صفحة 1
الكتاب: المعتبر
الجزء: الثاني
المؤلف: العلامة المحقق الشيخ/ أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
سنة النشر: 1405هـ ــ 1984م
[مبوب]
الكتاب: المعتبر ج2 لأبي سعيد الكدمي موافق للمطبوع
الولاية
ذكر ولاية من حلف بثلاثين حجة
وعمن حلف بثلاثين حجة وهو في الولاية، ولا يقدر على الحج فولايته بحالها، إن كان يدين بكفارة يمينه إذا قدر، وبفعل ما يراه عليه المسلمون، إذا لم يقدر على الحج.
قال غيره: هذه اليمين لا أعلمها مما يجتمع على القول فيها، ولا أحب أن يلزم نفسه الدينونة بشيء لا يلزمه في الأصل بالدينونة، وإذا دان بذلك على اعتقاد الدينونة بالدين، فيما لا يوافق فيه أهل الدينونة، كان مخالفا لأصل الدين، وإذا اعتقد لما يلزمه في ذلك، وأداء ما يلزمه في ذلك، وكان ما يلزمه في ذلك يخرج في الرأي، كان مصيبا وإن كان يخرج في الدين كان مصيبا.
وكذلك إذا اعتقد تأدية ما عليه من ذلك، أو ما يجب عليه من ذلك فكل هذا يخرج معي على الصواب، وإن كان ما يلزمه في الدين، أو في الرأي، وإذا دان بذلك قطعا، وهو ليس من الدين، لم يجز له ذلك لأنه يخالف أصل الدين، إلا أن يكون معناه في اعتقاده، لجهله لأصول الدين من الرأي، وكان معناه أن كل ما لزمه فهو دين، وظن ذلك، وقصد إلى هذا المعنى، فإني لأرجو أن يسعه على هذا، لأن هذا قد يخرج في معنى الاعتقاد، وفي معنى القول أن ما لزمه، فهو دين، وما ألزم الإنسان نفسه فهو دين على معنى اللزوم والإلزام، وذلك أنه قال: إذا كان يدين بكفارة يمينه، فلا يعجبني أن يدين بما يختلف فيه، على القصد إلى الدينونة إلا على هذا، ممن لا
-5 -
يعرف التمييز بحكم الدين من الرأي.
وعليه كما قال، أن يفعل ما يلزمه، إذا لزمه ذلك في الإجماع، ولا نحب أن يخرج من رأي أحد من المسلمين، ولا يلزم نفسه ما يختلف فيه، أو ما لا يعلم أنه في الدين باعتقاد الدين، ولو أنه اعتقد الدينونة بما يلزمه في هذا الأمر، خرج ذلك عندنا على معنيين:
معنى أنه يخرج على السلامة، لأنه في الاعتقاد إنما دان بما يلزمه دينا، والدينونة لا تكون إلا دينا.
ومعنى أنه لا يسعه إذا قصد إلى كل ما لزم في ذلك دينا، لأنه قد يلزم فيه على الإطلاق في قول بعض، ويخرج على وجه الرأي. (1/1)
صفحة 2
باب: ذكر ولاية الولي إذا لزمه الحدث فمات قبل أن يقام عليه الحد
وعمن أحدث حدثا لزمه فيه الحد، وقد كانت له الولاية، فضرب وهو مريض فمات قبل أن يقام عليه الحد، فإذا تاب فهو في الولاية، ولا يقام الحد على المريض حتى يبرأ.
قال غيره: ليس بما يجب من الحدود تزول به أحكام الولاية، كان له في ذلك عذر، أو لم يكن له في ذلك عذر من مرض أو غيره. وإنما يزيل الولاية الكفر، ولو أنه تاب وقد وجب عليه شيء من الحدود، ولم يرفع ذلك من أمره إلى الحاكم، ولم يصح عليه، لم يكن له معنا أن يظهر على نفسه ذلك، وعليه أن يستر على نفسه، ويستغفر ربه.
-6 -
ومن علم ذلك من أوليائه فتاب منه، كان على ولايته معهم.
وليس للعبد معنا أن يقصد إلى إظهار ما يجب به كفره على نفسه، ولا يقر بذلك، وعليه أن يستر على نفسه كل معصية ركبها، مما يجوز له التوبة منها، بغير إظهار لها، فإن أظهر على نفسه، ما يلزمه به الكفر والبراءة عند المسلمين، بغير معنى يلزمه على القصد إليه من ذلك، كان ذلك معنا مشتبها لما أتى من القذف، والخلع، والبراءة للمسلمين الذي به ينخلع، ويخرج من ولاية المسلمين إلى البراءة لأنه مشبه له، لأنه قد كان مسلما بغير إظهار ذلك، كما كان مسلما بعلم ذلك من غيره، فإظهار ذلك من نفسه براءة من نفسه، وعليه أن يستغفر ربه، ويتوب إليه سريرة، ويستتر على نفسه، وهو مسلم، كما كان عليه أن يبرىء نفسه، ممن علم منه ذلك سريرة، إلا أن يظهر منه دلك، فيبرىء من نفسه، فيكون كما أباح البراءة من نفسه، ببراءته من غيره بالبينة، إذا قصد إلى ذلك.
ومعنا أن عليه التوبة من على هذا المقصد، ولم يكن مأذونا بذلك معنا، ولا معنى للحد في تعلق ما يلزمه هو من التعبد في نفسه، إذا لم يقم عليه الحد، وإنما الحد على الحكام فيه ليس عليه هو، وليس عليه هو أن يعاقب نفسه، إلا بموافقة أصول العدل في دين الله، وليس كل من رأى شيئا رشدا وفضلا كان ذلك على ما رآه وتوسمه.
وكذلك الغي إذا بان له، وكان الذي بان له في رأيه غيا في أصل العدل، كان له ذلك، وكان صوابا أن يدعه، وأما ما يوافق تركه، فليس له تركه ولو رآه وحسبه غيا.
وأما ما لم يعرفه، ووقف عنه فما وافق في ذلك ما يسعه جهله في وقوفه عنه، من ولاية أو براءة، أو فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال، أو اعتقاد، فإن وقوفه في ذلك، وعن ذلك، يسعه إذا لم يعرفه.
-7 - (1/2)
صفحة 3
وأما إذا وافق ما لا يسعه جهله، فلا يعذر بوقوفه، ولو لم يعرفه إذا قامت عليه حجة المعرفة، التي تقوم بها الحجة، فلم يعرفها بتمييزها، وحسب أنها لا تقوم بها حجة لأنه قيل: لا عذر لمن ترك حقا وصوابا حسبه باطلا أو خطأ، ولا عذر لمن ركب باطلا أو خطأ حسبه عدلا وصوابا، وقد قامت الحجة وانقطع العذر، وتأويل ذلك أنه قد بلغه معرفة الحق والباطل فلم يعرف الحق من الباطل.
باب: ذكر الشهادة بالتوبة بعد موت المحدث أو ولاية بغير شهادة
ومن الكتاب: وإذا كان في ولايته مع المسلمين، ثم دخل في شيء أخرجه من ذلك، فزعم رجل من المسلمين ثقة بعد موته أنه تاب من ذلك قبل المسلمون قوله وشهادته بذلك، وتولى المسلمون الهالك بولاية وليهم الحي.
قال غيره: معي أنه قيل: هذا باختلاف.
قال من قال فيما أحسب: تجوز فيه شهادة الواحد بالتوبة في كل شيء من المعاصي، كان ركبه الراكب مستحلا أو محرما، أو جاهلا أو عالما، أو شاهرا أو مستترا، كان من حقوق الله أو من حقوق العباد، في الشاهد الواحد من المسلمين له بذلك، فالتوبة من ذلك مقبولة، ويرجع إلى الولاية بشهادته.
وقال من قال فيما أحسب: لا تجوز شهادته وحده، في وجه من الوجوه من ذلك، ولا يقبل إلا بشهادة اثنين، وأحسب أنه قيل: تجوز شهادته وحده
-8 -
له بالتوبة، إذا كان الحق في ذلك الذنب الذي أذنبه، لله - تبارك وتعالى - وحده.
وأما إن كان من حقوق العباد لم تقبل شهادته وحده.
وأحسب أنه قيل: لا تجوز شهادته وحده من حقوق الله، فيما كان ذنبه فيه شاهرا، وأما ما كان غير شاهر من المعاصي، التي ليست شاهرة، جازت الشهادة من الواحد.
وأحسب أنه قيل: تجوز في حقوق الله، وحقوق العباد إذا كان المحدث مستحلا لأنه لا تبعة عليه، إذا تاب بعد التوبة، فيما أتلفه من أموال الناس، ولا فيما ضيع من حقوق الله، فالتوبة تجزئه إذا تاب عن ضمان ذلك كله، وعن القيام بما قد ضيع من حقوق الله، على الدينونة.
ومعي أنه اختلف فيه القول، إذا لم يقبل الشهادة له، قيل: هو على البراءة.
وقيل: هو في الوقوف، لا يتولى ولا يبرأ منه، لسبب شهادة الواحد، وأما إذا علم منه أحد من المسلمين ذنبه ذلك، ثم علم منه الولاية له بعد ذلك الذنب الذي قد علمه منه، فاحسب أنه قيل: إنه يتولى بولايته أيضا، ويحسن بهما الظن جميعا، أن المتولي له لم يتوله إلا بعد التوبة.
وأحسب أنه قيل: يبرأ منه الأول، ويتولى المتولي له لأن الأول المحدث لم تصح توبته بشهادة، وهو على حكم الصحيح فيه، والمتولي له على ولايته التي كانت له لأنه لم يعلم تولاه بباطل، (1/3)
صفحة 4
ويمكن فيه هذا وهذا، فهو على ولايته.
وأحسب أنه قيل: يوقف عن المحدث الأول، لمعنى ولاية المسلم له، ويتولى المتولي له، على معنى الذي وصفت لك.
-9 -
وأحسب أنه قيل: يبرأ من الأول، ويوقف عن المتولى له، بدخول الإشكال عليه إذا صح حدث الأول، وصح ولاية المتولى له، على غير صحة توبته، وأمكن فيه الحق والباطل، على الأصل الذي قد صح، ولم يصح زواله فيوقف عنه للإشكال فيه.
وأحسب أنه قيل: يوقف عنهما جميعا فيوقف عن البراءة من الأول، لموضع ولاية الثاني له، فيدخل في البراءة منه بالشبهة، والبراءة تدرأ بالشبهة.
وأحسب أنه قيل: يبرأ منهما جميعا من الأول بصحة الحدث فيه، ومن الثاني بولايته، لمن قد صح معه حدثه، ولم يعلم أنه علم توبته، وكان في الحكم محجورا عليه ولاية الظالم، كما كان محجورا عليه البراءة من المسلمين في الظاهر، فالمتولي للظالم كالمتبرىء من المسلم، مع من يتولى هذا، ويبرأ من هذا، لأن ذلك كله محجور، من ولاية الظالم، والبراءة من المسلم.
ويعجبني في هذا كله في الشهادة وفي الولاية له ممن يعلم علمه بحدثه أنه إذا كان إذا تولاه، وهو ممن يبصر الولاية والبراءة، أن يتولى بولايته، أعني المحدث، كذلك إذا شهد له بالتوبة من حدثه، الذي أحدثه المعروف به، وهو يبصر أحكام الولاية والبراءة، وأحكام التوبات مأمون في ذلك بصير بأحكامه ووجوبه، ووجوب حقوقه من مستحله وحرامه، وحقوق الله فيه، وحقوق العباد، أن يقبل ذلك منه، ويتولى بولايته، كائنا ما كان، من حق الله أو من حقوق العباد، مستحلا أو محرما، سريرة أو شاهرا، أن يتوليا جميعا، وإن لم يكن المتولي للمحدث بعد علم منه بحدثه، مأمونا على مثل هذا الذي وصفته لك، بصيرا به، ثم تولاه وهو ضعيف، لا يؤمن على معرفة الأحكام، فنخاف أن يدخل عليه الإشكال، ويلحقه الاختلاف في الولاية والوقوف، وأما البراءة منه فلا يعجبني على كل حال.
-10 -
ومعي أن الشاهد له بالتوبة، إذا لم يتوله، حتى يشهد له بالتوبة من ذلك الحدث، الذي به برىء منه، فلا أعلم أن أحدا قال فيه بالوقوف ولا بالبراءة، أعني الشاهد بالتوبة للمحدث، من أي وجه كان الحدث.
ومعي أنه إذا كان يبصر أحكام ذلك، أو لا يبصر، وإنما هو شاهد له بالتوبة، والتوبة معروفة من ذلك الحدث، وإذا شهد له بالتوبة من ذلك الحدث، فقد شهد له بالتوبة، وكان مأمونا على قوله في ذلك، ولا يلحقه -فيما أعلم -مع أحد منهم براءة ولا وقوف. (1/4)
صفحة 5
ومعي أنه لو كان المتولي لهذا المحدث ممن يبصر الولاية، والبراءة، ولم يعلم بحدثه ثم تولاه، ولم يشهد له بالحدث، وهو ممن لا يعلم أنه يعلم بحدثه، فإنه لا يبين لي أن يتولى بولايته على حال لأنه يحتمل أن يكون تولاه قبل أن يحدث الحدث، فتكون ولايته له جائزة، ولا يوجب ذلك خروج المحدث من حدثه، إلا أن يكون حدث المحدث شاهرا، شهرة تجب على أهل الدار معرفة كفره فإذا كان على هذا، ثم تولاه هذا المتولي الذي يبصر الولاية والبراءة، ثبتت ولايته، معي في قول من يثبت الولاية بقول الواحد، كائنا ما كان المحدث معنا، من المسلمين المستحلين والمحرمين من الأئمة أو من العامة ما لم يقع هنالك تنازع، وتتكافأ فيها أقاويل العلماء، في صاحب الحدث الشاهر من الأئمة، أو من العامة، فإن أهل الأحداث الشاهرة، التي تجب على أهل الدار والآفاق والأمصار بشهوة حدثه، ولا يختلف فيها من شهرة حدثه المكفر.
-11 -
باب: ذكر من ثبتت ولايته في حكم الظاهر كيف تزول
ومن ثبتت ولايته بما عرف من صلاحه، فهو على ولايته، ولا يزول عنها إلا بحدث يستحق به ذلك.
قال غيره: معي أنه قد قيل: هذا إذا ثبتت ولايته في الحكم بالظاهر، فلن تزول إلا بالعداوة لأنها ولاية، والولاية ضدها العداوة، ولن يحكم بحكم غير هذا، يتنقل إليه من ركوبه لكبيرة، أو موافقته لصغيرة يصر عليها، فيستحق البراءة من ذلك، فيستتاب من ذلك، فإن لم يتب برىء منه، على قول من يقول ذلك، أن يبرأ منه، ثم يستتاب على ما قيل من ذلك، وكلما أتى حدثا ما دام يتوب منه، فإن رجع إلى الولاية، ولا يوقف عنه إلا بعداوة على هذا القول.
وقيل: إن الولاية بالحكم بالظاهر، إنما هي صفوة يصطفيها العبد لنفسه، وإنما يقصد إلى ولاية أولياء الله، ممن لم تلحقه تهمة، ولا خيانة في الأصل، ولا ريب فمتى كان أحدث ذلك لم يتول، وكذلك إن نزل بعد أن يستحق الولاية بمنزلة تلحقه فيها تهمة أو ريب، رجع إلى حالته التي لم يكن يستحق فيها الولاية إلا بزوال هذه منه، من حال الوقوف الذي كان له، ويقف عن ولايته إذا لم يتم إلى حال الأمانة، وزوال الريب عنه.
وقال من قال: فيما أحسب أن له أن يقف عن ولايته، إذا ثقلت نفسه عن ولايته، لما يرى منه من الأشياء، التي لا تعجبه له، ولا تستحسن في الأولياء لأن أصل ولاية الظاهر، إنما هي على ما تطيب به النفس، ولا يثقل
-12 -
ولا يرتاب فيه.
وقد قيل عن بعضهم: إنه لم يكن يتولى ولو عرف بالموافقة خوف ما يدخل عليه في أحوال الولاية (1/5)
صفحة 6
من اختلاف الحال، وينتظر به إلى الموت، فإذا مات تولاه على ذلك، وذلك إذا كان إنما يصطفيه هو بنظره، ويتولاه ببصره، ولم يثبت عليه ذلك بحكم من غيره.
وقد قيل عن بعضهم: وأحسبه ابن مسعود: لا تعجلوا على الناس بمدح ولا بذم، فرب من يسركم اليوم يسوؤكم غدا، ورب من يسوؤكم اليوم يسركم غدا، فانظر كيف أمر بتلك العجلة في الحمد، ولو كان قد جاز أن يحمد، وترك العجلة في الذم، ولو كان قد جاز الذم، إلا بعد التأكد والتاني، والنظر من وجوه السلامة، حتى يأتي بأمر على وجهه، لأن الولاية والبراءة علمان وحدثان يحدثان، فينبغي أن لا يكونا إلا على وجه لا يخشى منه، بعد عقدهما لمن يعقدان له وعليه، والبراءة عندي أبين في هذا وأوجب، لأن لها حدا يقطع عليه، بحكم بها فيه، وهو أن يصر الراكب على ذنب من الذنوب، صغيرا أو كبيرا، ثم استوجب البراءة والعداوة على ذلك عندي، كل من عرف ذلك، وعلى كل من عرف ذلك أنه مكفر، فانظر كيف أمر بالتأني فيه، وأن لا يعجل فيه، لأن الوقوف على اعتقاد طلب السلامة، والمخرج مع الدينونة بما يلزم في ولاية، أو براءة في الجملة و الشريطة، أو في هذا الشخص الذي قد صح منه، ما تجب به الولاية أو البراءة عند علماء المسلمين، واشتبه ذلك على من هو دونهم، فاعتقاده في هذا الشخص بعينه براءة الشريطة، إن كان قد استحق ذلك، أو ولاية الشريطة إن كان قد استحق ذلك الريب لعارضة فيه، أو لسبب ينظره فيه حكما له منه، مما قد وجب عليه، لأنه لا يحكم عليه بشيء يرتاب فيه.
وهذا الوقوف على هذه الشريطة واسع للعالم والضعيف، إذا كان مذهبه اعتقادا صحة الحقيقة في طلب السلامة، مما يخاف في قطع الحكم في
-13 -
الولاية والبراءة، من عواقب الندامة، حتى يبين له ما يشتبه عليه فيه.
باب: ذكر حدث الولي في حكم الظاهر
قال غيره: قد مضى مما نرجو أن في بعضه كفاية عن تفسير هذا، إلا أن قوله كبيرة، يجب بهما عليه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، فكأنه أثبت ألا تكون كبيرة، إلا إن ثبت فيه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، والقول في ذلك معنا أن الكبيرة التي يختلف فيها، أنه ما ثبت فيه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخره من كتاب أو سنة أو إجماع، أو ما أشبه ذلك، أو لعن عن الله، أو سخط أو غضب، أو لعن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قبح أو ما أشبه ذلك فهو كله كبير، لاحق بحكم الكبائر من المعاصي، ليس أنه حتى يجتمع فيه حكم حد في الدنيا، أو نص وعيد في الآخرة، وليس بأحدهما يجب حكم الكبير.
وأما البراءة بعد الاستتابة من الكبير، فقد مضى فيه القول، والاختلاف فيه أن بعضا لا يبرأ منه حتى يستتيبه، وبعض يستتيبه ثم يبرأ منه. (1/6)
صفحة 7
ويعجبني أن لا يبرأ منه بالحكم حتى يستتاب، لثبوت الإجماع أنه لا يحكم عليه بحكم حتى يحتج عليه، إذا أمكن ذلك، وذلك في المال لا في نفسه، ويحكم عليه هاهنا في نفسه، فتكون الحجة عليه بنفسه وتترك ولايته، مع معرفة كفره، واعتقاد استتابته، وهذا موافق معي لحكم السنة في الأحكام، لأنه ليس ترك البراءة منه شك في أمره، وإنما هو اعتقاد لا يقضي فيه بقضاء يحول حكمه إلا بعد الحجة، وأما ما يلزمه في حدثه من الضمان والتبعات، فمعي أنه قيل بالتوبة منه عن ذلك، يستحق الولاية لأنه يكون
-14 -
الضمان الذي يتعلق عليه بعد التوبة منه من الحدث، بمنزلة الدين، وليس في الدين استتابة، وإنما هو في الذمة، مأمون على أدائه، ما لم تقم عليه حجة بأنه مبطل في شيء من ذلك.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يتولى إذا تاب، حتى يعلم منه الدينونة بأداء ذلك، ويعطي بلسانه، ثم هنالك يتولى إذا أعطى الدينونة، بأداء ما يلزمه من ذلك.
وأحسب أنه قيل: إذا تاب ولم يؤد، ولا دان بأداء ذلك فهو في حالة البراءة، ولا تتم توبته إلا بالدينونة، بأداء ما يلزمه من المظالم التي كان أصلها مظالم، لأن المظالم عليه متعلقة، ولا يخرج ذلك مخرج الدين، ولكل شيء من ذلك معنا حجة، يذهب إليها القائل من هذه الحجج.
ويعجبني أنه إذا تاب ودان بأداء ما يلزمه، ثبتت ولايته، ولا تعجبني البراءة منه على حال، ولو لم تعلم منه الدينونة بأداء ذلك، ولا يعجبني أن يسرع إلى الرجوع إلى ولايته، إلا باعتقاد أداء ذلك، لأنه مظلمة قد ركبها وبها كفر، فلا يصح له معي حقيقة حكم الولاية بالاستغفار بلسانه فيما ظهر، والإقرار بأنه دائن بأداء ما يلزمه في ذلك في حكم ما أسر.
باب: ذكر من يتولى بنظره وصفة ذلك
واعلم أن الولاية عندي بحكم الظاهر، التي يصطفى بها الأولياء، إنما هي تخرج مخرج حكم الرأي، باجتهاد النظر لمن عرف أصول الولاية والبراءة، ويعرف أحكامها، وخاصها من عامها، وحكم البدع منها من حكم الدعاوى، وحكم التحريم منها من حكم الاستحلال، وحكم ما يسع
-15 -
جهله منها، وما لا يسع جهله، وحكم ما يلزمه فيه السؤال منها، من حكم ما لا يلزمه فيه السؤال، وحكم الرأي منها من حكم الدين، وحكم السر منها من حكم الجهر، وحكم الشهادة منها من حكم القذف والدعاوى، وحكم الدعوى منها من حكم الفتيا.
فإذا كان بصيرا بالأصول من الولاية والبراءة، وبأحكام الأصول، فكان له بصر بحسن نظر مع ذلك، يفرق به بين تمييز البشر وموضع الصفوة منهم، من موضع الكدر، استعمل في ذلك (1/7)
صفحة 8
مجهود النظر، في كل ما أراد أن يأخذ من أمور الناس أو يذر، ولا يعجل عجلة خرق، فيلحقه في ذلك أحكام الحمق، ويتأيد ويستنبط عن أخبار الناس، ويسأل عنهم أهل المعرفة بهم، فإنه ربما كان من هو دونه في النظر، أبصر منه بأمر الواحد الذي قد غاب عنه من أمره، ما لم يغب عمن هو عارف به، حتى يدخل في الأمر على بصيرة، وإذا كان بحد المعرفة في الناس، بهده الشروط التي هو أبصرها، وله نظر يؤديه إلى معرفة التمييز لأمور الناس، و إلا لم ينفعه علم ذلك إلا في أحكام الفتيا به، وربما كان كثير العلم، ليس له نظير يؤديه إلى أكثر مما علم، ولا يكاد من ضيق صدره، وقلة نوره، أن يحيط علما بما عرف، وإتقانا لما علم، إلا وتجده في عامة أموره متحيرا، وربما كان قليل العلم، له مادة بصر من ذات نفسه، تدعوه تلك المادة إلى طلب علم يخرجه إلى ما لا يعلم، ويستخرج بقليل علمه مع مادة نظره وصفوة بصره، ما لم يحفظه، وما هو أصفى وأحسن وأشفى من عبارة هذا المكثر، لما وعى من علمه إذا لم تكن له مادة بصر، وصفوة نظر لأنه إذا رجع العبد واحتاج في شيء من أموره، إلى أن لا يقدر بمادة نظره، وصفوة بصره، إلى تمييز شيء من الأمور، إلا ما حفظه نصا بحروفه كتلاوة القران، لم تجده إلا ضعيفا فيما عرف وحفظ لأنه لا يستطيع القلب أن يحفظ العلم والأخبار بتلاوة الحروف، وإتقان الكلام نفسه، إذا لم يكن يبصر حامله، أحكام المعاني التي يخرج منها كلامه الذي يتكلم به، أو أفعاله التي يفعلها، أو رأيه الذي يبرمه،
-16 -
ولم نجد له حقيقة علم، ولا حسن رأي، ولا قوة فعل ينتفع فيه بنفسه، ولا ينتفع منه غيره به، وإنما يتكلم بما لا يعلم وهو مشاقق أن لا يسلم، وكيف يكون له ومنه وفيه شيء غير ذلك، فافهم المعاني في علم المادة، وعلم الغريزة.
فإن القليل من علم المادة في كثير علم الغريزة كثير، والكثير من علم المادة مع القليل من علم الغريزة يسير، ولا يكاد ينتفع علم الغريزة إلا بعلم المادة، ولا مجال أنه لا ينتفع أحدهما إلا بصاحبه، ولكن ربما كان كثير علم الغريزة يستخرج بإلهام الله - تبارك وتعالى - من علم المادة، ما لا يستخرج قليل الغريزة كثير علم المادة، ولا توفيق لأحد من الخليقة في شيء من الأمور إلا بالله رب العالمين، هو حسبنا في جميع أمورنا، فنعم المولى ونعم النصير.
فإذا أبصر العبد أمرا من الأمور من إلهام الله له، انتفع بمادة ما أمده من تلك المكتسبات، وأسور عن نفسه فيما قد هداه إليه الله أو كان غيره أكثر تجاربا فيه، وأقدم سنا منه، وأكثر تعاهدا له منه، لحسن نظره فيه، ولو لم يعرف ذلك من أحد من البشر، ولا عدم تبين ذلك، ولا أكثر من تلك النقود والسيوف والبروز وجميع الأشياء التي تتفاضل، وتخرج أحكامها بالنظر، وربما كان صغير السن قليل التجارب في ذلك أبصر من قديم السن، كثير التجارب، والتعاهد في ذلك، وربما وجدت كبير السن كثير التعاهد والتجارب في ذلك، لا يبصر منه شيئا من دقائقه، وربما (1/8)
صفحة 9
وجدته يبصر دون من هو بمنزلته في ذلك، وهو بمنزلته أبصر منه، وهذا ما لا يخفى على من فتح الله له نظرا فيه، ونظرا في أمور الناس، واختلافهم فيه، وهذا إنما يبصر كله ببصر العين، ونور القلب، لا بغير ذلك يدرك.
وأمور الناس لا يدرك اعتبارها، ولا تمييزها، إلا بأصل العلم الذي وصفته لك، الذي يعرف به البار منهم والفاجر، والمؤمن منهم والكافر،
-17 -
والكاذب منهم والصادق، والمشرك منهم والمنافق، وما لا يحصى من أسمائهم وصفاتهم، ويكون لمن علم تلك الأصول مادة نظر، ونور قلب وبصر، يعرف به تمييز دبيب الذر، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشرك في أمتي أخفى من دبيب الذر على الصفا" فأين لك بهذا القلب وهذا النور، إلا أن يوفق الله لشيء من الأمور؟ فإنه على كل شيء قدير، ويحتاج إلى نور قلب، يميز به بين الغراب من الغراب، والماء من الماء، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المنافق بالمؤمن أشبه من الغراب بالغراب، والماء بالماء".
فهذا العلم الدقيق لا يعرف عندي بعلم المواد، وعلم المكتسبات، وإنما يعرف بما يهتدي إليه من علم المكتسبات، مع صحة نور القلب، وجمة العقل والآلة، و إلا فتاه في ذلك وحار وغرق، في عميقات البحار، ولم يميز بين الفجار والأبرار، ولا الأخيار ولا الأشرار، ولا المؤمنين والكفار، ولا أعلم تفاضلا في الخير والشر عند من هدي لذلك، وأبصر من تفاضل البشر، ومن دقائق العلم فيهم والنظر، فعليك فيهم بالحزم والحذر، قبل أن تدخل في أمورهم في كدر، وانتفع عند فضل الله وتوفيقه بالعلم والبصر، ولا يدرك العلم إلا بأحكام الأثر، ومحكمات الكتب والسير، وصحيحات الرواية والخبر، وإذا خالفت ذلك بترك ما نهى الله عنه أو أمر، في ولاية أو براءة على غير ما يحبه الله ويرضاه، أو شيء مما أوجبه الله عليك أداه عمى، وصمما، وغشاوة، وبكما؟ فإنه قيل: من لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها، وما التوفيق إلا بالله.
-18 -
باب: ذكر معنى قبول الولاية بالرفيعة وثبوتها وجوازها
وقد قيل: إنه تقبل الولاية بالواحد الثقة، و إن كان عبدا، وكذلك المرأة إذا كانت تعرف الولاية والبراءة، ولا تبطل ولايته إلا بشهادة رجلين عدلين عليه، بما تبطل به شهادته، وكذلك حفظنا عن المسلمين، وشهادة رجل وامرأتين من العدول.
قال غيره: أما الولاية، فقد قيل: إنما تجوز وتثبت بالرفيعة، من قول الواحد المسلم الثقة في دينه، البصير بأحكام الولاية والبراءة، المبصر للولاية والبراءة.
ومعي أنه قيل: لا تجوز ولا تثبت إلا باثنين، ممن وصفت لك، ومعي أنه قيل: انه يجوز بقول (1/9)
صفحة 10
الواحد ممن وصفت لك، ومعي أنه قيل: ولا يلزم المرفوع إليه إلا بقول اثنين، وهو مخير في قبول الولاية بالواحد ممن وصفت لك، ومعي أنه قيل: إذا سأل هو عن ولاية المرفوع إليه ولايته، فرفع إليه ولايته واحد ممن وصفت لك، لزمه أن يتولاه، وإذا لم يسأل هو عن ذلك، وكان الرافع هو للولاية، فلا يلزم المرفوع إليه، وهو بالخيار ما لم يكن هو السائل.
ومعي أنه يذهب إلى أنها بالواحد تلزم على كل حال سأل أو لم يسأل، ولا يجعل له التخيير. يخرج ذلك معي في التأويل مشبها للفتيا والدلالة، فكأنه أفتاه ودله على شيء من الفرائض، التي قد أوجبها الله عليه، فكانت فتياه ودلالته عليه، حجة على ما قد تعبد الله من الولاية في
-19 -
حكم الظاهر، فإذا ثبت هذا السبب، الذي هو دليل له على ولاية المسلم الذي قد أوجب الله عليه في الحكم ولايته، لم يكن له ترك مما ألزمه الله، ولم يكن له تخيير. فإن كان هكذا فالمرأة إذا كانت بهذه المنزلة، المرأة الحرة، والعبد والأمة، إذا كانوا بهذه المنزلة التي وصفتها لك، كانوا حجة لأنه في الفتيا، وعلى الشيء من الأشياء لا فرق فيها بين عبد ولا حر، ولا أنثى ولا ذكر، ولا من قل أو كثر، بلوغ الحجة وقيامها إصابة المعنى نفسه، الذي ثبت فيه التعبد ووجوده.
فهذا معنى يخرج في قول الواحد، أنه ثابت بقوله الولاية بلا تخيير. وأما معنى ما عندي أنه قيل: إنه مخير في قول الواحد، وغير مخير إذا سأل، فيشبه عندي سؤاله سؤال الحاكم للمعدل المنصوب للعدالة عن شهادة الشاهد، فيعدله المعدل ي الحكم الذي قد ثبت على الحاكم السؤال فيه، والعمل به، فإذا سأله كان قوله عليه حجة إذا عدله، وله طرحه غيره من المعدلين، ولو رفع إليه المعدل في سائر الأوقات عدالة شاهد له، ولم يكن ذلك لازما له وقت الحكم الذي يعني به، إذا لم يكن فيه سؤال، ولم يجزه ولم يلزمه أن يحكم بذلك التعديل، حتى يسأل عن الشاهد العالم إذا شهد في ذلك الحكم، وكان سؤاله عن هذا الشاهد لهذا العالم، يخرج عندي مشبها لهذا الحكم، لهذا المعدل في حكم الذي أراد أن يحكم فيه، بشهادة هذا الشاهد إذا قد شهد فيه.
وكذلك سؤال هذا لهذا العالم، عن هذا المسلم ليحكم فيه بما سأل عنه، فهذا عندي يخرج على هذا والله أعلم.
وأما قول من قال: إنه مخير في قول الواحد على حال في ولاية من تولاه، أو دفع ولايته، سأل أو لم يسأل، فإنه يخرج عندي أنه يذهب إلى أن الولاية حكم، ولا يلزم الحكم فيها إلا بشاهدين ممن تجوز شهادته في ذلك الحكم،
-20 -
فالولاية لزومها له في إنسان بعينه، بعد أن كان سالما من ولايته، ومن أحكام ما يجب عليه من ولايته، فلا يلزمه إلا بما يلزمه له الحكم، وهو شاهد أن ممن تجوز شهادته في ذلك المشهود به. (1/10)
صفحة 11
وإذا رفع إليه الواحد الذي لا يجب نسخه الذي تجب عليه ولايته، بمنزلة شهادته عليه في شيء إذا صدقه الشاهد فيه لزمه الحكم به من حرمة حلال في يده، حلال يريد أن يدخل فيه مما حكمه المباح، من مال أو فرج أو ما أشبه ذلك، فإذا شهد معه العدل المسلم الثقة، في شيء من مثل هذا، ولو كان في الفضل بأي حال، والعلم بأي حال، ما لم يكن نبيا أو رسولا من قبل الله - تبارك وتعالى -، من أنبيائه ورسله، فلا يكون عليه حجة، ولكنه بالخيار، فإن شاء صدقه وألزم نفسه ذلك الحكم، وإن شاء لم يصدقه حتى تقوم عليه الحجة بشهادة شاهدين، وسواء عندي في ذلك، سأله عن ذلك أو لم يسأله، فإذا ثبت عليه قول الشاهدين اللذين هما حجة عليه فيما تعبده الله به، لم يسعه إلا إلزام نفسه الحجة، ولو لم يحكم عليه بذلك حاكم، في جميع ما كان مباحا له، شهدا عليه بحرمة أو بباطله، أو بما يزيله منه بصفة يبينانها أنها من المحرمات، وسواء سألهما عن ذلك، أولم يسألهما، فهما حجة عليه إذا عرفهما معرفة تقوم عليه، بمعرفته فيهما الحجة، وليس له أن يجهلهما بعد أن علمهما، ولو جهل موضع حجتهما، فكذلك هذا المتولي في هذا، وإلزامه له الولاية فيما تعبده الله في أحكام الولاية لوليه هذا، فقامت عليه الحجة ببلوغ علم ذلك إليه، فليس له أن يجهله إذا علم الحجة أنها حجة، ولو جهل حجة الحجة.
وقد قيل: يلزمه ذلك ولا يسعه إلا ولايته، لمن توليا، وقد قامت عليه الحجة.
وقال من قال: إن لم يبصر وجه وجوب الولاية بولاية العالمين، والعلماء الذين هم عليه حجة، وضعف عن ذلك فوقف عن ولاية المتولى، وتولى
-21 -
العلماء على ولايتهم لمن تولوه، ولم يقف عنهم برأي ولا بدين، ولا برىء منهم برأي ولا بدين، ويسعه ذلك، ولم يضق عليه، وقد تولى في الحكم من تولوه في جملة ما تعبده الله به، وبه جاء الأثر الذي لا أعلم فيه اختلافا بين أهل البصر، أنه من وقف وتولى من تولى، فقد تولى، أي فقد تولى المتولي، في أصل ما أوجب الله عليه أن يتولى.
وكذلك يلحقه إذا ضعف، ولم يبلغ بصره إلى ما بلغ إليه العلماء من أحكام الولاية، والولاية في أحكام ما وصفت لك من الاختلاف في الواحد ولزومه ذلك، وتخييره في ولاية المرفوع ولايته، فعلى كل حال إذا لم يبصر ذلك، فذلك عندي أوسع للاختلاف أن يتولى المتولى من العلماء، أو يقف عن المتولى، ويسعه ذلك، ولا يسعه على حال، وإن ضعف عن ولاية المتولى، أن يترك ولاية المتولى من العلماء، ولا يبرأ منه برأي ولا بدين، فافهم ذلك إن شاء الله.
باب: ذكر ولاية الطفل بولاية أحد والديه
المجنون إذا كانت له ولاية، ثم ذهب عقله، فهو على ولايته، الصغار المسلمون يترحم عليهم، ويتولون إذا ماتوا، وكذلك إذا كان الأب وحده في الولاية.
وقال أبو زياد: عن أبي العباس ولده، قال: كتبت أنا وأبو جعفر جوابا في الصبي، إذا كانت أمه (1/11)
صفحة 12
في الولاية، أنه يترحم عليه، فقرأ أبو علي الكتاب فلم يغيره.
وقال من قال: حتى يكون الأب، وأما الأم فلا.
-22 -
وكذلك أطفال المشركين إذا أسلم أبوهم وأصلح، فهو في الولاية، لأنه تبع له، فإن بلغ الصغير، زال عنه ذلك، فإن كانت له ولاية تولي، وإن لم تكن له ولاية هو لم يتول بولاية أبيه.
قال غيره: في هذا كله معي أنه قد قيل: هذا، فأما في أطفال المسلمين فقد جاء فيهم عن الله فيما جاء في التأويل قوله -تعالى -: (والذين أمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين) (1).
فإذا ثبت في الذين آمنوا، لم يصح ذلك إلا في الجملة، من الذين امنوا، أو تزول عن الذين امنوا، والآباء والأمهات داخلون عندنا كلهم في الذين آمنوا، وأولادهم وذرياتهم، فإذا ثبت لهم الإيمان من الآباء لم يخرج من الأمهات، فمعي أن هذا مذهب من يقول: بأنهم سواء الأب والأم، لمن كانت له الولاية منهما ألحق به أولاده، وأما قول من يقول: إنه حتى يكون ا لأب.
فمعي أنه يذهب أن الأولاد إنما هم للآباء في ثبوت الأحكام، من ثبوت ما يلزم الحكم في الأب، وعلى الأب، وللأب دون الأم من وجوب النفقة، والكسوة للولد على أبيه، دون أمه، ووجوب حكم الرضاع على الأب للأم، وتصرف الأب في مال الولد، في مصالحه في نفسه من دون الأم، وإنما المخاطبة في هذه الأمور للرجال، فيلحق التعلق معنا بأحكام ولاية الظاهر، من أحكام الدنيا بهذه الأسباب، ولا يخرج ذلك معنا إلا التعلق بالصواب، لثبوت مخصوصات الحكم بالأب، دون الأم في هذه الأسباب.
وأما ثبوت ذلك في أحكام الآخرة، فلا يستقيم معنا في ذلك اختلاف، وإذا ثبت اللحوق بهم في الآخرة بالآباء لم يستقم إلا أن تكون الأمهات
__________
(1) - الطور 21.
-23 -
مثله، لأن أحكام الدنيا غير أحكام الآخرة، وأحكام الظاهر، غير أحكام الحقائق في الولاية والبراءة، وأحكام الآخرة أحكام الحقائق، وأحكام الدنيا أحكام ظواهر، ليست بحقائق، وإنما هي تلزم بالتعبد، فافهم ذلك إن شاء الله.
ونحب على كل حال في الولاية، أن يكون يثبت لأولادهم جميعا الولاية من قبل الأم والأب، وهو معنا أكثر القول، وأشبه بالثبوت، لأن معنى الإيمان والولاية ليس كمعنى الأحكام من النفقات والأموال، والمصالح في الدنيا، وأما إذا لحق للصبي الولاية بولاية أبيه في حكم الظاهر، ثم (1/12)
صفحة 13
بلغ، ولم يعرف منه ما تجب به ولاية ولا براءة، فمعي أنه قد قيل: يوقف عنه، وهو كسائر الأطفال إذا بلغوا، ممن لم تكن له ولاية بولاية أبيه، ويخرج معي هذا الوقوف إذا ثبت هذا أن يكون وقوف الدين، في جميع العالمين، ممن لم يصح منه ما تجب به ولاية ولا براءة، وهو كسائر الناس.
ومعي أنه قد قيل: إذا ثبت له الولاية بسبب لم يحل عنه، وهو عليها، وهي له إلى أن يعرف منه ما ينقضها، وقد كانت إنما ثبتت له في حكم الظاهر بسبب، فلا يزيلها عنه إلا بسبب يحدثه.
ومعي أنه قيل: تثبت له ولاية الرأي أن يتولى نفسه، ويعتقد فيه إن كان على الحق والدين، الذي يجب له به الولاية، ولا يقطع عنه كغيره، ممن لم يعرف منه شيء، ولا يوقف عنه كغيره ممن لم يعرف منه شيء، ويعجبني فيه ولاية الرأي، لئلا يتعرى في الحكم كغيره، مما ثبت له في الحكم، و ولاية الرأي ولاية السلامة -إن شاء الله -، وهو أن يعتقد ولايته على ما كان في الشريطة، إنه إن كان على الإسلام، وهذا في نفس ولايته.
وأما في حكم شهادته، وما يلزم له وعليه في أحكام الولايات فلا يبين لي أن يكون فيه إلا حكم الوقوف، وأنه فيه كغيره من الناس في حال التعبد في
-24 -
غير ولاية نفسه.
ومعي أنه قيل: في أولاده الذين ماتوا صغارا، من قبل أن يستحق هو الولاية، كان على شرك يوم ماتوا، أو على كفر نفاق، أو لم يكن يعرف منه شيء ثم صار في حال يستوجب الولاية، أنه تجب لأولاده الصغار الذين قد ماتوا ما يجب له به، ويكونون لحقا به، في حكم الولاية في حكم الظاهر وتجب ولايتهم.
وكذلك معنا إذا ثبت أنهم لحق بهم في أحكام الآخرة، فسواء مات الطفل وأبوه مشرك في أحكام الدنيا، أو كافر منافق، أو مؤمن في أحكام الدنيا، لأن أحكام الآخرة لا تتحول في حكم الله -تبارك وتعالى- ولا تختلف.
وكذلك، إذا مات الوالد وله ولاية، ثم ولد له من بعده أولاد، فهم لحق به في الولاية، ولا تختلف معنا أحوالهم في أحكام ولاية الظاهر، مات قبلهم أو ماتوا قبله، أو كانوا في الحياة جميعا في وقت واحد.
باب: ذكر معنى ولاية المجنون وحكمه
وأما المجنون فمعنا أنه إذا ذهب عقله، وقد صار بحد المعتوه، فقد زال عنه حكم التعبد، بمنزلة الصبي الذي لا تعبد عليه، في أحكام الدنيا، بل قد يكون من الصبي المراهق والعاقل ما يرجى له فيه، ما لا يرجى للمعتوه ولا منه، إلا أنه إذا جن وهو في حد الولاية فقد ثبتت ولايته في حكم (1/13)
صفحة 14
الظاهر، و كأنه مات على الولاية.
-25 -
وأما ما ولد له في حالة عتهه (1)، فهم لحق به في الولاية، وأحكامه كلها في أحكام الولاية أحكام الولي المسلم، إلا أنه لا تقوم منه حجة، حجة من شهادة أو غيرها من حجج الإسلام، ولا في نفسه ولا في ماله، ولن يتحول إلى حال وقوف في حكم الظاهر، ولا إلى براءة تحيله، ولو أظهر الشرك وتكلم به، وجميع المكفرات، وقتل وأخذ أموال الناس على المكايدة، فلم يرجع بشيء من ذلك عن حكمه، الذي قد ثبت له في الظاهر من الولاية.
وكذلك إن كان في حد الوقوف، فهو على حاله لا يرجع إلى حال براءة ولا ولاية أبدا.
وكذلك إن كان في حد البراءة، فهو على حاله، ويبرأ منه في الحكم بالظاهر، فيما قد ثبت عليه، ولا يرجع إلى حد الوقوف ولا الولاية، إلا أن يشهد له بالتوبة قبل عتهه، ويصح ذلك منه، فإنه يرجع إلى حد ما كان عليه الذي عته، وهو عليه من ولاية أو وقوف، إذا شهد له بالتوبة من حدثه الذي برىء منه.
وأما أن كان في حد الوقوف أو الولاية، ثم شهد عليه بحدث كان منه في صحة عقله، فهو بمنزلة الميت.
وقد وصفت لك الاختلاف في الشهادة على الميت، في اختلاف أحواله إذا كان من الأئمة، أو إذا كان من المسلمين دون الأئمة، أو كان من غيرهم ممن ليس له ولاية، ولا تصح له عداوة في حكم الظاهر.
وكل حالة ثبتت في الميت له أو عليه، مما وصفت لك من الشهادة في الأحداث على المكفرات، فالمعتوه مثله، فافهم ذلك وليس يحتاج إلى تكرار ذلك.
ولو كان المعتوه مشركا ثبتت أحكام شركه، على ما كان يثبت له من أحكام الشرك عليه، وأولاده الصغار تبع له، له في حال عتهه فهو
__________
(1) - في الأصل (عتوهه)، والصواب ما أثبت لأن عته مصدره عته.
-26 -
تبع له في أحكام الظاهر في الدنيا، إلا أنه لا حجة عليه ولا منه، ولا عقوبة في فعله، ولا أعلم أن عليه جزية، ولو أنه أظهر الإسلام وأقر به بكماله، وأظهر التوبة بكمالها بلسانه، لم يخرجه ذلك مما هو عليه في الإسلام، ولا يثبت له من ذلك ولا عليه من الأحكام، ولا يقرب دخول المساجد ولا الحرمين مكة والمدينة، وأحكامه كلها في أحكام الظاهر، حكم المشرك في أحكام الولاية و البراءة، والنجاسة والطهارة، ولحوق الذرية، بإزالة الصدقة عن ماله، إذا كان أصلها (1/14)
صفحة 15
ليس من مال المسلمين، إلا ما يكون من الطاعة، فإنها ليست بثابتة له، وما يكون له بمعصية فليست بثابتة عليه.
باب: ذكر ولاية الأعجم وحكمه
وكذلك معي أنه قد قيل: إنه لا يتولى ولا يبرأ منه، على ما يأتي من الطاعة والمعصية، إذا كان أعجما لا يسمع ولا يتكلم، لأنه لا تعرف منه حجة له ولا عليه، فإذا كان كذلك ولد، أو كذلك بلغ فهو عندي يشبه بحكم المعتوه في الولاية والبراءة، ومعي أنه لو كانت له ولاية ثم أعجم فذهب سمعه ولسانه، أعجما أصما بمنزلة الأعجم، كان على الولاية معي، ولحق فيه معي جميع ما لحق المعتوه في حكم الظاهر، مما وصفت من عمله بالطاعة والمعصية في أولاده.
وكذلك لو كان في حد البراءة، ثم أعجم كان على حالته معي في الحكم، وكذلك إذا كان على حد الوقوف، كان على حالته، وكذلك لو كان مشركا كان على حالته في حكم الظاهر، لأنه لا تقوم له حجة ولا عليه حجة، وإن كان الأعجم من أولاد أهل الشرك أو معتوها، فإذا بلغ كان معنا في حد الوقوف، وكذلك إذا عته أو أعجم بعد بلوغه، وقد كان من أولاد أهل الشرك، أو من أولاد أهل الإقرار، كان في حد الوقوف، ولم يبرأ منه، ولم
-27 -
يتول في حكم الظاهر، حتى يعلم منه ما يجب فيه من حكمه، من حكم ولاية أو براءة من ذات نفسه، لا من حكم غيره.
وإن كان من أولاد المسلمين فأعجم أو عته وهو صغير، أو قبل أن يعرف ما عنده بعد بلوغه من كفر أو إيمان، أو ولاية أو براءة، فعلى قول من يثبت ولايته حتى يعلم ما عنده في حكم الظاهر، فهو في الولاية، ما لم يصح منه بعلي صحته، ما يجب به حكم من ذات نفسه.
وعلى قول من يقول بالوقوف فهم أنه موقوف عنه، ومعي أنه وقوف دين.
وعلى قول من يقول: إنه يتولى بالرأي، فلعل هذا الفصل يضعف أصله ومعناه، أنه إذا عته كان أو أعجم صغيرا، وأما إذا كان بعد بلوغه، فعندي أنه يثبت القول فيه، أن يثبت له ولاية نفسه على الشريطة كما وصفت لك.
باب: ذكر ولاية المتلاعنين وحكمهما ونحوهما
ومن الكتاب: وأما المتلاعنان ففيهما اختلاف:
فمن المسلمين من قال: هما في الولاية التي كانت لهما، حتى يعلم الكاذب منهما.
وقال من قال بالوقوف عنهما لأنه لا شك أن أحدهما كاذب، و إذا اجتمعا في شهادة كانت شهادة واحد، وهي شهادة امرأة.
-28 - (1/15)
صفحة 16
وكذلك قال من قال في الرجلين إذا كانا في الولاية، فقتل كل واحد منهما صاحبه: إن أهون ما يلزمهما الوقوف.
قال غيره: قد مضى القول في المقتتلين بذكر الاختلاف فيهما، وكذلك المتلاعنان مثلهما، وهما مثل المتلاعنين، وكل هذا فصل واحد.
وقد قيل: الولاية لهما جميعا أثبت على ما وصفت لك.
وقال من قال: بالوقوف، وإن الوقوف عنهما أنزه، وقد بينت لك الحجة في ذلك، وكذلك إذا كانا في الولاية، ثم برئا من بعضهما بعضا، ولم يعرف المبتدىء منهما من صاحبه قبل الآخر، إلا أنهما يبرآن من بعضهما بعضا، فقد قيل فيهما مثل هذا في الاختلاف من الوقوف، والولاية والبراءة على ما وصفت لك من القول الشاذ، وكل هذا فصل واحد، وأصل واحد، وما أشبهه فهو مثله مما يتولد منه، وأما المتلاعنان، فإن حكمهما واحد، ولا يدري على كل حال في الحكم، أيهما الكاذب من الصادق، إلا أن يقر أحدهما على نفسه أنه كاذب، وأن صاحبه الصادق، فإنه يثبت معنا على المقر ما أقر به، ويثبت للآخر منهما حكمه الذي عليه، لثبوت الكذب في الآخر المقر على نفسه، و إلا فلا أعلم أنه يقدر بحيلة على الخروج لأحدهما بالحق دون صاحبه.
باب: ذكر ولاية المتبرئين من بعضهما بعضا
فأما المتبرئان من بعضهما بعضا، فالمبتدىء من صاحبه بالبراءة عند من يتولاهما من أوليائهما هو القاذف، ويبرأ منه بعينه في حكم الظاهر بحكم القذف، ويتولى الآخر، ولو كان في حكم سريرته، إنما برىء منه بحق يعلمه
-29 -
أشه يستحقه، ولم يسعه ذلك في دين الله، وهو مخلوع بقذفه، وهو المبتدىء المبطل في حكم الظاهر، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وأما المقتتلان حتى قتل كل واحد منهما صاحبه، فإن علم المبتدىء منهما بقتل صاحبه أو ضربه، ولم يعلم أنه محق أو مبطل، ولم يعلم أيهما المبطل، ولا أيهما المحق، وقد علم المبتدىء منهما بقتال صاحبه، فمعي، أنه قد قيل: إن ذلك كله سواء، وهو على ما قد مضى من القول من ولايتهما جميعا، أو البراءة منهما جميعا، أو الوقوف عنهما جميعا.
ومعي أنه قيل: إن المبطل منهما من كان منه الابتداء في حكم الظاهر، لأنه بدأ فاتى المحجور الذي هو محرم في الأصل، إلا بوجه يبيحه، فإذا لم يعلم فهو المعتدي، ويبرأ منه، ويتولى الآخر في الحكم.
وقيل بالقول الأول كما وصفت لك، لأنه يحتمل أن يكون فعل ذلك بما يجوز له فيه، وبما يستحقه عليه في حكم الإسلام، مما غاب عن المسلمين فهما جميعا في الولاية، وقيل: بالوقوف (1/16)
صفحة 17
عن المبتدىء لإشكال أمره، والولاية للآخر، لأنه لم يظهر منه الاعتداء، وإنما الاعتداء يكون عن نفسه، فليس فيه إشكال إذا عرف المبتدىء فيوقف عنه ولا يبرأ منه، وإنما الاختلاف بالبراءة والوقوف، ممن علم منه الابتداء، وفيه شبه الإشكال، أو شبه الاعتداء أو التصريح.
وكذلك لو أن أحدهما قتل الآخر، ولم يكن من الآخر فيه حدث بقتال، قتل، ولا ضرب، ولا نكير، فقد قيل: إنه في الولاية على حالته الأولى كما وصفت لك، وقيل: بالوقوف، وقيل: بالبراءة، كما وصفت لك فيه من الابتداء، إذا كان منه الفعل والابتداء قبل صاحبه.
والاختلاف إذا كان هو الفاعل دون صاحبه، كالاختلاف فيه إذا كان المبتدىء هو بقتل صاحبه، وإذا لم يكن من الآخر فعل على المقتول من قبل،
-30 -
ولا من بعد، فهو على حال ولايته، ولا أعلم في ذلك اختلافا، فافهم هذه المعاني فإنها من دقائق الولاية والبراءة معي، وقليل مبصرها ومميزها، إلا من هداه الله إلى ذلك.
فإن قيل لك: كيف افترق أمر المبتدىء بالبراءة منهما، وأمر المبتدىء بالقتال منهما، وكلاهما في الأصل مبتدئان بأصل محجور؟
قيل له: إن المبتدىء بالبراءة مبتدىء بالقذف، والقاذف مخلوع على كل حال، ولو كان في سريرته عالما بما يجوز به الخلع والبراءة ممن برىء منه، فإذا أظهر البراءة منه مع وليه فهو قاذف والقاذف مخلوع لا عذر له في الإسلام، ولا محتمل له، و المبتدىء بالقتال، والقتل مبتدىء بما يحتمل حقه وباطله وخطؤه وصوابه، لأنه إن كان محقا، أو كان له ذلك في السريرة في علم الله، فذلك في دين الله غير محجور، وقد يكون من المسلمين إذا كان لهم ذلك، وليس عليهم ترك ما لهم من الانتصار في الحقوق، التي لهم على من ظلمهم في مال، أو نفس عن أخذ ما يجب لهم، إلا أن تحيل بينهم وبين ذلك حجة حق، والقاذف و المتبرىء ليس له ذلك في حكم الظاهر، ولو كان لا يعلم منه أنه عالم بذلك بما لا يستحق القاذف القذف، ويستحق الخالع الخلع، فإن ذلك محجور في الاصل دين الله، فالفعل في هذا غير القول بهذا في الإجماع، لأنا مجمعون أن له أن ينتصر من ظالمه والمعتدي عليه، إذا لم يقدر على من ينصفه ويوصله إلى حقه من نفس ما يجب له من الحق، ومجمعون أنه ليس له أن يظهر القذف، بان ذلك ليس بانتصار، وأنه محجور عليه.
فإن قال: فما زال حكم القذف عنهما جميعا، وقد برئا من بعضهما بعضا مع من يتولاهما، وهما قاذفان لبعضهما بعضا، فكيف جاز لمن يتولاهما وهما قاذفان؟
قيل له: لأن وليهما لم يعلم أيهما القاذف فيبرأ منه بعينه، و المتبرىء منهما في الأصل غير معلوم فيبرأ منه بحكم القذف، فلما غاب ذلك احتمل للمبتدىء أن يكون قذف باطلا فيبرأ منه الآخر بحق، واحتمل أن يكون برىء بحق، و برىء منه الآخر بباطل، واحتمل باطلهما كلاهما، (1/17)
صفحة 18
واحتمل
-31 -
حق أحدهما، ولم يتعر ذلك في أصل المحتمل، فلحقهما بحكم المتلاعنين الاختلاف في ذلك، وحكم المقتتلين.
فإن قيل: فحيث جاز عندكم لرجل واحد بعينه، وهو الذي قلتم أنه قتل وليه، وكلاهما كانا في الولاية، فقلتم: يجوز فيه البراءة على ما قلتم، وتجوز في الولاية، ويجوز فيه الوقوف، فما تقولون في الواقف عنه، ما يكون وليه عند الذي برىء وتولاه؟
قيل له: يكونان في الولاية جميعا، ولا يسعه ترك ولاية أحدهما بدين ولا برأي، إن كان من العلماء، ولا بدين إن كان من الضعفاء، لأن كل واحد منهما، يعمل بقول له أصل ثابت من أصول الحق المجتمع عليه، راجع ذلك القول إليه، ونازل عليه.
