صفحة 1
الكتاب: المعتبر
الجزء: الثالث
المؤلف: العلامة المحقق الشيخ/ أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: 1405هـ ــ 1985م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف المحقق الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي
الجزء الثالث 1405 هـ - 1985 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
باب في الحائض و المستحاضة (من الأثر)
قال هاشم: سمعت أن أبا أيوب قال: سألت الربيع عن المرأة ترى الدم فتحسب أنه حيض فتترك الصلاة، ثم يستبين لها أنها حامل؟
قال: عليها إعادة ما تركت من الصلاة أثناء حملها، وكان يرى أنه على الحامل إذا رأت الدم أن تصنع ما تصنع المستحاضة.
يقول في المستحاضة إذا رأت دما سائلا اغتسلت بين كل صلاتين و تجمعهما، وتغسل للغداة غسلا، وإن كانت صفرة توضأت لكل صلاة.
وكان الربيع - رضي الله عنه -يكره أن يأتيها زوجها في وقت وجود الدم السائل، ولكن إذا انقطع الدم.
وسمعت أن أبا منصور يقول: إن قدر زوجها أن يقضي شهوته في غير الفرج فليفعل، وإن أراد الفرج فلتصنع المرأة فيه من التنظيف لزوجها مثل ما تصنع المستحاضة.
وأما غيره فيرى التنزه عن إتيان المستحاضة.
وكان أبو منصور يرى أنه: أيما امرأة رأت الطهر في وقت الصلاة، فليس عليها قضاء إلا تلك الصلاة التي رأت الطهر فيها. (1/5)
صفحة 6
قال غيره: إذا طهرت بعد العصر، فإنها تصلي العصر، وإذا طهرت قبل الصبح صلت العتمة.
وكان الربيع يقول: النفساء إذا تطاول بها الدم، ولم يكن لها وقت تعرفه نظرت إلى أقصى ما كانت أمهاتها يقعدن فتقعد كما يقعدن، وإن كان لها وقت فلم ينقطع عنها الدم، زادت يومين أو ثلاثة ثم تغسل.
والحائض تزيد يوما أو يومين، إذا لم ينقطع الدم.
وكان يقول: أقصى وقت النفساء شهران، وقد سمعت من يقول: أربعين يوما، وأقصى وقت الحائض عشرة أيام.
وقال محبوب: قد اختلف الفقهاء فيه فمنهم من قال: لا تقعد المرأة أكثر من عشرة أيام، ثم تنتظر يوما أو يومين، فإن طهرت و إلا هي مستحاضة.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في الحائض فأكثر ما وجدنا وعرفنا أن أكثره عشرة أيام، وأنه لا انتظار بعد العشر. وكذلك يجب العمل إن شاء الله.
وقال في المرأة إذا رأت صفرة في وقت طهرها لم تزد، وإنما الزيادة قي الدم تغسل وتصلي. وإن رأت دما بعد انقضاء أيام حيضها فلا أرى لها أن تزيد، وإنما الزيادة إذا كان الدم متصلا، ويرى إن زادت يوما أو يومين ولم ينقطع الدم أن انفضي ما زادت، وإن انقطع ورأت الطهر فلا قضاء عليها ..
قال أبو سعيد: إذا انتظرت يوما أو يومين، مع اتصال الدم بها (1/6)
صفحة 7
في العشر، وانقطع عنها الدم، فقد قيل: لا إعادة عليها، وإن لم ينقطع عنها الدم في اليوم أو اليومين، فقد اختلف في إعادة صلاتها، ونحب أن لا يكون عليها إعادة، إذا أمرناها بالانتظار
وقال في المرأة إذا رأت الطهر في أيام حيضها، في وقت صلاة، فذهبت لتغتسل فعاودها الحيض، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: لا؟ ولو كانت الفريضة ركعتين فحاضت، فليس عليها قضاء تلك الصلاة إذا لم تتوان، وقال في انقضاء أيام حيضها ولم تر الطهر، ولكن الصفرة اغتسلت وصلت أياما، فإن صلت أياما في الصفرة بعد الزيادة ثم رأت دما في غير وقت صلاة، فلما جاءها وقت الصلاة انقطع الدم ورأت الصفرة، قال: تغتسل، لأنها رأت دما، فإن رأت الطهر بعد الصفرة فلتغتسل أيضا، لأنها لم تكن رأت الطهر حتى اغتسلت من الحيض.
وقال أبو سعيد: إذا اتصلت بها الصفرة فلتغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ في الصفرة لكل صلاة، فإذا طهرت من الصفرة، فقد قيل: عليها الغسل لأسباب اتصال الصفرة، وهذا أحب إلي إذا اغتسلت من الدم بعد انقضاء حيضها.
وعن امرأة تمت أيام حيضها وانقطع عنها الدم، ولم تر طهرا فاغتسلت وصلت ثلاثة أيام ثم رأت الطهر فلم تغتسل مرة أخرى؟ قال: أرى أن تغتسل حتى ترى الطهر.
قلت: فهل عليها القضاء؟ قال: إن قضت فهو أفضل.
قال أبو سعيد: إذا انقطع عنها الدم السائل أو القاطر، اغتسلت ثم (1/7)
صفحة 8
تتوضأ لما سوى ذلك من الصفرة و الكدرة والحمرة وأشباه ذلك، فإذا طهرت لحقها عندي الاختلاف، في وجوب الغسل، وأحب أن لا يجب عليها غسل، والذي يوجب عليها الغسل فلم تغتسل وصلت على ذلك، لحقها عنده البدل لما صلت، ولزمها الغسل لغير غسل، ولا أحب أن يلزمها البدل، لأنني لا أحب أن يلزمها الغسل.
وعن امرأة كانت تقعد في حيضها عشرة أيام، فلما كان تمام العاشر رأت الطهر بالغداة، فاغتسلت، ثم رأت الدم بعد الاغتسال فلم ينقطع، هل تزيد؟ قال: إن كان بقي من عدتها فلتزد يوما أو يومين.
وعن امرأة كانت تصلي خمسة عشر يوما، وتقعد أيام حيضها عشرة أيام فاستحاضت، كيف تصنع؟ قال: تقعد أيام حيضها العشرة، لا تزيد عليها ثم تغتسل وتصلي، وتصنع كما تصنع المستحاضة.
قلت: هل ترى عليها الغسل؟ فالمستحاضة إذا اغتسلت لم تر دما، حتى جاء وقت صلاة أخرى. قال: إن كانت رأت الطهر بينا، فلتغتسل لطهرها، فإن لم تطهر أفهي بعد مستحاضة؟
قال أبو سعيد: ليس على المستحاضة عندنا قضاء قبل الغسل إلا في الدم السائل و القاطر، فإذا غسلت عن زوالهما فلا غسل عليها بعد، من سائر ما رأت، فإن اغتسلت والسائل أو القاطر بها، وخرجت من مغتسلها ولا دم بها، ولم تعلم به أنه راجعها بعد الغسل. (1/8)
صفحة 9
فقد قيل: عليها الغسل حتى تعلم أنه انقطع عنها، وغسلها كان بعد انقطاعه.
وقيل: لا غسل عليها حتى تعلم أنه كان بها حينما اغتسلت، وأي ذلك فعلت إن شاء الله فله أصل، والتنزه أحب إلي، فالغسل أحب في هذا الموضع.
وعن امرأة كانت تقعد في حيضها ستة أيام ثم صارت لا تطهر إلا في عشرة أيام، ما ترى؟ قال: تزيد على الستة الأيام يوما أو يومين ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: حتى تصير العشرة الأيام عادة لها ثلاثة قروء، فإن كان ذلك استعملته في القرء الرابع، وكان وقتها في بعض ما قيل، وهو أحب إلي.
وعن امرأة رأت الطهر في أيام حيضها، فاغتسلت وصلت، فجامعها زوجها وهي طاهر، ثم رأت الدم وهي بعد في العدة؟ قال: ما أرى عليها شيئا، وأفضل ذلك أن يكف عنها حتى تنقضي أيام حيضها.
قال أبو مهاجر: ذكر عمر بن عبد الله العزيز أنه كتب إلى امرأة أن تأمر الناس أن يكفوا عنها يوما أو يومين، فإنه أبعد من الوهم، فإن كانت تمت عدتها فاغتسلت بعد أن رأت الطهر، فلا تزيدن شيئا. (1/9)
صفحة 10
وعن السقط إذا كان دما فقال النساء إنه ولد؟ قال: السقط نفاس، وعليها عدة النفساء إذا قالت النساء إنه ولد.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في السقط:
فقال من قال: هو نفاس ولو كان دما.
وقال من قال: لا يكون نفاسا حتى يتبين تخلقه.
وقال من قال: إذا كان مضغة مخلقة أو غير مخلقة فهو نفاس، وهو أحب إلي.
وعن امرأة ولدت أول نفاسها فمكثت في الدم شهرين، وكانت أمها تقعد خمسة وأربعين يوما قال: لا تزيد على عدة أمها.
قلت: فإن كانت لا تعرف عدة أمها وأخواتها قال: وقتها شهران، وقد قالوا: أربعين يوما.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في نفاس البكر إذا مد بها الدم:
فقال من قال: أكثره أربعون يوما.
وقال من قال: أكثره ستون يوما.
وقال من قال: تسعون يوما.
وقال من قال: نفاس أمهاتها. (1/10)
صفحة 11
ووجدنا أصحابنا يحبون ستين يوما، بالتوسط في ذلك للبكر.
وعن المرأة إذا تمت أيام حيضها، ولم تر طهرا، أو ترى صفرة؟ قال: إذا تمت أيام حيضها، فلتغتسل أيضا لطهرها.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في مثل هذا.
وقد قيل: إن كان حيضها أقل من عشرة أيام انتظرت يوما أو يومين، في أول ما يستمر بها الدم، ثم لا تنتظر بعد ذلك، وإنما تقعد أيام حيضها، لأنها قد علمت أنها مستحاضة.
وعن امرأة كانت أيام حيضها عشرة أيام، وأيام طهرها عشرين يوما، فصارت أيام طهرها عشرة أيام زمانا، ثم صارت مستحاضة؟ فقال: تقعد أيام حيضها ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: تقعد أيام حيضها، ثم تغتسل وتصلي عشرة أيام، وتصلي يوم أحد عشر صلاة الصبح فيما قيل، ثم تترك الصلاة أيام حيضها.
وعن امرأة تمت أيام حيضها فلم ينقطع عنها الدم، فزادت يوما واحدا، ثم انقطع الدم ولم تر طهرا؟ قال: إن كان الذي نظرت إلى الدم، فهي مستحاضة، فلتقض اليوم الذي زادت، وإن رأت صفرة فلتتوضأ لكل صلاة، وإن رأت طهرا اغتسلت مرة أخرى.
قال أبو سعيد: أما إعادة صلاتها، فقد مضى القول فيها في الانتظار، وأما إن كانت لم تغتسل حين انقضاء أيام حيضها، فهو كما قال: عليها من ذلك الصفرة و الكدرة، والانتظار فيها، في أكثر قول أصحابنا فيما عرفته. (1/11)
صفحة 12
وعن امرأة ضربها الطلق، فجاءها دفعة من الدم، ثم انقطع عنها، كيف تصنع؟ قال: تغسل وتصلي.
قال أبو سعيد: إن رأت الطهر بعد الدفعة، فقد قيل: عليها الغسل والصلاة، وإن رأت صفرة أو كدرة أو حمرة قد تقدمها الدم، فقد قيل: عليها الغسل والصلاة، وقيل: لا غسل عليها حتى ترى الطهر، وهو أحب إلي.
رجل طلق امرأته وهي ممن تحيض، فحاضت حيضة ثم لم تحض إلى سنة؟ قال: عدتها بالحيض إلا أن تيأس من الحيض، وعليه نفقتها ما دامت في عدتها، وهما يتوارثان ما لم تنقض العدة
وعن امرأة عدتها عشرة أيام، فرأت الطهر خمسة أيام، ثم انقطع الدم ولم تر الطهر إلا يوم العاشر؟ قال: لا صلاة عليها حتى ترى الدم، فإن كانت رأت الطهر في أيام حيضها، فلم تغتسل ولم تصل، فلتقض ما تركت.
وعن مستحاضة غسلت بين صلاتين، ودخلت في الصلاة فأحدثت؟ قال: تتوضأ، وليس عليها غسل وإن كان دما، ما لم تفرغ من الصلاتين اللتين اغتسلت لهما، فإذا جاءها وقت صلاتين أخريتين، اغتسلت لهما. وعن مستحاضة عليها بدل صلوات فائتة؟ قال: إذا فرغت من الفريضة، اغتسلت غسلة أخرى للصلاة (1/12)
صفحة 13
الفائتة، فلتصل حتى يجيء وقت الصلاة، ثم تغسل بين الصلاتين أيضا، فعلى هذا النحو تقضي.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنها تغسل للصلاتين الحاضرتين غسلا جديدا
وعن مستحاضة غسلت بين الصلاتين، ثم انقطع عنها فلم تر طهرا ولا صفرة، فلتنظر القطنة نظرا آجلا، فإن رأت صفرة فلتتوضأ لكل صلاة، وإنما نظرت إلى الدم، فلتغسل بين كل صلاة غسلا ثلاث مرات في كل يوم وليلة.
قال أبو سعيد: قد قيل إن المستحاضة لا غسل عليها إلا من الدم السائل أو القاطر، وأما المكمن في الرحم فلا غسل عليها فيه، على ما عرفنا، وعليها منه الوضوء ..
وسألته عن الحائض إذا ماتت، كيف تغسل؟ هل تنظف كما تغسل إذا ماتت وهي طاهرة؟
قال: قد قيل: على الحائض إذا ماتت تغسل غسلان.
وقال من قال: غسلا واحدا، وهو أحبهما إلي، وكذلك الجنب، و النفساء مثل الحائض، مثل ما قيل.
وعن امرأة تمت أيام حيضها، فأرادت أن تغتسل وذلك عند غروب الشمس قبل المغرب، فرأت دما فلم تغسل، فأصبحت وهي طاهر، هل عليها قضاء؟ قال: تقضي صلاة العشاء الآخرة أحب إلي. (1/13)
صفحة 14
قال أبو سعيد: إذا كان دما سائلا فتركته منتظرة ليوم أو يومين، حتى جن عليها الليل، ولم تعرف طهرت في الليل أو لم تطهر، فأصبحت طاهرة فعليها صلاة الفجر، وأما صلاة الليل فإن احتاطت فذلك حسن، ولا يخرج ذلك عندي عليها في اللوازم
وعن مسافرة طهرت فلم تجد ماء فتيممت، فهل لزوجها أن يجامعها؟ قال: لا تفعل، ولا يجامعها حتى تغتسل بالماء.
قال أبو سعيد: إذا تيممت لعدم الماء فقد أجيز وطؤها، وكره ذلك من كرهه، وإجازته أصح، لأن التيمم يقوم مقام الغسل عند عدم الماء.
وعن امرأة طلقها زوجها، فحاضت الحيضة الثالثة، وكان حيضها عشرة أيام، فرأت الطهر بعد خمسة أيام، هل لزوجها أن يراجعها؟ قال: لا؟ ولا أحب أن تتزوج حتى تنقضي أيام حيضها العشرة.
رجل طلق زوجته في السفر، فحاضت ثلاث حيض فطهرت، فلم تجد ماء فتيممت قبل أن تجيء الصلاة، هل لزوجها أن يراجعها؟ قال: الله أعلم، إن تيممت في الوقت فهي أملك بنفسها، وإن أخرت الغسل والتيمم لكي يراجعها زوجها، فلا أرى أن يراجعها.
قال أبو سعيد: إذا عدمت الماء فتيممت فقد قيل: إنه لا يدركها زوجها، وأحسب أنه قيل: يدركها ما لم يتيمم لصلاة تحضر، لأنها غير مخاطبة بالتيمم الآن إلا الصلاة، ولما أن أخرجت التيمم فإن زوجها يدركها، ما لم يمض وقت لزوم التيمم بحضور صلاة جاء وقتها، فإنه قيل لا يدركها على هذا. (1/14)
صفحة 15
وقال: إذا طهرت المرأة من الدم ورأت البياض فلا يقربها زوجها حتى تغسل بالماء وتحل لها الصلاة.
قلت: فإن جامعها قبل أن تغسل وقت رأت الطهر البين، فلا أرى أن يفارقها.
وقال: النفساء في ذلك بمنزلة الحائض.
ومن غيره: وسألت أبا سعيد عن المرأة إذا رأت الصفرة ثلاثة أيام، ثم رأت الدم يوما واحدا، ثم انقطع عنها يوما وليلة، ثم رأت بعد ذلك الدم ستة أيام، وكان قرؤها ثمانية أيام، ثم انقطع عنها، أيكون هذا حيضا وتعتد به؟ قال: أما الثلاثة أيام التي رأت فيهن صفرة فليست بحيض، وأما اليوم الذي رأت فيه الدم واليوم الذي انقطع عبها، والستة أيام التي رأت فيهن الدم، فكل ذلك من الحيض.
ومن جوابه: وعن امرأة كانت عدة نفاسها شهرين، فرأت الطهر بعد ما مضى من عدتها عشرة أيام، فاغتسلت وصلت، وصامت شهر رمضان كله، ثم عاودها فلم ينقطع عنها حتى تمت أيام عدتها الشهرين، هل يجوز صيامها؟ قال: نعم.
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل هذا، إذا تم شهر رمضان قبل أن يراجعها الدم في عدتها.
وقيل: إذا راجعها الدم بطل صومها، لأنا قد علمنا أنها قد صامت (1/15)
صفحة 16
في أيام نفاس.
وعن امرأة كانت تصلي عشرين يوما ثم تحيض، فصلت سبعة أيام ثم رأت الدم؟ قال: تغتسل ثم تصنع كما تصنع المستحاضة إلى عشرة أيام، ترى الدم الذي ترى النساء، فإن قلن إنه دم حيض قعدت، وإن قلن إنه داء فهي مستحاضة حتى تبلغ العشرين.
وذكر عن الربيع أنه قال: إذا صلت المرأة عشرة أيام ثم رأت الدم فإنها حائض.
وقال غيره: خمسة عشر يوما.
قال أبو سعيد: أكثر ما وجدنا عليه أصحابنا، يأمرون ويعملون به أن كل دم جاء بعد طهر عشرة أيام ولياليهن كوامل، فهو حيض.
وعن امرأة حبس عنها الدم وترى صفرة، وربما كانت ترى الصفرة في أيام طهرها؟ قال: الصفرة في أيام حيضها حيض، فإذا رأته في أيام طهرها فهو من الداء، وتتوضأ لكل صلاة.
قال أبو سعيد: الذي عرفنا من أكثر قول أصحابنا أن الصفرة لا يكون حيضها حتى يتقدمها الدم في أيام الحيض.
وقد قيل: إذا كانت عادتها أن تأتيها الصفرة في كل قرء، كان ذلك حيضها.
وقد قيل: إنه حيض على كل حال، إذا جاءت في أيام الحيض، (1/16)
صفحة 17
والقول الأول عندي أكثر، وهو أحب إلي على كل حال.
وعن امرأة رأت الدم في أيام حيضها يوما واحدا، ثم رأت الطهر، واغتسلت في أيام حيضها يوما واحدا، ثم رأت الطهر، واغتسلت في أيام حيضها غير اليوم الواحد، الذي رأت فيه الدم من الحيض، فهي مستحاضة فيما رأت بعده؟ قال أبو سعيد: قد قيل فيما عندي هذا.
وقيل: إذا لم يتم لها أيام حيضها أو ثلاثة أيام، ما تكون به حائضا في أيام حيضها، فليس ذلك بحيض، وتستعمل هذا الدم في أيام حيضتها.
ومنه وقال: إذا تمت أيام حيضها فانقطع عنها الدم وترى الصفرة ولم تر طهرا، فلا تزيد شيئا، ولتغتسل و تتوضأ لكل صلاة، فإذا رأت الطهر اغتسلت.
قلت: فإذا دامت الصفرة بها أيام طهرها كله أيضا، هل لزوجها أن يجامعها؟ قال: نعم ولتتوضأ كذلك.
قلت: أفيجوز لها؟ قال: نعم و المستحاضة بتلك المنزلة إذا أراد زوجها أن يجامعها، اغتسلت وصيامها جائز.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في ذلك.
وقال غيره: نرى التنزه عن إتيان المستحاضة حتى تطهر طهورا بينا. (1/17)
صفحة 18
وعن امرأة طلقت فلما حاضت الحيضة الثالثة رأت الدم يوما، ثم طهرت فصلت أيام حيضها، هل لزوجها أن يراجعها؟
قال: لا ولا أرى أن تزوج حتى تحيض الثالثة حيضة تامة ثالثة، ثم تغتسل ثم تزوج إن شاءت.
وسئل عن المطلقة إذا ارتفع حيضها، وهي ممن تحيض، فارتفعت، هل على زوجها نفقتها؟ قال: نعم تعتد بالحيض.
ورجل اشترى أمة، وهي ممن تحيض، فارتفع حيضها إلى سنة؟ قال: لا يقربها حتى تحيض حيضة.
وكان الربيع يقول: تستبرأ الأمة بحيضتين إلا أن يكون البائع استبرأها بحيضة، فعلى المشتري أن يستبرأها بحيضة أخرى.
وعن امرأة يحتبس عنها الحيض شهرا، ثم رأت الصفرة أياما، ثم رأت دما بعد الصفرة، فطال بها، كيف تصنع؟ قال: أما ما كان من دم أو صفرة في أيام حيضها، فهو حيض، وأما ما كان في غير أيام حيضها، من أول ما رأت الصفرة ثم لتغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: إذا تقدم الصفرة الدم السائل أو القاطر، فقد قيل: إنه ما بعد ذلك من الصفرة و الكدرة من قبل حيضها أو بعد تمام حيضها، وإذا لم يتقدمها، فأحب أن لا يكون حيضا، وتغتسل من الدم فصاعدا إلى تمام أيامها التي كانت. (1/18)
صفحة 19
وعن المستحاضة إذا أرادت أن تصلي تطوعا بعد الفريضة بين الصلاتين في شهر رمضان أو غيره؟ قال: إذا فرغت من الفريضة اغتسلت للتطوع، وإن كانت صفرة توضأت للتطوع أيضا.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا.
وقال من قال: يجزئها أن تتنفل بغسلها للصلاة الحاضرة ما كانت في مقامها.
وأحسب أن بعضا يقول: ما حفظت وضوءها ولم تحضر صلاة فريضة، يلزمها الغسل لها وأما ما دامت في مقامها أحب إلي، ما لم تنتقل عنه انتقالا لغير الصلاة من المعاني.
وعن الحامل ترى بلة، ليست بدم ولا صفرة؟ قال: لا، لا نعلم عليها غسلا إلا في الدم، ولكن تتوضأ في البلة والصفرة.
وعن المرأة كان قرؤها ستة أيام، فطهرت في اليوم السادس، ثم رأت صفرة، هل تزيد كما تزيد في الدم؟ قال: كان أبو منصور يقول: ليس من الزيادة إلا في الدم المتصل.
وفي النفساء إذا رأت الطهر لتمام الشهر، ثم رأت الدم بعد يوم أو بعد اليوم الثالث؟ قال: ليس بشيء، إلا أن يكون وقتها أكثر من ذلك فتقعد لا تصلي (1/19)
صفحة 20
وقتها، ولتغتسل واتصل.
قال أبو سعيد: معي أنه أراد ليس بنفاس، ولا تنتظر إذا لم يكن الدم متصلا بالنفاس، فعل معنى أنها تنتظر يومين أو ثلاثا، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة، وهذا إذا لم يكن هكذا صفتها فهي مستحاضة، إذا جاءها الدم عندي فيما قيل.
وسألته عن امرأة سبيت من أرض الحرب، فولدت أول بطن، فتطاول بها الدم، كم يوما تترك الصلاة؟ ... قال أبو سعيد: هذه عندي إذا لم تكن تعرف أول ولد ولدته، كم قعد بها الدم في أرض الحرب، فهي بمنزلة البكر عندي، وأحب لها الاحتياط أن لا تترك الصلاة أكثر من أربعين يوما، ولا يطؤها زوجها ولا سيدها إلى ستين يوما، وتغتسل وتصلي فيما بين الأربعين والستين.
قلت: فالأمة يتزوجها الرجل، ولم يكن سيدها يطؤها ولا زوج لها، هل عليها بأس؟ ... قال: لا.
قلت: فإن كان سيدها يطؤها ثم تركها سنة أو أكثر، ولم يقربها ثم لم تر أن يتزوجها هل عليها استبراء؟ ... قال: نعم.
ومن كتاب ابن جعفر: سئل عن امرأة وقتها عشرة أيام، فلما جاء وقت حيضها رأت صفرة خمسة أيام، ثم جاءها دم سائل بعد ذلك، فدام بها خمسة أيام؟ (1/20)
صفحة 21
قال: لتنظر في ذلك نسوة فإن اتفقن أنه داء، فهو كما قلن، وإن اتفقن أنه دم حيض فهو كما قلن.
قال أبو سعيد: إن كان دما عبيطا سائلا يخرج من موضع الجماع، فهو حيض فيما قيل، إلا أن يصح أنها حامل، أو ليس ذلك بها.
وقد قيل: أحسب بمثل هذا ويعجبني إن كان ذلك معروفا مع أهل الثقة من النساء، صاحبات التجارب، أن للحيض دم معروف وللداء دم معروف غير الحيض، ولكن عليها أن تستحيط للصلاة في هذا الدم، وتغتسل وتصلي، ولا يطؤها زوجها احتياطا للزوج وعلى الصلاة جميعا، ولا أحب أن يدركها زوجها، إذا حاضت على هذا ثلاث حيض، وما حاضت على هذا السبيل الذي يدخله الريب.
وقد يوجد عن بعض الفقهاء إنه يصف دم الاستحاضة من دم الحيض، فقال: إن دم الحيض أسود غليظ، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق.
وأحسب أنه قال في دم الحيض صلك، كأنه يذهب إلى أنه أنتن من دم الاستحاضة، وكأنه يذهب إلى فرق ما بين الدمين و استعمالهما، كل واحد منهما في موضعه، وأنا أحب استعمالهما على ما وصفت لك في الاستحاضة، على الصلاة والفروج والعدة في قول أهل الثقة من النساء، في معرفة ذلك يكون الدمين.
ومنه: قلت: فإن حاضت يوما أو يومين، ثم انقطع عنها الدم؟ ... قال: ليس حيضا.
قلت: فإن تركت الصلاة في ذلك اليوم أو اليومين؟ قال: تقضي ما تركت، وهو قول من يقول: لا يكون أقل من ثلاثة أيام.
ومن كتاب أبي الحكم قلت: فإن حاضت يوما أو يومين، ثم انقطع عنها الدم؟ قال: لا ليس هذا حيضا. (1/21)
صفحة 22
قلت: فإن تركت الصلاة في ذلك اليوم أو اليومين؟ قال: عليها أن تقضي ما تركت، وهو ممن يقول إن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام.
قلت: فإن حاضت المرأة سنين خمسا خمسا، وكان ذلك أول حيضها، ثم صارت تحيض ستا وسبعا، ثم استحاضت، كم تدع الصلاة؟ قال: خمسة أيام، أقل ما كانت تقعد ثم تغسل وتصلي.
قال أبو سعيد: نعم وهذا إذا اختلف عليها قرؤها في الست والسبع، ولم يتفق لها ثلاثة قروء على أحدهما، فإن اتفق لها ثلاثة قروء على أحد الحالين، فقد قيل: إنها ترجع إليه وتعتد به، وتكون فيما سواه مستحاضة.
وقيل: إنها على حالها الأول، على ما قال على حال، ورجعتها إلى ما اتفق لها أحب إلي، اتفق لها ثلاثة قروء على حال واحد، استعملته في الرابع وفيما يستقبل.
ومنه: قلت: فإن طلقها زوجها فحاضت الحيضة الثالثة، ومضت (1/22)
صفحة 23
خمسة أيام، أيملك الرجعة؟ وهل تزوج ساعة انقضاء أول حيضها؟ قال: إذا أخذت بالثقة لا تزوج، حتى تنقضي آخر أيامها، وأما الصلاة، فإني جعلتها عليها للثقة، ولتصل في تلك الحال، وإن كان حيضا أحب إلي من أن تدع الصلاة، وعسى أن يكون طاهرا أخذ في هذا بالثقة.
قلت: فإن ضربها الطلق فرأت حمرة أو كدرة أو صفرة قبل أن تلد؟ قال: تتوضأ وتصلي، لأن هذا ليس بحيض ولا نفاس، فإن كان دما سائلا اغتسلت.
قال أبو سعيد: معي أنه قيل هذا، وقيل إنه إذا ضربها الطلق فرأت الدم السائل أو القاطر تركت الصلاة وهو أحب إلي.
وسألت: فإن ولدت ولدا، وفي بطنها آخر، أتصلي؟ قال: لا هذه نفساء.
قلت: المرأة كم تكون أقل ما يكون حيضها؟ قال: خمسة عشر يوما.
وقال: كان هاشم يقول: كان الربيع يقول: أقله عشرة أيام، وأما غيره فيقول: خمسة عشر يوما.
امرأة أتمت أيام حيضها، فلم ينقطع عنها الدم، فرأت دما يوما أو يومين، ولم ينقطع عنها الدم في شهر رمضان، هل يجوز صيامها في اليوم أو اليومين؟ قال: تعيدهما أحب إلينا إن كانت تركت فيهما الصلاة، فنرى عليهما أن (1/23)
صفحة 24
تأخذ ذلك بالثقة.
قال أبو سعيد: عليها إعادتهما على قول من يرى عليها إعادة الصلاة في اليوم أو اليومين، لأنها بمنزلة الحائض، وهو أحب إلي، لأني إذا أمرتها بترك الصلاة أبطلت صومها، فلم ينقطع عنها الدم وهي في شهر رمضان، فزادت يوما أو يومين، وصامت في ذلك اليوم أو اليومين، هل يجوز صيامها وصلاتها؟
قال: أما هذه فعليها قضاء اليوم أو اليومين بلا شك وتقضي الصلاة، بان كانت تركت، وهي بمنزلة الحائض.
وعن امرأة أتمت أيام حيضها فانقطع عنها الدم، وهي ترى الصفرة، والكدرة يوما أو يومين، وذلك في شهر رمضان، هل يجوز صيامها؟ قال: أحب إلي أن تقضي، وكان أبو منصور يقول: لا زيادة في الصفرة، والأخذ بالثقة أحب إلينا، ولا تدع الصلاة والصوم، وتقضي الصيام، وأما الصلاة فلا إعادة عليها، فإذا رأت الطهر بعد الصفرة فلتغسل.
قال أبو سعيد: إذا أتمت أيام حيضة، فلا انتظار في أكثر قول أصحابنا، وأما الغسل بعد طهرها من الصفرة، فقد مضى القول فيه.
وعن امرأة تمت أيام حيضها، فانقطع حيضها الدم، ورأت الطهر، وذلك في العشر من شهر رمضان، فاغتسلت وصلت وصامت عشرة أيام، ثم عاودها الدم في العشر الأواخر من شهر رمضان، هل تدع الصلاة؟
قال: بلغنا عن الربيع أنه كان يقول: أيما امرأة رأت الطهر إذا تم أيام حيضها، فصلت عشرة أيام، أنها تدع الصلاة وهي حائض. (1/24)
صفحة 25
وقال غيره: خمسة عشر يوما.
وعن امرأة حاضت في شهر رمضان ووقع عليها البدل، فلما مضى شهر رمضان، وأفطر الناس يوم الفطر، أخرت ما لزمها من الصوم يوما أو يومين، ثم أخذت في قضائها، هل يجوز ذلك؟ لأنها غيرت ذلك من غير علة ولا مرض، وظنت أن ذلك جائز لها، هل يفسد ذلك عليها شهر رمضان كله؟ قال: لا يفسد ولكن كان لا ينبغي لها أن تؤخر.
وعن امرأة حاضت في شهر رمضان، ووقع عليها البدل، من أجل ما أفطرت في أيام حيضها في شهر رمضان، فلما مضى شهر رمضان أخرت الصوم الذي لزمها شهرا أو شهرين، من غير مرض ولا علة، هل يجوز؟ وهل عليها أن تبدل شهر رمضان كله، لما كان من عجزها؟
قال: كانوا يستحبون لها أن تؤخره، فأما أن يفسد عليها شهر رمضان كله، فلا.
وعن امرأة عالجت نفسها في شهر رمضان، حتى ذهب عنها الحيض في شهر رمضان كي لا يلزمها البدل، هل عليها شيء؟ وهل يجوز صيامها، وهل عليها البدل؟ قال أبو عبد الله: إذا حاضت بعد شهر رمضان فإن عليها بدل صيام حيضها في شهر رمضان، لأن دم الحيض إنما انقطع عنها بالعلاج، وليست هي ممن قد يئسن من الحيض.
