البول، ولو أخذ بالكف إذا أجريت عليه.
وقول، إذا كان إذا أجرى عليه الكف من ظاهره وجد رطوبة فذلك حد إصباغه ومعنى إفساده، وما دون ذلك، ولو صح أنه وقع عليه وتبين له ذلك، فلا يضر حتى يصبغ، بأخذهم الأقاويل في معنى إصباغه.
وأحسب أن بعضا يذهب إلى فساد ذلك كله، من قليل أو كثير.
وإذا ثبت في أبوال الإبل لمعنى كان مثله في سائر أبوال الأنعام، لأنها كلها سواء في جميع الأحكام، فلا يخرج بعضها إلا بدليل يخصه.
قال، ومعي، أنه يخرج في قول فساد أبوال الأنعام كلها، قليلها وكثيرها، بحال الضرورات وغيرها، في حال الزجر والدياس وغيره، والله أعلم.
وفي موضع، في صفة إصباغ القدم قول، حتى يستيقن إذا مسحه بكفه خضب، لأنهم قالوا عن بشير، كل غالب شرر في إراق الماء كذا، وقول، ما لم يرطبه كله، وقول، لم يتبين في الشرر، وقول، إنما ذلك في القوافل الواسعة التي لا يمتنع الناس منها في الطرق، مثل طرق مكة ونحوها.*/* (1/92)
صفحة 93
الباب الخامس عشر
في معنى الدم وأحكامه؛ وبيان صنوفه وأقسامه
العرب تسمى الدم نفسا، والنفس السائلة الدم السائل، لا الروح، لأن الروح لا تسيل.
وقال السموءل بن عاديا:
تسيل على حد السيوف نفوسنا ************* وليست على غير السيوف تسيل
يعني: تسيل دماؤنا على حد السيوف، فهذا يدلك، أن النفس السائلة هي الدم، لا الروح.
ويقال: دم، ودميان، ودموان، والياء أغلب.
قال الشاعر:
فلو أنا على حجر ذبحنا ************** جرى الدميان بالخبر اليقين
ويروي أن امرأة من عفار خرجت في غزوة خيبر، لتعبىء المسلمين، فركبت على بعض رحاله، فحاضت، فانحدرت، ورأت الدم على حقيبة الرحل، فتقبضت واستحيت منه (ص)،فقال: مالك؟ لعلك تنفست، فقالت: نعم، يا رسول الله، صلى الله عليك، فقال: أصلحي شأنك وارجعي إلى مركبك، فقد سماه (ص) نفسا، وإنما هو حيض.*/* (1/93)
صفحة 94
وفي خبر: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة ثم الدم، ثم عودي.
قيل عنها: إنها كانت لا تطهر من الحيض إلا جعلت في طهرها ملحا، وأوصت أن يجعل في غسلها إن هي ماتت.
مسألة:
الرجل له دم واحد، هو دم نفسه، والمرأة لها أربعة دماء ن دم حيضها، ودم استحاضتها، ودم نفاسها، ودم نفسها، فالحيض أربعة أشياء: الدم العبيط والحمرة، والصفرة، والكدرة.
ودم الجارية ودم الغلام سواء في النجاسة.
مسألة:
قال المصنف: الدماء على ثلاثة أضرب: دم مسفوح نجس، محرم بإجماع، ودم طاهر حلال ـوجم بينهما، ليس بمسفوح، وهو نجس.
فالمسفوح، قال هاشم الخراساني: هو دم الأوداج، وقول: هو دم كل جرح طرى، وكان عبد المقتدر والمسيح يقولان: كل دم خرج مبتدأ من بدن صحيح فهو مسفوح.
قال عمر بن الفضل: ما قطع بالحديد.*/* (1/94)
صفحة 95
وفي موضع عن أبي سعيد، وقول: ليس بمسفوح إلا ما قطع الحديد، قال: ولا معنى يدل على الفرق فيما قطع الحديد وغيره.
وعن أبي سعيد في الاستقامة: والمجتمع عليه أن الدم المسفوح من الأنعام الذكية دم المذبحة والنحر، وما تبع ذلك ما لم تغسل المذبحة، وهي ما به صارت ذكية، فهو رجس، قليله و كثيره، في البدن والثياب، حرام في المأكولات والمشروبات، من جميع الدواب والطير، من ذوات الدماء الأصلية غير المجتلبة.
اختلف بعد ذلك في دم الأوداج، فقول: إنه من المسفوح، وقول: إنه حرام في المأكول والمشروب، ولا يفسد منه في الثياب في الأنجاس إلا ما زاد على قدر الظفر على نسيان، وأما على الجهل والعلم والعمد فمفسد، وما خالط منه الطهارات من قليل أو كثير فرجس مفسد إذا ماع فيها.
وقول: إنها من دم اللحوم، لا يفسد قليله ولا كثيره، لأنه قد زال عن الذبيحة دم ما كانت به حية، وبخروجه صارت ذكية.
مسألة:
ومختلف في دم الحيض ودم الاستحاضة، فقول: مسفوح، وقول: غير مسفوح.
قال أبو سعيد: اختلفوا في ما يأتي من الدماء من غير جرح، ولا قطع حادث طرى، مثل دم الرعاف، وما خرج من الفم والضروس، العبيط الخالص،*/* (1/95)
صفحة 96
وكذلك دم الحيض والنفاس، فقول: كله مسفوح، وإنما الذي غير مسفوح كل ما خرج من جرح قديم أو شقة قديمة، ولا يفسد في الثوب فيأمر الصلاة إلا مقدار ظفر على غير علم.
اختلف أصحابنا في صفة الدم المسفوح، فقول: ما انتقل من مكانه فقد سفح، ولو لم يظهر على فم الجرح، وقول: هو ما انتقل من مكانه وسفح إلى غيره.
وأما ما كان ظهوره لا يتعدى الجرح الذي خرج منه فليس بمسفوح ولو امتلأ فم الجرح الذي خرج وكثر.
وفي الرهائن، قول: إذا اسفح، وقول: إذا تردد في الجرح، وقول: إذا وقع عليه النظر، والتقط بقطنة.
ـــ أبو سعيد ـــ وقول في شرار الدم المسفوح لا يفسد.
مسألة:
في جرح طوله راجبة، فأدمى من أعلى، وسال في أسفر الجرح ولم يفض، قال: هو غير فائض، سواء كان من جرح طرى، أو قديم.
وقول: من الطرى أشد، والله أعلم.
مسألة:
سئل سليمان بن عثمان عن شرر الدم المسفوح، فلم ير به بأسا.
وفي موضع قال بعضهم: إنما سمعت أنه ينقض قليله و كثيره، بعد موت أشياخنا، والله أعلم.*/* (1/96)
صفحة 97
مسألة:
والدم الحلال الطاهر هو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، أحل لكم ميتتان ودمان، فلميتتان الجراد و متتة السمك، والدمان دم السمك ودم اللحم.
وفي الضياء، الدموان دم الطحال ودم الكبد.
قال أبو سعيد: لا يعلم أحد يختلف في الميتتين، وأما الدمان ففي ذلك أقاويل، ولا يخرج، أن ذلك في قولهم ما يجتمع عليه أنه حلال، وإن اختلفوا فيه وفي صفاته.
مسألة:
وأما السمك الذي لا يعيش في البر ولا يشبه ذوات البر فدمه طاهر، والذي لا يعيش في البر وهو مشبه لذوات البر فعلى ضربين، فما أشبه الأنعام والصيد فقول، ميتته حلال، لأنه صيد بحر؛ وقول؛ يذكي لشبه يذكي، وما أشبه الخنزير فهو يسمى خنزيرا، فقول، إنه حرام ودمه تبع له، وقول، ليس بحرام، وهو أصح، لأن كله صيد البحر، ولم يستثن الله منه شيئا.
مسألة:
وأما ما كان من صيد البحر وهو يعيش في البر فحكمه على الأغلبية في معيشته، إن كان الأغلب فيها في البحر فهو صيد بحر، حكمه حكم البحر، في أكله ودمه،*/* (1/97)
صفحة 98
وإن كان الأغلب في البر فحكمه حكم صيد البر في تذكيته ونجاسته ودمه، وإن خفي كان الاحتياط التنزه عنه بالذكاة، ونجاسة الدم واجتناب المحرم إياها، والله أعلم.
مسألة:
وأما دم اللحم فما خالطه بعد غسل المذبحة والمنحر، وحتى قالوا في دم الأوداج إنه من دماء اللحوم، ولا يفسده قليله ولا كثيره، وهو قول.
وقول، إن دم اللحوم وهو ما خالط اللحم من العلق، وأما ما كان من دم العروق فليس من دم اللحم، وذلك دم، كان قائما في البهيمة في حياتها، وكل ما كان دما في حياتها فلا يتحول إلى الطهارة بذكاتها، وإنما يتحول ما كان من الدم داخلا في اللحم من غير عروق، والله أعلم.
وكذلك في دم الرئة والفؤاد، وقول إنه فاسد، لأنه دم على انفراده والله أعلم.
قال الربيع: لا بأس بدم اللحم، ولا يعاد منه الوضوء، إذا كان من دابة قد غسلت منها المذبحة والأوداج.
قال أبو زياد، زعموا أن أبا عبيدة كان يزاول اللحم، فإذا حضرت الصلاة عاد بمنديل فمسح به يديه وقام يصلي، قال أبو زياد: ينبغي لمن يكون ذلك كذلك إلا دم المذبحة والأوداج والعروق فإنه ينتقض. (1/98)
صفحة 99
مسألة:
وأما الدم النجس الذي ليس بمسفوح فما خرج من جرح قديم، وما أشبه ذلك.
والفرق بينه وبين المسفوح، أن المسفوح، يفسد قليله وكثيره في البدن والثياب على العمد والنسيان، والذي غير مسفوح مثله في جميع ذلك إلا في الصلاة به على غير علم، فإنه لا يفسد الصلاة إلا أن يكون مقدار ظفر في البدن والثياب.
وأما ما كان أقل من مقدار دينار أو ظفر فال ينتقض في الثوب، و في نقضه البدن اختلاف. وفي موضع، لا نقض في البدن أقل من ظفر، وفي فساده في الثوب اختلاف إذا لم يعلم به إلا بعد الصلاة، والله أعلم.
قال أبو محمد: التفرق بينهما يضعف من رأيهما، لأن كل واحد منهما على المصلي طهارته.
مسألة:
اختلف أصحابنا في دم الضمح والحلم والقراد، فقول، كل ما وقع عليه اسم دم فهو نجس، إلا ما قام دليله، لقوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة والدم)) فعم كل دم، وأخبر بأنه حرام.*/* (1/99)
صفحة 100
فدم الطحال ودم الكبد فلذلك لم يحكموا بتنجيسه.
أبو سعيد اختلف في كل دم مجتلب في ذات روح أو من دابة، أو طائر، فقول، طاهر، لأنه منهم بمنزلة الدم الميت المتحول عن حاله إلى حال غيره، ولو كان في أصله فاسدا، وقول، كله فاسد لأنه دم بعينه، وحينما يحول فهو فاسد، وقول ثالث، إنه لا يفسد به عند الضرورة إليه، ويفسده عند السعة بغيره إلى غيره، والله أعلم.
مسألة:
ولا بأس بدم البعوض، وقول، حتى يصير كالظفر، وأكثر القول، إنه طاهر.
قال أبو مالك، إلا أن يغلب دم البعوض على الثوب فحينئذ لا يصلى فيه. وقيل، دم السمك والبق والبراغيث ونحوها طاهر، ووافق عليه أبو حنيفة، دليله، أن الله خص الدم المسفوح، وهذه الدماء غير مسفوحة فال تدخل تحت التحريم.
الدليل هول عائشة، وقد سئلت عن دم اللحم، قالت، إنما الله نهى عن الدم المسفوح، ولا بأس بدم البراغيث والذباب و النمل.
وقال بشير، دم البراغيث الصغار الأسود والضمح الذي يكون في البيوت لا بأس به، وأما الذي يلدغ ويكون في مرابط الدواب وغرها، والحلم والقراد فجميعه مفسد.*/* (1/100)
صفحة 101
مسألة:
قيل: جاء وكيع بن أسود إلى الحسن، فسأله عن دم البراغيث يصيب الثوب، أيصلي به؟
قال الحسن: يا عجبا ممنيلغ في دماء المسلمين كالكلب، ويروي، كأنه كلب، ثم يسأل عن دم البراغيث ...
مسألة:
وإذا رأى علامة دم البعوض من شرر أو غيره فهو دم البعوض حتى يعلم أنه دم ينقض.
قال: ورأيت أبا زياد يصلي بثوب فيه دم كثير، فقال، هو دم البعوض. قيل: ومن رأى في ثوبه شيئا شبيها بالدم فال شيء عليه حتى يعلم أنه دم
مسألة:
قال أبو المؤثر، إن كان دم القردان والحلم والضمح أصليا فهو مفسد، وإن كان مجتلبا لم يفسد.
قال أبو الحسن، دم الضمح نجس، وفيه اختلاف، وأما العنكبوت والعقرب والذباب لا يفسد، والله أعلم.
وقول، ضمح الجبال ينقض، وأما ما ضمح الباطنة فإن دمه لا ينقض.*/* (1/101)
صفحة 102
مسألة:
اختلف أصحابنا في حكم الدم، فقول قليله و كثيره مفسد في الثوب والبدن، وقول، إن العفو يقع في مقدار الظفر، وقول، مقدار الدينار إلا أن يعلم أنه مسفوح، فحينئذ يحكمون بتنجيس قليليه و كثيره، سواء أكان في البدن أو الثوب.
وقد فرق بعض أصحابنا بين الثوب والبدن في حكم النجاسة.
قال أبو بحمد، التفرقة تصعب على من رامها، لأن كل واحد من البدن والثوب مأخوذ على المصلى ألا يقوم إلى الصلاة إلا وهو على طهارة معها، والله أعلم.
مسألة:
واختلف في الدم، فقول الدماء كلها محرمة حتى يعلم الدم المباح، لقوله ((حرمت عليكم الميتة والدم))،وقول، إنما يحرم من الدماء المسفوح لقوله: ((قل لا أجد فيما أحيى إلى محرما)) إلى قوله: ((أو دما مسفوحا)).
وعن بشير، إذا رأيت الدم فاغسله، وأمر بغسله، ولا أحمم أنه مسفوح، لأن الدماء منها نجس، وما ليس بنجس فإنما حكمت به بغير علم، ومن حكم بغير علم فهو مخطئ.
مسألة:
وإذا لقي رجل رجلا حاملا لحما فمسه منه دم، فحكمه نجس حتى يعلم أنه غسل */* (1/102)
صفحة 103
المذبحة، وأما إذا باع عليه فحكمه الطهارة لأنه إذا حمله فيحتمل أن يكون لم يغسله بعد، وإذا باعه فلا يجوز إلا أن يكون حكمه طاهرا، لأنه متعبد بألا يبيع إلا طاهرا قد غسل مذبحته.
مسألة:
فإن وجده في الثوب وقد صلى في وقت يجوز أن يكون قد حدث بعد الصلاة غسله، ولا نقض على صلاته.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في الدم يوجد في البدن أو الثوب ولا يعلم أنه مسفوح أو غير مسفوح، فقول، إن ذلك دم طاهر، لطهارة البدن والثوب، وقول، إنه دم مسفوح يفسد قليله و كثيره لأنه لا يتعرى في ذلك من الاحكام، وقول، إنه دم نجس غي مسفوح ولا طاهر حتى يعلم أنه غير ذلك، وقول، حكمه على الأغلب في ذلك الوقت الذي يجده، فإن لم يكن له أغلب في ذلك الوقت فيجب أن يستعمل الوسط، أن يكون دما غير مسفوح، والله أعلم.*/* (1/103)
صفحة 104
الباب السادس عشر
في الميتة والخنزير، وما يحمل منها وما يحرم
إذا قطع من البهيمة جارحة فما دامت تتحرك ففيها اختلاف، وقول، إنها حية حتى تموت، لأن أصلها الحياة، وقول، إذا بانت من الجسد فهي ميتة، ولو كان الرأس وباقي الجسد ما دام يتحرك فهو حي حتى يموت.
وإن قطع الجسد فإن كان مما يلي الرأس أكثر كان سائر البدن ميتا نجسا، إلا أن يكونا نصفين، فيذكي ما فيه الرأس، ولو كان الرأس والرجلان ذكى ما بقي من الجسد، فإن تحرك أكل.
مسألة:
أبو سعيد ــ في شعر الميتة وصوفها، بعض أجازه بعد الغسل، ولو يجزه قبله، وبعض أجازه على كل حال، وبعض أجازه إذا جزء، ولم يجزه إذا نتف.
وقيل: إذا لم يحمل شيء من الجلد ولا من الرطوبة فلا بأس، وإذا ثبت أنه لا يجوز حتى يغسل لم يجز إذا غسل، لأن الميتة لا تتحول، ويعجبني قول من أجازه.
مسألة:
اتفق أصحابنا فيما علمت على جواز استعمال صوف الميتة وشعرها وريشها،*/* (1/104)
صفحة 105
وخالفنا الشافعي في تحريم الشعر والوبر والصوف والعظام والقرون، واحتج بقوله تعالى ((حرمت عليكم الميتة والدم)).
قال قاسم: الميتة تشتمل على جميعها، لا فرق بين شعرها وصوفها ولحمها، لعموم الآية.
وقال أبو حنيفة: صوفها وعظمها طاهر، لقوله (ص)،لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ، وشعرها وقرونها إذا غسل.
قال مالك: صوف الميتة طاهر، وعظمها نجس.
الدليل لنا أن الشعر والوبر والصوف والعظم لم يدخل منه شيء في ذلك التحريم، لما روى علن النبي (ص)،أنه مر بشاة لمولاة ميمونة، وقد أعطيتها من الصدقة، وقد ماتت، فقال (ص) هلا أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به؛ قالوا، يا رسول الله، إنها ميتة، فقال (ص):ليس الأمر كما وقع لكم، وإنما حرم عليكم أكلها، فرد التحريم إلى ما يؤكل دون ما لا يؤكل.
فهذا يبين أن التحريم لم يقع على ما جوزه أصحابنا، وإنما يقع على ما يؤكل منها، والله أعلم.
ودليل آخر يدل على صحة هذه المقالة، قول (ص)،ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت.
وأجمع الكل، أن لو قطع عضو من أعضائها وقع عليه اسم الميتة ولو جز شعرها ووبرها ووبرها لم يسمه ميتة.*/* (1/105)
صفحة 106
وكان في إجماعهم دلالة بتفرقة ما بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل.
والعظم على ضربين، فعظم يؤكل، وعظم لا يؤكل، فالعظم الذي يؤكل داخل في حيز الحظر، والعظم الذي لا يؤكل خارج منه، والله أعلم.
مسألة:
وشعر الأنعام وصوفها طاهر وإن كانت ميتة إذا جز ذلك، وصوف الميتة يجز ولا ينتف، فأما إذا مرط فلحقه لحم أو شيء من الجلد فلا يجوز.
مسألة:
سئل عن ماء طار من أول صبة من الماء الذي يطهر به الميت، قال يعجبني أن يكون طاهرا، كان وليا أو غير ولي، ولا تبين لي علة تفسد بدنه، ويخرج أنه طاهر، بمنزلة ما كان في الحياة، وإنما الغسل بعبد في الأموات، كغسل الجنابة والوضوء.
وقول ما لم يغسل بالغسل وينقى فإنه ينقض ما طار من مائه، وأما الإفاضة التي تفاض عليه أخرى، فلا ينقض.
قال أبو معاوية: ما أرى بذلك بأسا، ما لم يصبه شيء من الأذى.
مسألة:
أجمع الناس على استعمال الجلد المذكى والمطهر، والتطهر فيه من الماء، وإن لم يكن مدبوغا.*/* (1/106)
صفحة 107
وتنازعوا في استعمال جلد الميتة إذا دبغ، واختلف أصحابنا أيضا على قولين، فجوزه بعضهم، وقال آخرون: الميتة لا يطهرها الدباغ.
والحجة لمن لا يجوز قول النبي (ص)،لا تنتفعوا من الميتة بشيء. والحجة لمن أجاز قوله (ص)،أيما إهاب دبغ فقد طهر. ومن طريق عائشة رضي الله عنه قالت: ذكاة الميتة دباغها. ومن طريقها أيضا عنه (ص)،دباغ الجلود طهورها.
والذي نذهب إليه ونختاره إجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان، فلا يحل أبد، ولا نبيح استعماله مع استحقاقه اسم الإهاب حتى يزول عنه اسم الإهاب، لأن العرب إنما تسمى الجلد إهابا ما لم يدبغ، فإذا دبغ سمى أديما.
الدليل من اللغة قول الشاعر حيث عير رجلا:
قد كان نعلك قبل اليوم من أهب ********************* فصرت تخطر في نعل من الأدم
مسألة:
عن قومنا ــــ واختلفوا في الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ وبعده.
قال أبو سعيد: في قول أصحابنا نحو هذا الاختلاف.*/* (1/107)
صفحة 108
قال أبو معاوية: جلد الميتة يدبغه لك غيرك وانتفع أنت به، وإن دبغته أنت فلا بأس. وقول: لا ينتفع به.
مسألة:
قال بعض أهل الخلاف من الشافعية: إن جلد ابن آدم إذا مات يطهر بالدباغ كسائر الجلود، وقال بعضهم: يستحيل دباغه، ولكن إذا دبغ طهر كغيره، والأعم أنه لا يحكم له بالطهارة بالدباغة بحال، والله أعلم.
مسألة:
فإن احتج محتج بأن إهاب الخنزير إذا دبغ طهر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أيما إهاب دبغ فقد طهر، فقال هذا عموم به.
قيل [له]:وكذلك قال الله تعالى: ((إلا ما ذكيتم))، فهذا عموم، يدخل فيه الخنزير وغيره. فإن قال: إلا الخنزير، قيل له: إلا إهاب الخنزير.
مسألة:
أبو سعيد ـأما إهاب الميتة فقد يخرج فيا الاعتبار معنى طهارته لأصله قبل معارضة النجاسة له، وكذلك يدخل في الشبه لذلك إهاب الخنزير القرد وما أشبهها من المحرمات.*/* (1/108)
صفحة 109
وإنما وإنما ثبت في كتاب الله تحريم الخنزير، ولم يأت النص على جلده، وإن كان جلده يقتضي حكمه في معنى فإن التحريم وقع على الميتة، وعلى تحريم لحم الخنزير دونه كلها، فلا يبعد أن يكون شبه جلد الميتة، لأنه إنما تقع عليه النجاسة بمعارضة من قبل التحريم.
مسألة:
أبو سعيد ـ في جلود السباع إذا دبغت، فقول: إن ذلك أهون من جلود الميتة، وقد اختلفوا في جلد الميتة فالسباع أهون بمعنى الاختلاف في الميتة، ومن المحرمات بالنص.
مسألة:
أبو سعيد ــ وإذا ثبت الدباغ طهارة لإهاب الميتة وإهاب الخنزير (كذا في الأصل، ودباغ جلد الخنزير لا يطهره كما سبق ذكره) فلا أجد معنى يحجر ذلك في جلود السباع، ولو ثبت النهي عن أكلها، لأنها ليس أشد من الخنزير والميتة، ولو ثبت تحريمها بالرواية ما وقع إلا على اللحم، لأن الخطاب في أكل اللحم.
وأما جلد الكب فلا أجد معنى يستحيل بالدباغ، لأنه إنما جاء القول بنجاسة جلده، وإذا ثبت معنى ذلك لم يستحل بعد النجاسة إلى الطهارة بوجه، إذا كان نجس الذات في الأصل.
مسألة:
وموت مال يس له دم سائل في الماء لا يفسد، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم*/* (1/109)
صفحة 110
في خبر سلمان الفارسي: كل شراب وقع فيه دابة ليس لها دم سائل فماتت فيه فهو الحلال، أكله وشربه، والوضوء به.
مسألة:
وأجمعوا، أن كل دابة لا دم لها من خشوش مثل العقارب والدبى والعنكبوت والصراح والصرص والجعل والخنفساء والسرطان والبعوض وما أشبه ذلك لا يفسد ما وقع فيه من ماء أو طعام، حيا ولا ميتا، لأن الدم ولا الحم معدوم منه، وهو كالجراد الذي لا بأس به ميتا، والله أعلم.
مسألة:
وأجمعوا أن موت السمك في الماء لا ينجسه، وأن الموت الحاصل في السمك لا يوجب فيه تنجيسا.
واختلف في العلة، فقول: هي كون الميت مما يعيش في الماء، وقول: هي أنه يعيش في الماء، أو لأنه يؤكل بدمه.
القائل بالأول يقول: إن هذه علة تتعدى إلى غير السمك.
واتفق الناس على أن موت ما يعيش في الماء لا يفسد الماء بموته فيه.
والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه، والحل ميتته).يعني، أنه لا يفسد الماء، وإنما يفسده لو مات فيه ما لايعيش فيه، ولولا */* (1/110)
صفحة 111
أن معناه ما ذكرنا لم يكن لذكره مقرونا بالماء وجه ولا معنى، والسؤال لم يقع عنهما، والله أعلم.
مسألة:
الخنزير مجموعه محرم، ولا يجوز الانتفاع بشيء منه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون التحريم، إنما وقع فيما ذكر في الآية، فلم لا يكون الشحم منه مباحا، إذ ظاهر الآية خص اللحم بالتحريم.
قيل له: إن الله حرم شحم الخنزير وغيره من وجوه، أحدهما الإجماع، وكفى به حجة.
ووجه آخر، أن الخنزير محرم بكليته، لأن الله ـــــــ جل ذكره ـــــــــ قال: ((أو لحم الخنزير، فإنه رجس))، فرد الكناية إليه.
فقال: إنه رجس، وهذا موجود في اللغة، تقول العرب، أكرم غلام زيد فإن له علي حقا، يريد بذلك زيدا، وإن كان يجوز أن يريد العبد، لأن زيدا أقرب المذكورين، وإذا كان هذا في اللغة وجب القول به عموما.
مسألة:
ووجه آخر، أنه لا يتوصل إلى شحم الخنزير إلا من وجهين، إما في حياته، أو بعد قتله، فإن أخذناه في حياته فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل المأخوذ منه ميتة، بقول عليه السلام، ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة، كذلك إذا أخذنا شحم الشاة في حياتها كان محرما، وإن أخذناه بعد إتلافه فالذكاة غير لاحقة به،*/* (1/111)
صفحة 112
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الخنزير من جنس ما يذكى، وجعله في جنس ما وجب قتله وإتلافه، حيث قال صلى الله عليه وسلم، بعثت لكسر الصليب وقتل الخنزير وإراقة خمر؛ فليتوصل إلى شحمه من طريق لا يسمى ميتة، وفي الإجماع كفاية عما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة:
وقال: يكره جلد الأسد والنمر. قيل لعبد الله: أنا أمرت عبد الله بن الحكم أن يخرج من سرجه جلد النمر الذي عليه، والله أعلم.
واختلف قومنا في الانتفاع بعظام الفيلة وأنيابها فكره ذلك الشافعي، ورخص فيه ابن سيرين. فقال أصحاب الرأي، لا بأس بعظم الميتة إذا غسل.
أبو سعيد ــــ قول يمنع منها ما كان من شعر أو سن أو قرن أو ظلف أو عظم لأنها ميتة بما فيها. وقول لا بأس بالانتفاع بالسن والقرن والظلف، الميت منه غير الحي المحتمل اللحم، لأنه لو خرج في حياتها لم يكن نجسا، وكذلك يلحق هذا عظامها إذا ذهب اللحم والودك.*/* (1/112)
صفحة 113
وأما إذا وجدت العظام ولا يعلم أنها من ميتة من قبل أو غيره فإذا كان من حيث يقضي الذكاة في ظاهر الأمر فحكمه على الذكاة حتى يعلم أنه غير مذكى، وإن كان حيث لا يجوز ذكاء أهله من أرض الشرك فظواهر ذلك معلول، لا مخرج له من حكم الميتة في ظاهر الأمر حتى يخصه حكم ذكاة طاهرة، والله أعلم.
ومن مات على فراش أو وضع بعد ما مات فلا يغسل بالماء ويستعمل وهو طاهر [أي الفراش].
مسألة:
في لغ وقع فيخل وهو حي، ثم أخرج فتحرك منه ذنب أو رأس أو يد. قال: إذا تبين شيء من جوارحه، وهو عين تطرف، أو يد تتحرك، أو رأس أو ذنب، أو شيء من الجوارح، ولو لم يتحرك البدن كله فذلك دليل على حياته، لأنه ما دام فيه جارحة حية فهو حي، وأما تحرك موضع من بدنه بمنزلة تحرك اللحم، وذلك لا يثبت به معنى حياته، فإن أعلمه بحركة غيره حتى يعلم أنه ميت، لأنه حي في الحكم.
مسألة:
والكتف إذا ضربته الشمس والرياح ولم يبق فيه شيء من اللحم الدسم، ونظف وألقى في الماء حتى يخرج لحمه ودسمه ووضع في الشمس حتى ييبس فلا بأس بالانتفاع به لكتاب أو غيره على قول من أجاز الانتفاع بعظام الميتة اليابسة، وبعض نجس عظامها اليابسة، ولم يجيزوا استعمالها.*/* (1/113)
صفحة 114
وقيل: لا بأس بالعظم التالي إذا كان من اللحم عاريا.
مسألة:
فإن قيل: ما العلة في النهي عن استعمال إهاب الميتة إلا بعد الدباغ، وهو إنما يوضع به ملح أو رماد أو تراب ويجعل في الشمس.
قيل له: التعبد قد ورد بذلك وقد يرد الشر ( ... )،منه لعلة أو لغير علة، وإنما لتطيب النفس، لأن الإنسان يحب النظافة ويختارها، وفيما أمر به عليه السلام، من دباغ الإهاب وتغييره عن حاله، ضرب مما تميل إليه النفس وتختاره، حتى يكون ذلك مما يشتمل عليه، كقوله في الوصية بالمال: (لأن تدع عيالك بخير خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم)؛فأراه، نهاه عنه صلاحها لمخلفيه، وعناهم، ليسهل عليه ما أمر ه به، ويدل على أنه لو كان للموصى ألف درهم ما جاز له أن يزيد عن الثلث حبة، ولو لم يكن في الحبة عناء لوارثه.
مسألة:
وقيل: يجوز أخذ الجلد من على الميتة إذا طرحها أهلها، فإن طلبوه بعد ذلك فأقول كما قال فقيه من أبرا، في رجل حطب من نخلة حطبا، فطلبه صاحبها؛ إن هذا لهو الحلال الطيب.
قال عبد الباقي محمد بن علي بن عبد الباقي: ليست هذه مما تقاس بهذه، ليست الأهب من الميتة مما يقاس بالحطب من النخلة إذا كان مما لا يتمانعو حطهه،*/* (1/114)
صفحة 115
معروفا بينهم في بلدهم وسنهم، فهو كما قال فقيه أبرا، أبو مكتف، وإن كانوا يتمانعونه في بلدهم وسنتهم فليس له ذلك، وليس هو من الحلال الطيب، بل هو من الحرام الخبيث. وأما الميتة وإهابها فقد طرح ذلك أهله زهدا منهم فيه، فليس لهم بعد أن يطرحوه شيء منها، والله أعلم.
رجع إلى الكتاب. (1/115)
صفحة 116
الباب السابع عشر
في اللبن والبيض وما ينجس عن ذل وما يطهر
وعن شاة تحلب لبنا فيه كدرة أو صفرة أو حمرة شائعا فيه أو متوحدا، غلبا على اللبن أو متوحدا، فقد قيل: إنه طاهر، ما لم يكن دما عبيطا.
وعن ابن أبي الجواري: فأما الدم فمسد اللبن، وأما الحمرة والكدرة فلا تفسد اللبن، إذا اللبن، إذا كانت الحمرة ليست بدم، وإنما تعتبر من اللبن.
مسألة:
الأشراف ـــ واختلفوا في البيضة تخرج من الدجاجة الميتة فكرها على وابن عمر، قال أبو بكر: إذا كانت صلبية فلا بأس بها، وإن كانت رقيقة لم يجز أكلها، والفرق بينهما، أنها إذا صلبت لم تصل إليها ندوة النجاسة لصلابتها، إذا القشر قد حال بينها وبين ذلك، وليس الأمر كذلك إذا كانت لينة لم تصلب.
أبو سعيد ـــ عن أصحابنا قول: لا ينتفع بها على حال، لأنا بمنزلة الميتة، وقول: ينتفع بها، أن تجعل فراخا، ولا تؤكل.
مسألة:
في البيضة إذا كان فيها حمرة، فإذا حولت البيضة عن حالها التي كانت فيه إلى الحمرة فلا تؤكل، وقول: إذا صارت دما أو لحما لم تؤكل حتى يكون فيها فرخ حي ويذكى، وأما الحمرة فالله أعلم.*/* (1/116)
صفحة 117
الباب الثامن عشر
في البيض ونجاسته وطهارته
وإذا طبخ بيض فوجد في بعضه فراخ فلا يؤكل ما فيه من الفراخ، وإن وجد فيه عروق مما لم يكون فيه خلق، وإنما هو عروق بلا دم وغيره فلا أرى بذلك بأسا ما لم يتبين أنه خلق، أو تستحيل البيضة إلى غير البياض، والمحة من سبب الخلق، وما كان منشقا من البيض الباقي فلا يؤكل أيضا، وما لم ينشق من البيض أكل.
مسألة:
وإذا سوى البيض وهو غير مغسول وانكسر فلا بأس به، وإن طبخ وهو غير مغسول وانكسر فأنه نجس ولا يجوز أكله، والماء المطبوخ به نجس.
مسألة:
في طبخ البيض قبل أن يغسل، فكان ( ............ ) لمؤثر يقول: إذا انكسر وهو في الماء فال يؤكل ما نشق منه وكسر، وما لم ينكسر ولا تشقق فيؤكل، إلا أن ظاهر قشره نجس، فمن لم يغسله فال يمس ظاهر القشر رطوبة باطن البيضة وال رطوبة اليد، وأما إن سواه فتكسر، أو تشقق، لم يفسد ذلك البيض، لأن الطبيخ فيه الماء. وتفعل في قشره كما وصفت في الطبيخ إلا أن يكون سواه على */* (1/117)
صفحة 118
النار والنار تمس البيض فأرجو أنها تذهب بنجاسة البيض على ماروي عن موسى بن علي.
قال أبو سعيد: وإن وجد منشقا جامدا غسل ما يلي القشر وأكل، لأنه طاهر حتى يعلم نجاسته، وإن طبخ البيض قبل أن يغسل في تمر نجسه.*/* (1/118)
صفحة 119
الباب التاسع عشر ف
في نجاسة النار وما جاء منه معانيها
ومختلف في الحطب النجس، منهم من أجاز الخبز به، ومنهم من لم يجزه، ومن أفسد الحطب أفسد الرماد والجمر، وأجاز بعض الانتفاع باللهب، وأفسده بعض، ومختلف في تطهير النار لما كان نجسا.
مسألة:
واختلف في دخان النجس والدهن النجس إذ ذاك، فقول، دخان النجس نجس، وما زال به نجسه، وقول أبي الحواري، لا يفسد، كانت الثياب رطبة أو يابسة، والله أعلم.
قال الفضل: لا بأس برماد الحطب النجس، وكل جمر حطب نجس نجس، ولا يتجر به، ولا يخبز به، ولا يشوى به.
وقيل: لا يصطلى بنار المشركين، ولا ينتفع بلهب ولا دخان شيء نجس.
وقول: إن كانت من الذوات كالعذرة والدم فلا تطهره النار حتى يغسل، وإن كان مما لا ذات له كالماء النجس والبول طهرته النار.
وقول: إذا غاب بعد ذلك ولم يبق له أثر، وصار رمادا فقد طهر.*/* (1/119)
صفحة 120
مسألة:
والعود إذا سهم بغسل نجس فلا بأس أن يتبخر به في الثياب ما لم يؤثر فيها، والأثر منه السواد، وأن كان الثوب رطبا فجائز أن يتبخر به من هذا العود، وسبيله سبيل الثوب اليابس ما لم يؤثر فيه.
وعن محمد بن محبوب في الدبس النجس جائز أن يدبس به القسط ويعبر به.
مسألة:
وإذا حميت حديدة بالنار وجعلت على الدابة للعلامة ولم يخرج دم فهي طاهرة
أبو سعيد ـــ عذرة طرحت في النار حتى صارت جمرا هل يشوي بها سمك؟ فأما العذرة فلا يجوز ذلك إذا علق جمرها في اللحم أو السمك، إلا أن يغسل، ويخرج، فذلك جائز. وأما الحطب النجس بالبول أو الماء النجس فإن النار تذهب به ويطهر جمره على هذا
وفي موضع، في عذرة احرقت، فذهبت نجاستها، فأرجو أن فيها اختلافا.
مسألة:
فيمن أحرق خرقة نجسة حتى صارت رمادا، ثم وضعها على جرح، وصلى، فإذا كانت النجاسة من غير الذوات فلا بأس عليه على بعض القول، وإذا كانت من الذوات فعليه الفساد على بعض القول */* (1/120)
صفحة 121
الباب العشرون
في المسك والجلود وطهارتها ونجاستها
المسك من الطيب، مكسور الميم، والمسك مفتوح الميم مسك الشاة، يقال: فاح المسك يفيح ويفوح، وفاح يفيح ويفوح مثل فاح.
مسألة:
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال، أطيب الطيب المسك.
وقيل: كره الربيع ومحبوب وابنه دهن المسك الذي توضع الجلود فيه، وكثير من الفقهاء، كان أبو عبيدة وأبو حفص وأبو زياد لا يرون به بأسا، فربما أدهنوا به.
وقيل: إن أبا عبيدة قال: لا تطيب امرأتي بشيء أحب ألي منه.
وقال أبو علي: دهن المسك الذي من الجلود ادهنه المسلمون، وما يرى به بأسا.
قال أبو إبراهيم: أما أنا فربما أضع بيدي منه شيئا، ثم أفيض عليه ماء ولا أقول، إنه فاسد، لما جاء فيه من المسلمين، والذي يجلب من عطل السمك طاهر، ومن أجاز الانتفاع بالمسك ابن عمر عن أنس بن مالك.
وروى عن علي وسلمان، ورخص فيه ابن المسيب وابن سيرين وجابر بن زيد، وذهب أبو محمد إلى ذلك */* (1/121)
صفحة 122
الباب الحادي والعشرون
في الدهن ونجاسته وطهارته
والدهن النجس إذا كان في وعاء ينشف، هل يكون مثل الماء؟
قال: الدهن أكثر نشوفا، لأنه يلصق ما لا يلصق الماء، وكذلك السمن من الأدهان، وهو مثلها، ولعل السمن أشد من الدهن في تولجه في الآنية.
فإن أغلى دهن بقدر حجر، أو سمن أو ماء نجس فإنها تغسل من النجاسة، ثم يغلي فيها ماء طهورا، بقد ما غلا فيها الدهن أو السمن أو الماء النجس، ثم يهراق، ثم يغسل غسل النجاسة، ويجزئ ذلك.
مسألة:
أجاز بعضهم الدهن النجس للسفن تدهن به، وفي موضع: لا بأس بالانتفاع بالدهن النجس للمصباح.
وكذلك العسل يستعمل به العود ليصلح به فلا بأس بذلك إذا دخنت ثيابا يابسة.
قال: وأقول إذا كان غبار هذه الدخنة أو المصباح يؤثر فيما يوقع فيه فذلك يفسد ما أصابه، مثل دخان المصباح إذا وقع في ثوب فأثر فيه، فإنه يفسده. مسألة:
والدهن إذا كان نجسا فانسفك في حصى المسجد، فغسل بالماء، فبقي الدهن */* (1/122)
صفحة 123
زائكا في الحصى، قلت ما حكم ذلك الحصى، قد طهر بهذا الغسل أم هو فاسد ما دام هذا الدهن لم تزل عينه من الحصى؟
فأحب إن كان من الأدهان المعارضة لها النجاسة أن يطهر الحصى، وإن كان أصله نجسا مثل أوداك الميتة فهو نجس، ما بقي زهمه وعينه، والله أعلم. */* (1/123)
صفحة 124
الباب الثاني والعشرون
في الجلد والدهن، ونجاستهما وطهارتهما
وأما المسك الذي [هو] دهن بشحم نجس، فغسل، واجتهد في فركه، ففيه اختلاف، فقول: إذا بولغ في غسله وتغير لو النجاسة منه فتلك طهارته، وقول: إنه لا يطهر حتى يجعل في الحماة وهي الحمدة، حتى يذهب بلون النجاسة ودنسها حتى لا يبقى منه شيء.
قال: وأقول: إن كان شحم ميتة أو ذبائح أهل الحرب، أو ما ذاته نجسة ليست بمجتلبة فلا يطهر حتى يذهب الماء بلون النجاسة ودنسها، و أخذ في هذا بالقول الآخر، وأما إذا كانت النجاسة مكتسبة في الشحم والدهن فإذا بولغ في غسلها فتلك طهارتها، ولو كان الجوهر قائما، لأن الماء يذهب بالنجاسة من الطهارة وأخذ في هذا القول بالأول.
مسألة:
وعن جلد كان يابسا، ثم وقع فيه بول أو تنجس فبشربه الجلد ثم يبس الجلد.
قال: يهرق فيه الماء ثلاثة أيام، أو ثلاث مرات، ثم يصبه، ثم يغسله ويصبه، وأرجو أنه يجزئ.
وقول: الجلد لا ينشف، ولكن يغسل ويبالغ في غسله في وقت واحد ثلاث مرات، وما فوق ذلك، ثم ينتفع به، وقول: يغسل ثم يجفف، ثم يجعل /*/ (1/124)
صفحة 125
فيه الماء بقدر ما كانت فيه النجاسة رطبة، وبقدر ماتنشف النجاسة، ثم يغسل، وقد طهر.
مسألة:
ومن جلد الشحرى الذي يؤتى به من غير عمان، هل يصلى به بلا غسل ولا دبغ، فقد كره ذلك من كرهه. وقول: لابأس بذلك مالم يعلم به نجاسة إذا احتمل طهارته بوجه، والله أعلم.
مسألة:
الأشراف ــــ قال الأوزاعي، فيمن يطأ بنعليه أو خفيه العذرة الرطبة يجزئ أن يمسحه بالتراب ويصلى فيه. قال: والقدمان لا يجزيه إلا غسلهما بالماء.
قال أبو سعيد ـــ إن الخلف والنعل وما أشبههما إذا تنجس وسحق بالأرض حتى إذا استحال إلى ذهاب العين والأثر والعرف وما كان من النجاسات، أن ذلك يجزئ عن تطهيره بالماء.
وقول: لا يطهر، إلا بالماء، كل شيء من الأشياء.
وأما الأبدان والثياب فلا أعلم في قولهم: تطهر بعد الغسل، إلا أنه إذا عدم فإزالة النجسة من البدن والثوب بما قدر عليه من التراب وغيره فيما يشبه الاتفاق.
وفي موضع: في نجاسة النعل: إذا كانت في باطنها فلا تطهر إلا بالغسل،*/* (1/125)
صفحة 126
وأما طهارتها مما يلى الأرض فقد اختلف فيه، وأحب أن تجزيه إذا سحقته الأرض، مشى به أو حك.
مسألة:
أبو سعيد ـــ فيمن يكون في يده نجاسة لا عين لها، مثل بول أو غيره، ثم نسيها، فصب في يده دهنا على تلك النجاسة فدهن به ألا يتنجس ما مسه من ذلك الدهن؟ وقال: إن الدهن لا يميع تلك النجاسة، وأنه يلصقها في موضعها.
وقول، في مثل الدم وغيره مما له عين من النجاسات، أن الدهن أيضا لا يمنع تلك النجاسة إلا أن يراها قد ماعت منه، فحينئذ ينجس ما مست.
وقول: ذلك قد فسد، ويفسد ما مس، وما ليس له عين.*/* (1/126)
صفحة 127
الباب الثالث والعشرون
طهارة الإنسان ونجاسته
وما يخرج منه الإنسان طاهر جملة، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، كبيرا كان أو صغيرا.
قال المصنف، إلا أقلف البالغ. وأما ما يخرج منه فنجس وطاهر. فالنجس ما خرج من سبيلين، والدم والقي. والطاهر ما سوى ذلك
مسألة: قال أو الحواري في الفاسق يصافح أنسانا فيه عرق نبيذ ويده عرقة، أو حدثه وطار من فمه بصاق، فليس ذلك بنجس، إلا أن يعلم أنه شرب نبيذا حراما، ثم لم يغسل فاه، ولم يشرب ماء على أثر النبيذ، وأما اليد إذا عرقت، ولم يعلم أنها مست النبيذ فلا بأس بذلك
مسألة:
الضياء ــ والجلدة الميتة من بدن الإنسان إذا سقطت في الماء القليل لم تنجسه، ولا يكون مستعملا، وكذلك الشعر والقرن، وأما الجلدة الحية فإنها نجسة.*/* (1/127)
صفحة 128
وفي موضع، وما خرج من الحي من لحم أو عضو أو جلد فهو ميت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت، وذلك مثل أن يقطع ذنب الضأن وسنام البعير، أو شيئا من الأعضاء فيؤكل.
فتأويل ذلك، أنه حرام كله، وأما ما خرج من الشعر والصوف فلا بأس به بإجماع الأمة. الدليل قوله تعالى ((ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها)).
مسألة:
فيمن قص أظفاره فألحم بها، هل يكون نجسا.
قال: أما الظفر فلا أعمل مما قيل فيه ذلك، وأما ما كان من الجلد الحي واللحم فمعي أنه يلحقه معنى ذلك.
قيل ولو انقطع ظفر كله، وهو حي، أيكون طاهرا إلا ما يلحقه من اللحم؟ قال: هكذا عندي، والظفر الحي عندي كالشعر الحي.
مسألة:
والجلد الميت مثل قشر القرح فهو ميت، وليس عليه حكم ميت. وفي موضع، والجلدة الميتة إذا سقطت من البدن في الماء القليل لم تنجسه، وكذلك الشعر والقرن. وأما الجلدة الحية فعن أبي محمد فيها قولان، في موضع، أنها تنجس، وفي موضع آخر أنه يكرهها.*/* (1/128)
صفحة 129
مسألة:
وما زايل الجسد من ابن آدم مما يشبه ذلك من قشر قرح أو جلد ميت لا يؤلم أنه لا بأس به، ولا ينقض الطهارة، وإنما ذلك ما خرج مما هو حي من الحي، يؤلمه خروجه، ويتبعه شيء من رطوباته ونجاساته إلى ما أكثر من ذلك فهو نجس والله أعلم.
مسألة:
والقيح والدم المهتاس طاهر، وإذا كان الدم متوحدا عن البوس والقيح فهو نجس، مفسد ما مس. ومن خرج من ذكره قيح من مخرج البول نجسه، فإن خرج من غير ذلك لم ينجسه.
مسألة:
وشعر الإنسان أو ظفره إذا وقع في الماء أو مر عليه، وكان طاهرا لم يفسده.
مسألة:
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه حلق رأسه، فأخذا منه قرصا يتبرك به، يضعه في أكفانه، فلو علم صلى الله عليه وسلم انه حرام لنهى عنه. واختلف بعض الشافعية في شعر ابن آدم بعد انفصاله، فقول: كل ذلك نجس، وقول: كله طاهر تخصيصا.*/* (1/129)
صفحة 130
وفرق بين شعر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، فقالوا، شعره طاهر، ألا تراه قسمه بين أصحابه بمنى حين حلق رأسه، وأما شعر سواه فنجس. قال أبو محمد، في شعر الميت لا أعلم أنه حرام، ووقف عن تحليله.
مسألة:
ومن احتلق والشعر يقع على بدنه وثوبه والماء يقع مع الشعر فليس بنجس حتى يعلم أن فيه ماء أصاب الشعر، وسقط على ثوبه.
أبو سعيد ــــ الإتفاق أن شعور أهل القبلة من بني آدم طاهرة، كانت فيهم أوزاياتهم، مالم يلحقها جلد أو لحم، وأما بيعها فيكره من وجه، أنه لا ينتفع به، ولا يجوز بيع شيء لا ينتفع به لأنه باطل، وإن ثبت لشيء منه منفعة فلا معنى لكراهة بيعه.
مسألة:
والروال ليس بنجس عند الفقهاء، لأنهم يتيقنون على [عدم] خروجه من الجوف وموضع الطعام، وإنما ينجلب من مواد الفم ومجاري الريق، ولو حكم بنجاسته لشق ذلك على الناس في التوقي منه. ويوجد أنه الريل بالياء، هو الريق. وحفظت الثقة عن ابن محبوب في الريل الذي يخرج من فم الناعس، أنه لا ينقض.*/* (1/130)
صفحة 131
مسألة:
ولبن المرأة طاهر بلا خلاف. والمرأة إذا لم تختتن فما مست من رطوبة فهو طاهر.
مسألة:
الحسن بن أحمد ـــ في شعر الأنف والإبط إذا نتف، فخرجت منه الرطوبة، كان فيه اختلاف. قال، وأنا آخذ بطهارته، وليس هذا مما ينقض الوضوء، ولكن يؤمر بترطيبه.
مسألة:
أبو سعيد ــ يخرج شبه الاتفاق بطهارة الريق، لا فرق بين الناعس واليقظان وكل ما جاء من الانسان من رطوباته مما خرج من فمه، أو من مناخره، أو من حلقه، أو ن رأسه أو صدره مما لم يأت من جوفه، أو من قبله، أو دبره، من غير الدم، وما أشبه فذلك كله من الانسان من جميع أهل الإقرار، من الصغار منهم والكبار، والحائض، والجنب، فكل ذلك يخرج على معنى الطهارة، مالم يخصه حكم شيء من النجاسة بحكم، أو غلبته حال شبهة وارتياب معنى شيء من النجاسات، والله أعلم.
مسألة:
وإذا كانت قطعة دم فردة في وسط البزاق أو المخاط وهي ممتزجة أنها تفسد.*/* (1/131)
صفحة 132
أبو سعيد ــ وقيل: إذا كان البزاق أو المخاط أكثر من هذه العلقة، وهي في وسط البزاق أو المخاط مشتمل عليها لا تفضى هي إلى شيء من الطهارات، فإن ذلك كله طاهر، إلا أن تكون هذه العلقة من الدم أكبر مما هي في من المخاط والبزاق، ثم هي وما مازجها مفسد.
وكذلك إن ماعت فيه حتى تغلب لونه، فهو فاسد، قليلا كان أو كثيرا. وأما إن جامدا من العلقة فما أفضت إليه هذه العلقة من الطهارات أفسدته، وما خالطها من الريق فأحكامه طاهر، كما وصفناه.
مسألة:
قال في المولود وترك فيه حتى يقص ويبرأ، أو يقع. قال: إذا مات فهو طاهر، لأنه ميت من حي، فإن قطع من حينه وهو رطب فهو نجس، وكذلك لدغة الضمح إذا يبست، وكذلك الخدش إذا يبس، ثم قص فلا بأس.
مسألة:
ومن رأى في فم أحد دما فليس عليه أن يخبره، إلا أن يتطوع، فذلك إليه لأن صاحب الدم معذور، إذا لم يعلم، وإن كان به قد علم فهو المأخوذ بذلك، ولا شيء على هذا.*/* (1/132)
صفحة 133
مسألة:
أبو سعيد ــــ رجل تنخع أو بزق فرأى في بزاقه دما متخلصا عن البزاق إلا أن البزاق أكثر، هل يكون البزاق طاهرا؟
قال: إذا كان البزاق دم عبيط خالصا، قليلا أو كثيرا، فإنه مفسد.