فإن قال: فيجمع بين الأضداد المتولى و المتبرىء في الواحد بعينه، ويتولاهم برأي أو بدين؟
قيل له: لا، بل يتولاهم بدين، وليس هؤلاء متضادين، ولكن هؤلاء متوافقون متساعدون، متحابون متوادون، في أصل حقائق الدين مع المبصرين المهتدين.
فإن قال: فكيف؟ قال المسلمون: إنه لا يجوز أن يجمع بين المتضادين، المتولى و المتبرىء بحال ولاية لهما، ولو جهل ذلك المتولى لهما، وهو غير معذور؟
قيل له: ذلك فيمن أن من الأحداث، ما لا يجور أن يكون فيه الحق، إلا في واحد من أمور الدين، الذي لا يجوز فيه الاختلاف، ولا يجوز أن يكون الحق فيه إلا في واحد، فإن كان ذلك صوابا لم تجز فيه البراءة للمتبرىء بالدين، وإن كان ذلك خطأ لم تجز فيه الولاية بالدين، فعلى هذا إن المتضادين في هذا الوجه ليسا محقين جميعا فمن اطلع من الناس على أصل ما اختلف فيه من أصل الدين، فلا يجوز له إلا أن يكون مع المحق منهما، من المتولى منها ومن المتبرىء، وأقل ما يكون يلزمه إذا علم الأصل كعلمهما الذي اختلفا فيه فيما لا يجوز فيه الاختلاف، أن يتولى المحق، فإن كان المحق من العلماء تولاه بدين، وإن كان من الضعفاء تولاه بدين أو برأي، لا يجوز غير
-32 -
ذلك، كان المحق هو المتولي أو المتبرىء، جهل هذا الحكم فيما عاين أو علم، وليس له أن يتولى المبطل منهما بدين على حال.
وإن تولاهما برأي، لم يضق عليه إذا جهل الحكم فيه.
فإن قال: فإنه لم يقف على أصل ما علما من حدث هذا المحدث ولم يعلم كعلمهما فيه، من أصل حدثه ولا فيما يختلفان فيه في أصل حدثه، إذا سمعهما أو أحدهما يتولى هذا الشخص المسمى، وأحدهما يبرأ منه، وهما جميعا في الولاية معه، وإنما كان أصل ما اختلفا فيه، فيما يكون فيه (1/18)
صفحة 19
الحق في واحد في علمهما، أو علم الله فيهما، وعلم غيره من المسلمين في غيرهما، أنه لم يعلم ذلك علما تقوم عليه الحجة به بمعرفة ذلك من حدث المحدث، ولا يعرف المحق منهما من المبطل إلا اختلافهما في الولاية والبراءة في هذا الشخص بعينه، قيل له: معنا، إن له أن يتولى ولييه جميعا، إذا غاب عنه معرفة صحة الحدث، وحكم المحق منهما من المبطل، لأنه لا يسعه ترك ولاية ولييه على دعواهما على بعضهما بعضا، لأن الولاية والبراءة إنما هي دعوى، وحكم الدعاوى أنه يلزم فيها الولاية ما لم يخطيء أحد من المدعين صاحبه، وليس هذا جامعا بين الأضداد فيما تعبده الله به في حكم ولييه هذين.
فإن قيل: أليس هذا هو الذي قلتم أنه لا يجوز فيه الجمع في الولاية من المتولي والمتبرىء في علم الله - تبارك وتعالى -، وعلم المسلمين، وفي الشاهر والظاهر، إلا عند هذا بعينه أن هذين المتضادين، وانهما مختلفان في حكم من أحكام الدين؟
قيل له: نعم، هو كما تقول أن الله - تعالى - لا يكلف العباد معنا في شيء من أحكام الدعاوى علمه - تبارك وتعالى - ولا غيره من عباده، ولا من ملائكته، ولا من رسله، ولا من أحد من المسلمين، ولكن كلفهم في ذلك أن لا يخالفوا في حكم الدين، الذي أنزل عليهم فيه الكتاب المستبين، وأرسل إليهم فيه رسله الصادقين، وجعل لهم وعليهم شواهد فيه عبادة المسلمين، وأخذ عليهم الميثاق، أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون،
-33 -
فالأول إذا تولى المتولي و المتبرىء على علمه بالحدث الدين، وهذا إذا برىء من أحدهما أو وقف عنهما أو عن أحدهما بدين، بغير علم الاختلاف بهما، في ولايتهما وبراءتهما، على ما قد أوجب الله عليهما وألزمهما، وغاب عن هذا أمرهما، كان ناقضا للدين، وولاية ولييه على دعواهما، ما لم يعلم باطلهما، أو باطل أحدهما ثابتة عليه في أصل الدين، وموافقا بذلك أحكام شريعة الدين.
فإن قيل: فإن المتولي منهما برىء من المتبرىء منهما، وقال: إنه برىء من ولييه، وأباح البراءة من نفسه، ومعي، أنه قد برىء من ولي فما عندكم فيهما إذا برىء المتولي ممن برىء من ولييه، إذا أظهر البراءة ماذا يلزم وليهما هذا الذي قد سمعهما يختلفان، ولا يدري اختلافهما على أي الوجوه في ولايتهما أو براءتهما هذه؟
قيل لمن قال ذلك: معنا، أن وليهما يبرأ من المتبرىء من وليه منهما، إذا كان المتبرىء علم أنه يتولاه أو أخبره بولايته، و المتبرىء عالم بولاية هذا الذي برىء منه، لأنه قاذف لوليه على دعواه، من غير أن يصح عليه ما يجب له به البراءة، ولا أقر له وليه بشيء يجب له به البراءة، فهو قاذف لولية، ويبرأ من المتبرىء، ووليه الأول على ولايته عند هذا، فإن برىء وليه من المتبرىء إذ برىء منه على دعواه أنه برىء من وليه، أو برىء منه على ذلك، فالمتبرىء من الذي يبرأ منه على ولايته، وهو وليه الأول. (1/19)
صفحة 20
فإن قال: أفليس تنكرون على المتبرىء إذا أظهر البراءة من هذا الذي يتولاه هذا بحضرتكم، ويقول: أنه وليه، وهذا يبرأ منه؟
قلنا له: لا تنكر عليه براءته من أحد لا نتولاه نحن، ولا تقوم عليه الحجة فيه أنه مخالف فيه الحق، وإنما هذا مدع في ولايته معنا، وهذا مدع في براءته معنا، وكلاهما متداعيان، والمتداعيان في الولاية لا اختلاف في ذلك معنا ما لم يخطيء بعضهما بعضا، فيكون المخطيء هو المخطيء.
-34 -
فإن قال: فما بال هذا أجزتم له أن يبرأ ممن برىء منه وليه من هذين المتداعيين، ولم تجيزوا للمتولي من المقداعيين أن يبرأ ممن يبرأ من وليه؟
قيل له: يجوز له أن يبرأ ممن برىء من وليه، إذا كان برىء منه باطلا سريرة، ولا يبرأ منه علانية، عند من يتولاه، فيكون قاذفا، وإذا خالف الحق في براءة السريرة، وجعلها علانية، كان قد خالف الحق، وأباح من نفسه البراءة لو كان محقا في سريرته أن هذا قد قذف وليه بغير ما تقوم عليه به الحجة له.
باب: ذكر معنى شهادة الشاهدين على أحد من المسلمين ممن له ولاية مع من يتولاه
ومعي، أن شهادة الشاهدين على أحد من المسلمين، أنه يبرأ من أحد من المسلمين ممن له ولاية مع من يتولاه، ومعي، أن شهادة الشاهدين أن أحدا من المسلمين بعينه، يبرأ منه وهو ولي له، أن الشاهدين ها هنا قاذفان لوليه، الذي يقولان أنه يبرأ منه، وهو يتولاه.
وكذلك إن شهدا على أحد من المسلمين، ولو كانوا كثيرين ممن يتولاه المتولي لوليه، وشهدا أنهم يبرؤون من وليه فهما قاذفان معي لوليه، وقاذفان لمن قالا أنه يبرأ منه، من أوليائه.
وأما إن شهد الشاهدان، أن المسلمين يبرؤون منه هكذا، فمعي، أنهما يكونان قاذفين لوليه، ولا يكونان شاهدين بشيء من هذا كله على من شهدا عليه، وإن شهدا بان أحدا من المسلمين بعينه يبرؤون منه، فهما قاذفان للذي يشهدان عليه بالبراءة منه، فإن كان المتولي له يتولاهم، فهو قاذف
-35 -
لأوليائه لان كان لا يتولاهم إذا كانوا معروفين فليس هما بحجة بشهادتهما، ولا قاذفين بشهادتهما على براءتهم منه، ولا قاذفين لوليه، ولا للشاهدين عنه أنه يبرأ منه.
وأما شهادتهما في الجملة، أن المسلمين يبرؤون منه، فإنه قاذف له، لأنه لا يبرأ منه المسلمون إلا كافرا، وقد قذفوه بالكفر معي، ولا يخرج تأويل هذا الأثر إلا على الحق، إلا أن هذين الشاهدين شهدا عليه بشيء من الكفر، الذي يبرأ المسلمون منه، لأن كل كفر أتاه، فالمسلمون يبرؤون منه عليه في الجملة، وفي إذا أتاهم يبرؤون منه في الشريطة، فشهادة الشاهدين عليه (1/20)
صفحة 21
بالكفر، ما يكفره العمل به، مما تجوز الشهادة به منهما، شهادة فيهما في تفسير الجملة أنهما يشهدان عليه أن المسلمين يبرؤون منه، في معنى التأويل، لأنهم يبرؤون منه على ذلك، ولا يجوز عندنا أن يكون في الأثر مما صح عن أهل البصر شيء، إلا وله تأويل يخرج في الحق.
ولا يجوز رد الآثار، ولا شيء من الأخبار، على كل حال، فلا يكاد يصح منها شيء ولا يؤخذ منها شيء إلا وله تأويل صحيح عند من عرف الحق، وليس لجهل الجاهل تأويل الحق رد الرواية، والأثر، ولا تضعيفهما، ولا أن يحمل الأثر على غير تأويل الحق في اتباعه في شيء من ركوب الباطل، ولا ترك الحق، وعليه الإمساك عن ذلك كله حتى يتبين له الحق من الباطل، وكل شيء من الكلام الخارج من أحكام الإسلام من تنزيل أو تأويل، أو سنة أو أثر، أو تأويل، قول أهل البصر أو قول أحد من أهل البصر، فكله معنا إلا ما شاء الله من ذلك لا يكاد أن يخرج بنفسه يكتفي عن التأويل، بل عامة ذلك، ويكاد أن يكون كله محتاجا إلى التأويل، ومحتاجا تأويله إلى تأويل، لأن كل من لم يبصر شيئا احتاج إلى تأويله، واحتاج إلى معرفة تأويله من غيره، ولو كان ذلك من تأويل الحق منا، ولا في غيره من الأصول، فكل شيء من الكلام لا يخرج -إن شاء الله -منه إلا بالتأويل، وإنما يقع الضلال ممن جهل التأويل فحمله على حكم الخاص والعام، بغير تأويل يقع، أو
-36 -
بتأويل ضلال يحمل على ظاهر الأمر فيه، لا يرده إلى صحيح الحق، لأن التأويل للحق، لا يخرج إلا على الحق في شيء من الأمور، ولابد له من تأويل الحق على الحق، ولا يجوز أن يحملا إلا على الحق، ولا يجوز أن يخرج من الحق في حال من الحال، ولو لم يقف الواقف عليه على وجه تأول الحق فيه، فليس له إلا الإمساك فيه عن الباطل كله في القول فيه، وفي العمل به إلا على موافقة الحق فيه.
باب: ذكر معاني البراءة في حكم الظاهر
وأما ما يستحق به البراءة في حكم الظاهر، فكل محدث حدث في دين الله - تبارك وتعالى -، من حكم الكتاب، أو من حكم السنة، أو من حكم الإجماع، أو ما أشبه ذلك، أو بشيء منه من ركوب لكبيرة من كبائر المعاصي، لم يتب منها، أو صغيرة من المعاصي، أصر عليها عالما بذلك أو جاهلا له، دائنا بذلك مستحلا أو محرما، أو جاهلا، أو متجاهلا، بعد قيام الحجة وبلوغها إليه بما ينقطع به عذره، فبالذنب الواحد من كبائر الذنوب، أو من الإصرار على صغائرها، يستحق الراكب العداوة، والبراءة في حكم دين الله بحكم الظاهر، فمن بلغ إلى علم ذلك من الممتحنين به من خصه علم ذلك من محدثه، وعلم ضلالة المحدث، بأي وجه كان حدثه لزمه عداوة المحدث.
وقد قيل: أنه ليس له أن يحكم عليه بالضلال والبراءة، حتى يستيبه كائنا ما كان المحدث، ممن (1/21)
صفحة 22
كان يتولاه من قبل الحدث، أو ممن لا يتولاه فلا يبرأ منه ولا يخلعه، عن الدين إلا بعد الاستتابة منه له، وإصراره على حدثه، بعد الاستتابة له التي بها تجب الحجة في الحكم في البراءة.
-37 -
وقال من قال: يبرأ منه بركوبه الكبيرة، أو إصراره على الصغيرة، كائنا ما كان ممن يتولاه، أو ممن لا يتولاه، ثم يستتيبه من بعد ذلك، فإن تاب رجع إلى حالته التي كان عليها من ولاية، أو وقوف، أو براءة، بعد ذلك الحدث بعينه.
وقال من قال: يبرأ منه، فإن كان وليا له قبل ذلك استتابه، ولا بد من استتابة الولي، فيما قيل، ولا أعلم في ذلك اختلافا قبل البراءة أو بعد البراءة.
باب: ذكر صفة براءة من يبرأ من السعداء
واعلموا أن كل من علم أن أحدا من السعداء بوجه تصح معه سعادته، فلا يحل له إلا أن يعلم أنه من السعداء، وأنه من أهل الجنة، ولو صح معه منه حدث فسق يستحق به عنده البراءة إلا أن يتوب فإن عليه أن يتولى ذلك السعيد بعد إذ صحت معه سعادته، ولو كان يكفر بالإسلام، ويعبد الأصنام، فلا يحل له ترك ولاية هذا السعيد، ولا يحل له أن يقبل من هذا السعيد، حدثا يخرجه من الحق، بل يجب عليه أن يسخط لله من الباطل، ويبرأ لله من الباطل مما جاء به، ولكن هذا قد صح معه أن ذلك من السعداء، فلا يحل له أن يبرأ منه أبدا على ما وصفنا، ولو حل لنا أن نبرأ ممن صح معنا منه حدث فسق، وقد صحت سعادته معنا، للزمنا أن نبرأ من آدم صلى الله عليه وسلم إذ قد صح معنا أنه عصى الله، حيث يقول: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ
-38 -
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (1).
فنحن لا يحل لنا أن نبرأ من ادم، إذ قد صح معنا أنه قد عصى الله، ولا يحل لنا أن نرضى لآدم بمعصية الله، ولا نصوبه على معصية الله، ولا نقول: إن ادم لم يعص، إذ قد صح معنا سعادته، بل يجب علينا أن نبرأ لله من كل معصية، وأن لا نرضى أن يعصى.
فإن رضينا لآدم بمعصية الله، فقد هلكنا إلا أن نتوب، وإن برئنا من آدم إذ قد صح معنا أنه عصى الله، ولم نحكم فيه بحكم الله هلكنا، بل الحكم علينا في ادم أن نتولى لله آدم، ونشهد أن ادم من السعداء، لا يخالجنا شك في ذلك، وعلينا أن نسخط لله المعصية من آدم وغيره، ونقبل الحق من ادم وغيره، لحق مقبول ممن جاء به، ولو كان شقيا، والباطل مردود على من جاء به، ولو كان سعيدا. (1/22)
صفحة 23
فهذا ديننا الذي ندين به لربنا إن شاء الله، ولو جاز الباطل من السعداء، أو الرضى به منهم، لجاز الاقتداء به، و لجاز للناس أن يفعلوا كآبائهم لإخوانهم ما فعل بنو يعقوب - رضوان الله عليهم - بابيهم يعقوب، وأخيهم يوسف - رضوان الله عليهما - و لجاز للناس أن يبيعوا إخوانهم كما باع السعداء أخاهم يوسف، ولكانت تلك قدوة يقتدى بها من السعداء، بل يجب علينا أن نسخط لله فعل بني يعقوب في أخيهم يوسف، وأن نتولى لله بني يعقوب ولاية حقيقة، لا يخالطنا فيها الشك، كذلك علينا أن نقبل الحق ممن جاء به من الأشقياء، ولا يحل لنا أن نرده عليهم، وعلينا أن نبرأ لله من الأشقياء، ممن علمنا منهم بأسمائهم وأعيانهم.
وعلينا أن نشهد أنهم أشقياء، ولا يحل لنا أن نرد الحق عليهم، كلما أن عمير بن جرموز من صح معه أن قاتل الزبير في النار، وصح معه أن عمير بن جرموز قتل الزبير، فعليه أن يعلم أن عمير بن جرموز من الأشقياء، ولا يحل
-39 -
__________
(1) - 120 - 121 من سورة طه.
له أن يرد على عمير بن جرموز، نصرته للمسلمين في حربهم، وتصويبه إياهم، فإن رد هذا الذي قد علم، أن عمير بن جرموز من أهل النار على نصرته للمسلمين في حربهم، وتصويبه إياهم هلك، فإذ شك في هذا بعد أن صح معه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قاتل الزبير في النار، ثم صح معه أن عمير بن جرموز قتل الزبير، فشك في ضلالة عمير بن جرموز هلك، فلا يحل لأحد أن يقبل من سعيد باطلا، يرد على شقي حقا.
واعلموا أنه من صح معه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة لا محالة فإن ظهر من هذا السعيد حدث فسق، فعليه أن يبرأ لله من حدثه، وليس له أن يبرأ منه أبدا، وعليه أن يعلم أن ذلك السعيد تائب من ذنبه، وليس له أن يخطئ من برىء من هذا السعيد، الذي قد أحدث حدثا استوجب به البراءة، في حكم دين المسلمين، فإن برىء من هذا الذي قد صح معه سعادة هذا السعيد من هذا الذي برىء من هذا السعيد بحدثه هلك.
فانظروا كيف وجب على هذا الحكم أن يتولى نفس السعيد، ولا يحل له البراءة منه، إذ قد صحت معه سعادته، ولا يحل له أن ينكر على المسلمين براءتهم من هذا السعيد، فوافق المسلمين على براءتهم من هذا السعيد، ولم يحل له ترك ولايتهم.
وكذلك لو أن رجلا صح معه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -من أهل النار، وأن علي بن أبي طالب من أهل الجنة، ثم أن عمر بن الخطاب - رحمه الله - سار في رعيته بالعدل، وحكم بينهم بالقسط، فوجبت ولايته على المسلمين، وظهر منه العدل في سيرته في الناس، ما حل لهذا الرجل أن يتولى عمر بن الخطاب - رحمه الله -، ولوجب (1/23)
صفحة 24
على من صح معه ذلك عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعلم أن عمر بن الخطاب - رحمه الله - من الأشقياء، ولا يحل له أن يدين لله بطاعته، ولا يحل له أن يرد عليه الحق الذي
-40 -
قد جاء به، وظهر على يديه في رعيته، ولوجب عليه أن يبرأ لله من عمر بن الخطاب - رحمه الله - سريرة، ولا يشك في البراءة منه، ولا يحل لهذا أن يظهر البراءة من عمر بن الخطاب مع أهل مملكته، ولا يحل له أن يترك ولاية المهاجرين والأنصار، إذ قد دانوا بطاعته، وتولوه على ما ظهر من عدله، ولوجب عليه أن يتولى المهاجرين والأنصار، وجميع ما دان بولاية عمر بن الخطاب - رحمه الله -، ولوجب عليه السمع والطاعة لعمر بن الخطاب في دمه وماله، إذ حكم عمر بن الخطاب بالعدل فلم يحل لهذا الذي علم ذلك أن يشك في البراءة من عمر بن الخطاب، ولم يحل له أن يرد الحق على عمر بن الخطاب، ولم يحل له أن يبرأ ممن تولى عمر بن الخطاب، ولم يمتنع من الطاعة من حكم عمر بن الخطاب، فإن فعل شيئا من ذلك مخالفا عن حكمه هلك.
ثم إن علي بن أبي طالب استخلف على الناس، فنقض عهد الله وحكم في الدار غير حكم كتاب الله، وقتل المسلمين، وسار بالجور في أهل رعيته، فعلى هذا الذي قد صحت منه سعادة علي بن أبي طالب، أن يتولى لله علي بن أبي طالب، على سفكه لدماء المسلمين، وعلى تحكيمه في الدماء غير حكم كتاب الله، وسيرته القبيحة، ولا يحل له الشك في ولايته، وعليه أن يبرأ لله من باطله، ومن سفك دمه إن قدر على ذلك، وليس له أن ينكر على المسلمين البراءة منه، وعليه أن يتولاهم على قتله، وعلى البراءة منه، فإن شك هذا في ولاية علي بن أبي طالب، أو رضي من علي بن أبي طالب بباطله، أو أنكر على المسلمين براءتهم من علي بن أبي طالب، أو قتلهم إياه هلك.
فتدبروا -رحمكم الله - الحكم فيمن يتولى من السعداء والحكم فيمن يبرأ من السعداء، واستعملوه في الصحابة، وفي جميع من صحت سعادته، ولا تقبلوا من سعيد باطلا، ولا تردوا على شقي حقا.
فإن قال قائل: أفيحل لكم أن تبرؤوا ممن صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتولوا من صح شقاؤه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلنا له:
-41 -
لا يحل لنا أن نبرأ ممن صحت سعادته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نشهد أنه من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة لا محالة، كما نشهد أن محمدا أرسله الله بالحق، ولكنا لم يصح معنا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/24)
صفحة 25
سعادة علي بن أبي طالب، ثم صح معنا فسقه، وخلافه للحق، فلزمنا أن نبرأ منه، ونحن ندين لله أنه إن كان علي بن أبي طالب من السعداء، فإنه يتوب من ذنبه، لأنه من أهل الجنة.
فإن قال: فقد قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه من أهل الجنة، قلنا له: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يصح معنا، وإن كان هو الحق أصح معنا أم قول الله - تعالى - إذ قال: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (1).
وقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون و الأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس و اخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (2)
فنحن قد صح معنا، أن علي بن أبي طالب، قد قتل المسلمين، فعلينا أن نبرأ من علي بن أبي طالب، وعليك أن تبرأ ممن قتل المسلمين إن صحت عندك سعادة علي بن أبي طالب، وتتولى لله علي بن أبي طالب.
وكذلك لو صح معنا، نحن في عمر بن الخطاب -رحمه الله -، ما قد صح معك أنت من أمره لدنا لله من عمر بن الخطاب بالبراءة، ولتولينا المسلمين على ولايتهم لعمر بن الخطاب بالبراءة، ولتولينا المسلمين على
-42 -
__________
(1) - النساء 93.
(2) - المائدة 44.
ولايتهم لعمر بن الخطاب بما قد ظهر إليهم من عدله، لم يحل لنا أن ننكر عليهم ذلك، ولوجب علينا أن نقبل من عمر بن الخطاب -رحمه الله - الحق الذي قد جاء به، ولا يحل لنا أن نرد عليه.
كذلك أنت، لا يحل لك أن تبرأ من المسلمين إذ قد برئوا من علي بن أبي طالب، بما قد ظهر إليهم من حدثه، وغاب عنهم من صحة سعادته، فتدبروا - رحمكم الله ما وصفنا لكم، فإن الذي وصفناه برهان من الحق، فاتبعوه لعلكم تهتدون.
واعلموا أن ليس على جميع الناس أن يعلموا أن عمر بن الخطاب رحمه الله كان إماما عدلا من المسلمين ولا أن علي بن أبي طالب كان إماما فاسقا عن الحق، وإن كنا نحن قد علمنا ذلك، كما لم يكن علينا أن نعلم كعلم من علم أن عمر بن الخطاب -رحمه الله - قد صح معنا شقاؤه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما صح معه سعادة علي بن أبي طالب عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك الذي قد صح معه، أن علي بن أبي طالب من السعداء أن يتولى علي ابن أبي طالب ولاية حقيقة. (1/25)
صفحة 26
وكذلك إذا علم أن عمر بن الخطاب من الأشقياء فعليه أن يبرأ من عمر ابن الخطاب -رحمه الله - براءة حقيقية، كذلك نحن تولينا عمر بن الخطاب - رحمه الله -بما ظهر إلينا من عدله وبرئنا من علي بن أبي طالب بما ظهر إلينا من جوره.
فانظروا كيف اختلف الحكمان إذا لزم هذا أن يبرأ ممن لزمنا نحن أن نتولاه، ولزمه هو أن يتولى، من لزمنا نحن أن نبرأ منه وهذا المثل لم نعلم أنه كان، ولا أحد ادعى أنه صح معه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن عمر بن الخطاب من الأشقياء، ولكن إنما ضربنا هذا المثل لتعلموا أن الحق في عمر بن الخطاب كالحق في علي بن أبي طالب، والحق في آدم - عليه السلام - كالحق في
-43 -
عمير بن جرموز، والحكم في جميع الناس السعيد منهم والشقي سواء، لا يحل لنا أن نتبع فيهم غير الحق، صح عندنا أنهم من السعداء، أو صح عندنا أنهم من الأشقياء، لا يحل لنا أن نقبل من سعيد باطلا، يحل لنا أن نرد على شقي حقا، فهذا من ديننا الذي ندين به لربنا-إن شاء الله -.
باب: معنى البراءة قبل الاستتابة من المستحل وغيره
وأما البراءة قبل الاستتابة فقد مضى القول في ذلك، إلا أن الدائن بشيء من الضلال، إذا كان منتحلا للدينونة بذلك، فإن البراءة منه قبل الاستتابة أحب إلي، لأنه معروف بأنه لا يتوب منه ما دام ينتحله دينا يتقرب به إلى الله، فإذا رجع عن انتحاله لتحريم ما استحل، واستحلال ما حرم، كان الحكم عليه معي في التوبة، وله كما لغيره وعليه، لأن عليه الرجوع عن الدينونة بذلك، واستحلال ما حرم، وتحريم ما أحل، ولا تجزيه الرجعة عن ذلك إلا بالتوبة والاستغفار باللسان، لأنه كذلك جاء في شرائط التوبة النصوح، أنها لا تثبت فيما ثبت فيه توبة الجهر إلا بالترك للمعصية، بما وقع من العصيان بشيء من الجوارح، أو اللسان، والاستغفار مع الترك باللسان، والندم بالقلب على ما مضى من العصيان، واعتقاد النية أن لا يرجع إلى ذلك أبدا.
فهذه شرائط التوبة التي لا ينفع بمعنى إلا بها جميع المذنبين من ذنوب الجهر، وأما ذنوب السر، وهو اعتقاد النية بالعصيان، فإن دعائم التوبة معنا أربع:
اعتقاد لتركه، ويقين بما شك فيه منه، وندم على ما مضى، واعتقاد أن لا يرجع إلى ذلك أبدا.
-44 -
وقيل: أنه ليس عليه في ذلك استغفار باللسان، وإن استغفر كان أحب إلينا، فالمستحل عليه معنا أن يرجع إلى تحريم ما أحل باللسان، وإحلال ما حرم باللسان، مما تجاهل به، أو دان، والاستغفار مع ذلك لازم له معنا، لأنه من الجهر، فقبل رجوعه عن دينونة، فالبراءة منه قبل الاستتابة، فإن رجع عن ذلك ونيته التوبة، لحقه الاختلاف عندنا على قول من يقول أنه لا يبرأ (1/26)
صفحة 27
منه حتى يستتاب.
وفي قول من يقول: إنه يبرأ منه قبل أن يستتاب، فإنما يخرج في الاختلاف معنا في المستحل بعد رجوعه عن استحلاله، لا في حال استحلاله، لأنه إنما ثبت ذلك قبل التوبة أو بعدها، ولا تكون الاستتابة تصح في المستحل إلا بالرجعة عما أحل، والتولة منه بعد الرجعة، أو التوبة، أو الرجعة باللسان، فاي ذلك ثبت منه وكان، فأرجو أنه يجزيه إذا كان ذلك كله باللسان، وما قدم من ذلك وأخر أجزى من توبته إن شاء الله.
وأما ولايته لمن برىء من المسلمين، بعد علمه ببراءته من المسلمين، فإن تولى من برىء من المسلمين معنا بدين، فلا عذر له في ذلك، وكذلك إن علم، فالحكم فيه بالبراءة منهم، فتولاهم برأي أو بدين، وضيع ما لزمه بعد العلم الذي لا شك فيه، ولا عذر له في تضييع ما يلزمه معناه، ما لم يعرف الحكم في ذلك، فتولى من برىء من أحد منهم برأي، ولا بدين، وتولى المسلم العالم، ولم يقف عنه، ولا برىء منه برأي ولا بدين، ولم يبرأ من أحد من ضعفاء المسلمين برأي ولا بدين، وقف عن أحد منهم بدين، فمعي أنه قد قيل: لا يضيق عليه ذلك، ويسعه ما لم تكن منه أحد هذا الذي وصفنا الذي لا يسعه.
-45 -
باب: معنى شهادة النساء بالبراءة
وأما شهادة النساء على الأحداث في البراءة، فمعنا أنه قد قيل ذلك أنه جائز، إذا كن معنا بمنزلة ما وصفنا من حالات الرجال، إلا أنه إذا ثبت في البراءة أنهما مثل الحدود، كانت شهادتهن معلولة في ذلك، على قول من يقول: لا تجوز شهادتهن في الحدود كلها، وعلى قول من يقول: أن شهادتهن جائزة في الحدود، إلا في الزنا، فإني لا أعلم أن أحدا قال أن شهادتهن جائزة في الزنا، والله أعلم.
ولا أجد علة توجب سقوط شهادتهن في الزنا، فيثبتها في سائر الحدود، فإذا ثبت عندي سقوط شهادتهن بالإجماع في الزنا، أشبه ذلك عندي جميع الحدود، ولا أعرف العلة التي أوجبت سقوط شهادتهن في حد الزنا، لمعنى يفرق حكمهن في الزنا دون غيره من الحدود، عن حكم الرجال، إلا من طريق ما يشبه عندي أنه من جهة الحدود، ذكرنا هذا الفصل لأنه لم يكن حدا في آخر موضعه.
باب: الشهادة في البراءة على الأئمة والمتأولين من أهل الضلال
وكذلك لم يجز فصل، في قبول الشهادة على أئمة الضلال بعد موتهم، فيما لا يوجب عليهم البراءة، وذلك أنه معي أنه قد قيل: إنه لا يجوز الشهادة على أحد بحدث مكفر يستحق البراءة به، إلا الأئمة الجائرين.
-46 (1/27)
صفحة 28
وأحسب أنه في علماء الضلال المبتدعين، فأحسب أن بعضا لا يقبل الشهادة في الأحداث على البراءة، إلا على هؤلاء، وأما ما سواهم، فلا تجوز الشهادة عليه.
وأحسب أن هذا شبه المقابلة في الإجماع، بأن لا تقبل الشهادة بعد الموت، في أحد من العلماء في الدين، ولا في أحد من الأئمة المسلمين العادلين، لأن في قبول ذلك زوال الأصل، الذي عرف به سبيل المسلمين، وأخذوا دينهم عنه من سبيله، عن خلف بعد سلف، ولا يجوز نقض ذلك الذي هو أصل لهم.
وإذا ثبتت هذه العلة من هذه الجملة عندي، حسن مثلها ومقابلتها، لأنه لا تثبت الشهادة على أضدادهم من العلماء المبتدعين، والأئمة الجائرين، ولكني لا أبصر ذلك، إذا أطلق وجاز، إلا أن يكون قد أطلق في الأئمة العادلين المحقين، إذا جاز أن يقبل من الشاهد أن هذا الذي شهد عليه هو من الأئمة الجائرين، أو من العلماء المبتدعين، ويقبل منه ذلك.
فإذا قال ذلك في الأئمة المهتدين، وعلماء المسلمين، خائنا لرب العالمين، جاز قبول ذلك منه إذا كان مطلقا، وليس معنى قبول الشهادة الجائزة التي تقبل منهم فيما هم فيه حجة، دليلا على أنهم معصومون من الكذب والخيانة لله في ذلك إذا شهدوا، بل إنما تقبل منه الشهادة إذا كان عدلا، تقليدا له بقبول الحجة منه، على أنه غير مبرأ من ذلك، ولكنه حجة في شهادته في الحكم، إذا كان عدلا في ظاهر حكمه، ولو كان زنديقا في سريرته، كاذبا في شهادته، فعلى هذا الوجه يكون قبول الشهادة.
ولو كان لا يقبل من الشاهد شهادته إلا حتى يعلم أنه موافق سريرته علانيته، صادقا في شهادته، لبطل هذا الحكم، ولم يدرك أبدا، وهو محال، ولو كان لا يسع إلا على هذا، كان لا معنى لشهادته، لأن علم العالم بصدق
-47 -
الشاهد، كاف له عن شهادته، أو حجة عليه دون شهادته، وإنما تقبل من الشاهد شهادته إذا ثبت أنه حجة في ذلك، مباح جائز لازم قبول ذلك منه، في حكم الشريعة، ولو كان كاذبا في سريرته، وهذا ما لا يختلف فيه أحد من أهل العقل من أهل الجور ولا من أهل العدل فيما عندي.
وإذا جاز هذا على الإطلاق بقول الشاهد، جاز هذا الذي وصفناه، وجاز قبول الشهادة، على العلماء الصادقين، والأئمة المحقين، في أصل الإباحة في الدين، وأن يكلف كل أحد أن يعلم العلماء الصادقين، والأئمة المحقين كلهم، حتى لا يقبل منهم هذا، ويعلم الأئمة الجائرين والعلماء المبتدعين، حتى يقبل فيهم ذلك بأعيانهم، وإذا علم هذا وهذا وثبت هذا عليه، فلا معنى للشهادة عليه، ولا له في شيء هو عالم، وإنما تكون الشهادة نصح علم الجاهل ولا يصح علم العالم، فلا نجد فرقا واضحا يوجب الشهادة في الأحداث الموجبة للبراءة، من أجل ماض قد مات وماتت حجته، بوجه من الوجوه، إلا وتعارضه العلة من وجه ما معنا، أنه قيل مجتمع عليه، فلا نجد (1/28)
صفحة 29
مخرجا في البراءة في الشهادة على الأحداث إلا في الأحياء المشهود عليهم بحضرتهم، والمحتج عليهم بعد الشهادة، فيما يجوز في ذلك في بعض ما قيل.
وقد قيل: ليس إلا بحضرة المشهود عليه، يكون الشهادة عليه، وذلك هو الأصل الذي لا نعلم فيه اختلافا، أنه يجوز و يلزم.
وأما ما سوى ذلك، فكله فيما معنا يختلف فيه، والاختلافات فيه معنا معلولة، من وجوه ما ذكرت لك، ما يوافق فيه من يقول به ولا ينكره، فالذي لا نعلم فيه اختلافا، من ثبوت الشهادة، أنه ثابت لازم جائز، هو أن يشهد على المحدث شاهدان، من أحد ما وصفت لك، أنه جائز الشهادة في الأحداث، على ما وصفت لك، من صفتهم بحضرة المشهود عليه، واستماعه للشهادة بأذنيه، إن كان يسمع، ومعاينته بعينه إذا كان يبصر،
-48 -
و أنهما عاينا منه ذلك، أو سمعاه منه، أو يقطعان عليه قطعا، فلا يفسران من أين علما ذلك عليه.
وقد قيل: حتى يفسرا أنهما عاينا ذلك، أو سمعاه إذا كان من المسموعات، ثم لا يكون منه في ذلك حجة، تبرؤه مما شهد عليه به، فهنالك تلزم الحجة فيه، إذا صح بذلك من أمره ما ليس له فيه عذر، ولا محتمل فيه بوجه من الوجوه، وهنالك يلزم الحجة في المشهود عنده بذلك، فإذا أبصر الحكم في ذلك، ووجه ما يلزم في ذلك، لزمه أحكام قبول ما قد صح معه و إنفاذ الحكم، بما قد سمعه، وإن ضعف عن ذلك، وتولى المسلمين على براءتهم منه، ولم يقف عن أحد من العلماء من المسلمين، ولم يبرأ منه برأي ولا بدين، وقف عن أحد من الضعفاء من المسلمين، من أجل براءتهم منه، أو شهادتهم عليه بدين، ولا برىء منه برأي ولا بدين، فقد برىء ممن قد برئوا منه في حكم الدين، وشهدوا على من شهدوا عليه في حكم الدين، وقبل ما لزمه في حكم الدين فهو في ستر الله، وولاية المسلمين، لا نعلم بين علماء المسلمين، المبصرين لأحكام الولاية والبراءة، في عذر هذا ولا موافقته ولا ولايته اختلافا.
ومن الكتاب: وكل من كانت له ولاية ثم أحدث حدثا صغيرا أو كبيرا يزيلها عنه، ثم تاب رجع إلى ولايته، وإذا أحدث استتيب من حدثه، وكلما مر باب قبلت توبته، وكذلك بلغنا في جواب الأعرج إلى أبي جابر.
قال غيره: قد مضى القول في هذا، قبل هذا في هذا الكتاب، بما نرجو أن في الشرح ما يستدل به، وهذا معنا أصل صحيح، أنه ما دام بتوب ويرجع إلى حالته، التي كانت له وعليها تولى من الأمانة والبراءة، من التهمة والريب رجع إلى حالته التي تثبت له من قبل، وإن حالت حالته إلى حال لو كان بها قبل اعتقاد ولايته لحسن، وجاز أن لا يعتقد له الولاية عليها، فليس يوجب (1/29)
صفحة 30
اعتقاد الولاية له معنى في الحكم الظاهر، على حالة تغيرت،
-49 -
ولحالة تغيرت مداخلة العلة بموجب عليه في الإجماع، الوقوف له على الولاية إلا بحالة لم تتغير، وهذا أرجو أنه عند أهل البصر تبصرة.
ومن الكتاب: قال أبو زياد وأبو عبدالله: إذا كان رجل معك في ولاية أو امرأة، ثم قالا أو أحدهما: أن فلانا رجل صالح، أو عندهما في الولاية، توليت من توليا أو أحدهما، إن كانا أو أحدهما يبصر الولاية والبراءة، وإن كانا ممن لا يبصر الولاية والبراءة والفراق فلا يتولاه بقول من لا يبصره.
قال غيره: قد مضى القول في هذا، ولا يبين لي فيه لحق شيء.
ومن الكتاب: وعن بشير قال في رجل: قوله فيه قول المسلمين، ودينه دينهم، فقد برىء وتولى إذا تولاهم على ولاية من تولوا، والبراءة ممن برئوا، وكذلك عندنا في الذي يختلف عليه الرأي، فيما يختلف الناس فيه، وهو ملتمس للصواب، فيقول رأي في ذلك رأي المسلمين فإن ذلك يقبل منه.
باب: موضع إجازة الرأي ونحوه
وأما إن برئوا ممن تولوا برأي أو بدين، ما لم ينزل معه بمنزلة القاذف، فليس له ذلك، لأن البراءة لا تجوز بالرأي معنا، إلا ممن نزل بمنزلة القذف بالزنا، لأحد من أهل الإقرار بالزنا، أو بشيء من الكفر لأحد ممن تولى، فإن البراءة ممن ضعف عن بصر الأحكام عن براءة الدين، فإنه معنا فيما قيل أن يبرأ في هذه المواضع، ممن برىء من وليه، وممن قذف من يستحق بقذفه الكفر.
وليس يجوز له أن يبرأ من محق، نصا برأي إلا في هذا الموضع، إذا برىء المحق الضعيف من أحد من أوليائه في شيء، أو على شيء ينكره عليه، قد علم هذا منه، إلا أنه لم يبصر الحكم فيه، وليس للضعيف بموضع
-50 -
الحجة في الفتيا، فيما يسع جهله بمنزلة العلماء، فإنه إذا برىء ممن برىء من وليه على هذا الوجه، ولو كان محقا في براءته من وليه فبرىء منه برأيه ممن برىء من وليه، فمعي أنه قيل: جائز في هذا الموضع، ولا يجوز في غيره على حال من المحقين، في موطن من مواطن الحق، ولو جهل جهل حق الضعيف، فليس له أن يبرأ منه برأي ولا بدين، ولا يقف عنه بدين على حال، فإن فعل ذلك فلا عذر له فيما قيل.
وأما الولاية بالرأي فجائزة للضعيف على كل حال، ولم يوافق من المتولى، ما تجب به الولاية، ولو كان المتولى يستحق البراءة عنده، فيما علم من حدثه، إذا لم يبصر الحكم فيه، وكان مما (1/30)
صفحة 31
يسعه جهله، ولو يرى منه المسلمون عليه فتولى برأي، وتولى المسلمين العلماء منهم بالدين، والضعفاء منهم برأي أو بدين، ولم يقف عن العلماء عالم، ولا برىء منه برأي ولا بدين من أجل ذلك ولا برىء من ضعيف محق من أجل ذلك برأي ولا بدين، ولا وقف عنه بدين ولا يضيق عليه وهو في الولاية.
باب: معنى الشهادة في الأحداث في البراءة
وأما البراءة فلا تخرج عندي إلا أنها حكم من الأحكام.
وعندي أنها من الأحكام العظام.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نعلم فيه اختلافا، أنه قد قال: "خلع المؤمن كقتله، ومن خلع مؤمنا فقد قتله ".
وجاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -أنه قال في أمر البراءة، أو
-51 -
قال قولا وعنى به أمر البراءة، أو خرج التأويل من قول له على معنى البراءة، أنه يخرج في البراءة، وأنه قال في ذلك: " ادرؤوا الحدود ما استطعتم، وما وجدتم للمسلمين مخرجا فخلوا سبيله".
وجاء الأثر أن الحدود تدرأ بالشبهات.
وقد فسر من فسر من أهل العلم، يذهب على مذهب قوله: إنه من لم يدرأ الحدود بالشبهات كفر، فكان المعنى أنه مجتمع عليه عندنا من تأويل ذلك، من قول أهل البصر، لأنه لا يكفر الحاكم إذا أخذ ببعض ما يختلف فيه من أحكام الأثر، مما يخرج حكمه في النظر، ولم يكن من المجتمع عليه، فكأنه ثبت معه، ومن قوله إن ذلك لازم أن يدرأ الحاكم الحدود بالشبهات، وأنه لا يحمله على شبهة، وإن ذلك لازم له على معنى الإجماع.
وقد ثبت في البراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها بمنزلة القتل، ولا نعلم القتل يجوز في الأحكام في أمر القود في أهل الكفر، ولا في أهل الإسلام إلا بشاهدين ممن تجوز شهادته في الذي شهدوا فيه، وقد ثبت فيها أنها مثل الحدود، ولا نعلم حدا من الحدود تجوز فيه الشهادة إلا بشهادة شاهدين، وقد ثبت أنه لا تجوز إلا بأربعة شهود، وهو حد الزنا، كان محصنا أو بكرا، فلا تجوز في الحد في الزنا إلا بأربعة شهود، كان من قذف وشرب خمر، أو غير ذلك من الحدود، فلا يجوز الحكم فيه إلا بشاهدين، ممن تجوز الشهادة منهما في ذلك في نظر أهل العدل.
كذلك البراءة لاحقة معنا بما أشبهته وأشبهها من الحدود، أنها لا تجوز في الحكم بالشهادة في حكم الظاهر من أحكام البراءة إلا بشاهدين، لا بأقل من ذلك معنا ممن تجوز شهادته في البراءة، على من تجوز شهادته عليه من المشهود عليه، لا بدون ذلك معنا، فافهم ذلك.
ومعي أنه قيل: لا تجوز في الأحداث الموجبة للكفر والبراءة للشهادة
-52 - (1/31)
صفحة 32
إلا بشهادة شاهدين عالمين بالولاية والبراءة المسلمين الوليين، ولا يجوز من غير العلماء كما لم تجز الولاية إلا من العلماء، ولم يثبت إلا من العلماء في الولاية والبراءة، فالبراءة أولى وأحرى، أن لا تقوم فيها الحجة إلا بمن أبصر الولاية والبراءة، من المسلمين المستحقين للولاية.
ومعي أنه قيل: تجوز من المسلمين الوليين، إذا فسرا الحدث يشهدان عليه، وشهدا به مفسرا تفسيرا يوجب الكفر، عند المسلمين بأحكام الولاية والبراءة، وأنهما استتاباه من ذلك، فلم يتب لأنه إذا كانا ضعيفين لا يبصران الولاية والبراءة أعني للحدث الذي شهدا عليه، ولا تقبل منهما الشهادة دون أن يشهدا أنهما استتاباه من ذلك فلم يتب لأنه إذا كانا ضعيفين لا يبصران أحكام الولاية والبراءة، لم يثبت منهم من شهادتهم شهادة مجملة، توجب حكما إلا مفسرا تفسيرا يحكم به العلماء، أنه موجب للكفر والبراءة من المحدث لأنه لا يؤمن من الضعيف إلا على التفسير بصفته في علم الأحكام، التي توجب الكفر في نظر العلماء إلا في قول الضعيف الشاهد، فافهم المعنى.
ومعي أنه قيل: إنه يقبل من العالمين الوليين في الشهادة في حكم البراءة، إذا شهدا أنه أحدث حدثا كفر به، أو أنه كافر، أو أنه فاسق، أو منافق، ويسمى باسم من أسماء أهل الكفر، ولا يحتاجان في شهادتهما إلى تفسير ما كفر به، ولا ما فسق به، ولا ما استحق به الكفر، وأشباه ذلك الذي شهدا به عليه من أسماء الضلال، ولا يكلفان أن يشهدا أنهما استتاباه من حدثه، فلم يتب لأنهما عالمان بأحكام الصغائر والكبائر، والولاية والبراءة، والمؤمن والكافر، وما يستحق به الولاية، وما يستحق به العداوة، فشهادتهما عليه بالاسم كاف عن التفسير، إذ كان بهما تقوم الحجة في التفسير، أن لو شهدا به مفسرا ثم حكم في تفسيره أنه حكم مكفر، فهو المعبر لذلك، والمفسر ففي جملة ذلك، في ذلك النظر أنه شاهد ومفسر، ومأمون
-53 -
على جميع ذلك.
ومعي أنه قيل: إنه لا يقبل من العالمين إلا التفسير أيضا بالحدث الذي يستحق به الاسم الموجب للبراءة، وليست الشهادة بالاسم شهادة بالحدث، ولا يكون شهادة، وإنما ذلك منهما بمنزلة القذف لأنهما قذفاه حتى قالا أنه كافر أو منافق، أو فاسق، كان ذلك منهما بمنزلة الخلع والبراءة، ولا يجوز قبول الخلع والبراءة، ولا يكون حجة بل هو قذف، وكل قاذف فهو خصم وخليع إذا قذف من له الولاية، ولا تجوز شهادة خليع، ولا شهادة مدع بحال من الحال، ولا في حكم من الأحكام، ولا أعلم اختلافا على صحة ما صح من صحة تأويل الآثار من المتبرىء والخالع قبل الشهادة أنه قاذف لمن كان له ولاية، فلما ثبت هذا أنه إذا برىء، كان قاذفا مدعيا، كان بتسميته له بالكفر والنفاق، وأشباه ذلك من أسماء الكفر، عند من قال بذلك بمنزلة القذف، ولا أعلم في الضعيفين اختلافا، ولا يبين لي أنه يثبت فيهما اختلاف، إذا شهدا بالكفر والفسق، (1/32)
صفحة 33
والاسم الذي يوجب البراءة على غير تفسير للحدث، أن يكون ذلك منهما حجة بحال، التفسير منهما للحدث، على ما وصفت لك، ولا يبين لي أنه يجوز في الأحداث شهادة غير الأولياء المسلمين الثابتة، ولا يتهم في الدين، شهدوا على من كانت قد تثبت ولايته، وعلى غير من لم تثبت ولايته، فكل ذلك سواء، ولا تجوز شهادة غير الأولياء في الأحداث الموجبة للبراءة لأن البراءة لا يكون فيها حجة إلا أهل الولاية.
ومعي أنه قيل: لا تجوز الشهادة على العلماء ولا الأئمة الأحياء الحاضرين إلا من العلماء في الدين، وغير ماذون له أن يعاقب نفسه، وكذلك ليس له معنا أن يظهر على نفسه ما يعاقب به، كما لم يكن له أن يأتي بما يعاقب عليه، وإنما ذلك إذا صح عليه حد، لزم الحكام فيه لا يلزمه هو.
ومن الكتاب: وإذا سئل المسلم عن رجل له معه ولاية، فقيل:
-54 -
لا يسعه أن يكتم علمه فيه.
قال غيره: ومعي أنه قد قيل: هذا ويخرج معي ذلك على تأويل الحق، أنه إذا قصد بكتمانه ذلك فيه لمعنى إزالة اسمه من الإيمان، أو لمعنى إزالة حق يراد به في ذلك، مثل شهادة قد شهد بها، فيكون إعلامه بذلك مما تقوم به الشهادة في حكم الظاهر، وكتمانه يبطل ذلك، فقصد إلى شيء من هذا وأشباهه، فمعي أنه لا يسعه القصد إلى الكتمان في أمره على أحد هذه المعاني.
وأما إذا كان بكتمانه لعلمه فيه لا يزيل حقا، ولا يوجب باطلا، وكان له مخرج يخرجه إلى السلامة من خوف أن تنفتح عليه فتنة، أو يخاف مد أعين الناس إليه، من أمور ما يخاف فيه الفتنة، ولم يكن في ذلك شيء مما ذكرنا فأرجو أنه لا يضيق عليه ذلك، لأنه ليس كتمانه لذلك بمنزلة كتمان العلم الذي هو حجة بنفسه، وليس إعلامه بالولاية حجة بنفس العلم في الإجماع، وربما كان في الولاية للواحد مما يخاف في إظهار ولايته تولد الأعتاب التي يخاف منها الفتن في الدين، ويجب بها التفرق في الكلمة، فيكون كتمان ذلك على اعتقاد طلب السلامة من هذه الأمور، أو من بعضها معنا أفضل، ما لم يقع كتمانه بأحد المنازل، التي وصفنا من قصده لإرادته.
وقد بلغنا أنه لما اختلف من اختلف في شبيب بن عطية من أهل عمان، وكان موسى يتولاه، وأحسب أن موسى بن أبي جابر، أو موسى بن علي، فقيل: أنه لما قتل خاف تولد ما يخاف منه الفرقة والاختلاف، أظهر الوقوف منه، أو وقف عنه، وهذا عندنا أشد من كتمانه ولاية من لا يكون في إعلامه بولايته وجوب حق، ولا في كتمانه زوال حق، وأشد هذا عندي، وأقربه إلى إجازة ذلك، أن يكون الضعيف بمنزلة مع الضعفاء، ينزلونه بها أنه بمنزلة من تؤخذ عنه الولاية، فيسأل عن هذا السؤال، ومعه أنه يقبل منه الولاية، وهو ممن لا يجوز للضعيف أن يقبل منه الولاية، وإنما يتوهم فيما يظنه
-55 - (1/33)
صفحة 34
فيه، أنه بتلك المنزلة، فإذا وقع السؤال على هذه الصفة، أحببت أن لا يطلق الجواب في هذا، ويعجبني أن يدافع عن ذلك للقصد، أن لا يقع السائل فيما لا يسعه، صونة له على أمر دينه، ليس إلى كتمان حق، وليه، الذي قد ثبت معه ولايته، بما يسعه ولايته، فافهم هذه المعاني، إن شاء الله -تعالى-.
ووجه من ذلك، أن تسعه التقية في دينه، ونفسه، وماله إذا خاف من إظهار شيء من ذلك، فهذا على حال تسعه التقية، وأحب له أن يتمسك بالتقية في مثل هذه الأمور، في أيام التقية التي يخشى على نفسه منها، عند إظهار ما لا يلزمه إظهاره، أن يمسه ما لا يقدر عليه من المعارضات، فيخرج عما يلزمه إلى ما لا يسعه.
باب: ما يسع جهله من البراءة
واعلموا أن كل ما وسع الناس جهله من معرفة حرمة حدث ما حرم الله ذلك، وارتكابه إلى أن يركبه مثل شرب الخمر، وأكل الخنزير، إذا كان قائم العين، أكل الميتة، أو نكاح ذوات المحارم، أو أشباه هذا مما يسع جهل معرفته، ولا يسع جهل ركوبه، فإن لم يبلغ معرفته إلى معرفة حرمة ذلك، فهو يسعه جهل معرفة حرمته، ولا يسعه جهل ركوبه، فإذا أحدث محدث حدثا مما يسع الناس جهل معرفة ذلك الحدث، فمن علم من ذلك المحدث ذلك الحدث، وعلم أن ذلك الحدث مكفر فعليه أن يبرأ لله من ذلك المحدث، ولا يسعه الشك في البراءة ممن قد علم منه حدثا مكفرا، وعلى من علم أن ذلك الحدث مكفر، أن يبرأ لله ممن أحدث ذلك الحدث، ولا يسعه
-56 -
الشك في البراءة من أهل صفة الكفر، وأما من لم يعلم أن ذلك مكفر، ولم يعلم من محدث حدثا، فليس عليه أن يبرأ من صفة، لم يعلم أن أهلها قد خرجوا من الحق، إلا أن تلقاه الحجة، فإذا لقيته الحجة فأعلمته أن دلك الحدث مكفر، لزمه أن يبرأ لله ممن أحدث ذلك الحدث، فإن كان قد علم أن ذلك المحدث أحدث ذلك الحدث، فعليه أن يبرأ لله منه باسمه، وعينه، ولا يسعه بعد أن يلقى الحجة، أن يشك في البراءة منه، والحجة كتاب الله، وعلماء المسلمين، وهؤلاء الذين قد علموا حرمة الحدث وبرئوا ممن أحدث ذلك الحدث، وليس عليهم أن يبرؤوا من هؤلاء بأسمائهم، وأعيانهم، إلا أن تقوم عليهم الحجة بالبينة العادلة، أن ذلك الحدث كان من هذا المحدث، فإن حكم هؤلاء العالمين بحدثهم على هؤلاء الذي لم يعلموا بحدثهم، فقد وافقوهم على البراءة ممن أحدث ذلك الحدث، أن يحكموا عليهم بالبراءة ولم يعذروهم لما قد وسعهم في ذلك، فقد هلكوا.
وإن كان هؤلاء الذين قد علموا بحدثهم شكوا في البراءة منهم، ثم برئوا منهم، إذا لم يبرؤوا ممن عاينوا حدثه، هلكوا بذلك وضلوا ضلالا بعيدا، إذا حكموا لحكم ما لا يسع جهله، في موضع حكم ما يسع جهله، وليس للناس أن يدينوا فيما يسعهم جهله إلا بما يعلمون. (1/34)
صفحة 35
وليس للعالم بما يسع جهله أن يحمل على الجاهل فيما يسعه جهله، أن يعلم كعلمه، أو يبرأ كبراءته، فإن فعل ذلك فقد قطع الله عذر العالم، وكذلك ليس للجاهل أن يحمل على العالم، أن يرجع إلى منزلة جهله، فإن فعل ذلك، فقد قطع الله عذر الجاهل.
والجاهل بحرمة الحدث إذا وافق العالم، على البراءة ممن خالف دين محمد في صلى الله عليه وسلم، وتولى العالم على براءته من المحدث، فقد وافق العالم على البراءة من ذلك المحدث، في شريعة دينه، وقد دان هذا الجاهل بحرمة ذلك الحدث، إذا دان فيه بدين محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لهذا العالم أن يلزم هذا
-57 -
الجاهل، أن يسأل عن تلك الحرمة دائنا بالسؤال ليبرأ من ذلك المحدث، فإن فعل ذلك العالم فقد هلك لأنه حكم عليه بحكم ما يلزم فيه السؤال، في موضع حكم ما لا يلزم فيه السؤال لأنه في هذا الموضع لا يلزم الجاهل بالحرمة السؤال، وإنما يلزم السؤال إذا رأى من ولي له حدثا لم يعلم هو أنه مكفر، فعليه في هذا الموضع أن يقف عن وليه وقوف سؤال، على أن دينه فيه دين المسلمين، فإن يكن ذلك الذي رأى من وليه ما يبلغ به عند المسلمين إلى البراءة، ودان لله بالبراءة من وليه، وإن لم يكن ذلك الذي رأى منه ما به إلى مكفرة فوليه على ولايته.
قال أبو سعيد: السؤال هاهنا لا يقع موقع الإجماع فيما عرفنا، يقع موقع الاختلاف.