قال أبو سعيد: قد قيل: إذا عالجت نفسها حتى ينقطع عنها الحيض ورأت الطهر، أنه لا بدل عليها في صومها، حاضت أو لم تحض، لأن الله (1/25)
صفحة 26
يفعل ما يشاء، واذا زال عنها حكم ما تعبدها الله به من الحيض بما شاء ليس بالمعالجة، ولا تملك المعالجة ولا المعالج، ولو كان الصوم والصلاة بالمعالجة أفضل من ترك الصلاة والصوم.
وقد قيل: عليها بدل شهر رمضان، راجعها الدم أو لم يراجعها، إذا كانت عالجته من بعد ما جاءها المحيض.
وقد قيل: عليها البدل إذا عالجت وانقطع عنها، ولو لم يكن جاءها، ولا يبين لي موضع البدل في شيء من هذه الوجوه، لأن الذي جاء بالدم هو الذي صرفه تبارك وتعالى.
ومنه: وعن امرأة حاضت، وكان وقتها عشرة أيام، فلما مضى خمسة أيام رأت الطهر يوما أو يومين، وذلك في شهر رمضان، فصامت حين رأت الطهر، ثم عاودها قبل أن تتم عشرة أيام، هل يجوز صيامها؟ قال: لا يجوز، وعليها الإعادة.
قال أبو سعيد: إذا راجعها الحيض في أيامها قبل تمام شهر رمضان، فقد قيل: عليها الاعادة لما صامت في أيام حيفتها تلك، وإن تم شهر رمضان ثم راجعها الدم، فقد قيل في ذلك باختلاف، وأحب أن لا يكون عليها البدل لما صامت، وهي طاهر أيام حيضها على هذا الوجه.
ومنه: وعن امرأة كان وقتها ثلاثة أيام، فرأت الطهر في اليوم الثاني، وأخذت في الصوم لأنها في شهر رمضان، هل يجوز صيامها؟ قال: نعم إذا لم يعاودهما في أيام حيضها.
وعن امرأة حاضت في شهر رمضان، فلما مضى الشهر أخرت البدل الذي يلزمها عشرة أيام، هل يجوز ذلك، إذا أخذت في البدل فقضته، ظنا (1/26)
صفحة 27
منها أن ذلك جائز لها؟ فهل عليها أن تستأنف شهر رمضان من غير علة؟ قال: هذه مثل التي أخرت يوما أو يومين.
قال أبو الحسن: إذا أخذت في القضاء، فصامت ثم حاضت ثم طهرت وأخرت يوما أو يومين، فسد عليها ما كانت صامت من قضاء شهر رمضان وتعيده، ولا يفسد شيء من صيام رمضان.
وعن أبي المنصور وعن أبي يزيد عن المرأة الحائض ترى الطهر في أيام حيضها، فأخبرني عن الطهر البين الذي يجب عليها فيه الاغتسال.
قال: ذكروا أن الطهر البين مثل القصة أو مثل القطن.
وعن امرأة حاضت قبل أن تتم عدتها، احتبس عنها الدم، فترى يبوسة أو بياضا، أو مثل النواهل، أيكون ذلك طهرا، وكيف يكون الطهر؟ قال: إذا رأت يبوسة أو صفرة أو حمرة أو كدرة في أيام حيضها فهو حيض، والطهر البين مثل القصة أو مثل القطن الأبيض.
قال غيره: قد قيل هذا. وقال من قال: إذا انقطعت عنها الصفرة والحمرة والكدرة، فعليها الغسل والصلاة. (1/27)
صفحة 28
وعن امرأة انقطع عنها الحيض في أكثر السنين، ثم عاودها الدم في شهر رمضان، فصامت على تلك الحال، هل يجوز صيامها؟ قال: إن كانت أيست من الحيض من الكبر، وأترابها قد يئسن، فجائز صيامها ولا بدل عليها، إنما هي بمنزلة المستحاضة في أيام طهرها.
وعن امرأة انقطع عنها الحيض من كبر السن، ثم عاودتها الصفرة في شهر رمضان، فصامت على تلك الحال، هل يجوز صيامها؟ قال: نعم يجوز ولكنها تتوضأ.
وعن امرأة تمت أيام حيضها، وانقطع عنها الدم العبيط، فاغتسلت وأخذت في الصلاة، غير أنها لا تنقطع عنها الصفرة أيامها، هل يجوز لها أن تصلي صلاتين بوضوء واحد؟ قال: بلغنا أن التي ترى الصفرة، تتوضأ لكل صلاة، إلا أن تكون فريضة فتجمع بين الصلاتين.
قال غيره: قد قيل: الجمع إلا للمستحاضة بالدم العبيط السائل، فإذا كانت وجب لها الاستحاضة، كان عليها الغسل، وتجمع الصلاتين.
وقال من قال: لا تجمع الصلاتين، وتصلي كل صلاة في وقتها، وتغسل لكل صلاة غسلا.
وقال من قال: لا غسل على المستحاضة.
والقول الأول أحب إلينا وعليه العمل، وأما الصفرة فلا غسل عليها ولا جمع، هكذا عرفنا.
وعن امرأة حاضت في أيام عدتها، فلما مضت عدتها اغتسلت وصلت، ولكنها ترى الصفرة كل يوم مرة حين تقعد للبول، هل تجوز صلاتان بوضوء واحد؟ قال: لا يجوز جمع الصلاتين إلا للمستحاضة.
وعن امرأة اشتبه عليها أمر الطهر في أيام حيضها، فربما رأت مثل (1/28)
صفحة 29
البزاق أو مثل الصفرة، ولا تدري أطهر ذلك أم غير طهر، فاختلط عليها ذلك، كيف تصنع في حال الصوم، وذلك في شهر رمضان ولحال الصلاة؟ قال: ليس على المرأة صوم ولا صلاة في أيام حيضها، إذا اشتبه عليها أمر الطهر، حتى ترى طهرا بينا لا شبهة فيه.
وعن المرأة التي انقطع عنها الحيض في أكثر السنين، كيف حدها؟ فربما كانت ابنة أربعين سنة أو خمس وأربعين سنة، أو أكثر من ذلك، فأخبرني ما مبلغها الذي لا ينبغي لها أن تدع الصلاة، إذا رأت الدم؟ قال: إذا انقطع عنها الحيض، وعن أترابها، وأما السنون فلا أحفظ لها عددا.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا، إنها تقعد ما تقعد أترابها في السن.
وقيل: إذا خلا لها من السنين ستون سنة، فهي بحد من تيأس من الحيض.
وقيل: خمس وخمسون سنه.
وقيل: بخمسين سنة.
وعن امرأة حاضت في العشر الأواخر من شهر رمضان، فخرجت من شهر رمضان وهي في الحيض؟ فقيل: عليها أن تتم عدتها، و إن رأت الطهر يوما أو يومين واغتسلت وصلت ولم تصم ذلك اليوم للبدل الذي لزمها، ثم أخذت في الصوم في اليوم التالي، ولم يرجع الدم، فصامت بعد ذلك على تلك الحال، كيف يكون شأنها فيما تركت من الصوم لليوم الواحد الذي رأت فيه الطهر في أيام (1/29)
صفحة 30
حيضها، ولم تصم ذلك اليوم، وما يلزمها في ذلك اليوم يوما واحدا وشهرا من عدة أيام أخر، صوم شهر رمضان؟
قال: لا أرى هذه التي رأت الطهر يوما واحدا، في أيام حيضها، فلم تصم مثل التي تفطر في أيام طهرها.
قال أبو سعيد: هذه عندي أهون من التي تفطر بعد إتمام حيضها في أيام طهرها، ولا شيء عندي على التي تفطر في أيام طهرها، ولا تصل البدل لشهر رمضان إلا التقصير.
وسأل عن هذه المرأة إذا توضأت بالماء وأخذت في الاستنجاء، ينبغي لها أن تدخل إصبعها في فرجها في الاستنجاء أم لا؟ قال: تبالغ في ذلك.
قال أبو الحسن عن أبي منصور قال: تدخل إصبعها وتغسل داخل الفرج، ولا تؤذي الموضع الذي يخرج منه الولد ولا تجاوز.
وعن امرأة قعدت للوضوء، فجعلت تستنجي بالماء وتدخل إصبعها في فرجها، وأرادت بذلك طهرا، هل يفسد صومها أم لا؟ وان كان صيامها يفسد فهل يلزمها في ذلك يوم واحد أم الشهر كله؟ قال: إذا لم تفعل ذلك لشهوة، وانما أرادت بذلك النظافة والطهارة، (1/30)
صفحة 31
فلا يفسد ذلك صيامها.
وعن امرأة استنجت بالماء وأمسكت بخرقة على فرجها لكي لا يخرج البول، وبعض الخرقة داخل الفرج، هل يجوز ذلك في شهر رمضان؟ قال: نرى ألا تفعل، فإن فعلته من عذر فدخل بعض الخرقة، فلا يفسد صيامها.
قال أبو سعيد: إذا أرادت بذلك قطع مادة النجاسة عنها، لتمام وضوئها وطهارتها، فليس عليها في ذلك شيء، ولو دخلت الخرقة كلها في موضع الجماع.
وعن امرأة استنجت بالماء فأمسكت على فرجها بخرقة صغيرة، وبعض الخرقة داخل في الفرج، فلما صلت نظرت فإذا رأس تلك الخرقة التي كانت داخل الفرج رطبة، هل عليها إعادة الوضوء والصلاة أم لا؟ قال: الله أعلم.
قال أبو سعيد: معي أنه إن كان ذلك في موضع الطهارة، حيث تبلغ الطهارة من فرجها، وكانت الرطوبة لا تحتمل أن تكون الطهارة باقية في الخرقة، فعليها إعادة الوضوء، وأما الصلاة فإن احتمل أن يكون حدث ماء وقضت صلاتها، فيخرج عندي أنه لا بدل عليها، حتى تعلم أنه كان في الصلاة، ويخرج أن عليها البدل حتى تعلم أنه حدث من بعد الصلاة، وان ارتابت ولم تعلم تلك الرطوبة من طهارة أو نجاسة حادثة، احتمل عليها هذا وهذا.
وقد قيل بنجاسته حتى تعلم طهارته.
وقيل بطهارتها حتى تعلم بنجاستها، فلم يقع لي وعندي ويعجبني أن تحمل نفسها على الأغلب، ولا تحمل نفسها على ريب في هذا.
وعن امرأة أصبحت في شهر رمضان، فصلت الغداة بغسل، ثم رأت الدم حتى فرغت من الصلاة، فانتظرت ذلك اليوم، مما الذي يلزمها في ذلك؟ هل عليها شيء غير ذلك اليوم؟ (1/31)
صفحة 32
قال: لا نرى عليها بأسا في ذلك، وإنما عليها بدل يومها، وما كانت حائضا، ولا أرى لها أن تأكل في اليوم الذي تحيض فيه، واليوم الذي تطهر فيه، وأرى أن تعيد الصوم لذلك اليوم الذي حاضت فيه، ولو لم تأكل يوما واحدا، وكذلك اليوم الذي تطهر فيه.
وقال أبو عبدالله: لا بأس عليها إن أكلت في اليوم الذي حاضت فيه، ولا باس عليها إن أكلت في اليوم الذي طهرت فيه من حيضها.
قال أبو سعيد: القول الذي يضاف إلى أبي عبدالله أحب إلينا في هذا.
وعن امرأة طهرت في شهر رمضان فتمت أيام حيضها، فلما كان آخر يوم من عدتها الذي تظن أن الطهر يكون فيه، أكلت ذلك اليوم، هل عليها شيء غير البدل لأيام حيضها؟ قال: إذا لم تحل لها الصلاة من أجل الحيض فلا بأس عليها أن تأكل في عدة أيام حيضها ما لم تطهر.
وقال غيره: إذا رأت الطهر البين، فلتمسك ولتغتسل وتعيد الصوم لذلك اليوم، يوما واحدا.
قال أبو سعيد: إذا كان ذلك في أيام حيضها، لأنها تظن أنها تطهر فيه فأكلت، فلا بأس عليها ما لم تطهر، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
فإذا طهرت فيه، فقد قيل: تمسك.
وقيل تأكل إن شاءت، وهو أحب إلي.
وعن امرأة عروس، كان عليها بقية قضاء من شهر رمضان، فأخرت ذلك بعد الفطر بأيام لحال زوجها، هل يجوز لها ذلك؟ وما الذي يلزمها في (1/32)
صفحة 33
ذلك؟ قال: ينبغي لها أن لا تؤخر ذلك من أجل زوجها.
قال أبو سعيد: إن أخرت ذلك من لبر زوجها، وأرادت مرضاة له جاز لها ذلك عندي، وأرجو أن تثاب في ذلك، لأن بره وطاعته فريضة حاضرة، وبدل ما عليها من الصوم موسعة فيه.
وعن امرأة بلغت وهي شابة أول أيام محيضها، فلم تر دما ولكن رأت صفرة، ثم دامت بها تلك الصفرة، فلم تنقطع عنها شهرا أو أكثر من سنة، كيف تصنع؟ قال: الله أعلم يسأل؟
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب - رحمه الله -: إذا كانت عادتها في كل وقت حيضها إنما تجيؤها الصفرة، فهي عندي حائض، تجلس له كما تجلو للحيض.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا.
وقيل: إنه ليس بحيض وتتوضأ وتصلي، ولا غسل عليها فيه، فيعجبني أن لا يطأها زوجها، إذا كانت تلك عادتها على هذا القول.
وعن امرأة كان أول وقت حيضها حين حاضت أولا تسعة أيام، فصارت بعد ذلك تحيض ستة أيام وتغسل، ثم إنها دخلت في شهر رمضان وحاضت ستة، فاغتسلت بعد ستة أيام، ثم لم تصم لأنها رأت صفرة أو كدرة قبل أن يستتم لها سبعة أيام، الوقت الأول، هل عليها شيء، أم لا ترى عليها شيئا إلى سبعة أيام؟ سأل عنها إلا أن ترى الطهر فتفطر بعد طهرها (1/33)
صفحة 34
قال أبو سعيد: إذا تم لها ستة أيام ثلاثة قروء، فقد قيل: إنه حيضها وتعتد به، فإذا انقضت أيام حيضها وانقطع عنها الدم، فلا تنتظر في الصفرة و الكدرة، وتغسل وتصلي وتصوم، فإن جهلت ذلك في الصفرة في يوم سابع لما استعادها، وإن تم لها على ستة أيام ثلاثة قروء فوق هذه السبعة أيام، ولا شيء عليها في الأكل في السبع، لأنها من أيام حيضها.
وعن امرأة تمت أيام حيضها واغتسلت وصلت عشرة أيام، ثم رأت الصفرة و الكدرة، هل يجوز لها أن تدع الصلاة؟ قال: لا تدع الصلاة.
وعن امرأة كان وقتها خمسة أيام، فلما تمت الخمسة أيام رأت الصفرة، أو دما عبيطا، هل يجوز لها أن تنتظر يوما أو يومين، وتدع الصلاة في ذلك اليوم أو اليومين؟ قال: أما في الصفرة فلا، وأما في الدم السائل العبيط فلتدع الصلاة يوما أو يومين، ثم تغتسل كيفما كانت وتصلي، فإن لم ينقطع عنها فهي مستحاضة، وتقضي صلاة اليوم واليومين التي زادت، وإن رأت الطهر وانقطع عنها الدم في ذلك اليوم واليومين، فلا إعادة عليها.
وامرأة ولدت، فلا تصلي حتى ينقطع عنها الدم والصفرة؟ قال أبو سعيد: ما كانت في أيام النفاس.
وعن امرأة بلغت خمسين سنة، وربما رأت الصفوة شهرا أو شهرين، فلا تنقطع عنها الصفرة، كيف تصنع في شهر رمضان؟ هل يجوز صيامها؟ قال: إن كان ذلك داء، وكانت تيأس من الحيض، وتيأس أترابها، فصيامها جائز. (1/34)
صفحة 35
باب
وجدت مكتوبا
أبو الحسن (1) يقرؤك السلام ويقول لك، مسائل الحيض فيها.
__________
(1) ربما يقصد المؤلف – رحمه الله - زميلا له عاصره، وهو يذكر اسمه هكذا دون استيفاء عندما ينقل عنه (انظر ص 37) (1/35)
صفحة 36
[صفحة بيضاء] (1/36)
صفحة 37
في الحيض و المستحاضة
مسائل الحيض
قال أبو المنصور: ليس في كتب جميع أصحابنا مثل هذه الكراسة والمسائل التي فيها، وأخبرك أنه ليس عندنا علم في الحيض، و المستحاضة.
فإذا ابتليت في مسألة في الحيض والاستحاضة، فالتمسها منها في هذه الكراسة.
فإن عندك بها فوق هذه الكراسة عالم، فإنه يكفيك إن شاء الله، وهي تظهيرة هذا الكتاب (1/37)
صفحة 38
[صفحة بيضاء] (1/38)
صفحة 39
باب في الحيض والمستحاضة
وعن امرأة ولدت، فلما خلت الأربعين يوما طهرت وصلت، وجامعها زوجها وهي طاهر تصلي، ثم إن الدم راجعها من يومها من بعد المجامعة، وهي كل يوم تراه وينقطع عنها، فلما رآها تصلي وطهرت من كثرة الدم جامعها بعد الأربعين، فقالت له: إن في الدم فلم يصدقها حيث رآها تصلي، وتظن أنه لا انتظار للنفساء بعد الأربعين والنفاس معنا أربعون يوما فإن مضى بها الدم، صنعت كما تصنع المستحاضة، فتغسل لكل صلاتين غسلا واحدا، وتجمع الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء الآخرة بغسل واحد، ولصلاة الغداة غسلا واحدا، ويجامعها زوجها إن شاء إذا اغتسلت.
فإذا كان أيام حيضها التي تعودت أن تحيض فيهن، أمسكت عن الصلاة والصيام، وأمسك زوجها عن مجامعتها في الدم مدة أقرائها وبعده بيوم أو يومين.
وأما وطؤه إياها بعد الأربعين فلا بأس عليه إذا اغتسلت وصلت.
وأما الدم الذي تراه كل يوم، فإن يكن علقة أو دفعة، فلا شيء، وتتوضأ وتصلي، فإذا امتد بها الدم ومضت عشرة أيام، ولم تأمن أن تصلي وهي ترى الدم من حيضها مستقبلا، أمسكت عن الصلاة بعد قروئها ولا يجامعها زوجها أثناء ذلك.
قلت: إن صاحب هذه المسألة، جرى بينه وبين امرأته فراق، وبانت (1/39)
صفحة 40
منه بتطليقة واحدة، ثم راجعها على اثنتين، ولقيه رجل فقال له: راجعت مطلقتك؟
فقال الرجل - يريد بذلك سترا عن الرجل الذي سأله عن المراجعة -: لا تغمني بذكر تلك المطلقة - يعني المطلقة التي كانت -، فلا نرى عليه في قوله هذا شيئا على ما وصفت بأسا، إن شاء الله.
قال أبو سعيد: فقد قيل فيه على معنى ما قال.
وكذلك المستحاضة، وأما الدفعة التي تأتيها في أيام استحاضتها، فإذا سألت أو قطرت: فقد قيل: فيها الغسل في أيام الاستحاضة.
وأحسب أنه قد قيل ذلك: في بعض ما يكون فيه الدم فائضا، ويكون حكم السائل القاطر، ففيها الغسل، كالعلقة إذا خرجت فصارت على ما قيل، لأنه من الدم.
وإذا سال الدم أو قطر فسواء كان قليلا أو كثيرا، وقد وجب فيه الغسل في أيام الاستحاضة، إلا أنها تغسل إذا لم يكن مسترسلا متصلا، لكل صلاة حضرتها، إذا كان يخرج منها الدم، ثم لم تغسل بعد.
وإنما لها قبل جمع الصلاتين في الدم المسترسل، الذي لا ينقطع السائل أو القاطر بغسل واحد.
وعن امرأة مستحاضة كانت تغسل ثلاث مرات، فرأت الطهر، هل لها أن تجمع بين الصلاتين كما كانت تجمع؟
قال: إذا رأت كفوفا من الدم وانقطاعا، اغتسلت كل صلاة في (1/40)
صفحة 41
وقتها، كما تصلي الطاهر
وعن المستحاضة اغتسلت من الليل، ثم أصبحت فلم تر دما، أو بين الصلاتين فلم تر دما في وقت صلاة آخر، كيف تصنع؟ هل تغسل أم تصلي؟
قال: تغسل ثم تصلي، ولا يجامعها زوجها حتى تغتسل.
وفي مسألة أخرى في امرأة مستحاضة، اغتسلت من الليل، ثم أصبحت وهي لا ترى الدم أتغتسل وتصلي؟ ومتى يجامعها زوجها؟
قال: تتوضأ للعدة إذا لم تر الدم وتصلي، وجائز لزوجها أن يطأها.
قال أبو سعيد: قد قيل: إذا صارت المرأة بحد المستحاضة، أن بعضا يكره له وطأها حتى تغتسل له أو في دبر غسل صلاة.
وبعضا يكره له وطأها على حال في الدم المسترسل الكثير، غسلت أو لم تغسل.
وبعضا لا يرى بوطء المستحاضة باسا، إلا أن يعذرها.
وهذا القول هو أصح عندي، لأنه لو كان الوطء ممنوعا لم ينتفع بالغسل، وبكل حال فإن وطئها وهي في حكم المستحاضة، فلم أعلم أن أحدا يقول بفسادها عليه.
وعن امرأة ترى الدم في الزمان الطويل، لا ينقطع عنها؟
قال: تنتظر حين قرئها مما كانت تحيض في زمان حيضها، ولتدع الصلاة تغسل وتصلي، وإن شاء زوجها جامعها إذا صلت.
1
وعن امرأة صلت سبعة أيام، وكانت تصلي عشرين يوما ثم تحيض، فرأت بعد سبعة أيام، ما تصنع؟ (1/41)
صفحة 42
قال: تغسل وتجمع الصلاتين، حتى تتم عشرة أيام، ثم تري الدم النساء فإن قلن إنه حيض قعدت، فإن قلن إنه داء ليس بحيض فإنها مستحاضة حتى تتم عشرين.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في مثل هذا في هذا الكتاب.
وعن امرأة رأت الدم في وقت حيضها يوما واحدا، ثم رأت الطهر فاغتسلت وصلت أيام حيضها، ثم رأت بعد ذلك دما سائلا؟ قال: هي مستحاضة.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا.
وقيل: حتى يتم لها ثلاثة أيام، يكون حكمه حيضا، أم هي بعد تمام حيضها مستحاضة التي كانت تعرفها.
وعن امرأة تم قرؤها، ولم تر الطهر، ولم ينقطع الدم؟
قال: هي مستحاضة حتى ترى الطهر، وعليها إعادة ما زاد على قرئها إن زادت إلا أن يكون الذي تراه صفرة، فإنها لا تزيد، وعليها أن تصنع ما تصنع التي ترى الصفرة، فإن كانت نظرت ما نظرت إلى الدم فهي مستحاضة.
وعن المرأة المستحاضة إذا اغتسلت بين الصلاتين، ودخلت في الصلاة فأحدثت؟
قال: ليس عليها غسل، ولكنها تتوضأ، وإن جاء دم بعد الغسل فكذلك، حتى تفرغ من هاتين الصلاتين التي اغتسلت لهما، فإذا جاء وقت صلاة أخرى اغتسلت. (1/42)
صفحة 43
وعن مستحاضة عليها صلاة فائتة، كيف تصليها؟
قال: تغتسل لما فاتها غسلا واحدا، ثم تصلي، فإذا جاء وقت صلاة ولم تفرغ، اغتسلت للصلاتين غسلا واحدا فتصليهما ثم تغتسل لصلاة أخرى لما بقي عليها، فتقضي على هذا النحو.
وعن امرأة مسافرة رأت الطهر، فلم تجد ماء فتيممت، هل لزوجها أن يجامعها؟
قال: لا أحب أن يجامعها حتى تغتسل بالماء.
قلت لأبي سعيد: فلو وطئها، هل كانت تحرم عليه؟
قال: لا تحرم عليه فيما قد قيل.
قال غيره: إذا لم تجد الماء بعد الطهر فقد اختلف في ذلك:
فقال من قال: ليس له وطؤها.
وقال من قال: يطأها مرة واحده.
وقال من قال: يطؤها أبدا.
وعن امرأة رأت قطرة، أو عرف دم، هل عليها غسل؟
قال: إن كانت في وقت حيضها أمسكت عن الصلاة، و إن لم يكن وقت حيضها اغتسلت عند كل صلاة وصلت، فإن جاءها دم عبيط أو سائل فعليها أن تغتسل وتجمع الصلاتين.
وقال أبو عبد الله: إذا ظهر دم الفرج ليس عليها منه غسل، وانما عطلها منه الوضوء. (1/43)
صفحة 44
قال أبو سعيد: إن طهر دم الفرج ليس عليها منه غسل، وعليها منه الوضوء لكل صلاه، وسواء كان الدم داخل الفرج أو خارجه، فليس عليها منه غسل.
وعن امرأة زعمت أن في فرجها قرحا، وزعمت أنها يخرج من فرجها دم، هل تكون مستحاضة، أو تتوضأ لكل صلاة؟
قال: إن كان الدم يخرج من قبلها وهو عبيط، فينبغي لها أن تغسل ثلاث مرات، وإن كان صفرة توضأت لكل صلاة.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في دم الفرج، وليس في دم الفرج غسل، ولا يقوم مقام الحيض و الاستحاضة، وإنما هو بمنزلة شيء من النجاسات، ولا يقوم في أيام الحيض مقام الحيض، وهو أهون من الصفرة و الكدرة والحمرة في شأن التعبد في الحيض.
وعن الربيع في الحبلى إذا رأت الدم ولا شرك الصلاة ما دامت في حبلها، فإن رأت دما سائلا اغتسلت بين الصلاتين وجمعتهما، و للغداة غسلا، وإن كانت صفرة توضأت لكل صلاة.
وعن الحبلى إذا سال منها ماء ليس فيه صفرة و لا دم؟
قال: لا نعلم على المرأة غسلا إلا من دم إلا امرأة تمت عدتها فرأت صفرة، فغسلت ثم رأت الطهر من بعد الصفرة، فعليها أيضا أن تغسل طهرها.
قال أبو سعيد: وقد قيل ليس عليها غسل.
وقال الربيع: في النفساء إذا تطاول بها الدم، نظرت أقصى ما كانت (1/44)
صفحة 45
تقعد أمهاتها فتقعد، وإن كانت ولدت قبل ذلك ولها وقت تعرفه، فلتقعد قدر ما كانت تقعد، فإن انقطع عنها الدم فلتغتسل، وان لم ينقطع زادت يوما أو ثلاثة أيام، ثم لتغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في هذا الكتاب.
وعن السقط إذا كان لم يتم تخلقه، فقالت النساء: هو ولد؟
قال: عليها عدة النفساء.
وقال بعضهم: حتى يستبين تخلقه.
وعن امرأة ولدت أول نفاسها، فلم ينقطع عنها الدم شهرين أو أكثر، وكانت عدة أمها خمسة وأربعين ليلة، ماذا تصنع؟
قال: ترد إلى عدة أمها إلا أن ينقطع في تمام شهرين أو أقل.
وعن امرأة ولدت أول نفاسها، فلم ينقطع عنها الدم، ولم تعرف وقت أمها وإخوتها، كيف تعتد؟ قال: تعتد شهرين.
وعن امرأة ولدت في أول ميلادها فرأت الطهر بعد عشرين يوما، فاغتسلت، ثم رأت الدم من يومها؟ قال: لا تزيد، وقد صار هذا وقتا لها، فإذا كان في ميلادها الثانية تقعد فيها الذي كانت في أول نفاسها، فإذا لم ينقطع عنها الدم زادت يوما أو يومين، ولكن إذا كان أول نفاسها ستين يوما أو خمسين يوما أو نحو ذلك، ثم ترى الطهر في وقتها الثاني والثالث والرابع، في دون الذي رأت في أول (1/45)
صفحة 46
ميلادها كان ذلك يجزئها، وإذا تغير عليها الوقت الآخر واختلط عليها فإن لها أن تقعد إذا لم ينقطع الدم حتى يرجع بها إلى وقتها الأول.
وعن امرأة كان أول حيضها عشرة أيام، ثم رجعت إلى ستة أيام، وكانت على ستة أيام ثم رأت الدم في وقتها، ولم ينقطع عها حتى جاوزت عشرة أيام؟
قال: تقعد قرأها الأول، ثم تزيد يوما أو يومين.
قال أبو سعيد - رحمه الله -: إذا استقام لها على ستة أيام ثلاثة قروء، فقد قيل: إنه قرؤها، وتستعمله في الرابع.
وقيل: إن الأول هو العشر قرؤها، والست أحب إلي على هذا، فإن استعملت الست تنتظر يوما أو يومين بعدها، وإن استعملت العشر، فقد قيل: ليس بعد العشر انتظار، وفي استعمال الستة أيام بعد تمام ثلاثة أقراء أحب إلي، لأنه الأكثر في قول أصحابنا.
وعن امرأة أسقطت سقطا فانقطع عنها الدم، هل يجامعها زوجها، بعد انقطاع دمها؟
قال: يدعها ثلاثة أيام، فإذا لم تر الدم فلا بأس في مراجعتها.
قال أبو سعيد: إذا رأت الطهر ولم يكن لها شيء من الدم، ولا صفرة ولا كدرة ورأت الطهر البين، فقد قيل: عليها الصلاة وتغتسل للنفاس.
وعلى زوجها أن يحتاط في وقت ذلك فلا يقربها في أثنائه، مما تكون أحكامه أحكام النفاس من الصفرة و الكدرة.
وقد قيل: يؤمر أن لا يطأها ثلاثة أيام، وهذا عندي تنزه، فإن فعل لم يكن عليه في امرأته بأس فيما قيل إذا راجعها الدم في أول نفاسها. (1/46)
صفحة 47
وعن امرأة ولدت الثانية، وكانت عدتها شهرين فيما مضى من عدتها عشرة أيام، فرأت الطهر ثم غسلت وصلت وصامت شهر رمضان، ثم رأت الدم في عدتها، هل يجوز صيامها؟
قال: نعم إذا صامت وهي طاهر فاتمت الشهر.
قال أبو سعيد: وقد قيل، عليها إعادة شهرها، إذا لم يكن على هذه الصفة عندي.
وعن امرأة كانت عدتها عشرة أيام، فانقطع عنها الدم يوم تاسع، ورأت صفرة، فلما كان الحين الذي كانت ترى فيه الطهر، وهو وقت صلاة الطهر، فأخذت تغتسل وتصنع ما تصنع المستحاضة، وإن هي عندي أتمت عدتها ولم تر الطهر وهي ترى صفرة، فإن عليها أن تغتسل وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة ما رأت صفرة، فإن رأت الطهر فلتغتسل أيضا لطهرها، ولا زيادة في الصفرة.
قال أبو سعيد: إذا راجعها الدم السائل أو القاطر المسترسل قبل تمام حيضها، كان عن طهر أو صفرة أو كدرة، بعد أن تثبت لها في أيام حيضها ما تكون به حائضا:
فقد قيل: تنتظر يوما أو يومين، فإذا جاء وقت تمام أيام حيضها، وليس بها دم سائل ولو ساعة واحدة طرفة عين، ثم راجعها الدم السائل بعد ذلك الوقت بقليل أو كثير:
فقد قيل: لا انتظار في ذلك، وإنما هو الدم المتصل فلها أن تزيد يوما أو يومين، فإذا جاءها الدم بعد العدة فليس لها أن تزيد، وعليها أن تغتسل وتصنع صنيع المستحاضة عند تمام حيضها، وهي فيما سوى ذلك مستحاضة (1/47)
صفحة 48
في هذا الدم الذي راجعها.
وعن امرأة لم تغتسل لطهرها من الصفرة، فصلت وصامت وذلك في شهر رمضان؟
قال: كان ينبغي لها أن تغسل حين رأت الطهر، ولا نعلم عليها إعادة، وإن أعادت فهو أفضل.
وعن امرأة تمت أيام عدتها فلم تر طهرا، أو رأت صفرة، فاغتسلت وجعلت تتوضأ لكل صلاة، ثم رأت الدم في غير وقت صلاة، فلما كان وقت صلاة انقطع عنها الدم، وعاودتها صفرة، هل تغتسل؟
قال: نعم لأنها صفرة ورأت دما ثم رأت صفرة، وإن رأت بعد الصفرة فلتغتسل لطهرها أيضا.