قال: إذا كان البزاق أكثر ولم يكن منفردا عن البزاق، وإنما هو في جملته لم يفسد البزاق، وكذلك المخاط.
مسألة:
أبو الحسن ـــ قال محمد بن محبوب، فيمن يمس الصبي الذي يمسه البول إذا بال ولا يتقي القذر، فمس إنسانا وهو رطب، أو يمس ماء، ثم يتوضأ به، أو يمس إنسانا، ثوبه أو بدنه. قال: لانقض على وضوئه، ولا بأس بذلك حتى يعلم أن الموضع الذي مسه منه فيه تلك الساعة شيء نجس.
مسألة:
أبو سعيد ـــــ في صبي من أهل القبلة، أو دابة رأيت فيها نجاسة، ثم غابا يوم أو أكثر ثم تطرت فإذا النجاسة منهما قد ذهبت؟ */* (1/133)
صفحة 134
فأما الدابة فإذا غابت عنك عين النجاسة ويبس موضعها فقد طهرت. وأما الصبي فحكم ذلك معي، ذلك بحاله، إلا أن تأتي حالة تصح فيها طهارة تلك النجاسة بحكم أو اطمئنانة، لأنه غير متعبد بإزالة ذلك.
وأما المتعبد فقيل، تنقى تلك النجاسة منه ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك، لا بأس بها إذا علم ذلك. وقول، إذا غاب بقدر ما يطهرها، ثم لم ير فيه شيئا بعينه فهو طاهر حتى يعلم أنها نافته. وقول، إنها بحالها أبدا حتى تصح طهارة ذلك، فهذا هو أقوى.
وأفضل الطهارة إذا غابت فبحكم ما تعارض هي من الطهارات والثالث، فوسط من القولين، وذلك إذا كان من أهل القبلة ممن يدين بنجاسة مثل ذلك. فأم إذا كان ممن يدين بطهارة ذلك، أو ممن يتهم فيه مما يقول، إلا أنه نجس بحاله أولى في هذين، إن شاء الله.
أبو سعيد ـــ صبي يرضع، ثم يقلح ويدسع ويرضع أمه.
فإن كان الصبي لا يمكن غسل فمه ثم ينجس بشيء من النجاسات، ثم رضع رضاعا يزيد فوق ثلاث مصات من الرضاع فصاعدا، أو مص مع ذلك لبنا أو ماء فقد قيل بطهارة فمه، ونجاسة ثدي أمه، لأن ثدي أمه يمكن، فمن هنالك كان طهر فم الصبي الرضاع، ولا يطهر رضاعه ثدي أمه، والله أعلم.*/* (1/134)
صفحة 135
مسألة:
قيل: والحقا الذي يكون في الصبي، أهو نجس؟ قال: عندي، أنه كل ما خرج من الأرحام فهو نجس، والصبي إذا ولد فرطوبته فاسدة. قيل: فإن يبس هل يطهر؟ قال: عندي، أنه لا يطهر، وذلك في بني آدم دون الدواب. قيل: فما حكم داخل فم الصبي؟ قال: في الحكم، لا يحكم فيه بنجاسة، وفي الاعتبار، وفي الاعتبار، أخاف أن يكون نجسا.*/* (1/135)
صفحة 136
الباب الرابع والعشرون
في الطير ونجاسته وطهارته وغير ذلك
عن الربيع، أن ما يؤكل من الطير ينقض خزقه، وقيل: كل ما يحل أكل لحمه من الطير لا بأس بذرقه.
وفي موضع: وذرق الطير من البر والبحر مما يؤكل لحمه طاهر، ولا ينجس شيء من الطير إلا سباع مثل الغراب، وكل ذلك مخلب.
مسألة:
والرخم والغربان أين مفسد ذرقه، وشدد بعض في سؤر الرخم والغربان. وعن ابن محبوب، أنه لم ير بأسا.
وفي موضع: و الغراب مختلف في بعره وسؤره، والعمل على أنه نجس. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نه عن بعر الغراب، فكل ما كان مثله من ذوات المخالب فبعره مثله، وأما سؤره فأكثر القول، أنه لا بأس به إلا أن يرى يأكل بمنقاره قذرا.
وفي موضع: والرخم والغراب والسنور يفسد خزقه ومكروه لحمه.*/* (1/136)
صفحة 137
و الطير الذي يفسد ذرقه بيضه مفسد حتى يغسل، والذي لا يفسد ذرقه لا يفسد بيضه إلا أن يكون في البيض شيء من الدم فإنه مفسد.
مسألة:
واختلف في سؤر الطير المنهي عن أكل لحمه، ومن أخذ بالإجازة فلا بأس.
مسألة:
قال أبو محمد: ذرق الطير الوحشي وسؤره لا بأس بهما لأن الأمة أجمعت على أن ما يرد البيوت والمساجد ويسكن فيها متوحشا نحو الصفصوف غيره لا يتوقون بعرهم وذرقهم في المساجد، ولا يغسلونه منهم على طرق النجاسة، لم يعلم أن أحدا من المسلمين اجتذبه، ولا قال: إنه مفسد ولا نجس.
مسألة:
وأما سؤر الطير الأهلي وذرته فحكمه حكم الدجاج المتأمل في البيوت، المستأنس الذي قد اجتمع علماؤنا مع أكثر متفقهي مخالفينا على تنجيس ذرقه، والله أعلم.
مسألة:
قال أبو الحواري: ذرق الطير الأهلي وبيضه طاهر. قال أبو الحسن: ذرقه نجس وذرق الحمام الوحشي لا يفسد إلا حمام مكة الوحشي فإنه يفسد. وفي موضع: ما أكل لحمه من الوحش فلا بأس في خزته إلا وحشي طير الحرم؛*/* (1/137)
صفحة 138
فإنه قيل مفسد، لأنه يرعى الكنف. وقيل: لا بأس بخزقه.
مسألة:
والعقاب لا يفسد بعره ولا بوله.
مسألة:
وقيل: في بول الطير، إن ما كان يفسد خزقه فيفسد بوله، وما لا يفسد خزقه من الطير فلا يفسد بوله، وقول: يفسد.
مسألة:
من المعتبر ـــ وسؤر الطير جميعا وخزقه لا نبصر فيه فسادا إلا الحمام الاهلي، فقد شدد الأكثر في خزقه، وخزق العقاب والأجدل، ورخص بعض الفقهاء في العقاب، وقول: لا بأس بحدث العقاب، وبوله للمتوضئ.
أبو سعيد ــــــ إن جميع الطير البري من دواب الدم الاصلي من جميع ما خرج صيد حلالا، ما دون النواشر والنواهش من الطير، مال لم يأت فيه نهى ولا ثبت أنه ناش، ومخلب، باتفاق أصحابنا لمنزلة الدواب الطاهرة من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال والحمير وشبهها، وإلى الأنعام أصلح لمعاني حلالة لحومها وذكاتها وطهارتها، لأنه قد يلحق الحمير وشبهها ما يلحقها وهذا الجنس */* (1/138)
صفحة 139
من الطير مشبه في الطهارة الأنعام في أسوارها ورطوبتها، من مناقيره وسائر بدنه، و خزقه كروث الأنعام، لا أعمل فيه اختلافا.
وإن ثبت له بول كان بمنزلة بول الأنعام بشبهه له. وقول: عن بول ما لم يفسد خزقه طاهر بمنزلة خزقه. ولو جاء عن أصحابنا ترخيص في بول الانعام لكان ذلك أحب إلى. وقول: في بول هذا الطير، مفسد بمعنى بول الأنعام.
وكذلك مختلف في بيضه، فقول: أما البيض إذا صلب وخشن فال تلحقه نجاسة، لأن القشر يحول بين النجاسة وبينه، وأما إذا كان لينا رقيقا وليس قشره يمنع ما بداخله فذلك تلحقه النجاسة، والله أعلم.
وقول: غير طاهر كبيض الدجاج، وقول: بيض طاهر من جميع ما كان من الطير خارجها بهذا الشبه من غير النواشر.
مسألة:
والدجاج: إذا كان يرعى ويأكل القذر فهو نجس، ويقال، الدجاج خنازير العرب، لأنها لا تدع شيئا من القذر إلا أكلته، وإن كان محبوسا يعلف فليس قذرة بشيء.
وعن الربيع في الدجاجة المرسلة تأكل الخبث: لا يؤكل لحمها ولا بيضها.*/* (1/139)
صفحة 140
قال أبو سعيد: إذا كانت تأكل وتخلط عندها خرج معناها مثل الشاة إذا أكلت النجاسة، فنقول: لا يجوز لحمها حتى تحبس ثلاثة أيام، وقول: يكره مالم يكن حلالة. قيل: فالدجاجة العادة فيها أنها تخلط النجاسة كل يوم، هل يلحق بيضها ما يلحق لحمها من الاختلاف؟ قال: هكذا عندي. (في الأصل، مكتوب على الهامش ((قال الناسخ أما البيض إذا صلب وخشن فلا تلحقه نجاسة، لأن القشر يحول بين النجاسة وبينه، وأما إذا كان لينا رقيقا وليس قشره يمنع ما بداخله فذلك تلحقه النجاسة، والله أعلم)) وهذا قد سبق ذكره في الأصل.)
قال أبو محمد: سؤر الدجاج وما يؤكل لحمه لا بأس به، إلا أن يرى على منقاره قذر، لأن الطير تأخذ الماء بمناقيرها، ولا تأخذ بألسنتها كال سباع. وكره بعض سؤر الدجاجة، لأنها تخلط الأنجاس، فال يؤمن من كون النجاسة على منقارها وإن لم تكن منتقية، والاحتياط في ترك سؤرها أولى، على قول من كرهه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، المستيقظ من نومه بغسل بدنه ثلاثا احتياطا مما عسى أصاب موضع الاستنجاء. ولم ير أصحابنا بأسا بسؤر الدجاج مالم ير عل منقاره قذر.
مسألة:
والريش من الطير والدجاج وغيره كل ذلك نجس إذا نزع من أصله، وإن قطع من بعضه فهو طاهر.*/* (1/140)
صفحة 141
مسألة:
ولبط إذا كان مرسلا وأكل القذر فهو بمنزلة الدجاج، وإن كان محبوسا يعلف فليس قذرة بشيء.
ومن المعتبر: وأمام الحمام الاهلي الذي يرعى مراعي الدجاج مما يدخل عليه الريب من الانجاس في رعيته، فبعض يفسد خزقه لمعنى الاسترابة في رعيه في الأنجاس، وأصل طاهر، ما لم يثبت معناه حلالا لا يخلط مع النجاسة غيرها، ثم سؤره و خزقه و جميع رطوباته ولحمه من النجاسة. فأما إذا صح له شيء من النجاسة فهو كالأنعام، فاسد لحمها و جميع ما كان منها. وقول لا يفسد إلا لحمها، وهو من العجائب، وهذا الطير عندي مثله ما لم يكن حلالا.
مسألة:
وما لحق من الطير الذي يكون أصله وحشيا اسم الاستئناس حتى يكون كالحمام الأهلي فهو مثله.
مسألة:
وأما الحدل والعفاف وما خرج مخرجهما فمختلف في خزقها وسؤرها، فبعض ذهب به إلى الطير الطاهر، لأنه ليس من النواشر وذوات المخالب، فخزقه وسؤره طاهر.*/* (1/141)
صفحة 142
وفي موضع: أن بعر العفاف وبوله مختلف فيه، فقول: يفسد كله، وقول: لا يفسد كله، وقول: يفسد البول، ولا يفسد البعر، وبعض شبه بالفأر، لأنه ليس من ذوات المناقير، وشبهه بالفأر، وما أشبه الشيء فهو مثله. وسؤر الفأر وبعره فيه قول، إنه نجس، وقول: طاهر. وليست مراعي العفاف والحجل كمراعي الفأر، ولا هو من الدواب التي تشبه الفأر.
وكل شيء أصله طاهر فالطهارة أولى به حتى يعلم نجاسته. فهذا الطير كله ما لم يخرج من النواشر فطاهر مثل الأنعام من الدواب، والصيد من الوحش مما خرج على شبه الأنعام من الظباء والأوعال، وما أشبه ذلك.
أبو سعيد ــ الاتفاق على خزق الدجاج الأهلي بأنه مفسد، وعلى سؤرها أنه طاهر حتى يعلم من نجاسته. ومعاني قولهم، إن كل شيء من الطير يؤكل لحمه فلا يفسد خزقه، والدجاج من الطير الذي يؤكل لحمه، ولا أعلم فيه اختلافا.
ومعنى الاتفاق من أجل أنها ترعى الأنذار والنجاسات، ولا أعلم أنها من النواشر للجيف، وإنما هي من الرواعي، وقد ترعى الأنعام المواضع القذرة ما لم تكن حلالة فلا يفسد لحمها ولا روثها، إذ هي طاهرة في الأصل، فإن كانت الدجاجة حلالة فلحمها وسؤرها نجس. وإن كانت ليس بحلالة فلا يخرجها من */* (1/142)
صفحة 143
الطير فر خزقها إلى دليل يوجب عليها ذلك دون غيرها، وإن كان من جهة الاسترابة فالإسترابة لا توجب تحويل الأحكام، وأحسب قولا يوجد، أن خزقها يفسد، وفيه ترخيص.
وقول: لو حبست من مراعى الأقذار كان خزقها طاهرا، وإذا ثبت أن هذا من جهة المرعى والاسترابة لها فيه، فكذلك قد يكون شيء من الأنعام مسترابا يرعيه الأقذار وأكل العذرة على الدوم إلا أنه يخلط، فلا يتحول بذلك حكمه في روثه ولا في سؤره حتى يكون حلالا لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارات. وما كان أصله نجسا فهو نجس على الأبد.
ولو أن شيئا من السباع مما نجس خبثه حبس عن النشر، وعن أكل الأنجاس، وأطعم ما تطعم الأنعام لا يخلط غيرها من الأسود والنمور لكان خبثها مفسدا على الأصل. وكذلك الخنزير لو تغذى بالطهارات من المعيشة لم يكن ذلك محولا لحكمه عن التحريم إلى التحليل، ولا إلى طهارة خبثه. والدجاجة مشبه للطير، وهو طير مجتمع على إجازة لحمه وطهارته، فلا يعدل حكمه إلا بدليل، وإن لحقه فساد خزقه للاسترابة فعلى غير الأصول، وقولنا قول المسليمن.
مسألة:
وأما الجعلان وشبهها من الخنافس، ما لا دم فيه من الطائر والدواب بالاتفاق على الشبه، أنه طاهر، لا بأس بسؤره.*/* (1/143)
صفحة 144
ولا ما مس حيا ولا ميتا، ولو عرف بحمل النجاسات وأكلها، ولم يعرفه بأكل غيرها ولا تحول المراعي حكمه، ولا ينقل اسمه مالم يعاين فيه نجاسة بعينها في ظاهره، وهو طاهر في الحكم حتى يعلم نجاسته لشيء قائم منه بعينه، ومعنى طهارته من النجاسة زوالها عنه بأي وجه كان، فيما يخرج من قول أصحابنا في الدواب الطاهرة، كذلك ما لا دم فيه بهذا المعنى، ولو عرف بهذا السبيل من المرعى والأكل.
مسألة:
عن الربيع في الدجاجة المرسلة تأكل الخبث، قال، لا يؤكل لحمها ولا بيضها.
أبو سعيد ـــ إذا كانت تخلط مع النجاسة الطهارة ففيها اختلاف، قول، لا يؤكل لحمها حتى تحبس ثلاثة أيام، وقول، يكره ما لم تكن حلالة. قال: وكذلك الدجاجة، العادة فيها أنها تخلط النجاسة في كل يوم، فإنه يلحق بيضها ما يلحق لحمها من الاختلاف، والله أعلم.
مسألة:
وقيل سؤر الرخم والغراب والعقاب والسنور لا بأس به إلا أن نراه يأكل الجيفة، ويرد الماء، فذلك مفسد
أبو سعيد ــــ إن خزق كل ما يؤكل لحمه من الطير لا يفسد إلا ما ثبت حلالا، قيل، فالدجاج مالم يكن حلالة ما حكم خزقه؟ */* (1/144)
صفحة 145
قال، عن محمد بن المسيح، يختلف فيه، فقول يفسد وقول لا يفسد. قيل، فهذا في قول أصحابنا؟
قال، هكذا يشبه عندي، لأن الاصل أن كل ما يؤكل لحمه من الطير لا بأس بخزقه، وإنما يلحقه الشبه من المراعي الانجاس.
وقد عرفنا عن بعض من أدركنا، أنه لو حبس الدجاج، وغذي بالطهارة فلا بأس بخزقه، ويخرج فيه معنى الاختلاف، ما لم يحبس ولم يكن حلالة. قيل، فعلى قول من يقول بتحليل أكل الغراب والرخم والسنور هل يخرج على ذلك أن خزقه طاهر.
قال: هكذا يشبه عندي إلا أني لا أعلمه أيضا، أن أحدا من أصحابنا أثبت طهارته، ولو لم يكن حلالة إلا ما روى عن محمد بن محبوب، أنه هم أن يرخص في خزق الغراب ولم يفعل.
وأما الأصل فعلى قول من يحل أكل لحمه يخرج أنه لا يفسد خزقه ما لم يكن حلالة، لأنه داخل معه في جملة الطير الذي يؤكل لحمه، وكذلك مثله فهي مثله، والله أعلم. قيل: فالبط الشتا (كذا في الأصل) الذي يتخذه الناس أهلا مثل الدجاج في لحمه وخزقه، قال، لا أعلم أهي عرفت في ذلك شيئا منصوصا إلا أن يلحق بشبهه، وأما */* (1/145)
صفحة 146
لحمه فيعجبني أن يكون في جملة الطير الذي يؤكل لحمه، وأن يكون لعلة إلا أن يكون حلالة، وأما خزقه فإن كان تدخل فيها لشبهة من مراعيه الانجاس والطهارة فيشبه فيه معنى الاختلاف، وإن كانت مراعيه الطهارة فال بأس بخزقه، وإن كان يخلط فيه النجاسات، والأغلب الطهارة فحكمه عندي على الأغلب من ذلك كله. قيل، فإن كان يأكل الضفدع ومراعيه في الماء وشبهه من الطهارات هل تدخل عليه شبهة؟ قال، إن كان الضفادع من الماء فعندي، أن بعضا يقول: موتها في الماء لا يفسده، فعلى هذا هي بمنزلة الصيد لا يفسد بالاتفاق، ميتته ولا دمه بتأكيد السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
والصراح لا بأس بأكله، ولا يفسد بوله.
أبو سعيدة ـــ في الخفاش، إن كان مما خزقه طاهر في السنة ففي بوله الاختلاف، وإن كان يشبه النواشر من الطير فلا أعلم في خزقه ولا في بوله اختلافا إلا أنه نجس.*/* (1/146)
صفحة 147
الباب الخامس والعشرون
في الضفدع وسائر الدواب
وإذا ماتت الضفدع في وعاء فيه خل فإنه ينجس.
مسألة: وبعرها وبولها إن جاءت من البر نجس، ولا بأس ببولها إذا جاءت من الماء.
مسألة:
وإذا ماتت في الماء لم تفسده، وإن ماتت في طعام أفسدته، وإن ماتت في طوي أو إناء لم تفسده، لأنها من ذوات الماء، وتفسد اللبن وغيره إذا ماتت فيه سوى الماء. قال معاوية: إذا ماتت في البئر فغيرت ريحها فلا أقول إنها تفسده، لأنها من ذوات الماء.
مسألة:
وإن ماتت في قدح ماء أو في دبس أو سمن أو خل أو برمة أفسدت ذلك.
مسألة:
والضفادع الرواعي مفسد ما يخرج منها.*/* (1/147)
صفحة 148
و الضفادع جعلوا لها حكم الغيلم، لأنها في صفته، تعيش في البر والماء كالغيلم تعيش في البر والماء، ثم الشبهة فيهما توجد مع صفة حالهما، وكل موضع وجدت فيه حية أو ميتة من بر أو ماء حكم لها به.
مسألة:
وأما الطعام فليس سكنا لها فهي تنجسه إذا ماتت فيه، وليس سبيلها سبيل العقرب والجراد، لما فيها من الشحم واللحم.
مسألة:
أبو سعيد ــــ في الضفدع والسلم و الأماحي والحيات وما خرج من حال النواهش من السباع، و النواشر من الطير يكون بعره وبوله مثل الفأر. قال: أما السلم والفأر وما أشبه ذلك مما لا يعرف بالنهش ولا أكل الميتة فيعجبني في ذلك بعره، وأما بوله فيعجبني أن يكون فاسدا. وأما الحيات و الأماحي وشبههما فمن السباع، فيفسد بولها وبعرها، ولا يخرج مثل السلم وأشباهه. وأما قرة في بعرها فلاحقة بالسلم، وأما بولها فإذا كانت في الماء فبالت ففيه اختلاف، ويعجبني فساده لأن البول أشد من البعر، وإن جاءت من البر فبولها مفسد، لا أعلم اختلافا.*/* (1/148)
صفحة 149
والفأر في البول أشد من الضفدع في حال ما يكون في البر أو في الماء، ويعجبني فساد البول في جميع الدواب لإجماع أصحابنا على طهارة روث الانعام وبعرها، وعلى فساد بولها. وبول جميع ما لا دم فيه طاهر في النظر إذا كان ظاهرا، حيا وميتا، وما أفسد دمه فبوله مفسد.
مسألة:
عن أبي سعيد ـــ في بيض الحتار إذا اتفقا أنه لا بأس بما خرج من وسطه إذا لم يكن فيه دم على قول من يقول: إن بعره لا يفسد، وبيضه مثل بعره، وبيض السلم مثل الحتار، وكذلك العسالة، وأما الحيات والأماحي فبيضها لاحق ببعرها إن كان لها بيض. قيل: فإذا لم تفسد ميتة الضفادع، هل يحل أكلها، ولا يفسد دمها؟ قال: هكذا يشبه عندي.
مسألة:
والحيات والأماحي والحتار مفسد سؤرهن، وخبثهن وما متن فيه، وقول: يكون قذرا ولا ينجسه، وأما الحية فإنها سبع تنجس ما وقعت فيه إن خرجت حية. والأماحي واللغ فيه اختلاف، إذا وقع في خل فأخرج حيا.*/* (1/149)
صفحة 150
ويوجد أن بول الأماحي والحيات فيه اختلاف، بعض ينجسه، وبعض لا ينجسه، وإنما كرها سؤر الحية من اجل خوف المضرة. قال أبو إبراهيم: السلمة هي العسالة التي على شوارع الماء، حفظنا أنها إذا ماتت في الماء القليل أو الطعام أفسدته لأن ميتة البر حرام
مسألة:
ومن لدغته الحية وهو متوضئ فسد وضوؤه، وقول يغسل موضع اللدغة لأن قرصه نجس، فإن لم يغسل حتى ينفجر الجرح ويشتد اجرى الماء حوله، وكذلك قرص الأماحي نجس، وقرص الأجدل وقرص الفأر فيه اختلاف.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في الحيات والأماحي وما اشبهها من الحتاريين (كذا في الأصل) وشهها، وإن اختلفت أسماؤها في اللغات وأجناسها ما لم يثبت تحريمه بكتاب أو سنة أو إجماع فهو خارج من جملة المحللات الطاهرات، إلا ما لحقه حكم استرابة وتوديه إلى نجاسة أو كراهية فلكل شيء حكمه.
مسألة:
وأما الحيات والأماحي وأشباهها فمعنى السباع، وخارجة من الأغلب من أمرها أنها سبع وتنهش، إلا أنها تخرج عن شبه السباع في ثبوتها من ذوات الماء. ومما لا يعيش في الماء فعلى قول من ينجس سؤرها ورطوبتها يلحق هذا الجنس مما يلحقها شبهها، وكذلك بعرها شبه خبث السباع، وأما لمخالفة هذه الاجناس من الحيات والأماحي وأشباهها فإنها مخالفة للسباع لمعنى أنها تعيش في الماء، وأنها من ذواته،*/* (1/150)
صفحة 151
وأنها تعيش في البر وفي الماء، وليس كذلك السباع، فلذلك قيل: إن بعرها وأبوالها لا تفسد لمعنى سائر هذه الدواب الطاهرة في معنى شبه أرواثها وأبعارها، ولمعنى شبه دواب الماء في أبوالها.
وقول: إنها تفسد أبواله، ولا تفسد أبعارها. ويخرج أن يفسد كل ذلك منا، من أبوالها وأبعارها، ولا تفسد أسارها، وأنها تكون طاهرة الأسار في قول من يقول بذلك من السباع والدواب والنواشر من الطير، ويخرج قول، أن يفسد بعرها وبولها وسؤرها، ويخرج في قول، أن تفسد أبوالها وأبعارها، وفي رطوباتها وأسارها الكراهية عن الطهارة، ودون النجاسة والتحريم لمعنى الاسترابة.
مسألة:
ويخرج في قول، أنه لو مات مثل هذا في الماء لم يفسده، إذ هو يعيش في الماء وفي البر جميعا بحسب ما قيل في الضفادع، إذ تعيش في البر والماء جميعا، فيختلف في ميتتها في الماء. وأما في سائر الطهارات فإن ميتته مثل هذا كله من الضفادع والحيات والاماحي وما اشبه ذلك، فيفسد جميع الطهارات مثله ولا أعلم فيه اختلافا.
مسألة:
وأما ما سوى ذلك من الحيات والاماحي، وما أشبه ذلك من الحتاير (كذا في الأصل) والسلم وأشباهه من العسال والألغاغ وشبهه فكله خارج لمعنى الطهارات من الدواب في جملة ما هو خارج في المستثنى في الطهارات، إلا ما لحقه الاسترابة من طريق المرعى */* (1/151)
صفحة 152
والنهش لشيء من الميتة والحرام، وأحسب أن هذه الاشياء يلحقها الاسترابة من أكل الدواب الميتة وما يشبهها، وإنما تلحقها الأسترابة من طريق المرعى وشبهها وكل مستراب قال يبعد، على قول أشباه ذلك كله، لمعنى الحيات والأماحي في جميع ما مضى من القول من فساد أسارها، وأبوالها، وأبعارها، ولحومها، وجميع رطوباتها، لمعنى ما ذكرنا اختلفت النجاسات فمعانيها واحدة.
وقول، يفسد بولها وأبعارها، ويخرج في جميعها من الاختلاف ما يخرج في الحيات والاماحي وأشباهها، إلا أنه لا أعلم اختلافا أن ميتة هذا من الدواب مفسد لكل ما مست من الماء وغيره، ولا يلحقها اختلاف في حكم ميتتها خاصة، إلا أنها تفسد جميع ما مست من ماء أو غيره، وسائر ذلك من احكامها فيلحق القول فيها ما يلحق في الحيات والأماحي، وقد مضى الاختلاف. ومعي، أن بعضا يذهب ف فساد بعر مثل هذا كله، ففي معنى المكنة والاختيار فهو مشبه في بعض معانيه الاضطرار.
مسألة:
وما كان ليس له أصل دم من جميع الدواب والطير فاجتلبت دما فقول: إنه في ميتته وأحكامه بمنزلة دواب الدماء الاصلية، وإذا ثبت معنا ذلك أفسد ما خرج من ذرقه، لأنه ميتة، مثل ما قيل في الدواب على الاختلاف. وكذلك إن ثبت لشيء من ذلك بول أشبه معاني الاختلاف في بوله، والأبوال كلها أقرب إلى التشديد */* (1/152)
صفحة 153
وإذا ثبت فساد ميتة مثل هذا لم يتعد أن يلحقه سائر أحكام الدواب التي تفسد ميتتها، لأنه يلحقه السترابة من طريق معيشته من الدم النجس فيما يتعارف من أمره، وهذا يلحق حكمه وشبهه جميع الدواب والطير من البراغيث والقردان والحلم والذباب والبعوض والكتك (كذا في الأصل) وأشباه ذلك.
مسألة:
وأما مالا يلحق لمعنى المجتلب للدماء من الجواب والطير مما لا دم فيه فذلك طاهر في المحيا والممات، وجميع ما خرج منه، وجميع أشباهه.
مسألة:
وأما الضفادع فمن ذوات الأرواح والدماء الأصلية، وتلحقها أحكام الدواب البرية في عامة أحكامها، وقد تشبه أحكام الدواب المائية. فأما اسارها فلا أعلم فيها قولا بالكراهية إلا أنها خارجة في الاسترابة، إذا جاءت من البر لمراعي الأقذار، فإذا جاءت من البر فلا يبعد أن يلحقها فساد سؤرها ورطوباتها، وكراهيته على الاختلاف في غيرها من المسترابة، وإذا لحقها ذلك لم يبعد الاختلاف في لحمها وجميع رطوباتها.
مسألة:
وأما أبوالها فيختلف فيها، إذا جاءت من الماء، أو ما يقرب منه وحده، ما لم يصر بحد السترابة من الرعى، لأنها من دواب الماء، فيعجبني أن يحكم لها على هذا بأحكامها المائية، كان مجيئها من الماء إلى البر، أو من البر إلى الماء،*/* (1/153)
صفحة 154
مالم تسترب، فعلى هذا في أبوالها اختلاف، فقول: إنه مفسد، وقول: ليس بمفسد، ويلحقها الاختلاف، لمنزلة سائر الدواب في أبوالها، وإن لم تكن فيه أقرب فليست بأبعد، وإذا ثبت طهارة بول الحية والأماحي فالضفدع عندي أقرب في طهارة بولها من أي وجه جاءت. وفي موضع: لا فرق بين بول الفأر والضفدع. وفي موضع: أن بول الفأر أشد من بول الضفدع، ولو جاءت من البر، لأنه لا يختلف في ميتته أنها تفسد. واختلف في سؤره، وأما سؤرها فطاهر، ولا أعلم خلافا.
مسألة:
وقيل في بعر الضفدع: إنه مفسد على حال، وقول: إنه ليس بمفسد على حال من أي موضع كانت وجاءت، وقول: إنه ليس بنجس إلا أن تأتي مواضع الأقذار ويعرف منها ذلك. ويخرج أنه يلحق ذلك بولها، وإن قيل إنه مفسد إذا جاءت من الأقذار، ولا يفسد ما لم يكن كذلك، وشبه ذلك، لأنها من ذوات الماء، وذوات الماء طواهر، وطاهر ما جاء منها إلا ما ثبت حكمه محرما، فإذا انتقلت إلى الأقذار لحقها حكم ذلك حتى تتحول وتنتقل إلى الماء، ويرجع حكمها حكم المائية.
مسألة:
قال: وبين الضفادع وبين الحيات والأماحي وشبهها فرق، لأن الضفادع مائية،*/* (1/154)
صفحة 155
ابتداؤها في الماء، فمتى فارقته هلكت فال يفسد ما دامت بتلك الحال حية ولا ميتة، ولا يفسد بولها ولا بعرها، ودمها دم صيد الماء، ولا تفسد ميتتها الماء ولا غيره، في حكم النظر، إنها من ذوات الماء بغير اختلاف، فإذا انتقلت إلى حال تعيش في البر والماء لحقها حكم الاختلاف، فقول، تفسده على حال، وقول، تفسده في ميتتها، وفي دمها حتى تنتن فيه، وتغيره بلون أو طعم أو ريح، وقول لا تفسده على حال، ولو ماتت في غيره ووقعت فيه. وقول، لا تفسده على حال وإن غيرته.
وإذا ثبت لها حمن ذوات البر والعيشة فيه من غير استرابة في سوء المرعى أعجبني ألا يفسد بعرها لمعاني الإجماع.
قال: وأعجبني ثبوت الاختلاف في بولها في هذا الحال، وأحب إلى ألا يفسد بولها، لمعنى أنها لم تنتقل من ذوات الماس بحم ريبة، وألا تشبه الأنعام في البول، لأن الأنعام من ذوات الدماء الاصلية الفاسدة، فإذا انتقلت إلى الاسترابة في المرعى دون أن يعلم، خرج الاختلاف في فساد أبوالها وأبعارها.
قال: وأعجبني هاهنا قول من يفسد بولها، ولا يعجبني فساد بعرها إلا أن يأتي من مواضع الأقذار بعلم أو شبهه، ما لم يخل من الاختلاف في فساد أبعارها وأبوالها ويعجبني فسادها، والبعر أقرب ما لم تصر حلالة، وأبوالها أشد إذا ثبتت راعية برية لفساده من الأنعام.
مسألة:
وإذا صارت الضفادع إلى ما تكون برية خارجة من حال معيشة الماء إن */* (1/155)
صفحة 156
ميتتها مفسدة لجميع الطهارات ما سوى الماء، قليلا أو كثيرا، في بئر أو غيره، فالاختلاف في فسادهما، ولا يبين في غير الماء اختلاف. قال: ويعجبني ما لم يلحقها الريب في المرعى، ولو ثبت معيشتها في البر ألا تفسد الماء إذا ماتت فيه على حال، فإذا لحقها الريب من سوء المرعى أعجبني قول من يفسد ميتتها في الماء، وخاصة إذا جاءت من الاقذار في حين ذلك فإذا ثبتت حلالة أفسدت على كل حال.
مسألة:
وأما الحيات والاماحي وشبهه فأصل ابتدائه بري، ولو ماتت في ذلك الحال في الماء أفسدته، فإذا صار في حال يعيش في الماء والبر لم يبعد أن يلحقه الاختلاف كما انتقلت الضفادع من حال المائية، وما لم يثبت لذوات الارواح البرية حكم معيشة في الماء بلا ريب كما يثبت لضفادع حكم الانتقال فهو على أصلها. ويعجبني على كل حال لفساد ميتة الحية والأماحي وأشباهها للماء وغيره. وإن ثبت أن ذوات الماء لا يفسد من الضفدع وأشباهها مما تعيش في البر والماء ويلحق فيه الاختلاف، وكذلك ميتتها في الماء، فقول، إنها إذا ماتت في الماء بأي حال لم تفسده، وقول إنها تفسد على كل حال في ثبوت حكمها برية. وقول، لا تفسده حتى تنتن فيه وتغيره، فإذا غيرته بلون أو طعم أو ريح أفسدته. وقول، لا تفسده حتى تنتن على حال، ولو ماتت في غيره ووقعت فيه.*/* (1/156)
صفحة 157
وقول، لا تفسده على حال وإن غيرته، وإنما تغييرها له خارج لعنى تغيره لشيء من الطهارات، ما لم ينتقل اسمه من اسم الماء، ويكون مضافا.
وعن ابن المسيح، أن الضفدع إذا ماتت في الخل والطعام لم تفسده لأنها من ذوات الماء إلا أن تجيء من الأقذار فتلحقها الشبهة من طريق المرعى. وفي موضع ــــ أبو سعيد ــــ في قول أصحابنا لا يبعد ذلك لأن أصلها من الماء. وقيل في القرة، إذا ماتت في الماء ووجدت ميتة فيه، حارا كان أو باردا، فالماء طاهر، وهي نجسة لأنها من ذواته.
مسألة:
أبو سعيد ـــ وعلى الاختلاف في ميتة الضفدع وما أشبهها من المائية في الماء، فلو وقعت في ماء يطبخ به شيء من الأطعمة مما لا يخالطه الطعام، ويكون منفردا باسمه إلا أنه من المضاف، مثل ماء البقلاء واللوبياج، فوقعت في ذلك فماتت فيه فقول، إنها تفسد ما في الماء من البقلاء واللوبياج، ولا تفسد الماء، ويكون الماء طاهرا، وما فيه من جميع ذلك نجسا، لأنها من الماء، وليست من ذوات الآخر، كما قيل في قملة، إنها إن ماتت في البدن أو ثوب فلا تفسده، رطبا كان أو يابسا، كانت هي رطبة أو يابسة، لأنها من ذواته، ولو كان في البدن أو الثوب شيء منه الطهارة غيرهما لأفسدته.
وقول، إن جميع ذلك نجس لأنها طعام، وليس من الماء في شيء.*/* (1/157)
صفحة 158
وإذا ثبت طهارة الماء لهذا المعنى لم يلحق طهارة، النجاسة، ما في الماء الطاهر، وإنما ينجس بمعناه، لأنها لو ماتت يابسة فيه وهو يابس لم تفسده، وإذا ثبت طهارة هذا الماء بهذه العلة لم يلحق ما فيه حكم النجاسة إلا أن تنفرد منه بشيء منها فتفسده بغير معنى، مما يشبه الماء الطاهر. وهذا لا يستقيم إلا أن يكون كله طاهرا، وكله نجسا. وأما ما خرج بمعنى الطعام، أو بمعنى المتحول عن حال الماء من الأشياء، مثل الحساء ـ، ولو كان رقيقا ممثل الخل ونبيذ والسوح، ولو كان رقيقا.
مسألة:
وجميع ما نتقل من اسم الماء المضاف أو غير المضاف فخارج من الاختلاف، ويلحقه فساد ميتة الضفادع، وشبهها بانتقاله من حكم الماء واسمه خرج من الاختلاف وأشباه الاختلاف فيه. وما لم يختلط الأرز بالماء فينتقل الأرز، فتنقل الماء إلى المضاف فلا يتعرى عن شبه الاختلاف، لأنه يلحق إضافة الماء، لأنك تقول ماء الأرز، ولا تقول للحساء ماء، وإن كان رقيقا، ولا النبيذ والخل، وإنما يشبه الاختلاف ما لحقه الإضافة.
مسألة:
ومثل ذلك، لو ماتت فيه، لمعنى النار، لا لمعنى موتها، هي لمعنى الموت بعد النار، ولو كان كله موتا، فلعله يخرج في الاختلاف، إنها إذا ماتت في شيء من*/* (1/158)
صفحة 159
هذا، بمعنى النار، على كل حال، للماء وغيره لهذه العلة، لأنها ليست من ذوات الماء والنار، وأن هذا ماء ونار.
ولو ماتت في الماء، ثم أغلى بها الماء بالنار وهي ميتة كانت لمعنى الاختلاف لأنه قد ثبت ميتة بغير النار، ولا يحول معنى النار بعد الموت، ويخرج من الاختلاف أنه لا فرق فيها، ماتت في الماء لمعنى موتها بالنار، والماء السخن، والماء المغلي، أو بغير ذلك، إذا كانت ميتتها في الماء فال فرق فيه، ويخرج معنى ذلك، أن موتها في الماء كله، سواء من العذب أو المالح، من البحر والفرات، لأن جميعه من الماء، إلا أن يخرج معناه، أنها لا تعيش بماء البحر، ولا يبعد أن يلحقها حكم ذلك إذا لم يشك فيه.
مسألة:
وقيل في الغيلم: أنه يلحقه أحمام دواب البر، لا تحل إلا بالذكاة، لا أعلم خلافا. وإذا ثبت هذا فيها وهي من ذوات الدم الأصلي كانت ميتتها فاسدة مفسدة لجميع ما مست ميتة، ما لم تذك إلا أنها تخرج بمنزلة الضفادع في ميتتها ذوات الماء والبر، واختلاف معانيها عندي في الماء العذب، وإن لم تكن تعيش فيه كما تعيش في البحر بمعنى الضفدع على ما ذكرنا. وكذلك الغيلمة إن كانت لا تعيش في الماء العذب، كما تعيش في البحر والبر*/* (1/159)
صفحة 160
فيخرج أنها مفسدة له إذا ماتت فيه، لأنها ليست من دوابه، وكذلك ما أشبه الضفادع من ذوات الماء البرية التي تعيش في الماء العذب، إن كانت لا تعيش في البحر فميتتها في ماء البحر كميتتها في سائر الطهارات، ولا يلحقها اختلاف. وكذلك ما أشبه الغيلم من ذوات البحر التي تعيش في البر من ذوات الدماء فهو لا حق لمعنى الغيلمة. وقيل في حق الغيلم أنه مفسد لمعنى دم البريات.
وقول: لا يفسد لمنزلة صيد البحر، وأقل ما يكون أنه يفسد دم مذبحتها التي لا تكون ذكاته إلا به، وما سوى ذلك فيه اختلاف. وأما ما لا يعيش في البر ولو أشبه القرد والخنزير والكلب والسباع فال يلحقه معنى التحريم، لأنه قيل: إن لكل دابة في البحر شبهها في البر، تسمى باسمها، وشبهها بلونها، فقيل: إن جميع ذلك لمعنى واحد، لا ذكاة عليه ولا تحريم، ولا يفسد دمه إلا على معاني ما قيل في دم السمك المسفوح منه. ولا أعلم ذلك مجتمعا عليه، وأكثر القول، أن جميعه طاهر للناس، وأن جميع دواب البحر حل، لقوله تعالى ((أحل لكم صيد البحر))،ولا يعلم فيه استثناء في شيء.
وقول: إن قرد البحر وخنزيره وما أشبه محرمات البر يلحقه التحريم بالشبه والاسم. وكذلك المكروهات.*/* (1/160)
صفحة 161
وإذا لحقه التشبه في التحريم والكراهية والتحليل لحقه الشبه في الذكاة وفساد الدم ومعاني الميتة. وأمال ما كان من طير الماء الذي يعيش في البر والماء العذب فإنه بمنزلة طير البر في الصيد على المحرم، وفي قتله وفساد ميتته، إلا في الماء، فإنه يختلف فيه كالضفادع.
ويخرج أن دمه فاسد كالطير البري، إلا أن يكون لا يعيش في البر بحال إلا في الماء فهو بمنزلة صيد الماء في دمه وجميع أحكامه. وكذلك ما كان لا يعيش إلا في الماء، في بحر أو عذب، فمنزلة صيد البحر من السمك، وما أشبه ذلك من صيد البر إن أشبه شيئا منه من طير أو غيره، من محرم أو مكروه، إن ثبت له شبه في ماء عذب أو بحر من العيون والآبار، وكله لمعنى واحد، ويلحقه الاختلاف لثبوت الشبهة، ولتحليله في الجملة لأنه ليس ببري، وإنما وقع التحريم من دواب البر.
مسألة:
وأما كل ما عاش في البر والبحر أو الماء العذب فأشبه محرما أو مكروها من الدواب البرية فلا يخرج له من لحوق الشبهة، وثبوت الحكم من تحليل أو تحريم أو كراهية. والدم والميتة فلا يختلف في شيء إلا في ميتته في الماء، خاصة، إذا ثبت أنه يعيش في البر والماء، فإنه يلحق ميتته الاختلاف كالضفدع، والغيلم وشبه ذلك، واختلافه فيما يعيش في الماء وما لا يعيش فيه من الماء فهو مفسد له كفساده لسائر الطهارات */* (1/161)
صفحة 162
الباب السادس العشرون
في الذباب
الذباب واحد الذكور والأنثى، والغالب عليه التذكير، كما أن الغالب في العقاب التأنيث، وجمعه القليل أذبة، والكثير الذباب، مثل غراب وأغربة وغربان.
والذباب طاهر دمه وذفطه وحملته.
ويقال في الحديث: إن عمره أربعون يوما، وأن تحت جناحه اليمين شفاء، وأن تحت جناحه الشمال سما، فإذا سقط في إناء، أو في شراب، أو مرق فاغمسوه فيه، فإنه يرفع عند ذلك الجناح الذي تحته الشفاء ويحط الجناح الذي تحته السم.
وزعمت العامة، الذباب يخرى ما يشاء، قالوا: لأنا نراه يخرى على الشيء الأسود أبيض، وعلى الشيء الأبيض أسود.
قال محمد بن علي بن محمد بن عبد الباقي، أبقاه الله في طاعته و أماته عليها: نظرت فيما زعمت العامة من مشيئة الذباب ومن كتابة الشيخ، رحمه الله، فيها: قولهم غير مقبول، وهو مردود، والمشيئة لله، لقول ((وما تشاءون إلا أن يشاء الله، رب العالمين))،وقد دخلت هذه العامة بزعمها في مقال أهل القدر الفاسد قولهم، والخارج من الحق ومن دين أهل الاستقامة، والله أعلم. رجع إلى الكتاب.*/* (1/162)
صفحة 163
وقال: ونم الذباب ذبط في تغوط الإنسان، وعر الطائر، وصام النعام، وذرق الحمام، وخزق النسر، لعله: حزق، كذا في كتاب العين.
قال الشاعر:
لقد ونم الذباب عليه ******************* حتى كأن ونيمه نقط المداد
وعن النبي، صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فيه .... ).
ومن طريق أنه أنس أنه قال عليه: فامقلوه، ثم اخرجوه، ثم امقلوه، قم اخرجوه. وفي خبر آخر: فامقلوه ثم أخرجوه، ثلاث مرات. وقد يقع الذباب حيا وميتا، وأمر بمقلها جميعا، ولم يأمر بتنجيس الماء بمقله فيه، فصار ذلك أصلا، في أن كل ما لا دم له لا يفسد الماء بموته فيه. وأيضا فإن الباقلاء لا يخلو من ذباب يقع فيه، ولم ينكر أحد من العلماء أكله. وكذلك الخل لا يعرى من دود يموت فيه ولم يمتنع من أكله لأجل ذلك، فصار ذلك إجماعا من الناس على طهارة ما لا دم له.
والمقل هو الغمس، وهو الغط، والتماقل في النعاظ. وفي الحديث، أن أبا بكر وآخر معه كانا يتماقلان وهما صائمان.*/* (1/163)
صفحة 164
مسألة:
أبو سعيد ــــــ في الذباب يقع على صوف دواة نجسة، ثم يقع على دواة طاهرة وهي رطبة. قال: لا ينجسها، لأنه يمكن ألا يأخذ منها شيئا. وكذلك إن وقع الذباب على شيء من النجاسة الرطبة أو البول، ثم وقع على شيء من الأبدان أو الثياب، أو شيء من الطهارات، رطبة أو يابسة، فإنها مثلها، مالم ير شيئا بعينه مما يلصق بالطهارة من النجاسة. قال: وأما ما لم ير على الذباب شيئا من النجاسة لم يكن عليه نظر في ذلك.*/* (1/164)
صفحة 165
الباب السابع والعشرون
في الأنعام ونجاستها وطهارتها
قال الربيع: أسار الدواب كلها، الجمل والحمار والبقر والغنم نشرب منه ونتوضأ به إلا الحلالة فلا يتوضأ بسؤرها، ولا يؤكل لحمها حتى تخرج إلى الغذاء أو تربط أربعين يوما، ثم يجوز ذلك منها.
مسألة:
وقيل عن موسى: إن أسوار الدواب، الجمل والفرس والحمار والشاة يشرب ويتوضأ منه إلا البقرة. وقال: قال سلمان بن عثمان: البقرة يشرب سؤرها ويتوضأ منه، ولا يشرب ولا يتوضأ من سؤر الفرس والحمار، لأنه لا يؤكل لحمهما، والإبل مثل البقر في قول سلمان. وعن أصحابنا، أن لبن ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الطاهر كالأتن ونحوها طاهر، والناس مختلفون في ذلك.
مسألة:
وسؤر الشاة والبقرة لا خلاف بين أهل الخلاف في طهارته، وبين أصحابنا فيه اختلاف. قالوا: ولا خلاف، أن ما يؤكل لحمه فسؤره طاهر.*/* (1/165)
صفحة 166
وقال أبو الحسن: سؤر ما يؤكل لحمه ولبنه طاهر حلال.
مسألة:
ولا يفسد من الخيل والإبل والبقر والحمير والغنم إلا بولها وقيئها، ولا بأس بسؤرها وأرواثها، ولا بأس بأعراقها.
وفي موضع: وعرق الجمال قول يفسد، وقول لا يفسد، وعرق الخيل والحمير التي تصان لا بأس به، فإن كان حمار لا يصان كمثل الخيل ويحبس فعرقه مفسد واختلفوا في أعراق ما لا يحبس ولا يصان منها.
قال أبو الحسن: وأحب قول من لم ينجس ذلك، لأنه إذا كان ظاهرا طهره فعرقه لا ينجس، كما أن لعابه ومخاطه لا ينجس، والذي يحتاج إلى الحبس والصيانة الحمير، لا غيرها، وفيها وقع الاختلاف.
مسألة:
وفي موضع: وكذلك لا بأس بعرق الإبل والبقر والغنم، ذكورهن وإناثهن فيحين جريهن وبعد جريهن (كذا في الأصل) وأسآرهن.
مسألة:
أو سعيد ـــ أما أسار الدواب من الأنعام وما أشبهها من الأملاك وغيرها، من الأهلية والحشية، والخيل، والبغال، والحمير، فإن أسارها ولعابها وما خرج من أفواهها و مناخرها وصدورها وجميع رطوباتها من مثل هذا الاتفاق أنه طاهر كله، لا يبين لي فيه اختلاف من قول أصحابنا ولا من قومنا. (1/166)
صفحة 167
مسألة:
وأما ما خرج منها على وجه القيء من غير الأنعام مثل الخيل والبغال والحمير وما أشبهها من غير ذوات الجرة، وغير ذوات الكروش والفروث، والاتفاق فيه أن ذلك من طاهر، لأنهم لا يفسدون شيئا منها، من روثها ولا مما في أمعائها، ولا ما خرج من جوفها في حياتها إلا أبوالها.
مسألة:
وأما ما كان من ذوات الجرة والكروش والفروث من الأنعام وما أشبهها فتخرج كلها على سبيل الاختلاف. وكذلك جرتها لأنها على سبيل الفرث من جوفها. وإذا ثبت فرثها فقيئها مثل فرثها، وجرتها مثل فرثها، فمن أفسد فرثها لزمه أن يفسد جرتها لزمه أن يفسد جرتها وقيئها، والذي لا يفسده يكرهه، ويجوز له ألا يفسدها، والذي يفسد أحدهما يلزمه فساد الجميع. وأما فرثها فمختلف في نجاسته.
مسألة:
وما تجتر الدواب، فمنهم من أفسده، ومنهم من لم يفسده، ووسع الشاة مفسد. مسألة:
ومختلف في رجيع الأنعام، وعن أبي عبد الله أن رجيع الخيل والحمير */* (1/167)
صفحة 168
وما لا يجتر لا بأس به، وكان القياس، أن رجيع ما لا يؤكله لحمه من الخيل والحمير وما أشبهها أولى أن يكون نجسا، وما يؤكل لحمه هو أشبه بالجواز في حكم التطهير، لأن الناس قد اختلفوا فسما لا يؤكل لحمه.
مسألة:
وسؤر الفيل وروثه طاهر، وقال بعض في لحمه: إنه من الأنعام، وقول: إنه يكره.
مسألة:
ونفط الحمار من أنفه، وروله (كذا في الأصل، وصوابه الروال وهو لعاب الدواب)،ودسعه، وروثه في مربطه وغير مربطه لا بأس به كله.
مسألة:
وكذلك لا بأس بعرق الإبل وسلخلها ورخص بعض في قيئها، والشرر الذي يطير من بولها ما لم يصبغ القدم، وما ضربت بأذنابها من سلحها فهو مفسد، ومن طار به شيء من ذلك ولم يعلم أنه مما ضربت بأذنابها فلا فساد عليه حتى يعلم.
مسألة:
وأرواث الدواب كلها طاهرة، وأعرافها لا ينجس ما أصابه شيء منها، كان متوضئا أو غير متوضئ. وقيل: إن أبا عبيدة وطئ على روث، ثم دخل المسجد وصلى ولم يتوضأ.*/* (1/168)
صفحة 169
ومزق الجمل الهارم (كذا في الأصل، ولعله الهرم، أي كبير السن) إن لم يمس البول فليس بنجس، وإن مسه فهو نجس. وقال بعض: لا يفسد شيء من الدواب إلا ما مسه البول.
مسألة:
وروث الدواب طاهر مائعا كان أو جامد، مجتمعا كان أو متفرقا، كثيرا كان أو قليلا، وما ضربته بأذنابها فهو طاهر ايضا، لأن الذنب طاهر كسائر بدنه، ما لم تر به نجاسة، فالطاهرات لا يتغير حكمها بالتقائهما. قال بعض الفقهاء من خراسان، وسلح الأنثى من الدواب أنه لا يفسد، لأنه يمر على حيائها، ولم ير سائرهم بأسا بذلك، ولم يفرقا بين الإناث والذكور في ذلك.