رجع، وعلى هذا يكون اعتقاده في وليه من غير ترك منه لولاية وليه إلا على هذه الصفة، وإنما يكون وقوفه عنه وقوف برأي لا بدين، فافهموا موضع ما يلزم فيه السؤال، من موضع ما لا يلزم فيه السؤال، وقد يكون وقوف السؤال على غير هذا، إلا أنه كل وقوف السؤال إنما يكون برأي لا يكون بدين لأنه إذا دان بالوقوف في موضع وقوف السؤال، فقد دان بغير دين المسلمين، ومن دان بغير دين المسلمين فقد هلك.
قال أبو سعيد: وليس له أن يدين هاهنا بالسؤال دينا، ويبرأ بذلك، وإنما يعتقد على غير الدينونة، إذا كان موضع السؤال يقع موقع الاختلاف، لا موقع الدين.
رجع وكذلك إذا دان بالسؤال في موضع وقوف الدين، فقد دان بغير دين المسلمين، وقد خالف الحق في ذلك، وهلك إلا أن يتوب، وإنما يلزم وقوف السؤال في الولي خصوصا، مثل أنه سمع رجلين يتنازعان شيئا، قد علم هو الشيء باسمه، ولم يعلم حرمته مثل أنه عرف الخمر بعينه، أو الخنزير بعينه، ولم يعرف حرمتهما، وسمع هذين الرجلين يتنازعان في الخمر أو
-58 -
الخنزير، فيقول أحدهما: هذا حلال، ويقول أحدهما هذا حرام، فقد قامت عليه الحجة في مثل هذا من عقله، لأنه لا بد أن يكون أحدهما كاذبا على الله، فوجب عليه أن يبرأ من الكاذب، (1/35)
صفحة 36
ولو لم يكونا له وليين، ولزمه الوقوف عنهما حتى يسأل عن ذلك، من غير دينونة منه بالسؤال على ذلك، إذا لم يكن هذان الرجلان ولييه، فإن يكن ذلك الذي سمعه منهما حراما، دان لله بالبراءة ممن أحله، وإن يكن ذلك الشيء سمعه منهما حلالا دان لله بالبراءة ممن حرمه، وهكذا يكون اعتماده في مثل هذا، ولا يبرأ من أحدهما بعينه، حتى يصح معه كفره على ما وصفنا، ولا يحل له أن يثبت على هده الصفة لهما الولاية لأنه قد قامت عليه الحجة لله في عقله، وإن لم يعبر له معبر، ومحال أن يكونا كلاهما صادقين في ادعائهما على الله.
قال أبو سعيد: وهذا إذا كان التحليل منهما والتحريم يدعيانه على الله أنه أحله أو حرمه، ويتنازعان في ذلك.
رجع وإذا لقيته الحجة فأعلمته الحجة بالكاذب منهما من الصادق، برىء لله من الكاذب، وإن كان الآخر وليا له تولاه على ذلك.
قال أبو سعيد: السؤال ها هنا برأي لا بدين لأنه لا يقع موقع الدين.
رجع فإن كان أحد هذين الرجلين يبرأ منه، فليس له في ذلك سؤال، ويبرأ ممن كان يبرأ منه، ويتولى وليه، ولا يحل له أن يحكم على من يبرأ منه، بأنه هو المخطيء في هذا الوجه، فإن حكم عليه بذلك هلك، وإنما انحط عنه الدينونة بالسؤال.
قال أبو سعيد: وإنما انحط عنه السؤال، ولا يقال: الدينونة بالسؤال.
رجع في هذا إذا لم يكن يلزمه في الذي يبرأ منه سؤال، واحتمل
-59 -
عليه من وليه أن يكون أتى حقا، وأن يكون أتى باطلا، فلا يحل له أن يحكم عليه بالفسق، على هذه الصفة، ولم يلزم فيه الدينونة بالسؤال، ولم يحل له أن يدين فيه بالسؤال، على ذلك بتجسيس عن عورته ليبرأ منه، لأنه إذا ظهر من وليه أمر، يحتمل أن يكون محقا في بعض الوجوه، ويحتمل أن يكون مبطلا في بعض الوجوه فلا يحل له ترك ولاية وليه على ذلك، ولزمه ولايته لأنه احتمل عنده في هذا الوجه، أن يكون وليه أن الباطل، أتى الحق، فلم يحل له أن يحكم على عدوه أنه أتى هذا الباطل، واحتمل عنده أن وليه أتى الحق، وأن عدوه أتى الباطل، فلم يحل له أن يحكم على وليه بالباطل، وزال عنه السؤال في هذا الوجه من هذا الباب، إلا باعتقاد الدينونة أنه يبرأ لله من الكاذب عليه، ولو كان هذان الرجلان ولييه جميعا للزمه الدينونة بالسؤال، على اعتقاد الدينونة منه أنه أيهما كان كاذبا على الله فهو يبرأ منه.
قال أبو سعيد: لا يقال ها هنا أن السؤال بالدينونة، وإنما يقع موقع الاختلاف، وهذا موضع يقع الاختلاف، لما يلزم بغير اعتقاد دينونة، لأن الدين لا يختلف فيه، والرأي ما يقع فيه الاختلاف، وهذا موضع يقع السؤال فيه موقع الاختلاف.
رجع والآخر عنده في الولاية ويقف عن ولايتهما وقوف رأي على ما وصفنا، لا يكون وقوفه (1/36)
صفحة 37
وقوف دين لله بالوقوف عنهما، إلا إذا دان لله بالوقوف عنهما، ثم كان أحدهما محقا، فقد ترك ولاية المحق، وقد هلك بذلك، ولا يحل له أن يتولاهما على ذلك جميعا، ولا يحل له أن يترك ولاية أحدهما، أو يتولى الأخر مخافة أن يكون الذي ترك ولايته هو الصادق، وأن الذي تولاه هو الكاذب، وإنما يلزمه السؤال في هذا الوجه.
قال أبو سعيد: إنما يعتقد السؤال في هذا الوجه، ثم الرد لئلا يترك ولاية ولييه جميعا المحق منهما والمبطل، فيخالف الحق في ذلك، فيلزمه أن يسأل عن أمرهما ليتولى المحق منهما، ويبرأ من المبطل، ولا يكون مهملا ولاية
-60 -
المحق الذي قد لزمت ولايته، ويبرأ ممن قد لزمته البراءة منه، في حكم الله، فهذا وقوف السؤال.
وأما وقوف الرأي فهو أن يكون هذان الرجلان ليسا بولييه، ثم سمع منهما ما وصفنا من التحريم والتحليل، فيلزمه وقوف الرأي، وعلى أن رأيه فيهما، ودينه دين المسلمين، فأيهما كان المسلمون يبرؤون منه على ذلك، فهو يبرأ منه، ولا يلزمه في ذلك سؤال للمسلمين على الحدث بعينه لأنه إذا دان في هذا الموضع بالسؤال، فقد دان بغير دين المسلمين، ولا يحل يلزم هذا الدينونة بالسؤال، إلا على ما وصفنا حتى تلقى هذا الرجل الحجة من غير اعتقاد بدينونة السؤال، فإذا لقيته الحجة، وأعلمته الكاذب منهما من الصادق، لزمه أن يبرأ لله من الكاذب، ويكون الصادق منهما بحالة عنده في حال الوقوف.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه يخرج، ولا يكون اعتقاده في هذا الصادق، إلا وقوف الدين، ومن وقوف الرأي أيضا الذي لا يلزم فيه السؤال، إن سمع من الرجلين أمرا يتنازعان فيه، أحدهما يحله، و أحدهما يحرمه، وهولا يعرف جنس ذلك الشيء، و إنما سمعهما يتنازعان في شيء لا يعرفه بجنسه، ولا يدرك معرفته مع غيره من الثقاة، وذلك مثل الخنزير في ضرب المثل، ولا يعرف الخنزير بجنسه، فليس عليه في هذين الرجلين في هذا الموضع سؤال، ولوكانا جميعا له وليين لأنه لا يعرف ما هو فيسأل عنه إلا أن يشهد على الخنزير شاهدان، أنه خنزير، ويصح معه بعد ذلك الجنس بأنه خنزير، فإنما يلزمه في ولييه هذين أن يبرأ لله من الكاذب منهما على الله، ولا يقف ولا يلزمه أن يقف.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد ويلزمه أن يقف.
رجع و يتولاهما برأي أنه أيهما كان الصادق فهو له ولي، و أيهما كان الكاذب فهو له عدو، ويبرأ منه برأيه، على هذا الاعتقاد، فإذا لقيته الحجة
-61 - (1/37)
صفحة 38
بمعرفة الجنس، لزمه هنالك الدينونة بالسؤال.
قال أبو سعيد: إذا لقيته الحجة في ذلك اعتقد السؤال، ولا يعتقده على سبيل الدينونة لأنه يقع موقع الرأي.
رجع: عما يلزمه في ولييه هذين على ما قد صح معه، وإن كان ذلك الشيء لا تدرك معرفته أبدا، وقد اشتبه عليه ذلك مثل أنه سمع ولييه يتنازعان في كأس خمر، ولا يسميان باسمه إلا التنازع بينهما في التحليل والتحريم، ثم غاب ذلك الكأس، عنه بعينه، ولم تدرك معرفته إلا بالتسمية، فالوقوف برأي، ولا يلزمه فيه السؤال إلا بعد تقرر اليقين، وارتفاع الشك والشبهة من قلبه لأنه جاء الأثر أنه لا يجوز إقامة الحدود بالشبهة.
فالولاية والبراءة من أشد الحدود.
قال أبو سعيد: الولاية معنا لا تسمى من الحدود لأنها ليست بعقوبة، وأما البراءة فإنها من الحدود لأنها عقوبة، إلا أن الحكم يخرج بها مخرج الحدود، فمن هنالك جاز في المعنى للمتكلم أن يسميها حدا لأنها هي نفسها حد.
رجع: واعلموا أنه من حكم بحكم وقوف الدين، في موضع حكم وقوف السؤال ضل، ومن حكم بحكم وقوف السؤال في موضع حكم وقوف الدين ضل، ولا عذر لمن حكم بغير الحق في عباد الله، واعلموا أن وقوف الدين الذي استعمله العلماء، ودانوا به من غير جهل منهم بمحارم الله، على أنهم عالمون بجميع دين الله، وعلى أنهم عالمون بموضع وقوف البراءة، وعلى أنهم عالمون بموضع وجوب الولاية، ولم يحل لهم أن يبرؤوا ممن ألزمه الله كلفة التعبد، حتى يعلموا منه أنه مستحق لذلك، ولم يحل لهم أن يتولوا من ألزمه الله كلفة التعبد حتى يعلموا منه أنه مستحق لذلك، فيبرأ المسلمون ممن استحق
-62 -
عندهم البراءة، ويتولوا من استحق عندهم الولاية، ولم يسعهم إلا أن يتولوا من ظهر منه الرشد، ويبرؤوا ممن ظهر منه الغي، ودانوا في جميع الناس الذين لم يعلموا منهم رشدا ولا غيا، بالوقوف من غير إهمال منهم في وقوفهم، وإنما اعتقاد المسلمين في الدينونة بالوقوف على أنهم يبرؤون ممن استحق البراءة في دين الله، وعلى أنهم يتولون من استحق الولاية في دين الله، ولم يهملوا دينهم في الوقوف فالمسلمون في وقوفهم يتولون لله كل مسلم، ويبرؤون لله من كل كافر، من غير أن يحكموا بذلك على أحد من الناس باسمه وعينه، إلا من صح عندهم ذلك منه.
فالمسلمون يبرؤون لله من أوليائهم الذين قد صح معهم أنهم محقون، وهم يخونون الله في سريرتهم، ويتولون أعداءهم الذين قد صح عندهم أنهم مبطلون، وهم محقون في سريرتهم، تائبون من ذنبهم، ولولا أن المسلمين استعملوا هذا الوقوف، لضاق عليهم الخناق لأنه لا يجب على المسلمين أن يتولوا لله كل مسلم، وأن يبرؤوا لله من كل فاسق، وحرام عليهم أن يتولوا الكافر، (1/38)
صفحة 39
وحرام عليهم أن يبرؤوا من المسلم، ومحال أن يدرك أحد من المسلمين هذا، أن يتولى جميع المسلمين بأسمائهم وأعيانهم، وأن يبرؤوا من جميع الكافرين بأسمائهم وأعيانهم، والله - تعالى - يقول لنبيه: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) (1)
فقد صح معنا أن هؤلاء الأنبياء أرسلوا إلى المفسدين في الأرض، وقال الله - تعالى ": (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله
__________
(1) - غافر 78.
وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (1).
والأنبياء والربيون لا يقاتلون إلا المفسدين، وليس على المسلمين أن يعلموا جميع المسلمين فيتولوهم، وأن يعلموا جميع المفسدين فيبرؤوا منهم.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد أنه محال أن يعلم المسلمون جميع المسلمين، بأسمائهم وأعيانهم، فيتولوهم على ذلك، وجميع الفاسقين فيتبرؤوا منهم على ذلك.
وقال الله - تعالى -: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فنصرنا على القوم الكافرين) (2).
أي إلا (طاقتها)، فاستعمل المسلمون هذا الوقوف على أن يتولوا في وقوفهم هذا كل مسلم، وأن يبرؤوا في وقوفهم هذا من كل كافر، حتى تلقاهم الحجة في أحد من الناس بعينه أنه مسلم، فيتولوه، أو تلقاهم الحجة في أحد من الناس بعينه أنه كافر، فيبرؤوا منه.
فهذا وقوف الدين، أوسع للعلماء من الدهناء لراعي الإبل، لأن العلماء يسعهم الوقوف عن أبي جهل بن هشام لأن العلماء يدينون لله بالبراءة من المشركين.
ووقوف السؤال أضيق على الجاهل من سم الخياط على جثة البعير لأن الجاهل إذا أحدث وليه حدثا ثم اعتقد له الولاية على ذلك هلك، ووقوف السؤال إنما هو وقوف الجاهل.
-64 -
__________
(1) - آل عمران 146.
(2) - البقرة 286. (1/39)
صفحة 40
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد وقوف الدين، ووقوف العلماء لأن العالم لا يجهل حدثا يحدثه وليه، ويثبت له الولاية على ذلك، فالعلماء متوسعون في دينهم في وقوف الدين على ما وصفنا، وكذلك الجاهل أيضا، واسع له وقوف الدين ما لم يمتحن بشيء مما وصفنا من وقوف السؤال، فتدبروا ما وصفنا لكم من وقوف الدين، ووقوف السؤال ووقوف الرأي، فإنه في تدبركم له حط عن ظهوركم ثقل ما جهله الجاهلون، مما وصفنا لكم لأن لكل وجه من هذه الوجوه حكما فارقا، لا يحل لأحد أن يحكم فيه بغير حكمه، فمن حكم في هذه.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد في أحد هذه الوجوه بحكم غير حكمه هلك وضل، وكان من الخاسرين، واعلموا أن وقوف الشك واسع للعالم والجاهل، دين يدين لله به، وليس هو شكا في الحق، ولا خروجا منه، وذلك لأن المسلمين استعملوه، ولا يكون وقوف الشك أبدا إلا فيما يسع جهله لأنه لا يحل الشك فيما لا يسع جهله لأنه من شك في البراءة من رجل، وتولى من برىء منه، فقد برىء منه في حكم الدين لأنه لا يحل الشك فيما لا يسع جهله، ولا يعتقد الشك دينا لأنه ليس في حكم الدين شك، وإنما يكون شكه في الحدث، أنه مهلك، أو غير مهلك، وأن ذلك الحدث أحدثه ذلك الرجل، أو لم يحدثه، فشك في هذا وتولى من برىء من المحدث، فقد برىء من المحدث، ووسعه أن يتولى المحدث الذي معنا.
قال أبو سعيد: أنه أراد ويتولى المحدث برأي، ولا يترك ولايته، لأنه محتمل أن يكون المحدث أحدث حدث فسق، فقد أصاب من برىء منه فتولاه على براءته، ومحتمل أن يكون المحدث لم يخرجه حدثه من الحق، فلم يحل له هو أن يبرأ منه على هذا، ولم يحل له هو أن يترك ولاية وليه على براءته، ممن أحدث حدثا قد علم هو منه حدثه، وشك فيه أحق أم باطل، فقد وافق
-65 -
فيه هو هذا المتبرىء من هذا المحدث، بولايته للمتبرىء، وليس للمتبرىء أن يحمل عليه البراءة من المحدث بولايته للمتبرىء، لأنه لزمه في وليه الذي أحدث الحدث، وقوف السؤال، ثم برىء منه هذا المتبرىء منه على حدثه، فظهر من هذا أمر محتمل أن يكون حقا، ومحتمل أن يكون باطلا فلم له (1).
وقال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد فلم يجز له أن يترك ولايته على هذا الوجه، ولزمه أن يثبت على ولايته، ولا يحل لهذا إهمال ولاية من أحدث الحدث، ويكون دينه فيه دين المسلمين، على ما وصفنا من وقوف السؤال، وإنما يكون هذا المحدث ليس بولي للشاك، لم يلزمه في ذلك سؤال، ومن وقف عنه وقوف دين لشكه في تحريم حدثه، ويتولى هذا المتبرىء من هذا المحدث، فإذا تولى هذا المتبرىء من المحدث، ووقف على المحدث وقوف دين على ما وصفنا، فقد برىء من المحدث، إن كان أحدث حدث فسق، وقد برىء من وليه هذا، إن كان المحدث لم يخرجه حدثه ذلك من الحق، وقد تولى المحدث إن كان المحدث مسلما. (1/40)
صفحة 41
فوقوف الشك شبيه بوقوف الدين، وكذلك من شك في ولاية رجل وتولى من تولى، فقد تولاه لأنه يسعه الشك فيه، حتى يعلم أنه مسلم، كما وضعه البراءة.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد وسعه ترك البراءة من المحدث، حتى يعلم أنه أحدث حدث فسق، وكذلك إن شك في رجل، وتولى من برىء منه، وتولى من تولاه وسعه ذلك، و إن شك ووقف عمن برىء منه، وعمن تولاه، فقد شك في الحق، إذا كان المتولون والمتبرئون محقين، ولا يسعه الشك في ولاية المحق، لموضع شكه في فسق المحدث الذي قد اختلف فيه، أو صلاحه، وعليه أن يتولى المحقين حتى يعلم أنهم خالفوا
-66 -
__________
(1) - أي أن هناك تقديرا محذوفا ومعناه (فلم بجز له) كما فسر أبو سعيد -رحمه الله - تعليقا على المتن.
الحق، في ولايتهم لهذا الرجل.
وكذلك عليه أن يتولى المحقين من المتبرئين، حتى يعلم أنهم خالفوا الحق في ذلك، في براءتهم من هذا الرجل، فتدبروا - رحمكم الله - ما وصفنا من وقوف الشك، واعلموا أن هذا الذي وصفنا هو الحق، في آثار المسلمين في دينهم، فاستعملوه في فضل حكمه، فإن أحكام الدين تخص وتعم، وهذا الذي وصفناه ديننا، الذي ندين له لربنا -إن شاء الله -.
وقد وجدت عرض على أبي سعيد، وصح.
باب: الشهادة في البراءة واختلاف ذلك من العلماء والضعفاء من المسلمين
قال غيره: وهذا من مجملات الأثر التي لا يصح معنا إلا في حكم المعتبر، وذلك أن البراءة في الإطلاق تخرج على وجهين:
وجه منهما الخلع والبراءة، بغير تسمية باسم من أسماء الكفر، التي يستحق بها البراءة وكلاهما براءة في التسمية والأسماء التي يستحق البراءة، و يستحق بها البراءة فهي أسماء الضلال والكفر، والنفاق والفسق، وأشباه هذه الأسماء، وهذه أسماء دالة على من يستحق البراءة من المتسمين بها.
وهي براءة في التسمية إذا سمى بها والبراءة بغير تسمية هي اللعن، وقوله: قد برئت من فلان أو فلان، برىء من الإسلام، أو برىء من الله، أو خليع من الإسلام، وأنا أبرأ من فلان أو أشباه هذا، فهذا خلع وليس بتسهية، ولا يكون معنا في هذه الألفاظ كلها صحة شهادة على المقذوف بها، من جميع من قذفه بها، كان ذلك من المسمى له بها، سمى له بها على وجه الشهادة، أو على وجه القذف، ولا يخرج شيء منها معنا شهادة، إلا قوله فلان برىء من الإسلام، أو خليع من الإسلام،
-67 - (1/41)
صفحة 42
ونحوه على وجه الشهادة، أو على وجه القذف، فإنه يشبه معنا الأسماء الدالة على البراءة، وأما سائرها فقذف خارج معنا كله، ومصرح من البراءة.
باب: معنى من يتولى من يبرأ منه أحد من المسلمين
قال غيره: هذا الأمر معنا يخرج تأويله، أن هذا المتولي لهذا المتبرىء منه، يبرأ منه بعد علمه بحدثه الذي لا يعلم الحكم فيه، وضاق عن البراءة منه فإذا تولاه بدين فقد أتى كبيرة، فلا يسعه ذلك معنا، فإن برىء منه قبل الاستتابة، فقد قيل: ذلك على ما وصفت لك، وإن استتيب فقد قيل: أنه لا يبرأ منه حتى يستتاب، فإن لم يتب برىء منه على ذلك، وإن تولاه برأي ما لم يعلم بحكم الحدث، أو يقف عن أحد من علماء المسلمين، أو يبرأ منه برأي أو بدين، من أجل براءته منه، أو من أحد من ضعفاء المسلمين بدين، فلا يضيق عليه ذلك، وهو في الولاية، ولا يجوز أن يكون معنا إذا تولاه بما تجوز له الولاية فبرىء منه أحد من المسلمين من العلماء والضعفاء، ولو مائة ألف أو يزيدون، فلا يدخل عليه شيء لولايته لوليه، بل هم يكونون معه قذفة مخلوعين، إذا برئوا منه قبل أن يقيموا الحجة على وليه، بما ينقطع به عذر الولي، في ولايته من الشهادة، ثم هنالك يجوز لهم بعد قطع عذره من ولاية وليه أن يبرؤوا من وليه، ولا حجة له عليهم بعد ذلك، ولو برئوا منه قبل أن يقيموا عليه الحجة، كائنا ما كانوا من القلة والكثرة، بعد علمهم بولايته، أو قيام الحجة بذلك عليهم، لكانوا معنا قذفة مدعين، لا تجوز شهادتهم فيما ادعوه أبدا، ولا فيما برئوا منه عليه من ذلك السبب، ولا يخرجهم معنا من حد البراءة والخلع، إلا توبتهم من ذلك، فإن أقاموا عليه الحجة بكفر وليه بما يثبت عليه من ذلك، فتولى بعد ذلك بدين لم يسعه
-68 -
ذلك، وكان وإن وقف عنه أو تولاه برأي إذا لم يبصر الحجة والحكم، وتولى المسلمين ولم يقف عنهم ولا برئ منهم، على ما وصفت لك برأي ولا بدين، لم يضق عليه ذلك، وهو مسلم.
باب: شهادة الشاهدين على براءة المسلمين من أحد والمسلمون يبرؤون من فلان
وأما شهادة الشاهدين أن المسلمين يبرؤون منه، فليس هذا مما تقوم به الحجة، على المتولي له، إذا كان يتولاه في الأصل بحق يسعه، وإن كان لا يتولاه بحق بدين، فهو هالك، وليس الشهادة على براءة المسلمين موضع حجة لأن براءة المسلمين، ولو سمعهم يبرؤون منه، بإذنه وهم علماء فقهاء، لم يكن ذلك حجة عليه، له معنا يبرأ كبراءتهم منه وإن كان يتولاه بحق في الأصل، فهم عنده قذفة، وعليه البراءة منهم إن أبصر ذلك، وإن لم يبصر في الحكم في ذلك، فلم يتولهم أو تولاهم برأي، وسعه ذلك، ما لم يقف عنه وليه المحق من أجل براءتهم منه، فإن وقف عن وليه من أجل براءة المتبرىء منه، ولو كانوا علماء المسلمين فيما مضى، وقد برىء منه أو وقف عنه بدين، أو برىء منه برأي أو بدين، كان ضعيفا أو عالما، لم يسعه ذلك، ولو كان متوليا له في الأصل بباطل ما كانت براءتهم عليه حجة، ولا زائدة ولا ناقصة، وإنما يهلك بولايته له على الباطل، إذا (1/42)
صفحة 43
تولاه بدين ولا ببراءة المسلمين منه، ولا بشهادة من بعضهم أنهم يبرؤون منه، ولا بصحة الشهرة أنهم يبرؤون منه، إلا أن يكون يصح بالشهرة معه، وإجماعهم على الحكم عليه في حدثه المحتمل حقه وباطله، فيما يجوز إجماعهم عليه من الحكم بباطله، فإن صح ذلك من إجماعهم على الحق، ببطلان حدثه في موضع ما يكون حجة في الحكم، زال عنه حكم الاحتمال، وثبت عليه أن لا يتولاه بدين، بمخالفة
-69 -
حكم المسلمين عليه، وصحة حكم المسلمين عليه بباطل حدثه، فيما يخرج من المسلمين حكما عليه، فالحكم منهم حجة على من علم بحكمهم، كان وليه حيا أو ميتا، إذا كان قد ثبت عليه حكمهم بالباطل، وحكمهم بالباطل أصح من شهادتهم عليه بعد موته لأنه لا يخرج الحكم إلا حقا ثابتا من الشهرة التي تصح ذلك معه.
وأما الشهادة على الإجماع على حدثه بعد موته أنه باطل، ولم يصح معه هو إجماعهم بالشهرة، فالشهادة على إجماع المسلمين على باطل حدثه، بمنزلة الشهادة على الحدث أنه باطل، ولو كان قد علمه إذا كان قد علمه محتملا، ولم تصح حجة عليه ببطلانه بالبينة حتى مات، فالشهادة عليه بالإجماع على حدثه كالشهادة عليه بحدثه، وقد مضى القول في الشهادة في الأحداث فيما توجب البراءة بعد الموت ببيان ذلك، مع ذكر الاختلاف فيما مضى من هذا الكتاب.
باب: براءة الشريطة
واعلموا أن حكم الشريطة أن يتولى لله كل مسلم، وأن يبرأ لله من كل كافر، فالمسلمون في حكم الشريطة، يتولون لله كل سعيد غاب عنهم صحة سعادته، ويتبرؤون لله من كل شقي غاب عنهم صحة شقاوته، وهم دائنون لله في حكم الشريطة بولاية أوليائه وعداوة أعدائه فهم على ذلك يبرؤون ممن ظهر منه المواففة للمسلمين، ووجب عليهم ولايته، كذلك يتولون من قد ظهر إليهم منه حدث فسق، فبرئوا منه بحكم الظاهر، وهو في سابق علم الله أنه سعيد تائب من ذنبه، فلا يحل لهم أن يتركوا ولاية من قد صح عندهم رشده، ويسيروا فيه بحكم الشريطة باسمه وعينه، بل إن فعلوا ذلك فقد فسقوا.
-70 -
كذلك لا يحل لهم أن يتركوا البراءة ممن قد ظهر إليهم منه حدث مكفر، ويحكموا فيه بحكم الشريطة باسمه وعينه، فالمسلمون متوسعون في دينهم بولاية من ظهر منه إليهم رشد، حتى يعلموا منه زيغا عن الحق ببراءتهم في الشريطة من كل فاسق، كذلك متوسعون بالبراءة من كل من ظهر منه حدث فسق، حتى يعلموا منه توبة من ذلك الحدث، بولايتهم لله على الشريطة لكل مسلم، فهم يدينون لله بالبراءة منه باسمه وعينه، إذا زاغ عن الحق، ويتولونه في الشريطة، وإن لم يتولوه (1/43)
صفحة 44
باسمه وعينه إذا تاب، فتدبروا هذا الفصل -إن شاء الله - واتبعوه تسعدوا ولا تكونوا من المعتدين.
باب: ولاية الوليين كل واحد منهما يقتل صاحبه
ومن الكتاب وقيل في الرجلين، يكونان في الولاية، فيقتل كل واحد منهما صاحبه، ولا يعرف الظالم منهما، فهما في الولاية جميعا، حتى يعرف الظالم منهما.
قال غيره: معي أنه قد قيل: إذا اقتتلا فقتل كل واحد منهما صاحبه على المحاربة، فقال من قال: بولايتهما جميعا، للأصل الذي كان قد ثبت فيهما في دين الله، في حكم ما تعبد به من حكم ولاية الظاهر ولأن حكم كل واحد منهما مفرد بنفسه، ثابت في حكم ما تعبد فيه من ولاية الظاهر، فهو بولايتهما جميعا حتى يعلم المحق منهما من المبطل.
وأحسب أن بعض أهل العلم قال: إن ولايتهما أصح في أحكام الظاهر من أحكام الولاية والبراءة.
ومعي أنه قيل: إذا اقتتلا فلم يعرف أيهما المحق من المبطل، فهما
-71 -
متضادان، ولا محال أن أحدهما مبطلا أو كلاهما، ولا يثبت لهما أنهما مصيبان بالتضاد للمحاربة، ولا يعلم بوجه من الوجوه، فإذا ثبت هذا في أصل ما صح منهما، فلا تجوز ولايتهما جميعا لجميع المتضادين، اللذين أحدهما مبطل، ولا يعرف المحق منهما بعينه فيتولاه منهما مشكوكان، والمشكوك موقوف بذلك جاء الأثر، أن المشكوك موقوف، ولا نعلم في ذلك اختلافا من ثبوت الأثر.
يخرج على غير هذا التفسير منه في الاجتماع منه، ومما لا يختلف فيه، أنه إذا لم يعلم من أحد بعينه، مما تجب به الولاية، ولا ما تجب به البراءة، ولا محال أنه يلزم فيه أحدهما عند الله في دينه، فهذا من أصل المشكوك، ومما مجتمع عليه أنه موقوف وما أشبهه، فهو مثله، وقد تساوى الأصول في معنى واحد، فيشبه ذلك المعنى كل أصل منهما بسبب، فيلحقه الاختلاف، ويجوز فيه إذا ثبت فيه شبه الأصل، فثبت في هذا الأصل الشبه في المشكوك، من أجل هذا الذي دخل فيهما من الريب، فلم يبعد فيه القول بمثله وبشبهه، ودخل في الولاية حكم ما تعلق به من ولاية الأصل، الذي لم يصح من أحدهما زواله، فلم يداخله حكم ثابت بعينه أنه باطل، فهو يتولاه على الانفراد بعينه، ما لم يزل ذلك الحكم الذي قد ثبت له بغير شك، كما قد ثبت له بغير شك.
وأحسب أنه قد قيل فيهما بالتعلق، أنه يبرأ منهما وعن بعض أهل العلم، أنه قال: هذا قول شاذ، وهو كذلك معنا، والشاذ من الشيء معنا ما لم يشبهه، وما بعد عنه فهو شاذ عنه، وإنما يثبت من الشيء ما يشبهه معنا، وما أشبهه وقرب منه. (1/44)
صفحة 45
ولا نعلم أن البراءة تقام بالشبهة في وجه من الوجوه معنى من المعاني لأنها حد من الحد وحكم من الأحكام، وإنما هي حدث، ليس فيها أصل إلا بالحدث المعين في الأشياء، فلا نعلم لهذا القول الثالث أصلا
-72 -
يشبهه، ولا معنى يقاربه في حكم الدين في الولاية والبراءة، وما لم يشبه الشيء لم يضف إليه والله أعلم بصوابه، فيما لم نقف عليه.
باب: التمييز بين شهرة الادعاء للحدث وبين لشهرة ما يصح من الحدث
اعلموا أن شهرة الادعاء للحدث، لعله أن يصح في القلب بحدث، ولا يحل لأحد أن يحكم بشهرة الادعاء للحدث في البراءة.
وقد جاء الأثر أن الشهرة بالحدث الواقع في الدار يصح في القلب بحدث، وتقوم به الحجة على الناس، ثم اختلف الحكمان في ذلك، فصار شهرة حدث، لا يقع ذلك الحدث، وإذا صح إلى الأصل، وجدنا أصلا ثابتا.
وشهرة الادعاء للحدث يصح في القلب تحقيق الحدث، و بينهما حكم فارق، فتميزوا ما يصح في قلوبكم من شهرة الحدث ومن شهرة الادعاء للحدث.
واعلموا أن مثل شهرة الحدث ومثل شهرة الادعاء للحدث، كمثل الشهادة والمدعي، فالمدعي يقول: على فلان لي دينار، والشاهد يقول مثله على فلان له دينار، فلو أن الحاكم حكم بقول المدعي، ولو كان المدعي صادقا لهلك الحاكم بذلك، وكذلك لو رد شهادة الشاهد، ولم يحكم بشهادته إذا شهد معه غيره هلك.
فتدبروا - رحمكم الله - هذا الفصل، والتمسوا الحق من صدوركم، فإنه لا عذر لكم إن حكمتم بشيء من الباطل، في أحد من الناس، وقد وصفنا في هذا الكتاب من الولاية والبراءة، ما في بعضه كفاية لمن من الله عليه بالهداية.
-73 -
فتدبروا ما وصفنا لكم، ولا تأخذوا من قولنا إلا ما وافق الحق والصواب، فإنا ندين لله بالتوبة من جميع ما خالفنا فيه حكم الصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله ونبيه محمد وآله وسلم تسليما.
تمت سيرة أبي عبدالله محمد بن روح على ما وجدنا، رحمه الله وغفر له.
باب: ذكر معاني القول في اللوازم الواسع وقتها
وأما ما كان من الفرائض واللوازم من دين الله - تبارك وتعالى - فإذا وجبت كان لوجوبها وقتا واسعا، لا يفوت وقتها مثل الزكاة والحج، وأشباه ذلك من الحقوق التي لله أو لعباده، مما ليس (1/45)
صفحة 46
له وقت يفوت فيه، وينقضي وقته، وهو من اللوازم الواجبة، فوجب ذلك الحق عليه بوجه من الوجوه.
فمعي أنه قد قيل: إنه لا يسعه جهل لزومه، واعتقاد الأداء له، إذا بلغته الحجة به، وقامت عليه بعلم ذلك، وعليه اعتقاد أداء ذلك على ما يوجبه الحق من قدرته، فإن لم يفعل ذلك ويعتقده، وينوي ذلك، لم يسعه.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يهلك بذلك، إذ وقته واسع، إذا لم يعتقد ترك أدائه بالعزم على ذلك أو ينكره، أو يحضره الموت وهو قادر على الوصية ذاكر لها، من غير عذر.
فمعي أنه قد قيل: يهلك بذلك، وأحسب أنه قيل: إنه ليس عليه في ذلك من الاعتقاد والسؤال، ما عليه من اللوازم التي يفوت وقتها، لوقت معروف مثل الصلاة والصوم، وأشباه ذلك مما له وقت ينقضي، ولا يجوز العمل به إلا فيه، ولا أداؤه إلا فيه، لأن الزكاة لو وجبت عليه في شهره
-74 -
هذا، فأداها في غيره، كان قد أداها، وكان قد قضى واجبا عليه في وقته، وكان ذلك وقتا واجبا.
وكذلك لو تركها سنة ثم كان كذلك، وإذا جاز تركها سنة، لم يضيق عليه في السنين، إلا بمعنى يعتقده أو ينويه مما لا يسعه.
وكذلك الحج، لو وجب عليه في سنته هذه فلم يحج، وحج من قابل، أو بعد ذلك كان ذلك وقتا لحجه، ولم يكن الحج موقتا عليه في عامه ذلك، كما كان ذلك وقتا عليه الصوم في رمضان، أن لا يتعداه إلى غيره، وصلاة النهار في وقتها، وصلاة الليل في وقتها، وكل صلاة من الصلوات في وقتها من الليل والنهار، وساعات الصلاة والحج، وأشباه ذلك من زكاة الفطر، وحقوق العباد، التي ليس لها وقت معروف، ويسع فيها أداؤها، متى أديت من النفقات والديون، ما لم يأت في ذلك ضرر في تقصير، في أداء شيء من حقوق العباد، أو يعتقد ترك أدائها ويعزم على ذلك، أو تجب عليه حجة من حكم حاكم، أو من ضيق حكم حاكم، أو من تضييق حكم، وهو قادر على أداء ذلك، بغير ضرر عليه في نفس ولا دين، فهو في حال السعة -إن شاء الله تعالى - لأن هذه الحقوق، وقتها من دين الله، ومن لوازم حقوقه، إذا كانت هذه الحقوق إنما لزمته من وجه لا يكون فيها ظالما لأحد، وإنما هي من الديون أو النفقات أو مثل ذلك.
ومعي أنه قد قيل في مثل هذا الذي وقته واسع: أنه واسع على الأبد، ما لم تقم عليه حجة ينقطع بها عذره.
وقيل: إنه إذا وجب عليه حكم التعبد بها، كانت في لزوم العلم بها، على نحو ما يلزمه في الحقوق الفائتات، ولا يسع لهم جهل العلم باللازمات، لأنه من حين ما وجب ذلك الحق اللازم، فقد ثبت عليهم حكم التعبد به، وإنما يعذرون بتأخير ذلك، عن القيام به من حين ما وجب، (1/46)
صفحة 47
بسعة الوقت، ما لم تقم عليه حجة في تأديته، ينقطع بها عذرهم بوجه من الوجوه، فهم موسعون في تلك الحقوق، مع اعتقاد أدائها، إلى حضور الموت، الذي تجب
-75 -
فيه الوصية بالحقوق اللازمة، فإذا حضرهم ذلك لم يسعهم ترك الوصية بذلك، إذا قدروا عليه، ولم يكن لهم عذر في وجه من الوجوه.
ومعي أنه ما يلزم من الحقوق التي تلزم، مثل قتل الخطأ، ومثل العواقل اللازمة والقسامات، إذا كان ذلك لازما لحكم الإجماع، فهو عندي من الحقوق التي تخرج مخرج الديون، ولا يضيق عليه ذلك أكثر من الدين، لأن قاتل الخطأ، والمحدث حدثا خطأ في مال أو نفس، مما يتعلق عليه فيه ضمان، فمعي أنه لا يأثم بفعله الخطأ، ولو قتل نفسا مؤمنة خطأ، أو أشباه ذلك من الأحداث، لم يلحقه بالفعل نفسه الكفر ولا الإثم، ولا أعلم أن عليه في ذلك توبة، لأنه لا عصيان منه في ذلك، إذا كان إنما هو فعل خطأ، وأشباه ذلك.
وإنما يأثم فيما يخالف فيه العدل، في أداء ما لزمه، من القيام بما يلزمه من الدية، أو من الكفارة، لأنه ليس يأثم بنفس الفعل من الخطأ، إذا خرج ذلك مخرج الخطأ في مال أو نفس.
باب: ما يسع جهله وما لا يسع جهله
واعلم أن أصدق الكلام، وأعدل الأحكام، ما أنزل الله في القرآن الكريم، ثم ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لعباده فيما يحدث لهم من الأمور: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (1).
وهم العلماء الذي جعل الله لهم الأنوار، التي أبصروا بها الآثار، فهم الأدلاء عند الظلمات، وبهم يقتدى في المحيا والممات.
-76 -
__________
(1) - الأنبياء 7.
والإيمان الذي لا يسع الناس جهله، هو شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإقرار بما جاء به عن الله -تعالى-، فهذا الإيمان الذي لا يسع الناس جهله أبدا على حال من الأحوال.
وقيل: إن هذه الجملة التي كان يدعو إليها النبي صلى الله عليه وسلم، من المشركين.
قال غيره: قد مضى في أول التفسير ما فيه كفاية، وهو كما قال معنا أنه قد قيل: لا يسع جهل هذا في حال من الحال، وتأويل ذلك معنا أنه إذا بلغته الدعوة بهذا، وقامت عليه الحجة به لأن هذا كله قيل: إنه لا تقوم به الحجة إلا بالسماع، ولا تقوم به من شواهد العقول مثل الصفات، (1/47)
صفحة 48
لا الفرق بين المسميات وهذه الأسماء، أعني اسم الله -تعالى - واسم رسوله.
وأما ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله حق وصدق، فذلك يخرج معنا مخرج الصفة عند الفهم له والمعرفة، إذا عرف معناه والمراد به.
وأما الأسماء فقد قيل: لا يبلغ إلى معرفتها والفرق بينها إلا بالسماع، ولو ثبت أن هذه الجملة مما تقوم بمعرفتها شواهد العقول، ما جاز أن يهلك بها أحد قبل أن يبلغ إليه شانها، ويسمع بذكرها، أو يخطو بباله أمرها، كسائر الأشياء من جملة التوحيد، من الصفات من صفات الأفعال و الذات لله - تبارك وتعالى -، وإنما يخرج تأويل هذا على هذا، وفي بعض ما مضى هداية وكفاية، لمن صحت له إرادته، وسبقت في علم الله سعادته، و إلا فلا تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.
وكل شيء من الحق، من الكتاب والسنة و الآثار، وهو لمن من الله عليه بالهداية هدى، ولمن أشقى الله سابقته، وخذله عن هدايته ضلالة وردى.
كذلك قال الله -تبارك وتعالى -: (وننزل من القرآن ما هو شفاء
-77 -
ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) (1).
وقال، - تعالى -: (و لوجعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) (2).
وقال -سبحانه وتعالى -: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم و أما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) (3).
وكذلك جميع الحق هذا سبيله، على كل من ضل قعد التأويل دليله، فكلما ازداد تمسكا بما ضل به عن الحق و اجتهادا، ازداد عن موافقة الحق الذي كل ضل عنه قصوا و ابعادا.
وانظر إلى قوله: إن هذه الجملة التي كان يدعو إليها النبي صلى الله عليه وسلم عدوه من المشركين، فهذا عندنا هو الحق المبين، وعليه وبه يصح تأويل هذا الأثر من قول المسلمين، أنه إنها يخص مثل من نزل بمنزلة عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل حربه من المشركين في الدعوة له إليه، والتوقيف له عليه ولا يقبل منه في ذلك سوى الإقرار، كما قد صح منه فيه، وله من الإنكار.
وأما من قد ثبت له وعليه وبه حكم الإقرار، من أهل بقعة، أو من أهل دار مصر من الأمصار، أو قطر من الأقطار، ممن قد ثبت في ظاهر الأمر إقراره وإسلامه، وجرت عليه وله في جميع الأمور أحكامه، فهذا لا يلحقه في صحة التأويل، ما يلحق من صح منه الإنكار، لمنصوص (1/48)
صفحة 49
-78 -
__________
(1) - الإسراء 82.
(2) - فصلت 44.
(3) - البقرة 26.
التنزيل، ولثبوت حق رسالة الرسول، وممن عبد مع الله غيره.
إن هذا الشيء بعيد عن التفاوت، عند من أبصر الحق، إلا على مما وصفنا، من صحة التأويل، وما قد ثبت عليه وفيه من الحجة والدليل، ومما ليس إلى غيره عندنا في هذا مقاربة ولا سبيل، ولو أجمع عليه، على غير هذا التأويل جميع الخلائق من المشارق والمغارب، وكان كل منهم بخلاف هذا ناطقا، ولنا عليه معاديا ومفارقا لرضينا في هذا بالله وحده، وكنا على ما بيناه من تأويل الحق، ولو وحدنا عنده، و أعطينا الله على ما أخذ علينا في هذا عهده، فينا على تمسكنا بذلك وعده، إذ في ذلك على غير تأويل الحق، إذا ثبت على ما لا يجوز على الله -تبارك وتعالى - من تكليفه لعباده ما لا يطيقون، ولمخالفة أحكام الله في ذلك من كتابه وسنة نبيه، وإجماع المسلمين، وشواهد العقول، بما قد بيناه فيما مضى من الشواهد، على هذا الحرف، وما لو استشهدنا به، واستدللنا به، مما بقي، لكان ذلك يتسع ويطول.
وقد قيل: يجزي العاقل، قليل الحكمة عن كثيرها.
ومن الكتاب وقد يدخل في هذه الجملة تفسير أشياء لا يسع الناس جهلها إذا ذكرت، وعرف معناها، ولكنهم لا يدعون إلى تفسيرها، كما يدعون إلى ما ذكرنا من جملتها، وعليهم علمها إذا ذكرت وفسرت، مثل: أن الله -تعالى - واحد، قادر، قاهر، لا يشبهه شيء، ولا يغفل، ولا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه يعلم الغيب، وأنه حي لا يموت، وأشباه هذا من تفسير توحيد الله في الجملة.
وقد يسع الناس أن لا يذكر لهم هذا التفسير، إذا أقروا بالجملة التي ذكرناها في صدر الكتاب.
قال غيره: أنظر إلى معنى الأثر أن تأويل السياقة كلها، يخرج مخصوصه ني أهل الجحود، الذين كانوا ينكرون هذه الجملة، وأنه يوجب لهم الدعوة
-79 -
إليها، ولا يسلمون إلا بها احتذاء منه لدعوة أهل حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يعذرهم عن الدعوة إلى ما سوى هذه الجملة، إذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلا إلى هذه الجملة، إذا لم يكن منهم إنكار لغيرها بعينه في جملة دعوتهم، إلا من خصه من ذلك حكم بعينه، في شيء لم يقبل منه إلا ذلك. (1/49)
صفحة 50
فهذه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل حربه من المشركين نصا، و إنما هو اتباع لما قيل في الأصل، لأنه يخرج في تأويل قوله، ويشهد عليه معانيه، أنه يلزم الدعوة إلى هذه الجملة في قوله.
والإجماع من مذاهب أهل القبلة، أنه ليس على الناس، على صحة التأويل، من جميع أهل الإقرار دعوة، إلى هذه الجملة بعينها، وأنه ثابت لهم أحكامها، وجائز لهم أقسامها، فإن كان ملزما لنفسه الأصل، مخالفا لأحكام الأصل، فهذا باطل، وإن كان إنما هو متبع للأصل، الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أهل حربه، فتأول ذلك بالعدل، يخرج على ما وصفنا، وهو كذلك معنا، ونحكم به ونجريه على من نزل بمنزلة أهل حرب نبينا صلى الله عليه وسلم ممن حاربناه أو حاربنا، ونضعه عمن وضعه الله عنه، ممن قد صح له الدخول فيه، ولا يلزمه ذلك سريرة ولا علانية، في أحكامنا عليه، إلا ما نلزمه إياه، في حال نزول بليته، كسائر ما يلزمه من دين الله، في حين ما يلزمه، لا قبل ذلك، إلا ما نلزمه إياه من جملة التعبد لميه وفي غيره، على ما قد وصفنا، وتفسير هذه الجملة من صفة الله - تبارك وتعالى - أضيق عندنا، لأن الصفات تدرك بشواهد العقول، وتقوم بها الحجة بالعقول.
والأسماء لا تدرك بشواهد العقول، إلا من خصه الله من ذلك من صحة إلهامه له، أو وحيه إليه، وإلا فلا فرق في ذلك، الأسماء من شواهد العقول، ما تقوم به الحجج، وتصح به الدلالة، والصفات مدركة بالعقول، حجتها قائمة من شواهد العقول ودلالتها.
ومن الكتاب: وعليهم علم أشياء من تفسير ما جاء من الله،
-80 -
لا يسعهم جهله إذا ذكر، كما لا يسع جهل تفسير التوحيد، في الجملة إذا ذكر، وقد كان واسعا لهم إلا أن يذكر لهم، وذلك من تفسير الجملة ما جاء من الله مثل: القيامة، والبعث والحساب، والجنة والنار، وحلاله وحرامه، وتضليل الناقل لما في أيديهم، مما قد عرفوا أنه جاءهم من أمر الله مما أمرهم به، أو نهاهم عنه.
فهذا كله لا يسعهم جهله إذا ذكر، و يجزىء عنهم فيه الجملة التي ذكرناها في أول الكتاب، ما لم يجئهم هذا التفسير، ويعرفوا معناه، فإذا جاءهم وعرفوا معناه، لم يسعهم جهل علمه، ولا يسعهم جهل ضلال من رد ذلك العلم ونقضه عليهم.
باب: ذكر ما تقدم عمله من اللوازم المتفقة من الفرائض مثل الزكاة والحج والأيمان الواجبة
من كتاب المعتبر تأويلا لما يوجد في الأثر
من أهل العلم والبصر، وذكر ما تقدم من اللوازم،
إذا وجب واتفق ونحوه
بسم الله الرحمن الرحيم
ومما يوجد عن بعض أهل العلم: وذكرت فيمن وجبت عليه زكاة، ووجبت عليه حجة الفريضة (1/50)
صفحة 51
، وأيمان مرسلة وجبت عليه كفارتها، و الله أعلم يبدأ بالحج والزكاة، فإن بقي له مال يجب عليه الإطعام فيه والكسوة أو العتق أطعم أوكسا أو أعتق عن كل يمين، كما قال الله - عز وجل -.
وإن لم يبق له مال يجب عليه فيه الإطعام أو الكسوة أو العتق صام لكل يمين ثلاثة أيام.
-81 -
قال غيره: الله أعلم، وقد نظرنا في هذه اللوازم فكلها واجبة في كتاب الله - تعالى -.
إلا أن لها عندنا مواقع يقع فيها، ولا يكاد أن يتفق معنا، إلا بما يقدر الواجب عليه فيها، إذا قدر.
فأما الزكاة فجزء المال، ومعنا أنه لو ملك مالك ما تجب عليه فيه الزكاة، ووجبت عليه فيه، فكان إذا أخرج الزكاة، لم تجب عليه بإخراجها، حج ولا كفارة فيما قد حنث فيه من الأيمان اللازمة في ذلك الوقت، لأن ذلك يزيل عنه وجوب الحج، و الكفارات، ولا يقع عند وجوب ذلك على هذا الوجه.
والزكاة أولى وأوجب عندنا، لمعنى ما ذكرنا من أن الزكاة من ملكه جزء وليس له أن يحيله، ولا تزاحمها عندنا الفرائض التي تجب لله -تبارك وتعالى-.
ولمعنى أن الزكاة قد تجب في مال الصبي، ولا نعلم في ذلك اختلافا في معنى وجوب ذلك من ماله، كان يتيما أو له أب، ولا يجب عليه الحج عندنا.
ويجب عندنا في مال المعتق من أهل القبلة، ولا يجب في ماله بعد عتهه، ولا يجب عليه الحج فيما عندنا.
وقد تجب في مال العبد إذا ملكه، ولا نعلم أنه يجب عليه الحج ولا الكفارات بالإطعام إلا بإذن سيده.
والزكاة واجبة في أي حال، فهذا معنا في الزكاة. وأما إذا كان قد أدى الزكاة من ماله الواجبة فيه، وبقي من ماله ما يجب عليه فيه الحج أن لو لم تجب عليه الكفارات الواجبة عليه، في ذلك الوقت معا، وتجب عليه الكفارات من الملك، أن لو لم يجب عليه الحج، واتفق ذلك
-82 -
وتزاحم، ولم يف الملك الباقي بالجميع لعدم الكفاية، وقام بالبعض، فمعنا أن الكفارات اللازمة له من كتاب الله أو سنة نبيه، أو الإجماع عن أهل العلم من المسلمين، أوجب، ويبدأ ذلك بذلك.
ولا يقع عندنا وجوب الحج حتى يقضي ما وجب عليه من الكفارات اللازمة، التي ليس له فيها تخيير بين تكفيرها بالصوم أو بالمال من العتق أو الإطعام أو الكسوة.
فإذا وجبت هذه الكفارات، فهي عندنا أولى، وينحط عندنا بها فرض الحج، ولا يقع إذا كان إن (1/51)
صفحة 52
أداها لم يف ما بقي من الملك بعدم الكفاية للحج، لمعنى أن اللازم في هذا الوجه معنا في الكفارات متعلق في الذمة بالمال، دون الأبدان، والحج إنما هو متعلق في الملك والأبدان معا.
والمعنى أن الحج فريضة غائبة عن الإنسان، ولا يدري أيصل إليه أم لا، و الكفارات حاضرة لازمة في الوقت، مخاطب بها، غير معذور عنها، ولا يعذر بتأخيرها من حين ما تجب عليه، إذا قدر على الملك، والمساكين الذين يطعمهم أو يكسوهم، أو العتق.
ولو خرج حاجا بملكه ذلك، فتلف ماله أو أفناه في كفارة، قبل بلوغه إلى الحج ولو بساعة، زال عنه عندنا وجوب الحج. ولو ملك بعد ذلك ما لا يجب عليه فيه الحج بالملك المستأنف لم يكن متعلقا عندنا عليه وجوب الحج، إذا لم يكن الملك المستأنف يجب به الحج، ولو لم يكفر لما قد لزمه من الكفارات وهو يقدر حتى زال ملكه ذلك أو أفناه، كان وجوب ذلك متعلقا عليه دينا واجبا لا عذر له منه، في قول من يقول: إن حقوق الله -تبارك وتعالى - تجب في الذمة وجوب الدين.
والمعنى أنه لو وجب عليه الحج في ملكه، جبت عليه الكفارات لازمة في ملك معا، وكان ملكه واسعا لجميع ذلك، فأراد إنفاذ ذلك، لأمرناه أن يبدأ بالكفارات، لحضور ذلك وغيبة هذا، ولا يتشاغل عن إنفاذ ذلك
-83 -
بما يقدر عليه، فإن لم يتوان وقام في إِنفاذ ذلك فلم يتوان حتى زال ماله، وأتلفه في كفارة لا بد له منها، زال عنه عندنا جميع ذلك، ووجبت عليه الكفارات بالصوم، ولم يكن عليه حج، ولو أخذ في طلب الحج الغائب عنه، وترك الكفارات اللازمة حتى تلف كان وجوب الكفارات عندنا عليه باقية، وزال عنه الحج، وعليه - عندنا - عند المكنة لجميع ذلك، إذا لم يكن توانى في شيء منه أن يوصي بالكفارات، إن أراد الخروج للحج، وليس عليه الوصية بالحج إذا خرج إليه في الواجب.
فلهذه المعاني كلها، أوجبنا تقديم الكفارات اللازمة له على الحج، إذا لم يكن ذلك له فيه تخيير، بعد وجوبه عليه، وذلك عندنا في كفارة قتل الخطأ، والعمد أشد من الخطأ.
والكفارات اللازمة في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو في الإجماع إلا فيما يكون له فيه التخيير، من شهوات نفسه، مثل كفارة الظهار، الذي به من العتق يبلغ إلى إدراك زوجته، وإذا أعتق ذلك العتق زال عنه وجوب الحج، وإذا تركه وجب عليه الحج، فمعنا أن هذا الفصل من الكفارات لا يزيل عنه حكم وجوب الحج، لكن إن شاء - معنا - أعتق وأدرك زوجته، وعليه الحج واجب في ذمته، وإن شاء حج وترك ذلك، ولم يجز له - معنا أن يصوم على هذا الوجه ويدرك زوجته، لأنه واجد للعتق، إذا لم يخرج في الحج من حين ذلك، ويريد أداءه حتى تزول عنده القدرة على ذلك. (1/52)
صفحة 53
فإن خرج حاجَّا وقام بذلك، حتى يصير في حال لا يقدر بذلك على العتق، جاز له الصوم على الكفارات، لأن في ذلك السعة له في الوقت، ما لم تنقض الأربعة الأشهر، إذا لم يتوان في واجب.
وأما إن كان الحج قد وجب عليه قبل ذلك وصار دينا عليه، وتواني عن ذلك، أو قصر حتى وجبت عليه كفارات لازمة، يلزمه فيها الِإطعام، فهي -عندنا - أولى، إذا أراد أداءها من ذلك الملك، الذي به تجب عليه فيه
-84 -
الكفارات بالملك، وإذا لم يرد أداء ذلك، في الحال الذي يزيل عنه وجوب أداء الكفارات بالملك، فيجب له أن يكفر في هذا الوجه بالإطعام أو العتق أو الكسوة، ولا يكفر بالصوم، فإن كفر وكان إنما صام، وترك ذلك الملك ليؤدي به الحج في ذلك العام أو في غيره، فذلك جائز له عندنا، إِذا لم يكن فيه فضل عن حج، فإن كان فيه فضل عن ذلك، ما تجب به عليه الكفارات بالملك وجب عليه ذلك، وأما إن كان وجب عليه الحج فلم يتوان حتى وجبت عليه الكفارات، التي ليس له فيها تخيير، من لازم ولا من شهوات نفسه، فمعي أن حضور وجوب اللازم من الحاضرات تُسقِط عنه وجوب الغائب، ولم يقدم وجوب الحج، فلم يتوان عن ذلك بوجه يكون عليه فيه دينا في حكم الِإسلام.
