صفحة 1
الكتاب: المصنف
الجزء: الرابع
المؤلف: أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي (557 هجرية) (1193 م)
تحقيق: عبد المنعم عامر و د. جاد الله أحمد
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: [د. ت]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المصنف
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
أبوبكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي
السمدي النّزوي
(557 هجرية): (1162م)
المجلد الثالث الجزء الرابع
تحقيق
عبد المنعم عامر ... د. جاد الله أحمد (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المصنف
أبوبكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي
السمدي النّزوي
(557 هجرية): (1162م)
المجلد الثالث الجزء الرابع
تأليف
تحقيق
عبد المنعم عامر ... د. جاد الله أحمد (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
[صفحة لم ترقن] (1/3)
صفحة 4
[صفحة لم ترقن] (1/4)
صفحة 5
[صفحة لم ترقن] (1/5)
صفحة 6
[صفحة لم ترقن] (1/6)
صفحة 7
[صفحة لم ترقن] (1/7)
صفحة 8
[صفحة لم ترقن] (1/8)
صفحة 9
[صفحة لم ترقن] (1/9)
صفحة 10
[صفحة لم ترقن] (1/10)
صفحة 11
[صفحة لم ترقن] (1/11)
صفحة 12
[صفحة لم ترقن] (1/12)
صفحة 13
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول
في الوضوء، ومعانيه، وفضله
وما جاء فيه
الوضوء بضم الواو اسم الفعل، الوضوء بفتحها اسم الماء الذي يتوضأ به، وكذلك السحور بضم السين اسم الفعل، والسحور بفتحها الطعام الذي يؤكل في السحر، وكذلك الوقود بضم الواو اللهب، والوقود بفتحها اسم الحطب.
قال الله تعالى: "وقودها الناس والحجارة.
وقال الشاعر:
فأمسوا وقود النار في مستقرها ... وكلّ كفور في جهنم صائر
يريد أمسوا حطبها.
وقال الله تعالى في الوقود يعني اللهب:"النار ذات الوقود".
وقال آخر:
أحبّ الموفدين إليّ موسى ... وحرزه لو أضاء لنا الوقود
يريد أضاء لنا اللهب. (1/13)
صفحة 14
وعن أبي ذكوان: الوقود الحطب، والوقود بالضم النار.
وقال ابن الأنباري: وأجاز النحويون أن يكون الوضوء والسحور والوقود بالفتح مصادر، والأول الذي عليه أهل اللغة.
وكذلك الهبوط بالفتح اسم الحدود، وهو الموضع الذي يهبط فيه من أعلى إلى أسفل، والهبوط بالضم مصدر، تقول هبط يهبط هبوطا.
مسألة:
والوضوء مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، ومنه قيل: فلان وضئ الوجه، أي نظيفه وحسنه.
ويروى النبي نبي صلى الله عليه وسلم كان ظاهر الوضاءة.
قال الشاعر:
مساميحُ الفعال ذوو أناة ... مراجيحٌ وأوجههم وضاءُ
وأنشد أبو صدقة:
والمرء يلحقه بفتيان النّدى ... خُلُقُ الكريم وليس بالوضّاء
ومن غسل عضوه فقد وضأه. (1/14)
صفحة 15
والوضوء الذي في كتاب الله هو غسل.
وفي الحديث: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم، ويعني به غسل اليدين قبل الطعام وبعده.
وذهب قوم إلى أن الوضوء مما مست النار هو للصلاة. وهو جهل باللغة، وإنما هو غسل اليدين من الدهومة وتنظيفها.
مسألة:
والمتوضئ يقول تمسحت، والمسح خفيف الغسل، لأن الغسل للشيء تطهير له بإفراغ الماء، والمسح له تطهير بإمرار الماء، ويقال تمسحت للصلاة، ولا يقال اغتسلت للصلاة، وإن كان بعض الوضوء مسحا وبعضه غسلا.
قال المصنف ولعله، لأن الغسل يأتي في الجملة على العموم.
مسألة:
ويقال تكرع الرجل إذا توضأ للصلاة، لأنه يغسل أكراعه، والكراع من الإنسان ما دون الركبة، ومن الدواب ما دون الكعب، يقول هذا كراع وهو الوظيف نفسه.
مسألة:
قال الله تعالى:"وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. الآية". (1/15)
صفحة 16
قال ابن عباس: يعني أردتم أن تقوموا إليه وأنتم على غير وضوء، فعلمهم كيف يصنعون.
قال المفضل: إذا قمت، أي من نومكم. وقول: إذا نهضتم إليها وأردتم إصلاح أمرها، من قولهم هو يقوم بأمر القوم وبشأنه، أي يتعاهده ويصلحه، كقوله: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ".أي إذا أردت القراءة.
قال الأصمعي: إذا وجبت عليكم فقوموا وقد غسلتم.
مسألة:
أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزى إلا بطهارة إذا وجد المرء السبيل إليها.
قال النبي صلى الله ليه وسلم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وقال صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لا وضوء له. ولا يحافظ على الوضوء منافق.
وقيل: المحافظ على وضوئه مثل المجاهد، لأنه يحفظ نفسه، لا ينقض عليه وهو أفضل.
-سلمان –قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ عصا من شجرة يابسة تحة، ثم قال: من توضأ وأحسن وضوءه تحاتت عنه الخطايا كما يحاتتّ هذا الورق. (1/16)
صفحة 17
مسألة:
ومن كان على وضوء أحبته الحفظة، وإن مات مات شهيدا ومن بات طاهراً وكل الله به ملكين يحفظانه ويستغفران له، ويؤذن لروحه بالسجود، وإن مات كان شهيداً.
وقيل: الطهارة قرة عين المسلم.
ومن أحسن الهيئة أل يرقد إلا على وضوء.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الذي يضعف الله به الأعمال: إسباغ الوضوء عند المكاره. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فضل الوضوء في السبرات. والسبرة: شدة البرد، وبها سمى الرجل سبرة: قال الخطيئة يذكر إبلا وكثرة شحومها:
عظامٌ مقبل الهام علبٌ رقابها ... يُباكرن حدّ الماء في السَّبرات
مهاريس يروي رسلها ضيف أهلها ... إذا النارُ أبدت أوجه الخُفُرات
يعني شدة الشتاء مع الحر، وبه يقول لي، وهذه الإبل لا تجزع من برد الشتاء لسمنها، واكتناز لحومها، وفيها ينال من قومه. فقال له عمر: بئس الرجل أنت تهجو قومك وتمدح إبلك.
مسألة:
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أسبغوا الوضوء فإنه تحجيل.
وفي الخبر، أن المؤمنين يوم القيامة يكونون غرّاً محجلين. وذلك علامة لمواضع وضوئهم.
وإسباغ الوضوء في اللغة المبالغة فيه، وهو يعم الجارحة بالوضوء.
وقيل له: ألا تعرف أمتك يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان لرجل خيل غرّ محجلة في خيل دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يارسول الله. قال كفإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء.
وقال: من استطاع منكم أن يطيل غرته بالماء فليفعل. يريد إسباغ الوضوء.
ومعنى قوله الغر: البيض. والأغر على الحقيقة: الأبيض.
مسألة:
لأوجب الله تعالى الطهارة على المحدثين. فإذا أراد المحدث القيام إلى الصلاة، أتى الطهارة التي خاطب الله بها المحدثين. (1/17)
صفحة 18
قال أبو محمد: معنى قوله:"إذا قمتم إلى الصلاة".يريد من مضاجعكم من النوم، والذين خوطبوا بالماء عند وجدانه، فالمتطهر لا يدخل في هذا الخطاب.
فإن قيل: ما ننكر أن يكون كل قائم إلى الصلاة فواجب عليه التطهر، سواء كان محدثا أو متطهراً: قيل: هذا سؤال لا يصح لأحد، لأن هذه الآية لو حملت على ظاهرها لاشتغل الإنسان بالطهارة دهره عن الصلة، لأنه إذا تطهر، ثم أراد القيام إلى الصلاة لزمه التطهر وإن كان متطهرا فلا يتوصل إلى الصلاة. (1/18)
صفحة 19
وإذا بطل هذا صح أن الخطاب للمحدثين. ولو كان هذا لكل قائم إليها، لم يكن في قوله: أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء "
فائدة: فدل ما عقب من الكلام أنه تعالى لم يرد كل قائم إليها، وإنما أراد المحدثين دون المتطهرين.
فإذا ثبت للإنسان طهارة جاز له أن يصلي بها ما شاء من الصلوات إلى أن تزول طهارته.
ودليل آخر: أن الإنسان له حالان: حال خوطب فيها بالطهارة، وحال خوطب فيها ب الصلاة. ولا يخاطب بالصلاة إلا من سقط عنه فرض الطهارة، والله أعلم. (1/19)
صفحة 20
الباب الثّاني
في فرائض الوضوء وسننه
وفرائض الوضوء للصلاة ست خصال: الماء الطاهر، والنية، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل القدمين.
فالحجة في الماء الطاهر، قول الله تعالى:"وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً"
مسألة:
والحجة في النية: قوله تعالى:"وما أمروا إلّا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين".
وهي فرض في أعمال الطاعات كلها.
مسألة:
والحجة في غسل الأعضاء، قول الله تعالى:"وإذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين"
مسألة:
والحجة في أن غسل القدمين أولى من المسح، أن بعضهم وأرجلكم بالنصب عطفا على الوجوه والأيدي. وهو عليه القراءة. وهو أشبه بفعل النبي (1/20)
صفحة 21
صلى الله عليه وسلم وأمره لأمته، لأنه المنقول إلينا عنه فعل الغسل. وقوله ويل للعراقيب من النار.
ودليل ثالث: أنهم لأجمعوا أن من غسل قدميه فقد أدى الغرض الذي عليه.
واختلفوا في من مسح عليهما، فنحن معهم فيما اتفقوا عليه. والإجماع حجة، والاختلاف ليس حجة.
ولو كان المسح ثابتا لورد به الفعل متواتراً.
والسنن في الوضوء ست خصال: القسمية، وغسل اليدين، و الإستنجاء والمضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين.
والحجة في غسل اليدين: قوله صلى الله عليه سلم:"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده".
قال الصنف: عرفت إذا لم يمس نجاسة بيده فلا غسل عليه، والله أعلم.
والحجة في الاستنجاء: ظاهر التنزيل قوله تعالى في مدح أهل قباء:"فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ". (1/21)
صفحة 22
والحجة في المضمضة والاستنشاق: ما نقل عنه صلى اللّه عليه وسلم [أنه كان] مواظباً (1) عليه، وأنه كان يبدأ بهما قبل الأعضاء. وقال صلى الله عليه وسلم لقيط بن صَبرة:"إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائماً"
والحجة في مسح الأذنين مستنبط من الإجماع، أنه لا يجزئ الأخذ من شعرهما من الرأس وحكم الوجه، وصارا في حيالهما بهذا الدليل سنة على حالهما. والله أعلم.
مسألة:
ومن علم أن الوضوء واجب عليه، ولم يعلم فرضه من سننه. وكذلك الصلاة إذا قال إنه يعلم أن الصلاة فريضة عليه، إلا أنه لا يعلم فرائضها من سننها، قال: إن الله تعالى أوجب عليه هذه الصلاة، والعلم بذلك أفضل، وكذلك الزكاة إذا قال إنها واجبة عليه.
__________
(1) في الاصل مواظبا، وهو التزام شائع في كتابة حرف الضاد بدل الظاء. (1/22)
صفحة 23
الباب الثّالث
في صفة الوضوء وما ينبغي فيه
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول ما علمني الوضوء جبريل عليه السلام.
وعن أنس قال: ألاأخبركم كيف كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه ثلاثاً، ثم يمسح برأسه مقبلاً ومدبراً.
وعن ابن عباس قال: ألا أريكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فجعل لكل عضو غرفة، وقيل إبلغ المرفقين أدار الماء عليهما.
مسألة:
وإذا أراد الوضوء بدأ، فاعتقد النية في نفسه قبل أن يتمضمض، أنه يتطهر لصلاة كذا وكذا، فإن قال بلسانه، أتطهر الساعة أصلي به فحسن، ثم يججعل الماء عن يمينه ويأخذ في الوضوء، فيذكر اسم الله عليه، ثم يبدأ بكفيه فيغسلهما، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يغسل وجهه، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، ثم يمسح رأسه، ثم أذنيه، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين كل عضو ثلاثاً، وإن زاد أو نقص فلابأس إذا أسبغ الوضوء.
مسألة:
اختلف الناس في عدد الوضوء، فما لك لم يوقت مرة أو ثلاثاً، قال: وإنما قال:"فاغسلوا وجوهكم" .. الآية. (1/23)
صفحة 24
قال أبو محمد: الفرض في الوضوء واحدة، والثلاث سنة، نسخة هو السنة، فإذا غسل المأمور واحدة فقد خرج مما أمر به، ولا يلزمه تضعيف العدد، وتكريره سنة رغب النبي صلى الله عليه وسلم فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم حين علّم أصحابه الوضوء، فمسح واحدة ثم قال: هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به. ثم ثنى. قال: من ضعف ضاعف الله له ثم غسل ثلاثاً. فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي.
قال محمد بن محبوب: من تمسح بماء كثير مسحة اكتفى بها عن الثلاث إذا أسبغ الوضوء.
وقيل عن الربيع: إذا توضأ الرجل مرة واحدة أجزأه إذا توضأ في الجماع.
وكان أبو منصور يقول: إذا توضأ الرجل مرتين مرتين أجزأه.
وفي الأثر: أن مسحتين متتابعتين تجزئان الرجل.
مسألة:
وروى محمد بن جعفر في جامعه عنه صلى اله عليه وسلم أنه قال: واحدة لمن قل ماؤه، واثنتين لمن لا يستعجل، وثلاث عليهن الوضوء.
مسألة:
وروى أبو محمد: هذا خبر لم نعرفه في الرواية، والنظر لا يوجبه والسنن تشهد بفساده، لأن في إثباته، إيجاب فرض التحديد لذلك.
وأن من قل ماؤه لا يجب أن يتجاوز الواحدة وإن كان في مائه فضل، لأن قليل الماء يقع على ما يغسل به ثلاثاً وأكثر.
وقد يكون مما يقع عليه اسم قليل عند بعض كثير عند بعض. (1/24)
صفحة 25
ولو كان الخبر صحيحاً لبين الرسول صلى الله عليه وسلم القليل والكثير. ولم يجهل الأمر، وكان من استتعجل لا تجزئه الواحدة وإن زاد عن الاثنتين فهو مخالف.
وقوله ثلاث عليهن الوضوء، لا أدري ما أراد به، أنه واجب، وفي حال الاستعجال أو غير الاستعجال، وعند الأمن أو الخوف، وكثرة الماء أو قلته. وغير ذلك.
مسألة:
واختلف أيضاً في الزيادة. قال الشافعي: لا تضره، ولا احب ان يزيد على ثلاث، فإن توضأ أربع مرات فقد أساء لأنه خالف السنة، ويجزئه.
وقيل عن النبي صلى الله وسلم أنه ذكر الوضوء ثلاثا فقال: من زاد على هذا فقد اساء وظلم. وقال أصحابنا إن زاد او نقص فلا بأس.
مسألة:
محمد بن محبوب في المتوضئ بأخذ الماء بكفيه جميعا –فما علمت انه يغرف الماء إلا بكفه الأيمن، وكذلك أدركنا أدركنا أشياخنا يفعلون. ولكن إذا افرغ الماء بكفه الأيمن على وجهه حركه بكفيه جميعا.
مسالة:
وقيل إن الربيع وقف على رجل وهو يتوضأ فوقف ينظره، فلما اراد مسح راسه حمل الماء بكفيه، ثم نفضهما، فقال له الربيع: يا هذا حملت الماء لتتوضأ، ثم رددت الطهور، ورجعت عن وضوئك. (1/25)
صفحة 26
قال غيره: اما نقض الوضوء من يديه بعد أن أخذه لمسح رأسه أو لشيء من غسل جوارحه لوضوء، فأما الوضوء فلا يقع بمثل ذلك، لأنه يقع موقع المسح، والمسح لا يقوم مقام الوضوء في الغسل، وأما في المسح فإن كان باقياً في يديه شيء من الماء ما يمسح به رأسه ويثبت به في يديه شيء من الماء ما يمسح به رأسه و يثبت به في ذلك مسح لرأسه بماء موجود في يديه فقد قصر –أرجو أن يجزئه.
وإن لم يكن ثمّ ماء إلّ رطوبة، فإن كانت الرطوبة ( .... ) (1) ما مسها أو مسته من الرأس، حتى يكون ثماء، أو يقوم مقام الماء، فأرجو قولا لا يجزئه.
وإن كان ليس ثم ماء ولا رطوبة تبل، وإنما هي رطوبة تبل، وإنما هي رطوبة لا يؤخذ منها شيء، فلا يبين لي لي أنه يجزئه المسح ولا الوضوء، ويخرج ذلك عندي باطلا في المسح والوضوء ولا يجزئ.
مسألة:
في من مسح رأسه بيد واحدة من غير ضرورة. فإذا اتبع المسح فلا نرى بأسا، ومن كان يقوم في الماء وحضر وقت الصلاة، فليغتمس في الماء وينوي بذلك الطهارة.
__________
(1) كلمة غير مفهومة (1/26)
صفحة 27
الباب الرابع
فيما يؤمر به في الوضوء وما يستحب وما يكره
ويستحب الإقتصاد في الوضوء، ويكره السرف فيه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرعلىرل وهويغرف من النهر ويسرف، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تسرف. فقال يا رسول الله من النهر أيضا؟ فقال صلى اللهعليه وسلم: ومن النهر.
وفي موضع أنه قال صلى الله عليه وسلم: تثجوا الء ثجا، وبثوه بثا، وسنوه سنا ولا بأس بقلةماء إذا عم الجوارح.
فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يتوضأ إلا بما يبل الثرى.
وعنه صلى الله عليه وسلم: إن أحب الوضوء إليّ ما خفف، وأكرهه إليّ ما ثقل. وإتمام الوضوء إسباغه في مواضعه، وخيا ر أمتي الذين يتوضئون بالماء بالماء اليسير،
فإن الوضوء يوزن وزنا، فما كان منه بتقدير وسنة، رفع وختم تحت العرش فلا يكسر إلى يوم القيامة، وما كان منه بإسراف وبدعة لم يرفع، فتوضأوا بالمد، واغتسلوا بالصاع، وقد بينا الصاع في الفطرة.
مسألة:
قال أبو محمد: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ بمد واغتسل بصاع من الماء (1/27)
صفحة 28
في الجنابة، واغتسل هو وعائشة بصاعين ونصف صاع، وكل واحد منهما يقول لصاحبه ابق لي.
قال وهذا يدل على أن الماء الذي يتطهر به غير مؤقت مقداره.
وعارض في الخبر الذي رواه ابن جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يجزئ للغسل من الجنابة صاع من ماء، وقال هذا خبر لم أحفظه.
ولو كان الماء مؤقتا لكان المتجاوز لذلك مخالفا لسنته صلى الله عليه وسلم. وقال لا يجوز أن نظن أنه صلى الله عليه وسلم يأمر بالصاع لكل من لزمه الاغتسال، مع علمه باختلاف أحوال الناس، وفيهم من يحسن الاقتصاد في صب الماء، ومنهم من درايته بذلك أقل، وفيهم القليل البدن، ويهم الغليظ البدن، وفيهم من عليه الشعر الكثير، وفيهم الأجرد ومن لا شعر على رأسه، وفيهم النساء.
قال أبو الحسن: ليس للماء في الوضوء حد محدود، إلا أنه يستحب ألا يتوضأ بدون مد، ولا يغتسل بدون صاع، قال وخبر عائشة أنها اغتسلت هي ورسول الله بصاعين ونصف صاع يدل على أن حد الماء مختلف، فلا معنى لتحديده.
مسألة:
أبو سعيد: قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كثرة الوضوء من الاسراف، وفي التأويل ليس من احتاط على نفسه كان ذلك إسرافا، ولكن من الإسراف مخالفة السنة على العمد وعلى الاستنقاص لها، ومن ذلك الاشتغال بمعنى الوسيلة، (1/28)
صفحة 29
وترك أداء الفرائض في وقتها حتى تفوت أو يذهب الفضل على معاني العادة من أمره، ولا نعلم شيئا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، إلا وله معنى يدل على فائدة.
مسألة:
ويستحب أن يكون على غاتق المتوضئ في حال تطهيره ثوب أو خرقة يرتدى به. ولا يجوز أن يتطهر عريانا في ليل أو نهار وبعض رخص به لعله في الليل.
ولا يتوضأ في ثوب نجس. ويستحب ألا يتكلم المتوضئ حتى يفرغ من وضوئه.
وعن موسى بن عليّ في من يتوضأ ورجل يحدثه، أنه إن كان أقبل عليه يحدثه، فإنه يجدد الوضوء.
ويوجد أن من توضأ بعض وضوئه، ثم كلمه إنسان فوقف يكلمه حتى جف وضوءه، أنه يعيد الوضوء من أوله. ويستحب ألا يفرق بين وضوئه، بل يكون في مقام واحد.
ويستحب ألا يفرق بين وضوئه، بل يكون في مقام واحد.
وعن محمد بن محبوب قيمن غسل وجهه ويديه ورأسه ثلاثا، ثم أتى المسجد فغسل قدميه بعد أن جف وضوؤه، أن ذلك يفسد عليه وضوؤه.
مسألة:
وليخلل المتوضئ أصابعه، ويشرب عينيه الماء لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: خللوا أصابعكم بالماء، قبل أن تخلل بمسامير من نار. (1/29)
صفحة 30
[صفحة لم ترقن] وعن معاذ بن جبل ٌقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه وآثار وضوئه بطرف ثوبه.
مسألة:
ومن توضأ ومسح وجهه بثوبه فلا بأس. وكان مسلم وبعض الفقهاء يكره ذلك. ومن فعله فلا بأس.
قال أبو محمد: إن مسح وجهه أو غيره من حدود الوضوء بثوب نظيف حتى يبس، فلا ينقض ذلك وضوءه لأنه قد صح ولا يرفعه إلا حدث، وهذا ليس بحدث يرفع الوضوء.
مسألة:
من كتاب الأشراف –واختلفوا في التمسح بالمنديل بعد الوضوء، فروى عن عثمان وأنس بن مالك، ورخص فيه الحسن وابن سيرين، وكان مالك وأحمد وأصحاب الرأي لا يرون بأسا.
وروى عن ابن عباس أنه كره في الوضوء ولم يكره إذا غسل من الجنابة، وكرهه بعض في الوضوء والجنابة معا للخبر، أن الماء يسبح على الأعضاء، ورخص الثوري فيهما جميعا.
قال أبو بكر: مباح كله. (1/30)
صفحة 31
أبو سعيد قول أصحابنا يخرج بكراهية ذلك على التعمد له، وأكثر ذلك بالمنديل، وفي قولهم: إن الوضوء نور وأثره يبقى على الجسد نور، فلا يستحب إزالة ذلك، فإن فعل بثوبه الذي يصلي فيه بغير المنديل فهو أيسر معهم في الكراهية، وكله في معنى الفضل، لا على معنى الحجر، والله أعلم.
مسألة:
وقيل إن جابراً كان لا يتوضأ إلا مسح وجهه بثوب لا يتهمه.
قال غيره: فيه اختلاف أفضل ما قيل فيه بالكراهية، ولا أعلم قيه نقضاً، والله أعلم.
مسألة بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذ اتوضأت وخرجت عامداً إلى الصلاة فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة.
مسألة:
ولا يتوضأ المتوضئ وهو عريان ولا قائم، فإن فعل فلا نقض إلا أن لا يمكنه القعود، وإن كان في ماء فتوضأ منه فلا بأس. وقيل: لا بأس أن يتوضأ في النهر الجاري وهو متجرد، وقيل إذا وارى سرّته.
قال ابو عبد الله: إن توضأ قاعداً فهو أحسن، وإن توضأ قائماً فهو جائز.
مسألة:
وإن توضأ عارياً في موضع غير مستتر، قال: إن توضأ تم وضوؤه. ولا ينبغي لمثل هذا أن يتعرى على الطريق. (1/31)
صفحة 32
وقول لا يجوز وضوؤه أبصره أحد أم لم يبصره بمنزلة من عصى وهو يتوضأ؟
قال: إذا كان بعد الوضوء خرج ذلك، وأما إذا عقد الوضوء على ذلك. قال ولا يبين لي لقول من يقول بالنقض –أبصره أحد أم لم يبصره- عليه إلا لمعصية. والله أعلم.
ومختلف أيضاً في نقض وضوء من توضأ عرياناً في الليل بحيث لا يراه أحد، بعض نقض، وبعض أجاز ولا يعود لمثل ذلك.
مسألة:
فيمن أكل وفي أسنانه شيء، هل عليه أن يتخلل قبل الوضوء؟ قال أرجو أن ليس عليه ذلك.
وفي موضع في من يأكل الطعام ويدخل في ضروسه. هل يلزمه معالجته؟ قال: إن كان مما يحول بين الماء وبين الدخول في الموضع لزمه معالجته، ولايجزئه تركه على التعمد ولو قل ذلك. وإن كان مما لا يحول فيجزئه تركه، وإن عالجه احتياطاً فهو أحسن.
مسألة:
ومن تطهر قائماً فالطهارة تصح منه على أي حال، فعلها قاعدً أو قائماً، ويحصل بفعلها متطهراً. (1/32)
صفحة 33
وأما من طريق الأدب فإنه يؤمر ألا يتطهر إلا وهو جالس مستتر بثوبه، ساتر لعورته في ليل أو نهار.
مسألة:
ويجب على المتوضئ إسباغ الوضوء إتمامه، وأن يعم بالماء جوارحه. فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ويل لغامض أعقاب امرئ من النار يوم القيامة.
وفي خبر: ويل للأعقاب من النار، وذلك حين مر بقوم أعقابهم بيض تلوح، لم يصبها الماء فقال: ويل للعراقيب من النار، أسبغوا وضوءكم
مسألة:
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لم يسبغ الوضوء بعث الله يوم القيامة حيات وعقارب ينهشن يلدغن مواضع ما ترك من الوضوء في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد.
مسألة:
وقيل: إن رجلا توضأ على عهده صلى الله عليه وسلم فترك موضع درهم من رجله، ثم صلى فقال صلى الله عليه وسلم: إن الوضوء نصف الإسلام، فإذا توضأت فأسبغ الوضوء. فتوضأ الرجل وأعاد صلاته.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ويل للعراقيب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار.
وقيل إذا بقي شيء من حدود الوضوء لم يغسله اشتعلت به النار. نعوذ بالله الرحيم من النار. (1/33)
صفحة 34
مسألة:
-الأشراف- كرهت طائفة الوضوء في آنية الذهب والفضة، ولو توضأ متوضئ أجزأه.
وما رأيت أحدا كره الوضوء في آنية الصفر والرصاص والنحاس.
وحكى عن النعمان كراهية الأكل والشرب في الفضة.
أبو سعيد –يخرج في قول أصحابنا، لا بأس بالتأتي بجميع الأواني الطواهر للوضوء وغيره إلا الذهب والفضة، وكرهوا التأتي يهما، ولعله يخرج للأشراف، ولا ينبغي ذلك أن يتخذ للتأتي، ويجزئ دونه إلا أن يكون على وجه التحلي.
فإن توضأ من آنية الذهب والفضة لم يبن لي فساد وضوء، وإن كان من ضرورة فلا بأس على حال.
مسألة:
في المتوضئ من الفلج، يفسح الحصى، هل عليه إخراجه؟ قال: قد قيل ذلك وقول مالم يكن فيه مضرة فليس عليه إخراجه.
مسألة:
في الوضوء قائما أو عاريا [قال] أبو سعيد: فأما وضوؤه قائما إذا كان لابسا ما يستر عورته، نهي أدب ولا أعلم حجرا ولا نقضا، إلا أن القعود أحسن. وأما الوضوء عاريا، فأشد كراهة إلا أن يكون في موضع مستتر، يأمنفيه (1/34)
صفحة 35
على نفسه لا يراه أه أحد ممن لا يجوز له النظر إليه في وضوئه، ولا إذا قام ليلبس ثيابه، فوضوؤه تام حيث كان في ليل أو نهار.
وأما في موضع منكشف إلا أنه يأمن ألا يمضي عليه احد، لاعتزاله في القرى أو البراري، فقول لا يجوز وضوؤه ولا ينعقد في النهار، وقول ما لم يبصره فيه أحد ممن لا يجوز له النظر إليه في وضوئه حتى توضأ واستتر، تم وضوؤه.
وإن أبصره أحد في حال وضوئه، كان عليه الإعادة حتى يتوضأ ويلبس ثيابه.
وإذا كان في موضع مخاطرة، ليس ي موضع يأمن فيه في النهار، فأكثر ما قيل لا يجوز وضوؤه ولو لم يره أحد.
ويخرج قول أنه ما لم يبصره أحد ممن لا يجوز له حتى أتم وضوؤه، أن وضوءه تام وهو مقصر في ذلك، إلا ان يكون عن ضرورة.
قال ويخرج في الاتفاق إذا كان في الليل، أو في موضع مستتر في النهار، أن وضوءه تام، حينما توضأ على هذا كان في ماء جار، أو إناء، وجانب الماء الجاري وهو عار في سكن أو غيره، ولم يبصره أحد أن وضوءه تام.
وإذا ثبت هذا أن وضوءه بالعراء بمعنى الاتفاق عاريا إذا كان في ستر أو في ليل، إذ هو لباس، فإن ذلك حدّالإثم، لا ن طريق أنه لا يثبت الوضوء عاريا، ولو كان كذلك ما جاز ي ليل ولا نهار، في ستر ولا في غيره، كاللباس في الصلاة حكمه في الليل كالنهار. (1/35)
صفحة 36
فعلى هذا يخرج أن وضوءه تام، ما لم ينظر إليه من يأثم بنظره، ولو كان في غير مأمن ما لم تكن نية في قعوده فيأثم بها.
وإذا ثبت أنه من قبل الإثم خرج في وضوئه الاختلاف، ولا أعلم معنى ينقض الوضوء بمعنى الإثم بغير نظر الفروج، إلا في نقض وضوئه بذلك الاختلاف، ولا يلحقه الاتفاق بما يأثم فيه إلا بالشرك.
وإذاثبت الوضوء عاريا باتفاق واختلاف، فسواء كان قاعدا في الماء أو قائما، إلا أن القعود أحسن في الأدب.
وإذا كان في الماء مستتراً إلى سرته فوضوؤه تام، ولو كان في غير ستر، وقد يكون الماء ستره، ما لم يقرب الناظر إلى القاع، لأن الماء الصافي يصف العورة.
وإن كان كدرا كان ستره، فإذا أبصره أحد عند قيامه إلى ثوبه، كان ذلك حدثا، وفي نقض وضوئه به اختلاف.
ويخرج أنه لا ينعقد وضوؤه حتى يكون في موضع مستتر إلى أن يلبس ثيابه، كما قيل في المجامع في رمضان ليلا، أنه لايجوز له أن يجامع آخر الليل، إلا في وقت يجامع ويغتسل قبل أن يصبح، لأن الواطئ لا يكون خارجاً من أحكام الوطء حتى يخرج بالطهارة منه كالحيض. (1/37)
صفحة 37
الباب الخامس
في ترتيب الوضوء وتعريفه
اختلف في الوضوء للفريضة على غير الترتيب، فقول: يجوز، وقول: مخير لأنه عطف بالواو ولم يعطف بثم، وقول: لا يجوزه إلا على الترتيب، وقول: وضوؤه يتم، وهو آثم إذا أراد خلاف السنة.
اختلف الناس في غسل الأعضاء، فقول: يجوز تقديم ما تأخر ذكره في تلاوة الآية، وقول: لا يجوز إلا على الترتيب.
وفي موضع قال أبو حنيفة: الترتيب في الوضوء غير واجب. لأن الأمر ورد بغسل الأعضاء الأربعة من غير ترتيب، ولا يلزم الترتيب، لأن الواو لا توجب الترتيب، وإنما توجب الجمع.
وأوجب الشافعي الترتيب. واحتج بأن الدليل على أن الواو للترتيب، أن الصحابة قالوا لابن عباس: كيف تأمرنا بتقديم العمرة على الحج وقد قال الله تعالى:"وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للَّهِ"،فقال: وكيف تقرؤون آية الدَّين؟ فقالوا:"مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ". قال: فبأيهما يبدأون؟ قالوا: بالدين. قال: هو ذلك. ففهم الصحابة من الآية ترتيب العمرة على الحج. ولم ينكره عليهم ابن عباس. (1/38)
صفحة 38
واستدل الشافغي على قوله، بأن النبي صلى الله عليه وسلم، لما بلغ الصفا قالت له الصحابة بأيهما نبدأ؟ قال: ابدأوا بما بدأ الله به.
مسألة:
قال أبو محمد: وذهب أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير، ما لم يقصد المتطهر بذلك مخالفة السنة.
والنظر يوجب عندي أن يكون على الترتيب المذكور في الآية. والواو واو النسق.
فإن احتج معارض بقوله:"يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"،فأمر بالسجود قبل الركوع، قيل له: إن التعبد كان على مريم عليها السلام في خاصة نفسها، وكان ذلك التعبد لأهل ذلك العصر، والتعبد علينا خلافه.
ووجه آخر: أن العرب تسمي الركوع سجودا، والسجود ركوعا، قال الله تعالى:"وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب". والركوع هاهنا السجود، أي خر ساجدًا.
وقوله اقتنى: أي تطيع وتسجد، أي تصلي والسجود الصلاة بعينها، وأدبار السجود أي أدبار الصلاة. واركعي أي اشكري مع الشاكرين. ومنه قوله:"وَخَرَّ رَاكِعًا".أي سجد شاكرا. وفي الحديث إنها سجدة شكر. (1/39)
صفحة 39
مسألة:
وعن حجة من قال بالترتيب ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه توضأ، فغسل وجهه ويديه، وباقي أعضاء الوضوء على الترتيب، ثم قال: هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به، فأشار إلى وضوء مرتب.
وفي موضع أن هذا غلط، لأن الحديث الذي ذكر فيه هذا اللفظ لم يذكر فيه الترتيب، فليس يمنع أن يكون قد بدأ ببعض دون بعض.
ومن ادعى أنه فعله مرتبا لم يمكنه إثبات ذلك، ولو ثبت لكان إشارة إلى الوضوء الذي هو للغسل دون الترتيب.
وعن الربيع: ومن تعمد لتقديم بعض وضوئه على بعض فليعده، وإن نسي فلا بأس.
وروي عن عليّ أنه قال: لا أبالي بأيّ أعضائي بدأت به إذا أتممت الوضوء.
قال أبو الحسن: لا بأس على من ندم وضوء شيء على شيء.
مسألة:
أجمع الناس على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه في الوضوء. فقد دل الإجماع على جواز ترك الترتيب في الوضوء. والله أعلم.
وفي موضع، فإن غسل الشمال قبل اليمين، أو الرجل قبل الرأس، أوقدم جارحة قبل الأخرى لم يفسد وضوؤه، ولا يؤمر بذلك. (1/40)
صفحة 40
مسألة:
ويكره أن يكون الوضوء متفرقا، لأن من نقل كيفية الوضوء عنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر أنه فرق وضوءه. ولا أعلم أن أحدًا نقل خبر الوضوء إلا في موضع، والنبي صلى الله عليه وسلم مقتدى به في قوله وفعله.
ومن زعم أن تفرقة الوضوء جائزة صعب عليه إقامة الدليل.
مسألة:
وفي كتاب الأشراف: واختلفوا في تفريق الوضوء والغسل، فقول لا يجوز حتى يتبعه، وقول يكره تفريقه. واختلفوا عن مالك فيه. وقول لا يرى بتفريقه بأسا، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: إن اشتغل المتوضئ بأسباب وضوئه من الماء أو نحوه حتى جف وضوؤه أو لم يجف، أن ذلك سواء، وهو تام ويبني عليه. وإن كان لغير وضوء وبقي على أعضائه منه شيء حتى جف ما مضى أن عليه إعادة ما مضى مع ما بقي على هذا.
وقول: إنما عليه وضوء ما بقي من أعضائه، ويبني على ما مضى على كل حال، قال وكان يعجبني هذا لثبوته عملا. ولعل الأول أكثر. والله أعلم.
مسألة:
فيمن توضأ بعض وضوئه، ثم اشتغل بغير أمر وضوئه حتى جف، فقول (1/41)
صفحة 41
يبتدئ إذا كان بغير عدد، وأحسب قولا يبني، ولعله قلما يوجد إلا على معاني إجازة ذلك.
وقيل في الذ يتةضأ ويترك رجليه حتى يأتي المسجد فيغسلهما فيه: فقول إن ذلك جائز، جف وضوؤه أو لم يجف وقول لا يجوز إذا جف ويعيد. (1/42)
صفحة 42
الباب السادس
في النية للوضوء وأحكامها
النية فرض في الوضوء، وفي أعمال الطاعات كلها. وإنما تصير الأفعال طاعة بالنية، وعدم النية في الوضوء. يخرج الفعل من أن يكون طاعة، وما ليس بطاعة فهو من أن يكون فلرضا أبعد.
والوضوء فرض، وشروط أدائه وجود النية فيه. والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: الأعمال بالنيات، فإذا لم تكن النية فلا عمل.
مسألة:
فإن عارض من قال بثبوت الأعمال بلا نية، فقال: أخبرونا عن نية الفرض، أهي فرض فتحتاج إلى نية، أو ليست بفرض فيجوز تركها؟ فالجواب أن الأمر فيها عند إيقاع الطاعات، وأداء المفترضات ابتداء، فإذا حضرت النية لذلك صح الفعل بها.
ولا يلزم للنية نية، فيلزم للنية الثانية نية، فإن ذلك يبطل الطاعة اشتغالا بتجديد النية وخروج الوقت.
مسألة:
ومن الحجة بوجوب النية، أنها قد تقع تارة تطوعا، وتارة فرضًا، فلا بد من نية يميز بها بين طهارة الفرض والتطوع. فإن قيل هذه نية التمييز لا الطهارة، قيل له: بل هي نية الطهارة. (1/43)
صفحة 43
وإنما قلنا إنها نية مميزة للفرض من النفل، إذ كل واحد منهما فعل وحكم يعرف بها. فلا يثبت ذلك إلا بوجوبها. فلذلك كانت مميزة بينهما. وكل شيء فصل بين فعلين أو شيئين، أو حكمين سمي مميزًا والله أعلم.
مسألة:
الضياء –قال أبو محمد أجاز بعض أصحابنا الطهارة بغير نية إذا أتى بصفة الفعل المأمور بها، وأثبتها له.
قال أبو محمد: وأظن أصحاب هذا القول يذهبون إلى أن الأمر بالنية من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ترغيب لهم في نيل الثواب. كقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، فلما كانجار المسجد إذا صلى في غير المسجد مؤديا الفريضة بإجماع الأمة كان كذلك كذلك قوله: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه. إنما أراد تضعيفًا لثوابه.
فعندهم أن هذا منه صلى الله عليه وسلم حث وترغيب لأمته فيا يشرف أعمالهم.
مسألة:
قال: والذي نختاره نحن أنه لا يكون متطهرًا لوضوء صلاة، أو لغسل جنابة إلا بنية وقصد، لأن الوضوء فريضة. والفرائض لا تؤدى إلا بإرادات.
قال: وفي الأثر من توضأ وضوءًا لصلاة ولم يحضر نية، قال عمر بن الفضل إذا احكم وضوءه وحافظ عليه، وحضرت الصلاة فليصل.
قال أبو محمد: هذا قول العراقيين، والمسلمون يذهبون إلى خلاف قولهم
في هذا، فإن شذّ واحد من أصحابنا ووافق مخالفينا فقوله مردود متروك، والله أعلم.
وعن محمد بن المسبح: أن من توضأ بالماء أجزأه للصلاة وإن لم ينو، كذلك عن عزان بن الصقر، فإذا أتى بجميع الوضوء وفعله معتقدًا أداءه أجزأه للصلاة، ولو لم يحضر نية.
قال المصنف: هذا يصح على قول: إذا قصد الوضوء الذي يستحب للمؤمن أن يكون عليه، كأنه نوى به طاعة.
وقول الشيخ أبي محمد يخرج عندي فيمن توضأ ساهيًا لم ينو شيئًا. والله أعلم.
مسألة:
وفي موضع من الضياء، أن من حكم وضوءه، ولم ينو به صلاة ولا قراءة ولا ذكرا، فإنه يصلي به الفريضة. ولكن إن لم ينو به بابا من أبواب البر، ولا الطهارة بعينها وأهمل النية، وتطهر بغير نية، ثم صلى به الفريضة فعليه الإعادة. (1/44)
صفحة 44
مسألة:
الاشراف –كان مالك والشافعي وأحمد يقولون: لا يجزئ وضوء من لم ينو الطهارة.
قال اصحاب الراي يجئ الوضوء بغير نية، ولا يجزئ التيمم إلا بنية. (1/45)
صفحة 45
_وفي قول الشافعي إذا توضأ ينوي الطهارة من حدث أو طهارة لصلة فريضة أو نافلة أو قراءة قرآن، او صلاة على جنازة، فله أن يصلي به المكتوبة.
قال أبو سعيد: نوافق قول أصحابنا على أنه لا تجوز الاعمال إلا بالنيات وأن الوضوء عمل مما يلزم فيه النية مع العمل. وقد أتى فيمن توضأ الوضوء الكامل إلا أنه لم ينو به الوضوء اختلاف.
فقول إنه وضوء لثبوت العمل مع تقدم النية، لأن المؤمن متقدم بنية أداء المفروضات عليه وعمل الطاعات، وقد كان منه العمل الذي هو إيمان، ولن يضيع إيمانه لنسيانه إحضار النية عند الوضوء، فإن ذكر ذلك فصرف ذلك العمل إلى غيره ولم يعتقده، او اعتقد غيره، لم يثبت العمل في ذلك وينعقد الوضوء.
و أما من توضأ لغير الفرائض، مما لا يقوم إلا بالوضوء، فقول إنه لا يصلي به الفرائض لأنه ليس بفرض، والفرض لا يقوم إلا بالفرض. وقول إنه يصلي به إذا حفظه.
وأما التيمم فيخرج مخرج الوضوء إذا وقع موقعه، حيث ينعقد التيمم.
وإنما ينعقد التيمم عند عدم الماء وحضور المخاطبة، وبلوغ الإجازة في الحد الذي يكون مظهرا، فإذا وقع ذلك التيمم في هذه الحال، أخرج عندي مخرج الوضوء، لثبوت نية المؤمن المتقدمة، وأنه لا يضيع عليه إذا وقع موقعه في موضعه. (1/46)
صفحة 46
مسألة:
ومن أراد الطهارة اعتقد النية في نفسه قبل أن يتمضمض، أنه يتطهر لصلاة كذا. وإن قال بلسانه أتطهر الساعة أصلي به كذا فهو أحسن. والله أعلم.
مسألة:
ومن نوى فتوضأ ثم غبت نيته أجزأته واحدة.
فإن قيل: فإن كان الوضوء عندكم لا يجزئ إلا بنية، فلم لا يحتاج الإنسان إلى دوام النية، إلى أن يفرغ من الفرض؟ قيل له: هذا ما لم يمكن، وتلحق فيه مشقة.
ألا ترى أن الصوم لا يجزئ إلا بنية، ثم ينسى صاحبه وينام ويأكل ناسيًا، ولا يضره ذلك.
وكذلك لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بنية، ثم قد ينسى ويسهو، ولا يضره ذلك إذا عرض له ما ذكرنا بالاتفاق، ولأن استدامة ذلك إلى أن يفرغ من الفرض يشق ويؤدي إلى بطلان الفرائض. والله أعلم.
مسألة:
ومن غسل بعض جوارحه ثم نواه للطهارة، وبنى على مسحه لم يجزئه، لأنه قدم عمله على نيته، ولا تجوز الطهارة إلا بتقديم النية بأسرها.
وفي موضع: ومن توضأ لفريضة، فلما صار في بعض وضوئه، اعتقده لفريضة ثانية، فعن أبي الحسن: من لم يتم وضوءه لما اعتقده جاز ذلك.
وعن أبي سعيد: إذا حفظ وضوءه بعد ما فرغ لصلاة ثانية، أنه يصلي به حتى يعلم أنه انتقض على قول.
مسألة:
وإن علّم رجلا كيف يتوضأ، ولم ينو به إلا التعليم، وأجرى هو الماء على مواضع الوضوء، فقول: يحفظه ويجزئه ويصلي به لأنه من البر.
مسألة: وقد جاء الاختلاف في الوضوء والنية، فقول لا يجزئ اعتقاد الوضوء لصلاة إلا مع ابتداء الوضوء لصلاة أو صلوات، ثم يصلي به ما نوى حتى يعلم أنه انتقض.
وقول، ولو لم ينو صلاة معروفة. فإذا علم أنه لم ينتقض صلى به، وقول لا يصلي به إلا ما نوى أن يصلي به، وقول يجزئه الاعتقاد ما لم يتم وضوءه كله، ولو بقيت جارحة فإذا فرغ لم يجزئه الاعتقاد. (1/47)
صفحة 47
وقول يصلي به، ما لم يصل الصلاة التي نواه لها أو في دبرها، ما لم يهمل وضوءه، وأجزأه أن يعتقد لصلاة بعد صلاة في وقت واحد أو أوقات مختلفة.
وقول، إذا اعتقد وضوء الفريضة فإنه يصلي به، ما لم يعلم أنه انتقض، وإن نوى صلاة بعينها فكما مضى من الاختلاف. (1/48)
صفحة 48
وقول ولو توضأ لنسك أو لشيء من الطاعات، فإنه يصلي به الفرائض وغير ذلك، حتى يعلم أن وضوءه انتقض، قال وكل هذا من قول المسلمين، ويخرج على الحق.
وعن الصلت بن مالك عن منذر عن سليمان بن عثمان: أن من توضأ وضوءًا لم يرد به صلاة، فحضرت الصلاة فصلى فجائز.
وفي موضع –ولو توضأ ليكون طهورًا، كان ضربا من الطاعات وكان وضوءًا معتقدًا.
مسألة:
وأما إن غسل جوارحه فأسبغها غسلا، ولم يرد به وضوءًا ولا غسلا لشيء من الطاعة، فلا يقع ذلك موقع الوضوء. إلا أنه قال: إن صلى بهذا الوضوء فصلاته تامة. ويؤخذ ذلك عن محمد بن محبوب.
وقول: لا صلاة إلا بوضوء، وليس ذلك بوضوء، إلا أنه طهور وقول لا صلاة إلا بطهور وقد وقع ذلك في المعنى.
مسألة:
وغسل النجاسة لا يحتاج إلى نية، وإنما هي إزالة النجس. فإذا زالت فقد طهرت. وإنما أمر الإنسان أن يعتقد الطهارة لرفع الأحداث فإذا اعتقد رفع الأحداث صار طاهرًا لما توقع من الصلوات. (1/49)
صفحة 49
مسألة: وعن بشير: أن اللرجل إذا اغتمس في الماء حتى ترطب بدنه كله، أنه نوى به وضوء الصلاة أجزأ.
مسألة:
ومن تطهر للنافلة جاز له أن يصلي به الفريضة. الدليل عليه أنه لم يوجب عليه أن يصمد، لعله أن يقصد بالطهارة صلاة بعينها، وإنما امر أن يعتقد الطهارة لرفع الأحداث، وإذا اعتقد رفع الأحداث صار طاهرا بما يوقع من الصلوات. فإذا أتى بكمال الطهارة فقد حصل طاهرا عند اعتقاده رفع الأحداث، وإذا كان هكذا جاز له أن يصلي بها ما يشاء إلى أن يحدث.
ودليل آخر: أن اللإنسان لا يخلو من أن يكون طاهرا عند تطهيره، أو باقيًا على حدثه. ولا يجوز أن يكون طاهرًا من جهة، محدثًا من جهة، فحصول الطهارة ترفع الأحداث، وإذا كانت الأحداث مرتفعة فالصلاة مقبولة.
مسألة:
ومن توضأ لنافلة أو لنسك أو لقراءة في مصحف أو لجنازة او لسجود قرآن أجزأه أن يصلي به فريضة، وهذا باتفاق فيما علمت. والله أعلم. (1/50)
صفحة 50
الباب السّابع
ما يستحب في الوضوء من الكلام
والكلام المستحب قوله على الوضوء شيء مختلف، غير أن الذي عليه أصحابنا أن يذكر اسم الله تعالى عند الوضوء، وينوي به الصلاة المفروضة ولا يقول غير ذلك.
مسألة:
وقيل إذا تمضمض قال: اللهم طهر فمي من الكذب والخيانة، وإذا استنشق قال: اللهم أوجدني رائحة الجنة وأنت راض عني.
مسألة:
وإذا غسل وجهه قال: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسود وجهي يوم تسود وجوه أعدائك.
مسألة:
وإذا غسل يمينه قال: اللهم أعطني كتابي بيميني، ويسر عليَّ حسابي، وإذا غسل شماله قال: اللهم إني أعوذ بك ألا تعطيني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري.
مسألة:
وإذا مسح رأسه قال: اللهم عمني برحمتك. وأنزل علي بركتك، اللهم جللني برحمتك. (1/51)
صفحة 51
قال محمد بن المسبح: اللهم توجني بتيجان رحمتك في جنتك.
وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مسح برأسه خرجت خطاياه من بين أذنيه.
مسألة:
وإذا مسح أذنيه قال: أسمعني زبور داود في جنتك، وقيل، اللهم أسمعني فتح أبواب الجنة.
قال أبو الحواري: اللهم احس سمعي وبصري إيمانًا بك.
ويستحب أن يمسح رقبته ويقول: اللهم ذنبا مغفورا وسعيًا مشكورًا وعماً مقبولا، ويقول: اللهم فك رقبتي من النار والغل يوم القيامة.
مسألة:
فإذا مسح قدميه قال: اللهم ثبت قدمي على صراطك المستقيم، وثبتني بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، اللهم إني أعوذ بك من غضبك يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام. فإذا فرغ من الوضوء يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني صبورًا شكورًا، واجعلني لأذكرك كثيرا وأسبحك بكرة وأصيلا.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: من قال حين يفرغ من وضوئه، رافعًا رأسه غلى السماء: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا الله، أستغفرك وأتوب إليك. ختمت بخاتم، وفي موضع كتبت في ورق ثم رفعت تحت العرش، ثم لم تكسر إلى يوم القيامة. (1/52)
صفحة 52
وعنه عليه السلام يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: باسم الله، والحمد لله، فإن حافظيك لا يستريحان، يكتبان لك الحسنات، حتى ينقضي وضوؤك، ويحدث من ذلك الوضوء.
وفي موضع إذا فرغ من وضوئه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، ومن عبادك الصالحين.
وقيل إنه إذا قال ذلك تفتح له أبواب الجنة فيدخل من أيها شاء يوم القيامة. وإن زاد فأفضل، وهذا شيء يستحب، وليس بواجب. (1/53)
صفحة 53
الباب الثامن
في ذكر اسم الله عند الوضوء
اعلم لكل شيء مفتاحا، ومفتاح الوضوء اسم الله. لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على ضوئه، وأنه كان يأمر بذلك ويفعله.
فإذا أراد الوضوء بدأ فقال باسم الله، قبل أن يشرع يده في الإناء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه.
فإذا قال المتوضئ باسم الله تطهر جسده كله. وإذا لم يسم لم يطهر إلا ما مسه.
وقال بعض: من لم يسم وأسبغ وضوءه لم يطهر جسده. وقد كان بعض الفقهاء يعيد الوضوء إذا نسي أن يسمي.
مسألة:
والذكر على ضربين، ذكر باللسان وذكر بالقلب، فذكر اللسان يتبع ذكر القلب.
فمن ذكر الله تعالى بقلبه، فقد ثبت ذكر الله، لأن الوضوء فريضة لا تؤدى إلا بالإرادات، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون المتوضئ، قاصدًا لإنفاذ العبادة، لأنه لا يكون خارجًا مما تعبد به ولم يقصد فعله.
وقول إن قوله صلى الله عليه وسلم: لا وضوء يريد لا كمال وضوء، ولا فضيلة وضوء، لمن لم يذكر اسم الله عليه.
وكذلك قول عمر: لا إيمان لمن لم يحج. يريد: لا كمال إيمان. والناس (1/54)
صفحة 54
يقولون: فلان لا عقل له، يريدون ليس بمستكمل العقل، ولا دين له، أي ليس بمستكمل الدين.
مسألة:
في كتاب الأشراف: اختلف أهل العلم في وجوب القسمية عن الوضوء، فاستحب كثير منهم أن يسمي اللهَ المرءُ في ابتداء وضوئه. وقول الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، إن تركها عامدًا فلا شيء عليه.
قال إسحاق: إذا تركه ساهيًا فلا شيء عليه. وإذا تعمد عاد. قال أبو بكر: فلا شيء عليه.
قال أبو سعيد: أما ثبوت الطهارة للصلاة. فذلك مما لا يدافع. وثبوت ذلك من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع. لعله الأمة، إلا من شذّ في غير ترك. إلا المخالفة في شيء لا حجة له فيه.
وأما ترك القسمية على الوضوء، فاختلف في انعقاد الوضوء. مع صحة الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بذلك وفعله. ومع صحة ذلك عنه، ولا يبعد ألا ينعقد إن كان واجبًا.
وإن كان أدبًا فقد ينعقد على تركه. ولم يأت فيه خبر. أنه أمر وجوب. فلعله من أجل ذلك اختلف فيه.
مسألة:
فمن ذكر الله تعلية على وضوئه وأراد به الله، فقد ذكر اسمه. وهذا لقول عنه صلى الله عليه وسلم تأكيد على النية. (1/55)
صفحة 55
مسألة:
وإن ترك اسم الله عند وضوئه.
وقول: قد أساء ولا نقض عليه، وقول تركه على التعمد ينقض الوضوء إذا كان ذلك على القصد إلى مخالفة السنة.
ولعله يخرج على التعمد. إذا تعمد لترك ذلك. لأن ذكر اسم الله قد جاء فيه التأكيد، أن يكون فاتحة لكل شيء من الطاعة.
وأحسب أنه يخرج معنى فساد وضوئه بترك اسم لله إذا لم يقصد بوضوئه لله على ما خوطب به من التعبد. فهو ذلك الترك وهو حسن.
وقد يخرج العذر في النسيان للقصد إلى ذلك مع تقدم النية في جملة التعبد. والله أعلم.
مسألة:
قال: ولا نعلم شيئًا من الطاعة. وأمر الحلال إلا مؤكدا من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الله تعالى. وهو اهل لذلك. وكل شيء لم يذكر فيه اسم الله ولا عليه فلا يرجى له معنى صلاح ولا يدرك به معنى نجاح ولا فلاح. والله أعلم. (1/56)
صفحة 56
الباب التّاسع
في غسل الكفين عند الوضوء
ويجب للمتطهرين من حدث النوم ألا يدخل يده في الماء حتى يغسلها ثلاثًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده. وفي خبر: أين جالت يده. وفي خبر: أين طافت يده.
وهذا عندنا على الندب لا على الفرض. ويدل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يدري أين باتت يده منه، إشفاقًا أن تكون قد وقعت على موضع نجس ن بدنه. وهذا كان قبل وجوب الاستنجاء بالماء.
وقد خالفنا في تأويل الخبر داود ومتبعوه، وذهبوا إلى أن غسل اليد فرض على من قام من النوم، واحتجوا بظاهر الخبر. وليس ذلك بواجب على من لم يقم من النوم بإجماع.
وعن أهل الظاهر: أن غسل اليدين ثلاثًا واجب، وإن يقم من النوم. واحتج من قال بهذا بما روي عن العشري (1) أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فاستوكف ثلاثًا، فقيل له ما معنى استوكف ثلاثًا، قال غسل كفيه ثلاثًا.
وقال أحمد بن حنبل: غسل اليدين ثلاثًا واجب إذا قام من نوم الليل، ولا يجب من نوم النهار. قال هاشم: أول الوضوء يفاض على الكفين.
__________
(1) كذا في الأصل. (1/57)
صفحة 57
مسألة:
احتج من لم يوجب غسل اليدين من قومنا بأن الله تعالى أمر بالوضوء والاغتسال، ولم يذكر غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء. ومما روى أيسر (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في بعض أسفاره فعازهم الماء. فأتى بوضوء فتوضأ الناس م عند آخرهم، وفي هذا الخبر فوائد:
إحداهما: أن غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء غير واجب، لأنه لم يفعله ولا أمرهم به، ولو كان فعله لنقل إلينا.
والثانية: أن الماء المستعمل لا يجوز به الوضوء. ولو جاز لكان يدفع إلى كل رجل منهم ما يوضئه، ثم ما توضأ منه يدفعه إلى صاحبه.
والثالثة: أنه يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة. لأنه عليه السلام، قد كان يحمل معه النساء، ولم ينقل أنه ميز بين الرجال والنساء في الماء.
والرابعة: أن ما يتوضأ به من الماء ويغسل ليس له حد واجب. لأنه عليه السلام لم يدفع إلى كل رجل منهم مقدارًا معينًا من الماء. فدل على أن التقدير فيه غير واجب.
والخامسة: أن هذا الخبر يدل على معجزة عليه السلام، لأنه وضأ الناس الكثير بالماء القليل، كما أطعم الخلق الكثير من الزاد القليل.
__________
(1) كذا في الأصل. (1/58)
صفحة 58
مسألة:
من كتاب الأشراف-واختلفوا في الماء تدخل فيه اليد قبل الغسل، إذا انتبه من النوم، فقال الحسن البصري: يهريق ذلك الماء.
وقال أحمد، أعجب إلى تهريقه، إذا كان من قيام الليل، والماء طاهر لايهراق في قول عطاء ومالك والشافعي.
واختلفوا في المستيقظ من نوم النهار: ففي قول الحسن البصري، هما واحد في غمس اليد، وسهّل أحمد في نوم النهار.
قال أبو سعيد: معنى أن غسل اليد من سنن الوضوء في الأدب، إلا أن تكون نجسة، ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل اليد قبل أن تدخل في الإناء عند الوضوء، ولو كان ذلك واجبا، ما لحق الماء عندنا فساد، إلا بصحة فساد اليد بصحة طهارة الماء حتى نعلم أنه نجس، ولو كان التارك لذلك مخالفا للسنة. أنه لو ثبتت واجبة، أو كانت أدبا، فلا عليه في فساد الماء، والله أعلم. (1/59)
صفحة 59
الباب العاشر
في المضمضة والاستنشاق
المضمضة تحريك الماء في الفم وضغطه، وأصله من المض وهو الضغط. يقال مضه هذا الأمر ومضمضه إذا ضغطه. وهما ضادان، أدغمت إحداهما في الأخرى فشددت، فإذا أظهروها خففوها. وهما كما نقول: خل وخلخل، ورد وردد. فكأن المتمضمض يضغط الماء بتحريك له في فيه مبالغة في التنقية.
والمصمصة بالصاد: غسل الفم بطرف اللسان.
مسألة:
والاستنشاق هو الاستنثار، وهو أن يجعل الماء في انفه، لأن الأنف عند العرب النثرة. واستنشق الريح: أدخلها في أنفه. ويقال تنشق إذا أدخل في أنفه.
قال الشاعر:
ومُغْتَرِبٍ بِالمَرْخِ يَبْكِي لِشَجْوِه
وَقَدْ غَابَ عَنْهُ المُسْعِدُونَ عَلَى الحب
إِذَا مَا أَتَاهُ الرَّكْبُ مِنْ نَحْو أَرضهَا
تَنَشّقَ يَسْتَشْفِي بِرَائِحةِ الرَّكْبِ
وأصل الاستنشاق: الشم، كأنه إذا أدخله في أنفه فقد شمه. قال جرير:
قَالَتْ فَدَتْكَ مُجَاشِعٌ وَاسْتَنْشَقَتْ
من مِنْخَرَيْهِ عُصَارَةَ الكَافُورِ (1/60)
صفحة 60
استنشقت: معناه شممت. وهو من التشوق وهو دون السعوط، وهو أن يجذب الدهن بالريح والنفس. والله أعلم.
مسألة:
والمضمضة والاستنشاق سنتان لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة، إذا توضأت فأسبغ، وإذا استنشقت فأبلغ، إلا أن تكون صائما فارفق. وقوله لغير لقيط: ضع في أنفك ماء ثم استنثر، فيجب امتثال أمره.
مسألة:
أجمع أصحابنا على أنهما فرض في غسل الجنابة، وفي الطهارة للصلاة سنة.
الدليل على صحة ذلك: ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعلهما للجنب ثلاثا فريضة، وبه يقول أبو حنيفة.
وفي موضع وتنازعوا في الاستنشاق. قال قوم واجب، ولا تصح الطهارة إلا به. واحتجوا بالخبر.
وقال قوم غير واجب. واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم للسائل عن الوضوء: توضأ كما أمرك الله، فرد ذلك إلى القرآن.
قال المصنف: والنظر عندي يوجب وجوبهما، لأن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر، فهو أمر عن الله. وإذا صح الأمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجب فعلهما، حتى تقوم دلالة على غير ذلك.
وعن بعض مخالفينا بوجوب فرضهما. (1/61)
صفحة 61
[صفحة لم ترقن] (1/62)
صفحة 62
[صفحة لم ترقن] (1/63)
صفحة 63
وعن سفيان قال: إفرادهما أحب إليّ. وعن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمضمض ويستنشق من غرفة واحدة.
قال غيره: نعم إذا بقي من الماء شيء يجزئ في الاستنشاق. (1/64)
صفحة 64
الباب الحادي عشر
في غسل الوجه للوضوء
الوجه في لغة العرب ما واجه به الإنسان. لأن العرب لا تعقل الوجه إلا ما ظهر لها وواجهها، وإنما خوطبت بما تعرفه من لغتها. فإن قيل مقدم الأذنين مواجه بهما، قيل له الأذن، وإن واجه بها الإنسان، فلا تعرفها الناس وجها ولو كانت وجها لأنها مما يواجه به لكان الصدر إذن يجب غسله مع الوجه لأنه مما يواجه به.
وفي موضع هذا غلط. فإن الوجه ليس مأخوذا من المواجهة أو الرأس إلا بدليل.
ويقال: وجه ووجوه وأوجه بالهمزة، على أن الهمزة بدل الواو المضمومة لقوله تعالى:"وَإِذَا الرُّسل أُقِّتَتْ".معناه: وُقتت، الهمزة بدل الواو.
ويقال: وجوه وأوجه، ووسادة وإسادة.
مسألة:
والوجه المأمور بغسله، هو المأمور بمسحه عند التيمم، ولا أعلم اختلافا.
وحد الوجه من أعلاه منتهى تقبض وجهه عند الاستكمال من رأس الأقرع أو من أرفع شعر وجهه. وأما من شعره في أماكنه فحد وجهه إلى شعر رأسه.
وحده من أسفله إلى ذقنه، ثم يعم بالماء ما خرج من شعر لحيته إلى أذنيه. (1/65)
صفحة 65
وإنما انتهينا بذكر الغسل إلى الأذنين للاختلاف بين الفقهاء في منتهى الوجه إليهما، أو إلى دونهما، وقول: إليهما. وقول: مقدمهما من الوجه. وقول إن المنسأ ليس من الوجه، وهو ما بين الأذن وصفحة الوجه. وقول إلى العظم الثاني دون الأذن.
محمد بن محبوب في الافتضاض: الدليل على أن حد الوجه المفترض غسله من أول منابت شعر الرأس إلى أصل الأذن. قوله تعالى:"قَدْ نَرَى تقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء".وليس الكشا (1) من الشعر عن مواضعه بزائد في فرض طهارته. قال ولا أعلم خلافا أن المتيمم لا يجب عليه تخليل لحيته، ولا يؤمر بذلك استحبابا، واتفاقهم على أن تارك ذلك مؤد لفرضه، ماسح لجميع وجهه، دليل على أن اسم الوجه غير لاحق بالموضع الذي يواريه شعره.
وغسل موضع اللحية واجب، لأنه مواجه به، إذا لم يكن هناك شعر، فإذا ظهر فيه شعر فستره ولم يمكن وصول الماء إليه إلا بماء جديد، وذلك شديد، لم يجب غسله، لأن اسم وجه قد زال عنه.
مسألة:
أبو سعيد في الرجل إذا أخذت لحيته شيئا من وجهه، هل عليه أن يدلك الشعر المتصل من اللحية بوجهه حتى يصل الماء إلى الجلد؟ قال معي: أن ذلك عليه في جميع ما كان من وجهه، كان فيه شعر أو لم يكن. قيل: فعليه أن يبل الجلد من تحت لحيته من غير الوجه.
قال: بعض يقول ذلك. وقول، تمسح اللحية من فوق الشعر.
__________
(1) كذا في الأصل. (1/66)
صفحة 66
مسألة:
قال أبو الحسن: يستحب تخليل اللحية، وترطيب ظاهر اللحى الأسفل. روى أنه قال صلى الله عليه وسلم: أمرني جبريل عليه السلام أن أغسل العتيك وهو طرف اللحى [الأسفل].وقول: ليست اللحية من مواضع الوضوء، إلا أنه يستحب تخليلها، فإن لم يفعل فلا نقض وكان بعضهم يخلل ما يلي الوجه منها.
وكان الربيع يخلل لحيته في الوضوء للصلة، وكان وائل يمسحها بيده ولا يخللها.
مسألة:
قال أبو محمد: وليس عندي ما قاله أصحابنا في إيجاب تخليل اللحية، ولا قول من أمر به استحبابا، ومن فعله فهو عندي غير ملوم، ومن تركه فليس بآثم.
وفي موضع: أجمعوا على أن اللحية لا تخلل بالتراب عند الطهارة به، فيجب أن تكون عند الطهارة بالماء لا تخلل أيضا، وهما طهارتان فكيف افترقتا؟
مسألة:
ويؤمر أن يمسح وقد يرطب موضع العتيك وهو ظاهر اللحى الأسفل من اللحية.
وليس على الناس أن يخللوا الحاجبين، ولا العنفقة، ولكن يجري عليهما الماء. وكان بعض يخلل الذقن وهو الموضع الذي فيه الشعر أسفل من العنفقة. وكان سليمان بن عثمان يخلله. (1/67)
صفحة 67
مسألة:
وليس من توضأ أو اغتسل أن يتعمد لفتح عينيه ولا لتغميضهما، ولكن يرخيهما إرخاء ليبلهما الماء. وقول: من توضأ ولم يفتح عينيه، فإنه غير محكم للوضوء، فإن عركهما حتى يدخلهما الماء فقد اجزأه.
قال محمد بن المسبح: إن أن يكون جنبا فيبلهما بالماء. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أشربوا عيونكم الماء لعلها لا ترى نارًا حامية.
قال أبو محمد: غن صح الخبر فهو على الندب، للإجماع على إجازة مسح من لم يشربهما، ولم يخلل الأصابع. ولولا الإجماع لوجب فرض العمل بذلك ند من يثبت الخبر. والله أعلم.
مسألة:
ويكره لطم الوجه بالماء عند الطهارة. وفي حديث عمر، أنه كان يسن الماء سنا في الوجه، أي يصبه. يقال: سننت الماء على وجهي إذا صببته عليه، ويقال سننت أيضا أيضًا بالسين والشين.
مسالة:
قيل لهاشم في طهور الوجه، قال كان موسى يقول: اعرك الذقن، اي خلل شر الذقن حتى تبتل اصوله. وكان يقول الذقن واللحية. قيل له: فالعارضان يخلل شعورهما؟ قال: ما رأيت أحدًا يصنع ذلك إلا منير. (1/68)
صفحة 68
وروى لهاشم الثقة بمحضر منى: أن أبا بكر الموصلي لم يجز تخليل الذقن ولا العارضين، غير أنه إذا كان يغسل وجهه أجرى يده بالماء على لحيته.
ورأيت هاشمًا يمدح أبا بكر في مجلسه ذلك بحسن الرأي. (1/69)
صفحة 69
الباب الثاني عشر
في غسل اليدين عند الوضوء
وغسل اليدين في الوضوء بعد الوجه واجب إلى المرفقين لقوله تعالى"وَأَيْدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ".فإن قيل: لم أوجبتم غسلهما إلى المرفقين وهما حدان، والحد لا يدخل في الحكم المذكور؟ قيل له اعتبرنا قوله إلى المرافق، فوجدنا الحد يدل على معيين: أحدهما لا يكون داخلا في حكم المذكور، والآخر يدخل فيه، وهو غسل اليدين، ورأينا المحدودات على ضربين، فحد من جنس المحدود، وحده داخل فيه. ومحدود إلى غير جنسه، فحده لا يدخل فيه. فالذي لا يدخل في جنسه، وهو ما قال الله "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُم"أي مع أموالكم. وقوله: "مَنْ أَنْصَارِيَ إلَى اللهِ".أي مع الله.
قال الشاعر:
يشُدُّ أَبْوَابَ ( ...... ) (1) بِضُمَّرٍ ... إِلى عُنَنٍ مُسْتَوْثِقَاتٍ الأَوَاصِرِ
أي يشدون خيلهم بأقبيتهم، وكذلك يفعل الفرسان. والضمر الخيل، والعنن جمع عنة، وهو كنيف من شجر يعمل للفرس، توقى به من الريح والبرد والحر. والأواصر، الأواحي وكل ما تشد به الفرس فهو إصر، وأحية وأري.
مسألة:
وأما المحدود إلى غي جنسه، فحده لا يدخل فيه. وهو قوله،"ثُمَّ أَتِمُّوا
__________
(1) كلمة غير مفهومة. (1/70)
صفحة 70
الصِّيَامَ إِلى اللّيْلِ".فذلك حد وانتهاء. وقوله "نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدً" نفذلك انتهاء
مسألة:
فلما كان المرفقان حدين من جنس واحد، وجب أن يدخلا معه في الغسل، وأيضا فإن غسل المرفقين مع اليدين واجب بإجماع الأمة. وهو أقوى حجة عند النظر.