قال أبو سعيد: عليها الغسل لموضع الدم عندي، تغسل كغسل الاستحاضة.
2
وعن امرأة ترى الصفرة في أيام حيضها، فربما رأته في أيام طهرها؟
قال: إذا رأت الصفرة في أيام حيضها فهو حيض، وإن رأتها في أيام طهرها فليست بحيض، فتتوضأ لكل صلاة وتصلي ما دامت الصفرة.
وعن امرأة تتم عدتها ثم انقطع عنها الدم، ولكنها ترى الصفرة فاغتسلت وصلت، فلم تزل الصفرة حتى انقضت أيام طهرها، هل تجوز صلاتها وصيامها؟ وهل لزوجها أن يطأها؟
قال: نعم غير أنه إذا أراد مجامعتها توضأت، فإن كانت مستحاضة اغتسلت لزوجها، فإنه يستحب ذلك. (1/48)
صفحة 49
وقال بعضهم: ليس عليها غسل لزوجها.
وأيما امرأة رأت الطهر في أيام حيضها فلم تصل، فعليها قضاء ما تركت، له إن عاودها دم أو صفرة في عدتها تركت الصلاة.
وعن امرأة عدتها خمسة أيام، فرأت في الأيام التي تحيض فيهن صفرة، ولم تزل في الصفرة خمسة أيام، ثم رأت بعد الخمسة أيام دما عبيطا؟
قال: تقعد خمسة أيام إذا لم ينقطع دمها، تزيد فيها يومين ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: قد قيل: تقعد خمسة أيام منذ ترى الدم السائل أو القاطر، وليست الصفرة المتقدمة بشيء، لأنه قد يكون الأمر في الغسل حمله على وجوه، ولا يحمل كله على غسل الحيض.
وعن امرأة رأت الطهر في عدتها يومين، ثم رأت الدم فلم ينقطع حتى تمت أيام عدتها، هل تعيد اليومين اللذين رأت فيهما الطهر؟
قال: نعم فإن ذلك من قروئها.
قال أبو سعيد: قد قيل ذلك، إذا تقدمها الدم أو ما يكون به حيضا في أيام حيضها يومين أو أكثر، وإن كان أقل وكان الطهر أكثر من الحيض المتقدم، بطلت أحكام الحيض وثبتت على حيضها من الدم الثاني.
ومنه: قلت: هل تزيد يوما أو يومين؟
قال: نعم إذا جاءها الدم وهي بعد في قروئها.
وأيما امرأة رأت الطهر في وقت صلاة العصر، فليس عليها الظهر، (1/49)
صفحة 50
وإن رأت الطهر في وقت المغرب فليس عليها العصر، وإن رأت الطهر في وقت العشاء فليس عليها صلاة المغرب.
وكان الربيع – رضي الله عنه – يقول: إذا جنها الليل ولم تر طهرا، فليس عليها صلاة حتى تصبح ولا وتر عليها، وإن رأت الطهر في السحر فليس عليها العشاء وعليها الوتر سنة واجبة، وإن رأت الطهر بعد العصر والشمس بيضاء نقية، فلتصل العصر.
قال أبو سعيد: إذا طهرت من حيضها في الليل، وتبين لها ذلك بعد انقضاء نصف الليل فعليها الغسل وتصلي الوتر، وإنما معي أنه أراد وليس عليها الغسل، إن لم يكن تحريفا من الكاتب.
والعشاء مع أهل العلم هي صلاة العتمة، وهو كذلك معي.
ومنه: وقال الربيع: إذا قامت تغسل فلم تفرغ حتى فاتتها الصلاة فليس عليها كفارة وإنما هي ضيعت فعليها قضاء تلك الصلاة.
قال أبو سعيد: إن قامت في وقت الصلاة فلم تفرط في أسباب الغسل الذي لا تقوم لها طهارة إلا به فلا شيء عليها، وإن كانت فرطت في أول وقت الصلاة ثم تشاغلت بالغسل فهي مضيعة.
وقال بعض: ليس عليها كفارة وإن كانت إنما طهرت وقد مضى من وقت الصلاة شيء فقامت إلى الغسل، فتشاغلت به غسلا لا يمكنها الصلاة إلا به في قول المسلمين، فانقضى وقت الصلاة قبل فراغها من الغسل فقد قيل: لا شيء عليها، ولا بدل لتلك الصلاة.
وقد قيل: تصليها على حال معناه واحد.
وعن امرأة رأت الطهر في وقت الصلاة وهي في أيام قرئها، فلما (1/50)
صفحة 51
تهيأت للغسل رأت الدم، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ ...
قال: لا.
قال أبو سعيد: إذا لم تفرط، وهي طاهرة في وقت الصلاة بقدر ما لو قامت إلى الغسل غسلت وصلت، فإن كان هكذا فلا إعادة عليها، وإن فرطت على هذه الصفة، فقد قيل: عليها بدل تلك الصلاة إذا طهرت.
وعن امرأة صلت العتمة فحاضت قبل أن تصلي الوتر، هل عليها الوتر إذا طهرت؟
قال: لو صلت الوتر لا يرى بذلك بأسا والله أعلم.
وعن امرأة رأت الطهر في عدتها، ثم اغتسلت وصلت وصامت وجامعها زوجها، ثم رأت الدم وهي بعد في العدة؟
قال: لا أرى عليها بأسا وإن كف عنها زوجها في أيام العدة فهو أفضل، وأما صيامها فقد فسد إذا عاودها الدم أيام عدتها ولم تكن فرغت من صومها.
وعن امرأة كانت عدتها ستة أيام ثم صارت عشرة أيام لا ينقطع عنها إلا بعد عشرة أيام؟
قال: تزيد على ستة أيام يوما أو يومين ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: إذا استقام لها على عشرة أيام ثلاثة أقراء، فقد قيل: هو وقتها ولا انتظار بعد العشر فيما قيل.
وقد قيل: وقتها الأول، فإن استعملته انتظرت يوما أو يومين، والعشر أحب إلي، وإذا استقام لها على ثلاثة أقراء استعملته في الرابع. (1/51)
صفحة 52
وعن امرأة نامت بعد العتمة وهي طاهرة واستيقظت وقد حرمت عليها الصلاة؟
قال: عليها إعادة تلك الصلاة بعد أن كان ذهب وقتها، فإن استيقظت قبل الوقت فلا أرى عليها إعادة تلك الصلاة، وإن ضيعت فعليها الإعادة، ولتستغفر الله ولا تعود.
قال أبو سعيد: معها أنها نامت عن الصلاة قبل وقتها وهي طاهرة، واستيقظت وهي حائض في وقتها، فعليها الصلاة إذا طهرت، وان استيقظت وهي حائض وقد فات وقت الصلاة فعليها على حال الصلاة إذا طهرت، لأن النائم عليه الصلاة إذا استيقظ إلا أن نعلم أنهما جاءها الدم في أول وقت الصلاة، ما لو قامت إلى الصلاة منذ أول وقتها فتوضأت وصلت، وان استيقظت وهي حائض وانما مضى من الوقت من حين ما حان وقت ما لو كانت مستيقظة وقامت إلى الصلاة لم تتوضأ وتصلي في ذلك الوقت، فإن كان هكذا فليس عليها إعادة الصلاة إلا على سبيل التطوع.
وعن امرأة كان أول وقتها سبعة أيام تمت عدتها ثم رأت الطهر يوما واحدا واغتسلت وصلت لذلك اليوم ثم عاودها الدم فمكثت في الدم يوما وليلة، ثم رأت الطهر فلم تغتسل ولكنها توضأت وصلت، وكان أمرها على هذا النحو زمانا، وكان زوجها يجامعها؟
قال: تعتد الأيام التي كان أمرها عليها فيها الدم، وليس عليها غير ذلك.
قلت: لم لم تجعل عليها أيام طهرها كلها، لأنها لم تغسل حين رأت الطهر الثاني بعدم الدم، لأنها رأت الطهر في وقتها فاغتسلت للطهر، ثم لم يجعل عليها تلك الأيام لا تحسب، مثل التي لم تر الطهر عند انقضاء عدتها فلم (1/52)
صفحة 53
تغتسل لطهرها.
قال أبو سعيد: إذا كان حيضها سبعة أيام في أول، ثم رجعت تطهر يوما ثم يراجعهما الدم يوم سبع، فهي في أول مرة تعتد، والثالثة مستحاضة، وعليها من ذلك الدم غسل الاستحاضة، وان وطئها زوجها فيه فهو حكم الاستحاضة، وأما في القرء الرابع فإن هذه إثابة في قول من يرى انتقال الأقراء، وهو أكثر قول أصحابنا، والإثابة عندهم لاحقة في أحكامها بأحكام الحيض في الصلاة والغسل والوطء، و ان وطئها زوجها في الرابع أو فيما يستقبل في، هذه الإثابة، فهي عند صاحب هذا القول بمنزلة من وطىء حائضا.
وان لم تغسل وصلت في الرابع أو فيما يستقبل فعليها عنده الكفارة، ولا يسعها جهل ذلك في الصلاة على رأي قول بعض. إذ أن بعضا يرى عليها الجدل ولا كفارة عليها، ولا أعلم في البدل اختلافا على ثبوت انتقال الأقراء، وأما فى الأول والثاني والثالث، فإذا جهلت الغسل فما صلت على ذلك إلى أن تغتسل، فقد قيل: عليها البدل.
وقيل: لا بدل عليها، ولا أعلم عليها كفارة.
وعلى قول من لا يرى الأقراء فالأول قرؤها ما زاد بعد ذلك فهي مستحاضة معه فيه، وأحكامها عنده أحكام الاستحاضة في الوطء والصلاة والغسل، وقد مضى القول في الاستحاضة في غسلها ووطئها وصلاتها.
وأكثر القول عندنا وأحب إلينا انتقال الأقراء وثبوتها، إذا اتفقت على ثلاثة، فيما دون العشرة.
وكذلك الإثابة إذا اتفقت على ثلاة أقراء، فيما دون العشر على وقت واحد، لحقت ملحق الحيض، إذا لم يأت الطهر الذي بين الإثابة وبين الحيض أكتر من الحيض. (1/53)
صفحة 54
وعن امرأة تمت عدتها فأرادت أن تغسل في أول الليل، فنظرت فرأت دما فنامت ثم أصبحت وهي طاهر، فهل عليها قضاء صلاة العشاء؟
قال: نعم وإن كانت نظرت بعد ثلث الليل فرأت الدم أصبحت وهي طاهر فلتصل الوتر، لأنها عسى أن تكون طهرت من الليل ووقت الوتر إلى أن ترى الصبح.
قال أبو سعيد: معي أن هذا احتياط، وأما إذا جنها الليل وفيها دم سائل، وتركت ذلك انتظارا منها، فحكمها عندي أحكام الحائض، وليس عليها أن تنكس نفسها في الليل، وهي بها الدم حتى تعلم أنها طهرت أو استيقن على ذلك، وإن لم تر الطهر حتى تصبح، فلا يلزمها في الحكم بدل صلاة الليل، وتغتسل وتصلي الفجر، وإن كان الدم ليس مما لا انتظار فيه، وكان ممكنا في الرحم أو صفرة أو كدرة أو أشباه هذا، فجهلت وتركت الصلاة فأحب أن يكون عليها بدل لما تركت من الصلاة على هذا الحال.
وعن امرأة ظنت أنها حبلى وترى أن النساء قلن لها أنها حبلى، فمكثت لذلك ستة أشهر أو أكثر، وكانت رأت في بعض تلك الأيام دما فظنت أنه من غيض الأرحام، وكان يجامعها زوجها عند انقطاع الدم في تلك الأيام، فعلمت بعد ذلك أنها ليست بحبلى، وأن ذلك من الدم الذي رأته في بعض أيامها حيضا كيف تصنع؟
قال: لا تحرم عليه امرأته، ولا يعود بعد ذلك لمثل هذا.
وأما ما ذكرت من المرأة التي أيست من المحيض، ورأت دفعة من دم، ولم تر بعد ذلك دما؟
قال: فإنا نرى عليها الغسل من هذا الدم. (1/54)
صفحة 55
وأما التي صلت خمسة أيام بعد طهرها ثم رأت الدم فاغتسلت بين كل الصلاتين إلى عشرة أيام، منذ يوم طهرت ثم قعدت، فرأت الدم يومين ثم طهرت، هل عليها أن تعيد الصلاة اليومين؟ قال: فإنا نرى عليها أن تعيد.
قال أبو سعيد: قد قيل تتوضأ لكل صلاة ما لم يأتها الدم، وانقضاء أيام الطهر، وليس لذلك غاية حتى يأتيها دم سائل أو قاطر، فتترك الصلاة أيام حيضها.
ومنه وأما التي حاضت في شهر رمضان فرأت الدم يوما ثم رأت الطهر فصامت يومين، ثم عاودها الدم، فإن كان جاء وهي في أيام حيضها، فإنها تعتد اليومين، ولو تم طهرها لم يكن عليها الإعادة.
وأما التي عدتها ثمانية أيام، فانقطع عنها الدم يوم الثاني ورأت صفرة أو حمرة؟
قال: فإنها لا تغتسل حتى تتم اليوم الثاني ثم ليس في الصفرة زيادة.
قال أبو سعيد: إذا كان حيضها ثمانية أيام فرأت الدم في أول أيام حيضها دما سائلا أو قاطرا، ثم انقطع عنها الدم يوما ثانيا، وبقيت بها صفرة أو كدرة فذلك كله حيض، إلى انقضاء يوم الثامن إلى انقضاء أيام حيضها، فإذا انقضت أيام حيضها اغتسلت، ولا زيادة في الصفرة والكدرة، وهذا تأويل معنى مسألته معي.
ومنه وأما التي طهرت من النفاس وصلت عشرة أيام، ثم رأت صفرة، ما تصنع؟
قال: تتوضأ لكل صلاة حتى أيام طهرها. (1/55)
صفحة 56
وأما التي طهرت من الحيض ثم رأت صفرة فدام لها حتى مرت أيام طهرها، وجاءت أيام حيضها وهي في تلك الصفرة؟
قال: تقعد في أيام حيضها.
وقال بعضهم: حتى ترى دما لا تدع الصلاة.
قال أبو سعيد: القول الأول أحب إلينا، أنها لا تدع الصلاة إلا بالدم السائل أو القاطر، فإذا جاء ذلك ولو دفعة، ثم اتصلت الصفرة أو الكدرة أو الحمرة، كان ذلك حيضا وتركت الصلاة لتمام أيام حيضها.
وعن امرأة سال منها شيء من بياض وتوضأت وختمت نفسها وصلت، فلما حضر وقت صلاة أخرى وهي على حال مختومة؟
قال: تتوضأ لكل صلاة.
قال أبوسعيد: إذا كانت على ذلك التي إن توضأت واحتشت وعهدها بذلك، فعليها الوضوء للصلاة الثانية.
وكذلك ما كانت على هذا فهي تستنجى وتطهر لكل صلاة.
وأما المطلقة التي كثر دمها فلم تدر ما حيضها، فإن كانت تعلم ما كانت تصلي الشهر أو أكثر من ذلك ثم تحيض، وبه تعلم أيام حيضها، فتصلي أيام طهرها تغسل ثلاث مرات في الخمس صلوات، ولا تصلي في أيام حيضها، فإن ذلك عدتها، لأنه يقال إن الدم يزيد في أيام حيضها، فإن كانت لا تعرف أيام طهرها ولا أيام حيضها فقد اختلف الناس في ذلك:
فمنهم من قال: تنظر إلى أمها وأخواتها كم طهرن وحضن؟
ومنهم من قال: غير ذلك. (1/56)
صفحة 57
قال أبو سعيد: في المطلقة إذا استمر بها الدم، واشتبه عليها أمرها في أيام الحيض:
فقال قوم: تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي عشرا، فإذا مضى على ذلك ثلاثة أقراء انقضت عدتها.
وقال قوم: تترك أيام حيضها وتصلي خمسة عشر يوما، فإذا انقضت ثلاثة أقراء على ذلك فهو عدتها.
وقال من قال: تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي عشرين يوما على هذا السبيل.
وقال من قال: تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي شهرا، فإذا انقضى لذلك ثلاثة أقراء فذلك عدتها.
وقال من قال: عدتها التي تعودت تصلي فيها وتترك أيام حيضها التي كانت تتركها، فإذا انقضى على ذلك ثلاثة أقراء فتلك عدتها.
وقال من قال: عدتها ثلاثة أشهر للريبة، إذا كان مستمر بها الدم، لقول الله - تبارك وتعالى -: *-إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر).
وقال من قال: عدتها أربعة أشهر وخمسة أيام، وثلاثة أشهر عندي أشبه بعدة هذه المسترابة، لأنها إن كان ذلك حيضها فقد مضى في ثلاثة أشهر، كل شهر حيضة، وإن كان ذلك ليس بحيض.
ومنه وأما التي نقص حيضها وارتفعت حتى لا تدري ما حيضها، وقد زايلها الحيض، فقد مضت عدة الشهور للتي لا تحيض إن كان ذلك ليس بحيض.
وقد اختلفوا في ذلك: (1/57)
صفحة 58
فمنهم من قال: تتربص أربعة أشهر ثم تعتد بالشهور.
ومنهم من قال: تعتد اثني عشر شهرا.
ومنهم من قال: حتى تيأس من المحيض ثم تعتد بالشهور.
قال أبو سعيد: أحب القول الآخر في العدة حتى تصير بحد من تيأس من المحيض من الكبر، ثم حينئذ تعتد بالشهور لقول الله -تبارك وتعالى -: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا).
ومنه وأما التي ولدت أول ميلادها، فرأت الدم شهرا ثم انقطع الدم عنها ورأت حمرة، ما تصنع؟
قال: تنتظر إلى عدة أمها.
قال أبو سعيد: أحب إذا انقطع عنها الدم السائل، وبقي بها صفرة أن تنظر إلى تمام أربعين يوما، ولا تنظر بعد الأربعين في الصفرة و الكدرة إلا فيما دون السائل و القاطر المتصل في أول ولد.
ومنه وأما التي قعدت بعد ما طهرت العشرة أيام، فرأت الدم ثلاثة أيام ثم رأت الطهر، وكانت عدتها سبعة أيام، ما تصنع؟ قال: إذا قعدت ثلاثة أيام ثم رأت الطهر، فلتغتسل وتصلي.
وأما التي كان وقت حيضها ثمانية أيام فرأت صفرة في أيام حيضها في الثمانية أيام، ثم رأت الطهر واغتسلت وصلت ثم جاءها الدم، فمكثت في (1/58)
صفحة 59
الدم ثمانية أيام، فإني أخبرك أن أبا منصور كان يقول: إذا رأت الصفرة في وقت حيضها، فلا تترك الصلاة حتى ترى الدم، وفيه اختلاف.
وأما التي رأت الطهر في أيام حيضها يوما، واغتسلت وصلت وعليها قضاء صلاة يوم مما عليها، ثم عاودها الدم قبل أن تنقضي أيام عدتها فهو جائز، إنما اختلفوا في ذلك في الصيام.
قال أبو سعيد: لا أعلم حفظت في ذلك اختلافا إلا أنه يعجبني أن لا يخرج من الاختلاف.
وعلى قول من يقول: إن الصوم يقع على الانفراد فإذا تم لها اليوم وصامته وهي طاهر، فقد ثبت حكمه عندي، على قول من يقول ذلك.
وعلى قول من يقول: إن كله مبني أنه يفسد إذا لم يتم حتى يراجعها الدم.
ومنه وأما التي كان حيضها عشرة أيام، ثم صارت أيام حيضها خمسة أيام، هل لزوجها أن يجامعها، إن طهرت في خمسة أيام؟
قال: هذا مكروه، وينهى عنه الفقهاء لأن عدة هذه المرأة عشرة أيام ما بقي، وإن رأت بعد الخمسة الأيام صفرة أو يبوسه مما لم تر الطهر فهي حائض.
قال أبو سعيد: قد مضى في هذا بانتقال الأقراء.
ومنه وأما التي عدتها ثمانية أيام فرأت أيام حيضها أربعة أيام صفرة أو حمرة ثم تحول دما عبيطا إلى تمام شدتها فلم ينقطع، وزادت يوما أو يومين فلم ينقطع الدم، فنرى أن تصنع ما تصنع المستحاضة، تغسل بين كل صلاتين ولصلاة الصبح، وتقضي اليومين التي زادت على عدتها. (1/59)
صفحة 60
قال أبو سعيد: تترك الصلاة فيما قيل بعد أن يأتيها الدم فيما تستأنف إلى تمام حيضها.
وأما التي أمكنت زوجها من نفسها وهي حائض وكتمته، ولا يعلم الرجل وأتاها؟
قال: لا نرى إثما على الرجل وانما الاثم عليها، وأحب أن لا يمسك الرجل امرأة نحو هذه، إلا أنه يتوب ويرجع.
قال أبو سعيد: أما التنزه فكما قال إذا عرفها بهذا، وأما إذا كان زلة منها من كل قروء، أو ليست محترزة فقد قيل: ليس عليه هو ذلك الاثم ولا الحرمة، وأما هي فقد قيل: إنها آثمة لأنها أمكنته من محجور عليها، وأما الفساد فلا أعلم أن أحدا أفسدها عليه بهذا من المسلمين.
وقال بعضهم: إنها آثمة في معاشرته إذا تابت مما ركبت.
ومعي أنه قيل: إن عليها أن تفتدي منه بما عليه لها، إن قبل فديتها، وإن لم يقبل فديتها لم يكن عليه ذلك، وكان عليها معاشرته وهي آثمة، ولا تتزين له ولا تفعل له كفعل المرأة لزوجها، من غير أن تمنعه.
وقيل: إن لم يقبل فديتها وسعها منه ما يسعه منها ولم تاثم في معاشرته، وكان لها أن تفعل له كما تفعل المرأة لزوجها من التزين والتعرض، ويسعها منه ما يسعه منها بعد أن لا يقبل فديتها.
ومعي أنه قد قيل: إنه يستحب أن تفتدي وليس ذلك عليها، فإن فعل فلم يقبل فديتها كان القول فيها ما قد مضى من الاختلاف.
ومعي أنه قد قيل: إنه ليس عليها فدية في هذا، ولا تفسد هي عليه ولا يفسد هو عليها، إلا بتعمده هو للوطء في الحيض، وليس تعمدها هي (1/60)
صفحة 61
كتعمده هو ولا فعلهما كفعله، إلا أنها آثمة في ارتكاب ذلك في حينه، فإنهم قد أجمعوا - لا أعلم بينهم اختلافا - أنه لو وطئها وطئا صحيحا وهي حائض خطأ، أن ذلك لا يفسدها، ولا إثم عليه فيه.
وكذلك إن كان ناسيا وهي ناسية، وانما قالوا إنها تفسد عليه بوطئه لها متعمدا في الحيض بعد العلم، أو فعلها ليس كفعله.
ومعي أن هذا القول أصح مذاهب أصحابنا، و ان كان أكثر القول، قولهم.
ومنه وأما التي أيام طهرها مختلف تصلي مرة شهرا، ومرة خمسة وعشرين يوما ومرة عشرين يوما، فإنها تصلي حتى تبلغ أقصى أيامها، ثم تترك الصلاة بقدر ما كانت تحيض.
وذكروا عن أبي المنصور أنه قال: تترك الصلاة أيام حيضها ثم تصلي بقية الشهر إن كان حيضها عشرة أيام صلت عشرين يوما، وان كان اثني عشر يوما صلت في الشهر ثمانية عشر يوما، وان كان ثمانية آيام صلت اثنين وعشرين يوما على هذا النحو إذا صارت مستحاضة.
قال أبو سعيد: معي أنه قيل هذا، وقيل: إنها إذا استحيضت قعدت أيام حيضها عن الصلاة، ولا تقعد عن الصلاة أكثر من عشرة أيام ثم تغسل وتصلي.
وقال بعضهم: خمسة عشر يوما.
وقال بعض: عشرة أيام، والعشرة أحب إلينا، لأنه أكثر ما وجدنا عليه العمل.
والقول من أصحابنا أنهم يذهبون أنه أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره (1/61)
صفحة 62
عشرة أيام، وأقل الطهر عشرة أيام وإذا لزم العمل والمحنة استعمل الأقل من الأمور، لئلا يتطاول عليها أسباب ترك الصلاة، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مستحاضة، أنه أمرها أن تدع الصلاة أيام حيضها وتغتسل وتصلي أيام طهرها.
فقال أصحابنا إنه إذا كان الحيض أياما والطهر أياما، ما لم يكن أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة أيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيام "، لأنك تقول يوم ويومان وثلاثة أيام، فثبت في اسم الأيام في الثلاثة فصاعدا، وتقول ثلاثة أيام إلى سبعة أيام إلى عشرة أيام، ثم تقول: إحدى عشر يوما، فسقط اسم الأيام أحد عشر يوما فصاعدا، فثبت عندهم أن أقل الحيض ثلاثة أيام أو أكثر، وعشرة أيام لا يجاوزه، وثبت عنهم أن الطهر عشرة أيام فيما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم المرأة، أن تغتسل وتصلي سنة إذا كانت تلك عادتها، ووقع عليها الطلاق، وخرج ذلك من حد التعارف، ولما جعل الله من الأقرار في الأشهر، ولا تساوي بين الحيض والطهر في الأقل والأكثر، ولكنها تجعل أكثر الحيض أقل الطهر، لا تساوي بينهما.
فإن قال قائل: فقد ساويتم بينهما إذا جعلتم الحيض عشرة أيام والطهر عشرة أيام.
قلنا: جعلنا أقل الحيض ثلاثا وأكثره عشرا، وجعلنا أقل الطهر عشرة أيام، فلم نساو بين الحيض والطهر، فإن ساوينا بينهما فللكلفة والمحنة التي تلزم في أيام الطهر من الاغتسال في الصلاة الذي تحدث فيه المشقة والعسر على المرأة في أمر دينها، وبصحة زوال العسر من دين الله - تبارك وتعالى - وللضيق، والحرج، ولثبوت السنة في الحائض أنها تترك الصلاة في أيام حيضها، فلم نجد تعبدها بالصلاة في أيام طهرها أوجب من تعبدها بترك الصلاة في أيام حيضها، ووجدناهما متكافئين في دين الله وفي سنة نبيه، إذ أمرها بترك (1/62)
صفحة 63
الصلاة في أيام حيضها، وبالعشر أحب إلي.
وكان ذلك متكافئا عنده في الدم فجعلنا لها العشر عند الشبهة، إذا لم تعرف أيام حيضها في أول ما تعبدها به من الحيض قبل أن تعرف أيام طهرها، احتياطا منا على ثبوت سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالعشر في الحيض والطهر بصحة ذلك في الأكثر من الحيض وصحه ذلك في الأقل من الطهر.
ومنه وأما التي اغتسلت من نفاسها فصلت عشرة أيام ثم رأت دما عبيطا:
قال: الربيع كان يقول: إذا صلت عشرة أيام ثم جاء دم فهو حيض، وأما إذا صلت خمسة أيام ورأت دما فإنها تغسل بين كل صلاتين إلى عشرة أيام فإن لم ينقطع فلتقعد.
وأما التي أسقطت سقطا بينا ثم أسقطت آخر بعد ثلاثة أيام، ففيه اختلاف؟
والأخذ بالثقة في ذلك أحب إلي في انقضاء العدة والصلاة والرجعة.
قال أبو سعيد: أما العدة فلا تنقضي إن كانت مطلقة أو مميتة، إلا حتى تضع الثاني، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وأما النفاس فقد قيل في الأول بحسبه للصلاة، وقد قيل من الثاني، ويعجبني في ذلك أن تترك الصلاة أيام نفاسها، من حين ما تصنع الأول ثم تغتسل وتصلي، ولا يطأها زوجها حتى تنقضي أيام نفاسها من الثاني، احتياطا في ذلك على الصلاة، وهذا بالأوكد في الوطء بالتنزه و أبعد من الشبهة.
ومنه وأما التي رأت دما بعد عشرة أيام أو يومين أو ثلاثة، فقد اختلفوا في ذلك:
فقال بعضهم: إذا رأت الدم بعد عشرة أيام، فهو حيض. (1/63)
صفحة 64
وقال بعضهم: بعد خمسة عشر يوما.
وقال أبو المنصور: ترى الدم، فإن كان دم المحيض قعدت، وإن كان داء ا اغتسلت وصلت بمنزلة المستحاضة، والله أعلم بالصواب.
وقال بعضهم: إذا رأت الدم يومين ثم طهرت فليس بحيض حتى يكون الدم ثلاثة أيام تامة.
وقد بلغني أن أبا يزيد كان يقول: الحيض أقل من ثلاثة أيام، والله أعلم.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في هذا، وأما المستحاضة فلها أن تقعد وتصلي قاعدة إذا لم تستطع القيام من الدم.
وقد قالوا: إنها تقعد على الرجل، وتحفر حفرة إذا كثر عليها الدم تقعد عليها وتصلي.
وقال أبو سعيد: قيد قيل: إن المستحاضة إذا كان دمها لا ينقطع ولا يستمسك، إذا اختشت أنها تصلي في غير مسجد ولا مصلى، فإن أمكنها شيء من الآنية تجعله تحتها، وتتقي عنها الدم وسيلانه عن ثيابها وبدنها فعلت ذلك، وإلا حفرت حفرة وجعلت مخرجها إليها وتصلي قاعدة، إذا خافت أن الدم يسيل في ثيابها وفي بدنها، وأما تقعد على رجلها فلا أعرف ذلك، إلا أن يكون ذلك مما ينتفع به من بلوغ الدم إليها أو إلى ثيابها فهي الناظرة في ذلك لنفسها.
وعن رجل جامع امرأته ثم أصبحت فرأت الدم، وعلمت أن الدم جاء قبل أن يجامعها زوجها، فرأينا أن يعلما ذلك فلا بأس عليهما إن شاء الله.
وسئل عن امرأة انقطع عنها الدم، وهي في وقت حيضها حتى بقي من (1/64)
صفحة 65
قرئها يوم، فانقطع عنها الدم في صفرة، ثم نظرت فلم تر شيئا، لا صفرة ولا طهرا؟
قال: لا تصلي حتى ترى الطهر.
قال أبو سعيد: قد قيل إن الحائض إذا انقطع عنها الدم والصفرة والحمرة و الكدرة اغتسلت، وإنما الحيض بأحد هؤلاء.
وقد قيل: ما لم تر الطهر البين، فليس عليها صلاة و هي حائض حتى تنقضي أيام حيضها.
ويعجبني إن استعملت هذا واغتسلت وصلت، وتغسل عند تمامه، لأني على كل حال أحب الأخذ بالثقة في الفروج والتنزه فيها، حتى يخرج ما فيها من حال الاختلاف بما لا شبهة فيه.
وامرأة ولدت، ما عملها؟
قال: لا تصلي حتى ينقطع عنها الدم والصفرة.
وامرأة حبلى رأت دما أو صفرة، فلا تترك الصلاة حتى تضع أو ترى أعلام الولادة، إلا امرأة كانت تحيض على حبلها على نحو ما لم تكن حبلى؟
قال: عليها أن تترك الصلاة.
وقال الربيع: لا تترك الصلاة إذا استبان حبلها، فإن رأت دما سائلا اغتسلت لكل صلاة في صلاتين، و إن كانت صفرة توضأت لكل صلاة وصلت.
قال أبو سعيد: قول الربيع أحب إلينا.
وامرأة استكملت قرأها فتطهرت وصلت يومين او ثلاثا ثم رأت دما أ (1/65)
صفحة 66
وصفرة.
قال: لا تترك الصلاة، فإن كان الذي رأته دما اغتسلت عند كل صلاتين ثم صلت، وإن كانت صفرة توضأت ثم صلت، فإن دام بها الدم أو الصفرة فإنها تصلي حتى تبلغ عدة أيامها التي كانت تصلي قبل ذلك، فإن كان قرؤها مختلفا تصلي مرة عشرين يوما، ومرة ثمانية عشر يوما، ومرة ستة عشر فإنها تصلي حتى تبلغ أقصى قرئها ثم تترك الصلاة بعد ثلاثة أيام، فإن دام بها صلت حتى تبالغ مثل ذلك من قرئها.
وقال الربيع: تصلي إلى أقصى أقرائها، ثم تترك الصلاة يوما أو يومين، و النفساء تترك الصلاة يومين أو ثلاثة أيام.
قال أبو سعيد: تصلي عشرة أيام، فما كان فيها في العشر صفرة توضأت فيها، وما كان فيها من سائل أو قاطر اغتسلت وصلت، فإن كان ينقطع اغتسلت لكل صلاة وصلتها في وقتها، وإن كان مسترسلا جمعت الصلاتين بغسل واحد، وللغداة غسلا، ثم تترك الصلاة أيام حيضها، فعلى هذا تكون حتى يفرج الله عنها، أو تموت على ذلك إن شاء الله.