مسألة:
وروث ما يؤكل لحمه طاهر. الدليل على ذلك ما روى، أن الجن شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلة الزاد، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: كلما مررتم بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم عريض، وكلما مررتم بروث فهو علف لدوابكم. قالوا: يا رسول الله، إن بني آدم ينجسون علينا، فعند ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يستنجي بالروث ولا العظم، فلو كان نجسا لم يقولوا إن بني آدم ينجسونه علينا، ولم ينه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تنجيسه عليهم، والله أعلم.*/* (1/169)
صفحة 170
مسألة:
وقيل: ركب حسين بن عمر أتانا له فسلحت على ثوبه سلحا رقيقا كثيرا، فصلى به ولم يعلم حتى أصبح. فسأل هشم بن غيلان، فقال: لا نقض عليك. والخراسانيون يقولون: وإذا كان رقيقا فإنه يفسد.*/* (1/170)
صفحة 171
الباب الثامن والعشرون
في طهارة الهر والفأر ونجاستها
اختلف الناس في سؤر الهر. فقول: إنه نجس كسؤر الكلب، وقول طاهر، واحتج هؤلاء بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصغى الإناء للهر ليشرب وقال بعض مخالفينا: يغسل الإناء من ولوغ الهر مرة أو مرتين. وروى بعضهم في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعا، وإذا ولغ الهر مرة أو مرتين.
وعن ابن عباس أنه قال: إذا ولغ الكلب أو الهر في إناء أحدكم فاغسلوه سبعا.
وكان أبو حنيفة يكره الوضوء بسؤرهما، ويرى أنها خارجة، محرمة اللحم، وأنها كسباع الطير.
وقال الشافعي وأبو يوسف لا يكره ذلك. واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصغي لنا الإناء، ويقول إنها ليست بنجس.*/* (1/171)
صفحة 172
ومن ذهب إلى تنجيس سؤرهما ذهب إلى أن سنور سبع، والفأر مثله، ومن ذهب إلى تطهيرهما فإن الفأر من الهوام، وأنه وحشي، وأن البلوى به كثيرا، ولا يمكن الناس التوقي من سؤره وبعره.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يصغى للنسور الإناء لتشرب، أي يميله إليها، فإنه قال صلى الله عليه وسلم: إنه من الطوافات والطوافين. وقال بعض الفقهاء، إنه صلى الله عليه وسلم خصه بهذا من جملة السباع فأدخله في حيز عيال البيت، والله أعلم.
وفي خبر آخر، أنها ليست من النجاسات، هي من الطوافين عليها والطوافات، وإنما جاء هر، وهو يتوضأ فأصعى له حتى يشرب ثم قضى صلى الله عليه وسلم حاجته.
ولا فرقا بين فمه ولا مخطمه وسائر جسده، ولا يفسد منه إلا سؤره، ولا لفظه ولا دموعه، متوضئا ولا غير متوضئ، ولا يفسد منه غير طرحه وبوله. وعن أبي نوح، كان يأتي بالماء فيتركه حتى يشرب منه الهر ثم يتوضأ. قال أبو محمد: لا بأس بسؤر السنور.
مسألة:
وكان أبو حفص وبعض المسلمين يكره مخمطه، ولم ير أبو محمد به بأسا.*/* (1/172)
صفحة 173
وعن زياد، أنه شرب من سؤره من اللبن. وقال سليمان بن الحكم، هو من متاع البيت. (لم يعثر على هذا القول رواية في الحديث) قال أبو عبد الله، قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس بسؤر السنور لأنه من متاع البيت. قال أبو عبد الله، إلا أن يرى على فيه قذرا. وقال أيضا، لا بأس بما مس إذا لم ير بخرطومه شيئا من النجاسة. قيل له، فإنه قد يكون رطبا، قال، الدم، فإن أكل النجاسة ورؤيته ثم زالت عين النجاسة منه فقد طهر. وقول: إنه كره سؤره، إلا أن يكون أفسد شيء بعد تركه، فإن أخذ بالرخصة فجائز. وعن موسى بن علي في صباع شرب منه السنور، إنه يسمع به، وأن الماء يهراق من سؤرهما.
في موضع عن أبي علي في سؤر السنور من الماء، أنه أحب تركه، وأما من الصباع والطعام فأجازه.
أبو سعيد ــــ أثبت قولهم طهارة سؤره، لثبوت طهارة شيء من الماء وغيره، فإذا ثبت طهارة الشيء لم يستحل إلى حكم النجاسة إلا بما لا مخرج له منها بالحكم.*/* (1/173)
صفحة 174
مسألة:
قال أبو المؤثر: ذكر لنا أن قتادة الأنصاري دخل إلى ابنه متزوجا بكبشة بنت كعب بن مالك، فقعد يتوضأ من إناء، فجاء السنور، فشرب من الماء، وتوضأ أبو قتادة، فجعلت كبشة تتعجب، فقال: ما تعجبين يا ابنة أخي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنهون ليست من النجاسات، هي من الطوافين عليكم والطوافات.
مسألة:
قال أبو إبراهيم: إذا عطس السنور فخرج منه رطوبة فيعجبني أنها تفسد.
مسألة:
العلة الموجبة لطهارة سؤر الهرة أنها لا يستطاع الامتناع من سؤرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنهن من الطوافين عليكم والطوافات. وقال صلى الله عليه وسلم: إنها من ساكني البيوت، فمن وجدت هذه العلة فيه لم ينجس سؤره، فإن عارض في سؤرها بالتنجيس معارض، فاحتج بما روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين. قيل له: ول ثبت هذا الخبر لزم ما قلت إلا أنه قد وردت أخبار صحيحة في طهارة سؤر الهرة معارضة لهذا الخبر. فإن قيل لم ثبت خبر سؤر الكلب ولم يثبت خبر الهرة؟ */* (1/174)
صفحة 175
قيل له: خبر الكلب لم يرد له معارض فثبت حكمه. ويدل على أن الهرة ليست بنجسة ما روى عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بفضل سؤر الهرة.
تم الباب، وما بعده باب الأنعام.
مسألة:
وبول السخل قبل أن يأكل الشجر ويشرب الماء مفسد.
مسألة:
والأنفحة لا بأس بها ما لم تصر كرشا، فإذا صارت كرشا فال خير فيها. وفي موضع: أن كرش السخل الذي لا يأكل الشجرولا يشرب الماء فإن لم يغسل فال بأس به.
مسألة:
ولا يفسد ما في جوف الشاة إلا ما كان في الكرش، وهي التي فيها الفرث، وهي الفحت، وهي متضعفة تؤكل بالملح. وعن موسى بن علي: من مس ما في الكرش أن وضوءه ينتقض، وإن مس ما في الأمعاء فإن ذلك لا ينقض الوضوء. وقول: إن ما في الكرش لا يفسد، وأنه غير نجس، وهو رخصة.*/* (1/175)
صفحة 176
وقيل في الخابية، التي تسمى بنت الملح تفسد، وأما ما في المخبى والأمعاء والمصرانة والمصابين والمبعر وسائر ذلك فذلك لا بأس به سوى الكرش وبنت الملح.
مسألة:
أبو سعيد ـــ من ذهب إلى نجاسة الفرث يحتج بقوله تعالى: ((من بين فرث ودم لبنا خالصا))،يقول: إن الفرث مثل الدم إذا كانا مشتبهين. ومن قال بطهارة الفرث يقول، من بين فرث ودم شيئين مختلفين، كل واحد منهما لون، لأن ذات اللبن إنما هي محشا، دما في عروقها، وفرثا في جوفها، واللبن إنما يخرج من بين ذلك، كلما كثر الفرث حزر البدن فكثر الدم، واحتلب اللبن من بين شيئين مختلف لونهما، خرج لبن خالص مخالف لهما في اللون والطعم يذكرهم الله من نعمه.
مسألة:
أبو سعيد ــــ ويلزم من قال بفساد الفرث أن يفسد الروث، لأنه منه ومتصل به ومنتقل من حاله، ويلزم في الاعتبار أن يكون ما خرج من الدبر أشد مما خرج من الفم، لأنه أبطأ في حلا النجاسة، وأغير إن كان نجسا، وإلا فال معنى في انتقاله من حال إلى حال أن يطهر به في حال الانتقال، لأن الاتفاق يقضى على أن كل ما أفسد فاه أفسد ما خرج من دبره، وأن ما خرج من دبره أثبت في الاتفاق في فساده، قليله و كثيره في قول أصحابنا وقومنا، فجميع ما خرج من الأنعام طاهر إلا بولها ودمها. */* (1/176)
صفحة 177
وأما قول قومنا، إلا الجم المسفوح منها في حياتها أو بعد ذكاتها، وأصحابنا يتفقون أن أبوالها مفسدة، ولا يتفقون إلا على صواب، قد وفقهم الله له. وأما ما يخرج في الاعتبار فإنا لم نجد شيئا من الدواب يفسد بولها من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية إلا وأفسد روثها باتفاق. وقد ثبت أن جميع ما في الأنعام على اختلافه طاهر إلا الدم والبول. فأما الدم فبكتاب الله، وقد قال الله في الأنعام ((ولكم فيها منافع))،ولا يكون من المنافع مضار، ولولا ما قد سبق في اتفاقهم من فساد بول الأنعام لأشبه أن يكون كلها في حياتها وبعد ذكاتها منافع طهارة، إلا ما ستثنى الله من الدم، ولكنا ندع القياس ونتبع اتفاقهم مع القصد إلى العدل، إلا أنا على كل حال لا نجعل ما قالوه من هذا على معنى الدين إلا بأمر مستبين.
مسألة:
والفرث وماؤه حرام، ويفسد ما أصابه، لأنه مجتمع العلف والبول في الكرش، ثم يؤدي البول إلى المثانة. وأما ما في الأمعاء فال بأس به، ولا يفسد ما أصابه، لأنه خالص من الموضع إلى البول.
مسألة:
وفي موضع في الكرش ــــ كرش الأنعام فقول: يفسد، وقول: لا يفسد.
مسألة:
وأما في الدواب فال يفسد لا يغسل، وقول: يفسد ويغسل، وقول: يغسل ولا يفسد، كذلك جاء في الأثر عن المسلمين.*/* (1/177)
صفحة 178
مسألة:
وعن مبال التيس إذا قطع، ثم بقي منه شيء في اللحم. قال: أما القضيب فإنه طاهر، وإن كان موضع المبالة فتلك منها البول، وتلك غير القضيب، وهي نجسة، حتى تطهر، وقول في المثانة، أنها يلقى بها. قال أبو المؤثر: إن أطعمت شيئا من الدواب فال بأس.
مسألة:
وإذا شويت الشاة ولم تخرج منها مثانته فإن اخرقت في اللحم غسل، ولا بأس، وإن لم تنخرق لم يضر اللحم شيء، وكذلك أكل المثانة الحيا حتى يغسلا، ولم نر بأسا أن نطعمه الدواب.
مسألة:
قال: ولا أعلم أنه يخرج في أرواثها وأبعارها اختلاف من دواب البعر والروث أنه نجس، بل يخرج الاتفاق أنه طاهر من قول أصحابنا.
وقول: يفرق بين خثى الأنثى بين الذكر لمعنى مجرى ذلك على موضع البول، ولا يخرج في الحكم، ولا يبعد من لحوق الاسترابة، وإذا ثبت في الأنثى وما أشبهها فهو مثلها.
مسألة:
وأما سلح البعير فهو لاحق بسواه من الطهارة من أرواث الأنعام، وقيل:*/* (1/178)
صفحة 179
إنه طاهر إلا ما مس من سلحه فإنه مفسد، لمعنى مس الذنب البول ويخرج في الحكم أنه كله طاهر للأصل حتى يعلم نجاسته، فإن مسه ولم يعلم أنه مسه من الذنب أو من غيره فهو على الطهارة حتى يعلم أنه مسه من الذنب على قول من يقول بإفساد الذنب، وقد تلحقه الاسترابة والاحتياط لغسله.
مسألة:
من الشرح ـــ أنه لا فرق بين سلحها مائعا، وبعرها مجتمعا، وأما ما ضرب بأذنابها فهو طاهر أيضا، لأن الذنب إذا لم ير به نجاسة فحكمه حكم سائر بدنه، لأن الدواب تطهر من النجاسة بزوال عينها ويحكم لها بحكم الطاهر. وكذلك أذناب الإبل يحكم لها بالطهارة وإن مسه البول إذا غابت عيين البول عنها، والله أعلم.
مسألة:
وأما بول الخيل والبغال والحمير ومثلها، ففي الاتفاق أنه فاسد، من قول أصحابنا، وأرجو أنه من قول قومنا، وأحسب قولا عن قومنا، أنه يذهب إلى فساد أرواثها، وأحسبه من ذهب إلى تحريم لحومها، مما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن أكل لحوم الأهلية منها، وإذا ثبت التحريم في لحومها ثبت في نجاسة كل شيء منها، من أعراقها وأرواثها وأسارها، وجميع ما خرج منها من الرطوبات، ومن ذهب إلى الكراهية لها، لئلا تفنى حمولتهم، وهو عند عامة أصحابنا، وهي بمنزلة الأنعام في جميع الأحكام، في الأرواث والأسار وغيرها من الأبوال، ومن كرهها للأدب كره ذلك.*/* (1/179)
صفحة 180
الباب التاسع والعشرون
في الأماحي وأشباهها
من صغار الدواب
والاماحي والحيات والحتار مفسد سؤرهن، وخبثهن، وما متن فليه فقول، يكون قذرا ولا ينجسه. وأما الحية فإنها سبع تنجس ما وقعت فيه وإن خرجت حية، وقيل: يغسل موضع لدغة الغول والأماحي، واللغ فيه اختلاف إذا وقع في الخل فأخرج حيا.
مسألة:
قال إبراهيم: والسلمة، وهي العسالة، التي على شوارع الماء، حفظنا أنها إذا ماتت في الماء القليل، أو الطعام من الأصبغة وغيرها أفسدته، لأن ميتة البر حرام.
مسألة:
أبو سعيد كالحيات و الأماحي وما أشبه ذلك من الحتاير، وشبهها، وإن اختلفت أسماؤها وأجناسها، ما لم يثبت تحريمه بكتاب أو سنة أو إجماع فهو خارج في جملة المحللات الطاهرات إلا ما لحقه حكم الاسترابة تؤديه إلى النجاسة أو الكراهية.*/* (1/180)
صفحة 181
الباب الثلاثون
في الحلالة من الدواب
مسألة:
سئل عن نتائج الحلالة هل يكون لحقا لها في حكمها من حجر أهلها أو الانتفاع؟ قال: هكذا عنده، وحبسه مثل مدة أمه التي إذا حبست إليها خرجت من حال الحلالة. ثم قال، ويعجبني، إن كانت أمه قد حبست شيئا من المدة، ثم نتجت فإنها تترك عن الذبح بقية ما فقي من مدة أمه، والله أعلم.
مسألة:
وقيل لو أن خنزيرا أنتجت عناقا من المعز كان حلالا أكلها، لأن الله أحل أكل الأغنام، وحرم أكل الخنازير. قال، وأقول إنها تحبس كما تحبس الحلالة من الغنم. قيل، فلو أن شاة نتجت خنزيرا كان حراما أكله؟ قال، هذا عندي.
مسألة:
يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم، معنى النهي في الحلالة، أنها لا تباع ولا تشترى ولا ينتفع منها بشيء من ركوب ولا غيره، ولا يحج عليها.*/* (1/181)
صفحة 182
مسألة:
والحلالة من الدواب هي التي تعتلف النجاسات لا تخلط منها شيئا من الطهارات، فإذا ثبت شيء من الدواب حلالة فإنه خارج لمعنى المحرمات من الدواب في بيعه وشرائه وأكل لحمه ولبنه والانتفاع به. وأسارها وأعراقها وأرواثها وجميع ما يخرج منها نجس، لمعنى المحرمات من قرد والخنزير، ومفسد كل ما خرج منها من الرطوبات، وما عارض منها أفسدها، كانت الحلالة من الأنعام أو غيرها، أو مثلها، أو من الخيل والبغال وشبهها، ومثلها مما ثبت حكمها حلالة، فهو لمعنى واحد. وفي موضع، فأما الحلالة فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحمها وألبانها وأن يحج عليها، وهي التي تعتلف العذرة، لا تخلط شيئا من الشجر، فأما إذا خلطته فليس بحلالة. وقيل، إذا أكلت الدابة من الأنعام النجاسة قليلا أو كثيرا فسد لحمها حتى تحبس بقدر ما ينقض ذلك منها.
وقيل، يؤكل لبنا ولا يفسد إلا لحمها، ولا يستقيم مع ثبوت فساد اللحم في حال إلا وفسد فيه اللبن منها، وإذا فسد لحمها كانت في تلك الحال خارجة مخرج الحلالة، في فساد جميع ما كان منها، من لحم أو روث أو لبن أو عرق، أو ما خرج من فم أو منخر بمنزلة الحلالة، ويستقيم بشيء أن يكون محرما في حال */* (1/182)
صفحة 183
تكون رطوباته طاهرة، فإن كان من وجه التنزه علن لحمه فذلك يلحقه التنزه عن رطوباته، وإن كان تحريما فمثله في رطوباتها، والله أعلم.
مسألة:
وفي موضع، وأما الدابة إذا أكلت النجاسة، فقول، تحبس بقدر ما يذهب ذلك، وقول تذبح وتؤكل، ويلقى ما في بطنها، ومن رأى أكل اللحم أحب إلينا. وقول، تحبس الشلاة ثلاثة أيام، والجمال والبقر سبعة أيام، والدجاجة يوما وليلة. وفي موضع، أن الشاة اكثر ما قيل، تحبس ثلاثة ايام، والبقرة خمسة أيام إلى سبعة أيام، والناقة من سبعة أيام إلى تسعة أيام.
وفي درها اختلاف، قول، يلحق لحمها، وقول لا بأس به. فإذا ذبح إحداهن ولم يحبسها كما يؤمر فقول، لحمها نجس ولا يجوز اكله، وقول، ليس بنجس إلا أن يكون حلالة، وقول، يطرح ما في جوفها كله، ولا بأس بأوصالها، وقول يطرح الكرش وحده، ولا بأس بما بقي.
وأما الحلالة فقيل، تحبس الشاة سبعة أيام، وقول عشرة أيام، والبقرة من عشرين يوما إلى شهر، وقول، تحبس أربعين، وأما الجمل فقيل يحبس اربعين يوما، ولا يبين لي فيه اختلاف. قال، ولا أعلم في ردها اختلافا، وهو نجس، وكذلك، إن لم تحبس، فاسد، ولا أعلم فيه اختلافا.*/* (1/183)
صفحة 184
مسألة:
في الحلالة: هل لصاحبها أن يهبها لآخر؟ قال: إذا علمه أنه حلالة وقبلها منه جاز ذلك، ولا يجوز له أن يعطيعها إياها ويكتمه أنها حلالة فلعله يأكلها أو ينتفع منها بشيء.
مسألة:
قيل في الدابة تأكل النجاسة وحدها ولا تخلط عليه شيئا من الطهارة إلا أنها تشرب عليها الماء، إنها تكون حلالة لأنها إذا أكلت النجاسة وحدها كان الماء الذي تشربه نجسا فيها قبل أن يصل إلى بطنها.
مسألة:
اختلف أصحابنا في سؤر الفأر وبعره وقد ألحق كثير من الناس الفأر بالسنور في حكم الطهارة. ومن حجة من طهره أن حكمه في الأصل الطهارة فمن ادعى أنه نجس فعليه الدليل. وكان ابن محبوب يقول: إن بعر الفأر لا يفسد، بوله يفسد.
قال هاشم: إن بعر الفأر لا يفسد السمن ما لم يتغير طعمه ويكون البعر مثل السمن، فإن كان البعر الغالب على السمن فتركه أحب. قال أبو عبد الله: إذا وقع بعر الفأر في سمن او دهن ذائب أنه يفسده. وقوله: إن كان سلما لم يفسده، وإن كان منكسرا أفسد ما وقع فيه،*/* (1/184)
صفحة 185
وأرجو أن فيه قولا، أنه لا يضيق في الدهن، ولا ارى ذلك إن وجد بعر الفأر فيما يجف اجتنب، وإن كان فيما يغر لم يجتنب. وقوله: طاهر في الضرورة، ومع المسكنة بخس. وقوله: إنه نجس إذا كان رطبا، فإذا يبس كان طاهرا. وقوله: إذا وقع في الشيء، وكان نصفه أفسد، وإن كان اقل من ذلك لم يفسد. وقوله: حتى يكون الاكثر ثم يفسد. قال: وذلك في كل شيء.
مسألة:
وإذا وقع بعره في الخل وفي غيره ففيه اختلاف.
مسألة:
وإذا وجد بعر الفأر مطبوخا في أرز فبعضه كره، وبعضه لم يكره، وقول، لا بأس بالبعر اليابس إذا طبخ مع الأرز او غيره. قال ابو عبد الله: إن وجدته في لبن فال تشربه. وعن أبي الحواري فيما اتوهم، أن بعر الفأر لا يفسد عندنا، رطبا كان أو يابسا.
مسألة:
وقال محمد بن محبوب في فأرة وقعت في خل أو ماء فأخرجت حية. قال،*/* (1/185)
صفحة 186
إنها لقذرة، ولا أتقدم على تحريم ذلك وقلا محمد بن جعفر، وأحل سؤرها عندهم أشد من ذلك، وكذلك قرضها لثياب هو مثل سؤرها.
مسألة:
قال ابو محمد: لا بأس بسؤر الفأر.
قال الشيخ أحمد بن النظر (في كتابه الدعائم)
والفأر والسنور سؤراهما***مختلف فيه لا شجر
رخص فيه بعض اهل الهدى ***وشدد الباقون في الأخر
ومخطم السنور إمساسه ***يذهب من ذي الطهر بالطهر
والفأر إن بال فرجس إذا***ما بال في الحب أو الثمر
وقرضه الثوب أبعاره ***رجس مع البادين والحضر
وقال بعض: إن يكن واقعا***في الدهن من ثلث إلى عشر
فما به بأس إذا لم يكن ***شطرا وكان الدهن في شطر
وما به في الرز باس ولو ***أنضجه الطباخ في القدر
واستقذروا الفأر بلا حرمة ***خروجه حيا من الحسر
مسألة:
وقيل: لا باس بالفأر إذا وقع في الخل، ثم أخرج حيا، وكذلك في الماء والخل ودهن والسمن، وكره بعض ذلك وقال: يكون قذرا ولا ينجسه. وعن محمد بن محبوب في فأرة وقعت في خل أو ماء وأخرجت حية، قال: */* (1/186)
صفحة 187
إنها لقذرة، وما اتقدم على تحريم ذلك، وحكمها إذا ماتت في شيء غيرها من كل ميتة.
مسألة:
وإذا ماتت في شيء جامد فعل به ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سمن الذي ماتت فيه الفأرة.
مسألة:
ابو سعيد كالسنور والفأر من جملة الدواب الثبت لها الخروج بالاستثناء من جملة المحرمات، وفي جملة الطواهر بمنزلة سائر الدواب إلا ما عارض كل شيء من معنى يلحقه تحريم أو شبة، وإلا فجميع ما خرج عما سماه الله محرما من الدواب، فحكمه التحليل والطهارة، في المحيا والممات، إذا كان ذكيا، وقد جاء في السنور أنه من متاع البيت، وأنه من الطوافين، أي العيال، لقوله تعالى في العيال: ((طوافون عليكم)) وهم في الإجماع على الطهارة.
فهذا في السنور، ولا نعلم فيه نصا بتحريم إلا أنه مشبه للنواهش من السباع في اكل الميتة، والفأر وغيره، وذلك نجس فاسد، ووجدنا هذا من تغاذيه لمعنى السباع، وأن ما تتخذ في البيوت لها منه معروف بذلك على الإدمان، فثبت أنه مشبه للسباع النواهش، إلا أنه معروف بأنه يخلط الطاهر مع النجس، والحلال مع الحرام، والسباع أقرب إلى الاسبرابة، في أنا قل ما تخلط من الطاهر في معيشتها، وإن خلطت فذلك غائب من حكمها، فهو إن أشبه السباع في النهش وأكل الميتة فلا يشبهها في استرابتها لقلة الخلط */* (1/187)
صفحة 188
والسباع، وإن استرابت فيما لم يحكم عليها بأنها لا تخلط، فأصلها الطهارة في جملة المستثنيات الطاهرات، وإذا ثبت فيها ما ذكرنا لم يبد مثله في السنور المشبه، ولما لحقه من معانيها، وهو أقرب للخلط، فلهذا المعنى خرج من السباع وكان أهون، ولحقه معنى حكم الطهارة والنجاسة والكراهية.
ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ثبوت الأصل في الطهارة، مع مفارقتها للسباع أحببنا أن يكون طاهرا إلا ما ثبتت نجاسته.
مسألة:
فسؤر السنور، معنا، ورطوباته، وجميع ما خرج من فمه ومنخريه وعرق طاهر، وأما قيؤه وبوله وخبثه فهو لمعنى السباع لشبهه لها وخروجه من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبها
مسألة:
أبو سعيد ــ الدواب كلها خارجة على ثلاثة اصناف ما سوى النشر، فمنها محرم بالكتاب أو السنة أو الإجماع، وهو الخنزير، والقرد مثله، وجلد الكلب والخنزير بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلد الكلب بالاتفاق أنه رجس. فهذا الصنف مفسد، سؤره رجس، وأعراقه وجميع ما خرج منه من رطوبة، من فم أو منخر، وأبواله وأخباثه. فأما الخنزير والقرد فمعنى تحريمه كله. وأما رطوبة الكلب وسؤره فبمعنى نجاسة جلده، وأما بوله وخبثه فمعنى ثبوته أنه من جملة السباع، من ذات الناب، وأنه من النواهش، ومن جملة النواهش.*/* (1/188)
صفحة 189
وفي الاتفاق، أن جميع النواهش من السباع، من ذوات الناب، أنه مفسد بوله وخبثه، ولا نعلم فيه اختلافا. والثاني، ما عدا هذا من سائر السباع النواهش من ذوات الناب، فخرج حكم ما كان منها، من سؤر أو عرق أو رطوبة من فم أو أنف، ما سوى البول والخبث والقيء والدم على ثلاثة احولا وثلاثة اقوال.
فحال، أنها في الطواهر، لأنها لم يثبت تحريمها، نهى حلال في الأصل، لقوله تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة او دما مسفوحا، أو لحم خنزير .... )) الآية يعني في الدواب من المطاعم، ليس أنه لم يحرم سواه، فقد حرم غير ذلك، فهذا معنى قول من قال: إن أسارها من السباع، والطير من ذوات المخالب كسائر الجواب من الطاهرات، إلا ما ثبت فيها لمعنى النشر والنهش من المحرمات، فثبت فيها، لمفارقته للطواهر من الأنعام والخيل والبغال، فساد أبوالها وخبثها، وأما سائر ذلك من معانيها فكسائر الطواهر من هذه الدواب.
قال: ومعي، أنه يلحق هذه السباع من الدواب، والنواهش من الطير معاني الريب للإدمان على أكل النجاسات، وإن كانت تأكل الطهارات، لا يشك فيها، أو نجاسة لا شك منها،*/* (1/189)
صفحة 190
فيلزم هذين الصنفين الكراهية لأكل لحومها وجميع رطوباتها على معنى الترك له إلى ما هو أصح منه في الطهارة والتحليل، من غير أن يحكم عليه بنجاسة ولا تحريم. فإذا لم يوجد الطاهر الحلال بعينه كان هذا الموقوف أولى من المحرمات وأطيب قال: ومعي، أنه يخرج فيها معنى التحريم والنجاسة من وجهين: وجه أنها في أغلب أحوالها، أن أكلها النجاسة والحرام، وقد ثبت أنه لو أكل شيء من الأنعام نجاسة كان لحمها نجسا حتى تحبس، ولا يستقيم أن يكون لحمها ورطوباتها طاهرة، ولا يستقيم إلا أن تكون كلها نجسة إلا أن تكون كلها نجسة إذا كان لحمها نجسا، إلى أن تستبرأ حالها من النجاسة إلى الطهارة، فإذا ثبت طهارة لحمها ثبت سؤرها حينئذ وجميع رطوباتها في هذا في أكل نجاسة واحدة، فكيف من الاغلب من أكله النجاسات، ولا يكاد أن يأكل إلا نجاسة، فهذا وجه.
ووجه ثان، ظاهر النهي عن أكل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع فإنه حرام، فإذا ثبت معاني التحريم فيها في ظهر النهي كانت كلها نجسة، وجميع ما كان منها ـوما مست مثل القرد والخنزير، وبعض من قال بهذا يفرق بين أشياء من هذه السباع في التحريم، فلا يراه حراما لمعاني ثبوت اسمه في الصيد، وأن الصيد لا يكون حراما، فمن ذلك الضبع والثعلب، ولعل غير هذا ولا يحضرني مؤكد إلا ذكر هذا. وبعض قال: كله سواء لثبوت الرواية فيه في النهي عنه. وعامة قول أصحابنا، يخرج فيها إلى الكراهية بلا تحريم لها، ولا تنجيس*/* (1/190)
صفحة 191
لسؤرها ولا لرطوباتها، ولا أعلم أحدا قال بطهارة خزقها ولا خبثها، وإذا ذكيت كان لحمها مكروها كراهية أدب. وكذلك لحم الكلب، صائدا، أو غير صائد، فهو مثلها في بعض ما قيل في اللحم، وأما نجاسة سؤره ورطوباته ما سوى لحمه إذا كان ذكيا فإنه بمنزلة المحرمات في النجاسة.
وأما الكلب من الكلاب فنختلف في نجاسته وقطعه الصلاة، ولا أعلم معنى يفرق بينهما، لأن المعنى فساد جلده لا معنى أكله النجاسة فيما قيل.
وأما مخطمة السنور فقول إنها نجسة ومسها ينقضه الطهارة، وأحسبهم ذهبوا إلى رطوباتها على الدوام، فلحقها الريب، أنها إذا تنجست لا تزال نجسة لأنها لا تيبس، و مخطمة معناه كسائر بدنه، وفمه كذلك، وقد يأتي من المواضع الرطبة منها كما يأتي على اليابسة لثبوت الرطوبة، أنها من ذوات الطهارة، لا من ذوات النجاسة، ولم تكن الرطوبة في المخطمة من ذوات النجاسة، ولا لدوامها ولا أنسابها، بل من الطهارة الأصلية من ذاته، فزوال عين النجاسة من المخطمة ولو كانت رطبة هو طهارتها من سائر البدن، لأنه مضاهي للنجاسة، من الريق والمخاط، في مخالطة الدم.
ولا نوهن قول أحد من المسلمين مع ثبوت فساد سؤره للريب تثبيت، ونعوته لفساد مخطمه لرطوبته، والرطوبة مفسدة للوضوء، ولا يستقيم أن يفسد*/* (1/191)
صفحة 192
سؤره وينتقض من مس مخطمته لمعنى الرطوبة، لا سائر رطوباته مفسدة.
مسألة:
وأما أبوال الفأر فمختلف في نجاسته، فقول، إنه مفسد، وقول، إنه لا يفسد، والأكثر أنه مفسد. قال، وإذا ثبت الاختلاف في أبوال الفأر كان مثله في بول الضفادع، إذا كانت في البر.
مسألة:
أبو سعيد ــــ وأما الفأر فلا تثبت عليه أحكام النواهش من السباع على الأغلب من عاداته، ولكنه يلحقه السنور في معاني خلقته، وتلحقه الاسترابة من طريق المرعى، لا من طريق المحرمات من الميتة وشبهها، وإن كان لا يتعرى من ذلك فليس بأغلب، كالسنور، ولم يخل من أشباه السنور في الخلقة وسوء المرعى، ولم يخرج من شبه الطاهرات من غير النواهش من السباع والطير بخروجه منهما في العموم، فلم يخل من شبه هذا وسببه، فيلحقه أن يكون نجسا مفسد سؤره، وبوله، وبعره، حرام لحمه، لشبهه لما ثبت مكن ذلك، ولا يخل أن تلحقه الكراهية بغير تحريم في جميع ذلك.
وقد قيل في بوله، إنه مثل بعره، وقول، إن بوله فاسد على حل، لأنه لا يكون أهون من الأنعام، ولا يخلو أن يلحقه لمعاني طهارة ذلك كله، فهو أشبه به في تعلم نجاسته، لثبوته في جملة الدواب الطاهرة، إلا بوله وبعره فإنه يلحقه الاختلاف.*/* (1/192)
صفحة 193
قال: ويعجبنا طهارة بعره لمعنى طهارة روث الأنعام ولما ثبت فيها، إذ هي طاهرة في الأصل حتى تعلم نجاستها، وكذلك كل طاهر في الأصل من الدواب والطير لم يلحقه حكم النواشر والنواهش، أعجبنا أن يكون مشبها للأنعام وغيرها من الدواب الطاهرة في أبوالها وأرواثها. وأما ما كان، إن ذكى كان نجسا بمنزلة الميتة، فإن ذلك مفسد معناه كال ما كن منه معناه في المحيا ولممات، وقد مضى الاختلاف في بعره.
مسألة:
قال: وإذا ثبت طهارة الفأر فكله طاهر من سؤره ورطوباته وقرضه وجميع سؤره، إذا أفسد وقوعه في الماء أو الطهارة إذا خرج حيا ثبت أنه كله نجس، وفسد سؤره. وإن كان من طريق مجاري البول منه فكذلك الأنعام فيها مجاري البول، فيلحق ذلك معناها إذا وقعت في شيء من الطهارات أنها أفسدته لموضع البول، ولعل الفأر أقرب إلى ذلك من الشاة لموضع الاختلاف في سؤر الفأر، ولا اختلاف في بعر الشاة، فالفأر أشبه بالفساد إذا وقعت في ماء أو غيره من الرطوبات المائعة، ولو خرجت حية.
مسألة:
وأما ميتة السنور والفأر فالاتفاق أن ذلك فاسد، نجس، حرام، لأنها من الدواب البرية، من ذوات الدماء الاصلية، سواء ماتا في الطهارة، أو ماتا ناحية،*/* (1/193)
صفحة 194
ثم وقعا في الطهارة، وإن وقعا فيه جامدا لم ينجس منه إلا ما مسهما، ولو احتمل عليهما.
ولو كان كل ما خرج على الميتة مفسدا لمماسه ما مسها لكان جميعه نجسا، وإذا ثبت ذلك في السمن الجامد ففي العسل الجامد، وإذا كان مائعا فسد كله، وإن أشكل فلم يصح حكمه، جامدا أو مائعا.
فإن كان أصله من المائعات فهو على أصله حتى يستحيل إلى الجمود، ولو كان ماء ن والنجاسة أشبه به في أصل حكمه ما لم يخرج إلى معاني اطمئنانة القلب إلى حال جموده، ولأنه لا يمنع في بعضه بعضا، والأغلب من الأمرين أولى به. وإن كان أصله من الجامدات فأصل أحكامه أولى به، حتى يصح أنه مائع، أو قد ماع، أو صار إلى حد المائع، فاللبن مثل السمن، وأصله مائع، وإن وقعت في شيء منه جامد ومائع، فإن وقعت في الجامد فإنه يفسد ما مس الميتة دون ما بقي من الجامد والمائع فإنه طاهر، ولو كان وعاء واحدا ما لم يمس المائع الميتة، فإذا ثبت حكم المائع نجسا فهو فاسد ولو جمد، والله أعلم.*/* (1/194)
صفحة 195
الباب الحادي والثلاثون
في الكلب وسائر السباع
وسؤر السباع كلها مفسد إلا الكلب المكلَّب، ولا يقطع الصلاة فإنه قيل: لا يفسد سؤره، ولا من مسه وهو رطب.
قال أبو محمد: عندي، أن الكلب لا ينقل لصيانة أهله من حكم الكلاب من أن يكون سبعا، وأنه يقطع الصلاة، وينجس سؤره والله أعلم. وعنه في موضع آخر قال: لا بس بسؤر الكلب المكلَّب، ولا يقطع الصلاة ولا ينجس مسه وسؤره، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (من اقتنى كلبا لا لضر ولا لزرع نقص من أجره كل يوم قيراطان). قال: فلما توجه الوعيد منه صلى الله عليه وسلم فالاحتياط العمل، من اتخذ كلبا لغير هذين المعنيين مع قول الله تعالى ((وما علمتم من الجوارح مكلبين .... )) الآية لأنه علمنا بهذا، أن سبيله سبيل الأنعام، وأنه مخصوص من جملة الكلاب، والله أعلم بأصحهما عنه.
مسألة:
اتفق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مالك بن أنس على إجازة سؤر الكلب،*/* (1/195)
صفحة 196
وطهارة فضل مائه، وكذلك سائر السباع وأكل لحومها، وضعفا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وطعنا في رجاله.
الدليل لمن قال بتنجيس سؤر الكلب ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق أبي هريرة قال، طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات، أولاهن وأخراهن بالتراب.
وما روى عن ابن معقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، والثامنة بالتراب، والزيادة عند أصحاب الحديث معمول بها إذا صحت في أحد الخبرين كانت عندهم فائدة. قالوا، النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمي طهور الإناء وهو طاهر.
وقالوا، قد نهى أيضا صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقد أمرنا بإراقة الما من ولوغ الكلب، ولو لم يكن نجسا لم يأمر بتضييع حقه. ويوجد عن داود بن علي أن الإناء يغسل عنده من ولوغ الكلب والماء عنده طاهر، يجوز استعماله.
مسألة:
وإذا مس الكلب ثوبا رطبا الكلب يابس فسد ذلك الثوب.
مسألة:
وإذا مس ثوبا يابسا بمخطمه وهو رطب أفسده، والله أعلم. قال أبو محمد، وسؤر السباع ولحمها عند أبي عبيدة حلال، ووافقه على ذلك مالك بن أنس بن مالك، وضعفا الخبر. وأظنهما كانا في عصر واحد.*/* (1/196)
صفحة 197
وأما ما ذهب إليه أصحابنا من أهل عمان من كراهيتهم لأكل لحومها، وإن أكل منهم آكل ذلك لم يخطئوه فلا أعرف بقصدهم في ذلك وجها، لأن الناس على قولين، فمنهم من قال بالخبر وصحة الإسناد، وحرم به الاكل والسؤر.
قال، والنظر يوجب عندي صحة الخبر لأن إسناده ثابت، ورجاله مع أهل النقل عدول واستنشار الخبر في المخالفين. وقولهم المشهور فيهم. وعندي أن لحم جميع السباع حرام، وسؤرها نجس إلا السنور. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سئل عن الماء يكون بالفلاة، وتأتيه السباع فقال، إذا زاد الماء على قلتين ولم يحمل الخبث، ومعلوم أن سؤر السباع لم ينجس شيئا من الماء لو لم يكن للتفريق بين ما زاد على قلتين وما دونهما معنى، والله أعلم.
مسألة:
ودليلنا على من وافقنا في تحريم السباع وخالفنا في سؤرها، أن سؤرها أيضا نجس، أنا لما رأينا الخنزير حرام لحمه ولبنه وسؤره نجس بإجماع وجب أن يكون كل ما حرم لبنه ولحمه من السباع فسؤره نجس. فإن قال: إنكم تجوزون سؤر السنور تحرمون لحمه وهو سبع، ونحن أيضا جوزنا سؤرها وحرمنا لحمها. قيل له، ليس يلزمنا هذا في السباع، لأن السباع لا بلوى علينا بها. ولا يكاد نبتلى بها، كالسنور الذي خففت المحنة عنا به لأجل البلوى به، والله أعلم.*/* (1/197)
صفحة 198
مسألة:
ومختلف في الضبع، قول صيد، وقول سبع، وقول، لا يتوضأ بسؤرها لأنه أشنع السباع وأقذرها دابة، وبعر الظبي تغسل به الثياب، وليس تغسل بعد الماء، ولا بأس به.*/* (1/198)
صفحة 199
الباب الثاني والثلاثون
منه آخر
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتطهير الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات، وروى ثماني مرات، واختلف الناس مع ثبوت الخبر في ذلك فقال قوم: سبع مرات، وقال قوم: بخمس، وقال قوم: بثلاث، وقال قوم: يغسل كما يغسل غيره، ويوجد أنه إذا غسل ..
مسألة:
يقال: ولغ الكلب يلغ في الإناء ولوغا إذا أدخل لسانه في المكان، وكل مائع فحركه فيه، ولا يكون الولوغ إلا بلسانه وحده، أولغه صاحبه يولغه إيلاغا إذا جاء به إلى الماء فوقفه عليه.
وأنشد:
ما مر يوم إلا وعندهما *** لحم دجاج أ يولغان دما
وبعض العرب تقول: يالغ، أرادوا إثبات الواو، فجعلوا مكانهما ألفا، ويروي يألغان دما على هذه اللغة. ويقال على هذه، الميلغة الكلب، هي المسعاة، والفروة والفرا.
ويقال: أهات منالإناء إذا قلبته، ولا يقولون كفأته، وتقول: لحد الكلب الإناء لحده لحدا، ولحسه، يلحسه لحسا، وذلك إذا لحس الإناء من باطنه.*/* (1/199)
صفحة 200
مسألة:
السؤر مهموز، وجمعه أسار
وقال الفرزدق الشاعر:
والحابسون إلى العشي ليشربوا *** نزح الكرى ودمنة الإسار
يصف قوما ضعفاء، ليس لهم عز ولا قدرة، يحبسون مواشيهم إلى العشي حتى يستقي الناس، ثم يسقون.
وأنشد ابن الأعرابي:
عدونا معا جارين يحترسا لنا *** يسايرني في بطنه وأسايره
هذا رجل جن جناية فهرب، فلقيه الذئب، فكانا يصطحبان، فكل واحد منهما يحرس صاحبه، ويخاف أن يوقع به، وقول ه سايرني نفسه من أن أشرب بسؤره ويشرب بسؤرى.
ويقال: أسار في الإناء إذا أبقى فيه، وأما السور البناء فغير مهموز.
قال العجاج: * شرب إليه من أعالي السور *
والسور جمع سورة، من الخلق والشرف.
قال النابغة:
ألم ترأن الله أعطاك سورة *** ترى كل ملك دونها يتدبذب
أي منزلة شرف، ارتفعت إليها عن منازل الملوك.*/* (1/200)
صفحة 201
مسألة:
قال ابن محبوب: لا بأس بالكلب ينغمس في الماء النظيف، ثم يخرج فينتفظ، فيصيب إنسانا ذلك من شعره أو بدنه فلا بأس. وقول بعض: إن ذلك يفسد.
مسألة:
وإن كانت أثرة الكلب يابسة ووطئ عليها وأثرة رطبة لم ينقض وضوءه.
مسألة:
قومنا، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات. واختلفوا في طهارة الماء الذي يلغ فيه الكلب، قول: إنه طاهر، متطهر به للصلاة، ويغسل الإناء، وقول: إذا لم يجد غيره، وقول: يتوضأ به ويتيمم بعده. وكان الشافعي وأصحاب الرأي يقولون، إنه نجس يهراق، ويغسل الإناء سبعا أولاهن وأخراهن بالتراب.
أبو سعيد ــــــ يواطئ قولنا أن سؤر الكلب نجس، وإذا صح ما جاء من تجديد غسله فلعله من مخصوص الامر قد شاهده صلى الله عليه وسلم فأمر به، وإلا فال معنىى يدل على إخراجه من سائر النجاسات أو طهارته، كسائر طهارة النجاسات، وإذا ثبت نجاسة الإناء للماء الذي فيه لم يحسن أن يكون الماء طاهرا وما مسه نجس معنا، فإما أن يكون الإناء نجسا والماء نجسا، وإما طاهرين جميعا، لمعنى أنه لم تغلب النجاسة*/* (1/201)
صفحة 202
على الماء، إلا أن يكون ثبت المس من الكلب للإناء دون الماء، فقد نجسه، والماء طاهر، لثبوت حكم الطهارة، ولم يكن مطهرا للإناء إلا بالغسل، ولم يكن الإناء نجسا إلا حتى تغلب عليه النجاسة.
مسألة:
وسؤر الفيل وروثه طهر، والاختلاف في لحمه، وكذلك الخيل مختلف فيها.
مسألة:
وعن أصحابنا، إن ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الطاهر. ومختلف في لبن السباع كالأتن ونحوها طاهر، والناس مختلفون في ذلك، ونختلف في لبن السباع. قال أبو الحسن، وتركها أحب إلي، والعاج طاهر على قول، وقول، إنه حرام، والحرام نجس، والله أعلم.
مسألة:
قال محمد بن المسيح، سؤر السباع لا يفسد، ولها ما حملت بأفواهها إلا الذئب فإن سؤره مفسد لأن الذئب مثل الكلب. */* (1/202)
صفحة 203
الباب الثالث الثلاثون
في القملة ونجاستها وما جاء فيها
وحكم القملة حكم الإنسان، وحكم ما يخرج منها من ذرق ودم حكمه، لأنها لا توجد في موضع مفارقة له، ولا تفارقه من الثياب وغيره وهو أيضا دموية غير مكتسبة، مثل الضمج والبعوض مكتسب لأنه مفارقه، والقمل ليس ما أصله دم كمكتسب الدم، عند أصحابنا أن دمها وماءها نجس، وعند غيرهم نجس إلا أنه قال، إنه قليل لا حكم له، ورأى أصحابنا أقوى حجة، لأن من خالفهم يقول، إن خرجت دارة من الدبر أفسدت، ولو قل ذلك لا فرق بين الدابة والقملة قلة النجاسة.
مسألة:
فإن ماتت القملة في طعام رطب أو ماء أفسدته، والله أعلم.
مسألة:
وذرق القملة نجس، وأما ما يوجد في الثوب من ذلك والسواد لم أرهم اجتنبوه.
مسألة:
ومن مس قملة حية وهو متطهر ولم يخرج منها بلل فلا شيء عليه. وقيل، إنها حين تؤخذ باليد تذرق، فما لم تذرق فلا يفسد وضوء من أمسكها ولا صلاته.*/* (1/203)
صفحة 204
ومن رآها في ثوبه أو على جسده وهو في الصلاة، أو قبل دله في الصلاة فلا تفسد عليه ما لم يأخذها بيده.
مسألة:
ومن مس القملة فخرج منها ماء نقض وضوؤه، ومن قتلها بيده انتقض وضوؤه، وإن أخذهما مما يلي رأسها لم تنجسه متوضئا كان أو غير متوضئ. قال أبو محمد، وإذا ماتت القملة فهي نجسة، سواء ماتت في بئر أو في البدن أو في الثوب، ولا يجوز للمصلي أن يصلي به وهو يعلم أنها في ثوبه أو في يديه، فإن صلى فسدت صلاته.
مسألة:
وإذا وقعت القملة في بئر فحكمها الطهارة حتى يصح موتها، وإذا ماتت نزح منها أربعون دلوا، وإذا ماتت في كثير أو غيره فلا تفسده.
مسألة:
والثوب إذا كان فيه قمل جازت الصلاة به، ولم يجتنبوا الثياب التي فيها القمل، ولا اجتنبوا ما يخرج من القمل غير دمه وذرقه، وإن أصابا البدن أو الثوب غسلا. وأجمعت الأمة على استعمال الثياب التي فيها القمل ولم يروا به بأسا حتى يعلموا موتها فيها، وحكم كل شيء ظاهر الطهارة حتى تصح فيه نجاسة من القمل وغيره */* (1/204)
صفحة 205
وأيضا، فإن القمل لا يقدر أحد أن يمتنع منه ولا من كونه في ثوبه، وهو مقارب لابن آدم ولثيابه، وأصل ابن آدم والثياب والطهارة فلا يجب أن يحكم على طهارتين بحدوث نجاسة أفسدتهما أو واحدا منهما.
وقيل، إذا كانت في الثوب، ثم غمس في الما وهي حية لم ينجس الثوب وإذا طهر الثوب فقد طهر بطهارته، وإذا ماتت في الثوب نجس ما لاقاه الثوب منها في موضعها إذا كانت الثوب رطبا، أو هي رطبة، أو كان يابسا، وأما إذا كانا يابسين فلا بأس بهما، والله أعلم. وما أحب طرح القملة في المسجد.
مسألة:
وجوز قتل القملة على الظفر ويغسل، والقملة إذا وقعت في النار لم تنجسها، لأنهم قالوا، ليس بها غبار، فإن لم يجدوها أخرج الرماد ولا ينجس التنور، وإذا وجدت أخرجت وحدها، ولا يرمي بها، ولا تخرق بالنار، ولا تعذب بعذاب الله عز وجل، وفي رميها معصية، وفي قتلها طاعة. وفي الحديث، إن نبذ القملة يورث النسيان. وفي حديث آخر، إن الذي يرمي القمة لا يكفي الهم.
مسألة:
قال موسى بن علي، إذا أردت أن تخرج القملة من ثوبك وأنت متوضئ*/* (1/205)
صفحة 206
فخذها من ناحية رأسها، فإنه ربما خرج من ذنبها ما يفسد الوضوء إذا أمسك.
مسألة:
فيمن رأى قملة في ثوبه، ثم يخليها ويصلي به. فعلى قول الشيخ، ليس عليه إعادة، كانت في بدنه أو ثوبه. وعن أب الحواري، أن عليه الإعادة. قال، وقولنا الأول.
مسألة:
والقملة إذا وقعت في ماء وهي حية فالماء طاهر، وإن وقعت ميتة كان سبيلها سبيل النجاسات، فإن كان الماء يحمل مقدار القملة من النجاسات فالماء طاهر، وإن يضعف عن حملها لقلته بولغ في إخراجها، فإن خرجت، وإلا قلع الطين من البئر، فإذا خرج الماء وقلع من الطين شيء، وطابت النفس بأنها قد خرجت مع الطين، وإن لم يكن خرجت قفى الماء، فإن أرادوا سد فم العيون التي في الطوى سدوها بالطين فإنها تستمسك.
مسألة:
وأما من تراه يأخذ القمل أكثر نهاره ولا تراه يغسل يده فإذا لم ير في يده نجاسة، واحتمل ألا تمسه من ذلك نجاسة فيده طاهرة حتى يعلم نجاستها. وأما إذا ذابت في يده نجاسة وقد عرف بها ثم غاب ذلك بقدر ما يحتمل غسلها، ثم من بعد ذلك مس شيئا من الطهارات فلا بأس في طهارته، لأن أصلها*/* (1/206)
صفحة 207
طاهرة ما أمكن طهارته، لأنه قد احتمل أن يكون طهر يده، والناس في أغلب أمورهم على ذلك.
مسألة:
أبو عبد الله، فيمن وجد في ثوبه قملة. قال: لا بأس، ما لم يكن بالثوب منها دم. والصبيان التي تكون في الثوب، ينفقش منها الماء في الثوب أو في البدن لا يفسد. قيل: أليس هو من أولاد القمل أو بيضه. قال: الله أعلم. قيل: فإنه يوجد مع القمل. قا ل: لا يفسد ما خرج من ذلك ما أصاب منه إلا أن يعلم أنه من القملة، وإن كانت في الثوب الرطب فلا تنجسه حتى يعلم أنه خرج منها في الثوب شيء.