مسألة:
وإذا مسحت اليمنى على الشمال علوًا فهو القبيل، وإذا مسحت اليمين على الشمال سفلا فهو الدبير. والله أعلم.
مسألة:
كتاب الأشراف-واختلفوا في وجوب غسل المرفقين مع الذراعين. فقول يجب ذلك وعن زفر لا يجب.
أبو سعيد، لعل فيه اختلافًا، فأحسب قولا لا غسل على المرافق معناه أنهما غابة من الذراعين لقوله إلى المرافق كقوله إلى الليل.
ومعنى من قال بغسلهما كقوله:"لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلى أَمْوَلِكُم".يعني مع أموالكم (1/71)
صفحة 71
ولعله قد قيل، يستحب غسل ما بعد المرافق بغير وجوب.
مسألة:
وإذا كان في يد الرجل خاتم لا يدور، ثم توضأ وصلى فإن عليه البدل. والله أعلم.
مسألة:
ابو محمد. وتخليل الأصابع في المسح غير واجب بإجماع، وإن كان اتصال الماء إلى مواضع التخليل واجبا، ففي هذا دليل على ان ما أصابه الماء من مواضع الوضوء والتطهير من الجنابة إذا لم يمر الإنسان يده عليه بالماء يجزئه إذا جرت اليد على الأكثر منه، في قول من يرى إمرار اليد مع الماء واجبا في الطهارة. (1/72)
صفحة 72
الباب الثالث عشر
في مسح الرأس في لوضوء
قال الله تعالى:"وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم".وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ثلاثا، ومن طريق ابن مسعود أنه عليه السلام، مسح رأسه مسحة واحدة، ولا يجوز لماسح رأسه في الوضوء إذا حمل الماء بكفيه أن ينفضه منها. فمن فعل ذلك لم يجزئ عن المسح. والله أعلم.
مسألة:
وتنازع الناس في مسح الراس، وقيل يمسح جميعه، وقول أقل القليل منه مالم ينقص عن مقدار ثلاث شعرات وبه يقول الشافعي. وقول بالثلث وبه يقول مالك.
وقول بالربع. وقول بالناصية. والناصية مقدم الرأس.
وعن الفراء في قوله،"لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة":أي لنسودن وجهه. وقوله تعالى "فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي والأَقْداَم".قال يجمع بين رأسه ورجليه، يعني الكافر ممن يقذف في النار.
وشعر الناصية من الإنسان يقال له العقربة، مثل فعللة.
مسألة:
قال أكثر أصحابنا، إن مسح بعض الرأس من مقدمه يجزئ للماسح، (1/73)
صفحة 73
والحجة لهم على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه مسح بعض رأسه، وهذا خبر إن سلم طريقه فهو محتمل للتأويل.
قال أبو محمد: ونختار أن يمسح جميعه. وأما اللغة فتوجب مسح الجميع ومسح البعض. قال تعالى:"وَلَيَطَوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيق".وهو جميعه، وكذلك في التيمم، فامسحوا وجوهكم، أنه جميع الوجه باتفاق الأمة. فهذان دليلان للجميع.
ودليل البعض: الخبران المتقدمان في مسح الناصية، وفي بعض الرأس، وفيهما ضعف، ولهم دليل آخر، وهو أن المذكور يقع على الكل، وعلى البعض في اللغة، وأن العرب تسمي البعض بسم الكل كقوله: تدمر كل شيء ولم تدمر الكل، وتسمي بعض الماء باسم الماء، وبعض النار باسم النار.
قال لبيد:
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَم أَرْضَهاَ ... أَوْ يَحْتَرِمْ بَعْضَ النُّفُوسِ جُمَامُهَا
أراد كل النفوس.
مسألة:
قال أبو سعيد: في صفة مسح الرأس قولان: قول يمسح كله، ولا يجزئ دونه، وقول يجزئ مقدم رأسه دون مؤخره. ويخرج أن ما مسح من رأسه أجزأه وذلك من مقدم رأسه. (1/74)
صفحة 74
ولا اعلم بأن يجزئ مسح مؤخر رأسه كله مع ما يليه ولو كان أكثر رأسه إذا ترك مقدمه.
ودليل آخر: قول القائل: مسحت يدي بالمنديل، ولا يريد الكل، ومسحت يدي بالأرض لا يريد الكل. ومسحت برأس اليتيم لا يريد كل الرأس. ونحو هذا. والله أعلم.
مسألة:
قال الثقة: إن هاشما قال: كان موسى مقدم رأسه، ولا يمسح القفا، وكان بشير يمسح مقدم رأسه وقفاه.
مسألة:
ومن مسح رأسه بأصبع أو أصبعين لم يجزئه. وقول محمد بن المسبح يجزئه. وبجميع الكف أحب إلينا.
وإن مسح بثلاث أصابع أجزأه، لأنه مسح بالأكثر من أصابعه، وإن مسح مقدم رأسه أجزأه، وإن مسح قفاه لم يجزئه.
مسألة:
عن أبي عبيدة أن جابرا توضأ وعليه عمامة أو كمة، فأخرها عن رأسه بإحدى يديه، ثم مسح مقدمه. قال أبو عبد الله: يجزئ مسح الرأس مرة، يردد ثلاثا. (1/75)
صفحة 75
مسألة:
من كتاب الأشراف –كان الحسن وعروة يقولان، يجزئ المرء أن يمسح رأسه بما فضل من البلل في اليد عن فضل الذراع. ولا يجزئ في قول الشافعي.
أبو سعيد: الاتفاق من قول أصحابنا يخرج، أنه يأخذ ماء جديدا لمسح رأسه، إلا أن يكون ما أخذ من ذراعيه في الاعتبار فيه فضل عن غسل الذراع حتى لا يكون مستهلكا، ويبقى من ذلك بقدر ما يمسح به الرأس من غير مستهلك في غسل الذراع، ويكون في الاعتبار فيه فضل من غسل الذراع. فلعله يخرج هذا.
وأما على الإطلاق بالاختلاف فيه على التعمد فلا أعلمه يخرج معي، إلا أن يكون نسيانه مسح رأسه حتى يفارق الماء، فقول إن وجد في لحيته بللا أو حسبه بقدر ما يمسح به أجزأه.
وقول لا يجزئه على حال إلا ماء جديد على النسيان وغيره. (1/76)
صفحة 76
الباب الرابع عشر
في مسح الأذنين
وعلى المتوضئ مسح أذنيه، ظاهرهما وباطنهما بعد مسح رأسه. وهو سنة، ويؤخذ لهما ماء خالص، لأنهما سنة على حالهما. وفيه اختلاف.
مسألة:
اختلف الناس في مسح الأذنين، فقول هما من الرأس، وقول من الوجه، وقول ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه، وقول لا هما من الرأس، ولا هما من الوجه.
من ذهب أنهما من الوجه غسلهما مع الوجه، ومن ذهب إلى أنهما من الرأس مسحهما مع الرأس، ومن ذهب إلى أن ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه، مسح ظاهرهما مع الراس، وغسل باطنهما مع الوجه.
قال أبو محمد: والنظر يوجب أنمسحهما غير واجب، ولست أنكر أن يكونا مع الرأس، والوجه أيضا من الرأس لدخوله فيه إذا أمر بإثباته.
ويدل على أن الأذنين ليستا من الرأس المأمور بمسحه، أن القائل بمسح جميعه قال يجزئ مسح من تركهما ومسح باقيه، والقائل بالثلث والربع قال لو أتمهما لم يجزئه.
والقائل بأقل القليل منه، قال: لو مسح أذنيه لم يجزئه ذلك. فعلى جميع ذلك ليستا من الرأس، فدل أنهما سنة على حالهما. (1/77)
صفحة 77
كذلك المحرم لا يجزئه الأخذ من شعرهما. وإن حلق رأسه إلا هما، فلا يقال ترك بعض رأسه.
فإن قيل ما ننكر أن يكون باطنهما من الوجه، لأنه مما يواجه به الإنسان. والوجه من المواجهة، قيل هذا غلط، لأن الوجه ليس مأخوذا من المواجهة، إذ لو أخذ من المواجهة لسمي الصدر وجها. ولا يجوز أن تجعل الأذن من الوجه ولا من الرأس إلا بدليل، ولا دليل يوجب ذلك.
مسألة:
وعن ابن أنس بن يزيد، فقيه كان بسلوت، قال: لا أمسح أذني، لأنهما إن كانتا من الوجه فقد غسلته، وإن كانتا من الرأس فقد مسحته، قال أبو محمد: في هذا القول نظر.
وعن سليمان بن عثمان، أنه يدخل إصبعه في صماخيه. والصماخ خرق الأذن، والسماخ لغة فيه.
وقال أرخص ما سمعنا فيهما أن يمسحهما مع الرأس بماء واحد، فقالوا إنه يمسحهما بماء صعب.
قال المحبر بن محبوب: إذا غسلت وجهك قبل أذنيك مع الوجه، وإذا مسحت رأسك قبل أذنيك مع الرأس، وقد فعله بعضهم للخروج من الاختلاف.
وقيل كان موسى لا يمسح القفا، فالأذنان أقرب ألا يكونا من الرأس. (1/78)
صفحة 78
وكان بشير يمسح على القفا ويمر على الأذنين. قيل عليه مسحهما إلى أقصى من ينال ثقب المسمع، قال هكذا عندي.
قيل: فهل قيل فيهما باختلاف في الديات والقصاص، قال إنهما خارجان من الوجه والرأس في الأرش والقصاص والدية، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
مسألة:
ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف بإبهامه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه أخذ للأذنين ماء جديدًا، وأجاز أبو حنيفة مسح الرأس والأذنين بماء واحد، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وأنه قال: الأذنان من الرأس. وهذا الخبر عندنا ضعيف، ولم يجز الشافعي ذلك.
واحتج محبر عن الربيع بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، ثم أذنيه بماء جديد.
والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: الأذنان من الرأس ضعيف، لأنه رواية شهر ابن حوشب وقد طعن فيه اصحاب الحديث. يقال إنه سرق خريطة من بيت المال، فقال الشاعر: (1/79)
صفحة 79
لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِينَهُ بِخَرِيطَةٍ ... فَهَلْ يُؤْمِنُ القُرَّاءُ بَعْدَكَ يَا شَهْرُ
وإلى هذا ذهب أصحابنا رحمهم الله.
مسألة:
وقال محمد بن محبوب: من نسي مسح أذنيه حتى دخل في الصلاة ثم ذكر، فلا تقطع الصلاة، ويمضي، ثم قال: هما من الرأس.
مسألة:
أبو سعيد فيمن ترك مسح أذنيه متعمدا، أنه يختلف في نقض صلاته إذا صلى بذلك، فقول: يعيد، وقول لا إعادة عليه، قيل فإن لم يأخذ لهما ماء جديدًا إلا ما بقي من مسح رأسه، قال: لا أحب له ذلك، فإن فعل فلا يعجبني أن يلزمه بدل.
قال ويروي عن أبي معاوية: أنه كان إذا أراد أن يمسح أذنيه مع رأسه بلل إصبعيه ولم يمسح بهما رأسه، فإذا فرغ من مسح رأسه مسح بالأصبعين المسالتين عن الرأس أذنيه، ورأى أن ذلك يجزئ، ولا كراهية فيه.
وفي موضع من ترك مسح أذنيه متعمدا، قال إذا غسل وجهه ومسح رأسه، فلا أرى عليه بأسًا. (1/80)
صفحة 80
الباب الخامس عشر
في غسل الرجلين
وغسل الرجلين فريضة، وقد اختلف الناس في غسلهما ومسحهما. فأخذ أصحابنا بالغسل لأنه يأتي عليهما جميعًا، إذا غسل فقد مسح.
وقد اتفقوا على صحة القراءتين، وأن الآية قرأها الصحابة بالنصب و الخفض، فالخفض يوجب المسح، لأنه معطوف على الرأس، والنصب يوجب الغسل، لأنه معطوف به على الوجه واليدين.
وأجمع الكل على أن القراءتين صحيحتان، فصارتا بمثابة الآيتين، والآيتان إذا وردتا وولم يكن في واحدة دفع للأخرى، وأمكن استعمالهما، وجب إتيان ما تضمنتا.
مسألة:
فإن قيل ما ينكر أن يكون الخفض لا يوجب مسحا، لأن العرب تتكلم بمثل هذا. يقول قائلهم تقلد سيفًا ورمحًا؟،وأكلت خبزًا ولبنًا، وعلفت الدابة تبنًا وماءً، ومعلوم أن الرمح لا يتقلد، والماء لا يعلف، واللبن لا يؤكل.
قال الشاعر:
وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتلقَلِّدًا ... سَيْفًا وَرُمْحًا والرُّمْحُ لَا يُتَقَلَّد (1/81)
صفحة 81
وقال آخر:
وَعَلَّفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ... حَتَّى شَنَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
فالماء لا يعلف، فلا يوجب الخفض مسحا، بل غسلا.
قيل له: لسنا ننكر ظلك، وليس بمستنكر أن يؤخر مسح الرجلين، إذ أن ذلك جائز فيما يحكم المعطوف أن يكون على ما تقدم من المذكور، وأن يكون حكمه حكمه. وإذا كان ذلك كذلك وجب على المتوضئ أن يأتي بغسل يشتمل على مسح لا يجزئ أحدهما عن الآخر بموجب القراءتين. والله أعلم.
قال المصنف: والغسل عندي في الرجلين والواجب، لأنه إذا وجب في الوجه واليدين، ففي الرجلين أحرى أن يوجب، لأنهما إلى النظافة أقرب من الرجلين، وإن كان طريقه هذا طريق التعبد لا التنظيف، فإن الغسل بالرجلين أليق. والله أعلم.
قال الحباني المقري: الجر في أرجلكم بقرب الجوار، والمعنى الغسل، كما قالوا: جُحْرُ ضَبٍّ خربٍ، والخراب من صفة الجحر لا من صفة الضب، فجره بقرب الجوار.
قال الله تعالى:"فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ".والعصوف من الريح، لا من صفة يوم، وإنما جره بقرب الجوار. (1/82)
صفحة 82
قال امرؤ القيس:
كَأَنَّ أَتَانًا في أَفَانِينَ وَرْفَةٍ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي نِجَادٍ مُزَمَّلٍ
فخفض مزملا على الجوار، ووجهه الرفع، لأنه من صفة الكبير، لا منصفة النجادة.
وقال آخر:
لَمْ يَبْنَ إِلّ أَسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ... وَمُوَثقٍ فِي عِقَالِ الأثْرِ مَكْبولُ
فخفض المنفلت بغير، وخفض موثقا بالمجاورة.
قال الشافعي: وأيضًا قال الله تعالى:"وأَرْجُلَكُم إِلَى الكَعْبَيْنِ"
فحد الرجلين بالكعبين، كما حد اليدين إلى المرفقين وفائدة النحديد وجوب الغسل. لأن من قال بالمسح لا يحدد ذلك.
وقرأها ابن عباس والأعرج وأرجلكم بالنصب، وكذا قرأها يعقوب على معنى، فاغسلوا أيديكم وأرجلكم.
قال ابن الأنباري: العرب اللفظة اللفظة وإن كانت غير موافقة لها في المعنى، ومنه الآية خفض عل النسق في المسح وهو خلافها لأنها تغسل.
قال الحطيئة:
إِذَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا (1/83)
صفحة 83
فنسق العيون على الحواجب. والعيون لا تزجج، وإنما تكحل.
مسألة:
وعن علي قال: نزل الكتاب بالمسح، والسنة الغسل. وهذا تقوية لحفظ لفتح يبعد عطف النصب على الخفض. ألا ترى أنه بعد أن يقول ضربت عمرا ومررت بيزيد ومحمد، وأنت ترد إلى معنى الضرب، وإن كان معناه مستقيما. والله أعلم.
مسألة:
ويستحب غسل أعلى القدم إلى أعلى الرسغ بأربع أصابع، وقيل أرخص من هذا عن أبي المذر بشير.
مسألة:
اختلف الناس في الكعب من القدم فقول هو مفصل القدم دون العظم الناتئ في جنبه، وهو الكعب هو ذلك.
قال أبو محمد: ونحن نقول بهذا، ونأمر بإدخاله في الغسل وإن كان حدا، لأنه من جنس المحدود إليه. وأما الخليل فقال: كعب الإنسان ما أشرف دون رسغه عند قدمه.
وعن الأصمعي: الكعبان من الإنسان العظمان النابتان من جانبي القدمين.
قال الشاعر:"درماء الكعوب".يعني أنن ذلك غائب منها، وأنكر قول الناس في طهر القدم. قال: والكعب ( ......... ) (1) مايبين له حجم، ليس لرأسه حد.
__________
(1) كلمة غير مفهومة. (1/84)
صفحة 84
والدرم استواء الكعبين إذا لم يتبين. وهو أدرم. والفعل هنا درم يدرم درما، وهو درم. والأدرم الملآن لحما، والحجم الناتئ.
قال المجنون:
تَعَلَّقْتُ لَيلَى وَهْيَ ذَاتُ مَوْصدٍ ... وَلَمْ يَبْدُ لِلْأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ
والموصد: لبسة للأعراب يظهر منها ما علا السرّة كله.
مسألة:
والمتوضئ يغسل رجليه بالشمال، ويصب باليمين، ولا يغسلهما بيديه جميعا. وحد نقاء القدمين إذا صببت عليهما الماء فانصب منهما ماء صاف بعد عرك.
مسألة:
وقال أبو إبراهيم: من غمس رجليه في الماء غمسا بلا عرك ولا ذلك، أو لم يخلل أصابع رجليه، أو لم يمسح على عرقوبيه، فإن صلاته وطهارته تفسدان حتى يتوضأ جيدًا.
مسألة:
ومن صب الماء على رجليه صبًّا ولم يغسلهما لم يجزئه، إلا أن يكون ممن يجزئ المسح معه، لأن المسح لا يكون إلا باليد. (1/85)
صفحة 85
الباب السادس عشر
المسح على الخفين في الوضوء
من كتاب الأشراف: قال أبو بكر: ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه مسح على الخفين. وممن ممسح عليهما أو أمر عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وبه قال عطاء ومن تبعه من أهل مكة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وعن ابن مبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف، إنه جائز.
قال أبو سعيد: المتواتر من قول أصحابنا يخرج أن المسح على الخفين مما نسخه ثبوت الوضوء بالماء وغسل الرجلين بالماء على النص من كتاب الله، وأنها سنة منسوخة. والعجب كيف يساغ لهم مع إقرارهم بفرض الوضوء وغسل الرجلين، وكل ارووه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر والفعل، فممكن ذلك قبل نسخه، وغير ممكن بعد نسخه، إلا أن يفعل فاعل على معنى الضرورة من البرد، أو ما يشبهه من العلل، فلعل ذلك يساغ في بعض أقوال أصحابنا أن يغسل سائر أعضائه، ويمسح على خفيه بالماء، ولا يخرجهما بمعنى الضرورة.
وقول يتيمم مع ذلك، وقول لا تيمم عليه، فالاستنجاء بالماء، والمسح على الخفين سنتان منسوختان عند وجود الماء مع إمكان استعماله، على غير ماني ثبوت الضرورات. (1/86)
صفحة 86
مسألة:
في المدة التي للمقيم وللمسافر أن يمسح فيهما على الخفين. ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المسح على الخفين ثلاثة أيام للمسافر، يوما للمقيم. واختلفوا في ذلك، فقول بظاهر هذا الحديث، وهو آخر قول الشافعي، وكان مالك لا يؤقت فيه وقتا.
واختلفوا في المسح في السفر والحضر، فقول يمسح المقيم والمسافر ما بدا له. وأكثر اصحاب مالك يرى أن يمسح المقيم والمسافر كما يشاء.
وقول، إن المسح على الخفين من غدوة إلى الليل. قال أبو سعيد قد مضى القول، وإن ثبتت الضرورة التي يجوز معهما المسح على الخف.
وهذا كله من قولهم إن احتمل من قول النبي صلى الله عليه وسلم قبل النسخ، ولا يبعد ذلك.
مسألة:
وفي الضياء-وقولنا /وما جاء به الأثر عن عائشة، وابن عباس، وعليّ، وجابر بن زيد، أن الرجل إذا أحدث، نزع خفيه وغسل قدميه، مقيما كان، أو ظاعنا، أو مسافرا إذا أتى الغائط أو البول أو أحدث حدثا ينقض وضوءه، فعليه إذا توضأ للصلاة أن يخلعهما ويغسل قدميه ولا يمسح على الخفين.
وعن ابن عباس أنه قال: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، والمائدة نسخت المسح على الخفين. (1/87)
صفحة 87
وعن عائشة أنها قالت: قطع الله رحليّ يوم أمسح على الخفين، وقالت: وددت أن الله قطعها قبل ذلك، وأنها قالت: ما لبس صلى الله عليه وسلم الخفين قط، وقالت: ما كان له الخفان قط، بعد قوله: وأرجلكم إلى الكعبين.
وقال المهنا بن جيفر: لو جاز المسح على الخفين، لجاز المسح على العمامة، والكمة فوق الرأس، ولكن أبى الله تعالى ذلك.
مسألة:
وفيه: وأما المسح فوق الخفين من غير غسل الرجلين، فلا يجوز عند أصحابنا، لأنه عندهم بدعة. ولا يرون للماسح عليهما صلاة، ولا الصلاة خلفه. ومن مسح على الخفين إلى أن مات فهو هالك.
وقد روي عن عطاء، أنه قال: ما بال أهل العراق، أو قال أهل البصرة، يصلون على غير وضوء؟ قيل: وكيف ذلك يا أبا محمد؟ قال: يمسحون على الخفين.
ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وصلى بذلك المسح، فقد زعم أنه خالف ما أنزل الله تعالى، وهلك وكفر بكذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه السلام كان أطوع لربه، وأعلم به، وأخوف له أن يخالف ما أنزل الله تعالى عليه، وقد قال عز وجل:"فَمْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم وَأَرْجُلَكُم إِلَى الكَعْبَيْن" فما ذكر الخف. ولا يختلف اثنان في أن الخف غير الرجل. فهل يكون الماسح على الخفين ماسح رجليه، فاعلا ما أمره الله به؟ (1/88)
صفحة 88
قبح الله أهل الكذب على رسوله، العماة الحفاة، كذا وجدت، والله أعلم.
مسألة:
حازم عن تميم قال: سألت جابر بن زيد فقلت: أأمسح على الخفين؟ قال: لا. قلت: الثلج، اخلعهما. قلت: لا أستطيع. قال: جاء العذر. (1/89)
صفحة 89
الباب السابع عشر
في المتوضئ يكون على بدنه نجاسة
ومن كان في بدنه حدود الوضوء دم أو غيره من النجاسة، فإنه يغسله، ثم يبتدئ الوضوء. وهذا القول هو الملائم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاتفاق الجميع على أن المتغوط لا تصح له طهارة مع قيام الغائط به حتى يستنجئ ويزيله عن نفسه، ثم يبتدئ بالتطهر بعده، سواء كانت النجاسة منه أو على رأسه، أو على موضع من مواضع الصلاة حتى يكون تطهير ذلك النجس قبل ابتدائه بطهارة الأعضاء المأمور بتطهيرها للصلة.
مسألة:
وأما من قال: إن من توضأ ثم وصل إلى موضع النجاسة من بدنه وغسله بحجر أو غيره، أو غسله له غيره، ثم أتم وضوءه، فهذا قول، ولكن لا يشبه قول أصحابنا، ولا يشبه أصولهم، والله أعلم بصحة ذلك.
مسألة:
ومن توضأ حتى انتهى إلى قدميه، فإذا في بطن قدميه خبث، فليغسله غسلا ناعما، ثم ليجدد الوضوء، فإن وضوء الأول كان باطلا.
مسألة:
ومن كان فيه دم لعلة في جوارح الوضوء، ونسي غسله، فجرى الماء، وخرج الدم بذلك المسح فإن صلته لا تتم إذا لم يزل الدم بالماء قبل المسح للصلاة، (1/90)
صفحة 90
وإنما خرج الدم مسح الصلاة بلا إزالة منه، وتبدل تلك الصلاة وحدها بعد الوضوء. والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد: فيمن كان فمه نجسًا بدم أو غيره، فتمضمض لوضوء الصلاة، قبل غسل النجاسة، أنه ثبت وضوؤه لأن غسل النجاسة فريضة، والمضمضة سنة، وبثبوت طهارة الفم كان مطهرًا لفمه متمضمضًا، ولو كانت النجاسة في موضع الاستنشاق فتمضمض، ثم استنشق، فهو بمنزلة من ترك المضمضة ناسيًا أو متعمدًا ثم غسل وجهه حتى نظف، فقد ثبت له غسل الوجه على الوضوء. وهو بمنزلة تارك المضمضة والاستنشاق وعلى العمد والنسيان على ما مضى، فإن كان في ذراعه نجاسة فمسح حتى وصل إليها، فإنه ليس كالأول، ووضوؤه فاسد، لأن غسل الوجه فريضة وقعت قبل أن يؤدي فرض إزالة النجاسة.
وهذا على قول من يقول: إن الوضوء لا يجوز إلا على الترتيب، وأما على قول من يجيزه على غير الترتيب، فإنه يتم وضوء تلك الجارحة، وإن كانت اليد اليسرى ثبت له مسح الرأس، ومسح الرجلين وعليه إعادة غسل الوجه واليد اليمنى والمضمضة والاستنشاق.
مسألة:
أبو سعيد: ولا يثبت الطهارة بكمال الوضوء إلا بكمال الطهارة من جميع النجاسات الحادثة سواء كانت منه أو من غيره، وكذلك ما عارض البدن فإنه ناقض للوضوء، وإن كان قد جاء عن محبوب أو غيره، أنه لو كان في أحد جوارح الوضوء نجاسة، فتوضأ وهي فيه، حتى إذا أتى إلى موضع النجاسة، وغسله (1/91)
صفحة 91
له غيره، أو غسله هو بحجر أو غيره إلا انه لم يمسه، فإن وضوءه تام إن كان في أول جوارحه، أو فيآخرها، وإذا ثبت جاز ولو كان في قدمه اليسرى.
ولا يذكر نفسه، عمد في ذلك ولا نسيان، ولا يبعد على التعمد على تسليم الأثر به.
ويشبه أن لو كانت النجاسة في غير مواضع الوضوء ففعل فيه ذلك بعد الوضوء غسله له غيره، أو غسله هو ولم يمسه فإن ذلك سواء، ويتم وضوءه. وذلك غير بعيد عند ثبوت القول في هذا، لأنه لا فرق في ذلك، في مواضع الوضوء كانت النجاسة، أو في غير مواضع الوضوء، بل في مواضع الوضوء. أشد وأولى أن تفسد.
كما قيل لو مس فرجه من غير مواضع وضوء لم ينتقض، وإذا مسه بمواضع وضوء انتقض.
وكذلك لو مس فرج زوجته أو سرتها بغير مواضع الوضوء لم ينتقض، ولو مسه بفرجه ما لم تغب الحشفة في الفرج، فإذا ثبت أن الوضوء يثبت على شيء من النجاسة في مواضع الوضوء وغيره، لم يبعد أن يكون المتوضئ، إذا مسه شيء من النجاسة في بدنه أن يكون مثله. لأنه لا فرق فيه.
مسألة:
أبو سعيد قال: ويروي عن هاشم بن غيلان أنه لو مس المتوضئ دم في غير مواضع الوضوء فغسله له غيره، ففيما يستدل به ممن معنى قوله أنه لا ينتقض وضوؤه (1/92)
صفحة 92
وليس هذا بعيد إذا ثبت ذلك. وتمام الوضوء أقرب أن يجوز فيه هذا، لأنه قيل في المتوضئ يخرج منه دم من جرح طري أو غيره ولم يفض، أن وضوءه لا ينتقض بذلك. فإذا انتقض وضوؤه بغير ذلك فلا يتوضأ حتى يغسله، ولا يثبت له تجديد وضوئه حتى يغسله.
وبناءالأصل على الفساد يلحق الإجماع بفساده أكثر من معرضات الفاسد له بعد ثبوته، وذلك ما لا يحصى. وقول: لا غسل عليه في هذا الدم في الحالين، ولا يفسد ما جرى عليه، كان في مواضع الوضوء أو غيرها، إلا أن يخرج الماء متغيرًا منه. والله أعلم بالصواب. (1/93)
صفحة 93
الباب الثامن عشر
في المتوضئ ينسى شيئًا من وضوئه
ومن ترك المضمضة والاستنشاق أو شيئًا مفروضًا عمدًا انتقض، ولا يتم طهره، ومن نسي غسل جارحة من حدود وضوئه ثم ذكرها بعد أن فرغ أعاد غسلها وحدها
قال والناس مختلفون في ذلك. قال محبوب: من توضأ وجف وضوؤه استأنف.
وقال غيره عن أبي جعفر يبدل وضوءه إذا كان قد صلى، جف أو لم يجف إن لم يكن قد صلى أعاد ما نسي وصلى.
قال أبو محمد: من توضأ بعض وضئه، ثم شغله أمر عن تمامه بنى عليه، كان وضوؤه الأول جف أو لم يجف، والأمر له بغسل ما قد غسله محتاج إلى دليل.
قال والدليل على ما قلنا من إجازة المسح وإن جف بعضه، اتفاقهم على أن المغتسل من الجنابة، إن غسل بعض بدنه وأخر البعض إلى وقت حضور الصلاة، ثم غسل الباقي، أجزأه ذلك بلا خلاف نعلمه في ذلك. والله أعلم.
مسألة:
عن أبي عبد الله: فيم نسي مسح رأسه حتى جف وضوؤه، أ، عليه إعادة (1/94)
صفحة 94
الوضوء والصلاة إن كان قد صلى، وإن كان شيء من وضوئه لم يجف، فإنما عليه أن يمسح رأسه إن كان في لحيته ماء، فأخذ منه ومسح رأسه أجزأ. كذلك إن كان في جارحة من حدود وضوئه موضع لم يصبه الماء، وكان في بدنه شيء من الماء فرطب ذلك اجزأه.
وعن ابن محبوب أن ذلك لا يجزئه إلا في مسح رأسه. واما غير ذلك من جوارح الوضوء فلا يجزئه إلا يعيد بماء غيره.
مسألة:
إذا مسح للصلاة ونقص الماء، فبعث من يجيئه بماء، فلم يجئ به حتى يبس المسح الاول ولم يتشاغل بغير الانظار، بنى عيه مسحه. فإن اشتغل يغيره ابتدأ الطهارة.
وبين اصحابنا اختلاف في استعمال الماء الذي قد استعمله المتوضئ لما نسيه أو لجارحة أخرى.
قال أبو معاوية فيما يؤخذ عنه: إن ذلك الماء مستعمل، ولا يجوز استعماله، ومن جوز منهم جعل المستعمل على ضربين: فضرب باين الجسد لا يجوز استعماله ثانية للتطهر، والثاني يجوز استعماله ما لم يباين الجسد، كالماء الواحد الذي يستعمل به بعض جوارحه، ثم يجري على سائرها، فهذا هو الذي تعلق به من أجاز الماء المستعمل من اللحية والبدن لما نسيه. والله اعلم.
ومن مسح رأسه جاز أخذ الماء من لحيته ويمسحه، واللحية من الجسد.
قال أبو الحسن: والدليل على ذلك أن المتمسح يأخذ الماء بكفه، ثم يجريه (1/95)
صفحة 95
على جسده يردده غاسلا به، فهذا الفرق بين المستعمل والذي يجوز، وكذلك الغسل من الجنابة.
وعن الربيع وغيره، إن كان في لحيته بلل مسح رأسه، وأما أبو معوية فلم يجز ذلك.
قال محمد بن هشم: إن كان في لحيته بلل، أو قال ماء، أخذ منه ومسح رأسه وصلى، ولا يصلي بذلك الوضوء غير تلك الصلاة.
وفي موضع، قيل: فإن كان في يديه رطوبة. قال: أما الرطوبة فلا أعلم، وأما إن كان بقي ماء بمقدار ما يمسح به، فقيل يجوز. وقيل لا يجوز.
قيل: فإن نسي مثل اليد أو الجل أو الوجه، هل يمسح بذلك مثل الرأس؟ قال: أحسب أنه قيل ذلك، وقيل لا يجوز. وهذا أكثر القول لأنه غسل، والغسل لا يكون غلا بماء.
قيل: إن لم يجد ماء ووجد رطوبة ماء. أولى هي أو يبل بريقه؟ قال يبل ما أمكنه من الطوبة، ويتيمم لرأسه إذا لم يدرك مسحه بالماء.
قيل: فإن بلّ بالريق وتيمم وصلى، قال: إن كان ماء له حكم قائم، فأخاف ألا تتم صلاته، وتعجبني الإعادة. وإن لم يكن ماء له حكم قائم، فلا يبين لي أن حكما يفرق به غير الريق. والله أعلم.
مسألة:
ومن توضأ وصلى، ثم نظر في موضع الوضوء قارًّا لازقًا به، فعن [ابن] (1/96)
صفحة 96
محبوب: إن كان موضع القار ك الظفر أو أكبر، فعليه إعادة الوضوء والصلاة، ويخرج القار، ويوضئ مموضعه. وغن كان القار أقل من ظفر فصلاته تامة، وإن كان خبثًا.
قال أبو عبد الله: قد جاء الأثر بالقار بهذا، والخبث وغيره في ذلك سواء.
وعن موسى بن علي في جنب وجد بعد أن صلى قشرة سمكة قد علقت لم يصل الماء إلى موضعها أن عليه تطهير موضعها، وعليه الوضوء والصلاة.
مسألة:
ومن كانت به سقطة في مجاري الوضوء وتمسح ولم يعلم بها. قال ابو محمد: لا بأس عليه، ولو كان جنبًا فاغتسل وهي في جسده ولم يعلم بها فلا بأس.
مسألة:
وكان مسح المتوضئ عضوا ثلاثًا فقد اجزأه، ولو لم يستيقن أن الماء قد مر عليه كله، ولو كانت كل مسحة لا تعم العضو، لأن الحكم للكثير إذا غلب على الظن أنه قد عمه، وإن علم أنه قد بقي من عضو الوضوء شيء قليل لم يمسه الماء بعد ما صلى، فلا شيء عليه.
مسألة:
ومن توضأ وعلى ظفره قار، فإن لم يخرج وقد غشي الظفر كله وصلى، فعليه الإعادة. وإن لم يغشه كله، فلا غعادة عليه. (1/97)
صفحة 97
مسألة:
قال أبو سعيد: إن في الذي نسي مسح رأسه اختلافا، فقول عليه أن يستأنف الوضوء ولو كان وضوؤه رطبًا لم يجف منه شيء، وقول يجزئه إن مسح برأسه وحده ولو جف وضوؤه كله ما لم يدخل في الصلاة، وقول ولو دخل في الصلاة ثم ذكر فإنما عليه أن يعيد مسح رأسه وحده. (1/98)
صفحة 98
الباب التّاسع عشر
في المتوضئ يشك في وضوئه
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن للوضوء شيطانًا يقال له الولهان، فإذا أحس أحدكم بشيء من ذلك فليستعذ بالله.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال، إذا قمتم للصلاة فإن الشيطان يحيطكم بين إلياتكم فلا تصدقوه على أنفسكم حتى تروا شيئًا قاطرًا، أو تشموا ريحا رافعًا.
مسألة:
وقيل للماء شيطان يقال له الولهان، يولع الإنسان بهلكثرة استعمال الماء عند الوضوء، واستعمال الشكوك مكروه ومتروك، لأنه من عوارض الشيطان. ويقال إن كثرة الوضوء من الشيطان، لأن في ذلك الأذى للإنسان والانقطاع من طاعة الرحمن، وربما أدى إلى تضييع الصلوات، وذهاب الأوقات، ومنع من كثرة الطاعات، وصد من تأدية العبادات بالشكوك المعارضة، والوساوس المعترضة، وبالله التوفيق.
مسألة:
ورأى أبو محمد رحمه الله رجلا يتوضأويطيل المضمضة والاستنشاق وهو يتشكك، فقال له أراك تتشكك. ولو كان في الشك مكرمة يتقرب بها إلى الله تعالى، لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إليه، وهو صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإسراف في الماء، ثم قال حلال وحرام، وشبهات بين ذلك، فدع ما يشبه لما لا يشتبه. (1/99)
صفحة 99
مسألة:
ومن شك في وضوئه كله بعد خروجه منه فلا نقض، ولا يرجع إلى الشك، فإن شك في عضو أنه لم يحكمه بعد أن خرج منه لم يرجع. ولو كان ذلك لكان الإنسان لا يبرح يتوضأ.
وإن شك وهو بعد فيه، فلا يخرج منه حتى يحكمه. إنما لا يرجع إذا خرج من الحد، وأدى الفرض وكذلك الغسل.
وفي موضع، ومن شك في المضمضة وهو في الاستنشاق، أوفي يده اليمنى وهويغسل الأخرى فليس عليه أن يرجع، فإنه قد جاوز ذلك العضو إلى غيره.
مسألة:
ومن شك أنه لم يغسل يده أو وجهه، ثم نظر إذا الوجه واليد رطبان، لم أر إعادة عليه.
مسألة:
ومن شك في غسل البول، وهو في غسل الغائط، لم يجاوزه حتى يحكمه، لأن الاستنجاء واحد، لأنه بما شاء بدأ منهما. والله أعلم.
مسألة:
ومن شك أنه لم يحكم الاستنجاء ولم يغتسل، فلا يرجع إلى الشك. فإن شك وهو بعد فيه فلا يخرج منه حتى يحكمه. إنما لا يرجع إذا خرج من الحد. (1/100)
صفحة 100
مسألة:
ابن محبوب. فيمن خرج من االماء من غسل من جنابة أو نجاسة، ثم شك أنه لم يغسل شيئا من يديه، أو لم يحكم الاستنجاء. قال: إذا لبس ثوبه فلا إعادة عليه ولا يرجع حتى يستيقن، وكذلك إذا خرج من الماء على أنه قد غسل أو توضأ، ثم شك فلا يرجع إلى الشك حتى يستيقن، ولو لم يكن لبس ثوبه.
مسألة:
ومن بال وذهب إلى الماء، فلما ترطب الموضع من الماء، شك أنه استبرأ أم لا.
قال إذا اطمأن قلبه أنه إستبرأ على ما عود من النبع، فله أن يمضي على وضوئه، إلا أن يغلب عليه غالب ينقله على حالته المألوفة.
مسألة:
ومن تغوط وبال، ثم دخل نهرًا، وهو ذاكر لهما أوناس، ثم خرج من النهر فشك، أعرك موضع الغائط والبول أم لا، فلبس ثوبه وصلى، فأقول لا يفسد عليه ثوبه ولا صلاته بالشك. فإن استيقن تركه، غير أن الماء قد جرى عليه فذلك بنجس ما أصاب. وليعد الوضوء ليعرك موضع الغائط والبول حتى يتقنهما، إن شاء الله.
مسألة:
وأما الجنب إذا نزل في الماء وهو ذاكر لجنابته أو ناس، ثم خرج من الماء فشك أنه غسل للجنابة أم لا، فأرجو أن صلاته وصيامه يتمان، إلا إن تيقن أنه (1/101)
صفحة 101
ترك شيئًا من الغسل، خباثة لم يعركها ويبقى موضعها، وإنما أرسل الماء على موضعها إرسالا، فذلك عليه إعادة ما ترك ويعرك موضع الخباثة التي لم تعرك، وليعد الوضوء، وأما الصيام فأرجو ألا يبلغ به إلى فساد.
مسألة:
وفي موضع، أنه خرج من الماء ثم شك، أنه لم يغسل بدنه من الخباثة، ولم يحكم الاستنجاء، فإذا لبس ثوبه فلا يعيد، ولا يرجع إلى الشك، ولو شك أيضا وقد قام من الماء قبل أن يمس ثوبه فلا يرجع.
مسألة:
ومن شك في مسح رأسه وهو يمسح أذنيه، فإن له أن يمضي على وضوئه في حكم الاطمئنان، وأما في الحكم فلا. وكذلك إن شك في المضمضة والاستنشاق وهو يغسل الوجه، فإنه كالأذنين، قيل فإذا صار في حد ثالث، ثم شك في الأول هل له أمضي على وضوئه فالحكم؟ قال هكذا عندي. ثم رجع عن ذلك بعد ان فرض عليه، وقال إن كان هذا حكم. وكذلك إذا خرج إلى الثاني لا فرق في ذلك.
قيل: فما دام في الوضوء ولو أخر جارحة، فشك في الأولى، فإنه لا يرجع إليه على الاطمئنان. قال: هكذا عندي، لأنه بعد في حال الوضوء. فإذا فرغ من الوضوء فشك في جارحة من وضوئه، من آخره أو أوله، وقد خرج من حال الوضوء، لم يكن عليه أن يرجع في الحكم. قال هكذا عندي. (1/102)
صفحة 102
الباب العشرون
في المتوضئ يشك في شيء من وضوئه
وكل من كان على يقين من طهارته، ثم شك في فسادها، لم يجب عليه إعادتها، وكذلك من يتيقن أنه قد أحدث، ثم شك انه تطهر أم لا، فشكه غير مزيل ليقينه، ولا يزيل ما ثبت من الطهارة إلا كتاب، أو سنة أو إجماع.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا وضوء إلا من صوت أو ريح. ولا يجوز أن يرتفع ما تيقن وجوبه بالتجويز، فإن المعلوم لا يرتفع بغير معلوم.
قال بعض أصحابنا: من تطهر لصلاة بعينها ثم شك في طهارته فإنه لا يصلي بذلك الطهارة حتى يتيقن أنه لم يحدث.
قال ابو محمد: وهذا قول فيه نظر، لأن الطهارة مأمور بها من كان محدثا. فإذا حصل له وتيقنها كان له أن يصلي ما شاء بتلك الطهارة ما لم يحدث. ووافق هذا اهل المدينة واحتجوا أنه إذا شك في الحدث لم تجز صلاته حتى يتيقن لطهارة، ولا تسقط الصلاة إلا بيقين. والجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه الأمر بالثبات على اليقين، لقوله إذا شك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يشم ريحا. فلما جعل الثبات على الصلاة مع الشك وكذلك استفتاحها مع الشك، وقد وافقنا الشافعي في هذا، قال: من ثبت له حكم يقين بشيء، لم يزل الحكم عنه إلا بيقين ثان، ثم لم يمض على قول هذا حتى قال فيمن قطع رجلا ملفوفا في ثوبه، أنه لا شيء عليه حتى يعلم أنه كان حيا. (1/103)
صفحة 103
مسألة:
في الضياء: قال بشير عن والده إن من توضأ وهو على وضوء، فيصلي على وضوء، فيصلي ما شاء، حتى يعلم أنه قد حدث. وقال الفضل: لا يصلي حتى يعلم أنه طاهر.
مسألة:
وعن أبي معاوية فيمن شك في وضوئه بعد أن يدخل في الصلاة ولم يكملها، فعليه أن يتوضأ، ولا تنفعه الصلاة على الشك في الوضوء.
فإذا فرغ من الصلاة، ثم شك في الوضوء فلا إعادة عليه. قيل: وذلك إذا شك فلم يدر توضأ أو لم يتوضأ.
وأما إذا توضأ ثم خرج من الوضوء، فشك أنه لم يغسل شيئًا من جوارحه، فلا إعادة عليه، وهو على وضوئه.
وكذلك قام من موضع على أنه توضأ، ثم شك في الوضوء كله، لم يكن عليه إعادة.
وكذلك إذا مضى على أنه يتوضأ، فمضى على ذلك وهو ذاكر للوضوء، حتى أخذ في الوضوء، وقام على أنه قد توضأ، ثم شك في الوضوء، فلا إعادة عليه حتى يستيقن على شيء من ذلك بعينه.
مسألة:
ومن توضأ ثم احدث فتوضأ، فذكر وضوءه الأول والحدث الذي نقضه، ونسي وضوءه الآخر فصلى متعمدا، وهو يرى أن وضوءه فاسد، فإن ذكر وهو (1/104)
صفحة 104
في صلاته، قال سعيد بن محرز، أرجو أن تصلح، وقال آخرها يصلح أولها. والله اعلم.
مسألة:
أبو سعيد: إذا ثبت الوضوء، فلا يزيله الشك بالأحداث المعارضة، حتى يستيفن الحدث.
وأما غذا شك أنه توضأ أو لم يتوضأ، فنقول: ما لم يدخل في الصلاة فعليه الوضوء، فإذا دخل فلا وضوء علي لدخوله في حكم الصلة، إذ ليس له أن يدخلها إلا بيقين.
وقول: ما لم يتم الصلاة، وبقي عليه حد فشك، فعليه الوضوء، وإعادة الصلاة.
مسألة:
فيمن من الغائط، فذهب فاغتسل من الخباثة، ثم شك أنه غسل الغائط أم
لا.
فعن أب المؤثر، أن من كانت به نجاسة، فدخل الماء الجاري ليغسلها وهو ذاكر لما فيه من النجاسة، فلما قام شك وقد لبس ثيابه، قال: لا بأس عليه في ثيابه.
وقال غيره: إذا دخل الماء وهو ذاكر للنجاسة ويريد غسلها، أو قام إلى الماء يريد غسلها، وذكر أنه قام إلى الماء يريد غسلها، أو ذهب ليغسلها ثم لم يعلم أنه (1/105)
صفحة 105
نسي ذلك، فلما خرج من لماء أو قام منه، نسي، فهو على أحكام الطهارة والقيام إليها، حتى يعلم أنه نسي ذلك أو أهمله، أو تركه، أو رجع عن نيته تلك.
وإن كان دخل الماء، ولم يعلم أنه كان ذاكرا للنجاسة، حتى قام من الماء ولبس ثيابه، فهذا عليه أن يغسل النجاسة، ويغسل ما مس ثوبه من تلك النجاسة ويعيد الوضوء. قال: وهذا عندي مثل ذلك، ولكن أقول يعيد الوضوء.
وأما موضع النجاسة، فإذا كان قد عركها للغسل ففي الأثر حركة واحدة في الماء الجاري من بعد ذهاب أثرها يجزئ.
وأما أبو المؤثر فقال: لا ييجزئ من بعد ذهاب أثر النجاسة في الماء الجاري إلا ثلاث عركات.
مسألة:
أبو سعيد: وينبغي للمبتلى بالشكوك في الصلاة والطهارة، ويؤمر أن يأخذ بأرخص أقوال المسلمين التي لا تخرج عن العدل، لأن يتقوى بذلك على أمر الشيطان، ولا يساعد الشكوك، فإن ذلك مما يفسد عليه دينه، ويشتغل بذلك عن أمور آخرته وخلوته بعبادة ربه، لقوله صلى الله عليه وسلم: يسروا فإن الله يحب اليسر.
ولقد بلغني عن بعض أهل العلم أنه كان إذا أراد أن يستنجئ من الأنهار الجارية والمياه الراكدة وحتى لا تنجس، نزح من ذلك نزحا، ولا يقعد في الماء خوف أن يترك عادته مما استقام له من حسن التدبير، والدلالة في الإستنجاء من الآنية والآبار بالنزح، لأن من استعد بالشدائد عند الرخاء، كاد أن يصير على البلاء. والله أعلم. (1/106)
صفحة 106
وقد جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يجزئ في الوضوء مد، وهو ربع الصاع، وأحسب أنه قال: وسيأتي أقوام من بعدي يستقلون ذلك. أولئك على خلاف سنتي.
مسألة:
وكان الربيع يتنزه عن الاستنجاء في الماء الجاري، والغسل من الخباثة، فلم يتابعه ابن المعلي على ذلك. والتنخم والبزاق في الماء مكروه. (1/107)
صفحة 107
الباب الحادي غشر
ف المتوضئ يجد نبعا ويحتشي
ابن جعفر: من كان يحتشي بقطن في ذكره، فخرج شيء حتى ترطبت القطنة، فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما خرج منه.
وإن كان شيء من القطنة ظاهرا ليس برطب وترطب داخلها، فلا فساد عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة ظهر منها شيء.
وبلغنا عن بعض الفقهاء، أنه إذا كان احتشى غسل رأس ذكره، وفي ذلك رخصة بغير أن يكون ذلك عليه.
أبو سعيد: قد قيل عن بعض الفقهاء إنه كان يفعل ذلك، ويأمر به ليترك ما يجد من الرطبة هنالك حتى يعلم أنها مما تفسد عليه ليقوى بذلك على الشيطان. قال: وبعض لا يأمر بالقصد إلى هذا خوفا أن يكون هناك نجاسة صحيحة، فيدعها لذلك. وهذا احتياط، والأول على الحكم والاحتياط. قال: ويعجبني ذلك لمن كان يعرف نفسه بالشك والوسواس، وترك ذلك لمن لا يعرف نفسه بالشكوك فإن فعل ذلك على حال فهو وجه على ما يقوى على أمر الشيطان.
وما صح على الأصول فهو أقوى وأولى، والاحتياط يكون على معنى الاختيار. والله اعلم.
مسألة:
قال أبو محمد: الذي ذكر ابن جعفر، أن بعض من كان عنده علم كان يرطب (1/108)
صفحة 108
عمدا لحال الشك، ووجدنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل ذلك. قال: لا اعرف وجهه إن كان الخبر صحيحا، لأن الصفة التي تليق بأهل العلم أن يكونوا محتاطين على دينهم، ولا يدفعون بالماء عادة يعرفونها من انفسهم.
وأما ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يفعل ذلك، فما علمت أن أحدا من أهل الحديث وأصحاب السير نقل وصفه صلى الله علبه وسلم بسلس البول. ولو كان فيه لوردت السيرة عنه بحكمه عنه قولا وفعلا، كما نرى عمن لا يبلغ درجته، وكما يروى عن علي أنه بعث إليه صلى الله عليه وسلم يسأله عن المدي والودي ما حكمهما، وقال للرسول أكتم عن علي، فإني أستحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ابنته زوجتي، فروي أنه صلى الله عليه وسلم أن ينضح الأنثيين بالماء البارد ليرتفع ذلك عنه. والله أعلم.
مسألة:
ومن احتشى بقطنةعلى حشية، ثم حذف الحشية، فلما خرجت أصابت القطنة والحشية شيئا من رأس الذكر، فلا أرى عليه بأسا في هذا، ولا على وضوئه، ولا ثوبه إن مسه حتى يعلم يقينا أن الحشية خرج منها رطوبة من البول، وأنها مست ما طهر من ذكره.
مسألة:
ومن توضأ فلما قام من الماء وجد في ذكره إصعابا وتحدر منه كأنه بول يخرج منه، ولا يستيقن على ذلك. فلا بأس عليه حتى يعلم يقينا أنه قد خرج من ذكره ماء، أو ما ينقض عليه، وأنه قد خرج من ثقب الذكر، وإلا فلا بأس عليه. (1/109)
صفحة 109
مسألة:
وإذا ترطبت القطنة التي قد احتشى بها في جوف الذكر من البول، فلا فساد على الثوب ولا على على الوضوء، حتى يعلم يقينا أن القطنة في جوف الذكر قد ترطبت من البول، وأن رطوبته، قد ظهرت فرطبت ما ظهر من القطنة.
مسألة:
ومن غسل ذكره، أو قعد في نهر، ثم خرج من ذكره شيء ولا يدري أهو بول أو ماء، فلا بأس حتى يعلم أنه بول. لأنه قد كان في الماء. والله أعلم.
مسألة:
قال أبو صفرة: قلت لابن محبوب في الاحتشاء، قال: بلوى القطنة في الحشية، ثم يدخلها في الإحليل ويجذب الحشية، وإن بقي بعض القطنة خارجًا فلا بأس. وإن كان في أصل القطنة من داخل الذكر بول والخارج نظيف، فلا بأس على وضوئه.
مسألة:
وإذا انقلعت القطنة من موضع الاحتشاء من البول، فليعد الوضوء. وقول: ما لم يصل إلى الطهارة فلا ينتقض.
مسألة:
فإن احتشى من المذي ثم بال فلم يخرج الحشو مع البول، فليعالج الحشو حتى يخرجه. (1/110)
صفحة 110
أبو المؤثر: فإن بال ثم احتشى، ثم استنجى ونسي أن يخرج الحشو وصلى، فصلاته تامة.
مسألة:
وقيل: في رجل ممن ابتلي بالاحتشاء أنه استعمل حشوًا كثيرًا من أصناف الشجر، فلم يجد شيئا من الحشو أصلح في ذلك من الأسل والغيل.
قال المصنف: وأخبرني رجل أنه كان عسر البول من الحصاة، فكان بدخل في الإحليل مكحلا ليسرح عنه ذلك.
مسألة:
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم: فيمن احتشى بقطنة نجسة وغسل الظهر من الاحتشاء هل يكون ظاهر القطنة طاهرًا وباطنها نجسًا؟ أرجو أن تكون طاهرة. ولا بأس بذلك.
مسألة:
الفضل بن الجواري: فيمن يدخل على رأس ذكره ثلاث مرات بحشية، ثم أخرج الحشية، التي أدخلها، فأصابت ما طهر منذكره. قال لا أرى عليه بأسًا في وضوئه، ولا على ثوبه، حتى يعلم يقينًا أن الحشية قد خرجت منها رطوبة من البول، أو أصابته.
الباب الثاني والعشرون
في المتوضئ يخرج من أحد فرجيه رطوبة
أو يشك في ذلك (1/111)
صفحة 111
أبو سعيد. في الذي يجد كالشيء يخرج من إحليله، وقد كان ربما وجد إذا نظر، وربما لم يجد إذا وجد شيئا مثل ذلك. فيخرج في الحكم أنه إذا كان على وضوء، فإن حكمه الطهارة حتى يعلم أنه قد خرج منه شيء. ولو كان إذا وجد ذلك وأبصر، فوجده خرج على أكثر ما يعنيه، إلا أنه لم يستيقن على حاله هذه، على خروج شيء بوجود ذلك لا شك فيه، وثوبه على حكم طهارته حتى يغلم بنجاسة لا شك فيها.
وأما في الاحتياط، فقيل عليه أن ينظر إذا وجد مثل هذا، فإن لم يمكنه النظر وكان في الليل أو في صلاة أو غير ذلك، وخشي من النظر والمس يولد به، نقض طهارته، أو كان في صلاة فإنه به على الذكر من فوق الثوب، فيمسح به فخذه أو على ما يليه من بدنه مما أمكن، فإن وجد بللا لا شك فيه ليس من طهارة متقدمة، كان قد خرج من الشبهة والريبة، وإن لم يجد شيئًا لم يكن عليه، وكان قد احتاط.
وقول: ليس عليه هذا، إلا أن يجد سيلان ذلك وخروجه مما لا يشك. وهذا يخرج على الحكم، والأول على الاحتياط.
مسألة:
ويخرج عندي من قال بهما جميعا أنه لو لم ينظر ولم يمس، ولم يصح معه بلل (1/112)
صفحة 112
خارج إلى موضع الطهارة بمماسته شيئا من يديه أوثق به أنه ليس عليه فساد في وضوئه ولا ثوب ولا صلاة إن كان فيها.
مسألة:
وقيل: إن نظر بعد أن أحس فلم يجد، ثم نظر بعد ذلك فوجد شيئا خارجات لم يعرف متى خرج، ففي معنى الحكم، على قول من يقول ليس عليه النظر ولا المس، حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، فإذا أمكن خروجه بعد تمام صلاته إن كان في صلاة أو لمعنى مستحيل عن حكمه فليس من حكم ما مضى شيء، وصلاته تامة حتى يستيقن أن ذلك كان خارجا حين وجد.
وهذا صحيح في الحكم. ويخرج على قول من يقول: إن عليه النظر والمس فإذا لم ينظر أو يمس في وقت ما كان يجده، حتى أبصر بعد ذاك، فإذا هوخارج فقيل عليه فساد صلاته حتى يعلم أنه إنما خرج بعد تمام الصلاة. ولو أمكن ذلك لما تقدم من دخول ذلك عليه، ولو لم يكن وجد ذلك. فلما فرغ من صلاته نظرفإذا هوخارج منه مثل ذلك كالمسألة الأولى لم يكن في الفولين عليه إعادة في صلاته حتى يعلم أن ذلك خرج في صلاته.
وفرق القائل بالاحتياط بين وجوده له في هذا، وبين الذي لم يجد، ويخرج ذلك في الاحتياط.
وإذا ثبت، الاحتياط في فساد الصلاة، ولو احتمل خروجه من بعد بمعنى وجوده.
والفرق بين الواحد وغيره لحق الاختلاف في الثوب، إذا كان لا مخرج له من مماسته النجاسة حين وجد، ولو لم يجد حين الخروج مماسا لموضع مخرجها الذي تفسد به الصلاة، لأنه لا فرق في ذلك.
وإذا ثبت هذا على الثوب فلم يوجد موضع النجاسة، خرج في الاحتياط على غسل ما دخل عليه الأشكال إلى ما لا ارتياب فيه.
وبعض من قال بفساد الصلاة بمثل هذا، لا يوجب في الثوب في مثل هذا فسادًا، حتى يعلم أنه مسه شيء من النجاسة إذا احتمل ذلك.
فإذا ثبت الفرق في هذا لزم في الصلاة كذلك كما في الثوب. إلا أن يخرج نظر في الفرق عند المشاهدة. قال: ويعجبني الحكم في هذا، ما لم يقع ما يشبه اليقين، ويصير مدافعا لليقين.
مسألة: (1/113)
صفحة 113
وكذلك يخرج في مثل هذا، إذا وجد شبه طعم الدم في فيه، أو عرفه في أنفه، أو كالريح تخرج من دبره لمعنى سواك أو غيره، ولم يستيقن ي ليل أو نه فيخرج عندي في لحكم في جميع ذلك، أنه على طهارته، وعلى حكم الطهارة منوضوئه أو غيره، حتى يصح معه مما لا شك فيه، وليس عليه إذا أحسن معارضة الشيطان ولم يستيقن على شيء أن يشغل نفسه بنظر ولا مس. (1/114)
صفحة 114
وقول من يرى الاحتياط يطلب لنفسه الخروج بحسب ما يرجو أن يدركه، حتى يخرج من تلك المعارضة بما يستيقن منها.
مسألة:
وكذلك لو بلي بشبه ذلك من دبره، أوامرأة من قبلها، فذلك سواء ويخرج فيه لقولان والأخذ بالحكم أقوى في معارضة الشيطان، والأخذ بالاحتياط ما لم يخف دخول الشك إلى ما يخرجه من الحكم والاحتياط لا بأس به، ولعله أحوط. وربما كان من ترك الحكم وطلب المبالغة يولد الشكوك والوسواس حتى يخرج إلى مفارقة الحكم والاحتياط من ترك الفرائض في أوقاتها، والجماعات مع أهلها، وفاته لله ما أدرك غيره ممن أخذ بالحكم واستقام.
وإن استعمل الاحتياط في الفسحة، فليس ذلك بضار، ما لم يخف تولد الأضرار، ومن نال الحكم، فقد أدرك حكم الأصول، ومن استقام على الأصول كاد أن يقدر على كثير من أموره إن شاء الله.
مسألة:
فأما الذي يجد الرطوبة، ويستيقن من البلل في ذه المواطن، وقد كان تقدم بلل من وضوء أو غسل، فاحتمل أن يكون حادثا من نجاسة من قبل أو من دبر، وأن يكون من البلل المتقدم ففي الحكم أنه على الطهارة حتى يستيقن أنه حدث من غيرها، أو يصير إلى حال لا يمكن ثبوتها إلى ذلك الوقت، فحكمها نجس، ما لم يحتمل أن يخرج من هنالك طهارة. فإذا احتمل ذلك فالطهارة أولى به في الحكم، ما لم يدخل إشكال يخرجه عن الاطمئنان إلى أن ذلك من رطوبة أو من طهارة. (1/115)
صفحة 115
مسألة:
وقيل في المرأة الثيب يخرج من فرجها الماء من بعد وضوئها، أو غسلها من خباثة، أو حيض. قد يعرف أن الماء الطاهر يدخل في فرجها عند التطهير. فقول: إنه نجس، إذ هو مخرج النجاسة حتى تستيقن أنه كان من الطاهر.
وقول ما احتمل أن يكون باقيا من الطاهر فهو طاهر، حتى يخرج متغيرًا عن الماء الطاهر، أو لا يمكن أن يكون منه من المحتقن في الفرج من حيث تبلغ الطهارة، فهذا إذا كان على أثر الطهارة قد غسلت فيها الفرج وغسلت داخله.
قال الناسخ: وجدت في بعض الجوابات، أن المرأة إذا تطهرت ثم خرج من فرجها ماء بعد التطهير، فإن كان باردا فهو طاهر، وإن كان ساخنا فهو نجس. والله أعلم. انظر فيه ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
مسألة:
وأما على غير ذلك من الاستنجاء من بول أو غائط لا تدخل يدها في الفرج، فهذا أقرب أن يثبت فيه معنى النجاسة على حال، حتى تعلم أنه طاهر، قد دخل من ماء طاهر.
مسألة:
وقيل لو أدخل يده في فرج زوجته وهي ثيب فمسته رطوبة منها، فإن كانت حيث تناله الطهارة من الجماع والحيض المحكوم عليه بأنه قد تطهر ما قد لزمه حكمه من النجاسة، فإن يده طاهرة حتى يعلم أنها نجاسة. فإذا ثبت هذا المعنى، فلا يخرج إلا على الاختلاف. (1/116)
صفحة 116
وإذا ثبت الاختلاف في هذه الرطوبة، لم يبعد تساوي ذلك وما يخرج من الماء إن احتمل أن يكون طاهرا تستيقنه، حين استنجت من الماء الطاهر، وبقي هنالك حتى خرج فيشبه الاختلاف.
مسألة:
ولو خرج هذا الماء من ذكر، كان في الحكم نجسا، ولا يخرج له معنى طهارته لأنه خرجمن مجرى النجسة التي لا تبلغ إليه الطهارة في الحكم، وهو في الحكم نجس. لأنه لو احتمل أن ينشفه كان دخوله إلى موضع النجاسة التي لا تبلغها الطهارة في الاعتبار، ولا في الحكم، لا يبين فيه اختلاف.
وإذا ثبت أنه من فرج الثيب، كان طاهرًا لطهارة الموضع. فلو ثبت على هذا خروج شيء من الطاهرات من موضع الطهارة، مثل قيح أو بأس من قرحة في الرحم، لكان طاهرًا ما لم تعلم أنه مسه شيء من النجاسة، أو جاء من موضع النجاسة، من حيث لا تبلغه الطهارة.
قال: ولا يشبه هذا إذا صح أنه قيح أو بأس خروج الماء. لأن الماء يحتمل أن يكون من الماء الطاهر، ويحتمل أن يكون خارجًا من الماء النجس، لأنه قد يخرج من المرأة الماء النجس الصافي والأكدر، ولا يكون خروجه في االاعتبار من حيث تنال الطهارة، وإنما يأتي من موضع الولد أو غيره من والج الرحم، حيث لا تناله الطهارة، والرحة في موضع الطهارة كظاهر البدن إذا صح طهارة الرحم. ولا بد أن يكون موضع الجماع من والج الرحم حكمه حكم ما سبقته الطهارة إذا ظهر، أو يكون من داخل البدن الذي لا تصح له طهارة، ولا يلزم فيها طهارة (1/117)
صفحة 117
ويكون ماخرج منه نجسا بمنزلة الدبر الذي ليس عليه طهارة وحكم ما جاء منه مما عدا الحلقة نجس، ولو صح أنه قبيح أوبأس من قرح داخل.
مسألة:
ويخرج الاختلاف في غسل والج قبل المرأة من الحيض والجماع على ما بينا في باب وضوء النساء.
وإذا ثبت أنه من دواخل بدنها كان كل ما كمن فيه من دم أو ماء أو صفرة، ليس بحدث ينقض، بمعنى الاتفاق أنه لا يكون حيضا ولا استحاضة.
وإذا ثبت هذا كان موضع نجاسة ولو طهر، وكان كل ما خرجمنه وظهر خارج الفرج نجس ناقض للطهارة من ماء أو صفرة أو كدرة، ولا ناقضًا للطهارة ما لم يظهر.
وكذلك يكون نجسا ما خرج منه من قيح أو بأس ولو صح أنما هو حيث تبلغ الطهارة.
وإنما يخرج ما ذكر من تلك المعاني على قول من يثبت عليها غسله. لأنه لا يستقيم أن يثبت عليها غسله وهو نجس ولا يظهر، فيكون عبثًا، بل لا يثبتعليها غسله إلا لمعنى أنه يظهر أنه موضع طهارة.
مسألة:
وإذا ثبت غسله. وأنه موضع طهارة، فلا يفسد بما كان فيه إلا ما صح أنه من النجاسة.
ولا أعلم اختلافا يوجب في البكر أنه ما خرج منها من ماء أو غيره، ولو صح أنه كان مما دخل من الماء الطاهر إلا انه نجس ما خرج من والج الفرج إلى خارجه.
كذلك لو ثبت أنه صح دخول ماء طاهر في الدبر أو في الذكر متعديًا موضع الطهارة، ثم خرج كان نجسًا، لا يبين لي فيه اختلاف، لأنه موضع نجس لا تبلغ إليه الطهارة.
وكذلك ما خرج من داخل الدبر من قيح أو بأس أو ماء، ولو استيقن أنه ليس من معنى الغئط. ولا من الجوف. ولو أدرك ذلك باليد وطهر موضعه لكان عندي سواء.
مسألة:
أبو سعيد: وأما الاحتشاء، فقيل مجملا: إنه لو احتشى بعد أن تبول، ثم استنجى ولم يخرج الاحتشاء. فإن له ذلك. ويخرج أن له أن يفعل ذلك، وليس عليه إخراجه ويدعه.
وقول: ليس عليه ذلك حتى يستنجي، ثم يحتشي. لأنه إذا احتشى قبل أن يستنجي كان مانعًا للطهارة. (1/118)
صفحة 118
وقول: إن كان يبلغ إلى موضع ما تناله الطهارة، فيحول بينه وبين الطهارة، لم يجز له ذلك، وإن كان إنما هو حيث لا تناله الطهارة، كان له ذلك قبل الاستنجاء وبعده. (1/119)
صفحة 119
قال: وفي الحكم لا أجد مانعصا يمنع ذلك قبل الاستنجاء وبعده. فإن كان في موضع يمنع الطهارة من حيث تبلغ، وتحت خروج قول من يمنع قبل الاستنجاء إلا أن يخرجه إذا أراد الاستنجاء.
وإن كان كله لا يحول، فليس عليه إخراجه في الحكم، ولو كان يعلم أنه قد يتنجس، وكان يقدر على إخراجه لأنه لا مانع يوجب منعه، وليس هو في موضع ما يجب فيه التعبد بالطهارة. وإذا كان كذلك، كان بمنزلة مجرى البول في الحكم، إذ لا تمنع النجاسة، وإذ لا تبلغه الطهارة، ولا هو متعبد بغسله، وإنما يجعله ليمتنع عن النجاسة.
مسألة:
ويخرج قول، إن كان الاحتشاء في موضع يقدر على إخراجه، وقد علم أنه تنجس، وأنه نجس، فعليه إخراجه، لأن عليه إزالة النجاسة كلها مما يقدر عليه بل مضرة كالاستبراء من البول، حتى يخرجه ومما هو خارج من المني بالبول.
وأما إذا كان لا يقدر على إخراجه إلا بالبولن فلا أعلم أنه قيل إن عليه أن يبول حتى يخرج الاحتشاء، وإنما يخرج ذلك عندي، أن عليه إخراجه إذا تنجس وقد رعليه بالمعالجة منالظاهر. إذا ثبت أن عليه إخراجه إذا قدر عليه إذا تنجس، لم يخرجذلك عندي من ثبوته عليه ان يخرجه بالبول، كما أنه قد ثبت عليه فيما عليه إخراجه من المني بالبول، ولا فرق في ذلك، فلما لم يكن الاحتشاء في موضع الطهارة ولم يحل بين شيء تجب طهارته، كان معناه لمجرى البول (1/120)
صفحة 120
في موضعه. إذ هو نجس من داخل بدنه، وليس عليه إخراجالدواخل في بدنه بمعالجة، غذا لم يكن في موضع تجب طهارته، ويترك إذا كان هكذا.
فإذا كان قد احتشى على طهارة، ثم تنجس الاحتشاء بعد ذلك، فعلى قو؟ ل من يقول عليه إخراجه كان له إخراجه بغير معنى البول الذي ينقض طهارته. فإن لم يخرجه وصلى، كان كأنه قد صلى بنجاسة.
ويخرج على هذا أنه سواء تنجست القطنة من داخل، أو من داخل وخارج وقول: ليس عليه إخراجها ولم علم بنجاستها من داخل ولم تظهر الرطوبة، ولا تفسد عليه إذا كانت في غير موضع الطهارة لأن نقض الطهارة إنما يقع بما ظهر على سمة الذكر. والمعنى كله سواء. إن كان عليه إخراجها، فسواء تنجست كلها أو بعضها، قدر على إخراجها من ظاهر أو باطن، ببول أو غيره، لأن هذا معنى حكم ما يجب إخراجه أن يحتال عليه بكل ما يقدر عليه، وما لا يجب إخراجه فلا يجب بوجه قدر عليه، أو لم يقدر، ولو كان فيه فضل إلا للفضيلة، ما لم يشغله عن لازم، أو عما هو أفكضل منها.
مسألة:
ولا معنى يوجب إخراج الاحتشاء، كان قبل الاستنجاء أو بعده، فينجس ما لم يكن يبلغ إلى موضع الطهارة، فتحول بينها أو شيء منها ولو قدر على إخراجه ما لم تصر النجاسة إلى موضع ينقض، رطبة كانت أو يابسة.
وليس ما يقدر عليه المحتشي بمعالجة إذا لم يبلغه بطهارة في معنى إخراج النجاسة منه، بمنزلة الثيب وإدخال يدها لغسل ولج فرجها، لأن الثيب تقدر (1/121)
صفحة 121
على طهارة ذلك بيدها وبالماء. وهذا لا يقدر على طهارة ذلك بالماء. فمعنى هذا غير معنى الثيب.