وأما إذا كانت الكفارات من وجه، يكون له فيه التخيير من شهوات نفسه، مثل الظهار ونحوه، فإن أراد الخروج في أداء اللازم من الحج الذي قد وجب عليه، ولم يتوان فيه حتى يكون دينا عليه، وزالت بدلك عنه القدرة على العتق، فيجب أن يكون له الكفارة بالصوم على هذا، وكذلك لو صار عليه دين فأخذ فيه، في وقت ما يزول به عنه حكم القدرة على العتق، ويصير بحد من يكون له الصوم، فنحب أن يكون له الصوم على هذا.
وأما ما كان بحد من يقدر على العتق، في الوجهين جميعا في هذا، فيجب أن يكون عليه العتق، لأنه مخير في أداء الحج في هذا العام أو غيره، ومخير في الكفارة عن زوجته حتى يدركها أو يدعها حتى تبين منه، ولا يلزمه كفارة، فلما أن كان هكذا، كان هذا - عندنا - ونحوه، غير الأيمان التي ليس له فيها عذر ولا تخيير ولا محاولة.
وأما إذا وجب عليه الحج ولزمه فلم يتوان حتى وجبت عليه الزكاة، وكان بوجوبها وإخراجها زوال وجوب الحج عنه - فمعنا - أن ذلك يزيل عنه وجوب الحج.
وكذلك الكفارات إذا لم يتوان في أدائها حتى وجبت الزكاة،
-85 - (1/53)
صفحة 54
فكان في إخراج الزكاة زوال ما يجب عليه من أداء الكفارات بالملك، فذلك - معنا - يزيل عنه حكم ذلك، ويجزؤه الصوم، لما ذكرنا من العلل التي في الزكاة.
وأما إن صار ذلك عليه دينا بتقصير، أو إتلاف ملك، حتى لزمه ذلك وصار عليه دينا، ثم وجبت عليه الزكاة في ماله، من الورق والذهب والعين، وأشباه ذلك، وذلك عليه واجب قد لزمه القيام به، فمعنا أنه على قول: يجعل حقوق الله اللازمة مثل الدين من رأس المال، فذلك مرفوع له في الأصل، على ما يجب من الدين، إذا كان قد لزمه ذلك، من قبل محل الزكاة.
وإذا لزمه دين قبل محل زكاته ووجب عليه، ثم حلت زكاته من ماله، من جميع ما تجب عليه فيه الزكاة، وذلك الدين من حقوق العباد، فمعنا أنه مما يجري فيه القول بالاختلاف.
فمعنا أنه قيل: إِذا كان الدين من جنس ما تجب عليه فيه الزكاة، فهو مسقط عنه الزكاة، إذا كان إنما وجبت عليه الزكاة من بعد محله، وذلك على قول من يقول: إن حقوق العباد قبل حقوق الله، لأنه إذا كان كذلك، كان ذلك المال كأنه لغيره مستهلكا في الدين عليه.
وقد قيل: إنه إنما تزول عنه الزكاة في مثل هذا، إذا كان الدين قد وجب عليه قبل محل الزكاة، وكان يريد أن يؤديه في سنته، قبل محل زكاته الثانية.
وقد قيل: إنه لا يزيل عنه الزكاة ذلك، وهو مأخوذ بجميع ذلك من ماله، من حق الله وحق العباد، وكل شيء من ذلك قائم بنفسه هذا في موضعه، وفي جملة ماله، وهذا في ذمته، ولا يزيل حقا من ذلك غيره، والزكاة أولى لأنها شريك له في جملة ما له، والشريك أولى من الغرماء في
-86 -
الإجماع، أن لو كان الشريك من العباد، فإذا ثبت هذا وثبت أن حق الله وحقوق العباد سواء كانت الزكاة أولى في موضعها، كيفما كانت، وأي وقت حلت، وفي أي شيء وجبت من الأشياء التي تجب فيها.
وإذا ثبت هذا، كانت الزكاة مقدمة في وقتها خارجة بنفسها، وكان ماله هو وملكه في غرمائه، وما يلزمه من سوى ذلك من حقوق الله دونها.
ومعي أنه قد قيل: إنما يرفع له الدين فيما يجب من زكاة الذهب والفضة، والأنعام دون الثمار كلها.
ومعي أنه قد قيل: لا يجب ذلك في زكاة الأنعام.
وقيل: إنه إنما يكون ذلك في الذهب والفضة من الورق والعير، دون الحلي والكسور، وما سوى ذلك من الذهب والفضة.
وقيل: إنه لا يجب ذلك في شيء من الزكاة على ما قد مضى فيه القول.
ومعي أنه قد قيل: إن زكىَّ ما له بالقيمة من جميع ذلك، بقيمة الذهب أو الفضة، رفع له دينه (1/54)
صفحة 55
على تلك الصفة.
وإذا أدى الزكاة من أنواع ما في يده من العروض والأمتعة بالإجزاء، لا يرفع له دينه من ذلك، وكان عليه الزكاة.
ومعي أنه قد قيل: إذا ثبت له المقاصصة بالدين من ماله من رأس ماله، قبل الزكاة، على حد ما قيل فذهب الدين بما في يده من المال حتى يبقى في يده ما لا تبلغ فيه الزكاة، وهو أقل من مائتي درهم، أو عشرين مثقالا ذهبا، أو نحو ذلك من جملة القيمة، وقد كان لو لم يكن عليه دين، تجب فيه الزكاة، أنه يزكي ما بقي في يده.
- 87 -
ولو بقي في يده أربعون درهما، أو قيمة ذلك، مما تجري فيه الزكاة، أو أربعة مثاقيل أو قيمة ذلك، مما تجري فيه الزكاة في التكاسير، لأن الزكاة قد وجبت في جملة المال، إلا ما قد خص من القدر، ما بقي من المال بقي بزكاته، وما مضى من الدين مضى بزكاته.
ومعي أنه قيل: حتى يبقى قي يده من بعد ما يجب له إنفاذه في الدين من جملة المال ما تجب فيه الزكاة مثل مائتي درهم أو عشرين مثقالا، أو قيمة أحد ذلك، مما تجري فيه الزكاة من جميع العروض والأمتعة، غير الذهب والفضة.
ومعي أنه إذا ثبت هذا على هذا الوجه، في زكاة الذهب والفضة في هذا الباب، ففي غير ذلك، مما قد قيل: إنه يجب أن ترفع منه الزكاة، على نحو ما قيل في، الذهب والفضة من الاختلاف، إذا ثبت ذلك.
ومعي أنه قد قيل: إذا كان الذي تجب فيه الزكاة من تجارته طعاما، كان له أن يرفع له بمقدار نفقته ونفقة من تلزمه إعالته إلى سنة، ولا أعلم في الكسوة فيما قيل، ولو كانت التجارة من الكسوة، إلا أنه قد قيل: إن له أن يدخر لنفسه، ما شاء من الكسوة من تجارته، قبل محل زكاته، ويبينها من تجارته أو يصطنعها لنفسه ولعياله.
ولا يبين لي أن النفقة التي له أن يحسبها من رأس ماله من الزكاة، مجمع عليها، بل يخرج عندي أن ذلك مما يلحقه الاختلاف.
ومعي أنه قد قيل في حقوق الله تبارك وتعالى، وحقوق العباد من غير الزكاة، وما ذكرنا فيها من ثبوت تقديمها بمعنى مشاركتها في المال.
والإجماع أن الشريك أولى من الغرماء، مع ما دخل فيها من سبب الحقوق للعباد في الاختلاف لا في الإجماع - عندنا - فسائر ذلك من حقوق البارىء، إذا تزاحمت حقوق العباد، واتفقت معي أنه قد قيل: إن حق الله أولى وألزم من حقوق
-88 - (1/55)
صفحة 56
العباد، لأنها من فرائض الله عليه، التي ثبتت عليه من قبل الله، وحقوق العباد اكتسبها على نفسه، فما وجب عليه من فرائض الله التي لزمته من قبل الله، هي أولى وأوجب فتقدم حقوق الله إذا ثبتت وصحت، في ملكه، وما بقي بعد من حقوق الله -تبارك وتعالى - كانت أسوة في حقوق العباد، لتقدم فرض حقوق اللّه في أصل دينه.
ومعي أنه قد قيل: إن حقوق الله الواجبة، وحقوق العباد كلها سواء في ماله، إذا كانت من المال وفي المال، لأنها واجبهْ كلها في حكم دين الله، فيحكم بها كلها في ماله كل شيء منها قد لزم على حياله إذا تزاحمت واتفق وجوبها معا، إن تزاحمت في وجه من الوجوه، معنى من المعاني، فكل من ذلك يجب له من المال بالأسوة، عند وجوب ذلك، بمنزلة الحقوق أن لو كانت للعباد.
ومعي أنه قد قيل: إن المتقدم وجوبه من حقوق الله، أو من حقوق العباد، هو أولى في اللزوم، أو مقدم قبل الآخر من حقوق اللّه أو من حقوق العباد، فما تقدم من حقوق الله ثبت به التعبد عليه في وقته، وكان عليه لزومه، قبل ما يثبت عليه من حقوق العباد، من بعد لزوم حقوق الله في ذمته، وحقوق الله متقدمة في المال، إذ قد وجبت حقوق العباد قبل حقوق الله متقدمة، وثبوتها وتقديمها يزيل حكم حقوق الله، لثبوت حقوق العباد، وتسقط إذا لم يكن في الملك موضعا، بعد حقوق العباد يخرج لزوم حقوق الله.
ومعي أنه قد قيل: إن حقوق العباد مقدمة في الحكم في المال، في المحيا والممات، ويحكم أنها في المحيا من ولا تزول في الحكم حقوق العباد، ويكون عليه في ذمته، ولو تقدمت حقوق الله في لزومها، لما ثبت من تقديم حقوق العبادْ، لما جعله الله لهم في حكم دينه واجبا لأشياء جاءت في الروايات التي ثبتت صحتها، عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فيما قيل عنه: أنه
-89 -
سأله سائل فقال له: يا رسول الله، إن علي حقوقا ودينا، وعدد عليه - فيما أحسب -ديونا كثيرة، فلو أخذت سيفي هذا فقاتلت به في سبيل الله، حتى أقتل، أو نحو هذا في الرواية، أكان الله يغفر لي، فاحسب أنه فيما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم إلا حقوق العباد"، فلم يستثنى عليه من حقوق الله، من مقاضيه ولا من حقوقه، وقد سأله عنها إلا حقوق العباد، فإنه استثنى عليه، فإنه لا يغفر له المعنى إلا بأدائه.
وأحسب فيما ثبت معناه في الرواية عن الله - تبارك وتعالى -، في بعض ما أوحي، أو ألهم بعض عباده، نزل في بعض كتبه، المعنى أنه بينه وبين ما ألزمه أو مما يلزمه في دينه، أو نحو هذا ثلاثا، فواحدة لله تبارك وتعالى - في الرواية - على عبده، و لعبده عليه، وواحدة بينه وبين عبده، ففي الرواية من قول الله تبارك وتعالى في الثلاث: "فأما التي على عبدي فإنه عليه أن يعبدني لا يشرك بي شيئا، وأما التي لعبدي علي فإنه لا يعصيني فإن عصاني فاستغفرني فأغفر له، وأما التي بيني وبين عبدي فحقوق عبادي عليه، أو نحو هذا فإذا أداها قبلتُ منه، وإن لم يؤدها لم يقبل منه ". (1/56)
صفحة 57
فخرج في معنى قول الله تبارك وتعالى أنها خارجة في الحكم للتوبة والاستغفار، وكذلك يرجى الله تبارك وتعالى العباد، في جميع حقوقه وحقوق عباده، ولا ييأس من رحمته في شيء من الأمور، يغتر بعقوبته في شيء من الأمور، من المحجور إلا أنها أحكام قد حكمها، وأقسام قد قسمها، ودلائل قد دل عليها من فضله وعدله.
وكل هذه الأقاويل التي مضت، تخرج على العدل لا على غيره، وليس ببعيد عندنا جميع ما معنا أنه قد قيل من هذه الأقاويل، بان الحقوق، وإن كانت لعباد، فالحقوق والعباد كلها لله تبارك وتعالى، يفعل فيها وفيهم ما يشاء، ويحكم فيها وفيهم ما يريد، فعليهم في جميع حكم التعبد،
-90 -
الاستسلام بطاعته، في جميع ما أمرهم أو نهاهم، والخوف في جميع ما أمرهم أو نهاهم والخوف في جميع ذلك من شؤم ذنوبهم في عدله، والرحمة في جميع ذلك الصحيح، ما دلهم عليه من فضله، وليس لأحد منهم غير هذا بوجه من الوجوه، حق لأي معنى من المعاني، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وجدت مكتوبا جواب أبي سعيد رحمه الله: وذكرت فيمن اطلع على وليه أنه كذب كذبة، أو سرق شيئا قليلا أو كثيرا، ما حاله عنده فعلى ما وصفت، فإذا أبطل الكاذب - بكذبه - حقا، أو أحق باطلا، أو أحل حراما أو حرّم حلالا فذلك من الكبائر، ويبرأ منه من حينه، ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن أصر مضى على البراءة منه.
وأما إذا كذب في حديثه فيما يجري من الحديث، فقد قال من قال في المجمل: إن من كذب كذبة فهو منافق إلا أن يتوب.
وقال من قال: ما لم يكن لكذبه على ما وصفت لك، فهي صغيرة، يستتاب منها الولي، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن لم يتب برىء منه على ذلك على كل حال.
وأما الذي يقول إنه منافق، فيقول إنها كبيرة كائنة ما كانت، إلا في تقية، أو في إصلاح بين الناس، أو ما يخرج في كذبه على وجه الصلاح، من غير اعتماد على ذلك، بألا يحق باطلا ولا يبطل حقا.
فالكذب على ثلاثة وجوه، وقد وصفناها لك.
وأما السرق فما أخذه على وجه المكابرة والمحاربة والمغالبة، قليلا أو كثيرا، فهو بذلك مرتكب لكبيرة بالمحاربة والكبائر.
وكذلك الذي يأخذه في بخس ميزان أو مكيال، قليلا كان أو كثيرا،
-91 - (1/57)
صفحة 58
فذلك كبيرة.
وكذلك لو أعان ظالما متعديا، على ظلم حبة فما فوقها، كان كبيرة.
وأما من أخذ على وجه التخلس والتلصص، فقد قيل: كما خرج من حد ما يتعارف بين الناس أنه حرام، ولأنه لا يوجد، فقد قال من قال: كلما خرج من حد التعارف بين الناس، أنه لا يخرج إلا على الحرام والباطل، فهو كبيرة كان قليلا أو كثيرا، لأن الآخذ لذلك عازم على الباطل فيه والحرام، مرتكب الآثام بمعصية الله.
وقال من قال: إذا لم يكن ذلك أربعة دراهم أو قيمتها، فذلك لا يكون كبيرة، ولا يبرأ منه حتى يستتاب.
والقول الأول أصح عندي، والله أعلم.
وأما من أخذ حبة ذرة، أو بر، أو ورقة حشيش، أو شيئا من مثل هذا الذي يتعارف بين الناس، أنه ليس على وجه القصد، ولا إلى الغصب فذلك لا يبرأ منه على ذلك بحال حتى يصير على ذلك أو يأخذه على وجه القصد إلى الحرام، وأنه لا يتوب من ذلك، أو يأخذه على وجه الاستحلال له، أنه له حلال، فهذا يأتي على جميع مسألتك إن شاء الله في الكذب والسرق.
قال غيره: ودائن السؤال عن جميع ما يلزمني في دين الله، من جميع ما تعبدني به، ودائن بالتماس جميع ما يلزمني في دين خالقي، وما يوجب على الوعيد ألا أرتكبه، وما يوجب لي الوعد لأدائه، ومعتقد أني راجع إلى الله من جميع ما تركته من دينه، الذي تعبدني بالعمل به، أو جميع ما تعبدني بتركه فارتكبته بجهلي أو بعلمي.
بسم الله الرحمن الرحيم
وفي جواب من بشير بن محمد بن محبوب -رحمه الله - إلى عبدالله بن
-92 -
محمد بن محبوب، وخالد بن قحطان.
قضى الله يا أخي لك، باعتقادات صادقة، وحكمة في معانيها كلها بالغة، وعزائم بها موافقة.
الأفضل لك ولنا ولكافة المسلمين عاجلا وعاقبة.
وقرأت في كتابك تذكر ما شرحته فيما يليك بشان الفرقة المحرمة، وصدع الجماعة، وتشعب الكلمة، وانقطاع الحال في الجملة الشاملة بالعصمة المحكمة، والنحلة القيمة، وما دعتك نفسك إليه في ذلك من إيضاح الحجة، وتقويم الألفة، وبيان المشكل من الشبهة الكافة.
فأمدك الله بعونه، وغمد لك بتوفيقه، وشكر لك في مقامه لك، بمنّه وفضله، وقبله منك على صدقه وعدله، في الرضى به وعنك.
قد تصفحت أخي توقيعك، اعتبارا له على ما رسمت فيه، ونظرنا فيما لحظت من معانيه، فوجدت ذلك - على تقصيري - وكلال حدي، ومخامرة شكوكي إلى مشورة النظام في تفصيله (1/58)
صفحة 59
، جاري السير لدلائله، مطرد القياس في علله، ما أصلته لك من ذكر الحدث بإزكي وحكمه، والمشهور في استعمال المحدثين قبل توباتهم منه، ومبلغه في المشهور ذلك معهم.
وفي هذه الأحداث يا أخي خصومات مشكلات، وغفلة ذات شبهات: منها ما يخرج في الاجتهاد، ومنها ما يخرج في الدين، والمبين للفرق فيما بينهما عديم في زمانه فيما أرى، فالاعتصام بالجملة وما قد قامت حجته، ووضح بيانه السلامة إن شاء الله تعالى، فإنها أخي فالتزم بها واعتم ولا قوة إلا بالله.
قلت لأبي سعيد: ما معنى قوله: والمشهور في استعمال المحدثين قبل توباتهم، ومبلغه في المشهور ذلك معه؟
-93 -
قال غيره: معي أنه يخرج معنى الحدث الواقع بإزكي من السرية الفاضلة من قتل عزان بن تميم على ما تظاهرت به الأمور، خارج على وجه التحريم، والمحدثين له المنتهكين، ما يدينون بتحريمه على غير صحة شهرة قضت بذلك عن رأي المرسل، وإنما كانت الرسالة، لمعنى الوقوف والنظر في الأمور، على ما جاءت به الأخبار، نعلم أنه تكاتفت دعاوى تدعي صواب ذلك، ولا يدعي أنه كان عن أمر الإمام نصا، إلا أن شهرة ذلك أن الحدث كان من العسكر، من غوغائهم وعوامهم، لا من ولي الأمر منهم، فيما تظاهرت به الأمور، وتظاهرت به الأخبار، أنه يدل على أنه كان خطأ وباطلا ممن فعله.
وإذا تظاهر الحدث من بعض أهل الدار بما يدينون بتحريمه، وكان ذلك شاهرا، وظهر من الإمام استعمال من المحدثين، بعد ظهور ذلك الحدث، فيما لا يجوز فيه استعمال المحدثين، من ائتمان على شيء من أمانات الله، التي لا يجوز أن يؤتمن عليها المتهمون ولا الخائنون، ويجب على الرعية أن يحسنوا بالإمام الظن، أنه لا يستعملهم إلا عن توبة، لأنه مؤتمن فيما غاب من أموره كلها، في جميع ما يحتمل له فيها الحق من أماناته، التي هو يلي تدبيرها، إلا أن يشهر استعماله للمحدثين من غير توبة، بشهرة لذلك بالغة شهرة ذلك بالمعنيين أنه مستعمل للمحدثين من غير توبة، فهنالك يجب على الرعية مناصحة الإمام، والقيام عليه بالعدل في ذلك، ويضيق عليهم في أمره ممن عرف منه ذلك، إلا القيام بالنصيحة.
وأما إن كان المحدثون، في عامة الأمور، التي ليسوا هم فيها أمناء، وإنما هم مرسلون مع الأمناء في سيرة، على حرب القائم بالأمر غيرهم، أو شراة مع وال، أو رسل مع وال في محرس، أو شيء من الأمانات التي هم فيها تبع للأمناء، وأشباه هذا، فلو كان استعماله لهم على هذه الصفة شاهرا، من غير توبة من الأحداث المحرمة والمحللة، على معنى ما لا يكون لهم من أمانات المسلمين مدخل، وأمرهم تبع فيه للمسلمين، والأمناء منهم في جميع
-94 - (1/59)
صفحة 60
أمور المسلمين، لم يكن ذلك بعيب على الإمام.
فهذا معنى ما يخرج عندي في أمر الاستعمال للمحدثين، ولو كان الحدث يخرج على معنى الاستحلال، وكان شاهرا أو غير شاهر، إلا أن الإمام ظهر منه استعمال المحدثين من غير أن يشهر أنه استعملهم على غير توبة، وشمل أن يكون استعماله لهم من بعد التوبة، كان الإمام مأمونا على ذلك، إلا أن يشهر أنه استعملهم على غير توبة، كما شهر حدثهم واستعمالهم في المعاني التي لا يجوز استعماله لهم فيها، على ما وصفنا وما أشبهه.
وإن كان المحدثون متعلقا عليهم من حدثهم حقوق في أنفسهم وأموالهم، فلا يمنع ذلك استعمالهم بعد التوبة، مما يلزم فيه التوبة والدينونة، بأداء ما يلزمهم، ما لم يبطلوا لأهل الحقوق حقوقهم إلى الإمام ويصح عليهم، ويمنعوا ذلك، فهنالك على الإمام أن يأخذهم بالحقوق، إلى أن يؤدوها، أو يكونوا أسارى في حبسه، لا يستعملهم حين ذلك، إلا أنه يجب استعمالهم فيما هو أولى من ذلك في نظر العدل، وما هو أعود على الإسلام، مما يسعه فيه النظر، فلا يقع على الإمام ولا على المسلمين حجة.
ومعي أنه معنى قوله في الأحداث أن فيها أمورا مشكلة غفلة، والغفلة ما يوجب إغفاله ولا يبحث عنه، والمشكلة ما يوجب توقيعه، والوقوف فيه، والاكتفاء بظاهر معانيه، لأن كل مشكوك موقوف، ويوجب معاني قولهم في الأحداث ما يخرج حكمه دينا، لا يجوز فيه إلا الحق في معنى واحد.
وفيها ما يخرج حكمه في الاجتهاد على معنى التخيير، ويوجب معنى قوله: إن المفرق بين حكم ذلك، الذي يخرج دينا لا يجوز فيه الاختيار، وما يخرج في الاجتهاد ما لا يجوز فيه الدين، والاتفاق عديم أي معدوم في ذلك الزمان الذي كان فيه.
فانظر في هذا، فإذا كان ذلك الزمان عديما من يفرق بين تلك الأمور
-95 -
وبين أحكامها، عند المشاهدة لها والعلم بها، وجل أهل العلم بحضرتها فكيف بالغائب عنها، وعن معرفتها وعن مشاهدتها، الناقض العلم، الناقض عن أهلها المشاهدين لها إلا ما هدى الله ووفق.
ويخرج في معنى قوله: إن الاعتصام بالجملة التي كان عليها الأمر الظاهر البحث والكشف عما غاب من الأمور، ويكف ذلك كفاية وسلامة ما وسع ذلك، ولم يخرج معنا باطله بوجه لا يحتمل فيه سلامة في ثبوت ولاية الإمام على ذلك، أو ولاية من تولاه وأن تكون الدار وأهلها سالمة بذلك، فما كان كذلك فالإمساك عن البحث والكشف هو السلامة، لأنه لا يدري عند ترك ذلك، وطلب غيره ما يوافق من أمور الضيق وعدم ما يطلب.
ومن الجواب: (1/60)
صفحة 61
كرهت يا أخي إملاء هذا الجواب وتركته، وإن كان أخوك متراخيا عن مثله، للعلة التي به، فأنت يا أخي ممن لا يبخل عليه بفائدة ولا نصيحة.
وقد وصلت إي كتب من الجوف، تذكر نحو ما وصفت، فإن لم يتهيا لي جوابهم، لأني أكره الإملاء لذلك الجواب، وقد كان جوابي إليك كافيا، لمن كتب معهم ومحتسب لجميعهم.
واعلم يا أخي أن الجماعة إنما كانت اعتمدت الحكم على الحادث المجمع على تحريمه، والشهرة له، والدينونة به، وإلحاق معاني ذلك إليه في الولاية، والمعونة إليه، وقد كنت أنت وقفت على ما لحظنا فيه.
والذي أراه للجميع الوقوف على ذلك، وأن لا يحدث أحد منهم الجهر فيه بالدينونة، في ولاية ولا في براءة، في مختلف فيه، وأن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه لعلمه، وأن لا يخرج إلى حكم المشهور، فيبيح ذلك من نفسه ما لا يحل، ولو كان عنده، متى أنه قام بذلك قامت له به حجته.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قوله في الحادث الواقع، الذي وصفه
-96 -
بهذه الصفة على ما يخرج من معاني قوله فيه: أنه يقصد بذلك حدث موسى بن موسى وراشد بن النضر، وذلك أنه مما تظاهر عليه وعلى طبقته، وممن ذهب مذهبه، أنهم كانوا يذهبون إلى أنهم، كانوا بغاة على الصلت في خروجهم ذلك، الذي ظهر وشهر، لأنني لا أعلم أن تلك الأحداث كلها مجتمع على أحد من أهلها، إلا بأمر يعصى فيه وعليه، بمعنى المخالفة بالدينونة، من أول عمان إلى آخرها، ولا يصح من ذلك حرف بمعنى يدعيه، لا باستحلال لما حرم الله، ولا تحريم لما أحل الله. وإنما تخرج كلها في ظاهر أمورها، على أحكام الدعاوى، لما يحتمل لكل واحد منهم أن يكونْ مصيبا في ادعائه، أو مخطئا في ادعائه، وعلى كل حال، فإنما هي دعوى لا بدعة.
وكان معي أنه مما ظهر، على فريق من أهل عمان، في ذلك العصر والزمان، وأنهم كانوا يذهبون إلى تخطئة موسى بن موسى، وراشد بن النضر ويزعمون أنهما باغيان على الصلت بن مالك، وأنهما لا عذر لهما في خروجهما ولا تقدمهما.
ومعي أنه كان قد وقع منهم إجماع على البراءة منهما على ذلك، على ما يظهر الدعوى عليهم، والتقول وإن كان مما يشبه معنى الشهرة أنه كذلك.
ويظهر عن أبي المنذر -رحمه الله - في ذلك كتاب يضاف إليه بنحو ما يدعى عليه، فكان ذلك عندي في أوان ذلك، من الحاضرين له.
ومعنى الحدث الواقع بعمان، من أوله إلى آخره، يخرج معناه كله على الدعاوى مع أهل البصر بالعدل، ولا يخرج شيء من معانيه عند من أبصر الأصول، على معنى بدعة، ولا على معنى (1/61)
صفحة 62
انتهاك ما يدين الفاعل بتحريمه، وإنما هو كله خارج على معنى الدعاوى، وأن كل فاعل من الفاعلين و متبرىء من المتبرئين ومتول من المتولين من الفاعلين أو المدعين، فإنما يخرج ذلك على معنى الدعاوى، واحتمال الصواب واحتمال الخطأ، ولم يصح في معنى الفعل الظاهر من موسى بن موسى وراشد بن النضر، في معاني ظاهر الأحكام، أنهما
-97 -
قاما على الصلت بن مالك، حجة ينقطع بها عذره بشيء من المكفرات، ولا أنهما ركبا مثل ذلك من المكفرات بغير حجة، يحتمل معنى لهما، ولا صح في ظاهر الحكم أن الحدث وقع على انتهاك ما يدان بتحريمه، ولا بدعوى تحليل حرام، ولا لتحريم صح في ظاهر الحكم بمعنى الاتفاق تبرّأ الصلت من الإمامة على ما ينفق عليه أعلام اِلمصر، ويقبلونها منه، ولا اجتمع في ظاهر الأمر علماء أهل عمان في ذلك العصر، وفي ذلك الزمان بعد ثبوت فعل موسى وراشد و أنصارهما، على تصويب لهما بمعنى الاجتماع في فعلهما ذلك، ولا على اجتماع على تخطئتهما، ولا صح في ظاهر الحكم على ما تظاهر من صحة الأخبار أنه ظهر من الصلت بن مالك، في حين تقدم موسى وراشد في ذلك الأمر، نكير عليهما بشيء مجمع عليه، ولا يختلف فيه، في حين ما كان منهما الدخول والتقدم، ولا من أحد من أعلام المِصر، من الحاضرين ولا من رؤ ساء أهل العسكر، ولا من المؤازرين، والتي تظاهرت به الأمور، في معنى ذلك كله معنا، التسليم والمسالمة لأمور قد علمها الله - تبارك وتعالى - ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى فيها من حيّ عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
فاختلف بعد ثبوت الأمور على معاني الإشكال، ومعنى الدعاوى بأحكام الاحتمال للهدى في ذلك والضلال.
وعلى أمر واضح معتبر مما يصح من تلك الأمور كلها، أو في حال من الحال، عند من أبصر قلبه، وصفي لبه، ولم تغره أراجيف المرجفين، ولا دعاوى المدعين، ولا براءة المتبرئين، ولا ولاية المتولين، وذهب في ذلك إلى معنى اتباع الأصول.
فلما أن ثبت هذا على هذه الصفة ظهرت الدعاوى من أهل العلم من عمان.
ففريق يُصوّب الصلت بن مالك، و يخطىء موسى وراشد.
وفريق يصّوب موسى وراشد، ويخطّىء الصلت.
-98 -
وفريق يصوّب موسى وراشد والصلت.
وفريق يخطىء موسى وراشد ويعذُر الصلت.
وكل ذلك لا حجة لهم فيه ولا برهان، عند من يرى الأحكام، وفي ظاهر الأحكام عند من أبصر (1/62)
صفحة 63
الأحكام، لأن الدعاوى كلها غير مقبولة، ولأنه ليس من المدعين أحد يقبل شهادتهم وإن كثروا، وإن خطر شانهم وعلمهم وخطرهم، فالواحد منهم كالألف، والألف كالواحد، وكل مدع في الإسلام فهو مدع، وليس من الحكام، من بعد أن يثبت الحكم على معنى الاحتمال، ولا ينقضي فيه حكم يخرجه من معنى الاحتمال إلى معنى صحة الحدث، بإظهار نكير من الحاضرين، ممن ثبت له النكير، أو بإجماع من علماء أهل الدار وحكامهم، على تصويب الفعل المحتمل، أو على باطله، بما لا يختلف فيه من الحكام والرؤساء والأعلام، فلن ينتقل عن حال الاحتمال أبدا إلى غيره.
ولو اجتمع أهل الدار بعد الاختلاف منهم، لما كان إلا دعوى، لأن اجتماعهم نقض لحكم السلف الذي ثبت منهم الاختلاف في حكم الدعاوى، في حكم الحدث المحتمل.
ولو أن أعلام الِمصر، بعد أن صح منهم الاختلاف، في معاني صحة لأحكام الحدث، وتداعى صوابه وباطله، رجعوا إلى الإجماع على أحد المعنيين فيه، بعد أن ثبت حكمه محتملا، وثبت حكمهم مختلفا، ما كانت الرجعة إلى اجتماعهم إلا دعوى في الحدث وفي حكم الحدث، لأن الحكم ثبت على ما ثبت عليه في حكم العدل، من أول ما ثبت فيه الحكم، ولا يجوز نقض الأحكام من حكام ولا أعلام ولا قاض ولا إمام، ولو ثبت الحكم مجمعا عليه - بعد ثبوت الاحتمال فيه - ثم اختلفوا في ذلك، هم وغيرهم، كان ذلك منهم دعوى، ولا تقبل منهم الرجعة إلى الاختلاف -بعد الاجتماع -إذا احتمل صواب الإجماع بوجه من الوجوه، ولا إلى الإجماع بعد
-99 -
الاختلاف، إذا احتمل صواب الاختلاف بوجه من الوجوه وليس لمن جاء بعدهم حكم غير حكمهم، ولو كانوا قد حكموا بباطل، وحاشا أهل الحق من الباطل، فحكم المختلف فيه، مختلف فيه أبدا إلى يوم القيامة. وحكم المجمع فيه مجمع عليه أبدا إلى يوم القيامة، ولا يقبل نقض ذلك، ولا تغييره من أحد من الحاكمين ولا من غيرهم من الخليقة، والمصيب المهتدي من هداه الله للاتباع والاعتصام لمعنى صحة الأحكام.
وما لم يصح من أهل الدعاوى - من جميع المدعين - في أمر حكم الدنيا، أو حكم الدين، تخطئة للمدعى عليه، ولا قذفا منهم له بشيء مما لا يسع جهله، فجميع المدعين في أمر أصول الدنيا أو الدين، كلهم في الولاية، عند من ثبتت عليه ولايتهم، أو أصلحت له ولايتهم في المستأنف، ولا يجوز ترك ولاية المدعين ولا لأحد منهم، من أجل ثبوت دعواه، لما يحتمل فيه صوابه وباطله، من جميع العالمين، ولا يجوز تصديق مدع على ما ادعى عليه من جميع الثقلين في أمر الدنيا ولا في أمر الدين.
بذلك جاء الحكم المجمع عليه، عند من أبصر الأحكام، ولم يقلد دينه أحدا من الأنام، وجاء (1/63)
صفحة 64
الأثر- الذي لا نعلم فيه اختلافا - بين أهل البصر، أن أحكام الدعاوى كلها، ما لم يصح خروجها من معنى الدعاوى، فإنها كلها موقوفة مشكلة، لا يجوز فيها الحكم بالإجماع، إلا أن يخرج حال المدّعى من حال الاحتمال، في أمر دعواه، ذلك في دين أو دنيا، إلى صواب لا شك فيه، بقيام الحجة له، أو إلى باطل لا شك فيه بقيام الحجة عليه.
وأما ما لم ينكشف حاله، ويتحول عن حال الدعاوى المحتملة، إلى حال ما لا احتمال فيه، فلا يجوز الاجتماع فيه، ولا إِخراجه على أحكام إلى غير حكمه، وأن الفاعل لذلك بشهادة أو ولاية أو براءة، أو حكم أو بوجه من الوجوه، مبطل ضال عن سواء السبيل، وأن المدعي على المدعى خلاف ما يدعي مما يحتمل له حكمه، ويثبت له في الإسلام حكمه من الاحتمال، لا تخرج دعواه من حكم هدى إلى حكم ضلال، ولا حكم إيمان إلى كفر، فالمدعى عليه شيئا من ذلك، ولو تكافأت دعاويه ودعاوى
-100 -
غيره، ممن لا تثبت حجته عليه، ولا يكون حاكما عليه، فالمدعى عليه ذلك متحول عن حال الدعوى إلى حال القذف، والإباحة من نفسه ما لا يحل له، كانت الدعوى في أمر الدين أو الدنيا، فخرج معي قول أبي المنذر في هذا الحدث، أنه قد اجتمع معه على تحريمه، أي أنه حرام باطل، وعلى أنه قد شهر ذلك معهم فأخرجوه إلى معنى الإشهار، والقول به والإجهار في معنى تحريمه، والدعوى به منهم، والخروج إلى معنى الإشهار والدينونة بذلك فيه، وأنه قد كان ذلك منهم، ودانوا به محرما، وأشهروه عن حال السر إلى معنى الدينونة بالجهرية، وإلحاق معاني ذلك كله إليه، فيخرج أن معاني ذلك كله من تحريمه، و إشهاره من المجتمعين، قد دانوا به وألحقوا معاني ذلك إليه وبه، فيما مضى من أمرهم على ما يخرج من تأويل قوله، وفي الولاية فيه، والمعونة عليه، فيخرج معنى هذا أنه ألحقوا به معنى المتولي له، والمعين له، والمعين عليه من الفاعلين، وأنهم أنزلوا المتولى والمعين في ذلك الحادث، منزلة المحدث، لم اذا صح الحكم عندهم بذلك، فلا يجوز إلا أن يلحقوا به المتولي، على ما لا تسعه الولاية له والمعين له مثل ذلك.
ولا يخرج معنى قول أهل العلم على شيء من الباطل، على وجه يغيب عنه باطله، وتسعه المعونة عليه، لاحتمال صوابه أن يحتمل من قول الفقهاء إن ذلك معين على باطله.
وكذلك المتولي لا يجوز أن يكون يتولى على ما يكون يحتمل فيه الحق، فيخرج في قول المسلمين أنه متولي المبطل، وهذا متناف من القول، فيما يخرج من أهل العلم، فإنما يخرج معنى الولاية التي يستحق المتولي حكم المتولى والمعونة له، التي يستحق بها المعين حكم المعان، أن يعين المعين، ويتولى المتولي على علم منها، بما لا يسعهما من الولاية والمعونة، ولو جهلا حكم ذلك جهلا لا يسعهما، وهذا كله ثابت في مخصوص العلم، وغير مردود معاني القول فيه، ولا في شيء منه، إلا أنه خارج معناه كله، على معنى الدعوى لنفسه، على ما مضت به الحكاية والقول، فانظر في (1/64)
صفحة 65
ذلك.
-101 -
وأما قوله: وقد كنت يعني أنت بذلك الكاتب إليه في المعنى، وقفت على معنى ما لحظنا فيه، يعني بذلك في ظاهر الأمر، على ما كانوا لحظوا فيه بمعنى الحدث.
فانظر إلى قوله: إنما كانوا نظروا فيه نظرا، لأن اللحظ إنما هو نظر ورأي، لا أعلم غير هذا يخرج مما معنى اللحظ.
وإذا كان الأمر إنما هو على معنى اللحظ، فإنما هو على معنى الاجتهاد في الرأي، لإصابة الحكم فيما امتحنوا فيه من الأمر المشكل، وإذا كان كذلك فقد أخطأوا سبيل العدل في ظاهر الأمر، لأن حكم السر لا يجوز فيه حكم الظاهر وحكم الاحتمال، والإشكال لا يجوز فيه الإجماع على ظاهر حكمه، إلا من علم حكم سره، وليس له إذا علم حكم سره أن يجهر فيه، بخلاف ما هو محمول عليه به في ظاهره، والدليل على الصحيح من معاني كلامه، وما يقتضي من أحكامه، أنه كان رأيا أو لحظا.
قوله الآن والذي أراه للجميع، الوقوف على ذلك، فيخرج معنى قوله الوقوف على ما كان وقع عليه الاتفاق، وخارج ذلك على حسن الظن بهم.
وفي قوله: أن يكون الوقوف على ذلك حق، لولا ذلك ما أمر بالوقوف عليه، وأن ذلك الذي كان الاتفاق عليه، إنما كان يقع موقع حكم السر لا حكم الجهر، وإن كان الجهر به منهم لعله يخرج مخرج الهفوة من هفوات العلماء، ولعله قد كان في ذلك حجة، برجاء أن يستقيم لهم على الجماعة، وأن لا يقع تنازع ولا اختلاف، فيكون يمضي لهم حكم ما علموا، فلما بان أن ذلك كان في غير موضعه، أوجب الرأي الوقوف عليه، على معنى حكم السر لا على الجهر.
والدليل على ذلك من قوله، وأن لا يحدث أحد منهم الجهر بالدينونة في
-102 -
ولاية ولا في براءة، في مختلف فيه، فكان بهذا اللفظ قوله استدلالا على ما صح معه، أن اللحظ الذي لحظوه، والرأي الذي رأوه على معنى الاجتهاد في حكم الحادث الذي تابوا به، خرج منهم على معنى الهفوة، أو على غير ما تقوم به الحجة، لا بحساب ذلك وانكشافه له، من بعد أن وقع الاجتماع على الإشهار والجهر به، وهذا هو الظاهر من صواب حكم الحدث، أن يكون الحكم فيه بالسر لا بالجهر، حتى يصح غير ذلك، ولا يصح غير ذلك أبدا إلا ما شاء الله، لأنه ليس من بعد ثبوت الأحكام يجوز نقضها إلا بغير العدل، وأن تثبت حجته أبدا إِلا بالعدل لا في دعوة ولا في شهادة ولا في حكم.
وكل ما خالف العدل فهو جور، وكل ما خالف الحق فهو باطل، وأحكام السر في الولاية (1/65)
صفحة 66
والبراءة في أحكام ما يجب به الإشكال في حكم الدعوى به السلامة، مما يتخوف من الفرقة والفتنة، وأن يكون كل من أهل الدار مخصوصا في الحكم من موجب ولاية أو براءة، إذا ثبت معنى الاختلاف وحكم الاختلاف، والدليل على ذلك أنه قد ثبت في حكم هذا الحادث معنى قوله، وأن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه بعلمه، وأن لا يخرج إلى حكم المشهور، فيبيح بذلك من نفسه ما لا يحل له، ولو كان عنده أنه متى قام بذلك، قامت له به حجته، فانظر أنه قد مضى ني حكم الحادث ثبوت أحكام الاختلاف ممن يكون اختلافه اختلافا، وأنه لا يجوز عند الاختلاف معاني أقامت الحجة في الاجتماع، ولو كانوا عند أنفسهم وفي منزلتهم في العلم، وكثرتهم في الفضل، فمن قام بذلك قامت له به حجته، ولا يكون هكذا إلا من حجة تامة، أن لو كانت حجة في حكم الحجة، ولكنه لا تكون حجة في موضع ما يكون فيه مدعية، ولو كثرت وظهرت وكبرت فإنها لا تقوم مقام الحجة، إذا كانت في موضع الدعوى، فإن قامت حجة أحد الفريقين المختلفين على صاحبها عند المشاهدة منهم، لإقامة الحجة على بعضهم بعض، إذا كانوا هم الخصماء والمختلفون، وإذا كان في اتفاقهم أن لو لم
-103 -
يختلفوا ثبوت معاني حجة الاتفاق، فلما لم يتفقوا أو اختلفوا، احتمل في اختلافهم في معنى أحكام الحدث، بحقه وباطله ما احتمل في أهل الحدث، ما لم يتجاهروا بالبراءة من بعضهم بعض، والتخطئة لبعضهم في دعاويهم في الحدث، واختلافهم فيه.
ومعنا أن أحكام الدار- بحمد الله - ماضية على مجاري السلامة، من وقوع الفرقة في الأحكام، وفي المتداعين في الأحداث إذا لم يظهر في الأحداث ولا في المتداعين فيها، ولا في أحد منهم ما يقطع عذره، ويخرج من حال الاحتمال بمفارقة تخطئة بعضهم بعض على الجهر، ولو كانوا قد تجاهروا وتظاهروا بالبراءة من المحدثين، ولا يكون التظاهر بالبراءة في الحدث المحتمل حقه وباطله بظاهر، أو بكفر ظاهر الكفر، ولا انقطاع الحجة، ولا فرقة في الدين، إذ ذلك جائز للعلماء والضعفاء، واذ الولاية والبراءة والوقوف غير منكر في الأصل، واذ لكل واحد منهم إِظهار ذلك على ما يحتمل من حكم الحدث، من تعلق ذلك كله فيه ما لم يتظاهروا بالدعوى التي توجب القذف للمحدث، ولا نعلم ذلك أنهم تظاهروا، ولو تظاهروا به وهم المشاهدون للمحدث والعارفون به، ولم يخطىء بعضهم بعضا وجرت السلامة بينهم من التخطئة في ظاهر اختلافهم بالتداعي بحق ذلك وباطله، كانت أمورهم حادثة مع من غاب منهم أو حضر ممن لم يعرف باطلهم، وصدقهم من كذبهم، ولا أحد منهم، في جميع ذلك كله، ما لم يتجاهروا بالفرقة عليه، على معنى الدعاوى التي تعتبر غير مقبولة في قيام الحجة، ولا مردودة بقطع عذر، لاحتمال ذلك كله، وكلهم في الولاية، ولو تظاهروا بذلك في الدعاوى، لأنهم الحكام والقوام، ولهم الحجة على بعضهم بعض، وكل منهم يدعي حجته، ولعل كل واحد منهم في الأصل يقوم على (1/66)
صفحة 67
صاحبه، بحجة يعرفها في أصل ما عرفا من بعضهما بعض، فلم يجهر عنده إلا بما له فيه الحجة.
وإنما رجا أن تقوم له به الحجة، فلما لم تقم له به الحجة ترك ذلك، ففي كل ذلك السعة، ما لم نعلم باطلهم، ولم تقع
-104 -
الفرقة منهم، فيقع النكير، وفي ترك النكير كله حجة ممن تركه، لمن لم تقم عليه به في السلامة له في الحكم الظاهر، والسلامة فيه، لمن انتبه على حاله، ولو ظهرت منه دعاوى بما ليس له فيها حجة في الحكم، إلا أن يقر له خصمه، فلما لم ينكر عليه خصمه احتمل عدله وجوره، وكذلك من خصمه إذا لم يقر له بما يدعيه عليه، ولو لم تقم الحجة عليه بالنكير، فيما هو حجة عليه، احتمل أنه محجوج، وأنه كاذب وصادق من ادعى عليه، واحتمل أنه محق ضعيف عن القيام بالحجة، واحتمل أنه محق مضيع ما يلزمه بجهل ما يلزمه، ولا يحكم بذلك على الحقيقة في أحد من المدعين، في أصل الحدث، ولا في المتداعين في حكمه، وخارج أحكام ذلك كله على المسالمة، وليس لمن لم يشهد الأمر من الحجة في إظهار المحجور، ما كمن شاهده وكانت له الحجة فيه بالعلم، لأن من غاب عنه حكم السريرة، فيبطل عنه ذلك، ولم يلحقه إلا بمعنى الشهادة، فليس قول الشهادة في معنى الدعوى بشيء يوجب علما، غير ثبوت الحكم، ولا يكذب الشهرة ويبطلها بما ثبت من أحكامها، في علم السرائر منها إخبار الشهود المشاهدين لها من بعد أن صاروا بمنزلة المدعين، في جميع أحكامها، فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
ومما يدل على أن الأمور في الحدث الذي كان الاجتماع فيه من الكاتب والمكتوب إليه وتلك الجماعة، لا يجوز الجهر فيه، وتسع السلامة فيه بان يكون كل من أهل الدار مخصوص فيه بعلمه، وأنه كسائر ما ادعى على من مضى من الأئمة ممن لم تقع فيه المحنة، ولا انكشف فيه قناع، ولا ثبت فيه معنى الاختلاف، في ظهور الحكم، وهو المهنا بن جيفر، فقد ثبت معنى قوله إن الأمر فهم في المعنى سواء.
ولعل أمر المهنا أيسر معه من الأمور الحادثة، بعد قوله إني كنت سألت الفضل بن الحواري عن الجماعة الخالعين للمهنا بالحدث، كيف لم يقوموا بذلك على أوليائهم العاملين له، وهم الحجة التامة، فقال: لم أرهم فعلوا ذلك، وكذلك أمسكوا عن الجهر بالبراءة منه بعد موته، وزجروا عن ذلك من أراده، فكان هذا منه للبراءة ممن برىء في
-105 -
الحدث على شاقة الأمر فيه، كالمتبرىء في المثل والمعنى والحكم من المهنا بن جيفر، وأن ذلك كان محرما الجهر به، لولا ذلك ما كانوا يبرؤون منه و ينكرون على من يبرأ منه، ويزجرون عن ذلك في حياته وبعد موته، ويتولون عماله وولاته، والمتولي له في دينه، والمطيعين له، وهم (1/67)
صفحة 68
يتولونه على ذلك، فقد جمعوا ولاية من يتولاه والبراءة منه جميعا في حكم السر، وأعلنوا ولاية من تولاه، ولا يجوز لهم غير ذلك، ولا يجوز لهم وقوف عنه، لا براءة في الجهر، والدليل على أنه متساو في سياقته للمعنيين، وحكايته لهما جميعا ج قوله ففي فعل المسلمين عذر وسعة، بعد ما وصفت ما فعل الخالعون، وما تركوا من القيام عليه في إظهار ذلك، ولعلهم قد كانوا هم الحجة التامة فتوسعوا في دينهم أن تولوا من تولاه من العلماء ومن الضعفاء من جميع، في حكم السرائر والِإظهار، وكانوا في الحكم تبعا لأهل الدار من الصغار والكبار، وهم كانوا الأئمة وأعلام الأمة في زمانهم، ولم يكن لهم في المصر من يناظرهم إلا لعله بشير.
ومن الدليل على أن الأمر في المهنا كان أسهل، أن لو قاموا به عليه، وأقرب إلى السلامة من القيام بذلك في أمر الحادث الذي فيه الكلام والمعنى، فذلك ما لا يشك في متظاهر الأحكام أنه لو قام بذلك على الإمام، وحكى عنه من أهل الدار أنه هو المتبرىء والعالم بالحدث، ما عارضه أحد من أهل الدار في ذلك، ولو عارضه بعد أن يكون هو الحجة لكان معارضة باطلة، لأنهم أئمة أهل الدار في دينهم وعلمهم، ولم تقع في معنى الدار، فيجب أن يكونوا فيه مدعين، يلحقهم معنى الاختلاف والادعاء فيهم، إلى أن لو قاموا بذلك، لكانوا أقرب إلى السلامة والبلوغ إلى ما قاموا به، ممن عرّض نفسه للقيام في الحدث في الحادث الواقع، إذ كان فيه بمنزلة المدعي وقد صار فيه خصما.
ومن الدليل على ذلك وتحقيقه معنى قوله فهذا في الأمر الواضح، يعني
-106 -
أمر المهنا، فكيف فيما يتنازعون فيه، المشهود يعني من أمر الحدث، ويدخلون فيه بالحكايات المتكافئة، والشهادات المخصوصة، وشبهات النظر في الحجة.
فانظر كيف جعلهم في الحدث أنهم يتنازعون فيه، والمشهود من ولاية كل واحد معهم، وبراءة كل واحد منهم، وبراءة كل في معنى الجهر، وهذا موضع التنازع فيه، والمشهور لأنه يظهر في الفريقين الولاية والبراءة، فقد تجاهروا وتنازعوا المشهور، وجعلهم في ذلك متكافئين في قيامهم بحججهم، ولم يسقط واحد من الفريقين لقوله، ويدخلون فيه بالحكايات المتكافئة.
والحكايات المتكافئة يعني معناها أن يحكي كل واحد منهم، من الفريقين غير ما يحكي صاحبه من الحكم في الحدث بصوابه وباطله، ولم يجعل واحدا من الفريقين خصما، لولا ذلك لم يجعل الحكايات متكافئة، ولولا ذلك لم يجز له في حكم الدار، لأنهم كلهم أصل دين واحد، ومعنى واحد، وخصومة واحدة، وصح عند قوله هذا أنه قد كانت هنالك شهادات من المختلفين قد قام بها دون غيره في خاصة علمه.
وذلك قوله والشهادات المخصوصة، وتشابه النظر في الحجة، والشكوك المعتدلة، فانظر أنه عند تكافؤ تلك الحكايات، وخصوص تلك الشهادات، أوجب بشهادة النظر ني الحجة، واشتكلت (1/68)
صفحة 69
الأمور فيها فاعتدلت، فلم يحاجّ بعضها بعضا، فقال: وشبهات الناظر في الحجة والشكوك المعتدلة.
فبالدخول في الحكم بالحكايات المتكافئة، والشهادات المخصوصة، اعتدلت الشكوك، في الأمر كله، من المتداعين ومن المختلفين، وكانت أمورهم كلها مشكوكة معتدلة، لا يعلو بعضها بعضا، وأشبه في النظر في الحجة، فلم يبن للناظر في ذلك حجة، لأن النظر في ذلك ليس كالعلم، والعالم في ذلك والضعيف سواء، فاشتبه النظر في الحجة من جميع أهل الدار، ولزمهم حكم واحد، وهو المشكوك داخل فيه العالم والضعيف، لأنه
-107 -
مرجوع إلى الوقوف، وعلى مستقره إلى أن يحكم كل واحد فيه بعلمه، إن كان له علم في السريرة، رجع إلى علم سريرته سرا لا جهرا، وإن لم يكن له علم في سريرته لم يكن له نظر في الحدث من طريق علمه، فاشتبه النظر في الحجة، فكان النظر كله سواء، ورجع كله إلى الشكوك المعتدلة.
ومما يدل أن ذلك كله قوله، وقد علمت أن النكير له حجة في المخالفة، وترك المخالفة للنكير، له حجة في السلامة، ويخرج معنى ذلك، أن الحدث إذا وقع مشكوكا فترك فيه النكير في حين وقوعه، ولم ينكروه، تبين أمره وتكشف حاله، في حين وقوعه، ما وسع ذلك التارك له، وكان في ترك ذلك سلامة للتارك ولأوليائه الذين يتولاهم على الدخول في المشكوك المحتمل فيه السلامة ففي ترك المخالفة للنكير لذلك المشكوك من جميع الأحكام والأحداث، يعتبر حجة في السلامة للتارك للنكير، ولجميع أهل الدار الغائب منهم والحاضر في القيام بالنكير لذلك المشكوك، إذا أقيمت عليه الحجة حتى يخالفها و يتضح الحكم، بخلاف المشكوك من إبانته والحكم بحقه أو بباطله حجة لمن قام بذلك النكير، ولجميع أهل الدار، كما كان النكير حجة فيْ السلامة، وإنما يكون النكير وترك النكير حجة في كل أصل يحتمل فيه الحق والباطل، من أحكام الدعاوى من جميع الأمور، وهو الأصل المشكوك، لا يقع موقع الشكوك، وكان واضحا، فهو قائم بنفسه، والمخالف فيه مخالف للعدل، وذلك فيما يكون فيه الحق واحدا، من دعوى الأصول، أو من حكم البدع في الدين، فإذا كان الأصل مجتمعا عليه في معنى حكمه، لم يضره النكير في تخطيه ولا في الخلاف عليه.
والحق فيه ما وافق الأصل الذي هو عليه، ولو اجتمع على نقضه جميع الخلق، فلن لم يكون ذلك، ولكن لو كان ذلك لما كانوا حجة، في نقض الأصل المجتمع عليه بالحق.
وكذلك الأصول المجتمع عليها، لا ينفعها تصوب من صوبها، وحكم من حكم بتصويبها، ولو اجتمع على تصويبها الخلق كلهم، ولن يجتمعوا أبدا. وا نما النكير حجة وتركه حجة في معاني ما (1/69)
صفحة 70
يحتمل الحق
-108 -
والباطل، في حين أن ما يكون حجة إذا ثبت الحكم عند النكير ثبت الحكم، وكان إظهار النكير بعد ثبوت الحكم دعوى لا حجة، ولو ثبت الحكم على معنى الاحتمال.
وأما قوله - في الجواب -: وعلى المدعي البينة، وشهادات المسلمين جائزة، ما لم يحول فيها إِلى الدينونة والشك في الفعل المحرم، شك في الفاعل له، والتوبات مقبولة بالتوقيف إلى ما كان معنى الدينونة، كان من المحرم في الجملة كاف إن شاء الله.
فيخرج معنى قوله: على المدعي البينة، فمما لا شك فيه أن على المدعي البينة في كل ما كان فيه مدعيا، وأنه لا يكون من مدع حجة في معنى ما هو فيه مدع، إلا ببينة من سواه.
وشهادة المسلمين مقبولة ما لم تحول فيها إلى الدينونة، فإذا تحولت إلى معنى الدينونة بشيء من معنى الأحكام استحالت إلى معنيين: معنى أن تكون استحالتها إلى معنى دينونة بباطل، لمخالفة الحق بالدينونة، في إجماع البدع، فيستحيل عن شهادة المسلمين شهادة قومهم، فيبطل في أحكام معاني أحكام الدين، في الولاية والبراءة ولو كانوا عدولا وعلماء، فإذا كانوا كذلك بطلت شهادتهم، وخرجوا على معنى غير التسمية للمسلمين، وأن يخرجوا إلى الدينونة بمخالفة الأصل في حكم الدعاوى، فينزلون بمنزلة المدعي ولو لم يكونوا يخالفون في الدين، فإذا نزلوا بمنزلة المدعين بالدينونة في تصوب أو تخطئة، بمخالفة الأصول في الدعوى، فحكموا في مختلف فيه بأنه مجتمع عليه، أو مجتمع عليه بأنه مختلف فيه، وكانوا في ذلك بمنزلة المدعين فيما يحتمل صدقهم وكذبهم وخطاهم، إِلا أنه على غير ما يثبت عليه أصل دعواهم فهم في ذلك مدعون لا تجوز شهادتهم، وهم في الولاية ما لم يحكموا بدعواهم، ويلزم قبول دعواهم ج فيحاربوا عليها أو يبرؤوا عليها، أو يتركوا ولاية من لم يقبلها، أو يبرؤوا منهم من علماء المسلمين أو من ضعفائهم،
-109 -
وقوفا بدين من ضعيف، أو فقيه برأي أو بدين في معنى دعاويهم كلها، و إلا فشهادتهم - ما لم يبرؤوا بأحد هذين المعنيين بالدينونة منهم بأحكام - بدعة أو دعوى.