مسألة:
قيل، في ذرق القملة من الإنسان، أنه مفسد إلا ما يخرج من القول فيه البدن والثوب. وقول، في القملة؛ أنها إذا ماتت في البدن أو الثوب فلا تفسده، كان رطبا أو يابسا، كانت هي رطبة أو يابسة، لأنها من ذواته، ولو كان في البدن والثوب */* (1/207)
صفحة 208
شيء غيرها لأفسدتها إذا مسته وهي رطبة، أعني ميتة القملة، ولو كان في البدن أو الثوب قال محمد بن خالد: سمعنا أن كل شيء خرج من القملة من دم أو ماء أو بلة فإنه مفسد، وأما مسها فلا بأس ما لم يخرج منها شيء.
مسألة:
يقال للقملة الكبيرة الهرعة، ويقال، بل هي للصغيرة، ويقال للكبيرة الحكة والحنجة والهريع، ويقال، الهريع، وتكنى أم عقبة.
مسألة:
والقملة يتولد من أكل التين الرطب، وكثرة أكل التين يورث الحكة والقمل ويلين البطن، واليابس منه يغدو غذاء صالحا ويسمن، والعود مما يورث القمل، وأرفع العود وأجوده وأبقاه على النار، وأعشقه بالثياب العود الهندي، وهو حر الرائحة، ولا يولد القمل كما يولد المندل والقمارى والسندرى والصيني لشدة حلاوة رائحته، فإن هذه الحلاوة تولد القمل في الثياب ونبيذ البسر يولد القمل لأنه يخرج فضول الجسد إلى ناحية الجلد.
مسألة:
وجلد القملة له الجرشا.*/* (1/208)
صفحة 209
وقيل، حضر أعرابي عند هشام بن عبد الملك، فقرب الغذاء، فتوضأ، ثم قتل قملة، فقال هشام، أعيدوا الطشت على الأعرابي، فقال ألم أتوضأ؟ قال، إنك قتلت قملة، فقال الأعرابي، والله ما بقي في يدي إلا جرشاؤها. وجرشا الحية إذا سلخت الجلد، وهي الجلدة.
قال أبو النجم: ... * تعمج الحية في جرشائها *
مسألة:
أو سعيد ـــ وأما الصوب من هوام الإنسان فيخرج في الاتفاق، أنه طاهر ولا بأس به حيا ولا ميتا، ويخرج في حياته أنه ليس من ذوات الأرواح في حال حياته.
وأحب أنه يخرج مخرج البيضة من القمل، ولمعنى ذلك قد ثبتت طهارته حيا وميتا، لأنه ليس من ذوات الدماء، ولا من ذوات الأرواح الدموية، فإن كان بيضا للقمل على ثبوت معانيه، أنه طاهر، فيخرج في النظر أنه يشبه ذره القملة، لأن بيض الشيء فيما طهر منه بمنزلة ذرقه، وكذلك في الطير، أنه ما أفسد حزقه كان بيضه نجسا لمعنى حزقه، وما كان حزقه طاهرا كان ظواهرا بيضه طاهرا. كذلك كل ما أفسد بوله من الدواب التي يكون منها الأولاد على شبه الميلاد، فجميع ما كان يولد فاسدا كان طاهرا ولده في حين ذلك، وما خرج عليه من رطوبة، فذلك كله مفسد، لمعنى بوله.*/* (1/209)
صفحة 210
وكل ما خرج من أرحام الدواب المفسد بولها من جميع الأشياء فهو مفسد، لمعنى بولها، لثبوت الشبه فيه من معاني الإنسان المفسد بوله. وما خرج من موضع أرواثها وأبعارها من أدبارها فهو بمعنى الأرواث في الطهارة مالم يكن دما عبيطا.*/* (1/210)
صفحة 211
الباب الرابع والثلاثون
في الطهارات
قيل الطهر اسم لمعاني النظافة، استدلالا بقول الله تعالى: ((ولهم فيها أزواج مطهرة)).
قال: لا حضن ولا يتمخطن ولا يزقن ولا يتغوطن، مطهرة من كل دنس. ألا ترى أن النخام والبصاق والمخاط والعرق ليس بنجس، غير أنه ليس بنظيف، ولو كان نجسا لم تجز في شيء منه الصلاة. وقد روى عن أبي هريرة، أنه كان يتمخط في كمه، وهذا من فعل الناس، وليس نجسا، وليس كل قذر نجسا، وكل نجس قذر.
مسألة:
الطهارة اسم يقع على معنيين، أحدهما إزالة النجاسة، والآخر إنفاذ عبادة، والنجاسة يجري مجرى الديون في إزالتها، ويصح اسم التطهر منها بزوال عينها بماء، أو بما يقوم مقامه، وإنما يرتفع حكمها بما ذكرنا بغير نية وقصد من فعل ذلك.
ألا نرى أن الذي شبهناه لو أدى عنه من لزمه ذلك الدين بأمره، أو غير أمره، سقط فرض الأداء عن متضمنه. وكذلك يجب أن تكون النجاسات إذا أزالها من لزمته في نفسه أو ثوبه،*/* (1/211)
صفحة 212
فتولى إزالتها عنه غيره، بأمره أو غير أمره أن ذلك يكون من بلاغته فرض الطهارة منه. فأما الطهارة التي هي إنفاذ العبادة، فالطاهر المحدث بالنوم أو لخروج الريح فإسقاط فرض الطهارة عنه لا يكون إلا بفعله. وللقصد لذلك منه، لدليل قوله تعالى ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)).فأمر تعالى أن يعبده بعبادة يتعلق فعلها بذمته، أن يقصد إليها منويا فعلها، لأن الاخلاص لا يكون إلا بالقلب في جميع العبادات التي في طريقها ما ذكرنا، ولا يسقط فرض أدائها إلا من طريق المقاصد والله أعلم.
مسألة:
الطهر عند أكثر أصحابنا أسم لمعنيين، أحدهما لزوال النجاسة، والآخر لإنفاذ العبادة. الدليل لقوله ((حتى يطهرن، فإذا تطهرن)) فالطهر الانقطاع والتطهر بالماء بعد زوال النجاسة القائمة. وقيل: الطهر والتطهير اسمان لمعنى واحد على معنى التوكيد، قالوا، والعرب تفعل ذلك، فإذا اختلف اللفظان جاز أن يؤكد بأحدهما على الآخر، فالمعنى واحد. دليلهم قوله تعالى: ((ولا تعثوا في الارض مفسدين))،والعيث هو الفساد، وإنما جاز أن يذكر بالإسمين لاختلاف اللفظين، والمعنى واحد.*/* (1/212)
صفحة 213
مسألة:
الطهر طهران، طهر غسل الأعضاء، والطهر هو غسل سائر البدن الذي فيه الأعضاء، فأعم الطهارتين مجتمعون عليها، والأخرى مختلف فيها، فلا نأمر بأداء فرض إلا بالطهارة، اتفق الكل على تأدية الفرض بها، وهو الغسل، وبالله التوفيق.
مسألة:
عن أبي عباس أنه قال، أربع لا يجسن، الثوب، والإنسان، والأرض، والماء. وفسر إسحاق بن راهوية فقال، الثوب إن أصابه عرق الجنب لم ينجس، وكذلك إذا أصابه عرق الحائض لم ينجس، والإنسان إن صاحفه جنب لم ينجس، والأرض إن اغتسل عليها لا تنجس، كل شيء طاهر فهو على طهارة حتى يصح فساده.
مسألة:
والإنسان طاهر جملة، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا.
مسألة:
وأما ما يخرج منه فنجس وطاهر، فالنجس منه الغائط والبول والريح والمني والودي، والمدي، والدم، والقيء. والطاهر الدموع، والبصاق، والنخاع، والمخاط، والقيح الذي ليس بدم صريح والشعر والجلد الميت والظفر.
مسألة:
وسؤر الإنسان طاهر على كل حال، متوضئ كان أو غير متوضئ، جنبا */* (1/213)
صفحة 214
كان أو غير جنب، ما لم يكن فيه نجاسة حادثة وكذلك المرأة مثله، والله أعلم.
قال عبد الباقي محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الباقي، أبقاه الله عنه راضيا و أماته غير ساخط عليه: وقد أغفل شيخنا، المنصف، رحمه الله (وسؤر الإنسان طاهر على كل حال)،في المسألة التي تقدمت هذه: (الإنسان جملة طاهر)،صدق، إلى المشركين من عباد الاوثان فإنهم نجس و أسارهم كذلك، لقوله مولانا عز اسمه: ((إنما المشركون نجس)).
وقد جاء هو رحمه الله، في تفسير نجاستهم، وإنما جثت بهذه المقالة، وأطلب الإقالة، فهما للمتعلم، وتنبيها للعالم.
رجع إلى الكتاب.
مسألة:
أبو سعيد-كل نجاسة أزالها من موضعها الماء الطاهر من البدن و الثوب وغير ذلك، أنها قد طهرت. ولو لم يكن للمبتلى بها فعل ذلك إذا أزالها الماء، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد –يخرج عنده في النجاسات من الجنابة والدم أنه إذا عولج بشيء حتى ذهب أثره، أو سحق بثوب حتى أزاله أن يكون بمنزلة النجاسة من غير الذوات.*/* (1/214)
صفحة 215
وعنه في موضع اخر، فيمن نظر في بطن رحله نجاسة، ثم سحقها بالأرض حتى زالت تطهر بغير الماء؟ قال: لا أعلم ذلك في البدن إلا بالغسل. فإن مشى في تراب نجس ورجله رطبة، ثم مشى حتى يبست رجله وصفت من ذلك التراب فكذلك، وأما النعل فتطهر لأنها تفنى والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد – يقع الإجماع، أن الشمس والريح يطهران البدن والثياب، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد –نجاسة وقعت في شيء يهلك بالعرك مثل قرطاس، أنه يجزئ أن يصب عليه الماء مرة إذا كان أكثر من النجاسة ولم يكن للنجاسة عين قائمة وأثر باق، وأحب ثلاثا، إذا كان لا يهلك من صب الماء عليه، فإذا بلغ إلى طهارته بأي وجه أجزاه.
مسألة:
أبو سعيد –يخرج عندى في الجنابة والدم وكل نجاسة من الذوات أن ذلك إذا مث وأميط بشيء من الثياب، أو غير ذلك حتى يذهب ولا تبقى له عين، أن موضع تلك النجاسة يكون بمنزلة نجاسة غير الذوات.
مسألة:
فيمن قال في قرطاس كتب فيه بنتح نجس، أنه إذا يبس الكتاب في القرطاس أنه يطهر.*/* (1/215)
صفحة 216
قال: إذا كانت من العين فلا يجوز هذا القول ولا ينساغ، وأما إذا كان النتح بجوهره طاهرا، وعارضته نجاسة من غير الذوات ثم يبس قبل أن يطهر فلا يخرج ذلك من قول أهل العلم. وذلك ينساغ خارج مذاهب أصحابنا. وترك الترخيص أثبت وانس للقلوب.
تم الجز الأول من الجزء الثالث من الطهارات من كتاب المصنف. ويتلوه، إن شاء الله الجزء الثاني من الجزء الثالث في الطهارات من كتاب المصنف. وكان الفراغ من نسخه عشية الإثنين لست ليال بقين من شهر ذي الحجة من شهور سنة سبع سنين، وتسعين سنة وألف سنة؟ [1097ه] من الهجرة.
على يد مالكه، من فضل الله،
مالكه الأقل لله عز وجل سليمان بن محمد
بن مداد بن أحمد لبن مداد بن عبد الله بن مداد وهو يسأل الله العفو، والعمل بما فيه.*/* (1/216)
صفحة 217
[صفحة بيضاء] (1/217)
صفحة 218
القسم الثاني
في الطهارات*/* (1/218)
صفحة 219
الباب الأول
في طهارة البدن من النجاسة
ومن وطئ في نجاسة، ثم مشى بعد ذلك إلى أن زالت العين فلا تطهر حتى يغسلها بالماء.
مسألة:
ومن تنور بنورة نجسة، فوقع منها على ثيابه، وغسل بدنه غسلا جيدا، ولم ير به شيئا من النورة، فلما يبس بدنه صار موضع السؤرة أبيض، فإنه لا يؤمر أن يتنور بنجاسة، فإن فعل فالماء طهارة لذلك، فإن غسله ثم ظهر فيه، فذلك الماء لا يطهر بعد حتى تخرج منه النورة. فأما ما علق من ذلك قبل أن يطهر فإنه نجس يغسل، ويغسل ما أصاب الثياب غسل النجاسات.
مسألة:
و من أزال العانة بموسى أو بمقص أو بنورة فليس عليه أن يغسل بدنه كله، إلا أن تكون السؤرة نجسة فيطهر من بدنه ما أصاب من النورة.*/* (1/219)
صفحة 220
مسألة:
ومن طهر بدنه من نجاسة فزالت العين وبقي العرف في اليد بعد الغسل فلا بأس، لأنه عرض، ولا حكم للعرض بعد زوال النجاسة، والعرض كالزوك في الثوب والبدن أو غيره إذا صحت الطهارة لم تكن للرائحة أو اللون شيء من حكم النجاسات، لأن النجاسات أو اللون أعراض، و الأعراض لا تنجس، والله أعلم.
مسألة:
قال أبو سعيد: ويخرج عندى النجاسة إذا كانت في موضع البدن لا يقع عليه النظر، و إنما يدرك باللمس أو البدن إذا حدث مثل الغائط أو غيره، فإذا ثبتت النجاسة وحكمها باللمس وجب حكم التعبد بغسلها، حسن عندى، أن يكون حكم غسلها عند غسلها وثبوت الطهارة لها باللمس. وكذلك يقع حكم الطهارة باللمس كما يدرك حكم طهارتها باللمس حيث لا يقع عليها النظر.
مسألة:
أبو سعيد – فيمن تنور بنورة نجسة فغسلها، وبقى في بدنه بياض لا يخرج وقد عركها، فإذا يبس بدنه ثم ظهر بياض النورة، فإن كانت النورة نفسها نجسة من ذاتها، وليست النجاسة فيها محدثة غسل بياضها، إن كانت تخرج، فإن لم تخرج فذلك زوك ولا نجاسة فيه، ولا إعادة عليه إن كان قد صلى. (1/220)
صفحة 221
وإن كانت النجاسة حادثة في النورة فما بقى من البياض بعد غسلها فهو طاهر. قال: والنورة لمعنى النجاسة حادثة فيها ليست أصلية فيها، لأنها إذا تنجست يابسة، ثم عملت بالماء، ثم تنجست من قبل الماء والبول، فإذا كان بها شيء من الذوات كالعذرة والدم، واختلط فيها فذلك نجس. وكذلك الغسل والحرض يغسل غسل النجاسة فما بقي من الغسل والحرض في البدن والثوب طاهر، قال: ولو لا القياس في مثل هذا لكان القياس في الثوب إذا تنجس لا يطهر أبدا، لأنه نجس، والله اعلم. وقيل: كل ما لم يكن له ذات تبقى أو عين تتقى فوقع عليه غسل واحد فقد صحت طهارته.
مسألة:
أبو سعيد –فيمن كانت فيه نجاسة ذاتية أو غيرها، يابسة أو رطبة، فحركها في الماء الجاري حتى ذهبت. فإذا زالت النجاسة وقد حصلت الحركة التي بمثلها تزول تلك النجاسة مع مس الماء الجاري أجزاه ذلك، وإن كان ثوبا أو إناء فسواء، ويجزى، والله أعلم.
مسألة:
وعنه، فيمن كان بين كتفيه نجاسة مثل بول أو ماء. (1/221)
صفحة 222
قال: إذا صب عليها الماء صبا يكون له حركة، تقوم مقام العرك، أجزأه ذلك إن شاء الله. وإن كان في رجله دم فجاء إلى النهر، وهو ناس الدم، فقام في النهر، فذهب من غير عرك ولا حركة، ثم صلى لم تتم صلاته، وإن خاض قدر ثلاث خوضات حتى ذهب عين الدم طهر.
مسألة:
ومن تنجس فوه فسال الدم أو البصاق على شفتيه، ثم أخد الماء بيده من إناء أو ماء لا ينجس، ثم أهداه إلى فيه فلقيته نجاسة قبل أن يصل إلى فمه، فمضمض فاه لذلك، ومسح على موضع النجاسة منه بشيء، ففعل ذلك ثلاثا، أيطهر؟
قال: حتى يصل إلى فيه ماء طاهر لا نجاسة فيه، ثم يطهر، ولا يطهر بماء نجس قد تنجس قبل وصوله إلى النجاسة، ثم فإن كان يصب بإناء في كفه، ويهدى إلى فيه، ولا يعود يغسل يده، ففي هذا اختلاف، وأحب أن يجزئه، لما مضى، وأحب أن يستقبل غسل كفه كلما أراد.
مسألة:
قال بشير: سألت الفضل عن من شرب ماء نجسا، ثم مضمض فاه مرة واحدة؟ */* (1/222)
صفحة 223
فوقف، ثم قال: أرجو أن يجزئه وشبهه بشر به نبيذ الحر بذلك.
مسألة:
ومن غسل فاه من نجاسة دم أو غيره، فالماء الذي تمضمض به أول مرة طاهر، مالم تغلب عليه النجاسة، ولو كان في الفم بعد، على قول من يقول، إن الماء لا ينجسه إلا ما غلب عليه
مسألة:
ومن غسل منخريه من رعاف، أو فاه من دم أو قئ فإنه يغسل ما ظهر وأمكن غسله حيث يصل الوضوء، ثم لا يفسد عليه ما خرج من منخريه ولا ما خرج من صدره من نخاعة. ومن أدمى أنفه كفاه الاستنشاق حتى يخرج الماء صافيا، وليس عليه إدخال يده في أنفه.
مسألة:
كان أبو المؤثر إذا غسل شيئا من جسده من الدم قال، لا تنظروا إليه ودعوه، وكان مذهبه أنه إذا غسل موضع النجاسة من ذلك الذي يخاف أن يخرج منه، أنه ليس عليه أن يرجع ينظره.
مسألة:
ومن كان جرحه يسيل دما فغسله ثلاثا في ماء حار، فحكمه قد طهر، حتى يعلم أنه لم ينقطع، والله أعلم.*/* (1/223)
صفحة 224
وإن كان موضع الجرح أحمر، وقد يحتمل في الجرح بعد الغسل رؤية الحمرة، وهي غير الدم من اللحم فإذا احتمل ذلك فحكمه مالم يعلم أنها دم.
مسألة:
ومن تنجس فمه ثم يبصق إلى أن ذهبت عين النجاسة فقد طهر فمه على قول أبي المنذر، وهي رخصة.
مسألة:
ومن كان في فمه دم فشرب من ماء في تور، فمضمض فاه، لم يفسد ماء ذلك التور.
مسألة:
ومن تخلل، فخرج من فمه دم، فبزق حتى صار بزاقه أصفر، فمسه من بزاقه شيء، أنفسك عليك؟ قال: لا عليك، قيل، فإن تخلل فوجد طعم الدم؟ قال: لا بأس إلا أن يستيقن على الدم.
مسألة:
وإن تنجس فوه، ثم أكمل طعاما ناسيا، أو معتمدا، فبقي في أضراسه شيء ثم تمضمض؟ */* (1/224)
صفحة 225
قال: إذا كان الطعام قد تنجس فبقي في أضراسه منه شيء لا يجرى عليه الماء في الغسل، فهو نجس، وإن كان يجري عليه الماء في الغسل عند غسل الفم، فإنه طاهر، فإن أكل، ثم تنجس، ثم فمه، ثم مضمضه، فإنه طاهر.
مسألة:
أبو عبد الله محمد إبراهيم ــــ فيمن تسوك أو يخلل أضراسه، ضروسه وفوه نجس من غير نجاسة ذاتية، ويغسل فاه، ثم يجد شيئا من المسواك أو الخلال لاصقا بين الجلد والضروس. قال: ذلك الشيء بن حالين، إما أنه ناتئ كالسلاة وما أشبهها، فإذا أتت الطهارة على الظاهر من ذلك فقد طهر، وإما أنه غير ناتئ يدخل إليه الماء فإذا بلغ إليه الماء الطاهر فقد طهر. قيل، فإن كان فيه موضع الضروس خبة، فأكل طعاما عارضته فيه نجاسة، فأخرجه وبقي منه شيء، [و] غسل فاه هل يطهر؟ قال: إذا غسل فاه وخضخض الماء فيه فقد طهر وإذا دخل الماء موضع النجاسة، والله أعلم.
مسألة:
وعنه فيمن يكحل بكحل نجس ويغسل عينيه، ويبقى سواد الكحل؟ قال: عند أنهما قد طهرا، ولا بأس بالسواد، مال م يبق من الكحل شيء متواجدا، فهو نجس.*/* (1/225)
صفحة 226
مسألة:
ومن اتصل بزاقه بنجاسة، ثم انقطع أعلا من النجاسة ورجع إلى فيه فلا بأس، فإن انقطع من حيث يمس النجاسة ورجع فيه، فالحكم أن الاعلى لا يأخذ من الأسفل شيئا، إلا أن يعلم أنه رد شيئا نجسا، وإن رجع البزاق إلى فيه، وقد مس النجاسة فهو فاسد، ولو كانت يابسة ولو لم يتمكن. وقول، إذا كان بقدر مال يرطب النجاسة وتشيع في الريق فلا بأس.
مسألة:
أبو سعيد ـــ فيمن زج عليه غبار تراب الكنيف النجس فغسل ونسي موضعا من بدنه لم يرج عليه يده حتى لبس ثوبه إلا أن الماء قد جرى عليه أكثر منه.
قال: فإذا جرى عليه من الماء أكثر منه، مع حركة تقوم مقام العراك، في تواترها عليه، بقدر ثلاث عركات، أجزاه ذلك عن عركة في ظهره، فإن يبس بدنه، وبقي الموضع الذي لم تجر عليه يده، فإذا ثبت له حكم الطهارة فلا تضره الغبرة، إلا أن يكون في الغبرة شيء من النجاسة قائما بعينه، وإن أجرى يده على الموضع بعد أن يبس بدنه أو هو رطب فتحول في يده من ذلك الموضع طينا على لون السماد أو مثله بعد أن جرى عليه الماء، فإذا جرى عليه حكم الطهارة، وكانت النجاسة ليست من الذوات القائمة في تلك الغبرة التي هي أكثر من السماد، وإنما الغبرة من التراب لا يتبين فيها ذات من النجاسة، فإذا جرى عليه حكم الطهارة من */* (1/226)
صفحة 227
الغسل فهو طاهر، فإن اشتبه عليه أنه قالم جرى الماء مقام الغسل أم لا، فإذا صحت النجاسة، ثم استبه صحة الطهارة فالنجاسة أولى به في الحكم مالم يصح لها الطهارة.
مسألة:
فمن كانت يداه إلى الإبط نجستين، ثم غسلهما إلى المرفقين وهو يمشي أو قائم فما سال على كفيه من الماء حيث بلغ غسله إلى كفيه طاهر، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد ــــ إن كان فيه عقر في سائر بدنه فوقع عليه تراب السماد النجس وهو رطب فعلق به، فغسله بالماء، فلم يخرج، وخاف إن عركه عركا أكثر من ذلك أدمى الجرح، أو يؤلمه، أو يؤذيه. فإن كان الغسل يبلغ مواضع التراب كلها، لا يمتنع منه شيء وثبت فيه الغسل الذي يزيل النجاسة، فإن ما كان التراب معارضا له نجاسة من غير الذوات، وهي مثل الأولى.
مسألة:
أبو سعيد ـــ فيمن عقر زرعا بسماد نجس، فلما فرغ نفض يده وثيابه حتى يذهب التراب، وبقي بدنه ويده أغبرين، ما حكم الغبرة؟ فإن لم يبق من عين التراب شيء، ولم يكن زائكا منه في البدن ولا في الثوب شيء، فأرجوا أن لا غسل عليه، إذا علم ذلك أنه قد زال، وإن كانت ذلك منه، فأخاف أن يكون نجسا، إذا كان من التراب النجس.*/* (1/227)
صفحة 228
مسألة:
أبو سعيد ـــ فيمن أخرج سمادا من خلا فزجا منه تراب على موضع تظهر الشمس والريح عليه، فظهرت عليه ثلاث أو أكثر، فإن كان الزجو من النجاسة أو شيء يكون الأغلب النجاسة فما كان دائما قائما بعينه فهو نجس، وأما إن كان من التراب الذي عارضته النجاسة فمتى زالت عينها وضربتها الشمس والريح، نحو ما يكتفي به في ثبوت طهارتها، كان ذلك مما يوجب طهارتها. قيل: فإن كان الزجو متغيرا؛ قال: إن كان عين، أو غالبا عليه العين من النجاسة فهو نجس، وحكمه ما غلب عليه، وإلا كان مثل المعارض من البراز وغيره. وقول: إن زجو التراب من الكنيف نجس. ويعجبني أن يكون الكنيف وغيره سواء، فهو معي طاهرا في الأصل، حتى يعلم أنه قد عارضه ما يفسده، ولو كان متغيرا حتى يعلم أن المتغير من النجاسة، والله أعلم.
مسألة:
ومن سمد سمادا، كنيفا أو غيره، فأصابه غبار السماد، فإن لم يعرق نفض الغبار، فلا بأس عليه، وإن عرق غسل بدنه.
مسألة:
أبو سعيد ــــ في النجاسة، إذا زالت بالعركة الثالثة هل تطهر؟ قال: يخرج، أنه قد طهرت، ويخرج، أنها لم تطهر.*/* (1/228)
صفحة 229
قلت: فما علة من يقول بطهارتها، وإنما زالت بالعرك، ولم تزل بصب الماء في الثالثة؟ قال: في الحكم، إنما ثبت الغسل بصحة العرك مع صب الماء بالثلاث فقد ثبت لهذه النجاسة زوال أثرها بصحة غسلها، بكمال السنة فيها، على عدد ما ثبت في غسل النجاسات.
مسألة:
فإن لم يبلغ الماء داخل الشق الذي فيه النجاسة، فلم يبلغه حكم الطهارة فهو بحاله، فإن لم يحل من الشق ما قد داخله من البول والغائط في الشق مما سال من الماء الذي قد دخل بول فهو طاهر، وإذا كان الماء أكثر فإن كان مختلطين ولم يعلم أيهما الغالب، فإذا كان حكم الماء فإنما حكمه الغالب حتى يعلم غير ذلك.
مسألة:
أبو سعيد ـــ فيمن غسل عقرا في رأسه، ثم قيل له: في رأسك دم، والماء يقطر من رأسه على بدنه، وأمكن خروجه من بعد أن جرى عليه ذلك الماء من الموضع فهو طاهر حق حتى يعلم أنه نجس. وإن كان الماء متصل بالدم غير أن الماء لا يبين فيه الدم ولا شيء منه، وإنما يبين الدم حول العقر وفيه. فإذا كان مخالطا للدم، وكان في الاصل طاهرا، وكان جاريا، أنه */* (1/229)
صفحة 230
لا يفسد حتى يخرج عليه الدم إذا كان جريه متبينا، ولم يكن في الأصل فاسدا والله أعلم.
مسألة:
ومن وقع في جسده نجس دم أو غيره فلم ينل غسله بيده، فإن جرى الماء عليه جرى على سائر جسده، وسال على إزاره، أو قطر أو ثار به وهو في موضع لا يمكن أن يحل إزاره، فإذا لم يقدر على حيلة من طهارته تصعد وصلى وتوضأ، أو تصعد وصلى، والله أعلم.
مسألة:
ومن غسل جرحا طريا أو قديما وبقى في جرحه الدم، هل له أن يصلي قبل أن يغسله؟ فإذا لم يفض جاز له أن يصلي، وليس عليه الغسل داخل الجرح، فإن كان يدخل والج الجرح ويخرج متغيرا على ظاهر الجرح كان ذلك الماء المتغير مفسدا لظاهر الجرح، ولم يجز له أن يصلي حتى ينقى الجرح. وإن كان الماء لا يدخل الجرح ولا يمسه الماء جاز له أن يصلي والدم في والج الجرح.
مسألة:
ومن اكتحل بكحل عارضته نجاسة، ثم غسله وبقي سواد في عينه؟ قال: إذا غسل عينه غسل النجاسة فقد طهرت، ولا يضره ما بقي من السواد.*/* (1/230)
صفحة 231
وكذلك إن غسل بدنه من نجاسة بغسل، فبقي في بدنه غسل، فالغسل الذي باق في بدنه طاهر.
مسألة:
واختلف الناس في تطهير البدن من النجاسة قبل حضور وقت العبادة، فأوجب قوم ذلك، ولم يوجب آخرون إلا عند حضور وقت الصلاة، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد، فيمن تنجس فوه بشيء من الدم، أو خرج منه ما يكون نجسا، فبزق حتى خرج الريق صافيا، وكان صائما، أو مفطرا فإن له أن يسرط ريقه، ولا حرج عليه في ذلك، من طريق الإثم، ولا نقض صوم، ولا أعلم في هذا اختلافا. واختلفوا في طهارة الفم بذلك، فقول: لا يطهر إلا بالغسل، وما مس من ريقه من ثوب أو بدن أفسده، عدم الماء أو وجده. وقول: إن عدم الماء كان ذلك طهارته، فإذا وجدا الماء غسله، ولزمه غسله، فما كان واجدا للماء وتركه وهو قادر على غسله كان حكمه نجسا منجسا لما مس حتى يغسله.
وقول: إذا بزق حتى يخرج الريق صافيا فتلك طهارة الفم، عدم الماء أو وجده، بمعنى ما يثبت، أنه مالم يكن الدم أكثر من الريق أو غالبا عليه ولا ينجسه، وكذلك إذا زال الدم كان مزيلا لحكمه، طاهرا بنفسه.*/* (1/231)
صفحة 232
وقول إذا خرج الريق صافيا وزالت عين النجاسة عنه لم يطهر إلا حتى يبزق ثلاث مرات، ثم يمضمض بالريق فاه، بمنزلة الماء، وشبهه بالماء في السيلان وإزالة النجاسة.
ويخرج قول، إن خرج الريق صافيا، ثم مضمض فاه بالريق مرة واحدة طهر بمنزلة الماء، وقول: إنما يطهر على أحد هذه الأقاويل الدم. وأما سائر النجاسات فلا يطهرها، لأن معنى الدم فيها بمنزلة الماء في الدم، أو الدم في الماء.
مسألة:
ومما يخرج، أنه لو تقيأ، قليلا أو كثيرا، كان مفسدا لفمه وريقه، كان عليه عين قائمة في الريق أو لم نكن له عين. وكذلك سائر النجاسات مما تعارض الفم من غير الدم، من بول وغيره، فإن ذلك مفسد للفم والريق الذي في الفم، قليله و كثيره، فإذا ثبت هذا كان خلافا للدم في أحكامه في الفم
وإذا ثبت اختلاف ذلك في ثبوت النجاسة لم يتعر من اختلاف ذلك في وجوب التطهر من الريق لسائر النجاسات من الفم فيما سوى الدم لتشابهها، وإذا ثبت هذا في الفم في الريق في حكم الدم لشبهه له لم يبعد من ثبوته في الأنف والمخاط في الغلبة والطهارة
وإذا ثبت في التساوي في النجاسة ثبت في التطهير للنجاسة على ما قيل في الريق*/* (1/232)
صفحة 233
لتساويهما في الاختلاف، ولا أعلم أن أحدا قال بذلك في الريق، وأخرجه في المخاط في الأنف، بل هما متساويان.
وقيل، إن الريق يطهر الفم من سائر النجاسات إذا تنجس، لمعنى شبهه بالماء في السيلان، وإزالة عين النجاسة في الفعل. وإذا ثبت ذلك في الريق لم يبعد من المخاط أن يكون بمعناه، وقول، إن الريق مطهر للنجاسة، من حيث ما كانت من الفم وغيره من الأبدان والثياب وغيرها، إذا تنجست وغسلت بالريق حتى زالت النجاسة كما أزيلت فهو بالماء، سواء.
وإذا ثبت هذا في الريق لشبهه بالماء فكذلك المخاط، فمن هنالك، قيل، إن النجاسة تطهر جميع ما أزالها من خل والنبيذ الطاهر والأدهان واللبن، أو ماء الشجر. وقيل في كل هذا بمثل ما قيل في الريق، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد ـــ فيمن كان في رجله بول، فرفس الماء برجله ولم يمسسه حتى عم الماء مواضع البول، أن ذلك يجزيه عنده؟ قال، وهو أحب إلي من العرك، لأنه يلح أكثر من العرك إذا كان في الرجل شقوق.*/* (1/233)
صفحة 234
ويخرج القول، أن الماء إذا غشي النجاسة من البول ونحوه من غير الذوات حتى ترطبت البشرة فقد طهر بذلك، لأن الماء يستهلك النجاسة، ويح حيث تلح النجاسة، فلم أره يصرح ذلك كالأول، فانظر في عدله.
مسألة:
وإن دخل في منخره غبار السماد نجس، ونسي أن يتمخط، ويدخل يده في منخره، ثم تمخط بعد ذلك فخرج المخاط متغيرا من الغبار؟ فإن لم يغسل موضع تلك النجاسة مما يقدر على غسله، فهو نجس، وإن كان أتى عليه من الاستنشاق من حركة الماء ما يقوم مقام الغسل لمثله، ولم تكن النجاسة من الذوات، فتخرج طهارته على قول، وقول، إنه نجس حتى يزول الشيء بعينة التي عارضته النجاسة، وقول، كل ما لم يكن له عين أو ذات تبقى، فوقع عليه غسل واحد بعرك أو مضمضة أو خضخضة فقد حصل غسله وصحت طهارته.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في العين تنجس ثم يعرك بدموعها، هل تطهر؟ قال: الدموع تخرج مخرج الريق. وقيل: إن الريق يطهر النجاسة على المجمل، وقول، لا يطهر النجاسة.
ويعجبني ذلك من الضرورة والعدم، وإذا وجد الماء غسله وما مسه في حال العدم، فإن وجد الماء فلم يغسل ذلك فلا يسعه لأنه قد صار إلى حال الوجود، فإن مس ما في غسله مضرة مثل الكتاب فيعجبني التوسع ذلك لمعنى الضرورة، والله أعلم،*/* (1/234)
صفحة 235
الباب الثاني
في نجاسة الأرض وطهارتها وما معناها
أبو جعفر محمد بن علي ـــ أنه قال، في ذكاة الأرض يبسها، يريد طهارتها من النجاسة. وعنه أن الأرض يطهر بعضها بعضا، يعني أن اليابس منها يطهر من نجاسة الرطب، والطيب فيها يطهر الخبيث. وشبه يبس الأرض، إذا كان يطهرها وتحل للمصلي فيها، بالذكاة للذبيحة إذا كانت تطيبها وتحللها، والذكاة الحياة، وأصلها من ذكت النار تذكو، أي حييت واستعرت، وأن الأرض إذا تنجست بمنزلة الميتة فإذا جفت، أو صب عليها الماء ذكت، أي حييت.
مسألة:
أبو جعفر ـ النجس من الأرض ببول أو غيره من النجاسات إذا ضربته الشمس أو الريح حتى يتغير ويذهب فقد طهر وإن لم يغسل. وفي موضع، اختلف في الشمس بغير ريح، أو الريح بغير شمس فقول، يجزئ ذلك، وقول، لا يجزئ حتى يضرباه جميعا، وأما مالم تنله الريح وال الشمس فهو بحاله حتى يطهر، أو تضربه الشمس والريح أو أحدهما، وذهاب عين النجاسة عن الأرض بنقل حكمها إلى ما كانت عليه من حكم الطهارة، كان ذهابها بشمس أو ريح أو غير ذلك، فحكم النجاسة عنها زائل، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن */* (1/235)
صفحة 236
امرأة قالت له، يا رسول الله إني امرأة أطيل ذيلي وأسحبه على الأرض الطاهرة وغير الطاهرة، فقال صلى الله عليه وسلم: الأرض يطهر بعضها البعض
وروى أن وفد ثقيف لما أتوه صلى الله عليه وسلم ونزلوا في المسجد، فقيل له، نترك هؤلاء الأنجاس في المسجد، فقال، إن الأرض تحمل خبث بني آدم. فعلى هذا إذا مالم ير في الأرض عين النجاسة فحكمها الطهارة.
وروى أنه قيل له فيهم، يا رسول الله، إنهم قوم أنجاس. فقال صلى الله عليه وسلم: ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، وإنما أنجاس الناس على أنفسهم. وروى أنه أمر بحفر الأرض من بول الأعرابي.
مسألة:
وفي حديث عمر، إذا أجريت الماء أجزى عنك، يريد، إذا صببت الماء على البول فجرى عليه الماء فقد طهر المكان ولا حاجة لك إلى غسله وتنشيف الماء بخرقة أو غيرها، كما يفعل كثير من الناس. والأصل في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بصب الماء على بول الأعرابي في المسجد، ولم يأمر بغسل المكان ولا بنشف الماء وقوله اجزاه عنه، أي أقضى عنك وعني من قوله تعالى: ((لا تجزي نفس عن نفس))،فإن أدخلت الألف فقلت أجزاك بهمزة، ومعناه أكفاك، تقول، أجزاني الشيء يجزئني، أي كفاني.*/* (1/236)
صفحة 237
مسألة:
وقيل، في الأرض إذا وقعت فيها النجاسة من غير الذوات، فغشيها من الماء [الطاهر] أكثر منها، ففيها اختلاف، فقول تطهر بغير عرك، وقول، لا تطهر إلا بالعرك. قال، والبدن مثله.
مسألة:
وإذا تنجست الأرض وجرى عليها الماء مرة واحدة لم تطهر حتى يجرى عليها الماء ثلاث مرات إلا أن يكون ما متصلا، فجرى مرة أجزاه، وما كان فيها من خشب لم يطهر بمرة حتى يجرى عليه الماء ثلاثا، وأما ما كان واقعا فحكمه حكم الأرض، من لفظ وحصى وحطب، فأما الجندل والخشب فحتى يغسل بالماء.
مسألة:
في صفة لها أبواب، يدخل بعضها الشمس والريح متى تطهر من النجاسة؟ ــــ فإن كانت النجاسة مما تطهرها الشمس والريح، وكانت تدخل شيئا منها وزالت عينها، فأرجو أن تطهر. ولو لم تأت الشمس على النجاسة كلها، وكانت الريح تأتي عليها.
مسألة:
واختلف في الشمس والريح في كم تطهر النجاسة من يوم؟
فقول: ثلاثة أيام، وقول: يوم واحد، وذلك في النجاسات العارضات،*/* (1/237)
صفحة 238
وأما القائمة بعينها مثل الدم فلا تطهر إلا بالماء ما دام قائم العين، وإن زالت آثارها وضربتها الشمس والريح، فأرجوا أنها تطهر إلا في البدن والثوب.
مسألة:
وتطهر الأرض من المساجد والمنازل بالماء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم امر بغسل المسجد من بول الأعرابي.
قال الشافعي: يصب على البول ذنوب من ماء، وبه قال أصحابنا، والذنوب ملء دلو من الماء. والذنوب الدلو العظيمة، والذنوب ايضا النصيب. قال الله تعالى: ((وإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم))، أي نصيبا
قال علقمة بن عبدة:
ففي كل حي قد هبطت بنعمة *** فحق لشاش من نداك ذنوب
مسألة:
قال بشير: من رأى في موضع من الأرض نجاسة، ثم رجع فلم يرها فلا بأس بذلك إذا أصبتها الشمس والريح، فإن الأرض يطهر بعضها بعضا. فإن كان في موضع لا تصيبه الشمس ولا الريح وصب عليها الماء وبقيت الأرض رطبة فحتى تيبس الرطوبة ثم تطهر الأرض.*/* (1/238)
صفحة 239
قال أبو الحوارى: إذا كان الماء أكثر من النجاسة فقد طهر، ويصلى عليه ولو كان رطبا.
مسألة:
ومختلف في الأرض، فقول، إذا ضربتها الريح والشمس وزالت عن النجاسة منها طهرت، وكذلك البول والعذرة والدم، وقول، إن الشمس لا تطهر ولا الريح ولو كان ذلك يطهر لكان يطهر به كل ما يكون نجاسة يبست بريح أو شمس
مسألة:
وإذا كان موضع أو بستان يتغوط فيه أو يبول فيه أهله، ثم يسح فيه الفلج فما عند أنه يطهر حتى يخرج منه الغائط، ولا يبقى منه شيء، ثم يعرك موضعه عركا جيدا، إلا أن تكون حركة الفلج تقوم مقام العرك، فأرجوا أنه يطهر، والله أعلم.
مسألة:
ومن مر في طريق فيه ماء وماء، والصبيان يهرقون فيه مائهم، فلا بأس بذلك، ولو رأى الصبيان يهرقون فيه فلا بأس، لعله إذا كان الماء أكثر مما يهرقه فيه الصبيان.
مسألة:
في رحا [في الأصل رهى، وهي مؤنثة] تبول عليها الصبي يبس البول ثم يطحن بها قبل أن تغسل. فلا أرى فسادا في ذلك لأنه لا بأس على يابس */* (1/239)
صفحة 240
مسألة:
وذهاب عين النجاسة عن الأرض وعن مالاقي الأرض مثل النعال والأخفاف فإنه يحكم له بالطهارة، لما روى أبو نعامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى وهو منتعل، بعض صلاته، ثم ذكر أنه وطأ بنعليه في نجاسة، فخلعهما، ثم نظر إليهما فلم ير عليهما شيئا من القذر، فأتم صلاته بهما. وفي الرواية، أنهم خلعوا نعالهم لما رأوه خلع نعاله، فأخبرهم بعد صلاته، إنما خلعها لأجل نجاسة كان قد وطئ فيها بنعليه، كذا في الشرح. وفي جامعه، أن خبر أبي نعامة هذا فيه نظر، غير أن الشرح آخر الكتابين عنه.
مسألة:
وعن أبي هريرة، من وطئ في نجاسة ثم مشى بعد ذلك إلى أن زالت العين فلا تطهر حتى يغسلها بالماء.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، إذا وطئ الأذى أحكم بخفيه فطهرهما التراب، ومن وطئ بنعليه في نجاسة ولم تلصق النجاسة بالنعل، فإذا خطا بها سبع مرات طهرت، فإن ظهرت النجاسة بها طهرت بالماء ما دما لها عين قائمة.
وعلة من قال بتطهير النعل بغير غسل قول النبي صلى الله عليه وسلم، أيما إهاب أحدكم دبغ فقد طهر.*/* (1/240)
صفحة 241
مسألة:
وإذا يبس البول، وذهب منه الأثر، وبقيت الرائحة لم يكن موضعها نجسا إلا أن يكون موضعها زائكا مثل بياض أو صفرة أو حمرة، مثل ما يكون من أبوال الدواب فإنه ما دام الزوك قائما فإنه نجس، وأما الرائحة وأثر الموضع غير الزوك فإنه متى ذهب منه الاثر ويبس فقد طهر، ولا ينظر في قلة الوقت ولا كثرته.
وكذلك أثر الكلب إذا يبس وذهب منه الثرى فقد طهر مكانه.
وقيل كالماء النجس إذا ضربته الشمس ويبس ولم يتغير الاثر فقد طهر.
والبول لا يطهر حتى يزول أثره الذي يعرف بعلاماته، ولو يبس وبينهما فرق.
مسألة:
وإذا وطئ الكلب في موضع ثرى نجسه، وكذلك أثر كل سبع. ومختلف في أثر الكلب إذا وطئ، ثم يبس أثره منها، منهم من قال: طهر الموضع إذا يبست النجاسة، وقول: ما دام أثره قائما له علامة قائمة النجاسة لم يطهر في الحكم عندهم ما لم يذهب الأثر.
مسألة:
اختلف في الماء الذي تطهر به النجاسات في الارض، فقول: ما دام النجس */* (1/241)
صفحة 242
رطبا فهو نجس إلى أن ييبس الماء والثرى، وقول: إنه نجس حتى ييبس النجس بعينه، ولا بأس بالثرى، وقول: إنما ذلك فيما تغسل به النجاسة من الذوات، مثل العذرة والدم، وقول: لا بأس بذلك أيضا إذا كانت النجاسة من الذوات وغيرها.
مسألة:
واختلف في بادرة الماء الذي يغسل به النجاسة، فقول: إنها نجسة تلم البادرة ولو طالت وتباعدت، وقول: إذا جرى على النجاسة حكم الطهارة فقد طهر ذلك كله إذا كان الماء متصلا، وقول: إذا كان الماء الطاهر من بعد طهارة النجاسة أكثر جاز ذلك ولم يفسد إذا أدرك بعضه بعضا
مسألة:
والأرض إذا بالت عليها دابة ثم عمل من طينها مصلى فطهارته على قول، أنه يصب الماء من فوق المصلى ويصلى عليه.
وأما ما تطهره الشمس والريح فالذي عليه الإجماع من أصحابنا، أن البدن والثياب إذا تنجست من غير الذوات لا تطهرهما الشمس والريح، ولا أحدهما إلا الماء، ولا أعلم في ذلك اختلاف، وسائر ذلك فيه اختلاف.
مسألة:
والجدار إذا عمل بطين [في الاصل بالماء] نجس أو الغماء ففيه اختلاف، قول: يطهر إذا بيس، وقول لا يطهر.*/* (1/242)
صفحة 243
وفي موضع، بيت عمل بطين نجس، ثم أصاب الغيث، وقطر المنزل، ما حكم قطره؟
قال: يقع في العقول، أن ذلك القطر من إيصال الماء الجاري فهو عندي طاهر، وإن كان يقع ذلك أنه يتمكن في موضع بع مزايلته من الماء الجاري فنجس.
قيل: فإن غاب ذلك واحتمل هذا وهذا قال: عند الاحتمال، أن الماء طاهر حتى يعلم أنه نجس.
مسألة:
وروث الغنم إذا تغير البول ويبس ولم يبق للبول أثر فقول: لا يطهر إلا بالماء، وقول: يطهر إن ضربته الشمس والريح، إن ظهرتا عليه أو أحدهما، وقول: لا يجزئ إلا كلاهما، ومن أي شيء دخلت الريح ولو من كوة اجزي.
وقول: إن لم يكن شمس ولا ريح وعلم ذلك وجرى عليه حركة من كسح او وطئ عليه فاستحالت النجاسة بأي الحركات طهر ذلك، وقول: إذا يبس ذلك وذهب عين البول طهر ذلك ولو لم تجر عليه حركة، ولا وطئ على ما قد قيل في الجدار.
وإذا بنى بطين نجس في والج البيت حيث لا تضربه شمس ولا ريح، أنه إذا يبس ولم تكن النجاسة أنه يطهر وهذا شبهه.*/* (1/243)
صفحة 244
مسألة:
اختلف في الشمس والريح هل تطهران ما دون البدن والثوب، فقول: تطهره، وقول: لا تطهره، وقول: يطهر الثوب الارض، وسائر ذلك لا يطهر إلا بالماء ولا يبعد الحصير والسمهة من الاختلاف.
مسألة:
لوح كتب فيه بحبر نجس ثم غسل، فلم يخرج، فإذا صار بمنزلة الزوك فقول: إنه نجس، وقول: إنه طاهر، وهو أحب إلي.
فإن كتب به في قرطاس، فعلق به، فهو بمنزلة ما يخرج من الصبغ النجس إذا بولغ في غسله، ثم رجع يخرج منه ما يشبه جنس الصبغ من السواد والحمرة والصفرة.
مسألة:
والطين النجس إذا أوقدت عليه النار فإنها تطهره، والتنور إذا عمل من طين نجس حمم مرتين، مرة تطهره ومرة يخبز بها.
والتنور إذا شوى فيه الميتة فلزقه دسم، فمختلف فيه، فقول: يغسل، وقول: يكسر، وقول: يحمم بنار حتى يذهب ذلك، والاختلاف يكثر.
مسألة:
والصفاة والحصى لا يطهران من النجاسة إلا بغسل الماء، إلا أن بعضهم قال */* (1/244)
صفحة 245
في الحصى، الذي في الأرض قد استوى معها، أن حكمه حكمها.
أبو سعيد ــ في الجندل النجس تضربه الشمس والريح، فقول: يطهر بمنزلة الأرض، وقول: لا يطهر.
واختلف في الحصى فقيل: إنه مثل الصفاة، وقول: إنه مثل الأرض. قيل، والصفاة والحصى إذا تنجس من غير الذوات، هلى يجزئه صب الماء عليه كالأرض، كانت النجاسة رطبة أو يابسة؟ قال، معي. أنه قيل، يجزيه لأنه لا ينشف كالأرض، وقد قيل، إن الصفا يعرك، والحصى يقلب، والتراب يصب عليه الماء، وهذا في بعض القول، والله أعلم.
مسألة:
وإذا تنجست الأرض وجرى عليها الماء مرة واحدة لم تطهر حتى يجرى عليها الماء ثلاث مرات، إلا أن يكون ماء متصلا من نجاسة يجزئ مرة أخرى ـوما كان فيها من خشب لم يطهر إلا حتى يجرى عليها الماء ثلاث مرات، وأما ما كان واقعا فحكمه حكم الأرض من لغط وحصى وحطب، وأما الجندل والخشب فحتى يغسل بالماء.
وفي موضع غدان روح عليه ثوب نجس، فنعم، نرجو إن ضربته الشمس والريح يجزيه عن الغسل، فإن غسل، فأبلغ. وأما الشجر الذي يزرع ويسقى بماء نجس ففيه اختلاف.*/* (1/245)
صفحة 246
مسألة:
أبو سعيد ـــ في وعبي الساقية، إذا كانا نجسين، فانقحم أحد يغسل، فضرب الماء الوعبين، فطار به من ذلك؟ إن ما طار به طاهر حتى يعلم أنه نجس.
مسألة:
في فأرة ميتة أخرجت من قلة، وطهر موضعها، وكان نجسا، وكان يصب الماء ويقع ثم يعرك، حتى عرك ثلاثا، والماء ويسيل ويجتمع في خبة الدبس وطهر موضع النجاسة، ما حكم الخبة والماء الذي فيها؟
قال: فيه، اختلاف، قول، إن ذلك طاهر كله، وقول، هو نجس حتى ييبس الماء، ولو بقي الطين والثرى فلا بأس بذلك، وقول ذلك كله نجس حتى ييبس الثرى، وإن كان الماء لم ينقطع حتى طهر موضع النجاسة فإنه طاهر، ولا أعلم فيه اختلافا.
وحكم ما أنبتت الأرض كان يجب أن يكون حكمه كحكمها إلا أن الاحتياط غير ذلك، وأما الحب فإنه يغسل، وكذلك الدعون [كذا في الأصل، والدعن سعف يضم بعضه إلى بعض] والخوص وغيرهما من الفرش والحصر.*/* (1/246)
صفحة 247
الباب الثالث
في نجاسة الزرع والشجر والثمار وطهارتها
وما أشبه ذلك
والأرض التي تسمد بالسرجين وأرواث الدواب، فإذا أتى عليها سنة صلى فيها، وأما العذرة فلا أرى أن يصلى حتى يذهب منها، ولا أوقت في ذلك وقتا. قال، ومن صلى جاز له ذلك، ومن ضيق وشدد فهو أسلم.
مسألة:
والمسحفة إذا وقع بها عذرة رطبة ثم ضرب بها في التراب عشرين مرة أو عشر مرات ولم ير بها شيء فأرجو ألا بأس بها، لأنه قد جرى عليها التراب.
مسألة:
وإذا كان في أجيل عذرة، ثم سقى، وهي فيه، فعن أبي المؤثر، أنه إذا ذهبت فقد طهر الأجيل ولا بأس بطينه، ولا الصلاة فيه. وإن كانت قائمة بعينها على الماء أو في الأرض بعد ما انقطع الماء فالأجيل نجس، وطينه فاسد، ومن صلى فعليه البدل. قال غيره: إلا أن يكون دخلها من الماء ما لا ينجسه شيء لكثرته.*/* (1/247)
صفحة 248
فلا بأس بطينها، إلا ما كان حول العذرة بثلاثة أذرع، فأحب أنه مجتنب في ذلك على الاحتياط.