مسألة:
ولو بلغ الاحتشاء موضع الطهارة مستحشيًا بنجاسة رطبة، نقض ذلك الطهارة، إذا كان ينجس ذلك مما يخرج، وعليه الاستنجاء بغسل ما مس موضع الطهارة، وغل ما ظهر من الاحتشاء نالته الطهارة، وليس عليه إخراجه بمعنى الاتفاق ولو كان ما بقي منه نجسا، لأنه لا يمكنه غسله ولا يصل إليه، وليس عليه إخراج ما لم يمكن غسله، ولا لا إخراج ما أمكنه غسله. وإنما عليه غسله إذا أمكنه جعله هو أو يخرج منه، أو جعله فيه غيره، فعليه غسل ما أمكنه. ولو كان عليه إخراجه إذا قدر على إخراجه، ولم يبلغ إلى غسله أو شيء منه، لكان يجب عليه إخراج ما قدر عليه من داخل دبره، وغسل ذلك. وليس ذلك عليه باتفاق. وإنما عليه غسل ما ظهر، ولو كان يناله بيده ويشهد العقل أنه متصل بما ظهر، وهذا ما لا نجس وهو به.
وليس وجوب غسل بعضه يوجب غسله كله إذا خرج ما لم يقدر على غسله.
وليس عليه نقض الوضوء إذا خرج الاحتشاء النجس بعد ما يبس وجف، بقدر ما لا يرطب سمة الذكر من حيث تجب الطهارة، فإن شاء أخرج الاحتشاء اليابس النجس، ولا غسل عليه في الإحليل، ولانقض وضوء، وإن شاء غسل ما ظهر من الاحتشاء لنجس، دون ما لم يظهر إن أمكنه من غير مس ذكره. (1/122)
صفحة 122
وكذلك الثيب إذا احتشت احتشاء لا يظهر، فهو بمنزلة الاحتشاء في الذكر من الرجل، وليس عليها إخراجه، ولو ينجس كله أو بعضه، ما لم يبلغ موضع الطهارة من خارج.
وأما البكر فمثل احتشاء الذكر، لا يبين لي فيه اختلاف. (1/123)
صفحة 123
الباب الثالث والعشرون
في نقض الوضوء وحكمه
النقض إفساد كل عمل من بناء أو غيره، والنقض اسم البناء المنقوض، بمعنى اللبن إذا خرج منه. قال الشاعر:
لَا يَأْمَنَنَّ قَوِيٌّ نَقْضَ مِرَّتِهِ إِنِّي أَرَى الدَّهْرَ ذَا نَقْضٍ وإِمْرَارٍ
أي ما أمّن رجع عليه فنقضه. وكذلك المناقضة في الأشياء: تجئ مناقضة الشاعر لغيره تجئ بغير ما قال.
والاسم النقيضة، ويجمع على النقائض. ومنه قالوا نقائض جرير والفرزدق. والأمر يقتضي النقض في كل شيء. والمرة: شدة الفتل، والمرة شدة أسر الخلق. وقوله تعالى"ذُ مِرَّةٍ فَاسْتَوَى" أي استوى صحيح البدن. يعني به جبريلعليه السلام. والمرير الحبل المفتول. وتقول: أمررته إمرارًا وكأن قوله نقض وضوءه أفسده والله أعلم.
مسألة:
أبوسعيد: إن بعضًا يذهب إلى أن حفظ الوضوء أفضل، وبعض يذهب إلى الوضوء لكل صلاة، لتجديد نية الصلاة.
قال والذي أدركنا عليه مليه من أدركنا، أنهم كانوا يذهبون إلى حفظه، وإذا كان متوضئًا كان أحرز لدينه من الحوادث والكلام القبيح، ومقيما على فريضة محافظًا عليها. (1/124)
صفحة 124
وقول: الطهور على الطهور نور على نور، كان يذهب لو حفظ وضوءه ثم توضأ لكان فضلا على فضل.
مسألة:
ومن توضأ للصلاة وصلى، ثم أهمل ذلك الوضوء، وحضرت صلاة أخرى، فليصل بذلك الوضوء، إذا لم يظن أنه أحدث.
ولو أن رجلا توضأ ثم قال: قد هدمت وضوئي، لم يكن ذلك ليبطل وضوءه.
مسألة:
ومن توضأ للصلاة فمكث على وضوئه أياما لا ينام ولا يحدث، فهو على وضوئه، وله أن يصلي به ما لم يحدث. بهذا يدعى مخالفونا بالإجماع عليه من الصحابة. وكذلك عن أبي الحسن في جامعه.
والوضوء الواحد يجوز به الصلوات الكثيرة فرضا وتطوعا. الدليل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد.
قال أصحاب أبي حنيفة: الأصل في صلاة المتوضئ بطهوره-ما لم يحدث-ما شاء من الفروض لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى يوم حنين أربع صلوات.
مسألة:
ومن طعنه سلاة في إيره، هل عليه أن ينظرها في ليل كان أو نهار؟ قال: إن كان الأغلب معه الخوف والتهمة، أحببت له النظر، وتفقد أحوال وضوئه (1/125)
صفحة 125
من حال التهم ةاريب إلى البراءة فإن كان الأغلب معه أنه قد جرح فلم ينظر، ففي الحكم، لا أحكم عليه بذلك، إلا أن يستيقن بسيلان الدم أو نحوه مما لا يشك فيه. وأما الاحتياط فأحب له أن يعيد صلاته. (1/126)
صفحة 126
الباب الرابع والعشون
في المتوضئ يأخذ شعرا، أو يقطع شيئا من بدنه
أو يفعل شيئا مباحا
ومن تطهر ثم حلق رأسه، فقيل يمسح موضعه، وقيل يعيد الوضوء، وقيل لا إعادة عليه، لأنه مسح رأسه من قبل، ولا عليه أن يغسله إلا أن يدمي.
والأصل أن الموسى طاهر، والحجام طاهر حتى يعلم نجاسته. وإن كان بالموسى دم، ثم سنه بالمسنّ زالت عين النجاسة وطهر، سواء كان بالمسنّ أو غيره، أو بماء إبريق.
مسألة:
ومن تطهر ثم قص أظفاره، أو أخذ شعره، أو شاربه، أو عانته، فهو على طهارته. وهو قول الحسن ومالك والشافعي. ويستحب له أن يمر الماء على ما أخذ منه بلا إيجاب.
مسألة:
قال أبو مروان ومن قطع شيئا من أظفاره بضروسه انتقض وضوؤه، وإن قلمها بالمقص غسل موضعه، وقول قطعه بأضراسه أو بغيرها فلا نقض، ويبله، وقول يغسله. وقول يستحب أن يبله بماء أو بريق إن لم يجد ماء، وليس بواجب وقول: لا بلل عليه. / (1/127)
صفحة 127
مسلأة:
وفي موضع إن قص شعر رأسه وهو متوضئ، فلينفض رأسه من الشعر، ويمسحه بالماء، فإن لم يفعل ذلك وصلى فلا بأس عليه، وإن بقي في رأسه شعر منفوضا، أو وقع في ثوبه وصلى فيه، فقيل عليه الإعادة لأنه ميت.
وفي موضع: إن قصه ثم نفضه وبقي في ثوبه منه شيء فلا بأس بذلك.
مسألة:
ومن نتف إبطيه، ثم توضأ وصلى ولم يغسلهما ناسيًا أو عامدًا، فلا نقض عليه، مالم يخرج الدم.
مسألة:
ومن قطع ظفره بفمه، نقض وضوءه على قول أبي عثمان. وكذلك عن بشير ابن محمد: لأن قصه فقد مات، فمسّ سنه، فلذلك رأى وضوءه فاسدا.
قال أبو معاوية: لا نقض عليه إذا أخذه بأسنانه. وإن قصه بالحديد فلا نقض عليه. وإن أخذه بأسنانه فعليه النقض. قال: ولم ينقل إلينا هذا عن عامة الفقهاء.
مسألة:
ومن قطع شعرة من بدنه أو لحيته، فلا نقض عليه، وإن قطعها بأسنانه، نقض على بعض القول.
مسألة:
ومن أخرج جلدة من يده أو رجله بضروسه، فإن كانت ميتة فلا ينقض (1/128)
صفحة 128
وضوؤه، ويبل مكانها بالماء، وإن كانت حية وهي رطبة. ومسها بيده انتقض وضوؤه، وإن كانت يابسة بل مكانها بالماء. وقول: إنها بمنزلة الميتة، تنقض رطبة أو يابسة.
قال أبو محمد: من نزع شعرة أو جلدة أو ظفرًا من حدود الوضوء، فيبل ذلك بالماء. فإن لم يبله، فلا أرى نقضا، كالشعرة والشعرتين، أو الشيء اليسير، او الجلدة الميتة والأظافر، ولي فيه نظر.
ومن قص أظفاره، أو نتف من سائر بدنه جلدا، لم ينتقض وضوؤه. وفي بلّ الموضع اختلاف، وبه قال الحسن ومالك والشافعي والنعمان.
مسألة:
ومن تطهر ثم طرح خبزا في تنور فاحترق من شعر يده. فلا نقض عليه، ولكن يبل ما أصابت النار من موضع الشعر والجلد على قول. وفيه اختلاف.
مسألة:
في المتوضئ يصيبه ما يؤلمه ولا يدميه، كجدار يصدمه، أو خشبة ونحوها، قال: لا أعلم أن هذا ينقض بمعنى الألم.
مسألة:
ولا وضوء على من حمل الجنازة، ولا وضوء على من ذبح ذبيحة إذا لم يمسه (1/129)
صفحة 129
شيء من دمها، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بمنى ثلاثاً وستين بدنة، ولم نعلمه أحدث لذلك طهارة، وهو قول عوام أهل العلم.
ومن استاك أو تخلل أو تجرع من أسنانه شيئا، فلا نقض عليه، إلا أن يخرج دم. والله أعلم. (1/130)
صفحة 130
الباب الخامس والعشرون
في المتوضئ يأكل شيئاً مما مست النار
والوضوء لا يجب مما مست النار. فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، توضأ مما مست النار، قيل له: الوضوء مأخوذ من النظافة على ما قدمنا ذكره. فقد يمكن أن يكون أراد بالوضوء النظافة، لغسل اليد استحباباً، لا إيجاباً. ولسنا نوجب فرضا بغير دليل.
ولو كان موجبا للوضوء الذي للصلاة، لكان ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. في غير هذا الموضع معارضا له، وذلك أنه أتى بكتف موربة فأكل منها ولم يتوضأ والموربة هي الموفرة غير الناقصة. يدل عليه قول الكميت، ولا تسلت عضوين منها بحايز.
فصل
وكان لعبد القيس عضو مورب، يعني تاما غير ناقص. يقال: قطعت اللحم إربا، والواحد إرب وفي الحديث: أربت من يد، أي قطعها الله. والإرب يالتثقيل الحاجة المهمة.
والمراوبة: مداهات الرجل ومخاتلته. وفي الحديث: مواربة الأريب جهد وعناء. لأن الأريب لا يخدع من غفلة.
مسألة:
فالوضوء مما مست النار على ما جاءت به الرواية، هو عندنا غسل اليد أو (1/131)
صفحة 131
الفم. وكانت الأعراب لا تغسل منه، وتقول: قعد الطعام أشد علينا من ريحه، فأفادنا صلى الله عيه وسلم بغسل الأيدي مما مست النار من الأطبخة والشواء من الزهومة، يقولون إذا غسلوا أيديهم وأفواههم من الزهومة توضأنا.
مسألة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل عند فاطمة عليها السلام عرقا، ثم جاء بلال فأذنه بالصلاة، فتعلقت بثوبه وقالت ألا تتوضأ يا أبي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: مم أتوضأ يا بنيّة؟ قالت: مما مست النار. فقال عليه السلام: أليس أطهر طعامكم ما مسته النار.
ومن طريق جابر قال: رأيت أبا بكر يأكل خبزًا ولحماً، ثم أخذ العرق متعرقة وقال، لعله، وقام إلى الصلاة، فقال له مولى له: ألا تتوضأ؟ قال: أتوضأ من الطيبات.
والديثان حجة لتمام الوضوء مع أكل ذلك. وبالله التوفيق.
مسألة:
والعرق اللحم يكون على تالعظم. قال الخليل: إذا كان العظم باللحم فهو عرق. والعراق: العظم الذي أخذعنه اللحم.
قال الشاعر: ... * فَأَلْقِ لِكَلْبِكَ مِنْهَا عِرَاقاً *
وعن أبي ذكوان قال: عراق اللحم على العظم. وبقول: عرقت ما على العظم، إذا تفيته من اللحم. ورجل معروق اللحيين، ومعروق العظم، أي مهزولها. (1/132)
صفحة 132
قال امرؤ القيس:
قضدْ أَشْهَدُ الغَارَةَ الشَّعْرَاءَ تَحْمِلُنِي ... جَرْدَاءُ مَعْرُوقَةُ اللَّحْيَيْنِ شَرْحُوبُ
يصف الفرس بقلة اللحم على وجهه، وذلك أكرم له.
وقال آخر: ... * وَأَبْخَلُ مِنْ كَلْبِ عَقُورٍ عَلى عِرْقِ *
وفي المثل: "أَلْأَمُ مِنْ كَلْبٍ عَلَى عِرْقِ"
مسألة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وضوء من طعام أحل الله أكله"، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه أتى بسويق فشربه، ومضمض فاه، وصلى صلى الله عليه وسلم.
فالوضوء المرويّ من الطعام، وهو تنظيف البدن منه.
وروي عن الحسن أنه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم. اللم مس الجنون، ورجل ملموم: به لمم. وفيه وجوه أخرى. (1/133)
صفحة 133
الباب السّادس والعشرون
في نقض الوضوء بالنعس والضحك، وما أشبه ذلك
النوم من الاضطجاع ينقض الوضوء، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الوضوء على من نام مضطجعا. ومن طريق ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سجد فنام حتى غط فنفخ، ثم قام فصلى، فقلت له: يارسول الله، قد نمت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا" الغلطيط: النخار.
مسألة:
وفي الجامع: ومن نفس وهو قاعد. فنقول: ينقض وضوؤه، وقول: إذا زالت مقعدته واسترخت عن موضع قعوده وهو ناعس انتقض وضوؤه. وقول: لا نمقض عليه حتى يقع جنبه على الأرض أو غيرها مما ينام عليه، ثم ينعس فهذا ينقض وضوؤه بدلالة الرواية.
وفي الشرح، أن أصحابنا اختلفوا كذلك: فمن حكم بالنقض على من نعس قاعدا فقاسه على المعمى، لعله المغمى عليه، ومن زال عقله وهو باتفاق، ولم يصح معه خبر الاضطجاع.
ومن قال بارتخاء المقعدة، ذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: العينان وكاء الاست. فإذا انسدت العينان ارتخى الوكاء. (1/134)
صفحة 134
قال والاس الأصل. فشبه المقعدة بالأصل للإنسان في القعود.
قال المصنف: عرفت أن الرواية: العينان وكاء أست. والاست: الدبر. والله أعلم.
ومن ذهب إلى أنه لا ينقض حتى يضع جنبه على الأرض، احتج بالرواية.
مسألة:
اختلف أصحابنا في نقض طهارة من نعس قاعدا، أو وضع جنبه على الأرض أو غيرها، قال أكثر أصحابنا: من نام متكئاً، وزالت مقعدته عن موضع جلوسه انتقضت طهارته.
وقول: إن كان إذا أخرج الشيء المتكئ به سقط، انتقض وضوئه، وإن لم يسقط لم ينتقض وضوؤه.
مسألة:
وقال بعض من لا عمل على قوله منهم: إن طهارته لا تنتقض حتى يضع جنبه على الأرض نائما.
قال أبو محمد رحمه الله: وهذا القول على قلة استعمالهم له عندي أنظر، لأن السنة تشهد بصحته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، اتكأ عل يده نائما، حتى نفخ ثم قام وصلى، فقيل له: إنكك نعست. فقال صلى الله عليه وسلم: تنام عيناي ولا ينام قلبي.
والنبي صلى الله علايه وسلم مستوٍ هو وغيره في حكم البشرية، إلا فيما أخبرنا أنه مخصوص به، وكيف وقد نام حتى طلعت الشمس عليه، ولو لم ينم قلبه لم يؤخر الصلاة عن (1/135)
صفحة 135
وقتها هو وأصحابها، حتى يذهب ويصليها في غير وقتها هو وأصحابه. والله أعلم بتأويل الخبر الذي يعتمدون عليه.
وحكم النبي صلى الله عليه وسلم في الشريعة بعد التنزيل، وحكمنا سواء، ولا يختلف بإجماع إلا ما دلت عليه الدلالة.
قال الحسن البصري: إذا خالط النوم قلب أحدكم فليتوضأ.
مسألة:
فأما من حكم بنقض طهارة من تعس قاعدًا، فقاسه على المغمى عليه، لأن المغمى عليه قد زال عقله ومن زال عقله بجنون، او برسام، أو بأحد العلل التي يزول عقله منها، فطهارته زائلة باتفاق الناس، ولم يثبت عند هؤلاء خبر الاضطجاع المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ذهب إلى أن نقض الطهارة لا يكون إلا بارتخاء القاعد من قعوده، وزوال المقعدة عن مستقرها مع زوال العقل بالنعاس كأنهم ذهبوا إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: العينان وكاء إست فإذا استدت العينان ارتخى الوكاء.
والأس هو الأصل، فشبه المقعدة بالأصل للإنسان في حال قعوده. ومن ذهب إلى أن الناعس في حال قعوده وارتخائه لا تنتقض طهارته حتى يضع جنبه على الأرض ناعساً، قوله صلى الله عليه وسلم حين نعس وهو متكئ على يده حتى سمع غطيطه، يعني نخاره، فقام إلى الصلاة، فقيل له: إنك نعست، فقال: لا نقض على من نعس هكذا حتى ينام مضطجعا.
قال وهذا مع صحة الرواية، فإن دليل الاتفاق يوجبه، ويشهد بصحته، (1/136)
صفحة 136
لاتفاق الجميع على الناعس في الصلاة، في حال قعوده وركوعه وسجوده، لا نقض على طهارته حتى نقلب على جنبه مضطجعا، فلما كان هذا أصلا متفقا عليه، وجب الرجوع إليه.
حذيفة: بينما أنا جالس إذ رقدت، فوضع إنسان يده على مخنقي، فرفعت رأسي، فغذا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعليّ وضوء؟ قال: لا حتى تضع جنبك.
مسألة:
وفي موضع: وفي نقض الوضوء من النوم ستة أقوال أصحها النقض، وهو قول الحسن.
قال ابن محبوب: من نعس متكئاً عل يده وإحدى ركبتيه، فلا نقض على وضوئه حتى يضع جنبه على الأرض.
مسألة:
وإن استند إلى جدار أو غيره ومقعده على الأرض فنعس، فلا بأس عليه إن شاء الله.
ولكن إذا وضع جنبه على الأرض، فغلبته عينه قليلا، فهو أعلم بنفسه.
وإن كان الوكاء مسدوداً، فيه رياح يضغطها فليتوضأ.
وإن كان خالي البطن ليس فيه رياح، ولا شيء بخافه، فلا بأس عليه. فإن نوضأ فهو خبر وأفضل. (1/137)
صفحة 137
ويقال كل مضطجع نام فعليه الوضوء.
مسألة:
قيل: دخل على أبي العلاء وهو بنزوى متكئاً عل وسادة، فسئل عمن اتكأ على وسادة فنعس؟ فقال الربيع: من أخذته السنة وهو متكئ لم ينقض طهره.
مسألة:
قال بعض أصحابنا: إن الناعس في الصلاة لانتقض طهارته، قئماً كان او ساجداً. وبهذا قال: ليس على من نام قائما أو راكعا أو ساجدا الوضوء إنما الوضوء. إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه متى اضطجع استرخت مفاصله.
ممسألة:
اتفق الناس على أن المتطهر إذا تغير عقله، انتقضت طهارته، سواء كان تغير عقله من غشية أو جنون، قاعداً كان أو قائماً.
وقال عبد الله ومحمد بن محبوب: إن طهارته تنتقض في كل شيء بغير عقله، من نعاس أو غيره قاعداً كان أو قائماَ، إلا أن يكون في الصلاة.
قال أبو الحسن: من استند إلى شيء مما يمكن النوم عليه ونعس، فأحب أن ينتقض وضوؤه، ومن ركب دابة فنام عليها، فلا نرى عليه نقضاً. (1/138)
صفحة 138
قال محمد بن محبوب. من نعس وهو متكئ على يد واحدة وركبة، فلا نقض على وضوئه، حتى يقع جنبه على الأرض والله أعلم.
مسألة:
اختلف قومنا في نقض الطهارة من النوم: قال مالك إن طال النوم نق، وإن لم يبطل، لم ينقض. قال المزني، النوم على جميع الأحوال ينقض.
قال أصحاب أبي حنيفة: النوم قاعداً أو أو قائماً أو راكعاً أو ساجداً، لا ينقض.
قال الشافعي: إذا نام قاعداً لم ينقض، وإن نام راكعاً أو ساجداً أو قائماً نقض.
وعن أبي يوسف. إن نام في حال سجوده متعمداً نقض، وقد تقدم ما يدل على فساد بعض أقوالهم.
مسألة:
وعن النبي صلى لله عليه وسلم: إذا نام العبد في السجود باهى الله تعالى به الملائكة.
مسألة:
قال أبو سعيد: قول من قال لا نقض في النوم مضطجعا، ساد في ثبوت السنة عند النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، ومن ثبوت الوضوء من النوم. ولولا ما تقدم منقول اصحابنا من الاختلاف لثبت في معاني الاستدلال تقض الوضوء بزوال العقل بالنعاس في انه حال للاتفاق في المغمى عليه والمجنون. (1/139)
صفحة 139
مسألة:
أجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة، لا ينقض طهارة، ولا يوجب وضوءا، وأجمعوا على أنه في الصلة ينقض الصلاة. واختلفوا في نقض طهارة من ضحك في الصلة.
مسألة:
قال أصحابنا: من قهقه ضاحكا انتقضت صلاته ووضوؤه، تعظيما لشأن الصلة، و القهقهة هي التي يتحرك منها القلب إن لم يكن ذلك وضحك حتى كثر عن أسنانه، فذلك ينقض صلاته ولا ينقض وضوؤه. وإن ضحك ولم تبلغ إليّ تكشير الأسنان، ولا حركة البدن، فلا ينقض وضوؤه ولا صلاته.
مسألة:
ومن خاف الضحك في صلاته، فبادر فسلم في غير موضع تسليم ليسلم له وضوؤه، قال أبو عبد الله أخاف أن يفسد عليه وضوؤه وصلاته.
قال أبو زياد: أرجو أن يسلم له وضوؤه، لأنه قد سلم قبل الضحك متعمدا. ورجع أبو عبد الله، ووقف عن بعض الوضوء.
مسألة:
ومن قطع الصلاة متعمدا فتكلم، فلم ير عليه محبوب نقض الوضوء إلا من ضحك. (1/140)
صفحة 140
مسألة:
ومن تقهقه وهو في التوجيه أو قد فرغ من التحيات الآخرة، فلا ينقض وضوؤه.
مسألة:
أبو عبد الله محد بن إبراهيم في القاعد ينعس محتبيا، ويحمل رأسه على يديه أو ركبتيه، أو جعل خده على إحدى يديه، أنه أهون ممن اتكأ بجدار، فإن وضع جنبه على الأرض ورفع رأسه على كفه، فهذا قد وضع جنبه. ولا أعلم فيه اختلافا، ثم قال: قدقيل إن المتوضئ إذا زال عقله في أي حال، قاعدا كان أو قائما أو متكئا أو راكعا أو ساجدا، فإنه ينتقض وضوؤه، كالمغمى عليه إذا تغير عقله ولو طرفة عين. (1/141)
صفحة 141
الباب السابع والعشرون
في نقض الوضوء بمس الفروج والعورات
اختلف أصحابنا في المتوضئ بمس الفرج. فقول من مسه ناسيا، لم تنتقض طهارته، ومنهم أبو أيوب. وقول عليه النقض ناسيا كان أو متعمدا. ومنهم ابن محبوب.
أبو محمد النظر، يوجب هذا لخروج الريح والقهقهة ينقضان على العمد والخطأ.
وفي موضع ومس الذكر ينقض الوضوء عند أصحابنا، ووافقهم على ذلك الشافعي، واحتج بما روى قيس بن طلق عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فقلت: أتوضأت من الحدث؟ فقال لا، من مس الذكر.
وفي خبر لا، ولكن مسست ذكري. وخالف في ذلك أبو حنيفة، واحتج بأن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن مس الذكر، هل عليه وضوء؟ فقال صلى الله عليه وسلم لا، إنما هو بضعة منك، وفي خبر جذوة منك، ويروى جذبة.
مسألة:
يقال جذبة جذوة من لحم، وحزة، وفلدة، وبضعة، وهبرة، وقدرة، وودرة، وجمعها هبر، وقدر، وودر، وقال أحمد: الهبرة كبيرة، ودونها ودرة، ثم القدرة دونها، ودون ذلك البضعة. (1/142)
صفحة 142
قال أعشى باهلة:
بِكَفَّيْهِ جَرَّةُ قُلْدَنٍ أَلَمَّ بِهَا ... مِنَ الشَّوَاءِ وَيُرْوِي شُرْبَةُ الغَمَرُ
والغمر القدح الصغير.
مسألة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مسّ ذكره قاصدا بيده، ليس دونه ستر فليتوضأ. وحدث يزيد بن حبيب، أن عائشة كانت تقول: من مس الفرج الأسفل والأعلى فليتوضأ.
وقال جابر بن زيد: إذا مس الرجل فرجه، أو المرأة فرجها بيديهما، فليتوضآ.
سئل جابر بن زيد، لعله عن الرجل يجلس في الصلاة، فيمس فرجه بعقبه، أو المرأة، قال أحب أن يتوضآ، ولا أدري أن ذلك واجب.
وفي موضع آخر: أنه لا يعيد الوضوء. وقول: يعيد الوضوء. وقول بعض قومنا: ما أبالي مسسته أو مسست أنفي.
مسألة:
ومس الفروج كلها ينقض الوضوء، إلا من الدواب، وكذلك إن مس فرجه أو مس فرج زوجته فقد اختلف الفقهاء في ذلك. فقول إذا مس الذكر والأنثيين، أو ما مس أو الدبر انتقض وضوؤه. (1/143)
صفحة 143
ومنهم من لا يرى النقض إلا في مس الذكر، ما مس منه من الدبر. وقول لا ينقض إلا ما مس الكوين على العمد والخطأ، وهو قول أبي علي [موسى بن علي] وبعض لم ير بالخطأ بأسا. وذلك في الرجل والمرأة.
مسألة:
ومن وقعت يده على ذكره ولم يعلم مست الكوا أو لم تمسه، فلا نرى أن وضوءه انتقض حتى يعلم أنه قد مس الكوا، أن مس الثقبين خطأ، اختلف فيه، وهو يجب ألا ينقض عليه وضوؤه.
مسألة:
قالأبو سفيان: كان أبو عبيدة يتخذ جوربا يصلي فيه، لئلا يصيب فيه الذكر مواضع الوضوء من جليه، فبلغ ذلكحيا الأعرج، وكان ممن حمل عن جابر علما، وكان اكبر سنا من أبي عبيدة، فقال لقد اشفانا الله إذن، إن كان كما يقول أبو عبيدة، وكان حيان الأعرج يقول لا ينقض الوضوء مس الذكر، إلا من حيث يخرج البول، وأما القضيب فلا.
وكان أبو عبيدة يقول: القضيب كله ينقض الوضوء، وقول حت يمس الحشفة.
وأما الدبر والأنثيان ومواضع الشعر، فليس ينقض عنده الوضوء. د
وزعم هاشم الخراساني أن أبا عبيدة أبا نوح اختلفا في مس العورة، فقال أبو نوح: لا ينقض شيء منها الوضوء، إلا الإحليل والدبر. (1/144)
صفحة 144
قال أبو عبيدة: ينقض مس الذكر والأنثيين والمراق والعانة والإليتين. فأخذ موسى بقول أبي نوح، وأخذ بشيربقول أبي عبيدة، وكان جابر بن زيد يرخص في العانة، ولم ير أبو علي نقض الوضوء على من مس دبره أو دبر غيره، لأن الدبر لا يطلق عليه اسم فرج، ولا اسم ذكر.
وإنما أوجب الطهارة على من مسه، ورده قياساً عل الفرج، ولاا دليل على صحة القياس.
مسألة:
قال أبو محمد: وما ذكر عن ابي علي أنه لا ينقض الطهارة غلا مس الكوين فالخبر دال على نقض الطهارة بمس الكوا وغيره من الفرجين، فإن ذهب إلى أن الفرج مأخوذ من الانفراج، فهو سهو في التأويل. ولو كان اسم فرج لا يقع على الذكر، وإنما يقع على الثقب لانفراجه، لكان مس الأنف والفم ينقض الطهارة لانفراجهما. لأن ظاهر الخبر ورد بمس الفرج. والمخصص لبعض ما اشتمل عليه الاسم يلزمه الدليل.
قال الخليل: الفرج لجميع عورات الرجال والنساء، والقبلان وما حواليهما كله فرج.
قال حميد:
كأنَّ هِزَبْرَ الرِّيحِ بَيْنَ فُرُوجِهِ ... أَحَادِيثُ جِنٍّ زُرْنَ حَياً يُحِبُّهُمَا
يعني بالفرج ما بين قوائمه. (1/145)
صفحة 145
والفرج: الطريق، والفرج موضع المخافة، والفرج الواسع من الأرض. فإن مس فرج امرأته من فوق الثوب، فلا أعلم في ذلك نقضا. وأما تحت الثوب عمداً فإنه ينقض. فإن مس شيئا من بدنها، أو قبلها لشهوة فهوأشد من النظر. ونختلف في نقض وضوئه.
مسألة:
وإذ مس الرجل فرج امرأته انتقض وضوءه دونها. وإذا مست هي فرجه انتقض وضوءها دونه. إنما النقض عل الفاعل فقط ولا إجماع في هذا، ولكن هذا باتفاق من أصحابنا. الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم من أفضى بيده إلى فرجه انتقض وضوءه.
ومس فرج الغير إنما وجب بنقض طهارة من مسه بالمعنى. والقياس لا يجيز، ورد منه فيما علمنا كما روى عنه صلى الله عليه وسلم: من اعتق شقصا له في عبد قوم عليه، وكانت الأمة في معنى العبد.
وكذلك في حد ما قال في المحصن بالمعنى على المحصنة، وهذا دليل على أن مس الأنثيين، وما بال الفرج لا ينقض.
وقد روت عائشة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مست المرأة فرجها انتقضت طهارتها ففرج الرجل قياس على فرج المرأة. (1/146)
صفحة 146
عائشة قالت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضأون. قالت: قلت يا رسول الله هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ.
مسألة:
ومس فرج النساء ينقض الوضوء، العمد منه، وفي الخطأ اختلاف، وغير الفرج لا ينقض مسه إلا العمد.
مسألة:
ومس الفرج بالفرج ينقض الوضوء بإجماع. والاختلاف بينهم في اللمس بغيرالفروج.
مسألة:
ومن مس فرج زوجته بفرجه انتقض وضوؤه، وإذا مس بدنها بفرجه لم ينتقض وضوءه.
ومس الفروج بظاهرالكف لا نقض فيه على أكثر قول الفقهاء، وإنما المس عندهم بباطن الكف، وكذلك القدم هو بمنزلة ظاهر الكف، وفيه قول آخر.
ومس الذكر بباطن الكف فيه اختلاف، ويختلف الشافعي وأبو حنيفة فيه.
أبو سعيد، إن مس أحد الثقبين من فوق الثوب، لم ينتقض وضوءه، ولو كان يصف. (1/147)
صفحة 147
وما جاز النظر إليه من المرأة غير المحرم، ففي جواز منه اختلاف، فقول، ما جاز النظر إليه جاز مسه، وقول لا يجوز المس ويجوز النظر. قيل فما يجوز النظر إليه من المرأة؟ قال: الوجه والكفان قيل: فظاهر الكفين مثل باطنهما في هذا؟ قال: قد قيل ذلك، وقيل مخالف له، ولا يجوز النظر إليه.
عن مجاهد أن سعيد بن جبير، وعطاء هو اللمس والغمز، وقال عبيد بن عمير هو الجماع. فخرج عليهم ابن عباس، فهم كذلك، فسألوه، فقال: أخطأ الموليان وأصحاب العربي. الملامسة الجماع، ولكن الله يكني ويعف.
مسألة: لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ"، قيل له: اللمس في هذا الموضع هو الجماع، فكنى عنه باسم غيره على مجاز اللغة، لقوله لامستم، وهذا طرق التفاعل، ولا يكون إلا من فاعلين.
فإن قيل، قد قرئ لمستم. وأجمعوا أن القراءتين صحيحتان. وهذا يوجب وقوع الفعل بعلة اللمس وحده، لا التفاعل، قيل له، قد دلت الآية الأخرى على المراد، وهو قوله، "مِنْ قَبْلِ أَ تَمَسُّوهُنَّ"، وأجمعوا هاهنا على أنه الجماع. (1/148)
صفحة 148
وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: اللمس المذكور في القرآن هو الجماع.
وقال ابن مسعود: اللمس دون الجامع. قال الشافعي: المباشرة باليد لمس، وبالرجل دوس، وبالفرج وطء، وبالفم بوس، واللمس باليد لا ينقض الوضوء، لخبر عئشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه، ثم يصلي ولا يتوضأ.
قال بعض قومنا ولا يصح حمل الخبر على أن القبلة فوق الخمار، لأنها إنما روت هذا الخر حين بلغها قول ابن عمر في القبلة، أنها تنقض الوضوء؟ يبين ذلك أن القبلة إذا أضيفت إلى المرأة اقتضت كونها مراداً على البشرة، لأن الفعل المطلق محمول على المعتاد منه، كالكلام المطلق.
مسألة:
ومن مس إبطه أو نتفه فلا نقض عليه، ما لم يخرج دم، وبه قال ابن عباس والحسن والشافعي ومالك، ون مس سرته فلا نقض عليه
مسألة:
ومس الفروج كلها ينقض الطهارة، إلا ما لا حرمة له من فروج الدواب، إلا أن يمس منها رطوبة.
قال أبو محمد: فالنظر يوجب أن يكون مس فروج الصبيان أيضا ينقض، لأن لهم حرمة الإنسان. وعنه في موضع آخر: أنه لا نقض على من مس فرج صبي أو صبية، إلا بمس الفرج المنفرج. (1/149)
صفحة 149
وعن جابر بن زيد أن لا نقض، لأنه ليس كالرجل. والعلة في اختلافهم: في الصبي أنه كالدابة لا عبادة عليه. فلا نقض على من مسه.
وعن أبي زياد أن مس عورة من يأكل الطعام عمداً ينقض الوضوء.
مسألة:
وقيل: من مس فرج الغلام الرطب، أو اليد رطبة، ينقض، إلا أن تكون تلك الرطوبة من ماء طهر به.
مسألة:
ومن مس حياء الدواب اعاد الوضوء، وقول إذا كان الذكر من الخيل والحمي رطبا انتقض وضوء من مسه. وفي موضع قال: لوأن رجلا كان متوضئا، ثم أمسك ذكر حمار أو بغل أو فرس (1)، فأهداه إلأى موضع الجماع من الدواب لم ينقض وضوءه، إلا أن يمس رطوبة.
__________
(1) كذا في الأصل، ولعله يقصد الحصان. (1/150)
صفحة 150
الباب الثامن والعشرون
نقض الوضوء بمس الميت
ومس الميت ينقض الطهارة بالسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "مس الميت ينقض الطهارة". فكل ما وقع عليه اسم ميتة نقض الطهارة. وليس الخبر، ولي أو غير ولي، ولو جاز أن يكون الولي خارجا من هذا الخبر. لجاز أن تكون البهائم خارجة منه. فلما ورد معمّما، وجب إجراؤه على عمومه. والمدعي لتخصيصه عليه إقامة الدليل. والله أعلم.
مسألة:
اختلف أصحابنا في [مس] الميت المؤمن. فقول لا ينجس من مسه. وفي موضع، واما أهل الإسلام فلا نرى على من مس ميتا مسلما من اهل الولية نقضاً، رطباً كان أو يابساً، قبل أن يطهر وبعد أن يطهر.
ومن ليس له ولاية من أهل القبلة فمن مسه قبل أن يطهر وهو رطب أو يابس ينقض وضوؤه، ولا نقض على من مسه بعد أن يطهر، وهو رطب أو يابس.
قال أبو مالك: قد قيل في مس الولي إنه لا ينقض، وليس عليه عمل، قال، وقال ابن محبوب، هو ميت، وإن كان وليا.
قال ابن جعفر: لعل قولا، أن على من مس الميت النقض على كل حال. قال أبو محمد وهذا هو القول، كل من مس ميتة يابسة كانت أو رطبة، وكان الماس لها رطبا أو يابسا انتقض وضوؤه بالسنة. قال وليس في الخبر. بعد أن يغسل أو قبل أن يغسل. (1/151)
صفحة 151
ومن يحكم على الأخبار، وادعى تخصصا فيها بغير دليل من كتاب أو سنة، أو إجماع، كان قوله خارجا عن ثبوت الحجة.
عن قومنا قول: لا غسل على من غسل ميتاً. وقول: من غسل ميتاً فليغتسل. وقول. يتوضأ.
قال أبو سعيد: لا غسل على من غسل ميتا، ولا معنى يدل عليه.
وقال ابن عمر بن المفضل: يتوضأ من مس كل ميت، فقيل ذلك لهاشم بن غيلانفقال: رأيت عبد الله بن نافع يحشو فم أبي قيس بالتفل وقد فغر فاه، ثم صلى ولم يتوضأ.
وحفظ بن المفضل، أن من مس كل ميت ينقض، إلا المسلم لا ينقض.
وقول، لا غسل على من غسل ميتا ولا وضوء على من غمضه، وأما من غسله فعليه الطهارة. وقول: من غسل ميتا فليغتسل، وقول: يتوضأ. قال أبو سعيد: لا غسل على من غسل ميتا، ولا معنى يدل عليه.
قال أبو الحسن: حجة من لم ير النقض على من مس الميت المؤمن، قول النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن لا يكون نجسا، وفي خبر: لا ينجس حياً ولا ميتً. قال فإذا لم يكن نجساً بالسنة.
وحجة من يرى النقض: قوله صلى الله عليه وسلم: مس الميت ينقض الطهارة، فهو وإن لم يكن نجسضً بالسنة. مسالة:
قيل لا بأس في مس عظام المشرك اليابسة، وأما الرطبة فتنتقض وضوء من مسها. (1/152)
صفحة 152
وقول: إذا كانت نخرة لا لحم فيها، ولا ودك من الميتة، فلا بأس بذلك ولا ينقض.
وقول: إذا كانت الميتة يابسة، والرجل المس يابسا فلا بأس على وضوئه. (1/153)
صفحة 153
الباب التاسع والعشرون
في نقض الوضوء بمس النجاسات
ومن مس نجاسة، وهي رطبة فقد مس، وينتقض الوضوء بما كان من النجاسات.
ومس الخمر، ونبيذ الخمر ولحم الخنزير قليله وكثيره، والميتة من كل شيء يابسة كانت رطبة، والميت المشرك، ينقض الوضوء. وعظام المشرك إذا كانت يابسة أو رطبة، وعليها لحم أو رطوبة فما خرجت منه وفارقته من النجاسة، ينقض وضوء من مسها ويده رطبة أو يابسة.
ومن مسها وبها ما ذكرنا وقد جف، ويد الماس لها يابسة، فلا نقض على وضوئه لأن اليابسين إذا التقيا لم يأخذ أحدهما من صاحبه.
وأما إذا كانت جافة ولا شيء عليها، وحكم لها بحكم الطاهر، ثم مسها وهي رطبة أو يابسة لم تنتقض طهارته، إذا كانت الرطوبة من غير أسباب الميت الذي خرجت منه. لأن الشيء إذا حكم له بحكم، لم يتغير حكمه بحدوث أوصاف إلا عند قبام الادلة والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد في المتوضئ، تسيح عليه عذرة في وسط الماء ولم يلحقه شيء ففيه اختلاف. وإن لزق شيء نقض وضوؤه، ومن مس نجاسة، أو وقعت به نجاسة وهي رطبة، انتقض وضوء، ما كانت من النجاسات. (1/154)
صفحة 154
وفي موضع: ولو لم يعلق ببدنه شيء فلا اختلاف فيه. وإن كانت يابسة فمست منه شيئاً يابسا فلا نقض.
وفي موضع: إن وقع عليه دم أو بول في شيء من حدود الوضوء، فعليه النقض.
وإن وقع على غير حدود الوضوء، فغسله له غيره إن شاء، وتم له وضوؤه.
وقول: يفسد وضوؤه في الوجهين.
مسألة:
ومس الدم كله ينقض، إلا دما جاءت السنة بتحليله، من دم السمك والكبد، وما كان مثله.
ومختلف في الدم المجتلب كدم الضمج والحلم والقراد. فأفسده قوم، ولم ير به قوم بأساً.
مسألة:
ومس الجنابة والمذي والودي والدابة التي تخرج من الدبر والقبل والقيء، ومس الخبائث والبول كله، من كل أحد، ينقض. قال المصنف: فذلك إذا كان رطبا، أو مسه رطب./ (1/155)
صفحة 155
مسألة:
ومن مس ثوبا نجسا يعرف النجاسة، ويده رطبة، ولاقت يده بالرطبة الثوب بقدر ما تمازج الرطوبة النجاسة بعضها بعضاً، نقض وضوؤه.
وإن كان في الثوب نجاسة لا يعلم موضعها من الثوب، ومس الثوب بيده فلا نقض عليه، حتى يعلم أن يده لاقت النجاسة. لأن الحكم على الأغلب، وإذا كان حكم الثوب نجسا فما رطب الثوب ولزق به نجسه في الحكم.
مسألة:
ومن مس السخل ويده رطبة من بعد ما جف شعره، فأرجو أن لا بأس بهز ومن لدغته الحية انتقض وضوءه، وأما العقرب فلا.
مسألة:
قال الربيع: من مس كلبا أو خنزيرا رطبا به بلل، أعاد الوضوء. ومن وطئ موطئ كلب رطبا فسد وضوءه، إلا أن يكون أثر موطئ الكلب في ماء كثير [جر] لا ينجس. وإن كان موطئه يابسا، ورجل [المتوضئ] رطبة فلم يعلق بها شيء، فلا بأس على قول، لأن عين النجاسة قد ذهبت، والأثر عرض في الأرض ولا ينجس. وبعض أفسده. كذا عن أبي الحسن. وقيل بول الخفش ينقض الوضوء.
مسألة:
وقيل من مس عرف الديك وذفري الجمل، انتقض وضوءه. (1/156)
صفحة 156
مسألةك
ومن مس قملة حية، فلم يخرج منها بلل، فلا شيء عليه في وضوءه، وله إخراجها من ثوبه كاللغطة، ا لم يمس منها نجاسة. وقول الأكثر تنجس. لأن عادتها إذا أخرجت ذرقت في اليد، لأن ذلك الماء يكون في طرف ذنبها تذرق من خبثها. وقول حتى يعلم أنها ذرقت.
وفي موضع: من أصابته نجاسة في شعر رأسه وهو طويل، ولم يمس بدنه، فإن وضوءه ينتقض. ولو قطعه. فإن صلى به جاهلا أعاد صلاته.
مسألة:
ومن وقع في طرف لحيته نجاسة، فقص الشعر فإنه يعيد الوضوء. قيل لأبي محمد: أليس قد قص النجاسة؟ قال اللحية من الوجه، أرأيت لو وقع لوجهه نجاسة، كان يقص وجهه.
مسألة:
ومن صافح سفيها يستحب له ان يجدد الوضوء. وحكم أهل القبلة الطهارة، سفيها كان أو غير سفيه.
ومن صافح ذميا وغيره من اهل الشرك، وأيديهما جافة، فلا بأس.
والنقض من مصافحته ويده رطبة [فيه] اختلاف.
وإن صافح ذميا، فإن كانت يدلهما جميعا رطبتين، أو يد أحدهما فعليه النقض. وإن كانتا يابستين فلا بأس. (1/157)
صفحة 157
مسألة: ومن أصابه قطرة من نبيذ الجر في غير موضع الوضوء. قيل ليس بشيء. وإن أصاب موضع الوضوء غسل. وليس القطرة والقطر بأن يسئ، لأنه ليس بأشد من أبوال الإبل.
مسألة:
وأبوال الدواب كلها ينقض الوضوء. قال محبوب: أصابني مرة وأنا ذاهب إلى الجمعة بول بعير ينضح على قدمي [فرجعت]، فقال الربيع: ما حبسك؟ قلت أصاب قدمي بول بعير فرجعت وتوضأت. قال: ليس ذلك بشيء، إلا أن يصيبك ما يصبغ قدمك. ولو كان الأمر على ما ترى، ما سلم أحد في طريق مكة.
مسألة:
وعن موسى بن علي، أن من مس ما في الكرش انتقض وضوءه، وإن مس ما في الأمعاء فذلك لا ينقض.
مسألة:
قال أبو سعيد: القول ينقض الوضوء في مس لحوم الإبل شاذ عن قول أصحاببنا. لا معنى للقول به، لثبوت حلها بكتاب الله، وسنة نبيه، وإجماع الأمة. ولا نعلم شيئا من الحلال ينقض مسه، ما سوى الفرجين على الإنسان من نفسه وسريته وزوجته. إن كان قد قال النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك لخاص، ولا ترد الرواية.
مسألة:
فيمن غسل دما في ثوبه في ماء جار، أولا نجس. إنه يختلف في نقض وضوئه، فقول يفسد، وقول لا يفسد. وكذلك البول. (1/158)
صفحة 158
الباب الثلاثون
في نقض الوضوء بما يخرج من الفرجين
الإجماع أن نقض الوضوء من عشرة البول، والغائط، والمني، والودي، والمذي وخروج الرّيح من الدبر، والنوم مضطجعا للنعاس، وزوال العقل ببرسام أو غيره، والقيء، والرعف.
مسألة:
والمذي هو الذي يخرج قبل الانتشار بعده، ويخرج رقيقا. قال محمد بن الحسن: المذي رقيق أصفر إلى البياض.
مسألة:
والودي رقيق يجئ بعد البول، وهو بالذال والدال جميعا، ويكون كالخيوط.
قال أبو حنيفة: هو يسيل عل على طرف الذكر، هو المذي. وسئل عمر عن الودي، فقال: هو القطر، ومنه الوضوء. وقيل مأخوذ من قطر الحلب، وهو (1/159)
صفحة 159
يخرج قليلا، وقيل من قطر ناب البعير. يقال: قطر نابه إذا طلع. فشبه طلوعه من الإحليل بذلك.
مسألة:
وعن عمر أنه قال: كنت رجلاً مذاً، وعن علي: كنت رجلا مذاء. فسالت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: في المني الغسل، في الودي الوضوء. وقال علي: لما كنت شابا كنت انا الفحل المذاء. وقال علي: كل فحل يمذي، وكل أنثى تقذي، فمن أحس من ذلك شيئا، فيغسل مذاكيره بالماء، وليتوضأ.
يقال: أمنى يمني، منى يمني، والألف أجود ويقال: مدى يمدي، وأمذى يمذي والألف أجود.
ويقال: نشر الرجل إذا أمدى. وقال الزيادي في النشر بضم النون والشين: خروج المدي من الانتشار.
ويقال: ودي يدي، وأودى يودي. والألف أجود.
مسألة:
من جامع الشيخ أبي محمد: الذي تنتقض به الطهارة بإجماع الأمةن خروج الغائط أو البول أو أحدهما، إذا كان ينقطع وقتاَ ويعود وقتاً، وخروج الريح من الدبر، وغيبوبة الحشفة في الفرج، ودم الحيض، ودم النفاس، وسائر ما تقدم ذكره. (1/160)
صفحة 160
مسألة:
والوضوء من المدي واجب، لقول النبي صل الله عليه والسلام: الوضوء من المدي، والغسل من المني فالطهارة منه باتفق الأمة.
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لو، فسال على فخذي لم أقطع منه الصلاة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ماضية عليه، وما خرج من السبيلين، فالطهارة به زائلة والله أعلم.
ومن خرج من قضيبه من مجرى البول قيح نجسه، وإن كان من غير ذلك لم ينجسه.
مسألة:
وخروج الريح ينقض الوضوء، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله لا يستحي من الحق، إذا فسا أحدكم فليتوضأ، وروى أن عمر أحس على المنبر بريح خرجت منه، فقال أيها الناس: إني قد مثلت بين أن أخافكم في الله، أو أخاف الله فيكم، فكان أن أخاف الله فيكم أحب إليّ، ألا وإني قد فسوت، وها أنذا أنزل لأعيد الوضوء.
وروي أن قوما كانوا في مجلس عمر، فهاجت ريح، فقال عمر: من كان قد أحدث فليقم يتوضأ، وكان فيهم جابر بن عبد الله، فقال: كلنا نقوم يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ما عرفتك منذ أسلمت إلا بمكارم الأخلاق، وإنما أراد ستراً على المحدث. ولعمري لقد قال جميلا. (1/161)
صفحة 161
مسألة:
ومن وجد حركة في دبره أو لخروج، لم تنتقض طهارته، حتى يشم ريح، او يسمع صوتا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: إن أحدنا يكون في صلته، فيجد حركة في دبرهه لخروج الريح. فقال: لا نقض عليه حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً.
وفي خبر آخر: أنه قال صل الله عليه وسلم: إن اشيطان ليأتي إلى أحدكم في صلاته، فيضرب بين لبتيه، فلا نقض عليه، حتى يسمع صوتا، أو يشم ريحا. فإذا تيقن خروج الريح من عرف أو صوت أو ريح نافحة، نقض,
وعن أبي إبراهيم أن أخاه يونس بن سعيد قال وكان معه: إن من خرجت منه ريح، وعلم أنها من أسفل وليست من الجوف، أنه لا ينتقض بذلك وضوءه.
مسألة:
فيمن يحس بصوت، أو يشم ريحاً وهو متوضئ، وإذا كان غير متوضئ ولم يحدد ذلك وأحس وهو متوضئ، فتركه ولم يعد الوضوء، فإن له ذلك حتى يعلم أنه خرج منه شيء.
قيل: فإن شم ريحاً، أو سمع صوتاً واشتبه عليه فلم يعرف صوتها أو ريحها، أو لم يعرف منه أو من غيره، فله ذلك حتى يستيقن. والله أعلم.
قيل: فإن شم ريحا، أو سمع صوتاً واشتبه عليه فلم يعرف صوتها أو ريحها، أو لم يعرف منه أو من غيره، فله ذلك حتى يستيقن. والله أعلم.
مسألة:
ومن شبه له ان البول يخرج منه، فمرة يراه، ومرة لا يجده. هل له ان يدع (1/162)
صفحة 162
حتى يعلم أنه قد خرج؟ قال: أحب أن ينظر، إن كان في وقت المكنة. فإن ودع ولم يستيقن، فأرجو أن به ذلك. وأحب إن كان الأغلب ألا يجده، ألا يدع النظر. وإن وجد برودة شرر البول، فحيناً يجده، وحيناً لا يجده، فمر ولم ينظر، فله ذلك.
مسألة:
ومن عنته البواسير، فخرج منها المدة وغيرها من باطنه، أفسد. وما خرج من ظاهره من المدة لم يفسد.
مسألة:
ومن كانت مقعدته تخرج فتظهر وهي خارجة بعد ان طهرها، وصلى وهي خارجة فجائز.
فإن طهرها ودخلت، وتوضأ للصلاة، وقام ليصلي وخرجت، فإنه يطهرها، ويربط عليها، ويصلي ويكون سبيله سبيل المستحاضة. (1/163)
صفحة 163
الباب الحادي والثلاثون
في نقض الوضوء بالرعاف والقيء، وما يخرج من الأنف والفم
اختلف الناس في دم الرعاف. هل هو حدث ينقض الطهارة؟ فقال مالك: لا ينقض. وقال أبو حنيفة: ينقض. وعلة مالك: طهارة المخرج، وإن دم الاستحاضة نقض لمخرجه، وعلة أبي حنيفة: أن دم الاستحاضة يزيل الطهارة بإجماع، فدم الرعاف مثله.
وقال أصحابنا إنه نجس، لا خلاف بينهم فيما علمنا. وفي موضع: والعلة لأصحابنا، ان دم الرعف ينقض الطهارة، لأن دم الاستحاضة دم عرق، لقول النبي صلىى الله عليه وسلم: فكل دم عرق نجس، وينقض الطهارة، فلما قال صلى الله عليه وسلم: إن دم الاستحاضة دم عرق، كان فيه توقيف أن خروجه من العرق علة لإزالة الطهر، وكل قد قاس على أصل متفق عليه.
ولا قياس الفرع على الأصل، للزم مالك والشافعي لما قال، أن دم الرعاف ليس بنجس، لأن مخرجه غير نجس، فيجب أن يحرما الوطء في دم الاستحاضة، لأن الله حرم دم الحيض، وحرم الووطء فيه، لقوله تعالى: "هُوَ أَذًى". ودم الاستحاضة هو أذى، والمخرج واحد، فلا يقبل مالك بخروج الدم من مخرج غير نجس.
ودليل آخر: إن دم العرق نجس، وكل دم من عرق فهو نجس، لوقوع (1/164)
صفحة 164
الاسم عليه، فإذا تعلقنا بأصلين أحدهما أن دم الحيض نجس، وكل دم هو نجس، ودم الاستحاضة دم عرق فكل دم عرق أو غيره فنجس إذا كان الدموان نجسين. وكل دم من عرق أو غيره فهو نجس، إلا ما قام دليله. وبالله التوفيق.
مسألة:
من كتاب الأشراف: واختلفوا في الوضوء من الرعاف، فرأت طائفة في الرعاف الوضوء، وقالت طائفة لا وضوء فيه. وقالت طائفة في الخدش يظهر منه الدم: لا يتوضأ منه حتى يسيل.
قال مجاهد: يتوضأ ولو لم يسل. قالت طائفة لا وضوء في الحجامة.
قال أبو سعيد: الاتفاق من قول أصحابنا، أن كل دم سائل، فائض من موضعه، قليلا كان أو كثيرا، قد ثبت فيه حكم السيلان من رعاف أو جرح، أن ذلك كله ناقض للوضوء.
وأما ما لم يفض من جميع الدماء الحادثات في البدن فيخرج الاختلاف بنقض الوضوء، قليلا كان أو كثيرا. وأما ما خالط من ذلك غيره من الطهارات، (1/165)
صفحة 165
من ريق، أو مخاط، أو شبه ذلك فصار إلى موضع تدرك طهارته في فم أو منخرين أو زايل ذلك، فكل ذلك مما يختلف فيه معهم في نقض الطهارة به، ما لم يغلب على الطاهر مما خالطه، فإذا غلب عليه وصار مشتركا له نقض معهم في معاني الاتفاق قليلا كان أو كثيراً.
مسألة:
وكل ما ظهر على اللسان من تجاشي الإنسان أو في فيه، حتى يصير على مقدرة من لفظه، فقد نقض وضوءه.
مسألة:
الأشراف: واختلفوا في الوضوء من القيء والقلس.
أبو سعيد: يخرج الاتفاق أن كل ما خرج من الجوف من طعم أو شراب أو ماء أو شبهه متغيراً أو غير متغير، ففاض على اللسان من فم الإنسان، من قليل أو كثير، وكان على مقدرة من افظه، من غير معالجة بتنحنح أو ما أشبهه، أن ذلك كله ناقض للوضوء في الاتفاق.
مسألة:
وإن وجد في حلقه حماضاً كان من الجوف، فما حد طهوره؟ قال: إذا صار على مقدرة من لفظه بغير تنحنح ولا معالجة، فهنالك يغسل الفم. قال: وقد يمكن عندي أن يكون من الحِشا الحامض إذا كانت الحشوة متغيرة، فما أمكن ذلك بوجه، فلا يحكم بنجاسته إلا بصحة. (1/166)
صفحة 166
وفي موضع: ومن وجد طعم الحموضة في حلقه انتقض وضوءه، وقول: حتى يطلع على أصل اللسان.
مسألة:
قال أبو عبد الله: إن الرجل إذا عبأه قيء أو رعاف، فانصرف ليتوضأ، فلا يتكلم ولا يسلم على أحد، فإن ذكر الله وهو يتوضأ فلا بأس.
وإن دعا ربه في طريقه، حق عليه النقض والله أعلم.
مسألة:
وإن خرج من أنفه علقة دم جامد فلا نقض فيها عليه. وقيل: العلق ليس ينجس، حتى يكون دماً مسفوحاً والله أعلم.
مسألة:
فيمن يخرج من أنفه دم لا يظهر إلا إذا أدخل يده. قال: إذا صار الدم حيث يبلغ الاستنشاق كان مفسداً للوضوء والصلاة، وإلا لم يفسد حتى يصل إلى موضع الاستنشاق.
مسألة:
ابن محبوب: فيمن قاء أو رعف، أو خرج من فيه دم، أو أنفه دون مخرج الرعاف، من كسر أو جرح، فغسل موضع الاستنشاق والمضمضة، ثم تمخط أو تنخع، ولم يكن نال الغسل مجرى النجاسة فمس ذلك النخاع ثوبه، قال: لا فساد في ذلك، إن شاء الله. (1/167)
صفحة 167
الباب الثاني والثلاثون
في نقض الوضوء بما يخرج من الفم والانف
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: القلس حدث. وإذا قلس الرجل وخرج إلى فيه أعاد الوضوء. والتقلس أضعف القيء، وهو ما خرج من الحلق ملء فم، أو دون ذلك. وإذا غلب فهو القيء. يقول قلس يقلس قلساً. جزم لأنه مصدر.
مسألة:
والنهوع: تهوّع ولا قلس معه. تقول: نهع ينهع، وهاع هُواعا إذا جاء القيء من غير تكلف. وإذا تكلف قال: نهوّع. فإذا خرج من حلقه شيء فهو هُواعة.
مسألة:
والقيء مهموز. يقال: قاء يقئ قياء، وهو خروج شيء مأكول أو ماء. والاستقاء: تكلف ذلك. والتقيؤ: أكثر وأبلغ.
مسألة:
ومن قام بلغما من صدره لعلة، فعن أبي عبد الله، أنه لا بأس عليه في وضوئه.
وكل ماظهر على اللسان من تجاشي الإنسان وقيئه، حتى يخرج أو يكون على مقدرة من لفظه، فقد نقض وضوؤه، ونجس فيمه. (1/168)
صفحة 168
مسألة:
ومن عناه قيء فمضمض فاه، ولم يجر في بطنه من الماء شيء، فإذا غسل فاه وتوضأ فوضوءه تام، ولو لم يجر الماء في بطنه، لأنه ليس عليه أن يغسل إلا ما ظهر.
مسألة:
ومن قائم تنخع من بعد انتقض وضوءه ما لم يشرب تاماء، فإن شرب الماء ثم تنخع من بعد، فلا نقض عليه، وشرب الماء طهور لذلك. وقول، لا نقض عليه من النخاعة، ولو لم يشرب. ولس عليه إلا غسل ما ظهر إلا ما كان في حلقه.
قيل: فإن كان صائماً فتنخع فرد من نخاعه شيئاً قبل أن يتمضمض فاه، فعليه بدل ذلك اليوم.
مسلأة:
وإذا قاء فخرج ماء أو مرة أو بلغم لا يخالطه شيء أعاد الوضوء.
مسألة:
ومن قلس فوجد حموضة في حلقه، فإنه ينقض. قال موسى بن أبي جابر: حتى تطلع على لسانه.
قال الربيع: ما لم تبلغ اللسان فلا وضوء عليه، وعند أبي علي أن النخاعة إذا انقلعت من الصدر حتى تصير على اللسان، أنها تفسد الصلاة.
قال أبو عبد الله: إن الطعام والماء إذا خرجا من الجوف متغيرين نقضا الوضوء والصوم. فإذا لم يكن متغيرا ولا حامضا، فلا بأس عليه. (1/169)
صفحة 169
مسألة:
وقيل: من شرب ماء ثم طلع من حينه إلى حلقه، فسد وضوءه. وقول: إن صعد إلى حلقه ساعة شرب، فلا بأس عليه إلا من بعد ذلك.
وعن منازل بن جعفر: إن طلع من حينه لم تفسد إذا كان ماء حديثاً. وقول: كل شيء طلع من الجوف على أصل اللسان بعد أن دخل الجوف، أفسد الوضوء حديثاً كا أو قديماً، عرفه أو لم يعرفه.
قال أبو المؤثر: ما خالط الجوف فهو مفسد، وما لم يصل إلى الجوف، وإنما هو موقع في الصدر إلى الحلق فلا يفسد. ومن تجشأ فريل وطلع الريال على لسانه، فلا فساد عليه بالريال، وإنما يفسد إذا صار الجشاء على لسانه.
وما كان من الجوف فعرفه من البلغم والنخاع نقض الوضوء والصوم. وأما الريق فلا.
مسألة:
ومن ظهر على لسانه قلس من حلقه، ولم يكن غسله وقته، وخاف إن بزق تنجس شفتاه. هل له أن يشرط ريقه بما فيه من قلس حتى تطيب نفسه-أنه قد طهر فمه، فأما القلس فليس لهذلك. وأما إذا زال القلس، وصفا البزاق منه، فأرجو أن له ذلك.
قيل: فهل له إذا طلع إلى حلقه من الجوف، وظهر إلى الفم أن يشرطه لزوال النجاسة، لا قصد لشربها؟ قال: إذا قدر على لفظه. وكان عين النجاسة نفسها (1/170)
صفحة 170
لم يجز له أن يسيغه. ولا أعلم أن ذلك فيما قيل حتى تزول عنها ويصفو البزاق، إلا أن يكون من عذر.
مسألة:
ومن خرج من فيه دابة فهي نجسة، ويفسد فوه، لأن كل ما خرج من الجوف فهو نجس.
ومن أكل بقلا فعرقه إلا ورقة عرقها وجذبها. قال: لا تفسد حتى تصل إلى جوفه، وأما صدره فلا بأس. (1/171)
صفحة 171
الباب الثالث والثلاثون
في نقض الوضوء بخروج الدم
مسألة:
ومن كان نائماً فخرج من فيه مثل البزاق على الثوب. فجائز له الصلاة.
مسألة:
ومن وجد طعم الدم في فمه في حال لا يمكنه أن ينظر، فلا نقض على وضوئه حتى يتيقن خروج الدم، أو يراه غالباً للبزاق. وكذلك المخاط، ما لم يغلب الدم عليه فلا نقض.
مسألة:
أما الذي يجد طعما في فمه شبه طعم الدم، فإذا أمكن أن يكون دماً في الريق بقدر لا يفسد الوضوء ولا ينجس الفم، وأمكن أن يكون شبه طعم الدم وليس بدم، فلا شيء عليه حتى يعلم أنه دم لا شك فيه، من نظر، او ما لا شك فيه من أحكام الاطمئنان إليه أنه مما يفسد وضوءه، وينجس فمه. لأن الأصل أنه على وضوء وطهارة، حتى يعلم ما يفسد ذلك بلا شك فيه.
مسألة:
من بزق فرأى صفرة فلا نقض، والمخاط والبزاق والنخاع إذا خالطه دم وكان الدم غلباً علىذلك نقض، وإذا كان صفرة وعلقاً جامداً فلا نقض.
مسألة:
وخروج كل دم ينقض الطهارة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، من طريق تميم الداري قال: الوضوء من كل دم سائل.
وعن سلمان أنه رعف عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أحدث لذلك وضوءًا.
مسألة:
والدم من الفم: إذا كثر البزاق لا ينقض. فإن وقع في ثوب وأثر فيه، أفسده. (1/172)
صفحة 172
ومن خرج من أنفه مخاط مختلط بدم، فإن كان الدم أكثر من المخاط، فسد وضوءه، وإن كان المخاط أكثر، لم يفسد وضوءه. وإن تساويا فوضوءه تلم.
مسألة:
ومن نقر فخرج منه قشرة حمراء، ولا دم بها، فوضوءه تام.
مسألة:
ومن يخرج من لثته دم وقتا بعد وقت، ليلا أو نهاراً، فلا فساد عليه حتى يعلم بخروج الدم. ومن وجد طعم الدم في فمه، فلا نقض حتى يتيقن [خروجه].
مسألة:
من كان ببدنه بثرة فحكها في الليل، فوجد رطوبة، فعن الفضل بن الحواري أنه يشمها، فإن وجد ريح الدم أعاد الوضوء. (1/173)
صفحة 173
مسألة:
وإذا عطس المتوضئ فخرج من منخره علاقة دم رطبة ولم يكن لها تبع، فلا نقض عليه.
ومن أدمى أنفه فاستنشق ثلاثاً، فليس عليه أن يدخل أصبعه في أنفه ويستنشق حتى يخرج الماء صافيا. والله أعلم.
مسألة:
قال محمد بنالمسبح: إن من خرج من منخريه مخاط فيه دم منقطع، لم يفسد وضوءه. فإن كان دما متصلا.
قال أبو الحواري: لا يفسد حتى يكون الدم أكثر من المخاط.
مسألة:
ومن تتخلل فخرج على الورقة التي تخلل فيها دم، فبزق فلم ير غير ذلك. فإن فمه نجس.
قال أبو سعيد: وذلك على قول من يقول، إنه بقليل الدم وكثيره ييفسد الوضوء.
وقول: حتى يكون الدم غالبا على البزاق.
مسألة:
أبو سعيد: فيمن توضأ ومسح وجهه بثوب فوجد فيه صفرة مع رطوبة الماء، (1/174)
صفحة 174
وتوهم أنها من أنفه فأدخل أصبعه (1) في أنفه، فإذا هو بالدم في أصبعه. أن حكم تلك الصفرة طاهر، حتى يعلم غير ذلك أنها من دم نجس (2)، وأما في الاسترابة فذلك إليه.
في ضربة أصابت رجلا، فوخضت بدنه، حتى تجمع مكانها وظهر فيه الدم، إلا أنه لم يخرج. قال: لا بأس بذلك الدم، فمتى خرج وهو رطب أفسد، وإن خرج وقد يبس، فلا بأس فيه.
وقول: الجرح إذا لم يفض دمه، فبقي حتى يبس وقصّ وتغير من البدن، قال: أما إذا نقض الجرح وطار، فطاهر.
وأما إذا يبس الدم فطار، فلا يبين لي طهارة موضعه.
مسألة:
في دم موضع الضمج إذا يبس ثم خرج من الموضع: ودم الوخض في البدن إذا يبس ثم طار فكان الشيخ يقول إنه دم نجس.
وأما أبو سعيد فيحلو عنده أن يكون بمنزلة الدم المجتلب إذا خرج من الجسد الحي. وقد قيل في ذلك إنه طاهر، وقيل إن اليبس والقبح طاهران، وجوهرهما نجس باتفاق.
وإنما صارا طاهرين بانتقال ذلك من حال الحياة إلى الموت.
__________
(1) في الأصل يده.
(2) زيادة من المحقق. (1/175)
صفحة 175
أبو سعيد: فيمن اعتقرت رجله في الليل، فلم ينظرها وصلى حتى أصبح، ثم رآه كأنه سائل على رجله حمرة حول العقر، ثم دخل الماء قبل أن يفطن بها، ففي الحكم: ليس عليه شيء حتى يستيقن من خروج الدم. وأما الاحتياط فذلك إليه، والخروج من شواهد القلوب ضرب من الورع.
مسألة:
والطعنة إذا خرج منها ماء فلا بأس به، كان الجرح طريا أو غير طاهر.
والقيح والصديد وما يخرج من البدن والدم المهتاس لا نقض فيه حتى يخرج الدم الخالص.
وكل جرح وخدش خرج منه دم فلا نقض فيه حتى يفيض الدم منه، ثم ينقض الوضوء.
مسألة:
ومن احتجم انتقض وضوءه ولا يجب عليه الغسل، ولكن يغسل موضع المحاجم، ثم يتوضأ. فإن توضأ ولم يغسل موضع المحاجم فلا يجزئه حتى يغسل المحجم أولا، ثم يتوضأ بعد غسلها، والله أعلم.
مسألة:
فإن خرج من الحجامة صفرة أو كدرة أو حمرة بعد الغسل، أو من جرح طري، فلا بأس. وإن خرجت قبل الغسل من جرح طري، فإنه يختلف فيه: فقول نجس، وقول طاهر. (1/176)
صفحة 176
وعن أبي عبد الله أن الجرح المبتدأ ما خرج منه صفرة خالصة أو تخالطها حمرة، تكون الحمرة أقل من الصفرة أو عدلها أو أكثر منها، فذلك مفسد الوضوء، وما مسه من ثوب أو غيره.
وأما الجرح الذي ليس بمبتدأ فإن الصفرة إذا خرجت منه، أو خالط الصفرة حمرة تكون عدلها، فأرجو ألا تفسد ما أصابه، ولا تفسد الوضوء.
قال أبوالحواري: كان منير يقول إذا غسلت الحجامة أو الجرح، ورجع يخرج منه دم فإن ذلك الدم لا يفسد. قال ولا أعلم غيره قال ذلك.
وعندنا يفسد إذا كان دما عبيطا.
مسألة:
أبو سعيد: في جرح لم يفض دمه، ثم يبس الجرح وعليه الدم ولم يغسل حتى خرجت من الجرح مدّة، من تحت الدم اليابس، هل ترى تلك المدّة طاهرة؟
قال: إذا كان الدم غير فائض فعلى قول: من لا يجعله نجسا، ولا مفسدا إلا ما غير من الطهارات من الماء، وكذلك عندي إذا جرى عليه القيح، ولم يغيره، وغلب عليه، فأرجو فيه اختلافا فإن لم يخرج ولم يفض دم الجرح، ثم قام يصهي في حين ذلك ما اصفر فلا يبين لي إذا كان ممره على الدم، إلا أنه مفسد، لأنه متغير، ولأنه من ذوات البدن الحي، ولا يبين لي أنه يلحفه اختلاف.
وقول إن الماء الأصفر من الجرح الطري يفسد، لأنه من ذوات البدن الحي (1/177)
صفحة 177
وأما القيح واليبس إنما هو شيء قد مات من الجسد. والميت من الحي لايفسد، والحي من الحي يفسد.