فهم مسلمون جائزو الشهادة فيما تجوز فيه شهادتهم.
وأما الشك في الفعل المحرم بعد علمه وقبوله، وقوله أنه شك في الفاعل له فالله أعلم أنه ما أراد بذلك إلا أنه قد يخرج الشك في الفاعل للفعل المحرم بعد علمه لفعله وحرمته، شك في المحرم، ويكون هذا بدلا.
وإنما أراد أن يكون الشك في الفاعل بعد العلم بفعله وحرمة حدثه، لا يسع الشك فيه، كما لا يسع الشك في حرمة المحرم، وإن كان لا يوجب الشك في الفاعل، على معنى الشرك والجحود، (1/70)
صفحة 71
كما لا يلزم معنا ذلك في الشك في المحرم، وقد لا يجوز الشك في المحرم ويجوز الشك في الفاعل، على معنى الاختلاف في وقوع الفعل له، فنخص ذلك العلماء دون الضعفاء، ما لم يكن الفاعل له مستحلا للمحرم، فإذا كان مستحلا للمحرم ففي أكثر القول أنه لا يسع الشك فيه من علم حرمة حدثه، وقد قيل: يسع الشك فيه ما لم يعلم معنى حكمه.
وخارج في الجملة أن الشاك في المحرم، داخل عليه معنى الشك في الراكب له، وأولى أن يكون شاكا في الراكب له بلا شك في حرمته.
وأما قوله: التوبات مقبولة على التوقيف على ما كان معنا بالدينونة، فمعنى ذلك أنه من ظهر منه بدين، ببدعة يستحل فيها حراما أو يحرم فيها حلالا، فظهر منه ذلك قولا أو فعلا فاستتابته أن يتوب من كل حرف من ذلك بعينه، ولا تجزأ التوبة بالجملة، لأنه إذا قبلت منه التوبة بالجملة، وهو يدين بتبطيل الحق وتحقيق الباطل في جملته التي يدين بها، فإنما يتوب في جملة ذلك من الحق، ويدين بالباطل والِإقامة عليه، ويتقرب إلى الله به، فإذا قال: أنا أستغفر الله -تعالى -من جميع ما خالفت فيه الحق، أو من شيء في الجملة تاتي التوبة به على جميع العصيان، فلا تدخل توبة المستحل الدائن فيما
-110 -
يلزم من استتابته في هذه الجملة.
وأما المحرم المنتهك لما يدين بتحريمه، أو لشيء لا يظهر فيه منه دعوى بلا استحلال ولا دينونة، يدعون بدعوى في أصول الدين، التي يكون بدعواه فيها عدوا للمسلمين ومعترضا عليهم في أصول الدين ولو كانت من الدعاوى وليست من البدع، فالتوبة من المحرم إذا تاب في الجملة من جميع ما عصى الله به، أو من جميع ما خالف رضاء الله، أو توبة تاتي على جميع ما عصى الله، أن لو فسرت، فالتوبة في الجملة للمحرمين تجزئه.
وأما المتدينين بالبدع والدعوى التي يعترضون بها فيها على أصول من دين المسلمين على سبيل الدين، فتوبتهم بالتوقيف لهم على ذلك حرفا حرفا، إلا أن يكون شيئا من الحروف في النظر يدخل فيها جميع ما ظهر من المستتابات من التدين، فمعي أن الجملة في ذلك، التي يدخل فيها ما ظهر سبيل المتدين به ويشتمل عليه، كالجملة التي يدخل فيها جميع المحرمات، والتوبة منها بالتوقيف عليها، مجزي عنها وعما دخل فيها.
وأما قوله في الجواب: والإخبار عن العموم، حتى يأتي فيها حجج الخصوص لها، والإنابة عنها، وإذا أتت الخصوص كان قاضيا على المجمل.
فمعي أنه كذلك، أن الأخبار المتظاهرة في معنى الأفعال، مأخوذة على ما تظاهرت من عمومها، فما كان منها حكما مجتمعا عليه فهو على عمومه في حكم الاجتماع، حتى يصح غير ذلك فيه، وما كان من حكم الإشكال، كان على عمومه حتى يصح حقه أو باطله، بمعنى الخصوص فيه. (1/71)
صفحة 72
وكذلك إذا أتى الخبر بإبطال الفعل متظاهرا، كان في عمومه، وكذلك إذا أتى حقه متظاهرا، وكل معنى قضت فيه الشهرة والأخبار فهو على معنى العام، فما قضت به مما يوجب الحق أو الباطل أو الإجماع أو الاختلاف أو دعوى الأصول أو دعوى الاعتراض.
-111 -
وأما قوله: والاختلاف يا أخي في المشهور فهو الداء العياء إلا ما شاء الله من ذلك، فهو عندي كذلك، وذلك أن يختلف بالمشهور في براءة أو ولاية في حكم مجتمع عليه، يتشاهرون بالدعوى في حكم مختلف لمْيه مشكل، فيتداعون حقه وباطله في التظاهر منهم، وكلهم أهل دين الحق، وحكام فيه، من العلماء ومن يتظاهر دعاويهم، وتتكافأ شهادتهم حتىْ تسقط لذلك أحكامهم، ويصيرون بمنزلة المدعين والخصوم، وذلك هو الداء العياء في الدين أن يكون العلماء مختلفين على ضعفاء المسلمين اختلافا لا يكون أحدهم حجة، ويكونون كلهم خصوما مدعين، وهذا هو من أعظم المصائب في الدين، وما يتولد من مثل هذا فهو مثله.
وأما الاختلاف والتظاهر بالتحليل والتحريم في أحكام البدع، فهو عظيم الفتنة، وليس هو كمثل التظاهر بالدعاوى في الدين، فيما تتكافأ الشهادات فيه، وتتساوى الحكايات والدعاوى، وتسقط فيه الحجج لأن حجة الحق ليست في البدع، إنما الحق حجة بنفسه، ومن حيث أخذه الطالب له من عالم أو ضعيف أو صغير أو كبير، كان له حجة في دين الله على من خالفه في ذلك، ولو كانوا جميع أهل الأرض.
وكذلك إذا اتبع الباطل كان محجوجا ومقطوع العذر ولو شهد له بذلك جميع الخلق، ولن يكون ذلك لأن الأمة لا تجتمع على ضلال.
فالاختلاف في البدع - وإن كانت عظيمة - فهي أيسر من الاختلاف في الدعاوى، عند من لم يبصر ذلك، وعلى من لم يبصر ذلك، وكذلك هي عظيمة مع من لم ينظر حرمة التقليد في البدع.
وحرام التقليد كله في الدعاوى والبدع، إلا من اتبع الحجة في ذلك وأبصرها، وهدي إليها، فالحجة في الدعاوى من كان أصله دعوى الأصول في الدعاوى الأصلية، وخصمه في ذلك من كانت دعاويه اعتراضا، والمتبع للحجة سالم، ما لم يشهد على حقيقة باطل دعوى الاعتراض، وعلى حقيقة صدق دعوى الأصول.
والمتبع للحق
-112 -
ممن جاء به في أحكام البدع في الدين هو المصيب من جميع من اتبعه، والمتبع للباطل هو المخطيء من جميع من اتبعه. (1/72)
صفحة 73
وأما قوله في الجواب: ولولا أن الكتب والحكايات تسقط في حكم المشهور لوصفت بعض ما كنا لسبيله في شاهر، وليس بمخصوص على مشهور حجة إلا ببينة عادلة، يقوم بها شاهدان.
ومعي أنه يخرج ذلك أن الحكايات والكتب تسقط معناها ولا تقبل ولا تكون حجة، عند ثبوت المشهور بغيرها في معاني الحكم الظاهر في الأحداث الشاهرة.
وإذا كانت الحكايات والكتب على غير معاني الشاهر من ذلك، كان ذلك كله دعوى، والدعوى لا تقبل ولو كانت في الأصل حقا ممن ادعاها.
وما ثبت من حكم مشهور بمعنى الاتفاق بغير ما يجوز فيه الاحتمال للحق والباطل، فحكم المشهور أولى بثبوت أحكامه على معاني المحتمل، لاحتمال ما لم يخص في ذلك صحة البيانات بأحد المعنيين، الموجب لزوال حكم الاحتمال من صواب الحدث أو باطله، فإذا صحت البيانات ثبت معنى الحكم بالبينة، وذلك من شهادة العلماء لأحكام الأحداث ما لم يختلفوا، فإن اختلفوا في باطل ذلك وحقه، وكذب ذلك وصدقه، تكأفات شهاداتهم وزالت حكاياتهم، وكانوا موقع الدعوى على أهل الإسلام، ممن ظهر له كذبهم أو صدقهم، كان ذلك في المشهور منهم من الدعاوى، أو في معنى الشهادات، فإذا تكافأت شهادات المسلمين، في أمر الدعاوى المحتملة لأحكام الدين، لم تقم بذلك حجة تنقل الأحداث عن معناها المحتملة، وكذلك لو اجتمعوا ولن يجتمعوا على الشهادة والحكم على تبطيل حدث قد صح في أصول الدعاوى حقه، أو تحقيق حدث قد صح في أصول الدعوى باطله، لم يكن إجماعهم في ذلك شهادة ولا شهرة حجة، ولا مزيلا لما قد ثبت
-113 -
من الأحكام، فافهم معاني ذلك.
وليس يزيل ما ثبت في المشهور على حال من جميع الأحداث الثابت حقها أو باطلها، في أحكام الدعاوى، أو المحتمل حكمها في حال من الحال، شهادة بينة، ولا سماع قول في ذلك، ولا شهرة تنقل ذلك أبدا، لأن الشهرة بضده شهرة دعاوى في الأصول، كما كانت الشهادة دعوى، ولن يلتقي نقض ما أثبته المشهور ولا إزالته أبدا، إلى يوم القيامة من الشهرة الصحيحة بالأحداث الواقعة، فكل القول في إزالتها معارضة بسماع أو شهرة.
وأما قوله: فاتقوا الله يا أخي في هذه العصابة المحقة، وإن يقدموا فيها الفرقة فتزل أقدام بعد ثبوتها، وليكن قصدكم بذلك إلى الله ولله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون والضالون عن سواء السبيل، واتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم.
خارج معنى هذا من تفسير قوله أن مسمىّ الجماعة بالحق، ولم يوجب على الجماعة في معنى اختلافهم في الدعاوى، ولا فيما خص كل واحد منهم من علم نفسه في أمر الأحداث، على معنى حجة توجب على الأخر، وأنهم كلهم في ذات دينهم محقون مجتمعون في أمر دينهم، ولو (1/73)
صفحة 74
اختلفت دعواهم وولايتهم وبراءتهم ووقوفهم، على معنى ما وجب لكل واحد منهم، من مخصوص علمه، أو من التمسك في ذلك من ثبوت الاختلاف في الحدث المشكل الموجب لمعاني ذلك على الاختيار من الجماعة وجب على ألا يقدح بالجماعة بالفرقة من أظهار ما لا يسع من أحكام الجهر في موضع السر، ومن التضييق في مواضع السعة، ومن إِلزام قبول شهادة المدعين، وإسقاط شهادات البينات، أو إنزال أحكام الدعاوى في مواضع أحكام البدع، أو مواضع أحكام البدع في مواضع أحكام الدعاوى، فتزل أقدام بعد ثبوتها على أصول دينها، فيكون في ذلك وقوع الفتنة وتفرق الكلمة، لا يتسع عليه إلاجماع، وتشتيت النحلة.
-114 -
وقد أمر أن تتقوا الله، وأن تقولوا قولا سديدا، والقول السديد هو العدل، وهو في تفسير الجملة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده و رسوله، وأن جميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله فهو الحق.
فهذا هو القول السديد في أصل الدين، وهو الجملة والتمسك بها، وكذلك التمسك بالجملة، التي يسع التمسك بها، دون التفسير لمعانيها، من جميع الأحداث والأحكام، هو القول السديد والأمر الرشيد، ما وسع ترك التفسير والدعاء إليه، وذلك هو الأصل، والواجب أن لا يلزم الناس الدعاء إِلى تفسير الجملة، إذا أقروا بالجملة في أمر الحادث بينهم من تفسير الجملة، فإنه يدعى ذلك بنفسه في مخصوص ذلك بعلمه، ونزول بلِيّته، والإقرار بمعاني الجملة كاف، وهو القول السديد فافهم ذلك في معنى إرادته.
وأما قوله في الجواب: فانطْر يا أخي في الحرف الذي ذكرته في استعمال الإمام للمحدثين، قبل استتابته إياهم، ثم بحث عن ذلك، فقال: أنه لم يستعملهم إلا بعد توباتهم من أحداثه فإذا قلتا إنه قبل ادعائه ذلك عليهم فقد لزمته البراءة، وانفسخت أمانته بها، فغير مقبول ادعاء ذلك عليهم، وكان عليه وعليهم أن يتوب بعضهم إلى بعض من علمهم له، واستعماله إياهم، وترك بعضهم بعضا على ذلك، من يوليهم له ويوليه لهم.
فمعي أنه قد مضى القول فيْ استعمال الإمام للمحدثين أنه على وجهين فما كان منه استعمالا في الأمانات التي لا يجوز فيها إلا استعمال المسلمين، فلا يجوز ذلك إلا بعد التوبة، وما كان من استعمال المستعمل فيه تبع للمتولي فيه للمسلمين، والقائم غيره فلا يضر الاستعمال له، ولو صح ذلك بالشهرة أنه استعملهم قبل التوبة، وما لم يصح بالشهرة أو البينة أن استعمال الإمام لهم، كان قبل التوبة لهم، فالإمام مأمون على ما دخل فيه من استعمالهم، إِذا قال أنه لم يستعملهم إلا بعد التوبة، إِن خوطب في ذلك، ما لم
-115 - (1/74)
صفحة 75
يصح غير ما يقول، وليس على من يعلم ذلك من الرعية، ولا من المسلمين، البحث له عن ذلك، ولا معارضته فيه، إذا احتمل عذره في ذلك، وهو معذور مأمون، ما لم يصح ما يقطع عذره، ومن ادعى عليه غير ذلك مما يؤثمه أو يكفره، كان مدعيا عليه، وعليه البينة، وهو قاذف للإمام بذلك، ولو صحت الأحداث بالشهرة، كان استعمال الإمام للمحدثين، ما لم يصح أنه استعملهم على غير توبة، وغير موجب على الإمام باطل، ولا سوء تهمة، لأنه مأمون على دينه، في كل ما صح معه، مما يحتمل فيه الحق، بوجه من الوجوه حتى يصح ما ينقطع به عذره.
ولو صح توليه لهم وتوليهم له، وقد شهرت الأحداث منهم الموجبة للكفر والبراءة، لكان ولاية الإمام لهم، إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة موجبة لولايتهم، إذا كانت أحداثهم شاهرة، مع من غاب عنه أمر توبتهم، لأنه مأمون على دينه، وأنه لا يتولاهم إلا بعد التوبة ففي بعض القول أن ولايته لهم، إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة موجبة لولايته وولايتهم، وكذلك استعمالهم له فيما لا يجوز فيه الاستعمال، إلا لأهل الولاية موجب لولايته وولايتهم في بعض قول المسلمين.
وفي بعض القول أن ولايته لهم واستعماله لهم في مثل هذا، موجب لولايته وللوقوف عنهم لموضع ولاية الإمام لهم، ولم يعلم توبتهم بشهرة ولا بشهادة ولا خبرة، لثبوت ولاية الإمام، ولإدخال الإشكال في المحدثين، لموضع ولاية الإمام لهم.
وفي بعض القول إنه يتولى الإمام على ولايته لهم، واستعماله لهم، ويبرأ من المحدثين على حالهم، لثبوت الولاية على الإمام، وثبوت البراءة على المحدثين، حتى تصح توبة المحدثين بشهرة أو بينة أو بخبرة، أو يصح بالشهرة أن الإمام استعملهم قبل التوبة، أو بالبينة على ذلك، واستماع البينة عليه في حضرته، أو إقرار منه بذلك، بعد أن يكشف حاله ويسأل عنه،
-116 -
وقول الإمام في ذلك مقبول أنه لم يستعملهم إلا بعد التوبة، لأنه مأمون على دينه، في كل ما أمكن له فيه العذر، وصدق قوله، كذلك جميع المسلمين كل منهم مؤتمن على دينه في جميع ما يوجب له فيه العذر، وإذا استعملهم الإمام فيما لا يجوز فيه استعمالهم إلا بعد التوبة، أو تولاهم على ذلك، كان بذلك محدثا عندهم، وكان عليه استتابتهم من ذلك، ولا يتولوه إلا بعد أن يتوب من ذلك، وإن أوجب شيئا من ذلك كفره، ففي بعض القول أن عليهم البراءة منه، باستعماله إياهم، ثم يستتيبونه من بعد البراءة، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن لم يتب رجع إلى البراءة منه، إذا قاموا في ولايتهم بالعدل، ولم يخونوا أمانتهم التي ائتمنهم عليها الإمام، لله وللمسلمين، وبرءوا في ذلك، وقاموا بالعدل، لم يكن عليهم في ذلك ولا عدوان على المحقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وإنما السبيل على الإمام في ذلك، إذا استعملهم، ولا سبيل عليهم في القيام بما قدروا عليه، من العدل للإمام والنصرة للإمام، وعليهم التوبة من أحداثهم، فليس بطاعة الإمام الواجبة عليهم (1/75)
صفحة 76
يأثمون، ولا بالقيام بالحق يظلمون، وعليهم التوبة من أحداثهم إلا بالقيام بالحق والعدل.
وكذلك قوله، وإن لزم ذلك في العقدة المشتركة، إذا ادعى قبولها ممن يتم عقده له، وادعوا هم ذلك فيه، وإلا سقطوا جميعا.
فمعي أنه إذا كانت الدار قائمة على العدل، وخارج أحكام الإمام فيها على العدل، بخلوص دعوة الحق فيها في معنى الإمامة، أنها لا تخرج إلا في المحقين في المصر أو الدار فثبتت عقدة الإمام من الجماعة، الذين ثبت في حكم الدار عدلهم، إلا أن فيمن حضر للعقدة محدثين ممن يدين بالعدل في أمر الإمامة، يدين بتحريم حدثه في ذلك في معنى الإمامة، وكان في الحاضرين من المحقين غير المحدثين، ممن تقوم به العقدة، كانت العقدة ثابتة للامام على العدل، على أي وجه جرت البيعة له، في مبدأ ذلك من المحدثين، أو من
-117 -
المحقين، أو على الاشتراك منهم واحدا بعد واحد، لأن قبوله للإمامة على وجه العدل، ممن بايعه على ذلك من جميع أهل القبلة، عدل وصواب، لأن عليهم التوبة من ذنوبهم وأحداثهم، والقيام بالعدل في جميع ما قدروا عليه.
وليست بيعة المحدثين للإمام بالإمامة على العدل، ممن يبطل إمامة الإمام، ولو كانوا كلهم محدثين إذا كانت البيعة إنما جرت على العدل، ولو جرت من بيعة الفاسقين عند صفقهم له بأكفهم على كفه، وهم يومئذ فاسقون، وهو كذلك من الفاسقين، فبايعوه على العدل إماما، وقبلها منهم على ذلك، كان ذلك عدلا، وكان إماما، وعليه التمسك بإمامته والتوبة من معصيته، وعليهم التوبة من فسقهم، والتمسك له ببيعته، والقيام بمعونته ونصرته على جميع ما استنصرهم فيه، واستعانهم من إمامته، إذا صار الى حد العدل والامامة ني دينه وسيرته.
وكذلك لو بايعه من بايعه من المسلمين ثم بايعه الفاسقون، وإنما البيعة منهم على الحق والعدل، فليس ذلك بالبيعة المشتركة، وكذلك لو بايعه الفاسقون على العدل ثم بايعه المسلمون، ولو بايعه على العدل أهل البدع ممن لا يدين بالإمامة، ودخلوا في بيعة المسلمين فبايعوه على إمامة العدل، كانوا مستخلصين للبيعة، أو مشاركين للمسلمين، كانت الإمامة إمامة عدل غير مشتركة إذا عقدت على العدل، وبيعة العدل وسير العدل، وعليه التمسك بإمامته والقيام بإمامته، وعليهم التوبة من بدعتهم، والرجوع الى طاعته والثبوت على ولايته ونصرته، ولا تكون إمامته مشتركة الاشتراك الذي يبطل حكمها به بمعنى البائعين، وإنما يكون ذلك بمعنى البيعة على ما يقع، وعلى ما يعقد للإمام ويبايع من حق أو باطل، فإذا وقعت البيعة على الباطل وعلى شريطة الباطل، كانت الإمامة باطلة، من حيث جرت من المبايعين ولو جرت من أكفأ العلماء المحقين، وذلك مثل أنه يبايع الإمام على شيء من الباطل، مثل انتحال الهجرة، وغنيمة أموال أهل القبلة، وسبي (1/76)
صفحة 77
ذراريهم واستعراضهم
-118 -
بالقتل، أو تسمية أهل القلة بالشرك، أو على شيء من الباطل، مما لا يجوز في الدين ركوبه، أو ترك شيء من الحق، مما لا يجوز في الدين تركه من جميع الأشياء كلها، فهذه هي إمامة الباطل، وتبعة الباطل، والإمامة المشتركة والبيعة المشتركة أن يبايع الإمام الواحد من صفقة واحدة، على شرائط العدل، فإدخال شرط باطل واحد في تلك الشروط من المبايع الواحد، أو من الجماعة كلهم بائعون على ذلك، فيشتركون في بيعتهم كلهم، الإمام شيئا من الباطل، فهذه إمامة مشتركة في باطل، لا أعلم فيها اختلافا، وشرطها باطل، والمبايع لها والقائل لها مبطلون هالكون، لا حجة لهم في ذلك في أعناق المسلمين.
وإن أرادوا البيعة على العدل كان على وجه صحة العدل، دون أن يدخله شيء من الباطل ولا الجور.
ومعي أنه قد قال من قال: إن الإمامة المشتركة أن يبايع الإمام الواحد، طائفة من المبايعين على العدل، ويبايع طائفة منهم على الجور، أو على شيء من الباطل، أو يخلط أحدهم في شرطه أو بيعته شيئا من الباطل، فقد قال من قال: إن هذه الإمامة مشتركة باطلة، وذلك عندي صحيح، من وجه حدث الإمام في قبوله لامامة الباطل، وبيعة الباطل، وتمسكه بحبل الباطل، إبطال منه للحق وإن تاب من قبول الباطل، وقبول طاعة الباطل، وتمسك ببيعة الحق، وقد جرت ممن تثبت بيعته الإمامة لم تكن إمامته هذه مشتركة، لأن الباطل لا يبطل الحق، وعلى المبطل التوبة من الباطل، والرجوع إلى الحق، فإذا رجع إلى الحق برىء من الباطل وكان محقا، ولا سبيل على المحق وعلى المبطلين التوبة من باطلهم، والرجوع إلى العدل ولا يبطل العدل بوجه من الوجوه إلا بالتمسك من الباطل معه، لأن الحق والباطل لا يجتمعان أبدا، فإذا ثبت على الإمام أمر في بيعه، يلحقه أحكام البيعة المشتركة من افتراق البيع التي يأخذها تبطل إمامته، وبأخذها تتم إمامته، ولم يعرف كيف جرى ذلك وكان في دار العدل.
-119 -
وممن ثبتت إمامته في حكم العدل بالعدل، لثبوت الدار بالعدل، كانت إمامته جائزة على العدل، مأمون على ذلك، إذا تاب مما وجب عليه فيه التوبة من الباطل الداخل له عليه وكان مصدقا في ذلك.
وإذا كانت الدار دار اختلاط في المتدينين لمخالصة العدل في أمر الإمامة، أو أراد باطلا وليست بدار عدل في ظاهر حكمها فثبتت البيعة مشتركة، ولا يعلم كيف جرت، فأحكامه مشكوكة، والمشكوك موقوف حتى يصح ثبوت ذلك له بالبينة أو بالشهرة، أو يكون ممن يؤتمن على ذلك من (1/77)
صفحة 78
المحقين، فيقول أنه قبل العدل من أهله وثبوت مما دخل عليه من الإشكال، وما يلحقه من الابطال فيكون مصدقا في ذلك، إذا كان من المسلمين وسار بالعدل وعمل به، إذا صحت له البيعة مما لا يشك فيه التي بها ثبتت له الإمامة، إلا أنه دخل عليه حكم الاشتراك، فقال إن قبوله كان للعدل، وتاب من الباطل فقد ثبت له وعليه، ما وجب له وعليه من العدل، لأنه سواء، ذلك كان تبعة العدل هي المتقدمة والمستأجرة، إذا كانت خالصة للعدل، وعلى العدل، فبيعة الباطل باطلة منتقضة، وبيعة العدل ثابتة واجبة، إذا تاب من الباطل وتمسك بالعدل، وعلى أهل العدل والحق أن يكونوا مع الحق كائنا ما كان، على مخالفة أهوائهم، وعلى جميع المبطلين التوبة من باطلهم، والرجوع إلى الحق، والكينونة مع أهل الحق والعدل، ونصركم ومعونتهم على جميع ما قدروا عليه من الحق والعدل، وكل إشكال دخل على من قد ثبت له حكم العدل بأصل ثابت، فهو على أصله وثباته حتى يصح دخول الباطل عليه وكل إشكال دخل في المتشابهات والمشكلات، ما لم يصح باطل المشكل الداخل عليه الشكوك بتظاهره عليه ودخوله فيه في شيء من الأحكام، فقوله في ذلك مقبول مصدق، أنه دخل فيما يجوز له الدخول فيه، في أمر ما يجب في دينه من الولاية والبراءة، وإن نزل بمنزلة على دعوى المسلمين في أمر لم تقبل دعواه في الحكم، على ما ثبت له الحجة بدعواه، وثبت له تصديق قوله، فيما يزول به عنه حكم
-120 -
البراءة، وجب له به حكم الولاية، ما لم يصح دخوله في محجور وباطل بلا شبهة ولا إشكال، إلا أن تكون في ذلك تخرج على معنى الأصول في معنى الحكم، فإن ثبتت له لنفسه، وعلى المسلمين فيما هو حجة فيه عليهم فيما قد جعله الله له فيهم من ثبوت الأحكام من قوله، فيكون في دعواه مصدقا، وإن كان دخوله في محجور يتظاهر الحكم عليه فيه بغير محتمل صوابه بوجه من الوجوه، فثابت عليه حكم ما ظهر عليه ولا تقبل دعواه فيما يدرأ عن نفسه فيه الحجة بقوله في ولاية ولا براءة ولا ثبوت حكم له على غيره ولا دعوى قول.
وكذلك قوله: وكذلك ما هو مثل هذا في المشكوكات، وما يطلب إلى الإمام فيجبر فيه.
وليس بالسوء المشكوك والظاهر المخصوص في الأحكام كلها، وليس المدعى فيما ظهر بالتخصيص له كالمبين عنه والمفسر له.
فمعي أنه قد مضى من تفسير هذا ما فيه كفاية، والمشكوك كل ما لم يصح باطله ولا صوابه بمعنى الصحة، فقول الإمام في ذلك إذا سئل عنه مصدق، ما لم يصح كذبه أنه إذا أتى من ذلك الحق، وكذلك غير الإمام ممن نزل بمنزلته لم يخرج قوله في ذلك قذفا لخصمه، ولا دعوى عليه بالباطل، ممن نزل بمنزلته في الإشكال، وذلك مثل المتلاعنين وشبههما، ممن لا مخرج للجميع كلهم من الباطل، ولا بد أن يكون أحدهما مبطلا، فقول الواحد منهم أنه المحق غير مصدق في ذلك، في معنى الحكم، ولا يراد ذلك له في التصديق، ولا في معنى الولاية، ولو لم يقذف صاحبه، فإنه في (1/78)
صفحة 79
قوله أنه المحق الصادق، غير مقبول ذلك منه، وهو على حاله من معنى الاختلاف و الإشكال.
وقد قال من قال فيهم بالولاية بجميعهم وقال من قال بالوقوف.
وكذلك من نزل بمنزلتهم وأشبههم من المتحاربين والمتخالعين، ولم
-121 -
يعلم المحق منهم من المبطل، ولا المبتدىء من المنتصر.
فقول القائل من أهل هذا النحو من المشكوكين لا يقبل قوله فيه، أنه المحق دون صاحبه، إلا أن يكون هو على أصل الحق، وصاحبه على أصل الدعوى عليه، ويبين ذلك، فيكون هو المحق وصاحبه المبطل، والمشكوك أمره.
فمن كان أصل أمره دعوى الأصول، والأصول في يده من جميع المتداعين، المشكوك أمرهم، فهم على أصل دعواه، والمدعى عليه معترض، لا حجة له في دعواه، ولا يقبل قوله في دعواه، وتقبل دعوى من كانت دعواه أصلا في الدين، وكل ذلك دعاوى، فمنها مقبولة ومنها مردودة، فالمردودة مردودة في الحكم ولو كانت هي المحقة عند الله، والمقبولة مقبولة في الحكم ولو كانت هي المبطلة عند الله في حكم السريرة.
وإذا ثبت الإشكال بين المتداعين، فيما يكون دعوى كل واحد منهم باصل قد ثبت له بمعنى، وكلهم دعوى أصول، كل واحد يدخل له دعوى بوجه من الوجوه يكون أصلا، فقول كل واحد منهم مقبول فيما يدعى لنفسه من حكم أصله، فيما يبرؤه مما يتعلق عليه لخصمه، في دعوى الاعتراض، وغير مزيل لثابت دعوى خصمه، مما ثبت من دعوى الأصول، ولا مقطوع العذر في دعواه وتصديقه فيها، لما يبرؤه من أحكام البراءة والتكفير.
وكذلك إذا كانت الدعوى متكافئة فيما لا يثبت لكل واحد منهم حجة على صاحبه، ولا يكون أصلا دون صاحبه، فقوله مقبول في دعواه، وغير مصدق عليه خصمه في دعواه من الفريقين جميعا، وغير مقطوع العذر في دعواه، إذا لم يكن قوله حجة على سواه، وهو على حالته، ولا تقوم لأحدهما حجة في دعواه دون صاحبه عليه ولا غيره، في معنى زوال حجة كل واحد منهم عن صاحبه، ولا إثبات حجة كل واحد منهما على صاحبه ولا غيرهما،
-122 -
فالمدعى ثابت له دعواه وهو حجه على غيره، ودعوى غيره مثل دعواه، ولا تثبت دعوى غيره إذا كانت دعواه أصلية، ودعوى غيره اعتراض، وكذلك إذا كانت دعواهما جميعا دعوى اعتراض، لا تقوم بها حجة على الغير ولا عليهما، ولا يثبت باطل المدعى، فهما متكافئان في الدعاوى لا تقوم بها حجة على الغير، ولا على صاحبه، إذا نزلا جميعا بمنزلة المدعى المعترض.
وإذا نزلا بمنزلة دعوى الأصول، كل واحد منهما في دعواه كان كل واحد منهما حجة في أصل (1/79)
صفحة 80
دعواه، وعير مزيل دعوى أصل صاحبه، ودعواه الأصلية ثابتة له، على من هو حجة عليه فمدع مبطل بدعواه وغير حجة في دعواه ولو كان في السريرة محقا. ومدع سالم بدعواه غير حجة في دعواه على خصمه ولا غيره، ولو كان مبطلا في دعواه ومدع محق في دعواه في ظاهر الحكم حجة على غيره من جميع الخصوم وغيرهم، ولو كان مبطلا في سريرته في دعواه.
وقد مضى تفسير هذا فيما أرجو في فصول من معنى هذا في هذا الكتاب.
وكذلك قوله أيضا في المبيح من نفسه البراءة بما ظهر من فعله، وإن كان محقا في خاصته، ليس كالداعي للمخالف إلى موافقته على دين الحق عنده.
وكذلك عندي ذلك خارج في كل معنى نزل فيه المحدث، بمنزلة لا يحتمل له فيها حق بوجه من الوجوه، من قول أو فعل، ويكون في الحكم مبطلا بفعله ذلك وقوله، فهو مبيح من نفسه البراءة، منخلع عن الدين، ولو كان محقا في خاصة نفسه، وذلك مثل قاذف المحصنات والمحصنين بالزنى من الموحدين، وقاذف الأئمة من العلماء في الدين، أو أئمة المسلمين، أو ممن تثبت ولايته بالكفر، مع من قد ثبتت ولايته معه، بعلم منه، من جميع الحاضرين من المتعبدين، أو حكم لنفسه بدعوى المعترض بها في حكم الدين، فيحارب عليها أو يبرأ، يتولى أو يحكم لنفسه فيها، بحكم من
-123 -
الأحكام بما ليس له فيه حجة، وأشباه هذا من جميع الأحداث، من كل ما لا يحتمل له فيه مخرج من مخارج الحق، فيما تركته من جميع الأحداث، في حكم الظاهر مع المسلمين، فهو بجميع ذلك مخلوع في الدين، مبيح من نفسه البراءة، ولو كان محقا في خاصته، فليس ذلك سواء، كالفاعل لما يدعى فعله، حق ما يأتي من دعواه، ويدعي لنفسه الصواب عليه، بما لا يثبت عليه فيه حجة كذب، من جميع فعله، فكل تائب له فعل خارج بمعنى الدعوى أو قول، فهو سواء، من أباح من نفسه البراءة، وهو داع إلى موافقته إلى دين الحق، محق في دعواه تلك في حكم الظاهر، كان ذلك منه بقول أو فعل، ما لم يعمل أحد في ظاهر الحكم، باطل دعواه، ولو كان مبطلا في سريرته.
وهذا الفصل هو فرق بين أحكام الدعاوى، وأحكام القذف، وليست أحكام الدعاوى كلها، وإن اختلفت معانيها واتسعت ضيوقها، كأحكام القذف، في وجه من الوجوه، وبين ذلك الفرق البعيد والخلاف الشديد، وهذا يطول وصفه وتعديده أن يذكر، وفي هذا كفاية.
وقوله في الجواب: وليس الممتنع كالتارك، ولا الشاهد على القذف في حكمه ومعناه، ولا براءة الدين كبراءة التحريم، ولا الواقف في السؤال كواقف الدين، ولا الولاية بالرأي كالولاية بالدين.
فمعي أنه كذلك الامتناع يخرج معناه معنى الاصرار على حدثه، والامتناع عن الرجعة إلى التوبة، (1/80)
صفحة 81
وعن الاقرار باللازم فيه، فليس حكم المصرين الممتنعين فيه كحكم التاركين للامتناع والاصرار، ولو لم يصح منهم توبة ورجعة.
وقد قال من قال من المسلمين، إن المصرين لا يسع جهلهم، وأنزلهم بمنزلة المستحلين، كان إصدار المصر على صغير أو كبير، فهو كالمحارب المستحل لما حرم الله، المحرم لما أحل الله، الراد على الله فيما لا يلزم من
-124 -
معاني الحكم فيهم اختلاف أحكامهم، فليس المصر مثل التارك للتوبة، غير المصر في معنى حكم الظاهر.
وإن كان قد قيل: إن ترك التوبة من حين مواقعة الذنب الصغير موجب لحكم الاصرار.
وقال من قال: حتى يعزم على ترك التوبة.
ويخرج في معنى الاتفاق أن الإصرار بالامتناع عن التوبة موجب لأحكام الكفر كان الذنب صغيرا أو كثيرا.
وكذلك الشهادة على الأحداث في معنى البراءة، على معنى ما يوجب القذف، بعد ثبوت الشهادة، ليس كالقذف على غير معنى ثبوت الشهادة، في حكم ذلك ومعناه، والشهادة من الشهود مقبولة مسموعة، إذا نزلوا بمنزلة الشهادة، واتوا الشهادة على وجهها، وجعلوها في مواضعها، وكانوا ممن تجوز شهادتهم على من شهدوا عليه.
والقذف باطل من جميع من أتى به، كائنا من كان كانوا قليلا أو كثيرا، كانوا علماء أو ضعفاء، كانوا غائبين أو حاضرين، والشهادة أن يصف الشاهد معنى الحدث الذي يجب به حكم البراءة، ويشهد به على المحدث، فيوجب ذلك إذا ثبت معناه، حكم البراءة والخلع واللعن لمن شهد عليه المشهود بذلك، فالقذف من ذلك براءة الشهود أو خلعهم أو لعنهم للمحدث، من غير شهادة يشهدون عليه، فليست الشهادة على القذف كالقذف في حكمه ومعناه فهما أصلان متفاوتان وإن كانا متشابهين في الدعوى، لأن الشهادة حجة، والبراءة قذف وخصومة، وليس القاذف كالشاهد، ولا المخاصم كالحاكم، والشهود حكام والقاذفون خصماء، وشتان ما بين ذلك.
ولا أعلم في هذا الأصل اختلافا.
ومن القذف وإن اشتبه معنى الشهادة بالتسمية بالكفر أو الفسوق أو النفاق من الشهود للمحدث، قبل أن يشهدوا عليه بما يوجب ذلك عليه،
-125 - (1/81)
صفحة 82
وفيه عن الحدث الموجب للكفر، ففي بعض القول: أن ذلك كله سواء من العلماء أو من الضعفاء-، أو من القليل أو من الكثير، فهو قذف والقاذف مخلوع كائنا من كان، والمقاذف مدع ولا يقبل قول مدع ولا شهادة خليع في دعواه ذلك، ولا بعد انخلاعه حتى يتوب، ولا تجوز شهادة مدع في ادعائه الذي نزل به بمنزلة المدعى على حال أبدا.
وقال من قال: إن شهد العلماء على المحدث بالكفر، وكانوا ممن يبصرون أحكام الولاية والبواءه، كانت شهادتهم عليه بالفسق أو الكفر شهادة لا قذفا، لأنهم حجة في ذلك، وعلماء باحكام الكفر والفسق وما يوجب ذلك.
فهذا فصله وعلى هذا مدار أصله، وهذا فوق ما بين الشهادة والقذف وليستا سواء، وليست براءة الدين كبراءة التحريم.
فمعى أنه ليس المتبرىء بالدين كالمتبرىء على ما يدين بتحريمه من القذف، لا على معنى الدين، لأن المتبرىء بالدين يلحقه معنى التدين في براءته، ويلحقه معنى حكم الاستحلال، وليس ذلك كالقاذف بالكفر، على غير معنى التدين، إلا على معنى الجهالة، فليس حكم ذلك سواء، في معنى ما يجب من الفرق بين المستحلين والمحرمين في البراءة، فيجب في المتبرىء بالدينونة أن لا يسع جهله، على قول من يقول بذلك، وهو أن يبرأ ممن حرم حدثه، ممن استحل من الحرام، أو واقع من الأيام، فبراءته ممن حرم حدثه استحلال منه لحدثه، في معنى الحكم، موجب لاستحلال حدثه في معنى ما يجب من حكم الاستحلال في البراءة والتوبة، فلا يسع جهل حدثه في معنى البراءة، ولا تجرى فيه التوبة في الجملة إلا بالتوقيف، وليس كذلك القاذف والمتبرىء على معنى الجهل، فيما يدين بتحريمه، فذلك مما يسع جهله في معرفة كفره، وفي توبته في الجملة، فتجرى توبته في الجملة، ولا يضيق على من جهل معرفة كفره، ما لم تبلغه الحجة بمعرفة ذلك أو بعلمه، فذلك معنى الاستحلال لجميع أحكام البدع، في تحريم الحلال أو تحليل الحرام والبراءة على المخالفة فيه، ممن خالف ذلك عليه من المسلمين، فذلك أيضا من وجه
-126 -
براءة الاستحلال، وهو من أوجب حكم الاستحلال، إذا برىء ممن خالفه في دينه الضلال، كما أنه من دينه البراءة ممن خالفه في دينه في قول أو فعل، فالدينونة به بالباطل خارجة على معنى الدينونة بالحق في إبطال الباطل، وتحقيق الحق ممن دان بذلك.
وكذلك شيئان لا يستويان الواقف عن البراءة في المحدث، الذي لا يسع إلا البراءة منه، عند جهله بما يلزم من حكم كفره على سبيل الدينونة لذلك، بالوقوف في ذلك على غير اعتقاد السؤال عما يلزم ذلك من الواقف السائل عن جميع ما يلزمه، إذ جهل علم ما يلزمه مما لا يكون العلم فيه بحجة العقل مدركا، فهو باعتقاد السؤال سالم بالدينونة، بالوقوف في ذلك، ولو كان الحدث فيما يسعه جهل معرفته، فدان بالوقوف فيه، أو ترك اعتقاد السؤال عما يلزمه في الحدث الذي لا (1/82)
صفحة 83
يسعه جهله، فهو هالك بذلك.
وباعتقاد السؤال عما يلزمه في ذلك على غير الدينونة بالوقوف، ولو وقف على إنفاذ الحكم بالبراءة بمعنى الحدث سالم، فالدائن بالوقوف في موضع وقوف الرأي، وفي موضع وقوف السؤال ناقض للدين، مرتكب لخلاف ما يدين به المسلمون.
وكذلك الدائن بالسؤال في موضع وقوف الدين، دائن بغير دين المسلمين مخالف للمسلمين. وكذلك ولاية الدين لا تجوز في موضع ولاية الرأي دائن بالولاية، ومن دان بولاية الدين في موضع ولاية الرأي فهو هالك مخالف للمسلمين في الدين، لأن الرأي غير الدين.
كذلك من دان بالرأي في أمر الحلال والحرام، فقد خالف في الدين، لأن الرأي غير الدين.
وكذلك من أجاز الرأي في الدين فقد خالف الدين، وبراءة الدين غير براءة الرأي، وبراءة الرأي غير براءة الدين، ووقوف الرأي غير وقوف الدين، ووقوف الدين غير وقوف الرأي، ولا يجوز مخالفة ذلك كله، على غير
-127 -
مادان له المسلمون، وثبت في حكم الدين، وكل ذلك خلاف سبيل المسلمين، إذا وقعت الدينونة باسباب الرأي من ذلك، أو أسباب الرأي بمعاني الدين من جميع ذلك وتفسير هذا موجود في آثار السلف من المسلمين.
ومن الجواب: وقد كان وصل أبو علي أزهر وعمر بن محبوب بن عمر وقد اجتمعا وكان بيننا في هذه الأحداث الواقعة بعمان كلام، فاحببت التسلم منهم، وكتب إلى أزهر في ذلك رقعة وكتبت إليه الجواب، ولو وجدنا سبيلا إلى الاتفاق لكانت هي الأمنية وسرور القلب، والماخد قريب، والخطب واضح، ولكن الصبر قليل، فانظرا في هذا، وأصلحا ما كان فاسدا فيه، فلا تأخذوا مني بشيء إلا ما عرفتم عدله، وما كان من خطأ فيه، فانا أستغفر الله إياه، والسلام عليكم ورحمة الله، فانظروا فيه فإني كتبته ولم أقرأه.
وقد بينا ما فيه الاختلاف، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم.
قال غيره: معي أنه لا يجب التسليم إلا في موضع التسليم، في السلامة، ولو كان التسليم لا يكون موضع السلامة ما كان يجب التسليم، ولو جاز التسليم منه على الباطل إلا في موضع التقية بالقول دون الفعل، ولا نعلم موضع تقية من أبي المنذر للأزهر بن محمد بن جعفر، وعمر بن محمد بن محبوب بن عمر في مكة ولا غيرها، ولا معنا أنه لكل عن حجته حتى يسلم عن كلال، ولكنا نرجو أنه قد كان أبصر للتسليم في هذه الأمور وهذه الأحداث، التي كانت بعمان، لأن الوجه فيها التسليم لا المعازعة، وكثير من جوابه هذا يدل على معاني ذلك تعريضا وتصريحا، ولعله قد خصه في معاني الحكم، على ما قد صح معه في سريرته ها لا يسمع الموافقة فيه بمعنى (1/83)
صفحة 84
الولاية، لمن قد لزمه البراءة منه في السريرة أو البراءة، ممن قد لزمته الولاية له في السريرة في هذه الأحداث فلا تسعه الموافقة على معنى التخصيص في الولاية والبراءة بالجهر، لخلاف ما وجب عليه في السريرة من ذلك، وذلك مما يدل
-128 -
عليه قوله: ولو وجدنا السبيل إلى الاتفاق لكانت هي الأمنية وسرور القلب، ولا تكون الأمنية وسرور القلب إلا فيما يجوز من ذلك في الدين، ولا تكون الأمنية في شيء مما يخالف الحق مع المسلمين ولا سرور القلب في أمور أحداث أهل عمان كلها خارجة على معنى السلامة، في معنى الدعاوى.
ولو اتفقت الكلمة على معنى الأصول ولم يحتلفوا في أحكام الدعاوى، لأنه لم تصح فيها كلها في ظاهر أحكامها، ما لا يسع الاتفاق عليه في ظاهر أحكامها في حكم العام، إلا ما خصه فيها حكم يجب عليه في نفسه في السرائر دون الظواهر، وذلك مما يدل عليه قوله فيها، والمأخذ قريب، والخطب واضح جلي، ولكن الصبر قليل، كذلك هو عند أهل العلم، لو رجع إلى معنى حكم الأصول وترك التنازع والفضول، والأمور كلها بحمد الله مرتبة، والخطب فيها واضح بين جلي، لمن صبر على الأحكام ولم يتعاط ما لا يسعه في أحكام الإسلام، من أنزل نفسه حجة في موضع الدعوى، وأنزل ما يسع جهله في موضع ما لا يسع جهله، وانزال أحكام الدعاوى، في موضع أحكام البدع، والواجب على أهل العلم الرجوع إلى إصلاح ذات البين، وانزال العذر لكل معذور وبسط العذر لكل من كان له عذر في حكم الشريعة، وانزال التهمة في ذلك، وسوء الظن في معاني الأحكام، ومما يدل على ذلك قوله في هذا الجواب، فانظرا في هذا وأصلحا ما كان فاسدا فيه، ولا نأمر بإصلاح إلا وقد كان في ذلك فساد قد علمه، مما يجب إصلاحه، ولو كان الأصل على غير ما يوجب الفساد، ما كان يامرهما بالنظر فيه وإصلاح ماكان فاسدا منه.
وأما قوله: فلا تأخذوا مني بشيء إلا ما عرفتم عدله، وما كان من خطأ فيه فانا أستغفر الله إياه فهذه حجة احتج بها عليهم، أن لا يأخذوا من قوله إلا بالحق وموجب له في معنى الحكم أنه إن كان في قوله ما يخالف العدل، فقبلوه منه، وعلموا أنه كان ذلك عليهم دونه وهو بريء من إثم ذلك، وضمانه فيما يلزم فيه الضمان والإثم أو أحدهما.
-129 -
وأما الوقوف الذي بين المسلمين فيه الاختلاف، فهو وقوف الشك الذي لا يسع في الدين، وذلك أن الشيعة قالوا في الوقوف، أنهم إذا وقفوا على أحد، من أجل الإشكال فيه، أو من أجل الحدث الذي قد ظهر منه، إذ لم يصح مع الواقف الوقوف منهم، ما يوجب فيه الولاية، ولا ما يوجب فيه البراءة، فقالوا في هذا الوقوف أنهم لا يتولون إلا من وقف كوقوفهم، ولا يتولون من (1/84)
صفحة 85
برىء ممن يقفون عنه، ولا من تولى من يقفون عنه، وهذا وقوف الشك، والشك لا يجوز، لأنهم إذا وقفوا عن المحدث أو عن الإنسان، ووقفوا عمن تولاه، أو عمن برىء منه، من أجل ولاية المتولي له، ومن أجل براءة المتبرىء منه فقد أبطل حكم الولاية والبراءة فيه، وأوجبوا الشك لأنه لا بد أن يكون محقا فيكونون قد تركوا ولاية المحق، و ولاية من تولاه أو يكون مبطلا فيكونون قد تركوا ولاية من برىء منه، فهذا وقوف الباطل، لا وقوف الدين، وقوف الرأي، ولكنه وقوف الشك والباطل.
ووقوف الدين ووقوف السلامة مع المسلمين أنهم يدينون بولاية كل ولي لله، وبعداوة كل عدو لله، في جملة الولاية والبراءة، في حكم الشريطة، ويتولون في حكم الظاهر كل من صح منه ما يستحق به الولاية، ويبرؤون من كل من ظهر منه ما يستحق به البراءة، تدينا منهم بذلك في كل شخص استحق ذلك معهم، في ظاهر الحكم: وكل من لم يعرفوا منه شيئا من جميع العالمين في حكم الظاهر، وجب عليهم الوقوف عن ولايته دينا، إذ لا تحل ولايته إلا بما يستحق ذلك، والبراءة دينا إلا بما يستحق البراءة منه.
فالولاية والبراءة دين، والوقوف عمن لم يستحقهما دين، ممن لم يعرف منه ما يستحق الولاية والبراءة، أو يدين به البراءة.
وهذا وقوف العلماء والضعفاء جميعا، في شرع واحد، لا يفضل فيه العالم على الضعيف، وكلهم فيه سواء، لا يجوز لأحد منهم فيه إلا ما يجوز
-130 -
للآخر، وإذا لم يصح ما يجب فيه أحد الحكمين من الولاية أو البراءة، فإذا صح منه أحد ذلك، فوقف على ذلك العلماء والضعفاء، ووجب عليهم الحكم بما قد علموا، فضعف الضعفاء عن علم ما بلغ إليه العلماء، من علم ما تجب به الولاية لهذا، وعلمهم في ذلك سواء في صحة العلم، فيما تجب في كل واحد، واختلف منهم علم الحكم، كان على العلماء واجب أن يبرؤوا ممن استحق البراءة باسمه وعينه دينا، ويتولوا من استحق الولاية دينا، ولا يسعهم ترك ذلك، ولا الوقوف عنه برأي أو دين، ولا اعتقاد سؤال، ألا أن هذا كله من المحال والضلال، لأنه ليس بعد العلم إلا الجهل وقد علموا، ولا بعد اليقين إلا الشك وقد استيقنوا، ولا بعد الهدى إلا الضلال وقد اهتدوا.
وأما من ضعف عن علم الحكم في ذلك، ولم يبلغ إليه علمه، وقد صح معه ما يجب به الحكم من البراءة والولاية، فقد زال عنه حكم وقوف الدين، ولا يحل له أن يقف عن هذا الشخص، الذي قد وجب له في الحكم ولايته أو البراءة منه، فجهل ما يلزمه في ذلك فلا يجوز له الوقوف عنه دينا، لأنه قد بطل حكم وقوف الدين عنه، ووجب عليه ولاية الدين أو براءة الدين، فإذا جهلها جميعا، جاز له الوقوف بالرأي والولاية بالرأي، ولو كان الموالى بالرأي قد استحق البراءة. (1/85)
صفحة 86
ولا تجوز البراءة بالرأي ممن استحق الولاية، أو ممن لم يستحق البراءة، ولكن تجوز البراءة على الشريطة، إن كانت قد وجبت عليه البراءة من هذا الشخص، بهذا الذي قد وقف عليه من فعله، ويكون سالما بذلك، ولا يبرأ من نفسه برأي ولا بدين إلا في موضع براءته من وليه بالباطل أو بالحق.
والمتبرىء من الضعفاء الذين لا تقوم به الحجة في الفتيا، فإنه قد قيل: إنه يبرأ ممن برىء من وليه برأي إذ قد أباح من نفسه البراءة في حكم
-131 -
الظاهر، ولا يبرأ منه بدين لأن ذلك حرام البراءة من المحق بالدين، ولو كان من الضعفاء.
وتجوز له الولاية بالرأي، في كل من لم يصح معه ما تقوم به الحجة من صحة كفره.
ويجوز له الوقوف بالرأي عن كل محدث استحق بحدثه العدوان، فجهل هذا حكم حدثه وقد علم بحدثه، ولم تقم عليه الحجة من العلماء بما لا يسعه إلا قبوله، من علم حكم حدثه، فتجوز ولايته بالرأي، ويجوز الوقوف عنه بالرأي، ولا يجوز الوقوف عمن برىء منه من علماء المسلمين على حدثه المكفر برأي ولا بدين، ولا يبرأ منهم برأي ولا بدين، ولا يجوز أن يبرأ ممن برىء منه من ضعفاء المسلمين، ولا يقف عنه بدين، ولا يجوز أن يبرأ منه برأي، وقد قيل: لا يجوز فيه أن يقف عنه برأي إذا كان ضعيفا لا تقوم به الحجة.
وكذلك في ولاية المحق، إذا استضعف الضعيف أو المحق، وضعف عن ولايته من أجل ضعفه، جاز له أن يقف عن ولايته برأي، ولا يجوز أن يقف عن ولايته بدين، لأنه قد وجبت عليه ولايته بدين، وولاية الدين ووقوف الدين لا يجتمعان.
وبراءة الدين ووقوف الدين لا يجتمعان.
فإذا وجبت الولاية بالدين حرم الوقوف ليالدين، جهل ذلك الواقف أو علم. وإذا وجبت البراءة بالدين حرم الوقوف بالدين، بعلم أو بجهل، لأنها أضداد، ولا تتفق الأضداد بجهل ولا بعلم. فمن وقف عن محق فهو هالك ولو استضعف حقه، وجهل ما يلزمه من حقه.
وكذلك إن وقف عنه برأي، أو وقف عن أحد من العلماء، من أجل ولايته له برأي أو بدين، او وقف عنه من أجل ذلك برأي أو بدين، أو من أحد من الضفاء من المسلمين بدين فهو هالك لا يسعه ذلك في الدين، ولكنه إن وقف عنه برأي، وتولى من تولاه من المسلمين فقد تولى في الدين.
-132 -
وكذلك إن وقف عمن استحق البراءة، إذا ضعف عن علم ذلك وبرىء ممن تولاه من المسلمين، فقد برىء منه بالدين، وبرىء منه براءة الدين، ما لم تقم عليه الحجة، التي لا يسعه الشك فيها، (1/86)
صفحة 87
أو يعلم كفره فيها، أو يعلم بكفره مما يستحق به البراءة، فإذا علم الحكم لم يسع ترك الحكم على حال.
وأما معنى قبول الفتيا من العلماء، فيما يجب عليه في البراءة منه، أو في الولاية له، فما لم يبرأ من العلماء، من أجل ولايتهم لمن تولوا من المحقين، وبراءتهم ممن برئوا منه من المبطلين، فلا يضيق عليه ذلك في الدين، وإن قبل الحجة وعمل بها كان قد هدي سبيل الهداية، ونال الفضل، وإن ضاق عن ذلك على حال، فتولى المسلمين على ما قاموا به في المحق في الفتيا، في الدين وفي الولاية والبراءة، فقد قيل: إنه لا يضيق عليه ذلك في معنى الدين، وفيما يجتمع عليه من القول.
وقال من قال: إن عليه قبول الفتيا من العلماء في ذلك، وإذا قاموا عليه بذلك كانوا حجة عليه، وكان هالكا إذا لم يقبل منهم ذلك، وتكون فتياهم له بذلك بمنزلة علمه ويقينه حجة عليه.
وأكثر القول عندي أنه لا يضيق عليه في ولاية ولا براءة ما لم يعلم الحكم فيه، أو يكون الحدث مما لا يسع جهل علمه، أو يقف عن العلماء، أو من الضعفاء من المسلمين، ممن لا يجوز له من الوقوف عنهم، من أجل براءتهم، أو ولايتهم بالحق الذي قد جهله، ودلك شبه ما هو سائر في قولهم إنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم.
وقولهم: من وقف وتولى من تولى، فقد تولى، ومن وقف وتولى ممن برىء من المسلمين، فقد برىء.
وأوجب الحجج حجة العلم، من أين وردت عليه وعرفها وعقلها،
-133 -
وما لم يصر إلى حد العلم في كل ما يسع جهله، فلا يجب قطع العذر له، على معنى ما يوجب الاتفاق، وإن وجب معنى الاختلاف، فأثبت ذلك أنه لا يزيل الجهل إلا العلم، ولا يقطع عذر الجاهل إلا العلم، فتدبر جميع ما وصفت لك، وما بينته لك في تفسير هذا الجواب، وجميع ما عرفته عني أو وجدته مرسوما في كتاب ولا تأخذ من جميع ذلك ولا تعتمد إلا بما وافق الحق والصواب.
فإن جميع ماخالفت من ذلك الصواب، فانا دائن لله بالتوبة والاستغفار منه، والرجوع عنه، كان ذلك مني بخطا أو عمد أو علم أو جهل، أو برأي أو بدين، أو بوجه من الوجوه، فانا تائب إلى الله من جميع ما خالفت في ذلك دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين أهل الاستقامة من أمته، من لدن محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ممن دان بالهدى والاستقامة من أمته، ووجب له عند الله الفوز والسلامة، والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل.