ومنه وامرأة كان قرؤها مستقيما لا يختلف، تصلي عشرين يوما لا يختلف عليها، فصلت عشرة أيام ثم رأت دما، فإنها تصلي حتى تبالغ العشرين ثم تترك الصلاة على قدر قرئها، فإن كان قرؤها مختلفا تقعد في حيضها سبعة ومرة عشرة، ومرة ثمانية، فلتترك الصلاة أكتر أقرائها، ثم تقعد بعد ذلك ثلاثة أيام، بان كانت صفرة فلتوضأ وتصلي.
قال الربيع: تقعد يوما أو يومين، وتقعد إلى انقضاء أقرائها، وكان يقول: إذا مضت عشرة أيام بعد الطهر فهو حيض، وما كان دون العشر فهو من غيض الأرحام، وتتوضأ وتصلي إذا كان صفرة، و إن كان دما اغتسلت (1/66)
صفحة 67
لكل صلاتين وللغداة غسلا.
قال أبو سعيد: إنها تصوم عشرة أيام وتقعد أيام حيضها، فإن كانت تعرفه وهو أول حيضة حاضتها، واستقام على ذلك ثلاثة أقراء في وقت واحد فهو قرؤها وتستعمله، وإن لم تعرف من ذلك وقتها تعمده، إلا أنها تعرفه أنه يختلف عليها مرة ثلاثا ومرة أربعا ومرة خمسا ومرة ستا ومرة عشرا، ولا تعرف الأصل من ذلك ما هو، فإن هذه تقعد عن الصلاة أقل من أوقاتها احتياطا للصلاة وقتها في الصلاة ثم تغتسل وتصلي إلى آخر أوقاتها، ولا يجامعها زوجها إلى انقضاء وقتها، الذي كانت تعرفه في اختلاف أوقاتها، وان كانت من عشرة احتاطت أيضا يوما أو يومين، ولا يطؤها فيه زوجها، واغتسلت وتغتسل وتصلي فيها ثم وصلت عشرة أيام، وهي فيهن مستحاضة تصلي فيهن وتصوم إن أراد زوجها أن يأطأها جاز إذا انقضت الأيام وصلت صلاة الغداة يوم أحد عشر، تركت الصلاة على ما وصفت لك، وصلت أوقاتها ثم اغتسلت وصلت أقصى أوقاتها، ولا تنتظر في هذا ولا فيما يستقبل فيما قيل، وتغتسل وتصلي لاستحاضتها، ويكون على هذا سبيلها إلى أن يفرج الله عنها، أو تموت على ذلك.
ومنه وامرأة في قرئها رأت دما أو صفرة، رأته ضحى ثم انقطع عنها فرأت الطهر، فزعمت أنها عفير.
وإن امرأة مكثت يوما وليلتها حتى كان من الغد فأتت إلى أبي عبيدة فقال لها لا تصلي.
قال أبو سعيد: قد قيل: إنها إذا رأت دفعة من دم سائل أو قاطر في أيام حيضها فهو حيض، فإن دام لها صفرة أو حمرة أو كدرة أو ما تكون به حائضا، مضت على حيضها، وإن طهرت اغتسلت وصلت ولو من حيضها ولا تترك (1/67)
صفحة 68
الصلاة فإن تركتها كانت عليها، الإعادة على هذا السبيل، ولا أعرف في قول معنا عن أبي عبيدة.
وامرأة حاضت ثم استكملت قرأها فنظرت فرأت شيئا اشتبه عليها، تقول مرة طهرا ومرة صفرة، وليست البينة صفرة.
قال: تصلي ولا تترك الصلاة على الشبهة.
قال الربيع: لا تصلي ولا تترك الصلاة على الشبهة.
أبو سعيد: هذه تغسل وتصلي فيما قيل، ولا أعرف قول الربيع في هذا الموضع يخرج في قول أصحابنا على معنى، فإنه إذا لم تكن صفرة ولا كدرة ولا حمرة، فلست أعلم أن أحدا قال: إن في غير هذا انتظارا، والله أعلم.
و المرأة إذا كانت تصلي خمسة عشر يوما ومرة ثمانية عشر يوما ومرة سبعة عشر يوما، فصلت عشرة أيام ثم رأت دما.
قال: لا تصلي، فإن دام بها فلتقعد أيام أقرائها ثم تقعد بعد ثلاثة أيام ثم تصلي، فإن كان دما فلتغتسل لكل صلاتين، وإن كان صفرة فلتتوضأ ثم تصلي.
قال الربيع: إذا زادت على العشرة أيام فهو حيض، إلا أن تكون مستحاضة، فلتصل كما كانت تصلي قبل ذلك، ثم تقعد أيامها التي كانت تقعد، فإن كان الدم يكثر في تلك الأيام، ثم تنتظر يوما أو يومين ثم تغسل وتصلي.
قال أبو سعيد: قد مضى في مثل هذا كثير.
والمرأة إذا رأت الطهر (1/68)
صفحة 69
في ميقات المغرب فليس عليها العصر، وان رأته
في ميقات العشاء فليس عليها المغرب.
وكان الربيع يقول: إذا جنها الليل ولم تر طهرا فليس عليها صلاة حتى تصبح ولا وتر، وان رأت طهرا في السحر فليس عليها العشاء، وهي العتمة، وعليهما الوتر، والوتر سنة واجبة والله أعلم. (1/69)
صفحة 70
[صفحة بيضاء] (1/70)
صفحة 71
باب: غسل الخنثى من حيضها وجنابتها
قلت: هل على الخنثى غسل من جنابة؟ ...
قال: نعم عليه الغسل من الجنابة والحيض، وإذا رأى الحيض توضأ لكل صلاة وصلى، فإذا طهر اغتسل.
قال غيره: معي أنه يحسن معنى هذا في معنى أمر الخنثى، إذا ثبت حكمه حكم الخنثى، لأنه يلزمه معنى حكم الأنثى ومعنى حكم الذكر، فيما يجتمع عليه من حكمها مما يثبت معناه مجتمعا، فإن خرج منه المني من خلق الأنثى أعني الخنثى من خلق الأنثى باحتلام في منام أو يقظة بغير معنى جماع فعليه الغسل على قول من يقول بدلك على الأنثى من غير جماع.
وعلى قول من يقول: ليس ذلك عليها، أعني الخنثى مثل ذلك، لمعنى يجب عليه من خلق الأنثى من حكم الابن.
وإن خرج منه الماء الدافق من المني من خلق الذكر بأي وجه كان، باحتلام منام أو يقظة، بملامسة أو غير ملامسة، خرج عندي ثبوت الغسل عليه، لأن ذلك ثابت على الذكر من أي وجه كان منه ذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ويلزمه من ذلك عندي بحكم ما يخصه من حكم الذكر في موضع ما يجتمع فيه، وحكم الأنثى في موضع ما يجتمع فيه أو يختلف، فإن جامع (1/71)
صفحة 72
الخنثى بخلق الذكر حتى غابت الحشفة منه، في ذكر أو خنثى حتى غابت الحشفة في قبل أو دبر، وجب عليه عندي حكم الغسل بالوطء، لأن ذلك يجب على الخنثى.
وكذلك إن وطئه ذكر في الدبر حتى غابت الحشفة أو شىء من الدواب، أو أوطأ نفسه شيئا من الدواب من قبل أو دبر، حتى ثبت عليه حكم الوطء وجب عليه عندي حكم الغسل بهذه المعاني، وغسله من الجنابة إن ثبت عليه من حكم خلق الأنثى أو الذكر سواء في جميع ما مضى ذكره. (1/72)
صفحة 73
حيض الخنثى وتزويجها وميراثها
قيل: إن بلغ الخنثى فحاضت من موضع خلق النساء لم ولم تجنب من الذكر؟
قال: حكمه في تلك الحال حكم امرأة.
وإن أجنب من خلق الذكر ولم تحض، فحكمه حكم رجل.
وإن حاض وأجنب من خلق الرجال الجنابة، ومن خلق النساء الحيض، فهو خنثى، فإذا أجنب كان عليه الغسل، وإذا حاض توضأ وصلى، حتى إذا طهر من الحيض اغتسل غسلا واحدا وصلى، ولا يترك الصلاة في الحيض.
وقد قيل: إنه إذا حاضت حكم لها بحكم الأنثى، لأن الذكر لا يحيض والأنثى لا يخرج منها الجنابة.
وكذلك الذي تخرج منه الجنابة ولا يحيض.
قال غيره: معي أنه يحتمل معنى ما قبل من هذين القولين جميعا أن يحكم له وعليه في الحيض بما يحتمل من حكم الذكر والأنثى، فأما ما يثبت من حكم الأنثى فوجب الغسل على كل حال عند الطهر والصلاة بعد الطهر والتطهر، وليس على الأنثى صلاة في الحيض،
فلما أن لم يكن أنثى كان ذلك إشكال من أمره في الصلاة، وليس للذكر أن يترك الصلاة على حال، فثبت (1/73)
صفحة 74
حكم الصلاة للإشكال والتطهر والوضوء، وقد يشبه معاني أحكام الغسل عليه لكل صلاة، لأن ذلك قد يلزم الأنثى في الاستحاضة في غير أيام الحيض، فيثبت عليه في الاعتبار أحكام الأنثى وما يلزمها على الانفراد، وأحكام الذكر في مثل هذا الموضع ثبوت الصلاة عليهما جميعا والتطهر لها، بمعاني ما يثبت على الذكر وما يثبت على الأنثى، وإذا جاء ما يشبه ذلك من أمره، وإذا طهر الخنثى من الحيض وانقضاء أيام الحيض منه، ثبت عليه الاغتسال، لثبوته على المرأة من الحيض، وما جاء من الدم السائل في غير أيام الحيض، مما يكون من الأنثى استحاضة أشبه عندي أن يلزمه ما يلزم المستحاضة من الغسل، على قول من يقول: الغسل على المستحاضة، ولكنه إذا لم يثبت عليها الغسل في أيام الحيض، وإنما عليها الوضوء حتى تطهر من الحيض ثم تغسل غسلا واحدا، ففي أيام الاستحاضة أشبه أن يلزمها الغسل، أعني الخنثى، لأن المستحاضة قد قيل عليها الغسل.
وقد قيل: إنما عليها الوضوء، وهذا في الأنثى والخنثى عندي أقرب أن يشبه فيها انحطاط الغسل بالاستحاضة، إذا كان قد قيل: إنما عليها الوضوء في أيام الحيض حتى تطهر من حيضة، وتكون في أيام الحيض، ومن يبعد عندي لا يلزمها الغسل إذا طهر من الحيض، لأنه إذا كان ذلك حيضا وثبت حكمه حكم حيض كان في الإجماع أن الذكر لا يحيض، وأنه إذا ثبت الحيض و كان حكمه حكم أنثى على معنى القول الاخر.
وإذا حاض الخنثى وثبت حكم الحيض منه فلا مجال أنه أنثى، لأن الحيض للأنثى خالص، والجنابة للذكر والأنثى، فلما كان من الخنثى ما يكون إلا من الأنثى، في معنى الاتفاق وهو الحيض، وثبت حكمه حكم أنثى في جميع أحكامه، لأنه قد قيل بما يشبه معاني الاتفاق أنه إذا ولد الخنثى ولدا كان حكمه حكم أنثى، لأن الذكر لا يلد في الإجماع.
وإذا ولد الخنثى ولدا من (1/74)
صفحة 75
أنثى كان حكمه حكم ذكر لأن الأنثى لا يولد لها ولد بمعنى الاتفاق، فلما أن كان هذا هكذا كان الحيض في معنى الاتفاق، أنه لا يكون إلا من الأنثى، لأنه لا يكون على كل حال إلا من الأنثى، فإن كان ذلك حيضا الذي يكون من الخنثى.
وأشبه الأحوال أن يكون الحيض للأنثى خالص، ويكون حكمه حكم أنثى، وإن كان ذلك ليس بحيض فلا غسل عليه عند طهر ولا قبل طهر، وانما عليه الاستنجاء والوضوء للصلاة من ذلك الدم، لأنه بمنزلة سائر الأحداث، ولو ثبت خروجه من خلق الأنثى من الخنثى، لأنهم قد قالوا في دم الفرج يخرج من المرأة من الرحم فيسال ويظهر بمنزلة دم الحيض.
و الاستحاضة أنه لا غسل عليها في ذلك في أيام الاستحاضة ولا حيض، وأنه إنما عليها لا في ذلك الوضوء بمنزلة سائر الأحداث، فكذلك يشبه معنى ذلك، و الخنثى إذا لم يثبت حيضا، وإن أثبت حيضا ثبت حكمهما حكم الأنثى.
وإن قال إنه إذا خرج منه الماء الدافق من خلق الذكر، وخرج منه الدم من خلق الأنثى استويا وكان خنثى؟
قيل له: إن الماء الدافق قد يكون من المرأة ومن الرجل جميعا، وإذا ثبت أنه قد يكون من المرأة و من الرجل، فليس يبعد أن يكون من الخنثى من خلق الذكر والأنثى جميعا، ولا ينتقل بذلك عن حكم الحيض لا يكون بحال إلا من الأنثى.
فإن كان خروج الدم من الخنثى حيضا فلا تحيض إلا الأنثى، وإن كان حدثا ليس بحيض فلا غسل عليه من حدث لا يكون حيضا عند طهر ولا قبله، ولأن الجنابة قد تكون من الأنثى والذكر، ففي الخنثى ثابتة بالمعنيين (1/75)
صفحة 76
جميعا، لأنها قط تكون من الأنثى والذكر فحكمها ثابت منهما جميعا وفيهما جميعا من أي الخلق خرج منهما ثبت فيه حكم ما يجب من حكم الجنابة.
ومعي أنه يخرج الماء الدافق من الخنثى من أي الخلقين كان من خلق الذكر أو الأنثى، عندي أنه حكم بلوغ الخنثى، لأنه لا يكون من الأنثى ولا من الذكر إلا من بالغ، وقد لا يكون الحيض من الأنثى، ويكون لا تحيض بخروج الماء الدافق منها بمعنى يستدل به يكون عندي ثبوت حكم بلوغها ولو لم تحض، لأنه لا يكون إلا من بالغ، لقول الله - تبارك وتعالى -: (خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب) (1).
والاتفاق على هذا أن الولد لا يكون إلا من ماء الرجل والمرأة لاتفاقهما واختلاطهما، والاتفاق أنه لا يكون الولد إلا من بالغين ذكر و أنثى، وأنه إذا ولدت المرأة أو حملت فقد صح بلوغها ولو لم تحض، وإذا ولد للرجل وثبت له ومنه حكم الولد ثبت بلوغه وحكم ببلوغه، ولو لم يحتلم ولا يبين له معنى ذلك إلا بثبوت الولد منه فثبت حكم الماء الدافق من الذكر والأنثى جميعا، وأنه لا يكون منهما جميعا إلا من البالغ، وأن الحيض لا يكون من إلا من الأنثى خاصة بمعنى الاتفاق، لا يختلف في ذلك، وكان القول الآخر عندي أشبه في الخنثى أنه إذا حاض وخرج منه الحيض ثبت له حكم الأنثى، إلا أن يصح أنه دم فرج، ولو خرج منه الماء الدافق من خلق الذكر، لأنه قد يكون ذلك من الأنثى والذكر، ولا يكون الحيض إلا من الأنثى خاصة، ولو كان من الخنثى ذلك بالاحتلام وعند الملابسة وحضور الشهوة.
قال غيره: لعله أراد وحضور الشهوة لأن ذلك قد يكون من الأنثى كله إلا أن يولد له ولد ثبت حكمه حكم الذكر، لأنه لا يولد في الاتفاق إلا من الأنثى فإذا ولد للخنثى كان حكمه ذكرا على حال، وإذا ولد الخنثى كان (1/76)
صفحة 77
حكمه أنثى على حال، لأن هذا لا يكون إلا هكذا.
وكذلك الحيض أشبه بمعنى الاتفاق أنه لا يكون إلا من الأنثى، و يعجبني هذا القول لهذا المعنى، أنه إذا حاض الأنثى ولو احتلم وخرج منه الماء الدافق من خلق الذكر، كان حكمه حكم أنثى، لأنه قد جاء بما لا يجيء به الأنثى، وفي خروج الماء الدافق منه من خلق الذكر، لم يأت بما لم يأت إلا الذكر، وذلك قد يأتي به الذكر والأنثى من خلق الذكر والأنثى، فإذا خرج الماء الدافق من خلق الذكر ولم تحض، أعجني أن يكون ثبت فيه حكم الذكر، ولو خرج الماء الدافق منه من خلق الذكر والأنثى، وإن كان عندي غير خارج من العلة لأنه قد يكون ذلك من الأنثى والذكر جميعا، فلم ينتقل عندي بحكم الحقيقة عن الاشكال إذا جاء بما لا يأتي به الذكل والأنثى.
وكذلك لو لم يأت منه الماء الدافق من خلق الأنثى له وإنما يخرج منه من خلق الذكر، لأنه لم يأت بما لم يأت به إلا الذكر، وذلك قد يأتي به الذكر ولكنه لما أتى منه حكم ما يكون به الأغلب من حكم الذكر من خلق الأنثى، ولم يأت منه ما لا يكون إلا من الأنثى وهو الحيض أعجبني أن يكون حكمه حكم الذكر على قول من قال بذلك.
واذا جاء منه ما يكون به حكم الأنثى خاصة وهو الحيض، كان حكمه حكم الأنثى، ولو جاء منه ما يكون اللأغلب من حكم الذكر لأنه قد يكون ذلك من الذكر والأنثى، والحيض لا يكون إلا من الأنثى فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
ويخرج في معنى الاتفاق أنه إنما يكون في حكم المواريث في الخناثى في البنين والاخوة وفي العصبات، ولا يثبت في معاني الأحكام أن يكون أبا خنثى، فيكون له ميراث الخنثى.
وإذا ثبت أبا ولو كان فيه خلق الذكر والأنثى كان حكمه حكم أب في (1/77)
صفحة 78
المواريث وفي العصبات، في أمر العواقل والقود وانتقل عن حكم الإشكال.
وكذلك إذا ثبت الخنثى والدا انتقل إلى حكم الأنثى، و اذا ولد وكان له حكم الأنثى في الميراث من ولده وولد ولده، واستحال عن حكم الإشكال في جميع الأحكام إلى حكم الأنثى من مواريث الأم والجدة، فيكون لها ما للأم وما للجدة ولا تكون جدة خنثى ولا زوج خنثى ولا زوجة خنثى، ولا يكون جد خنث ولا أم خنثى ولا يكون جدة خنثى في معاني المواريث كلها، في معاني أحكام المواريث، ومن ثبت بأحد هذه الأحوال بأحكام المواريث ثبت حكمه لا حكم الخنثى.
وسواء هؤلاء فمعي أنه يلحقهم أحكام الخنثى، إذا كان في حال حكم الخنثى، من خلق الذكر والأنثى، ولم يغلب عليه أحد الحكمين من جميع الورثة من البنين وبني البنين والإخوة، وبنيهم ما كانوا، والعصبات ما كانوا، ما سوى الأجداد من الأعمام وبنيهم، وأعمال الأم وبنيهم وجميع العصبات، وجميع الأرحام.
ومعي أنه يخرج في معاني أحكام الإشكال أنه لو تزوج خنثى بأنثى ورضيت به زوجا وجاز بها، أو لم يجز، ثم مات أحدهما أنه في بعض القول أنه يكون زوجا في حكم الميراث وله ميراث الزوجية لمعنى الإشكال وأنه لا يصح هنالك حكم براءة من الزوجية، ولا يكون زوجا خنثى فيكون له نصف ميراث الزوجة، ونصف ميراث الزوج، فهذا لا يستقيم إذا ثبتت الزوجية على قول من يقول بذلك، الخنثى على الأنثى فالميراث بينهما أنه إذا مات الخنثى عن الأنثى كان لها منه ميراث زوجة، وإذا ماتت عنه كان له منها ميراث الزوج، من النصف والربع إذا كان على سبيل حكم الزوجية.
وعلى قول من يقول إنه لا يثبت التزويج للخنثى على الأنثى، فليس (1/78)
صفحة 79
ذلك بشيء، ولا ميراث بينهما ولو رضيا ببعضهما بعض، ما لم تلد الأنثى الخنثى، فإذا ولدت له ولدا وصح حملها منه على فراشه فقد ثبت في حكم الذكر، وكان زوجا بلا معنى اختلاف، لأنه قد صار ذكرا في الحكم إذ لا يولد له إلا الذكر، وصحت هنالك الزوجية بمعنى الاتفاق، وكان ميراث الزوجية هنالك وصار زوجا.
وكذلك لو تزوج الخنثى ذكرا ورضيت به زوجا ثم مات أحدهما عن صاحبه لم يكن بينهما الميراث على حكم الإشكال، ما لم تلد الخنثى من الذكر فإذا ولدت الخنثى من الذكر صح أنها أنثى وأنها زوجة حينئذ، وثبت لها حكم الأنثى، وكانت زوجة له وهو زوج لها، والا فلا زوجية بينهما في الحكم، لأنه إنما جاء حكم الكتاب والسنة بالزوجية للذكر والأنثى، وحكم الإشكال مشكل موقوف عن ثبوت الأحكام حتى يصح.
والزوجية لا تنعقد إلا لذكر على أنثى، فما لم يصح أن الزوج ذكر والزوجة أنثى، لم ينعقد حكم الزوجية في الميراث، لأن في ذلك عندي نقل الأموال عن مواضعها، من ثبوت المواريث لأهلها، على حكم الشبهة والإشكال، ولا يجوز نقل الأحكام عن مواضعها عندي إلا على ثبوت حكم مثله وليس فيه شبهة ولا إشكال، وأنه كذلك لا محال.
ولا يجوز عندي الإطلاق في الزوجية على الخنثى على خنثى، ولا خنثى لأنثى، ولا خنثى بذكر في حكم ولا فتيا، ولا يبين لي ذلك، لأن في ذلك إطلاق الموقوف من الأحكام، لأنه كل مشكوك موقوف، وما كان حكمه موقوفا فلا ينبغي إطلاقه في فتيا ولا حكم، فإن وقع التزويج من خنثى بأنثى أو بذكر أو بخنثى، أعجبني ترك ذلك بالطلاق، ولا يبين لي على وجه الحكم بالفراق بينهم، لأنه في معنى الحكم في الجميع من بني آدم، لا يخرج الحكم فيهم إلا ذكر وأنثى، ليس هنالك في ثبوت الحكم مما أنزل الله –تبارك (1/79)
صفحة 80
وتعالى -، وتبين إلا ذكر وأنثى، لقول الله - تبارك وتعالى -: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما).
فكل مولود منهم فإنما هو ذكر وأنثى، إلا أن الله يخلق ما يشاء - تبارك وتعالى -، ويجوز أن يخلق في الأنثى في علمه خلق الذكر والأنثى، وفى الذكر خلق الأنثى والذكر، ولا يستقيم أن يكون خلق واحد أنثى وذكر، وإنما ذلك من عجائب الله وبلواه، يبتلي عباده بما يشاء ويبتلي بهم، وهذا المولود على هذه الصفة يسمى في بعض المعاني المشكل ولا يسمى الخنثى، وهو كذلك عندي أنه مشكل أمره، والمشكل أمره الذي لا يحكم له بحكم معروف.
----------------------
من سورة الطارق
(2) 49 - 50 من سورة الشورى
7
تابع تكملة الموضوع
وفي بعض المذاهب أنه لا يحكم لهذا المولود، ولا يوجب له من الميراث في معنى حكم ولا فتيا، إلا بميراث أنثى في موضعه، لأنه لا محال أنه يستحقه ويقف عما سوى ذلك من الزيادة.
وفي عامة ما قيل إن المشكل من الأحكام، إذا كان في الاعتبار ألا بد أن يكون في أحد الحالين اللذين نزل بينهما من الحكمين أن يحكم له في حال بهذا، وفي حال بهذا من جميع ما يستحق في الحكمين في إمكان ذلك فيه ولزوم معناه بإثبات معنى الحكمين جميعا له، فخرج عندي على معنى الاحتياط والخروج من الشبهة، وليس ذلك ببعيد في ثبوت الأحكام بما يشبه الأصول، وبثبوت الحكم له بما لا بد أنه يستحقه في أحد المعنيين وهو استواء أحواله، والوقوف عما سوى ذلك، وهو أصل الحكم الذي لا يختلف فيه بالبيان الذي لا شبهة فيه، ويرجى معنى الشبهة والإشكال إلى الله - تبارك وتعالى -، ويثبت معنى مصالحة فيما بين المخلوقين، فيما يجوز فيه الصلح ويحل في معاني الأحوال، ولا يجوز أن يصلح على غير معنى البيان، في الحكم في الأبدان ولا في الفروج (1/80)
صفحة 81
ولا يشبه فيه معنى التحري، فإنما يشبه معاني التحري في الأموال، فمن هاهنا لزم الوقوف عن إباحة تزويج المشكل، وهو الذي يسمى الخنثى، في بعض معاني القول بمثله أو بأنثى أو بذكر، لأنه لم يأت فيه نص يشبه معنى الإجماع، وكان أمره مشكلا، فإن تزويج المشكل بأنثى أو بذكر، أو بمشكل مثله وهو الخنثى، لم يبن لي في الحكم على ما يثبت من التحريم، بما يوجب حكم الإجماع أن يفرق بينهما، ولا يبرأ منهما على الإقامة على ذلك التزويج من الإشكال الذي دخل عليهما، وفي أمرهما وإن كانت لهما ولايته، كانا عندي على ولايتهما، ولا يبين لي الوقوف عن ولايتهما جميعا بمعنى الحكم، بعد أن ثبتت الولاية، لأني لا أقول إن أحدهما مخطىء لا محال، بمنزلة المتلاعنين وما أشبههما من المقتتلين، ولا نعلم أيهما المحق ولا أيهما المبطل، وما أشبه بهذا الفصل فليس نكاح مشكل بمثله، ولا بأنثى أو بذكر عندي، بمنزلة المتلاعنين وما أشبههما في معنى الولاية والبراءة، ولكنهما عندي كل واحد منهما على الانفراد على حالته التي كانت له، وأمر أيهما بترك هذا التزويج بالطلاق
ولا بالفراق بينهما بغير طلاق، إذا كانا قد رضيا بالتزويج دخلا ببعضهما، أو لم يدخلا للإشكال الذي يدخل في التزويج، إذا وقع وانعقد، فعقدوا الرضا به على وجه التزويج لأنه الصحيح من، الحكم، فيما لا شك فيه أن هذا المشكل أمره، وإما هو ذكر وإما هو أنثى، وليس هو ذكر وأنثى بحال، ويحرم على النساء والرجال، وإنما هو امرأة فتحل للرجال، أو رجل فيحل له النساء بتزويج الحلال، وإنما خرج مخرج الإشكال وعزل عن معنى حكم التصريح بحكم النساء أو حكم الرجال لمعنى الشبهة والإشكال، فهو أبدا مشكل أمره عندي، ما لم يصح له براءة من الإشكال، فإن مات أحدهم لم يثبت له في الحكم عندي ميراث بالتزويج، ولا بتزويجه مشكل، لم ينعقد في الحكم فيدخله الاحتمال في الحكم، ويرجى علم ذلك إلى الله -تعالى - في تلك الأحوال، ولا يبعد على معنى ما قيل في أشياء كثيرة، في معنى المال في (1/81)
صفحة 82
الوصايا والمواريث، أن يورثا من بعضهما بعض من الحالين، فيكون له نصف ميراث الزوج، ويكون للزوجة منه نصف ميراث الزوج، لأنه في أن يكون زوجا إذا كانت معه زوجة امرأة.
وكذلك يمكن أن يكون زوجة إذا تزوج رجلا، فلا يبعد عندي أن يكون له من المرأة الصريحة، إذا ماتت عنه وقد تزوجها ورضيت به زوجا نصف ميراث الزوج.
وهذا القول يخرج عندي على قول من يورث الخنثى من الحالين، لأنه لما وقع التزويج أشكل الأمر في ثبوت التزويج فلم يثبت صحيحا ولا فاسدا في معاني الحكم، وكان مشكلا فلحقه معاني الإشكال في الميراث على حسب هذا يخرج معي ترتيب أمرهم في الميراث ما لم يصح الحكم فيهم بثبوت الخنثى ذكرا أو أنثى، فيستحيل الأمر إلى معنى البيان وثبوت الحكم ويبطل الإشكال.
وأما على قول من يورث المشكل ميراث الأنثى في موضعه، أن لو كان أنثى ويقف عما سوى ذلك في الحكم والفتيا، ولا يخرج على معنى قوله إن لهم مواريث لحكم الإشكال، لأنهم لا يصح لهم على حال لا بد لهم منه، لأن التزويج لم يصح بما لا شك فيه، كما صح السبب الذي ورثوه من الولادة والإخوة والعصبة، لأن ذلك لا محال أنهم يقبلون منه في أحد المنزلتين إما ذكر وإما أنثى، وأسوأ الأحوال وما لا شك فيه ولا محال منه أنه المشكل هاهنا من حكم الأنثى باستحقاق المال، وليس هم في الزوجية كذلك على كل حال إذا لم يصح النساء منهم ومن الرجال، وإذ ليس التزويج ينعقد للرجال على الرجال ولا للنساء على النساء، وإنما ينعقد للرجال على النساء وللنساء على الرجال، ولا يصح من ذلك كل شيء في كل حال، وإنما يخرج معناه كله إشكال والإشكال لا يخرج حكمه إلا من حال فلما بطل صحته في الحال الذي لا بد له منها، ولم يخرج حكمه على كل حال ثابتا، كان مستحيلا عن ثبوت (1/82)
صفحة 83
الأحكام على كل حال.
وعلى قول من يقول بالمواريث على الإشكال بإثبات الأحوال، فإذا ثبت تزويج كل واحد من الخنثيين وليه الآخر، ويرضيان بالتزويج جميعا، ولا يصح عندي تزويج أحدهما بالآخر من وليه، لأنهما كلاهما مشكل، ولأنه يحتمل من أمرهما أنهما رجلان وأنهما امرأتان، وأن أحدهما رجل و أحدهما امرأة، فمن هنالك لم يقع معنا هنالك ثبوت تزويج الإشكال إلا بتزويج الجميعين وليه من الآخر، فإن وكل أحد الوليين الاخر إن تزوجها الولي الواحد بعقدة واحدة، ورضيا بالتزويج وقع عندي معنى الإشكال في هذا النكاح بلا محال.
فإن مات أحدهما قبل أن يتبين أمرهما أو يفترقان فعلى ميراث الإشكال، يخرج عندي أن لا يكون للحي منهما نصف ميراث الزوجة ونصف ميراث الزوج، لأني لا أدري أيهما الذكر وأيهما الأنثى، وعلى الحي منهما العدة في الاحتياط عدة ولا الوفاة ولا الطلاق، إذا كان دخل به الهالك، والموطأ منهما هو الذي يجب عليه عندي عدة الطلاق بالاحتياط، وليس ذلك على الواطىء.
ولا يجوز على حال أن يطأ كل واحد منهما صاحبه، لأن هذا باطل لأنه لا يجوز وطء الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، وانما يجوز وطء الذكر للأنثى، ولا يستقيم في إشكال ولا غيره، أن يطأ جميعا بعضهما بعضا، فإذا فعلا ذلك كانا قد خرجا عندي إلى حال مما لا يسع على حال، وبطل عندي حكم الإشكال إلى حكم التحريم على حال، وعليهما جميعا الاستبراء من الوطء، كل واحد منهما بمعنى الوطء بعدة المطلقة، ولا ميراث بينهما على حال، إذا فعلا ذلك على التعمد، لأنه قد وقعت الحرمة عندي، وبطل حكم الحلال والإشكال، والطلاق عندي في هذا النكاح طلاق السنة، وتبين بالثلاث (1/83)
صفحة 84
بمنزلة النساء من الرجال.
وإذا طلق الخنتى زوجية المرأة بانت عندي بالطلاق كما تبين زوجة الرجل منه على حال، لأنه إن كان رجلا فقد طلق ووقع الطلاق، له إن كان امرأة فلا نكاح في الأصل.
وكذلك عندي إذا طلق الخنثى، الذي تزوج على أنه يطأ وله الزوجية، إذا كان قد وطىء، لا محال أنه إن كان رجلا وهي امرأة فقد وقع الطلاق.