وقول: لا يفسد حتى يكون دما عبيطا، بمنزلة ما يخرج من الفم والمنخرين.
مسألة:
ودموع الضحك والبكاء لا تنتقض الوضوء، إلا أن يكون معها دم، والله أعلم.
مسألة:
ولدغة الضمج في البدن إذا خلا لها يوم وليلة، أو أقل أو أكثر، ثم انفجرت فخرج منها دم، فإنه ينجس، ما لم يتغير لونه إلى حال القيح اليبس، فيكون هناك ميت من حي، فيتحول إلى حال الميت من الحي، والله أعلم.
مسألة:
فيمن عقر منه دم ليس بفائض، توضأ وأجرى يده على العقروصلى. وقول الشيخ، أحب الإعادة، إلا أن يطهر الموضع ويتوضأ، لأنه إذا جرى الماء عليه فاض منه، وتنجس الذي جرى عليه الماء.
وعن أبي الحواري: أن ذلك الماء طاهر، إلا أن يخرج ذلك الماء من ذلك الموضع متغيرا من الدم. (1/178)
صفحة 178
الباب الرابع والثلاثون
في المتوضئ ينظر كتابا أو حرمة. أو سمع سرا
كان محمد بن محبوب يقول: من نظر في جوف منزل قوم متعمدا، واستيقن أنه قد تعمد، انتقض وضوءه. وقول الأكثر، وفيهم سعيد بن محرز: لا نقض عليه، حتى يتعمد النظر إلى حرمة في جوف المنزل، قال وهذا أحبّ إليّ.
وقول: لا نقض ولو نظر إلى الحرمة خارجه، لعلهحتى ينظر منها محرما.
قال محمد بن المسبح: إلا أن يكون للمنزل باب مسدود، فينفتح الباب من الطريق، وينظر ما وراءه، أو نظر في خرق الباب، فذلك مفسد، وأما إن كان ليس على الباب ستر وهو مفرج، فلا بأس على وضوئه، إلا من تعمد النظر.
مسألة:
وإن نظر في جوف كتاب إنسان: فإن نظر بسم الله الرحمن الرحيم، فلا نقض عليه، وإن قرأ العنوان فلا نقض عليه، وإن نظر إلى غير ذلك متعمداً نتقض وضوءه، إذا عرف كلمته، ووقول: لا نقض في ذلك.
مسألة:
وإن استمع متعمداً كلام قوم [في منزلهم]، سرّاً بين اثنين في غير منزل، فقيل إن ذلك مما ينقض الوضوء. وقول: لا نقض على من استمع ذلك الكلام في غير المنزل، ولا النظر في الكتاب. (1/179)
صفحة 179
وقال محمد بن المسبح: إن جاء إلى رجلين يستمع كلامهما. إذا كانا في سر، فإن كان [مضى] في حاجة أو أرادهما في حاجته، فسمع كلا مهما فأصى إليه. قال: لا بأس عليه.
وأما من نظر في دفاتر الحكام وكتبهم الظاهرة، وكذلك مجالس الحكام، وحوانيت التجار، وكل موضع أبيح الدخول فيه، مثل المأتم والعرس، وغير ذلك مما هو مثله، فلا نقض على وضوء من نظر ودخل. وكذلك إن نظر في دفاتر حساب التجار، ودفاتر الدين والحسابات فلا بأس.
مسألة:
ومن نظر في كتاب أحد بغير رأيه انتقض وضوءه، فإن حل له في مجلسه ذلك بعد ان قرأه، فالوضوء قد انتقض، ولا ينتفع بحله له من بعد. وأما الصوم فلا ينتقض.
وكذلك من دخل بيت قوم، لعله بل رأيهم، فالجواب واحد.
مسألة.
فإن وصل كتاب إلى جماعة فقرأه واحد منهم في غيبتهم، لم يفسد وضوءه. (1/180)
صفحة 180
الباب الخامس والثلاثون
في المتوضئ يرتد خطأً أو عمداً
والمسلم إذا ارتد، ثم أسلم من حينه، فيرجع يتوضأ، ومن ارتد في نفسه بغير قول أو فعل، فعندي أنه يختلف في نقض وضوءه بذلك.
وكذلك من قتل نفساص أو سرق ما يجب به القطع، او ركب الكبائر. وفي موضع في المرتد في نفسه، وأنه يبطل عمله الذي عمله في الإسلام بحكم الدة، لأن الردة تبطل العمل.
وقول: لا يلزمه غسل ولا وضوء إذا رجع، لأنه إذا انتقل حكمه عن الإسلام بالسريرة فرجعته تجزئه باعتقاد السريرة، فلما ثبت أن تجزيه الرجعة في السريرة أشبه أن جميع أعماله الظاهرة بالفعال والمقال على جملته. لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن على العبد أن يحدث لكل ذنب توبة، السريرة فالسريرة، ةالعلانية بالعلانية. فالسريرة ما أسرته القلوب عند حضور الخطرات ومتابعتها. والعلانية ما أعلنه الفاعل بالفعل والقول.
فلما ثبت أن ليس عليه رجعة بلسانه إذا انتقل بقلبه، فكذلك أعماله.
وقول، إن عليه الوضوء، ولا غسل عليه، لأن الوضوء من الإيمان، فإذا زال الإيمان زال الوضوء. (1/181)
صفحة 181
الدليل قوله تعالى:"وًمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ"ز الاتفاق أنه إذا ارتد بقلبه فهو مثل المشرك باللسان في معنى خروجه من الإسلم.
وإن كان صائما فارتد في النهر بعد أن أصبح على حكم الصيام، فيعجبني ألا يفسد شيء من صوم ما مضى، ولا يومه، لأنه بمنزلة من نوى الإفطار بعد أن أصبح، ولم يكن منه ما ينقص إلا النية.
وإن كان اررتداده في الليل ثم أصبح عل ذلك، ثم رجع، خفت أن يفسد يومه. وأما ما مضى، فعندي قد ثبت عمله.
مسألة:
وعن نجدة بن المفضل فيمن يشرك بالاعتقد، أو يشرك باللفظ من غير أن يعلم، ريجامع امرأته، هل تحرم عليه؟ أما الشرك بالاعتقد فالله اعلم، وأما اللفظ من غير ان يتكلم فقد عرفت أن زوجته لا تحرم عليه.
وعن محمد بن أحمد السمالي فيها: أرجو أني عرفت في مثل هذا ان لا بأس عليه في زوجته.
مسألة:
عن أبي عبد الله محمد بن عثمان عن من يقول ما يكون به مشركا من الكلام في صفة الله، ثم وطئ زوجته قبل أن يعلم أنه مشرك، فأرجو أنها لا تحرم. وقال شاورت في ذلك، فلم يروا حرمة على ما وصفت، ولم نجد أحداً من المسلمين حرموا الزوجة على من يتكلم بالغلط والسهو والخطأ. وإنما تحرم على العمد. (1/182)
صفحة 182
وإن كان على الغلط تحرم الزوجةن فهل كانت تسلم زوجة لموحد غير عالم بصير، ولكن الله لطيف بعباده.
وأما من أشرك متعمداً، فهي تحرم عليه، وطئ أو لم يطأ، فإن رجع إلى الإسلم قبل أن يطأ، رجعت إليه عل النكاح الأول ما لم تزوج.
مسألة:
قيل: فهل عليه غسل إذا علم أنه أشرك بالغلط؟ قال فيه اختلاف.
وأحب أن يغسل، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر مسلماً أسلم بالغسل.
ومنهم من لا يوجب غسلا، لأن الإسلم طهارة من الشرك، والغسل طهارة من الجنابة والحيض والأنجاس.
قال غيره: ولم نجد في الأخبار دلالة على وجوب غسل المشركين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره.
ويؤخذ أن ابن محبوب كان يُدخِلُ الهندَ في الإسلام، ولم يعلم أنه أمرهم بالغسل والله أعلم.
مسألة:
أبو الحسن فيمن قال في صلاته ما يشرك به شرك الخطا، كقوله:"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءَ". ومثلها أنه ليس عليه غسل. ولكن بدل الصلاة والوضوء. (1/183)
صفحة 183
مسألة:
الأشراف: ولو توضأ نصراني، ثم أسلم فهو عاى وضوئه وغسله.
أبو سعيد: الاتفاق يخرج أن وضوء النصراني لا ينعقد، وهو باطل.
مسألة:
فيمن أشرك في كلامه: أيكون ريقه نجساً، قال: إذا أشرك متبرعا، فكل رطوباته نجسة، وإن أشرك في كلامه بالتأويل لا أنه مريد للشرك، فلا بأس برطوباته، ولا تحرم عليه أزواجه والله أعلم. (1/184)
صفحة 184
الباب السادس والثلاثون
في نقض الوضوء بالكذب والغيبة. وما أشبه دلك من المعاصي
الغيبة والكدب ينقضان الوضوء. الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: الغيبة والكذب تفطران الصائم، وينقضان الوضوء-وهما أكبر طاعت المؤمنين-ولا ينقضهما إلا كبائر الذنوب.
وعن ابن عباس: الحدث حدثان. حدث من فيك، وحدث من فرجك. فساوى بينهما لتساوي حكمهما في نقض الطهارة.
وروى أنه قال: لقوم يغتابون ويكذبون: توضأوا. فإن بعص ما تقولون شر من الحدث.
قال الشيخ أبو مالك: غيبة المؤمن تفطر الصائم، وتنقض الطهارة. قال غيره: وقد قيل لا تنقض الطهارة، بل تفطر الصائم. فأما غيبة الفاسق فلا شيء فيها.
مسألة:
وعن عائشة أنها كانت توجب إعادة الطهارة من الكلمة الخبيثة، وتقول: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه.
والكلمة العوراء التي تهوي في غير عقل ولا رشد. وقول العوراء الكلمة الخبيثة التي يمتعض منها الرجل ويغضب. وأنشد:
وَعَوْرَاءَ قَدْ قِيلَتْ فَلَمْ أَسْتَمِعْ لَهَا ... وَمَا الْكَلِمُ الْعَوْرَاتُ لِي بِقُبُولِ (1/185)
صفحة 185
وقال: لَا يَنْطِقُ العَوْرَاءَ فِي الَوم سَادِرا ... فَإِنَّ لَهَا فَاعْلَمْ مِنَ القَوْمِ وَاعِيَا
سادرا أي غير متثبت من كلامه. وقول عائشة هذا دليل على أنها كانت ترى نقض الطهارة من الكذب المتعمد عليه، على ما يذهب إليه أصحابنا. وفيه إجماع من أصحابنا على نقض الوضوء منه.
مسألة:
اختلف أصحابنا في نقض الصيام من الكذب المتعمد عليه، وأجمعوا أنه ينقض الوضوء، وأجمعوا أنه لا ينقض الاغتسال من الجنابة.
مسألة:
والكذب على العمد ينقض الوضوء والصوم، إلا أن يكون له معنى. ومن كذب ناسياً لم ينقض وضوءه، ومن كذب متعمداً فصلى، فعليه البدل، لأنه لا صلاة إلا بوضوء، وعليه الاستغفار.
مسألة:
والكذب المتعمد عليه: هو أن يتعمد على قول يتقوله من تلقاء نفسه، ولم يمن كذلك.
وعن الربيع أن الكذب المتعمد عليه ينقض الإبمان.
مسألة:
إن قيل: لم أوجبت على من كذب متعمداً أن ينتقض وضوءه؟ قيل له: (1/186)
صفحة 186
إن الوضوء من الإيمان والكذب ينقض الوضوء. لقو النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب كذبة فهو منافق، إلا أن يتوب. وكل مانقض الإبمان نقض الطهارة، لأنها من الإيمان. والله أعلم.
مسألة:
واللعن لا ينقض الوضوء، إلا ما فحش من الكلام. سئل ابن الربيع عن الكذب الفحش. والخيانة والحلف على الكذب فقال: سألت مجاهداً عنه فقال: قال ابن عباس: الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من أسفل منك.
وعن بشير: من حلف يميناً كاذباً، أو قبح، أو لعن أو فحش من القول انتقض وضوءه. وقيل من حلف على خبر أنه صحيح، فبان أنه كذب. فإنه يحدث ولا يأثم، ولا ينتقض وضوءه. لأن الناس عاى يقينهم حتى يعلموا خلافه.
ومن حلف بالله لا يأكل من هذا الطعام، فحنث وهو متوضئ. فلا نقض عليه. إنما عليه الكفارة، وقيل إن الربيع قال: كل شيء خبيث من الكلام، فهو ينقض الوضوء. وقال: إن منيرا قال: لا ينقض ما لم يشتم أحدا، ثم قال: ينقض وإن لم يرد به شتم أحد، إذا ذكر شيئا من العورات باسمها [القبيح].
مسألة:
وكل معصية مما توجب إلى فاعلها الوعيد، تنقض الوضوء. مثل من شتم (1/187)
صفحة 187
المسلمين، أو لعنهم أو اغتابهم أو قذفهم أو بهتهم أو قبحهم أو برئ منهم.
وقول: إنما تنتقض أشياء معروفة، مثل الكذب والسرقة، والنظر إلى ما لا يحل. وكان ينبغي على القول الأول، أن كل معصية تنقض الوضوء، ولم يقولوا بذلك.
مسألة:
وإذا توضأ المنافق، ونوى بوضوءه لصلاتين، فصلى الأولى، وسكت إلى حضور الثانية فوضوءه ثابت. فإن تكلم فلا يؤتمن على كلامه لأنه منافق، متى تكلم انتقض وضوءه.
وقيل عن أبي قحطان، إنه كان، لعله قال يتوضأ لكل صلاة، ولا يؤتمن المنافق على وضوءه للصلتين.
قال أبو محمد: إذا نوى بوضوءه الصلاتين وحفظه. وغض بصره، وأمسك لسانه. ولزم موضعه أو طريقه، ما أبلغ إلى وضوءه الفساد. والله أعلم.
مسألة:
وعن من عصى والديه وهو متوضئ، أنه لا ينتقض وضوءه.
مسألة:
وقيل إذا ثيت في استنشاق الرائحة المحجورة نقض الوضوء، خرج ذلك في (1/188)
صفحة 188
استنشاق الرائحة المحجورة مثل امرأة ليست بامرأته، ولا جاريته التي يطؤها لشهوة منه على وجه الحرام، على قول بمعنى الإثم.
مسألة:
من كتاب الأشراف: أجمع كل من يحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف من قول الزور والكذب والغيبة لا ينقض الوضوء.
أبو سعيد: أما الكذب فيخرج فيه اختلاف، وأما الغيبة فيخرج فيه معاني الاتفاق وأنه ينقض الطهارة. والعجب كيف فرق معناهما وبينهما. (1/189)
صفحة 189
الباب السّابع والثلاثون
نقض الوضوء بالشتم والكلام القبيح
قال الربيع: كل خبيث من الكلام ينقض. وقيل عن منير لا ينقض ما لم يشتم به أحداً، ثم قال ينقض، وإن لم يرد به شتم أحد إذا ذكر شيئاً من العورات باسمها، وأشباه ذلك.
وقيل: سأل هاشم موسى عن ذكر البول فقال: كل شيء ذكرت فتوضأ منه.
وقيل عن موسى: إذا ذكر النيك لا ينقض الوضوء. وقيل إذا ذكر العذرة باسمها لا ينقض، حتى يذكر عذرة رجل باسمه. وكذا قيل في البول. وقيل في البول غير هذا. وفي موضع إن سفه بذكر العذرة قلا يبين لي إعادة الوضوء عليه، وإن كان بعض أصحابنا قد قال بذلك.
وإن قال لرجل سلحت أو فلان سلح نقض وضوءه. وإن قال: سلح ولم يشتم به أحداً فلا ينقض.
مسألة:
وإن قال لرجل أنت بلت هاهنا، فقال الآخر نعم، فلا ينتقض وضوءه في ذلك، إلا أن يريد شتمه.
قال أبو المؤثر: سمعنا أن رجلا ذكر فرج أتان بالاسم الذي أوله، حاء راء، فرأى عليه الربيع أن يعيد الوضوء. (1/190)
صفحة 190
مسألة:
ومن ذكر الفروج والأدبار بأسمائها القبيحة انتقض وضوءه. فإن نسي حتى ذكر، فلا بأس.
وإن ذكر ما يخرج من الأدبار من العذرة، وشتم أحذاً انتقض بذلك وضوءه، وإن لم يشتم به احداً فلا ينتقض.
ومن قال لرجل ضع القفيز أو شيئاً من الأواني على إسته فلا أحب أن ينقض عليه حتى يشتم بذلك أحداً.
وفي موضع: إن التسمية للدبر بالسين قالوا إن مختلف فيه. فقول إنه ليس من قبح التسمية. وقول: إنه قبيح، وينقض الوضوء ذكره. قال: ونقول إنه ينقض الوضوء إذا ذكر ذلك من الدواب وغيرها من الآنية والأمتعة.
مسألة:
ومن ذكر فروج النساء والنساء وسمى العذرة. فالذي تستحبه الفقهاء: الوضوء منه، وليس بواجب. فمن تكلم بذلك ولم يتوضأ، فإنهم يأمرون ألا يصلى خلفه، فإن مسلم خلفه فعسى أن تكون صلاته جائزة، وإن أبدل فقد أخذ بالثقة.
مسألة:
وقيل: إذا قال الرجل سلحت أو سلح فلان أو خريت أو خري فلان، فإذا أراد بهذا ششتم أحد انتقض وضوءه، وإن لم يرد بذلك شتما فلا نقض عليه.
وأما إذا قال أبو السلح او أبو البول، أو سلّاح أو بوّال، فهذا ينقض، لأنه قد وقع الشتم. (1/191)
صفحة 191
فإن قال: هذا بولي فلا نقض. فإن قال لغيره: هذا بولك، يشتمه بذلك فعليه النقض.
قال محمد بن المسبح: ليس شيء من هذا ينقض الوضوء، إلا أن يشتم به أحداً.
مسألة:
ومن قال لمن لا يستحق العذاب الويل لك، انتقض وضوءه على قول إن الكبائر تنقض الوضوء.
مسألة:
فإن فبح رجل رجلا، أو لعنه، فإن كان للمقبوح ولاية، انتقض وضوءه، وأما ابنه فلا ينتقض وضوءه، إلا أن يكون بالغا له الولاية، وكذلك العبد إن كانت له ولاية، كان له أو لغيره، وإن لم يكن لأبي الصبي ولاية ولالأمه، لم ينتقض وضوءه.
أبو سعيد: ولاية الصبي لازمة لوالدهكنفسهوأوليائه البالغين، فإذا ثبت النقض على من قبح من ثبتت ولايته، أشبه أن يلحق ذلك غذا قبح ولده الصغير الصبي أو نفسه، لأنه معصية.
مسألة:
ومن قبح خادمه أو لعنه، أو قبح وجه امرأته أو ابنته، فأحب أن يبدل الوضوء. وأما الصوم فلا.
ومن لعن عبده، فالذي لا يجيز ذلك يلزمه نقض الوضوء. وأما اللعنة والقبحة فحكم واحد من هذا. (1/192)
صفحة 192
وإن لعن حجراً، أو دابة، أو صبيّاً، أو ريحاً، أو من لا يستحق انتقض وضوءه، وعليه الاستغفار، وليس عليه أن يعلمه ذلك.
ومن لعن أو قبح غير مسلم، فلا نقض عليه، لأن المنافق ملعون مقبوح. وإن لعن نفسه أو قبح وجهه، فعليه التوبة لا غير.
مسألة:
ومن قال لرجل: هذا إبليس انتقض وضوءه. وإن قال له: هذا شيطان، أو من الشياطين وكان من المتمردين والمترفين، لم ينتقض وضوءه. لأن الله تعالى يقول:"شياطين الإنس والجن". فقد جعل فيهم شياطين.
مسألة:
عن أبي عليّ في من قال لامرأته: يا كافرة، فإن كان يعلم أنها كافرة، فما نرى على طهوره نقضا. وإن كان يرتاب بها، فأحب إلينا أن يتوضأ.
مسألة:
ومن دعا محمدا محمدوه، وسعيدا سعيدوه، أو لقبه باسم لا يغضب منه، وكان ذلك تعريفاً، وبه يجيب، فلا نقض عليه على وضوءه. (1/193)
صفحة 193
مسألة:
فإن قال لمن لا ذنب له، مثل الدواب والصبيان، ونحو ذلك: لعنك الله أو أخزاك الله، أو قبحك، أو لا بارك فيك، وتعست. فأما قوله ذلك ولوالديه ولاية فإن استغفر ربه، لم ينتقض وضوءه ولا صومه.
وقول: إن لعن دابة، أو قال لصبي يا بوال مازحا لذلك، انتقض وضوءه لأنعه شتم.
مسألة:
وإن شتمه بما فيه فيقول له بالأعور والأعرج والمبتلى، هل ينتقض وضوءه؟ فلا ينبغي له ذلك، ولا نقض عليه. وقول: إذا عمد إلى ذلك قاصداً شتمه، انتقض وضوءه. (1/194)
صفحة 194
الباب الثمن والثلاثون
ما ينقض الوضوء من الكلام، وما لا ينقض
ومن تحدث بحديث لم يضبطه، فزاد فيه أو نقص مخطئا، فلا ينقض وضوءه إذا أتى بالمعنى، إلا أن يتعمد الزيادة في ذلك كذبا، وهو أن يتقول من نفسه ما لم يكن.
وفي موضع: من حدث بحديث ولم يتعمد كذبا، فزل لسانه إلى كذب قلا نقض. والناس تزل ألسنتهم، والخطأ مرفوع.
مسألة:
ومن قص خبراً على أنه صدق، فبان له أنه كذب. فلا نقض عليه. ومن أنشد شعراً من قول غيره فلا نقض عليه، إلا أن يشتم به مسلما، ولو كان فيه إفراط في الذم أو المدح، أو شيء من الكذب. لأنه هو لم بفتر ذلك. وإنما افتراه غيره. فإن كان شعراً من قوله وفيه كذب، انتقض وضوءه.
مسألة:
ومن قرأ الشعر أو الحديث الجاهلي، والفخر والهجاء، فلا بأس عليه في ذلك والله أعلم.
مسألة:
والمزاح إذا كان كذبا نقض الوضوء والصوم. وأما الغلط فلا ينقض. (1/195)
صفحة 195
مسألة:
ومن قال لغير أمه يا أماه، أو لغير أبيه يا أبتاه. فعن أبي معاوية أنه كره ذلك. قال أنا أحب هذا القول، لقوله تعالى:"مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهُم إن أمَّهَاتُهُم إِلَّا اللَّائي وَلَدْنَهُمْ".
قال المصنف: تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا دليل لعله جواز ذلك. وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: الخال أحد الأبوين، وهو لم يلده، وهذا على المجاز. وأرجو ألا يضيق ذلك إن شاء الله.
مسألة:
ومن قال: امرأته كأنه الشمس الطالعة، أو كالجدار، أو الشاة سمينة كأنها الزبدة، فقيل إنه لا بأس بالشمس والشاه، وكره تشبيه المراة بالجدار.
مسالة:
وإن فال: هناك من الجراد قارعة أو وقعة لم نر عليه نقضاً. وإن قال: هاجت الريح على هذا السماء وذهبت به كله، أو قال لرجل: حمارك هذا بغل، أو نحو هذا، أو يقول: ذرة كالحمص، او شعير كاللبن ومثله، ونحب أن يتوضأ حتى يكون كذلك.
مسألة:
ومن قال: غداً يجئ الغيث والسمك، أوكذا ولم يستثن. انتقض وضوءه إذ حكم على غيب. (1/196)
صفحة 196
مسألة:
وإن قال: لقيت الناس كلهم، وأبصرت من الناس ما لا يحصى، فإنه لا يكون كذبا.
وكذلك لو أراد بيع سلعة، فقال لا أبيعها إلا بعشرة، فباعها بأقل لم يكن كذباً.
مسألة:
من أومئ إليه ليتقدم الناس في الصلاة، فامتنع وقال: لا أفعل، ثم فعل لم يكن كذبا، وقد فعل مثل ذلك أبو محمد فيما يوجد.
مسألة:
ومن ضرب مثلا فقال: ما فلان إلا بحر، أو برق، فلا نقض عليه، لأن هذا من المجاز، إلا أن يريد بذلك شتما له، أو استنقاصاً.
مسألة:
ومن قال: سموني سعيداً لأقعد مكان رجل معتقل اسمه سعيد، فلا أعلم فيه نقضاً.
مسألة:
في المتوضئ يسأل عن مسألة، فقال قولا، لعله يحفظه، فأصاب الحق، فلا يفسد وضوءه إن شاء الله، وليكف عما لا يعلم، فذلك أولى بالمرء وأسلم. والهين في ذلك والتشديد سواء. ومن تورع عن الكبير تورع عن الصغير. (1/197)
صفحة 197
قيل: فإن لم يحفظه ويحفظ شبهه، أو شعبة من شعبه، فيقول فيه بلا أن يحفظه على الجهة فيصيب. فأما من أصاب الحق على ما ذكرت فلا إثم عليه، وقيل من قال بلا علم، إن أصاب لم يؤخر، وإن أخطأ أثم.
ومما سأل عنه أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى رحمه الله أبا عبد الله محمد ابن احمد بن أبي غسان عن رجل سأل رجلا حرّاً أنه يحفظ الأثر من مسألة لم يكن عنده فيما حفظ في تلك الساعة، فقال فيها بمعنى، وقال: لست أحفظ في هذه المسألة، ولكن عل وجه المشورة، أن يفعل كذا، ألا يمكن نسأل، هل عليه في ذلك إثم؟ قال: أرجو ألا يأثم في ذلك ما لم يخرج جوابه إلى الباطل. والله أعلم. (1/198)
صفحة 198
الباب التّاسع والثلاثون
ما ينقض الوضوء من النظر إلى الفروج والعورات
قال الله تعالى:"قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" يعني كل أبصارهم عما لا يحل لهم. فمن نظر ببصره ما هو محرم عليه من جميع المحارم، انتقضت طهارته لأنه معصية يرتكبها وكل نظر معصية ينقض الوضوء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من اطلع دارا بغير إذن فقد دمر، والدامر الداخل، ودمرت الدار التي دخلتها. والمصدر: دمور. وكان يقال: من غض بصره الماس ثواب الله آتاه الله عبادةيجد طعمها، أوقال لذتها.
مسألة:
قال أبو محمد: والنظر من طريق العمد يوجب عند أصحابنا نقض الطهارة، لاستحقاق الوعيد عليه. وأما من طريق الخطأ، فلم يوجبوا به نقض الطهارة، لزوال الوعيد عن من نظر خطأ، قياسا على السنة في الكذب المتعمد عليه. وأما من لم يقل من أصحابنا بجواز القياس، فيجب على أصله ألا توجب إعادة الطهارة من النظر. والله أعم.
مسألة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ملعون من نظر إلى فرج أخيه، أو قال عورة أخيه. (1/199)
صفحة 199
وعن بعض الفقهاء أنه قال: لعن الله الناظر والمنظور إليه عمدا. وذلك إنما يكون في المحارم، لأنه كثير ينقض الوضوء.
مسألة:
اختلف أصحابنا فيمن نظر إلى فرجه لغير معنى. فقول: ينتقض وضوءه. قال هاشم: إن نظره للتعجب، وفي موضع، لعله معجبا، نقض. فإن نظره لغير ذلك لم ينتقض.
وقول: لا ينقض نظره إليه، ولكن اولى أن ينزه عن ذلك.
قال ابن جعفر وأبو محمد وأبو الحسن: لا ينتقض وضوءه بنظره إلى فرج نفسه، ولا امرأته، ولا جاريته التي يطؤها.
وقال أبو محمد: ما لم يمنعهم في الجارية تزويجها، أو حرمة بينه وبينها، من وطئ أختها أو نحو ذلك مما يحرمها. والله أعلم.
مسألة:
قال أبو الحسن في التعجب المذكور في النظر إلى الفرج: لا أدري ما معناه فيه.
مسألة:
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاوية بن جندة: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. وقيل معناه حفظ الرؤية والنظر يعني. احفظها (1/200)
صفحة 200
لا يراها أحد، إلا زوجتك أو ما ملكت يمينك، لأن النظر مباح لزوجته، وما ملكت يمينه. وإنما كره أن يطلع في الفروج إلى داخلها، فأما إلى ظاهرها من الزوجين فلا بأس.
مسألة:
وقيل: معنى قول عائشة ما نظرت إلى فرج رسول الله: أي ... (1) ولم تقل عائشة إنه لم ينظر، ولا أنه نهى عنه، ولا أنه كره ذلك، إنما قالت: لم أفعله أنا، وقد كانا يغتسلان من إناء واحد.
مسألة:
والنظر المحرم في النهار والليل سواء، وإذا تيقن الناظر أو تبين له ما نظر من المحظور عليه، ولا فرق بين الليل والنهار إذا تبين الناظر أو لم يتبين الناظر لظلام يحدث، أو لبعد مكن، أو لظلمة سحاب لم يلزمه، فإذا كان زوال المتيقن في النهار لا يوجب إعادة الطهارة، فيجب أن يكون تيقن النظر في الليل يوجب نقض الطهارة والمراعاة في ذلك التيقن في المنظور إليه في الليل والنهار.
قال أبو الحسن: لا بأس بالنظر في الليل، لأن الليل لبس، إلا أن يكون نظر بنار، فإن ذلك مثل النهار.
مسألة:
ومن نظر محرما بعد ما غابت الشمس، ولم يلبس ظلام الليل وضوء النهار وهو الغالب، فذلك كمن نظر في النهار حتى يلبس الليل ويستولي، فإن كان الظلام
__________
(1) مكانه بياض في النسختين. (1/201)
صفحة 201
يحول بينه وبين النظر فلا نقض، ولو كان قد طلع الفجر، ولا بأس بالنظر في القمر، وكذلك إذا انفجر الصبح، فمن نظر واستبان فهو كمن نظر في النهار، وإن كان الظلام يحول فلا نقض ولو طلع الفجر. وقول إذا طلع الليل ولو لم يستول فهو حكم الليل.
وإذا طلع الفجر، ولو لم يصح النظر، فهو حكم النهار. وقول لو كان في النهار في بيت مظلم، او في موضع ظلمة لا يتبين فيه الشيء بعينه فلا بأس.
مسألة:
في الزوجين ينظران فرج بعضهما بعضا عمدا لشهوة، فلا يفسد ذلك وضوءهما، ولا صومهما. وقيل في الوضوء بختلاف، وما أحب لهما ان يعرضا وضوءهما وصومهما لذلك.
مسألة:
فإن تشهى زوجته أو سريته، فإن لم يتولد عليه شيء فلا نقض، ولعله لا يتعرى من الاختلف على قول من يقول إذا نظر إليها بشهوة انتقض وضوءه.
مسألة:
وحكم الميت والحي في باب ما ينقض من النظر والمس في الحي والميت سواء لقول النبي صلى الله عليه وسلم حرمة أمواتنا كحرمة أحياءنا، يعني أهل الإسلام، فسوى بينهما، والله أعلم. (1/202)
صفحة 202
مسألة:
فإن نظر المتوضئ بدن امرأة ليست منه محرمة متعمدا، فقول ينتقض وضوءه وقول لا ينتقض، وإن ككانت في بيت، لحقه الاختلاف، والله أعلم.
مسألة:
قال أبو عبد الله: على الرجل أن يغض [بصره] عن المرأة القبيحة، وفي نسخة، الفحلة التي لا تستتر، وإن لم تستتر، لأن الله تعالى قد أمرنا بالاستتار. وقال في نساء تهامة ونحوها التي لا تستتر وتتبرج: إنهن مثل الإماء. وقال بشير: لا لعمري الإماء، وأما الحرائر فغض ما استتطعت. وفي موضع: إن ينظر بدن امرأة انتقض وضوءه، إلا المتبرجات اللواتي لا يستترن ويخالطن الرجال، لا ينقض النظر إلى أبدانهن.
مسألة:
ويقال ليس على النساء نقاب، ولا بأس بالنظر إلى وجوههن من غير شهوة ولو كنّ يستترن، ومن نظر لشهوة فليكف، وليغض بصره.
قال ابن محبوب: من نظر إلى وجه امرأة متعمداً لشهوة انتقض وضوءه.
مسألة:
ومن رأى امرأة متجردة من خلف ستر يشف متعمداً للنظر حتى راى بدنها، فهو آثم، وينتقض وضوءه، وتحرم عليه، لأن الذي يشف ليس بستر، ولا يجوز له به الصلاة. (1/203)
صفحة 203
مسألة:
والنظر إلى أبدان النساء على العمد يحرم، إلا الوجه والكفين. وفي حديث آخر: المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين، فمن رأى وجه امرأة تستتر منه فلا نقض عليه.
وقال محمد بن محبوب: من نظر وجه امرأة أو كفها متعمداً، لم ينتقض وضوءه، فإن أبصر ساعدها لشهوة انتقض وضوءه.
وحد الكفين الرسغن، وباطن الكف وظاهره سواء. وإن نظر إلى غير ذلك منها ولو إلى شعرها انتقض وضوءه.
مسألة:
ومن نظر فرج امرأة أو رجلها أو رأسها، ثم أراد أن يصلي أو يتزوجها، فشك أ، ه تعمد أو أخطأ فلا بأس عليه في وضوءه وزوجه لها، حتى يعلم أن نظره كان عمداً.
مسألة:
قال الربيع: من نظر إلى قدم امرأة متعمداً فهو خطاء فيما فعل، ويستغفر ربه، وأرجو ألا ينقض وضوءه. وأخبرنا أبو زياد عن مسلم بن أبي إبراهيم، أنه من نظر إلى رجل امرأة متعمداً أن لا نقض عل وضوءه. وقال أبو زياد: وأظن أن موسى بن علي قال ذلك.
مسألة:
اختلف فيمن نظر إلى خف امرأة، فقيل عليه الإعادة. وقال محمد بن محبوب: لا إعادة عليه. (1/204)
صفحة 204
مسألة:
ومن نظر إلى رأس إنسان وبطنه ورجله متعمداً وهو يظنه رجلا، فغذا هي امرأة ليست منه بمحرم فغض بصره عنها، فلا بأس عليه في وضوءه، لقوله تعالى:"وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ".
مسألة:
ومن نظر إلى امرأة وهو يظنها غريبة، فإذا هي امرأته أو ابنته، فلا بأس عل وضوءه، وقد أثم في نيته، وبه كان يقول ابن محبوب.
مسألة:
عن أبي عبد الله فيمن ينظر إلى دابة تغشى دابة، أينقض ذلك وضوءه؟ قال: لا. قيل: فإن ينظر إليه بشهوة، فقال: لا بأس.
مسألة:
ورخص في أمر النساء اللاتي يتبرجن ويخالطن الرجال ولا يستترن، ولم يروا لهن ما لغيرهن. قال: ولا أحب على حال أن يقصد إلى النظر إلى شيء منها.
مسألة:
وقد رخص بعض المسلمين في النظر إلى غير الوجه والكفين من المتبرجات من النساء والعجائز ونساء تهامة، لأن النظر إلى هؤلاء لا يفتن، ولا يكاد يحدث الشهوة، وذكر المعصية عند النظر إليهن، وجعل النظر إليهن كالنظر إلى (1/205)
صفحة 205
الإماء المباح النظر إلى أبدانهن. وبعضهم شدد في النظر إلى الحرائروجمل أحكامهن في النظر واحدة، لأن حرمتهن واحدة.
مسألة:
وقيل: للرجل ان ينظر إلى وجه المرأة وإلى كفها، باطنه وظاهره، إلى الكوع وهو الرسغ، وإلى باطن قدم المرأة، وإن كان متوضئاً لم ينقض ذلك وضوءه ولو كان ذلك على العمد، ما لم يكن لشهوة.
قيل: وكذلك في المس. إذا مس منها ما يجوز النظر إليه. قيل: ولو أنه أدخل يده في فيها فمس ضروسها أو غير ذلك، لم يفسد ذلك الوضوء، ولا إثم عليه في ذلك.
وفي موضع: لا نجيز له ذلك إلا من عذر.
مسألة:
قال أبو عبيدة محمد بن إبراهيم في نساء الجيران الأجنبيات من اللاتي لا يستترن من الرجال، قال، يعجبني ألا ينتقض وضوء من نظر إليهن كالمتبرجات.
مسألة:
قيل له:
قيل له:
قيل له: فظاهر قدمها لا يمكنها ستره وهي ممن يستترن. أتكون كالمتبرجات؟ قال: يشبه أن المعنى واحد. (1/206)
صفحة 206
الباب الأربعون
في نقض الوضوء بالنظر إلى عورات الرجال وذوي المحارم
الفراء، يقال للرجال فرج إذا كانت تبدو معاريه، والمعري: المواضع التي لا ينبغي أن تعرى. ويقال: عرى فلان عروة شديدة، وعريان. وهو عريان، وعريانة، وعار وعارية.
ومن نظر سرة رجل وما سفل من ذلك وركبتيه وما علا عن الركبة، فعند بعضهم أن ذلك من العروة، وأن وضوءه ينتقض. وقول: إن الركبة والسّرة كذلك. ورخص الأكثر في الركبة والسرة.
وقول لا ينقض إلا نظر الفرج سواء. وفي موضع لا ينتقض وضوءه حتى ينظر العورة. قيل العورة. قيل العورة الفرجان.
وعن محمد بن جعفر أن الركبة والسرة في الأثر من العورة، وإن أبرزهما الإنسان لعلة أو لغير علة، فلا أبصر عليه نقضاً، ولا ينبغي. وليس على من نظر من رجل ذلك نقض وضوءه حتى ينظر الفرج.
وقيل إنه كان يدخل إلى موسى بن ابي جابر وسرته بارزة. وفي نظر الفخذين اختلاف في نقض الوضوء، وأكثر القول ينقض. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عباس قال: مر رجل فرأى فخذه، فقال غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته. (1/207)
صفحة 207
وقيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بين السرة إلى الركبة عورة فإن مسح رجل لرجل من علة؟ قال: أرجو ألا يكون عليه بأس.
مسألة:
وقد أجمعت الأمة أنه ليس للإنسان أن ينظر إلى فروج الرجال والنساء، إلا ما قام دليل بإجازته من السنة، وإذا لم يجز للإنسان النظر إلى فرج محرم عليه، فلا يجوز له أيضً أن يبيح ذلك لغيره من نفسه وبالله التوفيق.
مسالة:
قال بشير بن محمد: الفخذ والركبة عورة، وليس عرية ولا ينقض وضوء من نظر إليها.
قال أبو محمد: الذي نجد لأبي المؤثر أن الركبة والسرة عورتان، وكشفهما ونظرهما محرم. وفي نظرهما عمدً نقض الوضوء.
وأما بشير بن محمد فالذي حفظ عنه، أن الركبة والسرة ليستا بعورتين، ولا يؤثم النظر إليهما ولا كشفهما. والنظر المحرم عنده ما كان من حد منابت الشعر إلى مستغلط الفخذين.
وأما ما ذكره في العرية، فلا أعرفها من كلامهم ولا أظن ذكر العرية إلا كلمة عامية. وحاشا أبا المنذر ان يتكلم إلا بالصحيح من الكلام والحسن.
مسالة:
وعن أبي ليلى قال. خرج رسول الله فخرجنا معه، فمر رجل من (1/208)
صفحة 208
بني عدي، كاشف عن فخذيه، فقال صلى الله عليه وسلم: غط فخذيك يامعمر، فإنهما من العورة.
وقال اصحاب حنيفةك لا تدخل السرة في العورة، وتدخل الركبة فيها. وقال الشافعي: الركبة ليست عورة. قال داود: الفخذ ليس من العورة، واستدل أصحاب أبي حنيفة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما تحت السرة إلى الركبة عورة. ورويانه قال لرجل: غط فخذك فإنه من العورة.
مسألة:
قال سليملن بن سعيد: جائز أن يصب على الجل غلامه الماء بالنهار متجرداً، ولم ير ذلك محمد بن محبوب. قال أبو معاوية: كنا نظن أن ذلك لا يجوز، حتى وجدنا إجازته في الأثر عن موى بن ابي جابر.
قال أبو محمد: الذي ذكره سليملن بن سعيد في إجازته ذلك، يحتمل أن يكون في الليل دون النهار.
وكذلك الذي روى أبو معاوية عن موسى بن أبي جابر، لأن الخبرين لا يذكر فيهما الليل دو النهار فكذلك لا يخرج جوابهم إلا ما يليق بهم. فقد رووا قوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الناظر والمنظور إليه. وهذا بإجماع، هو النظر المحرم.
مسألة:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعري بالليل والنهار. قال أبو الحسن: معنى هذا (1/209)
صفحة 209
النهي أن يظهر عورته على الناس بالنهار، أو بالليل في النار، فأما في الليل الظلام حيث لا يراه الناس فليس ذلك بتحريم، ولكنه نهي تأديب. لأنه قيل له يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر، فقال: فإن استطعت ألا يراها أحد فافعل. قيلله إذا كان أحدنا خاليا. قال: فالله أن يستحيا منه، فهذا نهي تأديب، وبحضرة الناس حيث رونه تحريم.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبع النظرة إلى ما حرم الله. قال أبو الحسن: نعم، قد حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نظر المحارم على العمد. وإذا اتبع النظرة النظرة في الخطأ، كانت الأولى خطأ، والثانية عمدا محرمة.
والنظر غلى عورات الرجال مرة بعد مرة من غير عمد لا بأس عليه. وقيل تكرار الخطأ لا بأس به وإن كثر، وإنما الفساد والإثم على في العمد.
مسالة:
ولا نقض فيما نظر من ابدان الناس اللاتي لا يحل نكاحهن، مثل والدته وابنته وأخته وعمته وخالته وجدته، ولا نحب له ان يتعمد ذلك، إلا النظر إلى الفروج منهن، فإن ذلك لا يحل له وإذا تعمد انتقض وضوءه.
وقوله إذا أبصر من ذات محرم، من اسفل السرة وأعلى من الركبة متعمداً انتقض وضوءه. وهي منه بمنزلة الرجل في هذا.
وفي موضع إن نظر إلى من لا يجوز له نكاحه من حد الركبة إلى السرة متعمداً انتقض وضوءه وعليه بالتوبة. فإن نظر إلى سائر بدنها متعمداً من غير (1/210)
صفحة 210
شهوة، فلا ينقض ذلك وضوءه. وإن نظر لشهوة متعمداً فيعيد الوضوء، ويستغفر ربه. وغن كان لما نظر إليها اشتهى غيرها للحلال، فلا بأس في شهوته غيرها للحلال.
مسألة:
وعن نظر إلى بدن من لا يحل له نكاحه بحرمة النسب أو الصهر او الرضاع ما عدا السرة والركبتين متعمداً لغير شهوة وهل ينقض ذلك وضوءه؟ قيل: لا نقض عليه في ذلك ما لم ينظر من السرة إلى الركبة او شيئا منه على التعمد.
وإن نظر شيئاً غير ذلك من بدنها لشهوة ففي نقض وضوءه اختلاف.
قال: والنظر في ذلك للتلذذ بالنظر، هو من ضروب الشهوة ولا يجوز. وإن ن كان التعجب من شيء خلقها لحسن او دمامة، أو تفكر في ذلك بغير تلذذ ولا شهوة، فأرجو أن ذلك خارج من الأول.
مسالة: أبو عبد الله بن غبراهيم في البائنة بحرمة على الأبد في نقض الوضوء، أنها عنده أشد من ذوات المحارم، وغير ذوات المحارم في معنى النظر إليها.
مسألة:
من نظر شعرأمه أو أخته لعله أو سرتها، فعلى قول لا ينقض وضوءه. وعلى قول من لا يجيز ذلك يوجب النقض في نظره ما لا يخل. والله اعلم. (1/211)
صفحة 211
مسألة:
وإن مس بدن أخته من السرة إلى الركبة لشهوة أو غير شبهة، نقض وضوءه.
وإن مس من سائر بدنها لغير شهوة، لم ينقض ذلك وضوءه. وإن مس بشهوة نقض.
مسألة:
والأموات والظأحياء سواء فيما ينقض من النظر والمس، ما لا ينقض.
مسألة:
ومن نظر إلى القبر من تحت الثوب فلا نقض على وضوءه، كان من أهل المصيبة أو لم يكن، لأن القبر ليس بمنزلة المنزل الذي فيه الأحياء. وقول، إن نظر إلى الميت من تحت الثوب نقض وضوءه، إن لم ينظر إلى الميت لم ينقض وضوءه والله أعلم. (1/212)
صفحة 212
الباب الواحد والأربعون
نقض الوضوء بالنظر إلى الإماء والصبيان
وأما الإماء فالنظر إلى ابدانهن لا بأس به، إلا ما ينكر عليهن إخراجه في أسواقهم إذا أظهرنه بينهم، كنحو كشف رءوس الجواري من الهند والبياسرة وما يتخذ مثلهن للفراش، وإظهار سوقهن وصدورهن، وما يحذر النهي أن يفتن الناظر إلى ذلك منهن.
قال هاشم: ليس علىلإماء خمار ولا رداء. وكذلك قال غيره.
وحكم العبيد الحبش وغيرهم من سائر المماليك في الستر والنظر إليهم كحكم الناس وهم عراة، ولا يجوز النظر إلى عوراتهم. ومن نظر إليها كان كمن نظر إلى عورات الأحرار، إلا أنه قد قيل إن حكم أبدان الإماء ليس كحكم الحرائر.
وأما العورات المأمور بسترها، فلا تحل من الذكور والإناث. قال ولا بأس بالنظر إلى الغتم وما كان من جنسهن. وأما المقتنيات فلا يجوز النظر إليهن.
وفي موضع، والأمة ليست كالحرة، إلا أن الأمة لاينقض النظر من بدنها كله على العمد، إلا النظر إلى السرة والركبة وما بينهما، وكذلك المس، إلا النظر للشهوة، أو إلى نفس الفرج للتعمد، فذلك ينقض.
وإن نظر إلى ساق أمة مما تتخذ للفراش فلا بأس.
مسألة:
وليس للنظر إلى عورات الصبيان حد، ولا فيه نقض إلا البلوغ، إلا أن فيه (1/213)
صفحة 213
وحشة لمن استحيا واستتر، فإذا كان الصبي لا يعرف الستر، ولا يبلغ من نظر إلى فرجه فساد وضوءه.
وإن كان ممن يستحيا، من نظره فوضوءه فاسد، فكذلك عن أبي محمد.
قال أبو محمد: إذا بلغ الصبي الاستحيا والاستتار فسد وضوء من نظر إلى عورته، وأما الصبية من نظر إلى جوف فرجها فسد وضوءه ولو كانت ترضع.
وعن جابر فيمن نظر إلى فرج جارية صغيرة متعمدا إلى جوف فرجها، أنه يتوضأ، ومن نظرها قائمة، فلا إعادة عليه.
قال ابن المسبح: إذا نظر إلى الشق انتقض وضوءه، والجارية غير البالغ لا بأس بالنظر إلى رأسها مكشوفا لغير شهوة.
مسألة:
وقيل: النظر إلى من لا يستتر العورة لا ينقض الوضوء. وفي الجامع: وأما الصبيان الذين لم يستتروا، ولم يكونوا في حد ذلك من الإناث والذكور، فلا ينقض الوضوء النظر إلى فروجهم ولا مسها، إلا النظر إلى نفس فرج الجارية، أو مسه على التعمد، إني احب أن ينقض من ذلك.
وكذلك من مس فرج الغلام وهو رطب، او يده رطبة، قد قيل، إنه ينقض، إلا أن تكون رطوبة مما طهر به [من الماء]. وقول: من مس فرج الصبي أعاد الوضوء. وقول: إن كان صغيرا لم يستتر، لم يفسد وضوء من مسه وهو غير رطب. (1/214)
صفحة 214
وفي موضع: ولعل بعضاً لا يوجب نقض الوضوء ولا الصوم بنظر فرج الصبي ما لم يبلغ أو بصره في حد البالغين، ويبيح النظر إليه على العمد.
قيل: فإن مس الثقبين من فرج الصبي الذي لم يستتر؟ قال: إذا لم تكن نجد من يؤثم مس فرجه وبلوغه إلى حد الذي يشتهى أو تشتهى، فعلى قول من يقول بنقض مس الفروج كلها حت الدواب، فقد وقع عليه اسم فرج، وإن كان لا يؤثم مسه.
مسألة:
قال محمد بن محبوب: من نظر إلى فخذ الأمة المملوكة وبطحها ورأسها عمداً، لم ينقض ذلك وضوءه.
مسألة:
أبو سعيد:
وقيل من سرتها إلى ركبتيها عورة على الرجل، وعلى المرأة. (1/215)
صفحة 215
الباب الثاني والأربعون:
في وضوء النساء، وما يجب عليهن، وما ينقض ذلك.
وإذا حضرت المرأة الصلاة ولم تجد ماء، إلا ماء عنده رجال،، واستحيت أن تكلمهم، وتخرج إليهم حتى فاتت الصلاة. قال أبو محمد: أخاف عليها الكفارة، لأن عليها أن تخرج إلى الماء، ولا تعذر بذلك. فإن لم يكن عليها كسوة، فعليها أن تطلب كسوة. فإن لم تجد فلا شيء عليها، وعليها التيمم.
وإذا كانت في دوينج وحضرت الصلاة، فاستحيت ان تكشف قدام الناس، فصلت بلا وضوء، فلا كفارة عليها إن شاء الله،
مسألة:
ويجزئ المرأة في مسح راسها ما يجزئ الرجل. وإذا وضعت راحتها في الوضوء على هامتها أجزأتها.
وفي موضع: تمسح رأسها عند الوضوء، وذوائبها إلى أطراف الشعر.
هذا عن أبي المؤثر، وعن موسى بن علي: قال أبو محمد: والمسح على الرأس جائز للرجال والنساء.
مسألة:
وإذا غسلت المراة فرجها، ولم تدخل يدها فيه، فلا بأس. وعلى النساء أن يغسلن ما ظهر من البول، ولا عليهن أن يدخلن الاصابع في الفروج، ويؤمرن (1/216)
صفحة 216
بالتفتح عند الاستنجاء ليكون ذلك أبلغ في الطهارة، وكذلك عليهن من المذي. ويؤمرن إذا أهرقن الماء أن يمضين حت يستنجين بالماء. (1)
مسألة:
والمرأة إذا كانت تتوضأ وأدخلت أصبعها في فرجها، تريد بذلك النظافة، فجائز لها، ولا شيء عليها وإن كانت صائمة.
وقيل عن أبي منصور، أنها تدخل إصبعها في فرجها، وتغسل داخله، ولا تؤذي موضع خروج الولد وتجاوزهز
مسالة:
وإذا تجرد النساء مجتمعات في غسل من حيض او جنابة، أو وضوء لصلة، أو غسل لجمعة.
فأما غسل الجنابة والحيض والجمعة، فقد سقط عنهن، فليس عليهن إعادة ذلك، ولا ثواب لهن، ولا تصح الطهارة لهن وهن متبرجات، مبديات عوراتهن، ينظر بعضهن إلى بعض، وكل واحدة تطهرت ثم نظرت محرم الاخرى، انتقضت طهارتها ووضوءها، ولا تصح صلاة بغير وضوء، لأن ذلك وضوء منتقض. وعليهن التوبة والوضوء والصلاة، وبدل ماصلين بغير طهارة بجهل.
مسألة:
وإذا مست المراة فرجها أو فرج زوجها، انتقض وضوءها، ولا بأس على وضوءه هو.
روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مست المراة فرجها انتقضت طهارتها. 217/
__________
(1) كذا في الأصل. (1/217)
صفحة 217
مسألة:
وإذا مس فرجها عقبُها في الصلاة، فأحب ان تتوضأ، ولا أراه واجبا. وقيل: لا نقض عليها في ذلك. والله اعلم.
وغذا لم تستمسك الرطوبة من فرج المرأة لعلة، فإنها تؤمر أن تلفف بالخرق. وإذا حضرت الصلاةتوضات، وجعلت على لموضع ثوبا نظيفا وصلت قائمة، فإن لم تستمسك صلت جالسة، أو كما تقدر. ولا تصلي بثيابها التي لوثتها النجاسة. والله أعلم.
مسألة:
وكل ما خرج من دوائها الذي تحمله في الدبر والقبل، فأصاب الثوب، فإنه ينقض عليها طهارتها، وينجس ثووبها. ولا نقض على المرأة فيما خرج من قبلها، وينقض ما خرج من دبرها لأنه مجرى الطعام.
مسألة:
قال هاشم الخراساني: خرجنا إلى مكة فسمعت امرأة تسأل الربيع عن امراة وجدت ريحا من قبلها، وتسمع صوتها. قال: فسكت الربيع ما شاء الله، ثم قال هذه ريح دخلت من خارج، وليس ولعله للريح، هناك طريق. ولا بأس عليها.
وقيل: لا نقض، لأن الريح لم تتصل بالجوف، وتنفصل عن الطعام النجس في الجوف. وإنما ينقض خروجها من الدبر الذي هو مجرى الطعام والنجس. هكذا قيل. والله أعلم.
مسألة:
وفي الحديث عن عائشة في المراة تتوضا وعليها خضابها فقال: اسلبيه وأرغميه (1/218)
صفحة 218
السلب، فيصك الشيء الذي به لطخ ووسخ. والمعنى يسلب حتى يخرج ما فيه.
ويقال للمرأة التي لا تتعهد بدنها ورجليها بالحناء سلبا، ومعنى ارغميه: ألقيه في الرغم وهو تراب فيه رمل.
مسألة:
وعن المرأة تقوم إلى الصللاة، فيخرج من فرجها ماء، لم تدر ما ذلك الماء، من حيث توضات فاحتبس في رحمها قال: أرى عليها البدل، وتغسل موضع ما أصابها من ذلك الماء. قال غيره: وقول، كل ما جاء من والج الفرج من حيث تصل الطهارة واليد في الغسل، وكان الماء صافيا يحتمل أن يكون مجتمعا من الظاهر فهو طاهر حتى يعلم أنه جاء من الرحم.
وقول: ينقض حتى يعلم أنه طاهر.
مسألة:
مسألة:
وامرأة بكر أو ثيب يجامعها زوجها، أو تحيض أو تبول ولا تدخل يدها في الفرج. فأما البول فليس عليها ذلك، أما الحيض والجماع فذلك عليها، فإن تركته كان عليها البدل والكفارة. وقول: البدل بلا كفرة. وقيل غيرذلك. والله أعلم.
وفي موضع: إذا طهرت من الحيض، فعليها أن تدخل يدها لغسل والج الفرج، لأنه من المواضع التي تدركها بحواسها. وكل ما ادركت غسله من ظاهر بدنها فعليها غسله. (1/219)
صفحة 219
وقالوا: عليها أن تبالغ في غسله، ولا تؤذي موضع الولد، فتضربه. فنرى أنهم امروها أن تغسل موضع الولد، وأمروها ألا تؤذيه. وهذا في الثيب، وأما الصبية المقبضة، على قول من يرى عليها الغسل، نرى عليها غسل ذلك الموضع، وعلى قول من لا يرى عليها غسلا، لا يلزمها ذلك.
مسألة:
وإذا ادخلت المرأة يدها، وأنقت موضع الجماع، ثم ادخلت يدها لدواء تحتمله، أو لغير ذلك، فيدها طاهرة، لأنها إذا أنقته فهو طاهر حتى تعلم أنه نجس.
وإن جومعت فأدخلت يدها وغسلت موضع الجماع، ثم قامت تصلي أو بعد ذلك، وخرج عليها ماء من الفرج من والج، فقال، ما جاء من ذلك الموضع فهو نجس. إلا أن تعلم هي أن ذلك محتقن من الماء في موضع الطهارة. فهو طاهر.
والله اعلم.
مسألة:
أبو سعيد: ويخرج الاختلاف في غسل داخل فرج المراة الثيب عليها. فقول: عليها ان تغسله، وتبالغ في غسله ما لم تضار، وتؤذي موضع الولد من الحيض والجنابة وفي كل غسل لزمها.
وقول: إنما عليها أن تنجي الفرج من الجماع إذا أنزل الماء في فرجها، وليس عليها ذلك من الحيض.
ويخرج معناه أن ليس عليها في الغسل من الوطء، إذا لم ينزل فيها الماء الدافق ولأمر ما نهاها إذا كان ليس عليها ذلك من الحيض. بل يخرج معناه أن الحيض (1/220)
صفحة 220
أشد على قول من يقول إنها إذا أنزلت تاماء الدافق من غير جماع، أن لا غسل عليها فإذا كان لا غسل منه والغسل ثابت من الحيض بما لا يلزمها فيه الغسل فأحرى ألا يكون عليها ذلك.
وصاحب هذا القول لا يستتقيم له عندي، أن يلزمها ذلك في ذلك الجماع مع الإنزال فيها، ولا يلزمها ذلك في الحيض. وكل الموضع واحد، وقد ثبتت نجاسته إن كان بمعنى النجاسة، وقد ثبت غسله إن كان بمعنى الغسل، لأنه نجس من الوجهين جميعا فهما سواء في الوجهين.
وقول لا غسل عليها في الفرجمن حيض ولا جنابة، لأنه من دواخل البدن الذي [هو] غير متعبد بغسله بمنزلة الدبر.
ولا يبعد ذلك الاتفاق أنه لا غسل عليها في حيض ولا استحاضة، إذا لم يفض الدم خارج الفرج، وإنما كان مكتمناً في والج الرحم. ولا اعلم في هذا الفصل اختلافاً.
وكذلك لا غسل عليها في الجماع، ما لم تغب الحشفة فيها، وكذلك لا غسل عليها، ولو وجدت الشهوة ما لم ينزل الماء الدافق ظاهراً على الفرج.
وفي المعنى أنه لو خرج من موضع الجماع ولم يظهر، لم يكن من ذلك غسل على قول من يلزمها الغسل من الاحتلام، كما لا غسل عليها من الحيض، ما لم يفض الدم.
ولو كانت الدواخل في البدن يلزم غسلها ما أدرك منها، لكان الدبر يلزم غسله، لأنه قد يدرك إدخال اليد فيه بغير ضرورة. (1/221)
صفحة 221
ولا يخرج في هذا إلا أحد معنيين: إما أن يكون عليها غسله من كل نجاسة، ومن كل غسل لازم ويكون معناه حكم الظاهر من بدنها، وإما أن يكون لا غسل عليها فيه من شيء من نجاسة أو لغسل، وثبوت غسله أحب إليّ احتياطا لا حكما. فشبه الحكم، أن لا غسل عليها فيه بمنزلة الدبر ولو امكنها إدخال يدها فيه. لأنهما فرجان مستويان في الاسم والمعنى. ويجب بهما الغسل في الجماع، والحد ايضاً ونقض الوضوء بما يخرج منهما. والله أعلم. (1/222)
صفحة 222
الباب الثالث والأربعون
في وضوء ذوي العلل ومن له عذر
ومن كان في جارحة من حدود الوضوء جرح او كسر عليه جبائر، وخاف إن مسه الماء ان يزداد فليس عليه أن يمسه الماء، ويوضئ بقية الجارحة بجري الماء حوله. وإن استفرغ تلك الجارحة كلها، توضأ لبقية جوارح الوضوء، وتيمم أيضاً.
وقول: لا فرق بين استفراغ الجارحة، أو بقاء شيء منها، قال والنظر يوجب التسوية بينهما، لأن العذر بالبعض كالعذر بالكل، بل العذر بالكل أولى، لأنه مأمور بطهارة الاعضاء، ومنهي عن تطهيرها عند الخوف على نفسه من تطهيرها، أو تطهير شيء منها لقوله:"وًلًا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ" كأنه قال لهم تطهروا إذا كنتم على ذلك قادرين. فما عجزتم عن تطهيره، كان بمنزلة ما عدم منه، ولو لم يؤمر بتطهيره.
الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم.
أبو سعيد: ما عرض فمنع بمعنى خوف ضرر، أو عدم بلوغ الغسل إليه، لحائل من قليل أو كثير، فله أن يوضئ سائر جوارحه، وسائر تلك الجارحة، ويمسح على ما بقي مما لم يمكنه غسله، إلا أنه يأتي ذلك على الجارحة، فقول: يتوضا ويتيمم. وقول: لا يتيمم عليه ما كان الباقي من الجوارح أكثر. وقول عليه أن لكل ما علم غسله من جوارحه، قليلا كان أو كثيرا. وقول: إذا (1/223)
صفحة 223
كان أكثر الجارحة يتيمم، وإن كان أقل من أكثرها مسح عليها بالماء إن أمكن ولا تيمم عليه. وقول: إن كان الموضع من الجارحة نجسا، فعليه التيمم، وإن كان طاهرا، وإنما امتنع عن وضوءه، فلا تيمم عليه ولعله أكثر القول.
مسالة:
ومن كان مصابا بإحدى يديه ولا يمكنه الاستنجاءبها، أو لم يجد ماء واسعا، أو من يصب عليه الماء. وخاف أن ينجس الماء إذا قعد فيه، فليتوضأ لبقية الجوارح وينقي النجاسة بالحجارة أو التراب ولا يتيمم وهو واج الماء.
وغذا كانت يداه جميعا، فإن وجد من يمسح له ما بقي من جوارحه المقطوعة ويوضئه، فبذلك أرجو له القبول من الله تعالى، وإن لم يجد أحدا يفعل له ذلك، ولا يقدر على الوضوء ولا التيمم، نوى الطهارة في نفسه، وأدى صلاته كما امكنه وقدر. والله تعالى يقدره، ولا يكلف العاجز ما لا يقدر عليه.
مسألة:
وإذا قطعت يد المتعبد من المرفق، وجب عليه ان يغسل موضع القطع، لأنه ظاهر، فإن قيل أنكرت، ألا تلزمه غسله من قبل، أنه كان باطنا في الابتداء قبل القطع لا يلزمه غسله، قيل له: هذا خطأ من قبل، أنه لو أصابته في ساعده جراحة لها عذر، فلا ألزمه غسل الموضع.
وكذلك لو ذهب جلده، وزال دمه، غسل موضعه وإن كان باطنا قبل. (1/224)
صفحة 224
مسألة:
وعن موسى بن علي رحمه الله فيمن يقطر بوله ولا يحتبس، أنه يجعل كيسا أو شيئا يجعله فيه، ثم يتوضأ ويصلي.
قيل وفرض الطهارة بالماء لازم له، وإن قطر بوله، فإن أمكنه أن يصون ثيابه بشيء فعلي بذلك.
مسألة:
وثلاثة لا يطهرهم الماء: الحائض، والمقرن، والأقلف. والمقرن الذي يتبعه البول والغائط أو احدهما. وعن الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز له ان يصلي إذا كان يشغله عن صلاته، ويغير عقله حتى يتخلص من ذلك ولو فاتت الصلاة، ثم يتوضأ ويصلي.
وإن كان لا يشغله عن صلاته، ولا يغير عقله فصلاته تامة.
مسألة:
والمبطون السترسل البطن يجزئه التيمم، وأما غيره ممن يسترسل به دم رعاف أو جرح أو بول ولا ينقطع لا يجزئه التيمم، وعلى من استمسك بوله فرض الطهارة بالماء، وإن قطر بوله، ويكون متطهرا مع تقطير بوله إذا كان لا يستمسك، وإن أمكن صيانة ثيابه بشيء عنه، فواجب فعل ذلك عليه.
وفي موضع في المسترسل به الدم والبول، فقول عليه الوضوء والتيمم، وقول عليه الوضوء، ولا يتيمم عليه، وقول عليه التيمم ولا وضوء عليه. (1/225)
صفحة 225
مسألة:
فيمن به جرح ولا يقري دمه، هل له ... (1)، فبعض يرى عليه الوضوء ولا تيمم عليه، وبعض يرى عليه الوضوء والتيمم.
مسالة:
ومن يقطربوله من علة، وحضرته الصلاة وتوضأ، فليحتمل قطناً.
ويقال الذي به سلس البول حتى يحتشي القطن به ألا يرده.
مسألة:
وإذا كان المريض مبطوناً، فإنه يامر أهله بوضوئه، ولا يد الصلاة. وإن كان كلما وضاوه انتقض وضوءه ولا يقدر ان يحفظه فليستنج ويمسك بقطنة لطيفة على دبره، ويغسل مواضع الوضوء، وليتوضأ. وإن تيمم أيضاً فلا بأس إذا كان بحال لا يحفظ وضوءه من كثرة بطنه، وكذلك [من به] القيء والرعاف.
مسألة:
ومن كان به علة تخرج الدم من فمه أو انفه، ولم يستمسك فغنه يسد فمه، ويتمسح ويصلي قاعداً، فإن امكنه السجود وإلا أومأ وبزق في الرمل أو في خبة وإذا كان في انفه فإنه يحشوه فإن لم يمكنه الحشو فإنه يومئ.
مسألة:
وكل جرح لم ينقطع دمه، وخاف صاحبه فوت الصلاة، فليصل ولينق الدم عن ثيابه.
وقيل: وإن وقع في ثوبه فعليه النقض.
__________
(1) بياض في الأصل. (1/226)
صفحة 226
وإن كان الدم إنما يخرج من منخريه أو فيه، فليكب على الأرض ويومئ في الصلة، وإن كان في موضع يقدر ان يحشوه حشاه، وتوضأ وصلى، وإن كان موضعاً لا يمكنه حشوه وهو يسيل، مثل الوجه أو جارحة من حدود الضوء وضا ما بقي من جوارح الوضوء، وتيمم بعد الوضوء وصلى على حاله. وإن تيمم وتوضأ وصلى، فلا يدل عليه. وقول: يتوضا كما أمكنه وليس عليه تيمم. وهذا إذا كان في مواضع الوضوء.
وإن كان في غير مواضع الوضوء، فيتوضأ ويصلي، ولا تيمم عليه. وهذا بعد أن يستبرئ أمره في آخر الوقت، ولا يخاطر بالصلاة. والاختلاف في جواز الجمع له للصلتين. فإن تيمم وتوضأ وصلى، فلا بدل عليه.
مسألة:
ومن قطعت أصابعه فربطهان وهو يعلم أنه إن فتحها سال منها الدم، فإنه يجري الماء على العصابة وصلاته تامة. مسالة:
ورجل فيه جرح، فخاف إن غسله أدمى، فتركه وصلى. قد قيل: له ذلك.
وعن ابي الحواري وغيره، أن الشق يكون في الرجل يشكه وفيه الدم، أنه يغسل ما علا منه ويصلي، ولم يقل عليه أن يطلقه.
مسألة:
ومن كسرت يده وجبرت [وأجنب]، فلا عليه أن يخرج الجبيرة ويغسل، وإن مسحها مسحاً لا يبلها فحسن. (1/227)
صفحة 227
ومن كان في يده جبر غسله، أو قرحة لا يمكنه غسله، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يرطبه بالماء إذا خاف على نفسه منه، ويغسل ما أمكنه بالماء، وما لم يكن يتيمم له بالتراب. ويجوز صب الماء حول الجراحات، ولا تغسل إذا خيف نعيها، وأما العارضان وغيرهما فلا يقدر على طهوره.
مسالة:
وعن جابر بن زيد فيمن به جبائر على كسر، أنه يمسح فوق الجبائر. وقيل: إلا أن يضرّ بها فلا يفعل.
مسألة:
وقيل: إن اجترح رأس رجل وطلاه دواء، ثم أراد الوضوء وقد تغطى الشعر بالدواء، فلم يستطع أن ينزعه، فجائز أن يمسح عليه.
قال أبو مالك: إلا أن يكون رأسه مغطى كله، فيمسحه ويتيمم.
وقال أبو محمد: عندي أن الأمر بالتيمم مع المسح غير لازم. وإنما هو احتياط. لأن الله تعالى لم يوجب التيمم إلا عند عدم الماء. ولما هذا واجداً الماء، لم يلزمه فرض التيمم. وإن أوجب أحد من أصحابنا التيمم لأجل الجارحة الممتنعة من مس الماء، لأجل العلة التي بها. فهو عندي غلط، فيما ذهب إليه، وذلك أن الله تعالى، إما أن يكون اوجب عليه إجراء الماء عليها، وهي على تلك الحال، فلا يجزئه غيره، أو عذر من ذلك، ونهاه أن يؤلمها ويؤلم نفسه بالماء. فالتيمم لا يلزمه إلا بدليل. وأيضاً فإنهم أجمعوا أن لا خلاف بينهم في أن الجارحة المعدومة، لا يلزم صاحبها التيمم، مع وجود الماء، وإنما يلزمه التطهر لباقي الأعضاء. (1/228)
صفحة 228
مسألة:
ومن كان برأسه جرح عليه خرقة لا يستطيع أن ينزعها من ثلج او برد، فليمسح عليها.
مسألة:
ومن طلى جرحه بطلاء، فاراد الوضوء، فليغسل الطلاء ثم يتوضأ، فإنه غذا تمسح لا يبل الجرح بالماء إذا خاف من الضرر.
مسألة:
وقيل إن أبا أيوب وقع من المحمل، فأصابه به جرح في جبينه فوضع عليه دواءظ، ولم يقلعه حتى برئ.
مسألة:
فإن أصابه جرح فأراد أن يجعل عليه دواء قبل أن يغسل من الدم وهو يخاف ألا يجرح، ..... (1) كان يرجو به منفعة أو صرف مضرة، فذلك جائز.
مسالة:
وإن خاف إن غسل الجرح من الدم ادمى، فإذا كان للصب حركة تقوم مقام العرك، ولو كان ألطف من العرك، فجائز.
__________
(1) كلمة غير مفهومة. (1/229)
صفحة 229
مسألة:
والمسح على الجبائر والعصابة على الجرح في الموضع يجزئ. ولا إعادة على المصلي بهذا الوضوء.
الدليل على ذلك: ما روي ان عليا كسرت غحدى يديه يوم أحد، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجبائر عليها، والمسح فوقها، ولم يأمره بإعادة الصلاة، ولا بوضع الجبائر والعصابة على الطهارة.
الدليل على انه لا فرق بين أن تكةن الجبار موضوعة على الطهارة، أو لم تكن، أن فرض الوضوء سقط عن موضع الجرح والكسر، لخشية الضرر، فلا يلزمه تغطيت ه على الطهارة.