سيرة أبي عبداللّه محمد بن روح -رحمه اللّه تعالى -: (1/87)
صفحة 88
بسم الله الرحمن الرحيم
واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الولاية والبراءة فريضتان، وقد نطق بذلك القرآن، وأكدته السنة، ونسخته آثار الأئمة، الذين هم حجة الله في دينه، فمن ذلك قوله - تعالى -: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ
-134 -
الْحَمِيدُ) (1)، فهذا في البراءة.
وفي الولاية، قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (2).
والاستغفار ولاية.
وقد قال الله - تعالى -: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (3).
وقال الله - تعالى -: إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) (4).
وقال -تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (5).
وكذلك كل من ضيّع فريضة من فرائض الإسلام على التعمد بغير عذر، فلا ولاية له عند المسلمين، حتى يرجع عن الباطل إلى الحق.
-135 -
__________
(1) - 4 - 6 من سورة الممتحنة.
(2) - الآية 12 من الممتحنة.
(3) - الآية 71 من التوبة. (1/88)
صفحة 89
(4) - الآية 19 من الجاثية.
(5) - الآية 92 من الأنفال.
وإنما الإيمان عندنا بمنزلة الوضوء والصلاة، فمن ترك جارحة من جوارح الوضوء متعمدا، من غير عذر، فهو بمنزلة من ترك الوضوء كله.
وكذلك من ترك ركعة واحدة من الصلاة، فهو بمنزلة من ترك الصلاة كلها.
وقد قال الله - تعالى -: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، فهو كما قال ربي، ولو لم يتول المسلمون بعضهم بعضا، ويبرؤوا ممن خالفهم في الحق، ويقوموا في ذلك بما أوجب الله عليهم، من التمييز بين أهل الحق وبين أهل الباطل، لكانت فتنة في الأرض وفسادا كبيرا.
وغير هذا من كتاب الله، مما يطول ذكره مما هو ناطق به الكتاب في أمر الولاية والبراءة، مما جاءت به السنة، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمن من المؤمن مثل الرأس من الجسد".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، فقد صح معنا أن من خادع في طاعة الله فهو من أشد الناس عداوة لله ولرسوله وللمسلمين في دينهم.
وغير هذا مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مما به يصح ثبوت الولاية والبراءة، مما يطول وصفه ولا يحضرنا كثير من ذكره.
وبعد الكتاب والسنة إجماع المسلمين المحقين من أهل قبلتنا المتمسكين بالسنة، على الدينونة بالولاية والبراءة، فقد ثبت حكم الولاية والبراءة في الإجماع والسنة والكتاب ولم يبطل ذلك إلا بعض المبتدعين من أهل قبلتنا، ممن قال: إن الإيمان قول بلا عمل، وإنما سائر أهل القبلة غير أهل الإرجاء، فلا نعلم بينهم اختلافا في ثبوت فرض الولاية والبراءة. وإنما الحجة على الناس من اتبع الحق، لا من خالف الحق، وفرض الولاية والبراءة عندنا صحيح، نشهد أن الله - عز وجل - بأنهما افترضهما على عباده، كما يلزمنا أن نشهد أن الله عز وجل أرسل إلينا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ... .
-136 -
فمن شك في فرضي الولاية والبراءة، بتاويل ضلال من غير رد منه لتنزيل، ولا بمتصرف سنة فهو عندنا كافر نعمة، منافق فاسق عن دين الله ونحن لله منه براء إِلا أن يتوب.
باب: الفرق في السعة وحدث المحدث فيما لا يسع جهله والشك في المحدث
قال غيره: هذا كله معنا صحيح على صحة تأويل الأثر، وعلم تفسير الجملة من توحيد الله - تبارك وتعالى - وصفاته إذا نزلت بليته بالمخصوص به فسمع بذكره، أو خطر بباله، أو دعي إليه، فعرف معنى ذلك، والمراد به، من صفات الله لم يسع الشك في ذلك دون إصابة الحق على ما (1/89)
صفحة 90
معنا أنه قيل: ولا نعلم في ذلك اختلافا، في أنه هو لا يسعه إلا علم ذلك على وجهه، على ما تأدت إليه معرفته، وقامت عليه حجته باتباع العدل في ذلك بلا شك، ولا إنكار، نعلم في ذلك اختلافا.
وأما في الشاك في ذلك، أو الراد له، فإذا ضاق عن علم ذلك، وعن علم ضلالة الشاك والراد له، إذا لم يتضح له علم ذلك بما لا شك فيه فمعنا أنه مما يلحق فيه الاختلاف، وقد قيل: لا يهلك أحد بهلاك أحد، ويدخل في ذلك عندنا ما قيل: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم، فقال من قال فيما معنا: أنه لا يضيق عليه الشك في ضلالة الضال، ولا يسع أن يركب ما ركب الضال من الإنكار، الشك لأن ذلك مما دان بتحريم في أخذ الله عليه الميثاق، فليس له أن ينقض ما دان بتحريمه مما أخذ الله عليه الميثاق في جملته، وضلالة الضال إنما هي تأويل من جملة ما دان بتحريمه،
-137 -
وليس كل من علم أصلا علم تأويله، ولا يضيق على من ضاق عن التأويل، كما يضيق على من ضاق على الأصل.
ومعي أنه قيل: إذا لم يسعه جهل ذلك فلا يسعه جهل ضلالة الضال به، وعليه علم ضلالة الضال بإنكار أو شك، بما لا يسعه جهله، كما عليه هو في نفسه من علم ذلك، وأنه لا يسعه جهله، وكذلك لا يسعه جهل الضال وجهله.
وأحسب أن القول في الشك في مثل هذا في ضلالة الشاك فيه أوسع من ضلالة الراد له، والناقض له، على من نزلت به البلية بعلم ذلك من علمه له، وعلمه للشاك فيه، أو الناقض له، ويلزمه في الصفات عند خطور البال والسماع بالذكر بمثل هذا من ضلالة الراد، والشاك فيْ حكم الشرائط، وفي الصفات ها على المعاين لذلك، والمشاهد له، إِذا سمع بذكره، خطر بباله، وعرف معناه، والمراد به، فعليه في الصفة، كما عليه في المعاينة بالمشاهدة، إن لم تكن الصفة أوجب عليه كلفة لأنها أصح عنده في المعرفة، لأن الفاعل والمحدث يحتمل لهم أشياء، وعليه أشياء، ويحتاج في الحكم إلى دعوة وصحة حجة، وحكم الصفات لازمة بالقطع، إِذا خطر بباله، أو سمع بذكره في جميع الصفات المكفرات عند الحكم بما يلزمه في ذلك من عداوة، ومفارقة، أو ولاية على ما قد بلغ إليه دعوته وقامت عليه حجته، وصح معه معناه وارادته.
وكذلك تفسير ما جاء من عند الله مثل البعث والحساب، وما ذكر من تلك الأسباب من الحساب والثواب والعقاب، فهو معنا خارج في معنى صفة التوحيد من جميع مما كان من الوعد والوعيد، فإذا خطر بباله شيء من ذلك أو سمع بذكره، وعرف معناه والمراد به على صحة معناه من الله - تبارك وتعالى - لم يسعه الشك فيه فيما قيل.
-138 - (1/90)
صفحة 91
وكذلك الراد له و الشاك فيه معنا هو كما وصفنا في أمر تفسير التوحيد من الشك والإنكار، والشك في ضلالة الضال، كذلك هو عندنا في ذلك سواء، وقد مضى فيه القول.
والإنكار عندنا أضيق على الشاك في ضلالته، ونرجو أنَّهُ ما لم يبن له عدل ذلك ويبصره، وتقوم عليه به الحجة بعينه من شواهد عقل أوعبارةَ، أنه لا يكلفه الله من ذلك فوق طاقته، في شك ولا إنكار، ما لم يتول المحدث على ذلك بدين، أو يبرأ من العلماء، أو يقف عنهم إذا برئوا منه برأي أو بدين، لأن ضلالة الراكب للدين إنما هي من تأويل الدين معنا على ما وصفنا، وعلى ما معنا، أنه قيل.
باب: الفرق في البيعة وركوب المحارم وترك اللوازم
وأما ما عليهم تركه فيما حرم الله عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير وفروج الحرام، وكل ما حرم الله، مما أعد لمن فعله النار، وهو يسعهم جهل حرمته ولا يسعهم ركوبه ولا فعله فيْ حال جهله.
قال غيره: معنا أن كل ما حرم الله - تبارك وتعالى -في كتابه، أو حّرمه رسوله محمد صلى الله عليه في ثابت سنته، أو ثبت في الإجماع حرمته، وما أشبه ذلك، وكان مثله أو أشد منه في المشابهة والمماثلة، فهو حرام لا يجوز ركوبه بالجهل، ولا بالعلم له، ولا يسمى من لم يعلم شيئا -يسعه ألا يعلمه -جاهلا إلا على ما وصفنا أنه جاهل به نفسه، أو في دينه فلا يقع عليه اسم الجهل.
ومعنا أنه قد قيل: في المحرمات عليه في أصل ما دان به، أن عليه ألا يركبها ولو لم يعلم حرمتها، ولم يبلغ إلى ذلك، لأنه يقدر أن يترك ذلك إلى غيره، وليس في كُلفة ذلك له خروج من الطاقة، بل هو يقدر أن يترك ذلك
-139 -
إلى غيره، ما لم ينزل به حال الضرورة، إلى ما له، في حال الاختيار، مما أحل الله له في حال الاضطرار من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما أشبه ذلك مما هو مثله، فإنه جائز له عند الاضطرار، الاعتصام به.
وإذا لم يكن في حال الاضطرار وكان لغيره واجدا مما يعتصم به من المحرم فهو قادر على ترك المحرمات، فغير مكلف في ترك المحرمات ما لا يطيقه، إِذا علم فيها الأصل المحرم الذي يدرك معرفة الحجة المحرمة لها، مع العارفين بمعرفة وعليه ألا يركبها، لحال قدرته على ذلك، واستغنائه بغيرها عن حال الضرورة، فهو قادر على تركها، فعليه تركها، فإن لم يتركها وركبها، لم يسعه ذلك، ولا حجة له إذا كان قادرا على الترك.
وأما العمل للمعمولات، فلا يقدر العامل لها إلا بعلم للعمل بها، فإذا عدم العمل الذي به يقدر على العمل لها، كان عاجزا عن العمل بها، لاذا ثبت عجزه لشيء ثبت عذره عنه، إذا لم يقصر (1/91)
صفحة 92
في اعتقاد طلب ذلك، على نحو ما وصفناه من حاضر له أو غائب عنه.
وقال من قال: إن المحرمات من غير أن تدرك معرفة حرمتها بحجة العقول، لا تقوم الحجة بحرمتها إلا بالسماع والعبارة، وما لم تبلغه الحجة بعلم ذلك، فلا يقدر على فرق ذلك بعينه، ولا فرق بين حلال الأشياء وحرامها، فإذا لزمه ترك جميع الأشياء حتى يعلم حلالها وحرامها، لزمه في ذلك أن يترك الحلال المباح، وكان في ذلك حجره عليه الحلال كله، ولزمه في ذلك أن يعلم جميع الحلال من الحرام، وجميع الأحكام، وهذا ما لا يطيقه، ويضيق عليه.
وقد أجاز الله له أن يأكِل الحلال، فقال - تعالى -: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) (1).
-140 -
__________
(1) - 168 من سورة البقرة.
فالحلال هو المباح، لأن أصله كان حلالا إلا ما حرّمه الله عليهم بالاستثاء، فليس عليه ترك ولا ركوب الحرام المستثنى إذا قدر عليه، وبلغته الحجة به، وله أن يركب الحلال مباحا له من الماكولات والمشروبات والملبوسات والمركوبات والمنكوحات، وليس عليه في ذلك أن يعلم أنه حلال إذا وافق ولم تقم حجة الحلال من الحرام من حجة العقل، إلا من وجه الترك للأشياء كلها من حلالها وحرامها، إِذا صح أن فيها حلالا وحراما، فإن ركب ما ركب من الحلال والحرام على أنه متحرِّ منه الحلال، تارك منه الحرام، معتقد لطلب علم ذلك، معتقد للتوبة من جميع ما خالف مما ركبه من المحللات إلى المحرمات لم يضق عليه ذلك، ولم يكن هالكا لأن السائل سالم و الشاك هالك، ولا يكون الشاك إلا بعد العلم، والمضيع للسؤال لما يعلمه مما قد لزمه تركه، فركبه أو لزمه العمل به فلم يعلمه وضيع ما لا يقدر عليه من اعتقاد التوبة في أصل ما يأتي من ذلك وما يتركه مما لا يجوز له تركه، ومما لا يجوز له ركوبه في أصل ما تعبده الله به، ولن يهلك عند الله في دينه - معنا - إلا مُصِرُّ على ذنبه، قادر على الخروج منه بعينه، فلمِ يخرج منه، لقول الله - تبارك وتعالى -: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (1).
فالتوبة في الجملة مما لا يقدر على الوصول إلى علمه، كالتوبة من الشيء بعينه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والعاجز عن الشيء معذور عنه، والمجتهد بصدق المناصحة بغير خداع ولا تقصير في مجهود، فلن يكلفه الله فوق طاقته.
فافهم ذلك تصِب إن شاء الله تعالى.
-141 - (1/92)
صفحة 93
__________
(1) - 135 من سورة آل عمران.
باب: وقوف الشك الذي لا يسع
وأما الشك الذي لا يسع، وعابه المسلمون فهو أن يقف عن المتولى أو المتبرأ منه، ويقف عن المتولي والمتبرىء، وأن لا يتولى إلا من وقف كوقوفه، فهذا هو وقوف الضلال معنا لأنه لا محال إذا وقف دائنا عن أحد بعينه من الناس، ووقف عمن تولاه ووقف عمن برىء منه بدين، وهذا لا محال قد خرج من أحكام الحق، ومن أحكام الولاية، والبراءة إلى وقوف الدينونة بالوقوف عن جميع العباد، لأنه إذا ثبت له هذا في أحد بعينه، ثبت له ذلك في الكل، وأبطل حكم الولاية والبراءة، ورجع إلى حكم الوقوف في الخلق كلهم، الذين قد ثبتت فيهم الولاية والبراءة، وأن جميع المتعبدين لا يخلو أحد منهم بعينه من أن يكون عدوا لله فيعادى أولياء الله فيوالى بعينه.
وأما إن لم يعرف في هذا الشخص بعينه، مما يوجبه فيه البراءة فيبرأ منه، أو ما تجب له الولاية فيتولى، فتثبت له أنه لا يتولى إلا بعلم، ولا يبرأ منه إلا بعلم، وثبت أنه لا بد في أصل التعبد أنه لا بد أن يكون يوالي أو يبرأ منه، فوقف عمن برىء منه، ووقف عمن تولاه، فهذا مبطل لأحكام الولاية والبراءة منه جميعا، سواء ذلك كان قد وقف على الحدث الذي قد اختلف فيه المختلفون في ولايته والبراءة منه فيه ولم يقف، صح معه أو لم يصح معه، فإنه لا يجوز له في أصل التعبد أن يقف عنه وعن المتولي له و المتبرىء منه لأنه لا بد له في جميع هذا أن يكون قد أسقط حكم الولاية والبراءة، ولا يجوز أن يكون في حال لا يتولى ولا يبرأ منه بسبب من الأسباب بالدين، وهذا معنا وقوف الشك.
-142 -
باب: وقوف الشك عمن لم يتول كولايته ويبرأ كبراءته
كذلك معنا كل من لم يتوله من تولى كولايته، ولا من برىء كبراءته، ولا يجعل لكل من وجب عليه حكمه الذي له بما يجب من ولاية، أو براءة أو وقوف بما يخالف ما يلزمه هو لأن الولاية والبراءة والوقوف، كلها أصول ليس لأحد ممن ثبت عليه أحدها، أن تنتقل عنه الى غيره، إلا لحجة تقوم عليه، أو تجب له، فإذا لم يقبل أحد من وجب له منها حكم ذلك الشيء، ممن لم يجب عليه مثله، مما هو غير لازم له، أو غير جائزة له، فالزمه ذلك، ولم يقبل منه إِلا أن يلزم نفسه ما لزمه هو، فلا يسعه ذلك، وهو غير معذور، ولاحق عندنا في الشبهة، بما لحق في الذي وقف ولم يتول، إلا من وقف كوقوفه.
كذلك إن لم يتول إلا من تولاه كولايته، ولا من برىء كبراءته، فذلك لا يسعه، كما لا يسعه أن يتولى إلا من وقف كوقوفه، ومن برىء أو تولى، فكل ذلك سواء معنا، أن يثبت لأحد منهم (1/93)
صفحة 94
ممن وقف، أو تولى أو برىء على أحد ممن في غير منزلة حجة، يلزمه في الحق من وجوب ذلك عليه، لشيء يثبت عليه، ويصح فيلزمه الحكم الذي يخصه، كما لزم هذا في ولايته، أو في براءته أو في وقوفه، وإلا فكل ذلك لا يسع وكله معنا واحد.
وإنما كل من الناس في الولاية والبراءة مخصوص بعلمه، وماخوذ في علمه بحكمه في حكم ولاية حكم الظاهر، ووقوف حكم الظاهر وبراءة حكم الظاهر، ولا يجوز التقليد في ذلك إلا من وجه ما لا يخرج على التقليد، وإنما يخرج على التصديق من الولاية، لمن تولاه العلماء، فإن الولاية بولايتهم على قول من أجاز ذلك، لا يخرج على وجه التقليد، إنما يخرج على وجه الدلالة،
-143 -
وبكل حال لو أن العالم إذا لم يتول الضعيف بولايته، أو العالم إذا رفع إليهم الولاية فيمن تولى، ووقف عن ولايتهم من أجل ذلك، بعد أن لا يقفوا عنه بدين، ولا برأي، من أجل ولايته.
وكذلك لم يبرؤوا منه برأي ولا بدين، وتولوه فوقف عنهم إذ لم يتولوا مثل ذلك بولايته، كان ذلك غير واسع له معنا في الإجماع، فافهم هذه الفصول، فإنها عندنا مشبهة بالأصول، لقول أصحابنا، وما أشبه الأصول فهو لاحق بالأصول، والله أعلم بصواب ذلك كله.
باب: ما يجوز من التقليد وما لا يجوز
والقاذف من جميع عباد الله، ومن جميع خلقه من المتعبدين، من الثقلين من الجن والإنس، من عالم أو ضعيف خارج مخرج الدعاوى من جميع المتبرئين، ومن جميع القاذفين، ولا يقبل منهم ذلك، ولا يجوز اتباعهم عليه ولا تقليدهم فيه بان يخلع كخلعهم، ويبرأ كبراءتهم، ولا يكون في ذلك حجة لمن اتبعهم، ولا حجة على من سمعهم، ولو كانوا علماء كثيرين وبشرا كثيرين إلا الأنبياء - صلوات الله عليهم جميعا وسلم تسليما - فإنهم مقبول قولهم في جميع ما قالوا من الشهادة، ولازم أن يشهد كشهادتهم ويبرأ كبراءتهم، ويقول كقولهم، ويصدقوا في جميع ما قالوه من جميع ما أخبروا به من جميع ما خرج على سبيل الدعاوى من غيرهم، والشهادة من غيرهم، فالتقليد لهم في ذلك فيما قيل واجب جائز.
وأما سائر الخلق فمعنا أنه لا يجوز التقليد لهم في جميع ما خرج مخرج الدعوى، ولا يجوز أن يشهد فِي ذلك كشهادتهم، ولا في شيء منه، ولا يقال كقولهم، ولا يبرأ كبراءتهم على القطع والتصديق لهم فيه، ومن قلدهم في
-144 -
ذلك كانوا قليلا أو كثيرا، علماء أو ضعفاء، مسلمين أو كافرين، مقرين أو منكرين، فهو مخطيء ضال عن حكم الدين.
وكذلك ما كان من أسماء الكفر الموجبة للبراءة على صاحبها المسمى بها البراءة والخلع من الأسماء (1/94)
صفحة 95
المكفرات، فإذا كانت التسمية بها من المسمى بها للمتسمي بها، أو شيء منها الأصل في ذلك، والمراد به القذف، والخلع والبراءة، ولا يراد به الشهادة على المحدث على أنها واجبة عليه بحدثه، وعلى معنى الشهادة، وإنما هي على معنى القذف، فهي من جميع المتسمين بها لجميع من تسمى بها ممن لا يستحقها، فيما مضى عند من لم سمي بذلك معه بمنزلة القاذف، لا بمنزلة الشاهد.
والقاذف من جميع الخلق في الإجماع معنا يخرج مخرج المدعى، إذا لم يكن المقذوف الذي قذفه وليا للذي سمعه يقذفه من جميع الخلق، إلا مع من يعرف منه ما قد عرفه من الأسماء فإنه موافق له على ذلك، و إلا فالقاذف مع هذا مدع متبرىء بالقذف، والدعاوى، والمدعى فيما قيل أنه لا تجوز شهادته.
وكذلك في الإجماع أن المدعي لا تجوز شهادته في جميع ما كان مدعيا فيه، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه يرجع يقبل شهادته فيما كان فيه مدعيا فيه، ويثبت حكمه مدعيا أو يكون قاذفا خالعا لمن يتولاه، الذي سمعه من المتعبدين فيكون القاذف لوليه معه مخلوعا ومدعما، مبيحا من نفسه البراءة، ولا تجوز شهادته فيما يدعيه أبدا، وسواء كانوا علماء كما وصفت لك، أو ضعفاء قليلا أو كثيرا، فلا فرق في ذلك، والقول كله سواء، والحكم فيه سواء، ولا يجوز قول مدع ولا شهادة خليع، والفقهاء والعلماء في أحكام الدعاوى، والقذف وجميع الأحكام، والاختصام، وسائر الناس من الضعفاء سواء من المقرين والمنكرين والمسلمين والكافرين، ولا فرق بين علماء المسلمين ولا غيرهم في الأحكام، ولا في الدعاوى والاختصام، ولا
-145 -
نعلم في ذلك اختلافا.
وذلك معنا حكم الإجماع، ولا فضل لعلماء المسلمين على سائر العالمين، إلا فيما جعل الله لهم من الحجة في الفتيا في أمر الدين، أو فيما جعل الله لهم من التسليط، فيما جعلهم حكاما فيه على العالمين، من شرائع أصول الدين، وأما سائر الحكومات فهم وغيرهم سواء، وسواء كانوا علماء في الدين، أو الأئمة المنصوبين للمسلمين، فكلهم سواء في الأحكام، في الدين الذي يكونون فيه خصوما أو مدعين، أو مدعى عليهم في أحكام الدين.
وأما الأسماء الموجبة للبراءة فيما وصفت لك وما يشبهه فإذا كانت التسمية بها المسمى من المسمى على وجه الشهادة عليه بالاسم الموجب عليه البراءة، ومعي أنه قيل: إن ذلك خارج على معنى الشهادة، وقيل: أنه قذف على حال، لأن الشهادة لا تكون إلا على الحدث لا تكون بالاسم، وإنما سمى الله - تبارك وتعالى - بهذه الأسماء في كتابه، وشهد عليهم بذلك - تبارك وتعالى-، بعد أن قص عنهم فعلهم، وأخبر بها، وشهد عليهم بها، ثم سماهم بالأسماء الخبيثة عليها.
ومعي أنه قيل: أنها تكون شهادة ممن شهد بها من العلماء البصراء باحكام الولاية والبراءة، والتوبات، واختلاف ذلك، وثبوت معانيه لأنه مأمون على أنه لا يسمى بهذه إلا من يستحقها (1/95)
صفحة 96
معه في علمه وأمانته، ولا يكون شهادة الضعفاء الذين لا يعبرون ذلك، ولا يؤمنون على معرفة الأحكام الموجبة للأسماء على أهل الأحداث، وعلى قول من يقول أنها تكون شهادة على أنها تكون شهادة على الاطلاق، تدخل عليه العلة في الضعيف، إذ لا يؤمن على الأحكام في ذلك، ومعرفتها، ولا يثبت ذلك له إلا على التفسير فيمن يخرج ذلك منه، لاذا لم يكن يخرج ذلك على وجه الشهادة الثابتة، لم يتعر من أن يكون الشاهد بذلك إذا لم تجن شهادته أن يكون قاذفا مدعيا.
-146 -
ويعجبني على الاختلاف في ذلك أنه إذا كان ذلك في العلماء خارجا مخرج الشهادة فيمن تجوز عليه الشهادة منهم أن لا يحتاج منهم إلى تفسير، وأن يقبل قولهم في شهادتهم على المشهود عليه بالاسم الموجب للبراءة، ولو لم يسموا بما يستحق ذلك الاسم من الأحداث، وأن لا يقبل من الضعيف في الشهادة بذلك إلا حتى يسمى ما كان حدثه فيراه المسلمون أنه مكفر، فيكون هم الحكام فيه بالاسم والبراءة.
ومعي أنه قيل: لا يقبل من الضعيف ذلك، ولو سمي مفسرا حتى يشهد الشاهدان منهم على تفسير الحدث، أنهما استتاباه من ذلك فلم يتب، ثم هنالك يقبل منهما، بحكم بشهادتهما.
ومعي أنه قيل: لا يقبل من الضعيفين الشهادة على الأحداث، ولو فسرا وشهدا، على أنه لم يتب بعد أن استتاباه، فلم يتب، وإنما يقبل في أحكام البراءة، شهادة من يبصر الولاية والبراءة، كما لا يقبل في الولاية والبراءة إلا قول من يبصر الولاية والبراءة، أعظم جرما وأشد حكما.
وأحسب أنه قيل: إن الضعيفين إذا شهدا بالاسم، وقالا: إنهما استتاباه من حدثه، فلم يتب أنه يقبل منهما، ولو لم يفسرا لأن الإصرار على جميع الأحداث الصغار منهم والكبار، وجب للكفر والفسق، والأسماء الخبيثة التي يسمي بها المحدثان فهما مامونان على هذا الخروج بصحة حكمه في قولهما بشهادتهما على المحدث.
وأحسب أنه قيل: إنهما لا يؤمنان على ذلك، لأن الضعيف لا يدري الفرق بين الأحداث حقها من باطلها، وبدعها من دعاويها، المحتمل فيها الصواب والخطأ، ولا مستحلاتها من محرماتها، وهو غير مأمون في قبول المحتمل منه على حال إلا على التفسير.
ويعجبني في الضعيفين أنهما إِذا شهدا باسم الكفر على وجه الشهادة،
-147 -
ولم يفسرا الحدث أن لا يقبل منهما على من شهدا عليه، كان المشهود عليه له ولاية، أو لم تكن له ولاية، حتى يبينا الحدث، فإذا بينا الحدث، وشهدا به على القطع على المعاينة والسماع، وليان من المسلمين، أعجبني قبول ذلك من شهادتهما، إذا كان الحدث مكفرا لمن ركبه، ولو لم (1/96)
صفحة 97
يقولا: أنهما استتاباه فلم يتب لأنهما قد وصفا وفسرا ما به يكفر المحدث إن كفر، أو ما يستتاب منه المحدث إن كان صغيرا، وعلى المشهود عليه وله ما يجب عليه في الحكم في المشهود عليه من الصغير والكبير، الذي يصح بشهادة الشاهدين، إلا على العلماء ني الدين من المسلمين، والأئمة المنصوبين فإنه لا يعجبني أن يقبل عليهم إلا شهادة العلماء، إلا أنه يعجبني منهما إذا شهدا على عالم أو إمام، وشرحا وفسرا ماذا أتى العالم أو الإمام، فلم أقبل شهادتهما عليه، وقد قاما بالشهادة ولا أبرأ منهما، ولا أقف عن ولايتهما، ولكني لا أجعلهما حجة على أحكام من هو فوقهما في الإسلام، ولا أترك ولايتهما إذا شهدا بما يجب عليهما في أحكام الإسلام.
وكذلك إذا شهدا بالاسم على الضعيف، أو على من لا ولاية له، إِذا لم يفسرا، لا تقبل شهادتهما في ذلك للعلة التي وصفت لك، ولا يترك ولايتهما إذا ثبت ذلك شهادة منهما، وأدرأ البراءة والوقوف لواجب حق الإسلام الذي لهما، ولا يعجبني أن أقبل منهما إِذا قالا: أنهما استتاباه فلم يتب، إذا لم يفسرا الحدث للعلة التي وصفت لك، ولا أترك ولايتهما، وليس كل منزلة شهد فيها الشاهد، فلم تقم شهادته لعلة عرضت في ذات نفسه، استحق بذلك ترك الولاية والبراءة معنا إذا ثبت له حكم الشهادة، إلا أنه لم تقبل شهادته من أجل أنه ليس بمامون، ولا عدل في ذلك.
كما أنه لو شهد أربعة غير عدول على مقر بالزنا وجاؤوا على وجه الشهادة لم يكونوا قاذفين في الحكم ولا وجب عليهم معنى الحد ولا التفسيق لأن الشاهد غير القاذف، وليس على أهل التعبد، ولا لهم أن يكتموا علم ما
-148 -
تعبدهم الله بالشهادة به وعليه، إذا جاز لهم ذلك حتى يعلموا أنهم حجة وأنهم يقبل منهم ذلك وليس عليهم علم ذلك معنا، وعليهم القيام بالعدل بالشهادة التي وجبت عليه، فإن قبلت، فقد أداها وإن لم تقبل فقد أداها.
وكذلك لو كان الشهود على ذلك عبيدا مسلمين، أو من قد شهدوا بالزور، ثم تاب فجاء على وجه الشهادة فشهد بحدث من المكفرات، أو بزنا على أحد ممن لم تجز شهادته عليه للعلة التي عرضت له في الإسلام، أن لا تقبل شهادته لما عارض من أجلها، لم يكن معنا بذلك قاذفا ولا خالعا، وإنما هو شاهد لم تقبل شهادته، لما عارض له، وليس لتعديه وجه الحق والصواب في ذلك، فافهم ذلك إن شاء الله والله أعلم بالصواب.
ومن الكتاب: وأما الواحد فلا يقبل منه ذلك، وإن برىء ممن تولاه المسلمون استتابوه، فإن تاب وإلا برؤوا منه، وكذلك إذا وقف عن ولي المسلمين استتيب عن ذلك، فإن تاب، وإلا وقف عنه.
ومن شك من الأولياء في كفر من أظهر الكبائر وعمل بها، فقيل من أصاب الحرام في منزلة (1/97)
صفحة 98
التحريم له، يقر أن الذي أصاب من ذلك حرام، وليس له ولي إلا ولي المسلمين، و همْ، فهذا إذا انتهك حراما وكفرا، في كتاب اللهّ، من أبصر هلاكه، فقد أصاب الحق، وأدرك الفضل، ومن ضعف وجهل، ولم يبلغ علمه ولا بصره، أنه كافر فإنه يسعه إذا كان رأيه رأي المسلمين، ووليه وليهم، وهو سائل طالب لرأي المسلمين، وأما إذا انتهك الحرام على استحلاله له، ودينونة به، فلا يعذر أحد أن يجهله، وإن لا يشك فيه إذا عرف أن الراكب لذلك دائن مستحل، لم يسع أحدا أن يشك في هلاكه.
قال غيره: أما الشهادة في حكم البراءة من جميع ما تحدثه أحكام البراءة بالواحد، فقد مضى القول فيه مفسره ولا يحتاج معنا إلى إعادة ذلك، ولا
-149 -
نبصر له وجها يجوز فيه، والله أعلم.
وكذلك من برىء ممن تولاه المسلمون، فقد مضى فيه القول أنه قاذف عند من تولاه من المسلمين، إذا علم بولايتهم له، أو كان حكم ولايته لازما وهو معنا من الكبائر، فإن برىء منه قبل الاستتابة فقد قبل ذلك، وإن استتيب فحسن.
وقد قيل: إنه لا يبرأ من أهل الكبائر حتى يستتابوا إن أمكن ذلك، وأما الوقوف من أحد ممن تولاه المسلمون لمعنى، لا يصح عليه أن يصح معه منه ما يجب به ولايته، فليس عليه في وقوفه عن جميع العالمين باس، إلا ولاية من وجبت عليه ولايته، لغير حق، إذا تولى المسلمون أحدا من أوليائهم الذين هم أولياء له، ولم يصح عنده في وليهم ما تقوم به الحجة بثبوت ولايته عليه، بولاية عالمين من المسلمين، أو بما تقوم عليه الحجة بوجوب ولايته عليه، فلا باس عليه إذا تولى أولياءه من المسلمين، ولم يقف عنهم بدين ولا برأي، من عالم منهم، ولا بدين عن ضعيف، ولا برىء من أحد منهم برأي ولا بدين لأجل ولايتهم لمن تولوه.
وكذلك من صح معه ما تجب به ولايته، فضعف ولم يبصر الأحكام فيْ ذلك، فوقف عمن تولوه، ولم يكن منه شيء، مما وصفت لك من ولاية، أو وقوف من أحد منهم كان مسلما، وقد تولى من تولوا ما لم يكن وقوفه بعد قيام الحجة عليه، وقوف دين، عمن تولوا ممن قد صح عنده فيه، ما يجب فيه ولايته في الإجماع، فإذا صح معهم ما تجب به ولاية وليهم، الذي وقف عنه بالإجماع فوقف عنه بعد ذلك بدين، أو كان منه في أحد منهم بعض ما وصفت لك، لم يسعه ذلك بعد قيام الحجة عليه، ولا يضيق عليه إن وقف عن المتولي برأي على حال، فتولى المسلمين الذين تولوه، على ما وصفت لك إن شاء الله -تعالى-.
وأما حكم المستحلين وحكم المحرمين وحكم الاختلاف فيهم فمعي
-150 - (1/98)
صفحة 99
أنه قد مضى القول فيما مضى من الكتاب، بما أرجو أنه لا يحتاج فيه على معنى ما يحتاج من تفسير هذا الذي ذكرنا إلى مستزاد، ولا تفسير إن شاء الله.
ومن الكتاب: وقيل: كل من علم الله أنه يرجع إلى الإيمان، أو يتوب من كفره، فهو عند الله مؤمن وله ولي، وكذلك أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- كانا في الشرك قبل أن يسلما، وهما مؤمنان وليان لله.
قال غيره: معي أنه قيل: في السعيد الذي قد علم الله -تبارك وتعالى -أنه سعيد من أهل الجنة، وأنه مؤمن يموت على إيمانه من أهل الجنة، وفي الشقي الذي علم الله أنه شقي من أهل النار، وأنه كافر يموت على كفره من أهل النار، هذا مؤمن سعيد، ولي لا يتحول في حال من الحال، عن ذلك الذي قد علم الله أنه يكون منه، وأنه كذلك، ولو عمل بالمعاصي من الشرك وغيرها فهو ولي مؤمن سعيد عند الله - تبارك وتعالى - وكذلك الشقي الكافر العدو لله، الذي في علمه أنه من أهل النار تكون منه الطاعة، وما يرضى الله من القول والعمل والنية، ما يستوجب به الولاية لأولياء الله، ويكون لهم به الإيمان في الأحكام، أن لوكانوا مؤمنين أنه كذلك عدو كافر، شقي لا يتحول عند الله -تبارك وتعالى-.
ومعي أنه قيل: إن السعيد عند الله في علمه إذا عمل شيئا من المعاصي التي يستوجب بها الكفر، استحق بها العداوة بالكفر، الذي قد حل فيه في وقته الذي حل فيه، وفي علم الله أنه سعيد يموت على الإيمان من أهل الجنة، وفي حال معصيته يستحق العداوة، وكذلك العدو الشقي عند الله الذي علمه أنه يموت شقيا كافرا، من أهل النار إذا أتى من الطاعة ما يكون به الإيمان في الحكم، أنه يوالي بما أتى من الطاعة بالطاعة التي حلت فيه، واستوجب بها الولاية في حكم دين الله، فهو ولي بما يستوجب به الولاية في حين ذلك مؤمن في حال إيمانه، وإن كان في علم الله شقيا كافرا.
ومعي، أنه قيل: إذا أتى السعيد الولي في علم الله شيئا من الكفر
-151 -
والمعصية، الذي يكفر به الكافر، أنه يكون في ذلك الحال وليا لا يوالى، وكذلك العدو والشقي، إذا أتى شيئا من الطاعة و الإيمان الذي يستوجب بكماله حالة الولاية للولي، أنه يكون عدوا لا يعادى، إذ هو في علم الله عدو، فلا يوالى بهذه الطاعة، وإن كان بالطاعة وليا في الحكم فلا يعادى في حين ذلك فهو ولي لا يوالى وعدو لا يعادى، وكذلك الولي السعيد عند الله، ولي لا يعادى، وعدو لا يوالى، إذا كان منه ما يستوجب به العداوة للعدو، وعلم الله لا يتحول في خلقه - تبارك وتعالى-، وعلمه بالسعيد أنه ولي، وعلمه بأنه يأتي من المعصية الذي يكفر به العدو سابق لا يتغير، ولا يتحول، فعلمه أنه سعيد لا يتحول، وعلمه أنه يأتي المعصية لا يتحول، وعلمه بثوابه لا يتحول، وباسمائه المستحق لها ويستحقها في الدنيا والآخرة لا يتحول.
باب: ثبوت معنى الأمة (1/99)
صفحة 100
والأمة في كل شيء من الأشياء المنفرد به دون غيره، الثابت له حكمه من قليل أو كثير، ولو كان واحدا فهو (أمة)، في ذلك الشيء القائم به، المنفرد فيه، ولو كانوا كثيرا فهم (أمة) وليس معنى (الأمة) الكثيرة، وإنما المعنى في (الأمة) الخلوص بالشيء، فمن ذلك قوله -تبارك وتعالى -: إنَّ إبرَاهِيم كَانَ أمةً قَانِتاً للّهِ حَنِيفَاَ وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركِينَ) (1). فكان وحده (أمة) في قومه، محقا منهم دونهم كان (أمة) منهم.
وكذلك المحق في كل عصر وزمان، وكل شيء خاص أو عام، فهو (أمة) فيه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في قيس بن ساعدة: "إنه يحشر
-152 -
__________
(1) - الآية 120 من سورة النحل.
أمة واحدة" إذا كان محقا في زمانه وأحسب أنه أراد هذا كذلك، يروى عنه أن المحق أمة، ولو كان واحدا على رأس جبل، وكذلك يروى عن ابن عباس نحو هذا أن (الأمة المحق ولو واحد على رأس جبل)، وكذلك المبطل بالشيء المنفرد بباطله عن غيره يكون (أمة) فيه.
فالأمة أمتان: أمة صدق، وأمة فسق، وكذلك أمة باطل، وأمة حق.
والمعنى في الأمة الخلوص بالشيء من الخالص له، دون غيره، فافهم معنى (الأمة)، وكذلك يروى عن الله -تبارك وتعالى -: "لا يعذب أمة محمد بنار جهنم"، فهو حق وصدق وأن الله لا يعذب المحق بنار جهنم، ولا يكون أمة محمد إلا من أمة، وكان مثله على سبيله والمأموم مثل الإمام، ومن أتم أحدا فهو مثله فيما أمه فيه، لأن الإمام متبوع، والمؤتم به له تابع.
والأمة الاجتماع للإمام والمأموم، فالحق جامع لهم كلهم، إِذا كانوا محقين وهو إمامهم، والباطل إمامهم كلهم وهم أمته، لأنهم كلهم أمّوه فهم أمته وهو إمامهم، فافهم معنى الأمة، فإن القول فيها في جميع ما صح فيها من الروايات من قول رسول الله، و من كتاب الله، أو من الآثار المجتمع عليها، فإنه يخرج ذلك على تأويل الحق على ما وصفت لك، لا على تأويل الضلال، وكل من قام على أحد بحق من الله فكان عليه فيه حجة، أو له فيه حجة فهو له إِمام فيه، وعليه إمام، وهو أمة له، فكما كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمة في ذلك الشيء، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم أمة فيما خص به، وكما كان أصحابه أمة فيما خصوا به، وكما كان التابعون لهم كانوا قليلا أو كثيرا أمة، والأمة تخص وتعم كسائر الأشياء الخاصات والعامات، فافهم ذلك وبالله التوفيق.
وانظر في معنى ما وصفت لك من جميع ما لا تقوم به الحجة إلا بالسماع، أو ما أشبهه إلا ما خصه الله من بمِنَةٍ، وفيما وصفت لك مما تقوم به الحجة بشهادة العقول، واجعلهما أصلين (1/100)
صفحة 101
يُحتذىَ بهما وُيقتدَى بهما، ويجعل كل
-153 -
شيء جاء من أحدها في موضعه، ولا يختلط عليك حكمهما، ثم انظر حكم جملة ما جاء من أصل ما لا تقوم به الحجة إِلا بالسماع، كيف قيل فيه أنه تقوم به الحجة من عبارة كل من عبره، ومن ذكر كل شيء من ذكره، إذا عرف معناه المبتلى به وأبصره، لأنه فيما قيل لًاحِقٌ بحكم صفة الله، إلا أنه لا يقدر عليه إلا بالعبارة، وكان كل من عبره حجة فيه، إذ لاحق بحكم صفة الله من العقول، وذلك قوله - تبارك وتعالى -: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير) (1).
وقوله - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) (2).
وقوله: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) (3).
وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) (4).
فأوجب الإيمان برسوله، مع الإيمان به، وأوجب الإيمان بما جاء به رسوله مع الإيمان به، والتصديق به والطاعة له، والطاعة لرسوله.
وقال تعالى: ومن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللّه وًمَن تَوَلى فَماَ أرْسَلْناَك عليْهِم حفيظَا) (5)
-154 -
__________
(1) - 8 من سورة التغابن.
(2) - 136 من سورة النساء
(3) - 92 من سورة المائدة.
(4) - 64 من سورة النساء
(5) - 80 من سورة النساء
وقال: (قل أطَيعوا اللّهَ وَأطِيعوا الرَسُولَ فإن تَوَلوَا فإنما عليهِ ما حُملَ وَعليكم ما حملتم وَإن تطيعوه تَهْتدوا وَما عَلَى الرسُول إلا البلاغُ الْمبُينُ) (1).
وقال مع ذلك موجبا لطاعة أوليائه في طاعته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ (1/101)
صفحة 102
الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (2).
فثبت فيما قيل في تأويل هذه الآية، أن أولي الأمر هم حكام العدل من الأئمة والعلماء المحقينْ من الأمة، وقد بينتُ لك أن العلماء مختلفون، وكلهم علماء إذا كانوا محقين، فيما قاموا به من العلم، فإذا ثبت له التصديق والثقة عند من أقام عليه بالحق من العلم فيْ دين الله، ولو لم يعلمه بذلك سواه من الخليقة، وثبت معه له العلم، بشيء من دين الله بخبرة أو شهرة، ولو لم يعرف ذلك غيره من الخليقة فهو من الأئمة عليه في ذلك الشيء بعينه، فهو الحجة عليه في ذلك الشيء بعينه، وهو الأمة عليه في ذلك الشيء بعينه، إذا كان من دين الله، مما هو تقوم به الحجة عليه بالعبارة، ولو لم يعلم ذلك من غيره من العلماء، وليس له أن يجهل حجة الله إذا قامت عليه، كما لم يكن للجهال أن يجهلوا حجة الله -تبارك وتعالى - التي قامت عليه لمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به عنه من تنزيل، أو تأويل للتنزيل، ولو جهل جاهل ذلك لم ينفعه جهله، وكان محجوجا مقطوع العذر.
ولا تختلف أحكام دين الله، وليس لعدم أنبياء الله -صلوات الله عليهم - والرسل في الفترات سوى نزول أحكام شواهد حجج الله على من جهل دينه، إذا قامت عليه الحجة به كائنا ما كان القائم عليه، إذا نزل بمنزلة الحجة.
-155 -
__________
(1) - 54 من سورة النور
(2) - 59 من سورة النساء
باب: معاني الإمام وحدثه
وأما الإمام المنصوب للإمامة، فإذا ركب حدثا مكفرا من موافقة الكبيرة، أو إصرار على صغيرة، فلا بد من استتابته ومناصحته، ولا يخلع من الإمامة إلا بعد ذلك، ولا يعجبني على حال في الإمام أن يبرأ منه إللا بحال تزولا به إمامته، وهو بعد الاستتابة.
ومعي أنه قيل فيه ذلك خاصة أنه لا يبرأ ولو ركب حدثا مكفرا، إلا بعد الاستتابة دون غيره من الأولياء، أو غيرهم من الناس، مع صاحب هذا القول.
ومعي أنه قد قيل: أنه كغيره إذا ركب كبيرة، أو أصر على صغيرة، أنه يبرأ منه قبل أن يستتاب، ثم يستتاب، ولا بد من ذلك فإن تاب رجع إلى ولايته، وكان على إمامته، وإن لم يتب انخلع عن الإمامة، ومضى المسلمون على البراءة منه، فإن لم يقدموا غيره من الأئمة حتى تاب من حدثه ذلك، ورجع، فهو الإمام، ولا يقدم عليه غيره، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ما لم يعزلوه عن الإمامة أو يقدموا إماما غيره، أو يقتلوه على محاربته، فما لم يكن هذا، ثم تاب من حدثه ذلك من جميع ما أتى مما يلزمه منه التوبة، رجع إلى إمامته، إلا أن يكون حدثه حدا من الحدود، (1/102)
صفحة 103
ويجب عليه به حد من حدود الله، من قذف أوزنا أو شرب خمر، أو شيء مثل ذلك فإنه إذا كان حدثه حدا من حدود الله، فقد قيل: إنه تزول إمامته، ولو تاب لأنه يقدم عليه إمام غيره، يقيم عليه الحدود لأن الحدود قيل: لا يقيمها إلا الأئمة، ومن أجل ذلك قيل: إن إِمامته تزول، ولو تاب ويقدم إمام يقيم عليه الحدود، ويكون الإمام هو الإمام.
-156 -
وأحسب أنه قيل: إنه لا يرجع إلى الإمامة بعد أن يكون محدودا، ولو مات الإمام الذي تدم عليه، أو عزل بحق، فلا يرجع هذا المحدود يكون إماما للمسلمين.
وأحسب أنه قيل: إنه لا يجوز أن يكون إماما للمسلمين بعد ذلك، إِذا تاب وأصلح، وكان ذلك في حالة الرضى.
وكذلك معنا أنه يختلف فيه إِذا كان محدودا غير هذا الإمام أنه قد قال من قال: إنه لا يجوز أن يقدم المسلمون إماما، إذا كان إماما محدودا.
وقيل: يجوز ذلك إِذا تاب وأصلح، وقد صار بحد من يجوز شهادته، وثبتت ولايته من المسلمين، وكذلك إن كان حدثه شهادة زور، فمعي أنه قد قيل: تزول إمامته ولو تاب لأنه لا تجوز شهادته إذا كان قد حكم بشهادة في شيء من الأحكام، مما يحل به حراما، أو يحق به باطلا في أمر الدين، أو في حكم ثبت من أحكام المسلمين ممن يجوز حكمه بالرأي، ويثبت على المسلمين.
وكذلك قيل: إنه لا يجوز أن يكون إماما على الابتداء إذا كان شاهد زور.
وقيل: إنه لا باس بذلك، وتجوز شهادته وتثبت إمامته، وشهادة الزور كغيرها من المعاصي، فإذا تاب منها صاحبها، كان له ما للتائبين من إجازة الشهادة، وثبوت الولاية.
وقيل: تثبت ولايته، ولا تجوز شهادته، يعني بذلك شاهد الزور، وحكم الكتاب يقضي بإجازة الشهادة لأهل الرضى من المسلمين، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وما أثبته الكتاب باصل، فلا يزول إِلا باصل من الأصول.
-157 -
ويعجبني أن تجوز شهادة التائب المصلح، وأن يكون له جميع ما للمسلمين من ثبوت الولاية، واجازة الشهادة، ولزوم إلامامة إِذا كان من أهل ذلك في الدين، إلا ما كان منه من الذنب الذي قد تاب منه، وأصلح، والله أعلم، لئلا يخرج حكمه من جملة أحكام المسلمين، إِلا بدليل ثابت من أصول الدين، كما يثبت حقه في حكام المسلمين، في أصل الدين، إذا كان حرا مسلما، ليس به من القائم فيه من العلل، التي تزول بحكمه إلا ذنبه التائب منه، لثبوت حكم التائب من الذنب، أنه كمن لا ذنب له، في الكتاب والسنة و الإجماع، فنقْضُ حكمه بوجه من الوجوه، (1/103)
صفحة 104
لا يثبت عندنا، على الإطلاق إلا بحجة معروفة.
باب: صفة الولاية لأئمة العدل و البراءة من أئمة الجور
واعلموا أن الأئمة لا يسع جهلهم من كان في مملكتهم ويبصرِهم، ولا ينفك أهل مملكتهم فيهم من أحد أمرين: إما أن يدينوا لله بولايتهم، وإما أن يدينوا لله بعداوتهم، ولا يحل وقوف عن إمام مع رعيته لأن الرعية تلزمهم الطاعة للأئمة، فريضة على من وجبت عليه تلك الفريضة، كما فرض عليه صلاة الظهر بتمام وضوئها، وركوعها، وسجودها، من كتاب الله -تعالى - حيث يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (1)
-158 -
__________
(1) - 59 من سورة النساء
فهم أئمة العدل، فيلزم الناس الطاعة لأئمة العدل، ما أطاعوا الله ورسوله، و عملوا بكتابه، ولم يحرِّفوا تأويلا، ولم يدعوا الطاعة على معصية، فإذا عصوا الله فلا طاعة لهم في أعناق الناس، بل يلزم الناس خلعهم ومحاربتهم حتى يرجعوا إلى حكم كتاب الله، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك يروى عن أبي بكر الصديق - رحمه الله - أنه قال في خطبته حين وِليَ أمر الناس: يا أيها الناس، إني وليتكم، ولست بخيركم، فاطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.
وطاعة الله ورسوله أن يسير فيهم بحكم كتاب الله، وسنة نبيه، فاذا سار الإمام في رعيته بحكم كتاب الله، وسنة نبيه، لزمهم الطاعة له والولاية، فإذا خالف حكم كتاب الله أو سنة نبيه فلا طاعة له عليهم.
ولو كان الأئمة إنما تلزم طاعتهم، والتسليم من صح معه عدلهم على سبيل صحة عدله، ما تثبت إمامة عدل إلا مع من كان يتولاه، قبل عقد إمامته، حتى يصح معه بعد عقد إمامته صحة عدالته، و لجاز له أن يمتنع من طاعته، ولا يلزمه التسليم لحكمه حتى يصح معه عدالته واذاً لكان لهذا الذي قد صح معه أن عمر بن الخطاب -رحمه الله - من الأشقياء، أن يمتنع عن التسليم والرضى بعقد إمامة عمر بن الخطاب، والخروج من الرضى بحكمه، بل لو فعل ذلك ورد إمامة عمر بن الخطاب، لوجب على المسلمين قتل هذا الممتنع عن الرضى بعقد إِمامة عمر بن الخطاب، وقد كفر هو عند الله إذا امتنع عن طاعة من أمر الله بطاعته إذا سار في أهل مملكته بالحق وحكم بالعدل.
واعلموا أن المتولين لعقد الإمامة من فقهاء المسلمين، إذا كانوا اثنين فصاعدا في عسكر المسلمين، (1/104)
صفحة 105
كولي المرأة الواحد الذي معه جماعة من الأولياء، مثل هذا الواحد في الولاية والنسب إليها، فإذا زوج منهم ولي واحد دون رأي الباقين منهم، ثبتت عقدة التزويج، وإن كره الباقون من أوليائها،
-159 -
وكان على جميع أوليائها، وإن كرهوا التسليم و الرضى لعقدة التزويج، فمن امتنع منهم عن الرضى بذلك، حكم الحق عليه بذلك صاغرا، وكذلك إذا شهد الإمامة اثنان فصاعدا من أعلام المسلمين في عسكر المسلمين، فبايعوا إماما على الحق، فهن كره ذلك وامتنع عن الدخول في طاعة الإمام من أهل مملكته، كان الممتنع عدوا وحربا للحق وأهله، وعلى هذا أجمع فقهاء المهاجرين والأنصار، وهم الحجة التامة البالغة لله على عباده بعد موت نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والتابعون لهم بإحسان هم الحجة البالغة لله على الناس بعد موت المهاجرين والأنصار، فمن اتبع سبيل المهاجرين والأنصار ولم يغير ولم يبدل، من أحمر وأسود من الناس، فهو على عباد الله لله حجة إلى يوم القيامة.
والشاهدون لعقد الإمامة على هذه الصفة، إذا صح معهم أن عقدة إمامة الإمام على هذه الصفة، لم يسعهم الشك في ولايته، ولا الامتناع عن طاعته، من حين ما علموا بذلك، ولو كان الإمام والمتولون لعقدة الإمام على هذه الصفة زنادقة في سريرتهم، فكل من صح معه عقد هذه الإمامة، لزمه طاعة هذا الإمام وولايته، وكل من لم يصح معه عقد إمامة هذا الإمام، ولم تبلغه دعوته ويجري عليه حكمه وسيرته، فإذا بلغته دعوته، وجرى عليه حكمه وسيرته، لم يسعه جهل ولايته.
وإنما قامت الحجة على الناس للأئمة ممن لم يشهد عقدة إمامتهم بعدل سيرتهم، وبجور سيرتهم، وإنما الحجة على الناس ني عقد الإمامة أن لا يمتنع أحد عن طاعة ذلك الإمام، إذ قد أجمع على ذلك المهاجرون والأنصار الذين فرض الله اتباعهم بإحسان فلا يحل لأحد أن يخالف سبيل المهاجرين والأنصار لأن المهاجرين والأنصار لما قبض الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقع بينهم كلام فيْ عقدة الإمامة، حتى قال الأنصار لإخوانهم من المهاجرين: منا أمير، ومنكم أمير.
وقد بلغنا أنه أول من ضرب على يد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
-160 -
عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، وقد كان كثير من المهاجرين والأنصار يحبون -على ما بلغنا-تقديم علي، فلما سبقت البيعة لأبي بكر، لزم الجميع -عليا وغيره - الدخول في السمع والطاعة، لأبي بكر، وأجمعوا على إِمامة أبي بكر الصديق من بعد إذ كادوا مختلفين، فمن الله عليهم بالاجتماع على الحق، ورحمهم من الفرقة، فعقدوا الإمامة لا شك لأبي بكر في ثبوتها على (1/105)
صفحة 106
ما وصفنا، والحجة القائمة على الناس للإمام وطاعته على ولايته عدل سيرته على رعيته، على من لم يصح معه عقد إمامته، وكذلك الحجة القائمة على الناس في خلع الإمام جور سيرته في رعيته على من صح معه عقد إمامته، وعلى من لم يصح معه عقد إمامته، فإذا سار الإمام في رعيته بالعدل وجب عليهم ولايته وإذا سار فيهم بالجور وجب عليهم خلعه.
ولا بد لسيرة الإمام في أهل مملكته من أحد أمرين: إما سيرة جهل، وإما سيرة عدل، فإذا ظهرت منه السيرة فيهم بالعدل لزمتهم ولايته، ولا يسعهم جهل بولايته، ولا تركها، ولا بجهل ما يلزمهم من طاعته، ولا تركها كذلك إن سار فيهم بشيء من الجهل ما يخالف حكم العدل، ولو في باب واحد من أبواب الجور، لزمهم خلعه ومعاداته، إن لم يتب.
وجاء الأثر بان البراءة وحد السيف معا، وتأويل ذلك أنه لا تحل البراءة من إمام عدل، ولا من إمام جور إلا مع استحلال دمه ومحاربته، ومن امتنع عن الحق وأقام على الجور، ولو في باب واحد من الحق، وجب على المسلمين معاداته وحربه، إذا قدروا على ذلك، وإن لم يقدروا على ذلك برئوا منه في سريرة للتقية.
والتقية على وجهين: وجه منها من أجل خوفك للجور، والوجه الأخر منها من أجل مخالفتك للحق، ومعاداتك للمسلمين.