مسألة:
وإذا شرب شجر من بئر فيها ميتة، مثل، قثاء أو قرع أو بقل أو أترج أو نخل أو عنب أو تين فلا بأس بأكله إن شاء الله.
مسألة:
وقيل في البقل والبصل وما يؤكل شجره ففيه اختلاف، قول، لا يؤكل حتى يجز وينظر من الأرض، وقول، يغسل ويؤكل.
فأما القرع والبطيخ وشبهه فأكثر القول، أنه يؤكل. وفي موضع: من زرع قرعة على عذرة خالصة فإنه يؤكل حمل القرعة ويغسل ويؤكل. وقول، إذا كان إنما تعيش في النجاسة، فقالوا لا تؤكل، وقول، لا بأس بذات الثمار وأما البقول فأشبه.
ومن دفن تحت نخلة تثمر حمارا ميتا فلا بأس بثمرتها.
مسألة:
في حلته بقل أو بصل سقيت وفيها عذرة.
قال: الأصح، أنه لا يفسد إلا ما مس النجاسة. (1/248)
صفحة 249
قيل: ولو كان أصله في النجاسة بنفسها فجز من أعلى النجاسة كان ذلك طاهرا. قال: هكذا عندي. وقول: لا يؤكل، وهو شاذ.
مسألة:
ومن لقح نخلة ثم بال على حملها.
فإذا زادت الثمرة، وتقلبت إلى حال حتى تكبر وتدرك فهي طاهرة، وقد ذهبت ذلك في أول أوقاته. ومن كان يخلج نخلة فأبصر في كفه دما ممثا فتوهم أنه أنمث في العذوق فلا ينجس إلا أن يكون أثر الدم في شيء من البسر، فإنه يفسد. فإذا ذهب أثر ذلك الدم من ذلك البسر وهو في النخلة فقد طهر فلا بأس بأكله.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في زرع عفر في سماد نجس وضربته الشمس ولم يخرج من الورق أنه إذا ثبت له حكم الطهارة بالشمس والريح أنه يطهر.
فيقول، في ثلاث أيام [ ... ] ولو في يوم واحد.*/* (1/249)
صفحة 250
مسألة:
وعن ميتة في طوى والزرع عليها قثاء هل يفسد؟ قال: لا.
وقيل: إن الزرع إذا سقى بماء نجس كان هو وما فيه من الثمر نجسا، وما أثمر من قبل أن يسقى ثلاثة أمناه، طاهرة نجس كله. وقول: حتى يسقي بماءين، وقول: حتى يسقي ماء طاهرا غير النجس، وقول: إنه طاهر كله إلا ما مسه من ذلك الماء النجس وهو نجس لما مسته النجاسة له حتى يسقى بماء طاهر، أو يغير أثر النجاسة. وتضرب به الشمس والريح.
مسألة:
وأما سقي الزرع على قول من يقول بذلك، من الماء ما يطهر به، طهر الزرع والثمرة وأما أثمر من بعد النجاسة أو من قبلها، ولم يسق من الماء ما يطهر به فمعنا ذلك كله نجس، ويخرج ذلك في جميع الاشجار، من العنب والقرع، والأترج، والباذنجان، والموز، وجميع هذا من المزروعات نمثل القثاء والقرع وأشباهه من جميع المثمرات ما سوى النخل وأشباهها من الاشجار الكبار من السدر والتين، ونحو ذلك حتى يجرى عليه حكم الطهارات. وقد يخرج هذا القول من الثمار الأشجار الكبار التي تشبه النخل، وفي ثمرة النخل، ولا أعلمه يخرج في ثمرة النخل، ولا في هذا الشجر الكبار.*/* (1/250)
صفحة 251
ويخرج إن ذلك كله طاهر في جميع الزرع من الشجر منها، والثمار، في جميع الأشجار الصغار منها الكبار وفي النخل، وكل ذلك طاهر في الأحكام، لأن كل شيء من ذلك على حكمه، ما لم ينتقل حكمه بلونه وتغلب عليه النجاسة، وذلك ما لا يستقيم بحكم الشاهدة.
ويخرج أنه لو لم تكن هذه الزراعة، ليس لها سقي إلا الماء النجس على الأبد للحقها اختلاف وتلحقها معاني الإجماع على نجاستها، لمنزلة الحلالة من الدواب.
قال: وأصبح ما يخرج من أحكامها الطهارة إلا ما مس النجاسة بعينها من ثمرة أو شجرة أو أصل أو غير. وإذا ضربت الشمس والريح ما مست النجاسة أو ثمرة أو غيره، مدرك أو غير مدرك حتى غيرته فذهبت بلونه، كذلك يطهرها، وفيه اختلاف.
مسألة:
وقيل: لو نبت شيء من الزرع أو الأشجار في النجاسات من العذرة وغيرها لكان من حين نباته وثبوته شجرا يخرج معناه طاهرا من حين ما يزايل حال النجاسة إلى حكم الشجرة بلونه واسمه.
وأما ما في التنزه والخروج من الشبهة فقد يلحق معناه، أنه ما دام تلك الحال ولم تزايله النجاسة ولو شرب مياها كثيرة، فإذا زالت النجاسة وطهر أصله، وشرب ماء طاهرا، أو لم يشرب، لحقه معاني الاختلاف.
وكذلك قبل أن تزايله النجاسة كان يلحقه الاختلاف، فإذا ثبت معاني هذا */* (1/251)
صفحة 252
لحق مثله في الأرض التي فيها الزراعة الشجر إذا شرب ماء نجسا، أنها تكون نجسة ما دامت لم تغب معاني النجاسة من رطوبتها وثراها.
فإذا غاب ذلك عنها وضربتها الشمس والريح لحقها الاختلاف حتى تشرب ماء طاهرا مرة، وقول: مرتين، وقول: ثلاثا، لا أعلم خلافا، وإنما يدرك هذا بالاعتبار.
مسألة:
ما دام الماء الجاري يدخل الموضع الذي فيه العذرة أو شيء من ذوات النجاسة فجميع ذلك الماء الذي في ذلك الموضع، قليل كان أو كثيرا، طاهرا. فإذا انقطع الحكم الجاري فما دام الراكد بحال مالا يتنجس من قليل، وفيه نجاسة قائمة، لم تستهلك، وبقيت عينها قبل أن ينقطع حكم الجاري أو يصير إلى حد ما يتنجس من قليل ثبت لهذا المعنى نجاسة هذا الماء الراكد كله، حيث بلغ ذلك كان قليلا أو كثيرا، إذا كان يتحرك جنباته بحركة أقصاه، فموضعه من الأرض نجس ما دامت رطوبته وثراه حتى يأتي عليه حكم الطهارة.
مسألة:
وحكم ما أنبتت الأرض كان يجب أن يكون كحكمها إلا أن الاحتياط غير ذلك. وأما الحب فإنه يغسل، وكذلك الدعون والخوص وغيرهما من الفرش والحصير.*/* (1/252)
صفحة 253
مسألة:
محمد بن إبراهيم ـــ في مثل القفيز والسمهة والحصير والحبال تتنجس من البول، أن الشمس والريح تطهره على بعض القول.
مسألة:
ومن غزل كتانا أو قطنا نجسا، وصار غزلا. فعن أبي الحسن أنه يطهر، وقول، إنه لا يطهر.*/* (1/253)
صفحة 254
الباب الرابع
في نجاسة العجين والطبيخ والتمر
والعجين إذا تنجس فإنه يلقي ولا يؤكل إلا أن تصيب النجاسة منه موضعا فإنه يلقى كالسمن الجامد. وإن عجن عجين بماء نجس فقول، يلقى ويدفن، وقول، إذا خبز بالنار أكل وإن عجن التمر بماء النجس فلا رخصة فيه إلا من أراد أن يطعم الدواب وقد رخص فيه.
والعجين إذا تنجس فقول، انه إذا خبز فأقشف فقد زالت النجاسة، وإن كان لم يقشف فإنه نجس. وفي معنى التنور والطوبج إذا خبز بها عجين نجس.
فعن موسى بن علي أنه أجاز أكل ذلك الخبز، فقال، فقد ذهب النار بذلك الماء، وكذلك قد طهر التنور ولا غسل عليهما على قوله.
وإن كان التمر غير معجون، فكنز بماء نجس فإنه ينكل ويفرق، ويصب عليه الماء صبا حتى يكون الماء أكثر من النجاسة ويبالغ في طهارته، ثم يؤكل. وقول، ينكل فيغسل غسلا نظيفا.*/* (1/254)
صفحة 255
قال غيره، إذا أكنز أو نضح بالماء النجس فقيل كذلك، وقول، إذا نكل وفتت غسل غسلا كما قيل في الجراب من الاختلاف. قال: ويعجبني ذلك مال يدخل ضرر في الحكم، وأما في الاحتياط فذلك إليه. وإن بالت الدابة على الجراب فقيل، يصب عليه الماء صبا، ويكون الماء أكثر من البول، ثم قد طهر.
وعن موسى بن علي في جراب كنز بماء نجس، أنه يفتت ويصب عليه الماء صبا. وقال، في جراب تبول عليه الشاة، أن صب الماء على ظاهره يكفي ولم يشترطوا إجراء اليد. وفي موضع، يصب عليه الماء فيبلغ حيث بلغ البول، طهر من غير عرك.
أبو سعيد ـــ إذا سال عليه البول ففي ظاهر الحكم، أنه إنما يغسل ما ظهر حتى يصح أنه مس شيئا مما استتر، فإن لم يمكن إلا مسه للتمر فقول يغسل ما أمكن غسله من الجراب ـثم يصب عليه الماء بقدر ما يبلغ حيث بلغ البول.
وقول، طهارة ما ظهر يأتي على طهارة ما استتر، كما قيل في السمهة والحصر إذا غسل ظاهره وعرك فبلغ الجانب الآخر فقول، ذلك طهارته كله، ما ظهر وما بطن، وقول حتى يغسل حيث بلغ البول والنجاسة، ولا يجزئ بلوغ الماء إليه إلا بماء جديد، أو غسل جديد. أو بصب يقوم مقام العرك أو الغسل. (1/255)
صفحة 256
قال ولا يعجبني إدخال الضرر إذا وجد إلى طهارته سبيل بغير الضرر.
مسألة:
وإذا بالت الشاة على تمر مسحح يصب عليه الماء حتى يطهر. وقال موسى بن علي: يصب عله الماء ثلاثة صبات. وقيل في الحب والتمر غير المكنوز تصيبه نجاسة، أنه يصب عليه الماء صبا إذا كان الماء أكثر، وبلغ حيث بلغت النجاسة.
وقول، لا يجزئ إلا الغسل بالعرك والحركة أو التقليب الذي يقوم مقام العرك. ويعجبني، ما لم يكن ضرر ولا مشقة أن يغسل غسلا، وإلا فقد قيل إن الماء يطهر لما مسه إذا لم تبق ثمة عين ولا أثر، لأنه طهور. قال، ولا أعلم في الجراب إذا تنجس ظاهره، أنه قيل ينكل تمره، إلا أن يخرج ذلك في الاعتبار.
مسألة:
فيمن يكنز جرابا وعليه ثوب غير طاهر، فإذا صب الماء على الثوب طار إلى التمر، وقدر من الثوب في الجراب، قيل، ليس عليهم فساد في ذلك.*/* (1/256)
صفحة 257
مسألة:
وإن عجن التمر بماء نجس فال يبلغ به إلى طهارته ولا غسل، وهو متروك إلى الأبد.
وقول: إن نكل وفتت وجعل في الشمس بقدر ما تبلغه الشمس أو حموها مفرقا حتى يجف أو تذهب الشمس والريح برطوبة النجاسة، أن ذلك طهارته، لأنه لا يبلغ إلى غسله إلا بالمضرة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وإذا لم يثبت هذا غير الاضطرار لم يثبت ما قيل في بول الدواس والرواجز، وشرر بول الإبل عند التزاحم، ولا ما قيل من طهارة الأرض بالريح والشمس، ولا ما قيل من طهارة الجزء إذا كان العجين قد تنجس، أو الدقيق أو الحب مما كان من غير الذوات، لأنه كله معنى واحد.
مسألة:
والعجين إذا عجن بماء نجس وخبز بالنار فقول، يجوز أكله، وقول، إن النار لا تطهر النجاسات، وإلى هذا يذهب أبو مالك. وقول، يطرح ويدفن ولا يؤكل.
مسألة:
وإذا نضح تمر أو عجين من بئر، ثم وجد في البئر فأرميت. فإن كان التمر يابسا فيسبع وإن كان قد اختل بالماء فقد فسد.*/* (1/257)
صفحة 258
مسألة:
أبو الحوارى ـــ في التنور والبيرزان إذا خبز فيهما عجين نجس: فعن موسى بن علي، أنه أجاز أكله، وقال، قد أذهبت النار بذلك الماء، وكذلك قد طهر التنور والبيرزان على ما قال موسى بن علي، ولا غسل عليهما. وقول، إنه نجس، لا يؤكل ويدفن.
وقول، إذا خبز في التنور جاز أكله، لأن لهب النار يذهب بالماء النجس، وأما الطبج والبيرزان فلا يطهران. وقول، يطهر الطوبج والبيرزان والتنور، وكل ما طهر الخبز فيه والإناء المخبوز به يطهر، وكل ما لم يطهر الخبز فيه فالإناء غير طاهر حتى يراجع بالطهارة.
مسألة:
والحرحر [كذا في الأصل، وفي القاموس الحريرة دقيق يطبخ بلبن أو دسم] إذا طبخ بماء نجس فإنه يطبخ مرة واحدة بماء طاهر، ويغسل، فإذا طبخ صب ماؤه وأكل وقد طهر.
مسألة:
وأما اللحم إذا طبخ بالنجس أو وقع فيه النجس ومازجته النجاسة فمختلف فيه، فقول يلقى، وقول يغسل ــــ أبو سعيد ـــ إذا ثبت معنى زولا رطوبة النجاسة بأي وجه من المذهبات من أسباب النار فهو سواء، وثبت معنى طهارته. والله أعلم.*/* (1/258)
صفحة 259
مسألة:
ومنه ـــ وأما السمك ممقور، فإن تنجس بعد أن صار لحد مالا ينشف من النجاسات شيئا، لأنه قد شرب من الطاهر مالا يحتاج إلى زيادة من الماء النجس فإنه يغسل من حينه، وذلك طهارته.
وأما إذا خرج في الاعتبار أنه شرب من الماء النجس ما ولج فيه مالا يبلغه ذلك الغسل فطهارته أن يغسل، ثم يجفف في الشمس، أو يشوى بالنار حتى تزول عنه معاني رطوبات النجاسة، ثم بعد ذلك، فإن كان لا مضرة في غسله غسل، وتلك طهارته.
وقول، يجعل في الماء الطاهر إن كان لا مضرة عليه بقدر ما يبلغ الماء الطاهر حيث بلغت النجاسة في الاعتبار، وتلك طهارته إذا صب منه ذلك الماء. وقول، يصب منه ذلك الماء ويغسل، ثم تلك طهارته.
وقول، إن أمكن أن يشوى بالنار حتى تذهب رطوبات النجاسة كان ذلك لمرة واحدة من الشوى تخرج طهارته. ولعل قولا، أن هذا بمنزلة المطبوخ من السمك، وهو نجس متروك إذا كان قد تنجس بنجاسة تنشفها.
قال، والقول في المطبوخ كالقول في هذا، إن أمكن منه ما أمكن في هذا من جميع الأشياء التي أصلها طاهر، وإنما عارضتها النجاسة كاللحوم والسمك والحبوب من الباقلاء واللوبياج والأرز.*/* (1/259)
صفحة 260
ويخرج قول في جميع المطبوخات المتنجسات لمعاني الطبيخ فيه، أو من غيره، أن ذلك متروك بنجاسته ولا طهارة فيه ولا له. وكذلك الخبز، فلحقه معنى ذلك.
مسألة:
عنه، فيمن طبخ بسرا بماء نجس فغلى به الماء حتى نضج، كيف يطهر؟
ـــ فإذا كان ينشف الماء النجس فطهارته أن يغسل غسل النجاسة، ثم يجفف إلى أن يصير في الاعتبار زائلا عنه رطوبة النجاسة، ثم يغلى به الماء الطاهر حتى يخرج في الاعتبار أنه قد بلغ منه الماء الطاهر إلى حيث بلغ الماء النجس، ثم يغسل بعد ذلك، ويؤكل.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في اللحم إذا كان نجسا، ثم شوى، أنه يطهر، وهو أقرب من العجين إذا خبز وهو نجس.*/* (1/260)
صفحة 261
الباب الخامس
في تطهير المائعات إذا تنجست
قال: وإذا ماتت القرة في النشاء أفسدته وكذلك النيل. وطهارة هذا إذا صب عليه الماء وحرك حتى يبلغ الماء والحركة على ما يأتي على جملته في الاعتبار، ثم يترك حتى يصفو الماء منه، وفصل إذا صفا، فعل ذلك ثلاث مرات فإنه يكون طاهرا.
قيل: فالعجين إذا تنجس ثم مرش، وصب عليه الماء الطاهر، ثم يغسل، يفعل به ثلاث مرات، هل يطره الثفل واللب؟
قال: إذا كان إذا حرك مع الماء وبلغت الحركة والماء إلى ما يحيط به كله النظر في الاعتبار، كانت طهارته إذا فعل فيه مثل هذا، ويكون الثفل طاهرا إذا بلغته الحركة مع وصول الماء.
مسألة:
محمد بن عثمان ــ في النيل المائع إذا وقعت فيه النجاسة، كيف طهارته؟
فعن أب القاسم يرفعه إلى أبي سعيد، أنه قال: يجعل فيه الماء، ويخضخض، ثم يراق بعد أن يترك ثلاث مرات، في كل مرة يجعل فيه الماء الطاهر يوما وليلة ثم قد طهر.*/* (1/261)
صفحة 262
وقول: يجوز بيعه ويعلم المشتري.
وأما أبو محمد فيوجد عنه، أنه لا يجوز الانتفاع به ويراق، والله أعلم.
مسألة:
حدثنا نبهان عن محمد بن محبوب، رحمه الله، في قوم كانوا معلقين سورانا للصبغ، ثم أخذوا المعصار فوضعوه على ثوب نجس، وكانوا يعركون الكل في المعصار، و المعصار على الثوب الفاسد، والماء يسيل م المعصار على الثوب الفاسد حتى رطب الثوب الفاسد من رطوبة المعصار، ثم رفعوا المعصار، وصبغوا بصبغهم ذلك بذلك المعصار.
فقال: إن محمد بن محبوب، رحمه الله، لم يفسد على القوم صبغهم، ولم ير به بأسا.*/* (1/262)
صفحة 263
الباب السادس
في نجاسة الحبوب وطهارتها
وإذا أصاب بول سنور ظرفا فيه حب، أخرج ما علم أن البول أصابه وغسله، فلا بأس بالباقي.
وقد قيل: الحب ينخل عند الغسل حتى يدخل الماء الطاهر مداخل الماء النجس، لأن الحب ينشف بالماء، فإن كان البول و البعر في قطن الوعاء الرطب منه وما مسه يغسل، ولا بأس باليابس من القطن مالم ير فيه شيء.
مسألة:
وإذا أنتجت سنورة في ظرف حب وهو كثير. فعن أبي جابر، أنهم إن ألقوا ما اصابه من ذلك فحسن، وإن غسلوه فلا بأس به. وقال في حب وقعت فيه ميتة فأرة أو سواها أنه يغسل، والله أعلم.
مسألة:
ابن جعفر ـــ لا بأس بجميع الحبوب التي تدوسها البقر وتبول عليها ما كانت في حد الدوس، فإن بالت فيه بعد الدوس، أو في غيره أفسدته. قال غيره: وقيل في الحب الذي تدوسه البقر وتبول عليه، ويغيره الدوس والتراب، أنه لا يفسد.*/* (1/263)
صفحة 264
وقيل: إن عجنه بالماء طهر.
قال أبو زياد: قال منير، الماء الذي يعجن به الدقيق هو طهوره.
قال أبو محمد: إذا أصابه البول الحب فهو نجس.
قيل له: فيغسل الحب كله؟
قال: أفيؤكل الحب نجسا ..
مسألة:
وعنه: في كتاب الشرح، أن الحبوب التي تبول عليها الدواب في الجنور فإن بولها ينجس ما أصابه منه، وللدليل عليه ما أجمعوا منه، أن الدواب لو بالت على الحب وقد صفى محكوم النجاسة، وإنما قالوا: ما كان في حال الدوس لا يحكم بنجاسة الحب لعدم العلم بأن بولها قد مس الحب، لاختلاط التبن به، وعلو التبن عليه، ومن شأن الحب النزول والتبن الارتفاع. وإن كان هكذا كانت الدواب إنما ترش البول على التبن، و يجوز أيضا أن ينال الحب منه، ولكن لما لم يعلموا بذلك يقينا لم يحكموا بتنجيسه. والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد ــ في دجاجة باضت في حب. قال في الحكم: لا بأس به حتى يعلم أنه نجس. قيل فإن أصيبت السنورة ناتجة في الحب هل تفسده؟ */* (1/264)
صفحة 265
قال: أما في الحكم ـفلا يفسد، إذا أمكن أن تنتج في غيره. ثم تنقلهن فيه.
مسألة:
في حب أخرج من بطن دابة ميتة.
أنه يغسل ثم يروح حتى ييبس ثم يجعل في الماء الطاهر بمقدار ما لبث في بطنها ميتة، ثم يؤكل. وعن أبي الحسن، فيما تطرح إبل السلطان، فيخرج فيه حب، أن ذلك الحب من الطرق ومن منازلهم التي كانوا ينزلونها حلال لمن أخذوه وأكله، إلا أن يعلم أنه مغتصب.
مسألة:
وفي سنور بال في حب، فطحن، ولم يعلم بالبول، ثم علم به وقد صار دقيقا، كيف يفعل به.
مسألة:
قال: قول، إذا خبز في التنور ونشفته النار، ولم يبق فيه عرف النجاسة، فهو طاهر، وإن خبز غليظا مثل الجرادق او بالحصى، أو بالجمر، وهو نضيج، فقول، إنما يطهر إذا خبز بالتنور، وقول، كله سواء.
قال: ويعجبني، إذا كان نضيجا، ولم يبق فيه للنجاسة لون ولا طعم ولا ريح، أنه يطهر. فإن عمل من هذا العجين مثل عصيدة أو خبز قدر، أو حلوى أو بكمة، أو نقار، فلا أعلم أن أحدا قال في مثل هذا يطهر.*/* (1/265)
صفحة 266
قيل: فإن قلى هذا الحب بالمقلاة، فطحن سويقا؟ قال: يشبه فيه الاختلاف، فقول: إذا كان يبلغ وهج النار جميع الحب الذي في المقلاة كان عندي جازرا، وقول فلا يطهر، والله أعلم.
مسألة:
أبو الحوارى ـــ في التنور والبيرزان إذا خبز بهما عجين [من حب تنجس]،فعن موسى: أنه أجاز أكله.*/* (1/266)
صفحة 267
الباب السابع
في النجاسة للثياب
أبو سعيد ـــ فيمن أصابته الجنابة في الليل، فنظر ثوبه فلم ير شيئا، هل له أن يصلي فيه؟
قال: إذا كان أصله طاهرا ولم تغلب عليه استرابة تنقله عن حكم اصله فهو على أصله.
مسألة:
فإذا أصابته فوقعت في ثوبه تنجس ما تحته. وعن أبي المؤثر، إن كان طاقا تنجس الثاني، وأما الثلث فهو طاهر حتى يعلم أنه مسته النجاسة.
مسألة:
قال، وأما عن أبي لحوارى قال، إذا وقعت في الثوب فالثاني طاهر حتى يعلم أنه مسته النجاسة. قال: إلا أن محمد بن خالد كان يقول، إلا أن يتهمه أنه مسته النجاسة فيغسله، والله أعلم.*/* (1/267)
صفحة 268
مسألة:
أبو الحسن ـــ في من التصق قضيبه بثوبه كأنه كان عالقا به. فإن كان يصح معه أن التصاقه من رطوبة ظهرت منه فيغسل ذلك الموضع من الثوب، وذلك أحب إلينا. وإن كان لم يصح ذلك فحتى يعلم ذلك أنه قد مس الثوب منه رطوبة فاسدة، والله أعلم.
مسألة:
وعن أبي سعيد ــــ في دم في البدن لا تمسه الثياب فلم يجد فيها أثر ولا دما. قال: إذا كان يحتمل أن تمسه وألا تمسه فلا نجاسة عليهن حتى يعلم أنه مسهن شيء ولو وجده ممثا، إذا احتمل أن يمث بغيرها، وإن كن لا مخرج لهن من مسه غسل ما لا مخرج له من مسها، كما قال العلماء، رحمهم الله، موافقة اليقين تجارة المنافقين.
مسألة:
في نجاسة جافة، مثل بول أو عذرة أو جنابة وقع عليها ثوب [طاهر] وهو بين الرطب واليابس.
قال: هو طاهر حتى يعلم أنه أخذ منها شيئا أو تكون النجاسة مائعة أو مما تزلق، ولا مخرج للثوب من الأخذ بها.
مسألة:
أبو الحوارى ــــ في الثوب يقع على موضع ثرى من البول.*/* (1/268)
صفحة 269
قال: لا يفسده حتى يعلم أنه أخذا من الثرى فعند ذلك يفسد.
مسألة:
قال أبو سعيد ــــ في الثوب إذا كان فيه نجاسة في موضع منه، إلا أنه [لا] يعرف موضعها إذا أريد غسله، فإنما يغسله كله. فقو، ما مس الثوب من الطهارات الرطبة، ولم يعرف أنه مس من النجاسة بعينها أنه طاهر ما مسه.
وقول، إنه يحكم على ما مسه أنه نجس. وأما إذا كان في موضع لو أريد غسل الموضع لأدرك دون غسل الثوب كله، فما مس طاهر، لا أعلم فيه اختلافا.
وسئل أبو عبد الله محمد بن إبراهيم عنها مطلقة، فقال، قد قيل، إنه إذا مس الثوب وفيه نجاسة ويده رطبة فقول، إن حكم يده طاهرة حتى يعلم أنه قد مس نجاسة. وقيل، حكمها حكم النجاسة حتى يعلم انه لم يمس النجاسة.
مسألة:
أبو سعيد ــــ في ثوب فيه نجاسة، لا يعرف أين هي. قال، إن ترطب كله ومسه فهذا لا مخرج له من النجاسة، وإن ترطب منه بعض دون بعض فقول، إنه تلزمه النجاسة حتى يعلم أن ذلك الموضع طاهر. وقول، لا بأس عليه حتى يعلم أن ذلك الموضع نجس.*/* (1/269)
صفحة 270
مسألة:
في خرقة يغسل بها فرج الميت هل تطهر؟
قال: تغسل من بعد ما يطهر الميت. قال: قيل غسل النجاسة أو النجاسات من الحصير هل يطهر إذا طهرت. قال: نعم ــــ فما الفرق؟ قال: الأولى جاء الاثر بغسلها بعد ما يطهر الفرج، والله أعلم. */* (1/270)
صفحة 271
الباب الثامن
في طهارة الأواني ونجاستها وتنشيفها
وإذا تنجست أواني الطين اعتبر حالها، فإن كانت النجاسة حلتها وهي رطبة أو في الماء فلم يمكث فيها قدر ما يتولجها ويجتذبها طرف الوعاء إلى نفسه فإنها تغسل كما يغسل وعاء الرصاص والزجاج، وما لا يجتذب إلى نفسه النجاسة إذا كان ما فيها من الرطوبة يدفع عنها كما يدفع ما ذكرنا من الرصاص والزجاج، وإن مكثت النجاسة فيها مدة ما يعلم من طريق العادة أنها قد اجتذبت إلى نفسها من النجاسة، وتولجت فيها، واحتاج صاحبها إلى استعمالها غسلها، وصب فيها الماء الطاهر حتى يرتفع عن موضع النجاسة بقدر ما يغلب على ظنه أنها [لا] ترسخ إلى ذلك المكان، ثم يدع فيها الماء قدر ما يبلغ إلى مبالغ النجاسة، ثم قد طهرت.
مسألة:
ومن جوابات الشيخ أبي عبد الله محمد بن الحسن السرى، قلت، الأواني المطلاة، مثل الصينيات ومثل المغرات. غسلهن كسائر الخزف أو بينهن فرق. فالذي عرفت في طهارة كل خزف يغرى بطلاء لا يستلب من المائع شيئا إنما يغسل كغسل آنية الصفر والزجاج.
مسألة:
وإن لحقت النجاسة أواني الطين وهي جافة أو فارغة من الماء كانت المبالغة */* (1/271)
صفحة 272
في تطهيرها على قدر ما يرى في غالب الرأي، أن الماء الطاهر قد بلغ إلى حيث أنتهت النجاسة فيها.
مسألة:
والجرار والأوعية يشرب فيها الماء إذا تنجست [في الأصل، فسدت]،أو كانت من آنية المجوس، وضع فيها الماء حتى يدخل مداخل الأول خمس مرات، ويبالغ في غسلها وعركها، وإن كان وعاء لا يدرك بالعرك خضخض بالماء، واجتهد في عركه وغسله، ولو كان من آنية الصفر والنحاس، ومثلها التي لا تتشرب.
مسألة:
وإذا رغب صاحب إناء الطين إذا لحقته النجاسة من سائر الأنواع من المائعات، فتركه حتى يجف وتذهب عين النجاسة منه بالشمس أو بطول المدة، ولم يبق عليها منهاأثر رجوت ألا يحتاج صاحبه إلى تطهيره بالماء قياسا على ما خرج منه لاتفاق اصحابنا على ان الطين إذا ذهبت عين النجاسة منه بالشمس والريح ولم يبق على مكان النجاسة اثر لها أن حكمها الطهارة بغير ماء، فذلك قلنا في إناء الطين ما قلناه.
مسألة:
وإذ وقع في إناء ينشف ميتة فأخرجت من حينها، والإناء رطيب، غسل، وإن كان جافا من الماء غسل غسل النجاسة من الآنية التي تنشف. وإذا غسلت أواني الطين بالماء وهي رطبة طهرت، وإن كانت يابسة فتولجها النجاسة لم تطهر بغسل ظاهرها، والله أعلم */* (1/272)
صفحة 273
مسألة:
واختلف أصحابنا في تطهير ما هذا وصفته، وحلته النجاسة حتى خالطت جسمه نفقول، يطهر بثلاثة أمواه، كل ماء يبقى فيه يوما وليلة، ثم يراق [] منه، وقول ثلاثة أمواه أيضا، يكون كل ماء في الليل، ويصب منه الماء في النهار، ويقام في الشمس، ويكون الليل فيه الماء، والنهار في الشمس فارغا من الماء ثلاث مرات على هذا، ثم يطهر.
قيل لأبي محمد: فيجعل فيه الطين؟ قال: لا.
وقول، يطهر بماء واحد، يكون فيه يوما وليلة، وقول ليلة واحدة، وقول، لا أجد لذلك حدا، ولكني أعتبر الوقت وحال الإناء إذا حلته النجاسة، وفيه ماء، أو رطب أو يابس، فآمر بصب الماء فيه ثم احكم له بحكم الطهارة بقدر ما يغلب على ظني ان الماء الطاهر قد بلغ حيث انتهت النجاسة، قياسا على بول الأعرابي لما بال في المسجد، فامر بصب الماء عليه، وحكم بطهارته.
قال ابو محمد: وهذا هو عندي الذي يوجب النظر، ويشهد بصحته الخبر، والله أعلم.
مسألة:
وإذا مدت دواة بنبيذ الجر، فإن كانت من الخشب الذي ينشف غسلت، وجعلت في الماء يوما ويلة حتى يدخل الماء مداخل النجس من الجر، ثم تغسل وقد طهرت على قول، وقول، يجعل الماء فيها ليلا، وتجفف نهارا ثلاثة أيام وثلاث ليال، ثم تغسل وقد طهرت.*/* (1/273)
صفحة 274
ورفع الشيخ أبو علي ابن سليمان عن الشيخ علي بن سليمان، أن الخشب إذا تنجس يطهر بالماء ويجعل في الشمس حتى ييبس وقد طهر. وإن قال صبي، إنه قد طهرها، قبل منه، وإن كان لا ينشف غسلت بالماء.
مسألة:
أبو سعيد ـــــ في الأوعية التي تنشف الماء قول، إنها لا ينتفع بها، وتترك إذا لم يبلغ إلى طهارتها، وينتفع بها عي غير رطوباتها أو تكسر، وقول: تغسل غسل النجاسة على حكم الطاهر، وينتفع بها، وقول: تطهر، ثم يجعل فيها الماء الطاهر بقدر ما قعدت فيها النجاسة، وإن كان سبعة أيام سبعت، وإلا بقدر ما قعدت فيها.
مسألة:
أبو سعيد ـــ إن كانت النجاسة فيها قائمة في الماء فكفى، وتغيرت النجاسة بلا غسل، ثم وضع فيها ماء طاهر بقد ما قعدت فيها النجاسة بلا غسل، فلا يبين لي تطهر حتى تغسل غسلا تاما، ثم يجعل فيها الماء الطاهر بعد جفونها من الغسل التام.
مسألة:
والإناء الذي ينشف إذا قعدت فيه النجاسة مثل ماء أو خل دون سبعة أيام غسل غسلا واحدا، ثم يجعل فيه الماء الطاهر إلى حيث بلغت النجاسة بقدر ما وقعت فيه النجاسة، ثم كفاه وغسله ثلاثا في وقت واحد، فهو طهارته.
وإن قعدت فيه النجاسة سبعة أيام فما فوقها ولو تطاول، فقيل: تخرج منه*/* (1/274)
صفحة 275
تلك النجاسة، ثم بغسل، ثم يجعل فيه الماء الطاهر يومين أو ثلاثا، ثم يكفي ويغسل غسل النجاسة، ثم يجعل فيه الماء الطاهر إلى تمام سبعة أيام ثم يكفي ويغسل غسل النجاسىة، وهو طهارته.
مسألة:
اختلف في الماء الذي يجعل في الأوعية في السبعة أيام فقول: إنه طاهر، وقول: إنه نجس، وآخر: طاهر، وقول: كله نجس، ويغسل الإناء غسلا جديدا.
مسألة:
في الحلول يغسل فيه الوب، قول: إذا غسل الثوب ثلاثة أمواه فقد طهر الثوب، وأما الماء الثالث والإناء الذي يغسل فيه الثوب نجس، قال: فالأول أحب إلي.
مسألة:
قولهم في الخزف يغسل بماء واحد وثلاثة أمواه من طريق القياس. قالوا، لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بول الأعرابي في المسجد: صبوا عليه ذنوبا من ماء، واختلفوا في ذلك، فقول: غسل واحد ويجزئ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الأرض من بول الأعرابي بدلو واحد غسلة واحدة.
وقول بثلاثة أمواه، لأنه قال صلى الله عليه وسلم كصبوا على بول الأعرابي ذنوبا*/* (1/275)
صفحة 276
من ماء، وهو ثلاث، لأنه أمر بغسل النجاسات ثالثا، فقالو: يغسل ثلاثا. والقياس يوجب أن حكم الخزف حكم الارض إذا يبس طهر كالأرض وال فرق بين الأرض والخشب والاشجار في غسل النجاسة.
مسألة:
والجرة الخضراء إذا طبخ فيها النبيذ وغلا فيها، وسكن وشرب، فعن أبي المؤثر، أنها تسبع ويطرح فيها الطفال والماء سبعة أيام.
مسألة:
وإذا وقعت فأرة في خرس فيه مالح، فماتت وأكل، والخرص يوزق فيه الماء كل ليلة توزيقة، ويشمس بالنهار.
مسألة:
وإذا مات الفأر على رأس الخرس ومس ذنبه ما في الخرس، فإن ذنبه مثل جسده، فإن كان ما في الخرس يابسا رمى ما تمسه الميتة، وإن كان مما يغل غسل.
مسألة:
ويوجد، أنه إذا غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث عركات وبولغ فيه أنه يطهر.
مسألة:
وغسل الإناء من ولوغ الكلب على اختلاف بين الناس فيه، قيل */* (1/276)
صفحة 277
لاستعمال بالاتفاق، ولا يلزم غسله من لم يرد استعماله، باتفاق من الناس على ذلك، والله أعلم. وفي موضع، وإذا شرب الكلب ليس يفيض في الإناء مرة غسل سبع مرات، وإن عاد فشرب مرة أخرى كسر. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الإناء من ولوغه، ولم يأمر بكسره، ولا أحد بذلك، قلة الماء ولا كثرة، والله أعلم.
مسألة:
في غسل الإناء من البول، أنهم قد اختلفوا في عركتين، مع كل عركة صبة، فيقول: يجزئ عركتان، وقول: لا يجزئ أقل من ثلاث. قال: ولم يختلف في الثلاث مرات، وكذلك قال في سائر النجاسات، أنهم اختلفوا في عركتين، فيقول: يجزئ، وقول: ثلاث، وكذلك ما لم يبق بعد العركتين والثلاث أثر قائم من النجاسة وطهرت فإنه يجزئ.
مسألة:
في الأوعية التي تنشف الماء، أنها إن قعدت فيها النجاسة سبعة أيام سبعت، قيل: فما صفة التسبيع لها على قول من قال به. قال: معي، أنه قيل يغسل غسل النجاسة، ثم يجفف. وقول محمد: إذا غسلت يجعل فيها الماء الطاهر سبعة أيام، ثم تغسل بعد ذلك، وهو معنى تسبيعها.*/* (1/277)
صفحة 278
وقول: يجعل فيها الماء والطفال على نحو ذلك، ثم تغسل. وقول: يغسل في سبعة أيام ثلاث مرات، ويجفف فيها الماء والطفال على قول من يقول بذلك، ثم يغسل. وقول: تكون هذه الأوعية في الشمس عند تسبيعها. وقول: ولو كانت في الظل بلا شمس تجزى.
مسألة:
والجندل وسائر الخشب إذا تنجس ثم زالت عين النجاسة ثم ضربته الشمس والريح فحكمه حكم التراب، ولا فرق معي في ذلك. ألا ترى أنهم قالوا في الدابة إذا تنجس ظهرها ودرعها، ثم تقلبت به في التراب وذهبت عينها أنه قد طهر.
وإذا وقع الخشب في الماء نجس وتوزق فيه، فإنه يخرج ويجفف إلى الشمس، ثم يتوزق في الماء الطاهر، ويبالغ في غسله.
مسألة:
وإذا كان دعن أو جدوع نجس فأصابها الغيث فإنها تطهر إذا سال عليها الماء وتغير أثر النجاسة وضرب الغيث يقوم مقام العرك جار عليها الماء وسال عليها.*/* (1/278)
صفحة 279
مسألة:
سئل أبو الحواري عن المسواك إذا استاك به وهو ناجس وفمه نجس من دم أو غيره، ثم غسله غسل النجاسة هل يطهر بذلك، ولو كان نشف من رطوبة الفم في حين السواك به؟
قال: أن أفعل ذلك لتطهر ما ظهر منه غسل ولا أعلم أنه بقي منه شيء من النجاسة، وكان معناه، أن الماء يدخل حيث تدخل النجاسة وينشف مثل الماء مثل ماتنشف النجاسة، فالماء يستهلك النجاسة عند ملاقات لها. وإن كان قد تفلق ولان فأحب إن خرج في الاعتبار، أنه إذا دلك باليد زاد بذلك بلاغة في الطهارة، وأدرك بذلك أن يفعل به كذلك، وأرجو أن يطهر إن شاء الله.*/* (1/279)
صفحة 280
الباب التاسع
في طهارة الثياب والغزل من النجاسة
وحكم الزوك
قال الله تعالى: ((وثيابك فطهر)). قيل: طهارها من الأقذار ومن عبادة الاوثان والأصنام. وقيل: وثيابك فطهر، أي قلبك، وطهر من عبادة الأوثان.
وعن ابن عمر، في قول عنترة:
فشككت بالرمح الاصم ثيابه *** ليس الكريم على القنا بالمحرم
وقيل: وثيابك فطهر، أي بدنك. وقيل عن أبي رزين: وثيابك فطهر، قال، علمك أصلحه. قال، كان الرجل إذا كان خبيث العمل قالوا خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا، فلان طاهر الثياب.
قال عبد الباقي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عمر بن احمد بن عبد الباقي، وهذا من أحسن التأويلات، والله أعلم.
قال الحسن: وثيابك فطهر، قال، خلقك فحسنه. وقال المفظل، وثيابك فطهر، قال الكلبي، من القذر.*/* (1/280)
صفحة 281
وقال ابن العباس، لا تكن غادرا فتدنس ثيابك، فإن الغادر دنس الثياب.
قال الشاعر:
فإني بحمد الله لا ثوب غادر *** لبست ولا من سوأة أتنقع
قال الفراء، وثيابك فطهر، أي فقصر، قال، تقصير الثياب طهر.
وقال ابن سرين، معناه، اغسلهما بالماء، وقيل، أمره بتطهيرها، وقيل، إنها كانت مسقذرة. وقال الأصمعي في قول عمر بن الخطاب، رحمه الله، شعرا:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا *** فدى لك من أخ ثقة إزاري
قالوا، إزاره نفسه. وقال الزجاج، قال أهل اللغة فدى لك امرأتي، قال، والعرب تسمي المرأة إزارا ولباسا.
قال أمرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهاري نقية *** وأوجههم بيض المشاهد غرار
وقول، نفسك أصلح. والعرب تقول، وثياب فلان، أي وحياته، ففداك ثوبي، أي نفسي.
قال الأعشى:
فإني وثوبي راهب الحح والذي *** بناه قصي وحده وابن جرهم
الحح دير كان يبني لابنة النعمان بالمكان بالحيرة، والذي بناه قصي الكعبة.*/* (1/281)
صفحة 282
مسألة:
وغسل النجاسة غيرها من الثياب فريضة مع وجود الما، ولا تجوز إزالتها إلا بالماء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل دم الحيض، أزيل الدم عنه صلى الله عليه وسلم يوم جرح بأحد بالماء.
وتطهير الثياب واجب على من أراد أن يصلي، ولا يكون إلا بالماء الطاهر ولا تطهر بماء نجس. وجائزة طهارتها ممن يعرف بغسل النجاسة، أو قد علم ذلك. ويقبل من أهل الإسلام إذا رأى على الثوب أثر الغسالة وذهاب عين النجاسةممن يغسل عين النجاسة.
مسألة:
وإذا غسل ثوب نجس غسلا جيدا بلا نية من النجاسة فجائز أن يصلي به.
مسألة:
وغسل النجاسة ثلاث مرات، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فالتعبد في غسل النجاسة إزالتها، فلا يجوز غسل الثوب من النجاسة والجنابة إلا ثلاث عركات مع زوال عين النجاسة. وإذا كان في ثوب نجاسة يزيلها غسل واحد، فالواجب أن تغسل ثلاثا بالخبر المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. قيل لأبي محمد: قيل إن صب الماء يجزي إذا أزال العين.*/* (1/282)
صفحة 283
قال: يصب الماء ثالثا بالخبر المروى، والصب إنما هو على الأرض لا غير. وفي المختصر، أن غسل الثياب من النجاسة ثلاث عركات، وقد طهرت إلا أن تكون عينها قائمة، لم تذهب بالثلاث، فحتى تخرج، فهي على وجهين إما أن تذهب بالثلاث، أو تغسل حتى تذهب
مسألة:
وإذا أصاب الثوب احتلام، ولم يعرف المكان فليغسل الثوب كله، فإن عرف غسل وحده. وإذا كان في الثوب بلة ماء، وبلة بول ولم يعرف أيهما البول غسلتا جميعا باتفاق.
مسألة:
وحلوح الخزف إذا غسل فيه ثوب نجس ثلاث مرات بثلاثة أمواه فقد طهر الثوب، ويغسل الحلول بماء واحد، وقد طهر هذا إذا كان حلولا مستعملا.
وإذا كان ينشف طهر الثوب بثلاث عصرات، والحلول ينشف. ويجعل فيه الماء على ما سنذكره.
وإذا عصر ثلاث عصرات فال ينجس ما مس من بعد ذلك، وهو رطب، فأما ما خرج من الماء قبل أن يعصر حكمه حكم الماء الذي في الحلول.*/* (1/283)
صفحة 284
مسألة:
أبو سعيد ـــ في موضع جنابة عرك أربعين عركة، ولم يخرج كله إلا أنه تغير عن حاله كلما عرك، وكذلك الحمرة والدم.
فقيل، ما دامت العين من النجاسة قائمة فلا يطهر حتى تذهب العين ولا غاية لذلك حتى يصير إلى حد الزوك الذي لا ينحل منه شيء، ثم لا بأس بذلك. وقول إنه نجس حتى يغير بشيء من الطهارات مثل الصبغ والأدوية.
مسألة:
اختلف الناس في الثوب يصيبه الدم فبقي أثر بعد الغسالة. فقال قوم، لا يطهر إلا بزوال أثره، وقال آخرون، إذا غسل فزال الطعم والرائحة فقد طهر. وقال آخرون، إذا بولغ في تطهيره حتى يتغير عن حاله، وأن يبقى أثر منه فقد طهر. وهو قول أصحابنا، وقول عائشة، وبه قال الشافعي. وقيل، صلى علقمة في ثوب فيه أثر دم وقد غسل.
ولعمري، أن غسل ذي اللون لا يوصل إلى تطهيره إلا هكذا، ولو كان يجب غسل النجاسة حتى تذهب بزوال أثرها وطعمها وارئحتها على قول من قال بذلك من مخالفينا لوجب على المتخضبة بالحناء النجس ألا تطهر منه حتى يسلخ */* (1/284)
صفحة 285
جلدها، ولكان على الخاضب لحيته ورأسه بالحناء النجس أن يحلق لحيته ويقطع جلده.
وإن قال قائل، إن الله تعالى لم يأمر بحلق اللحية إذا حلتها النجاسة، وإنما أمر بغسلها، لأنه حرم حلق اللحى.
قيل له: ولم يأمر بقطع الثوب، وإنما أمر بغسله، ونهى عن إضاعة المال. قال: فإن قطع الثوب ليس فيه ضرر كثير.
قيل له: لم يبح لنا إدخال الضرر على المال والنفس. فإن قال قائل، فقد روى عن ابن عمر، أنه كان يقطع مكان أثر الدم بحلمين [كذا في الأصل ومعناه المقص].
قيل له: إن صح ذلك عن ابن عمر فما صح أن فعله هذا عن اجماع ولا سنة ثابتة فيلزم العمل به، والله أعلم.
مسألة:
الدليل على صحة قول أصحابنا ما روى عن أبي هريرة، أن خولة بنت سيار أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، كيف أصنع؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إذا طهرت فاغسليه، ثم صلي فيه.*/* (1/285)
صفحة 286
قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: يكفيك الماء، ولا يضرك أثره. والنجاسة تشتمل على عين وأثر، فأجاز صلى الله عليه وسلم الصلاة مع وجود الأثر عند زوال غسلها، لأن الأثر إنما هو بقية أخرى بها، والله أعلم.
مسألة:
وإذا بقي أثر النجاسة في الثوب وغيره وزالت العين فهو نجس حتى يخرج منه إلا أن يعرك فلا تخرج ألبتة، فإنه طهر، وجازت الصلاة فيه.
مسألة:
في الثوب إذا أصبغ السوران أو زعفران نجس بنجاسة من الذوات أو غيرها، فغسل الصبغ في ماء حار فغلب الصبغ على الماء.
قال: لا يبين لي نجاسة، إذا كان مما لا ينجس حتى تغلب النجاسة عليه من الذوات لا من الذوات الطاهرة الحالة فيها النجاسة وكذلك البخ والنيل.
مسألة:
والجنابة اليابسة يكسها ويعركهامن ثوبه، ويغسله كله بالماء إذا لم يعرف موضعها، ثلاث مرات، حتى لا يبقى من الجنابة شيء فإن لم يظهر فيه شيء فقد طهر الثوب، وإن ظهرت غسل موضعها وحده فإن كان لم تخرج فقد طهر.*/* (1/286)
صفحة 287
مسألة:
ومن كان في ثوبه جنابة فغسله بالماء والحرض فزالت الجنابة في الثوب فإذا غرك زوكها، واختلط الماء بالثوب فلا يضره زوك الجنابة في الثوب.
مسألة:
والثوب الجنب ينقض ماؤه الاول والثاني، وأما الثالث فلا، إذا كان قد عرك.
مسألة:
وغسل الدم وغيره من النجاسات واجب، قليله وكثيره، ولا يجزئ فيه حد، لما روت أسماء بنت أبي بكر، أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن دم الحيض قد يصيب الثوب، فقال صلى الله عليه وسلم: أقرضيه بالماء. والقرض يرجع معناه إلى العصر بإصبعين. فدم الحيض قد يصيب القليل والكثير.
وهذا الخبر صحيح مع أهل الخلاف لنا في نقلهم، ومنخالفهم فيما ذهبوا إليه من تحديدهم في النجداسة قدر اللدرهم والدينار، والكف، واللمعة، أن هذا القدر لا بأس به عندهم، مع العلم بكون النجاسة.
وفي ظاهر هذا القول منهم من الوحشة ما يغني ذكره عن احتجاج قائله. وعن أم قيس بنت محصن، أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال، حكيه بإصبع، ثم اغسليه بماء وسدر.*/* (1/287)
صفحة 288
مسألة:
وسؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مما لا عين له قائمة، فإنه يطهر بثلاث عركات لما روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، إذا استيقظ أحدكم من نومه فال يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا، احتياطا من كل نجاسة أصابتها في حال نومه، نحو كلب لحسها، أو بال عليها، أو وقعت على نجاسة، أو في نجاسة مما توهم إصابتها في حال نومه.
أبو هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا. وروى الخبرين جميعا، وفتواه من ولوغ الكلب ثلاث غسلات.
ثم لا يختلف عند من خالفه أن سؤر الكلاب وبول الإنسان وغيرهما من النجاسات المائعات في النتن حكمها في باب التطهير ومدته وفي موافقتهم لنا في تطهير النتن يدل على قولنالم يختلف. واختلف في قول من خالفنا، والله أعلم.
مسألة:
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ـــــ في غزل نجس صبغ في نيل أو غيره، أو عارضته نجاسة، وفي نسخة، وصبغ في خرس نجس، أو صبغ عارضته النجاسة، ثم نقض، وعقد فيه عقد، ثم صبغ في خرس نجس، ثم لم يغسل، وعمله النساج ثوبا، وعقد فيه أيضا عقدا.*/* (1/288)
صفحة 289
قال، أرجو أن يطهر إذا اجتهد وبولغ في غسله، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في الثوب إذا خيط وهو نجس، ثم غسل، أنه يعتبر أمره في ذلك وقت الغسل، فإنه كان تصل إليه الطهارة بالعرك أجزأه ذلك، وإن كان لا يصل إليه ذلك لم يجزه.
وفي موضع، قال، يغسل ويبالغ في غسله، وهو ليس عليهم أن ينقضوا الخياطة. قال الشيخ أبو علي بن سليمان: إن الثوب إذا صبغ بنجاسة أنه يغسل حتى يخرج من الماء صافيا، ثم يلبس، ولا يصلى به أبدا، وإن باعه عرف المشتري، أنه لا صلى فيه.
مسألة:
في صفة غسل الثوب في الإناء فيكونثلاث مرات، يصب في الإناء الماء، ويعرك، ثم يفرغ الإناء من الماء، ثم يصب عليه ماء جديد، ويعرك به، ثم يصب منه الماء، ثم يجعل فيه ماء جديد، ثم يعرك به هكذا ثلاث مرات.