وإن كان رجلا وهي رجل فلا نكاح، وان كانتا امرأتين فلا نكاح، وطلاق الواطىء منهما يبين بين النكاح عندي، وما لم يطأ فلا يبين لي أن طلاقه بينهما حتى يطلق كل واحد منهما الآخر، لأني لا أدري أيهما الرجل ولا أدري أيهما المرأة على حال في هذا الموضع ولا في غيره، إلا أنه ما لم يطأ حتى يكون وقد وقع حكم بحجر وطء الآخر، ولا يستقيم إلا أن يكون هذا هو الزوج حين الوطء، وإلا فقد بطل النكاح بلا طلاق إذا وطىء أحدهما، ولم يكن هو الرجل في الأصل.
قال أحمد بن عبدالله بن موسى إذا لم يصح أن يطأ كل واحد منهما الآخر، فلا فائدة في أن يتزوج كل واحد منهما بإذن من ولييهما، والله أعلم.
وأن تزوج الخنثىبالخنثى، من غير أن يتزوج كل واحد منهما وليه بالآخر، كان عندي ذلك بعيدا من معنى الإشكال، الذي يقرب معنا من الحلال، وهو أبعد عندي من ثبوت التزوبج على حال.
ويعجبني أن يمسكا جهذا التزويج ووطأها عليه أن يلحقهما معنى حكم المتلاعنين في أحكام الولاية والبراءة.
وإن مات أحدهما عن هذا التزويج لم يبن لي أن يكون له منهما الميراث، على أصل ميراث الإشكال من وجهين، فيجعل له نصف ميراث زوجة (1/84)
صفحة 85
ونصف ميراث زوج، ولكنه يخرج عندي على قول من لا يورث بالإشكال، ليس له ميراث على حال وعلى ميراث الإشكال، يكون له ربع ميراث الزوجة، وربع ميراث الزوج، لأنه لا ينعقد عندي التزويج على حال إلا بتزوج الوليين جميعا، ثم ينعقد معنى الإشكال ويقرب من معنى الحلال، وقد اتسع الكلام في هذه المسألة، ويمكن تلخيص القول فيها إلى أن الخنثى يمكن أن نحتاط في حكم تصرفاته، لأنه يشتبه فيه بين الذكورة والأنوثة، فحكمه الوقوف عن إجراء التصرفات، التي قد تضر في حالة ما إذا كانا ذكرين أو أنثيين، أما إذا ظهرت من علامات الذكورة ما يجزم بأن الخنثى يقرب من أن يشبه الذكر، فيعامل معاملة الذكر، وإذا ظهر من علامات، الأنوثة كالحيض، ما يجزم بأنه يقرب من أن يشبه الأنثى فيعامل معاملة الأنثى، وقد طال الكلام في هذا واستغفر الله من جميع ما خالفنا فيه رضاه، من الباطل والضلال، ولا يؤخذ من قولنا فيها ولا في غيرها، إلا بما وافق الحق والصواب، من أحكام السنة والكتاب أو ما يشبه ذلك بلا شك ولا ارتياب. (1/85)
صفحة 86
[صفحة بيضاء] (1/86)
صفحة 87
باب: الطهارات وأحكامها
إذا أصاب النجاسة فأمكن طهارتها بوجه من الوجوه في غيبته عنه، ولو لم يعلم أنه لا يفسد ما مسه منه بذلك الموضع من بدنه أو ثيابه برطوبة، مسه الصبي أو مس هو الصبي إذا لم تكن النجاسة قائمة بعينها، أو ما يدل على أنها قائمة بعينها لم تغسل بما لا يرتاب فيه لمعنى ثبوت أصل الطهارة من الإنسان من بدنه أو ثوبه حتى يعلم نجاسته بما لا شك فيه، وهو على أصل طهارته حتى يعلم أن الذي مسه الصبي به نجس لاشك فيه.
ومعي أنه يخرج هذا في معنى البالغين من أهل القبلة الذين قد تعبدوا بالطهارة والتطهير من النجاسة، فإذا رأى من أحد البالغين في بدنه أو ثيابه نجسة ثم غاب عنه بقدر ما يغسلها، علم بذلك صاحب النجاسة أو لم يعلم، ثم مسه بشيء من الرطوبات من ذلك الموضع من ثوبه أو بدنه، لم يضره حتى يعلم لموضع أصل الطهارة فيه هو.
ومعي أنه يخرج أنه لو علم صاحب النجاسة بنجاسة في ثوبه أو بدنه، كان على هذا يخرج معناه، وإن لم يعلم فالنجاسة بحالها في الحكم لم حتى يعلم طهارتها بحكم أو طمأنينة، ولا يلحق ذلك في الصبي بحال، لأن الصبي غير متعبد بالطهارة من النجاسة، فلا طهارة عليه، وما ثبت فيه من النجاسة فهو في الحكم نجس حتى يعلم طهارتها.
ومعي أنه يخرج من حيث ما علم حكم موضع النجاسة، بموضع من المواضع من بدن أو ثوب، في بالغ أو صبي من أهل القبلة، فهو بحاله على (1/87)
صفحة 88
حال نجاسته، ما لم تصح طهارته بحكم أو طمأنينة، علم بذلك صاحب النجاسة أو لم يعلم، ما لم تصح طهارة ذلك بحكم أو طمأنينة.
ومعي أن هذا الاختلاف كله إنما يخرج على غير معاني الحكم، و إنما هو على معاني الاطمئنان أو الشبهة.
وهذه المعاني كلها تخرج عندي في معاني الحكم، وإنما هو على أنه كل ما صح أنه نجس فاسد، فهو فاسد نجس في الحكم، حتى تصح طهارته بحكم أو بما لا شك فيه بحكم الاطمئنان، إذا غلب حكم الاطمئنان، على معاني الحكم من طهارة ذلك.
وكل شيء صحت طهارته وثبتت فيه، فهو في الحكم طاهر حتى تصح نجاسته بما لا يشك فيه من حكم أو اطمئنان، فلما أن ثبت هذا أن الأصل أن كانت هذه الأقاويل كلهه داخلة بينهما في معنى النظر فيما يقرب حكم الاطمئنان ويبعده، لا بحكم القضاء وتضاد الأحكام فيها، فإذا ثبتت طهارة العالم بهذه النجاسة من غيره من صبي أو غيره، في ثوب أو غيره، ثم غاب ذلك بقدر ما يمكن طهارته في الحكم، ثم مسه من ذلك شيء من الرطوبة، أو مسه هو من ذلك شيء من الرطوبة فيما يسعه من مس ذلك، وتثبت له معاني أسباب طهارته هو من وضوء أو ثوب أو بدن، على حالها في الحكم حتى يعلم أن الذي مسه من ذلك نجس، إذا كان قد غاب ذلك عنه بقدر ما يمكن طهارته، فهذا على الأصل، وعلى الأصل المحكوم به على أن النجاسة بحالها من حيث ما كانت، فمتى مس موضعها شيء من الطهارة ما لم يعلم طهارتها فهو نجس حتى يعلم طهارة ذلك بالحكم، فهذان هما الأصلان اللذان عليهما العمل.
والاختلاف في ذلك في الصبي والبالغ، أو لم يعلم كل ذلك يخرج على معاني ما يقرب إلى الطمأنينة ويبعد عنها.
ومعي أنه يخرج أنه لو احتاج إلى ذلك الثوب بعينه، الذي قد علم منه النجاسة، وقد غاب عنه على صبي أو بالغ ثقة أو غير ثقة، إلا أنه من (1/88)
صفحة 89
أهل القبلة، للباس أو لأداء فريضة، وغاب عنه طهر ذلك الثوب، أو لم يطهر وقد علم منه النجاسة، أن هذا فصل ثان، وأن هذا معي يخرج أنه ليس له أن يستعمل ذلك، بأسباب الطهارة على الانفراد من أداء فريضة أو استعماله بطهارة، إلا أن يعلم بطهارته بحكم أو اطمئنان، فإن كان لا يخلو عندي على حال من دخول الاختلاف فيه، لثبوت حكم الطهارات أنها على أصلها، ولزوم أداء الفرائض بها، وأن لا يدع أداء الفرائض لشبهة إلا بالحقيقة، ويعجبني في هذا أنه إذا لم يجد إلا هذا الثوب الذي قد علم هذا منه من حكم واحتمال طهارته في غيبته بوجه من الوجوه، أن تكون له الصلاة به، وعليه الصلاة به وأن لا يصلي عاريا، ولا يصلي بثوب نجس على الحقيقة لا يحتمل له طهارة بوجه من الوجوه، وأنه إذا كان على هذا الوجه من حال الضرورة إليه أن الصلاة به جائزة لثبوت أداء الفريضة، واحتمال وجوب الطهارة فيه بغيبته بقدر ذلك، وزوال ما كان عاين من النجاسة فيه، وإن كان يحتمل أن يكون قد زال بغير الطهارة مما لا يطهره، فإنه لهذا المعنى كان معي الصلاة به، على هذا الوجه، ولا يخرج عندي حكمه حكم النجس في ثبوت التيمم له في هذا المعنى، لما أشبه عندي أصل وجوب الفرض الطاهر، ولاحتمال الطهارة فيه، وإن يممه كان أحب إلي على الاحتياط، ومما يقرب إلى حكم الاطمئنان في هذا الثوب، أن لو علم من صاحبه أنه قد علم من صاحبه أنه قد علم نجاسته، ثم غاب عنه بقدر ما يطهره، وهو هو ممن لا يتهم بانتهاك النجاسة، ثم سأله ثوبا يلبسه فأعطاه هذا الثوب، فلم ير فيه تلك النجاسة، فإن كان سأله أن يصلي فيه فأعطاه إياه، فهذا عندي أقرب أن يكون لا يعطيه ثوبا يصلي فيه، ويخرج في حكم الاطمئنان طهارته.
وكذلك في اللباس إذا سأله أن يلبسه فأعطاه إياه، فقد يخرج في معنى الاطمئنان أنه لا يعطيه ثوبا نجسا ولا يعلمه، فعلى حسب ما يقع من معاني الاطمئنان في هذا، ويقرب إليه، جاز ذلك، وبمقدار ما تبعد عنه معاني (1/89)
صفحة 90
الاطمئنان في ذلك، وقد علم الأصل أنه نجس، فهو على حال الحكم حتى تثبت معاني طهارته بحكم أو اطمئنان.
وعلى كل حال: فإذا كان قد صح معه نجاسته فلا يخرج حكم طهارته بشيء من هذه الأسباب إلا بعلم ذلك، ولو سأله أن يعطيه ثوبا يصلي فيه وكان ثقة أو مأمونا، -أعني صاحب الثوب - فقد يمكن أن يعلم بنجاسته وينساها، ويسلم إليه الثوب على سبيل النجاسة وهو سالم، إذ هو بالنجاسة غير عالم.
وكذلك عندي يخرج في هذا الثوب أنه نجس في الحكم ولو سلمه إليه ليصلي فيه، وقال إنه طاهر وهو ثقة أو مأمون، فلا يخرجه هذا من حكم النجاسة بالحكم إلا بالاطمئنان لقول الثقة، لأنه يمكن أن يكون ناسيا النجاسة التي قد علمها هذا، وقال له إنه طاهر لما عنده في الحكم أنه طاهر، فيكون على حال نجاسته، ولا يخرج عندي من حكم النجاسة بحكم الطهارة إلا أن يعلم أنه قد طهر من تلك النجاسة، وأنه قد طهر من تلك النجاسة التي قد علمها، أو يكون ثقة مأمونا.
فمعي أنه يخرج في عامة معاني قول أصحابنا أن قول الواحد الثقة المأمون حجة في قوله في طهارة نجاسة قد تنجست وممكن طهارتها، ونجاسة طهارة يمكن نجاستها.
ومعي انه يخرج أن تكون حجة في طهارة النجاسة، ولا يكون حجة في نجاسة الطهارة، لأن الطهارة أولى من النجاسة، ولأن الاسلام أولى من الكفر، ولأن أصل الأشياء طاهرة حتى تصح نجاستها، ولأن النجاسة من الطهارات حادثة والطهارة أصلية.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل: إنه لا يقبل قول الواحد ولا يكون (1/90)
صفحة 91
حجة في شيء من ذلك في تطهير نجاسه أو تنجس طهارة في معاني الحكم، ولا يكون ذلك إلا بشاهدين في جميع ذلك.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قيل: إنه لا يقبل قول الواحد في أسباب ما مضى من نجاسة الطواهر، بمعنى ما يلزم من بدل الصلوات وتنجيس الطهارات فيما مضى.
ويقبل قول الواحد فيما يستقبل من تطهير النجاسات، فهذا يخرج عندي في جميع ما كان أصله طاهرا، فهو طاهر حتى تعلم نجاسته، وما كان أصله نجسا فهو نجس حتى تعلم طهارته، وإنما يخرج عندي ما دون هذا، من ثبوت القول بتطهير النجاسات أو تنجيس الطهارات بما دون الشهادة، التي تقوم بها الحجة بالحكم في معاني الاختلاف في أحكام الطمأنينة لا في أحكام القضاء التي لا يصح اختلافها.
وكذلك يخرج عندي قول من يقول بقبول قول الخدم الغتم، بغسل الثياب، ولو كانوا غير ثقاه إذا كانت نجسة، فمعي أنه قد قيل ذلك إذا آمنوا على مثل ذلك وعلى معرفة طهارته.
ومعي أنه قد قيل: ولو لم يؤمنوا على معرفة طهارة النجاسة، فإذا علموا ذلك ووصف لهم، ولم يتهموا في مخالفة مثل ذلك، قبل قولهم في ذلك إن أمروا به وعرفوا أن الثوب نجس، وقالوا إنهم قد غسلوه من النجاسة على حسب ما يؤمنوا فيه، قبل قول الواحد منهم في مثل ذلك، إذا كان قد أعلم بذلك أنه نجس، وقال إنه قد غسله من النجاسة، إذا كان قد علم بنجاسته، وأتى به وعليه آثار الغسل، بمعنى ما يطمئن إليه القلب أنه قد شمله من النجاسة.
ومعي أنه قيل: ولو لم يقل إنه قد غسل من النجاسة، إذا كان قد أعلم بنجاسته، وأتى به وعليه آثار الغسل بمعنى ما يطمئن إليه القلب أنه قد غسله من النجاسة. (1/91)
صفحة 92
ومعي أنه قيل: ولو لم يقل إنه غسله بمعاني ما يطهر جاز ذلك، ولو لم يسأل ولو كان غير ثقة، إذا لم يكن متهما في معاني ذلك الذي قد آمن عليه.
ومعي أنه قيل: إنه لو كان غير ثقة، ولو كان مأمونا، ولم يكن أعلم بنجاسته فقال: إنه قد غسله من النجاسة، وإن كان عين ثقتهم، لم يقبل قوله إلا أن يكون قد أعلم، وقيل له أن يغسله من النجاسة.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل إنه إذا لم يتهم في ذلك، وكان ممن يؤمن على مثله في تطهيره، في المعرفة والأمانة، في قوله إنه لا يقول خلاف ما يفعل في مثل ذلك أن قوله مقبول.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل إنه ولو لم يعلم بنجاسته ولم يقل إنه غسله إلا أنه يخرج في معاني الاطمئنان أن غسله، الذي قد وقع لمثل تلك النجاسة مزيل ومطهر، على معنى ما يتعارف من غسله ذلك، وثبتت على الثوب علامات الغسل الذي يخرج في معاني الاطمئنان أنه يطهر مثل تلك النجاسة، كان قد علم الغسل بذلك أولم يعلم أن ذلك يجزىء وتخرج طهارته في معنى الاطمئنان.
ومعي أنه يخرج في جميع تطهير ما عرض من النجاسات بشيء من الطهارات في بدن أو إناء أو شيء من الاشياء الطاهرة، أو في صبي صغير أو كبير، فالقول في معاني تطهير ذلك، خارج على ما قد مضى في الثوب في الحكم في موضع الحكم وفي الاطمئنان في موضع الاطمئنان، وإن اختلفت معانيها، فكل ذلك مما عدا الحكم فهو خارج مخرج الاطمئنان.
وكذلك معي أن نزح البئر إذا تنجست، خارج معي نزحها في الحكم والاطمئنان على معنى ما قيل فيما مضى من طهارة الثوب.
ومعي أن الحر والعبد في مثل هذا سواء، ويقبل قول الثقة منهم (1/92)
صفحة 93
والمأمون، ومن ولايتهم بمعنى وأحد في معاني الاطمئنان، ولا يبين لي منهم في معاني الحكم.
ومعي أن الذكر والأنثى في ذلك سواء، في معاني الحكم والاطمئنان في الأحرار والعبيد والإناث والذكران، ويجب أن يقول الاثنان معي منهم معاني الحكم، وبالواحد معاني الاطمئنان.
ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل: إنه بالواحد في معاني هذا، يثبت في معاني الحكم، ويكون الصبي حجة، وقد مضى القول قي ذلك.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل أن يكون الصبي والبالغ في ذلك سواء، إذا كان الصبي عاقلا لمعاني ذلك، مأمونا على ذلك بالعلم والثقة. (1/93)
صفحة 94
[صفحة بيضاء] (1/94)
صفحة 95
بابب
تطهير الجراب و المطبوخات و الطهارات إذا تنجست
وفي بعض الآثار، يضاف القول فيها إلى أبي علي، أنه جواب له إلى الوليد بن مسعدة، وفي دابة أو بشر أو شيء بال على جراب، فإن علم أن البول قد صار إلى التمر، شق الجراب وغسل تمره بالماء، فليؤكل.
وعن جراب كنز بماء، وقع فيه ميتة، أو كان عجن به التمر حين كنز، فالقول أنه يغسل ذلك التمر غسلا يرون به أنه قد طاب من ذلك التمر.
وكذلك التمر الذي نضح بالماء، الذي فيه الميتة يغسل وينضح عليه الماء، وعجين التمر نجس.
وفي جواب له إلى محمد بن هاشم في خناز وقع في سمك في برمة، ثم مات فأما الماء الذي في الجرة فيهراق، وأما السمك فإن أبلغوا فيه الغسل بالماء حتى يبلغ حيث بلغ الأول أن يكون يؤكل.
قال غيره: أما الجراب فإذا سال عليه البول ففي ظاهر الحكم أنه إنما يغسل ما طهر، حتى يصح أنه مس شيئا من ذلك ما استتر، إن أمكن ذلك في المعتبر، وإن لم يمكن إلا مسه للتمر في معاني النظر، فمعي أنه قد قيل أن يغسل ما أمكن غسله من الجراب، ثم يصب عليه من الماء بقدر ما يبالغ حيث بلغ البول في الاعتبار، وتلك طهارته لأن هذا مما يشبه موضع الضرورة إلى مثل هذا.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قد قيل إنه يخرج بمعنى طهارة (1/95)
صفحة 96
ما طهر من الجراب، إذا خرج في النظر أن ذلك يصل بما استتر، كان طهارة ما طهر يأتي على طهارة ما استتر، إذا كان مثل ذلك الماء في النظر، يبلغ حيث بلغ الماء النجس أو البول، على معنى ما قيل في السمة والحصير إذا تنجس، طاهر ذلك بالبول فغسل طاهر، وعرك فسال الماء حتى بلغ حيث بلغت النجاسة من الجانب الآخر، ففي بعض ما قيل: إن تلك طهارته كله، ما ظهر وما بطن منه 0
وفي بعض ما قيل: إنه حتى يغسل حيث بلغ البول أو النجاسة، ولا يجزئه بلوغ الماء إليه، إلا بماء جديد وغسل جديد، أو بصب يقوم مقام العرك والغسل.
ومعي أنه قد قيل: لو كانت النجاسة إنما كانت في ظاهر الجراب في النظر، فغسلت النجاسة من ظاهر الجراب، فأولج الماء المغسول من النجاسة في الجراب، في الاعتبار والنظر، أن طهارة ما ظهر هو طهارة ما استتر، ولا يبين لي في معنى هذا الآخر اختلافا.
وكذلك فيما أشبه هذا مما هو مثله، فالقول فيه على حسبه وحذوه.
ومعي أنه قد قيل: إنه إذا تنجس الجراب بمثل هذا أنه يغسل ظاهره، ثم يقطع عن الموضع النجس من التمر، موضعه من الظرف حتى يظهر، ثم يصب عليه الماء حتى يكون الماء أكثر من النجاسة ويبالغ في النظر حيث بلغت النجاسة.
ومعي أنه قد قيل: يغسل ما ظهر من التمر إذا انكشف فتلك طهارته، وأحسب أنه يقع في التمر المكنوز الضرر.
ولا يعجبني إدخال الضرر مع ما وجد، إلى طهارة ذلك من سبيل بغير ضرر، وأما التمر الذي قد كنز إذا ضحى وكنز بالماء النجس، فمعي أنه (1/96)
صفحة 97
قيل: يفتت بحسب ما يرجى، أنه يبلغ إذا صب عليه الماء، بالغا ما بلغت إليه النجاسة، ثم يصب عليه الماء صبا، حتى يكون أكثر من النجاسة ويبالغ حيث بلغت في الاعتبار.
ومعي أنه قيل: إذا فتت غسل غسلا، كنحو ما قيل في الجراب من الاختلاف، ويعجبني من ذلك كال ما يدخل فيه ضرر في معاني الحكم، وأما في الاحتياط والتنزه فذلك إلى صاحبه، وكذلك عندي يخرج في معاني التمر، إذا أصابته النجاسة والتمر غير مكنوز، أنه قد قيل إنه يجري فيه طهارة الصب عليه صبا، إذا كان الماء أكثر من النجاسة، وبلغ حيث بلغت في الاعتبار، وذلك في السح من التمر والحبوب كلها.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يجزىء في ذلك إلا بالغسل بالعرك، والتقلب الذي يقوم مقام العرك، ويعجبني في ذلك إذا لم يكن فيه ضرر على التمر ولا شقوقه، يؤدي إلى ضرر أن يغسل غسلا، وإن كان ثم ضرر أو ما يؤدي إلى ضرر، أعجبني ما وسع بغير ضرر، لمعاني ما قد جاء في الماء أنه مطهر لما مسه، إذا لم يبق ثم غير ولا أثر لأنه الطهور معنا والمطهر، ولا أعلم أنه يخرج في معاني الجرب، إذا وقعت عليها النجاسة من ظاهرها، أن يلزم فيها نكل تمرها، إلا أن يخرج ذلك في معنى المشاهد بوجه من الوجوه، ما يوجب حكم ذلك في الاعتبار، وكل شيء خصه حكم لزمه في معانيه، في مخصوصه ومعمومه بحكم المشاهدة، والصفة التي تدل على المعرفة.
وأما التمر إذا عجن بالماء النجس، فيخرج عندي في معاني ما قيل في بعض القول أنه نجس، فكأن المعنى فيه أن لا يبلغ به إلى طهارة ولا غسل، ومعناه معنى المتروك الثابت فيه النجاسة على الأبد، ومنتقل إلى ذات النجاسة بمعنى هذا القول. ومعي أنه قد قيل: إنه إن نكل وفتت وجعل في الشمس، بقدر (1/97)
صفحة 98
ما تبلغه الشمس أو حموها، مفرقا في الشمس حتى يجف وتزول عنه أحكام رطوبات النجاسة، في معاني الاعتبار والنظر، وتذهب الشمس والريح بمعنى رطوبات النجاسة منه، أن تلك الطهارة طهارته، لأنه لا يبلغ إلى غسله إلا بالمضرة، ولا ضرر ولا ضرار في الاسلام، وعند الضرورات تزول أحكام، ويتبدل الضيق سعة، والاختيار غير الاضطرار، و إذا لم تثبت معاني مثل ما قيل في الدواس والزواجر، بول الابل عند التزاحم، ولم يثبت معنى ما قيل من طهارة الأرض بالريح والشمس وأشباه ذلك، ولا يثبت معنى ما قيل من طهارة الخبز، إذا كان العجين قد تنجس أو الدقيق والحب، بمعاني ما كان من النجاسة من غير الذوات، لأن هذا كله معنا واحد، وقد قيل في ذلك: أعني الخبز إذا تنجس العجين، باختلاف فيه وتفصيل، فمعي أنه قيل: لا يطهر على حال، وهومتروك وأحكامه أحكام النجاسة.
وقيل: إته يغسل ويؤكل إذا ثبت معاني غسله عندي، لم يلزمه غسلا يضره، وكان إذا صب عليه الماء صبا بقدر ما يأتي عليه كله، دواخله وخوارجه كان ذلك معي طهارته.
وبذلك إن غمس في الذي لا ينجس لم بقدر ما يبلغ المال إلى جميعه في الاعتبار، كان ذلك عندي معنى طهارته.
ومعي أنه قيل إن خبزه بالنار طهارته بجميع ما خبز في تنور أو طابخ أو حصى، ومعي أنه قيل: إن ذلك إنما هو قي خبز التنور دون الحصى والطابخ وأشباهه، ومعي أن ذلك كله سواء، واذا ثبت معنى زوال رطوبة النجاسة، بأي وجه من المذهبات من أسباب النار فهو سواء، وثبت معنى طهارته على هذا المعنى عندي، وأما السمك الممقور فمعي أنه قيل: إذا (1/98)
صفحة 99
تنجس بشيء من النجاسات بعد أن صار بحد ما لا ينشف من النجاسات شيئا، لأنه قد شرب من الماء الطاهر ما لا يحتاج إلى زيادة من الماء النجس، فإنه يخرج في معاني القول فيه، أنه يغسل من حينه وتخرج معاني طهارته بذلك الغسل، وأما إذا كان يخرج في معاني الاعتبار له أنه قد شرب من الماء النجس، ما ولج فيه بقدر ما لا يبلغه في الاعتبار ذلك الغسل في الوقت، ولا يبلغه الماء الطاهر عند غسله، فإنه يخرج في معاني غسله، أن يغسل ثم يجفف بالشمس، أو يشوى بالنار حتى تزول عنه معاني رطوبات النجاسة، ثم بعد ذلك، فإن ذلك لا مضرة في غسله غسل وتلك طهارته في بعض ما يخرج من القول.
وفي بعض ما يخرج أيضا من القول أنه يجعل في الماء الطاهر، لأته كان لا مضرة عليه بقدر ما يبلغ الماء الطاهر حيث بلغت النجاسة في الاعتبار، وتلك طهارته إذا صب منه ذلك الماء.
وفي بعض القول إنه يصب منه ذلك الماء ويغسل ثم تلك طهارته.
ومعي أنه إن أمكن أن يشوى بالنار حتى تذهب بمعاني رطوبات النجاسة منه، كان ذلك بمرة واحدة من الشوي، وتخرج معاني طهارته على حسب ما قيل ولعله يخرج في بعض القول أن هذا بمنزلة المطبوخ من السمك وهو نجس متروك إذا كان قد تنجس بنجاسة تنشفها، والقول عندي في المطبوخ كالقول في هذا إذا أمكن فيه ما أمكن في هذا من جميع الأشياء التي أصلها طاهر، وإنما عارضتها النجاسة، فهذا عندي خارج من جميع الأشياء إذا احتملت هذه المعاني من اللحوم والسمك والحبوب من الباقلاء واللوبياج والأرز، وجميع ما خرج مخرج هذا، فكل هذا معناه عندي واحد إذا أحسن النظر فيه، وفي تطهيره بأحد المعاني ما قد قيل فيه من هذه الأقاويل ولا يختلف ذلك عندي في شيء يخرج مخرجه ويخرج في هذا (1/99)
صفحة 100
المعاني كلها عندي في جميع المطبوخات المتنجسات، بمعاني الطبيخ منه أو من غيره، أن ذلك متروك بنجاسته، ولا طهارة منه ولا له، وكذلك الخبز يلحقه معنى ذلك، ولعله أكثر ما قيل: إن هذه الأشياء كلها إذا تنجست وما أشبهها وما خرج بمعناها، أنه لا وجه إلى تطهيرها ويدفن، ولا يطعم شيئا من الدواب، ولا أحدا من الناس صغيرا ولا كبيرا ولا يباع، ولعله يخرج في معاني ذلك أنه لا يوهب، إلا أنه إذا ثبت أنه لا ينتفع بها بوجه، بطل بيعها وهبتها، وكانت لا تقع عليها الأملاك، وهي باطل متروكة.
ومعي أنه قد قيل: أنها و ان تنجست وثبت أنه لا وجه إلى طهارتها، أو ما كان منها لا وجه إلى طهارته، فقد قيل: إنه يطعم الدواب ولو كان نجسا، لأن الدواب لا إثم عليها، وليست هي في أكلها متعدية ولا آثمة.
وكذلك المعين على ذلك غير معين على إثم ولا عدوان.
ومعي أن الذي يقول إنها لا تطعم الدواب، يخرج من معنى قوله إن ذلك إنم محرم، ولا يطعم المحرم أحدا من الخلق، وأنه وان كانت الدابة ليست آثمة، ولا النجاسة عليها محرمة، فإن الإنسان محجور عليه الإثم والحرام أن ينتفع به أو أن يعين على الانتفاع به.
ومعي أنه يخرج في معاني القول، أنه يجوز أن يطعم ذلك الدواب والأطفال من الناس، وكل لعن لا إثم عليه، لأن ذلك يقع لهم موقع النفع، وليس معي عليهم فيه مضرة، ولا إثم عليه، ولا يبيعه البالغ ولا ينتفع بثمنه ولو أخبر بذلك وبنجاسته، وإذا ثبت أنه لا يبيعه، فلا يبيعه لأهل الذمة ولا لأهل الإسلام، لأن ذلك مخالط للحرام، ولا يجوز بيع الحرام والحلال بصفقة واحدة ولأن بيع الحلال والحرام في صفقة واحل كله حرام.
ومعي أنه قيل: يجوز أن يباع إذا علم بذلك المشتري، وإنما ذلك (1/100)
صفحة 101
عيب معارض الحلال، وليس هو في الأصل من المحرمات، وإنما النجاسة له معارضة، ويجوز الانتفاع به إذا ثبت طعمه للدواب والأطفال، وجاز ذلك، ولو كان لا يجوز الانتفاع به بوجه من وجوه الحلال، ولا يجوز في الأصل في اعتبار معانيه، لم يجز بيعه بحال، ولو تراضيا على ذلك - البائع والمشتري - وعلما به، لأن في ذلك إدخال الضرر من المشتري على نفسه، وكل شيء من الضرر فهو غرر، وكل غرر فهو باطل، ولا يجوز بيعه، وهو من السحت، وأما إذا كان يخرج في معانيه أنه يلحق منه الانتفاع بما يجوز في الأصل ويدرك في بعض القول تطهيره، أو ينتفع به لإطعام دواب أو أطفال، ويلحق الانتفاع به في أكل أو شرب في بعض ما يجوز من قول أهل العلم، فالبيع له جائز والشراء له جائز، والبائع والمشتري فيه سواء، وهذا يخرج عندي إذا ثبت معاني الانتفاع به في أكل أو شرب، لشيء من الدواب أو لشيء من الأطفال، أو لمعنى من المعاني بحال من الحال، كما قد قيل في العذرة أنها من الحرام من ذوات النجاسة، ولا يخرج في معاني ذلك اختلاف، وأنها إذا اختلطت بالتراب أو غيره من الطواهر من رماد أو روث أو بعر أو شيء من الطواهر، أن يبيعها في جملة ذلك حلال جائز، لأن معنى الانتفاع بها ثابت في معاني الاعتبار، ولأن الشراء لها لا يقع موقع الضياع ولا إضاعة المال، و انما يشتري الانتفاع بها بمعاني الجائز والحلال.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يجوز بيعها على حال في شيء مخلوطة فيه من الطواهر، لمعنى الصفقة من البيع، أنها واقعة على حلال وحرام ورجس وطاهر، وهي صفقة واحدة، وهذا كله باطل إذا اتفق.
ومعي أنه إذا ثبت معاني إجازة بيع العذرة لمعنى الانتفاع بها مخلوطة في غيرها، وأن معاني الاتفاق بها في الجائز والحلال على الانفراد ثابت، ولو خالطها شيء غيرها، فإذا كان منتفعا بها بمعاني ما يراد الانتفاع بها وحدها، جائز الانتفاع بها وحدها ثبت معناها إذا ملكت لمعاني الانتفاع بها، كانت ملكا محجورا، له وإذا كان ملكا (1/101)
صفحة 102
محجورا ثابت الانتفاع بها في الجائز والحلال كل لم يبعد أن يجوز بيعها وحدها لمعنى ثبوتها بنفسها نافعة، جائز الانتفاع بها مخلوطة بغيرها أو وحدها، إذا كانت في معاني الأملاك، وهذا لم يزل عليه الناس أن يتخذوا ذلك من البواليع والكنف، وينتفعون بها، ولا يخرج ذلك على معاني الإباحة لغير متخذه ومالكه، في معاني التعارف بينهم حتى يخرج منه مخرج الإباحة أو الترك.