وبهذا يقول ابو حنيفة. قال الشافعي في القديم: إن وضع الجبار على الوضوء، لم يعد الصلاة قولا واحدا، وإن وضعها على غير وضوء، فله في الإعادة قولان.
وقال في الجديد. إن وضعها على وضوء، ففي الغعادة قولان، وإن وضعها على غير وضوء، أعاده، قولا واحدا.
مسالة:
وعن المريض إذا كان في شيء من جوارحه جرح عليه جبار، ولم يمكن (1/230)
صفحة 230
غسله، وهو من مواضع الوضوء، كيف يصنع؟ قال: الذي عرفت، أن يتوضأ ويتيمم لتلك الجارحة، وقيل لا يتيمم عليه.
قلت: فإن كانت به نجاسة من قرحة ولم يمكنه غسله وقدر أن يتوضأ عليه أن يتوضأ، أم يكفيه التيمم؟
قال: إذا قدر على إزالة شيء من النجاسة، أزالها. فإن لم يمكن توضأ، ولم يكفه التيمم. والله أعلم.
مسألة:
أبو الحواري: إذا كان الجرح او الجارحة في غير مواضع الوضوء، فكان ياتي على قدر مثل جارحة من جوارح الوضوء كان عليه التيمم، وقال: إن أصغر جوارح الوضوء، ولمثله يلزم التيمم، هي الأذن.
أبو سعيد: قد ثبت في الاتفاق أن هذا الغاسل من حيض او جنابة، غذا خاف المضرة في غسل هذا الموضع، ألا يغسله، وان يميط عنه الماء، والبدن كله فريضة واحدة في معنى ثبوت الغسل فإذا كان فيه شيء مما يعذر عن غسله، ويجب له العذر، استحال لمعنى الاتفاق إلى التيمم كله وكان كمن يجد الماء. لقوله:"إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر"
والمريض بمنزلة المسافر الذي لم يجد الماء. (1/231)
صفحة 231
وإذا ثبت عليه الغسل وقدر على شيء منه، كان الغسل قائما بحكمه في الاتفاق.
فإذا كان في البدن شيء لا يمكن غسله، كان في الاعتبار والنظر أن ذلك يخرج على معنيين: أحدهما أنه ثبت عليه الغسل بوجه، زال عنه حكم التيمم، إذ لا يجتمع عليه حكمان.
والآخر: لما أن كان مخاطبا بمعنى الغسل كله من بدنه من قليل وكثير عند قدرته على ذلك، ووجود الماء له، وغير معذور بتركه، فإذا ثبت له العذر في شيء من بدنه أنه لا يلزمه غسله، مما لا يسعه تركه إلا بعذر، كما لا يسعه ترك الغسل كله إلا بعذر، والعذر في القليل كالكثير، فلما ثبت هذا جاز أن يلزمه في كل ما عليه غسله فعذر عنه، أن يلزمه التيمم عنه من قليل بدنه وكثيره.
فإذا كان تيمم الجنب للجناة لغير معنى الصلاة والتطهر خرج حكمه على أحد هذين المعنيين، إما أن يلزمه التيمم لكل ما لم يقدر عليه من غسل بدنه، وإما لا يلزمه تيمم، وإذا ثبت عليه الغسل في شيء ومن جوارحه، بمعنى الغسل الواجب له.
وقد جاء الاختلاف على نحو هذا. فمن اوجب عليه الغسل لوجه ولم يزل عنه حكمه، زال عنه حكم التيمم، لمعنى أنها فريضة واحدة، ومن اوجب عليه التيمم لوجه، زال عنه حكم الغسل وليس هذا ببعيد لثبوت هذا عند زوال هذا.
ولكنه إنما يخرج معنى الاغتسال في الحكم، لمعنى الطهارة للصلة. وذلك (1/232)
صفحة 232
بخاصة في غسل الجنابة، إنما معنى وجوب الغسل للطهارة منه للصلاة وما اشبهها من الطهارة، وإن كان قد يخرج معنى غسل الجنابة لغير معنى الصلة. لمثل إحراز الصوم، ومثل الطواف للحج، وإن كان الطواف للحج، إنما هو بمنزلة الصلاة، لا تقوم إلا بالوضوء، فلما لم يخرج التعبد به إلا للصلة، كان مشبها الوضوء للصلة. ومثله فيما يدخل فيه الاختلاف او الاتفاق.
مسألة:
وقد قيل في الوضوء، إنه إذا كان في شيء من جوارح الوضوء ما يمنع من غسلها لوجه، فقول يغسل من جوارحه ما أمكن ويصلي، ولا تيمم عليه. وقول: إن أتى على جارحة كلها من جوارح الوضوء، حتى يستفرغها، غسل سائر جوارحه، وتيمم لتلك الجارحة إذا كانت كلها.
وإن كان بقي شيء منها غسله، ولا تيمم عليه.
وقول: إذا اتى على أكثر الجارحة كان عليه التيمم. وليس عليه تيمم فيما دون أكثر الجارحة من نصف أو أقل، إلا ما زاد على نصفها.
ولم اعلم قولا نصا باشد من هذا. إلا أنه إذا ثبت معنى لزوم غسل جميع الجارحة، وأن لا عذر في ترك شيء منها، كما لا عذر في تركها كلها، دخل في لزوم القليل من ذلك لزوم التيمم كما لزم في الجارحة وفي أكثرها، لأنه لا عذر له.
وإذا وسع ترك التيمم في أكثرها، جاز في جميعها. وإذا وسع في الجارحة (1/233)
صفحة 233
جاز في الجارحتين ما ثبت وضوء بالماء، ولم يثبت عذر بزوال جميع الوضوء، وإن كان الوضوء فرائض متفرقة في الترتيب فإنه واحد في المخاطبة، لأنها لما كانت في مواضع من البدن دون جميعه، لم يكن بد من الدلالة على تلك المواضع بأسمائهل وأعيانها. فلم يبعد ألا يلزمه تيمم حتى يزول عنه فرض الوضوء لعدمه كله، ولم يبعد ان يلزمه التيمم مع عدم شسء منه مما هو مخاطب به.
ولا عذر له في تركه إلا بعدم قليل ذلك وكثيره. فالقول في القليل والكثير اثبوته على العدم.
ولم يبعد أن يكون غير مخاطب بالتيمم إلا بعدما أكثر من الجارحة وهو أن يكون قدر الظفر من الابهام من اليد أو الدرهم، أو الدينار المشبه لذلك الوسط، لمعني ما قيل: إنه إذا نسي أقل من مقدار الدينار او الدرهم من وضوئه أو غسله فإنه لا يدل علبه.
وإن كان مقدار ذلك، فتركه ناسيا، أو لايعلم فإنه لا إعادة علبه.
وقول: عليه الإعادة في قليل ذلك وكثيره. والقول بالبدل في القليل والكثير معناه لثبوته على العمد غير واسع له، وأن عليه البدل.
وساوى هذين المعنيين في الوضوء والغسل في مواضع الوضوء، أو في سائر البدن ولم يختلف في معناه.
وكذلك في ثبوت التيمم عند عدم شيء منها، ووجود شيء منهما، ولم يبعد ألا يلزمه التيمم عند وجود شيء من الفرائض، ما لم يكن المعدوم أكثرها لمعان (1/234)
صفحة 234
كثيرة تخرج أن الاكبر من الشيء يأتي حكمه على حكم جملته، وأن الأكثر هو الغالب حكمه.
وإذا ثبت الغسل لغير معنى الصلة لحقه الاختلاف لأنه فريضة واحدة، إذا لزم منى العدم لغسل شيء منه كما يلزم للصلة. وحسن أن ما لم تأت الجائحة على أكثر الرأس والبدن في الغسل متفرقا أو مجتمعا، أنه لا تيمم عليه إذا ككان ذلك لغير معنى الصلاة، ولا يحسن أن يزول عنه أكثر الغسل، ولا يلزمه حكم التيمم لحكم الاكثر والأغلب.
وإذا ثبت الغسل للصلة أو لما لا يقوم إلا بالوضوء من جميع الأشياء، لحقه معنى الغسل والوضوء جميعاصز
وإن كانت الجانحة إنما تأتي على سائر البدن وجوارح الوضوء كاملة فيها الطهارة، فهو كذلك إن كان أكثر البدن في الاعتبار زائلا عنه حكم الغسل: حسن عندي ثبوت التيمم مع غسل سائر البدن وكمال طهارة مواضع الوضوء، كانت الجارحة في البدن متفرقة او مجتمعة.
وإن كانت تأتي على أقل البدن مع كمال الطهارة مواضع الوضوء، حسن عندي ألا تيمم عليه لثبوت الغسل، ولا يقبح ثبوت التيمم مع غسل مل امكن غسله من البدن، سواء كان ما بقي قليلا أو كثيرا. (1/235)
صفحة 235
الباب الرابع والأربعون
في وضوء العجز بنفسه، هل يوضئه غيره؟
ومن قدر على تطهير نفسه، لم يجز أن يولي طهوره وغيره، فإن لم يقدر أعين عليه انفاقا.
وعن موسى بن علي في مريض ثقيل، لا خروج به ولكن لا يستطيع الوضوء، وليس له من يوضئه من امرأة أو أمة. قال: إنه يستنجي كما يستطيع، ولا يتولى ذلك منه رجل ولا امرأة، سوى امرأته أو أمته. وقول: يجوز أن يوضئ الرجل ولده وأخوه، ولا ينجيه إلا وليه بخرقة، وقوللا ينجيه وليه ولا الأجنبي، ويمسحه لأجل الضرورة.
وقول يتيمم ولا يمسحه أجنبي.
وفي موضع: من لم يكن ولي، وضأه أجنبي على قول ولا ينظر إليه، وقول يستنجئ ويتيمم.
قال أبو الحسن: أحب إن لم يكن ولي أن يستجمر بالأحجار، ويتمسح بالماء للصلاة، ويصلي، ولا يتعرى لأجنبي.
وفي موضع: من لم يكن زوجة وكان له صاحب، فليلف على يده خرقة ويغسل.
مسألة:
ولا يمسح المريض ولا يتيمم إلا برأيه حتى يستشار. والله أعلم. (1/236)
صفحة 236
وفي موضع: ليس لأحد أن يعمل عن أحد عمل البدن فيما يتعبد به، وفي أمر دينه، إلا ما قالوا في الحج، وقضاء الصوم، لأن عمل البدن إنما يكون بعقد نية. فالغير لا يقوم للمرء مقام نفسه في أداء ما افترض عليه من عمل بدنه.
مسألة:
وعن أبي محمد، أن المريض إذا لم يستطع الطهارة للصلة، فجائز أن يغسل منه النجاسة غيره، وأما المسح فلا، قال لأن لإزالة النجس عنه سبيلها سبيل الدين، إذا قضى أحد عنه دينا فقد زال عنه، والمسح لا يزول عنه ولا يجزئه ذلك، إلا أن يتولاه هو نفسه، فإن لم يستطع المسح ولا التيمم، فلينو في نفسه الطهارة بالماء ويصلي.
وقد أجاز في قول آخر. فالله أعلم بأصحهما عنه.
مسألة:
في المريض يعجز بنفسه عن الوضوء. هل على أهله أن يوضئوه؟ قيل: إذا زال عنه هو حال القدرة بنفسه، فليس عليه أن يستعين بغيره، ويتيمم ويصلي.
وقول: عليه أن يستعين ممن يجوز له به الصلاة مثل ذلك. وإذا ثبت معنى الاستعانة منه لم يبعد أن يكون على من استعان به أن يعينه إذا قدرعلى ذلك.
مسألة:
ومما سأل عنه أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى أبا بكر أحمد بن محمد بن صالح، قلت: أيجوز أن ييمم المريض غيره، قادراً كان كان أن ييمم نفسه أم غير قادر؟ قال: (1/237)
صفحة 237
الذي عرفت أنه جائز، وأما اللزوم ففي ذلك اختلاف: فقيل إنه إذا لم يقدر أن ييمم نفسه لم يكن عليه أن يستعين بغيره وأن ييممه بضرب يده الأرض، قال ثلاث مرات. قلت: فإن جهل ولم يضرب إلا مرتين؟ قال: أرجو أن لا شيء عليه في بعض القول.
قلت: أيلزم في جميع ذلك الكفارة؟ قال: لا، قلت: فإن كان قادراً أن يتوضأ ولم يتوضأ وظن أنه حيث لم يمكنه غسل النجاسة سقط عنه فرض الوضوء هل عليه كفارة؟
قال: عندي أن لا كفارة عليه في بعض القول.
قلت لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي غسان: فإن أصابته الجنابة ولم يمكنه أن يتحول من موضعه وهو على فراشه، ولا يمكنه أن يغسل على الفراش، لأنه إن غسل على فراشه ترطب ولحقه ضرر. كيف يصنع؟ قال: إن لم يتمكن على ما ذكرت فأرجو أنه إن تمكن على أن يمسح بدنه فليفعل، وهو يجزئه. وإن لم يتمكن من ذلك فليتيمم والله أعلم.
قلت: التيمم بعد الوضوء أو قبله؟ قال: التيمم بعد الوضوء. والله أعلم. (1/238)
صفحة 238
الباب الخامس والأربعون
في التيمم ومعانيه، ووجوبه، وما جاء فيه
التيمم بالصعيد أصله التعمد، يقال يممتك وتأممتك. قال الله تعالى:"فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا" أي تعمّدوا. قال امرؤ القيس:
تَيَمَّمْتُ لِلْعَيْنِ الَّذِي عِنْدَ ضَارح ... نَقَّى عَلَيْهَا الطَّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
تيممت أي تعمدت، ضارح جبل، عرمض شجرة من شجرة الغضاة لها شوك أمثال ماقير الطير، وطامي: ممتلئ.
قال ابن الأنباري: أصل التيمم في اللغة: القصد. يقال يممت الرجل، وأممته ويممته إذا قصدته. قال الله تعالى:"وَلَا آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ" أي قاصدين.
قال الشاعر:
إنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ ... يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدًا
وقال آخر:
وَفِي الإِظْعَانِ أَنْسَتْهُ كُعُوبٌ ... تَيَمَّمَ أَهْلُهَا بَلَدًا فَسَارُوا
فمعناه قصد أهلها بلدا.
قال الرازي: التيمم مأخوذ من أم يؤم. والتيمم التفعل من القصد. والأمم القصد قال الملتمس: (1/239)
صفحة 239
أُمِّ شَامِيَّةً إِذْ لَا عِرَاقَ لَنَا ... قَوْمًا نَوَدُّهُمْ إِذْ قَوْمُنَا شُوشُ
ويممته معناه قصدته، وهي الأصل بأممته، ثم صار اسمًا لذلك الفعل، كما صار الوضوء إسمًا لذلك الغسل الأعضاء.
مسألة:
والصعيد وجه الأرض قل أو كثر.
قال ذو الرمة:
وَفِتْيَةٍ مِثْلَ النَّشَاوِي غيدِ ... قَد اسْتَحلُّوا قِسْمَةَ الْوَعِيدِ
وقال غيره:
قَوْمٌ حَنُوطُهُم الصَّعيدُ وغُسْلُهُمْ ... بُجْعُ التَّرَائِبِ والرُّؤُوسُ تُقَطَّفُ
نجع الترائب: دم الجوف وهو ما كان إلى السواد. والقاني: الأحمر.
والعلق ما اشتدت حمرته. قال بأحمر من نجيع الجوف قاني. والقاني هو الأحمر مكرر لاختلاف اللفظ.
مسألة:
التيمم فرض في كتاب الله عز وجل عند عدم الماء، لا عذر لمن جهله عند لزومه. (1/240)
صفحة 240
قال الله [تعالى] "فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوأ صَعِيدًا طَيِّبًا". والصعيد ما صعد على وجه الأرض والطيب هو الحلال الطاهر، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. والتيمم رحمة الله لعباده. ورخصة لهم في دينهم، إذ أمرهم به عند عدم الماء.
قال أبو المؤثر: ومن سنة الوضوء لمن لم يجد الماء التيمم وهو فريضة من الله تعالى ورخصة.
مسألة:
وذكر لنا أن سبب التيمم نزل في عائشة. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج في بعض غزواته، وحمل عائشة، فاستعارت قلادة لأختها تزين بها، فنزل صلى الله عليه وسلم في منزل ميت لا ماء فيه، ويأملون أن يرحلوا فيوافوا الماء عند الفجر. فلما أرادوا المسير فقدت عائشة القلادة، فطلبوها واجتهدوا في طلبها، فلم يقدروا عليها، فاستلقى النبي في حجر عائشة، وجعل أبو بكر يقول لها: شققت على المسلمين، فحضر وقت الصلاة، فلم يدر المسلمون كيف يصنعون، إذ لا ماء معهم، فأنزل الله تعالى آية التيمم، رحمة منه ورخصة، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وصلوا. فلما فرغوا من صلاتهم وجدوا القلادة عند مناخ البعير.
وقيل قالت عائشة عند دخولها البصرة: وفيّ رخص لكم في الصعيد فعرف المسلمون فضلها.
وقول آخر إنها قالت يا رسول الله: انسلت قلادة أسماء من عنقي، فبعث صلى الله عليه وسلم (1/241)
صفحة 241
رجلين يلتمسان القلادة فوجداها، فحضرت الصلاة فصليا بغير طهور، فلما رجعا قالا: يا رسول الله. صلينا بغير طهور، فأنزل الله تعالى: "فإِن لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صعِدًا طَيِّبًا".
قال أسيد بن حضير: رحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر قط تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا.
مسألة:
ومن تعمد ترك التيمم وصلى، فلا عذر له في جهل ذلك، وعليه بدل الصلاة وكفارتها إن انقضى الوقت. (1/242)
صفحة 242
الباب السادس والأربعون
في فرائض التيمم وسننه وما يستحب فيه
وفرض التيمم أربع خصال: النية، والصعيد الطيب، وضربة للوجه، وضربة لليدين.
قال أبو محمد: الحجة لوجوب النية قوله تعالى: "وما أمروا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ". والإخلاص لا يكون إلا بالنية والإرادة. والحجة لوجوب الصعيد قوله تعالى:"فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا".
مسألة:
ووجوب الضربتين ما رواه عمار بن ياسر رحمه الله، وعبد الله بن عامر قالا: تيممنا مع رسول الله، فضربنا ضربة للوجه، وضربة لليدين.
مسألة:
والتيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وبه نأخذ.
وقال قوم: ربة واحد للوجه واليدين.
مسألة:
عن قومنا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: التيمم ضربة للوجه، وضربة للكفين.
وروي عن عمار أنه أجنب، فتمعّك في التراب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يكفيك هكذا، ومسح بكفيه وجهه ويديه بالتراب. (1/243)
صفحة 243
مسألة:
الضياء-ومن أثر، أن فرض التيمم أربعة: النية، والصعيد الطيب، ومسحة للوجه، ومسحة لليدين والسنة فيه ثلاث: التسمية، وضربة للوجه، وضربة لليدين.
مسألة:
والتيمم: هو أن يمسح وجه الأرض، ثم يضرب يديه على المكان الذي مسحه، ويذكر الله ثم يمسح وجهه، ثم يضرب الثانية ويمسح على ظهر كفه.
وفي موضع: والتيمم أن المتيمم بيده على الأرض، ويفرق أصابعه، ولا بأس عليه أن ينفضهما.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بيده على الصعيد، ونفخ فيها، ومسح بها وجهه. وقال قوم: ينفضهما، وقال فوم: لا يضره إن فعل ذلك أو لم يفعل ثم مسح بها وجهه.
وإن مسح وجهه أو كفيه من التراب قبل أنيصلي فلا أبصر أن ينفض، ولا أحب فعل ذلك، ثم يضرب بهما ضربة أخرى، فيضع اليسرى على أصابع اليمنى، ويمررها على ظاهر الكف، ثم يعمل في كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى مثل ذلك.
وقيل، إن المتيمم يمسح الكف إلى الرسغين كله، ما ظهر ومابطن، وقول: ما ظهر منها وإن أخطأ شيئا من مواضع الوضوء لم يضبه التراب أجزأه، بلا أن يتعمد تركه. (1/244)
صفحة 244
مسألة:
في نفخ اليدين، اختلف قومنا فيه، قال أصحاب الرأي: ينفضهما، وقال مالك: نفضا خفيفا، وقال الشافعي: لا بأس أن ينفض منه إذا بقي من يده غبار عابر من الوجه.
أبو سعيد: يخرج جميع ما قال فيما يشبه قول أصحابنا.
وفي قول عن أصحابنا: التأكيد بالنفض لليدين، وذلك إذا كان في اليدين من التراب ما يقع به الخشونة على الوجه في المسح، وبقي في اليدين ما يقع به حكم المسح، من ثبوت التراب في اليدين. وقد نهى عن ذلك بعض من نهى عنه، لأنه إنما يثبت التيمم بالتراب فإذا نفضه فقد زال حكم ما أراده.
مسألة:
وفي الجامع: وإن مسح المتيمم وجهه أو كفيه من التراب قبل أن يصلي فلا أبصر أن تيمّمه انتقض، ولا يفعل ذلك حتى يصلي.
قال أبو محمد كما قال لأن الطهارة قد حصلت بالفعل قبل مسح التراب. فهو كما قلنا في الماء وليس ثبوت الماء وعدمه يوجب حكما بعد ذلك.
مسألة:
وإن بدأ المتيمم بيديه قبل وجهه، فلا نقض عليه. (1/245)
صفحة 245
مسألة:
قال أصحاب الرأي: إن تيمم بثلث أصابع أجزأه، وإن تيمم بأصبع أو أصبعين لم يجزئه.
وعن أصحابنا قول: إن تيمم بأصبع أو أصبعين لم يجزئه، ولا يتيمم الرأس والرجلين.
أبو سعيد، إذا وقع المسح على الوجه عاما بالصعيد، فقد ثبت معنا ما كان من الكف.
مسألة:
ومن يمم وجهه، ثم مكث ساعة في مكانه، ثم يمم كفيه أجزأه، فإن بقي من وجهه أو كفيه شيء لم يصل إليه التراب فلا بأس، بلا أن يتعمد تركه.
مسألة:
ومن علق بكفيه شيء فيه وعوثه، حكّ بعضهما ببعض قليلا، حتى يذهب ذلك، بلا أن يخرج التراب كله. كذلك فعل موسى بن علي رحمه الله.
مسألة:
ولا يلزم أن يوصل التراب إلى أصول شعر وجهه اتفاقا. والله أعلم. (1/246)
صفحة 246
مسألة:
ومن بقي من وجهه شيء قرب العين، أو موضع لم تجر عليه الكف، فلا بأس عليه.
مسألة:
قومنا، كان الشافعي يقول: لا يجزئه إلا أن يأتي بالغبار على ما يلأتي عليها الوضوء من وجهه ويديه إلى المرفقين. وقول: وهو بمنزلة الرأس، يجزئه أن يصيب بعض وجهه أو بعض كفه.
أبو سعيد. في قول أصحابنا لا يجزئ المتيمم إلا بعموم المسح للوجه على معنى الوضوء، لأنه بدل عن الوضوء. ولا أعلم في ذلك اختلافا.
مسألة:
فيمن يسمع بالتيمم ولا يعرف كيف. فقد عرفنا من قول الحسن: إذا كان اعتقاده التيمم، ثم أخذ يمسح بالتراب، فجرى على مواضع التيمم، فقد أجزأ ذلك عنه، وصلاته تامة، إن كان مذهبه التيمم. والله أعلم.
مسألة:
ومن باشر التراب بقصد منه فقد فعل التيمم على أي حال كان. ومن قال لرجل، علمني التيمم، فتيمم، يريد بذلك تعليما للرجل، لم يجزئه ذلك من تيمم لنفسه. لأن التيمم لا يكون إلا بنية. (1/247)
صفحة 247
فإن قيل: لم قيل في الوضوء إذا علّمه؟ قال: أراهما مختلفين عندي. والله أعلم.
ألا ترى أن رجلا لو وقع في نهر وهو جنب، وهو لا يريد غسلا من جنابة، فاغتسل لغسل الجنابة أجزأه ذلك، ولو أصاب وجهه وذراعيه غبار بقدر ما يصيبه من التيمم لم يجزئه ذلك من التيمم إذا اراد الصلاة حتى يتيمم.
مسألة:
ومن شك في تيممه كمن شك في وضوئهخ. والله أعلم.
مسألة:
ومن سفت الرياح ترابا على وجهه، فأمرّه بيده لم يجزئه، ولو أخذ ما على بعض يديه. ولا يجزئه أن يأخذ مما على وجهه من التراب لذراعيه. فإن أخذ عاد وأخذ ترابا ثم أمرّه على ذراعيه.
مسألة:
وإذا أخذ ترابا لوجهه، أو ليجيه من بعض جوارحه، وجهه أو غيره، غير مستعمل بالتيمم، أجزأه ذلك.
مسألة:
اختلف الناس في حد التيمم. فقول، يبلغ به الوجه واليدين إلى الإبطين، وقول، إلى المرفقين، وقول إلى الكتفين. واحتجوا بالخبر الذي تقدم، وقول إلى الرسغين. وهو قول علي. وبه يقول أصحابنا رحمهم لله.
مسألة:
قال أبو محمد: ولتيمم جائز إلى الكوع والكاع. زعم أبو قيس، أنهما طرفا الزندين في الذراع مما يلي الرسغ. والكوع منهما طرف الزند الذي بين الخنصر وهو الكرسوع. ويقال للذي يعصم كاعه أكوع وكوعا.
مسألة:
قال أبو محمد: قال الله تعالى:"فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيَكُم مِنْه"
فالواجب على الإنسان أن يأتي من المسح ما يسمى به ماسحا وجهه ويديه.
ولو تركنا الظاهر، لأجزنا مسح بعض الوجه لاستحقاقه اسم ماسح. غير أن الأمة أجمعت، أن عليه مسح الوجه كله، فعدلنا عن موجب اللغة إلى استيعاب الوجه للاتفاق، ويبقى التنازع بين الناس في اليدين.
والقول عنججدنا أن كل كل من سمي ماسحًا بيده، فقد امتثل ما أمر به، إلا ما قامليله. (1/248)
صفحة 248
مسألة:
والإنسان إذا مسح كفيه، سمي ماسحًا بيده، فإذا استحق هذ الاسم خرج من العبادة، فإن قيل لليد تسمى إلى المنكب يدًا، فهل امرت باستيعابها؟ قيل له: الواجب على المتعبد أن يأتي بما يسمى ماسحًا يده، وهذا الاسم يستحقه.
فإن قيل: إنه يسمى ماسحًا بده إذا مسح أسابعه، ألا ترى أن العرب تقول:
قطعت يدي بالسكين إذا قطع أصبعه وإن لم بينها؟ قيل له: لولا أن الأمة (1/249)
صفحة 249
أجمعت على أن ما دون الكف لا يجزئ لأجزناه. ولكن لا حظّ للنظر مع الإجماع.
مسألة:
وفيما يدل على ما قلنا أن الكف تسمى يدًا، ما أجمعت عليه الأمة أن الدية فيها خمسون من الإبل. ثم لو كانت اليد المطلوبة إلى المنكب، كان الإمام إذا قطع كف السارق، مع الأمر له بقطع يده، أن يكون قاطعًا بعض يده.
مسألة:
ودليل آخر: أن المخالفين لنا الموجبين المسح للمرافق، والقائلين إن اليد إلى المنكب قالوا: لو قطع يد السارق من الساعد، كان عليه، ما عدا الكف، حكومة.
ففي هذا دلالة على أن اليد المطلوبة الكف وحدها، وقد خص بعض الشعراء الكف بالسرقة والقطع، فقال الشاعر:
الْكَفُّ إِنْ سَرَقَتْ فَالْقَطْعُ يَلْزَمُهَا ... والْقَطْعُ فِي سَرَقِ الْعَيَنَيْنِ لَا يَجِبُ
ألا ترى أنهم أوجبوا دية وحكومة في اليد التي أمر الله تعالى بمسحها، وبقي الدليل على موجب المسح إلى المرافق وإلى المناكب، وبالله التوفيق.
فإن قيل التيمم بدل من الطهارة بالماء، والبدل ينوب مناب المبدل منه، يقال لهم: هذا غير لازم لنا، ولو كان الأمر على ما ذكرتموه، لما جاز أن يقتصر (1/250)
صفحة 250
بالتيمم على الوجه واليدين، لأن هذا بدل من ستة أعضاء. فلما قلت، إن هذا وإن كان بدلا من الماء، فإن بعض الأعضاء ينوب مناب الكل عنه، فغير منكر أيضًا أن تنوب الكف مناب الذراع.
فإن قالوا، إن النبي صلى الله عليه وسلم، مسح إلى الكفين، ولفظتم به، فلو اقتصرتم على بعض ما رويتم، ولم تعلموا بكل أخباركم، وإذا بكافة الأخبار، ولم يعلم الناسخ منها من المنسوخ، ولا المتقدم منها من المتأخر وجب اتفاقنا، وكان المرجع إلى حكم القرآن بالاستدلال عليه باللغة التي خوطبنا بها. والله أعلم.
مسألة:
عن أبي عبيدة رحمه الله إن المسح على الرسغين، فإن مسح الذراعين إلى المرفقين، لم يكن به بأس. غير أن القول الأول أحب إلينا، وبه نأخذ.
مسألة:
فيمن مسح وجهه وظاهر كفيه بضربة واحدة، فقول يجزئه، وقول لا يجزئه,
فإن مسح ظاهر أصابعه، ولم يمسح ظاهر الراحلتين إلى الرسغ، هل تتم صلاته؟
-لا يتم تيممه، وعليه الإعادة، ولا أعلم في ذلك اختلافا في التعمد والجهل إذا ترك قليلا من مواضع التيمم أو كثيرًا، فكله سواء.
وأما الناسي ففيه اختلاف، قول إذا ترك كموضع الدرهم فلا إعادة عليه، وقول عليه الإعادة على حال. (1/251)
صفحة 251
الباب السابع والأربعون:
في التيمم وما تجوز به الصلوات وغيرها وما ينقضها
روي من طريق أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنب، أيتيمم؟ فقال: التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين، فإن وجدت الماء فأمسسه جلدك.
وفي موضع، فليمسسه بشرته، وظاهر هذا الخبر يدل على أن الغسل باليد ليس بواجب.
وروي أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال يا أبا ذر: إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء، ولو غلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك.
مسألة:
البشرة أعلى جلدة الوجه والجسد من الإنسان. وهو البشر إذا جمعته، وإذا عنيت به اللون والرقة، وجمع الجنع أبشار. ومنه اشتقت مباشرة الرجل امرأته لنضاه أبشارهما والبشر [ظاهر جلد الإنسان]، وقد يقال لجميع الجلود بشرته التي ينبت فيها الشعر، والقطعة من ذلك بشرة. ويقال: بشرت الجلد أبشره بشرًا، والبشارة ما سقط منه.
مسألة:
عن أبي قلابة عن رججل من بني قلس، قال: كنت أرغب عن أهلي (1/252)
صفحة 252
فتصيبني الجنابة فلا أجد الماء فأتيمم، فوقع من نفسي من ذلك، فأتيت أبا ذر في منزله فلم أجده، فأتيت المسجد، وقد وصف لي هيئته، فإذا هو يصلي فعرفت النعت فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى انصرف، فقلت أنت أبو ذر؟ فقال: إن أهلي يقولون ذلك. ما كان أحد من الناس أحب إليّ رؤية منك، فقال: قد لقيتني، فقلت: إنا كنا نغرب عن الماء، فتصيبني الجنابة، فلبثت أياما أتيمم، فوقع في نفسي أمر، ظننت أنيي هالك.
فقال أبو ذر: كنت بالمدينة فاجتويتها، فأمر لي رسول الله بعنيمة فلبثت فيها، فأصابتني جنابة، فتيممت بالصعيد: فصليت أيامًا، فوقع في نفسي من ذلك حتى ظننت أني هالك، فأمرت بقعود لي، فشد عليه، فركبت حتى قدمت المدينة، فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد مع انتصاف النهار، في نفر من أصحابه، فسلمت عليه، فرفع رأسه فقال سبحان الله، أبو ذر؟ قلت: نعم يا رسول الله، إني أصابتني جنابة فتيممت أيامًا، فوقع في من ذلك حتى ظننت اني هالك، فدعا صلى الله عليه وسلم بماء، فجاءت به أمة سوداء، في عس يتضخضخ، فاستترت بالراحلة وأمر رجلا يسترني فاغتسلت. ثم قال صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر: الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك.
وحدث أبو أيوب عن أبي قلابة، أنه بلغه أن جنابة أبي ذر كانت من جماع. (1/253)
صفحة 253
مسألة:
وقول الرجل كنا نغرب عن الماء. الغرب: الذهاب والتنحي عن الناس. تقول: غرب يغرب غربًا. وتقول: أغربته وغربته إذا نحجيته، وأغربه عنك وغربه أولجه.
وتقول: أغرب القوم إذا انتووا. وغربت الكلاب إذا أمعنت في طلب الصيد.
والغربة: النوى والبعد. قال الشاعر:
أَفيِ كُلِّ عَامٍ غُرْبَةٌ وَنُزُوحُ ... أمَمَا للنَّوَى مِنْ وَثْبَةٍ فَتُرِيحُ
لَقَدْ جَعَلَتْ أكْبَادَنَا تَجْتَوِيهِمْ كَمَا تَجْتَوِي سُوقُ العُصَاةِ الكَرَازِمَا
العصاة: شجر، الكرازم: جميع كرزم وهي فأس مفلولة الحد. أي يبغضكم ويكرهكم.
ويقال اجتوينا أرضا، إذا لم يوافق طعامها. والعس: قدح كبير. والله أعلم.
مسألة:
اختلف في التيمم للفريضة، أيصلي به غير غير ذلك أم لا. قال أبو محمد: لا يجوز أن يصلي فريضتين بتيمم واحد إلا في حال جمعهما، لأنهما في جمع كالصلاة الواحدة.
قال: وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا البصريين، تجويز الصلاتين والثلاث بالتيمم الواحد، وأن التيمم عندهم لا ينقضه إلا وجود الماء والحدث وأنها طهارة تامة كالماء.
ولعلهم يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: التيمم طهور المسلم، ولو إلى عشر سنين، وإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك. (1/254)
صفحة 254
وقالوا يصلي بتيممه ذلك ما لم يحدث، وإن كان يوما أو يومين لا يحدث ولا ينام، ةكذلك إن كان مسافرا لم يحدث. والله أعلم.
مسألة:
وإن عارض معارض فقال: لم أن يصلي التطوع الكثير بتيمم واحد، إذا كان في مقام واحد؟ قيل له: أجزنا ذلك له كما قلنا في الجميع، لأن التطوع وإن كثر، فهو كالصلاة الواحدة، وإن كان في مقام واحد.
مسألة:
الدليل على الفرق بين التطوع والمكتوبة، ان التيمم لا يجوز للفريضة إلا بعد دخول وقتها، والتيمم للتطوع جائز في كل وقت إذا اراد التطوع، وليس له وقت معلوم، والفرض له وقت معلوم.
مسألة:
ووجه آخر: وهو ما اجمعوا عليه، ان تكبيرة الإحرام لا يجوز أن يصلي بها فريضتان، ويجوز للتطوع بها ما شاء من مقامه. فهذا يدل على افتراق حكمهما. والله أعلم.
مسألة:
ومن تيمم لصلاة الفريضة، وقضى بها الصلاة، فليس له أن يصلي التطوع حتى يحدث له تيمما آخر بعد طلب الماء والإياس منه كما فعل قبل ذلك لصلاة الفريضة. (1/255)
صفحة 255
فإن قيل: لم أوجبتم عليه التيمم الثاني وطهارته لم تنتقض من تيمم الفريضة؟ قيل له: لما كان مخاطبا بالفريضة، لزمه طلب الماء، فلما أيس وجب عليه البدل وهو التيمم، وكذلك لما قضى الصلاة، وأراد صلاة غيرها، لم يكن مخاطبا بها، ولا وجب عليه فعلها، لزمه عند قيامه إليها طلب الطهارة التي خوطب بها من أراد الصلاة، فإذا لم يجد كان عليه البدل وهو التيمم.
مسألة:
ومن تيمم للصلاة فلا بأس أن يقرأ به. وأما صلاة نافلة أو فريضة. أو جنازة فيتيمم لها. قال: والذي ذكره ابن جعفر في إجازة الركوع بتيمم الفريضة فليس بأصل لأصحابنا ولا نعرفه من قولهم. والذي نجده أنه يحدد التيمم لذلك.
مسألة:
وإن أراد أن يبدل صلوات، فعند أصحابنا أنه يتيمم لذلك تيمما آخر والتيمم الواحد يجزئه لما أراد أن يبدل في مقامه من الصلوات.
وعن أي الحواري فيمن عليه بدل صلوات فائتات، أيجزئه لها تيمم واحد؟ قال يجزئه تيمم واحد، وإن كن منتقضات فعليه لكل صلاة تيمم.
وقول، عليه لكل صلاة تيمم، فائتات كن أو منتقضات. وقول: في المنتقضات تيمم واحد، وفي الفائتات لكل صلاة تيمم. هذا ما دام في مقامه لم يتحول عنه. (1/256)
صفحة 256
مسلألة:
ومن تيمم للجنازة والصلاة تيمما واحدا، أجزأه ذلك إذا نوى لهما.
وإن تيمم للجنازة وصلى عليها، ثم جاءت جنازة أخرى فإنه يصلي بتيممه الأول إذا كان في مقامه، في قول أبي معاوية فيما حدث عنه.
مسألة:
ويجزئ التيمم الواحد للصلتين والوتر. قال أبو محمد: وهذا يصح لمن رأى أن الوتر سنة من سنن الصلاة، وإن كان من سنن الصلاة فهو من توابعها.
وأما عل قول من رأى الوتر فرض وأنها صلة بانفرادها، فيجب أن يكون لها تيمم ثان، لأن من أصول أصحابنا أن لكل صلاة فرض تيمما إلا في حال الجمع. والوتر ليس مما يضم إليه صلاة فيكون جمعًا. فلذلك قلنا ما قلنا.
مسألة:
ولا يجوز أن يصلي المتيمم مكتوبتين بتيمم واحد، ووافق هذا القول الشافعي، واحتج بما روي عن عليّ وابن عباس وابن عمر أنهم قالوا: لا تصلي مكتوبة إلا بتيمم.
وأجاز ذلك أبو حنيفة، وقال: له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يحدث أو يجد الماء. (1/257)
صفحة 257
واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: التراب طهور المسلم. قال، فهو بعد أداء المكتوبة الواحدة موصوف بهذه الصفة، بدليل جواز النوافل به. والله أعلم.
مسألة:
ومن تيمم للصلاة، فلم يصل به في الوقت، وتكلم وجاء وذهب، فقيل: إن تطاول ذلك أعاد تيممه، لأن عليه في كل وقت طلب الماء، فإذا لم يجد الماء تيمم، لأن الماء يحدث في كل وقت.
مسألة:
أبو سعيد: قال بعض أصحابنا: إن الجنب المسافر إذا علم بجنابته ثم نسيها ثم تيمم لصلاة فريضة أو نافلة، إن يجزئه ذلك للجنابة والصلاة.
وقول: إن ذلك لا يجزئه لأنه ليس مثل الجنازة ولصلاة.
وقول: إن كان ناسيًا لجنابته ثم تيمم لذلك أجزأه، وإن كان جاهلا لم يعلمها ف الأصل أنها أصابته، أنه لا يجزئه ذلك. ولعل ذلك على قول من يقول: إنه يجزئه للصلاة والغسل تيمم واحد، أو لا يجزئه. قال: إنه يجزئه ذلك ولو كان جاهلا بها. وقول: إذا كان الجنب لا يجد الماء وحضرت الصلاة يتيمم للجنابة ةالصلاة. وقول: يجزئه تيمم واحد. وكذلك قيل في الميت.
قال: وأما في الماء وغسل النجاسات، فلا أعلم اختلافًا، إلا أنه يجزئه إذا غسله غسل مثله، ولو كان ناسيًا لذلك. (1/258)
صفحة 258
مسألة:
ودجائز للرجل وطء زوته في السفر مرة بعد مرة بالتيمم، وبعض شدد في ذلك، ولم يجز إلا مرة واحدة.
واختلف الناس في ذلك، فأجاز أكثرهم، منهم ابن عباس، وبه قال جابر بن زيد، والحسن والشافعي، وأصحاب لرأي، ودليل ذلك أن ما هو مباح لا يجوز المنع منه إلا بحجة.
قال المصنف: لا أعرف وجه المنع في هذا، لأني لا أعرف بينهم اختلافًا في وطء الزوجة، في الحضر مرة بعد مرة على غير اغتسال، فلا فرق بين الحضر والسفر، إنما الاختلاف في الحائض على ما سنذكره. ولعلهم إنما أرادوا ذلك. والله أعلم.
مسألة:
واختلف في الحائض إذا طهرت من الحيض، فقول: إذا تيممت جاز لزوجها مجامعتها. وقول: حتى تغتسل بالماء.
قال أبو الحسن: والأول عليه الأكثر، لقول قتادة للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نغيب عن الماء ومعنا الأهلون، فقال صلى الله عليه وسلم: "الصعيد الطيب ولو إلى سنين"
ومعلوم أن النساء يصيبهن الحيض، ولا يجدن الماء، والتيمم طهارة لهن. فإذا تطهرن به جاز مجامعتهن، لأنهن طاهرات. وبالله التوفيق. (1/259)
صفحة 259
مسألة:
مسافر تيمم، ثم طمع أن يكون قدامه ماء، فسار نحو فرسخ، ثم أيس. هل يصلي به؟ إن كان التيمم في وقت الصلاة ليصلي الحاضرة، ثم مشى طمعًا في الماء جاز له أن يصلي بذلك التيمم إن لم يكن أحدث حدثًا. وإن أعاد التيمم فأحب إلينا.
مسألة: ومن تيمم في موضع وصلى في موضع جاز له الصلاة في وقتها.
وفي موضع في المتيمم. هل له أن ينتقل إلى موضع يصلي فيه؟ قال: قد قالوا إذا لم يتطاول ذلك ويبعد فلا بأس. قيل: فإن انتقل عشرين ذراعا، فوقف، ثم قال: صلاته تامة. (1/260)
صفحة 260
الباب الثامن والأربعون
ما يجوز به التيمم من التراب وغيره. وما لا يجوز
قال الله تعالى:"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا". والصعيد ما يصاعد على وجه الارض من ترابها، وعلا فيها دون غيره. نقول: اجلس على الصعيد أي على الأرض، وتيمم الصعيد أي خذ من غباره بكفك للصلاة.
وفي الحديث: إياكم والقعود بالصعدات، يعني الطرقات، وروي النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: رب الماء رب الصعيد. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا.
وفي خبر عنه صلى الله عليه وسلم: تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة. ففي هذا دليل على أن التيمم بكل تراب جائز.
مسألة:
اختلف الناس فيما يجوز به التيمم فقول: يجوز بالتراب والرمل والنورة والزرنيخ وما أشبه ذلك. وقول: لا يجوز إلا بالتراب وحده.
قال أبو محمد: ورأيت أصحابنا يجوزون غير التراب، ويقومون مقامه.
قال: والنظر يوجب عندي أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب دون غيره، لأن الخطاب من الله يدل على ذلك بقوله:"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا (1/261)
صفحة 261
طَيِّبًا". ولا يجوز التطهر إلا بالصعيد وحده. ويدل على ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار في ذلك. وبالله التوفيق.
فأما إجازة مخالفينا التيمم بالنورة والزرنيخ والرمال، وذلك خطأ. قال ابن جعفر: يجوز بالحُص، وأما الحص الذي مسته النار فلا. وأما الرماد فلا يجوز لأنه من الحطب.
قال أبو محمد: النظر لا يوجب جواز التيمم بالحص لأنه غير تراب، ولا تسميه العرب صعيدًا، ولو استحق الحص اسم صعيد لم يجز التيمم به، لأنه في معنى الماء المستعمل الذي لا يجوز التطهر به ولا فرق بينه وبين الرماد. والله أعلم.
مسألة:
فإن قيل: الصعيد مأخوذ مما تصاعد على وجه الأرض وعلاها فالتراب وغيره يستحقهذ الاسم، يقال له هذا إغفال، إذ ليس اسم الصعيد مأخوذا من الصعود ولو كان ما ارتفع وعلا سمي صعيدًا، لكان الحيوان وما في ممعناه سمي صعيدًا. بل الصعيد اسم علم، ليس باشتقاق.
ألا ترى إلى قول الشاعر:
قَوْمٌ حَنُوطُهُمْ الصَّعِيدُ وَغُسْلُهُمْ ... نَجْعُ التَّرَائِبِ وَالرُّؤُوسُ تُقَطَّفُ
مسألة:
قال ابن عباس: الصعيد أرض الحرث. قال الشافعي: لا بقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار، وقال أيضا: لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو الرمل المختلط بالتراب وبه يقول أصحابنا. (1/262)
صفحة 262
وأجاز أبو حنيفة التيمم بكل ما كان طاهرا من جنس الأرض.
قال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب أو الرمل كقول الشافعي.
مسألة:
واستدل أبو حنيفة على قوله، بقوله تعالى:"فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا". قال: ذلك اسم التراب والأرض، وبقوله:"وإِنَّا جَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا" أي أرضا ليس فيها نبات ولا شجر. وبقوله:"فَتُصْبِحَ صَعِدًا زَلَقًا"، أي أرضا ملساء تزلق فيها الأقدام. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يجمع الخلائق يوم القيامة على صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذ فيهم البصر، أي على الأرض.
واحتج الشافعي بأن ابن عباس قال في تفسير الآية إنه أراد ترابا نظيفا.
قال المفضل: الصعيد: وجه الأرض، والصعيد أيضا: التراب. ومنه"فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا" والصعيد الطريق. ومنه الحديث في الصعدات.
مسألة:
وجائز التيمم بالتراب والمدر إذا علق باليد، لأنه تراب، والرمل إنما يجوز منه التراب ولا يجوز بغير التراب.
وإذا علق بالكفين من الرمل والبطحاء غبار فجائز به التيمم.
مسألة:
والشيح جائز التيمم به إلا شيحا يؤلم الوجه مثل الملح. (1/263)
صفحة 263
مسألة:
وكل شيء يتيمم به من التراب أو الطين، أو مما يكون على الأرض، فإنه يجزئ. ولو ضرب المتيمم على حائط، أو حصا أو حجارة فتيمم بذلك أجزأه، فإن لم يجد إلا طينًا فإنه يضع من الطين على يديه أو غيره حتى يجف، ثم يتيمم به ويصلي بالإيماء، لأن الطين لا يسجد عليه إلا أن يخاف الفوت قبل أن يجف فيعتقد، لعله، فيقدر التيمم والوضوء، ويصلي. والله أعلم.
مسألة:
ولا يتيمم بتراب قد تيمم به مرة أخرى، لأنه يكون كالماء المستعمل.
ويجوز التيمم على بقعة واحدة بضربتين. وقيل: لا يتيمم من التراب الذي سقط من ضربته الأولى، وأجازوا له الصلاة عليها.
وقيل: إن تيمم رجل أو امرأة فلا بأس أيضع غيرهما يده في ذلك الموضع ويتيمم. ولا يتيمم بالتراب الذي وقع منهما.
مسألة:
قال: وقد رأيت أبا عبيدة مرض مرضًا، فكان له تراب في شيء موضوع. فكان إذا حضرت الصلاة تيمم بذلك وهو مقيم بالبصرة.
مسألة:
والمريض يتيمم بتراب من أعلاه، من وعاء، هل له أن يتيمم به مرة أخرى؟
قال: لا يجوز ذلك على معنى الماء المستعمل. قيل: فيسقط أعلاه بقدر ما مس اليد ثم يتيمم. قال: هكذا عندي. (1/264)
صفحة 264
وفي موضع أنه لا يتيمم بالتراب الذي قد تيمم به هو أو غيره، قال ويخرج ذلك في الاعتبار مستهلكا من ذلك التراب. وهو عندي وجه ذلك التراب الذي لا يجزئ التيمم بأقل منه او بمثله.
قيل: فإن اختلط قبل أن يسقط أعلاه، قال، كالماء المتوضأ منه.
ابن جعفر: وقيل يجوز التيمم بالحصا، فأما الرماد فلا يجوز لأنه من الحطب.
أبو محمد: لا يجوز التيمم بالحصا، لأنه ليس بصعيد، ولا هو بتراب، ولو استحق اسم صعيد لم يجز التيمم به، لأنه في معنى الماء المستعمل، ولا فرق بينه وبين الرماد.
مسألة:
ولا يجوز التيمم بهك ولا رماد، ولا بحصا ولا قمح ولا ملح، ولا بتراب بيوت أهل الذمة.
قال أبو سعيد: إن كان الحصا من الحجارة، وأصله بمنزلة النورة، فلا يجوز التيمم به، وإن كان من الطين أو الحشا الذي يشبه الطين فلا بأس.
وقول: لا يجوز لأنه منتقل عن اسم الصعيد.
وفي موضع: وأما الأجر والصاروج فأرجو أن يجوز التيمم بهما، والصلاة عليهما، لأنهما من الأرض. (1/265)
صفحة 265
مسألة:
والصعيد القذر الذي يكون من البول وقد جف، فلا يجزئ التيمم به، فإن صلى أعاد التيمم والصلاة. والله أعلم.
مسألة:
وسئل أبو نوح عن الثلج قال: يتيمم به كما يتيمم بالصعيد. قيل: وذلك إذا لم يجد الصعيد، يعني التراب، فإن لم يجد التراب وما أشبهه من الغبار جاز التيمم بالثلج.
مسألة:
وإن وجد الجنب الماء يابسا. قال بعض الفقهاء: يتيمم به كما يتيمم بالصعيد.
قال غيره: إذا لم يجد صعيدًا تيمم بالماء، وفي موضع عن النبي صلى الله علي وسلم قال:
ومن على نفسه الموت، إن اغتسل أو توضأ فعليه الصعيد. قيل له: فإن لم يقدر على الصعيد. قال: يضرب بيده على الماء الجامد، ثم يتيمم، كما يتيمم بالتراب حتى يأمن على نفسه.
مسألة:
ومن غيره: ولا يتيمم بتراب المقابر ولو أصابها المطر. وقيل إن تراب المقابر مكره، وليس بنجس.
مسألة:
عن قومنا أجمعوا أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز. قال ابن عباس: (1/266)
صفحة 266
أرض الحرب. قال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار.
أبو سعيد: قول أصحابنا إن التصعد جائز بجميع التراب ذي الغبار، وإذا وجد هذا التراب وغيره من التراب الذي ليس بذي غبار، فإذا عدم التراب والغبار فالتيمم بالتراب ولو لم يكن ذا غبار واجب لمعنى ثبوت الصعيد به.
ومما قالوا: إنه لا يتيمم به تراب السبخ من الأرض التي لا تنبت إذا وجد غيره من التراب.
وكذلك الثرى من آبار الماء ولو من غير أرض السبخ.
وإذا اتفق تراب السبخ والثرى من الماء من الأرض التي ير سبخ، فأشبههما بتراب الالغبار أولى. فإن استويا كان غير السبخ أحبّ إليّ وأولى. وما لم يستحل التراب عندهم إلى معنى الطين فالتيمم به جائز لثبوته في اسم الصعيد.
قال ومعي من قول أصحابنا، أن معدم الماء لو لم يجد إلا الثلج أنه يتيمم به، ولعله إذ هو مشبه للتراب. وقد ثبت باتفاق أنه ليس بتراب، وليس من الأرض، فإذا ثبت أنه مشبه للتراب ثبت به التيمم في قول. وقول لا يرى به التيمم.
والله أعلم.
مسألة:
قومنا، قال حماد: لا بأس أن يتيمم بالرخام. قال أبو ثور: لا يتيمم إلا بتراب (1/267)
صفحة 267
قال أصحاب الرأي: ل شيء يتيمم به من تراب أو طين أو حصا أو نورة أو زرنيخ، وما يكون من الأرض يجزئ التيمم به كله.
أبو سعيد: قول أصحابنا إذا عدم التراب تيمم بكل ما يؤخذ منه، ولو لم يكن عينا قائمة للتراب، وأقرب ذلك في النظر بوجود الغبار ومخالطة التراب أولى إذا وجد ذلك من رمل أو حصا أو رخام أو جدر أو صفا. وإذا عدم الاختيار من ذلك فكل ما وجد مما فيه غبار فالتيمم به جائز وأحسبه مقدمًا على جميع الأشياء من غير التراب.
وإذا وجد التراب الذي أصله من التراب، ولو كان قد غيرته النار، مثل الأجر وما أشبهه مما أصله من التراب، فالصعيد به ثابت وأما النورة وشبهها مما هو من الحجارة وليس أصله من التراب، فيختلف في التيمم به لإشباهه للتراب ولأنه من الأرض، والصلاة عليه جائزة، بحكم أشباه الأرض، وهو داخل في جملة معاني الأرض، وما كان أشبه منه لمعاني التراب كان أولى منه.
وأما الرماد ةونحوه فقد قيل: لا يتيمم به، لأنه ليس مما يشبه التراب.
وليس للمسافر أن يتيمم للصلاة قبل دخول وقتها، فإن تيمم لها قبل دخول وقتها عند عدمه للماء، كان تيممه باطلا. لقول الله عز وجل:"يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ .. إلى قوله فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا". معناه والله أعلم: إذا أردتم القيام إلى الصلاة المعهودة، فليس له أن يتقدم بالطهارة قبل دخول وقتها على موجب الظاهر. (1/268)
صفحة 268
غير أن الأمة قد أجمعت على أن له أن يتقدم بطهارة الماء قبل الوقت فسلم ذلك الإجماع. وتنازعوا هل له أن يتقدم بالتيمم قبل دخول الوقت، والقرآن ورد بعد دخول الوقت، فنحن على موجب الآية عند التنازع، فلما رأينا الأمر بالآية ولخطاب لها بعد دخول الوقت كان استعمال ذلك ووقته بالماء الواجب والصعيد، فلما رخص لنا تقديم طهارة الماء قبلنا الرخصة من الله تعالى، وعملنا بها وبقي طهارة الصعيد على حكمها.
مسألة:
وإذا صار المسافر إلى موضع الإياس من وجود الماء وحضرت الصلاة، فالمأمور به أن يطلب الماء ويجتهد في طلبه. ولابد من الطلب والملاحظة يمينا وشمالا، ويسأل أصحابه إن كان معه يأس.
والطلب فريضة لقول الله تعالى:"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُا". فلم يبح التيمم إلا بعد العدم من الماء.
والعدم لا يكون إلا بعد الطلب مع إياسه من وجود الماء. فإن تيمم وصلى فأحرى أن تلزمه الكفارة لتركه المفروض عليه وعدوله إلى ما سواه بغير عذر. ولا يعذر بالتضييع لما أمر الله به من طلب الماء، مع الإمكان من الطلب، لأن حدوث الماء في تلك الأمكنة جائز في قدرة الله جل وعلا أن يحدثه في أماكن الإياس من وجوده إذا كان ذلك غير محال منه جل وعلا.
وإذا لاحظ ثم لم يجد الماء، ثم تيمم وصلى، ثم حضرت فريضة أخرى، فإنه (1/269)
صفحة 269
يلاحظ أيضًا ويطلب، فذلك أحوله في دينه، وإن كان عهده بالملاحظة والطلب قريبًا.
وموضع الفريضة الثانية هو موضع الفريضة الأولى أو قريبًا منه، ولا يجوّز حدوث الماء تلك المدة اليسيرة، ولا ترى علامات تدل على حدوثه مثل مطر أو نزول في تلك الأمكنة، وأرجو أن يكون جائزا له التيمم بلا ملاحظة ولا مطالبة بهذه الصفة. والله أعلم
مسألة:
ولا يجوز التيمم للفرض قبل وقته في قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز.
وطلب الماء بعد دخول الوقت شرط في صحة التيمم. قال أبو حنيفة: ليس شرطًا فيه، الحجة عليه قوله تعالى:"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا"، ولا يقال لم يجد إلا إذا طلب فلم يجد. والله أعلم.
مسألة:
والتيمم لكل مسافر طال سفره أو قصر، لأن عموم الآية وظاهرها يوجب، وكذلك مريض يخاف زيادة المرض بالماء، لما روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية فيمن به حرج أو قرح.
ومن أجنب ولم يجد الماء من الماء ما يكفيه لغسله وهو في سفر يتيمم، لأن الله عز وجل قال:"وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا" فمن لم يدخل في هذه ممن أجنب دخل قوله تعالى:"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا" لأن هذا غير واجد لما أمر. والله أعلم. (1/270)
صفحة 270
مسألة:
وجائز التيمم في أو وقت الصلاة وفي وسطه وآخره، لقول الله تباركوتعالى:"يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَ قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة .. إلى قوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا". ولم يشترط إذا قمتم من آخر وقت.
وقد ذهب بعض أصحابنا إلىن التيمم في آخر وقت الصلة، وليس له التيمم في أول الوقت لما يرجو من وجود الماء.
وهذا القول الذي ذهبنا إليه من قول بعضهم لأن الله تعالى عقب ما ذكر من الطهارة بالماء:"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا". فكان من اراد القيام إلى الصلاة وقد خوطب بفعلها عند دخول وقتها عليه الطهارة بالماء، فإن لم يجد الماء تيمم، وليس عليه أن يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يجب عليه تعجيل الصلاة، لما يلحق التأخير من الأسباب والعوائق. والمخصص لوقت دون وقت محتاج إلى دليل.
وأجمعوا على أن للإنسان إذا كان في موضع يعلم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، عليه قصد الماء وليس له ان يتيمم لأنه داخل في قوله تعالى:"وَإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ". وهو يقدر أن يأتي بالطهارة التي أمر بها وهي الماء. وليس له أن يعدل إلى التراب إذا علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت ولا تنازع بين أحد من أهل العلم في ذلك.
مسألة:
والمسافر إذا رجا إدراك الماء في وقت الصلاة أخر التيمم، وإن لم يرج إدراكه تيمم وصلى. (1/271)
صفحة 271
وكل مسافر لم يجد الماء فله الصعيد. وكل من خرج إلى أمر سفر فإنه يؤمر أمر الماء إلى الماء ويتوضأ، فإن خاف الفوت تيمم وصلى.
وإذا حضرت الصلاة المسافر والماء عنه بعيد، عن يمين او شمال، أو يخاف فوت أصحابه، فإنه يتيمم ولا يعرج عليه. وليس على المسافر أن يشق على أصحابه في الذهوب إلى الماء إذا لم يكن على طريق يقدره ألا يعوقه، وله أن يتيمم. والله أعلم. (1/272)
صفحة 272
الباب التاسع والأربعون
في الجنب وأحكامه، وما يجوز له او يكره
الجنابة النجاسة، وهي ضد الطهارة. يقال: اجتنبته فاجتنب فهو مجتنب.
وقول: أصل الجنابة البعد، كأنه من قولك جانبت الرجل أي قطعته وباعدته، وكذلك قالوا للغريب جنب، وللغربة الجنابة. ويقال رجل غريب جنب إذا كان غريبا فسمي الناكح ما لم يغتسل جنبا لمجانبته الناس وبعده منهم ومن الطعام حتى يغتسل، كما سمي الغريب جنبا لبعده عن عشيرته ووطنه.
قال أبو عبيدة في قوله تعالى"والجار الجنب": يعني الغريب. ويقال: ألا تأتينا إلا عن جنابة أي بعد. وأنشد لعلقمة:
فَلَا تَحْرِمْنِي نَائِلا عَنْ جَنَابةٍ ... فَإِنّي عَنْ وَطَنِ القِبابِ غَرِيبُ
وقال الله عز وجل:"فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ" أي عن بعد. ونجيب: وإنما سمي جنبا إذا لم يكن طاهرا، لأن النجس بعيد عن الطهارة، بعيد من الله، فسمي جنبا لذلك.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا تقربهم الملائكة بخير: جنازة الكافر؟، والجنب حتى يغتسل، والمزقن بالزعفران يعني المتلطخ بالزعفران فسمي جنبا، لأن الملائكة عليها السلام، تبعد عنه. (1/273)
صفحة 273
مسألة:
يقال رجل جنب، ورجلان جنب، وكذلك في المؤنث، سواء فيه الواحد والإثنان والجماعة من الرجال والنساء. وقد يجوز أن يجمع في غير الفراء.
وروى عبيداة بإسناد له عن ابن عباس أن رجلا سأله فقال: إني رجل أدخل الحمام وفيه الأجناب، أفأغتسل؟ قال نعم، إن الماء لا يجنب. أراد بالاجناب جمع الجنب. والله أعلم.
مسألة:
وفي الحديث عن أبي الدرداء: إذا نام الإنسان عرج بنفسه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهرا أذن له بالسجود، وإن كان جنبا تنحى وتقصى، لأنه يصير بعيدا جنبا.
مسألة:
الجنب عندنا طاهر، لا بأس بسؤره وعرقه، ولا ينجس ما مس إلا موضع النجاسة حتى يغتسل، إلا أنه كره من كره سؤر الحائض من الوضوء للوضوء. فأما الشراب فلا بأس.
قال محمد بن المسبح: كله واحد، الوضوء والشراب، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال لعائشة: تناولي الخمرة من المصلى، فقالت إني حائض، فقال: ليست الحيضة بيدك. فلا بأس بها. (1/274)
صفحة 274
أبو سعيد-يخرج في الاتفاق من قول أصحابنا، وأرجو أنه من قول قومنا، أن عرق الجنب والحائض وريقهما وجميع ما مساه، وما خرج من أنفهما، كله طاهر، وكذلك سؤرهما من الماء والطعام من شربهما ووضوءهما.
يخرج في الاتفاق أنه طاهر، جائز الشراب منه والوضوء والاغتسال إلا سؤر الحائض من الوضوء عند الاستنجاء أو الغسل، فقد كره من كره سؤرهما من فضل وضوئهما. ولا ذلك إلا على التنزه.
ويخرج ذلك إذا كانت تتوضأ وتستنجي من الإناء وهي حائض لم تطهر، لأنها لا تطهر من حين ذلك ولو توضأت، ما دامت حائضا.
وأما غذا طهرت كانت هي والجنب بمنزلة واحدة يطهرهما الماء.
وأما إذا ثبتت الكراهية لهذا ثبت كل شيء من الشراب والوضوء وغير ذلك من الطهارة، وإن أفرده نمفرد فليس ذلك ببعيد، لتعظيم أمر الصلاة.
وقد يأتي في أمر الصلاة من التنزه ما لا يأتي في الأكل والشرب، كما روي عن موسى بن علي أنه إذا داه ذمي إلى الطعام استحيا أن يرده، وقيل كان جارًا له، وكره أن يأكل طعامه، ويخرج على التنزه لا التنجس به، لأنه لو تنجس به لم يستح منه. قال لأصحابه: كلوا واتقوا ثيابكم. والله أعلمز
مسألة:
وقيل إن الجنب لا يأكل ولا يشرب ولا ينام للنعاس، ولا يخرج إلى الناس حتى يتوضأ وضوء الصلاة، فإن فعل قبل أن يتوضأ فلا ينبغي له، ولا نرى عليه
بأسا. وإن غسل فاه وحده أو أكل أو شرب فجائز.
أبو سعيد-هذا كله يخرج أدبًا لا لزومًا، ولا يخرج فائدة في اللزوم إلا في الأكل إذا أكل قبل أن يمضمض فاه، خوفًا أن يعلق في فيه شيء يحول بينه وبين الغسل بين أضراسه.
فإن قيل: لو أكل ولم يمضمض فاه، ثم غسل فخرج من فيه شيء، يخرج في الاعتبار أنه يحول وكان مقداره ظفر، أن عليه إعادة غسل ذلك والصلاة.
ولعله يخرج، أن عليه إعادة غسله والوضوء والصلاة. ولعله قيل عليه الإعادة، قليلا كان أو كثيرا.
وقول: لا إعادة عليه إذا لم يعلم بذلك، أنه كان في فيه، قليلا كان أو كثيرا، إذا كان في الفم لمعنى الترخيص في المضمضة والاستنشاق على النسيان. (1/275)
صفحة 275
وكذلك لو أكل قبل الجماع أو الجنابة فسواء. وكذلك إذا أكل وتمضمض قبل أن يريق البول ثم أراق فخرج منه شيء.
فاما الشرب فلا يخرج قبل المضمضة إلا من الأدب. وقد قيل إن الأكل والشرب قبل الغسل من الجنابة مما يورث النسيان. وهذا معنى الأدب ومما يخرج في الفلسفة في الطب لا لفقه في الدين.
وأما النوم قبل التطهر فيخرج من التقصير في المبالغة في الطهارة، لأن في الحكمة يؤمر المؤمن ألا يبيت ولا ينام إلا متوضئًا، فأحرى ألا ينام جنبًا، لأنه أشد من غيره. (1/276)
صفحة 276
وقيل: من نام متطهرًا فمات كان شهيدًا، وذلك للمؤمن.
وقيل: قال لقمان لابنه: يا بني، كل لذيذا، والبس جديدا، ونم شهيدا، أو مت شهيدا.
فتأويل أكله لذيذا: ان يصوم حتى يأتي الطعام وهو لذيذ، ولباسه جديدا، غسل ثيابه لتكون في هيئة الجديد، ونومه أو موته شهيدا أن ينام متطهرا.
واما حديثه للناس وخروجه إليهم قبل التطهر، لمن أمكنه، فذلك تقصير منه في الفضل، لأنه قيل: إن التطهر من العادة ولو لم يرد به شيئًا إلا نفس التطهر إذا أريد به الله، فما دام على وضوئه وطهره فهو عبادة، صلى او لم يصل، قرأ أو لم يقرأ. فإذا كان جنبًا فاحرى به التطهر. وهذا من الفضائل.
مسألة:
وجائز للجنب الخروج ف حوائجه ولقاء الناس. وقد كان في الصحابة من يخرج إلى الجهاد والحرب وهو جنب.
قال أبو محمد: دليله أن رجلا كان في منزله بالمدينة، فسمع هيعة قتال أحد فخرج، فلم يزل يضارب بسيفه حتى قتل، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم الملائكة عليها السلام تغسله، فقال صلى الله عليه وسلم: إني ارى صاحبكم تغسله الملائكة سلوا عن حاله، فقالوا إنه كان جنبا، فسمع هيعة القتال فخرج وهو جنب.
وعن أبي هريرة قال: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جنب، فمد يده ليصافحني، (1/277)
صفحة 277
فقبضتها عنه، وقلت إني جنب يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، إن المسلم لا ينجس. فلم ينكر على أبي هريرة الخروج وهو جنب، والسلام عليه، وهو المعلم لأمته ما عليهم من واجب وادب. فدل على جواز خروج الجنب ولقاء الناس، والكلام لهم.
ومثل ذلك عن حذيفة.
مسألة:
وللجنب ان يأكل ويشرب قبل أن يتطهر. ويؤمر الرجل والمرأة أن يغسلا الفرجين.
قال ابن المسبح: يغسل كفيه، ويمضمض فاه ثم يأكل، فإن لم يمضمض فاه فلم أر عليه بأسا وتخلل.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يطعم وهو جنب توضأ.
مسألة:
ومن أكل قبل أن يغسل فاه لزمه أن يتخلل، وإن غسل فاه ثم أكل لم يلزمه أن يتخلل.
مسألة:
والجنب يتنور ويدهن. ويقوم في شغله، ويطأ امرأته من غير غسل، (1/278)
صفحة 278
كل ذلك جائز، ويستحب له الاغتسال قبل النورة، والتمضمض قبل الأكل. ويستحب له إذا أراد وطء امرأته أن يغسل عنه آثار الجنابة.
وإن وطئ امرأته ثم أراد امرأة له أخرى، فليغسل عنه آثار الجنابة، ثم يطؤها، ويكتمها ذلك، وإن لم يغسل الأذى ووطئها فلا بأس. ولا يطؤها بجنابة الأمة. ويوجد جواز ذلك عن ابن مالك.
مسألة:
وكذلك لو وطئ الرجل فرجا أو دبرا زانيا، ثم وطئ زوجته أو سريته فذلك جائز.
مسألة:
ولا بأس أن يتحنى الجنب رأسه ولحيته، وله أن يستاك. وكره من كره ذلك لأجل حرس الأسنان.
مسألة:
وذكاة الجنب جائزة، وإذا أراد أن يذكي ثم توضأ ثم ذبح قبل الوضوء والاغتسال فجائز. والله أعلم.
مسألة:
وسئل بعض الفقهاء عن النوم جنبا فقال: إنا نعاقب أنفسنا في ذلك. ومن قصر عن الفضل لم يكن كمن ناله، إلا أن يشتغل عنه بما هو أفضل منه. (1/279)
صفحة 279
مسألة:
وقيل في جنب لم يجد الماء إلا في مسجد، إنه يتيمم، ثم يدخل المسجد، فيخرج الماء ويغتسل.
أبو سعيد: الاتفاق من أصحابنا أنه لا يدخل الجنب المسجد إلا من عذر، وكذلك الحائض والنفساء مثل الجنب في قولهم، وكذلك المصلي المتخذ مصلى لا يدخله.
وقول: عن قومنا لا بأس بدخول المسجد الجنب والحائض والمشرك.
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أدخل المسجد في أية حالة كنت إلا جنبا.
وقوله تعالى:"إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ" فإذا ثبت هذا، فغيره منالمساجد مثله لقوله:"إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ". ثم قال:"فِي بُيُوتٍ أَذِنَا اللَهُ أَنْ تُرْفَعَ". فثبت أنها المساجد من المسجد الحرام وغيره، وإن اختلف معظمها فيخرج في اللتفاق أن المشرك ممنوع من دخول المساجد كلها. والحرم كله مسجد لقوله "فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ".
فقد ثبت أن الكعبة الحرم كله، وأنه حيث ما يجري الحرام الصيد والهدايا والضحايا في شيء من الحرم، فقد بلغ الكعبة فلا يقرب أحد من المشركين إلى (1/280)
صفحة 280
دخول الحرم، لقوله:"فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" فهي إلى الأبد.