وقيل: كل إناء يشرب الماء إذا غسل من النجاسة يجزيه؟ قال: نعم يجزى إذا غسل فيه، ولم تدم النجاسة فيه وغسل من حينه، فهو طهارته إن شاء الله.*/* (1/289)
صفحة 290
مسألة:
أبو سعيد ـــ إن العرك والخبش والعصر، كل ذلك ينقى النجاسة ويطهرها أيها كان على الانفراد، والله أعلم.
مسألة:
وإذا صبغ الثوب بصبغ فقول، يغسل حتى يخرج الماء صافيا. وقول، إذا غسل غسل النجاسة بمقدار ما يزيل الغسل تلك النجاسة، أن لو عارضت الثوب وحدها لكان ذلك الغسل يجزيها، أنه يطهر، ويجزيه ذلك.
ولو كان الماء يخرج متغيرا من الثوب، أسود منه إن كان الصبغ أسود، أو أحمر إن كان أحمر، قال: ويعجبني هذا القول، لأن ذلك السواد ليس من جوهر النجاسة، وإنما كان أصله على حكم الطهارة، وقد جرى على النجاسة من الغسل ما يزيل حكمها من ذلك الصبغ، ولو لم يصف الماء.*/* (1/290)
صفحة 291
الباب العاشر
في تطهير النجاسات بغير الماء
اختلف أصحابنا في تطهير النجاسة بغير الماء. فقيل عن الربيع قال: إن اللبن والخل يزيلان النجاسة، ولا يجزئ الوضوء بهما، ويتيمم. وقال بشير: من غسل دما من ثوب ببزاق حتى يسيل على الأرض مثل ما لو غسله بالماء أنه يجزئه، وشبه النجاسات بالدم في هذا المعنى.
وكذلك إن غسل بالدهن أو بالخل أو باللبن أو بالنبيذ، أنه مجز. قال أبو الحوارى: حفظنا قولا، أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء، ولو كان من الندى.
وقال أبو محمد: فيما يوجد عن بشير. أنها تزول بالماء المستعمل وغيره، مثل الشوران وماء الورد، واللبن والخل، وجميع الادهان، إلا أن بشيرا لم يساعده أحد من الفقهاء على هذا القول.
وقالوا: إن النجاسة لا تزول إلا بالماء المطلق، وكان يعجبه هذا القول الأخير. وعن أبي محمج في بعض الكتب، أنه غسل النجاسة بماء الورد والريق جائز. ومنه أيضا، أن الخل يطهر الثياب من النجاسة، وكذلك ماء الورد، ولا يطهر به للصلاة */* (1/291)
صفحة 292
وإذا وجد الماء غسل الثوب من الخل. وأما ماء الورد فليس عليه أن يغسله ثانية، وهو طهارته، والله أعلم باختلاف هذه الأقاويل فيه.
مسألة:
فيمن أراق البول، ولم يجد ما ء، هل عليه أن يغسله بريقه ويتيمم ويصلي؟ قال: إن أمكنه أن يغسله بريقه بلا أن يخاف أن ينجس شيئا من بدنه ولا ثيابه.
وأحب على قول، أن يستبرئ حتى ينقطع البول ويجفف، ثم يغسله بالريق إن قدر على ذلك، ثم يجفف ويتيمم، وإن لم يمكن ذلك فأرجو أن التيمم يجزيه، وإن أمكنه فلم يفعل فله ذلك على قول. وكذلك ما قيل، أنه يطهر النجاسة إذا عدم الماء فهو مثله، والله أعلم.
مسألة:
فيمن عدم الماء وخرج منه دم، أن عليه أن يزيله بما قدر عليه، ويتيمم ويصلي، فإن جهل وينمم وصلى، ولم يزله فما أخوفني أن يلزمه البدل، لأن ذلك يشبه السنة في إزالة الغائط بالأحجار عند عدم الماء ثانية.
وقيل: فالثياب وشبهها مما أنبتت الأرض إذا أزيل به، هل يجزيه عند عدم الأحجار أو وجودها؟ قال: هكذا عندي أنه يجزيه إذا أزيلت النجاسة، إلا ماثبت النهي عنه مثل العظام والورث.*/* (1/292)
صفحة 293
الباب الحادي عشر
في تتريب الثوب
وإذا كان بالثوب جنابة يابسة كسها حتى تذهب من الثوب عند عدم الماء، وإذا كانت رطبة تربت، وإن تربت رطبة أو يابسة فحسن. وقول، يغيرها منه بكس أو تتريب أو مبالغة في إزالتها.
وعن أبي مالك في تتريب الثوب، أن يكس ويجتهد في إزالة ذلك، رطبة كانت أو يابسة، وإذا كانت الجنابة رطبة وضع عليها التراب عند عدم الماء حتى يلزق به مرة أو ثلاثا، فإنه يجزيه ذلك.
واليابسة يكسها ويعركها من ثوبه، ويغسلها بالماء. وقول، إن تتريب الثوب من النجاسة يستحب، وليس بواجب.
وتتريب الثوب النجس، أن يبسط على الأرض، ثم يذر التراب عليه حتى يغطي الثوب كله بالتراب، ولا يظهر من بياضه شيء مرة واحدة. قال أبو عبد الله: إن وضعه على الأرض أجزأه أن يتربه من وجهه الأعلى، وإن هو بسطه على غير التراب، وأحب أن يتربه من الوجهين جميعا.
وفي موضع، إذا كانت النجاسة من جانب واحد أجزأه، وإن كانت */* (1/293)
صفحة 294
من الجانبين جميعا لم يجزه ذلك، إلا أن يثور عليه غبار ويعمه التراب فأرجو أنه يجزئه.
ومن لم يجد الماء، وتر ثوبا وصلى فيه، فقول، عليه إعادة تلك الصلاة. وقول، لا إعادة عليه وقد تمت صلاته.
مسألة:
وإذا عرف مكان النجاسة من الثوب ترب موضعها، وليس عليه أن ييمم الثوب كله، وإن لم يعرف موضعها فإن كان يلزمه أن يغسله كله أشبه فيه أن ييممه كله، وحينئذ تأتي عليه الطهارة.*/* (1/294)
صفحة 295
الباب الثاني عشر
من يقبل قوله في نجاسة الطهارات
وليس قول القائل، ولو كان ثقة صادقا، أن الماء نجس، يكون حجة فيالاتفاق حتى يفسر بماذا تنجس، وكيف تنجس، فييخرج معي الاتفاق أنه نجس، والاختلاف كذلك.
وكل طاهر في الأصل فالشهادة فيه وعليه لا تصح بقول القائل فيه نجس أو متنجس، أو نجس أو رجس، لموضع احتمال صدق القائل. فإن تنجس بما لا يكون في الاتفاق أنه تنجس، ويجوز الاختلاف فيما ينجسه حتى يفسر القائل بما تنجس، فيخرج بما تصح نجاسته من موضع التغير، مع المشهود معه باختلاف أو اتفاق نجسا.
وكذلك كل شيء من الحلال في الفروج والاموال، شهد فيها الشهود أنها حرام، ولم تفسر البينة من أي وجه حرام ولم تقم بذلك حجة في الحكم يقطع عذر الشهود عليه، ولا يحكمون عليه بإزالته من يده حتى تفسر البينة ما تلك الحرمة، ومن أي وجه حرام، لاحتمال حرمة ذلك باختلاف عند البينة.*/* (1/295)
صفحة 296
الباب الثالث عشر
فيمن يقبل قوله في النجاسات والطهارات
أبو سعيد ــــ في نجاسة في البدن حيث لا تبصر، أمر صاحبها غير ثقة، يؤمر على غسلها، فغسلها، فإذا كان مأمونا على ذلك، وغسل ذلك ثلاث مرات، وقال، إنها قد طهرت جاز ذلك، وأما أقل من ثلاث في الذوات فلا أحب ذلك وقد قيل بالثنتين نوالله أعلم.
مسألة:
ومن عقره شيء حيث لا يبصره، فقلت له، فيه دم، فقال، لا، فذلك جائز إذا كان مأمونا على ما سئل عنه، أنه لا يكذب فيه، وأنه صادق فيه.
مسألة:
اختلف أصحابنا في قبول قول الواحد في الطهارة والنجاسة. فقول، إن الثقة المأمون حجة فيهما طهارة نجاسة. أو نجاسة طهارة بتمكين. وقول، إنه حجة في طهارة النجاسة ولا يكون حجة في نجاسة الطهارة، أولى من النجاسة، والأصل أن الأشياء طاهرة حتى تعلم نجاستها، والنجاسة حادثة.
وقول، لا يكون حجة في شيء من ذلك في تطهير نجاسة أو تنجيس طهارة في الحكم، ولا تكون إلا بشاهدين في جميع ذلك.*/* (1/296)
صفحة 297
وقول، لا يقبل الواحد فيما مضى من نجاسة الطواهر، بمعنى بدل صلاة وتنجيس طهارة، ويقبل فيما يستقبل من تطهير النجاسات، فهذا فيما أصله طاهر، فهو طاهر، حتى يعلم نجاسته، وما كان أصله نجسا فهو نجس حتى يعلم طهارته.
مسألة:
وكذلك يخرج قوله في قبول الخدم الغتم بغسل الثياب، ولو كانوا غير ثقات إذا كان نجاسة. فقول: إذا أمنوا على مثل ذلك، وعلى معرفة طهارته منالنجاسة.
وقول، ولو لم يؤمنوا على معرفة طهارة النجاسة. فإذا علموا ذلك، ووصف لهم، ولم يتهموا في مخالفة مثل ذلك قبل قولهم في ذلك، إذا أمروا به، وعرفوا أن الثوب نجس، وقالوا، إنهم قد غسلوه منها على ما يؤمنون فيه، قبل قول الواحد منهم في مثل ذلك، إذا كان قد أعلم بذلك، أنه نجس، وقد قال، إنه قد غسله من النجاسة.
وقول، ولو لم يقل إنه قد غسله إذا كان قج أعلم بنجاسته، وأتى به وعليه أثر الغسالة. ولو لم يسأل، ولو كان غير ثقة، إذا لم يكن متهما إذا أمر عليه.
وقول: ولو كان غير ثقة ولو كان مأمونا ولم يكن أعلم بنجاسته فقال: إنه قد غسله من النجاسة لم يقبل قوله. وإن كان ثقة قبل قوله، ولو لم يعلم بنجاسته قبل ذلك، لأنه قد غسله من النجاسة، وإن كان غير ثقة لم يقبل إلا أن يكون قد أعلم قبل أن يغسله منها.*/* (1/297)
صفحة 298
ويخرج أنه إذا لم يتهم في ذلك، وكان ممن يؤمن على مثله في تطهيره، أنه لا يقول خلاف ما يفعل في مثل ذلك، أن قوله مقبول.
ويخرج، أنه ولو لم يعلم بنجاسته، ولم يقل إنه قد غسله إلا أنه قد يخرج في الاطمئنانة أنه غسله، الذي وقع لمثل تلك النجاسة مطهرة مثلها، وتثبت عليه علامات الغسل، كان أعلم الغسال بذلك، أو لم يعلم، أن ذلك يجزئ في الاطمئنانة
ويخرج في جميع تطهير ما عرض من النجاسات بشيء من الطهارات في بدن أو إناء أو شيء من الأشياء، أو صبي، صغيرا وكبيرا، فالقول في تطهيره على ما مضى في الثوب في الحكم والاطمئنانة.
وكذلك البئر إذا تنجست خارج نزحها على ما مضى في الثوب. وإن الحر والعبد، والذكر والأنثى سواء في الحكم والاطمئنانة، ويجب بالإثنين معنى الحكم، وبالواحد معنى الاطمئنانة. وقول بالواحد يثبت معنى الحكم. ويخرج، أن يكون الصبي والبالغ في ذلك سواء، إذا كان الصبي عاملا مأمونا.*/* (1/298)
صفحة 299
الباب الرابع عشر
من يجزئ غسله للثياب والآنية وغير ذلك
ومن يقبل قوله، ومن لا يقبل قوله،
في الطهارات والنجاسات
والثياب يقبل غسلها ممن قد عرف بغسل الثياب من العبيد والإماء، إذا علم بغسل النجاسات، ورأى عليها أثر ذلك من الغسالة. وإذا قيل له، اغسله من النجس، فرأى عليه أثر الغسالة قبل منه. وإذا قال، إنه غسله غسل النجاسة قبل منه.
قيل: إذا كان الخادم مسلما يصلي، وأما المشرك ومن لا يتقي النجاسة فلا أرى ذلك.
وقال الفضل بن الحوارى: من سلم إلى عبده أو أمته ثوبا نجسا، ولم يعلمه أنه نجس، فأتاه به ,وأثر الغسالة به فله أن يصلي فيه، ولو لم يسأله عن شيء، إذا كان الذي غسله بالغا.
مسألة:
أبو سعيد ــ وإذا كانت النجاسة من غير الذوات نفقال لرجل أو امرأة، اغسل هذا الثوب ثلاث مرات، أو اغسل النجاسة، وهو مأمون على معرفة غسله ثلاث مرات، كان ذلك جائزا.*/* (1/299)
صفحة 300
وأما الذوات فلا يزول حكم العين إلا بعد ما يجزيه من الغسل، وهو ثلاث مرات فصاعدا.
قيل: فإن كانت جنابة أو خمرا أو دما، فجاء به، وفيه، الزوك، هل يصلي فيه حتى يعلم أنه ينحل منه شيء، أو لا يجوز حتى يعلم أنه لا ينحل منه شيء إذا قال إنه قد غسله غسل مثله أو غسل النجاسة؟ قال: إذا كان مأمونا على معرفته والصدق فيه جاز على الإطمئنانة ما لم توجد النجاسة بعينها. وأما الزوك، فإذا صح أنه زوك، فحكمه، ألا بأس به حتى يعلم أنه ينحل منه شيء وأن فيه عينا قائمة. وأما الزوك والعين فقد تقدمت. فحكم العين عندي أولى حتى يصح زوال العين وثبوت الزوك. والاناء والثوب وغير ذلك في هذا واحد. واختلف في غسالة أهل الكتاب، ولا نقول ذلك.
مسألة:
وكل فاسد فهو على فساده حتى تصح طهارته، إلا مثل ما الناس عليه، من غسل الخدم وغيرهم، ممن لا يثق به للأنجاس من الثياب وغيرها، فإن ذلك يقبل منهم، ولو لم يكونوا ثقاة.
مسألة:
والصبي يغسل منالآتية ونحوها في المنزل، وما لا غناء للناس عنه، وذلك */* (1/300)
صفحة 301
عادة للناس مع مكون النفس، فأما الثياب فلا. وقد قبلوا قول صبيانهم وخدمهم في غسل أنيتهم، وما أشبه ذلك.
مسألة:
وإذا فسدت البئر، وأمر بتطهيرها غير الثقة فبين البئر والثوب فرق من أجل التعبد، لأن الثوب ترى عليه أثر الغسالة.
مسألة:
وفي ماء صب على رجل لا يعرف ماهو. فقول: إنه طاهر، وقول يسأل عنه فإن قالوا، إنه طاهر قبل منهم، وإن قالوا، إنه نجس قبل منهم، وقول، لا يسأل عن ذلك. وقول، ولو قالوا له بعد ذلك، إنه نجس لم يكن عليه أن يفبل نجاسة ثيابه، لأنهم فعلوا ذلك به.
مسألة:
وإذا أخبر بقلين فيهما ماء، أن أحدهما نجس، فقوله مقبول، وإن كان المخبر غير ثقة لم يقبل منه. قال غيره، وقول لا يقبل قوله، كان ثقة أو غير ثقة حتى يشهد على ذلك إثنان على عين النجاسة من القلين.*/* (1/301)
صفحة 302
مسألة:
ومن أصابته جنابة في ثوبه ولم يعرضه، وقال للغسالة: إغسليه، ولم يقل لها، من النجاسة، ثم وصلت بالثوب، فقال لها: هذا الثوب كان نجسا فغسلتيه من نجاسته، فقالت: نعم، صل به، فإني قد غسلته غسل النجاسة. فإن له أن يصلي به وإن لم يعلم أنه أصابه شيء من الجنابة، إلا أنه لم تطب نفسه بالصلاة فيه، فالثوب طاهر ويصلي به.
وفي موضع، فإن أعطى الغسال ثوبا نجسا، ولم يأمر بغسله من النجاسة وغسله فلا يجوز له الصلاة به، إلا أن يأمره، أو يقول الغسال، إنه غسله غسل النجاسة. هكذ عن أبي الحسن.
مسألة:
واختلف في الماء، فقول: ينجس بقول من قال من أهل القبلة، لأن خبره ذلك حجة علىمن أخبره إلا أن يكون ممن يدين بانتهاك النجاسات. وقول، كان ثقة أو غير ثقة فخبره حجة في ذلك فيما يستقبل، وليس عليهم تصديقه فيما مضى من صلاتهم وغيرها.
وقول: لا يكون خبره حجة إلا أن يكون ثقة فيما مضى. وقول: خبره حجة إلا أن يكون متهما فيا يستقبل من ذلك.
وقول: خبر الواحد حجة في مثل هذا في الطهارات والنجاسات، لأنه ليس من حقوق العباد، فخبر الواحد ثقة حجة فيما مضى، وفيما يستقبل.*/* (1/302)
صفحة 303
وقول، يكون حجة في طهارة النجاسة، ولا يكون حجة في نجاسة الطهارة، لأن الطهارة أولى من النجاسة. وقول، لا يكون حجة إلا بخبر ثقتين يشهدان على غير فعلهما لمنزلة الحقوق، لأنه لا تقوم الحجة في حلال مباح إلا بخبر [في الاصل بحجر] بين وحجة واضحة.
أبو الحواري ـــ يقبل قول غير العدل إذا قال، إن هذه البئر فاسدة، كان عبدا أو صبيا يحافظ على الصلاة، وإن كان لا يحافظ على الصلاة لم يقبل منه ذلك. وإن كان استعمل ماؤها بشيء تدخل فيه المضرة مثل خل وكنار التمر، ثم اخبر، لم يقبل إلا من ثقة.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في الثقة يرى من يستقي من طوى يوما، ثم قال بعد ذلك اليوم إنها كانت نجسة، فأما غير الثقة فلا يكون فما مضى حجة إلا أن يشك في قوله، وأما الثقة فقوله حجة، وقول، ليس بحجة.
قيل: فإن صلى في ثوب من عبده، ثم قال بعد، إنه نجس. قال: إن أخذه منه ليصلي فيه لم يقبل قوله بعد ذلك، كان ثقة أو غير ثقة، وإن لم يعطه ليصلي فيه قبل قوله، ثقة كان أو غير ثقة إلا أن يتهم بالكذب بعينه، والله أعلم.*/* (1/303)
صفحة 304
مسألة:
المستعير يرد الثوب ثم يقول، إنه نجسه، فلا يبين لي أن يكون حجة، ولا يصدق في ذلك، لأنه يدعي فعل نفسه، ونجاسة الثوب سواء قال ذلك قبل ان يسلمه إليه، وبعد أن سلمه إليه، فلا يبين لي في ذلك فرق. فإن قال له، ثوبك قد تنجس، ولم يقل، إنه نجس فلا يكون قوله علي حجة بذلك، لأنه يمكن أن يكون قد تنجس وزالت، إلا أن يرى فيه النجاسة بعينها.
وكذلك لو قال، إنه نجسه، فكل معناه سواء. ومنه ـــ فإن قال النساج، إن الثوب نجس. ففيه اختلاف، فقيل، لا يكون حجة إلا أن يرتاب فيه، بأنه لا يقول ذلك متعيبا، ولا لجهل له بالمعاني التي يستريبها هو، ولا يوجب النجاسة. وقول، إن أهل القبلة مأمونون على النجاسة، فعلى هذا يعجبنى أن يكون حجة. وقول، لا يكون حجة في ذلك على حال إذا كان يدعي فعل نفسه.
مسألة:
فيمن أعلم أن رجلا فيه نجاسة. فإذا كان ممن يدين بتحريم النجاسة، وهو حيث لا يراه المخبر بها، أنه حجة عليه، وارجو أنه قيل، ليس بحجة حتى يكون شاهدان ممن يجوز قولهما.*/* (1/304)
صفحة 305
قال، وللإمام أن يؤم بالذي أخبره قبل أن يغسل ذلك إذا غاب عن الآخر بقدر ما يغسلها على قول من يقول، إن الواحد ليس بحجة حتى يكون إثنين.
مسألة:
أبو المؤثر ـــ فيمن أقر بأكل لحم الكلب، أو شرب نبيذ الحر، أو مس نجاسة فليس على من سمعه يقول، أن يتنكبه، إلا أن يقول، إنه فعل ذلك في ساعته التي يخبره فيها. ولو أقر أنه توضأ بالبول، ما كان ينجس حتى تراه يمس البول، إلا أن يكون يدين بأن البول غير نجس.
ومن غير الكتاب، من زياجة الشيخ محمد بن سعيد بن عبد السلام.
ومن استعار ثيابا ليلبسها فجائز له الصلاة فيها، لأنها لباس، فإن أخبره المعير، أن ثوبه نجس، وقد صلى فيه، فإن صدقه أبدل، وإن لم يصدقه لم يبدل في الوقت، والمعدل يقبل قول صاحبه، كان ثقة أو غير ثقة، والمستعير يرد الثوب، ويقول، إنه نجس فلا يبين لي أن يكون حجة، ولا يصدق في ذلك، لأنه فعل نفسه.*/* (1/305)
صفحة 306
الباب الخامس عشر
في المياه وما جاء فيها
أصل الماء: ماه، فأبدلوا من الهاء همزة، لحقت بها، والدليل على أن الهمزة بدل من الهاء، أنك تقول أمواه إذا أردت بأدنى العدد، ومياه أكثر الجمع. وتصغير الماء مويه لأن الأصل موه، فقلبت الهاء واوا، لتحركها وانفتاح ماقبلها ألفا، وتقول. ماهت البئ إذا كثر ماؤها، وتموه الغيث، والنسبة إلى الماء ماهيّ.
مسألة:
قال الله تعالى ((وجعلنا من الماء كل شيء حي))،وقال عز وجل: ((والله خلق كل دابة من الماء))،فيقال، إنه ليس شيء إلا وفيه ماء، أو قد أصابه ماء. أو خلق من الماء والنطفة تسمى ماء، والماء يسمى نطفة وقال الله تعالى: ((وكان عرشه على الماء)).
وقد قال ابن عباس: السماء موج مكفوف. وقال الله تعالى ((وأنزلنا من السماء ماء مباركا)).
وقال تعالى ((فيها أنهار من ماء غير آسن)).*/* (1/306)
صفحة 307
ثم لم يذكره بأكثر من السلامة من التغيير، لأن الماء متى كان خالصا لم ينح إلى أن يشرق بشيء مما فيه خلقت من الصفات، من العذوبة والبرد، والطيب والحسن، والسلس في حلق.
وقال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق *** كنت كالغصان بالماء اعتصاري
الاعتصار أن يغص الإنسان بالماء فيعتصره بالماء، وهو شربه إياه قليلا. يقول: لو شرقت بغير الماء لا عتصرته بالماء، فبماذا أعتصر وقد شرقت به.
قال محمد بن علي بن محمد بن عبد الباقي: الاعتصار هو الالتجاء، والعصرة الملجأ.
مسألة:
وقالوا في النظر إلى الماء الدائم والجاري ما قالوا. وجاء في الأثر، من كان به مرض قديم، فليأخذ درهما حلالا فليشتر به عسلا، ثم ليشربه بماء سماء فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
مسألة:
والماء هو الريق عند العرب. قال:
وما ظنكم بشراب إذا خبث أو ملح *** أثمر العنبر وولّد الدّرَّا */* (1/307)
صفحة 308
قال الله تعالى ((قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها))
لأن الزجاج اكثر مما يمدح به أن يقال، كأنه الماء الصافي. وقال الله تعالى: ((هذا عذب فرات سائغ شرابه)).
قال القطامي:
وهن يبدين من قول تصير به *** مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
والغليل حر الجوف، عطشا او امتعاضا. وتقول عيل الصبر، وهو يعل علة إذا لم يقض أربه. والصادي العطشان، والصدى العطش الشديد، تقول، صدى يصدى صداء فهو صديان، والمرأة صديا. ويقال، صاد وصاد به.
وحين اجتهداو في تسمية امرأة بالجمال والبركة والحسن والصفا والبياض قالوا، ماء السماء، وقالوا، المنذر به ماء السماء، ويقولون، صنع له ماء ولون، ويقولون، ليس في وجهه ماء، ورد ابن فلان وجهي بمائه.
قال الشاعر:
*ماء الحياة يجول في وجناته **/* (1/308)
صفحة 309
وقال آخر:
وما أبالي وخير القول أصدقه *** حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
وقال آخر:
إنما الفضل والسخاء لمن *** أعطاك عفوا وماء وجهك فيه
والأبضان، والماء واللبن، والأسودان، الماء والتمر. والماء يشرب صافيا وممزوجا، والأشربة لا تشرب صرفا، ولات ينتفع بها إلا بممازجة الماء.
وبعد فالماء طهور الابدان وغسول الأردان. وقالوا: هو كالماء يطهر كل شيء ولا ينجسه شيء. قال صلى الله عليه وسلم: في بئر رومة، الماء لا ينجسها شيء.
وبالماء يكون فصل، وبالماء يكون القسم، كما قال الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء سواكم *** وإن شئت لم أطعم نقاحا ولا برادا
النقاح الماء البارد العذب الذي ينقح الفؤاد والدماغ لبرده ولذته.
قالت امرأة مر بها عمر بن الخطاب:
فمنهن من تسقى بعذب مذاقه *** أجاج فلولا خشية الله قرت
فصل: ومن الماء ماء زمزم، وهو شفاء شرب له.*/* (1/309)
صفحة 310
ومنه ما يكون دواء وشفاء بنفسه، كالحمة.
وقال صلى الله عليه وسلم: خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، وشر ماء على وجه الأرض ماء برهوت، ماء بحضر موت، ترد عليه أغنام الكفار وصداهم.*/* (1/310)
صفحة 311
الباب السادس عشر
في طهارة الماء ونجاسته
وقلته وكثرته
قال الله تعالى: ((وأنزلنا من السماء ماء طهورا)).والطهور المطهر للشيء، وهو الفعول للطهارة، ولو تركنا والظاهر، لكنا نحكم بتطهير كل ما لاقاه الماء، الذي سماه الله طهورا، غير أن الأدلة قامت في بعض المواضع، فامتنعنا لذلك عند قيام الأدلة. وكل موضع تنازع المسلمون فيه فطهارته حاكمة بما قلناه.
مسألة:
وفي موضع ـــوالطهور في اللغة هو الفعول للطهارة، وهو الذي يعرف منه تطهير الشيء بعد الشيء، والماء الذي لا يطهر الأشياء لا يستحق هذا الاسم، لأن الإنسان إذا عرف من غذائه المتعارف من شربه وأكله لم يسم أكولا ولا شروبا، وإنما ذلك أكثر منه، وهذا معروف في اللغة.
قالت امرأة تنعى زوجها:
وخبرني أصحابه أن مالكا *** بذول لما يحويه غير بخيل
وخبرني أصحابه أن مالكا *** ضروب بنصل السيف غير كليل
وقال غيره:
بكر النعي بفارس ذي مرة *** حلو الشمائل للرجال قتول */* (1/311)
صفحة 312
كل هذا يرد به كثرة الفعل منهم.
والحجة في طهارة الماء قوله تعالى: ((وأنزلنا من السماء ماء طهورا)).
مسألة:
والحجة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم، الماء لا ينجسه شيء. وكانت هذه مضارعة لظاهر التنزيل. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه، خلق الماء طهورا إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه. كأنه يريد، إن حلته النجاسة.
مسألة:
تنازع المسلمون في القليل من الماء إذا حلته النجاسة، فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا. فقول، الماء لا ينجس مع ارتفاع أعلام النجاسات. وقول، الماء طاهر إذا لم يكن فيه شيء من أمارات النجاسة.
والقرآن قد ورد [فيه] أن الماء طهور، فهذا الطاهر يوجب أن يكون البول قد طهر لغلبة الماء عليه مع ارتفاع أعلام النجاسة التي حلته، وأن الله تعالى قلب عينه، لأنه سبحانه يجعل الماء بولا، والبول ماء، والقائل، إن الماء غير مطهر في هذا الموضع يحتاج إلى دليل.*/* (1/312)
صفحة 313
ودليل آخر، على ما ذكرناه، أن الطهور هو الفعول للطهارة على الكثرة، والله أعلم. وقالوا، إذا فسد الماء فما الذي يطهره وهو الطهور فلا يوجد له مطهر.
مسألة:
ووجه آخر، أجمع المسلمون، أن الماء قد يحكم له بحكم الطهارة وإن حلته النجاسة مالم يتغير له لون أو طعم أو رائحة.
وإنما اختلفو في الحدود والنهايات، إذ الحدود والنهايات لله، وليس لأحد أن يضع حدا يوجب لوضعه في الشريعة حكما، إلا أن يتولى وصفه كتاب ناطق، أو سنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق عليها علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
فإن قال قائل، إن الماء لا ينجس عينه شيء، وإنما يمتنع من استعماله من طريق المجاورة، إذ لا تصل إلى استعماله إلا ومعه جزء منالنجاسة، لأن الماء تنجس عينه، لأن الماء جسم والبول جسم، والأجسام لا تتداخل، بل تتجاور.
قيل، إن قول النبي صلى الله عليه وسلم، الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، حاكم بخلاف قولك، وليس للعقول مجال عند ورود الشرع، لأن المطهر للماء هو المنجس له على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، إذا الطاهر والنجس اسمان شرعيان، فالواجب التسليم للشرع. وفي خبر، الماء الطاهر لا ينجسه إلا ما غلب عليه.*/* (1/313)
صفحة 314
وأخبار كثيرة وردت بمثل هذا المعنى.
وعن ابن عباس: الماء لا ينجس.
وكذلك عن جابر بن زيد وغيره.
وعن حذيفة أنه قال: الماء لا يخبث.
مسألة:
وقيل عن أبي عبد الله في الخب [كذا في الاصل، والخبة بالضم ماء مجتمع] فيه ماء، ترده الصبيان والعيال، ويشربون منه. فلا بأس بذلك، ولا بالوضوء منه حتى يستيقن على نجاسة بعينها. وقال ايضا في وعاء فيه ماء بين يدي حجام يرطب للناس منه، والمسنى من مائه. قال: لا بأس حتى تعلم فيه فسادا.
مسألة:
والماء قبل حلول النجاسة فيه فطاهر بإجماع، ومختلف فيها حلت فيه النجاسة، ولم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح. فلا يجوز إفساد ما أجمعوا على طهارته مثله، أو خبر لا معارض له.
مسألة:
وحكم الماء طاهر حيث وجد، جاريا أو راكدا، صافيا كان أو كدرا،*/* (1/314)
صفحة 315
قليلا كان أو كثيرا، حتى يصبح حلول النجاسة فيه تنقله عن حكمه، وتغيره عن وصفه.
ويوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: للسباع والكلاب والوحوش والبهائم من الحياض ما أخذت من أفواهها وبطونها، ولكم سائر ذلك.
قيل: وهذا يدل على أن الماء لا ينجسه شيئا. وقد مر عمر بن الخطاب، رحمه الله، وعمرو بن العاص على حوض، فقال عمرو بن العاص: ياراعي، أترى السباع حوضك؟ فقال عمر بن الخطاب: ياراعي لا تخبرنا.
وفي هذا القول من عمر معان من الفقه: أحدهما ان الماء حكمه الطهارة حيث وجد حتى يعلم نجاسته، والثاني، أن سؤر السباع نجس، والثالث، أن قول الراعي حجة في ذلك، والرابع، أن السؤال عن مثل هذا ليس بلازم.
مسألة:
واختلف الناس في تنجيس الماء وطهارته على سبعة أقوال، السابع، أن الماء لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
مسألة:
ومن صب عليه الماء في أيام النيروز فهو طاهر حتى يعلم نجاسته.*/* (1/315)
صفحة 316
مسألة:
موسى بن علي ـــــ خرس يشرب منه الصبيان والعبيد، ويردن السؤر فيه، ويمسون الكوز الذي يغرف به، فإن كان يعلم أن في يد من يغرف منه قذرا فما أحب أن يتوضأ منه، والله أعلم.
مسألة:
ووجه قول أبي عبيدة في المياه ووقوع النجاسات فيها، أن كل ماء حلته النجاسة فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه فالماء نجس، وإن لم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا، فهو طاهر، وغير منتقل عن حكمه الأول.
فإن كانت النجاسة جامدة اخرجت من الماء واعبر حاله بعدها، وحكم له بحكم سمه.
وإن كانت النجاسة مائعة واكتسبت صفات الماء فقد صارت ماء، لأنه تغير الجوهر بالصفات، وتكسوها الأسماء، لأن الأسماء ليست مأخوذة من طريق الكيل والوزن، وإنما تتعلق بالأسماء من طريق الصفات.
ولو جعل الله البول من غير حلول ماء فيه، سمى ماء، وجواز استعماله لا ستحقاقه اسم الماء، ألا ترى أن البول قد كان ماء، فلما اكتسى صفات البول صار بولا، والجوهر واحد.
وكذلك الطعام إذا اكتسى صفات النجو صار نجوا، وإن كان الجوهر واحد.*/* (1/316)
صفحة 317
وقد ذكر بعض المفسرين قول الله تعالى: ((فلينظر الانسان إلى طعامه))،قال: عذرته، وكأنه قال، والله أعلم، الذي كان طعامه.
وكذلك عصير العنب يسمى عصيرا من طريق الصفات، فإذا انتقلت أوصافه إلى أوصاف الخمر سمي خمرا، وحرم، بعد أن كان حلالا، والجوهر واحد. وإن اكتسى الخمر صفات الخل سمي خلا، لانتقاله إلى صفات الخل، فصار حلالا بعد أن كان حراما، والجوهر واحد. وإذا كان الأمر على ما قلنا فالتحريم والتحليل معلق بالأسماء، مأخوذة من طريق الصفات. مسألة:
وورود الماء على النجاسة يوجب النجاسة، كورود النجاسة عليه. وفرق الشافعي بينهما على ما بينا في باب نزح البئر النجسة.
مسألة:
أبوسعيد ـــ يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، الماء الكثير لاينجسه إلا ما غلب عليه.
ثم اختلفوا في الكثير. فقول، إن كان قربتين أوقدرهما لم ينجسهما شيء.*/* (1/317)
صفحة 318
وقول: أحسب عن سعيد بن محرز، إذا كان ماء مجتمعا قدر خمس قلال، أن ذلك لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه. وقول، إذا كان خمس قرب. وقول: إذا كان أربعين قلة.
وإنما قيل له، أنه قال كل واحد على ما وقع له، أنه الماء الذي قال كثير، لأنهم اختلفوا في الكثير على ما قيل.
قال: واختلفوا أيضا: فقول، هذا في الأطوى، وغيرها سواء. وقول، إن ذلك خاص في الماء المستنقع من غير البور والأطوى، وحكم الآبار غير ذلك، والله أعلم.
مسألة:
اختلف الناس فس مقدار الماء، ووصفه، اختلافا كثيرا. قال: وأكثر قول أهل الخوف على قول الربيع، أربعين قلة كثير، لا ينجسه إلا ما غلب عليه. وقول، كقول أبي حنيفة، إذا حرك من الطرف لم يتحرك من الطرف الآخر لم ينجسه شيء، وإن تحرك فهو فاسد.*/* (1/318)
صفحة 319
وقول: حتى تعلم عليه النجاسة.
وزعم عبد الله بن سليمان، أنه رأى البرك تغسل فيها الناس، ويغسلون ثيابهم فيها، ثم قال فسألت محبوبا فقال، الماء لا يفسده شيء. وقيل، إن أبا عبيدة قال: إذا كان الماء أكثر مما وقع فيه من بول أو غائط أو دم أو غيره لم ينجسه شيء، والله أعلم. وكذلك يقول هاشم الخراساني.
مسألة:
وقيل، إن أبا عبيدة الكبير مضى، يريد المسجد، وقد أصاب الغيث، فاستنقع منه في الطريق وقد بالت فيه الدواب، وكان يقوده رجل، وقد ذهب بصره يومئذ، فأعلمه، أن الطريق ماء وفيه بول.
فقال أبو عبيدة، ما أكثر، البول أم الماء؟ قال الماء، قال، فامض.
فمضينا وخاض به ذلك الماء، فلما صعد باب المسجد طلب ماء، فغسل رجليه من الطين، وصلى، ولم يتوضأ.
قيل لأبي عبد الله، أفتأخذ بذلك؟ قال: نعم.
قال أبو عبد الله: لا يجوز الوضوء من مثل هذا الماء الذي خاضه ابو عبيدة، ومن مس منه ثوبه او بدنه، أو أصاب إنسانا منه شيء فما أبلغ به إلى فساد.*/* (1/319)
صفحة 320
وأحسب أنه قال: لو توشأ وصلى لم أبلغ به إلى فساد صلاته.
قال أبو عبد الله: فلو أخذ آخذ بذلك لم أر عليه بأسا.
مسألة:
ولو أن رجلا كان يتوضأ من نور ورعف فيه، فقطرت قطرة دم أو بول في ذلك الماء لم يفسده على قول أبي عبيدة. وأما أنا، فأرى في هذا الفساد.
مسألة:
وإذا قطرت قطرة دم أو بول في بئر أفسدته حتى تنزح إذا كانت مما تنزحها الدلاء، إلا أن الذين اختلفوا في هذا اجتمعوا على أنه ما وقع في الماء منه نجاسة، فغير لونه أو طعمه أو ريحه، أفسدته.
مسألة:
ولو كان الماء جاريا، مثل الفلج الذي تغسل فيه الكروش يوم النحر من الفروث، فتختلط بالماء الجاري، فيتغير لون الماء فذلك يفسد الماء الجاري فيه هذا الفرث، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد ـــ فيمن نضح على النجاسة في أرض ماء فطار على شيء طاهر. (1/320)
صفحة 321
فإن كانت النجاسة يابسة، فطار منهاقليل قبل أن يتمكن من حلها أو حل منها، فلا بأس، ولو كان الماء قليلا. وكذلك إن كان الماء الواقع عليها أكثر منها، فقد قيل، لا يفسد مثل هذا ما لم يغيره، أو يكون أكثر منه على هذا. وإن وقع عليها الماء جاريا فلا يفسده ذلك ما لم يغيره. فيما معي، أنه يخرج في بعض القول.
مسألة:
في إناء فيه ماء، فوقعت فيه نجاسة تدرك، لها ذات نمثل بول الحمير، فيسفل البول في أسفل الإناء ويخلص الماء، أن الماء طاهر إذا تخلص من النجاسة بعد امتزاجه بها على قول، والله أعلم.*/* (1/321)
صفحة 322
الباب السابع عشر
في القلة وحدها
وقيل عن الربيع: إذا كان الماء بقد أربعين قلة لم ينجسه شيء.
قال أبو صفرة: القلة الجرة الكبيرة سبعة عشر مكوكا بالصاع.
قال أبو محمد: القلة في لغة العرب هو ما يقل بالأيدي.
والكوز يسمى قلة، والجرة الصغسرة، والكبيرة أيضا يقع عليها أسم قلة.
قال حسان بن ثابت الانصاري يرثي رجلا:
وأقفر من حضَّاره ورد أهله *** وقد كان يسقي من قلال وحنتم
الحنتم ظروف، ينبذ فيها، وقيل هي الجرار الخضر.
قال الأخطل:
يمشون حول مكدم قد كدحت *** متنيه حمل حناتم وقلال
وقد قيل في قلال هجر قربتين ونصف.
وهذا التقدير ايض فيه نظر، لأن المقدار أربعين جرة لو ماتت فيه وزغة لم تنتن فيه، وغمرها الماء، ولو تفسح فيه قيل، أو قال لظهور النجاسة فيه.*/* (1/322)
صفحة 323
وكذلك حكم الماء عنه لغلبة النجاسة عليه، فتقدير الأربعين للنجاسة لا معنى له. قال، وأكثر قول أصحابنا، أن القلة هي الجرة التي يحميها الخدم في العادة الجارية في استخدام العبيد بها.
مسألة:
والقلة مأخوذة من استقل فلان يحمله، وقله إذا اطاقه وحمله. وإنما سميت الكيزان قلالا لأنها تقل بالأيدي، وتحمل ويشرب منها، فهذا يدل على أن القلة أسم يقع على الكوز الصغير والكبير والجرة.
والحب الذي لا يستطيع القوي من الرجال أن تقله وتحمله، وهو الحاء المهملة، وضمها، هي الجرة الضخمة، ويدل على هذا نسخة هذا. قول جميل:
فضللنا بنعمة [] تكأنا *** وشربنا الحلال من قلة.
وقول، في القلة، أنها جرى، وقول، خمس مكاكيك.*/* (1/323)
صفحة 324
الباب الثامن عشر
في ضروب الماء وأقسامه، وفي الماء
الجاري والراكد
الماء على ضربين، فماء مطلق، وماء مضاف.
فالمطلق الذي ذكره الله تعالى في كتابه بقوله: ((وأنزلنا من السماء ماء طهورا)).
في موضع: ((ليطهركم به))،وفي موضع: ((فسلكه ينابيع في الارض)).
فالماء النازل من السماء، وماء العيون الذي سلكه لنا من السماء، وهو الماء المطلق الذي سماه الله تعالى، طهورا، يعني، مطهرا، تصح به الطهارة من النجس، وتنفذ به العبادات من غير نجس، لأن الله تعالى سماه، طهورا.
والمضاف هو الذي لا يعرف إلا ما أضيف إليه، أو إلى الواقع فيه، نحو ماء الباقلاء والحمص والورد، ومثله، فهذا المضاف الذي قلناه.
والمطلق الذي لايعرف إلا بصفة تزيله. فالمضاف الذي بيناه تزال به النجاسة، لأنه في نفسه، ولا تنفذ به العبادات لأنه غير مطلق عليه اسم ماء بغير تقيد ولا إضافة.*/* (1/324)
صفحة 325
وفي موضع، المياه كلها ثلاثة، فماء مضاف إلى الواقع فيه، ومضاف إلى الخارج منه، وماء مضاف إلى القائم به.
فالماء المضاف إلى الواقع فيه هو ماء الزعفران، وماء الباقلاء، وماء الحمص، وما كان في هذا المعنى.
والماء المضاف إلى الخارج منه، ماء الورد وماء الحح، وماء القرع، وما كان مثله.
والماء المضاف إلى القائم به ماء البئر وماء النهر وماء البحر.
مسألة:
والماء المستعمل يطهر النجاسة، لأن الأصل في ذلك إزالة الأذى عن نفسه.
مسألة:
والماء الجاري على ضربين، فجار فيه نجاسة متجسدة، لا ينجس بها إلا ما طابقها، أو لقيها من أجزائه بأجزائه دون سائره، ثم إذا انتقلت دفعت مادة الماء مكانها فطهرته.
والضرب الثاني من الجاري، أن تكون النجاسة فيه مما حلته، تفرقت أجزاؤها، وصار على سبيل المجاورة، فحكمه التنجيس، إلا أن يكثر عليها الماء، فيصير كالشيء المستهلك، فحكم ذلك حكم الطهارة فيه لئلا تبين النجاسة فيه، والله أعلم.
وفي موضع ــــ الماء الجاري لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه من النجاسة،*/* (1/325)
صفحة 326
وظهرت أمارتهافيه شائعة في جميع ظواهر المء لا يتصل بها.
والجاري هو المتنقل، والناقل للشيء الخفيف، وقالوا كما حمل بعرة الشاة.
مسألة:
وإذا كان ماء يجري، فانقطع من أوله وآخره، وبقي يجري من الوسط فهو جار من الموضع الذي يجري فيه.
مسألة:
ابن محبوب ــــــ في ماء يجري من الغيث قد مايحمل العرة، أنه لا بأس أن يستنجي فيه، ويتوضأ آخر من أسفله، وإن كان ليس له أصل يجري منه فالله أعلم.
مسألة:
وإذا حمل الماء بعرة شاة، أو لغطة كنجوها، فهو جار، لا يفسده من النجاسة إلا ما يغلب عليه.
مسألة:
والماء الجاري إذا انقطع من أوله وآخره، وبقي يجري من الوسطل حتى يجتمع في موضع قدر جرتين أو أكثر، فذلك المجتمع هناك، عندي، بمنزلة الجاري، لأن الجاري يطرح إليه. وذلك إذا كان يقف في أرض تشربه مثل واد أو رمل، أو مثله. وأما ما كان مجتمعا في حوض لا يشربه فذلك يفسده ما يقع فيه من نجاسة حتى يكون كثيرا لا ينجسه شيء، والله أعلم.*/* (1/326)
صفحة 327
مسألة:
وعن ماء يكون في الصفا، قدر رجتين، أو أقل، أو أكثر، والماء يطرح عليه، ولا يرى يخرج منه شيء فجائز، إذا كان يدخله الماء الجاري.
مسألة:
والنهر إذا غسل فيه الشوران فغلب عليه حمرة الشوران فما غير الماء من الماء الطاهر لم يفسده، وجائز التطهر به، وكرهه بعض. وإن توضأ منه فجائز، إلا أن يقع عليه أسم المضاف، كما يقال ماء الشوران، ولا يسمى ماء مطلقا فلا يتوضأ منه، والله أعلم.
مسألة:
كان الربيع يكره أن يستنجي في النهر.
وعن موسى، أنه لا بأس بالبول في الماء الجاري.
وكره بشير: البزاق في النهر.
وقال عبد الله بن القاسم: إن وضعت فيه الغائط فلا بأس.
وكان بعض الناس لا يلفظ الماء الذي يتمضمض به في الفلج. ورخص بشير في ذلك.
قال هاشم: الماء الجاري قد استقام رأي الناس، أنه لا بأس به.
مسألة:
وإذا كان ماء قليل مجتمع، وفوقه حجارة تحتها آجر، والنجس أسفل،*/* (1/327)
صفحة 328
ولا يظهر على الحجارة والآجر منه شيء، فما لم يمس المستنجى هناك شيئ من الماء النجس فحكمه طاهر. وإن علم أنه طار من الماء النجس شيء نجس ما وقع به، وإذا لم يعلم لم يحكم به.
مسألة:
وإذا لم يكن إلا خبة واحدة في ساقية، فسحبها حتى جرب جاز له أن يستنجي منها فيما قيل. قيل: فإن كان الماء متصلا في الحصى وخبة منقطعة إلا أنه لو كان فوق الحصى لم ينجس، هل يكون حكمه كالجاري؟
قال: نعم، هو عندي متصل إذا تبين ذلك من أمره. قيل: فإذا كان الماء غزيرا متغيرا لونه مما يلي الأرض، من أسفل، وأعلاه صافيا، وكله في موضع واحد، ما حكمه؟ قال: طاهر، وإنما يفسد من الماء الكثير ما غلب عليه حكمها بعينها.
مسألة:
وعن شبكة ماء في الوادي، يطمئن القلب أن ماءها يجري من تحت الحصى، هل له أن يغسل فيه النجاسة؟ قال: نعم في حكم الاطمئنانة وحكم الطاهر.*/* (1/328)
صفحة 329
مسألة:
أبو الحواري، في الفلج يستنجي فيه رجل فرجع يجري إلى الخلف، فلا بأس عليه في ذلك، وكيفما يجري فهو جار، جرى خلفه أو أمامه.
رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يتوضأ منه.
قال أصحاب الظاهر: ولغير البائل، الممنوع أن يتوضأ منه.
قال أبو محمد: والنظر يوجب عندي، أن النهي عن التوضؤ منه لقلته، لأن الراكد من الماء قد يكون قليلا، وقد يكون كثيرا.
ويدل على ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم، حكمي على الواحد منكم كحكمي على الجميع، لقول الله تعالى: ((وما أرسلناك إلا كافة للناس)).وليس إذا ذكروا واحدا بمنع أو إباحة لم يدخل معه غيره في باب العبادة، والحال بينهما واحد، والله أعلم.
ومن طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة. والدائم معناه هاهنا الساكن، يقال، أدمت الشيء أسكنته حتى دام هو.
قال الجعدي:
يفور عليها قدرهم فيديمها *** ويفثوؤها عنا إذا حمؤها غلا */* (1/329)
صفحة 330
يديمهما يسكنها، وفثؤها يسكنها أيضا، يقال، فثأت غضب فلان إذا أسكنته، وفثأت عنك فلانا أي كسرته عنك.
قال أبو صخر:
على دائم لا يغير الفلك موجه *** ومن دونها الاهوال واللجج الخضر
يريد بالدائم الساكن هاهنا، ويقال، ماء دائم وراكد وواقف وصائم بمعنى، والدائم الذي لا يجري، يقال، أدمت القدرة أي أسكنت فورها بالماء.
وقال آخر:
سعرنا عليك الحرب تغلي قدورها *** فهلا غداة العينين تديمها.
ويقال نأن أستديم ذلك، أن أي أنتظره.
قال جرير:
نرى الشعراء من ضغن مصاب *** بصكته وآخر مستديم.
أي منتظر.
مسألة:
فالماء الراكد على ضربين نراكد قليل، وراكد كثير نوالخبر إذا سلم طريقه وصح نقله فالنهي عن القليل الذي لا يحمل النجاسة لقلته. ويؤيد ذلك قوله عليه السلام نالماء لا ينجسه شيء، يريد والله أعلم، أنه لا ينجسه شيء، لكثرته وغلبته على النجاسة. (1/330)
صفحة 331
مسألة:
وكل ما حرك من طرف، ثم رجع ولم يتحرك من الطرف الآخر فقد جاء الأثر فيه، أنه يتصل الماء ثلاثة أميال ويكون نجسا كله، كذا قال أبو محمد. والتقدير في حركة الماء لا وجه له، لأن الحركة تختلف، حركة الثقيل عن حركة الخفيف.
مسألة:
وما ينقطع في السواقي من الماء بعد ان يرفع الفلج فلا باس أن يتوضأ منه بلا استنجاء فيه ولو لم يجر نإذا لم يعلم به بأسا. وقال بعض: إذا كان متصلا في طول السلقية وهو قائم بقدر إذا ما حرك من طرفه لم يتحرك من الطرف الآخر فهو كثير نلا يفسده شيء من غسل نجاسة، ولو لم يكن جاريا.
مسألة:
فيمن بال في الماء الذي لا ينجس، هل يكون الموضع الذي بال فيه حكمه حكم غلبة الماء، حتى تصح غلبة البول، وما طار به لا باس به، لأن حكم الماء هو الأغلب. قال: وكنت معه على ساقية يتوضأ للصلاة، فقال، حتى يرفعه، وأشار بكفه هكذا، فيجده غالبا، فهذه هي حد الغلبة التي تفسد الماء.*/* (1/331)
صفحة 332
وقيل: فإن كان موضع البول من الماء أصفر متغيرا عن حال الماء، إلا أني لا أعرف يغلب جوهر البول الماء أم لا، هل يكون ذلك الموضع طاهرا حتى يعلم أنه غير الماء ولا يضره الصفرة من البول؟
قال: معي، أنه كذلك حتى يصح أنه قد غلب عليه بطعم أو لون، لأن الحكم للأكثر، وقد يكون الماء كدرا، وهو يسمى ماء، ولا يكون بذلك خارجا من المعنى فتكون صفرة وكدرة، كالماء إذا وقع فيه الزرد.
قيل: فما طار حين وقع البول في الماء، أيكون ذلك طاهرا حتى يعلم أنه من البول؟ قال: هكذا عندي، إذا كان الماء الأغلب والأكثر من بعد ان يمازحه ويخالطه، والله أعلم.