وأما ما خرج معناه، من الأشياء أنه لا ينتفع بهما من المحرمات إلا بمعاني الإثم أو في حال الضرورات، فلا ... يجوز بيعه ولا شراؤه، وذلك محجور محرم معي بمعاني الاتفاق من كل ما كان أصله حراما أو رجسا، و ليس معارضا له من رجس غيره، ولا أعلم في بيع هذا ولا شرائه اختلافا،
0
،
وذلك مثل الخمر والخنزير والميتة، وكل ما كان أصله حراما رجسا، لا تقع به معاني الانتفاع في الجائز، إلا بمعاني الضرورة أو الإثم، لأنه لو أنه اضطر لمثل ذلك ليحيي به نفسه من الميتة وأشباهها، ما لا يجوز التملك فيه لأهل القبلة، ما جاز لأحد منهم أن يبيع شيئا من ذلك، ولو كان في يده المضطر يجوز له ولا لغيره إلا أنها على غير الضرورة، لا يجوز، وعلى معنى الضرورة لا يجوز حجره، ولا منعه، فمن هنالك، لم يجز بيعه فهذا في كل شيء أصله حرام رجس، من جميع ما لا يقع به الانتفاع، وذلك في معنى الجائز، إلا ما قد جاء في العذرة من الاختلاف، فمن قائل بجواز الانتفاع بها، ومن قائل بجواز الانتفاع بشرط اختلاطها بمغيرها، وكذلك ما أشبه العذرة ووقع موقعها، فهو عندي مثلها، ويلحقه ما يلحقها من معاني ما يخرج فيها من الاختلاف. وأما كل ما كان أصله طاهر فعارضته النجاسة، فلم يخرج مخرجه مستهلكا فيها، وتغلب عليه أحكامها حتى لا يكون له حكم فيها، فيخرج عندي معناه معنى الاختلاف في بيع ذلك والانتفاع به، من إطعام الدواب والأطفال والانتفاع به، فيما يجوز من جميع ذلك ولا يجوز عندي أن يكون مثل (1/102)
صفحة 103
ذلك من الاختلاف في مثل الخمر والميتة ولحم الخنزير وما أشبهه أن يطعم شيئا من الدواب ولا شيئا من الأطفال، لا يباع ولا ينتفع به بحال إلا في حال ما خصه من الضرورات، وكل شيء من الطواهر عارضها شيء من النجاسات، إلى أن يثبت بها حكم نجاستها في معاني الاتفاق إلا أن أصلها من الطواهر، وعلى ذلك لزمت الضرورة للبالغين من الرجال والنساء، إلى شيء من ذلك أن يحيي به نفسه، أو إلى شيء من المحرمات التي أصلها حرام رجس.
ومعي أن الحلال الطاهر في الأصل بكل حال، ما بقي له اسم غير مستهلك في النجاسة، ذلك لأنه أولى من المحرمات في الأصل، ويحيي به نفسه المضطر من ذلك نفسه، دون المحرمات في الأصل عندي، ما لم يغلب المحرم على المحلل، فيستهلكه فيصير حكمه حكمه، وينتقل إليه معناه واسمه، فهنالك يكون عندي مثله، فإذا صار مثله فبأيها شاء أحيى نفسه، إن كان مما يحيي ويعصم وهو من النجاسات، وأما إذا كان مما لا يحيي ولا يعصم، وهو من النجاسات التي أجمعوا عليها، ولا يوجد عندهم اختلاف في نجاستها، فلا يجوز في حال اضطرار ولا غيره، لأنه إنما جاز الانتفاع بالمحرم لاحياء النفس به، فإذا كان هذا النجس لا يعصم ولا يحيي، فهو على حاله من التحريم، ولا يجزئه أية رخصة. ومعي أنه قد قيل: إنه إذا وجد المضطر شيئا من المحرمات، مما يعصم ويحيي، وشيئا من أموال الناس الحرام، الذي لا يحل له بوجه من الوجوه الحلال، من بيع ولا هبة، ولا دليل على أنه يحيي نفسه عن المحرم المباح من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أشبهه، ولا يأكل من أموال الناس، لأن هذا مباح، ولا يلزمه فيه الضمان، وهذا يلزمه فيه الضمان، وجميعهما محجوران إلا عند الضرورة، فهذا عند الضرورة مباح، لا يتعلق عليه فيه حكم، وهذا يتعلق عليه فيه الحكم والضمان. (1/103)
صفحة 104
ومعي أنه قد قيل: هو مخير إن شاء أحيى نفسه من هذا، ولا تبعة عليه، وإن شاء أحيى نفسه من هذا كله، ودان بما يلزمه من الضمان، والأفضل له أن يختار ما يتعلق عليه فيه حكم، حتى لا يقع عليه الحكم والضمان معا.
ومعي أنه قد قيل: ليس له أن يأكل الرجس المحرم، في حالة إذا ما وجد الطاهر الحلال، فلم يعارضه في معارض، ولا حجة تمنعه وتكفره مخالفتها، لأنه لو وجد أرباب الأموال فباعوا له من أموالهم ما يحي به نفسه، ويتعوض به من الضرورة بعدل السعر أو بأكثر من عدل السعر، لم يكن له أن يأكل من المحرمات الرجس، وكان عليه أن يشتري بقدر ما يحيي به نفسه، ولا يثبت عليه في حال الضرورة، إلا عدل السعر، ولو اشتط عليه البائع في حال الضرورة، فباعه بأكثر من عدل السعر بنقد أو نسيئة، كان ذلك مردودا إلى عدل السعر في الحكم، وكان ذلك محجورا على البائع أن يشتط في حال الضرورة، لأن هذا حرام، ولأنه لا يجوز له أن يحتكر ماله حين يأخذ منه، بأكثر من عدل السعر، ولأنه قد جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الاحتكار وكذلك بتحريم الاحتكار، لأنه من أكل أموال الناس بالباطل، واستغلال لحاجة المضطر، و اجباره على استيفاء حاجته، بما يخالف الوضع العادي، وكذلك قد جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التاجر ينتظر الرزق، والمحتكر ينتظر اللعنة والعياذ بالله، وقد جاء كذلك في الأثر أن الحكرة المحرمة داخلة في جميع الضرر، والقاعدة أنه لا ضرر ولا ضرار، وأنه لا يجوز الإلجاء إلى الضرورة، وكل ضرورة لا تجوز فيها الحكرة، ولا تثبت فيها معاني الزيادة فوق عدل السعر، عند خوف الهلاك، وعند الالتجاء إلى الضرورة إلى استيفاء شيء مما يرجى به الفكاك من مطعوم أو مشروب أو مركوب، مطلوب أداء ثمنه بنقد ولا نسيئة، وليس عند خوف الهلاك، والضرورة إلى شيء من هذا أو مثله، يجوز الاحتكار بالمال ولا بشيء من الأملاك. (1/104)
صفحة 105
والمحتاج إلى ذلك بالخيار، إن شاء بذل ماله ومجهوده من فضل قوت بدنه بطاقته، ومن فضل بدل ملكه من بعد إحياء نفسه. وأمنه عليها من ترك ملكه، ثم بعد ذلك على هذه الصفة داخل عليه في الحكرة والحجر عندنا، وتلحقه فيه الرواية واللعن، في منعه والاحتكار به، وعليه أن يختار الثاني بأن يبذله إن شاء لوجه الله -تعالى-، ويتلقى أجره عند الله سبحانه، فعلى الله أجره وطوبى لمن كان أجره على الله.
وله أن يختار أن يكون بيعه له بعدل السعر، أو كرائه بأجرة من نفس أو مركوب أو عبيد، أو ما يقدر عليه من بذل المجهود في إحياء النفس، المخوف عليها الهلاك المحرم قتلها من جميع البشر، من أهل الولاية أو من أهل الإقرار، أو من أهل العهد والذمة من أهل الشرك، أو جميع من ثبت له أمارت من أهل الشرك، فكل هؤلاء سواء، ولا يجوز قتل شيء من هذه النفوس المحرمة عند هذه الحال اللازمة، فإن لم يفعل ذلك بغير عذر يكون له في الإسلام في جميع هذه النفوس من البشر ممن آمن منهم أو كفر، ما لم يكن في حال الحرب من أهل البغي من أهل القبلة، أو من أهل الحرب من المشركين، الذين يحل قتلهم وتهدر دماؤهم حيث ما قدر عليهم، وكذلك الممتنعين عن الحق بالباطل، الذين يجوز قتلهم بالسيف فما فوقه، وما دون السيف من جوع أو عطش، أو بما قدر عليهم به، فإذا كان على غير هذه الصفة، واضطر إلى ما يحيي به نفسه من شيء من المهالك اللازمة التي بها الهلاك، وقدر قادر على أن يجيئه من ذلك الهلاك من غرق أو رجوع أو حرق أو ظمأ أو انقطاع في مفازة في الانقطاع فيها الهلاك، ولزم ذلك لازم خصه حكم ذلك، من قليل من الناس أو كثير، يعلم منهم بذلك، وقدر ذلك المخصوص بحكم ذلك عليه على إحياء تلك النفس، فلم يحيها حتى هلكت، لزمه معنى من معاني أحكام الكتاب والسنة والاتفاق حكم قتلها، وأنه هو الذي قتلها ولزمه في معاني حكم الإثم فيما لا أعلم فيه اختلافا، أن عليه إثم من قتلها، ولا يبرئه ذلك عند تبوت الحكم عليه أن يلزمه دينهما، (1/105)
صفحة 106
والكفارة عن قتلها في جميع ما يلزم في الحكم من أسباب قتلها، وإن قصد إلى تركها حتى تموت، قاصدا إلى ذلك، يريد لها ذلك، لم يبعد عندي من ثبوت القود فيها إن كان مما يجب، فيلزمه القود بها، ولزمه في ذلك معاني حكم ما قال الله -تبارك وتعالى - في كتابه الكريم: (من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه، من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا
ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون).
بمعنى أن من أحيى النفس عن هذا الملاك، كان محييا لها في الحكم، في معنى ثبوت الأحكام، وكان بذلك كأنما أحيى الناس جميعا، وعلى حسب هذا ونحوه، ثبت الحكم على بني إسرائيل من الله، وهو ثابت في معاني حكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاني الاتفاق من قول المسلمين، وتأويل قول الله - تبارك وتعالى -، فكأنما قتل الناس جميعا، فمن لقي الله بقتل نفس غير تائب منها، فهو في عداوة الله وسخط الله عليه وعقوبة الله له، فهو مستحق من ذلك كمثل ما لو أنه قتل الناس جميعا، وإن كان لكل ضعف فإنهم سواء بهذه المعاني.
كذلك من لقي الله -تبارك وتعالى - بهذه الحسنة التي قد أحسنها من إحياء هذه النفس على هذا المعنى، وهو مؤمن لم يلبس إيمانه بشيء من الظلم، من تضييع لازم أو ركوب شيء محرم أصر على ذلك، فكأنما أحيى الناس جميعا، بما يستوجب من رضوان الله عليه وولايته وثوابه، وإن كان لكل ضعف ودرجات مما يعملون.
ومعي أنه كل ما كان أصله من الطواهر، فعارضته النجاسات، فثبت نجسا من ماء أو غيره من المأكولات والمشروبات، من الأمتعة (1/106)
صفحة 107
والأطعمة، فكله يجري فيه معاني الاختلاف من جميع ما تدركه طهارته بحيلة، أو لا تدرك طهارته، ما لم يثبت نقلها عن الاسم والحكم عن معنى الطهارة، إلى أن تستولي عليه أحكام النجاسة، فينتقل اسمه وحكمه، وأنه يجوز في ذلك ما لم يضر بهذه الحال، وما قد قيل في الاختلاف والتوسع، من سقيه وإطعامه لمن لا يلحقه إثم، من الدواب والأطفال، وأن يتوسع به البالغون عند الضرورة الملجئة إليه دون المحرمات في الأصل.
ويعجبني أنه إن لزمت الحاجة الملحة، التي هي بمعنى الضرورة إلى إطعام الأطفال أو إلى إطعام الدواب، تلك المحرمات في الأصل، فإنه يجوز ذلك، بمعنى ما يخافون عليهم من الضرورة في إطعامهم لذلك، أو ترك سقيهم له، ولو لم يلزمهم ذلك في الضرورة في ذات أنفسهم، وكان معهم ما يقوتهم من الحلال، وليس فيه سعة للأطفال.
وأعجبني كذلك أن يكون البالغون يكفيهم العوض بالحلال، ويستعينون من الحلال ويتوسعون بإطعام الطفل من المحرمات في الأصل، إذا لم يكن في الحلال فضل لهم من الرجال والأطفال، وأما ما عارضته النجاسات من الطواهر، فمعي أن ذلك يخرج فيه القول أنه يطعم الأطفال والدواب على غير الضرورة في حال السعة بالحلال، ومن الحلال الطاهر، وليس ذلك في حال الضرورة، فأما في حال الضرورة فيقع ذلك عندي ما لا يختلف فيه.
ومعي أنه قد قيل: إنه كل ما كان يعصم من المحرمات، يعني من الضرورة حال للمضطر في حال ضرورته، أن يأكل منه أو يشرب، بقدر ما يحيي به نفسه، فأما الميتة ولحم الخنزير وما أشبه ذلك، فيقع عندي موقع الإجماع عليه، أنه جائز في حال الاضطرار، في حكم كتاب الله - تعالى في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لخم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن (1/107)
صفحة 108
اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم).
وأما ما سوى ذلك، مما لم يأت فيه نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعي أنه قد قيل فيه كله إنه محجور، إذ لم يأت فيه ترخيص، واذ هو على جملة التحريم، وليس مستثنيا فيه في ضرورة ولا في غيرها، وذلك مثل الخمر والأبوال والعذرة، وأشباه هذه المحرمات والرجس: فقال من قال: لا يجوز ذلك، لا في ضرورة ولا في غيرها، أو جوع أو ظمأ.
وقال من قال: كل ما رجاه المضطر من ذلك، أن يعتصم به ويحيى به من جوع أو ظمأ يخاف منه على نفسه الهلاك، ويرجو فيه لنفسه الحياة فهو مثل المحرمات.
ولا يعجبني أن الإقدام على شيء من ذلك نزاهة وتورعا، إلا على معنى قد عرف أنه يحيى ويععم، والا فهو على معنى الحجر والتحريم.
ومعي أنه قد قيل: إن الذي يذكى من المحرمات بمعنى الميتة من المحللات، فبأيهم شاء المضطر أحيى نفسه منه، أي أنه إذا كانت أحلت له عند الضرورة ميتة المحللات، فكذلك تقع له الضرورة التي تبيح له في حالة الضرورة إحياء نفسه بالمذكى من المحرمات، وهو بالخيار بينهما، ولكن معي أن ميتة المحرمات أشد من ميتة المحللات، لأن هذه ورد فيها النص في الكتاب صراحة، ولذلك فإنه لا يجوز للمضطر أن يأكل من ميتة المحرمات، إذا وجد ميتة المحللات، لأن هذه التي رخص له الكتاب فيها، فهى أصل الرخصة تقع عليها، وكذلك يعجبني.
ومعي أنه قد قيل: إن المحرم إذا (1/108)
صفحة 109
لزمه حال الاضطرار أكل من الميتة، ولم يأكل من لحم الصيد، وكذلك يأكل من لحم الخنزير ولو كان ميتا، ولا يأكل من لحم الصيد، لأن هذا يلزمه في ارتكاب المحرم ولزوم الفداء، بينما الثاني وهو الميتة أو الخنزير لا يلزمه فيه شيء عند الضرورة أي عند توفر حالة الاضطرار التي رخص له فيها بأكله، ولم أعلم في ذلك اختيارا له بين الأكل من لحم الصيد وبين سائر المحرمات.
ومعي أنه لو اضطر المحرم إلى أكل الصيد ولم يجد غيره، لم يزل عنه حكم ما يلزمه من الفداء، ولم يضيق عليه أكل لحم الصيد في حال الضرورة، ولأنه يعوض ويحيى ويعصم، وهذا مما يشبه عندي مما قد أطلق وأبيح عند الضرورة من الميتة، ويعجبني أن تكون ميتة المحللات من الأنعام إن أمكنت، أولى من ميتة غيرها من الدواب، من الخيل والحمير والبغال وغيرها من أشباهها. ...
ويعجبني أن يقدم ميتة الأنعام، وما أشبهها من الصيد على ميتة البغال والحمير والخيل، وما أشبهها مما هو مثلها أو دونها، فإن أحيى نفسه من ميتة البغال والحمير والخيل وما أشبهها، وترك ميتة الأنعام كالبقر والإبل والغنم والماعز والغزلان وما أشبهها من ميتة الطيور والدواجن ونحوها، فمعي أنه في هذه الحالة يعتبر ذلك جائز له، لأن المعنى فيه متقارب، وكذلك ميتة هذه الدواب من الخيل والبغال والحمير وما أشبهها، إذا أمكنت ووجد معها ميتة السباع، فمعي أنه يقدم ميتة الخيل والبغال والحمير على ميتة السباع، ولكن المضطر إن أحيى نفسه من ميتة السباع وما أشبهها، دون ميتة الأنعام كإلابل والبقر والغنم، ودون ميتة الخيل والبغال والحمير، فإن ذلك عندي لا يلزمه إثما، ولا يعتبر متعديا، والذكية من جميع السباع من الدواب والنواشر من الطير أولى وأجوز عندي من ميتة الأنعام، ومن جميع الميتة.
وعندي أنه يخرج ذلك في معاني الاتفاق أنه يقع ذكي ذلك موقع (1/109)
صفحة 110
التحريم في معاني الاتفاق من جميع الميتة من ذوات الأرواح البرية، من ذوات الدماء الأصلية ما سوى الخنزير والقرد وما أشبهها، أولى من ميتة جميع هذه الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، فما كان من ذكيها من جميع الأشياء من الصيد على المحرم، من جميع الميتة من المحرمات والمحللات، وجميع الأرجاس المفوضات عند الضرورات.
ويخرج عندي في كل ذلك معنى السعة في الضرورات بمعاني الاتفاق والاختلاف، ولا يخلو كله في ثبوت معاني الاختلاف فيه ما سوى لحوم البشر، فإن لحوم البشر قد جاء في معاني تحريمها في حال السعة والضرر الصحيح، من منصوصات الخبر والثابت من محكمات الأثر، ولا أعلم في ذلك اختلافا أنه لا يجوز أكل لحوم البشر لا في سعة ولا في ضرورة، ممن آمن منهم أو كفر، أو ممن أنكر منهم أو أقر، أو من الصغار منهم أو الكبار، سواء كان مباحا قتله أو محجورا، فإنه لا يجوز مطلقا أكل لحوم جميع هؤلاء - فيما قيل - لا في سعة ولا في اضطرار، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعاني أحكام الدليل في ذلك على تحريمه، أنهم هم المخاطبون بمعنى التحليل والتحريم، في جميع المحللات والمحرمات فيما سواهم، ولا يجوز ولا يحتمل في معاني العقول إطلاق المتعبدين لبعضهم بعضا، بوجه من الوجوه، ولا بمعنى من المعاني، إذا كان كل واحد منهم مخاطب بنفسه ومحجور عليه النظر قي نفسه لنفسه، ولا لغيره بغير ما أوجب الله -تعالى -، في معنى الحقوق الثابتة.
ولا أعلم في شيء من الأديان، ولا مع أحد من أهل الأديان ولا من أهل الشرك، ولا من أهل الإيمان، استجاز أكل لحوم الإنسان، بل إن النصوص القرآنية تفيد التحريم مطلقا، إذ شبه النص القرآني الغيبة كأنها أكل معنوي، ثم بينه أنه غير مقبول شرعا ولا عقلا، ومعاني الاتفاق من شواهد (1/110)
صفحة 111
العقول، وأحكام الكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع جميع أهل العقول، يتواطأ معي على هذا، وهو أن أكل لحوم البشر من الأحياء والأموات محجورة محرمة، في جميع السعات والضرورات، وغير مقبولة على أي حالة كانت، ولا أعلم في ذلك سعة ولا مساغا، من قول أحد من أهل البصر، فافهم معاني ذلك، والله الموفق بمنه وفضله إلا بما يستحقه العبد، في متقدم له في -حكم قضاء الله وعدله. (1/111)
صفحة 112
[صفحة بيضاء] (1/112)
صفحة 113
باب: الاستنجاء والطهارة
فمن وجد بللا في ذكره أو انتشارا، فظن أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر، وجد شيئا قد خرج، وربما نظر فلم ير شيئا، فعناه ذلك فلم يعلم أخرج منه شيء في هذه المرة، أو لم يخرج منه فلا بأس حتى يعلم أنه خرج عليه في هذه المرة ما قد أفسد عليه، ذلك لأننا نبني في هذه الأمور على اليقين، فإذا نظر ولم ير شيئا أو لم يخرج منه شيء فلا يعتد بالشك في ذلك. وكذلك عندنا عن محمد بن محبوب - رحمه الله -: ومن كانت به رطوبة من غسل أو استنجاء ثم وجد رطوبة لم يعلم مم هي، فشك أنها ربما تكون قد خرجت وهي من تلك الرطوبة الأولى، حتى يعلم أنها خرجت منه من بعد.
وقد بلغنا عن بعض من كان عنده علم، أنه كان يرطب متعمدا لحال الشك، وكذلك من كان يحتشي بقطن في ذكره فخرج منه شيء حتى ترطبت القطنة التي في ذكره، فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما يخرج منه، وإن كان شيء من القطنة طاهرا ليس برطب وترطبت داخلها، فلا بأس عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة التي في باطن تلك القطنة قد دخلت في الذي ظهر منها، لأنه إذا لم يظهر له ذلك بني على اليقين السابق، حتى يعلم أن الرطوبة خرجت منه فعلا.
وكذلك قال من قال من أهل الفقه، على تفصيل في هذه الأقوال، ومفادها جميعا لا نعلم بينهم اختلافا أنه يمنع الشك عن نفسه قد جهده، ويبني على يقينه حتى يعلم فيرى أنه خرج منه شيء وبلغنا أن أحد الفقهاء كان إذا (1/113)
صفحة 114
احتشى غسل رأس ذكره أيضا، وفي ذلك رخصة لمن غسل ذكره وهو يحتشي ولو لم يغسله فلا بأس عليه في ذلك، لأنه لم يكن ذلك عليه وانما هو أمر من باب الحيطة.
قال غيره: وأما الذي يجد كالشيء يخرج من إحليله، ولم يستيقن على خروج شيء من ذلك، وقد كان ربما وجد إذا نظر، وربما لم يجد، فإن وجد شيئا مثل ذلك فيخرج عندي في معاني الحكم أنه إذا كان طاهرا على وضوء، أن حكم ذلك الطهارة، لأنها الأصل الذي يجب أن يتيقن أنه عليه، حتى يعلم بنظر أو نحوه أن ذلك خرج منه شيء، ولوكان إذا وجد شيئا من ذلك وأبصر فوجد شيئا، خرج على أكثر ما يعنيه أو في حالاته، إلا أنه لم يستيقن في حاله هذا، على خروج شيء بوجود بلل لا يشك فيه، فهو بذلك على حكم الطهارة لأنها الأصل، وثوبه على حكم الطهارة أيضا، حتى يعلم بنجاسته، بطريقة لا يشك فيها، وهذا على معنى الحكم.
وأما ما يخرج على معنى الاحتياط، فإنه معي أنه قد قيل: عليه أن ينظر إذا وجد مثل هذا، فإن لم يمكنه النظر لعذر، أو كان ذلك في الليل لوجود الظلمة التي لا تمكن من الرؤية، أو كان في صلاة لا يتمكن معها من النظر، أو غير ذلك من الحالات المشابهة، أو خشي من النظر والمس أن يتولد عليه شيء من نقض طهارته، كالاطلاع على العورة أو المس، أو كان في صلاة، فإنه يضرب بيده على الذكر من فوق الثوب، فيمسح به على فخذه، أو على ما يليه من بدنه، ما أمكن له عمل ذلك، فإنه إن وجد بللا استيقن عليه لا شك عنده أن هذا البلل خارج من ذكره، وأنه حادث وليس من طهارة متقدمة، فإنه بني لك العمل يكون قد خرج من الشبهة والريب، وإن لم يجدء شيئا من البلل، لم يكن عليه شيء، وكان قد احتاط ونفى الشك عن نفسه واستيقن.
ومعي أنه قد قيل: إنه ليس عليه هذا، إلا أن يجد سيلان ذلك (1/114)
صفحة 115
وخروجه بما لا يشك فيه لأنه إذا لم ينقطع البلل من ذكره إلا في فترة تمكنه من أن يستنجي، فإنة يحتشي بعد أن يجفف البلل من ذكره، ويحتشي بالقطن الصافي، وهذا القول عندي يخرج على معنى الحكم الأول على معنى الاحتياط، ومعي أنه يخرج في معنى القولين جميعا، وعند من قال بهما جميعا أنه لو لم ينظر ولم يمس بنحو ما ذكرنا ووصفنا من هذه الأمور، ومضى على ما هو عليه ولم يصح معه علم ذلك بما لا يشك فيه، من وجود بلل خارج، مفض إلى موضع الطهارة بمساسه شيء من بدنه أو ثوبه حتى يستيقن على شيء من ذلك أنه ليس عليه فساد في وضوء ولا ثوب ولا صلاة وان كان في صلاة.
ومعي أنه قد قيل: إن نظر بعد ذلك، بعد أن كان قد وجد ذلك، فلم ينظره في وقت ما وجده ومضى، ثم نظر بعد ذلك فوجد شيئا خارجا، لم يعرف متى خرج ذلك منه، ولم يعلم هل كان ذلك من قبل، أم أنه حدث بعد أن تطهر، ففي معنى الحكم على قول من يقول: ليس عليه النظر ولا اللمس حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، لأن الأصل أن الطهارة قائمة حتى يثبت لديه بالنظر أنه خرج منه شيء، فإذا أمكن خروج ذلك الذي وجده خارجا، كان بعد تمام صلاته إن كان في صلاة، أو لمعنى من المعاني مستحيل عن حكمه خارج عن وقته على ما عاينه وأبصره، فليس عليه من حكم ما مضى شيء، وصلاته تامة حتى يستيقن أن ذلك كان قد خرج قي حين ما وجده، وهذا صحيح في معنى الحكم.
ومعي أنه يخرج على معنى قول من يقول: إن عليه النظر والمس، فإذا لم ينظر أو لم يمس في وقت ما كان يجده، يخرج أو ينزل من إحليله، حتى أبصر بعد ذلك، فإذا هو خارج، فمعي أنه قيل: إن عليه فساد صلاته، إن كان في صلاة، حتى يعلم أنه إنما المخرج من بعد تمام صلاته، ولو أمكن ذلك لما قد تقدم من دخول ذلك عليه، ولو لم يكن وجد ذلك، فلما فرغ من صلاته نظر فإذا هو خارج منه، كمعنى المسألة الأولى، وعلى ذلك لم يكن (1/115)
صفحة 116
عندى -في القولين – عليه إعادة في صلاته، حتى يعلم أن ذلك خرج في صلاته، وذلك حتى يكون على يقين بالنظر أو باللمس، والا فلا حرج فيه، وصلاته على صحتها، وقد فرق صاحب هذا القول، الذي يقول فيه بالاحتياط بين وجوده لذلك في هذا المعنى، وبين حالة إذا لم يجد شيئا.
وفي ذلك عندي في معنى الاحتياط، وأما في معنى الحكم فسواء لأن ذلك يخرج من المعارضة من أمر الشيطان، مما يريد به اشتغال الإنسان مع ثبوت حكم طهارته، حتى يعلم في نجاستها وتمام صلاته حتى يعلم فسادها بما لا يشك فيه.
=
ومعي أنه إذا ثبت هذا القول في معنى حكم الاحتياط في معنى فساد الصلاة، ولو احتمل خروجه من بعد بمعنى وجوده، والفرق في ذلك بين أنه إذا وجد،، وبين إذا لم يجد عند الاحتمال، لحق ذلك عندي معنى الاختلاف في الثوب، إذا كان لا مخرج له من مماسته النجاسة، في حين ما وجد ذلك ولو لم يوجد حين الخروج مماسا لموضع مخرج النجاسة، الذي صار إليه البلل فسدت به الصلاة، فذلك عندي يخرج أنه لا مخرج لذلك الموضع من الثوب من مماسته النجاسة بمعنى ما فسدت به الصلاة، لأنه لا فرق في ذلك عندي، وإذا ثبت ذلك القول على الثوب فلم يوجد فيه موضع النجاسة، خرج في الاحتياط على غسل ما دخل عليه الإشكال إلى ما يرتاب فيه بمعنى الاحتياط كما وجب ذلك في الصلاة ذلك لأنه مطلوب منه شرعا التحرز والتوقي من النجس وهذا القول مبني على أن يقدم الأغلب من أمره، فإن كان أغلب أحواله يجد شيئا، فوجب النظر للتأكد وإن لم يكن غالب أحواله كذلك أي أنه لا يجد شيئا فلا عليه، وما صح على الأصول فهو عندي أقوى وأولى والاحتياط يكون عند الاختيار.
ومعي أنه إذا كانت به رطوبة طاهرة ثم وجد رطوبة أخرى، ولم يعلم (1/116)
صفحة 117
ما هي، بل يشك أنها خرجت منه، فحكمها عندي أنها على الطهارة حتى يعلم أنها نجسة، لأن الحكم يوجب عليه ذلك، ووجهه ليقوى بذلك على الشيطان، ويعجبني ذلك لمن كان يعرف نفسه بالشك والوسواس. ودليلهم على استحباب ذلك ما ورد في الأثر بهذا الحكم.
ومعي أن بعض من قال بفساد الصلاة بثوب دخل عليه الإشكال إلى ما يرتاب فيه، لا يوجب في الثوب في مثل هذه الحالة فسادا حتى يعلم أنه مسه شيء من النجاسة إذا احتمل ذلك، وإذا ثبت عنده الفرق في هذا لزمه عندي في الصلاة كذلك كما يلزمه في الثوب إلا أن يخرج هنالك نظرة في الفرق بين ذلك عند المشاهدة.
2
ويعجبني معنى الحكم في هذا ما لم يقع هنالك مما يشبه اليقين بذلك، ويصير المبتلى بذلك إلى معنى وحكم مدافعة اليقين، وكذلك عندي يخرج في مثل هذا إذا وجد شبه طعم الدم في فيه، أو عرفه في أنفه، وأشبه هذا أيضا خروج الريح من دبره، أو بمعنى سواك كان يستاك به أو غيره ولم يستيقن.
وكذلك عندي أن هذا يشبه ما خرج من الدبر أو من قبل الرجل أو المرأة، فكل ذلك معي سواء، وهو عندي يخرج فيه معنى القولين، والأخذ بمعنى الحكم أقوى عندي في معارضة الشيطان، والآخذ بالاحتياط ما لا يخف في ذلك دخول الشك والوسواس عليه، إلى ما يخرجه من معنى الحكم والاحتياط، ألا بأس به لأنه أحوط، ولكنه ربما كان من ترك الحكم وطلب المبالغة في الخروج من مثل هذا، تولد عنده في نفسه الشك والوسواس الذي يخرج صاحب ذلك، إلى معاني مفارقة الحكم والاحتياط، من ترك الفرائض في وقتها، وترك حضور الجماعات فضلا عن المشقة والحرج، فيما لو تتبع ذلك في كل مرة، حتى تكونت عنده عادة عرف بها، وعندي أنه في هذه الحالة، وحتى يقطع الشك عن نفسه فإنه يتبع الحكم، الذي يبني على أساس اليقين (1/117)
صفحة 118
واستبعاد معارضة الشيطان، لأنه لو أطاع هذه الوساوس لضاع عليه حضور الجماعات مع أهلها، وفاته مع ذلك لذة ما أدرك غيره ممن التزم الحكم وأخذ بالأحكام واستقام عليه، وعندي أن ترك الحكم إلى الاحتياط فيه تضييق، يقينا على ذلك، سواء كان ذلك في ليل أو كان في نهار، فيخرج عندي كل ذلك على معنى الحكم في جميع ذلك أنه على طهارته، لأن الأصل في الأحكام أن الأشياء على طهارتها ما لم يثبت بالنظر غير ذلك، وعلى ذلك فإنه على معنى حكم الطهارة، من وضوء أو غيره، حتى يصح معه من ذلك ما لا يشك فيه، وليس عليه إذا أحس من ذلك معارضة الشيطان بمثل ذلك، ولم يستيقن على شيء أن يشغل نفسه في ذلك، بنظر ولا مس، وأحب أن يمضي على ما هو عليه حتى يستيقن.
وعلى معنى قول من يقول في ذلك، باستعمال الاحتياط أن يطلب لنفسه الخروج من ذلك بحسب ما يرجو، حتى يخرج من معارضة الشيطان بما استيقن على البراءة منها.