وكذلك حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. فقد قيل فيه: إنه مثل الحرم الكعبة الذي حرمه الله على لسان خليله إبراهيم عليه السلام مما كان من حرم من صيد الحرمين وشجرهما، فهو هدي بالغ الكعبة ولا يكون في المدينة.
مسألة:
وإذا ثبت منع المشرك من دخول المساجد، من كتاب الله، وكان مثله الحائض والنفساء في نفس المسجد لأنهما ممنوعان من الصلاة، إذ هما يشبهان المشرك فيما لا يطهره الماء.
وإذا ثبت هذا فيهما أشبه ذلك الأقلف من أهل القبلةفي الرجال البالغين يشبهه المشرك وأنه لا يطهره الماء. وإذا ثبت في، لعله، هؤلاء بهذه المعاني فالجنب مثلهم وإن كان يطهره الماء فإنه نازل بمنزلة الحائض والنفساء إذا طهرتا.
والاتفاق أن النفساء حكمها في جميع الأشياء حكم الحائض عتى تغتسل في الصلاة، وفي وطء زوجها، وفي انقضاء عدتها. والنفساء مثلها بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا/ فلما تساويا في هذه المنزلة، أشبهوا فيها معنى الأقلف والمشرك لثبوت الغسل فيهم، فكان منعهم دخول المسجد إلا من عذر بالكتاب والسنة والاتفاق، (1/281)
صفحة 281
لقوله:"وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والقَناِتِينَ والرُّكّعِ السُّجُودِ".
إنما أمره أن يطهره من الأصنام للطائفين والركع السجود، وهؤلاء كلهم غير الركع السجود إلا بعد الطهارة، لأن الركوع والسجود للصلاة، ولا صلاة إلا بطهارة. وكذلك الطواف والقيام لا يكون إلا بعد الطهر.
مسألة:
فالمشرك والحائض والنفساء زالأقلف ممنوعون من ذلك إلا لعذر، من خوف وضرر عليهم في نفس أو مال أو دين، فإن ذلك يقع موقع جواز التقية.
ومن العذر ألا يجد الجنب الماء للغسل أو للشرب إلا في المسجد. وكذلك الحائض والنفساء، فإن ذلك جائز، ولا يجوز عند عدم الماء شيء مما لا يجوز إلا بالطهارة للماء إلا بالتيمم، فإذا عدموا الماء واحتاجوا غلى دخول المسجد لعذر لم يجز ذلك إلا بعد التيمم بالصعيد في موضع ما يثبت أنه موضع التطهر، وأنه لا يدخله إلا متطهر. فإذا بلغ إلى الماء انتقض تيممه.
فإن كان لا يمكنه الغسل في المسجد واحتاج أن يخرج بالماء منه، ويجتاز به، فيخرج أنه على تيممه حتى يقدر على التطهر.
مسألة: ط
ولو أصابته الجنابة في المسجد، أو علم بنجاسته فيه، فليس له أن يعقد فيع، (1/282)
صفحة 282
ولا ينام، ولا يلبث فيه. وعليه الخروج منه إلا من عذر، من خوف على نفس او مال او دين، أو ضرر يخافه من برد أو حر مطر.
وقول، لا بأس أن يقعد في موضعه، ولو لم يكن ثم عذر، ما لم يكن يمشي في المسجد، فإذا أراد المشي فيه، لم بكن له ذلك حتى يتيمم.
وقيل: ولو أراد الخروج لم يكن عليه تيمم إذا لم يجد الماء، وإنما عليه إذا أراد دخوله.
وقول: ليس عليه تيمم إذا أراد الدخول مجتازا لا يريد القعود، لقوله: "وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ"
فقول: إن الصلاة هاهنا دخول المسجد، فكأن دخوله بمنزلة الصلاة إذا كان للقعود، إلا عابر سبيل فيه.
وقول: إن هذا في الصلاة خاصة، وأن دخول المسجد لصلاة أو غيرها، لقعود أو غيره سواء، لا ينبغي لجنب ولا حائض ولا نفساء ولا مشرك ولا أقلف إلا من عذر، حتى يتطهر، فغن لم يقدر المتعبد على الطهارة ثبت عليه التيممبدلا عنها لأجل ما ذكرنا، إلا من عذر يمنع من التيمم لئلا يستقر فيه إلا طاهرًا.
مسألة:
ولو حاضت امرأة في المسجد وقد دخلته طاهرة، أو نفست، أو احتاجتا إلى الدخول فيه لعذر فإنه زائل عنهما حكم التيمم، وواسع لهما تركه، ولو وجدنا الماء فيه أو في غيره، إذ هما غير مخاطبتين بالتطهر ولا ينفعهما التطهر به، ما لم يطهرا (1/283)
صفحة 283
من الحيض والنفاس، فإذا طهرتا كانتا بمنزلة الجنب فيما مضى كله.
مسألة:
وأما المشرك والأقلف، فعلى قول من يقول: يطهرهما الماء لطهارة جسدهما، فإنه يلزمهما التطهر، وعند خوله بالماء، أو التيمم عند عدم الماء.
وإذا ثبت هذا كانا بمنزلة الجنب في الدخول والقعود وغيره.
قال: ويعجبني هذا لأنهما مخاطبان بالإسلام والختان، ولو فعلا لكانا منتقلين إلى الطهارة.
وأما على قول من قال لا يطهرهما الماء فلا يزيدهما الغسل إلا نجاسة، فيجب أن يمنعا عن الغسل، ويثبت عليهما التيمم، إلا إن أمكن تطهرهما وخوفهما عن الرطوبة قبل أن يدخلاه، كان ذلك مما يؤمر به.
وأما التيمم فإنه يثبت منهما عند دخوله بمعنى الاتفاق، غذا كان يقوم مقام الطهارة بالماء، فلما زال العذر ثبت بدلا عن الماء في التطهر، وليس كذلك النفساء والحائض.
مسألة:
وأما غسل المرأة وزوجها من إناء واحد، فلا معنى يدل على منع ذلك.
بل الاتفاق أنه جائز من أي وجه كان غسلهما، كلا هما من جنابة، أو هي من حيض وهو من جنابة. إذ لا معنى لمنعهما عن التبرج لبعضهما البعض، إلا من حسن الخلق والستر. والله أعلم. (1/284)
صفحة 284
مسألة:
اختلف الصحابة في الجنب يقرأ القرآن. فروي عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع من القرآن إلا إذا كان جنبا.
وعن ابن عمر أنه سئل: أيقرأ الجنب القرآن؟ فقال لا. قيل له آية؟ قال: لا، ولا نصف آية.
وعنه أن النبي صلىلله عليه وسلم قال: لا يقرأ الجنب ولا الجنبة شيئا من القرآن.
وعن ابن عباس أنه أجاز للجنب أن يقرأ الآية والىيتين. وروي عن غير هؤلاء إجازة القرآن للجنب.
والمشهور مما عليه الفقهاء، أن الجنب لا يقرأ القرآن، لما عندهم في ذلك ن الروايات الصحيحة.
وضعف بعض أصحابنا الحديث ماروي عن علي وبعض المتفقهة، فمن أجاز القراءة للجنب تأول حديث علي على غير وجه.
وقالت الفرقة المجوزة للجنب القراءة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى في كل أحواله، والذكر لله قد يكون قرآنا وغير قرآن. فكل ما وقع عليه اسم ذكر الله تعالى فغير جائز أن يمنع منه احد.
وقد غلط من ذهب إلى إباحة القرآن للجنب والحائض من حيث تأوله الروايات، ولعمري، لولا الخبر الوارد بذلك، لكن الاستكثار من ذكر الله تعالى بالقرآن أفضل لمن فعله، ولكن لاحظ للنظر مع ورود الخبر. ولله التعبد بما شاء. ألا ترى (1/285)
صفحة 285
إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حين امتنع حذيفة عن مصافحته لأجل جنابته، فقال صلى الله عليه وسلم: المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا.
مسألة:
والجنب طاهر، فإن قيل: لم منعتموه من قراءة القرآن؟ قيل له: بالسنة الثابتة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يمتنع من القرآن إلا إذا كان جنبًا.
فإن قيل: فقد صح بذلك أنه نجس، مع تلاوة الآية"لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُون". قيل له: لولا الإجماع على طهارة الجنب لكان ما قلته.
وأما امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن، فإنه تعبد من الله، كما تعبد بالغسل. كذلك الحائض ممنوعة من الصلاة وإن كانت طاهرًا تعبدًا. وقوله:"لَا يَمَسُّهُ إِلّا المُطَهَّرُونَ" يعني الملائكة المطهرين من الأحداث والذنوب لا غيرهم.
مسألة:
وكره لمن عليه الثوب الجنب أن يقرأ القرآن. وقال سليمان: للجنب أن يقرأ القرآن الآية يستأنس بها، وإن فتح على صاحبه في القراءة فلا بأس.
والجنب لا يكتب على الأرض، بسم الله الرحمن الرحيم.
مسألة: واختلفوا في التعاويذ تكون بالرجل وبالمرأة، ثم يجنب الرجل وتحيض المرأة وفي مس الدراهم وعليها ذكر الله تعالى، او شيء من القرآن، ورخص في ذلك بعض الفقهاء، وشدد آخرون. (1/286)
صفحة 286
مسألة:
وكان الربيع والحسن يقولان: لا بأس أن يمس الرجل الدرهم، ويقولان احفظ عليك دراهمك ولا تضيعها.
والجنب يذكر اسم الله تعالى، ويمس الدرهم بيده، ولا يقرأ قرأنًا.
مسألة:
والجنب لا يحمل المصحف، فإن حمله بسيره الذي يعلق به فلا بأس. واختلفوا في قطع الجنب للصلاة. ومس الجنب حيًّا أو ميّتًا لا ينقض الطهارة.
مسألة:
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب الاغتسال على من غسل الجنب.
قال أبو محمد: ولم يتلق هذا الخبر العلماء بالقبول، فإذا اختلفت الاخبار لم تقم بها حجة، ولم ينقطع العذر بصحتها.
مسألة:
ويكره للجنب دخول المسجد تعظيما. وعن عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أحل المسجد للجنب والحائض. وقول: للجنب أن يجتاز في المسجد، ولا يقعد فيه. وبه يقول الحسن. وكره أبو عبيدة للجنب ان يتناول من المسجد شيئًا، أو يضعه فيه. وقال: لا تظله يده إذا كان جنبا.
مسألة: وإن قعد الحائض أو الجنب في المسجد ناسيين ثم ذكرا فقاما، فلا يغسل
المسجد، وإن رشوه بالماء فحسن. ولإن قعدا متعمدين غسل. وإن قعدا على حصير نظيف متعمدين في غير المسجد فإن حصير المسجد ينظف وينقى، كذا يوجد مع إجماعهم على طهارتها.
قال المصنف: هذا عندي تنزيه للمسجد من غير لزوم. والله أعلم.
مسألة:
وفي دخول الجنب المسجد اختلاف. قول يجوز، وقول لا يجوز، وقول يكره، وقول رخص فيه، والأكثر على إجازته. وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن ليس بنجس. وإلى هذا يذهب أبو محمد، رحمه الله.
وفي تناول الحائض الشيء من المسجد اختلاف. بعض كرهه، لأن دخول يدها دخول فيه. وفي قول: لو حلفت لا تدخل بيتًا فأدخلت يدها فيه، أنها قد دخلته، وينبغي أن ننزه المسجد وهواءه. (1/287)
صفحة 287
وقول: لم نر به بأسا من غير أن يمسهما شيء من بدنها إلا إدخال يدها في هوائه. والله أعلم.
مسألة:
واختلف في شعر الجنب يقع في ثوب المصلي. فقول يفسد الصلاة، غسل أو لم يغسل، لأنه إذا زايل الجسد، فقد زال عنه التعبد بالغسل. ولا ينفعه الغسل بعد زواله.
وقول لا ينقض غسل، أو لم يغسل، لأن لا غسل إلا على الجنب. (1/288)
صفحة 288
وقول إنما تفسد الصلاة ما لم يغسل، فإذا غسل جازت الصلاة إذا كان في ثوب المصلي أو بدنه بعد المزايلة. والله اعلم.
مسألة:
أبو سعيد: وقولهم منغسل الجنب فليتوضأ. فلا دليل على نقض وضوء من غسله، لثبوت طهارته باتفاق، إلا أن يمس الغسل له فرجا، أو يمسه منه نجاسة، أو ينظر منه فرجا، وهو مما لا يجوز له، فإن لحقه نقض بأحد هذه المعاني أو شبهها فعله. وأما بمعنى غسله للجنب فلا معنى لذلك. (1/289)
صفحة 289
الباب الخمسون
الغسل من الجنابة وأحكامه
الغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله، وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة.
مسألة:
والغسل اسم الفعل للغسل من النجاسة والجنابة والوضوء والاغتسال: غسل البدن من غير نجاسة ولا جنابة، والغسل أيضا تمام غسل الجسد كله، والمصدر: الغسل.
والغسل أيضا: الماء الذي يغتسل به. والغسل بكسر الغين: ما غسل به الرأس من خطمى أو سدر أو طين أو غيره. شعرًا، وقال:
فَلَمْ تُغْسَلْ جَمَاجِمَهُمْ بِغِسْلٍ ... وَلَكِنْ فِي الدِّمَاءِ مُزَمَّلِينَا
أو قد أصابهم الرمل والتراب.
والغسل مصدر، تقول: غسلت الشيء غسلا، والغسول: كل شيء غسلت، رأسا أو ثوبا أو نحوه. (1/290)
صفحة 290
مسألة:
والغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله الله، لا عذر لمن جهلها، وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة. والله أعلم.
قال أبو محمد: لا عذر لمن جهلها. أنه من علم بجنابته فجهل أن عليه الاغتسال منها، لا عذر له، إذا كانت تلاوة القرآن تطرق سمعه يأمر بالاغتسال. والاغتسال من تفسير ما أمر به في الجملة، وهو ممكن من السؤال والمفسرون موجودون.
وقوله أمانة أنه ينفرد بفعلها، ولا خصم له فيها، كالممؤتمن على الأمانة. وفي معنى الرواية وثبوتها اختلاف، ومعناه إذا أمكن الصاع أوجب الغسل به جميع البدن لا يترك شيئا منه لجهل منه، ولا لشك لا تضيع منه الماء دون كمال ذلك.
مسألة:
قال أبو عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه اغتسل بصاع من ماء من الجنابة، واغتسل هو وعائشة بصاعين ونصف.
وعلى هذا الحساب، إن المد رطلان، والصاع ثمانية أرطال، وعن عائشة أنها أخذت عسًّ فحزرته ثمانية أرطال فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بمثل هذا القدح العظيم، وجمعه العساس.
مسألة:
قال أبو بكر رحمه الله إن الإنسان يلزمه أن يعلم أن الصاع يجزئ للغسل، فإذا كان عنده صاع من ماء كان عليه أن يتعلم كيف يغسل به وأن يحفظه، عن أبي سعيد.
مسألة:
قال أبو الحسن أقول، إن تجديد الماء للغسل والوضوء غير لازم، لأنه يختلف لاختلاف دراية الناس ومعرفتهم بالغسل.
قال أبو محمد وما رواه أبو جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجزئ للغسل صاع من ماء. وهذا خبر لم أحفظه. ولا يجوز أن نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصاع لكل من لزمه الاغتسال مع علمه باختلاف أحوال الناس، وفيهم من يحسن الاقتصاد، ومنهم من تقل درايته، ومنهم القليل البدن والغليظ البدن، ومن عليه الشعر الكبير، ومنهم الأجرد ومن لا شعر على رأسه، ومنم النساء.
وتنازع النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة الماء، كل واحد يقول: ابق لي، يدل على أن الماء غير مؤقت مقداره، ولو كان مؤقتًا لكان المتجاوز له مخالفًا للسنة.
مسألة: (1/291)
صفحة 291
وقيل يكره أن يغتسل بفضل المرأة، ولا بأس أن تغتسل النرأة بفضل زوجها من الماء، ويستحب للرجل أن يغتسل بفضل المرأة. وكل ذلك جائز.
الحجة على إجازه ما روى ابن عباس عن ميمونة أنها قالت: اجتنبت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلت من جفنة، ففضلت فضلة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/292)
صفحة 292
ليغسل منها، إني قد اغتسلت منها، فقال صلى الله عليه وسلم إن الماء ليس عليه جنابة، فاغتسل منها.
والحجة اغتساله صلى الله عليه وسلم هو وعائشة من إناء واحد. وبالله التوفيق.
مسألة:
ولا بأس أن يعرك الجنب بدنه بيده ويردها إلى الماء، ولا بأس بما وقع في إنائه من الماء الذي قد اغتسل به وتوضأ منه. وهذا ما لا يختلف فيه. وإن وقع من هذا الماء في ماء آخر لم يفسده.
مسألة:
أبو سعيد: وقد قبل إن بلوغ الماء إلى بشرة الجنب بما كان من الحركات، من حركة في الماء، أو حركة الماء عليه، حتى يصل ذلك إلى معنى ما تعبد بغسله من جسده يقوم ذلك مقام الغسل ولو قام الصب، لعله، مقامه، كان ذلك مجزئا وموجبا للغسل. ولعل قولا، ان بلوغ الماء نفسه إلى البشرة الواحب غسلها بغير معنى النجس إلا التعبد مع الإرادة للغسل بذلك بثبوت معنى الغسل، لبلوغ الطهور من الماء إليه، إذ هو طهور.
مسألة:
وقيل في المرأة إذا كانت ضافرة شعرها، أن عليها نفثه للغسل. وقول ليس عليها ذلك. إذا دلكته بالماء بلغ إلى دواخل الضفائر وأصول الشعر. فإنه (1/293)
صفحة 293
يجزئها. والأول يخرج إذا لم تدلك شعرها، وهذا يجزئ إذا كان يخرج معها على هذا الوجه.
وكذلك قول من قال إنها إذا كانت عاقدة على ضفيرتها بخيط أو بغيره. فإن كان في الاعتبار يحول بين الماء والشعر حتى لا يبلغ من المماسة مما يقوم مقام الغسل، كان عليها أن تحل العقد لأن الشعر كله يلزم غسله، طال أو قصر من أصوله إلى أطرافه، كما يلزم بشرة البدن كله.
مسألة:
والمبالغة في الغسل على غير تضييع غيره باشتغال به من اللازمات من الوضوء للصلاة، وللغسل اللازم من الفضائل، وترك الفضائل عند اللوازم من الواجبات.
مسألة:
ومن اغتسل وبالغ غير أنه بقي من جسده جافا فدر الدينار أو الدرهم ولم يعلم بذلك، فإنه يغسل ذلك الموضع.
قال أبو عبد الله: ويعيد الوضوء والصلاة. وإن علق على بدن الجنب قار أو غيره مما يلزق به حتى يحول بين الماء وبين بدنه، فليقلعه ويغسل ذلك الموضع، ويعيد الصلاة إن كان صلى على تلك الحال.
وإن كان الذي لزق رقيقا قدر ينفرد بحفظها وهو مصدق في حفظ وضياعها، وهذا مجاز.
مسألة:
اختلف الناس في الاغتسال على قولين: فقول من صب الماء على نفسه، ولم (1/294)
صفحة 294
تمر يده على بدنه فقد ثبت له اسم مغتسل. واللغة توجب ذلك واحتجوا بقول لبيد:
وَبِتْنَا جَمِيعًا يَا عُمَيْرُ بِلَذَّةٍ ... تُحَدِّثُنِي طَوْرًا وَأُنْشِدُهَا الغَزَلْ
وَجَاءَتْ سَحَابٌ فَاغْتَسَلْنَا بِقَطْرِهَا ... وَمَا عَمِلَتْ كَفِّي عَرَاكًا كَالمُغْتَسَلْ
والقول الثاني لأصحابنا ومالك بن أنس أن الاغتسال صب الماء، وإمرار اليد على البدن. فأما العرك فما نعرفه إلا في النجاسة القائمة العين.
مسألة:
والغسل عند أصحابنا هو إفراغ الماء، وإمرار اليد على البدن. والمسح خفيف الغسل، لأن الغسل للشيء هو تطهير له بإفراغ الماء، والمسح له تطهير بإمرار الماء.
وإذا مسح بدنه بالماء فقد غسله، ألا ترى أن الجنب إذا اغتسل ثم ذكر عضوًا من أعضائه لم يصبه الماء، فإنه يمسحه من بلل يده.
وفي الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من جنابة، فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء، فعصر لحيته عليها ومسحها.
وفي موضع، ولا يجزئه إلا إمرار اليد على سائر البدن مع إفرا الماء عليه، لأن الاغتسال لا يعقل عنه إلا هكذا. بقال: غسلت ثوبي، لا يعقل عنه إلا باليد، وغسلت النجاسة، وطهرت الثوب والإناء، وكل ذلك باليد. (1/295)
صفحة 295
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"انقوا البشر"، فيه دليل على ما قلنا.
مسألة:
وإن لم تصب اليد كل موضع منه فالماء يجزئه، لأن الماء طهور مطهر لما أصاب.
مسألة:
ومن صب الماء على نفسه، وعم الماء بدنه، أجزأه على قول، ويؤمر بإمرار اليد والماء والعرك.
وإن غاص في ماء له حركة أو موج، فضربه، أجزأه.
مسألة:
ومن غسل بدنه بالماء، كنحو ما يدهن بدنه بالدهن، وعم الماء جميع جسده، فقد طهر على قول من قال بغسلة واحدة أنها تجزئ.
مسألة:
أبو سعيد-معنى الأمانة، أن العبد مؤتمن عليها فيما بينه وبين نفسه، ليست من ظواهر الأعمال وإن كان الدين كله أمانة. وقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الوضوء من السرائر، وهو يكاد أن يكون أطهر، فالغسل به أولى.
وقوله: لا عذر جهلنا أن يكون يجهل العمل بها، وهو قادر على العمل بها، (1/296)
صفحة 296
أو طلب عملها فلا يطلبه مع جهله، فلا يعتقد طلبه حتى يفوت الوقت.
وقد قيل: إذا حضر الوقت، لم يسعه إلا علم وجوبها. وقول: إذا عمل بها قصدًا إلى الطاعة عذر من علم لزومها.
مسألة:
ومن وقف في غيث للجنابة حتى نظفه أجزأه، لأن الماء قد مس بشرته، كما جاءت السنة. وكذلك إن وقع في نهر له حركة، أجزأه بغير عرك.
مسألة:
قال بشير في الجنب يدخل البحر والنهر له حركة فينغمس فيه ويغتسل، ولم يغسل الجنابة، لا يطهر حتى يغسل النجاسة فإن غسل النجاسة ولم يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل فلا بأس.
وإن خرج و يتوضأ وضوء الصلاة فلا. ولكن إن غسل غسلا آخر غير غسل الجنابة، ولم يتوضأ وضوء الصلاة أجأه.
قال أبو الحواري: يجزئه غسل الجنابة عن الوضوء، ما لم يمس فرجه من بعد الغسلة الآخرة.
وقول: هو الوضوء.
مسألة:
قيل لأبي سعيد، فإن غسل لغير جنابة ولا نجاسة أو لنجاسة، قال: إذا أراد به الوضوء للصلاة، ولم تمس جوارحه أحد فرجيه، فجائز له. والله أعلم. (1/297)
صفحة 297
مسألة:
واتفقوا، ولا أعلم خلافًا، أن من غسل بعض بدنه من الجنابة، وأخر البعض إلى وقت حضور الصلاة، ثم غسل الباقي، أجزأه ذلك.
ومن غسل جسده إلى رأسه في وقت، ثم غسل رأسه في وقت آخر، يريد بذلك كله غسل الجنابة أجزأه.
وإن نسي من بدنه موضعًا لم يغسله، ثم ذكر بعد أن خرج من الماء، فإنه يغسل ما نسي، ويجزئه ذلك.
مسألة:
وإذا كان بفخذ الجنب نجاسة قبل وضوء الصلاة، فليس عليه أن يغسل ذلك الموضع مرة أخرى، ويجزئه ذلك الغسل الأول لذلك العضو من أول مرة.
مسألة:
والغسل من الجنابة والطهر للصلاة إذا جسد، على الظن أن الماء قد عم الجسد، وأجرى يده على الأذى من ذلك أجزأه، وقد يجزئ الماء القليل.
مسألة:
وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يجزئ للغسل من الجنابة صاع من ماء.
أبو سعيد: معي أنه قيل هذا، لا أعلم ما يصل الماء إلى الموضع ولا يحول فلا بأس. (1/298)
صفحة 298
قال أبو محمد: إذا أمكن ذلك فعله، لأنه من جملة ما أمر بغسله، فإذا أمكن وجب عليه ولم يمكن الطهارة المأمور بها للصلاة إلا بفعل ذلك، وإذا لم يمكن وكان ما لصق على البدن لا يمكن إزالته عن موضعه من قار أو غيره، قليلا كان أو كثيرا، مان في جملة ما لم يؤمر بغسله، لتعذر ذلك، وعجز المأمور عن فعله، لأن الغسل يتعالى عن المأمور بفعل ليس في وسع المأمور على فعله.
وفي موضع: إن كان الذي لزق أقل من ظفر، فلا بأس.
مسألة:
ومن كان جنبًا ثم صلى، ثم لم يعلم أنه كان غسل ولم يستيقن، فهو قد غسل حتى يعلم أنه لم يغسل إذا صلاته، إذا كان من أهل القبلة ويدين بغسل الجنابة.
مسألة:
ومن لم ينل عرك بعض ظهره، فليجتهد في عرك ما نال من ظهره ومن جسده، وما لم ينل من عرك ظهره رجوت أن يجزئه إفاضة الماء عليه.
أبو سعيد: إذا كان صب الماء من الحركة على الجسد، فإنه يقع موقع العرك الذي يثبت الغسل الذي يقع عليه اسم العرك، ولو خف وقوعه فهو موجب حكم العرك، وإن صب الماء وعرك كان أفضل.
وإنما يخرج الصب مجزئًا إذا لم يمكن عرك شيء من جسده فصب عليه الماء صبًّا بغير حركة، يقوم مقام العرك، فذلك مجزئ إذا لم يقدر على العرك، ولو لم يثبت للصب حركة تقوم مقام العرك، ولا أعلم اختلافًا. (1/299)
صفحة 299
وليس عليه عرك بغير يده، بخشبة ولا ثوب ولا غيره إذا لم يمكن غسله بنفسه بيده.
وقول: يجزئ لمعنى عذر، ولغير معنى. والله أعلم. (1/300)
صفحة 300
الباب الواحد والخمسون
في الماء الذي يغسل منه الجنب وقلته وكثرته
وإن كانت عين صغيرة، ولا يستطيع أن يغرف منها، فيتيمم، ولا يقع فيها، فيفسدها على نفسه وعلى غيره.
قال أبو محمد بن المسبح: إلا أن يقدر على الماء فيناله إذا كانت كفاه نظيفتين فيغسل الأذى من نفسه، ثم يقع في الماء.
وقيل: إن أمكنه ان يأخذ بثوبه ويعصره، ثم يستنجي أو يتوضأ، وإلا تيمم.
أبو سعيد: أما إذا كان الماء عينا فلا تكون العين إلا تجري. والعين الجارية صغيرة أو كبيرة، إذا بان جريها برؤية أو اطمئنان لا يشك فيها، جاز الاستنجاء منها من النجاسات، ومن الجنابة. ولا أعلم اختلافا.
ولو كانت بعد أن نضح جريها بقدر ما يجزئ الغسل، وهو قدر صاع من ماء، مجتمعا او متصلا، طويلا في جريه بعد ان يثبت جريانه، فهو جار.
ويجوز في معنى الاتفاق أن يغسل فيه جميع النجاسات، ويغتسل من الجنابة في وسطه، ما لم تغيره النجاسة، أو يغلب على حكمه، او يكون في الاعتبار مغلوبا عليه بما لا يشك فيه من الاسترابة، ويجوز الوضوء منه إذا كان مما يجزئ للوضوء، وهو قدر مد من ماء، والغسل من الجنابة قدر صاع من ماء، جاز الاغتسال منه والاستنجاء. (1/301)
صفحة 301
وإذا كان جاريا لغير مادة في الاعتبار، وإنما جريه ظاهر كله، ليس له مادة تمده، لم يعجبني أن يغتسل منه من الجنابة إذا كان أقل من صاع من ماء، ولا يتوضأ في وسطه إذا كان أقل من مد من ماء، ولو كان جاريا إذا لم يكن له مادة تدخله أو تخرج منه.
وأما إذا كان له مادة تدخله أو تخرج منه، فإنه يجوز الوضوء منه والغسل، ولو كلن لا يدرك منه إلا قدر كف من ماء مما ينتفع به. ولو كان المجتمع منه أقل من مد من ماء، أو المدرك منه ما بلغ المنتفع منه إلى الانتفاع بوجه.
مسألة:
وإذا ثبت أنه جار ولو لم يكن له مادة قليلا ولا كثيرا، جاز أن يغسل منه ما كان من النجاسة ما لم تغيره، ويغرف منه للغسل والوضوء، ولو كان في الاعتبار في ظاهره أقل من مد من ماء ثبت الانتفاع منه وبه، ولم يتغير لونه بنجاسة، فإن كان في الوضوء أقل من من مد من ماء وهو جار فتوضأ منه ووضوءه يرجع فيه، ولا يغترف منه ناحية. وكذلك إن غسل من الجنابة اجزأه ذلك.
وقد كنت أحب له أن يغترف منه ناحية، إذا كان في الوضوء اقل من مد، وفي الغسل أقل من الصاع.
فلما أن كان جاريا استحال عن حكم الراكد، ويثبت له بحكم الانتفاع بالجاري ما ثبت الانتفاع منه وبه، وثبت حكمه جاريا.
مسألة:
والمتصل طولا إذ لم تضطرب جنباته كلها بتحرك أقصى جنباته خارج بحكم
الجاري فيما ذكرنا، إلا أنه إذا كان أقل من مد لم يعجبني الوضوء منه للصلاة، إلا أن يكون لو اغترفه فتوضأ به ناحية أجزأه لوضوءه، ولم يستعمل مستهلكا منه، ولو كان بأقل من مد.
مسألة:
وكذلك لو كان غير متصل للوضوء وكان قليلا، أقل من مد، أعجبني ألا يتوضأ فيه للصلاة ويغترف منه ناحية عنه، إلا أن يكون لو اغترفه ناحية أجزأه ولم يستفرغه فيه، فكان في إناء أو في موضع كان مجزيا، لأنه في الاعتبار لم يستعمل مستهلكا.
ولا يعجبني على حال، إذا كان الماء غيرجار أن يتوضأمنه للصلاة، إلا أن يكون قدر مدين أو أكثر. وكذلك الغسل من الجنابة حتى يكون قدر صاعين أو أكثر. (1/302)
صفحة 302
مسألة:
والاتفاق أنه لا يصح التيمم ولا يجوز إلا عند عدم الماء الطهور واتفاقهم ان الماء طهور، واختلافهم في نقل اسمه وحكمه، ولا يزيل الاتفاق إلا اتفاق مثله.
فالاتفاق أن على الجنب الغسل بالماء إذا وجده، وعلى المصلي أن يتوضأ، فالغسل بالماء والوضوء به ثابت حتى يغيره وينقله إلى غير حكم اتفاق، وهو أن يغلب عليه حكم النجاسة، او تكون أكثر منه، إلا إن أمكن غيره، فترك إلى غيره في غير تخطئة ولا شك ولأنه القائل بذلك فحسن، وغير معنف من بالغ في امر دينه. (1/303)
صفحة 303
وأما من لم يجد إلا هذا، وهو قدر ما يجزئه لوضوئه أو غسله، ولم يمكنه التطهر منه من ناحية عنه ولا الوضوء والغسل بالاتفاق، لزمه أن يتوضأ ويغسل في هذا المكان، ويغسل ما كان فيه النجاسة للصلاة، ما لم يغلب على الماء حكم النجاسة بمعنى يتفق لثبوت ذلك عليه بالاتفاق، فلا يزيله إلا حكم الاتفاق.
وأما ما ذكره من الاستنجاء وغسل النجاسة، وأخذه الماء بالثوب إن عدم الإناء ويده نجسة، فكل ذلك حسن في المبالغة في أمر الطهارة، وذلك كله فيما يتنجس من الماء، وأما ما لا يتنجس فلا يلزمه ذلك فيه باتفاق ولا باختلاف، إلا من أراد ذلك. (1/304)
صفحة 304
الباب الثاني والخمسون
في صفة الغسل من الجنابة وما يؤمر به
ومن أراد الاغتسال من إناءجعل الإناء من يمينه، وبدأ بالنية فقال: أتطهر لغسل الجنابة، طاعة لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بدأ يغسل كفيه، ثم غسل الأذى، ثم توضأ وضوء الصلاة.
قال أبو الحسن: يتوضأ وضوء الصلاة غير قدميه.
مسألة:
ومن الشرح، أبو الحسن. وأن قوله فليبدأ بغسل يديه، فإنا نأمره بغسل يديه، كان مغتسلا من إناء، أو غير إناء إذا بهما شيء من النجاسة، وإلا فليس عليه غسلهما، أدبا ولا فرضا، إلا أن يكون قام من نوم الليل دون النهار، فإنا نأمره بغسلهما ولز كانتا طاهرتين. وأما نوم النهار فلا. والله أعلم.
مسألة:
وإذا طهر الأذى فلا بأس أن يمس بدنه ويعركه بيده ويردها إلى الماء.
وإن وقع في نهر، فبدأ بالغسل قبل الوضوء، فلا بأس. ولو فعل ذلك إذا اغتسل من الإناء، لم أر فسادا، وقد ترك ما يؤمر به إذا امكن.
مسألة: الشرح: أبو محمد. قوله لا بأس إذا غسل من غير مسح، فإنه يصح لمن لم يرد الصلاة بتلك الطهارة، إلا أن يكون أراد قول من ذهب من أصحابنا إلى (1/305)
صفحة 305
أن الاغتسال من الجنابة طهارة للصلاة كافية تامة، لا بحتاج معها إلى المسح. والذي نختاره أن الجنب إذا قام إلى الصلاة مخاطب بفرضين فرض المسح، وفرض الاغتسال: دليله أول الآية وآخرها. والله أعلم.
مسألة:
أبو عبد الله-فإذا أراد أن يجعل وضوءه في غسله، استنجى، فإذا نقى موضع النجاسة تمضمض واستنشق، ثم يغسل ويعترك ولا يمس فرجيه، ثم يجتزئ.
مسألة:
قال أبو قحطان: وأحب أن يبدأ المغتسل بعد المضمضة والاستنشاق بغسل شق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ووجهه وعنقه، ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها ثم صددره وظهره ورجليه، ويعرك بدنه. وإن قدم جارحة قبل الأخرى فلا بأس بلا لأن يؤمر بذلك.
أبو سعيد-يؤمر بنحو هذا، وكان صلى الله عليه وسلم يفعله إذا غسل من الإناء، وإن كان فعل في الغسل من النهر فحسن.
وعموم الامر أنه إذا ثبت للجسد وغلبه التطهر بإجراء الماء عليه بأي حال، فقد ثبت الغسل من جنابة كانت أو حيض أو نفاس. وليس في الترتيب قول مؤكد باتفاق ولا اختلاف.
ولو غسل جسده كله أو بعضه قبل موضع الأذى كان مجزئًا في الاتفاق، وإن كان تاركا ما يؤمر به في الأدب. (1/306)
صفحة 306
مسألة:
قال أبو محمد: الواجب على الجنب ان يتطهر للصلاة قبل الاغتسال، ثم يغتسل، لأنه مخاطب عند قيامه للصلاة بالطهارتين: غسل الأعضاء إذا كان محدثا من غير جنابة، وغسل سائر البدن إذا كان جنبا.
مسألة:
والمستحب في الغسل أن يبدأ بميامنه وإجراء الماء على بدنه، يعني إفراغ الماء وإمرار اليد، ويبدأ بشق رأسه الأيمن، ويختتم بقدمه اليسرى. وقيل: كان الصحابة يبدأون بميامنهم في الاغتسال.
وإن ترك الترتيب المستحب، وعم بدنه بلاغتسال فقد خرج مما أمر به.
ولا ينبغي ان يدع الترتيب الذي أمر به. وبالله التوفيق.
مسألة:
وواحدة تجزئ للفرض، والمأمور به ثلاث عركات رافقات، قال أبو مالك: إذا عرك الجنب كل عضو ثلاث عركات فلا بأس بما غسل بعد ذلك، وإذا أمر الماء على الجسد ومسحه مسحة واحدة فقد أجزأ.
أبو سعيد-لا يجزئ من الغسل ثبوت، لعله بدون ثلاث عركات في النهر، ومن الإناء ثلاث عركات، مع كل عركة صبة من الماء، ولعله كما قيل في الوضوء، وإن اقله ثلاث.
قال: وبالواحدة تقع تأدية الفرض، وما فوق ذلك يخرج للاخلاف لمن قل ماؤه، ولمن استعجل. (1/307)
صفحة 307
مسألة:
والمأمور به الجنب ألا يغتسل حتى يستبرئ، فإن غسل ولم يرق البول وخرج منه سيء من خباثة أعاد الغسل.
مسألة:
والواجب على الجنب أن يتبع كل موضع من بدنه شعرا وبشرا، فيوصل الماء إليه إذا أمكن ذلك. والأنف والفم وداخل الأذن يمكن الجنب أن يوصل إليه الماء، كما يمكن إيصاله إلى سائر جسده، فجميع ما يمكن إيصال الماء إليه مفترض غسله، مأمور به.
ومن ترك شيئا أمر بفعله فلم يفعله كما أمر، كان بمنزلة أمر لم يفعل.
ويخلل المغتسل لحيته بالماء.
مسألة:
ومن اغتسل أو توضأ ونسي أن يمسح تحت خاتمه، فما أحد يغتسل ويتوضأ إلا ويبل تحته. ومن نسي أن يدخل يديه في أذنيه حتى فرغ من غسله، فإنه يغسل أذنيه وليس عليه إعادة الغسل.
مسألة:
وأما قوله، إذا لم يدخل يده في أذنه، فبعد غسلها دون الغسل. وكذلك إذا لم يثبت للأذن غسل ببلوغ الماء إلى الظاهر منها مما يناله الغسل بأخذ ما قيل من بلوغ الماء إليه بحركة من الماء، أو من الغسل، أو بوجه ولا بلغ إليه البلل، فهو كذلك. (1/308)
صفحة 308
وإذا ثبت غسل ذلك بأحد الوجوه فلا غسل عليه ولو لم تنله اليد بالعرك إذا ثبت له الغسل بأخذ ما قيل مما يشبه العرك ويقوم مقامه.
مسألة:
وأجمعوا على أن غسل داخل الأذن والغبط واجب، وأن المضمضة والاستنشاق في غسل الجنب فرض، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تحت كل شعر جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشر. وفي الانف بشرة وشعرة. وفي الفم بشرة وهي الجلدة التي تقي اللم الأذى.
وقد حصل في الأنف والفم هذا المعنى.
وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ترك موضع شعرة من جسده في الجنابة لم يصبه الماء عذبه الله في نار جهنم. والوعيد لا يستحق بترك ما ليس بواجب.
وفي موضع قال علي: فمن ثم عاديت شعري.
مسألة:
وليس على الجنب أن يفتح عينيه في الماء. فإن قيل لم لم يجب تطهير داخل العين، والتعبد عام؟ قيل له: التطهر على صفة لا بيان فيها لما فرض، لأن المفترض (1/309)
صفحة 309
الغسل، وداخل العين تمتنع من قيام الماء فيه على وجه يكون غسلا. فهذه العلة لا تتعدى المنصوص عليه. وإذا وجد العجز عن العبادة فهو علة في سقوط الفرض بإجماع أهل العلم.
مسألة:
قومنا اختلفوا في الجنب يغسل ويحدث قبل أن يتمم غسله. فقول يتممه ويتوضأ، وقول يستأنف الغسل.
أبو سعيد. أكثر قولنا أن الأحداث لا تنقض الاغتسال من الجنابة. ولا يبعد عندي ما قال، لمعنى قول من فال منهم: إن الجنب إذا غسل بعض جوارحه، واشتغل عن تمام غسله حتى جف، أن عليه الإعادة. وإذا ثبت هذا كان بالحدث أقرب.
ولعل الذاهب غلى هذا شبه الغسل بالوضوء للمخاطبة بكل واحد منها جملة.
مسألة:
ومن غسل من الجنابة، فلما فرغ وجد في فخذه شيئا من الجنابة، فقد قيل: يتم له غسله، وإنما عليه غسل النجاسة، وأحسب قولا أنه يعيد الغسل، قال: ولا يبين لي ذلك.
وقوله: تحت كل شعرة جنابة فإنه للتعبد بوجب الغسل على عامة البدن، ولا يصح ذلك في ثبوت الجنابة تحت كل شعرة، لوجود نجاسة بعينها، لأن إجماعهم أن بدن الجنب ليس بمنجس ما مسه من الطهارات. (1/310)
صفحة 310
مسألة:
ومن غسل جارحة مثل رأسه أو غيره، ثم خرج لشيء عناه، فليس عليه إلا غسل ما بقي من بدنه. وإن غسل ونسي أن يدخل يده في أذنه حتى فرغ من غسله، فإنه يغسل أذنيه، وليس عليه بدل الغسل.
أبو سعيد: قد قيل إن الغسل غير الوضوء في الترتيب ولا التفريق. وأكثر ما قيل إن الغسل يقع على التفريق، على العمد والنسيان. وأي شيء يثبت له الغسل من أي موضع مه، ثم ترك الغسل عامدا أو ناسيا، لعذر أو لغير عذر حتى جف غسله، أو لم يجف، بعد ذلك أو قرب، نام عن ذلك أو لم ينم، ثم رجع فغسل باقيه، أن ذلك يجزئه، وإنما عليه غسل ما بقي، كان ما غسل الأقل أو الأكثر، كان قد طهر فرجه وموضع الأذى من جسده أو لم يطهر.
ويخرج قول: ألا يقع الغسل بالتطهر إلا بعد غسل الأذى، وأن عليه إعادة ما غسله قبل غسل الأذى. ولعل ذلك إن وقع اسمه تطهيرا لقوله:"وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا".
وأحسب قولا: إن فعل ذلك عامدا أو ناسيا فهو سواء، ويخرج، إن فعل ناسيا فلا إعادة عليه. وإن فعل متعمدا فعليه الإعادة.
وقول: إن اشتغل عن غسله بغيره من الأسباب، حتى جف ما غسل، فعليه إعادة ما جف: ولعله يشبهه بالوضوء، ولا أعلم أحدا يشبه الغسل بالوضوء في معنى الترتيب علي، لعله، على اللازم. وقد قيل: يؤمر بهفي الأدب. (1/311)
صفحة 311
مسألة:
وقيل: لو نسي شيئا من غسله وتوضأ وصلى. أن عليه إعادة غسل ما نسي، ويصلي ولا إعادة عليه في الوضوء. وقول: أن عليه إعادة غسل ذلك، والوضوء والصلاة، وقول: يعيد الغسل والوضوء والصلاة.
وأثبت القول أن الغسل يقع متفرقا على العمد والنسيان، جف أو لم يجف، صلى أو لم يصل، وإنما عليه ما نسي أو ترك.
وإن كان على وضوء لم يكن عليه إلا غسل ما تركه وإعادة الصلاة، إلا أن يكون الذي تركه من جوارح الوضوء. فهو كمن ترك شيئا من وضوءه. فقيل عليه إعادة الوضوء، تركه ناسيا أو متعمدا.
وقول: عليه في العمد وليس عليه في النسيان إلا غسل ما ترك، ما لم يدخل في الصلاة، ثم عليه إعادة الوضوء كله في العمد والنسيان.
وقول: لا إعادة عليه في النسيان إلا غسل ما ترك، ما لم يدخل في الصلاة، ثم عليه الوضوء إلا أن يخاف فوت الوقت إن غسل ما ترك، أعجبني أن يغسل ما ترك ويصلي.
وأما في العمد لغير معنى فيعيد وضوءه، سواء كان جنبا أو غير جنب. (1/312)
صفحة 312
الباب الثالث والخمسون
في المغتسل من الجنابة يترك شيئا من بدنه
وقيل: إن كان قد علق على بدن المغتسل قار أو غيره مما يلزق به، حتى يحول بينه وبين ذلك الموضع، قلع ذلك. وغسل موضعه، وأعاد الصلاة إن كان قد صلى.
وإن كان الذي لزق رقيقًا بقدر مايصل إلى الموضع فلا بأس.
وقول: إن كان الذي لزق أقل من ظفر فلا بأس. وإن كان سفَط سمك وقد صلى، غسل موضعها، ويبدل.
قال أبو الحواري: قول إن كان موضع القار والسمكة أقل من ظفر غسله ولا نقض عليه في صلاته جنبًا كان أو غير جنب.
أبو سعيد: قد قيل في مثل هذا، إذا كان لا يحول بين البدن والغسل في الاعتبار من قار أو سفط أو غيره، فغسل ناسيًا لذلك الموضع، او لم يعلم أن عليه شيئًا مما يحول بينه وبين الغسل، ثم علم بعد ذلك او ذكر، فإن كان قد صلى وكان ذلك من وضوء أو غسل، وكان الموضع أقل من مقدار ظفر فليس عليه إعادة الصلاة. كان من وضوء أو غسل، كان في مواضع الوضوء لأو غيرها. وعليه إخراج ذلك إن لم يكن من عذر، وغسل ذلك الموضع، وإن كان جنبًا لما يستقبل من وضوء أو صلاة. (1/313)
صفحة 313
ولا أعلم في ذلك اختلافًا، أن عليه هذا فيما يستقبل، ولو لم يكن عليه بدل ما مضى مما صلى به إذا كان أقل من مقدار ظفر.
وقول: عليه البدل، كان ذلك قليلا أو كثيرا، لم يعلم به أو علم به ثم نسيه حين الغسل أو الوضوء.
وقول: أن عليه البدل، كان قليلا أو كثيرا إذا كان جنبًا، كان ذلك في مواضع الوضوء أو غيرها.
وأما إذا لم يكن جنبًا وكان ذلك في مواضع الوضوء وتوضأ، ولم يعلم به أو نسيه حتى صلى، أنه لا إعادة عليه، ولا يخرج فرق فيه، جنبًا كان أو غير جنب.
مسألة:
وكذلك إن ترك غسل موضع شيء من بدنه وهو جنب، أو يتوضأ ناسيًا، أو لم يعلم حتى يتبين له بعد أن صلى، فالقول في هذا، وفي الحائل بين البدن والغسل سواء، إذا لم يعلم، أو كان ناسيًا له.
والاختلاف فيه واحد، إذا كان أقل من مقدار ظفر بظفر الإبهام.
وقول: بقدر الدينار أو الدرهم، ولعل ذلك كله سواء لا يتفاوت، ويخرج على الوسط، وهذا كله إذا علم أو ذكر بعد الصلاة، وأما قبل الصلاة قليلا كان او كثيرا، ولو شعرة واحدة، فعليه غسل ذلك، ولا يصلي حتى يغسله إن أمكنه غسل ذلك، فإن لم يغسله وصلى فعليه الإعادة، ولا أعلم فيه اختلافا. (1/314)
صفحة 314
ويخرج الاختلاف في الكفارة، إلا أن يكون له عذر تناول ذلك لا على العمد.
وفي موضع إلا من عذر: فوت الوقت، أو عدم الماء.
مسألة:
وأما إذا كان ذلك قدر الظفر، أو الدينار، أو الدرهم، ثم علم قبل الصلاة، وأمكنه غسله ولم يغسله وصلى، فلا شك في الكفارة ولو كان له تأول معنى على غير سبيل الرأي ولا الدينونة لمثل ذلك إلا أنه يظن أن ذلك جائز له لمعنى.
مسألة:
وأما إذا ترك غسل شيء من بدنه وهو جنب، أو من مواضع الوضوء في الوضوء كان جنبا أو غير جنب، كان قليا أو كثيرا، ما كان دون الظفر فلا أعلم اختلاف، أن عليه الإعدة.
ويشبه لزوم الكفارة عليه إذا صلى به، وبثبوت ما لا يسعه جهله في مثل ذلك في دينه ومعنى الكفارة وقطع عذره بمثل ذلك في الهلاك في دينه، مما يختلف فيه ما كان أقل من قدر الظفر أو الدينار أو الدرهم في معاني الاختلاف في هذه المقادير على معاني اختلاف المختلفين، فمعي أنه يتفق على ثبوت هلاكه بذلك وألا يسعه جهل ذلك وثبوت الكفارة على قول من يقول بثبوتها على الجهالة إذا كان جاهلا لذلك.
وأما إذا كان متعمدا لترك ذلك بغير جهالة ولا معنى، وكان قدر أحد هذه (1/315)
صفحة 315
المقادير ثبت عليه الاتفاق بثبوت الكفارة على قول من يقول بثبوت الكفارة في الصلاة.
مسألة:
في الجنب يغسل بدنه كله إلا شيئا من أطراف شعره لم يمسه الماء وصلى، هل يتم صلاته؟ قال: لا يتم على العمد، كان قليل أو كثيرا. ولو جهل، فإن نسي وكان اقل من ظفر، إذا تركه ناسيًا لم يضره، وإن كان مثل الظفر أو أكبر، فعليه الإعادة لعدم الماء.
وقول: عليه الإعادة على حال، كان قليلا أو كثيرا. (1/316)
صفحة 316
الباب الرابع والخمسون
م يعذر به الجنب في الغسل. والعلة في تيممه
والجنب إذا لم يجد الماء بوجه من الوجوه، أجزأه التيمم، كان صحيحا أو مريضا، مقيما أو مسافرًا، أمنا أو خائفا. لا فرق في هذا، ولا أعلم فيه اختلافا.
مسألة:
وإذا تيمم الجنب عند عدم الماء، تيمم للغسل تيمما، وللصلاة تيمما. وقولهم تيمم واحد يجزيه، إذا نواه لهما. والأول أحوط.
مسألة:
وإن وجد ماء وعليه ناس، فليس عليه ان يقاتلهم، ولكن إن وجد سبيلا إلى الماء حمل منه واغتسل من غير أن يشتبك مع أحد. فإن قاتلوه قتالا يخاف منه على نفسه، لم يقاتلهم ويتيمم، وإن لم يمنعه الناس من الماء، إلا أنه لا يتمكن من الغسل إلا أن يتعرى لهم، فهو بمنزلة العادم للماء، فليتيمم، ولا يتعرى، فيبيح ما هو محرم عليه من إبداء عورته.
وفي موضع أنه يتغطى بثوبه ويغتسل، ولا يعذر أن تبدو عورته أو يترك غسله، فإن جهل فعليه الإعادة لصلاته.
وإن تركه حياء من الناس، لم يعذر، وعليه الكفارة، وإن قدر على حمل الماء في وعاء أو غيره، فعليه حمله والاعتزال عنهم والاغتسال حيث لا يراهم، وإلا تيمم. (1/317)
صفحة 317
مسألة:
وإذا ترك الغسل وهو يجد السبيل إليه استحياء منهم، فعليه بدل الصلاة التي صلاها بالتيمم والله أعلم بالكفارة، لأن بعضهم أسقط الكفارة عن المتيمم إذ قد صلى بإحدى الطهارتين.
مسألة:
فإن جاء الجنب إلى الزاجر فقال له: غض عني حتى أغتسل، فقال له اغتسل فإني لا أبصرك، وألقى ثيابه وقعد في الماء، فأرجو أن يسلم إذا كان الزاجر ثقة. لأن الثقة لا ينظر عورة أخيه متعمدًا.
وإن كان غير ثقة لم يسلم، لأنه عرض نفسه لإبداء عورته إلى من لا يحل له.
مسألة:
ومن تعرى للغسل من الجنابة بين الناس، فقد سقط عنه، وهو عاص في تعريه وعليه التوبة من ذلك.
مسألة:
ومن كان جنبًا وعليه قميص لا غير، لم يتمكن من الغسل إلا أن يتعرى، فقد قيل: إنه يصب الماء على جسده من فوق القميص، وذلك يجزئه.
مسألة:
والجنب إذا لم يجد الماء إلا في مسجد، فإنه بتيمم، ثم يدخل المسجد فيخرج الماء ويغتسل. (1/318)
صفحة 318
قال أبو محمد: يوجد في الأثر هذا ولا أعرف وجهه من طريق الإيجاب، فإن كان من حيث الاستحسان والاحتياط ففيه أيضًا نظر، لأن الجنب طاهر، كما أن المحدث طاهر. والمحدث من من نوم أو خروج من دول المسجد، وكذلك الجنب لا نحب أن يمنع من دخول المسجد إلا أن يكون به خباثة ظاهرة فالمستحب له ألا يدخل المسجد وبه نجاسة. وكذلك البائل والمتغوط، تعظيما للمسجد.
مسألة:
وأيضا فإن الجنب لو كان نجسًا، وكان ممنوعا من دخول المسجد إلا بعد طهارة لم يكن التيمم طهارة له وهو مقيم في بلده.
مسألة:
ومن أتى عينا صغيرة لا يستطيع أن يغرف منها، فقيل يتيمم، ولا يقع فيها فيفسدها على نفسه وعلى غيره.
قال أبو محمد: هو كذلك، إذا كان ممنوعًا من استعمال الماء فهو بمنزلة من عدمه، وفرض طهارته التراب.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى أن يغسل الجنب في الماء الدائم. فلولا أن غسله فيه يفسده لم ينه عنه، وذلك غير جائز.
مسألة:
ومن أتى ماءً لا يقدر عليه، فإن امكنه أن يأخذ منه بثوبه ثم يعصره في موضع ويستنجي أو يتوضأ ويغتسل، فليفعل، وإذا لم يمكنه فليتيمم. (1/319)
صفحة 319
قال أبو محمد رحمه الله: هكذا ينبغي أن يفعل إذا لم يجد ماء سواه، فإن أمكنه أخذ الماء بغير الثوب، فلا ينبغي أن يأخذه بالثوب ثم يعصره منه، فيكون كالماء المستعمل، لأنه في معناه.
ولكن ينبغي له إذا لم يقدر على استخراجه إلا بالثوب، نوى بحمله الماء بالثوب أن يكون بمنزلة الوعاء فهو أحوط.
مسألة:
ومن وطئ زوجته وهو غير واجد الماء فلا بأس. ولا أحب أن يفعل ذلك إن لم يضطر إليه فإذا قدر على الماء اغتسل. ويجوز للرجل أن يمس امرأته بأرض لا يجد بها ماء، ويتيممان. فإذا قدرا على الماء اغتسلا. وقد قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/320)
صفحة 320
الباب الخامس والخمسون
في الجنب يشك أنه اغتسل أو لم يغتسل وما أشبه ذلك من الفرائض
أبو الحسن في من كان جنبا، ثم صلى صلاة أو صلوات، ثم لم يعلم أنه كان اغتسل أو لم يستيقن، وهو قد كان غسل، حتى يعلم أنه لم يغسل ولا تعرف نفسه بترك غسل الجنابة.
أبو سعيد. هذا يخرج على الاطمئنان، وإن كان من يدين بها فليس الغسل من الجنابة مثل الوضوء، لأن الوضوء في أكثر الأحوال لا يصلى إلا بوضوء. ويخرج في الغسل أنه يجري عليه معنى النسيان.
وإذا علم أنه جنب فقد لزمه حكم الغسل، فهو عليه حتى يعلم أنه اغتسل. فإن ذكر انه كان ذاكرا لغسله حتى مضى إلى الماء فوقع فيه ليغسل، أو مضى ليغسل وعرف ذلك، أو ذكر شيئا من هذا، كان هذا مما يزيد في الاطمئنان إذا مضى عليه وقت صلاة، لأنه إذا مضى عليه وقت صلاة ثم شك، صلاها أو لم يصلها، فقول: ليس عليه أن يصليها حتى يعلم أنه لم يصلها.
وما دام في وقتها فشك فيها، فعليه أن يصلي حتى يعلم أنه صلى. وأرجو أن يخرج من الاطمئنانة.
وليس للغسل وقت معروف، ولا في أكثر العادة ألا يصلي إلا بغسل، كما لا يصلي إلا بوضوء. (1/321)
صفحة 321
وإن شك أنه صلى بوضوء أو بغير وضوء، فلا إعادة عليه بمعنى الحكم، حتى يعلم أنه صلى بغير وضوء، أو لم يصل.
ويفترق معنى الغسل في النظر ومعنى الوضوء كما ذكرنا، وإن كان يحسن في الاطمئنانة، إذ ليس من مذهب المصلي، أن يصلي بالجنابة حتى يغتسل، إلا من عذر.
ولا نعلم أحدا من أهل القبلة يقول بترك الغسل من الجنابة بدين ولا برأي، إلا منتهكًا بدينه.
فإذا كان يعرف نفسه بانتهاك الغسل من الجنابة، كان على أصل ما يعرف نفسه في أمر صلاته في معنى الحكم، حتى يعلم أنه اغتسل.
وأما إذا لم يكن كذلك، وكا يدين بالاغتسال، ولا يعرف نفسه بتركها، فمضى عليه وقت صلاة بعد علمه بها، فيخرج في الاطمئنانة أنه ليس عليه غسل، إلا أن يعلم أنه كان ناسيا للجنابة، وأنه لم يغتسل.
ولا يثبت ذلك على الحكم، لأنه كما تعلق عليه حكمه، وكان لازمًا له، فهو عليه حتى يعلم أنه قد أداه إذا لم يكن عليه عمل ذلك في وقت معروف لا يسعه تركه فيه، وإنما العمل له لغيره. وليس هو مما لا يجوز ذلك العمل إلا به في كل وقت على كل حال. والغسل يخرج مثل هذا.
مسألة: و
كذلك إذا علم أن قد وجب عليه شيء من الحقوق للعباد، مما ينعقد عليه، (1/322)
صفحة 322
ولا يكون هالكا بترك أدائه في وقت دون وقت، ثم شك، أداه أو لم يؤده، فيخرج في الحكم أنه لم يؤده حتى يعلم أنه أداه، إلا أن يعلم أنه كان قد دخل في معنى أدائه، من خروج إليه، أو وصول إليه، أو دخول فيه، والانصراف على معنى أدائه خرج في الاطمئنانة أنه مؤد له، حتى يعلم أنه لم يؤده، أو لم يعلم أنه ترك منه شيئًا لم يؤده.
ويخرج ذلك في الحج والزكاة من حقوق الله. وفي الحج أثبت ذلك، ومع الحكم عليه أنه لم يؤده حتى يعلم أنه أداه، لأن ذلك ليس عليه في وقت واحد. ولا هو مما تجري فيه العادة أنه كل عام يحج.
والزكاة أقرب إذا كان يعرف نفسه بأنه يزكي في كل عام، إذا كان من أهل الورق، وفي الثمار في وقتها، وأنه لا يترك الزكاة في وقتها. فإذا كان يعرف نفسه بهذا، ثم شك بعد انقضاء وقته، وكان في أكثر عاداته أداء الزكاة، خرج في الاطمئنانة أنه لا شيء عليه، حتى يعلم أنه لم يزك.
وأما في الحكم فلا مخرج نراه له من ذلك. لأن وقت ذلك ليس كوقت الصلاة، إذ لا يسع تركها في وقتها حتى ينقضي بوجه من الوجوه، إلا بما يزول عنه العمل لها في وقتها وبعده، وليس كذلك الزكاة، لأن الزكاة قد يجوز تأخيرها لعدم، ويلزمه أداؤها من بعد ذلك.
وقد يجوز تأخيرها على غير العدم باعتقاد النية لأدائها.
فإذا صح وجوبها بعد لزومه في الحكم، لم يزل إلا بالعلم أو بما يشبهه من معاني الاطمئنانة.
وزكاة الفطر عندي أقرب إلى الاطمئنانة، إذ إخراجها في وقتها من عادات أغلب الناس، وأنهم لا يؤخرونها كالزكاة. ولا يجب عليه إخراجها حتى يعلم أنه لم يخرجها.
ولا يخرج ذلك في الحكم، إذ لا يكفره تأخيرها. ولو عذر في الوقت عن أدائها لمعنى، وهو موسر بها، لم يكن ذلك العذر مزيلا حكم إخراجها، كما لو عذر عن الصلاة في وقتها، وزال عنه حكم العمل بها، أنه لا بدل عليه بعد فوات وقتها إذا كان في حين وقتها معذورا.
ويكفره تركها على غير عذر.
وكذلك صوم شهر رمضان، إذا كان فيه مقيما غير مريض، فشك فيه بعد انقضاء وقته، صامه أو لم يصمه. وكل حالة كان فيها لا يخرج معه أن يترك صومه لعذر يعذر فيه، خرج صومه في الحكم بمنزلة الصلاة.
وإن كان يعرف نفسه أنه كان في حالة يحتمل أن يصوم، ويحتمل أن يسعه ترك الصوم، إلا أنه لما شك بعد خروجه من الشهر، أو انقضاء ما مضى من الأيام التي شك فيها، فيلحق الاحتمال في مثل هذا. (1/323)
صفحة 323
ويعجبني، أنه يصح له حكم صوم ما مضى في الحكم، إلا أن يغلب عليه حكم الارتياب لأنه مؤقت، لا يسع تركه إلا بعذر، ولا تأتي عليه حال بعذر بإفطاره إلا أن يصح العذر، ولو صح العذر كان فيه مخيرا.
وقول: إن الصوم أولى في الحالات كلها بثبوت فرضه، حتى يعلم أنه أفطر، (1/324)
صفحة 324
أو أنه نوى الإفطار ولو كان من المرضى أو السفار.
فمن هذا أعجبني أن يكون له في رمضان ما يكون له في الصلاة عند شكه في ذلك بعد انقضاء وقته. ولكل يوم مضى حكمه عندنا ما مضى ولو كان في الشهر.
مسألة:
وإذا ثبت عليه حكم البدل لشهر رمضان، أو الصلاة وزوال وقت ما وجب عليه بدله والعمل به، فهما عننا بمنزلة سائر الواجبات إذا شك فيهما أبدلهما أو لم يبدلهما. وعليه بدل ما وجب حتى يعلم أنه قد أبدل ذلك بصحة حكم، أو غلبة اطمئنانة لا يشك فيها.
وما كان من حقوق العباد مما لزم ووجب أداؤه، من الديون والتبعات والديات، وجميع ما يصح معه لزومه له، ثم شك في أدائه مما لا يجب أداؤه في وقت معروف لا يسعه تركه، وهو في الحكم بحاله، حتى يعلم أنه أداه بحكم أو اطمئنانة لا يرتاب فيها.
وإذا ثبت له في معنى الدخول في أداءه وخروجه منه على معنى الأداء له، ثم شك فيه أنه لم يحكمه أو أنه جهل أحكامه، فيعجبني أن يكون له حكم الاطمئنانة أن يكون مؤديا، حتى يصح معه أنه لم يؤد بحكم، وما كان من ذلك يؤدي في كل يوم أو كل شهر أو كل سنة في التعارف، مثل الكسوات والنفقات للنساء وغيرهن مما يلزم كسوته، فشك في أدائه بعد انقضاء وقته-كان عندي مثل الزكاة التي تجب عليه، فيشك فيها بعد وقتها (1/325)
صفحة 325
ويعجبني أن يكون له في الاطمئنانة أن يكون مؤديا، حتى يعلم أنه لم يؤده، أو تأخذه في ذلك الحكم الذي يوجب عليه أداءه من أحكام أهل العدل الذي يجب عليه حكمهم.
وأما في الحكم فلا يبين لي، نراه له من هذا النوع، ولو كان شكه فيه بعد انقضاء وقته، إلا أنه قد يكون له تركه من وجه العدم له، ما لم يطلب به طلبا لا يسعه تركه، ولا يزيل ذلك عنه ما قد لزمه منه.
مسألة:
وكل شيء من دين الله ثبت فهو على أصله، حتى يزيله أصل مثله. وربما أزال الأغلب من الأحوال حكم أثبته الأصول، كرجل وامرأة ثبت بينهما معاشرة شبه التزويج، وهو يعرف نفسه أنه لا يعاشر تلك المعاشرة، بقليل ولا بكثير، إلا من يجوز له مساكنته بزوجته أو رحم أو نسب أو صهر أو رضاع، فعارضه الشك في زوجته، كيف كان التزويج؟ ومن أي وجه، ومن زوجه، ولا علم من شهد عليها، أنها أخته من الرضاع، ولا أمه وسائر ذوات محارمه-كان هذا شك معارضة، وإن كان موضع حكم، لأنه في الأصل محكوم عليه باعتزال النساء في المعاشرة حتى يصح ما يجوز له، وإلا فهن عليه محجورات. لأنهن حرمة على الرجال، حتى يصح ما يجهلهن فكان حكم التعارف والاطمئنانة هو الأغلب معمولا به دون ثبوت الأحكام.
وكذلك ما أشبهه من الأموال التي في يده إذا نصب نفسه إلى معرفتها من أين اكتسبها. (1/326)
صفحة 326
وفي الأصل محجور عليه ذلك إلا بحله وكان حكم الأغلب في التعارف أثبت من حكم الفرض، وكذلك البيوع التي دخل فيها وهو يطأ بها الفروج ويأكلها وقد كان بها عارفا أنها لغيره، فكان ما في يده على الاطمئنانة أولى من الحكم.
ولو كان الاصل صار إليه بمعنى غير ثابت، ونسي ذلك، لم يضره ذلك ولو كان ربا أو غصبا وكذلك لو علم أصل زوجته أنه حلال، ثم بانت منه وفارقها، فلما طال ذلك لم يعرفه وغاب عنه لم يكن في حكم الجائز والمحجور بجبرها له إذا لم يعلم الأصل الذي بانت منه، وتركها له لطول المدة.
ولو كان إذا تعقب الأمر فيها علم حقيقة التزويج، ولم يعلم حقيقة الفرقة إذا كان قد تركها وبانت منه على سبيل ما معه. أن ذلك يحرمها ولو لم يكن ذلك في الأصل يثبتها من، ولا يحرمها عليه، وكان حكم الاسترابة هنا أولى من حكم.
وأما إن وقع بينهما كلام دخل عليه الريب، ولم يكن تركها تحريما، ثم غاب عنه علم ذلك فنسيه، وهي زوجته على الأصل فيما يسعه ويجوز له، ولو كان ذلك السبب يحرمها عليه إذا نسيه ما لم يثبت حكم قضاء أو استرابة ثبت حكمها. (1/327)
صفحة 327
الباب السادس والخمسون
في جنابة الخنثى وغسله من ذلك
وقيل على الخنثى الغسل من الجنابة والحيض. وإذا رأى الحيض توضأ لكل صلاة وإذا طهر اغتسل.
أبو سعيد: يحسن هذا في أمر الخنثى إذا ثبت حكمه حكم خنثى، لأنه يلزم حكم الأنثى، وحكم الذكر فيما يجتمع عليه من حكمهما.
فإن خرج منه المني من خلق الأنثى باحتلام في منام، أو يقظة بغير جماع، فعليه الغسل، على قول من يقول بذلك على الأنثى.
وقول: ليس عليه كالمرأة وإن خرج منه الماء الدافق من المني من خلق الذكر بأي وجه كان، باحتلام في منام، أو يقظة بملامسة أو بغيرها، خرج ثبوت الغسل عليه، لأن ذلك ثابت على الذكر من أي وجه، ولا أعلم فيه اختلافا.
مسألة:
والخنثى يلزمها حكم ما يخص الذكر في موضع ما تجتمع فيه، وحكم الأنثى في موضع ما تجتمع فيه أو تختلف.
مسألة:
وإن جامع الانثى بخلق لذكر حتى غابت الحشفة منه في خنثى ذكر أو أنثى أو دابة، وجب عليه حكم غسل بالوطء. (1/328)
صفحة 328
وكذلك إن جامعه ذكر أو خنثى حتى غابت الحشفة فيه، في قبل أو دبر، وجب عليه حكم الغسل بالوطء. لأن ذلك يجب على الأنثى في القبل والدبر.
وكذلك إن وطئها ذكر في الدبر حتى غابت الحشفة، أو وطئه شيء من الدواب، أو أوطأ نفسه شيئا من الدواب في قبل أو دبر، حتى ثبت عليه حكم الوطء، وجب عليه حكم الغسل بهذه المعاني.
وغسله من الجنابة إذا ثبت عليه من حكم خلق الأنثى والذكر سواء في جميع ما مضى ذكره من غسل الذكر والأنثى من الجنابة في النسيان أو الجهل. (1/329)
صفحة 329
الباب السابع والخمسون
في حيض الخنثى
وقيل إذا بلغ الخنثى فحاضت من خلق النساء، ولم تجنب من الذكر، فحكمه حكم امرأة، وإن أجنب من خلق الذكر، ولم يحض، فحكمه حكم رجل.
فإن حاض وأجنب: من خلق الذكر الجنابة، ومن خلق الأنثى الحيض فهو خنثى. فإذا أجنب كان عليه الغسل.
وإذا حاض وتوضأ وصلى، حتى إذا طهر من الحيض اغتسل غسلا واحدا وصلى. ولا يترك الصلاة في الحيض.
وقول: إذا حاضت الخنثى، حكم لها بحكم الأنثى، لأن الذكر لا يحيض، والأنثى تخرج منه الجنابة، وكذلك الذكر تخرج منه الجنابة ولا يحيض.
أبو سعيد-يحتمل ما قيل من هذين القولين جميعا، أن يحكم له وعليه في الحيض بما يحتمل من حكم الأنثى والذكر.
فأما ما يثبت من حكم الأنثى، فوجوب الغسل على كل حال عند التطهر. وليس على الأنثى صلاة في الحيض، وليس للذكر أن يترك الصلاة على حال عند التطهر، عليه حكم الصلاة للإشكال والتطهر والوضوء. وقد تشبه أحكام الغسل عليه في كل صلاة، لأن ذلك قد يلزم الأنثى في الاستحاضة في غير أيام الحيض، فيثبت عليه ما يلزم الأنثى على الانفراد وأحكام الذكر. (1/330)
صفحة 330
مسألة:
فإذا طهر الخنثى من الحيض، وانقضت أيام الحيض منه، ثبت عليه الاغتسال، لثبوته على المرأة من الحيض، وما جاءه من الدم السائل في غير أيام الحيض مما يكون من الأنثى استحاضة، أشبه أن يلزمه ما يلزم المستحاضة من الغسل، على قول من يرى الغسل على المستحاضة، وإذا لم يكن عليها إلا الوضوء حتى تطهر من الحيض، ثم تغسل غسلا واحدا.