وأما الوجه الذي يستحق من أتاه عداوة الله، وعداوة المسلمين، فإظهار البراءة من إمام عدل قد علم منه هو مكفرة، ولم تظهر تلك المكفرة من
-161 -
هذا الإمام، ولم يصح عند أعلام المسلمين من أهل مملكته، وأهل الجماعة من أرضه وقريته التي فيها نازل، فهذا الإمام الذي قد كفر في سريرته، وقد اطلع هذا على مكفرة منه، فعليه أن يبرأ منه لله في سريرة إلا أن يتوب، وحرام عليه أن يبرأ منه علانية عند أحد من أهل مملكته، إلا مع من قد علم أنه قد اطلع منه على تلك المكفرة، فهذا يحل له أن يبرأ منه مع هذا الذي قد اطلع منه على تلك المكفرة، ولو كان الإمام قد تاب من تلك المكفرة عند هذا الذي قد علم منه ذلك، فلا يحل لهذا أن ينكر على هذا المظهر البراءة من هذا الإمام، إذا ظهر البراءة منه بالحدث الذي قد علمه هو منه، وتاب منه، إلا أن يحضره بشاهدي عدل، إن هذا الإمام قد تاب من ذلك الحدث، فإن أحضره شاهدي عدل، فشهدا أن الإمام قد تاب من ذلك الحدث، حرمت عليه البراءة من هذا الإمام، ووجبت عليه ولايته، فإن هذا المتبرىء من الإمام لم يترك البراءة من الإمام، ورجع يبرأ منه عند هذا الذي قد أقام عليه البينة، أن الإمام قد تاب من ذلك، فقد خالف الحق من ذلك، ولزم هذا أن يبرأ لله منه، إلا أن يتوب، وإن كان هذا الذي قد علم من الإمام الحدث بما أظهر هذا المتبرىء البراءة من الإمام بحضرته، أنكر عليه براءته من الإمام، وبرىء منه على ذلك.
وإن ادعى الإمام أنه قد تاب من ذلك الحدث، لزم هذا الذي قد أظهر البراءة من الإمام عنده أن (1/106)
صفحة 107
يبرأ لله منه أيضا، إذا برىء منه على غير الحق لأنه قد قامت عليه الحجة بعلمه بحدث الإمام، فإن أظهر هذا المتبرىء البراءة من الإمام، مع من لم يعلم من الإمام حدثا، لزم هذا الذي علم من الإمام الحدث.
وأما بقية الجور فإذا ظهر جور الإمام على أهل الحق، جاز للمسلمين أن يبرؤوا منه لموضع التقية، إذا خافوا على أنفسهم باس جوره، وإنما لزم الناس العوام منهم موالاة الأئمة، بما ظهر من عدل سيرتهم، وعدل دينهم،
-162 -
كذلك لزم العامة البراءة من الأئمة، بما ظهر إليهم من جورهم ومخالفتهم للحق.
وليس على الناس أن يدينوا في الناس في الأئمة ولا غيرهم، في أمر الولاية والبراءة، إلا بما ظهر إليهم منهم، وقد صح عندهم، ولو كان الإمام، لعله الذي سار بالعدل في رعيته زنديقا في سريرته، فحرام على الناس ترك ولايته والشك فيها، وحرام على من علم أنه زنديق أن يظهر البراءة منه مع أحد من رعيته، ولو كان الذي أظهر البراءة من الإمام لا يعلم أنه منخلع عن الدين، فهو عند الله خليع.
كذلك السائر بالجور لو كان من أهل الجنة، قد صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع من صحت لوجب على المسلمين خلعه، وعداوته، وفعْله، ومحاربته حتى يرجع عن الباطل إِلى الحق، وقد بلغنا أن عمار بن ياسر- رحمه الله -أنه قال في خروج المسلمين إِلى حرب أهل الجمل: والله إنا لنعلم أنها زوجة النبي، وأنها من أهل الجنة، ولكن لا ندع الله يُعْصَ، ثم تعمد برمحه فطعن به هودجها، وما أراد عندنا إلا قتلها، إِذا كان قتلها حدا يقام لله، وكان ترك قتلها في حينها بعد أن يقدر عليها خِطْئا وضلالا.
كذلك عثمان بن عفان لما زالت إمامته، وامتنع عن التوبة والاعتزال عن الإمامة، حل قتله للمسلمين، وإن كان على ما يقال: أنه قد صحت سعادته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن ندين لله أنه إن كان عثمان بن عفان من السعداء فإنه قد تاب من ذنبه الذي قد ظهر إلينا منه.
فإن قال قائل: فيحل قتل من صحت سعادته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا له: نعم يحل قتله، ونشهد له بالجنة، كما أن إبراهيم خليل الرحمن -صلوات الله عليه - لما أمر بذبح نبي من الأنبياء، وولي من الأولياء، فقد صح معنا في كتاب الله - تبارك وتعالى - قوله: (فلما أسلما وتله
-163 - (1/107)
صفحة 108
للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين) (1).
فلو أن إبراهيم ترك ذبح إسحق (2)، إذ قد صح معه أن إسحق من الأنبياء لكان إبراهيم بذلك من الأشقياء ولكنه محال أن يخالف إبراهيم أمر ربه، وقد سبقت له عند ربه الحسنى، ولكن قد صح معنا أنه ابتِلي بذلك، ليعظم أجره على الله.
كذلك المهاجرون والأنصار، إن كانت قد صحت عندهم سعادة عثمان بن عفان، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا شك بأنهم امتحُنوُا بخروجه عن الحق، لينظر كيف يعملون، وما كان ذلك إلا بما سبق من علم الله، فلا محال عما علم الله، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (ثُمِّ جَعَلنَاكم خَلَائِفَ فِي اْلأَرْضِ من بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كيْفَ تَعْملوُنَ) (3).
فقد صح معنا أنه عالم بالأشياء قبل كونها، وبعد كونها، وعالم بما لا يكون، أن لو كان، كيف كان يكون، فتدبروا ما وصفنا لكم من الولاية والبراءة في الأئمة، مع أهل مملكتهم، وفي أهل رعيتهم فانه الحق والهدى والصراط المستقيم.
باب: صفة من سلف من الأئمة والبراءة منهم
واعلموا أنه من لم يمتحن بطاعة إمام من الأئمة، ولم يدرك زمانه فهو يسعه جهل ولايته وعداوته، إلا أن يصح معه من أمره ما تثبت به ولايته، فعليه أن يتولاه، أو يصح معه ما تجب به البراءة، فعليه أن يبرأ منه، وليس
-164 -
__________
(1) - (103 - 105) من سورة الصافات.
(2) - الوارد في السير والتفاسير أن الذبيح إسماعيل عليه السلام وأن الادعاء بأنه إسحاق محاولة يهودية حاولوا أن يبثوها حسدا من عند أنفسهم.
(3) - 14 من سورة يونس.
عليه أن يسأل عن أمر عدله دائنا بالسؤال ليتولاه.
وكذلك لا يجب عليه أن يسأل عن فسقه دائنا بالسؤال منه، فلا يحل له ذلك، وإنما يلزم في الأئمة السالفين، مثلما يلزم في غيرهم من الرعايا، إلا أن الأئمة أشهر اسما من الرعايا، فثبتت ولاية المسلمين على من علم من المحقين منهم لموضع شهرة عدلهم كذلك ثبت على المسلمين البراءة من المبطلين منهم، لموضع شهرة كفرهم وجورهم.
وإنما على الناس في الأئمة السالفين، ما عليهم في الرعايا، من بلغ علمه إلى معرفة عدالة إمام ممن سلف، فعليه أن يتولاه وليس على كل من لم يعلم عدل سيرة ذلك الإمام أن يتولاه، إِلا بوجه الحق.
كذلك ليس على من لم يعلم فسق إمام ممن سلف أن يبرأ منه، إذ قد علم فسقه من علم من (1/108)
صفحة 109
المسلمين، وبرئوا منه على ذلك، وإنما على الناس في الأئمة السالفين، أن يكون كل واحد منهم فيهم بما يعلم منهم، وإنما جاء الأثر أن الأئمة لا يسع جهلها خاص لأهل رعية الإمام على ما وصفنا في أمر الأئمة، ولولا ذلك كذلك، حتى يلزم الناس فيمن مضى من الأئمة، ولم يدركوا زمانه، كما يلزمهم في أئمة زمانهم المالكين لأمرهم، والقائمين على مصرهم، والمشاهدين لهم في عصرهم، إذا ما قام مسلم بذلك، ومحال أن يكون في حكم الشريعة، ما لا يكون أن يقوم به مسلم، وكما لا يحصي عدد ورق الأشجار، كذلك لا يحصى عدد الأئمة من بار وفاجر، فتدبروا -رحمكم الله - ما وصفنا لكم من الحكم في الولاية والبراءة، في الأئمة المشاهدين لأهل زمانهم، والأئمة السالفين، وسيروا في الناس بالعدل، ولا تكونوا من الجاهلين.
-165 -
باب: منازل ما يستحق العبد في حكم الإسلام
هي منازل ثلاث: أمر بَانَ لك رشده وفضله فاتبعه، وأمر بَانَ لك غَية، فاجتنبه، وأمر لم تعرفه فقف عنه حتى يستبين لك الصواب فيه.
قال غيره: نعم أما ما بان لك رشده فواجب وصواب أن تتبع من جميع الأمور من ولاية أو غير ذلك من الرشد والفضل، ولا يكون ذلك في أحكام الولاية والبراءة، ولا يجوز على حال ممن هو دونهم من ضعفاء المسلمين، ولا تجوز الشهادة على حال، على العلماء السالفين ولا الأئمة السالفين من الأئمة في الدين، من ضعيف أو عالم، ولا تقبل عليهم شهادة أبدا بعد موتهم، لأنهم قد ثبت لهم حكم الإسلام حتى ماتوا عليه في حكم الظاهر، فلم ينقض عنهم أبدا حكم ما ماتوا عليه ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعي أنه يختلف فيما دون ذلك، ومن لم يثبت له اسم ولاية في الدين من الموتى السالفين فمعي أنه قيل: لا تجوز الشهادة بحكم حدث مكفر على أحد ميت، قد مات قبل أن يجب عليه حكم ذلك، ولا تقبل عليه حجة ولا شهادة بعد موته في البراءة، مما يحول اسمه، وينقض حكمه الذي مات عليه بحال من الحال من شاهد ومن عالم أو ضعيف، ولو شهد عليه ألف عالم، أو أكثر من ذلك أو أقل، لم يكن ذلك بلازم منه على من شهدوا معه به، ولا من أحد من الخليقة من بعد موته، وزوال حكمه، إلا بما قد ثبت عليه في حكم حياته، مما يصح عليه مع أحد من طريق حكم الشهرة، ولا يؤجل إلى البراءة من ميت، لشيء من الشهادة على حال، إلا من طريق صحة الشهرة، بحدثه المكفر له، فإنه إذا ثبت عليه ذلك من طريق الشهرة، فذلك يقوم مقام العلم في الحكم والمعاينة. وقد قيل: إنه أصح من المعاينة.
-166 - (1/109)
صفحة 110
ولا أعلم أنه يختلف في ثبوت صحة الشهرة لحدث المحدث مما يصح حدثه بالشهرة، ومعى أن ذلك مما يقع موقع الإجماع، لأنه لا يجوز في حكم الشريعة عندي غير ذلْك، لأنه إذا جاز بطلان ذلك جاز بطلان حجة العقل فيما يشاهد من الصحيحات، وإذا ثبت ني شيء لم يجز إلا أن يثبت في غيره، إذا كان مثله، فإذا ثبت في معرفة الأحداث في أحد من المحدثين، جاز في صحة ذلك في المسلمين، وإذا جاز ذلك في المسلمين جاز ذلك في النبيين والمرسلين والكتب والملائكة المقربين، وإذا جاز ذلك في الرسل والملائكة والكتب، جاز في صفة رب العالمين -تبارك وتعالى- إذا صحت في العقول، فحكم العقول وشهادة العقول أثبت الأدلة، وأقوى الحجج، من المسموعات والمعاينات.
فمن هنالك ثبت في الإجماع أنه ما مات عليه الأئمة والعلماء من طريق صحة الشهرة، لم يقبل فيه غير ذلك من الشهادة، لأن الشهادة إِنما تخرج من طريق حكم التقليد للشهادة، والشهرة تصح بعلم المشاهدة، وليس للمشاهد للعلم أن يرجع إلى علم غيره، من صدقه أو كذبه، ومحال أن يكون ما أدته الشهرة الصحيحة أن يعارضه غيره من الأضداد فيكون صحيحا مثله.
ومن طريق صحة الشهرة دون الشهادة، وبطلان الشهادة عند صحة الشهرة، وإجماع القول على أن ذلك لا يختلف فيه، في الأئمة والعلماء السالفين، أشبه عندي في غير العلماء والأئمة من المسلمين، ولا ينقض اسمه من الذي قد ثبت له حكم الشهرة، وحكم ما توجبه الشهرة فلا تنقض فيه شهادة، لأن الشهادة في الأصل ليست مساوية للشهرة، للعلة التي تثبت، لأن علم الشهرة موجب لعلم المشاهدة وأوجب، ولا يجوز في شيء من الأمور ترك المرء علمه في شيء يقبل ضده من غيره، وهذا باطل في الأصل، وفي حكم الأصل.
-167 -
وإذا ثبت في المسلم أنه لا يحول اسمه عما مات عليه بحكم الشهرة، فكذلك مثله، فيما لم يثبت له اسم الكفر، وثبت بريئا من الكفر حتى مات، لم يجز بضد العلم أن يرجع العالم بحكمه وعلمه إلى علم غيره، ولا حكم غيره، تنقض الأحكام إلا بالحجج الثابتة في الإسلام.
فإذا ثبت في الموتى أن لا تقبل فيهم شهادة في الحدث الموجب للبراءة لزوال الحجة عنه، وثبوت حجته على غير ذلك، فكذلك في الغائب عن سماع الحجة عليه من الشهادة والحجة عليه بعد الشهادة، فيما يوحب ذلك.
ومن هنالك ثبت في بعض ما قيل: إنه لا تجوز الشهادة في الحدث الموجب للبراءة إلا بحضرة المشهود عليه، ففي ثبوت هذا تعليل لجميع ما قيل، من قبول الشهادة على أحد من الموتى.
وفي الإجماع على أن ذلك لا يقبل في العلماء والأئمة يوجب ذلك في غير الأئمة والعلماء، لئلا تختلف الأحكام فيْ شيء من أحكام الإسلام، فيما كله خارج مخرج الدعوى والاختصام، ولا يختلف ذلك فيْ شىء غيره، ولا يجوز الاختلاف في الأحكام في الدعاوى والخصمومات، من (1/110)
صفحة 111
أجل حق لمسلم، وسقوط ذلك عن ظالم، وهذا من الحيف.
وقد جاء في الأثر المجمع عليه، أنه ليس في ديننا حيف لمسلم من أجل حبنا وولايتنا إياه، تساوي فيها بين أهل الإسلام وغيرهم من الأنام ولا تختلف، فثبت في حكم الإجماع، ومن ثبوت الإجماع أنه لا يقبل ذلك في الأئمة والعلماء السالفين، وذلك يشبه الإجماع، فمن سواهم من العالمين، لأنه متى أطلق في غير الأئمة قبول الشهادة، لم يجز ذلك بعد الموت، إلا على أحد وجهين معنا إما أنه يطلق له أن يقبل الشهادة في كل من شهد عليه معه، حتى يعلم أن المشهود عليه من الأئمة، فيجب أن يكون قد أطلق في الأئمة، لأنه إذا كان لا يعلم الأئمة جاز له قبول ذلك فيهم حتى يعلمهم، وبطل القول إنه ليس له أن يقبل فيهم الشهادة ثم أجاز أن يقبل في غيرهم، حتى يعلم أنهم هم فيقبل فيهم حيث
-168 -
لا يعلم، أو يلزم في أصل القول أن يكون عليه أن يعلم الأئمة والعلماء السالفين كلهم، حتى لا تقبل فيهم شهادة في براءة فيجوز في الكلفة ما لا يحتمل في العقول أن تحيط بذلك.
وإذا بطل هذا ثبت هذا، وإذا ثبت هذا بطل هذا، ومن هاهنا خرج في التأويل الصحيح أنه لا تجوز الشهادة في الأحداث على الموتى، كائنا من كان منهم، ولا على من لم يحضر منهم سماع الشهادة عليه، أو يحتج عليه من بعد سماع الشهادة، بما يجوز فيه ذلك.
وبهذا يتضح أنه لا تقبل الشهادة في البراءة إلا بمثل ما تقبل عليه من الحدود، وبحضرته تكون الشهادة لا في غيبته، ولو كان غائبا من مصره، لم تجز الشهادة عليه، كالشهادة عليه بالحدود، وإذا غاب عن سماع البينة حيث لا تناله الحجة، وتستثنى له حجته، لأن ذلك إنما هو الخروج في حكم ما له لا في نفسه من حد ولابراءة.
ولا تقطع حجته في سماع بينة يكون الحكم عليه بها في ذات نفسه، لا سماع البينة بنفسه، لأن الحكم في نفسه، فافهم ذلك إن شاء الله.
ومن الكتاب: ومن ثبتت ولايته ثم عمل المعاصي بمكفرة كبيرة يجب عليه بها حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة، سقطت ولايته من حين ما أتاها، واستحق البراءة، وعلى المسلمين أن يستتيبوه، فإن أدى ما لزمه من ذلك وتاب رجع إلى منزلته.
وكذلك إن تاب وقال: إنه يؤدي ما يلزمه من ذلك إِن كان شيئا يلزمه الخلاص منه، وإن لم يتب فهو على البراءة منه.
-169 -
باب: من وجب عليه حج أو زكاة أو نحوه من الحقوق فلم يكن يدين به بمعنى جهالة أو غير ذلك
ومن الكتاب: وعمن كان واجفا عليه الحج ولا يدين به، فلما حضره الموت أوصى بحجة؟ (1/111)
صفحة 112
قال من قال من المسلمين: لا ينفعه، وعليه لعنة الله.
وقال من قال: لا يلعن، وأمره إلى الله، ويجب إن تاب ورجع عن سوء رأيه، وأوصى بحجة أن يقبل منه.
قال غيره: معي أنه قيل: من وجب عليه مثل الحج والزكاة، وهذه الحقوق التي ليس لها وقت يفوت فيه، ويجري منها أداؤها الواجبة عليه، أن عليه الدينونة بأدائها، إذا قامت عليه الحجة بذلك، ولا يسعه دون اعتقاد ذلك، فإن ترك ذلك فهو هالك يعنى اعتقادا للدينونة، فإذا كان على هذا لم يكن دائنا بذلك، وكان هالكا بترك الدينونة، فالوصية بغير توبة لا تنفعه معنا، على هذا المذهب الذي يذهب صاحبه الى هلاكه، إن لم يعتقد الدينونة، فمن هنالك خرج معنا مع من قال بهذا، إنه لا ينفعه الوصية إِلا بالتوبة معنا في وقت ما تنفعه التوبة.
وقد قيل: إن التوبة تنفع العبد في حكم دين الله ما لم يعاين الموت، أو ملائكة الموت للموت، لم تنفع هنالك توبة، كما لم ينفع فرعون الإقرار والإيمان حين أخذه الغرق، فقال: (آمَنْتُ أَنه لَا إِلَهَ إِلاّ الذِي آمنَتِ بهِ بَنوُ إسرائِيل) (1).
-170 -
__________
(1) - 90 من سورة يونس.
وما كان يدعى إلا إلى ذلك، ولو علم الله منه خيرا، أو فيه خيرا لقالها قبل ذلك، وذلك قوله -تبارك وتعالى- مما يدل على هذا: (هَلْ يَنْظرُونَ إلَآ أَن تَأتيهَمٌ الْملائِكَةُ أَو يَأتِيَ رَبكُ أَو يَأتي بَعْض آيَاتِ رَبكَ، يَوْمَ يَأتَي بَعْض آيآتِ رَبكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُها لَم تَكُنْ آمَنت مِن قَبل أو كَسَبتْ فِي إِيمَاِنها خَيْرا قل انْتظِرُوا إنَا منتظِرَون) (1).
فإذا جاء أمر الله إلى العبد بالهلاك، ونزل به أمر الهلاك ببعض آيات الله، التي يعاين بها أمر الموت والانتقال من أمر الدنيا إلى الآخرة، ذهب حكم العمل في الدنيا وحصل أمر ما هو قادم عليه للآخرة.
ومعي أنه قيل: (لَا يَنْفعُ نَفسا إيمَانها لم تَكُنْ آمَنتَ من قبْلُ)، أنه المشرِك الذي لم يكن آمن، فلا ينفعه إيمانه حين ذلك، (أَوْ كَسَبَت فِي إِيمَانِهاَ خَيْرَا)، أنه المقر بالإيمان المصُر على شيء من العصيان، على صغير أو كبير لم يتب منه، حتى عاين آيات الموت، أو بعض اياته، فلا تنفعه حينئذ توبة، إذا لم تكن التوبة قبل ذلك، وهو معنى قوله تعالى: أو كسبت في إيمانها خيرا، والخير ها هنا التوبة - فيما عندي -أنه قيل لا نعلم أن العبد يهلك إلا بأحد هذين، أما أن يموت مشركا أو كافرا، وإما أن يموت مصرا مقرا، والإصرار مع الإقرار مشِبه في المهالك للجحود والإنكار، فهما طريقا النار، نستجير بالله من النار، ومن كل قول أو عمل أو نية تؤدي إلى النار. (1/112)
صفحة 113
ومعي أنه قيل: إن هذه الحقوق التي ليس لها غاية تنقضي فيها من الأعمال، لا يهلك العبد ما لم يعزم على ترك أدائها، أو يدين بترك أدائها، ما كان في جملته دائنا بجميع ما يلزمه في دين خالقه، ما لم يحضره الموت الذي يجب عليه فيه الوصية باللوازم، التي عليه أن يوفى بها، وذاكر لذلك قادر على الوصية فلا يوصي، فإذا كان ذلك، فمعي أنه قيل: لا يسعه، ويسعه على
-171 -
__________
(1) - 158 من سورة الأنعام.
ما وصفت لك في بعض قولهم، فإذا كان على هذا، فلا يبين لي عليه ضيق ببراءة ولا وقوف، إذا أوصى بذلك.
وليس معي على أصل أهل هذا المذهب، أن للواقف الذي وقف عنه ذهب إلى هذا المذهب، ولا احتسبه إلا أنه ذهب فيه إلى مذهب من يقول: أن عليه الدينونة بأداء ذلك، وليس له تأخيره إلا بالدينونة، ولا يعذره في الجملة إذا لزمه ذلك، وقامت عليه الحجة به، ولكنه معي أنه لما أوصى بذلك كانت الوصية دالة في الظاهر على الرجعة، كما كان عليه من ترك الدينونة، وغاب عنه أمر توبته، فاشكل عليه أمره، فلم يبرأ منه ليضيق عليه، ولا يوسع له بولايته له، لأنه في الأصل في هذا المذهب غير، لاذا لم يكن معذورا لم يسلم إلا بالتوبة، وإذا لم تظهر توبته لم تتحول حالته في الصحة.
وأما على القولين جميعا فعندي لو تاب صحت توبته، من ذلك الذي كان عليه من ترك الدينونة، بأداء ما يلزمه قبل أن يصح مع المسلمين، تغير عقله بالموت، أو بشيء مما يغير عقله، لم يجز للمسلمين أن يبرءوا منه بعد التوبة مما مضى من عصيانه والوصية بذلك، لأن ذلك لا يعلمه أنه يثبت في أصل دين الله في حكم الظاهر، أن يبرءوا من تائب من ذنب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، بذلك صح الخبر وثبت الأثر من قول أهل البصر.
ومن الكتاب: قال هاشم بن غيلان، إن شبيب بن عطية، وموسى بن أبي جابر، اختلفا في رجلين قتل أحدهما صاحبه، فلم يدر علام قتله؟ فقال شبيب: هما عندي على حالهما من الولاية حتى أعلم أن أحدهما مبطل.
وقال موسى: يبرأ من القاتل حتى يعلم عذره.
قال هاشم: وأنا أقول بقول موسى.
قال: فتابعه شبيب مخافة الفرقة، وقال له: هذا رأي إخوتك من أهل العراق.
-172 - (1/113)
صفحة 114
باب: من ظهر منه ما يحتمل خطؤه وصوابه من حقوق اللّه وحقوق العباد
قال غيره: قد مضى من ذكر هذا، حسبما أرجو أن يستدل به على المعنى في هذا.
ومعنا أنه قيل: إن الولاية له أثبت في أحكام الإسلام، لإجماعهم لا نعلم بينهم اختلافا أن العبد مؤتمن على أمر دينه، في جميع ما غاب من أمره واحتمل صوابه له، واحتمل خطؤه عليه، في جميع ما كان من دين الله خالصا، ليس فيه لأحد من عباده حق، مثل أنه لو رأى رجلا ياكل في شهر رمضان نهارا، وهو مقيم حاضر إلا أن يرى به علة، أو امرأة كذلك تاكل في شهر رمضان، لا يعلم ما حالهما، كان عليه في الإجماع فيما قيل معنا، أن يتولاهما إِن كانا له وليين، ويحسن بهما الظن أنهما لم يفعلا ذلك، إِلا بما يسعهما من النسيان، أو حيض امرأة أو نفاسها.
وكذلك في الصلاة وما أشبهها، مما هو مكفر من تركه متعمدا بغير عذر، يحتمل عذره بوجه من الوجوه في حكم دين الله، فلا يجوز أن يبرأ من هذا، ولا يقف عنه على سوء الظن.
وكذلك جميع ما كان مثل هذا من القول والعمل الظاهر، الذي له المخرج في دين الله، ولو لم يعرف المتبرىء والواقف أنه ترك ذلك بعذر، ولو لم يعرف عذره مع المسلمين، وجد عذره في دين الله، لأن الله تعالى قد جعل له المخرج في حكم دينه في حكم الظاهر مع العلماء بدينه من أنبيائه ورسله وورثة كتابه، والعلماء والأخيار، ما وسعه ذلك أن يحكم فيه بالظن، لأن هذا الحكم لا يخرج إلا على الظن، ومن حكم بالظن فقد خالف الحق، لأن الظن
-173 -
لا يغني من الحق شيئا، ولا نعلم أنه إذا كان الحق لله -تبارك وتعالى -في شيء من أمر دينه، ليس للعباد حجة في أمر دينه، أن في ذلك اختلافا، ولا أعلم أن أحدا من المسلمين قال فيمن أتى ذلك، أو شيئا منه في حكم ما يكون له فيه المخرج من الباطل بوجه من الوجوه، بأنه يبرأ منه، ولا يقف عنه بدين ولا برأي من أهل العلم.
وقد قيل: لو كان الذي يأتي ذلك في علم الله -تبارك وتعالى - خائنا تاركا لما يلزمه، راكبا لما يؤثمه، يعلم الله ذلك منه في سريرته، ذلك عمن عاينه وشاهده، يفعل ذلك أو يقوله، فبرىء هذا منه برأي أو بدين ووقف دائنا بذلك على غير وجه الشريطة، لكان بذلك هالكا، لأنه حاكم بالظن.
وكذلك لو لم يعلم له مخرجا في موضع ضعفته، بعلم المخارج في دين الله فبرىء منه برأي أو بدين أو وقف دائنا، وهو له المخرج فيْ الأصل، فلا عذر له في ذلك، فيما عندي أنه قيل وأنه هالك، وإنما اختلف من اختلف من المسلمين في أشياء، ما يكون فيها الحقوق لله ولعباده، أنه إذا أتى آت من الناس شيئا من ذلك مما لا يخرج إلا ظلما في حكم الظاهر، إلا ما كان له من العذر في حكم السرائر التي يحتمل من ذلك، مثل القتل وما أشبهه، من الأحداث في الأبدان المحجورة في الأحكام. (1/114)
صفحة 115
فقال من قال: إن الأشياء المحجورة من مثل هذه المواقع لها في حكم الظاهر، راكبا فيما قد أباح به من نفسه البراءة، بركوب المحجور والبراءة منه جائزة في ذلك، ولازمة حتى يعلم أنه محق في ذلك.
وقال من قال: أنه ما احتمل له في ذلك المخرج في دين الله بوجه من الوجوه، فالمعنى فيه واحد من حق الله، أو حقوق العباد، ما لم تعارضه حجة من العباد وتقطع حجته، وتصح عليه الحجة التي تزيل عذره
-174 -
فالبراءة ليست للعباد، وإنما البراءة لله، والحق كله فيها لله، وكما أجمعنا على أنا لا نبرأ منه، إذا رأيناه يترك الصلاة، ويأكل في شهر رمضان نهارا، ويأكل الميتة ولحم الخنزير، في حال ما يمكن له العذر، أنه أتى ذلك ضرورة وما أشبه هذا كله، فكذلك ليس في البراءة للعباد حق،،وإنما الحق فيها لله، فنحن نتولاه ولا نبرأ منه في جميع ما كان له فيه المخرج، والمحتمل إلا أن يصح للعباد حجة في دين الله، توجب عليه حقا أو حدا، يكونان بصحة ذلك عليه، تزول ولايته وتجب عداوته، فإجماعنا على هذا موجب بأن لا يختلف في هذا، لأنه ليس فيه فرق في البراءة، وإنما فيه الفرق في تعلق الحق للعباد، فإذا أقام العبد الحجة عليه فهناك ألزمناه ما يلزمه، ونحن بفعله شاهدون عليه، ولا نتعدى إلى غير ما أذن لنا به من حكم الظاهر، فإذا ألزم هذا في هذا في معنى البراءة، وهي لله تبارك وتعالى.
وكذلك في الصلاة والصوم والدم والميتة، ولحم الخنزير، وجميع ما أتى العبد مما حكمه الكبير ما لم يعلم أن له في ذلك عذرا، وإلا فلا فرق في الكبير من حقوق الله، ولا من حقوق العباد، ولا فرق في احتمال العذر، في ارتكاب حقوق الله ولا حقوق العباد في أمر البراءة، لأن البراءة ليست للعباد، فوجدنا الحجة من أهل العلم، بولاية كل من احتمل له عذر، من راكب لشيء من حقوق الله أو من حقوق العباد أثبت من القول، ممن قال منهم بالبراءة، لبعض ما أجمعوا عليه من ولايته، في هذه الأمور كلها من حقوق الله، وإنه ما لم يصح عليه ما يقطع عذره في جميع الأشياء المحتمل له فيها الصواب، فهو سواء لأن الحق في البراءة نفسها لا يقول أحد أن الحق فيها للعباد، وإنما الحق فيها لله، لا نعلم أن أحدا يقول غير ذلك، فافهم هذا.
مع أنا وجدنا ما لا نعلم فيه اختلافا من قولهم، أنه إذا رأيت أخاك ياكل مال غيره، فقل: غفر الله لك.
وفي بعض القول: إنه وإن أطعمك فلا تاكل، كأنه يقول: وإن
-175 - (1/115)
صفحة 116
أطعمك أخوك مما يأكل من مال غيره فلا تأكل من مال غيره من يده، وقل: غفر الله لك، والاستغفار ولاية، ولا نعلم في هذا اختلافا، وهذا من حقوق العباد.
فلهذه المعاني كلها، وأكثر منها مما يخرج على ما يشبه الإجماع معنا، من ثبوت الولاية لمن ظهر منه، ما يمكن فيه الباطل، والحق من حقوق الله خالصة، ومن كثير من حقوق العباد في الأموال، أشبه ذلك في الأموال والأبدان معنا سواء، وكانت الولاية أشبه ذلك، بان لا ينقض على الظن، إلا أنه قد قال ذلك من قاله من المسلمين، وليس هو خطأ عندنا في الدين، وفد فسرت لك ذلك فيما مضى.
والأصل الذي ذهبوا إليه أنه محجوج في تعديه على المحجورات، في ظاهر الحكم في الإنسان، وفيما يشبههما من المحرمات، فالولاية في مثل هذا للأولياء إذا أتوا مثله، مما يحتمل لهم فيه من المخرج أحب إلينا، وقد قيل ذلك على ما وصفت لك.
وقد قيل بالوقوف للإشكال وبعد الولاية، فالوقوف أحب إلينا من البراءة، ولعل بعضا يستحسن الوقوف في المشكلات لأن يخرج من تقلد الولاية معنا كلها والبراءة، ومن برىء بقول المسلمين فلا يدخل عليه في ذلك عيب إن شاء الله.
وهذه معنا كلها أسباب تواطؤ على الصواب، وتبني على أصول قد وصفتها كذلك فيما مضى من الكتاب، إلا أن بعض الأشياء أشبه من بعض عند بعض، وكل شبيه معه ما مضى إليه، ولعله لا يبصر ما أبصره غيره من الأسباب، أو يبصر أكثر منه، ويأخذ بغيره ما أخذ غيره على الاستحباب، وعلى كل حال، فلا يجوز الافتراق في هذا معنا، لأنه قال فتابعه شبيب مخافة الفرقة، ولم يكن معنا في حسن الظن في علماء المسلمين، أن يفترقوا على الرأي، أو يجهلوا صواب الجائز في هذا حتى يفترقوا، وأن يضاف مثل هذا إلى
-176 -
مثل شبيب وموسى بن أبي جابر أن يفترقا في الرأي، وأرجو أن يعيذ الله علماء المسلمين من هذا وأشباهه من جميع الفرقة في الدين.
ومن برىء من أحد من الناس بالرأي، مما يجوز فيه الاختلاف بالرأي، فقد خالف الدين بذلك معنا، وقد برىء بالخطأ برىء منه بالصواب، وبالدين لأنه قد جاء الأثر عن أهل العلم والبصر معنا، أن من برىء منا برأي برئنا منه بدين، ولا تكون البراءة بالدين، إلا على شيء مخالف للدين.
وعلى الواقف من هؤلاء الذين وصفت لك في أمر هذا، إذا اختار الوقوف واستصوبه، والمتولى والمتبرىء جميع ولاية بعضهم بعضا بدين لا برأي، إذا كانوا من العلماء، واختلاف الضعفاء والعلماء في هذا واحد لأن هذا اختلاف الدين، الذي قد تقدم فيه قول المسلمين.
فاختلاف الضعفاء فيه والعلماء، والضعيف والعالم كله سواء، وليس للضعيف فيه فرق عن العالم (1/116)
صفحة 117
في الحكم، بل واسع للعالم والضعيف، وللضعيف مع العالم، وللضعيف مع الضعيف، وللعالم مع العالم، وأيهم برىء من صاحبه، أو وقف عنه بدين من أجل ذلك، فهو محدث معنا إذا برىء من عالم، أو وقفا عنه برأي أو بدين، فمعنا أنه قيل: محدث بذلك لا يسعه ذلك عالما أو ضعيفا، فالفرقة هاهنا ليس لها جواز بين علماء المسلمين.
ومن الكتاب: وعن رجل يبرأ منه، تولاه رجل له ولاية، قال: يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا يبرأ منه، إلا أن يتولى المسلمين الذين يبرؤون من المتبرىء منه، فإذا تولاهم فقد برىء ممن تولاه، وإذا أعلمه رجال من المسلمين يبرؤون منه لم يجز له أن يتولاه، فإن وقف وتولى حتى يسأل المسلمين وسعه، وإن أعلماه فوقف عمن يبرأ منه المسلمون فله ذلك.
-177 -
باب: السعيد عند اللّه يكون منه المعصية والكفر، والشقي عند الله يكون منه الطاعة والإيمان
هذا الوصف الذي معنا، يلحق معي في أحكام المتعبدين في يعضهم بعض، وفيما تعبدهم الله به، وفيما وصف الله -تبارك وتعالى-فيما تعبد به عباده، لأنه فيما تعبد به عباده -تبارك وتعالى -، أن ألزمهم ولاية جميع أوليائه، وعداوة جميع أعدائه الذين هم أولياء الله وأعداء الله في علمه، من غير أن يلزمهم في ذلك علمه لأنهم لا يقدرون عليه، ومن غير أن يعذرهم عن الدينونة في ذلك له فيما يلزمهم، وكانوا في هذا الحال متولين لكل ولي وسعيد، ومؤمن في علم الله، ومعادين لكل عدو كافر، وشقي في علم الله، في أحكام لشرائطهم، وألزمهم الولاية لأوليائه.
وإذا ظهر منهم ما يجب عليهم له الولاية لأوليائه، ولو كانوا ممن يعادونه في شرائطهم، فهم يوالون عدوهم، ويعادون وليهم، فوليهم في الشريطة عدوهم في الظاهر، هم في الشريطة وليهم في الظاهر، فهم الذين يعادون وليهم، ويوالون عدوهم في الحق اللازم لهم، وألزمهم مع ولاية الشريطة، وعداوة الشريطة، أن لا يوالوا في الظاهر إلا من علموا منه ما يستحق به الولاية، ولا يعادوا في الظاهر إلا من علموا منه ما يستحق به العداوة، فالزمهم أن لا يعادوا عدوهم في الشريطة في حكم الظاهر، وألزمهم أن لا يوالوا وليهم في الشريطة في حكم الظاهر فهو ولي لا يوالي لا يعادي معهم، وولي معاد معهم، وعدو موال معهم، فهذا يلحق أحكام المخلوقين معنا لأنهم متعبدون، ليس لهم ترك ما تعبدوا به، فهذا وجه ما يخرج في صفة المتعبدين، وفي صفة الله من إلزامه المتعبدين، ويخرج معنا ذلك فيما يلزم المتعبدين، ويحسن في تكليف الله لهم، فيما أظهر
-178 -
لهم من أحكام دينه.
ومعنا أنه لو لزم أحدا منهم في أحد من المتعبدين أنه سعيد، وأنه من أهل الجنة، ثم إنه علم منه معصية، يكفر بها من عمل بها، ويستحق العداوة، فيحسن فيه، ويصلح معنا، ما قيل من (1/117)
صفحة 118
الاختلاف، فيحسن أن يواليه بنفسه، ولا يجب عليه براءة، ولا وقوف، وأن يبرأ من معصيته، ويبغض لله معصيته التي كانت منه، ويعاديها، وهو بحالة لا يتحول عنده من حال الولاية ولا السعادة، ولا الإيمان لأنه قد صح له ذلك، فلا يتحول عنه، وهو يجب عليه أن يعلمه، ولا يشك فيه، ولكنه عليه أن يعلم أنه لا يموت إلا تائبا من تلك المعصية لأن السعيد لا يموت إلا تائبا، والمؤمن لا يموت إلا تائبا، ويحسن ويصلح فيما كلفه الله من التعبد في حكم الظاهرمن عداوة أعدائه، على معصيته أن يعاديه في حال معصيته لله، كما الولي في شريطته التي شهد له بها عند الله قطعا، ويستحلها منه بالإباحة وهو يعلم أنه سيعادي قي حكم الظاهر ولي الله في الشريطة والحقيقة لأنه ليس له أن يضيع ما أوجب الله عليه من حكم عداوة الظاهر، لجميع من ظهر منه ما يستحق به ذلك، ولا أن يشك فيْ علمه الذي علمه أنه سعيد مؤمن ولي، ولكنه يعاديه على المعصية حتى يرجع عنها لله في طاعته الخاصة، كما أنه يجب عليه أن يقيم عليه الحد، ولا يكون المؤمن محدودا، وعليه أن يقاتله ويقتله في المحاربة في محاربة البغي، والردة عن الإسلام من ارتد، ولا يقتل على المحاربة وليا مؤمنا في حكم الظاهر، وأشباه هذا مما يستوجب جميع ما يلزمه الله -تعالى- من الحقوق والحدود، ولا يصرف عنه ذلك ليعلم المتعبد في علمه أنه مؤمن من أهل الجنة، فإن ضيع فيه شيئا من ذلك مما يلزمه فيه، كان في ذلك عاصيا.
وكذلك ألزمه الله -تعالى- في الجملة في التعبد، أن يعادي هذا العاصي نفسه، ويشهد له بحقيقة ما علم منه فيعاديه في موضع العداوة، وشهد له بما علم من الحقيقة أنه كذلك لا محال، ويحسن ويصلح فيه أن
-179 -
يكون إذا علم منه هذه المعصية أن لا يعاديه عليها، لما ثبت له من العلم فيه أنه ولي، ولا يواليه لما قد ثبت فيه ومنه المعصية التي تجب بها العداوة عليه في أصل دينه، والولاية له في أصل دينه، فتتكافأ في ذلك الأحكام، وتسقط عنه الأحكام، إِلا أنه لا شك أنه كذلك إذا علم ذلك من كتاب الله، أو عن لسان رسول من رسل الله أو نبي من أنبياء الله، بسماع أو شهرة، لا يشك فيها فلا يجوز له الشك في ذلك على حال.
وكذلك لو علم مثل ذلك في أحد من المتعبدين أنه من أهل النار، أو أنه كافر، شقي في الحقيقة من كتاب من كتب الله، أو عن رسول من رسل الله، أو نبي من أنبياء الله، بسماع أو بشهرة، لا يشك فيها فانه يحتمل فيها ما وصفت لك، إِن نزل بمنزلة يستحق بها الولاية بحكم الظاهر، أن لا يواليه على حال، ولكن يرضى لله طاعته ويواليها ويحبها، لما قد ثبت فيه معه من علم كفره وشقائه، و يحتمل فيه، ويجوز أن لا يواليه على ذلك، ولا يعاديه عليه، كما كان في الولي، و يحتمل ويمكن أن يواليه، بما أوجب الله عليه من ولاية الظاهر، وأن لا يشك في علمه فيه أنه كذلك، أن يوفيه جميع الحقوق. (1/118)
صفحة 119
ومن حقوق منزلته تلك، وحالته تلك، من قبول الشهادة بحق الإسلام، وبكل حق يجب لأهل حالته ومنزلته من قبول الفتيا فيما يسع جهله، إن نزل بمنزلة ذلك من منزلة العلماء، ومن لزوم طاعته إن كان إِماما للمسلمين، وقبول الولاية منه إن نزل بمنزلة البصير، العالم بالولاية والبراءة، ويوفيه جميع الأحكام أحكام منزلته، ولا يسع تضييع شيء من ذلك مما يلزمه في حكم الظاهر، وإن ضيع شيئا من ذلك، لم يسعه فيه لما قد علم لأن الله -تعالى - قد تعبده بذلك فيه بمنزلته لأنه ليس له أن يضيع شيئا من أحكام أصول دين الله في موضعه لثبوت غيره، ولا لزوال غيره، وليس له أن يضيع شيئا من أحكام الأصول، وأصول ما تعبده الله به من الولاية والبراءة هو ثلاثة أصول:
-180 -
معناه أصل الشريطة، وأصل حكم الظاهر، وأصل الحقيقة.
والحقيقة: أن يعلم من أحد بعينه كما وصفت لك.
و الشريطة: ما وصفت لك من ولاية جميع الأولياء، وعداوة جميع الأعد اء.
وحكم الظاهر: ما وصفت لك، فيلزم كل حكم منهن في موضعه، إذ غير ماذون له تضييع شيء منه، وإذ متعبد جميعا، فافهم معاني ما يخرج معنا من تفسير هذا الاختلاف الذي قد قيل في هذا الوجه من الولاية والبراءة.
وأما ما ذكرت في أبي بكر وعمر- رحمهما الله - فهما عندنا بمنزلة غيرهما، فمن صح معه فيهما أنهما سعيدان أو مؤمنان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنهما من أهل الجنة، وخصه حكم ذلك ثبت فيهما معنا ما ثبت في غيرهما من السعداء، ومن لم يصح معه ذلك فيهما، فليس عليه، ولا له فيهما علم غيره، ولو كان غيره قد علم ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما بسماع، أو بشهرة عنه، لا يشك فيها، ولا يصح معنا الشهادة في حكم الحقيقة من الشاهدين بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعا أنهما ولا عن الشهرة عنه في صحة حكم الحقيقة في الولاية والبراءة في السعادة والشقاوة، ولا تثبت حقيقة ذلك على من بلغه وعليه، إِلا بسماعه هو أو بصحة شهرة، ولا يشك فيها.
ولكن معنا أنه من صح ذلك في الولاية عن شاهدين، ممن يجوز قولهما من المسلمين عن صحة ذلك، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسماع أو عن صحة بشهرة، خرج ذلك عندنا ثابتا في ولاية حكم الظاهر ممن صح معه ذلك، لا ولاية حكم الحقيقة لأن الشهود لا يقلدون الشهادة بعلم الحقيقة، ولا يصح ذلك لأن ذلك من التقليد، ولا يجوز التقليد معنا إلا للنبيين والمرسلين، كما وصفنا، ولكن إذا صحت الشهادة بذلك صح بذلك معنا ولاية حكم الظاهر في المشهود له.
-181 - (1/119)
صفحة 120
وكذلك لو رفع ذلك رجل واحد من المسلمين بشهادته نصا، لا يحتاج إلى تفسير عن سماع أو شهرة، كان ذلك يوجب معنا ولاية حكم الظاهر ولا يوجب على حال بالشهادة قلت أو كثرت عن سماع منهم، عن النبي، أو عن شهرة معهم بذلك عنه، فيما يشهدون به حكم الحقيقة بذلك في الولاية، فافهم ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن الكتاب: وقيل: إن الأعجم لا ولاية له، ولو كان يبصر يصلي ويصوم.
قال غيره: قد مضى الشرح في ولاية الأعجم والتفسير في ذلك لما يرجو أنه لا يحتاج هذا من ذكره إلى غير ذلك إِن شاء الله تعالى.
باب: فرق الاستحلال والتحريم
وكل ما كان من المنكرات، والمكفرات، من دين الله -تبارك وتعالى -، من حكم كتاب الله، أو عن سنة رسوله، أو إجماع المسلمين، أو ما أشبه ذلك، فهو سواء، وهو الدين الذي لا يسع جهله أن يركبه الراكب له بعد قيام الحجة عليه، أو يقدر على الخروج منه، بالتماس معرفة ذلك، على ما وصفت لك من فصل المحرمات المحجورات، وما يلزم فيها، فالراكب لها على وجهين:
راكب لها على غير الادعاء فيها لتحريم حلال، أو لتحليل حرام يدعيه على الله -تبارك وتعالى -، والعالم بركوبه ذلك أحد رجلين:
عالم بحدثه وعالم بحرمة حدثه.
-182 -
أو عالم بحدثه، جاهلا حرمة حدثه.
فالعالم بحدثه العالم بحرمة حدثه، وبمكفر حدثه، قد لزمته الحجة، وعليه الشهادة بعلمه على محدثه بالكفر، والبراءة منه كان مستحلا، أو محرما، أو علم حرمة حدثه، ولم يعلم بكفر حدثه، وكان المحدث محرما للحدث، أو غير مدع على الله في تحليل في حرام، أو تحريم في حلال فهو سواء.
فإن علم بمكفر حدثه، فعليه البراءة منه والشهادة عليه بما علم من كفره، وإن لم يعلم ذلك، فما لم يتوله أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه، أو يتول من تولاه بدين على ما وصفت لك في الأول فهو سالم، وإن كان المحدث مستحلا لحدثه، والعالم بحدثه جاهلا لحرمة الحدث، فالقول فيه سواء، فيما وصفت لك فيما قيل، وإن كان عالما بحرمة حدثه، والمحدث دائنا بحرمة حدثه، فقد قيل: إنه لا يسعه الشك فيمن دان بتحريم مادان باستحلاله، أو باستحلال ما دان بتحريمه، ويضيق عليه الشك في ذلك، إِذا لم يعرف ضلاله، وليس ينفعه في هذا وقوف رأي، ولا اعتقاد للسؤال في بعض القول.
وقد قيل: يسعه جهل المستحل، ما لم يعلم ضلاله وكفره، ما لم يتوله بدين، أو يتول من تولاه بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه بدين أو برأي، أو يقف عنهم بدين أو برأي، أو (1/120)
صفحة 121
يقف عن أحد من ضعفاء المسلمين أو برىء منهم، بدين من أجل براءتهم منه.
ومعي أنه قيل: لا يسع جهل المحرمين، كما لا يسع جهل المستحلين لأنهم يخالفون أصل الدين، والمحرمون كالمستحلين، والمستحلون كالمحرمين، وعليه في المحرمين كما عليه في المستحلين، ولكل هذا تأويل يخرج معناه في الحق، ومن الحجة في قول من قال: إنه لا يسع
-183 -
جهل المحرمين كما لا يسع جهل المستحلين من ذلك أن يتولاهم، أو يتولى من تولاهم بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منهم، أو ممن يتولاهم برأي أو بدين، أو يقف عنهم بدين أو برأي، أو يبرأ من ضعفاء المسلمين، أو يقف عنهم بدين من أجل براءتهم منهم، أو ممن يتولاهم بدين.
كذلك القول في الاختلاف في المستحلين، فالذي يقول: إنه قد يسع جهلهم إنما هو على شريطة هذا، والذي يوجب علم ضلالتهم، فلينتقض ما في يده من دينه بالادعاء على الله من استحلال حرامه، أو تحريم حلاله، فإذا ثبت هذا مع أصحابه في المستحلين إذا خالفوا الدين، فلعله ثبت في المحرمين، والراكبين لغير ادعاء في الدين، إذا انتهكوا حرمة الدين، فركبوا محرماته، وتركوا لوازمه، فالمحرم عنه كالمستحل، ولا يسع جهله في الأصل، كما لا يسع جهل المستحلين في الأصل.
باب: معاني الاختلاف في المستحلين والمحرمين
وقد بينت لك الاختلاف في أحكام المستحلين والمحرمين، ممن ركب الأحداث على الاستحلال وعلى التحريم، أنه قد يختلف في أحكامه، ويختلف أحكامها ممن علم حرمة الحدث، ومن لم يعلمها، وممن علم حرمة المستحلين، أو لم يعرفها، وقد مضى ذلك مفسرا فانظر فيه، واجعل كل حدث في موضعه، فكل حكم حدث في موضعه، وكل مخصوص بحكم حدث في موضعه، ولا يحمل من ذلك حكم خاص في موضع عام، ولا حكم عام في موضع خاص، ولا حكم يسع جهله في موضع لا يسع جهله، ولا حكم لا يسع جهله في موضع يسع جهله، ولا حكم يلزمه فيه السؤال في موضع لا يلزمه فيه السؤال حكم لا يلزمه فيه السؤال في
-184 -
موضع يلزمه فيه السؤال، ولا وقوف الرأي في موضع وقوف الدين، ولا وقوف الدين في موضع وقوف الرأي، فتختلط عليك الأمور، فإن اختلاطها عليك، واختلاط، يؤدي بك إلى الدخول في الباطل، والخروج من الحق.
باب: معنى الفرق في الصغائر والكبائر والحكم في ذلك
وإن كانت معصيته صغيرة غير كبيرة، وقف عنه ولم يبرأ منه حتى يستتاب، فإن تاب رجع إلى منزلته وولايته، وإن أصر وأبى واستكبر خلع و برىء منه. (1/121)
صفحة 122
ويكفر من ظلم حبة فما فوقها، أو كذب كذبة، إذا دعي إلى التوبة فاصر وأبى عليها، أكفره الإصرار بذلك، والخلع من ولاية المسلمين.
قال غيره: قد مضى من هذا ما نرجو فيه بعض الدلالة، من حكم الصغائر والكبائر، فيما مضى من الكتاب، ومعي أنه قيل: إنه ما دون الكبير وما أشبهه فهو صغير، والكتاب والسنة والإجماع يدل على ذلك، جميعا على أن الإصرار من الذنوب كبائر.
ومعي أنه قد اختلف في الاصرار وفي صفته، فقيل: ما لم يتب من ذنبه فهو مصر، والمصر كافر، وما لم يتب الراكب من حين ما ارتكب الصغير، فهو مصر بالإقامة على الذنب حتى يتوب منه.
وقيل: إنه ليس بمصر حتى يعزم على ترك التوبة من ذلك أو يتهاون، ويستخف بالعقوبة على ذلك من الله ويستصغر المعصية لله بذلك، أو يدين
-185 -
بحلال أنه حرام ذلك، فما لم يكن منه شيء من هذا أو ما أشبهه، فلا يلزمه حكم الإصرار، ويعجبني في الحكم بين العباد أن لا يحكم عليه بحكم المصر، حتى يستتاب من ذلك فلا يتوب.
وأما فيما أخاف عليه من الله في أحكام دينه، فما لم يكن له اعتقاد يبرئه من الإصرار، بالتوبة من جميع ما ركب من معاصي الله في جملته، يثنى عليها، ويعتقدها أو كلما ذكرها حددها، أو كلما أبطأ منها عاودها وتعاهدها، فإني أخاف عليه إن لم يكن منه هذا إلا أن يسلم بالإقامة على شيء من معاصي الله، حتى يتوب منها بعينها، وباعتقاده يدخل في جملتها ما قد عصى الله به.
ومعي أنه قيل فيه والحكم فيه في حكم الظاهر إنه إذا كانت له ولاية ثم أتى شيئا من الصغائر أو ما أشبهها، عند من ثبتت الاستتابة فيه، وأنه لا يكون مصرا إلا بالعزيمة على الإصرار، وترك التوبة، فقيل: إنه حين يقع في ذلك، أنه يوقف عنه وعن ولايته عن الحال التي كان عليها، لأنه قد واقع من المعاصي ما قد حققه سبب ما يزيل ولايته، إذ لا يكون وليا لله عاص، والعاصي ليس بولي، فإذا عصى زالت ولايته وأصر لسبب المعصية ولا يبرأ منه حتى يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن لم يتب وأصر برىء منه بالإصرار.
ومعي أنه قيل: يحسن به الظن ولا يقف عنه ولا يبرأ منه، بما واقع من الصغير في حكم الظاهر، إلا بعد أن يعلم معه الإصرار، يستتاب من ذلك ولا يتوب، لأن المسلم مأمون على أنه لا يصر، وأنه لا يعتقد الاصرار، لأن الاصرار من كبائر الذنوب، ومن أكبر الكبائر، فالمسلم مأمون على ارتكاب الكبائر، وهو على ولايته قبل أن يستتاب، فإن علم منه الإصرار واستتيب فلم يتب، لحقه حكم الإصرار وبرىء منه.
ومعي أنه قيل: إنه على الولاية، وليس فيه استتابة على من تولاه، ما لم يعلم منه إصرار وولاية ثابتة، لثبوت إسلامه ولأن المسلم لا يثبت عليه
-186 - (1/122)
صفحة 123
ركوب الكبيرة، لأن أصل ما ثبت عليه به الولاية والأمانة، أنه لا يصر على صغيرة، ولا يواقع كبيرة يقيم عليها، وإنما أثبتت له الأمانة في ذلك كله، وفي حكم ما جعله الله للمسلم، يكفر السيئات على اجتناب الكبائر، فمتى ثبت منه التهمة بالإصرار على الصغير، أو الاقامة على الكبير، زال حكم الأمانة عنه، لأن الأمين لا يكون متهما، والمتهم لا يكون أمينا.
فأصل ما أثبت له الولاية واسم الإسلام بظاهر أمانته، وزوال حكم تهمته وخيانته، فهو على ذلك مأمون، إلا أن ينزل بحالة التهمة في شيء من ذلك، فإذا زال عنه اسم الأمانة، ولم يبرأ بالتهمة من حال الخيانة، وزوال حكم ما ثبت له بصحة الأمانة.
وقد قال الله -تبارك وتعالى -، يخاطب المؤمنين: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (1).
والسيئات ما دون الكبائر، وهي مكفرة باجتناب الكبائر، كما قال الله -تبارك وتعالى -، ولا شك في قوله، ومن الكبائر الإصرار، فالمسلم ثابت له اجتناب الكبائر ولا يكون وليا لا تثبت له الأمانة على ما يدين بتحريمه، ومن أعظم ما يدين المسلم بتحريمه الإصرار، فقالوا: هو ولي على حالته، بظهور اجتناب الكبائر وأمانته عليها، وكذلك برجاء الله له معنا في أصل اعتقاده للتوبة، والاستغفار من جميع الصغائر والكبائر، ولم يعتقد شيئا من الإصرار، الاقامة على شيء من الكبائر والصغائر، أن يكون له ما اعتقد ونوى، فيما بينه وبين الله، ونرجو أنه يسلم من تولاه على هذه الشريطة، وهذه الحجج الثابتة، ويكون اعتقاد المتولي كاعتقاده وهو أن لا يتولاه بما ظهر منه، إلا أن يكون تائبا من جميع الصغائر والكبائر، من ابتلاء لجميع الإصرار، وإلا فهو شاهد عليه بالكفر والنار، وهذا في اعتقاد المسلم في العلانية والإسرار، وثابت له في أصل دينه الذي تعبده الله به، ما لم يضيعه ا
-187 -
__________
(1) - 31 من سورة النساء.
بوجه من الوجوه، بعد بلوغ حجته إليه، وعلمه به ومعانيه، والمراد به، ثم يضيعه ويخالفه بعزيمة على تركه، أو بإهمال يعتقده.
باب: معنى ما يكون صغيرا وما يكون كبيرا من الأحداث
قيل: من اغتصب درهما واحدا حراما، لم يبرأ منه حتى يستتاب، فان أصر برىء منه.
فإن كان اغتصب الدراهم في سبيل من سبل المسلمين فإنه يبرأ منه قبل أن يستتاب.
قال غيره: قد مضى القول في مثل هذا، أنه إن كان أخذه له على وجه التلصص والغصب والاختلاس، ووجه ما يكون به سارقا، لا غاصبا متغلبا فيه، ففيه اختلاف ما يكون دون أربعة دراهم، وأشبه ذلك من قال به إلى ما قيل في الكبائر أنها ما ثبت فيها حد في الدنيا، أو وعيد في (1/123)
صفحة 124
الأخرة، فإن الحرام يثبت، فالفرق في السرق فيما دون أربعة دراهم، وما أشبهه فهو مثله.