فإن استعمل مستعمل معاني الاحتياط في مواضع ما ترجى فيه الفسحة، في مواضع الاختيار، فليس ذلك بضار، أن يستعمل الاحتياط عند الاختيار، ما لم يخف تولد المضار، التي من أكثرها ضررا ترك الفرائض أو تأخيرها عن وقتها وترك حضور الجماعات، والحكم عند الاضطرار وخوف تولد الأضرار، فمن نال الحكم فقد أدرك حكم الأصول ومن أخذ بحكم الأصول، واستقام عليها كاد أن يقدر به على أداء كثير من أموره إن شاء الله - تعالى -، ولأن يسر الدين يعطيه الحق في إدراك حكم الأصول، توسعة ومساعدة على أداء ما افترضه الله عليه، والله الموفق للصواب.
وأما الذي يجد الرطوبة والبلل في ثوبه، ويستيقن أن شيئا خرج منه، وأن البلل الذي وجده في مثل هذه المواطن، وقد كان ثمة بلل من وضوء (1/118)
صفحة 119
سابق، أو من غسل، أو من أي وجه من الوجوه من تلك الطهارة، فاحتمل أن يكون ذلك البلل الذي وجده، أن يكون حادثا من شيء من النجاسات، سواء كان من قبل أو دبر، واحتمل كذلك أن يكون من ذلك البلل المتقدم، ففي معنى الحكم أنه على الطهارة، حتى يستيقن ويعلم بما لا شك فيه أنه قد حدث له ذلك الوقت من غير الطهارة المتقدمة، أو حتى يستيقن أن تلك الرطوبة تصير طاهرة إلى حال لا يمكن ثبوتها إلى ذلك الوقت، فإن لم يمكن ثبوت تلك الرطوبة، أنها على الطهارة بأي وجه من الوجوه، ووجد بما لا شك فيه، أن الرطوبة فيه خارجة من مواضع مخارج النجاسات، فحكمها في هذه الحالة النجاسة، ما لم يحتمل أن يخرج من مواضع هذه المخارج، طهارة بأي وجه من الوجوه، من الرطوبة التي قد تكون خارجة من شيء مخرجه من موضع الطهارة، فإذا احتمل ذلك، فالطهارة أولى به في معنى الحكم، جريا على اتباع الحكم أن الأصل الطهارة، ما لم يدخل عليه من الإشكال في معنى ذلك ما يخرجه من معنى الاطمئنان أن ذلك من الرطوبة التي تأتي بطبيعتها من الطهارات، لأنها الأصل والنجاسات عارضة.
ومعي أنه قد قيل في المرأة، إن الخارج من البكر من ماء أو قيح أو نحوه من الطهارات، فمعي أنه يحكم بنجاسته لمروره على محل تخرج منه نجاسات.
وأما الخارج من قبل المرأة الثيب، فإن كان ذلك الخارج قد خرج من موضع تناله الطهارة، فعندي أنه يحكم له بالطهارة، لأنه داخل فرج الثيب الذي يناله الغسل، ولأنه في حكم الجارحة الظاهرة من الجسد، لثبوت تطهير ذلك كله.
فلو خرج من فرجها بعد الغسل ماء واحتمل أن يكون من الماء الطاهر، فعندي أن حكمه طاهر، ما لم يظهر أنه أصاب موضعا لا تناله طهارة.
ومعي أنه قد قيل: إن الماء الذي يخرج من فرج المرأة الثيب، سواء كان ذلك بعد وضوئها، أو كان بعد غسلها من جنابة أو غسلها من حيض، (1/119)
صفحة 120
فعندي أنه إذا ظهر لها أن ذلك الماء الخارج، هو من الماء الطاهر الذي يدخل في فرجها عند التطهر، فيخرج ذلك الماء منها، وهي لا تعرفه، فقد اختلفت أقوالهم في ذلك:
ففي بعض ما قيل: إن هذا الماء وان كان طاهر الأصل، حين كانت تتطهر به فدخل الفرج وهو طاهر، فإنه قد يكون مختلطا مع مخرج النجاسة، وعلى ذلك فهو نجس، ما لم نستيقن أنه كان من الماء الباقي من الماء الطاهر.
وفي بعض القول: إن ما احتمل أن يكون ذلك الماء باقيا من الماء الطاهر، فهو على هذا المعنى طاهر، حتى يخرج متغيرا، وعندي أن أصحاب هذا القول اعتبروا فيه حال التغير بالمكث، لأنه في الغالب لا يخرج متغيرا إلا إذا كان قد غيره شيء من غير جنسه، والغالب أن هذا الشيء الذي غيره، نتج عما في الموضع النجس، فثبت بذلك له حكم النجاسة، بسبب ما دخل عليه من نجس غيره.
وعلى هذا القول فإن هذا الماء لا يخرج عن حال الماء الطاهر، أولا يمكن أن يكون من الماء الطاهر، المحتقن في الفرج من حيث تبلغ الطهارة من ذلك الوضوء، الذي قد توضأت فيه وتطهرت به.
وهذان القولان عندي كل واحد منهما يشبه عندي معنى أصل في الحكم، فقول من قال بنجاسته لمخرجه من مرض مجرى النجاسة، وهو حكم مبنى على الأغلب من أحوال الخارج من ذلك الموضع فإنه مجرى النجس، وأن حكم الخارج من النجاسة نجس في الحكم، أما قول من قال بطهارته، حتى يصح ما يفسد هذا الماء الطاهر، ويتأكد من بعض أوجه اليقين، ويخرج هذا القول عندي إذا كان خروج هذا الماء على أثر طهارة منها، قد غسلت فيها الفرج، وطهرت الموضع في أي وجه من وجوه الطهارة في وضوء أو غسل من جنابة أو غسل من حيض، فإذا كانت طهرت الموضع (1/120)
صفحة 121
على هذا في داخل الفرج، فإن هذا الماء طاهر.
وأما على غير ذلك من الاستنجاء، كمثل أنها تستنجي من غائط أو بول، ولا تدخل يدها في الفرج لطهارته في ذلك الوضوء لمعنى، ثم خرج منها هذا الماء، فهذا عندي أقرب أن يثبت فيه معنى النجاسة على حال، حتى تعلم أنه طاهر، قد دخل من ذلك الاستنجاء من ماء طاهر.
ومعي أنه قد قيل: لو أن رجلا أدخل يده في فرج زوجته وهي ثيب، فمسته رطوبة من الموضع، فإنه إذا كان إنما أدخل يده في موضع ما تناله الطهارة من الجماع والحيض المحكوم عليه بأنه قد طهر، مما قد لزمه حكمه من النجاسة، فإن يده طاهرة من تلك الوطوبة حتى يعلم أنها نجسة، أو حتى يعلم أن نجاسة تلك الرطوبة بمعنى ما لا يكون رطوبة الطهارة من السخونة واللين، اللذان يدلان على أن ذلك إنما هو من النجاسة، فإذا ثبت هذا المعنى، فلا يخرج عندي إلا على معنى الاختلاف، وأنه يخرج على معنى حكمه، أنه مخرج من مجرى النجاسة، وأنه نجس لما مس من هنالك، وذلك فيما عدا موضع الحماع من والج الفرج، فإن حكمه على اعتبار أنه نجس.
فإذا ثبت معنى الاختلاف في هذا، في هذه الرطوبة، وفيما مس منها الزوج، لم يبعد عندي تساوي ذلك فيما يخرج من الماء لتشابه ما يحدث من مس الوجل، باحتمال أن يكون ذلك الماء ماء طاهرا، أخذته فأدخلته حين استنجت من الماء الطاهر، ثم بقي هنالك حتى خرج، وذلك عندي يشبه معنى الاختلاف على حال على هذا الوجه.
ومعي أنه قياسا على ما مضى بيانه، من أن الموضع الذي يدخل فيه الماء الطاهر، يتأثر فيه بحكم الموضع، فعندي أنه لو خرج مثل هذا الماء من المكان الذي كان فيه، كان في معنى الحكم، فإن ذلك الماء نجس، (1/121)
صفحة 122
ولا يخرج له عندي معنى طهارة على أي وجه يكون، لأنه لو خرج من مجرى النجاسة الذي لا يبلغ إليه حكم طهارة في الحكم، وهو في الحكم نجس، لأنه يخرج في معاني الاعتبار في هذا الماء، أنه لو كان دخل من الماء الطاهر، واحتمل أن ينشفه، كان دخوله إلى موضع مجرى النجاسة التي لا يمكن أن تبلغها الطهارة في الاعتبار، ولا تبلغها الطهارة في الحكم، فهي خارجة بمعنى النجاسة عندي، سواء كان مصدر هذا الماء داخلا من الماء الطاهر، أو كان خارجا من الرحم، فهو على الحالين والوجهين، بحكم النجاسة عندي، ولا يبين لي فيه أي موضع اختلاف، لأنه بالمكث في موضع النجاسة -وإن كان طاهرا قبل دخول الفرج - فإنه في الغالب الأعم يتغير، وتغيره إنما تم لما اختلط به من أشياء من غير جنسه، من داخل الرحم، ولما كان أغلب ما في هذا الموضع فيه حكم النجاسة، فعلى ذلك يثبت له حكم النجاسة عندي.
وإذا ثبت معنى هذا الماء وهذه الرطوبة من فرج الثيب، أنها طاهرة بمعنى الطهارة، إذ هي طاهرة بطهارة الموضع الخارجة منه، فلو ثبت على هذا خروج شيء من الطهارات، من موضع الطهارة، كأن يكون قرحة قد تكون في الرحم، حيث تدرك طهارته، فلو خرج من الفرج قيح أو يبس، أو ما لا يكون حكمه نجسا أن لو خرج من فرجه خارجا في البدن، لكان هذا عندي من هذه القرحة، ومن هذا يخرج طاهرا ما لم يعلم أنه مسه شيء من النجاسة، أو جاء من موضع النجاسة، من حيث لا تبلغه الطهارة، ولا يشبه هذا عندي إذا صح أنه قيح أو يبس، من هذه القرحة التي في موضع الطهارة، معنى خروج الماء، لأن الماء يحتمل أن يكون من الماء الطاهر، ويحتمل أن يكون خارجا من الماء النجس، الذي قد يكون داخل الرحم، لأنه قد يخرج من المرأة الماء النجس، سواء كان هذا الماء النجس صافيا، أو كان من الماء الأكدر، ولا يكون خروج هذا الماء في الاعتبار، فيما جاءت به معاني الأخبار، من حيث تناله الطهارة.
3
وقد يأتي الماء من الرحم لعدة (1/122)
صفحة 123
أسباب فمنه ما يأتي من موضع الولد، ومنه ما يأتي من والج الرحم، وهنالك لا تناله الطهارة.
وعلى ذلك فإنه عندي إذا كانت القرحة التي قد يخرج منها الماء، إذا ثبت أنها قرحة في موضع الطهارة، وأن خروجه كان من قرحة إلى موضع الطهارة، فإنما يخرج عندي معناها كأنها في ظاهر البدن إذا صح طهارة الرحم بمعنى هذا، ولا بد أن يكون موضع الجماع من والج الرحم حيث تدرك الطهارة من الثيب، وهو عندي بمنزلة جوارح البدن الذي تثبت فيه الطهارة، وعليه فيكون حكمه الطهارة إذا طهر حتى يعلم نجاسته في الحدوث شيئا، مما ينجسه فيه.
أو قد يكون من دواخل البدن الذي لا تصح له طهارة، ولا تلزم فيه طهارة، ولو طهر لم يكن بمعنى تطهيره طاهرا، إذا كان حكمه من دواخل البدن، ويكون ما خرج منه من أي وجه نجسا على كل حال، وهو على هذا الوضع بمنزلة الدبر، الذي ليس عليه طهارة، وحكم ما جاء منه مما عدا الحلقة نجس.
وإذا صح على ذلك أنه قيح، أو أنه يبس من قرح، موضعه في داخل الفرج، وقد استيقن على ذلك الخارج منه والمبتلى به، ومعي أنه يخرج معاني الاختلاف، في غسل داخل فرج الثيب عليها:
ففي بعض القول: إن على الثيب أن تغسل الفرج وتبالغ في غسله على الصورة التي تستيقن منها أنه تأكدت الطهارة، ما لم يضر ويؤذي موضع الولد، أو موضع الحيض، أو موضح الجنابة، وفي كل غسل لزمها معناه كغسلها من الجنابة، أو غسلها من الحيض، أو غسلها من النفاس، فتقوم بذلك الغسل بمنزلة غسلها كسائر بدنها.
ومعي أنه في بعض القول: إنه إنما عليها أن تنجي الفرج من الجماع، إذا حدث أن نزل الماء في فرجها، وليس عليها ذلك في الحيض، ويخرج معنى هذا القول أنه ليس عليها ذلك أيضا في الغسل، من الوطء أو من الحيض أو غيره، إذا لم ينزل فيها الماء الدافق ولا من مائها هي، إذا كان (1/123)
صفحة 124
ليس عليها ذلك في الحيض، فمعنى إنزالها الماء منها هي بمنزلة الحيض، لا فرق في ذلك عندي بينهما، في ثبوت الغسل من الحيض ونجاسته، بل قد خرج في بعض المعاني، لأن الحيض أشد على قول من يقول: إنها إذا أنزلت الماء الدافق من غير الجماع، أنه لا غسل عليها مثل الاحتلام وأشباهه، فإذا كان لا غسل منه، والغسل ثابت من الحيض والاستنجاء عليها، بإدخال يدها في الفرج من الحيض، فمما لا يلزمها فيه الغسل أحرى، أن لا يكون عليها ذلك، وصاحب هذا القول لا يستقيم له عندي، أن يلزمها ذلك في الجماع، مع الإنزال فيها، ولا يلزمها ذلك في الحيض، وكل الموضع واحد، وجميع هذه الأشياء من مخرج واحد، وقد ثبت نجاسته إن كان بمعنى النجاسة وقد ثبت غسله إذا كان بمعنى الغسل، لأنه نجس من الوجهين جميعا، فإن كان من معنى النجاسة فهو سواء، وإن كان من معنى الغسل فهو سواء، لأنه عندي يستوجب ذلك معي أنه يجب عليها الغسل من الجماع قي أي وجه من الوجوه، سواء أنزلت الماء الدافق من الجماع أو من الأحلام وأشباهها، كما أنه يجب عليها الغسل في الحيض أو النفساء، كما أنه يجب عليها التطهر في الاستنجاء.
ومعي، أنه قد قيل: لا غسل عليها في الفرج من حيض ولا جنابة، ولعل صاحب هذا القول يذهب إلى أنه من دواخل البدن، وهي غير متعبدة بغسله، فهو لا يوضع في الحكم موضع الدبر، فهو ليس بمنزلة الدبر، ولا يبعد ذلك عندي لمعاني الاتفاق، لا غسل عليها في حيض ولا استحاضة، إذا لم يفض الدم في خارج الفرج، لأن الفرج في الداخل إنما كان مكمنا في الرحم في والج الفرج، ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا.
وكذلك عندي لا غسل عليها في الجماع إذا لم تغب الحشفة فيها، لأن ذلك هو موجب الغسل، وكذلك قيل: لا غسل عليها ولو وجدت الشهوة، ما لم تنزل، الماء الدافق ظاهرا على الفرج، وفي المعنى أنه لو كان قد خرج من (1/124)
صفحة 125
بموضع الجماع، ولم يظهر خارج الفرج، فإنه على ذلك لم يكن عليها غسل، على قول من يقول: يلزمها الغسل في الاحتلام، فما لم يفض خارجا فلا يوجب عليها الغسل به، كما لا يوجب عليها الغسل من الحيض بمثله، إذا لم يفض الدم ويخرج، وكل هذه معي أحكام متساوية، ولو كان الموضع خارجا من البدن، للزوم حكمه في هذه الأشياء كلها، ولم تختلف معانيها فيه ومنه، ولو كانت الدواخل من البدن يلزم غسلها ما أدرك منها، لكان الدم يلزم غسله، لأنه قد يدرك إدخال اليد فيه بغير مضرة.
ولا يخرج معي في هذا كله إلا أحد معنيين:
إما أن يكون على المرأة عسل داخل الفرج من كل نجاسة، ومن كل غسل لازم، في معنى الحكم، كالغسل اللازم من الجنابة، والغسل اللازم من النفاس، والغسل اللازم من الحيض، وغير ذلك من لوازم الغسل، ويكون، معنى ذلك كله معنى حكم الظاهر من بدنها، فيقع على فرج المرأة ما يقع على سائر البدن من أحكام، ويلزمه ما يلزم سائر الحسد.
وإما أن يكون لا غسل غليها فيه، في أي شيء من معنى النجاسة، على أي وجه من الوجوه يتنجس بها، أو بغسل يلزمها لأي سبب من أسباب ولوازم الغسل من الجنابة والنفاس والحيض، ومعنى ثبوت غسله أحب إلي، ويخرج عندي على معنى الاحتياط، لا على معنى الحكم.
ويخرج معنى الحكم عندى في أشباه المعاني أنه لا غسل عليها فيه بمنزلة القبل والدبر، ولو أمكنها إدخال يدها فيه، لأنه لا شك أنه من دواخل بدنها، وهما الفرجان - القبل والدبر- مستويان في الاسم، وفي المعنى، وفى الظاهر والباطن، وكذلك في المدخل والمخرج، وكلاهما يجب بهما الجماع في الغسل، وكلاهما يجب بهما الحد عند الجماع، وكذلك كلاهما ينتقض الوضوء بما يخرج منها. (1/125)
صفحة 126
وإذا ثبت أن فرج المرأة من دواخل بدنها، كان كل ما مكث فيه واستكن، ولم يفض من موضع الجماع خارجا، سواء كان ذلك دم حيض أو نفاس، أو كان دما أصفر عن استحاضة، أو كدرة عن مرض، أو ماء جماع أو احتلام أو غيره، فليس كل هذا حدث مما ينقض الطهارة، بمعنى الاتفاق أنه لا يكون حيضا ولا استحاضة، ولا شيئا مما ذكر، على أي وجه من الوجوه إلا بخروج الدم من الفرج خارجا.
وهذا القول عندي أشبه بمعاني الأصول في هذا الوجه، لتساوي هذه المعاني فيه واتفاقها، وإذا ثبت معنى هذا كان موضع نجاسة، ولو ظهر وكان كل ما خرج منه، وظهر في خارج الفرج فهو نجس ناقض للطهارة، من ماء أو صفرة أو كدرة، ولا يكون ناقضا للطهارة ما لم يظهر، لأنه عند عدم ظهوره فهو مستكن في داخل الفرج، وهو بعض ما فيه كالدبر وغيره من بقية أجزاء الجسم.
وكذلك يكون نجسا ما خرج من فرج المرأة من قيح أو يبس، لو صح أنه إنما هو حيث تبالغ الطهارة، وإنما يخرج ما ذكرنا من تلك المعاني كلها على قول من يثبت عليها غسله، لأنه لا يستقيم أنه في معنى الحكم أن يثبت عليها غسله بموجب من لوازم الغسل، كغسل الجنابة أو غسل الحيض، أو النفاس أو غير ذلك مما يجب عليها غسله فيه، وهو نجس فيكون ذلك عبثا من القول، ولا يجوز أن يكون في الفقه عبث، بل لا يثبت عليها غسله إلا لمعنى أنه يطهر، وأنه موضع طهارة، وإذا ثبت غسله فإنه موضع طهارة، فلا يفسد ما كان فيه إلا ما صح أنه من النجاسة، وما كان من النجاسة الأصلية مما تكون نجاسته من الفرج وغيره، فافهم هذه المعاني إن شاء الله، ولا أعلم اختلافا يوجب في البكر ما خرج منها من ماء أو غيره، ولو صح أنه كان مما دخل من الماء الطاهر، إلا أنه نجس ما خرج من والج الفرج إلى خارجه. (1/126)
صفحة 127
كذلك عندي لو ثبت معنى يصح أنه دخل في الدبر ماء طاهر، أو دخل في الذكر، يتعدى موضع الطهارة ثم خرج، كان نجسا، لا يبين لي في ذللك اختلاف، لأنه موضع النجاسة وموضع مما لا تبلغ إليه الطهارة.
وكذلك قيل: ما خرج من دواخل الدبر من قيح أو يبس أو ماء، ولو استيقن أنه ليس من معنى الغائط، ولامن الجوف من مواضع الطعام ولا الشراب، ولو أدرك ذلك باليد وطهر موضعه لكان عندي سواء، لا ينقله حكم ما يثبت عليه.
وكذلك على هذا القول إن طهرت بالماء داخل فرجها كان موضع نجاسة على حال، وكان ما يخرج منه نجسا، ولو صح أنه من الطهارة، لأنه موضع نجاسة من دواخل الفرج من البدن، لمعاني ما مضى ذكره من أحكامه، أنه داخل ليس بخارج، فينظر في معاني ما قلنا من هذا كله، ويعمل بحسب صوابه، ويدع باطله ومشكله إن شاء الله تعالى.
وأما تعمد المتوضىء أو الغاسل إلى النضح بالماء، ثم من مواضع المخارج من النجاسة وما يليها من ثوبه وبدنه، فمعي أنه قد قيل عن بعض أهل العلم، إنه كان يفعل ذلك ويأمر به، والمعنى في ذلك ليقوى به على الشيطان عند معارضته ما توهمه، أنه يخرج منه من النجاسة، وتوجد كالرطوبه فتكون هذه الرطوبة التي قدمها، مما تدفع عنه الشك ويترك ما يجد من الرطوبة هنالك، حتى يعتبر أن تلك الرطوبة طاهرة، ولو وجد الرطوبة حتى يعلم أنه خرج منه رطوبة مما تفسد عليه.
ومعي أن نعضا لا يأمر بذلك بالقصد إلى هذا، خوفا من أن تكون نجاسته صحيحة، فيدعها لتلك الرطوبة التي قصد إليها، ويخرج هذا القول عندي على معنى الاحتياط، والأول على معنى الحكم، والاحتياط على معنى ثبوت الحكم، ويعجبني ذلك، لمن كان يعرف نفسه بالشك ووسواس الشيطان ومعارضاته، فيفعل ذلك معارضة له، ويعجبني ترك ذلك لمن
-- (1/127)
صفحة 128
لا يعرف نفسه بالشكوك، وان فعل ذلك على حال، فهو وجه على ما يقوى على أمر الشيطان، وما صح على معاني الأصول وما يشبهها، فهو عندي أقوى، والميل إليه آكد وأولى، في معنى الإلزام ومعنى الاحتياط، ويكون على معنى الاختيار.
وأما الأحتشاء فمعي أنه قد قيل فيه مجملا من القول: إنه لو احتشى بعد أن يبول، ثم استنجى ولم يخرج الاحتشاء، فإن له ذلك.
ومعي أنه قيل: ليس له ذلك حتى يستنجى، فإذا استنجى احتشى، لأنه إذا احتشى قبل أن يستنجى كان الاحتشاء أو شيء منه يبلغ إلى موضع ما تناله الطهارة، فيحول بينه وبين الطهارة، ولا يجوز ذلك، بون كان مما هو حيث لا تناله الطهارة، كان له ذلك قبل الاستنجاء وبعد الاستنجاء، فإن كان في موضع يمنع الطهارة، من حيث تبالغ الطهارة وتجب، فحال بين ذلك وبين الطهارة، خرج معنى ذلك عندي على من يقول بمنعه قبل الاستنجاء، إلا أن يخرجه إذا أراد الاستنجاء.
وان كان الاحتشاء كله لا يجوز بين شيء من موضع الطهارة وبين الغسل، فليس عليه إخراجه بمعنى الحكم، ولو كان يعلم أنه قد تنجس، وكان يقدر على إخراجه، لأنه لا مانع يوجب منعه، وليس هو في موضع ما يجب فيه التعمد بالطهارة.
وإذا كان الأمر كذلك، كان بمنزلة مجرى البول في معنى الحكم، إذ لا يمنع النجاسة، وإذ لا تبلغه الطهارة وغير متعمد لغسله، ولا متعبد بطهارته، و إذا كان إنما يجعله لمعنى ما يمتنع به عن النجاسة بأمر طهارته وطهارة ثيابه.
ومعي أنه يخرج في بعض معنى ما قيل: إنه إذا كان الاحتشاء في موضع يقدر على إخراجه، وقد علم أنه تنجس وأنه نجس، فعليه إخراجه في (1/128)
صفحة 129
هذا الحال، لأنه يتوجب عليه إزالة النجاسة كلها مما يقدر عليه بلا معنى مضرة، كما أن عليه أن يستبرىء مما هو غير خارج من البول حتى يخرجه، وعليه الاستبراء مما هو غير خارج من المني من البول حتى يخرجه، كذلك في معنى الحكم عليه أن يخرج هذه النجاسة التي يقدر على إخراجها بغير مضرة، لأنها على أي وجه من الوجوه بمنزلة الطاهر من بدنه، وكما يثبت عليه هذه المعاني في الطهارة في بدنه، تثبت عليه هذه المعاني في الطهارة في ذلك، فأما إذا كان لا يقدر على إخراجه إلا بالبول، فلا أعلم أنه قيل أن عليه أن يبول حتى يخرج الاحتشاء، وإنما يخرج ذلك عندي إن كان عليه إخراجه، في حالة ما إذا تنجس، وكان قادرا على إخراجه بالمعالجة من ظاهره، وإذا ثبت أن عليه إخراجه إن قدر عليه إذا تنجس، لم يخرج ذلك عندي من ثبوته عليه أن يخرجه بالبول، كما أنه قد ثبت عليه فيما عليه إخراجه بمعنى ما لزمه إخراجه من المني والبول، ولا فرق في ذلك، ولما إن لم يكن هذا الاحتشاء في موضع الطهارة، ولم يكن يحول بين شيء وبين ما تجب طهارته، ولم يكن له معنى ما يمنع الاحتشاء أنه كان معنى ذلك أنه شيء، كمجيء مجرى البول في موضعه، إذ هو نجس من داخل بدنه، وليس عليه إخراج الدواخل في بدنه بمعالجة، إذا لم يكن في موضع ما تجب طهارته وتدرك، وإذا كان هكذا فإذا كان قد احتشى على طهارة لم ينجس الاحتشاء بعد ذلك.
فمعي أنه في بعض القول على قول من يقول إن عليه إخراجه، وكان لو أخرجه بغير معنى البول الذي ينقض طهارته، فلم يخرجه وصلى، كان كأنه قد صلى بنجاسة فيه ما ينقض طهارته.
ويخرج هذا عندي على هذا القول إذا ثبت معناه، أنه سواء تنجست القطنة من داخل أو من خارج.
وفي بعض القول: إنه ليس عليه ولو علم بنجاستها من داخل ولم تظهر الرطوبة على خارجها أن ما ظهر منها ستر لما بطن، وليس عليه إخراجها، ولا تفسد عليه إذا كانت في غير موضع الطهارة، لأن نقض الطهارة إنما يقع
- (1/129)
صفحة 130
بما طهر على الذكر، ومعي أن المعنى كله سواء، إن كان عليه إخراجها في موضع نجاستها، فسواء تنجست كلها أو بعضها، قدر على إخراجها من ظاهر أو باطن، ببول أو بغيره، لأن هذا معنى الحكم بما يجب إخراجه، بأن يحتال عليه بكل ما يقدر عليه، وما لا يجب إخراجه فلا يجب إخراجه بوجه قدر عليه أولم يقدر، وليس كل ما حط الله عنه كل ما يقدر عليه، لزمه العمل به على معنى الوجوب، ولو كان فيه معنى فضل في معنى الحكم، إلا على معنى الفضيلة، ما لم تشغل الفضيلة عن لازم أو عما هو أفضل منها، ولا معنى يوجب عندي إخراج الاحشاء، سواء كان قبل الاستنجاء أو بعد الاستنجاء، فتنجس ما لم يبلغ إلى موضع الطهارة، فيحول بينها وبين الطهارة أو شيء منها، ولو قدر على إخراجه، ما لم تضر النجاسة إلى موضع ما ينقض الطهارة إن كانت رطبة، وإن كانت يابسة وجب إخراجها على حال، لأنها قد صارت في موضع من ظاهر بدنه، ولا يجوز للمصلي أن يصلي وفي شيء من ظواهر بدنه نجاسة، سواء كانت رطبة أو يابسة، إلا من عذر أو لمعنى.
وليس ما يقدر عليه المحتشي من إخراج الاحتشاء بمعالجة إذا لم ينله بطهارة عندي في معنى إخراج النجاسة منه بمنزلة الثيب، وإدخال يدها لغسل والج فرجها، لأن الثيب تقدر على طهارة ذلك بيدها أو بالماء، وهذا لا يقدر على طهارة ذلك بالماء في موضعه، فمعي أن هذا في الحكم يختلف معناه عن حكم معنى الثيب.
ومعي أنه لو بلغ الاحتشاء إلى موضع الطهارة، متنجسا نجاسة رطبة نقض ذلك الطهارة، و اذا كان قد تنجس ذلك مما يخرج من رطوبة بتغير بول أو مذي أو ودي أو مني، وعليه الاستنجاء لغسل ما مس من موضع الطهارة، وغسل ما ظهر من الاحتشاء ونالته الطهارة، فليس له عندي إخراجه بمعنى الاتفاق، ولو كان ما بقي منه نجسا، لأنه لا يمكنه غسله ولا يصل إليه، وليس عليه لزوم في إخراج ما لم يمكنه غسله، وليس عليه إخراج ما أمكنه غسله، فإنما يجب عليه غسل ما يمكنه غسله، وما بلغ إلى غسله من خارج منه (1/130)
صفحة 131
أو داخل فيه، مما جعله هو، أو مما خرج منه إلى أن يجعله طاهرا، أو مما جعله فيه غير، فعليه في هذه الحالة غسل ما أمكنه غسله، من ذوات النجاسة أو من المتنجسات من ذوات الطهارة، وليس عليه إخراج ذلك إذا أمكن طهارته، و إذا لم يقدر على طهارة شيء من ذلك، ولو كان شيئا واحدا، فإنما عليه غسل ما قدر على غسله منه، وليس عليه إخراجه، ولو كان عليه إخراجه إذا قدر على إخراجه، إذا لم يبلغ إلى غسله أو غسل ما هنالك إذا قدر عليه، وليس عليه ذلك بمعنى الاتفاق، وإنما عليه غسل ما ظهر ولو كان يناله بيده، ويشهد العقل أنه متصل بما ظهر، وهذا مما لا يجب ولا يحسن وجوبه ولا لزومه، كذلك إنما عليه عندي غسل ما أدرك غسله، كان كله أو كان شيء منه فقط، ولا فرق في ذلك عندي، سواء كان الشيء نجسا فغسل منه ما قدر عليه، أو قدر على غسله كله، وما لم يقدر على غسله فلا غسل عليه له، سواء كان كله أو بعضه، وليس وجوب غسل بعضه يوجب غسله كله، ولا يوجب إخراج ما لم يقدر على غسله، وإن كان الاحتشاء قد بلغ إلى موضع الطهارة وهو يابس، بعد أن تنجس بما قد خرج فيه من النجاسات، فليس عليه عندي نقض الوضوء لخروج ما خرج من الإحليل، إلى موضع الاحتشاء فنجسه إذا خرج الاحتشاء بعد ما يبس، وجف منه ذلك بقدر ما لا يرطب سمة الذكر، من حيث تجب الطهارة فيه، فإن شاء أخرج الاحتشاء اليابس النجس ولا غسل عليه في
الإحليل، وليس عليه استنجاء ولا انتقضت طهارته، و ان شاء وأمكنه غسل ما ظهر من الاحتشاء النجس، دون ما لم يظهر، إن أمكنه أن يغسله بغير أن يمس ذكره في ماء جار أو ما يشبهه مما يتنجس، ولا ينجس حتى يطهر.
وكذلك عندي إذا ثبت معنى فرج الثيب أنه لا غسل عليها فيه فاحتشت احتشاء لا يظهر إلى ظاهر الفرج، ليمسك عنها ما تخاف إفساده عليها من وضوئها أو ثيابها أو ظاهر يدها، فما لم يظهر ذلك إلى ظاهر الفرج الذي يجب (1/131)
صفحة 132
عليها غسله بمعنى الاتفاق، فهو في ذلك بمنزلة الاحتشاء من الذكر من الرجل، وإذا لم يجب عليها غسله في موضعه إذ لا يجب عليها غسل ما فيه من النجاسة، فلا يجب عليها إخراجه، ولو تنجس كله أو بعضه، ما لم تبلغ الى موضعه الطهارة من خارج الفرج، وإن بلغ منه شيء نجس يابس أو رطب خرج عندي مخرج الاحتشاء في الذكر، على نحو ما مضى من ذكر اليابس والرطب.