ففي أيام الاستحاضة أشبه ألا يلزمها الغسل-أعني الخنثى-لأن المستحاضة قيل عليها الغسل، وقيل إنما عليها الوضوء، وهذا في الأنثى، والخنثى أقرب في انحطاط الغسل بالاستحاضة إذا كان قد قيل: إنما عليه الوضوء في أيام الحيض حتى يطهر.
فإذا ثبت هذا، أن لا غسل على الخنثى في أيام الحيض حتى يطهر من حيضه لم يبعد ألا يلزمه الغسل إذا طهر من الحيض. لأنه إذا كان ذلك حيضا، كان في الاجماع، أن الذكر لا يختص به، وأنه إذا اثبت في الحيض كان حكمه حكم الأنثى على معنى القول الآخر، وأنه إذا حاض الخنثى وثبت حكم الحيض منه، فلا مجال أنه أنثى، لأن الحيض للأنثى خالصا، والجنابة للأنثى والذكر.
فلما كان من الخنثى ما لا يكون إلا من الأنثى بالاتفاق وهو الحيض، ثبت حكمه حكم أنثى في جميع أحكامه. لأن في الاتفاق أنه إذا ولد الخنثى ولدا، كان حكمه حكم أنثى، لأن الذكر لا يلد في الإجماع، وإذا ولد للخنثى ولد من أنثى (1/331)
صفحة 331
كان حكمه حكم ذكر، لأن الأنثى لا يولد لها ولد بالاتفاق، كذلك الحيض في الاتفاق لا يكون إلا من أنثى، لأنه لا يكون على كل حال إلا من أنثى.
وإن كان ليس بحيض فلا غسل عليه عند طهر ولا قبله، وإنما عليه الاستنجاء والوضوء للصلاة من ذلك الدم، لأنه كسائر الأحداث، ولو ثبت خروجه من حلق الأنثى من الخنثى، لأن دم القرح من الرحم لا غسل على المرأة فيه أيام حيض ولا استحاضة، وإنما فيه الوضوء كسائر الأحداث. فمثله في الخنثى إذا لم يثبت حيضًا، وإذا ثبت حيضًا ثبت حكمها حكم أنثى.
وإن قيل: إذا خرج من الذكر الماء الدافق، والدم من خلق الأنثى استويا، وكان خنثى. قيل له الماء الدافق قد يكون منها جميعًا، فليس ببعيد أن يكونا جميعًا من الخنثى ولا ينتقل عن حكم الخنثى.
والحيض لا يكون بحال إلا من الأنثى. فإن كان الدم من الخنثى حيضًا، فلا تحيض إلا الأنثى. وإن كان حدثا ليس بحيض، فلا غسل عليه من حدث لا يكون حيضًا.
مسألة:
وبخروج الماء الدافق من الخنثى من أي الخلقين كان من خلق الذكر أو الأنثى، ثبت به حكم بلوغها، لأنه لا يكون من الأنثى أو الذكر إلا من بالغ (1/332)
صفحة 332
لقوله تعالى:"خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ"
والاتفاق أن الولد لا يكون إلا من ماء الرجل والمرأة جميعًا لاتفاقهما واختلاطهما، ولا يكون إلا من بالغين. فلما كان الحيض لا يكون إلا من أنثى باتفاق، وكان منه الحيض، ثبت له حكم الأنثى إلا أن يصح أنه دم قرح.
ولو خرج منه الماء الدافق من خلق الدكر، لأنه قد يكون ذلك من الأنثى والذكر، إلا أن يولد له، فيثبت له حكم الذكر، لأنه لا يولد في الاتفاق إلا للذكر، ولا يلد في الاتفاق إلا من الأنثى.
فإذا ولد للخنثى كان حكمها ذكرا على حال، وإذا ولد الخنثى كان حكمها أنثى على حال.
مسألة:
وإذا خرج الماء الدافق من خلق الذكر من الخنثى ولم يحض، أعجبني أن يكون فيه حكم ذكر. ولو خرج من خلق الأننثى والذكر. وإذا كان غير خارج من العلة، لأنه قد يكون من الأنثى والذكر. (1/333)
صفحة 333
الباب الثامن والخمسون
في غسل المرأة من الجنابة والحيض
وغسل المرأة من الجنابة كغسل الرجل، لا فرق بينهما. وغسل الجنب والحائض والمستحاضة والنفساء كغسل الميت، إلا أن الحائض تؤمر بالغسل والتطيب إذا غسلت، وأن نتبع أماكن الدم ما يغير رائحته، وليس بواجب.
مسألة:
وإذا لم تنفض المرأة ضفائر شعرها، أجزأها إذا بلغ الماء أصول الشعر. لما روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله: إني امرأة أشد ضفائر شعري فأنفض عند الغسل من الجنابة، فروي أنه قال عليه السلام: إنما يجزيك أن تصبي عليه الماء حتى الماء أصول الشعر، ولم يأمر بنقض الشعر.
وقيل إن حذيفة بن اليمان كان يقول لامرأته: خللي شعرك بالماء قبل أن تخلله النار، وقيل تخلله بأصابعها، وهو قول الربيع.
وإن كانت عاقدة ضفائرها بخيط فلتله ليصل إليه الماء. وفي موضع يجب أن تنفض شعرها. وقيل: إن لم تنقضه فلتضربه به حتى يصل الماء إلى أصول الشعر. والله أعلم.
مسألة:
وكان الربيع يقول في الرجل إذا قضى شهوته من امرأته دون الفرج، فإنه (1/334)
صفحة 334
يغتسل، ولا غسل عليها، إلا أن تكون النطفة دخلت فرجها فالغسل عليها.
مسألة:
وليس على المرأة أن تبول إذا وطئها زوجها، وليس هي كالرجل. فإن لم تفعل فلا نقض عليها.
وفي موضع: يجب عليها أن تبول مثل الرجل، لأن ماء الجماع يجتمع في رحمها أكثر. إلا أن موضع البول من المرأة غير موضع الجماع ما ظهر منه.
وفي موضع: هل يستحب لها أن تريق البول؟ قال: لا أعلم ذلك، لأن مجرى الجنابة من المرأة غير مجرى البول.
مسألة:
والمرأة إذا وطئها زوجها الصبي فأجاز عليها. هل عليها غسل؟ فإنه يختلف في ذلك، إذا لم تنزل الماء الدافق.
وكذلك يختلف في وجوب الغسل على الصبي أيضًا، فعلى قول من يلزم الصبي إذا عقل، الصلاة لزمه الغسل إذا التقى الختانان. (1/335)
صفحة 335
وكذلك قيل في الجارية إذا وطئها البالغ. أن عليها الغسل.
قال: ويعجبني ألا يجب على المرأة غسل إلا أن تنزل هي الماء، أو يكون الصبي مراهقًا يشتهي النساء. ويعجبني أن يغسل هو أيضًا إذا كان مراهقًا.
مسألة:
وإذا صب الزوج الماء على فرج المرأة البكر، فلا سل عليها. وإن صب فرج الثيب فعليها الغسل.
مسألة:
أبو سعيد: ومما يشبه الجماع على المرأة أن قذف الرجل الماء الدافق على فرجها فيلج فيه، فإذا ولج فيه من معنى الجماع، أشبه الجماع، وفي معنى ما قيل: أنه إذا تعمد لإنزال النطفة في فرجها، فولجت في موضع الجماع، حيث يكون بالجماع فيه، يجب عليه الغسل، كان عليها الغسل. وإن كانت حائًا كان مجامعا على سبيل العمد.
وإن كانت ليست زوجته فإنها تفسد عليه، فأما الغسل فلا يحضرني فيه اختلاف منصوص.
وإذا وجب أن هذا وطء يفسد. ثبت معناه أنه يوجب الحد، ويلزم منه العدة، ويحل المطلقة ثلاثا في جميع الأحكام.
فلما أن لم يكن كذلك على الاتفاق، أشبه فيه الاختلاف في جميع أحكامه من الغسل على المرأة وفسادها عليه، وألا يكون لها عليه رجعة في العدة، وأشباه هذا كله واحد. (1/336)
صفحة 336
فأماالعدة وإحلال المطلقة ثلاثا، ووجوب الحد عليها، فلا أعلمه مما قيل في اتفاق ولا اختلاف. ولا يشبه ذلك عندي الاختلاف فيه إلا في العدة. فإنه يحسن فيه الاختلاف.
ومما يشبه ذلك أنه قيل: لو حملت منه على ذلك كان عليها العدة منه، وأدركها ما لم تضع حملها. ولا يبين لي فيه اختلاف لثبوتها حاملا منه.
وكذلك فيما تفسد عليه. فأكثر القول أنها تفسد عليه. وبعض لا يراه وطءً يوجب فسادًا.
مسألة:
اختلف أصحابنا في المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام فتنزل الماء. فقول: لا غسل عليها لأن الله تعبدها بالغسل من الحيض، فلا يجتمع عليها فرضان: حيض واحتلام، حتي يكون لك باختيار منها وعلاج.
وقول عليها الغسل.
قال أبو محمد: والنظر يوجب عليها ذلك، إذا أنزلت باختيار وغير اختيار، وبعلاج وبغير علاج. وري أن امراة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله: برح الجفاء المرأة، ترى في المنام ما يرى الرجل، فقال: عليها الغسل إذا أنزلت.
وقيل: قال نعم إذا رأت الماء.
مسألة:
قوله: برح الجفاء أي ظهر.
قال الشاعر: *برّح الجفاء فما الذي يخلد* (1/337)
صفحة 337
مسألة:
وفي رواية أن امرأة من نسائه عليه السلام قالت: أو يكون من المرأة ما تستوجب به الغسل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: فلم أشبهها إذن ولدها. تربت يداك؟
وقالت عائشة رضي الله عنها: جاءت أم سلمة رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إذا رأت المرأة في المنام أنه يفعل بها، فرأت البلل. أتغتسل؟ فلم يسمعها. فقالت عائشة يا أم سليم فضحت الحرائر. فقالت إن الله لا يستحيي من الحق، والله لأسألنه، فقال صلى الله عليه وسلم: ما قلت؟ فأعادت المسألة، فقال نعم تغتسل.
مسألة:
وقوله: تربت يداك لعلهأراد تربت يداك هو جار على ألسنة العرب، قولونه كالدعاء، ولا يريدون وقوعه.
مسألة:
وكان الربيع ممن لا يرى على المرأة غسلا من الاحتلام. وكان أبو عبيدة أيضا يقول بذلك.
قال أبو عبد الله: كذلك قال: لا يكون منها ما يكون من الرجل، والحيض للنساء، والحلم للرجال.
مسألة:
وما المرأة أصفر رقيق. وهو يخرج من الترائب من الصدر. وماء الرجل من (1/338)
صفحة 338
الصلب. قال الله تعالى:"يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرَائِبِ". يريد به صلب الرجل وترائب المرأة.
مسألة:
وإذا عبثت المرأة بنفسها، أو عبث بها فأنزلت الماء، فعليها الغسل لذاك. وكذلك الرجل إذا عبث بنفسه فأنزل. والله أعلم.
وفي موضع قيل: بأي وجه أنزلت المرأة وخرج منها الماء الدافق فهي جنب، وعليها الغسل.
وقول: لا غسل عليها إلا من جماع، وهو أن تغيب الحشفة في الفرج ويلتقي الختانان.
وأما لمعنى الإنزال فلا غسل عليها في نفضة أو منام.
وقيل: عليها بإنزال النطفة في النفض دون المنام.
وقول: إن وجدت الشهوة عند العبث فقذفت الماء الدافق لزمها الغسل.
وإن لم تقذف الماء الدافق لم يلزمها من البلل، حتى ينزل الماء الدافق، كان ذلك الماء من باطن الفرج أو ظاهره، فلم يحمل منه إلا من تلك النطفة بثبوت ما أوجب العدة على السنة وإن كان يدخل عليها العدة إذا كان إنما ثبت ذلك بمعنى الجهل.
ويختلف في الفساد في الحيض وما أشبهه بهذه النطفة إذا ولجت في الفرج على التعمد في الحيض بمعنى النص. وإذا ثبت ذلك أشبه النص. (1/339)
صفحة 339
ويعجبني قول، يأمر في ذلك بالغسل، لأنه يشبه معاني الجماع في ثبوت الغسل.
مسألة:
وإذا ثبت الغسل بإنزال النطفة في الفرج بصب الماء على فرجها، فقيل: إذا كانت ثيبا كان عليها الغسل لأنها تنشف، وإن كانت بكرا لم يكن عليها غسل حتى يعلم أنه ولج في فرجها.
ومعنى قول القائل إنها لا تنشف إذا كانت بكرا، وتنشف إذا كانت ثيبا، فيخرج معنى قوله أنه ولو لم يعلم أن الماء ولج في الفرج لأنه يلزمها في ذلك معنى الاسترابة لا الحكم، لأنه يمكن أن يلج وألا يلج.
وإذا ثبت دخول النطفة في الفرج لم يكن ثم عليه في بكر ولا ثيب، ولا تشوف ولا غيره. ولم نخرج لزوم الثيب لما لا يلزم البكر إلا لمعنى الاسترابة أن يدخل موضع الجماع من حيث يفسد الجماع، ويجب عليها الغسل لوجود الجماع إليه.
وإذا ثبت ذلك في الثيب لمعنى الاسترابة، لم تتعر البكر من ذلك، لأنها قد يخرج منها الحيض وهي بكر، فلا يمتنع موضع الخروج أن يدخل فيه بقدر ما يخرج منه، وما يشبه ما يخرج منه مما هو مثله.
وأحسب أنه قد قيل إنه إذا قذف الماء على فرجها كان عليها الغسل، ثيبا كانت أو بكرا. وليس ذلك عندي ببعيد لمعنى الاسترابة ودخول الشبهة. (1/340)
صفحة 340
وقول فيما أحسب أنه ليس عليها غسل كانت بكرا أو ثيبا، حتى تعلم أنه ولج فيها الماء الدافق. وليس ذلك عندي ببعيد على معنى الأحكام، ما لم يغلب معنى الاسترابة عليها في المشاهدة منها لأمرها. فإذا غلب معنى الاسترابة والشبهة، أعجبني الخروج من الريب إلا ما لا ريب فيه وينظر فيه كله.
مسألة:
اختلف أصحابنا في المرأة تجامع ثم تحيض قبل الاغتسال. فقول الأكثر إذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للجميع. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة ثم يغتسل غسلا واحدا.
وقيل، عليها غسلان، لأن فرض كل واحد منهما غير فرض الآخر، وهي مأمورة بالتطهر من كل حدث منها، فلا يخرج مما أمرت به إلا بفعله.
قال أبو محمد وهذا الذي نختاره، لأن الله أوجب على الجنب التطهر بقوله تعالى:"وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا". فهذه مشتملة على الذكور والإناث، فعليها الاغتسال من الجنابة بأمر الله لها بذلك.
وقد أمرها النبي صلى اله عليه وسلم عند إدبر حيضها الاغتسال، بقوله: إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي. فعليها أن تغتسل بالكتاب والسنة.
مسألة:
فإن قيل: ليس عليها إذا عدمت الماء. كان لها أن تتيمم تيمما واحدًا باتفاق، فكذلك يجب أن يكون حكم المبدل منه. قيل له: ومن سلم لك ذلك، والحسن
يقول: عليها طهارتان. والطهارة تكون بالماء والتيمم. ولا يجوز أن تكون باتفاق قبل الحسن، وبقوله بعده بخلافه، هكذا أظنبه مع علمه واطلاعه على معرفة الاختلاف. والله أعلم.
مسألة:
قال أبو محمد رحمه الله: إذا أجنبت المرأة ثم حاضت لم يجب عليها الغسل من الجنابة، من قبل الاغتسال ليس بواجب بعينه، وإنما يجب بغره من العبادات للصلاة وقراءة القرآن. وهذا المعنى ساقط عنها بالحيض، فلذلك سقط عنها الغسل من جهة الجنابة. قال: وقد قيل تغتسل للجنابة، ثم تقعد للحيض وعليها الغسل، وإن حاضت، وممن قال بهذا محمد بن محبوب رحمه الله.
أبو سعيد: وقول يستحب لها الغسل من الجناب ة وإن لم تطهر من الحيض، لأنه يفرق بين الحائض والجنب في أشياء: في الأكل والشرب والنوم للنعاس والخروج إلى الناس بعض يكرهه للجنب دون الحائض، لأن الحائض لا يكره لهاالأكل (1/341)
صفحة 341
والشرب، ولا النعاس ولا الخروج إلى الناس، وكذلك شعر الحائض وأظفارها لا بأس به. ومن الجنب فسد على قول، وقول سواء.
مسألة:
قال أبو الحسن: من وطئ زوجته فلما فرغ حاضت، فليس لها في الحكم غسل ولا مسح. (1/342)
صفحة 342
مسألة:
وإذا أرادت المرأة الاغتسال ولم تقدر على سترة، فهي مثل الرجل إذا لم تجد ماء، ولا من يأتيها بالماء فالصعيد لها مجز. ولا يحل إبداء العورة في الغسل ولا المسح، على كل حال، للنساء والرجا. (1/343)
صفحة 343
الباب التاسع والخمسون
في الجنب يتبع بعد الغسل
فالمأمور به الجنب ألا يغتسل حتى يستبرئ، فإن غسل ولم يرق البول، وخرج منه شيء من خباثة أعاد الغسل. وإن لم تخرج منه خباثة فلا إعادة عليه.
والذي أعاد الغسل لم يعد الصلاة، لأن الغسل إنما لزمه لما خرج منه، وقد زال عنه الغسل بالتعبد الأول، وهذا غسل ثان.
وعن أبي الحواري: عليه الغسل والصلاة. قال أبو محمد: يعيد الغسل، ولا يعيد الصلاة.
مسألة:
وإذا غسل ولم يرق البول وصلى، فلا شيء عليه حتى يعلم أنه خرج منه مني. وفي موضع: مدي.
وعن أبي المؤثر حتى تخرج منه جنابة. فإن غسل قبل أن يبول، ثم بال في الليل فلم يدر خرج منه شيء أم لا، فغسله تام حتى يعلم أنه خرج منه بقية الجنابة.
مسألة:
وفي المرأة هل عليها أن تريق البول قبل أن تغتسل من الجنابة، لعلها تخرج منها بقية جنابة؟ (1/344)
صفحة 344
قال: أنا أحب ذلك لها. فإن لم تفعل فلا أرى عليها ذلك مثل الرجل.
فإن غسلت ثم خرج منها المني، فليست المرأة مثل الرجل في هذا، لأن الذي يخرج من المرأة إنما هو نطفة الرجل، وإنما عليها التنظيف.
مسألة:
وفي موضع في من غسل من الجنابة ولم يبل. فقول: عليه إعادة الصلاة على كل حال. خرج منه شيء أو لم يخرج، والوضوء هنا يعيده إذا بال، ويعيد الصلاة.
وقول: لا إعادة عليه إلا أن يخرج منه شيء، فعليه حينئذ إعادة الغسل والوضوء والصلاة.
وقول، ما خرج منه بعد ذلك من مني أو ودي، أو مثل ذلك من النبع قبل أن يبول فعليه إعادة الغسل والصلة.
وقول عليه إعادة الغسل وقد صلى ولا إعادة عليه في الصلاة لأنه قد صلى وهو طاهر، وإنما حدث بعد الغسل.
مسألة:
أبو سعيد: يؤمر الرجل بإراقة البول قبل الاغتسال، لاستنظاف مادة المني مما تبقى من مجر البول، لأن ذلك من المبالغة في الطهارة في النظر، وإن لم يأت، فيه فيما سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما يشبه ذلك من (1/345)
صفحة 345
من الأمر بالاستبراء من البول حتى جاء التحديد عنه بثلاث نترات لمعنى ما يثبت في الطهارة من الغائط بثلاث أحجار، وإنما الاستبراء بما في الإحليل دون ما يأتي من غيره.
وعندي، أنه يخرج من فضائل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستبراء من البول، لأنه يخرج في الاتفاق أنه لو لم يستبرئ الرجل من البول إلا أنه استنجأ وتوضأ وصلى، ولم يعلم أنه بقي في ظاهر الثقب حيث يبلغ الاستنجاء شيء، أنه صلاته تامة. ولو خرج بعد ذلك منه شيء من البول من بعد الصلاة فصلاته تامة. ولا أعلم في ذلك اختلافا.
فلما خرج الاستبراء من البول من فضائل السنن، لا من فرائضها وهو من إيصال البول في الإحليل، كان مثله استبراء المني بالبول إذا كان ذلك مما يخرجه ويكون طهارة له، فيخرج عندي بمعنى الاتفاق من قول أصحابنا الأمر للجنب بالبول قبل الغسل لمعنى هذا، إلا أن لا يقدر على ذلك ولا يمكنه، فمعذور بما يشبه الاتفاق.
مسألة:
فإن لم يرق البول واغتسل وصلى، ثم خرج بعد ذلك منه مني فيخرج في الاتفاق أن عليه إعادة الغسل إذا لم يرق البول قبل الغسل بغير عذر.
وإن كان لعذر إذا لم يحضره، وخاف فوت الوقت، فيخرج الاختلاف في لزوم الغسل، ومن عليه الغسل لخروج المني، إذا لم يكن أراق البول قبل الغسل، (1/346)
صفحة 346
بعض يوجب عليه إعادة الصلاة، وبعض لا يوجب عليه إعادتها. وإنما الغسل لحدوث المني.
ويعجبني هذا لاتفاقهم أنه لو لم يخرج منه مني، فإن غسله ذلك تام، وصلاته تامة، ولو أراق البول فلم يخرج منه مني قبل البول ولا بعده.
مسألة:
وإذا ثبت أن البول منظف فأراق بعد الغسل الذي لم يرق قبله فيخرج بعده مني بعد البول، خرج ذلك قاطعا لمعنى المادة التي يلزم بها ثبوت الغسل لترك البول والغسل قبله، وثبت أن هذا المني حادث من النطفة الميتة، لأن البول خرج منظفا للمادة التي يجب بها الغسل ويختلف في لزوم الغسل منه. ويعجبني قول من لا يوجب فيه غسلا.
مسألة:
وإذا ثبت الاختلاف في الغسل إذا ترك البول لعذر ثم خرج منه المني قبل أن يريق البول بعد الغسل، فيعجبني قول من لا يوجب عليه غسلا، لأنه لنم يفرط، وكان له عذر فصلى على السنة ثبت أن لم يكن جنبا، أو لم يجب عليه اغتسال لمعنى قد زال عنه حكم الجنابة لحدوث المني. ولا يخرج المني بعد فتور الشهوة قبل البول ولا بعده، ما لم يكن متصلا في الوقت إلا النطفة الميتة.
وأكثر القول أن لا غسل فيها لاتفاقهم أنه لو وجد الشهوة ما لم ينزل، فلم ينزل حتى فترت الشهوة ثم خرجت. أن ذلك حكم الميتة، لأن حياتها الشهوة، وموتها زوال الشهوة، لذلك خروجها بعد انقطاع اتصالها بالماء الدافق والنطفة (1/347)
صفحة 347
الحية وزوال حكم الشهوة، وانقضاء حال ذلك لمثل ما يخرج معنى الاستبراء من البول مما يتصل في الإحليل منها وبها في معنى النظر والاعتبار.
وإنما يخرج ذلك تبعا له من بعد انقضاء الشهوة من مذب النطفة.
ولا يثبت في الحكم في الاستبراء من بول أو نطفة لما يأتي من غير ما هو متصل في الإحليل من البول والنطفة.
ومعنى ذلك لا يخرج في النظر أن يدوم في الإحليل من المتصل بالبول والنطفة أكثر من انقطاع ذلك، والاستبراء عنه بعد انقطاعه بثلاث نترات وما بعد ذلك فلا يخرج إلا حادث غير المتصل في الإحليل بالبول والماء الدافق من بعد ثبوت انقضائها فلا يثبت الاستبراء عنهما بأكثر من ذلك، وما خرج من الحادث غيرهما وغير حكمهما ليس من معناهما، ولا مما يستبرأ عنه عنهما.
وقد كان يعجبني ألا يجب عليه غسل، ولو لم يرق البول إذا كان قد انقطع مادة الماء الدافق واستبرأ عنه واغتسل، وانقطع معنى ذلك في النظر ومواده المتصلة به.
ولا أعلم فيه من قول أصحابنا قولا مصرحا به أنه غسل عليه.
وأما عامة قول قومنا أنه لا غسل عليه. فيعجبني ذلك من غير مخالفة مني لقول أصحابنا، لاتفاقهم أنه لو يستبرئ من البول، واستنجى، وتوضأ وصلى، ولم يعلم أنه بقي شيء مما يجب الغسل به في ظاهر الثقب. حيث يجب الغسل-أنه لا إعادة عليه في الصلاة، ولمعنى اتفاقهم أنه لو غسل وصلى ولم يرق (1/348)
صفحة 348
البول، فإن صلاته تامة، ما لم يأت بعد ذلك مني، ولا يكون المني بعد هذا إلا حادثا في معنى الاعتبار.
ولا يجوز أن يكون يصلي وصلاته تامة وهو في معنى الجنب. ولا يخرج هذا الحادث إلا على ما وصفت لك من حكم النطفة الميتة.
وقول: إن عليه الغسل إذا لم يرق البول واغتسل، إن خرج بعد ذلك منه مني، أو ودي.
وقول: لا غسل عليه إلا في المني، وهو معنى أنه يشبه أن يلحق فيه معنى الاختلاف.
وأما في المذي والودي، فيخرج شاذ من القول لمعنى الاتفاق أنه لا غسل في ذلك، ولمعنى الاتفاق أنه إذا غسل ولو لم يرق البول، أن غسله تام إذا لم يحدثمنه شيء. فلا يكون الحادث يوجب حكما قد ثبت ضده من الطهارة بمعنى الاتفاق بما قد ثبت أنه لا غسل منه لمعنى الاتفاق.
وإن كان وجوب الغسل من جماع الحشفة من غير إنزال نطفة، ولا حضور شهوة توجب إنزال الماء الدافق، فلا يبين لي على الجنب في هذا إراقة البول، لأنه لو خرج منه شيء بعد ذلك لم يكن حكمه إلا حكم الميت من النطفة: الحادث، والودي، أو من المذي والودي الذي لا غسل منه.
ولا أعلم أنه قيل، إن عليه من المذي والودي بول. بل قد قيل، إنه لا شيء عليه في ذلك. أعني أنه ليس عليه أن يريق البول من المذي والودي، ولا من أحدهما، ولا من النطفة الميتة على قول من يقول لا غسل عليه منهما. (1/349)
صفحة 349
وعلى قول من يقول إن منهما لغسل. فإنه يشبه ثبوت ذلك عليه على معنى الاستبراء.
مسألة:
وقيل: إنما يؤمر بإراقة البول، الرجال دون النساء. وليس على النساء في الجنابة إراقة البول، لأن مجرى البول منهن ليس من مجرى الجنابة، ولا من موضع الجماع، وليس لثبوت ذلك عليهن معنى بوجه من الوجوه، ولا للاستبراء مما يخرج منها، ولا ما يلج فيها من نطفة الرجل. فلا يجب عليها ذلك بغير معنى. (1/350)
صفحة 350
الباب الستون
في الجنب يغتسل بغير نية للجنابة
ومن أراد الاغتسال من الجنابة قدم نيته لذلك. وقال: يغتسل للجنابة طاعة لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ولا يسقط فرض الاغتسال ولا غيره من الفروض إلا بتقديم النية.
قال أبو مالك: لو اغتسل الجنب لغير الجنابة وهو لا يعلم بها، كان ذلك الغسل مجزئا له قال أبو محمد رحمه الله: وكنت أاظر أبا مالك في هذا وأقول، عليه أن يعيد الغسل.
واختلف الفقهاء فيمن أجنب ولم يعلم، ثم اغتسل لا للجنابة. فقول: يجزئه، وقول: لا يجزئه.
قال أبو محمد رحمه الله: وقول من قال يجزئ إغفال من قائله، لأن الجنب طاهر، والأمر له بالاغتسال عبادة. والعبادات لا تؤدى إلا بمقاصد وإرادات.
وهذا يصح لمن اعتقد أن الجنب نجس، لأن الطهارة من النجس تصح بغير إرادة.
فأما الأمر بتطهير الطاهر فهو عبادة لا يخرج منها المتعبد إلا أن يكون قاصدا إلى إنفذها.
ولو وضعفي كفه المنجنيق، ثم زج به في لجة البحر وهو جنب ولم (1/351)
صفحة 351
ينو غسلا للجنابة، ثم غاص في البحر، وطفا، وغاص وطفا، ما كان ذلك غسلا.
ولو أنه اغتسل بمد ونصف مد من ماء ونواه غسلا للجنابة، أجزأه ذاك.
مسألة:
قال المصنف: لعله أراد بصاع من الماء.
مسألة:
قال أبو الحسن: فإذا اغتسل للجنابة، ونوى به الصلاة أجزأه، ولا يجري يده على فرجه، لأنه قد غسله، فإنما يغسل ما بقي من الأعضاء. وليس عليه أن يتطهر للجنابة كما يتطهر للصلاة، وإنما يجب عليه الغسل فقط.
وإذا نوى بطهوره أنه للصلاة أجزأه. كان ذلك قبل الغسل أو بعده.
قال أبو محمد: قول، من غسل يديه كله وعركه ثم صلى ولم يتوضأ أجزأه.
قال: ويجوز لمن اعتقده واحتج بصحته ونظره، لأن الجنب بالاغتسال يسمى متطهرا، وهذا متطهر إذا لم يكن به نجاسة.
قال: والذي نختاره قول من ذهب إلى أن الجنب عليه فرض الطهارة من الحدث، وفرض الاغتسال من الجنابة، ولا يخرج منهما إلا بفعلهما، لأنه متعبد بإتيانهما. وإذا كان مأمورًا بإنفاذ عبادتين، وقد خوطب في الكتاب بفعلهما، لم يكن مؤديًا لهما إلا بإتيانهما، لقوله:"إِذَا قُمْتُمْ إِلَى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. " الآية. ثم قال:"وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّروا"، ففعل أحد الفرضين لا يسقط الآخر المأمور به.
ومن غسل بدنه كله ولم يتوضأ وصلى، أجزأه ذلك إذا نوى به الصلاة، على قول بعض، وإذا لم ينو بمعروف ولا صلاة، لم يجزئه.
ولو اغتسل وتوضأ ونوى أن يجعله وضوءً لنافلة، لم يجزئه ذلك للجنابة.
وعن عزان بن الصقر، رحمه الله، أنه إذا أحكم غسل وأكمله، فقد أجزأه ذلك من غسل الجنابة، علم بجنابته أو لم يعلم بها. والله أعلم.
مسألة:
اختلف أصحابنا في الجنب يغتسل للجمعة. فقول يجزئه للجنابة، ويكون بذلك متطهرا. وقول: لا يجزئه ذلك عن طهارته للصلاة من الجنابة. (1/352)
صفحة 352
قال أبو محمد رحمه الله: وهذا هو القول عندي.
وإن توضأ لنافلة، أو لجنازة، أو لقراءة، أجزأه أن يصلي به فريضة. وهذا بالاتفاق منهم فيما علمت.
فإن قيل: لم قلت إنه إذا اغتسل للجمعة، لم يجزئه للجنابة، وقد احتسبت له وضوء للنافلة من الفرض، فما الفرق وجميع ذلك نفل؟
قيل له: الفرق في ذلك أن عليه الطهارة، وأن ينوي رفع الأحداث، أن ينوي (1/353)
صفحة 353
ما نوى بتلك الطهارة، الفرائض والنوافل، فيغني ذلك عن نية رفع الحدث. فإذا صح ذلك، ثم توضأ لنافلة، والنافلة لا تؤدى إلا بعد رفع الحدث.
ولو أراد أن يصلي فرضا أو نفلا، أو قراءة قرآن، لما ندب إلى أن يتوضأ بالنية ثانية، لأن القصد في ذلك رفع الحدث، وقد رفع بطهارته الحدث. فلا معنى للأمر بإعادته.
وأم غسل يوم الجمعة، فليس القصد في ذلك رفع الحدث، وإنما القصد في ذلك تجديد الفعل من أجل الوقت.
والدليل على هذا أنه لو دخل عليه يوم الجمعة وهو مغتسل، أجزأه ذلك الغسل وما احتاج أن يغسل ثانية. فهذا يدل على أن القصد رفع الحدث كما قال ذلك فيما ذكرنا. والله أعلم.
مسألة:
قال أبو سعيد: قد جاء نحو هذا من الاختلاف. فقول: إذا غسل فأمثل ما يجزئه للغسل من الجنابة، أن لو قصد إليه أجزأه.
وقول: إن كان قد علم بالجنابة ثم نسيها فغسل أجزأه، لأنه كان قد علم، وكان مخاطبا بذلك، والناسي معذور. ولا يجزئه إذا لم يكن علم بها.
وفرّق صاحب هذا القول بين من لم يعلم بجنابته، وبين من علم بها ثم نسيها.
وقول: يجزئه على الوجهين جميعا، ومن وجه أن الغسل من الجنابة عمل، (1/354)
صفحة 354
ولا يقوم العمل إلا بالنيات. ويخرج أنه لا يجزئه ذلك إذا كان قد ونسي.
ويجزئه إذا لم يكن علم، كمن تيمم وفي رحله ماء، فقول يجزئه، وقول لا يجزئه.
وقول: إذا كان عالما بالماء فنسيه لم يجزئه التيمم، وإن لم يكن عالما به أجزأه التيمم.
والذي لم يعلم أشبه بالعذر، كمن صلى إلى غير القبلة ناسيا، ثم ذكر، أن عليه الإعادة في الوقت وبعده. ومن جهلها فنجزها، ثم علم، أنه لا إعادة عليه، علم في الوقت أو في غير الوقت.
ولا أعلم في هذين الفصلين اختلافا. ولعله يخرج في الاتفاق أنه لو علم وهو في الصلاة بنى عليها إلى القبلة.
قال: ويعجبني في هذا كله الغسل، أنه إذا حصل للجنب بنية أو بغير نية أنه يجزئه، وقد حصل له وأتى بما يجب عليه، لأن الغسل لا يستحيل إلى غير الغسل، كما أن الجنابة لا تستحيل إلى غير الجحنابة، إلا بالغسل. كالجنابة، أتت بنية أو بغير نية، فهي توجب الغسل.
مسألة:
ويخرج في الاتفاق أنه لو عارض البدن نجاسة فغسلها على غير قصد للنجاسة، ناسيا لنجاسته أو غير ناس، عالما بنجاسته، أو غير عالم. أن ذلك طاهر باتفاق. ولا أعلم اختلافا لأنه معارض، والمعارض يزول بالمعارضة بغير قصد.
ولو غسلها ولا يقصد إلى غسلها، وغسل غيرها من بدنه، أو غسل ما هي (1/355)
صفحة 355
عليه من بدنه دونها، كانت إرادته مستحيلة إلى ما أحالها من تقصيره، أو غير تقصيره، وثبوت زوال حكم النجاسة، وثبوت غسل موضعها محصول طهارتها بمعنى الاتفاق، كان في بدن أو ثوب، أو غير ذلك من المعارضات.
كذلك غسل الجنابة مشبه لغسل النجاسات، ومشبهة له في المعارضات.
مسألة:
ولو قصد بغسله الذي يقوم مقام غسل الجنابة إلى شيء غيرها أو عبث، أن ذلك ثابت له، لأن الله قد طهر به وإن كان مطهرا، مقصرًا في نيته، وليس غسل الجنابة من المعاني التي لا تصح إلا بالنية، لأن الحكم يقع على نفس المعنى من الطهارة بحصول الغسل، وليست كالزكاة، لأن الزكاة تكون فرضا ونفلا، فالنفل على حياله، والفرض حياله متفرقين، ولن يصحا إلا بنية جميعا إذا لم يكن المعنى وقع على نفس الشيء.
فلو أعطى المال كله بلا قصد إلى الزكاة، فوقعت في موضع لو قصد بها الزكاة أجزأت، كان ذلك قد وقع موقع الزكاة، إذا صار كله في موضعها ولم يستحل إلى غيرها، إلا أن يحال بالنية فإنها تحيله، أو تجعل المال جملة في غير موضع الزكاة.
ولو أعطى من المال فقيرًا أربعين درهما على غير قصد، كان قد أدى درهما، ولو قصد ذلك إلى الصدقة عليه، أو الهبة، أو صلته وبره، أو غير ذلك على وجه يكون جنة لماله، أو لنفسه مما يلزمه، أو مما يريد به المواصلة للمكافأة بالمال، ويحيله عن أمر الزكاة بالقصد. فإن ذلك ليس من أمر الزكاة، فإن ذلك يقع موقع الزكاة في حال، ويكون مؤديا للدرهم من زكاة ماله. (1/356)
صفحة 356
كذلك لما حصل الغسل للبدن ثبت له، ولم يستحل عنه إلى غيره، ولن يستحيل ذلك في حال إلى غيره، عمل بالقصد إليه او إلى غيره، أو على غير قصد كما لم يستحل غسل النجاسة المعارضة إذا حصل قصدها، أو لم يقصدها، أو قصد غيرها.
مسألة:
قال: معي أن الوضوء للصلاة أشبه ألا يقع إلا بالقصد والإرادة له وبه، لقوله تعالى:"وَإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا .. " الآية. فثبت بشبه الاتفاق أنه لو توضأ لوسيلة أن يصلي به الفريضة مع الاتفاق أنه كان مخاطبا بالوضوء لصلاة الفريضة. وإنما نهى أن يأتي الصلاة جنبا، لقوله:"وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا"
وهذا قد اغتسل، ولم يأت الصلاة إلا مغتسلا. فكيف إذا غسل يريد الوضوء لنافلة، أنه لا يجزئه عن الجنابة، وقد أجزأه وضوء النافلة عن الفريضة.
فإذا كان غسله لنسك، كان أثبت، لثبوت هذا، مع أنه قيل: لو غسل مواضع الوضوء غسل الوضوء ولم يقصد به وضوءً، ولم يصرفه إلى غير الوضوء، فإنه يجزئه ذلك للفريضة.
والغسل عندي أقرب من الوضوء، للمخاطبة بالوضوء بالقصد إليه، وبالنهي عن الصلاة إلا حتى يغتسلوا. (1/357)
صفحة 357
ولا يشبه الغسل إلا غسل النجاسات، لقوله تعالى:"وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ".
مسألة:
ولو وقع مجنون أو مغمى عليه في ماء، فجرى عليه غسل مثله، كان ذلك مجزيا. وليس كذلك الوضوء، لأنه لو كان متوضئا لنقض المجنون وضوءه بالاتفاق.
وكذلك لو غسله غاسل، كان ذلك غسلا بمعنى الاتفاق إذا قصد الغسل له إلى ذلك.
ولا يبين لي في هذا لحوق الاختلاف. لأن هذا فعل من فاعل بقصد.
ولو وضأه لما اعتقد باتفاق.
ومن الدليل على أنه ليس كالوضوء، ان الغسل لا تنقضه المعارضات كالوضوء في ابتدائه ولا في عمله، ولا بعد كماله. ولا يشبه الغسل شيء من اللوازم إلا ما هو مثله في الغسل للنجاسات ومن الحيض والنفاس، وكل غسل لازم.
ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنيات من اللازم، لكانت المجنونة إذا طهرت من الحيض فغسلت أو غسلت، أو أوتي عليها معنى ما تطهر به من الغسل، لن يحل لزوجها أن يطأها، ولو كانت بحالها على سبيل الحيض، وتقطع الصلاة على قول. وليس ذلك كذلك.
والغسل واقع بنفسه من فعل المغتسل، أو فعل غيره به، أو من الماء الواقع فيه (1/358)
صفحة 358
مسألة:
ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنية، لكان الختان مثله لا يقع إلا بالنية.
وإذا ثبت ألا يقوم الغسل إلا بالنية له، ولا يقوم الغسل يراد به الوضوء للنافلة، كما قال. فلا يقوم بشيء من الغسل إلا أن يكون غسل الفريضة. ولا أعلم شيئا من الغسل فريضة، إلا غسل الحيض.
وقد قيل: لو اجتمع على المرأة حيض وجنابة، فإن عليها غسلين، لوجوب كل واحد منهما على حياله.
وقيل إن عليها غسلا واحدا لاتفاقهما. قال وهذا أصح في الأصول، فلعل الأول يخرج قياسًا، والأصل أولى من القياس، ولو اختلف ما يجب به كل واحد على الانفراد وبالواحد من الأحداث ينتقض الوضوء، ويجب منه إعادة الوضوء على الانفراد.
ولو كان ذلك كذلك، كل ما وجب به الوضوء من حدث وجب به الوضوء، قتوالت الأحداث على المحدث، وكان عليه لكل حادث طهارة من الوضوء، لكان هذا قبيحا.
ولا أعلم أحدا قال بهذا. وإذا لم يصح هذا فمثله في الغسل، إن لم يكن الغسل أهون.
مسألة:
ولو اجتمع على المرأة غسل من شرك وحيض ونفاس وجنابة، أو أكثر من (1/359)
صفحة 359
ذلك لما كان في الأصول يخرج عليها إلا غسل واحد. ولولا ذلك لكان كلما جامع مرة أو أصابته جنابة مرة بعد مرة، لكان يجب عليه كل مرة غسل ما لم يغسل.
ولا فرق بينه وبين تزاحم الأصناف فيه من الأحداث الموجبة للغسل.
مسألة:
فإذا ثبت أنه لا يصح الغسل إلا بنية، لم يخرج هذا، لو غسلت امرأة من الحيض وقد كانت جنبًا ولم تعلم، أو نسيت جنابتها حتى غسلت الحيض على قول من يقول عليها غسلان. فمن قال عليها غسل واحد، فعجز لها، وأيهما قصدت إليه بالنية على علم بالآخر، أو نسيان أجزأها ذلك.
ولا أعلم أنه يخرج غير هذا. إلا أنه جائز وثابت لها غسلها منهما جميعًا بقصدها إلى أحدهما.
وأما على قول من يقول بغسلين، وأن الغسل لا يصح إلا بالنية، فلا يصح لها إلا ما قصدت إليه.
مسألة:
ولا أعلم أحدًا قال، إن في الجنابة، وإن اختلفت من احتلام، أو جماع، أو كان ذلك مرة بعد مرة، إلا غسل واحد.
ولو أصابته الجنابة ولم يعلم، أو علم ونسي، ثم أصابته الجنابة بعد ذلك وجامع فغسل، كان ذلك باتفاق يجزئه. وأما ما سوى هذا فلا أعلم أنه يخرج إلا
بمعنى الاختلاف من القول، كأن الغسل فريضة أو سنة أو وسيلة، فقصد إليه على هذا لم يخرج بالاتفاق مجزيا له عن غسل الجنابة إلا من وجه الجنابة على الاختلاف.
مسألة:
فأما ثبوت الوضوء بغسل الجنابة بنفس الغسل، ولو قصد الغاسل إلى غسل الفريضة على علم منه بذلك وبنية: ولم يقد بذلك إلى الوضوء، فيخرج في مجمل القول أنه إذا غسل من الجنابة، قام ذلك مقام الغسل في الوضوء.
وقال بعض: إن الوضوء الأكثر يعني غسل الجنابة. وذلك إذا غسل موضع الأذى والمواضع التي ينقض الطهارة مسها.
ولعل في قول، أنه لو غسل شيئًا من جوارح الوضوء في الغسل، ثم مس فرجه ثم أتم ما بقي من يديه ومن جوارح وضوئه التي غسلها، قيل إنه يجزئه الوضوء، إلا أنه يكون إذا لم يقصد به الوضوء للصلاة، وإنما قصد به إلى الغسل، فإنما يكون ذلك نفلا، لأن غسل الجنابة والفرض قد حصل في الأول. وهذا على قول من يجيز الوضوء على غير الترتيب.
ومعي، أنه يخرج ألا يجزئه الغسل للوضوء، ولا ينعقد وضوءه إلا أن يعتقده غسلا ووضوءً، (1/360)
صفحة 360
ولا يمس ما ينقض.
ويخرج ما قيل، أنه لا يقوم الغسل بفرض الغسل بفرض الغسل وفرض الوضوء جميعًا على قول من يقول إن للحيض غسلا، وللجنابة غسلا، وأنه لا يقوم بهما غسل واحد. (1/361)
صفحة 361
وإذا ثبت هذا في الغسلين مع اعتقادهما وفي الوضوء أقرب أنه لا يجزئ.
وإذا ثبت هذا، فلا يجزئ الوضوء بغسل جوارح الوضوء، لأنهما فريضتان على الانفراد، والفريضتان جميعًا تصحان بغسل واحد، فإن اعتقد الوضوء لجوارحه لفرض الوضوء، قام ذلك مقام فرض الوضوء والغسل، وكان مؤديا لهما بعمل واحد.
فإذا قصد إلى الغسل من الجنابة بعد الطهارة من النجاسة فأتى على جوارح الوضوء، كان مؤديا للفرضين جميعًا بمعنى واحد.
وكذلك لو اتفق عليه أكثر، كانت كلها داخلة في بعضها بعضا، وكان بالفعل الواحد مؤديا لها، وله ثوابها كلها، كما لو بات من معاص كثيرة كان باستغفار واحد، تائبا منها كلها، مع النية لذلك.
مسألة:
ولو غسل من الجنابة وهو يريد الوضوء لنافلة، قام الغسل والوضوء مقام الفرض، لأن قصده الغسل من الجنابة ليصلي نافلة قصد إلى الفريضة، لا يستحيل إلى النافلة ولو قصد إلى غسل الجنابة يعتقده نافلة لكان مستحيلا على قول إلى الفريضة. ولهذا قام الغسل مقام الوضوء.
وقيل: في من أصبح في رمضان معتقدا صوم نافلة، أن نيته مستحيلة عن النافة إلى الفريضة.
وقول: عليه بدل يوم. والأول أثبت. (1/362)
صفحة 362
قال: والغسل على حال أثبت حجة من الصوم، لأن الصوم إلى الإفطار لمعنى، من مرض أو سفر، فيكون مفطرا في رمضان ويستحيل إلى غيره.
والغسل لازم لا يستحيل إلى الطهارة، ويخرج من حد الجنابةز
وقول: لو قصد إلى الغسل من الجنابة وضوءً للنافلة في جملة نيته، لكان يقع الغسل فرضا والوضوء نافلة، لأن الوضوء قد يقع موقع الفريضة وموقع النافلة. (1/363)
صفحة 363
الباب الواحد والستون
مايجب به الغسل من الجنابة
والذي يجب به الغسل: خروج المني، وإيلاج الحشفة في الفرج، والارتداد عن الإسلام والحائض والمستحاضة والنفساء.
مسألة:
من كتاب الأشراف: اختلفوا فيمن جامع امرأته ولم ينزل. فقول طائفة: لا غسل عليه. وقول: الماء من الماء، وأوجبت طائفة الاغتسال إذا جاور الختانان.
قال أبو سعيد: القول الأول لا معنى له، لثبوت الاغتسال بكتاب الله عز وجل بالملامسة وأن الجماع الذي يجب به حكم الجماع، أنه بالتقاء الختانين ومغيب الحشفة.
وكذلك يخرج بالاتفاق، أنه إذا غابت الحشفة مجامعا في ذكر أو أنثى، في قبل أو دبر من الأنثى، أن الغسل لازم للجميع، الناكح والمنكوح.
وأحسب أنه كان يخرج خطأ كان أو عمدًا، وكذلك مغيب الحشفة في جميع فروج الدواب. فما معنى أنه يجب منه الغسل ولو لم ينزل. وثبوت السنة وجوب الغسل في مثل هذا. وفي الحديث عن عمر، إذا التقى الرقعان فقد وجب الغسل. واحدهما رقع والجمع أرقاع وهو مابين الإليتين وأصول الفخذين. وهو من المعاير. ويقال رفع ورفع لغتان والمعاير الأرقاع والإباط، الواحد معير.
قال الشماخ:
وَقَدْ عَرَقَتْ مَغَانِيهَا وَجَادَت ... بِدِرَّتِهَا قِرَى حَجَنٍ قَنِينٍ (1/364)
صفحة 364
الحجن القراد. وفي نسخة حجن بفتح الجيم. يقول: جاء يطلب المطعم. وجادت بقراءة العراق.
والقنين الزهيد. يقال: امرأة قنين إذا كانت بينة الزهادة. وقراد قنين: إذا كان قليل الدم.
قال الشيخ أبو محمد: لم أعلم أحدًا من أصحابنا أسقط الغسل في الإكسال. واعتمادهم في ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: إذا التق الختانان وجب الغسل.
قال: وهذا هو الصحيح عندي، لأن الإكسال هو انكسار الذكر قبل الإنزال. كذا ذكر ثعلب في كتاب: خلق الإنسان.
قال بعض الشعراء:
وَلَسْتُ بِخَوَّانٍ جَارِي وَإِنْ نَأى ... مُحَافَظَةً مِنِّي وَإِنْ غَابَ جَارِيَا
أَلَا إِنَّ فِي الإِكْساَلِ حَدًّا دَرَأْتُه ... بِتَرْكِهِ إِخْلَالا لِمَنْ قَدْ يَرانِيا
يريد أن البغية من الوطئ الإنزال، فقد أفعل فلا أتمكن من اللذة بالإنزال والحد قد وجب. يقال: أكسل إذا غشى فلم ينزل. ويقال: كسل يكسل في معناه قال العجاج:
عَنْ كَسَلَا لِي والجَوَادُ يَكُسِّلُ ... عَنِ السِّفَادِ وَهْوَ طَرْفٌ هَيْكَلُ
وأصله من الكسل وهو الضعف، والهيكل الفرس الطويل علواً وعدوًا. (1/365)
صفحة 365
مسألة:
أم كلثوم عن عائشة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن م جامع أهله ثم يكسل هل عليه غسل؟ وعائشة جالسة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل.
ومن وطئ زوجته في الدبر فعليهما الغسل إذا أغمض الحشفة وإن لم ينزل فعليه إثم، وإن كانت متابعة له على ذلك. فهي أيضًا آثمة.
وقال بعض: لم أعلم أن على الموطأة في الدبر غسلا، وإنما الغسل كما قال الله تعالى:"أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ" في الموضع الذي أمرتم به،"وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا". فهذا أمر الكتاب. وما زالت عليه السنة من التقاء الختانين. وليس في ذلك الموضع جنابة تخرج من الواطئ، ولا الموطأ، ولا هو موضع جماع يقع فيه التقاء الختانين في الفرجين بثبوت الاتفاق عليهم من غيره، من معاني ما يثبت ذلك لمعنى الجابة في النساء.
وأما في الحال فكله يتساوى لثبوت معنى لا يشبه فيه الاختلاف في التقاء الختانين، ولا موضع جنابة، وإنما هو نجاسة محرمة على الفاعل والمفعول به. والقول الأول عن محمد بن محبوب رحمه الله. والله أعلم.
مسألة:
ومن وجد شهوة القذف للماء الدافق فأمسك على الإحليل إمساكا كما يمنعه خروج ذلك، فلما تركه وسكن. خرج، فعليه الغسل. فإن كان ذلك إنما يخرج (1/366)
صفحة 366
بعد السكون من الاضطراب ولم يكن ممسكا عليه إمساكا يمنع خروج ذلك، فلا غسل عليه.
مسألة:
أبو سعيد: ثبوت الغسل بمعنى الإجماع إذا غابت الحشفة في جميع ذوات الأزواج من الدواب، والبشر من أنثى وذكر، في قبل أو دبر، أن على المجامع من الرجال في ذلك الغسل، ولو لم ينزل الماء الدافق.
وجاء في ذلك شبه الاتفاق من أصحابنا. وأرجو له عن قومنا لا أعلم اختلافا.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب ثبوت الغسل بمعنى الجماع –ولو لم ينزل- من ذكر أو أنثى في قبل أو دبر.
فأما في مغيب الحشفة، والتقاء الختانين فبالنص من القول. فأما في الدبر فإن لم يكن بالنص فبمعنى ما يشبهه. فإذا غابت الحشفة في الدبر ولو لم يكن ثم ختن، وجب معنى الغسل بثبوت الجماع.
ومعنى ثبوت الاتفاق أن الجماع يوجب الغسل من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واتفاق أهل العلم، وهو قوله عز وجل:"أَوْ لَامَسْتُم النِّسَاءَ". وصح أنه الجماع.
وقال عز وجل:"وَإِنْ كُنْتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا". والجنب يثبت عليه الغسل بكل ما كان جنبا به. (1/367)
صفحة 367
فلما اتفقوا أن الجماع الموجب للغسل، ويوجب الحد في الزاني، ويوجب العدة، وهو أن تغيب الحشفة، ويلتقي الختانان في القبل من المرأة، ثبت أه بمغيب الحشفة يحصل معنى الجماع، في الدبر من ذكر أو أنثى بما يوجب حد الزنا والغسل، لأنه لا معنى لالتقاء الختانين، وإنما صح أنه لما غابت الحشفة في القبل، كان ذلك ملتقى الختانين. لأن الختان من المرأة لا يلقاه الختان من الرجل، وإنما هو يساويه ويصير بحده، فيثبت أنه بمغيب الحشفة وجب الغسل، والحد، لا معنى لالتقاء الختانين. لأنه يخرج في الاتفاق أنه لو مس الختان الختان بوجه من غير أن تغيب الحشفة في الفرج، لم يكن ذلك التقاء الختانين في الجماع، ولا موجبا للغسل ولا العدة ولا الحد.
فلما أن ثبت هذا كذا، كان مغيب الحشفة في الدبر من ذكر أو أنثى، من البالغين أو الصغار موجب لثبوت الجماع من المجامع والمجامع، وموجبا على البالغين منهم الغسل والحد في الزنى.
مسألة:
وإذا كان المجامع للصغير بالغًا، وكان الصغير ممن يعقل الصلاة، ففي الغسل عليه اختلاف. فقول: عليه الغسل لثبوته للصلاة، وأنه لا صلاة إلا بغسل وطهور. إذ جاء الأمر، أن الصلاة على من عقل.
وقول: ليس على الصغير غسل من جماع، لأنه ليس من المتعبدين. مجامِعا أو مجامَعا.
وكذلك قيل: إذا كان المجامع بالغا والمجامع صغيرا غير بالغ، إلا أنه يحد (1/368)
صفحة 368
من يجب عليه الغسل في الاختلاف، فيلحق المجامع البالغ الاختلاف.
قال: ويعجبني قول من لا يوجب على البالغ من جماع الصغير غسلا، لأنه قيل إن ذكر الصغير مثل أصبعه في مثل الجماع فيما يوجب الحد والعدة، ويحل المطلقة ثلاثًا، ويفسد النكاح من الممسوس.
ويخرج في الاتفاق أنه لو أدخل بالغ أصبعه في فرج بالغ من دبر أو قبل، من أنثى أو ذكر، فإن ذلك ليس مما يوجب حكم الجماع في وجه من الوجوه، من حد أو غسل أو عدة.
فلما ثبت هكذا كان لا معنى لإدخال ذكر الصبي في الفرج إذا كان كأصبعه.
ولعله إذا صار بحد من يشتهي الجماع، أو رأى هو ذلك، لحقه الاختلاف في دخول الشبهة من وجوب ذلك.
مسألة:
وأما الرجل [البالغ] إذا جامع صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى فغابت الحشفة منه في قبل أو دبر، فقد لزمه معنى الجماع، وثبت عليه حكمه من وجوب الغسل، والحد على التعمد، ووجوب الحرمة فيما يوجب ذلك في النكاح.
وقيل: إذا غابت الحشفة خطأً أو عمدًا فقد وجب الغسل، وكذلك يجب الفساد في النكاح والعدة في الطلاق، وإحلال المطلقة ثلاثًا. وأما في وجوب الحد في الزنى فلا أقول ذلك أنه يجب بالوطء خطأ، لأن الخطأ لا يوجب معاني العقوبة، وقد يوجب معاني ما يثبت به من الأحكام في غير معاني العقوبة. (1/369)
صفحة 369
مسألة:
وإذا ثبت بمغيب الحشفة في القبل والدبر من الرجال والنساء والصغار والكبار من الناس، ثبت مثله في شيء من الدواب، من قبل منها أو دبر. لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى: اقتلوا البهيمة وناكحها.
وإن اختلف معاني ما يجب في حكم ذلك في الحد، فلا يخرج له من ثبوت الغسل، أنزل الماء الدافقأو لم ينزل، بثبوت الجماع، وذلك بما يجب الحد، ولا يوجب الحد الإجماع.
مسألة:
وكذلك ثبت عندي معنى هذا في مجامعة الإنس للجن من ذكرانهم وإناثهم إذا صح وثبت بالمشاهدة وعلى المعرفة، وعلى البالغين من الجن في ذلك، ما على البالغين من الإنس، وذلك إنما يكون في الفرجين من المتعبدين، أو من الدواب كلها مما يثبت معنى الفروج والجماع فيها من القبل والدبر. بمغيب الحشفة يجب الغسل على المتعبدين ويجب الحد على الزنى.
مسألة:
وإذا ثبت هذا كله، وكذلك من أوطأ نفسه من ذكر أو أنثى من البهائم، ثبت عليه الغسل في التشابه. فينظر في ذلك فإنه قديخرج معنى زوال ذلك على ثبوت قول من يقول إن فرج الصبي كأصبعه، وذلك بمعنى إذا زايل عنه التعبد، وخروج معنى الاتفاق، وأن المجامع الصغير يثبت عليه حكم الجماع. (1/370)
صفحة 370
مسألة:
ولو غابت الحشفة في غير الفرجين يريد به الجماع وقضاء الشهوة في شيء من المناسم، من ذكر أو أنثى، من زوجة أو غيرها، لم يكن بذلك معنى ثبوت الجماع فيما يوجب به الغسل، كما يكون ذلك في الفرجين.
مسألة:
قال: ومعي أن ثبوت معنى الغسل بحصول الجماع على الذكر والأنثى من البالغين، أشبه بثبوت الاتفاق عليهم من غيره من معاني ما يثبت من ذلك بمعنى الجنابة في النساء.
وأما في الحال فكله يتساوى، لثبوت معنى ما لا يشبه فيه الاختلاف.
وأما المذي والودي وما دون المني، فلا أعلم أنه يجب به غسل، إلا لمعنى ثبوت الجماع أو من المني، فلا أعلم الغسل يلزم إلا بأحد هذين.
فأما الرجال، فلا أعلم في ثبوت الغسل عليهم من هذين الوجهين اختلافا.
وأما النساء، ففي لزوم الغسل لهن من الجنابة اختلاف. والله أعلم. (1/371)
صفحة 371
الباب الثاني والستون
في الغسل على من رأى الجماع وما أشبه ذلك
الأشراف: دل خبر رسول الله صل الله عليه وسلم، على من احتلم أن يغتسل.
وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي.
قال أبو سعيد: إنما يجب الاغتسال من الاحتلام إذا أنزل الماء الدافق. وأما إنزال الماء كان في الاحتلام في منام أو يقظة بجماع أو غيره لثبوته جنبا، وهذا ما لا يخرج فيه عندي اختلاف.
وليس لمعنى الاختلاف يجب الغسل، ولا أعلم اختلافًا.
مسألة:
وأجمعوا على أنه إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع، ولم يجد بللا، أن لا غسل عليه.
قال أبو سعيد: هذا إذا لم يجد بللا في الوقت. وأما إذا لم ينتبه، أو انتبه فلم ينظر، ولم يلمس بقدر ما يمكن جفوف ذلك بعد خروجه، ثم لمس بللا، فقد وقع عليه الإشكال، ولزمه الغسل عندي فيما قيل. ويخرج على الاحتياط لا الحلم.
مسألة:
ومن رأى أنه جامع ودفق الماء، فلما استيقظ لم ير ماء دافقا، ورأى بلة قليلة. (1/372)
صفحة 372
قال: إن كانت البلة من الماء لدافق، فعليه الغسل، وإن كانت من المذي فلا أرى عليه غسلا.
أبو محمد: وقوله رأى الجماع، ورأى بلة فعليه الغسل، فالنظر لا يوجب عندي أن عليه الغسل، وعندي أنه احتياط في الدين.
وقوله: عليه الغسل، إلزام فرض. والله أعلم.
مسألة:
أبو سعيد: يخرج في الاتفاق أن الغسل لا زم لكل من خرج منه المني من الرجال، في نفضة، أو منام، بمعالجة، لقوله عز وجل: "وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا".
وثبت في الاتفاق أن الجنابة هي الماء الدافق، وهي المني، وهو على الاتفاق ما خرج بالشهوة.
وقال فيما يدل على الجنابة بالاحتلام قوله تعالى:"وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ"، فثبت أنه بإنزال النطفة، ولولا ذلك لكان لا يتعرى الصبي من الاحتلام، وهو صبي.
مسألة:
وأما إذا وجد الشهوة واضطرب الإحليل، تم سكن، ثم خرج منه نطفة، (1/373)
صفحة 373
فتلك نطفة ميتة وقد يلحقها اسم الجنابة في الشبهة لها. ويختلف في لزوم الغسل منها.
قال: وأحب ألا يلزم غسل وإن اشبهت الماء الدافق، كما لا يجب بدم الاستحاضة ترك الصلاة وإن أشبهت دم الحيض، ولا تنقضي بها العدة.
والنطفة الميتة تشبه المني في ثبوت الاستنجاء والنقض للوضوء، ولا تشبهه في ثبوت الغسل ولزوم الأحكام في البلوغ.
مسألة:
وإذا خرجت النطفة بحضور الشهوة التي بها خروج الماء الدافق بعد سكون الاضطراب أو فيه فتلك هي الجنابة، ولو خرجت لمعنى الشهوة التي يكون بها ذلك على غير اضطراب، ولا انتشار، كان ذلك هو الماء الدافق.
ولو خرجت في الانتشار والاضطراب بغير حضور تلك الشهوة، كان حكمه حكم النطفة الميتة إن كانت نطفة، وإلا فهو من المذي إلا أن يكون يمسك ذلك بيده، أو شيء مما يختصر به في الإحليل حتى تفتر الشهوة وتسكن، ثم تخرج النطفة ويدخلها الريب، ويحتمل فيها الميتة والحية، لأنه يمكن أن تكون قد خرجت بعد زوال الشهوة. والاغتسال هاهنا أحوط، وليس بحبسه في الإحليل مما يزيل حكمه إذا ثبت خروجه، لشهوة سواء كان خروجه في يقظة أو منام.
وفي المنام أقرب إلى أن يدرك مثل هذا، لأن الاحتلام قد يوجد غير الحقيقة (1/374)
صفحة 374
في معنى وجود الشهوة. وليست بالشهوة التي هي على غير الحقيقة، لأن الرؤيا ليست بالحقيقة. ولما أن ثبت الاحتلام أشبه النقض على حال.
مسألة:
وأما إذا رأى الجماع في المنام وما يشبهه، ووجد الشهوة أو لم بجدها، ثم انتبه فوجد بللا في حينه، لم يعلم أنها نطفة خرجت بالشهوة حين رأى واستيقظ بالشهوة، لأنه يمكن خروج البلل بعد الشهوة.
ولا أعلم اختلافا، إلا أنه يلزمه الغسل وإن وجد الشهوة مع ذلك كان أقرب من دخول الشبهة، وأولى بالخروج من الريب. وإن لم يكن لها رائحة النطفة فلا غسل عليه.
وقول: وإن وجد مع ذلك عرقا يشبه رائحة النطفة، كان أقرب من الريب.
وما لم يصح بالحقيقة فلا يخرج بالحكم. وربما خرج من الاحتياط ما يشبه الحكم من تقاربه في التساوي.
مسألة:
وإذا لم ير في المنام شيئا من الاحتلام بجماع أو شبهه، من لمس أو ما يقرب إليه، وانتبه فوجد بللا، لم يعرفه نطفة أو غيرها، فعليه الغسل حتى يعلم أنه ليس بجنابة.
وقول: لا غسل عليه حتى يعلم أنها جنابة. وقول: إن كان لها رائحة (1/375)
صفحة 375
النطفة فعليه الغسل وإن لم يكن لها رائحة النطفة فلا غسل عليه، لأنها قد تكون ميتة. وهذا كله من الاسترابة والاطمئنانة لا على الحكم بلزوم شيء ولا زواله.
مسألة:
وأما إذا رأى الجماع أو شبهه من المس وما يقرب إلى الشهوة، ووجدها أو لم يجدها، ثم انتبه في حينه، فلمس فلم يجد شيئا، ثم خرج منه من بعد بلل لا يعلم أنه ماء دافق فلا غسل عليه حتى يعلم. ولا أعلم فيه اختلافا، إلا أن يدرك الشهوة بعد نفضته التي بها يخرج المني فلم يجد، ثم خرج في بقيتها، فعليه الغسل، ولأنه يبين لي اختلاف.
مسألة:
وأما إذا انتبه من حينه فلم يلمس، فعليه الغسل في الاحتياط. لأنه لو لمس فوجد بللا كان يشبه الاتفاق أن عليه الغسل، وإن كان على الاحتياط. فلما لم يلمس حين ذلك احتمل أن يكون قد خرج منه شيء، أو لم يخرج فيلزمه حكم الريب. وأرجو أنه قد يخرج أن ليس عليه غسل في الحكم. وهذا أقرب من الذي لمس فوجد، لأنه آكد.
مسألة:
وقيل، إنه لو انتبه فلم يلمس بقدر ما يمكن أن يخرج منه شيء ويجف، ثم لمس فلم، لعله، يجد شيئا، أن عليه الغسل. وهذا يخرج على الفصل الذي لم يلمس، ويخرج فيه الاختلاف. (1/376)
صفحة 376
مسألة:
ويعجبني قول من يأمره بالغسل على الاحتياط. وإذا ثبت هذا، أشبه أن لو مضى مضى في نومه ولم يستيقظ فلمس أو لم يلمس بقدر ما لو كان خرج منه شيء جف، فلما استيقظ لم يجد شيئا، لأنه قد دخل عليه الشبهة.
وإذا ثبت هذا ولم يعرف ما نام قليلا أو كثيرا وأمكن ذلك جميعا، لم يتعر من دخول الشبهةعليه، ووجوب الخروج من الاسترابة للامكان، إذا لم يخرج بالحقيقة أو ما يشبهها من الاطمئنانة.
مسألة:
وإذا رأى الجماع أو ما يشبهه، ثم وجد بعد نفضته نطفة في بدنه أو ثوبه الذي نام فيه، فعليه الغسل من مثل هذا.
مسألة:
وإذا رأى الجماع أو ما يشبهه، ثم رأى مثل هذا رطبا أو يابسا، فتبين أنها نطفة، خرج وجوب الغسل عليه بما لا يبين فيه اختلاف، وربما تقارب الأحكام، ولا يخرج على الاحتياط ما احتمل بوجه أن يكون من غيره، أو نطفة ميتة ولو ثبت أنها نطفة.
مسألة:
وأما إذا لم ير الجماع ولا ما يشبهه، ثم رأى في شيء من بدنه أو ثوبه نطفة يحتمل أن تكون منه أو تكون من غيره. ففي الاحتياط يلزمه الغسل على العرف. (1/377)
صفحة 377
والعادة أن مثل ذلك لا يكون من غيره. فقول: في مثل هذا عليه الغسل وبدل الصلاة من آخر نومة نامها إن كان في بدنه، أو آخر نومة نامها في ذلك الثوب الذي رآها فيه، وهذا كله يخرج على الاحتياط لا الأحكام. وبعضه أقرب من بعض.
وهذه المعاني وإن خرجت على الاحتياط، فالقول فيها يشبه الاتفاق بوجوب الغسل عليه. والله أعلم. (1/378)
صفحة 378
الباب الثالث والستون
في الغائط ومعانيه ومواضعه وما جاء فيه
الغائط ليس هو الحدث، وإنما هو مكان الحدث. كنى عنه باسم المكان. والغائط هو ما اطمأن من الأرض، فأجرى على الاسم. كما يسمى الحدث النجو، والنجو مأخوذ من النجوة، والنجوة ما ارتفع عن الأرض فكأنه استتر بنجوة من الأرض إذا أراد الحدث باسم المكان.
وجمع الغائط أغواط وغيطان.
قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي:
*هُبُولُ أَغْوَاطٍ إِلَى أَغْوَاطِ*
وقال رؤبة:
وَكَمْ غَائِطٍ مِنْ دُونِ سَلْمَى ... قَلِيلٍ الأُنْسِ لَيْسَ بِذِي كَتِيعِ
والتغويط كناية لفعله. ويسمى الحدث أيضًا رجعيًا، لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما وعلفا إلى الحالة الأخرى.
وجاء الحديث: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بعظم أو رجيع. وكذلك كل ما رجع من قول أو فعل فهو رجيع. (1/379)
صفحة 379
والرجيع يقع على الروث وعلى حدث الناس كليهما. وفي الحديث: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بغظم في الاستنجاء أو روث، فرده وقال: إنه ركس. معناه أنه رجيع إلى حالته الأولى.
يقال: ركسته وأركسته إذا أعدته إلى أمره الأول. ويقال للقوم: ركسوا وأركسوا بمعنى.
مسألة:
والعذرة إنما هي الفناء والأفنية هي العذرات. فسمي ذلك بما يلقون فيه.
وفي الحديث: اليهود أنتن خلق الله عذرة. وفي الحديث: اتقوا عذراتكم. أي أفنيتكم.
وقال الرقيات:
رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُمًا دَفَنُوها ... بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ
كَانَ لَا يَحْجُبُ الصَّدِيقَ وَلَا ... يَعْتَلُّ بِالْبُخْلِ طَيِّبَ العَذِرَاتِ
العذرة في الأصل.
وربما سمت العرب فناء الدار عذرة لإلقائها به. والجمع عذرات.