مسألة:
وإذا جعل في إناء ماء، والإناء منخرق من أسفله، وكان الماء يجري منه، هل لأحد أن يغسل في ذلك الإناء نجاسة ولا يتنجس؟ قال: معي، أنه لا يفسد على هذه الصفة على معنى قوله إذا كان الماء الذي يخرج منه أسفل الإناء متصلا بالماء في الإناء.
مسألة:
أبو سعيد ــــ فيمن طرح نجاسة من الذوات رطبة في ماء لا ينجس، أو جار، فطار به من حين ما وقعت فيه. أن فيه اختلافا.*/* (1/332)
صفحة 333
قال غيره: لأن ذلك الماء الذي طار من ذلك يحتمل أن يكون نجسا، ويحتمل أن يكون طاهرا. وقد اختلف في هذا إذا وقع الاحتمال من الطهارة والنجاسة.
فقول: يكوننجسا، لأنه يحتمل النجاسة، وإنما طار بسبب وقوعها، لا غير ذلك، حتى يعلم أنه طاهر. وقول، إنه طاهر حتى يعلم أنه نجس، لأن الماء أصله طاهر، والنجاسة حادثة فيه، فحتى تصح نجاسته تصحه طهارته، وطهارته أشبه بالإجازة لمعان كثيرة غير الاحتمال، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في امرأة طهرت من حيضها، واغتسلت في ماء واقف في بطحاء. فإن كان الماء قليلا في الحرز، إذا حرز في رأي العين، وينزح إذا نزح ولم يتبين جريه في ظاهر ولا باطن، ولا أنه يجري في البطحاء فإنه يتنجس، ولا يظهر إذا غسلت به.
وإن كان لا ينزح، أو له علامات أنه يجري في البطحاء، في باطن البطحاء، فيدخل ماء جار أو يخرج منه فقيل، لا يتنجس إلا أن يغلب عليه، ولو لم يكن ذلك ظاهرا على ظاهر البطحاء.*/* (1/333)
صفحة 334
الباب التاسع عشر
الآبار وما ينجسها
وما يلزم من نجسها
والبئر الكثيرة الماء التي لا تنزح فإنه لا ينجسها شيء. وفي موضع: والبئر إذا لم تكن تنزح فلا ينجسهال مثل الفأر والعصفور إذا ماتا فيها.
مسألة:
وروى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه سئل عن البئر إذا وقعت فيها نجاسة. قال: مثل البحيرة، يصف لهم بئرا بالمدينة، والبحيرة هي التي لا تنقص قليلا ولا كثيرا.
وأما ما يحمل النجاسة فإذا كانت تمد الزواجر، وقالوا، غير ذلك.
وعن ابن محبوب، إذا خرجت دلو ملأى، ودلو نصفا، فلا ينجسها شيء مثل الفأر والعصفور إذا ماتا فيها.
مسألة:
والبئر البدعة التي لا زاجة عليها إذا وقع فيها الإمحاة نجستها على قول من قال، إنها سبع. وقيل: إذا وقع الغول في البئر، وأخرج حيا، أنه ينجسها.*/* (1/334)
صفحة 335
وإذا وقع الجنب في بئر قبل أن يغسل الأذى، واغتسل فيها، ولبس ثيابه. فإن كانت هذه البئر مستبحرة لم يفسدها، وإن كانت غير مستبحرة فقد أفسدها، وما مس من ثيابه من مائها فاسد.
فإن خرج من هذه البئر، ووقع في بئر أخرى فاغتسل فيها وبدنه رطب من ذلك الماء الفاسد فقد أفسدهما أيضا، وكذلك البئر الثالثة. وقد قالوا، البئر المستبحرة التي لا تنزحها الدلاء.
وقول: التي فيها قامتا ماء. وقول: إذا كان من الماء أربعونقلة. وقول إذاكانت لا تنزح، كثيرة الماء، لا يذهب في ذلك إلى حد من القامة ولا عدد من القلال، إلا قوله: إذا كانت لا تنزح. واختلفوا في النزح.
فقول: إذا نقصت البئر عن حالها التي تكونعليها فقد نزحت.
وقول: ولو نقصت عن حالها ما كانت تقف على حال، تخرج دلاؤها ممتلئة، فهي غزيرة، لا تنزح.
وقول: ولو كانت الدلاء لا تخرج مملوءة إلا أنها دائمة على حالة، يخرج الدلو منها اكثر من نصفه فصاعدا، فهي لا تنزح، وإن كانت لا تغترف بالدلاء إلا الأقل فهذه تنزح.*/* (1/335)
صفحة 336
مسألة:
واختلفوا في نزح البئر.
فقول: التي لا تزح هي التي لا ينقص ماؤها من النزح، ولو اختلفت عليها الدلاء ودامت.
وقول: ولو نقصت ما لم يفرغ ماؤها فهو مستبحرة، وذلك ليس بنزح، وإنما النزح الفراغ بالنقصان المضر.
وقول: ولو كانت تنقص حتى يخرج الدلو نصفه أو ثلثه فليس ذلك بنزح، وتلك مستبحرة، مالم تفرغ إذا أمسكت على ذلك. وأما إذا خرج من الدلو أقل من نصفه فليس بمستبحرة.
وقول: إذا نزع منها أربعون دلوا، ولم يفرغ ماؤها فراغا لا ينتفع به إلا بالمضرة فهي بحر والله أعلم.
وقول: إن المستبحرة هي التي إذا قام عليها الرجل لاشديد استقى منها حتى يغلب بدلوها ولاتنزح: فهي مستبحرة.
وقول: قال الشيخ: إذا نزح منها أربعون ولو بدلوها في مقام واحد فهي مستبحرة، والله أعلم.
مسألة:
في طوى فيها عين تطرح. قال: هي جارية، ولا ينجسها إلا ما غلب عليها.*/* (1/336)
صفحة 337
مسألة:
وأما الزاجرة حيث يصب الدلو.
ومنه يجري إذا اغتسل فيه جنب، أو غسلت فيه نجاسة، ورجع من ذلك البئر فذلك ما جار، لا يفسده الاغتسال فيه، ولا معنى له، ولا ما رجع إلى البئر منه.
مسألة:
وإذا وقع في بئر ميتة، فخلالها فيها ما شاء الله، حتى ذهب لحمها، فلم يبق فيها إلا العظام، ولم يبق في العظام شيء من الدسم، ولا المخ ولا اللحم فلا بأس بها، ولو بقي من العظام شيء فيها. وفي موضع، إن كان فيها عظام ناس موتى، ليس فيها لحم أو دسم فلا بأس على من توضأ أو غسل ثيابه منها. وإذا وقع عظم ميتة في بئر، فلم يتغير لون الماء ولا طعمه، فلا بأس. والعظم طاهر إذا خلا من اللحم.
مسألة:
وإذا وقع عظم في بئر فأراحت وفي العظم بقية من اللحم أو لا بقية فيه، وكان من ذبيحة ذكية فلا ينجسهاولو وجدت فيها رائحة فاسدة.
وإذا ماتت الغيلمة في بئر لم تفسدها، برية كانت أو بحرية.*/* (1/337)
صفحة 338
وإن ماتت حية من حيات البحر في البئر أفسدتها، لأنه قيل، إن الحيات من البر يدخلن البحر من السيول، والحيات ليس من السمك.
مسألة:
وسلخ الحية إذا كان ينسلخ منها ميتا فهو طاهر، وإذا لم يعلم، واحتمل ذلك، في الحكم، لا ينجس حتى يعلم أنه نجس، والله أعلم.
مسألة:
وإذا مات كلب في بئر وانهدمت، وصارت هي والأرض سواء، ثم حفرت أخرج [منها] عظام الكلب ولحمه، وظهر الماء من التراب فذلك طاهر. وإن كان اللحم والعظام في الماء نجسة حتى تنزح، ولا بأس بما بقي من الرائحة إذا نزحت.
مسألة:
وإذا مات إنسان في بئر، ولم يخرج منهاحتى خلا له، أكثر من عشر سنين واحتاج أصحاب البئر إليها، فحفروها. فجائز، وإن وجدوا له عظاما أخرجوها ودفنوها، والله أعلم.
والوزغة إذاوقعت في بئر، ولم تمت لم تنجسها، فإن ماتت في بئر لا تنزحها الدلاء لم تنجسها، وكذلك الفأرة إن وقعت في بئر، وهي حية، لم تفسدها، وكذلك الدجاجة.*/* (1/338)
صفحة 339
مسألة:
والشاة إذا وقعت في بئر، وهي حية.
فقول أبي زياد، تنزح لأن فيها مجاري البول.
وقول محمد بن محبوب، لا تنزح لأن الشاة طاهرة.
وإذا بالت ويبس موضع البول فهو طاهر، إلا أن يعلم أن فيها بولا رطبا وقت ما وقعت فيها، فتفسد.
مسألة:
ومن بال وتجفف بحجر فسقط الحجر في بئر.
فإن كان الحجر وقع على كوة الذكر، وقد يبس من البول، فالحجر طاهر، حتى يعلم أن الحجر قد أصابه شيء من البول من ذكره، وأنه لاقى الحجر موضع البول، وهو رطب، فلصق فيه شيء من الحجر ولو قل، فإن البئر إذا كانت قليلة الماء أفسدتها النجاسة، ولو قلت، عند بعض الفقهاء.
مسألة:
وعن قملة وقعت في بئر، وهي حية. فعن أبي إبراهيم، إنها لا تفسدها حتى يعلم أنها ماتت فيها.
مسألة:
ومن بات في بيت جاهلا له، فبال في الليل في بئر، ثم علم، ولم يعلمهم حياء فلا شيء عليه، حتى يعلم أن البول وصل إلى البئر، وأنه ينجسها ما وقع فيها من */* (1/339)
صفحة 340
البول، هنالك، عليه إعلامهم، أو نزحها، وهي على الطهارة حتى يصح معه فسادها.
قال هاشم الخراساني: إذا كان الماء أكثر من البول لم يفسد ذلك الماء.
مسألة:
قال أبو الحواري: من ألقى النجاسة في بئر قوم فإنه يلزمه إخراجها، إن كلفوه، ويخرج النجاسة بلا رأيهم، ولا ينزحها إلا برأيهم، لأن الماء لهم، وهم أولى به.
وقال غيره: إذا كانت النجاسة قائمة في البئر حدثا لزمه إخراجها للمضرة، وإذا لزم نزح البئر بالاتفاق وكان ذلك حدثا منه.
مسألة:
وعن دابة وقعت في بئر، أو طير حي، أو ميت، لو يعلم، أصار ذلك للماء أو لم يصر إلى الماء، مات أو لم يمت، فلا تفسد البئر حتى يعلم أن الطير والدابة قد ماتا في الماء.
مسألة:
قال محمد بن محبوب، لا بأس بماء الزاجرة من القيالة التي يجري الحبل في بول البقر عند الرخم، ثم يسحب في التراب، ثم يدخل الماء، لأن ذلك لا يمتنع منه.
فإن صار الحبل بعينه بالبول في الماء ولم يسحب في التراب أفسدها.*/* (1/340)
صفحة 341
قال غيره: إن حبل القيالة إذا اصابه البول ونزل في ماء البئر فإنه لا ينجس ماؤها لكثرته.
وإن كان طوى الزاجرة تنجسها الحبل إذا أصابه البول، وهو متغير من التراب، فلزوم التراب معه لا يرفع حكم تنجسه في الوقت. وعندي، أن الاحتجاج بمثل هذا يصعب على مدى التفرقة بين حبلها، والله أعلم.
فأما قوله، فإن الناس لا يمتنعون من ذلك فيجب أن يكون الحكم في ذلك واحد، لأجل المشقة، وهما متساويان في باب النجاسة، والله أعلم.*/* (1/341)
صفحة 342
الباب العشرون
في نزح الآبار النجسة؛ وتطهيرها
وإذا وقع في بئر إنسان أو دابة، وهي بحيرة، ففي البئر اختلاف. فقول، تدفن. وقول تطهر، ويكون سبيله سبيل النجاسات من الميت.
واحتج في ذلك بقول ابن عباس في زمزم، لما مات فيها زنجي، فأمر بطهارتها، فهذا دليل على أنه كسائر النجاسات من الدواب وغيرها، والله أعلم.
مسألة:
وفي موضع ــــ إذا وقع في ماء بئر أو غيرها إنسان، فمات فيه، وأخرج منها، ونزح ماؤها كله، أو مقدار ما فيها من الماء إذا لم يقدر على نزح مائها، لما روى عن ابن عباس وابن الزبير أنهما نزحا زمزم من زنجي مات فيها.
والتقدير لأصحابنا في نزح البئر النجسة أربعون دلوا، أو خمسون دلوا، وإنما هو مقدار ما فيها من الماء قبل أن يزيد ماؤها من العيون.
هكذا ظني، أن قصدهم لهذا، والله أعلم. وفي موضع ــــ ما العلة في أربعين دلوا؟
قال: في قول أصحابنا فلا أعلم لهم. إلا قول لهم، هكذا جاء الأثر.*/* (1/342)
صفحة 343
وأما في قول قومنا فيعتل، أنه كان وقعا في زمزم رجل أسود، فمات فيها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينزح منها بعد إخراجه منها.
واختلفوا فيها، فقول الشافعي، ينزح منها ماؤها كله، وقول، خمسون دلوا، وقول، سبعون دلوا، وقول: أربعون دلوا، وهو أقل ما قالوا. وأحسب قولا، ينزح ماؤها كله، ثم تغسل بماء طاهر، ولم أجد إجماعا على نص.
مسألة:
قال أبو محمد: وإذا حكم على البئر بحكم النجاسة، ونزحت إلى أن يقلل الماء النجس، ويزيد الماء الطاهر من العيون، فتغلب عليه، فيصير الحكم له، وليس لنزح ذلك مقدار يرجع إليه بتحديد ومنتهى عدد لاختلاف كثرة النجاسة وقلتها، وصغر البئر وكبرها وما نزح منها.
وقول، ينزح ما فيها من الماء قبل أن تنزح [كذا في الأصل].
وروى أن ابن عباس أمر بزمزم، وقد مات فيها زنجي، أن تسد عيونها بعد إخراجه، وتنزح حتى يفرغ ماؤها.
وقيل: إنه لما أمر بنزحها، فغلبهم الماء، أمر بسد الغيون بالمطارف، فإن قدر على سد عيون البئر فعل في نزحها ما أمر به ابن عباس في زمزم، فإن لم يقدر على ذلك فالمستحب أن ينزح منها مقدار القائم فيها، والله أعلم.*/* (1/343)
صفحة 344
مسألة:
وفي موضع ــــوإن وقع في بئر آدمي فمات فيها، أخرج منها، وأخرج ماؤها كله، فإن لم يقدر على إخراجه فهي نجسة ما دامت عينها قائمة حتى تخرج، فإن ذهبت أعيان النجاسة من الماء القليل نزحت البئر، وقد طهرت، والاختلاف بين الناس في مقادير الماء والنجاسة، وفيمانزح من الآبار.
مسألة:
وفي الرواية، أن الصحابة اختلفو في فأرة ماتت في بئر، فأمر بعضهم، أن ينزح منها أكثر مما أمر به الآخر، واتفقوا على نزحها، وإنما الاختلاف بينهم في قلة الماء أو كثرته، ولم ينقل مقدار الماء الذي كان فيها، ومثل هذا يحتمل التأويل على قلة الماء وكثرته مع وجود الطعم والرائحة، والله أعلم.
مسألة:
قال بعض أئمتنا ممن ذهب إلى تنجيس البئر إذا داخلتها النجاسة القليلة، وهي تمد زاجرها، أنها تنزح خمسين دلوا بدلوها إذا حلتها النجاسة، بعد أن تكون الدلو طاهرة، ويطهر الدلو بعد فراغ النزح منها، فإن كانت النجاسة مستجسدة، لها عين قائمة في البئر، لم يطهرها النزح الذي ذكرنا إلا بعد إخراجها من البئر.
وفي موضع ــــ وإذا وقع في البئر ما افسدها أخرج، إن كان مما يخرج، مثل الميتة وغيرها، ونزح منها في مقام واحد، أربعون دلوا، إلا أن يفرغ ماؤها قبل ذلك، فإن لم يبق شيء فقد طهرت، وإن لم ينزح منها أربعون دلوا.*/* (1/344)
صفحة 345
وإن كان فيها عيون تنبع الماء، ولم يستفرغ منها أربعون دلوا بدلوها فقد طهرت، وطهر الدلو أيضا، وإن لم يكن لها دلو فبدلو وسط. وإن كانت زاجرة فبدلو الزاجرة.
قال بعض قومنا: تنزح البئر من الفأر والعصفور إذا لم ينتفخ أو ينفسخ، وأخرجت عشرين دلوا. وفي السنور والدجاجة أربعون دلوا.
قال الشعبي: في الدجاجة سبعون.
عن ابي سعيد الخدري: في الدجاجة أربعون دلوا، أو خمسون دلوا. وقال: إذا انفسخت الدجاجة أو السنور أو الفأر نزح ماء البئر كله.
وقال أبو محمد: إذا نزح مائتا دلو، أو مائتان وخمسون دلو فقد طهر الماء، وهذا قول من أوجب نزح البئر كله.
وقال أبو حنيفة: إذا أخرجت الفأرة حية من البئر اخرج منها عشرون دلو، فإن لم يفعل فلا بأس. وقال في الشاة والبقرة إذا أخرجتا حيتين نزح عشرون دلوا.
مسألة:
والماء الذي في الدلو تمام الأربعين فيه قولان، أحدهما، أنه نجس، والآخر، أنه طاهر، والله أعلم.*/* (1/345)
صفحة 346
مسألة:
أبو سعيد ـــــ إذا كانت البئر لا تنزح فلا تنجس إلا حتى تغلب عليها النجاسة بلون أو عرف، فإذا غلب عليها نزح منها من الماء ما تغير وغلب عليه حكم النجاسة، وليس لذلك حد من قلة أو كثرة إلا زوال ذلك الغالب، وهو دلو واحد، أو ألف دلو.
مسألة:
ولا يجب غسل جوانب البئر من الماء النجس إذا نزحت، الإجماع على ذلك، ولأن الذي يلاقى جوانب البئر من الماء النجس يزيله عنها ما يقع من جوانب البئر، لأنه ماء جار يقع، ويرده إلى الماء الراكد، والماء الراكد فيها فلا يبقى على جوانبها. ولا تشبه الآبار مما وصفنا الأواني، لأن مافي جوانب الأواني لايزيله إلا الغسل عنها إذا إمتنع من جوانبها.
وفي موضع ــــــ إذا أصابت [نجاسة] حجارة البئر التي يقدر على غسلها غسلت وإن كانت لايقدر على غسلها إلا أن يعود الماء في البئر لم يكن عليهم غسلها.
وفي موضع ـــــ في الحجارة التي على البئر إذا نزحت البئر فقد طهر ذلك كله، لأن الحجارة إذا غسلت ترجع في البئر، ولا يمتنع منه. وأما الحبل و الدلو فقول أبي المؤثر أما بالرأي، فيغسل بالدلو والحبل، وأما بالقياس فلا يغسل. فعلى هذا، فإن غسل والدلو فلا بأس، وإن لم يغسل فلا بأس.*/* (1/346)
صفحة 347
مسألة:
وإذا وقع في بئر ميتة فتقطعت فيها، وأخرجت منها، ونزحت البئر، وبقى رائحة في الماء.
قال أبو مروان: الماء فاسد ما دامت الرائحة فيه.
وقال أبو مالك: الموجود في الأثر، لا بأس بالرائحة.
وفي موضع ـــــــ لا بأس بما بقي في البئر من الرلائحة إذا نزلت كما قال به المسلمون.
مسألة:
وإذا وقعت عذرة أو ميتة في بئر فغلبت ريحها، وهي كثيرة الماء، لا تنزحها الدلاء فإنها تفسد ما دامت النجاسة فيها، فإنه أخرجت منها ونزحت، وبقيت الرائحة في مائها فلا تفسدها، ولكن إن انقطعت فبقي منها شيء لم يخرج، وبقيت رائحة في مائها فإنه فاسد حتى يخرج مابقي من النجاسة، أو تذهب منها.
وإن وقع في بئر نجاسة، وكانت كثيرة الماء لم ينجسها إلا ما غيرها، وإذا لم يغيرها فهي طاهرة، وإن كانت قليلة الماء أخرج ما وقع فيها من عذرة أو قملة، أو ما أشبه ذلك، ويحف ما على وجه الماء وتنزح.
وإن كانت عذرة رطبة رقيقة نزحت، وإن كانت غليظة يحف ما على وجه الماء، ما قدر عليه، ونزحت على ما قيل بالدلو المعروف بنزحها، وقد طهرت. وبعض قال: يدفن، ولم يؤخذ بذلك.*/* (1/347)
صفحة 348
مسألة:
وإذا وقعت نجاسة في بئر، وهي تزجر، فإذا أخرجت النجاسة أجزاها ما زجر منها [إذا كان مقدار] أربعين دلو، وذلك إذا كانت النجاسة تفسدها لقلتها.
وأما إذا كانت لا تنزح فهي طاهرة ما لم تغلب عليها النجاسة.
مسألة:
وإذا كانت البئر مما تنجس وماتت فيها القملة، فقول، تنزح، ليس عليهم أكثر من ذلك. و قول يحفر طينها، ثم تنزح و يجزيها ذلك. وأحسب قولا، أنها لا تطهر، بمثل هذا إذا كان فيها شيئ من النجاسة من الذوات ثم لم تخرج حتى يدفن كلها، ويغلب الطين على ما بها كله، فيستهلكه، ثم تحفر حتى يقع الحكم، أنها قد خرجت لا محال ثم تنزح.
مسألة:
في كلب وقع في بئر ومات، وأقام مدة من الزمان، وتقطع لحمه وعظامه، ما طهارة البئر؟
الجواب: أنه تلقط عظامه ولحمه من البئر، وينزح أربعين دلوا بدلوهما، وإن كانت لا تلقط ترفع الطير منها، وتنقى من الطير، وينزح بعد ذلك أربعين دلوا، وقد طهرت إذا لم يبقى في الماء طعم ولا رائحة، والله أعلم.*/* (1/348)
صفحة 349
مسألة:
وقال بعض أئمتنا في البئر التي تنزح خمسين دلوا، أن الدلو إذا رجعت في بئر أخرى قبل أن تغسل، نزحت البئر الثانية أيضا، خمسين دلوا بعد أن يطهر الدلو، وكذلك كل بئر هذا سبيلها. قال: وإذا بقي فيها دلو من الخمسين لم ينزح في ذلك المقام، وأخرت إلى اليوم الثاني استقبل نزحها من أولها.
وقد كان يجب على أصله، لا يوجب إخراج غير تلك الدلو الباقية التي يتم بها نزح البئر، وتطهر بها، لأن بقائها في البئر قبل إخراجا لا يجب إخراج غيرها، كذلك إذا عادت إليها لم يحدث حكمها ولم يكن في حال كونه من الماء، والله أعلم.
مسألة:
وأما أبو حنيفة قال: لو إستقى من بئر نجسة وصب في طوى طاهر حكم للطوى بالنجاسة، وإذا نزح منها مقدار ما صب فيها من الطوى النجسة عادت إلى طهارتها، ولم يجب إخراج غير ما صب فيها من النجس.
وفرق الشافعي بين الوارد على النجاسة من الماء وبين المورود عليه، ثم ناقض من قيل أنه قال، في القلتين من الماء إذا وردتا على النجاسة، أو وردت النجاسة عليهما، فسوى في هذه المواضع بين الوارد والمورود عليه، وكذلك في أقل من القلتين، كذا نقول.*/* (1/349)
صفحة 350
مسألة:
وإذا كانت تزجر، ويستقى منها للشرب بدلو غير دلو الزجر، فإنها تزجر بدلو الزجر إلا أن تكون لا تزجر فإنما هي للشرب والوضوء تنزح بدلوها أربعين دلوا.
وإن كانت عليها دلو كبير فليس لهم أن ينزحوها بأصغر منه، فإن نزحوها بالأصغر على حساب الأكبر جاز ذلك. وكذلك إن يزجرها بدلو أكبر من دلوها على حسابه جاز ذلك. قال أبو سعيد ـــــ تنزح بالأوسط من الدلاء، وهو أصح في الحكم، وأما في الاحتياط فبالأكثر، فإن نزح عشرين دلوا بالغداة، وعشرين دلوا بالعشي، فلا يجزيهم إلا أن ينزحوا منها أربعين دلوا في مقام واحد، إلا أن يكون ماؤها قليلا، فينزح منها عشرون دلوا، ثم يفرغ ماؤها ثم يدعوها حتى تحم، فلا بأس أن ينزحو منها كذلك.
أبو الحواري ـــــــ إذا علموا أنهم إستقو منها أربعين دلوا من بعد ما تنجست فقد طهرت، ولعله يريد، ولو كان النزح متفرقا.
مسألة:
فإن نزح منها مقدار أربعين دلوا في يوم أو أيام بلا قصد للنزح أجزى، وإنما هي طهارة قد أجمع عليها أهل العلم، لا نعلم فيها إختلافا، كغسل النجاسة.
مسألة:
أبو سعيد ـــــ يختلف في غسل الدلو قبل النزح.*/* (1/350)
صفحة 351
فقول، لا تنزح حتى يغسل، وقول، يجوز أن تنزح به قبل أن يغسل، فإذا ثم نزحها طهرت البئر والدلو.
وفي موضع ــــ وإذا نزحت البئر النجسة لم يغسل الدلو، ولكن يغسل الحبل، إن كان مسه شيء من مائها قبل أن ينزح منها أربعون دلوا. وأما الدلو فهو نظيف.
مسألة:
أبو الحواري ــــ فيمن نزح بئرا نجسة بدلوها النجس، فإذا نزح منها أربعون دلوا فقد طهرت البئر، ولا بأس بمس الدلو ماء البئر قبل أن تنزح. وإن غسل الدلو والرشا فحسن، وإن لم يغسل فلا بأس.
وفي موضع ــــ إن نزحت البئر النجسة بدلو نجس من غير نجاسة البئر. فقول يجزي ذلك، ويطهر الدلو إذا طهرت البئر، وذهبت النجاسة. وقول، لا يجزي حتى يطهر الدلو، ثم ينزح به بعد ذلك.
وفي موقع ــــ قيل، فيما حد هذا الدلو؟
قال: بدلو البئر إلا أن يخرج من التعارف، في الصغر أو الكبر، فبدلو وسط، ولا يضر ما رجع من الدلو في حال النزح، لانخراق أو غيره، لأن ذلك لا يمتنع منه.*/* (1/351)
صفحة 352
مسألة:
وإذا وقع في البئر خناز، أو ف"أر أو سنور، وهي كثيرة الماء، لا يستطاع إخراجه، فإنه ينزح منها، ولا بأس. وإن كان يستطاع إخراجه فلا.
مسألة:
أبو الحواري ـــ في بئر وقعت فيها ميتة أو عذرة فتركت حتى تخرج منها، ما شاء الله، إلى أن أصاب الغيث، وكثر ماؤها. فإذا استخرجت جاز لهم أن يستقوا منها.
وإن قلت بعد ذلك، فقد طهرت، ويستقي منها، إلا أن يتغير ماؤها بطعم أو ريح أو لون، إلاأن تكون الميتة قائمة بحالها والعذرة فإذا قلت فسدت، وإذا كثرت طهرت. فإن كانت قد هلكت لم تضرها القلة بعد الكثرة.
مسألة:
وعن بئر وجد لها ريح، فأدخلت صبيا، فزعم أنه وجد فيها فأرة، فأخذها بخشبة، ووضعها في الدلو، فسقطت في البئر.
قال أبو الحواري: إنما عليهم أن يحفوا أعلاه الطين بقدر مايروا أنهم وصلوا حيث وصلت الفأرة، ثم نزحوها أربعين دلوا، ثم نظفت إن شاء الله، إلا أن */* (1/352)
صفحة 353
يجدوا لها ريحا فيحفرونها وينزحونها حتى تذهب تلك الريح، ثم طهرت، إن شاء الله.
وقال: إن البئر إذا كان لها دلوان، أحدهما أصغر من الآخر، فإذبا تنجست كان فيها قولان، أحدهما أنها تنزح بالأكبر منهما. والآخر أنها تنزح بالأغلب من أكبر استقائها.
قيل: فإن كانت تزجر ويستقي منها. قال: إن تنجست في وقت الزجر زجرت، وإن كانت تنجست وهي لا تزجر بالصغير، والله أعلم.*/* (1/353)
صفحة 354
الباب الحادي والعشرون
في وجود النجاسة في البئر وحكم ذلك
فإن وقع فأر في بئر فمات ولم يعلم به حتى خلا أيام. فإن شموا لها رائحة متغيرة، أو طعما متغيرا فمن حين ما وجدوا ذلك، فما مسه من مائها فهو فاسد.
وإن كانوا توضأوا وصلوا من مائها أعادوا الصلاة من حين ما شموا للماء تغيرا أو طعما، إلى أن اخرجت الميتة منها، إلا أن تكون بحرا لا تنجسها النجاسة، ولا تتزحها الدلاء، فال ينجسها شيء.
مسألة:
ومن أخرج من طوى طيورا، فوقع بعضها فيها، ولم يعلم أهلها، وهم يشربون منها ويتوضأون، ثم علموا به. فاخرجوه، وأخبرهم الرجل بيوم وقع فيها. فإنهم ينقضون وضوءهم منذ يوم أخبر بوقوعه، وإن لم يكن ثقة.
مسألة:
قال أبو منصور: فأرة وقعت في بئر فتسلخت، وتوضأ منها قوم ولم يعلموا ثم علموا بعد ذلك، إنم يبدلون صلاة ثلاثة أيام.*/* (1/354)
صفحة 355
وقال أبو عبد الله: يبدلون صلاة يوم وليلة.
وقال أبو الحواري: وقول: إذا كانوا أنكروا في البئر ريحا أو طعما فعليهم بدل الصلوات مذ أنكروها، وإن لم ينكروا لها ريحا أو طعما لم يكن عليهم بدل الصلاة، وإنما فسدت البئر من حين علموا بالميتة.
وقال أبو منصور: إذا وجدوها ميتة ولم يذهب شعرها فليغسلوا ثيابهم، ويبدلوا صلاة يوم، وإذا لم يدروا متى وقعت، فإن كان ذهب الشعر فليصلوا ثلاثة أيام.
مسألة:
وعن أبي منصور في بئر توضأ منها قوم لصلاة، ثم وجدوا فيها ميتة. قال: مضت صلاتهم، وليس عليهم غسل ثيابهم.
قال الحواري: هذه مثل الأولى.
مسألة:
وإذا تطهر قوم في بئر قليلة الماء، ثمة خرج من الدلو طير ميت، بقدر ما يقع فيها من فم سبع أو طير أو فأرة، فوضوء من توضأ منها تام حتى يعلم أنه كان فيها قبل وضوئهم. وأما إذا كان الماء متغير الطعم واللون والرائحة فعلى من توضأ قبل خروج الميتة إعادة الوضوء */* (1/355)
صفحة 356
مسألة:
وعن [محمد بن] محبوب ـــــ في بئر وجد فيها ميتة. أنه لا نقض على من توضأ منها إلا أن يعلم، أنها كانت فيه حين توضأ، والله أعلم.
مسألة:
وقيل في البئر إذا وجد فيها ميتة أو نجاسة، ولم يعرف متى وقعت فيها. فقول إنما يحكم بنجاستها بعد العلم، إلا أن يكون تغير طعمها أو عرفها، فإن حكم نجاستها مذ يتبين تغيرها.
وقول: عليهم آخر صلاة صلوها مذ وجدوا فيها النجاسة، لأنهم لم يعلموا متى وقعت. وقول: عليهم بدل خمس صلوات مذ وجدوا فيها النجاسة، وهذا إذا لم يتغير طعمها ولونها. وإنما تغير عرفها، ففيه اختلاف.
فقول: إن ذلك مما يدل على نجاستها. وقول: ليس العرف مما يغلب على الطهارة، إنما يغلب عليها اللون والطعم.
مسألة:
أبو سعيد ـــ في بئر تغير طعمها وريحها، ثم بعد ذلك بساعة، أو بيوم أو بأيام، وجدوا فيها فأرة ميتة.*/* (1/356)
صفحة 357
فإذا أحاط علما جميعها، فلم يروا فيها شيئا فأمكن أن يكون التغيير من غيرها، فلا يثبت عليهم إلا منذ وجدوا الميتة. فإن أمكن ان تغيب عنهم الميتة في الطوى فقد تغير [ماؤها]،فغلبت عليه، ففي الشبهة والريب وحكم الاحتياط يغسل ما مس ماؤها إذا كانت تنجس على قول.*/* (1/357)
صفحة 358
الباب الثاني والعشرون
في حفر الآبار قرب البئر النجسة
وما أشبه ذلك
يقال بار فلان بئرا إذا حفرها. ويقال رجل أبار، وبار أيضا، وهو حفر البئر، ويقال، بئر وآبار، وبيار.
قال الشاعر:
إذا الناس غطوني تغطيت عنهم *** إن بحثوا عني نفيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بيارهم *** ليعلم ما تخفيه تلك النبايث
والنبايث جمع نبيثة، وهو الشراب يخرج من النهر والبئر.
مسألة:
وإذا اندفنت البئر قيل البئر دفن، ساكنة الفاء، وبيار دُفْنٌ ودفن.
مسألة:
وإذا نزح البئر كله قيل، هذه البئر نزح. وقيل، نزح، يصفها لقلة الماء. وبئر نزوح آبارا نزوح. ومعنى نزحت البئر، أي يقل ماءها. والصواب، نزحت أي استقى ما فيها.*/* (1/358)
صفحة 359
قال الراجز:
لا يستقى في النزح الموصوف *** ولا مداراة الغروب الحوف
والغرب أعظم من الدلو، والغرب، ما يقطر من الدلاء من ماء عند البئر فتتغير رائحته. تقول، أغرب الساقي إذا أكثر الغرب. فإذا فاضت جوانب الحوض قلت: أغرب الحوض.
مسألة:
وإذا تنجست البئر فأريد حفر بئر إلى جنبها. فإذا دفنت النجاسة فليحفر بقربها حيث يشاء. وإن لم تدفن فليحفر على الأقل ما يكون من النجاسة، على عشر أذرع.
قال أبو محمد: اختلف في مقدار المسافة بينهما. فقول، تحفر منها بستة أذرع ما دارت. وقول، ومن حفر في الشمال أو الجنوب فسح منها ستة أذرع. وإن كان في أعالي ترك أربعة أذرع. وإن حفر أسفل عند نزول الماء حفر منها بقدر ثماني أذرع، لأن جري الماء إلى المشرق. وقول، يبعد عنها خمسة عشر ذراعا من حيث حفر.
وقول لا يجعل المسافة عنها حدا، ولكن تعتبر بالقطران، مما يقوم مقامه، مما يدل على اختلاط مائهما مما يؤدي طعمه في البئر الأخرى.*/* (1/359)
صفحة 360
قال: استدل بذلك على وصول الماء نجس واختلاطه بماء البئر الطاهرة كانت هذه النجسة، ويبعد عنها.
مسألة:
وقال في موضع آخر ــــ إن البلوع إذا كانت إلى جنبها بئر [للشرب]،وجدت من مجاورتها ذلك، أن يطلب معرفته بالقار والقطران، وإن أدى ذلك بالطعم أو الرائحة من ماء البئر نقل عنها، وإذا لم يؤد لم تنزل الطهارة عن مائها وليس لتحديد القرب والبعد معنى، لأن السنة لم ترد ذلك، ولو اجتمعت الأمة عليه، والله أعلم.
مسألة:
إذا كانت بالوعة يراق فيها الوضوء قرب بئر يستقى منها للشرب والوضوء. وقال: إذا كان بينهما خمس أذرع، ولا يؤخذ في الماء طعم شيء، ولا رائحة ولا لون فإنه يجزئ للوضوء منها. فإن كان أكثر فقد يوجد ريح البول وطعمه فلا خير للوضوء منها.*/* (1/360)
صفحة 361
الباب الثالث والعشرون
لا يجوز الوضوء به من المياه
والوضوء جائز بالماء من الآبار والأنهار، وماء الأمطار، وماء البحر، ولا يجوز الوضوء إلا بالماء دون سواه، لقول الله عز وجل: ((وأنزلنا من السماء ماء طهورا)).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر، الطهور ماءه والحل ميتته.
فهذا يوجب الطهارة بالماء دون غيره من المائعات. وليس لما اعتصر من الشجرة والتمر حكم الماء، لأن اسم الماء لا يتناوله على الإطلاق.
قال الله تعالى: ماءا طهورا، بحكم الطهارة يتعلق بماء هذا وصفه من الماء، ولا أعلم خلافا.
مسألة:
وكل ماء وقع عليه إسم ماء مطلقا وتطهير به جائز، صافيا كان أو كدرا، قليلا كان أو كثيرا، جاريا كان أو راكد، سخنا كان أو باردا، لأن هذه كلها صفات للماء، والله أعلم.
مسألة:
والوضوء بالماء المسخن به جائز، وبه قال عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك */* (1/361)
صفحة 362
وأهل المدينة، والكوفة، والحجاز، والعراق، جميعا، والشافعي عن مجاهد، إنه أكرهه. وجائز بالشمس المسخن، وتكره من طريق الطب، لما روى عن عمر، أنه يورث البرص.
وفي حديث عمر، أنه كان يتوضأ ويغتسل بالحميم، والحميم الماء الحار. والناس على هذا لا يختلفون، لأن المسخن لا فرق بينه ولا بين الماء البارد، إلا ما روى عن مجاهد، أنه كان لا يتوضأ بالماء المسخن إلا في حال الضرورة. والحميم الماء الحار، والحمام مشتق من الحميم تذكره العرب. والحميم العرق، والحميم في غير هذا القريب الذي يودك وتوده.
قال قتادة: يتوضأ الرجل بالماء الرمد، والماء الطرد. فالرمد من المياه المتغير اللون الآسن، وأصل الحرف من الرماد، قيل للثوب الوسخ رمد، وأرمد.
والماء الطرد الذي تخوضه الدواب، يسمى بذلك لأنها تطرد فيها أي تتابع. وأراد أن الوضوء بها جائز. ومن وجده لم يتيمم إلا أن تغير لونه أو ريحه بنجاسة، فلا يجوز الوضوء به، والله أعلم.*/* (1/362)
صفحة 363
مسألة:
والماء المطهر باتفاق الأمة ماء السماء، وماء البئر، وماء العيون، وماء البحر إلا في قول عبد الله بن عمرو بن العاص في البحر وحده، فاتباع السنة أولى من قوله، لما روى من حيث العركي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال، يارسول الله، إنا نركب على أرماث لنا في البحر، وتحضرنا للصلاة وليس عندنا ماء إلا لشفاهنا، أنتوضأ بماء البحر؟
فقال صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، والحل ميته. والعركي الصياد السمك، والأرماث جمع رمث، وهو خشب يضم بعضه إلى بعض فيركب عليه في البحر.
قال جميل بن معمر:
تمنيت من حبي بثينة أننا *** على رمث في البحر ليس لنا وكر.
مسألة:
وقد تنازع الناس في التطهير بماء البحر، فقول، لا يتطهر به إلا إذا ألجئ إليه ولم يكن معه غيره، وقول ابن عمر، والتيمم أحب إلى منه. وقول الجمهور من الناس، جائز التطهير به مع وجود الماء المطلق العذب، وهذا هو الصواب.*/* (1/363)
صفحة 364
وقول، ماء البحر طهور، وبه قال الشافعي ومالك وعمر.
وعن علي: من لم يطهره ماء البحر فلا يطهره الله.
مسألة:
وجائز الوضوء بكل ماء على وجه الأرض، أو فيها، عذبا كان أو مالحا، سماويا كان أو أرضيا، وكذلك الجاري على السبخة يجوز.
مسألة:
ولا يقال: ماء مالح، قال الله تعالى: وهذا ملح أجاج.
فإن قيل، قد قال الشاعر:
بصرية تزوجت بصريا *** يطعمها المالح والطريا
قيل له: قال ابن دريد، هذا قول الراجز، وهو مؤكد، ولا يؤخذ بلغته. قال: ولا يقال، السمك مالح، بل ملح مليح.
مسألة:
وكل ماء وجد متغيرا ولم يعلم أن تغيره من نجاسة فحكمه الطهارة، لأنا على يقين من أنه طاهر ولسنا على يقين، أنه قد صار نجسا، وليس شكنا لزوال الطهارة عنه بموجب لثبوت النجاسة.
مسألة:
والمياه المتغيرة الكدرة إذا كان ذلك من جنسها جاز الوضوء بها الصلاة.*/* (1/364)
صفحة 365
وفي الأثر، أن رجلا خلط في الماء لبنا ولم يتغير، أن له أن يتوضأبه، إن شاء الله.
وما خالط الماء فغلب عليه كان الحكم له لا للماء، وإن لم يغلب عليه كان الحكم للماء لا له.
والأصل فيه، أن الماء الذي خالطه شيء من الطين لا خلاف في جواز الوضوء به، والمعني فيه أن الماء هو الغالب عليه.
ولا خلاف أن الخل والمرق لا يجوز الوضوء به. والمعنى فيه، أن ما غلب عليه من أجزاء التمر سلبه اسم الماء المطلق، وكل ما كان بهذه المنزلة حكمه حكم الخل.
وما كان الماء فيه هو الغالب فهو مردود إلى موضع الاتفاق في أجزاء الطين إذا خالطت الماء.
مسألة:
وسؤر الرجل من الشراب جائز الوضوء، جنبا كان أو غير جنب. وبعض أجاز الوضوء للفريضة من ماء يفصل من غسله من الجنابة للنجاسة. وفي موضع، قال محمد بن محبوب ألا يتوضأ بسؤر الجنب ولا الحائض.*/* (1/365)
صفحة 366
مسألة:
ولا بأس بفضل وضوء المرأة وغسلها، لما روى عنه صلى الله عليه وسم، أردا أن يتوضأ من إناء، فقال له بعض أزواجه، يا رسول الله، إني غسلت منه، فقال صلى الله عليه وسلم الماء لا ينجس، فعلى هذا قالوا، لا بأس بفضل ماء المرأة. وكذلك أجازوا بفضل شربها.
وعن ابن عباس قال، هي أرخص بنانا وأطيب ريحا. قوله، أرخص بنانا يريد به الهشاشة، والفعل رخص رخاصة. والرخاصة اللين، والبنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين. وفي القرآن: ((واضربوا منهم كل بنان)).هو الشوى يعنيى الأيدي والأرجل.
مسألة:
وجائز الوضوء من الماء الذي يمسه الصبي إلا أن يعلم أن يده نجسة.
مسألة:
وإذا أصاب الغيث فجرى في المواضع النجسة، فالجاري يجوز به الوضوء والشرب، فإن انقطع جرى الماء، وبقي واقفا والنجاسة قائمة بعينهافيه فذلك فاسد، وإن لم يكن فيه أثر النجاسة ولا شيء منها فذلك طاهر.*/* (1/366)
صفحة 367
وإن أصاب غيث فامتلأ الجلبولم يفض، ووقف ماء كل جلبة فيها فذلك طاهر، ويجوز الوضوء منه. ولا يستنجي في الجلبة بعينها فتفسد، والله أعلم.
مسألة:
وعن موسى بن علي، في الماء الواقف في الحوض المنقطع من الفلج. قال ماأرى بالوضوء به بأسا يعلم به بأس. وكذلك الماء يكون في الإناء، في البيت غير مغطى، ويمكث يوما، أو يوما وليلة، ولا يعلم به بأس فلا أرى بالوضوء منه بأسا. ومن أتى إلى الحوض فلا بأس بالوضوء منه مالم يعلم به بأس.
مسألة:
ومن كان في فلج يتوضأ وقدامه عذرة ترى فيه. فإذا كان الماء جاريا فلا ينجسه إلا ما غلب عليه من ذلك وغيره.
وفي موضع ـــ وإذا وقع في بئر نجاسة، مثل عذرة أو غيرها، وعين النجاسة قائمة، فإذا لم تغلب عليه النجاسة فجائز التطهر منه حتى تغلب عليه في لونه أو عرفه أو طغمه.
مسألة:
وفي موضع ــــ ومن كان قاعدا في نهر جار حامل عذرة أو ميتة نطيرا أو نحوه، فمرت به من غير أن يلزمه منها شيء أو يعلق به أثرها، فحكم جسده والماء الجاري طاهر حتى يتبين أنه لزمه شيء من ذلك يجب غسله، والله أعلم.*/* (1/367)
صفحة 368
الباب الرابع والعشرون
في الماء المضاف وغيره والوضوء به
والمياه ثلاثة، فماء يضاف إلى الواقع فيه. وماء يضاف إلى الخارج منه، وماء يضاف إلى مكان يقوم به، فالماءان المتقدم ذكرهما لا يجوز التطهر بهما، وإن كانا طاهرين، إذ اسم الماء لا يقع عليهما مطلقا، والماء المضاف إلى المكان فجائز التطهر به، لأن إضافته إلى المكان لا تخرجه عن حد الماء المطلق، إذ الماء لا يقوم إلا في محل.
ولا أعلم أن أحدا أجاز التطهر إلا بالماء المطلق، وإنما الخلاف بين الناس في المستعمل.
مسألة:
فإن قيل، إن أصحاب أبي حنيفة يجيزون التطهر بالنبيذ. قيل له، فإنهم لم يبيحوه لاستحقاقه اسم الماء، وإنما أجازوه لسنة ادعوها والكلام بيننا وبينهم فيها.
والدليل على أنهم لم يبيحوه من طريق الاسم، أنهم قالوا، التطهر بالنبيذ واجب عند عدم الماء، ففيه دلالة، أنهم لم يجيزوه من طريق الاسم. والدليل على ماقلنا، أن الله خاطبنا بما يعقله العرب في لغتها، والعرب تعقل بالمقيد مالا يعقله بالمطلق، ويعقل بالمطلق ما لا يعقله بالمقيد، كقوله في المطلق */* (1/368)
صفحة 369
قوله تعالى: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة)).فأطلق القول، فوجب في اللغة، أن القول باللسان واعتقاد بالقلب.
وقال في المقيد ((يقولون بأفواههم ماليس بقلوبهم)).فلم يطلقه حتى قيده، لئلا يتوهم أحد، أنه أردا بالقول كما خبر عن اليهود.
وقال في موضع آخر: ويقولون في أنفسهم، فسمى اعتقاد الضمائر قولا، ولم يطلقه، إذ لو قال، لحكمنا أنهم قالوا بألسنتهم، واعتقدوا بقلوبهم، فلما أراد القول الذي لا يرد ورود الإطلاق قيده. ولما كان القول المطلق معقولا في اللغة، وهو قول باللسان واعتقاد بالقلب لم يحتج إلى تبيينه عند ماخبر عن اليهود ما خبر، فثبت أنه يعقل بأحدهما مثلا يعقل بالآخر، وبالله التوفيق.
مسألة:
ولا يجوز التطهر بالنبيذ، لأن الخل لا يجوز التطهر به، وهو أطهر منه. وأما ما ادعاه أصحاب أبي حنيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من إجازة التطهير بالنبيذ فلو ثبت قولهم لم يكن فيما ادعوه دلالة على أن التطهير بغير الماء جائز.
وذلك أن النبيذ أصله المنفوذ، فنقل من مفعول إلى فعيل، كما يقال قتيل ومقتول، ومجروح وجريح.*/* (1/369)
صفحة 370
واسم الماء، قد يقع على الماء الملقى في الطريق، وإن لم يمع التمر في الماء. الدليل على ذلك قوله تعالى: ((فنبذوه وراء ظهورهم)) وقوله جل ذركه ((فنبذناه بالعراء)) أي ألقيناه بالعراء.
ويدل على ذلك قول الشاعر:
وخبرني من كنت أرسلت أنما *** أخذت كتابي معرضا بشماله
نظرت إلى عنوانه فنبذته *** كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا
وقال آخر:
إن الذين أمرتهم أن يعدلوا *** نبذوا كتابك واستحلوا المحرما
وقال امرؤ القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج *** صفيف شواء أو قديد معجل
أراد مقدود، فصرف من مفعول إلى فعيل، والطهاة جمع طاه، والطاهي الطباخ، وفيه غير هذا، والصفيف اللحم المرقق، وقيل، هو الذي يغلي، ثم يشوي.
مسألة:
وإذا كان اسم النبيذ واقعا على الماء والتمر من قبل أن يمتزجا لم يكن فيما أدعوه دلالة على صحة ما اعتقدوه، وإذا كان اسم النبيذ واقعا على التمر وإن لم يمنع في الماء، قول الرسول، صلى الله عليه وسلم. عند مشاهدته له ثمرة طيبة وماء طهور، فأثبت صلى الله عليه وسلم، أن في الأدوات ماء وتمرا، ولو انماع لم يستحق اسم الماء واسم التمر.*/* (1/370)
صفحة 371
وقول الرسول، صلى الله عليه وسلم، هو الحكم بين المختلفين.
ولو ثبت التطهر بالنبيذ في زمن من الأزمان لكان منسوخا لأن ليلة الجن التي ورد فيها الخبر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة، ونزل فرض التيمم بالمدينة، وكان التيمم عند عدم الماء ناسخا للنبيذ، والمنسوخ قد ارتفع حكمه والحكم به غير واجب، والله أعلم.
مسألة:
وخبر ابن مسعود ليلة الجن فيه اختلاف بين الناس، فمنهم من يثبته، ومنهم من أبطله ولم يقل به. والخبر المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، النبيذ وضوء من لا يجد الماء، ضعيف غير قوي، والله أعلم.
مسألة:
وسئل ابن عباس عن الوضوء، بالنبيذ فقال، ماء زلال، وتمر حلال، وقال أبو سعيد: إن منزلة اللبن بمنزلته في الاعتبار، لم يتعد من تشبهه ولحق معانيه. وكذلك الخل. ويعجبنا مع الاحتياط استعمال ذلك مع التيمم.
مسألة:
والندى النازل من السماء طاهر، والوضوء به جائز، لقول الله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهورا.*/* (1/371)
صفحة 372
وعن أبي الحوارى ــــ هل يجوز الوضوء بالندى؟ فإذا كان يجري فلا بأس، وأما يعصر فلا، كذا قال نبهان.
مسألة:
ولا يجوز الوضوء بماء مضاف إلى صفة غير الماء المطلق، كماء الورد، والزعفران، والبقلاء، وماء الأشجار. ولا يجوز إلا بماء مطلق، يقع عليه اسم الماء، وعلى هذا أجمع أهل العلم.
مسألة:
وكل ما وقع في الماء من كافور أو ريحان، أو دهن، فاعتبره. فإن كان ناقلا للماء من اسمه ومغيرا له عن وصفه لم يجز الوضوء به، وما كان بمنزلة المرقة فال يتوضأ به، والله أعلم.
مسألة:
ولا يتوضأ بالخل، ولا باللبن، ولا الدهن، والريق، ولا الدموع. وقيل: إنه يطهر النجاسات.