وقول من قال في مثل هذا أنه كلما خرج أصله ظلما فالظلم كبيرة، إذا لم يكن خرج في حال إباحة، ولا في شيء من الحلال الذي أخذه، وإنما هو قصد إلى الظلم.
ومثل ذلك لا يجوز بين الناس، إلا بغير سبب الظلم، من التراضي فيما يخرج من حد صحة التراضي مما أشبهها.
-188 -
وأنه لا يكون إلا ظلما، وما أشبه الكبير فهو كبير: لقول الله - تبارك وتعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (1).
وقال الله - تبارك وتعالى -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) (2).
ومن الكتاب: وكذلك أن من قذف مسلما بالزنا، أو جرحه جرحا صغيرا أو كبيرا، أو تكلم بكلام أهل القدر والإرجاء، وقال بذلك ودان، أو تولى من برىء من المسلمين وضللهم، وقد علم براءته منهم، ففي كل هذا يبرأ منه قبل أن يستتاب، وكذلك ما يكون من نحو هذا، وسل عن ذلك أيضا.
قال غيره: وكذلك من طفف في الكيل أو بخس في الميزان، أو ظلم أو ركب المحارم، وكل من ارتد عن الإسلام أو دخل الزندقة، أو ادعى السحر والكهانة فحكمه البراءة حتى يتوب، والله أعلم.
كل هذا من هذا الفصل معي أنه من الكبائر ولا أعلم فيه اختلافا، إلا الجرح، الذي قال إنه جرحه جرحا صغيرا
-189 -
__________
(1) - 29،30 من سورة النساء
(2) - 18 - 20 من سورة هود (1/124)
صفحة 125
أو كبيرا، فمعي أنه قد مضى القول في ذلك بالاختلاف.
باب: القول في معنى الحلال والحرام
وأما معرفة الحلال والحرام، مما لا تقوم شواهده من العقول، ولم تبلغ الحجة بعلمه على ما لا يشك فيه من علم ذلك، أو بعبارة حجة لا يسعه الشك فيها، فمعنا أنه قيل: هو سالم ما لم يبلغ إلى علم ذلك بعينه، وهو عالم به في جملته، ليس بجاهل له جهلا يلحقه حكم الجهل في دينه، ما لم يتقول على الله في ذلك، في حال ما لم يبلغ إليه علمه، في شيء من ذلك كله غير الحق، من تحريم حلال من دينه، أو تحليل حرام من دينه، أو ولاية عدو من أعدائه، بدين، أو براءة من ولي له بدين أو تضييع واجب أو ركوب محرم بدين، أو تضييع علم قد قامت عليه به الحجة بخلاف ذلك، أو تضييع سؤال يقدر عليه في وقت ذلك، أو ترك اعتقاد بطلب علم لما جهل من شيء من ذلك فهو سالم.
فهذا ما لم تقم عليه بذلك شواهد الحجة القاطعة لعذره، ولو ركب ذلك بدين في حال جهله من ولاية أو براءة، أو ركوب محرم، أو ترك لازم، فلا يسعه ذلك، ولو لم يكن بلغه بذلك شواهد الحجة بحكم ذلك.
ولو كان معتقدا لطلب علم ذلك معتقدا للسؤال عنه، لم ينفعه اعتقاد السؤال عند ركوبه لذلك بدين من قول، أو ترك لازم، أو ركوب محرم، فهو مقطوع العذر فيما عندنا أنه قيل بركوب ذلك الدين بالفعل، والولاية للفاعل، والبراءة من المسلم الذي جهل حقه وإسلامه، فإذا كان ذلك كله بدين منه، فلا يسعه ذلك، ولا ينفعه جهل علم ذلك، ولا اعتقاد السؤال عن طلب علم ذلك.
-190 -
وأما القول في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال بالقول منه في ذلك، فمعي أنه قيل: لا يسعه ذلك برأي ولا بدين، والفعل بالرأي في مثل هذا من الولاية والترك اللازم، و ركوب المحارم، إذا لم يكن لذلك عالما، وكان اعتقاد السؤال عنه دائنا، فمعي أنه قيل: إنه لا يهلك بذلك، كهلاكه بذلك في القول منه بالرأي، واستحلال الحرام، أو تحريم الحلال من الدين.
وقد قيل: لا تجوز البراءة بالرأي قطعا، كما لا تجوز الولاية بالرأي، إلا من نزل بمنزلة القاذف، اذا كان من الضعفاء من المسلمين، فبرىء الضعيف من ولي المتبرىء بالرأي، وليس المتبرىء الضعيف الأول، ممن تقوم به الحجة، فيما قام به من الحق، على من سمعه يبرأ من وليه، فالبراءة بالرأي من المحق في هذا الموضع خاصة، على وجه الاباحة منه للبراءة من نفسه، ببراءته من ولي هذا بغير ما تقوم له الحجة به من قوله بالفتيا، ولو كان قد برىء منه على شيء قد استحى به الأول البراءة، فلما أن كان لا تقوم به الحجة في الفتيا، وظهر منه القدف، واستحق البراءة بحكم القذف، بلا قطع على حكم القدف، باعتماد من المتبرىء منه مع براءة منه أنه يبرأ من المبطل، (1/125)
صفحة 126
ولو جهل ذلك عندنا، إذا لم تقم عليه شواهد حجة الفتيا من الضعيف الذي ينقطع بها عذره بها، وأباح هذا البراءة من نفسه، ببراءته من وليه بعد علمه بأنه وليه، أو بعد أن يكون واجب الولاية في الحكم، على جميع أهل الدار، وأهل البقعة، التي يحرم بها البراءة منه، لثبوت ولايته على أهلها.
وأما إن برىء منه بدين، أو وقف عنه بدين من أجل ذلك، ولو جهل ما يلزمه في ذلك، ولو كان قاذفا لوليه فجهل الحكم في ذلك، وقد صح أنه إنما برىء منه بحق جهله هذا، فبرىء منه بدين، أو وقف عنه بدين لم يسعه ذلك، ولو كان ضعيفا.
-191 -
باب: الفرق بين الحكم في المستحلين والمحرمين
وأما استحلال المستحلين لما حرم الله، والمحرمين لما أحل الله، فمن لم يعلهم حرام ما استحلوا، ما حرموا من دين الله، ولو قالوا فيه بالدينونة، وهو لا يعلم حرمة دلك من جميع الأشياء من دين الله، مما لا تقوم عليه الحجة بعلمه، من شواهد عقله، من جميع الحلال والحرام، واللوازم والمآثم.
فمعي أنه قد قيل: إن ذلك يسعه جهله ما لم يتوله بدين، أو يتول من تولاه على ذلك بدين، أو يبرأ من العلماء إدا برئوا منه على ذلك، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يقف أو يبرأ من أحد من المسلمين المحقين بدين، من أجل براءتهم منه على ذلك، فلا يسعه على حال ولو جهل حرمة ذلك.
وأما إن علم حرمة ذلك، وجهل الحكم في المستحلين لذلك.
فمعي أن في ذلك اختلافا، فقيل: إنه لا يسعه ضلال من استحل ما حرم في دينه، أو حرم ما استحل في دينه بالادعاء على ذلك من المستحل، والمحرم بمخالفة دينه الذي يدين به، وهو بمنزلة ما وصفنا، فمن جهل ضلالة من شك في شيء من تفسير الجملة، أو الوعد والوعيد.
ولعل هذا القول فيه اختلاف أوسع وقال من قال: ما لم يبلغ إلى علم حكم ضلاله، فلا يضيق عليه ها لم يبلغ إلى علم ذلك، وتقوم عليه الحجة بعلمه، وهو في حاله هذا عندنا عند صاحب هذا القول بمنزلة من ذكرنا، ممن لم يعلم حرمغ ذلك في الولاية والوقوف، في العالم والضعيف.
وقال من قال: لا يسعه هذا الشك في قول العالم، وعليه تصديقه في
-192 -
المستحلين، وفي أحكام المستحلين، إذا أفتاه بذلك، وكذلك الضعيف إذا عبر له ذلك عن فقيه، عبارة يكتفى بها عن تفسير ذلك عن الضعيف، أو تلا عليه كتاب الله بما يوجب حكم ذلك.
وقال من قال بالقول الأول، إنه ما لم يتوله أو يتول على ذلك بدين، أو يقف أو يبرأ من العلماء (1/126)
صفحة 127
إذا برئوا منه برأي أو بدين، أو يقف، أو يبرأ من أحد من الضعفاء، إذا برئوا منه بدين من ضعفاء المسلمين.
وأرجو أن القول بأنه لا يسع جهل المستحلين إذا علم حرمة ما استحلوه من الدين، أنه أكثر ما قاله العلماء من المسلمين، وأكثر ما جاء في آثارهم وسيرهم أنه لا يسع جهل المستحلين الناقضين للدين الذي يدين به المسلمون، فليس له الشك في ضلالة من ينقض ما في يده بالدينونة، أو بالدعوى على الله، وإن حرم حلالا مما يدين به، أو استحل حراما مما يدين بغير الادعاء على الله في ذلك، فذلك عندي أنه أوسع إذا لم يبصر حكم ذلك لأن في ذلك اختلافا في جميع المعاني، ويمكن أن يكون يحرم ذلك برأي، وإن كان لا يسعه هو تحريم ذلك برأي، ولا استحلاله برأي، فان لم يبصر حكم ذلك فلا يضيق عليه ذلك عندنا في قول من قال بذلك لأن ذلك تأويل من الاستحلال والتحريم، وليس من يدعي على الله كمن لا يدعي عليه، عند الضعفاء الذين لا يبصرون حكم ذلك، وعلى كل حال فما لم يبلغ علمه إلى معرفة ذلك بما لا يشك فيه، ولم يخالف ما يجب عليه من ولاية المحقين في براءتهم من المحدث بوقوف عنهم أو براءة على ما وصفنا في الأول، فقد وسعوا في الأصل للضعيف في ذلك، أن يتولى المسلمين على براءتهم من جميع من خالفهم من المبتدعين.
والمبتدع لا يكون إلا باستحلال حرام، أو بتحريم حلال من دين الله، ولا يثبت عليه ولايته للمسلمين بالشرط، أن يتولاهم إلا على تأويل علمه بحدث المحدثين، ولو لم يكن عالما بحدث المحدثين، ما لزمه حجة في
-193 -
المحدثين ببراءة المتبرئين، وإنما معنى ذلك في التأويل أنه يسعه الوقوف عن المحدثين، إذا عرف حدثهم، ولم يبصر الحكم فيهم، ويتول المسلمين على براءتهم منه.
وفي الجملة أيضا أن عليه أن يتولى المسلمين إذا ثبت عليه ولايتهم في الدين، ولو برئوا ممن لم يعلم حدثه، وليس له إنكار ذلك عليهم، وواجب عليه ولايتهم، ولو كانوا في الأصل برئوا ممن برئوا معه بغير الحق، ما لم يبرؤوا من ولي له هو تولاه بالحق على غير علم منه بحدثه هو، ولا قيام حجة عليه بعلم حدثه بما تقوم عليه به الحجة من شهادة، أو شهرة، فبرئرا من وليه بغير علم منهم بولايته لوليه أو لوجوب ولايته لوليه على، فلا يكون براءة المسلمين من وليه، ولو برئوا منه فيما عندهم، وفيما قد علموا منه بحق، يجب عليه به البراءة فليست براءتهم -وإن كانوا فقهاء علماء-عليه بحجة، بحجة باتباعهم على براءتهم ممن برئوا منه، ولو كانوا ألوفا، وهم جميع بذلك عند من برئوا منه من وليه قذفة مخلوعون مدعون، لا تجوز شهادتهم في ذلك الحدث الذي برئوا منه على من بوئوا منه أبدا، فيما قيل، ولو تابوا من براءتهم تلك، ورجعوا إلى الولاية، ثم شهدوا عليه بذلك الحدث الذي برئوا منه عليه به، كانوا في ذلك مدعين، ولا تجوز شهادتهم (1/127)
صفحة 128
عليه، قلوا أو كثروا لأنهم كانوا في الأصل فيما قيل عليه مدعين، ولا تجوز شهادة مدع على الأبد، قل الشهود على ما يدعون أو كثروا، وكل ما كانوا فيه مدعين في حال فلا يزالون مدعين في حال، ولا يزالون مدعين، ولو تركوا الخصومة في ذلك، وقد ادعوه ثم رجعوا فادعوه، ولم ينفعهم ذلك، فهم مدعون في ذلك.
وكذلك لو برئوا من غير ولي له، قبل أن يشهدوا عليه، ولو كانوا علماء فقهاء، كانوا ببراءتهم في ذلك عنده مدعين على من برئوا منه فيما قيل، ولا تجوز شهادتهم عليه، ولو تابوا من ذلك ورجعوا عن براءتهم، ثم شهدوا عليه بذلك، لم تنفع توبتهم فيما قيل، ولم تجز شهادتهم في ذلك الحدث،
-194 -
الذي أظهروا منه البراءة عليه، ولو بعد التوبة، ولو أنهم تابوا من براءتم تلك، ممن برئوا منه، وشهدوا عليه بحدث غير ذلك الحدث، مما تجوز به الشهادة في الأحداث عليه، كانوا في ذلك شهودا، ولو كان الذي برئوا منه مع ولي له، وإذا لم يتوله فشهدوا عليه بحدث غير ذلك الحدث الذي برئوا منه، فمعي أنه قيل: يكونون شهودا في ذلك، ولو لم يتوبوا من تلك البراءة منه لأنهم ليسوا مدعين في هذا الحدث، ولم يكونوا عنده ببراءتهم بذلك الحدث الأول قذفة، ولا مخلوعين، فلا تجوز شهادتهم من أجل ذلك، فشهادتهم بالحدث الذي لا يكونون فيه مدعين، تجوز شهادتهم، ولو شهدوا على الذي برئوا منه بعينه مع من لا يتولاه.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا تجوز شهادتهم عليه بحدث ثان، ولم يبرؤوا منه عليه إذا كانوا قد برئوا منه على غيره، قبل الشهادة، إلا بتوبة مما قد برئوا منه عليه لأنه في بعض ما قيل: إنه ما لم يكن الذي برئوا معه ممن برئوا منه معه، كان عليهم من ذلك التوبة لأنهم إذا أظهروا البراءة مع من لا يعلمون أيبرأ ممن برئوا منه أو يتولاه أم لا؟ فقد أظهروا البراءة على غير وجه، يامنون فيه من إباحة البراءة من أنفسهم عند من برئوا منه، فمن هنالك كان عليهم التوبة من إظهار ذلك فيما معي أنه قيل: وقال من قال: إنما ذلك إذا برئوا من وليه معه، لم تجز شهادكم على وليه في حدث غيره، حتى يتوبوا من براءتهم تلك لأنهم في حد القذف والخلع، فلا تجوز شهادة خليع إلا بعد التوبة منه، مما يستحق فيه الخلع، ثم يشهد فيما لا يكون فيه مدعيا، فافهم هذه المعاني والفصول.
ومن الكتاب: وقيل: كل شيء وراء هذا، يسع الناس جهله إلا أن يلزمهم الله فعل شيء أو تركه، فلا يفعلونه في الحال، التي أوجب عليهم فعله، ولا يتركونه في الحال، التي أوجب الله عليهم فيها تركه.
قال غيره: معنا أن دين الله - تبارك وتعالى - وأحكامه لا يختلف، وأن
-195 - (1/128)
صفحة 129
كل حكمه واحد، لأنه دين الله، ولكل شيء من دين الله حكم، إذا وجب الحكم به، لم يسع مخالفة الحكم فيه، وما لم يجب الحكم به، فغير متعبد به من لم يجب عليه الحكم به، وليس شيء من ذلك معنا مقدم إلزامه إلا بعد قيام الحجة به، ونزول بليته، وكله دين الله، فكلما نزلت بلية العبد بشيء من دين الله، كان عليه حكم ما نزلت به بليته، وكل ما نزلت به بليته منه من عمل أو ترك أو علم ومعرفة وتصديق، أو قول فيما يجب فيه القول، ولا ينقطع عندنا عذر العبد في شيء من دين الله، إلا بعد بلوغ دعوة ذلك إليه، وقيام حجته عليه، فهنالك تزول بليته به.
وقد مضى مثل هذا بما فيه كفاية، إن شاء الله -تعالى- من الشرح والبيان، في الجملة، وتفسير ما جاء عن الله، مما هو مشبه لحكم تفسير الجملة، وفي غير ذلك تفسير كل شيء بعينه.
ومن الكتاب: وذلك أن الله - تبارك وتعالى - جعل الناس لا يسلمون أبدا إلا بمعرفة الذي ذكرنا في الجملة، التي لا يسع الناس جهلها، ثم جعل عليهم علم أشياء يسعهم جهلها أبدا، ما لم يتقولوا على الله -تعالى -في حال جهلهم، شيئا يحلون فيه حراما، أو يحرمون فيه حلالا، أو يلقوا الحجة فيخبرهم أنها نزلت من الله، فلا يؤمنون بهم ولا يصدقونهم، وأن يقعوا بفعل ما يصلهم مما نهاهم عنه، لأنهم إذا كانوا جهالا لما نهاهم عنه، فعليهم الكف، ومتى لم يتقولوا على الله في حال جهلهم شيئا، يحلون فيه حراما أو يحرمون فيه حلالا، أو يلقوا الحجة فتخبرهم عنه، ولم يفعلوا في الفعل الذي عليهم الكف فيه، فذلك واسع لهم أبدا.
قال غيره: قد مضى القول في تفصيل ما يسع جهله وما لا يسع جهله معنا، من أصول دين الله، وتفصيل وجوب كل شيء من ذلك في موضعه، وثبوت الحجة في الفتيا قبل لزوم العمل والانتهاء، ومع لزوم العمل والانتهاء وبلوغ حجة ذلك، ونزول بليته من كل أصل من ذلك في موضعه، أن الحجة
-196 -
فيه واحدة في لزومه عند نزول بليته، مع بلوغ دعوته وقيام حجته.
فانظر في كل فصل من ذلك، فاجعله في موضعه إن شاء الله -تعالى-.
ومن الكتاب: وأما الذي يسعهم جهله حتى يجيئهم فعله من الله فالصلاة والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام، من استطاع إليه سبيلا، وصيام شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وأشباه ذلك، فهذا يسعهم جهله حتى يجيئهم من الله ما أمرهم به من الصلاة في وقتها، فإذا ذهب وقت الصلاة ولم يعلموها، ويصلوها قبل ذهاب وقتها، صلوا وكفروا.
وكذلك الزكاة ورمضان والاغتسال من الجنابة وأشباه ذلك، وأن لا يصلي صلاة حتى يذهب وقتها.
قال غيره: معنا أن هذا خاص فيمن امتحن بلزوم مثل هذه اللوازم، من الوضوء للصلاة، والغسل من الجنابة في وقت الصلاة، أو جاء وقت الصلاة وهو جنب، أو دخل عليه شهر رمضان، وقد (1/129)
صفحة 130
بلغه خبر لزوم هذه الفرائض وعلم أحكامها، فجهلها وجهل العمل بها، أو العمل بشيء منها حتى فات وقتها من غير عذر فلا يسعه ذلك، وإن كان لم يبغه خبر ذلك، ولا سمع به، ولم يكن بحضرته من يقدر على طلب علم ذلك منه، في وقت ذلك، ولم يستدل على ذلك، ولا علم شيئا منه على وجه من الوجوه للعلم، ولا حسن في عقله تادية ذلك، وجوبه بوجه يقدر عليه، واعتقد طلب علم ذلك بعينه، إن اهتدى إلى علم ذلك، أو اعتقد وكان معتقدا لطلب علم جميع ما يلزمه، والسؤال عنه، ولم يضيع شيئا من ذلك بدين ولو جهله، أو بعد علمه، أو تضييع السؤال عما قدر عليه، مما يرجو إدراكه أو طلب ذلك واعتقاد السؤال عنه.
فقد قيل: إنه لا يضيق عليه ذلك، على هذه الصفة، وقد مضى تفسير
-197 -
هذا فيما قد مضى، فانظر فيه، وإنما هذه آثار مجملة تجري على تأويل الحق أنه ليس له أن يجهل ما يلزمه، وهو كذلك أنه إذا لزمه شيء، لم يجز له أن يجهله ولا يدعه لجهله، ولكن صحة التأويل أنه لا يلزمه ما لا يقدر عليه، ولا يقدر على البلوغ إليه، بسقوط كل ما عجز عنه من جميع دين الله إذا عذبه، ولا يكون عدم أشد من عدم العلم المستدل به على العمل، إذا علم وجوب العمل، وعدم العلم الذي يستدل به على العمل، وعدم علم العمل ووجوبه أشد عدما، وأوضح عذابا إذا لم يقدر عليه، أنه لا يكون لازما له، وإذا قيل لك أنه ما لزمه وجب العمل به، ولم يسعه جهله، فقل: نعم عليه ذلك كما قلت، ولكن لا يكون لازما له العمل به، ما لا يقدر على العمل به أبدا.
ولا يسمى لازما له، يقدر عليه، ولو كان عالما به، من الصلاة والصوم والحج والوضوء والغسل وجميع ذلك، إذا عجز عن ذلك بوجه من الوجوه من المعجزات، لم يكن ذلك لازما له، من حكم كتاب الله - تبارك وتعالى -، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن إجماع المسلمين، وكل ذلك موجبا له العذر البين، أنه لا يسمى لازما له، ما هو معذور عنه بوجه، ولا عاجز عنه بوجه، كذلك هذا غير لازم له بوجه ولا يقدر عليه، ولا على البلوغ إليه، وإنما يلزمه من ذلك كله، ما قدر على البلوغ إليه في حينه، من التماس علم ممن حضره، أو اعتقاد التماسه، إن لم يجده ممن حضره، على ما هدى إليه من معرفة ذلك، من التماس عذر الحاضر من اللازم، إن هدي إليه، أو من علم جميع اللازم له في جملته ما قدر عليه، واهتدى إليه من ذلك، ولا يكلف من جميع ذلك إلا ما يقدر بلا شك في ذلك ولا مرية، ولا يسمى لازما له واجبا عليه من جميع الأشياء إلا ما قدر عليه، وذلك ما لا شك فيه ولا ريب، من جميع من أبصر العدل، ولم يضل عن عدل التأويل، ولم يحمل حكم الخاص على العام، ولا العام على الخاص، فافهم ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن الكتاب: وأما الزكاة، فإن كان وقتها أطول من وقت الصلاة، لأن رجلا لو حلت زكاته (1/130)
صفحة 131
اليوم، فأخرها إلى الغد ثم أخرها من بعد الغد لم
-198 -
يضل ولم يكفر، والصلاة لو أدخل صلاة الليل في صلاة النهار، وصلاة النهار في صلاة الليل ضل وكفر، إلا أن ينام فيذهب به النوم، أو ينسى حتى يذهب وقتها، فلا باس عليه ويصلي إذا انتبه وذكر، وأما من جهلها ولم يعلم أنها عليه حتى ذهب وقتها فقد ضل، ومن علمها وضيعها فقد ضل أيضا، ويفسق بضياعها.
قال غيره: أما الناعس والناسي والمضيع بعد العلم، فمعنا أنه كذلك، وكذلك يخرج في التأويل فيه، إلا أنه أحسب أنه في بعض القول أن الناسي والناعس في الصلاة اللازمة له، العالم بلزومها، إذا لم يذكر ذلك ولم ينتبه حتى مات الوقت، أن بعضا لا يوجب عليه إعادة ذلك في غير وقته، لأنه كان معذورا، زائلا عنه حكم التعبد لذلك بنسيانه ونومه.
وأحسب أن أكثر القول أن عليه الصلاة، إذا ذكر وانتبه، ولو كان قد فات الوقت، ولا إثم عليه في ذلك على تبعة غير الصلاة.
وأما المتعمد لتضييعها بعد العلم بها ووجوبها عليه، فهو كما قال، ولا أعلم لهم في ذلك عذرا، إلا التوبة من ذلك والاستغفار والصلاة، وإن كان قد فات وقتها أولم يفت فعليه الصلاة، ولا يبين لي فيه اختلاف في الصلاة أنها عليه، إذا تركها متعمدا ولو فات وقتها.
ومن الكتاب: وأما الزكاة، فلو جهلها جاهل، ثم أخرج زكاة ما ضيع من زكاته قبل موته، وكان مقرا بالجملة التي لا يسعه جهلها لم يضل، وأما رمضان فمثل الصلاة والغسل من الجنابة.
قال غيره: من جهل شيئا من دين الله فقد هلك بجهله، والجاهل لا يكون مؤمنا معنا، وإن كان مقرا بالجملة كما قال مؤمنا، فلم يبلغه علم ما وجب عليه من الزكاة في ماله، لم نقل أنه جاهل وهو مؤمن عالم بما يعبده الله به، ما لم يبلغه الحجة بشيء مما يلزمه، وقد مضى في أمر الزكاة والحج
-199 -
-200 -
ذلك، فليس عليه من ذلك إلا ما يطيقه، إلا أن عليه اعتقاد السؤال، عما يلزمه من ذلك، إن قدر على علم يوقعه على لزوم ذلك له، وإلا كان عليه اعتقاد السؤال عن طلب ما يلزمه من جملة ما يلزمه من دينه، ومن طاعة خالقه، ولا يهلك عندنا بما لا يقدر عليه، ولايبلغ إليه طوله بوجه من الوجوه، فإن قدر على علم ذلك من المعبرين له، فقد قيل في بعض ما قيل عندي: إن عليه علم لزوم له ذلك بعينه، من كل شيء يجب عليه العمل به، والعمل به مع علم لزومه.
وقال من قال: ليس عليه العلم لتأويله الذي يبلغ به إلى تأديته تعليما، وليس عليه علم لزوم (1/131)
صفحة 132
الشيء بعينه، لأنه إنما يلزمه العمل به ولا يلزمه العلم له، من جميع الأعمال في جميع الأحوال، لأنه مقر به ودائن به في جملته، وإنما أمره الله بالعمل به، ما كان من الدين عملا، وكذلك إنما أمره الله - تبارك وتعالى - عن الانتهاء عما كان في دين الله محجورا يجب تركه، فإن ما عليه من دين الله - تبارك وتعالى -، و الإيمان والعلم بما أمره الله به، وتعبده بعلمه مما كان التدين به علما، وايمانا مثل الإيمان بالله وملائكته ورسله، والجملة التي يدخل فيها جميع ما تعبده به من العمل والترك، فإذا آمن وعمل وصدق بالجملة كان عالما مصدقا مؤمنا، بجميع ما فيها من تصديق وعلم، وعمل وترك، فإذا نزلت بليته في شيء منها ومن حكمها، يكون إيمانا وعلما وتصديقا لم يجزه دون ذلك فيما نزلت به بليته، وقامت به عليه حجمه، فإذا نزلت بليته من دين الله في شيء يكون عملا، وبلغته حجته، فإنما عليه العمل به، فكذلك ما نزلت به بليته من دين الله تركا مما تعبده بتركه، فإنما عليه تركه ومجانبته، وان لم يعلم لزوم تركه ولا علم جرمته، فليس عليه علم ذلك، وإنما عليه من دين الله كله علم ما أمر الله بعلم أو عمل ما أمر الله بعمله، والانتهاء عما أمر الله بالانتهاء عنه، ولا أعلم شيئا من دين الله يخرج إلا على أحد هذه الأصول الثلاثة، العلم والعمل والترك، ومعي أنه قد قيل: إنه إذا جاء وقت رمضان وهو مسافر أو مريض، فهو معذور عن العمل به، لأنه
-201 -
في الأصل مخير بين الصوم والإفطار في السفر، وكذلك المريض هو معذور عن الصوم، فمن عذر عن شيء، ولو كان في الأصل مخيرا، لأنه ولو لم يبلغ إلى معرفة التخيير، فوافق ما هو جائز له فليس عليه غير ذلك، ومن هاهنا أيضا كانت حجة من قال: إنه ليس عليه العلم بلزوم ما لزمه العمل به، ولا لزوم علم ما لزمه الانتهاء عنه، إذا بلغ إلى العمل والانتهاء، بغير معرفة اللازم، كعلم العالم ولا علم حرمة المحارم، كما علمها العلماء، وإنما عليه الترك والعمل به لما ألزم العلم به، ومن لم يجد الماء للغسل من الجنابة و للوضوء للصلاة عند حضور الصلاة، فعليه التيمم بالصعيد ولا يعذر بذلك إذا قدر عليه، وبلغ علمه إليه ولزوم العمل بالتيمم بالصعيد، عند عدم الماء والعذر فيه بمنزلة لزوم العمل بالماء للصلاة، وما لزم فيه العمل على التعبد بالغسل بالماء، ومن الطهارات بالماء فعدم الماء، وكان له عذر، كان التيمم بدلا عنه في اللازمات، فيما لا بد أنه من الطهارات، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما نجاسات الثياب إذا عدم فيها، فمعي أنه قيل فيها باختلاف، و أكثر القول والمشبه للحق من ذلك أن عليه من طهارة الثياب للصلاة، عند عدم ما عليه فيما لا بد أنه من التيمم بالصعيد، لأن ذلك مشبه لهذا في لزوم الطهارة.
وأما قوله فهذا مما عليهم فعله وعلمه قبل مجيء وقته، فهذا لا يخرج عندي إلا أنه غلط أو سقوط من الكتاب أو زيادة فيه، مما حول معناه، ولا أعلم أنه يجوز أنه يكون العمل به قبل وقته، وهذا فاسد من القول، أن أحدا من أهل العلم قال إن عليه علم مثل هذا، قبل مجيء وقته الذي يجب (1/132)
صفحة 133
العمل فيه، ومتى ثبت هذا أن يلزم الناس علم ما لم يلزمهم في التعبد في حرف واحد، لزمهم ذلك في جميع دين الله، وإذا لزم ذلك في جميع دين الله صح أن ذلك باطل وأنه لا يطيقه العباد بحال، وما كان لا يطيقه العباد بحال لم يجز أن يلزمهم الله إياه، في أمر ما تعبدهم به، لأنه لا يكلفهم
-202 -
فوق طاقتهم، بذلك أخذ عليهم الميثاق ولهم بذلك ثبت الكتاب والسنة والإجماع معنا، قولا وفعلا.
باب: الفروق بين الصغائر والكبائر
وأما إذا أتى شيئا من ذلك على العمد، أو على غير حكم الخطأ، مما يشبه العمد، لأن شبه العمد وشبه الخطأ لاحق بالخطأ في الأحداث، في أحكام المعاصي وأحكام الحقوق.
فمعي أنه قد قيل: إذا أتى من جميع ذلك من المحجورات، في نفس أو مال، ما يخرج في حال التعارف له، أنه ليس من الجائز للحلال بين الناس المباح من المحجورات، الذي لا يخرج مثله من وجه الإباحة، ولا من وجه التعارف، ولا ما يشبه ذلك في مال أو نفس، فهو حرام ولاحق بالكبائر، ولا مثل الدفرة في الانسان، التي لا يخرج معناها إلا ظلما، كذلك الضربة التي تشبه ذلك والرمية، وكذلك ما كان من أموال الناس أخذه على العمد، والقصد إليه على غير ما يجوز بين الناس، ولا يخرج إلا حراما محجورا، فذلك كله لاحق بالكبائر في بعض ما قيل.
وأحسب أنه قيل: ولو رماه ببعرة ظالما له، خرج ذلك مخرج الكبيرة، وهو راكب بمثل ذلك كبيرة، إلا ما يخرج مثل ما لا يكون ظلما من السدعة في البدن، ومثل أخذ الحبة والحبتين وأشباه ذلك، مما لا يخرج معناه معنى الظلم، فإنه لا يكون مثل ذلك ظالما، ولا يلحقه حكم الكبير بمثل ذلك، إلا أن يضر على ذلك، فإن الاضرار على ما كان قليلا أو كثيرا، مما يضمنه من الحقوق في أموال الناس وأبدانهم، فلا يسعه ذلك، والمضر بإضراره راكب
-203 -
الكبيرة، فيما عندي أنه قيل.
وأحسب أنه قيل في مثل هذا: ولو أنه كان يخرج مخرج الظلم وكان ظالما، فلا يكون فعله له كبيرة، يكفر به إلا أن يصر عليه، أو يأتي من ذلك ما يستحق في ذلك الحد، مثل السرق، ولو سرق أقل من أربعة دراهم، على وجه التلصص والسرق، لم يكن بذلك التلصص والسرق راكبا الكبيرة، في هذا القول، لأن الكبير قيل: ما يستوجب فاعله حدا في الدنيا أو وعيدا في الآخرة، فمن أتى مما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، ففعله مكفرة وكبيرة من حين ما يقع في فعله، فإذا أتى مثل ذلك كان كبيرا، أو ما أشبهه، فاحسب أنه قيل: إذا سرق من أموال الناس ما (1/133)
صفحة 134
يجب فيه حد مثل الحد أتى كبيرا، وكذلك لو أخذ ذلك على وجه الاختلاس والضرر الذي لا يجب فيه حد، فهو إذا أخذ من ذلك أربعة دراهم أو قيمتها، كان مثل الكبيرة، لأنه مثل ما يجب به الحد، وكذلك إن أخذ ذلك من مسجد أو كسوة الكعبة، وأشباه ذلك مما جاء فيه الأثر، أنه لا حد فيه، فاصاب مثل ما يجب فيه الحد في السرق، فقد أتى مثل الكبيرة، والمثل للشيء لاحق به في الحكم.
وقيل: من أن ما يجب به حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعن من الله ورسوله، فهو لاحق بالكبيرة.
فاحسب أنه من ذهب إلى هذا القول، أنه إنما ذهب في السرق وما أشبهه، لأنه لا يكون كبيرا، ولوكان ظلما بغير الحق، إلا أن يكون مثل ما يجب به الحد، وأحسب أنه من ذهب إلى هذا القول، أنه إذا أتى من جميع ذلك، ما لا يخرج بين الناس إلا ظلما وعدوانا، فانه بالظلم والعدوان نفسه، كان مستحقا لركوب الكبير، لقول الله -تعالى -: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول
-204 -
الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالين) (1).
فدخل اسم الظلم على جميع الظالمين، بأي شيء كان ظلما، مما لا يخرج بين الناس إلا ظلما، وقد قيل عن بعض أهل العلم، أنه قال: أصل ما دنا به أنه من ظلم حبة فما فوقها فهو كافر والكافر لا يكون كافرا إلا بركوب كبيرة.
وقد قيل عن بعضهم أنه قال: كل ما عصى الله -تعالى- به من المعاصي فهو كبير، لأنك لا تنظر إلى صغير الذنب، ولكن انظر إلى من عصيت، يعني انظر إلى من عصيته إذا عصيته، فابصرت من عصيت، عصيت عظيما كبيرا، فجميع معصيته عظيم كبير، لأنه لا يشبهه شيء -تبارك وتعالى -، كذلك معصيته لا يشبهها شيء من المعاصي، من معاصي غيره من خلقه.
وأحسب أن هذا مما يختلف فيه، لأنه قد قيل: إن الطريقية أحسب أنهم دانوا بذلك، أن الذنوب كلها صغيرها و كبيرها كبائر، فعاب ذلك المسلمون عليهم، وجعلوه من خلاف الدين، وإنما خالفوا الدين معنا على معنى ما أحسب أنه قيل، إذا انتحلوا ذلك دينا، ولم يقولوا به على وجه ما قيل من الاختلاف، ولو قالوا به على وجه الاختلاف، ولم يدينوا به، لم يكن معنا ذلك خلافا في الدين، ولكنه لما دانوا بما يجوز فيه الرأي، كانت دينونتهم بما يجوز فيه الرأي خلافا في الدين، لأن الرأي قد أثبته الدين رأيا، فمن انتحله دينا فمعنا أنه قد خالف الدين، ومن أجاز الدين في الرأي، فمعنا أنه قد خالف الدين، لأن الدين لا يجوز فيه الرأي معنا، والرأي لا يجوز فيه الدين.
-205 - (1/134)
صفحة 135
__________
(1) - 18 من سورة هود
والدين معنا ما ثبت ني الكتاب نصا أو تأويلا، لا يجوز فيه الاختلاف، أو ما ثبت في السنة كذلك، أو ما ثبت في الإجماع كذلك، أو ما أشبه هذا، فمعنا أنه من الدين، ولا يجوز خلافه بدين ولا برأي، وما عدا هذا وما أشبهه، ولم يأت فيه بذلك فهو معنا وجه الرأي، لأهل الرأي، ومن بلغ إلى علم الرأي، في شيء من أصول الدين، أومن فنونه أو من أبوابه أو من وجه من وجوهه، فهو كذلك، وله القول في ذلك الذي أبصره، وبلغ إلى علمه، وأبصر وجه الرأي فيه، وليس كل من بلغ إلى علم ذلك أبصر وجه الرأي فيه، كما أنه ليس كل من حفظ شيئا من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع، وما أشبه ذلك، أحسن تأويلا بالعدل، كذلك ليس كل من بلغ إلى حال، يجوز لبالغه الرأي أن يقول بالرأي، إلا ببصره وجوه الرأي، كما لا يجوز له التفسير لما عرف بعينه، إلا ببصره للتفسير -، وان كان يعرف الشيء بعينه، فالذي يطلب عنه الشيء بدلائله التي عنده، أبعد وأحرى أن لا يثبت له ذلك، ولا يجوز له إلا بمادة بصر ونظر من عنده، يبصر به وجه ما يجتهد لالتماسه، من إصابة الحق في الرأي، فافهم ذلك إن شاء الله.
وأحسب أن الذي يذهب إلى كل ما خرج على وجه الظلم إنها كبيرة، مما لا يشبه الصغيرة، لثبوت قول الله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكهم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (1).
فمواقعة الظلم والعدوان لما لا يخرج على وجه الرضى، وتعارف المتعارفين في ذلك من أفعالهم، في أموال بعضهم بعض، هو من وجه
-206 -
__________
(1) - 29،30 من سورة النساء.
العدوان والظلم، كان من وجه العدوان والظلم، فقد ثبت فيه مجملا الوعيد واللعن من الله - تبارك وتعالى -، فلذلك ذهب من ذهب أحسب إلى هذا، ولم ينزله منزلة الصغير، لأنه قد ثبت فيه الوعيد واللعن، وصار أصلا لا يحتمل إلى غيره.
وأحسب أن الذي يذهب إلى مثل هذا، أنه لا يجعله كبيرا، ففي الأموال يذهب فيها إلى نحو ما ذكرت لك في الأبدان.
وأحسب أنه يذهب إلى أنه لا يكون كبيرا، من الجناية في الأبدان، إلا ما كان مشتبها في الحد في الأبدان، فأما في الجروح في الأبدان، فلا يشبه ذلك معنا في الحدود، إلا مثل قطع جارحة من (1/135)
صفحة 136
جوارحه، أو ما أشبه ذلك، حتى أحسب أنه قيل: ولو ثبت فيه القصاص لم يكن ذلك مشبها للحد، ولو كان فيه القصاص.
ومعي أنه إذا صح هذا المذهب، فما أشبه الجارحة فهو مثلها، وما قطع وأبين من الجوارح، أو من شيء منها فهو مشبه، لإبانة الجارحة، وهو مثل إصبعه أو أنمله، من إصبع أو شيء منها، بائن أو شيء من جوارحه، فأبانه فهو مشبه لثبوت الحد فيه.
وأحسب أنه قيل على هذا المذهب: إنه لا يكون كبيرا إلا حتى يجب فيه القصاص، فإذا ثبت في حدثه القصاص، فهو مشبه لإزالة الجارحة، لأنه قد قيل غير الحال في البدن، ولأن القصاص شيء يشبه الحد، لأنه لازم في البدن، لا في المال، ولا يشبه في البدن إلا ما أشبه الحد، لأن الحد في البدن والقصاص من البدن، فهما مشتبهان وما أشبه الشيء فهو مثله.
وأما ما كان من الضرب أو الرمي أو غير ذلك، مما لا يثبت فيه القصاص، وإنما هو أرش، فهو ضامن لما لزمه في ذلك، وغير مستحق حكم الكبير، إلا أن يصر على ذلك، أو لا يتوب.
-207 -
ومعي أنه يخرج ولو ثبت هذا أنه لا يكون كبيرا إلا ما أشبه الحد في البدن، فإنه قد ثبت الحد في البدن ضربا بالسياط، في حد الزاني البكر، والقاذف وشارب الخمر والسكران، من الشراب المسكر، فإذا أتى مثل ذلك في غيره ظلما فقد أتى ما يشبه الحد.
وأما ما كان ظلما فهو مثل الحد، والمثل لو تفاضل وكان شيء أشد من شيء فإن اشتبه في المعنى، فقد اشتبه وتلاحقت أحكامه وكان متساويا، كما أن حد الزاني أشد في الجلد من حد القاذف وحد القاذف أشد من حد الخمر، والسكران فيما معي أنه قيل وكله حد ثابت مسمى حدا.
وكذلك الضرب إذا كان ظلما، فهو مشبه لضرب الحد، ومشبه للحد فإن تفاضل في الشدة وفي الكثرة، فإنه كله متساو في المعنى، ومشبه في الحد.
فإذا كان الضرب بالسوط حدا، فالعصا مثل السوط وأشد، وكذلك القضيب مثل العصا وان تفاضل، والركزة باليد والضربة بها مثل الضرب بالسوط، وكذلك قد ثبت الحد رميا بالحجارة، في حد الزاني المحصن، وهو حد وان تفاضل، لأنه لو وقع على المقر بالزنا، أول رمية الحجر لم يجرحه، ولم يؤثر فيه، كان قد ثبت عليه الحد، ولو رجع عن إقراره، لأنه قد وقع عليه أول الحد، لأن الحد في الرجم إنما هو الرمي، فإذا وقع عليه الرمي فقد ثبت عليه الحد رميا وضربا، ومن أتى ما يشبه الحد وان تفاضل، فقد لحقه حكم الحد في التشابه، وكل منهم يذهب مما وصفت لك من قولهم إلى ما يخرج عندي، على أصل العلة يصح إن شاء الله -تعالى - فأما من أصاب شيئا من المال، أو من الأبدان على وجه المحاربة، كان ذلك قليلا أو كثيرا، فمعي أنه قد أتى فيما قيل بذلك كثيرا، بنفس المحاربة، لأن نفس المحاربة واقع عليه بها وجوب الحد، وكذلك من حارب على البغي، وكان في جملة البغاة، أصاب أو لم يصب، فقد أتى كبيرة بالبغي بغير (1/136)
صفحة 137
الحق.
-208 -
ومن أعان على الظلم بشيء من المعونة سلطانا أو غيره من الظالمين، فمن يتغلب بالظلم ويقهر به، فإنه على ظلمه، على ظلم قليل أو كثير بشيء من المعونة، يكلمه أو يمده في دواة أو يبري قلما أو كتابا قاصدا بذلك المعونة للظالم على ظلمه، فمعي أنه قيل في هذا كله كبيرة، كانت المظلمة قليلا أو كثيرا، كذلك معي أنه قيل: إنه من يشهد بزور أو يحكم بجور، على قليل أو كثير من المظالم، أو بخس في المكيال أو الميزان، قليلا أو كثيرا، فقد أتى بذلك كبيرا، وهذه الأشياء التي تثبت بعينها اسم الكبير، ولا ينظر فيما أصيب بها من قليل أو كثير، وإنما الاختلاف على ما وصفت لك عندي، على ما أتى على غير هذه المعاني، التي ثبت بها اسم الكفر، فانظر في فرق ذلك ولا تعب عليك، إن شاء الله، وبالله التوفيق.
باب: الوالدان و الاحسان إليهما وصلة الرحم
وأما الاحسان والبر بالوالدين، وبذي القرب واليتامى والمساكين، إلى آخر المعنى، فمعنا أن ذلك من الواجب، إذا خص حكم ذلك بعينه، وإلا ففي الجملة الدائن بها، والمقر بها من تعبد بذلك مكتفيا، فإذا ثبت شيء من ذلك، ونزلت بليته بمخصوص بعينه، وجب على ما يستحق كل منهم من أحكامه، على ما ثبت من أقسامه، من خاص ذلك أو عامه، ولكل منهم حق ثابت، إذا خص الحكم به، بما لا يختلف الحكم فيه، مما يفوت العمل به، من وقوع ضرر في تضييع لازم، أو ارتكاب شيء من المآثم، لم يسع ذلك معنا، وكان ذلك لاحقا بحكم ما يجب العمل به، في الوقت الذي لا يجوز ترك العمل فيه، وما كان من ذلك إنما هو من البر والمواصلة، فما لم يقع
-209 -
هنالك قطيعة باعتقاد، فأرجو أنه مما يجوز التوسع بذلك، وقد قيل في بعض ما قيل: إن الصلة في جميع ذلك التي أمر الله بها، يخرج تأويل ذلك أنه تجري المواصلة بالاعتقاد بالقلوب، الأعمال بالأبدان واللسان، إلا أن تظهر قطيعة بشيء من ذلك.
فعندي أنه لا يجزىء إدا ظهر في القطيعة، بشيء من ذلك، إلا الخروج منه بمثله من الفعل أو القول، إن أمكن ذلك لثبوت التوبة من الذنوب، أن السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية، كذلك هذا معنا إذا ثبتت القطيعة بالفعل أو بالقول، لم تثبت معنا الصلة إلا بالرجوع عن ذلك بمثله، إذا لم يكن في ذلك عذر من تقية، أو غيرها، في مال أو نفس أو دين.
وأما ما لم يقع قطيعة فلا يبين لي أن تثبت المواصلة في الإجماع، إذا قامت بذلك الحجة، إلا بالاعتقاد للمواصلة لهم على ما أمر الله به، فإذا ثبت معنا غير ذلك من المواصلة بالأبدان أو بالمقال، فذلك خارج معنا على أنه قيل: إنه إنما يلزم مرة واحدة، وأحسب أنه قد قيل: إنه يلزم ذلك (1/137)
صفحة 138
، أنه كلما حدث لما يحدث منهم مواصلة فرح أو حزن، وإنما يوصل الوقوع الفرح به والحزن، فيهنىء الفرحة ويعزي الحزنة، ويشارك في فرحه وحزنه، لتعظيم حق الله فيه، وادخال السرور عليه، وأحسب أنه قيل من قطع نفسه وماله، فقد قطع من حق المواصلة، لمن تجب مواصلته بالنفس أو المال أو أحدهما كاف، وربما كانت المواصلة بالنفس أفضل، وذلك لمن لا يحتاج إلى المال، وربما كانت المواصلة بالمال أفضل، لمن يحتاج إلى المال، ومن وصل بأحدهما معنا، فقد وصل، إذا أراد المواصلة لمن تجب مواصلته، وحقوق هؤلاء الذين أوجب الله مواصلتهم، والاحسان إليهم، وبعضهم أوجب من بعض، وبعضهم أخص من بعض، وتفسير ذلك يطول، فيجعل لكل ذي حق منهم حقه على ذلك، بصدقة إن شاء الله -تعالى-.
وسائر ما بقي من هذه الأعمال التي قال أتى بها تثبت الولاية، ويجب
-210 -
الحق، فقد مضى القول فيها مجملا، ومضى ما مضى منها مفسرا، وما بقي مما لم يفسر ومن ظواهر أمورها، ومما هو موجود غير معدوم تفسيرها، وتفسير كل حرف منها، لعله مما يشتغل به عن الإرادة، وجميع الحقوق وجميع الحدود، وجميع الأحكام من أحكام الاسلام كل شيء من ذلك له خاص وعام، وتفسير وتأويل وسعة وضيق، ولا يجوز أن يخالف شيئا من أحكام ذلك لغيره، ولا يضيع شيئا من ذلك لغيره، ويجب أن يجعل حكم كل شيء من ذلك في موضعه، ويلحق بأهله من حق لهم أو عليهم، أو حد لهم أو عليهم، أو عداوة أو ولاية أو قطيعة أو مواصلة، ولا يجزىء شيء من ذلك عن غيره، ولا يضيع شيئا من ذلك لغيره، إذا زال الغير، وليس إلا موافقة الحق في كل شيء بعينه، من قول أو عمل أو نية، ولا يثبت شيء من أبواب طاعة من عامل على معصية، مقيم عليها بثبوت الإيمان ولا يبقى لعامل بطاعة، طاعته على وجه ثبوت لم الإيمان، مع ركوب معصية أقام عليها، بما يكفره ركوبه و الإصرار عليه، ولا توفيق لأحد إلا بالله، عليه توكلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير.
باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ثبتا
وأما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهما فريضتان على من أطاقهما، لأنهما عملان على من أطاق العمل بهما، وقيل: إن على القادر على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الفعل بيده ثبت عليه ذلك، إذا لم يكن في حال تقية تسعه من تقية على نفسه، أو ماله أو دينه، فإذا لم يتق على نفسه تقية، وقدر على الإنكار، ولم يخش من إنكاره ذلك، يتولد عليه ضرر في دينه، أو نفسه أو ماله، يرجع فيه إلى حال تقية، وحضر فيه لزوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان عليه ذلك بالفعل، فإن لم يقدر
-211 - (1/138)
صفحة 139
فباللسان، إلا أن يتقي تقية، فان لم يقدر فبالقلب، وهو أضعف الإنكار، فيما قيل، وهو معنا مما يسع جهله، إلا في جملة الصفة إذا خطر بباله، أو سمع بذكره في جملة المعروف والمنكر، فعرف معنى ذلك، واستدل عليه أن المعروف طاعة الله، والمنكر معصية الله، فعليه إنكار المنكر، وتصويب المعروف في اعتقاده وذلك في الجملة.
وأما معروف بعينه، أو منكر بعينه فهو مما يسع جهله معنا فإذا نزل بمنزلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في حال لا يختلف فيه أنه عليه، ولازم له فجهل ذلك، وقد لزمه ذلك بقول أو فعل بامر، لا يختلف فيه أنه عليه لازم له، أو بينة فعليه في هذا إذا كان منكرا يخاف فوته، و وقوع المنكر، ووجوب الضرر من جميع الفائتات من اللازمات، فعليه في هذا الوجه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر معنا، اذا كان لازما له من السؤال، واعتقاد التوبة، والاجتهاد في طلب العلم، كمثل ما على من جهل الوضوء للصلاة، والغسل، والصلاة والصيام، وجميع اللازمات من الفادسات، فإن قصر في ذلك في اعتقاد طلب العلم، والسؤال عما قدر عليه ممن قدر عليه، فان ضيع ذلك، أو شيئا منه، وهو ممن يلزمه إنكار ذلك، وهو مما يفوت وقته ضاق عليه ذلك، ولحق بحكم اللازمات والفائتات معنا، وإذا كان ذلك الأصل من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يفوت وقته.
وهو معنا أوسع، ولا يهلك بجهل ذلك، ولا بترك السؤال عنه ما لم يصر إلى حد الفوت، وهو على جملة اللوازم له، ما لم يعجز عن ذلك بحال من الحال، زال حكمه عنه، فهو ما لم يأت منكرا، أو ينه عن معروف، أو يدع في ذلك علما قامت عليه به الحجة، أو يشك في قول الحجة، المعبرة له ما يلزمه من ذلك، فهو سالم، وفعل ما يخاف فوته من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يخرج معنا قيام الحجة فيها من الفتيا، من وجه ما يخرج من اللازمات الفائتات، وقد مضى القول في ذلك.
-212 -
وقد قيل: بجميع من غير ذلك.
وقد قيل: لا يكون إلا بأهل الصدق المامونين ممن كان من الضعفاء والعلماء، ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا، أنه يقوم من الضعيف والعالم، من أهل الثقة، والصدق، ولو لم يكن من العلماء إذا قاموا عليه بعبارة ما لزمه العمل به، والقول في ذلك الوقت، وكذلك هذا الفصل عندنا من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذا خرج عملا على هذا الوجه.
-213 -
-214 - (1/139)
صفحة 140
تم بحمد الله الجزء الثاني من كتاب المعتبر ويليه إن شاء الله الجزء الثالث
-215 -
-216 -
الفهرست
رقم الصفحة
الولاية .......................................................................... ه
باب ذكر ولاية من حلف بثلاثين حجة ............................................. ه
باب ذكر ولاية الولي إذا لزمه الحدث فمات قبل ان يقام عليه الحد ..................... 6
باب ذكر الشهادة بالتوبة بعد موت المحدث أو ولاية بغير شهادة ....................... 8
باب ذكر من ثبتت ولايته في حكم الظاهر كيف تزول؟ ............................. 12
باب ذكر حدث الولي في حكم الظاهر ............................................ 14
باب ذكر من يتولى بنظره وصفة ذلك ............................................. 15
باب ذكر معنى قبول الولاية بالرفيعة وثبوتها وجوازها ................................ 19
باب ذكر ولاية الطفل بولاية أحد والديه ......................................... 22
باب ذكر معنى ولاية المجنون وحكمه ............................................... 25
باب ذكر ولاية الأعجم وحكمه ................................................. 27
باب ذكر ولاية المتلاعنين وحكمهما ونحوها ........................................ 28
باب ذكر ولاية المتبرئين من بعضهما بعضا ....................................... 29
باب ذكر معنى شهادة الشاهدين على أحد من المسلمين ممن له ولاية مع من يتولى ........ 35
باب ذكر معاني البراءة في حكم الظاهر ........................................... 37
باب ذكر صفة براءة من يبرأ من السعداء ......................................... 38
-217 -
رقم الصفحة
باب ذكر معنى البراءة قبل الاستتابة من المستحل وغيره ............................... 44
باب ذكر معنى شهادة النساء بالبراءة ............................................... 46
باب ذكر الشهادة في البراءة على الأئمة والمتأولين من أهل الضلال ..................... 46
باب موضع إجازة الرأي ونحوه .................................................... 50
باب معنى الشهادة في الأحداث في البراءة .......................................... 51
باب ما يسع جهله من البراءة ...................................................... 56 (1/140)
صفحة 141
باب الشهادة في البراءة واختلاف ذلك من العلماء والضعفاء من المسلمين ............... 67
باب معنى من يتولى من يبرأ منه أحد من المسلمين ................................... 68
باب شهادة الشاهدين على براءة المسلمين من احد والمسلمون يبرؤون من فلان ..........
باب براءة الشريطة ............................................................ 70
باب ولاية الوليين كل واحد منهما يقتل صاحبه .................................. 71
باب التمييز بين شهرة الادعاء للحدث وبين شهرة ما يصح من الحدث .............. 73
باب ذكر معاني القول من اللوازم الواسع وقتها ..................................... 74
باب ما يسع جهله وما لا يسع جهله ............................................. 76
باب ذكر ما تقدم عمله من اللوازم المتفقة من الفرائض مثل الزكاة والحج والأيمان الواجبة .. 81
باب الفرق في السعة وحدث المحدث فيما لا يسع جهله والشك في المحدث ............ 137
باب الفرق في البيعة و ركوب المحارم وترك اللوازم ................................ 139
باب وقوف الشك الذي لا يسع ................................................... 142
-218 -
رقم الصفحة
باب وقوف الشك عمن لم يتول كولايته ويبرأ كبراءته ............................. 143
باب ما يجوز من التقليد وما لا يجوز ............................................... 144
باب ثبوت معنى الأمة ......................................................... 152
باب معاني الإمام وحدثه ....................................................... 156
باب صفة الولاية لأئمة العدل والبراءة من أئمة الجور ............................ 158
باب صفة من سلف من الأئمة والبراءة منهم ...................................... 164
باب منازل ما يستحق العبد في حكم الإسلام ..................................... 166
باب من وجب عليه حد أو زكاة أو نحوه من الحقوق فلم يكن يدين به بمعنى جهالة أو غير ذلك ..................................................................... 170
باب من ظهر منه ما يحتمل خطؤه وصوابه من حقوق الله وحقوق العباد ......... 173
باب السعيد عند الله يكون منه المعصية، والكفر والشقي عند الله يكون منه الطاعة والإيمان ............................................................... 178
باب فرق الاستحلال والتحريم .......................................... 182
باب معاني الاختلاف في المستحلين والمحرمين ................................ 184
باب معنى الفرق في الصغائر والكبائر والحكم في ذلك ........................ 185
باب معنى ما يكون صغيرا وما يكون كبيرا من الأحداث .................... 188 (1/141)
صفحة 142
باب القول في معنى الحلال والحرام ........................................ 190
باب الفرق بين الحكم في المستحلين والمحرمين ............................... 192
باب الفروق بين الصغائر والكبائر ........................................ 203
باب الوالدان والإحسان إليهما وصلة الرحم ............................ 209
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ثبتا .......................... 211
-219 - (1/142)