قال الحطيئة:
لَعُمْرِي لَقَدْ جَرَّبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُم ... قِبَاحَ الوُجُوهِ سَيِّئِي الْعَذِرَاتِ (1/380)
صفحة 380
مسألة:
وكذلك النجو والنجوة: الارتفاع. ومنه قولهم: ذهب بنجوة، كما قالوا ذهب يتغوط إذا ذهب إلى الغائط لذلك الأمر.
والنجا أيضا مقصور: ما ألقيته على الرجل من اللباس، أو سلخته عن الشاة والبعير وكتابته بالألف. يقال أنجوته عنه إذا ألقيته عنه.
قال الشاعر:
فَقُلْتُ انْجُوَ عنْهَا نَجَاءَ الْجِلْدِ إِنَّهُ ... سَيُرْضِيكُمَا مِنْهَا سَنَامٌ وَغَارِبُهُ
وقالوا ذهب إلى المخرج وإلى المتوضأ وإلى المذهب وإلى الخلاء وإلى الحُشّ، وإنما الحُشّ القطعة من النخل وهي البستان.
وكانوا بالمدينة إذا أرادوا قضاء الحاجة دخلوا النخل لأنه أستر، فسمي المتوضأ الحُشّ، وإن كان بعيدا من النخل. كل ذلك هربا من أن يقولوا ذهب ليفعل كذا باسم الفعل نفسه.
وكل شيء ما سوى الاسم نفسه من قولهم: رجيع ورجع وإبراز وغائط فهو كناية.
والكنايات حسنة، والتصريح جائز. والعرب تقول: اللحم أقل الطعام نجوا.
مسألة:
والحُشّ: الكنيف. والكنيف أصله الساتر. ومنه قيل للترس كنيف (1/381)
صفحة 381
أي ساتر. وكانوا قبل أن يحدث الكنيف يقضون حوائجهم في النزاحات والصحاري. فلما حفرت في الأرض آبار تستر الحدث سمي كنيفا.
والكنيف: الحصيرة تلوى على الإبل.
قال الشاعر:
أَلَا إِنَّ أَصْحَابَ الْكَنِيفِ وَجَدْتُهُمْ ... كَمَا النَّاسُ إِمَّا أَرْمَلُوا أَوْ نَمَوَّلُوا
يعني أصحاب الحصير على الإبل. وقال الله تعالى:"مَا الْمَسِيحُ بْبُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ" إلى قوله تعالى:"كَانا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ". كناية من أحسن الكنايات وأدقها. لأن من أكل الطعام كان منه الحدث والبول. فكنى عن ذلك بألطف كناية باختصار ونهاية. وقوله هذا كناية عن قضاء الحاجة بإجماع لأن من أكل الطعام في الدنيا أنجى. ويقال: أنجى ونجا، إذا قام إلى حاجة الإنسان فهو ذاك.
مسألة:
وكذلك قال الله تعالى: "وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا، قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء". إنما هو كناية عن الفروج.
مسألة:
والخلا مقصورا موضع قضاء الحاجة البطن. والخلا من الكلأ وهو الحشيش مقصور، الواحدة خلاوة ويسمى المخلاة، لأنهم كانوا يخيلون لدوابهم فيها. (1/382)
صفحة 382
قال الأعشى:
وَحَوْلِيَ بَكْرٌ وَأَشْيَاعُهَا ... فَلَيْسَتْ خَلَاةً لِمَنْ أَوْعَدَتْ
والخلاء من الخلوة ممدود. قال عمرو بن كلثوم:
نُرِيكَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى خَلَاءٍ ... وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونُ الْكَاشِحِينَا
مسألة:
قوله تعالى:"أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِمَ الْغَائِطِ". قال الختاتي: إنما هو جاء الحائط من أحدكم وهو من المقلوب.
مسألة:
يقول: أتى الغائط، وتغوط، إذا أتى المكان المطمئن من الأرض ليستتر به.
والغيطان: الأماكن المنخفضة. وكذلك غار الرجل أتى إلى الغور، وهو المنخفضة أيضًا من الأرض. وأغار بالألف من الغار. وأنجد، إذا أتى النجد وهو المرتفع من الأرض.
مسألة:
ويقال: غاط فلان يغوط غوطا، وطاف يطوف طوفا إذا أحدث وقد عسر عليه طوفه من بطنه. وفي الحديث لا يتحدث اثنان على طوافهما.
وقال عسيب:
خَلِيَّانِ حَتَّى سَدَّ مَعْرَضَةً ... وَكَادَ يَنْفُذُ لَوْلَا أَنَّهُ طَافَا (1/383)
صفحة 383
ويقال: لما غلظ الجعر. وقدما، لعله قيل ما يبس في الدبر، أو خرج يابسا. وفي الحديث أن عمر قال: إني رجل مجمار البطن.
ويقال لما رق منه: سجه سجًّا وسكه سكًّا. فإذا حبس عليه بطنه قيل لطم عليه بطنه، ولطم أيضًا، وأصابه أُطام وإِطام.
مسألة:
ويقال: أجد في بطني مغسًا ومغصًا، جزما، ولا يقال ذلك محركا. وقد مغس الرجل يغمس مغسا، ممغوس. ويقال لاعتقال البطن: الحُصر، ولاحتباس البول: أسر. يقال: حصر عليه بطنه وأحصر، وأسر بوله يؤسر أسرا.
مسألة:
ويقال لأول ما يخرج من بطن المولود قبل أن يطعم شيئا: العقي. وقد عقي يعقي عقي، فإذا أطعم شيئا، فما خرج منه فهو الطوف ومن العقي.
قال ابن العباس حين سئل عن المرأة دخلت على قوم فأرضعت صبيًّا، قال: إذا عقي حرمت عليه وما ولدت. وإنما ذكر ابن عباس العقي هاهنا ليعلم أن اللبن قد صار في جوفه، فلهذا جاء التحريم. والعقي: الاسم، العقي المصدر.
مسألة:
والجمع بين العذرة، والغوا، والغواء (1) ممدودًا اسم الدبر. وهو أيضا الفيفور والغرقم: اسم الحشفة.
مسألة:
جاء في الحديث: لا لحاقن، ولا لحاقب، ولا لخارق. والحاقن حقل البول، والحاقب من العذرة شبه بحامل الحقيبة فقال بعير محاقن وهو الذي يحقن البول إذا بال أكثر.
ويقال: حقن يحقن ويحقن.
وإذا تعسر البول على البعير، قيل حقب يحقب حقبا، فهو بعير حقب.
مسألة:
والخارق الذي ضاق عليه الخف فحرق قدمه وضغطها. وهو فاعل بمعنى مفعول مثل دافق.
مسألة:
__________
(1) كذا في الأصل (1/384)
صفحة 384
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل زباء. قال الكسائي: هو الحاقن بوله يقال منه: قد زبأ بوله يزبأ زباء إذا احتقن فأزبأ بوله إذا حقنه.
قال أبو عبيدة: وهو الزباء ممدود. والأصل من الضيق. وكل شيء ضيق فهو زباء.
قال الأخطل وهو يذكر القبر:
وَإِذَا قَذَفْتَ إِلَى زَبَاءٍ قَفْرٍ لَهَا ... غَبْرَاءَ مُظْلِمَةً مِنَ الْأَحْفَارِ
سمي الحافر زباء لأن البول يجتمع فيضيق عليه.
مسألة:
والضح امتداد البول، والرح مثله، يقال: رح ببوله مثل ضح. (1/385)
صفحة 385
ويقال يلج الشيخ: إذا لم يمسك بوله. قال عمر: لا يقول أحدكم أهريق الماء ولكن يقول: أبول.
مسألة:
عائشة عليها السلام قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المخرج ثم دخلناه بعده، لم نر أثر غائط، ونشم في الموضع رائحة الطيب. فقلت له في ذلك. فقال: يا عائشة إنا معاشر الأنبياء إذا تغوطنا أمر الله جل جلاله الأرض فابتلعته، وجعل في الموضع راحة الطيب.
مسألة:
وفي الحديث: إن أهل الجنة البول، ولا يتغوطون. إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك أي من أجسادهم. وعن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يتمخطون. وإنما هو جشاء، فيرشح كرشح المسك.
مسألة:
العرض فيه أقوال. قول: العرض موضع المدح والذم من الرجل. يقال إنه طيب العرض إذا كان طيب ريح الجسد.
وقال زهير:
وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ، وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمَ (1/386)
صفحة 386
وقول: العرض النفس، واحتجوا بقول حسان:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وَفَاءُ
وقول: عرض الرجل حسبه. وقول: خليقته المحمودة. (1/387)
صفحة 387
الباب والستون
في آداب التغوط، وأين يجوز، وما يكره من ذلك
روي عن النبي صلى الله عليه سلم أنه كان إذا أراد الدخول إلى الخلاء قدم رجله اليسرى، وقال، باسم الله، ولم يكشف حتى يقرب من الأرض، وكان لا يستقبل القبلة ببول ولا غائط، ويقول عند قعوده: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فإذا خرج منه النجو قال: الحمد لله الذي أطعمني طعاما أذاقني شهوته بسحة لذته، وأذهب عني أذاه.
وفي الخبر: أن قول الله تعالى في مدحه لنوح:"إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُرًا"، يخبر له وهذا كان فعله.
مسألة:
وفي بعض التفسير في قوله:"فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ"، يعني بذلك الغائط، إنه كان طعاما، ثم رجع إلى هذا الحال، فليعتبر بذلك.
قال ابن عباس إذا قضى حاجته نظر إلى حدثه.
قال أبي بن كعب: إن الله عز وجل أولع الإنسان بذلك لينظر ما يحل به إلى ما صار، قال مالك: لعله ملك موكل بابن آدم، إذا جلس في خلاء حتى ينظر إلى ما يخرج منه. (1/388)
صفحة 388
مسألة:
ويستحب عند دخول الخلاء أن يقدم اليسار، وعند خروجه أن يقدم رجله اليمنى، خلافا لما يفعله إذا دخل المسجد وخرج منه.
مسألة:
عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخلتكم منزلكم فقولوا باسم الله، أعوذ بالله من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم، فإنه مأواهم. فإذا جلستم على خلائكم فشمروا ثيابكم وجنبوها القذر، ولا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن معرضين. واعتمدوا في الخلاء على شقكم الأيسر، وانصبوا الساق، فإن ذلك أسرع لقضاء حاجتكم، ولا تتربعوا على الثوب، فإن ذلك يورث الوسوسة، ولا تنظروا إلى ما يخرج منكم، فإن ذلك يورث الناسور، ولا تنظروا إلى فروجكم، ولا تقوموا حتى تعلموا أنكم قد قضيتم حاجتكم وتجدوا الخف.
وليقل أحدكم: الحمد لله الذي أطعمني طعاما أذاقني حلاوته، وسقاني شرابا أذاقني لذته، وأبقى في جسمي قوته، وصرف عني أذاه.
مسألة:
وعنه صلى الله عليه وسلم: من أتى الغائط فليستتر، وإن لم يجد إلا كنيف رمل فليستدبره، فإن الشيطان لعنه الله يلاعب مقاعد بني آدم. ومن فعل فقد أحسن. ومن لا. فلا حرج (1/389)
صفحة 389
مسألة:
عن ابن عباس قال: يكره للرجل أن يذكر اسم الله تعالى على حالين: على خلائه، ومواقعته أهله. قال عكرمة: لا يذكر الله على الخلاء بلسانه، ولكن بقلبه.
قال مجاهد: الملك يجتنب الإنسان عند غائطه، وعند جماعه.
وقال النخعي: لا بأس أن يذكر الله تعالى في الخلاء.
سئل ابن سيرين عن الرجل يعطس في الخلاء فقال: لا أعلمن بأسًا أن يذكر الله على كل حال.
مسألة:
ومن كان جالسًا مع قوم، فقعد قريبًا منهم للبول، وهم ينظرون إليه غير متعر لهم، فذلك سوء أدب، وغير محمود، إلا أن ينزعه فلا يجد بدًّا من ذلك.
والمحرم إبداء العورة، أو البول متعمدًا فيما لا يحل له.
مسألة:
ولا يجوز لمن كان يبول أن يرد السلام. إلا أن بعض أصحابنا أوجب الرد إذا فرغ.
وكان الشيخ أبو محمد لا يرى السلام على من كان في تلك الحال، ولا يوجب فيه رد السلام.
قال أبو علي: من كان يبول، فلا نرى بأسا أن يكلم غيره إذا كلمه، أو يبتدئه، أو يتكلم بحاجة تعنيه. (1/390)
صفحة 390
مسألة:
وقيل إن كان على فص خاتمه اسم الله، فليجعله في فيه، أو في جيبه.
وقول: يريد فصه إلى كفه ويقبض عليه.
مسألة:
وإذا كان قوم ساكنون في دار فيها فيها مستحم يغشونه، فلا يجز أن يتعرى بعضهم لبعض، على كل واحد أن يقضي حاجته. ويؤدي فرضه فيما يسعه في دينه. فإن أنظره في ذلك شيء لا يطيق إمساكه وضعه حتى حيث أدركه، كذلك الوضوء، فإن لم يمكنه ألا يتعرى بالناس، ولا يقدر على حمل الماء، تيمم وصلى.
مسألة:
في المحدث من البول أو غائط. هل له أن يأكل قبل أن يستنجي؟ قال له ذلك. ويكره أن يقعد بغير تطهر لطعام أو لغيره حتى يتطهر إذا أمكنه ذلك، ويئس.1
قال: ويكره له أن يدخل المسجد إلا متطهرا إن أمكنه ذلك. قيل، فإن فعل متعمدا بعد أن علم بالكراهية؟ قال: لا يكون عليه إثم، إلا أن يتعمد لمخالفة قول المسلمين في ذلك.
مسألة:
ومن توضأ ومشى في طريقه بين مجازة وكنيف، ولا يرى فيها نجاسة، فلا بأس عليه، ما لم يكن بها نجاسة رطبة، أو يكون فيها نجاسة ورجله رطبة. وإن كان فيها ثرى لا يعلق فلا بأس. والله أعلم. (1/391)
صفحة 391
مسألة:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي الإنسان حاجته على قبر، أو في نهر، أو تحت شجرة، وإن توضأ على ضفة نهر جار، أو تحت شجرة مثمرة، أو في ظل المنزل أو على طريق عابر، أو ظهر مسجد، أو على باب أحد. فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إلا أن يتوب.
مسألة:
ونهى أن يستقبل بفرجه القبلة والشمس، وذلك عند البول والغائط.
وكان يقول صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى أدبني وأنا أأدبكم: لا يستقبلن أحدكم القبلة ببول ولا غائط، ويحفظ فرجه إلا من زوجته أو سريته. ونهى صلى الله عليه وسلم عن الغائط والبول في الأحجرة (1) وفسر ذلك بعض بأنها مساكن إخوانكم من الجن.
مسألة:
ولا يجوز استقبال القبلة بغائط ولا بول، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ووافقنا عليه أبو حنيفة، ولم يجزه في الصحاري والبيوت. وأجاز ذلك الشافعي في البيوت.
الدليل على صحة المنع من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا لكم مثل الوالد،
__________
(1) 1 كذا في الأصل. (1/392)
صفحة 392
إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أوغربوا.
وفي حديث أيوب: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، فلما قدمنا الشام، وجدنا مراحيضهم قد استقبل بها القبلة، فكنا ننحرف ونستغفر الله تعالى فدل ذلك على أنهم علموا كون النهي واقعا على الصحاري والبيوت. والله أعلم.
مسألة:
المراحيض: الكنف. وأحدها مرحاض.
وعن ابن محبوب رحمه الله: يكره ذلك، ويستحب أن ينحرف من القبلة، وإن لم يفعل، فلا بأس إن شاء الله.
مسألة:
ولا يجوز التغوط في الماء الراكد، لما روت عائشة عليها السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "امنعوا الأذى عن مساجدكم، ولا تطرحوا الأذى في مياهكم الراكدة، ولا تنظفوا في الأواني.
وعنه صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يتوضأ منه".
والبول في الماء الجاري مكروه. (1/393)
صفحة 393
مسألة:
وأما الذي يدخل الخلاء ورجله يابسة، ويرجع ورجله رطبة، فإن احتمل بوجه من الوجوه أن تلك الرطوبة طاهرة، فرجله على طهارتها، وإن لم يحتمل إلا أنها ناجسة فعليه طهارة رجليه لما نحت من ذلك.
مسألة:
ومن تغوط تحت شجرة، أو تحت نخلة مثمرة في حد ينتفع بها، فلا يجوز، فأما ما لم يضر الثمرة أو ليس فيها ثمرة، فجائز التغوط تحتها.
مسألة:
ومن تغوط في نخل قوم أو زرعهم، فلا بأس ما لم يضر بهم، إلا أنه يتغوط في أصول شجر مثمر. وإن كان في وقت لا يثمر فلا بأس. وقد جاء في ذلك الكراهية.
فأما اللعن (1) فيه فلا يصح عندنا، والله اعلم.
مسألة:
وعن أبي الحسن: لا يجوز التغوط في أموال الناس المخصوبة وإلقاء النجاسات فيها ولا تحت شجرة مثمرة، ولا في ارض الناس حيث يمرون، ويسقون ماءهم، فتنتجس الثمار وتصيبهم بذلك الأنجاس. هذا ما لا يجوز وغير ذلك من الأموال البراح الذي لا يمنعه صاحبه، يكون ذلك زيادة فيه، ويعجب صاحبه، فجائز، ولا شيء على من فعله.
__________
(1) 1 كذا في الاصل. (1/394)
صفحة 394
وقيل: من اضطره البول والغائط في طريق المسلمين، أو منزل قوم، جاز له أن يضع فيه لاضطراره إلى ذلك، ولا إثم عليهز
مسألة:
ومن تغوط وبينه وبين القرية قدر نصف ميل، فلا بأس أن يتصعد ويقرأ القرآن. (1/395)
صفحة 395
الباب الخامس والستون
في الاستبراء
عن جابر رحمه الله قال: إذا بلت فامسح ذكرك من أسفله، فإنه ينقطع عنك.
وحكي تفسير هذا عن بعضهم، إذا أردت أنتستبرئ من البول، فإنه لا يجزئ عنك حتى تفعل هذا.
وإذا بال الرجل وفرغ من بوله، ضرب بيده إلى مجرى العرق الذي تحت أنثويه، فسلبه من دبره إلى أصل أنثويه باليمين ثلاث مرات، وينثر ذكره عند كل سلبة باليسرى، وقيل يتنحنح.
فإن نثر قبل أن ينقطع البول فلا يجزئ حتى ينقطع البول، ثم ينثر ثلاث تثرات.
والسلب القبض على الشيء يستخرج ما فيه. والنثر: جذب فيه جفوة.
وعن عمر وعلي وابن المسيب: إذا نثرت ثلاثا فلا أبالي، ولو سال على ساقي. ومع ذلك يكون على سكون القلب.
ذكر رجل عن أبي الشعثاء، رآه يبول قريبًا من بعير أو هي جبة على رأسه في بعض المواسم، قال: فرأيته ينفض ذكره نفضة أو نفضتين أو ثلاثا، ثم مشى إلى زمزم فتوضأ.
قالوا: وليس عليه أن يعصر ذكره، وإنما عليه أن ينثره ثلاثا، وذلك غاية الاستبراء إذا انقطعت المادة. والله أعلم. (1/396)
صفحة 396
مسألة:
في الاستبراء: هل هو من اللوازم؟ قال: الناس مختلفون في حالاتهم في هذا مما يعرف كل من نفسه: وإنما قيل عليه الوضوء من النجاسة، فإن لم يقع انقطاع النجاسة إلا بالاستبراء كان عليه إزالة اتصالها المفسدة عليه طهارته. ولا يبين لي لزوم الاستبراء على الإطلاق إلا على المخصوص.
فعن ابن محبوب رحمه الله، في من لم يفض بوله على السمة، ولا غائطه على الحلقة، أنه لا استنجاء عليه، فإن هذا من الاستبراء.
وقيل: كان بعضهم يتبع البول بصب الماء، وقال: إن الماء يقطع الماء. والله أعلم.
مسألة:
وبمسح البائل عجانه، يستدعي خروج بقية البول. والعجان آخر الذكر المدود في الجلد وهو الذي يستبرئ به البائل، وهو القضيب الممتد من الخصية إلى الدبر.
قال جرير:
يَمُدُّ الْحَبْلَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ ... كَأَنَّ عَجَانَهُ وَتَرٌ حَدِيدُ
مسألة:
وعن عمران: من بال ثم نثر ذكرهثلاث مرات يجري الماء عليه مع كل نثرة غسله، إنه قد طهر. والله أعلم. (1/397)
صفحة 397
وروى أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل عليه السلام، لما نزل عليه علمه الوضوء. فلما فرغ، أخذ جبرائيل عليه السلام حفنة من الماء فرشّ به من تحت ثيابه، وقال: يا محمد إذا توضأت فانضح ثلاثًا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
مسألة:
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه.
وفي هذا دليل أنه نهى عن الاستنجاء من البول والغائط باليمين.
مسألة:
ومن بال ولم يستبرئ، فهو أمين نفسه. فإن قال إنه لا ينبع منه شيء، واستنجى، قبل قوله. وإن لم يعرف قوله لم يسأل عن ذلك، ولم يحكم عليه بما لا يعلمه من نفسه إلا الله تعالى، عز وجل، ثم هو.
ومن بال ولم يستبرئ، وصلى. وعادته الاستبراء، فإنه يبدل صلاته، لأنه لم يتنظف.
مسألة:
وعلى من بال في الماء الاستبراء بقدر ما يستبرئ خارجا من الماء. كلن الماء بحرا أو نهرا، ثم يتوضأ إذا كان في نهر جار، ويسعه ذلك إلا أن يضطر فيما لا يمكن إلا ذلك، أو يكون في حال لا يمكن الخروج منه بذلك. والراكد أشد من الجاري لأن مخرج البول لا يفضي على شيء مما يطهر مما تعبد بغسله. (1/398)
صفحة 398
وفي موضع: هل عليه استنجاء إذا أراق للبول في الماء، فلا يخرج في الأحكام إذا خرج من حال الاستبراء، لأن مخرج البول لا يفضي على شيء مما يطهر مما تعبد بغسله.
مسألة:
وقيل في الذي يبول في الماء في الاستبراء باختلاف. فقول: عليه أن يخرج من الماء فيستبرئ خارجا من الماء. وقول: يستبرئ في الماء بقدر ما عود أن يستبرئ خارجا، ولا استنجاء عليه بعد ذلك إذا كان في وسط الماء.
مسألة:
والاستبراء بالنعل جائز. وإذا مشى بها فقد طهرت. والله أعلم؟.
مسألة:
وإذا أجنب الصائم في الليل، فخاف إن قعد بعد البول يستبرئ طلع عليه الفجر، وإن اغتسل ولبس ثوبه خاف أن يفسد، فإنه يغتسل ويحرز صومه. فإن خاف شيئا استبرأ وتوضأ وكذلك النافلة.
مسألة:
ومن أخذ ترابا من أرض قوم يستبرئ به، فلا يأخذ منه شيئا. ويضرب القضيب حتى لا يعلق به من التراب شيء، فإن حمل من ترابهم شيئا رد في أرضهم مثله. (1/399)
صفحة 399
وقد رخص قوم في أخذ الطفالة والتراب والحجر للاستبراء. وقال لا حكم له ولا يخرج النفوس بمثله.
مسألة:
ولا بأس بالاستبراء من الطريق الجائز ما لم يضربه.
وأما أموال الناس ففيها اختلاف. قول: لا بأس به، لأنه لا يخرج النفس به، ولا قيمة له. وقول يستبرئ منها ولا يحمل. وقول: شدد وحرم ذلك. وألزم الضمان وإن قل لأنه مال. وقول: لا يحمل من أموال الناس، ولا يراد فيها.
قال أبو الحسن: وأحب ألا يلحقه ضمان. لأن صاحبه لو طلب إليه هذا القدر، لكان يرى أنه قد نسب إلى الحل، لعله، إلى البخل.
مسألة:
ومن استبرأ بتراب قوم وطرحه حيث أخذه من أرضهم، أو أرض لهم غيرها، فلا بأس بذلك. (1/400)
صفحة 400
مسألة:
فيمن استبرأ بطفالة ثم رمى بها فزحى من كفه شبه الغبار الذي يكون في الكوة من الشمس، قال إنه طاهر إذا احتمل الطهارة لأصله. وقال إن ما رطبه البول لا يرجو من غبار، على ما عنده، وكذلك لو أنحت من كفه تراب يعذر منه بالطفالة فهو على الطهارة إذا احتمل أن يكون ما أصابه البول. والله أعلم. (1/401)
صفحة 401
الباب السادس والستون
في البول وآدابه، وما جاء فيه
اختلف الناس في البول قيامًا. فقال به كثير من مخالفينا، ورووه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمر وعلي، وكره ذلك غيرهم.
وروى ابن مسعود أنه قال صلى الله عليه وسلم: من الجفاء أن نبول وأنت قائم.
وكان سعيد بن إباهيم لا يجوز شهادة من بال قائما.
قال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس. قال وكذلك إن كان في مكان يتطاير عليه منه شيء فهو مكروه.
وما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله لذلك، ما صح ذلك، ولا يصح، لمعارضة نهيه صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل وهو قائم.
وقد قالت عائشة عليها السلام: إنما بال قائما لمّا أمضّه المائض، وهو عرق في باطن الساق فأما في الصحة فلا.
وروي أنها قالت: من أخبرك أن النبي صلى اله عليه وسلم بال قائما فلا تصدق، يعني مع الصحة.
مسألة:
وقالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الغائط إلا مس ماء. (1/402)
صفحة 402
مسألة:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد، ونهى أن يبول في المغتسل، وفي قبلة المسجد، ونهى عن البول في الإناء الذي ينتفع به، ونهى عن البولفي الشارع قال صلى الله عليه وسلم ما طهر الله من بال في مغتسله، ومن فعل ذلك وأصابه الوسواس، فلا يلومنّ إلا نفسه.
وعن ابن معقل: البول في المغتسل رجس. وقال الربيع: هو رجس قليله وكثيره. وقيل إنه يهيج من الوسواس.
ومعنى النهي عن البول في المغتسل لحال النجاسة من البول أن يختلط بالماء ثم يطير عليه.
وفي موضع معناه أن يكون الماء قليلا، أو يكون جاريا، فيبول في وسط الماء، ويكون ثقب القضيب في الماء، فلا يعلم متى ينقطع فيصيبه الوسواس لأجل أنه لا يعلم متى ينقطع.
ونهى أن يبول الرجل عريانا أو قائما أو قاعدا ليس على ظهره أو حقويه ثوب، وأن يقضي حاجته وأحد ينظره وقال: استتروا واستخبوا فإن الخباء من الإيمان.
مسألة:
وإذا بال الإنسان فلا يبزق في بوله، فإنه يكره، ويقال: يكون منه آفة (1/403)
صفحة 403
وقال أبو علي: من كان يبول أو يستنجي أو يغتسل، فما نرى بأسا أن يكلم غيره إذا كلمه، ويبتدئه، أو يتكلم في حاجته إذا عنته.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا انكشف أحدكم للبول، فليقل: باسم الله، فإن الشياطين تغض أبصارها عنه حتى يفرغ.
مسألة:
زيد بن أرقم، أنه قال صلى الله عليه وسلم أن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أراد أحدكم أن يدخلها، فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث.
مسألة:
قال أبو محمد رحمه الله: الذي نختاره للمسلم إذا أراد التطهر والبراز في الأرض أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلمفي فعله، والاتباع لأمره، والانتهاء عما نهى الله عنه في أدبه وعزمه.
وقد روى أنه كان من ادبه صلى الله عليه وسلم ألا يكشف إزاره إذا أراد حاجة الإنسان حتى يقرب من الأرض.
مسألة:
قال أبو عبيدة في حديثه صلى الله عليه وسلم أنه خرج يريد حاجة، فاتبعه بعض أصحابه فقال تنح عني، فإن كل بائلة تقيح.
قال أبو زيد: الإقاحة الحدث من خروج الريح خاصة. يقال قد أقاح الرجل (1/404)
صفحة 404
يقيح إقاحة فإذا كان الفعل الصوت. قيل: قاح يقوح. واما القوح بالحاء فمن الريح أن يجدها إلا من الصوت.
ويروى عن أبي ذر رحمه الله أنه بال ورجل قريب منه. فقال يا ابن أخي قطعت لذة بولي، كأنه استحى من قرب من معه، فمنعه ذلك من التنفس عن البول.
مسألة:
عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالحسين فوضعه على حجره، فبال عليه، فأخذ، فقال لا ترزموا ابني، ثم دعا بماء فصبه عليه. الإرزام القطع. يقال للرجل إذا قطع قد أرزمت بولك، وأرزمه غيره قطعه، ورزم البول لنفسه إذا انقطع.
مسألة:
في حديثه صلى الله عليه وسلم أنه بينما هو يمشي في طريق، إذ مال إلى دمث وقال: إذا بال أحدكم، فليرتد لبوله. الدمث: المكان اللين السهل. وقوله: فليرتد لبوله: يعني يرتاد مكانا لينا منحدرا، ليس بصلب فينتضح عليه، أو مرتفعا فيرجع عليه.
مسألة:
وكان يقال: إذا أراد أحدكم البول فليتمخّر الريح، يعني ينظر أين مجراها فليستدبرها، كي لا ترد ليه البول. وأما المخر فهو المجرى: يقال مخرت السفينة (1/405)
صفحة 405
تمخر مخرا إذا جرت، كان الكسائي يقول ذلك. ومن قوله تعالى: "وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ" يعني جواريَ. والله أعلم.
مسألة:
وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البول أتى عرارا من الأرض، أي أخذ عودا من الأرض، فنكت به حتى تلين ثم يبول.
والعرار: الأرض الصلبة، ليست بذات حجارة ولا يعلوها الماء.
قال العجاج: *دَارٌ وَإِلَّ فَإِعْرَارٌ أَخْصَفَا*
أي أسرع.
مسألة:
أبو صفرة: فيمن أراق البول فلا بأس إن لم يتوضأ، إذا كان يمشي. وإن أراد جلوسا فيوضء فرجه إن قدر على ماء.
ابن المسبح: إن يبس موضع البول فلا بأس عليه، إلا أن تصيبه رطوبة، أو عرق، ثم تمس الرطوبة الذكر من موضع البول فإنه يفسد ما مسه. وإن بال أو تغوط ثم ركب دابة، أو قعد على الأرض ونام، فإذا كان قد يبس موضعها لم يفسد ذلك ثوبه على ما بلغنا عن أبي عبيدة رحمه الله. (1/406)
صفحة 406
الباب السابع والستون
في الاستنجاء ومعانيه، ونعوته، وما جاء فيه
الاستنجاء مأخوذ من النجو وهو ما ارتفع من الأرض. وكان الرجل إذا أراد أن يقضي حاجته استتر بنجوة، وقالوا ذهب بنجو، كما قالوا ذهب يتغوط إذا أتى الغائط، وهو الموضع المطمئن من الأرض، وقولهم للمتمسح بالحجارة، مستنج، أصله من النجوة وهي الارتفاع من الأرض، ثم اشتقوا عليه، فقالوا قد استنجى إذا مسح موضع النجو وغسله، كما سموا المتمسح بالحجارة الماسح بها مستجمرًا، لأن الحجارة الصغار تسمى جمارا، كما تسمي حجارة العقبة جمارا. ومنه الحديث: إذا توضأت فاستجمر، وإذا استجمرت فأوتر، أي خذ وترًا، من الحجارة. وهكذا السنة فيه.
مسألة:
قال: والنجو في كلام العرب ما ارتفع من الأرض. قال الله تعالى: "فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ". معناه نلقيك على نجوة من الأرض.
وأنشد الفراء:
وَمَوْلًى رَفَعْنَا عَنْ مَسِيلٍ بِنَجْوَةٍ ... وَجَارُ أَبِينَا أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَا
وقول أوس بن حجر:
دَانٍ مُسِفٌّ فُوَيْقَ الْأَرْضِ هَنْدَبَهُ ... يَكَادُ يَدْفَعُهُ مَنْ قَامَ بِالرَّاحِ (1/407)
صفحة 407
فَمَنْ بِنَجْوَتِهِ كَمَنْ بِعَقْوَتِهِ ... والْمُسْتَكِنُّ كَمَنْ يُمْسِي بِقِرْدَاحِ
والبدن أيضا الدروع.
وقال آخر:
تَرَى الْأَبْدَانَ مِنْهُ مُسَبَّغَاتٍ ... عَلَى الأَبْطَالِ واليَلَبَ الخَضِيبَا
وجدت مكتوبًا أن العقوة القرب. والنجوة البعد. والقرداح من الأرض: المستوى من ظهورها والله أعلم.
مسألة:
قال الله تعالى:"فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِين" قيل إنهم كانوا يستجمرون بثلاثة أحجار قبل نزول الوضوء بالماء. فلما نزل بالمدينة على النبي صلى الله عليه وسلم هذه وهم قباء من الأنصار، أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد أثنى عليكم في أمر الطهور، قالوا فما هذا الطهور؟ قالوا نمر بالماء على أثر البول والغائط. فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الآية. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون وقد لحق بالوجوب، فلا يجوز وضوء للصلاة بغير ذلك، ولا يجوز العدول عن الماء مع وجوده إلى غيره.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم عند نزول الآية فقال يا بني عوف، ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ فقال شاب منهم: قد سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقالوا إنا نستنجي بالماء. فقال صلى الله عليه وسلم لعائشة. قولي للنساء يقلن ذلك لأزواجهن. (1/408)
صفحة 408
وعن عائشة أنها قالت يا نساء الأنصار مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط بالماء.
مسألة:
وعنه صلى الله عليه وسلم: استنجوا بالماء، فإن الله تعالى قد أثنى على قوم قد فعلوه. فقال تعالى: "فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ". فإذا استنجيتم فتغطوا بثيابكم من الذين لا ترونهم. فإذا فرغتم فقولوا: اللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهّرين.
مسألة:
قال الشافعي: الاستنجاء من البول واجب. الدليل ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال إنهما يعذبان، وما يعذبان بكبير عندهما. إن أحدهما كان يمشي في النميمة، والآخر لا يتنزه من البول فلحق الوعيد من لم يتنزه ن من البول ولم يستنج.
مسألة:
والمستحب الاستنجاء بالشمال. لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اليمين لما علا، والشمال لما سفل.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يستطيب الرجل بيمينه. والاستطابة في اللغة الاستنجاء. وإنما سمي استطابة من الطيب. يقول: طيب جسده مما عليه من الخبث.
ويقال: استطاب، وهو مستطيب، وأطاب ننفسه، وهو مطيب. (1/409)
صفحة 409
ويستحب في الاستنجاء أن يبدأ بالقبل قبل الدبر. وإن بدأ بالدبر قبل القبل فجائز. والله أعلم.
وفي موضع قيل سنّ النبي صلى الله عليه وسلم ألا يستنجي باليمين. ونهى صلى الله عليه وسلم أن يجامع الرجل أهله إذا خرج من الخلاء حتى يتوضأ.
مسألة:
أخبرنا أبو زياد أن أبا عبيدة سأله رجل من أهل خراسان وكان يتكلم بالفارسية فقال: بلادنا بلد ثلج، فأريق البول، ثم أجفف أيامًا ولا أستنجي. فسألهم أبو عبيدة ما يقول فأخبروه قال: نعم.
مسألة:
فإن قيل: لم قلتم، إن استعمال الماء عند وجوده لا يجزئ عنه غيره. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة، وأجاز الاستنجاء، قيل له: أمر بذلك صلى الله عليه وسلم وأراد الطهارة. ألا ترى أن الشافعي أجاز الاستنجاء بحجر واحد، إذا كان له ثلاثة أحرف مع روايتيه الأعداد ثلاثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأقامه مقام ثلاثة أحجار، وعدل عن المنصوص.
وكذلك قال داود إنه يكفي المستنجي ما ينقيه، ولم يخص بالذكر حجرًا من غيره، ولم يذكر عددًا ولا حجرًا يوصف ولا غيره.
قال: ولو أنقى بحجر واحد أجزأه. وكذلك قال: لو عدل عن الحجارة إلى الخزف أو الخشب أجزأه. (1/410)
صفحة 410
أبو حنيفة: عليه أن يزيلها ما عدا المخرج. واجتماعهم على أن المراد التنظيف.
وبعد، فقد أجمع مخالفونا على تصويبنا باستعمال الماء. ولم يوافق أحد منهم إذا عدل عن الماء بادعائه إجازة ذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خيرهم في أي هذه الطهارات شاءوا فعلوا.
مسألة:
وأوجب قوم الاستنجاء بالحجارة دون الماء، منهم حذيفة، وابن المسيب، وابن الزبير.
وقال ابن المسيب لا يفعل ذلك إلا النساء.
وكان الحسن لا يغسل بالماء. وقال عطاء: غسل الدبر محدث. وقال لأني أستنجي بالإذخر.
وكان االشافعي يرى الاستنجاء بالحجارة. وقال مالك في من يستنجي بالحجارة لا تجزئ عند وجود الماء، ولم يستنج بالماء، لا تعبد.
ابن سيرين –رجل صلى بقوم ولم يستنج، قال: لا أعلم به بأسا، فإن كان أراد من خرج منه ريح، فهو كما قال، وإن أراد خروج الغائط فهو قول فاسد، لا معنى له.
قال أبو سعيد: قول أصحابنا: الاستنجاء بالأحجار لا تجزئ عند وجود الماء وإنما تجزئ عند عدم الماء، وحسن إن فعل بالأحجار وغسل الماء بعد ذلك. (1/411)
صفحة 411
والاستنجاء بالأحجار منسوخ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لثبوته بالماء. لقوله عز وجل: "فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ" فصار الاستنجاء بالأحجار منسوخًا بالكتاب والسنة، إلا عند عدم الماء. وإنما نسخها وجود الماء.
ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عليكم بغسل الدبر، فإنه يذهب بالناسور. (1/412)
صفحة 412
الباب الثامن والستون
ما يستحب من الاستنجاء، وما يجب في ذلك وما يكره
والمستحب عند الاستنجاء أن يرتخي المستنجي، لتكون الطهارة أبلغ، وليس بواجب ذلك عليه.
مسألة:
وليس على من استنجى من بول أو غائط أن يدخل يده في كوّ الذكر والدبر، لأن الإنسان متعبد بغسل ما ظهر دون ما بطن.
مسألة:
قال أبو محمد: إن الذي ذكره ابن جعفر عن بعضهم، أنه يحب إذا استنجى أن يكون ثقب الذكر مستترًا، ولا أعرف وجه قوله، ولم نحفظ فيه سنة ولا أثرًا.
مسألة:
ومن بال ولم يفض بوله على سمة ذكره، فلا ستنجاء عليه، وليس عليه غسل ذلك الموضع، لأنه متعبد بتطهير ما ظهر من النجاسة، دون ما بطن.
ويقال: إذا رمى بالعذرة ثمرة1 مطس يمطس إذا رماه.
مسألة:
ولا استنجاء على من نام [ولم يخرج منه حدث]، ولا من خرجت منه ريح، قال بعض: إلا أن تخرج الريح رطبة. والله أعلم. (1/413)
صفحة 413
مسألة:
أبو سعيد: وإذا ظهر البول والغائط في موضع لا يدرك بالاستنجاء منه بالأحجار ثبت غسله بالكتاب والسنة. والله أعلم.
مسألة:
فيمن تغوط في والج الماء. اعليه استنجاء؟ قال: إذا علم أنه لصق ببدنه فعليه غزالته، وإن لم يعلم إن فاض شيء أو لم يفض، فهو على ما كان عليه من أصل الطهارة ولا بأس عليه.
وأما في الاطمئنانة، فذلك إليه. وله الأخذ بالحكم ولو عارض الاطمئنانة بريب.
مسألة:
حفظ الثقة عن موسى بن علي أنه قال: الاستنجاء من الغائط أن تعرك عشر مرات ومن البول خمس مرات.
قال أبو محمد. الذي ذكره عن موسى بن علي، لا نحفظه عنه، ولا عن ثقة رفعه إلينا.
وهذا الحديث يدل على إغفال صاحبه عن وجه التعبد بطهارة النجاسة، وقال لا نهاية للعدد.
وقد أجازوا الاستطابة بالماء من الغائط بسكون القلب، وطيب النفس دون البينة العادلة، والمشاهدة لموضع النجاسة. وهذا يدل على جواز التعبد بسكون القلب. (1/414)
صفحة 414
ويدل على هذا خبر النبي صلى الله عليه وسلم يا وابصة، استفت قلبك.
قال غيره: من البول ثلاث مرات، ولم يجعل في الغائط من الإناء حدا إلا حتى يطهر، لأن طهارة ذلك تختلف لحال القليل والكثير. وأما من النهر قال محمد بن محبوب رحمه الله إن من قعد في نهر وعرك موضع الغائط ثلاث مرات ولم يعلم أنه بقي من الأذى شيء فقد أجزأه ذلك.
مسألة:
ومن كان يستنجي ثم سدعت يده التي كان يستنجي بها ثوبه، ولم يعلم أنه نقى أم لا. قال إن كان يستنجي في نهر جار، أو ماء مستبحر لا ينجس، إن كان في وسط الماء فهو طاهر وحكمها حكم الطهارة، حتى يعلم أنها لصق بها شيء من النجاسة، كان قد عرك قليلا أو كثيرا.
وإن كان إنما يعرك النجاسة ويستنجي من إناء، فإن كان من بول فقد عرفنا من قول الشيخ اختلافا في الماء الثاني، فقول: ما أصابه منه فسد. وقول: لا يفسد الثاني.
وأما الثالث فلا نعلم فيه اختلافا من البول. وإن كان من الغائط، فقد عرفنا فيه اختلافا.
فقول: عشر عركات، وقول: أربعين عركة، وقول: حتى يجد الخشونة. وقول: حتى يطمئن قلبه. عن غير تحديد عدد لكثرة ذلك وقلته، وغلظته ورقته. (1/415)
صفحة 415
والذي عرفنا أنه ما دام في حد لا يقول إنه طاهر، فهو مفسد ما مس، ما دام عندنا لم يطهر. وأقل ما وجدنا عن ابن محبوب العشر، فإن كان قد تعدى العشر ولم يجد شيئا بعينه، أخذتا له بهذا القول إذ قد مس ثوبه.
ولا نحب له أن يترك الاستنجاء إلا بعد أن يستبرئ قلبه، وتطيب نفسه.
وإن أخذنا له بالحكم في العشر لموضع نجاسة ثوبه، لم نأمره بترك الاستنجاء إلا حتى تطيب نفسه.
والخباثة عندنا أقرب من الغائط، فإن كانت من الذوات وتستنظف أن يجعلها بمنزلة الماء النجس والبول، ولم نعلم أنا حفظنا فيها شيئا محدودا. ويجب أن نجعلها بمنزلة الغائط لأنها من الذوات. فانظر مسألتك من أين تخرج، لأنك لم تبين من أين كان يستنجي. والله أعلم.
مسألة:
في حد عرك الغائط من شدته وهونه، فالعرك يختلف: فإذا وقع حكم العرك فقد وقع حكم الطهارة. وأحب إلى أن يكون عركا وسطا، ولا ضرر فيه على فرج ولا جارحة، ولا تعب نفس.
مسألة:
قال أبو سعيد: جاء الأثر عند أصحابنا في الاستنجاء بأقاويل مختلفة: فقول في الاستنجاء ثلاث عركات، مع كل عركة صبّة من بول أو غائط، وقول من الغائط خمس، ومن البول ثلاث، وقول من الغائط عشر، ومن البول خمس وقول من الغائط عشر ومن البول ثلاث. وقول من الغائط عشرون ومن البول خمس. (1/416)
صفحة 416
وقول من الغائط أربعون. وقول من الغائط حتى يجد الخشونة ويزول حس النجاسة باليد.
وقول من الغائط حتى يطهر، وليس لذلك حد إلا ما اطمأنت إليه النفس، بلا حد في ذلك، ومن البول ثلاث. وقول من البول اثنتان تجزئان. وقول: يجزئ الواحدة في غير الذوات، إذا أتى الماء على موضع النجاسة. لأن الماء يستهلك النجاسة إذا أتى على موضعها.
وقول: على ما يخرج من معاني قولهم أنه تجزئ الواحدة في جميع غسل النجاسات، في الاستنجاء وغيره من الذوات. إذا زالت النجاسة بذلك، وإلا فبثلاث. لأن ذلك كان من زوال النجاسة. فإذا زالت بأي وجه فقد زال حكمها.
وإن غسلها من طريق التعبد، فقد ثبت في السنة أن الواحدة تجزئ في الوضوء والصلاة الفريضة، ولأنه قد ثبت في بعض القول بأن النجاسة القائمة العين إذا غسلت اثنتين وهي قائمة بعد، أو شيء منها، ثم غسلت الثالثة فزالت بها- إنها قد طهرت.
فإذا ثبت هذا، فسواء كان غسلت اثنتين أو لم تغسل لأن حكمها قائم في معنى التنجس بالسنة، والاتفاق أنها ما دامت النجاسة قائمة فحكمها ماض على النجاسة حتى تزول. وإنما يكون مطهرًا لها.
قال: وإنما يحسن عندي فيما مضى الاختلاف في الاستنجاء في الواحدة والثلاث إذا زالت النجاسة. وذلك أنه إذا مس الغائط موضع المخرج مما لا يبقى على الحلق شيء حول المخرج، فذلك يحسن أن يكون كذلك. وذلك إلى المبتلى. (1/417)
صفحة 417
ولا ينبغي العمل بذلك، إلا عند من أبصر ذلك.
مسألة:
والماء الجاري وما بقي من الثرى بعده وما حوله، طاهر ما لم نعلم فيه نجاسة.
وأما الطين والثرى، واجتماع النجس فنجس.
قيل: فهل عليه أن يتراخى في الماء؟ قال: إنما على المستنجي أن يغسل ما عدا الحلقة وليس عليه أن يولج الماء فوق ذلك، إلا أن تكون الحلقة كازة فيتراخى حتى تدرك الطهارة الحلقة وما عداها إلى خارج. والله أعلم.
وأما القضيب فليس عليه أن يفتحه ويغسل والجه لأنه يلح الإيلاج في الثقب فلعله يضره ذلك.
وليس عليه أن يغسل ما عدا الثقب، وما خارج إذا أمكن ذلك بغير علة.
مسألة:
قيل في القضيب إذا صب على موضع الغائط وأتبعه بالعرك. ما حكم الماء الذي يتردد على موضع الغائط في حال العرك بين كفه وأصابعه؟
قال: عندي أن حكمه غير مستهلك، ما لم يعلم أنه غلبت عليه النجاسة. وما كان غير مستهلك فهو طاهر يطهر النجاسة، ولو كان مستهلكا لم يثبت به حكم طهارة.
والماء المستهلك عندي ما سقط منه وزايل الموضع الذي طهر به فما مس منه (1/418)
صفحة 418
في حال لا يكون مستهلكا من المواضع التي قرب النجاسة من الطهارة لم يفسد ما مسه ما لم تغلب عليه النجاسة.
قال هكذا عندي.
وكذلك الماء المتردد على الجارحة في حال غسلها لوضوء صلاة الفريضة، أو النافلة لا يكون مستهلكا، إلا ما سقط منه.
مسألة:
وما طار من [الماء عند] الاستنجاء ووقع في الثوب أو في البدن، فلا بأس به.
وقيل: عن سليمان بن عثمان إنه يغسل الثوب إذا استنجى من الغائط وطار منه.
مسألة:
وأما الاستنجاء فمختلف، فما طار منه. فقول: ليس شيء إلا أن تطير النجاسة بعينها، أو ماء منها. وقول: يفسد منه الأول والثاني، وأما الثالث فلا.
وكذلك الثوب لبجنب يفسد ماؤه الأول والثاني، وأما الثالث فلا. إذا كان قد عرك.
قال أبو الحسن: ما طار من الاستنجاء من الثلاث فهو نجس. ولا بأس بالباقي بعد ذلك، وما طار بعد ثلاث عركات، فلا فساد فيه.
وقيل: لسان الماء السائل من [غسل] الغائط يفسد. وما سال بعد ذلك فلا بأس به.
قال أبو محمد: وهذا إذا انفصل لسان الماء من النجاسة بعد أن امتزج بها،
والماء قليل. فأما لسان الماء الذي فيه شيء من نجاسة الاستنجاء، وتتابع الماء بعده حتى إذا كثر، فحكم النجاسة يرتفع بغلبة الماء الطاهر عليه.
ولو كان لسان الماء نجسًا في ابتدائه في حال تكاثر الماء الطاهر عليه لوجب أن يكون نجسًا ولو دفع خلفه السيل أو بلغ من قربة إلى قربة.
قال: ولا أظن هذا يقول به قائل من أهل العلم.
مسألة: (1/419)
صفحة 419
ومن غسل فرجه، ثم وطأ حيث جرى الماء، لم ينجسه، لأن التنجيس يجري عليه ماء طاهر فيطهره.
وفي موضع: إن اجتمع من الاستنجاء والمسح ماء. فإن كان ذلك من البول أو الغائط واجتمع معه غيره وكان قليلا، فهو نجس. والله أعلم.
وإن أخذ من الإناء وطار به ماء، ولم يعلم أهو من المجتمع النجس، أم من الماء الذي أخذه لوضوئه، أم من يديه، فحكمه طاهر، حتى يعلم أنه طار به من النجس.
وإن وقع في ذلك الماء النجس ماء وطار منه فهو نجس.
وإن كان الماء لا يجتمع عند الاستنجاء والمسح، وتبقى الرطوبة، فالموضع طاهر لأنه إذا سال من الماء مع الاستنجاء ثلاثا، سال عليه ماء طاهر، طهر الموضع، والرطوبة تجري الماء الطاهر بعد النجس. لأن النجس منه لسان الماء من الاستنجاء من الثلاث عركات. وما جرى بعد ذلك طهره. (1/420)
صفحة 420
مسألة:
أبو سعيد: في من يستنجي حتى طهر موضع النجاسة، وبقي في يده العرف. هل تكون يده طاهرة؟ قال: قد قيل ذلك. وقول: ما دام في يده فهي نجسة.
قال: وهذا عندي مثل الماء إذا غلبت عليه رائحة النجاسة، ولم يتغير لون الماء، ولا طعه.
مسألة:
قيل لابن المسبح: رجل أهراق البول، ثم وقع في النهر، فنسي أن يعرك موضع البول. قال: إن كان ينغمس في النهر أجزأه. وإن كان قد خرج من الماء، وليس ثوبه، فلا بأس عليه، وليس عليه أن يعود يتوضأ، إذا انغمس في الماء.
وإن كان في البحر فضربه الموج أجزأه.
مسألة:
وإن قعد في النهر يستنجي من البول والغائط، ثم عرض له أمر فقام قبل أن يستنجي، فسال الماء على ثوبه أو على بدنه.
قال: إن كان الماء متصلا جريه، وهو من الجاري، فحكمه حكم الماء الجاري، لا ينجسه إلا ما غلب عليه، فإن لم يبصره هو حين جريه، ولم يعرف، غالب عليه أم لا. فإن كان حكمه جاريا، فهو طاهر حتى يعلم أن النجاسة غلبت عليه. لأن الماء طاهر حتى يعلم نجاسته. والله أعلم. (1/421)
صفحة 421
مسألة:
قال أبو المؤثر: سألت أبا زياد ومحمد بن محبوبعن من استنجى بباطن كفه، ولم يعرك ظاهره، إلا أن الماء يسيل عليه.
قال أبو عبد الله لأبي زياد: كيف تصنع أنت؟
قال: لم أكن أفطن حتى ذكرها لي أبو المؤثر.
فقال أبو عبد الله: إذا نقى باطن كفه وقد نقى ظاهرها فليس عليه غسلها.
قال أبو المؤثر: كنت سألته هذا في الشحب.
مسألة:
أبو سعيد. يخرج عندي، أن النجاسة إذا كانت حيث لا يقع البصر، وإنما تدرك باللمس باليد أو البدن مثل الغائط أو غيره، فحسن أن نثبت الطهارة لها باللمس.
قيل: فالماء إذا صب على موضع الغائط وأتبعه بالعرك. ماحكم الماء المتردد على موضع الغائط في حال العرك بين كفه وأصابعه، وموضع النجاسة مستهلك أم لا؟
قال: حكمه غير مستهلك ما لم يعلم أنه غلبت عليه النجاسة، ولا يفسد ما مسه ولو كان مستهلكا لم تثبت به حكم الطهارة، وإنما المستهلك ما يسقط مه، ويزايل الموضع الذي طهر به.
وكذلك الماء الذي يتردد على الجارحة في حال وضوء أو غسل لفريضة أو نافلة ولا يكون مستهلكا إلا ما سقط من ذلك.
مسألة:
فيمن أراد البول ولم يجد ماء. هل عليه غسله بحلقه ويتيمم، أو يجفف ويتيمم؟ قال: إذا أمكن أن يغسله بريقه بلا أن يخاف أن ينجس شيئا من بدنه ولا ثيابه، فأحب على قول أن يستبرئ حتى ينقطع البول، فيجفف، ثم يغسله بالريق إن قدر على ذلك ثم يجفف ويتيمم. وإن لم يمكن ذلك، فأرجو أن التيمم يجزئه، فإن لم يفعل فله ذلك على قول. ولعل بعضا يرى عليه الإعادة على قول من يرى بالريق يطهر. وكذلك عند عدم الماء. والله أعلم.
أبو سعيد: في من أدخل ذكره في الماء الجاري، وفيه البول، فحركه ثلاث مرات في الماء، ولم يمسه بعرك. أن ذلك يجزئه. (1/422)
صفحة 422
وكذلك إن كان البول في رجله، فرفس بها الماء ولم يمسه حتى عم الماء. أن ذلك يجزئه.
قال: وهو أحب إليَّ من العرك. لأن ذلك يلج أكثر مما يلج العرك. إذا كان في الرجل شقوق. (1/423)
صفحة 423
الباب التاسع والستون
الاجتمار وما يجوز فيه وما لا يجوز
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالاجتمار، وهو إزالة النجو بالحجارة الصغار وتسمى حصى أيضا. وتسمى جمار مكة حصى لصغرها.
قال المهلهل:
هِيَ الشَّمْسُ إِلَّا أَنَّهَا تَسْحَرُ الْفَتَى ... وَلَمْ أَرَ شَمْسًا قَبْلَهَا تُحْسِنُ السِّحْرَا
ضَرَّمْتِ بِالْحَصَى يَوْمَ الْجِمَارِ فَلْيته ... بِعَيْنِي وَأَنَّ الله صَيَّرَهُ جَمْرَا
قال عمرو بن أبي ربيعة:
فَلَمْ أَرَ كَالتَّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ ... وَلَا كَلَيَالِي الحَجِّ أَقْبَلْنَ ذَا هَوَى
ويروى: أفلتن.
ويقال للمستنجي بالحجارة: استطاب. ومنه قيل: استطاب فهو مستطيب إذا استنجى، يريد بذلك، أنه طيب نفسه بإزالة الأذى عنه. وإذا وجد الماء لم يكن له استعمال غيره، لأن فيه غاية الاستطابة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالاستنجاء الإطابة، وبالماء أبلغ الاستطابة والتنظيف. وسواء بعد المخرج أو لم يبعد لعموم (1/424)
صفحة 424
والقائل، إن الاستنجاء بالحجارة أو غيرها للمتغوط الذي تعدى الغائط مخرجه محتاج إلى دليل.
مسألة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تغوط وطلب حجارة يتجمر بها، فجاءه ابن مسعود بحجر فتجمر به ثم قال: زدني، فأتاه بجر فتجمر به، ثم قال زدني فأتاه بروثة، فرمى بها ولم يتجمر بها.
ولا يجوز الاستجمر بالروث والعظم في قول أصحابنا، ووافقهم على ذلك الشافعي، وخالفهم أبو حنيفة فأجاز ذلك.
الدليل على صحة ذلك قول أصحابنا ما روى علقمة عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تستنجوا بروث ولا بعظم، فإنهما زاد إخوانكم من الجن.
وفي حديث آخر، أما العظم فإنه زاد إخوانكم من الجن. وأما الروث فإنها علف دوابهم. فدل هذا النهي على صحة ما ذهبنا إليه. والله أعلم.
وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تستنجوا باليمين، ولا تستنجوا بعظم، ولا برجيع.
وفي خبر أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتمسح بالروث والرمّة. وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: من استنجى بالرمة، فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
والروث هو الرجع، والرمة هي العظام البالية.
قال لبيد:
وَالْبَيْتُ إِنْ يَعْرِمْنِي رِمَّةً خَلَقَا ... بَعْدَ الْمَمَاتِ فَإِنِّي كُنْتُ أَبْتَرَا
ويروى:
والرميم مثل الرمة. يقال منه: قد رم العظام، وهو يرم.
ويروى أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بال، فجعل يفته، ويقول: أترى الله يا محمد يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فأنزل عز وجل:"وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ". فأنزل الله الآية:" قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ"
والرجيع معناه أنه رجع عن حالته الأولى إلى غيرها، لأنه كان عظاما أو علقا. وكذلك كل ما رجع عن حالته الأولى إلى غيرها، لأنه كان طعاما أو علفا، وكذلك كل ما رجع من قول أو فعل، فهو رجيع عند العرب. (1/425)
صفحة 425
قال الشاعر:
لَيْتَ الشَّبَابَ هُوَ الرَّجِيعُ عَلَى الفَتَى ... والشَّيْبُ كَانَ هُوَ الْبَدِيُّ الأَوَّلُ
وفي هذا الحديث أنه أوتي صلى الله عليه وسلم بروث في الاستنجاء فقال إنه ركس، وهو يشبه المعنى بالرجيع. يقال: ركست الشيء وأركسته لغتان إذا رددته. قال الله (1/426)
صفحة 426
قال الله تبارك وتعالى:"وَاللهُ أرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا"، تأويله أنهم ردهم إلى كفرهم. والله أعلم.
مسألة:
أجاز أصحاب حنيفة الاستنجاء بالعظم والروث. وقال الشافعي: لا يجوز.
مسألة:
وفي الحديث: اتقوا الملاعن وأعدوا النبل، بضم النون وفتح الباء، وهي الحجارة للاستنجاء يقال: نبلني أحجار الاستنجاء، أي أعطنيها.
والمحدثون يقولون النبل بفتح النون والباء. وإنما سميت نبلا لصغرها. وهذا من الأضداد في كلام العرب أن يقال للعظام نبل.
مسألة:
وقيل: توفي رجل فورثه أخوه إبلا، فعيره رجل بأنه فرح بموت أخيه لما ورثه، فقال:
إِنْ كُنْتَ أَرَّثْتَنِي بِهَا كَذِبًا ... جَرْوًا فَلَقَيْتُ مِثْلَهَا عَجْلَا
إِرْثُ الكِرَامِ وَإِنْ أُوَرَّثْهُ ... مِنْهَا شَضَايضًا صِغَارَا نَبْلَا (1/427)
صفحة 427
والشضايض التي لا ألبان لها. والنبل في هذا الموضع صغار الأجسام. فنرى أنها سميت حجارة للاستنجاء بها نبلا لصغرها.
والملاعن قيل: المواضع التي لعن من يبرز فيها. وفي حديث آخر اتقوا الملاعن الثلاث، وهي الموارد والطرق والظل. أي في هذه المواضع الثلاثة ملعون من تغوط فيها. والله أعلم.
مسألة:
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بشيء من الطعام، وقال من فعل ذلك فهو ملعون. والله تعالى لعن أمة كانوا يستنجون بالطعام، ونهى أن يستنجي بعظم أو رجيع أو ما قد استنجى به مرة أو مرتين.
مسألة:
ومن عدم الماء وخرج منه دم سائل على بدنه، فعليه إزالته بما قدر عليه، ويتيمم ويصلي فإن جهل، فما أخوفني أن يلزمه البدل. لأن ذلك يشبه السنة في إزالة الغائط بالأحجار عند عدم الماء. قيل يشبه السنة في إزالة الغائط بالأحجار عند عدم الماء ثانية. قال هكذا عندي.
قيلت في الثياب وشبهها مما أنبتت الأرض، إذا أزيل بها، هل يجزئ ذلك عند عدم الأحجار أو وجودها. قال: هكذا عندي ألا يجزئه إذا أزيل النجاسة، إلا ما ثبت النهي عنه مثل الطعام والروث، وما خصه النهي من ذلك.
قيل: فهل لذاك حد في العدد؟ قال السنة منسوخة بالاستنجاء بالأحجار. وإنما ثبت في ذلك إزالة النجاسة بالأحجار عند عدم الماء. (1/428)
صفحة 428
فإذا زالت بما أزيلت من ذلك، لم يكن لذلك غاية في العدد في قلة و كثرة.
وإذا حصل زوالها بالواحدة كالثلاث، لم يكن عليه أكثر من ذلك.
وقول: تزال النجاسة من الغائط بالثلاث مما يدرك له عين النجاسة عند عدم الماء.
واحتج في ذلك بأنها كانت ثابتة قبل النسخ بالثلاث، وكانت طهارة بذلك عند وجود الماء.
وكذلك ثبت عند عدم الماء بعد النسخ لها.
قال: وعلى قول يجزئ أن يمس بحجر واحد، بحدوده الثلاثة، أو بما يزيل كالحجر، مثل الخرقة يمس بها من ثلاثة مواضع.
فإذا زالت النجاسة بالحجر أو بغيره من مواضع الغائط، ثم عرق وسال على ثيابه فإن كان الموضع بحكم النجاسة قد مسه من الرطوبات، فهو نجس عند أصحابنا.
قيل: أفكان قبل المسح حكم الموضع حكم الطهارة، وما مس من الرطوبات طاهر، لثبوت الطهارة بالأحجار.
قال: هكذا عندي.
قيل: كيف والعذرة نجسة.
قال: كما كان الاستنجاء يطهر موضعها، فكذلك الأحجار مطهرة للموضع في السنة. (1/429)
صفحة 429
مسألة:
وعن البول: هل على عدم الماء أن ييبسه بالحجر أو بما يشبه الحجر مثل الغائط؟
قال: ليس عندي أنه مثل الغائط، لأنه ليس له عين، وإنما عليه أن يزيل رطوبة البول بعد انقطاع المادة، لئلا ينجس عليه ثانية، والله أعلم بالصواب.
تم الجزء المبارك، وهو الجزء الرابع من كتاب "المصنف" في الوضوء
ونقضه، والتيمم، والغسل من الجنابة، وفي التغوط وآدابه
والاستنجاء منه، وأحكام ذلك.
يتلوه الجزء الخامس في الصلاة
تأليف الشيخ العالم أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى، الكندي
السمدي العماني رحمه الله وغفر له ولوالديه، ولجميع المسلمين
والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والأحياء منهم والأموات
إنه مجيب الدعوات إلى يوم الدين
وصلى الله على خير خلقه.
*** (1/430)
صفحة 430
ثبت
محتويات الكتاب
الصفحة ... الموضوع
3 ... مقدمة
9 ... صورة الصحيفة الأولى من مخطوطة الكتاب.
11 ... صورة الصحيفة الأخيرة من مخطوطة الكتاب.
13 ... الباب الأول:
في الوضوء ومعانيه، وفضله، وما جاء فيه.
20 ... الباب الثاني:
في فرائض الوضوء وسننه
23 ... الباب الثالث:
في صفة الوضوء، وما ينبغي فيه.
27 ... الباب الرابع:
فيما يؤمر به في الوضوء، وما يستحب، وما يكره.
38 ... الباب الخامس:
في ترتيب الوضوء وتعريفه. (1/431)
صفحة 431
الصفحة ... الموضوع
43 ... الباب السادس:
في النية للوضوء وأحكامها.
51 ... الباب السابع:
ما يستحب في الوضوء من الكلام.
54 ... الباب الثامن:
في ذكر اسم الله عند الوضوء.
57 ... الباب التاسع:
في غسل الكفين عند الوضوء.
60 ... الباب العاشر:
في المضمضة.
65 ... الباب الحادي عشر:
في غسل الوجه للوضوء.
70 ... الباب الثاني عشر:
في غسل اليدين في الوضوء.
73 ... الباب الثالث عشر:
في مسح الرأس في الوضوء. (1/432)
صفحة 432
الصفحة ... الموضوع
73 ... الباب الرابع عشر:
في مسح الأذنين.
81 ... الباب الخامس عشر:
في غسل الرجلين.
86 ... الباب السادس عشر:
المسح على الخفين في الوضوء.
90 ... الباب السابع عشر:
في المتوضئ يكون على بدنه نجاسة.
94 ... الباب الثامن عشر:
في المتموضئ ينسى شيئًا من وضوئه.
99 ... الباب التاسع عشر:
في المتوضئ يشك في وضوئه.
103 ... الباب العشرون:
في المتوضئ يشك في شيء من وضوئه.
108 ... الباب الحادي والعشرون:
في المتوضئ يجد نبعا ويحتشي.
113 ... الباب الثاني والعشرون:
في المتوضئ يخرج من أحد فرجيه رطوبة، أو يشك في ذلك. (1/433)
صفحة 433
الصفحة ... الموضوع
124 ... الباب الثالث والعشرون:
في نقض الوضوء وحكمه.
127 ... الباب الرابع والعشرون:
في المتوضئ يأخذ شعرا، أو يقطع شيئًا من بدنه، أو يفعل شيئا مباحا.
131 ... الباب الخامس والعشرون:
في المتوضئ يأكل شيئًا مما مسته النار.
134 الباب السادس والعشرون:
في نقض الوضوء بالنعاس والضحك، وما أشبه ذلك.
142 الباب السابع والعشرون:
في نقض الوضوء بمس الفروج والعورات.
151 الباب الثامن والعشرون:
نقض الوضوء بمس الميت.
154 الباب التاسع والعشرون:
نقض الوضوء بمس النجاسات.
159 الباب الثلاثون:
في نقض الوضوء بما يخرج من الفرجين. (1/434)
صفحة 434
الصفحة ... الموضوع
164 ... الباب الحادي والثلاثون:
في نقض الوضوء بالرعاف والقيء، وما يخرج من الأنف والفم.
168 الباب الثاني والثلاثون:
قي نقض الوضوء بما يخرج من الفم والأنف.
172 الباب الثالث والثلاثون:
في نقض الوضوء بخروج الدم.
179 ... الباب الرابع والثلاثون:
في المتوضئ، ينظر كتابا، أو حرمة، أو سمع سرا.
181 ... الباب الخامس والثلاثون:
في المتوضئ يرتد خطأ أو عمدا.
185 ... الباب السادس والثلاثون:
في نقض الوضوء بالكذب والغيبة، وما أشبه ذلك من المعاصي.
190 ... الباب السابع والثلاثون:
نقض الوضوء بالشتم والكلام القبيح.
195 ... الباب الثامن والثلاثون:
ما ينقض الوضوء من الكلام وما لا ينقض.
199 ... الباب التاسع والثلاثون:
ما ينقض الوضوء من النظر إلى الفروج والعورات. (1/435)
صفحة 435
الصفحة ... الموضوع
207 ... الباب الأربعون:
في نقض الوضوء بالنظر إلى عورات الرجال وذوي المحارم.
213 ... الباب الحادي والأربعون:
نقض الوضوء بالنظر إلى الإمة والصبيان
216 ... الباب الثاني والأربعون:
في وضوء النساء، وما يجب عليهن، وما ينقض ذلك.
223 ... الباب الثالث والأربعون:
في وضوء ذوي العلل ومن له عذر.
236 الباب الرابع والأربعون:
في وضوء العاجز بنفسه، هل يوضئه غيره.
239 ... الباب الخامس والأربعون:
في التيمم ومعانيه، ووجوبه، وما جاء فيه.
243 ... الباب السادس والأربعون:
في فرائض التيمم وسننه، وما يستحب فيه.
252 ... الباب السابع والأربعون:
في التيمم وما تجوز به الصلوات وغيرها وما ينقضها.
261 ... الباب الثامن والأربعون:
ما يجوز به التيمم من التراب وغيره، وما لا يجوز. (1/436)
صفحة 436
الصفحة ... الموضوع
273 ... الباب التاسع والأربعون:
في الجنب وأحكامه
290 ... الباب الخمسون:
الغسل من الجنابة.
301 ... الباب الواحد والخمسون:
في الماء الذي يغسل منه الجنب، وقلته وكثرته.
305 ... الباب الثاني والخمسون:
في صفة الغسل من الجنابة، وما يؤمر به.
313 ... الباب الثالث والخمسون:
في المغتسل من الجنابة يترك شيئًا من بدنه.
317 ... الباب الرابع والخمسون:
ما يعذر به الجنب في الغسل، والعلة في تيممه.
321 ... الباب الخامس والخمسون:
في الجنب يشك أنه اغتسل أو لم يغتسل، وما أشبه ذلك من الفرائض.
328 ... الباب السادس والخمسون:
في جنابة الخنثى وغسله من ذلك. (1/437)
صفحة 437
الصفحة ... الموضوع
330 ... الباب السابع والخمسون:
في حيض الخنثى.
334 ... الباب الثامن والخمسون:
في غسل المرأة من الجنابة والحيض.
344 ... الباب التاسع والخمسون:
في الجنب يتبع بعد الغسل.
351 ... الباب الستون:
في الجنب يغتسل بغير نية الجنابة.
364 ... الباب الواحد والستون:
ما يجب به الغسل من الجنابة.
372 ... الباب الثاني والستون:
في الغسل على من رأى الجماع وما أشبه ذلك.
379 ... الباب الثالث والستون:
في الغائط ومعانيه ومواضعه وما جاء فيه.
388 ... الباب الرابع والستون:
في آداب التغوط وأين يجوز. وما يكره من ذلك. (1/438)
صفحة 438
الصفحة ... الموضوع
396 ... الباب الخامس والستون:
في الاستبراء.
402 ... الباب السادس والستون:
في البول وآدابه وما جاء فيه.
407 ... الباب السابع والستون:
في الاستنجاء ومعانيه، ونعوته، وما جاء فيه.
413 ... الباب الثامن والستون:
ما يستحب من الاستنجاء وما يجب في ذلك وما يكره.
424 ... الباب التاسع والستون:
الاجتمار وما يجوز فيه وما لا يجوز. (1/439)