مسألة:
من كتاب الأشراف ـــ أجمع كل من يحفظ عنه، من أهل العلم، على أن الوضوء غير جائز بماء الورد وماء الشجر وماء العصفر، ولا يجوز إلا بماء مطلق.*/* (1/372)
صفحة 373
مسألة:
أبو سعيد ــــ وإذا وجد الماء المطلق الطهور، ووجد الماء المشبه له، لمعنى يستدل به: أنه يزيل معنى ما يزيل الماء الطهور، أو يقوم مقامه في غسل نجاسة، أو وضوء فلا معنى لتركه بعد وجوده، لأنه قد أشبهه بالإسم، أو المعنى المراد به. ويلحقه بذلك معاني الاختلاف، أن يكتفي به دون التيمم، أو يستعمل مع التيمم ويعجبني في الاحتياط، أن يستعمل مع التيمم.*/* (1/373)
صفحة 374
الباب الخامس والعشرون
في الوضوء بالماء تكون فيه النجاسة
الماء النجس التطهر لا يجوز التطهر به اتفاقا، وجائز شربه مع الحاجة إليه اتفاقا، ومن وقع في إنائه الذي يريد الوضوء منه، قطرة دم أو خمرة فلا يتوضأ منه. وإن وقع بصاق أو مخاط فليخرجه وليتوضأ.
مسألة:
وإن وقع طير في حوض، فماذا، فتوضأ منه ناس، ثم علموا بعد الوضوء والصلاة. فإن لم يكن الماء كثيرا، قدر مايجوز به الوضوء، فليغسلوا ثيابهم، ويعيدوا الوضوء، والله أعلم.
مسألة:
ومن رأى ماء واقفا، شرب منه كلب، أو اغتسل فيه، وهو ماء كثير، وفيه عظام، لا يعلم أنها من ميتة أولا، فلا أحب الوضوء منه. فإن وجد فيه أثر كلب فعن بشير، أو سعيد بن الحكم، أنه لا يتوضأ به. وأجاز أبو الحواري الوضوء به إلا أن يرى الكلب بعينه يطأ فيه.
مسألة:
والميتة إذا كانت في ماء، وغمرها الماء، فلا بأس بالوضوء منه، وإن ظهرت على الماء فلم يغمرها لم يتوضأ به.*/* (1/374)
صفحة 375
قال المصنف: يعني، إذا ظهر في الماء الغلبة في الطعم واللون، أو العرف إذا كان جاريا، فأما الواقف تنجسه، إلا أن يكون كثيرا.
مسألة:
فالماء الجاري القليل، إذا كان فيه عذرة مختلطة فلا يتوضأ منه. وإن كان رائحة العذرة تهيج من الماء فلا يتوضأ منه أيضا. وإن لم يتبين اختلاطها بالماء، وكان صافيا نقيا، لا أثر فيه للعذرة، ولا رائحة تريح منه يتوضأ منه، إن شاء الله.
مسألة:
والماء مستقر نحو ثلاث قرب، أقل أو أكثر، يستنجي منه الرجل، ويتوضأ، ويرجع الماء الذي يستنجى به فيه، ثم يجيئ آخر فيفعل مثل ذلك. فأحب أن يطلب غيره. فإن كان في سفر توضأ منه، وهو أطره من الصعيد، ولا يفسده ذلك والله أعلم.
مسألة:
فيمن علم بنجاسة في بركة، أله أن يعجن منها، ويخبز، ويعالج منه طعامه، وإنما ينتفع بمقدار ما يحييه.*/* (1/375)
صفحة 376
قال: إذا احتاج إلى العجين منه ما يحتاج إليه من الخبز، أن ذلك جائز على قول من يقول، إن النار تذهب بالنجاسة من العجين، فينتفع منه بما شاء على هذا القول. وعلى قول من يقول، لا تذهب النار بالنجاسة من الخبز، وإنما ينتفع منه بمقدار مايحيي به نفسه، ويأمن ويقوى على أداء الفرائض، والخروج من حال ما يخاف من الهلاك، والبلوغ إلى مأمنه. وإن خاف على دوابه من العطش فله أن يسقيها مقدار مايحييها، ويأمن من الفساد عليها. وإن رد مابقي في البركة التي فيها الماء احتياطا على الماء أن لا يتلف جاز له ذلك.
وإن تركه بحاله لينتفع به من جاء، ولم يكن في ذلك إتلاف للماء جاز له ذلك عندي. فإن وجدها متغيرة الطعم والريح، ولم تظهر فيها نجاسة قائمة بعينه. فإذا احتمل أن تكون من غير النجاسة من تغير اللون والريح والطعم فحكم ذلك الماء طاهر حتى تصح نجاسته، وإن لم يحتمل إلا أنه متغير من النجاسة فحكمه حكم ما غلب عليه، ما لا يحتمل سواه، من أحكام الطهارة، والله أعلم.*/* (1/376)
صفحة 377
الباب السادس والعشرون
في الوضوء بالماء المتغير بشيء من الطهارات
ومخالطة الطاهر للماء لا يمنع الوضوء منه. والفرق بينهما، أن النجاسة محظورة علينا استعمالها، لقول الله تعالى: ويحرم عليهم الخبائث، فمتى لم يصل إلى الماء إلا باستعمال جزء من النجاسات لم يجز لنا استعمال الماء لاختلاطها.
وما يخالط الماء من الأشياء الطاهرة فغير محظور علينا استعمالها.
فلذلك لم يمنع استعمال الماء الذي خالطه، ولم يغلب عليه. ألا ترى، أن يسير الطين إذا خالط. وإن طهر أثره، لم يمنع استعماله. ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم، أباح الوضوء بسؤر سنور مع ما خالطه من لعابه، فصار بذلك أصلا فيما خالط من الأشياء الطاهرة لا يمنع الطهارة، مالم تغلب عليه، والله أعلم.
مسألة:
إذا وقع في البئر ورق الشجر وبسر النخل، وأشباه هذا من أشياء طاهرة، فغير طعمها، أو لونها، أو ريحها.*/* (1/377)
صفحة 378
قال: فإن كان وقع ذلك فيها من غير أن ستعملها به أحد فجائز التطهر للصلاة. وإن كانت استعملت بذلك فتغيرت فلا يجوز التطهر منها للصلاة إذا كان يجد غيرها. الفرق بينهما، أنه إذا سقط ذلك فيها لا يسمى ماء مستعملا، ولا يقع عليها اسم الاستعمال، وإنما يسمى مستعملا إذا كان له مستعمل، وهما جميعا يزيلان النجاسات.
وكذلك إن تغيرت من سمك يموت فيها، أو مما لا يكون نجسا، فأكثر قولهم، إجازة التطهر منها، وكرهه من كرهه منهم.
قال أبو مالك: إن وجد غيرها فلا يتوضأ منها، وإن لم يجد غيرها ولم يتوضأ منها فجائز. قال: إذا كانت في أي حال من التغير؟ قال: إذا تغير الماء فانقلب حاله، أو قارب ذلك من التغير فطهرت، وكذلك الرائحة.
مسألة:
قال الحسن في بئر يلقي فيها الريح الأوراق والأرواث فيها حتى يتغير طعمها ولونها.
أنه إذا كانت الأوراق والأرواث نجسة لم يجز التطهير منها.*/* (1/378)
صفحة 379
وإن كانت طاهرة ففيها اختلاف:
منهم من أجازها، ومنهم من قال، مستعملة ولم يجز التطهير منها وقربها، وقول، إن وجد غيرها فلا يتطهر منها، وهو أحب إلى، وإن تطهر فعلى الاختلاف.
قال أبو محمد: أما طعمها وريحها فلا بأس، لونها إذا تغير فغير جائز الوضوء به حتى يذهب ذلك. وأما وضع فيها، أو طبخ بريحان أو غيره، فغيره، فقالوا، لا يجوز الوضوء به أصلا، ولا يغسل به من الجنابة.
وأما غسل الخجاسة بها جميعا فجائز، ولا تؤدي به الفرائض.
مسألة:
ودم السمك إذا كان في ماء قليل فجائز أن يتطهر به مالم يصر مستعملا أو مضافا. وفي موضع عن أبي سعيد، إذا غلب لون ذلك حتى يصير مضافا إلى مثل ماء الباقلاء أو إلى عشرقة فذلك لا يطهر من النجاسة، ولا تغسل به الحجامة.
وأما إن كان لتكسير رائحة الماء وطينة وشرب بذلك، ولم يغلب عليه فذلك جائز، والله أعلم.*/* (1/379)
صفحة 380
مسألة:
والنهر إذا اغتسل فيه الشوران فقلب غلبه الحمرة فما غير الماء من طاهر لم يفسد، وجائز التطهير به. وقد كره ذلك بعض.
وقال: إذا غلب عليه الماء المستعمل فتركه أحب إلى، وإن توضأ فجائز، إلا أن يقع عليه اسم الماء المضاف، كما يقال ماء الشوران، ولا يسمى ماء مطلقا، فلا يتوضأ منه، والله أعلم.
مسألة:
وجائز الوضوء من السيول والأمطار، وإن كان كورا من طين و تراب، وكل ما كان مطلقا كان مثله.
مسألة:
ومن توضأ بماء مسخون في قدر فيها أثر حساء، وقد أطلق في الماء فلا يصح له به وضوء، ولا طهارات للعبادات، وجائز به إزالة النجاسات.
مسألة:
وإذا كانت بئر تزجر بدلو حديث مدهون، والماء أحمر حتى لا يعرف لونه إلا بالواقع فيه، وكان الدهن طافيا على الماء فلا تجوز به الطهارة، إن لم يكن الدهن طافيا على الماء فلا بأس.*/* (1/380)
صفحة 381
مسألة:
فإذا كان في الماء قاشع يقى به الزرع، والماء غير صاف فلا يجوز ان تنفذ به العبادات، لأنهما اسمان قاشع وماء.
مسألة:
ومن أسخن ماء، وجعل فيه ريحانا فلا يجوز التطهر به للصلاة، لأنه مستعمل بالريحان، فلا تؤدي به الفرائض. وإن غسل به ميت فالله أعلم.
قال أبو الحسن: وأقول، ذلك يجوز في الميت، لأنه ليس عليه أداء فرض، والله أعلم.
وفي موضع ـــ إذا كان الماء يراد به صلاح الشجر فهو مستهلك، وإن كان يراد بالشجر صلاح الماء ليعرف طيبه وذكاؤه فلا بأس بذلك، وجائز استعماله كل ما أريد به.
وهذا فرق بين المتغير، لأنه، تقول ماء عشرق، وماء صخر، وقد أضيف الماء إليه. ولو كان كل ما غير الماء أفسده لكان الأكدر، وما غلب عليه من الحمرة.
مسألة:
وقيل: إن الماء المسخن بالتبن والريحان وغيره من الأشجار تغسل به النجاسات، ويستنجي منه، ولا يغسل به من الجنابة، ولا يتوضأ منه للصلاة.*/* (1/381)
صفحة 382
الباب السابع عشر
في الوضوء بالماء المستعمل
وما أشبه ذلك
ولا يجوز التطهر للصلاة بالماء المستعمل، ولو كان في نفسه طاهرا. ا
الدليل على ذلك، ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن الوضوء بفضل ماء المرأة، والفضل في اللغة البقية الفاضلة
فاحتمل أن تكون البقية من مائها الذي فضل عنها، واحتمل أن يكون ما فضل مما لاقاه بدنها عند استعمالها إياه، فلما ثبت أنه كان يتنازع هو وعائشة من وعاء واحد الماء للطهارة، تقول له، ابق لي، ويقول لها، كان الوجه هو الصحيح، وهو الذي استعمل، والله أعلم.
فإن قال قائل، إن النبي صلى الله عليه وسلم خص المرأة بذلك فلم أدخلتم الرجال على النساء؟ فإن صح، وسلم لكم ذلك خصومكم مع طعن من طعن في الخبر من المتفقهة، وهو، صلى الله عليه وسلم، إنما نهى عن فضل المرأة، والنساء يدخلن مع الرجال، ولا يدخل الرجال مع النساء، فإن المؤنث إذا انفرد لم يدخل المذكر فيه، وإذا أخبر عن المذكر دخل المؤنث فيه؟
قيل له فإن الرجال والنساء يدخل بعضهم على بعض في الخطاب، في الامر والنهي، ثبتت السنة في ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، إنه من أعتق شقصا له في عبد قوم */* (1/382)
صفحة 383
عليه، وكانت الأمة في معناه، بإجماع، وإن كان الذكر في العبد دون الأمة. وكذلك ما روت عائشة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال، إذا مست المرأة فرجها إنتقضت طهارتها، وكان الرجل مع النساء.
ويدخل على التأويل قول الله تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة))،فكان المحصنون في معناهم، ويجب على كل قاذف من المحصنين بما يجب على من قاذف في المحصنة من الحكم، وإن كان الذكر خص به المحصنات دون المحصنين.
وكذلك قال جل ذكره: ((فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات))،فكان العبد في حكم الأمة، وإن كان الذكر قد خص الأمة دون العبد.
وأما أبو يوسف، صاحب أبي حنيفة، فكان يرى، أن الماء المستعمل نجس، وهذا من عجائبه، كما قيل في الخبر عنه، حدث عن أبي إسرائيل، ولا حرج.
مسألة:
والماء المستعمل على ضربين، أحدهما إذا باين الجسد، فإنه لا يجوز استعماله بحال، والثاني إذا لم يباين الجسد فإنه لا يجوز استعماله إذا سال على الجسد من عضو إلى عضو.
ويجوز استعمال الماء المستعمل في إزالة النجاسات، لأنه يزيل النجاسة،*/* (1/383)
صفحة 384
لطهارته في نفسه، فأما التطهر به من غير نجاسة في الإنسان، وإنما ذلك لإنفاذ العبادة الطاهرة.
مسألة:
والماء المضاف والمستعمل لا يجوز الوضوء منهما، لأنه لما كان المضاف، باتفاق لا يتطهر به للصلاة والغسل وجب أن يكون الماء المستعمل مثله.
والماء المستعمل هو ما فارق البدن، فأما مالم يفارق البدن فجائز الوضوء منه، إلا أن يرى أنه يعيد يده على جانب يده، فيكون قد عم به يده، ولو بقى من يده لمعة وفي بدنه ماء فضرب ذلك منه أجزاه.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى لمعة من حدود الوضوء فعصر عليها من حمته، فدل ذلك على الماء المستعمل على ضربين، ضرب باين الجسد فلا يتوضأ به، وضرب لم يباينه فجائز. وأما ما فضل من الإناء فليس بمستعمل إلا أن ما غسل به الوجه لا يغسل به اليدين.
مسألة:
واختف الناس على الماء المستعمل، فأكثر قولهم، لا يتوضأ به، وتأولوا قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا يتوضأ بفضل ماء المرأة، فذلك الفضل معناه هو ما قطر من فضل وضوئها، وليس هو مافضل في الوعاء.*/* (1/384)
صفحة 385
وقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وعائشة في إناء واحد.
وقال محمد بن محبوب: إذا توضأ رجل بماء فاجتمع ذلك في إناء، فتوضأ به رجل للصلاة، وصلى به، فإنه ينتقض صلاته. والماء المستعمل والماء المضاف تطهر بهما النجاسة غير الجنابة، والطهارة للصلاة، والله أعلم.
مسألة:
والماء المستعمل لا يجوز الوضوء به. وقال بعض مخالفينا: إذا كان المستعمل للماء طاهر، ولم يرد به الطهر لم يكن مستعملا.
وقال أبو يوسف: إذا دخل الجنب بئرا ليطلب دلوا، ولا نجاسة عليه، أنه لا يطهر، ولا يفسد الماء، لأنه لو تطهر لسقط فر الطهارة به، وذلك غير، يكسبه فرض حكم الاستعمال، ولو اغتسل به ينوي الطهارة صار مستعملا، وكذلك قال أبو محمد.
الدليل على امتناع جواز الوضوء بالماء المستعمل ماروى عن حميد بن عبد الرحمن عن بعض من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه نهى أن تغسل المرأة بفضل وضوء الرجل، ويغسل الرجل بفضل وضوء المرأة.*/* (1/385)
صفحة 386
وفضل الغسل يطلق على شيئين، أحدهما ما يسيل من أعضاء المغتسل، والآخر ما يبقى في الإناء بعد الغسل، وظاهر اللفظ يقتضيهما جميعا، إلا أنه لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يغتسل هو وبعض نسائه من إناء واحد من الجنابة، تختلف أيديهما فيه، علمنا أن ذلك لم يرد، فبقي حكم اللفظ فيما يسيل من أعضاء المغتسل.
ودليل آخر، وهو نهي، نسخة، عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة، عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، فلما نهاه عن الاغتسال فيه دليل على أنه يفسده، ويمتنع استعماله.
ودليل آخر، وهو ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يابني عبد المطلب، إن الله تعالى كره لكم غسالة أيدي الناس، فشبه الصدقة، حين حرمها عليهم، بغسلاة أيدي الناس، فدل أنه محرم عليه استعمال غسالة أيدي الناس للطهارة، كما حرمت الصدقة على بني هاشم.
ويدل عليه قول عمر لأسلم، مولاه، حين أكل تمرا من الصدقة: أتأكل من أوساخ الناس، أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه.
وما لايجوز شربه لا يجوز الوضوء به. وهذا يدل على شهرة الأمر عندهم بذلك، إذا ضرب به المثل، وجعله أصلا،*/* (1/386)
صفحة 387
ورد إليه أكل الصدقة، فهذا يدل على المنع من استعمال كل ماقد استعمل لطهارة الصلاة.
وعن علي وابن عمر قال: جدد للرأس ماء جديدا.
وروى نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ألا أن يرى أنه يغسل بدنه إلى المرفقين، ثم رد إلى الأصابع، لم تعده الأمة متوضئا مرتين.
ويدل على ماقلنا، لو أن رجلا كان في سفر، ولا ماء عنده، وعند رفقائه ماء، فمنعوه منه لم يبح له أحد من الفقهاء أن يتطهر بغسالتهم، وفضل ما يتطهرون به مما لاقى أعضاءهم، بل قيل له، أن يتيمم، وأبطلوا جواز الوضوء به، ولو لا ذلك لم يجز تيممه
مسألة:
فإن قيل: لا يخلو الماء المستعمل من أن يكون طاهرا أو نجسا، وغير جائز أن يكون نجسا، لأن الماء لا ينجس إلا بمخالطة النجاسة، أو مجاورتها، والماء المستعمل يخالف هذه الصفة، وهو طاهر باق على ما كان عليه قبل الاستعمال.
قيل له: الماء المستعمل طاهر، وليس كل طاهر يجوز الوضوء به، لأن ماء الورد والباقلاء والمرق جميعه طاهر، ولا يجوز الوضوء به لغلبة غيره عليه، وسلبه اسم الماء على الإطلاق. فإن قال: إن هذا معدوم في الماء المستعمل.*/* (1/387)
صفحة 388
قيل له: بل هذا موجودفيه، لأنه يقال نماء مستعمل، كما يقال، ماء الباقلاء وماء الورد.
فإن قيل: هذا كإضافته إلى النهر، لأنه يحصل فيه شيء غلب عليه. قيل له: إن إضافته إلى النهر والبئر لا تأثير لها في الماء، ولا يتعلق بها حكم، وإضافته إلى الاستعمال يعتد حكما قد تعلق به، فصار تأثيرا فيه كتأثير ما يغلب عليه غيره.
فإن قيل: لو كان ممنوعا من استعماله ما جاز نقله من أول العضو إلى آخره، لأنه قد صار مستعملا بحصوله في أول العضو.
قيل له: المستعمل شرطه، هو مفارقته للعضو، وما دام في العضو فليس حكم الاستعمال بالاتفاق، فلذلك جاز نقله من أول العضو إلى آخره، وإنما المنع من استعمال ماقد استعمل بعضو في عضو غيره.
فإن قيل: روى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانو يتبادرون إلى وضوئه صلى الله عليه وسلم يغسلون به وجوههم وأيديهم. قيل له: إنهم لم يستعملوه للطهارة، وإنما فعلوه تبركا، فلم يقل إنه نجس، فيمتنع المسح به.
ومخالفونا يختلفون أيضا في الماء المستعمل. فعن أبي حنيفة وأبي يوسف، أنه طاهر، ولا يفسد الثوب حصوله منه، وإن كان كثيرا فاحشا.*/* (1/388)
صفحة 389
وروى عنهما من طريق الحسن بن زياد، أنه نجس. وروى هاشم عن أبي يوسف، لا يفسد حتى يكون كثيرافاحشا.
وروى الحسن، أن الصحيح من قولهم، أنه طاهر، وبذلك كان يقول الكرخى، والله أعلم.
مسألة:
ولا يجوز التطهر بماء قد توضأ به، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى الجنب أن يغسل في الماء الدائم. فقيل، يا أبا هريرة، كيف نفعل؟ قال: تتناوله تناولا.
فلولا أن غسله فيه من الجنابة يؤثر فيه تأثيرا يمنع من استعماله لم ينه عنه، ولا يجوز صرفه عنه إلا لمعنى يوجب التسليم.
وقول ابن عباس: إنما يفسد الماء أن تقع فيه وأنت جنب، فإذا اغترفت منه فلا بأ، كما قال أبو هريرة حين روى الخبر، والله أعلم.
مسألة:
ومن توضأ من ماء، والماء يقطر من جسده في الإناء فلا يجوز الوضوء بالماء القطر من جسده، لأنه مستعمل. فإن كان الراجع من جسده في الإناء أكثر من الذي توضأ منه فقد فسد عليه وضوؤه، والصلاة، وإن كان المتوضأ منه أكثر من الماء الراجع من جسده فلا بأس.*/* (1/389)
صفحة 390
وقيل، الماء الراجع لا يستنجي به ولا تغسل به النجاسة.
وقيل، إن كان الراجع من ماء المتوضئ الذي يتوضأ منه الثلث أفسد، والله أعلم. وفي موضع، وما وقع في الإناء من غسله فلا بأس إلا أن يكون من الاستنجاء.
وقيل، قال رجل للحسن البصري، إني أتوضأ فيضح الماء في إنائي. قال: ويلك، وتملك نشر الماء، أي ما ينتشر منه وتفرق. ويقال: جاء القوم نشرا، أي متفرقين. ويقال: اللهم أضمم لي نشري، أي ما انتشر من أمري.
مسألة:
قال محمد بن محبوب: من توضأبماء فاجتمع ذلك في إناء، ثم توضا به رجل للصلاة، وصلى، فإنه تنتقض صلاته.
مسألة:
وقد أجاز الماء المستعمل لغير الوضوء إذاكان طاهرا، مثل غسل الأنجاس، ألا ترى أن الماء الواحد يغسل به الثوب بعد الثوب في الإناء، ما لم تكن به نجاسة فأجازوا ذلك، ولم يجيزوا مثله في الوضوء. وكذلك ماء العجين تغسل به الأواني، ولا يجوز به الوضوء، والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد ـــ يخرج في الماء المستعمل في الوضوء للصلاة، والغسل من الجنابة،*/* (1/390)
صفحة 391
وما أشبه ذلك من المراد به الفرائض، وكان في الاعتبار مسهلكا في ذلك، أنه لا يجوز استعماله بعد ذلك لأداء الفرائض من وضوء ولا غسل، ولا تطهير نجاسات، وهو طاهر، يجوز شربه اساعماله في الطهارات، ولا أعلم فيه اختلافا، لأنه لا يستعمل إذا وجد غيره من الماء الطهور.
لعله، فإن لم يوجد ووجد المستعمل فقول، يجوز استعماله مع التيمم. وبعض يجيز استعاله عند العدم. وأرجو أنه لا يوجب معه متيمما. ولعل قولا يرى استعماله باستهلاكه غير التيمم.
مسألة:
ومن وقع في إنائه الذي يريد الوضوء منه قطرة من دم أو خمر فلا يتوضأ به، وإن وقع بزاق أو مخاط فلينحه ويتوضأ. وإن وقعت فيه نجاسة فلا ضير إن تركه وتوضأ بغيره.
مسألة:
ومن جواب لأبي الحوارى فيمن توضأ، أو يغتسل بماء قد استعمل لحاجة أو غسل به جرجر [في الأصل، حرحر، والجرجر هو الفول] أو صبغ به غزل نسج به، أو غسل به إناء من طعام أو غيره، أو طبخ به بسر أو وزق فيه خوص، أو عصف، ولم يجد ماء غيره، وصلى. قال: لم يجيزوا أن يتوضأ بالماء المستعمل مثل الذي يقطر من الوضوء والغسل.*/* (1/391)
صفحة 392
وكذلك الذي يغسل به الإناء ويطبخ به البسر فلا يجوز الوضوء بذلك فمن توضأ بذلك وصلى فعليه الإعادة للصلاة.
وقول، الذي يغسل به الإناء من غير نجاسة فلم تغيره أولى من الماء المستعمل بالوضوء، مالم تكن فيه نجاسة، وأولى من المطبوخ الذي فيه البسر إذا غيره، ونقله إلى ماء البسر.
وأما الذي وزق فيه الغزل، والجرجر، والخوص، والعصف فمن توضأ بشيء من هذا وصلى تمت صلاته، وجد غيره أو لم يجده، لأن هذا على حاله، وهو أمثل من الماء المستعمل.
فمن وجد ماء مستعملا مثل ما وصفت من طبخ البسر، أو غسل الإناء، فمن لم يجد ماء غير هذا فليتوضأ به، ثم يتيمم، ويصلي.
وأما الذي يجد الماء القاطر من المتوضئ أو الغاسل فإنه يتيمم ولا يتوضأ به، لأنه ماء هلك، والماء الطاهر أولى منه هذه المياه، إذا وجد، والله أعلم.*/* (1/392)
صفحة 393
الباب الثامن والعشرون
[العدد الصحيح، وقد حدث خطأ في ترقيم الباب السابق وصوا به، الباب السابع والعشرون، ولذا لزم التنويه]
فيمن لا يجد الماء ولا التراب
وإذا خوطب الإنسان بفعل الصلاة، وقد حضر وقتها، فلم يجد ماء ولا صعيدا فإن عليه الصلاة، وليس عجزه عن وجود ما يتطهر به لها بمسقط عنه فرضها، كما قال أبو حنيفة.
واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقبل الله صلاة بغير طهور [وتكملة الحديث (ولا صدقة من غلول. وابدأ بمن تعول) عن ابن مسعود.]،فاعتمد على ظاهر الخبر، ونفى أن تكون الصلاة مقبولة إذا لم تكن طهارة. واحتج بأن الله تعالى لا يكلف الإنسان صلاة غير مقبولة.
قال أبو محمد: وهذا عندنا لمن قدر على الطهارة.
الدليل على ذلك، أن الصلاة قد وجبت بقوله تعالى: وأقيموا الصلاة، وقد تيقنا ثبوته، فلا نزيله إلا بدلالة.
والخبر الذي احتج به يحتمل، أنه لا تقبل صلاة بغير طهور لمن قدر على الطهارة. فإن قيل، من شأننا التعلق بالعموم إلا بدلالة تخص. قيل له: الآية محتملة، أن يكون، أقيموا الصلاة، وليس فيه، إذا كنتم طاهرين.*/* (1/393)
صفحة 394
وقد تعلق كل منا بعموم. واحتمل قول مخالفينا الخصوص. ومن أمر بفعل شيئين، فعجز عن فعل أحدهما لم يسقط عنه فعل ما قدر عليه. وقد أمر بالطهارة، فعجزه عن الطهارة لا يسقط عنه فرض الصلاة. ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم، إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإن أمرتكم بشيء فائتو منه ما استطعتم. فهذا مستطيع للصلاة، معذور عن الطهارة.
مسألة:
قال أبو محمد: وجدت ابن جعفر يذكر في الجامع، أن ينوى التيمم، ويصلى إذا لم يجد ماء ولا ترابا، ولا أعرف وجه قوله في هذا.
فإن كان قولا لأحد من علمائنا فسواء كان من طريق الإيجاب والاستحباب الأمر بالنية للطهارة، فيجب أن يكون منويا للطهارة، لأن التيمم بدل من الماء، والله أعلم. واختلف أصحابنا فيه، إذا وجد الماء، وهذا الاختلاف يأتي، إن شاء الله.
مسألة:
ومن لم يجد ماء ولا ترابا يتيمم به. فقول: ينوي الوضوء. وقول: يضرب بكفيه في الهواء.*/* (1/394)
صفحة 395
وفي موضع ـــ فيمن عدم الماء والتراب، ما عليه أن ينوي. فيقول: أن ينوي التيمم، لأنه بدل من الماء في حال العدم، وهو آخر ما خوطب به.
وقول، ينوي الوضوء، لأنه الأصل. قيل له: فعليه أن يتأمل الوضوء والتيمم والإشارة، كنحو ما إذا أراد أحدهما أو ينوي في ذلك في قلبه؟
قال فيه اختلاف. فقول: يجزيه أن يتأمل ذلك في قلبه. وقول يتأمل بالإشارة، يضرب بيديه الهواء ضربة، ثم يمسح وجهه ثم يضرب ثانية، ويمسح بها بدنه، وهو، نسخة. وهذا على قول من يقول بالتيمم.
وفي موضع، الذي يقول بالتيمم، فقيل، إنه يضرب بيديه الهواء ويمسح على موضع التيمم.
وكذلك الذي قال، يتأمل الوضوء، ممثل في هيئته، يأخذ الماء ويمسح على جوارحه، لأنه لا يمنع من العمل، وإنما عدم الماء والصعيد.
ولعل قولا، أنه يقدر ذلك في نفسه بغير عمل. والذي يقول بذلك فعلى اختلاف من تقدير التيمم والوضوء بما يقصده بقلبه ونيته ويصلى، ولا إعادة عليه في أكثر قولهم، إلا قول من يقول، على المتيمم البدل إذا وجد الماء.*/* (1/395)
صفحة 396
مسألة:
ومن حضرته الصلاة في الحضر، ووجد بئرا فيها ماء، فلم ينله، ولم يجد شيئا يستقي به. فمنهم من أجاز لهم التيمم، فقال، كمن عدم الماء.
وقول: يطلب الماء ولو فات الوقت، فمتى وجده يطهر ويصلى، لأن التيمم إنما نزلت به الآية في السفر دون الحضر.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وقيل: الأول كان يعجب الشيخ أبا محمد، رحمه الله.
مسألة:
ومن أتى إلى ماء منقطع وليس له إناء يتوضأ به. فله أن يحتال على طهارة من غير أن ينجس الماء على غيره.
وقول: إنه يستخرج الماء من فمه أو بثوبه، مالم يكن إناء يتوضأ به. وإن كانت يده نجسة حتى يغسل يديه، ويجعل بينه وبين الماء سدا، لئلا يرجع من الاستنجاء أو من غسله في ذلك الماء، ويغسل به، ويطهر ما أمكنه.
هكذا في الشرح، أنه لا ينبغي له أن يأخذنا بالثوب، ثم يعصره إن أمكنه أخذه بغير ثوب، ويكون كالماء المستعمل، لأنه في معناه، ولكن ينبغي */* (1/396)
صفحة 397
له، إذا لم يقدر على استخراجه بالثوب، أن ينوي بحمله الماء بالثوب أن الثوب وعاء الماء، وهو أحوط للعدم، والله أعلم.
ومن كان راكبا رفع له التراب فتيمم به أجزأه، وإن ضرب بيده على أداته، وكان فيها شيئا تعلق بيديه من التراب، وتيمم، أجزأه.
مسألة:
عن محمد بن محجوب في الذين يصيبه الخب في البحر ولا يصلون إلى الماء. قال: يتيممون بالتراب المتاع، فإن لم يجدوا ذلك فأحب أن ينوي الوضوء في نفسه ويصلى. فإذا أمكن له التوضأ وأعاد، وإن مضى الوقت.
قال محمد بن المسبح: يرفع يده إلى الهواء، ويمسح وجهه ويديه كالتيمم وليس عليه إعادة.
مسألة:
قيل، فإن ضرب بيديه ثوبه ولم يضرب بهما في الهواء أيجزيه؟ قال: ثوبه بمنزلة الهواء. قيل: فإن كانت ثيابه نجسة وضرب بيديه ثيابه بالتيمم؟ قال: لا يجزيه ويبطل التيمم.*/* (1/397)
صفحة 398
وقيل: فإذا عدم التراب الذي يتمم به الثياب النجسة، هل عليه أن يتمم ثيابه في الهواء مثل ما يقدر ذلك لبدنه؟ قال: هكذا عندي، إن شأنه مثل بدنه في مثل هذا، على معنى ثبوث التيمم على الثياب.
وقيل: فإن كانت ثيابه نجسة رطبة، وخاف أن [هو] يسحبها على الطهارة نجسها، هل له أن يقدر التيمم بالتراب في الهواء، ولا يكون عليه أن يسحبها على الطهارة خوف النجاسة؟
قال: هكذا عندي على معنى قوله أنه يسامي في التيمم لبدنه وثيابه أحب إلى مما يقدر عليه من التيمم بالتراب من الحركة والعمل، والله أعلم.*/* (1/398)
صفحة 399
الباب التاسع والعشرون
في الوضوء بالماء المغتصب وفي شراء الماء
قال أبو محمد: قال أصحابنا، المغصوب من الماء، والمسروق جائزة الطهارة بهما للصلاة. قال: وعندي، أن ذلك لا يجوز.
وهذا الذي اخترناه أشبه بأصول أبي المنذر بشير بن محمد، على ماقاله في الثوب المغصوب والأرض المغصوبة ونحوهما، لأن الله نهى الغاصب والسارق عن استعمال ما غصبا وسرقا، والمستعمل لذلك عاص لله، عز وجل.
فلا يجوز أن يكون فعل واحديوقع في عين واحدة من فاعل واحد في حالة واحدة، فيكون طاعته لله ومعصيته.
وقد أمر الله تعالى المتعبد أ يتقرب إليه باستعمال الماء الذي أبا له استعماله، فإذا ترك ما أمر به، واستعمل ما نهى عنه استحق العقاب على المخالفة، ومن استحق العقاب على فعل لم يجز أن يكون ذلك الفعل قربة لله، ولم تحصل له بها طهارة.
ويؤخذ عنه في موضع آخر، إجازة الوضوء بالماء المغصوب.
قال: وعندي، أن الإجازة فيه منصرفة إلى ماء الآبار، إذ لا يقع عليه غصب ولا ملك، والمنع المنصرف إلى ما غصب أو سرق بعد نزعه من الآبار، وحصوله في يد مالك له.*/* (1/399)
صفحة 400
كذا أظن الفرق بينهما، والله أعلم.
مسألة:
وجائز الوضوء من ماء الأرض المغتصبة، ولا تجوز الصلاة فيها، والفرق بين الأرض والماء، أن الماء لا يملك ولا يغصب، فإن كان الغاصب ينزحه بالزجر فالماء للذي يزجره، فمن تطهر منه فجائز، هكذا عندي عن أبي محمد، رحمه الله. وعن أبي الحسن، أنه لا يجوز التطهر بشيء من ماء المغصوب.
وفي موضع ــــ أنه أجاز التطهر والشرب والانتفاع من ماء البئر المغتصبة، والله أعلم، بأصحهما عنه.
مسألة:
ومن وجد مع رجل ماء، فلم يعطه إلا بثمن، فلا يأخذه منه قهرا، ولكن يجوز التيمم.*/* (1/400)
صفحة 401
الباب الثلاثون
في اختلاط الماء الطاهر بالنجس وغيره
ومن أتى إلى آنية [كذا في الأصل، والسياق يقتضي أن يكون المراد عدة من الأواني.] فاسدة، فيها ماء، وأحدهما طاهر، ولاشك فيه، ولم يعرفه، وهو فاسد البدن، ففي ذلك لأصحابنا ثلاثة أقاويل.
فقول، يتطهر من إحداهما، ثم يمسك عن ثوبه حتى يجف بدنه من الماء، ثم يصلي بثوبه. ثم يرجع يفعل كذلك في الثاني والثالث حتى يستكملهما، فلا بد أن يكون قد تطهر بالماء الطاهر منها، وصلى في أول ذلك، أ آخره.
أبو سعيد ـــ إنما عليه أن يستعمل من هذه المءاه ما زاد على الآنية النجسة بواحد، فإن كانت النجسة اثنتين استعمل ثلاثة، وإن كانت النجسة أربعة استعمل خمسة إلا أن لا يعلم، كم النجس، ولا كم الطاهر، فإنه يستعملها كلها، ثم لا بدل عليه بعد ذلك.
وعليه، على هذا الرأي أيضا، أن يتطهر بماء طاهر، لأنه يخاف أن يكون الآخر منهما هو النجس، وقد غسل به. وقيل: هذا فيه تعب.*/* (1/401)
صفحة 402
وقول: ولكن يتحرى الطاهر منهما، ويستعمل ما وقع عليه غالب الرأي، أنه الطاهر، لأن الماء طاهر حتى يعلم، أنه نجس.
أبو سعيد ــــ وعليه أيضا، على الاحتياط، إذا وجد الماء الطاهر أن يتطهر به خوفا أن يكون وافق النجس، كان الواحد منهما طاهر أو نجسا، وقد ثبت له الصلاة بالحكم.
والقول الثالث، أنه يتيمم. وقيل: سواء كانت طاهرة إلا واحدا لا يعرف، أو نجسه كلها إلا واحدا، لا يعرفه، لقولهم: كل كشكوك موقوف.
قال أبو محمد: والذي ذهب إلى الحتياط فقد يمكن الاحتياط، فقد يمكن في بعض الأوقات، ولا يمكن استعمال ذلك في سائر الأوقات، وعند قصر النهار، وفي يوم الغيم، وما يلحق الإنسان من المشقة في السفر خاصة، وفيما يوجب المشقة بأصحابه، والخوف على نفسه بعدهم.
فإن أمكن هذا الفعل في وقت فليتطهر بالأول كما ذكروا، وليتوق ثيابه أن تمس ذلك الماء، أو شيئا منه، وليقف حتى يجف الماء عنه، ولا يعلق ثوبه منه، ثم ليصل.
فإذا عاد إلى الماء الثاني اغتسل منه وغسل الموضع التي أصابها الماء الأول، ولا يمس الماء الطاهر بيده، قبل أن يغسلها، ولا يطير في الإناء مما لالقاه بدنه من الماء الأول، لأنه يغسله، ثم يرجع إلى الثالث فيغسل به من الثاني، ويتوقاه،*/* (1/402)
صفحة 403
كما يتوقى الثاني من الأول، ويعتقد عند ذلك كل طهارة يقصدها أنها هي طهارته للصلاة.
وأما من قال بالتحري فيه، ففيه نظر. والثالث عندي أنظر، وهو التيمم، لأن الله تعالى أمر بالطهارة في أحد شيئين، بماء طاهر، فإن لم يجده فالصعيد بدله.
فلما كان كل ماء من هذه المياه غير محكوم له بالطهارة كان في حكم ما منع منه.
وقول أبي الحوارى، يصب من كل إناء في الآخر حتىيستيقن أنها فاسدة كلها ثم يتيمم، ويصلي، ولا يتوضأ بشيئ منها. وقيل، وهذا إذا كانت الآنية والماء له، فعل ذلك على قول. وقول خامس، أن الماء لا ينجسه شيء، إلا ماغلب عليه، إذا وجدت المياه غير متغير شيء منها فكلها في الحكم طاهرة حتى توجد متغيرة، أو يصح فسادها بقول من يكونقوله حجة.
مسألة:
وإذا كان ماء عند رجل، ماء مستعمل، وماء مطلق، وحضرت الصلاة، وأراد الطهارة، ولم يعرف المستعمل منهما المطلق، فإنه يتمسح منهما جميعا، ويصلي صلاة واحدة، ولو كان أحدهما نجسا صلى صلاتين بمسحتين، من كل واحد مرة، بعد أن يغتسل بالآخر مواضع الأول منه.*/* (1/403)
صفحة 404
مسألة:
وإن كان معه ماءان، أحدهما مستعمل، وهو في السفر، فأراق أحدهما، ولم يعرف الثاني منهما، فإنه يتوضأ بالباقي منهما، ويتيمم، فإن كان الباقي هو المستعمل وقع التيمم موقعه من الطهارة، وإن كان الباقي هو الذي له أن يتوضأ به فقد وقع موقعه من الطهارة، وخرج به من العبادة، وأداء الفرض الذي عليه، ولم يدخل تيممه عليه ضررا.*/* (1/404)
صفحة 405
الباب الحادي والثلاثون
في شراء الماء للوضوء
ومن قدر على ثمن الماء للوضوء لزمه شرؤه بأي ثمن، مالم يكن يضره في بقية طريقه، ولا يحتمله بدين، فإن باعه عليه صاحبه بأكثر من ثمنه في موضعه، لزم البائع رد فضل الثمن عليه.
مسألة:
وأما إذا امتنع الماء بغلاه، أو بلغ فوق ثمنه، وكان في شرائه على من عدمه كبير ضرر جاز له التيمم، وليس عليه أن يتلف جزءا من ماله، فيضر بنفسه وعياله.
الدليل على ذلك [قوله تعالى: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا] [زيادة من المحقق حيث مكانه بياض في الأصل، وللمسألة مشبهات سابقة متطابقة] ولم يخرج أثرها لم يكن له قطعه ولا إخراج جزء ................................ [مكانه بياض في الأصل.] وكذلك إذا كان الثمن يحجف به من ذهاب نفقة [سفره أو عياله ويخشى] [زيادة من المحقق حيث مكانه بياض في الأصل، وللمسألة مشبهات سابقة متطابقة] على نفسه عند إخراج ذلك من يده لم يكن عليه [أن يشتري الماء]] [زيادة من المحقق حيث مكانه بياض في الأصل، وللمسألة مشبهات سابقة متطابقة].
وهذا مال تنازع فيه بين الناس فيما علمنا.
وإذا وجده بثمنه، وكان الثمن غير مجحف وجب عليه شراؤه، لأن القادر على الثمن قادر على الماء.*/* (1/405)
صفحة 406
مسألة:
وإذا وجد الماء بثمن يجد مثله بدون ذلك الثمن لم يكن عليه شراؤه، ويعدل إلى الماء الذي بدون ذلك الثمن إذا كان الوقت قائما. فإذا لم يجد إلا ذلك الماء فالواجب عليه شراؤه، لأن الثمن المطلوب منه حيث لا ماء غيره.
مسألة:
وكذلك لو جاء إلى البئر، وليس عنده حبل ولا دلو وجب عليه شراء حبل ودلو ليتوصل إلى الماء، إذا وجد السبيل إلى شرائها. وبالله التوفيق.
مسألة:
وإن كان عنده عبد، إن استعان به قدر على الماء، وإن لم يستعن به لم يقدر. قال: يستعلم العبد إذا ككان مقدار عناه يقدر على أدائه في قدرته، ويرجو الخلاص منه في قدرة الله، ويؤدي لله فرائض الله، وليس له عذر في شكوكه واتباع هواه ولا عماه.
قيل: ولو كان العبد ليتيمم؟
عني، قال: نعم، لأن [عليه طلب الماء في الأصل] [زيادة متصورة من المحقق حيث مكانه بياض في المصورة، وقد سبق لهذه المسألة مثيلات متفرقة في ثنايا الكتاب.]،ويتوضأ ويغسل ويصلي، إذا قدر على [طلب الماء] [زيادة متصورة من المحقق حيث مكانه بياض في المصورة، وقد سبق لهذه المسألة مثيلات متفرقة في ثنايا الكتاب.]؟ قال توضأ، ومن كان في سفر واحتاج إلى الماء .............. [مكانه بياض في الأصل] قبوله، ولم يجز له التيمم.*/* (1/406)
صفحة 407
وقال بعض الشافيعة [من كان عليه] [زيادة من المحقق ومكانه بياض في الأصل] ولم يكن معه ثمن الرقبة فعرض عليه رقبة، أو ثمنها لم يلزمه قبلو ذلك.
والفرق بينهما، أن أصل الماء الإباحة، ألا ترى، أنه لو كان في نهر جار، كله لرجل، لجاز لكل أحد أن يشرب منه ويتوضأ بغيره أمره، ولامنة تلحقهم في ذلك.
وإذا كان كذلك جاز أن يلزمه بماء الغير، إذا عرض عليه، كما جاز أن يلزمه الاستعمال من نهره من غير إذنه.
وبهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب من الأنهار ويستقي من الآبار مع كون تحريم الصدقات عليه، صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن عليه في ذلك غضاضة وتوقع ثواب، فلم يلزمه قبول لأجل ذلك، والله أعلم.*/* (1/407)
صفحة 408
الباب الثاني والثلاثون
فيمن قدر على الماء القليل لا يكفي وضوءه وطهارته
وإذا كان مع رجل ماء، وهو محدث من غائظ أو بول، ولا يكفيه لغسل حدثه، وطهارة أعضائه. كان عليه في بعض قول أصحابنا، وهو أبو عبد الله والفضل، الأستنجاء، فإذا حصل طاهر، أو لم يجد ماء لأعضائه تيمم. وكان عند صاحب هذا القول مخاطبا بالآية: ((فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)).
وقول: عله إماطة الأذى والنجاسة وتقيلها عن بدنه، ثم يستعمل الماء لأعضائه التي خوطب بتطهيرها.
قال محمد بن المعلى: يتوضأ.
قال أبو محمد: والنظر يوجب عندي، أنه مخير في استعماله لأيهما شاء.
مسألة:
وإذا كان لا نجاسة في بدنه، والماء لا يكفيه لجميع الأعضاء المأمور بها، كان المأمور به استعماله لما يكفيه، ويتيمم لمابقي، والله أعلم.*/* (1/408)
صفحة 409
مسألة:
وإذا تغوط المسافر ومعه ماء قليل لا يكفيه لوضوئه كله، ففيه اختلاف.
فقول أبي جعفر، يستنجي ويتيمم لوضوئه.
فقول أبو محمد: استحسنه بعضهم.
وقيل، لأنه أولى الطهارتين.
وقول: يتمسح ولا يستنجي.
قال أبو الحسن: والنظر عندي أن يتمسح ولا يستنجي، ويستجمر بالحجارة إن أمكنه.
قال أبو محمد: اختار بعض هذا، لأن الأعضاء فرض، والاستنجاء، ليس بفرض.
مسألة:
وكذلك إن كان معه ماء لا يغنيه لكل أعضائه غسل ما نال منها بالماء، وتيمم أيضا لما بقي من أعضائه. وكذلك، إن كانوا جماعة ليس معهم ماء إلا ما يكفي واحدا. فإن كان لهم إمام لصلاتهم فليدفعوه إليه.
مسألة:
والذي عندي، أن غسل النجاسة مع وجود الماء فرض، وغسل الأعضاء بالماء فرض مع وجوده، فإذا اجتمع على المتعبد فرضان، طهارة الماء، ولم يجد ماء يكفي إلا لأحدهما، كان مخيرا أن يرفعه فيما شاء منهما، والله أعلم.*/* (1/409)
صفحة 410
وفي موضع ــ يبدأ بغسل النجاسة ثم يوضئ جوارح الوضوء على الترتيب، ثم يغسل رأسه إلى استفراغ الجسد على الترتيب. وإذا كان لا يزيل النجاسة، وضئ جوارح الوضوء، ثم غسل وتيمم لما بقي في هذا كله.
مسألة:
ومن كان معه ماء قليل، وكان جنبا، ومعه ثوب نجس، فإنه يبدأ بغسل جسده من الجنابة والطهارة للصلاة، وإن بقي منه شيء غسل ثوبه، وإلا فال شيء عليه، لأن الله أمره حين يقوم إلى الصلاة أن يغسل جسده إن كان جنبا. وأضن عن محبوب، يغسل ثوبه ويتيمم.
مسألة:
سئل أبو يحيى بن أبي ميسرة عن رجل كان معه ماء قليل ومعه ثوب فيه دم، وتحضره الصلاة.
قال: يتوضأ بالماء ويدع الدم.
قال أبو يحيى: قال الكوفيون، يغسل الجم بالماء، ويتصعد، ويصلي.
قال أبو الحوارى: كلاهما يعجبانني، من أخذ بهما كليهما جائز.
مسألة:
ومسافر جاء إلى بئر عليها دلو، فخاف لا يغنيه للاستنجاء، هل له أن يترك الماء ويتيمم؟ */* (1/410)
صفحة 411
قال: إذا أيس من القدرة على الطهارة إياسا، مما لايقدر على طهارة مثله، لا من شكوكه، فأرجو أن يجزيه ذلك.
مسألة:
وإن كان بدنه نجسا، ولم يصب سترا يستتر به عن أصحابه حتى يغسل والماء يجزيه للاغتسال. قال: يغسل ثيابه ويستر عورته، ثم يغسل ثوبه، إن أراد، وإلا فليصل بثوبه الآخر، ولا يترك الغسل، وإن تنجس الحبل والدلو إن مس بدنه وقد تنجس وهو رطب. فإن أمكنه أن يجفف بدنه، ويمس الحبل حتى يغسل بدنه، ثم يتم طهارته كان ذلك عليه.
فإن نجس الحبل والدلو فعليه أن يستقي ويغسلهما إن قدر على ذلك، ولا يسعه أن يسير ويتركهما، فإن قدر وتركهما قاصدا إلى تنجيسهما على غيره فلا آمن عليه الإثم، وإن كان لغير ذلك من أسباب فالله أعلم.
مسألة:
وإذا كان عند رجل ماء، وأجنب رجل، وطهرت امرأة من حيضها، ومات إنسان. كان بعض أصحابنا يذهب إلىن يجود به على من شاء منهم.*/* (1/411)
صفحة 412
[ .... ] قال: والنظر عندي، أن يغسل به الميت، أو يدفعه إلى من يغسل به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال غسلوا موتاكم، وهو داخل في الفرض بالأمر ولم يخاطب في الجنب والحائض بشيء.
وإن كان هو الجنب فهو أولى به، وليس له دفعه إلى غيره، لأنه مخاطب بالطهارة؛ إذا كان قادرا عليها، بالماء، وهو قادر على ذلك. وإن كان الماء الميت فهو أحق به، وليس لأحد أخذه لنفسه، إلا أن يخاف على نفسه العطش، فله إحياء نفسه، وليضمن لورثته الثمن في أكثر قول أصحابنا والله أعلم.
مسألة:
أبو محمد ــ وإذا كان عند المسافر رجل من أهل الفضل، أو ممكن يجب عليه إركرامه، أو والده، وعنده ماء قليل، فلا يجوز له أن يعطيه الماء الذي له ويتيمم. فإن فعل ذلك في موضع لا يوجد فيه الماء حقت عليه الكفارة. وإن كان يطمع أن يلحق الماء فلا بأس عليه، إن شاء الله.*/* (1/412)
صفحة 413
تم الجزء الثاني من الجزء الثالث، في الطهارات، من كتاب المصنف ويتلوه إن شاء الله الجزء الرابع، في الوضوء وأحكامه
وكان الفراغ من نسخه نهار الجمعة .......... [مكانه طمس في الأصل] من شهر المحرم من شهر و سنة ثماني سنين وتسعين سنة وألف سنة من هجرة خير خلق الله.
على يد مالكه، من فضل الله، مالكه الأقل لله، المعتز بدينه
الراجي رحمة ربه سليمان بن محمد
ابن مداد بن أحمد بن مداد ابن عبد الله بن مداد
وهو يسأل الله حفظه والعمل بما فيه.*/* (1/413)
صفحة 414
تنبيه
ورد في بعض صفحات الكتاب ذكر لفظ الضمج والخناز والجلالة على رسم خاطئ في وضع النقط، وكذلك في صحيفة 167 يجد القارئ بياضا في نهاية السطر الحادي عشر، ومكانه ((ويجوز له ألا))
لذا لزم التنويه.*/* (1/414)
صفحة 415
[صفحة بيضاء] (1/415)
صفحة 416
[فهرس لم يرقن] (1/416)
صفحة 417
[فهرس لم يرقن] (1/417)
صفحة 418
[فهرس لم يرقن] (1/418)
صفحة 419
[فهرس لم يرقن] (1/419)
صفحة 420
[فهرس لم يرقن] (1/420)
صفحة 421
[فهرس لم يرقن] (1/421)
صفحة 422
[فهرس لم يرقن] (1/422)
صفحة 423
[فهرس لم يرقن] (1/423)