وأما البكر فلا يبين لي من أمرها إلا أنها في ذلك مثل احتشاء الرجل في ذكره، ولا يبين لي في ذلك اختلاف. (1/132)
صفحة 133
باب سؤر الأنعام وما أشبهها وأحكام ذلك
لا بأس بسؤر الخيل والإبل والبقر والحمير والغنم، من الماء وغيره وأرواثها، ولا نعلم أنه يفسد من ذلك إذا كانت حية، إلا بولها وقيؤها.
وقد رخص من رخص في قيئها، ودم المذبحة إذا ذبحت، وما في كرشها، وعرق الجمال والحمير الذي لا يحبس ولا يصان مفسد.
وأما ما يصان من الحمير فلا يفسد عرقه.
قال أبو الحواري: قد أجاز من أجاز قيأها ولم ير به بأسا، ولا في عرق الجمال ولا عرق الحمير.
وقد رخص من رخص في قيء البعير، أخبرني بذلك مبشر بن سعيد عن هاشم بن غيلان في قيء، فقال ماء وشجر. وقد رخص من رخص في الكرش، لا تفسد إلا الأمعاء.
وقيل: إن دسع البعير ودسع الشاة أنه يفسد ويعيد الوضوء.
وقال محمد بن المسبح: ليس الدسع بأشد من الخرق، ودسع البعير والجرة لا ينقض.
وقيل: وعرق الجمال والحمير التي لا تحبس ولا تصان مفسد.
وقد رخص من رخص في الجمال والشرر، الذي يطير من بولها ما لم يسبغ. (1/133)
صفحة 134
قال محمد بن المسبح: إن أبوال الإبل مفسدة إلا أن يجد كالبرودة فلا بأس بذلك، حتى يستيقن على شيء إذا مسحه بكفه خضب، لأنهم قالوا عن بشير: كل غالب شرار، لما روي عن الربيع ما رواه محمد بن محبوب في الخضب ما لم أره يتمسك بذلك.
وقال من قال: كل ذلك مفسد والقدم أي يرطبه كله.
وقال من قال: القدم أن يبين فيه الشرر.
وقيل: إنما ذلك في القوافل الواسعة التي لا يمتنع الناس منها في الطريق مثل طريق مكة، ونحو ذلك.
قال غيره: أما سؤر الدواب من الأنعام وما أشبهها من الأملاك وغير الأملاك من الأهلية والوحشية، والخيل والبغال والحمير وما أشبهها من مثل ذلك، من الأملاك وغير الأملاك من الأهلية والوحشية، فإن أسوارها ولعابها وما خرج من أفواهها ومناخرها وصدورها، وجميع ما خرج من رطوباتها من مثل هذا أو شبهه، فمعي أنه خارج في معاني الاتفاق أنه طاهر هذا كله منها، ولا يبين لي في ذلك اختلاف، ولا أعلمه من قول أصحابنا ولا من قول قومنا، وأما ما خرج منها على وجه القيء من غير الأنعام من الخيل والفغال والحمير، وما أشبه ذلك من غير ذوات الجرة، وغير ذوات الكروش والفروث، فمعي أنه خارج معاني الاتفاق فيه، أن ذلك منه طاهر بمعنى سائر ما يخرج منها، من أفواهها ومناخرها ولا يبين لي في ذلك اختلاف في أقوال أصحابنا، لأنهم لا يفسدون شيئا منها من أرواثها ولا مما في أمعائها، ولا جميع ما خرج منها من جوفها في حياتها إلا أبوالها، ولا من بعد ذكاتها من معاني ما في جوفها من أسباب غير دمها.
وأما ما كان من ذوات الجرة والأكراش والفروث من الأنعام (1/134)
صفحة 135
أو ما أشبهها، فيخرج في معاني أسباب قيئها وفرثها الاختلاف.
وكذلك جرتها وهي خارجة بمعنى الفرث من جوفها.
ومعي أنه إذا ثبت ذلك فقيؤها مما أشبه معاني فرثها وجرتها، وهو مثل بولها ولا فرق فيه عندي في المعنى والشبه سواء، فالذي يذهب إلى فساد فرثها يلزمه أن يفسد جرتها وقيأها، والذي لا يفسد فرثها يلزمه ويجوز له أن لا يفسد قيأها ولا جرتها، والذي يفسد أحدهما يلزمه فساد الجميع منها.
وأما فرثها فمعي أنه يختلف في نجاسته، وأحسب أن الذي يذهب إلى نجاسته يحتج بقول الله تعالى: (من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين).
فمعي أنه يقول: إن الفرث مثل الدم إذا كانا مشتبهين في هذا المعنى.
ومعي أنه من قول من قال بطهارة الفرث وما في الكرش يقول: إنما كان معنى قول الله -تبارك وتعالى-: (من بين فرث ودم)، شيئين مختلفين، كل واحد منهما لون، لأن ذات اللبن إنما قي محشاة دما في عروقها وفرثا في جوفها، واللبن إنما يخرج من بين ذلك، كلما كثر الفرث من البدن وأكثر الدم واجتلب اللبن، من بين شيئين مختلف لونهما، خرج لبن خاص مخالف لهما في اللون والطعم، وإنما ذلك مما يذكرهم الله من نعمه تبارك وتعالى.
ويلزم من قال بفساد الفرث أن يفسد الروث، لأنه منه ومخالط له ومتصل به، ومنتقل من حاله إليه، ويلزم في الاعتبار أن يكون ما خرج من الدبر من الروث أشد مما خرج من الفم، لأنه أبطأ في حال النجاسة وأعتق إن (1/135)
صفحة 136
كان نجسا، و إلا فلا معنى في انتقاله في حال إلى حال، أن يطهر به في حال الانتقال من هذا الوجه، وهذا المعنى لأنا وجدنا حال معاني الاتفاق يفضي على كل من أفسد فيه أفسد ما خرج منه من دبره، وأثبت في معاني الاتفاق في قول أصحابنا وقومنا مما يطول شرحه.
والأنعام معنا يشبه معاني أحكامها في قول أصحابنا أن جميع ما فيها في حياتها مما يخرج منها طاهر، إلا بولها ودمها، وكذلك بعد ذكاتها يشبه معاني ذلك فيها.
وأما في قول قومنا وفيما شاء الله منه، أنه يذهب إلى طهارة جميعها إلا الدم المسفوح منها في حياتها، وبعد ذكاتها من بولها وفرثها في جميع ما فيها.
وأما قول أصحابنا فيخرج على معاني الاتفاق أن أبوالها مفسدة ومعنا أنهم لا يتفقون إلا على صواب قد وفقهم الله له.
فأما ما يخرج في الاعتبار فإنا لم نجد شيئا من الدواب يفسد بولها، من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية إلا وأفسد روثها بمعاني الاتفاق من الجميع، وقد ثبت أن جميع ما في الأنعام في معاني قولهم، وإن اختلف أنه طاهر إلا الدم والبول.
تابع بقية الموضوع >>>>
5
وقد جاء تحريم الدم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ويخرج معاني إجماعهم اتفاق أن بول إلانسان وغائطه نجسان، وكذلك جميع الدواب النجس بولها في الاتفاق منجس روثها من السباع وأشباهها من الدواب المجمع عليها.
وقد قال الله - تبارك وتعالى - في الأنعام: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن الله بكم لرءوف رحيم). (1/136)
صفحة 137
ولا تكون المنافع مضارا، ولولا ما قد سبق من قول أصحابنا في اتفاق معاني قولهم على فساد بول الأنعام لأشبه أن تكون كلها في حياتها وبعد ذكاتها منافع، وطاهرة في معاني ثبوت طهارتها، في معاني الإجماع إلا بكتاب الله في جميعهما وهو الدم.
ومشبه ما اتفقوا عليه بالطهارة منها بإذنهما جميعا من غيرها ولم يجد من قولهم ما يشبه هذا في غيرها، وإنما وجدناهم يفسدون البول من موضع ما يفسدون الروث، ويفسدون الروث من موضع ما يفسدون البول، من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، إلا في هذه الدواب التي تكون في الرياح والبحر ذكية، فوجدناهم قد اتفقوا على التفريق بين أبوالها وأرواثها وأبعارها، فطهروا أبعارها وأرواثها، وأفسدوا أبوالها من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبهها.
وأما في القياس فقد يلزم أن يكون مثلا غيرها من الدواب من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية، من جميع ما يكون بالذبح تذكية، ما عدا المحرمات الأصلية كانت ذكية أو غير ذكية في شبه ما لحقها في اتفاقهم من فساد أبوالها وأرواثها سواء، كما لا فرق بينها وبين غيرها من الدواب بالاتفاق في فساد أبوالها وأرواثها، فتكون هذه كلها طاهرة.
ولكنا ندع القياس ونتبع معاني اتفاقهم على الانقياد في إثبات الدين رأيا ولا الرأي دينا، بوجه من الوجوه جهل ذلك، لأن ذلك ما لم يأذن الله به.
وأما عرق الدواب فمعي أنه يخرج على معنى الاتفاق من القول، وما لا يبين لي فيه اختلاف ولا شبهة، أن كل جسد من الأجساد من الدواب من البشر وغيرهم أن كل جسد عرقه تبع له في طهارة أو نجاسة، فإذا كان طاهرا فعرقه طاهر، وإذا كان نجسا فعرقه نجس، لأنه شيء من ذاته، حتى أنه قيل: عرق الحائض والجنب أنه طاهر، للاستدلال على حكم الاتفاق أنه يقضي لهذه الدواب التي يجتمع على طهارتها من الأنعام، وما أشبهها، من (1/137)
صفحة 138
الخيل والبغال وما أشبهها، أنها طاهرة بمعنى طهارة الإنسان ومشبهة للإنسان في كل شأن، في معاني الطهارة وأكثر، وزائدة على الإنسان في طهارة أرواثها وقيئها، وان خرج معنى الاختلاف في قيئها، فإنه لا يخرج معاني الاختلاف في قيء الإنسان، وثبت معاني الاتفاق أن طهارة جميع هذه الدواب إذا تنجست بشيء من النجاسة، كائنا ماكانت، زوال النجاسة منها إذا كانت من الدواب، وتغير أثر ذلك، لا أعلم أنه يخرج في معاني طهارتها غسل على المتعبدين في ذلك فيها وفي أمرها.
ومعي أنه يخرج معاني الاختلاف من قول أصحابنا، في أعراقها وأعراق شيء منها:
فقال من قال بفساده.
وقال من قال: إنه طاهر، مما لم يعلم نجاسته في الموضع الذي جرى عليه العرق بدنها، فيكون العرق نجسا بمعنى النجاسة.
ومعي أنه من معاني من قال بفساد أعراقها، لموضع النجاسات المعارضة لها في أبدانها، وهو موافق مع ذلك أن طهارتها لا من النجاسة المعارضة لها، يبوس النجاسة وزوال عينها وأثرها بأي وجه كان، ليس في ذلك حد محدود يزول به، لا شيء من الأشياء دون شيء، فثبت في معاني ما يقع عليه أعراقها طاهرة ما لم ير فيها نجاسة، وهذا القول يصلح بإخراج فساد عرقها من جميلها خارج معنا، قول على سبيل التنزه، لأنه كل ما يصان ويحبس طاهر، وقد يلحق المصون والمحبوس حكم غيره من حدوث النجاسة فيه بعد الحبس والصيانة وجفوفهما، وحدوث العرق فيها، ويلحقها ما يلحق غيرها مما لا يحبس ولا يصان من فساد عرقها.
ومعي أنه إذا ثبت معاني الفساد في عرق شيء منها، لم يخرج ثبوت (1/138)
صفحة 139
ذلك عن جميعها لأنها سواء في الطهارة وسواء في الاسترابة في معارضات النجاسة لها، وأما دماؤها في حياتها فمن حيث ما خرج منها دم عبيط فهو مفسد، يعني دم الإنسان في مسفوحه وغير مسفوحه، وقد مضى ذكر ذلك فيما مضى من ذلك الجزء في ذكر الدماء المسفوحة وغيرها.
وأما دم المذبحة من هذه الدواب كلها، فخارج في معاني الاتفاق أنه نجس بمعنى المسفوح من الدماء، وما سوى ذلك من دمائها بعد ذكاتها، فيخرج فيه معاني الاختلاف بفساده كله في بعض القول، ما عدا ما نبع اللحم في دمائها ولم يكن له حكم بنفسه، وقد مضى ذكر ذلك، وقد مضى ذكر أرواثها وأبعاره،، ولا أعلم أنه يخرج في أرواثها وأبعارها معاني الاختلاف من ذوات البعر والروث أنه نجس، بل يخرج في معاني الاتفاق أنه طاهر من قول أصحابنا، إلا أنه في بعض قولهم أنه يفرق بين خثو البقر الأنثى وبين الذكر، لمعنى مجرى ذلك على موضع البول، ولا يخرج ذلك في معاني الحكم، فلا يبعد من الخوف الاسترابة وإذا ثبت ذالك في البقرة الأنثى فما سواها.
ومعي أنه قد قيل: إن ما مس ذنب البعير سلحه فإنه مفسد لمعنى مس الذنب للبول فيما أحسب أنه قيل.
ويخرج عندي في معنى الحكم أن ذلك كله طاهر، لأصل طهارته حتى يعلم في شيء منه نجاسة في وقته ذلك.
ومعي أنه قد جاء في مثل هذا في بعض ما قيل فيه أنه طاهر الذنب وغيره حتى تعلم نجاسته.
ومعي أنه قيل: إنه ما مس منه شيئا من الطهارة، فلم يعلم الذي مسه منه من الذنب أو غيره، فهو على معنى الطهارة حتى يعلم أنه مسه من (1/139)
صفحة 140
الذنب على قول من يقول بإفساد الذنب. ومعي أنه إذا ثبت فساد ما في الذنب ثم مسه ذلك ولم يعلم ذلك من الذنب أو من غيره، لم تخرج من معاني الاسترابة لثبوت الذنب فيه، ولحقه معاني الاحتياط لغسله.
وأما أبوال الخيل والحمير وما أشبه ذلك مما هو مثله، فمعي أنه يخرج مخرج الاتفاق أنه فاسد من قول أصحابنا، وأرجو أنه من قول قومنا، وأحسب أنه في قول قومنا يذهب إلى فساد أرواثها.
وأحسب أن ذلك على قول من ذهب إلى تحريم لحومها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يروى عنه أنه نهى عن أكل لحومها الأهلية منها، فذهب بعض فيما أحسب بالرواية إلى معنى التحريم، فإذا ثبت التحريم في لحومها ثبتت نجاسة كل شيء منها، أعراقها وأرواثها وأسئارها، وجميع ما خرج منها من الرطوبات.
ومعي أن بعضا ذهب بالرواية إلى الكراهة لأكل لحومها، أحسب هذا يخرج معاني الخير، ثبت في هدا الوجه، في بمنزلة الاتفاق في الأحكام في الأرواث والأسئار، وغيرها من الأبوال وجميع، أحكامها.
ومعي، أنه ذهب بمعنى الرواية إلى كراهية أكل لحومها، لموضع الأدب واستكراه ذلك لهم، فإذا ثبت معنى هذا، ثبت معاني كراهية أسئارها وأعراقها وأرواثها، لأن كل مكروه فمكروه جميع ما خرج منه.
وأما أبوال الأنعام فلا أعلم من قول أصحابنا فيها ترخيصا، إلا بما يخرج معناه بمعنى الضرورة، بنحو ما قيل في بول الدواسر والزواجر، وما قيل في الشرر من بول الإبل فى معاني ما خرج بنحو ذلك، في حال الضرورات والحاجات.
وقد مضى ذكر ذلك واختلافهم فيه، ما لم يسبغ (1/140)
صفحة 141
القدم في معاني الضرورة، والحاجة إلى مثل ذلك، في معاني ما لا يمكن إلا مثل ذلك وينقل ما سواه.
ومعي أنه قد قيل في إسباغ القدم: إنه ما لم يعلم ظاهره رطوبة بمعنى إسباغ الوضوء.
ومعي أنه قيل: ما لم يبن فيه البول، ولو وجد بالكف إذا أجريت عليه.
ومعي أنه إذا جرى عليه الكف من ظاهره وجد رطوبته فذلك حد إسباغه.
ومعنى إفساده وما دون ذلك، ولو صح أنه وقع عليه ويبين له ذلك، فلا يضر إلا حتى يسبغ بأحد هذه الأقاويل في معنى إسباغه.
وأحسب أن بعضا ذهب إلى فساد ذلك كله من قليل وكثير.
وإذا ثبت من ذلك في أبوال الإبل بهذا النحو، بمعنى من المعاني أو بوجه من الوجوه، لضرورة أو لغيرها كان مثله عندي، في سائر أبوال الأنعام لأنها كلها سواء في جميع الأحكام، فلا يخرج من أحكام بعضها بعض ويخرج بعضا عن بعض، وتخرج في بعض القول في فساد أبوال الأنعام كلها قليلها وكثيرها، بحال الضوورات وغير الضرورات، ويكون كغيره من النجاسات قليله وكثيره، في جميع الأحوال من جميع المواطن، في حال الزجر والدياس وغيره، ولا يفرق في ذلك بين نجاسته ولا طهارته إذا تنجس فى جميع الأحوال، فطهارته بمعنى واحد في الزجر وغيره من الضرورات وغيرها. (1/141)
صفحة 142
[صفحة بيضاء] (1/142)
صفحة 143
باب الجلالة ونحوها من الدواب
معي أنه قد قيل في الجلالة من الدواب، فهي التي تعتلف النجاسات، لا تخلط معها غيرها من الطهارات، فإذا ثبت معنى شيء من الدواب جلالة فمعي أنه خارج معنى أحكامه بمعنى المحرمات من الدواب في بيعه وشرائه وأكل لحمه ولبنه والانتفاع به.
ومعي أنه يخرج معنى الجلالة من الدواب في أسوارها وأعراقها وأرواثها، وجميع ما يخرج منها أنه نجس بمعنى المحرمات من الدواب من القرد والخنزير، ومفسد كل ما كان منها من تلك الرطوبات، وما عارضتها من الرطوبات، أفسدتها من تلك الطهارات، كانت الجلالة من الأنعام أو غير ومثلها، أو من الخيل والبغال، وشبهها ومثلها، فما ثبت حكمه حلالا، فهو بمعنى واحد معنا، في معاني ما يخرج من هذا كله.
ومعي أنه قد قيل: إذا أكلت الدابة من الأنعام النجاسة قليلا كان أو كثيرا، فلا يؤكل لحمها حتى تحبس بقدر ما ينقضي ذلك منها، ولا يجوز أكل لبنها في تلك الحال.
وقيل: يؤكل لبنها، ولا يستقيم معي مع ثبوت فساد اللحم.
وكذلك يفسد اللبن من الدابة التي يفسد لحمها فيه، فإذا ثبت فساد لحمها كانت في الحال الذي قد فسد لحمها فيه، خارجة مخرج الجلالة عندي، في فساد جميع ما كان منها، من لحم أو لبن أو روث أو عرق أو ماء، خرج من فم أو منخر بمنزلة (1/143)
صفحة 144
الجلالة، و إلا فلا يفسد منها شيء من اللحم ولا غيره، حتى تصير بمنزلة الجلالة، ولا يستقيم معي شيء حتى يكون محرما في حال تكون رطوباته طاهرة، فإن كان وجه من التنزه عن لحمه فلذلك يلحقه التنزه عن رطوبته، بان كان في حد الحكم في التحريم في لحمه فمثله في رطوباتها.
وأما معنى قوله: لكل غالب شرر، ففي معاني الترخيص، كأنه يقول: في معنى الترخيص كل شرر خرج من غالب من النجاسة لم يضر الشرر إذا لم يغلب على معنى الطهارة، ويتبين ذلك بمعنى الإسباغ، في معنى ما قيل في أبوال الإبل، لعله يخرج بمعنى الترخيص في ذلك كله.
ومعي أنه قد قيل: إن شرر الدم المسفوح لا يفسد، ولعل ذلك يخرج في معنى الضرورات.
وإذا ثبت في معنى من المعاني من النجاسات شيء، أو لمعنى فلا تبعد إجازة ذلك من جميع النجاسات إذا خرج، لعله معنى ما جاز فيه، فيخرج ذلك في معنى الطهارات، أنه ما لم يغلب عليها كان في الماء لا يفسد ما لم يغلب عليه، لأن الطهارة من المائعات، كالتي تخرج من دهان وغيرها.
وليس بخارج في ذلك في معاني الاختلاف أنه ما لم يغلب عليه الدم، أو يكون أكثر منه لم يفسده، وكان مستهلكا فيه، فإذا ثبت هذا في هذا مع معاني الاتفاق أنه ليس بماء ولا من الماء وإنما هو ما أشبه الماء.
وكذلك هذا يشبه للماء في هذا المعنى، وهذا في معنى الطهارات من هذا النوع المائعات، قد ثبت فيه ما يشبه هذا في غيره، وفي البدن ما قد قيل في إسباغ القدم، وما يجرى من الاختلاف في صفة ذلك، وإذا ثبت نجاسة بول الإبل، وثبت هذا منها في حال لم يبعد أن يكون من غيرها من النجاسات مثلها ما كان خارجا مخرجها، وثابت في معناها، وإذا ثبت ذلك في القدم، (1/144)
صفحة 145
فلا معنى في افتراق ذلك في غير القدم. وإذا ثبت ذلك في البدن ففي الثوب أقرب بمعنى ذلك، ولا يبعد أن يشبه ذلك كله. وإذا ثبت ذلك في حال الضرورة على اللزوم، لم يبعد أن يكون مثله في غير حال الضرورة، وما خرج مخرجه، لأنه لم يشرط في ذلك شرطا أنه ما دام في حال الضرورة، ولعل في بعض القول الإطلاق في ذلك والإرسال، وإنما اشترط ذلك بعض أنه على الضرورة، ومعنى الرواية على غير شريطة.
وأما الصوب من هوام الانسان فيخرج في معاني الاتفاق أنه طاهر، وأنه لا بأس به حيا ولا ميتا.
ومعي أنه تخرج معانيه في حياته أنه ليس من ذوات الأرواح في حال حياته، وأحسب أنه يخرج مخرج البيضة من القمل، والمعنى ذلك منها، وقد ثبت طهارته حيا وميتا، لأنه ليس من ذوات الدماء، ولا من ذوات الأرواح التي أصلها من ذوات الدماء، وإن كان بيضا للقمل على ثبوت معانيه أنه طاهر، فيخرج في النظر أنه يشبه ذرق القملة، لأن بيض الشيء فيما ظهر منه بمنزلة ذرقه.
وكذلك قيل في معاني الطير في بيضه إنه ما أفسد خرقه كان بيضه نجسا لمعنى خرقه، وما كان خرقه طاهرا كان ظواهر بيضه طاهرا، فثبت معنى البيض بمعنى الخرق.
وأحسب أنه قد قيل في ذرق القملة من الإنسان انه مفسد، إلا ما يخرج من معاني اختلاف القول فيه في الثوب والبدن.
وكذلك يخرج معي أنه كل ما أفسد بوله من الدواب التي تكون منها أولاد على شبه الميلاد فجميع ما كان بوله فاسدا كان طاهرا ولده في حين ذلك، وما خرج عليه من رطوبة فذلك كله فاسد بمعنى بوله. وكل ما خرج (1/145)
صفحة 146
من أرحام الدواب المفسد بولها من جميع الأشياء فهو مفسد بمعنى بولها الثبوت الشبه فيه من معاني الإنسان المفسد بوله، وما خرج من موضع أرواثها وأبعارها من أدبارها، فهو بمعنى الأرواث في الطهارة ما لم يكن دما عبيطا أو شيئا من النجاسات، ولا أعلم يخرج منها من ذلك الموضع نجاسة إن لم يكن إلا الدم، فما سوى الدم من جميع ما خرج من أدبار الدواب التي لا تفسد أرواثها، هو بمعنى أن أرواثها في حكم الطهارة، خرج من والج جوفها أو من خارجه إلى ما خرج من أدبارها، فكل ذلك بمعنى واحد، ما لم تكن نجاسة عينها قائمة من النجاسات القائمة. (1/146)
صفحة 147
باب سلح الإبل
قد رخص من رخص في قيء الجمال، والشرر الذي يطير من بولها ما لم يسبغ القدم، وما ضربت به الجمال بأذنابها من سلحها، فهو مفسد ومن طار به شيء من ذلك ولم يعلم أنه مما ضوبت بأذنابها فلا فساد عليه حتى يعلم.
ومن غيره وفي بعض الآثار أنه لا يفسد ما مجت بأذنابها حتى يعلم أنه مس ذلك البول، لأن أصل ذلك طاهر غير نجس حتى يعلم أنه قد فسد، والقول الأول هو الأكثر، وينظر في هذا، فإني لا أقول إنه مخالف للحق، وله حجة حق، وما يخرج من منخر الجمل سوى الدم لا ينقض. قال غيره: إلا أن يكون جلالا.
وقال الشيخ محمد بن المسبح: عرق الجمل لا يفسد إلا حيث ضرب بذنبه إذا خطر، وأما الحمير فإنما أفسدت بتمرغها في أبوالها، فإذا صينت وحبست لم يفسد عرقها.
قال: والبعير يفسد من عرقه ما بلغ خطره، يعني ما بلغ ضرب ذنبه.
قال غيره: إن كان القول الأول فيما ضربت الإبل باذنابها من الهرم، فمس من سلحها من أذنابها، أكثر قول أصحابنا، فإن الحكم يقضي للاخر منهما بموافقته معاني الأصول، لأن كل شيء أصله طاهر، فهو على معنى طهارته في كل شيء منه، بموافقته معاني الأصول، لأن كل شيء أصله طاهر فهو على معنى طهارته في كل شيء منه بعينه، حتى تصح نجاسته، وأصل سلح البعير (1/147)
صفحة 148
طاهر في معاني الاتفاق حتى تصح نجاسته بمعاني الاتفاق، ولن يصح ذلك على سبيل الاسترابة، إلا في كل شيء بعينه.
ومعي أنه في معنى قول من قال في عرق الابل إنه مفسد حيث بلغ خطره بذنبه وضربه، فإنما يخرج معنى ذلك أنه يفسده، وأن ذلك فاسد منه من حيث ما بلغ ومس، وذلك على قول من يقول بنجاسته على الاسترابة.
وأما على معنى الحكم فحتى تصح نجاسته من حيث ما وجد، أعني سلح البعير على معنى ما قيل بذلك، وعلى قول من يقول إنه نجس فما دام قائم العين في موضع من حيث يبلغ خطره وضربه بذنبه، فإنما يخرج بمعنى الاسترابة، لأنه قد يمكن أن يكون مسه ذلك من غير الذنب، وإنما هو لما قرب من الاسترابة، لحقه حكم الاسترابة في هذا وخصه صاحب هذا القول بفساد عرقه من ذلك الموضع دون سائر ظهره وبدنه، والاسترابة قد تلحقه في بدنه كله، والحكم قد يقضي له بطهارة بدنه كله، ما لم يعاين في حين ذلك فيه نجاسة لا مخرج لها من لزوم النجاسة لها، فإذا ثبت ذلك فسد عرقه الماس لتلك النجاسة، لا لمعنى عرق البعير.
وكذلك قوله في الحمير أنه إنما أفسد عرقها لتمرغها في أبوالها، وكذلك الخيل والبغال والبقر والغنم، وقد يلحقها هذا كلها في مرابطها ومعاطبها ودروسها وذروتها وجميع الدواب من الأنعام وغيرها لا يتعرى في الاسترابة من هذا، وأما ما خرج من مناخرها الأنعام كلها والدواب، فقد مضى فيه القول وهو طاهر بمعناها، وأما الجلالة فكما قال معنا ويلحقها حكم النجاسة في جميع رطوباتها مما خرج من منخرها وفمها وأعراقها وأرواثها جميع ما خرج منها.
8 (1/148)
صفحة 149
باب طهارة أسئار الطير وخزقها وكناستها
سؤر الطير جميعا وخزقها، لا ينظر فيه فسادا، إلا الحمام الأهلي فقد شدد أكثر الفقهاء في خزقه وخزق العقاب والأجدال، ورخص من رخص من الفقهاء في العقاب، وذلك أحب إلي.
وقال من قال: لا بأس بحدث العقاب في بوله، إذا وطىء عليه الرجل وهو متوضىء.
ومن غيره وقال من قال: لا بأس بخزق الحمام الأهلي ولا العقاب ولا الأجدال، وبه نأخذ، وأما حمام الحرم الأهلي فلا بأس به على كل حال، والحمام الأهلي كره خزقه لما يدعى مثل الدجاج، وأما الطائر منه الطاهر فلا بأس بخزقه، وقد أسكنه الله حرمه، فلا أهلي أهل من ذلك.
قال غيره: معي أن جميع الطير البري من ذات الدم الأصلي من جميع ما خرج صيدا حلالا، ما دون النواشر والنواهش من الطير، ما لم يأت فيه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت فيه أنه من النواشر من ذوات المخالب من جميع الطير، فإنه خارج عندي بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا، ولعله أنه من غيرهم أنه بمنزلة الدواب الطاهرة من الأنعام وما أشبهها، وإلى شبه الأنعام أصح، لمعاني الاتفاق من إحلال لحومها وذكاتها وطهارتها، لأنه قد يلحق الحمير وشبهها ما يلحقها، وهذا الجنس من الطير لا يلحقه معنى شبهة، ولا ما يشبه ذلك وأنه مشبه من جميع حالاته من الطهارة للأنعام من الدواب في أسئارها، وجميع ما خرج من رطوباته من مناقره من سائر بدنه وخزقه، (1/149)
صفحة 150
فبمنزلة أرواث الأنعام وأبعارها، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وهذا النحو من الطير هو شبه هذا النحو من الدواب على الأرض في جمع أحوالها، وان ثبت لهذا الجنس من الطير بول وكان يبول وله بول، كان عندي بمنزلة بول الأنعام لشبهه له. ومعي؟ أنه قد قل!: إن بول هذا النحومن الطير، وما لم يفسدخزقه طاهر بمنزلة خزقه.
وقد كان يعجبني ذلك أن يكون في الأنعام لموضيع طهارتها، وإذ قد قيل في هذا الجنس من الطير، ممامعي أنه من قول أصحابنا، كان ذلك مما يعجبني فيه لموضح طهارته، ولوجاء عن أصحابنا في الأنعام ترخيص في بوطا لكان ذلك أحب إلي مما قجل بنجاسته. ومعي؟ أنه يخرج القول في هذا الطير في بوله، أنه مفسد لمعنى بول الأنعام، وكذلك أنه يختلف في بيضه، فأحسب أنه في بعض القول أنه نجس بمنزلة بيض الدجاج. ومعي ج أن بعضا يذهب إلى طهارة بيض هذا الطيركله من جميع ما كان من الطير، خارجا بهذا الشبه مما يخرج على هذه الصمفة من غير النواشر، على ما تقدم ذكره أن جميع ما كان منه من خزقه وبيضه ورطوبته وبوله، أنه طاهر لمعنى طهارته في الأصل كله. وأما الحمام الأهلي الذي يوعى مرعى ألدجاج مما يدخل عليه الريب من الأنجاس في رعيته، فمعي أن بعضا يفسد خزقه، ويخرج ذلك عندي على وجه إلاسترابة له، لموضع رعيته في المواضعع المسترابة من الأنجاس. ومعي ج أنه في أصل من أمره على معاني ما يخرج حكم الأصول فيه أنه طاهر، ما لم يثبت معناه جلالا لا يخلط مع النجاممة غيرها من الطهارة، فإذا ثبت ذلك فيه كان سؤره وخزقه وجميع ما خرج هن رطوباته ولحمه في معنى (1/150)
صفحة 151
واحد من النجاسة معي. وأما إذا صح أنه أكل شيئا من النجاسة، فهو خارج بمعنى الأنعام والدواب، ما لم يكن جلالة، وإذا ثبت فساد لحمها لمعنى ذلك كان في ذلك الحال فاسدا لحمها، وهو من العجائب، وهذا الطير عندي مثله ما لم يكن جلالا وما لحق من الطير الذي أصله يكون وحشيا اسم الاستئناس، حتى يكون مثل هذا الحمام بمثل هذا الطير الطاهر في الأصل فهو عندي مثل الحمام.
وأما الأجدل والعقاب وما خرج مخرجهما وشبههما، فمعي أنه يختلف في خزقهما وسؤرهما، فأحسب أن بعضا ذهب بذلك الجنس من الطير إلى أحكام هذا الطير الطاهر، لأنه ليس من النواشر، ولا من ذوات المخالب، وهو في معنى الطير الطاهر، لأنه ليس من النواشر فخزقه وسؤره طاهر.
ومعي أن بعضا يذهب به إلى معنى التشبيه للفأر، لأنه ليس من ذوات المناقير، بمنزلة الطير، وشبهه إلى الفأر وما أشبه الشيء فهو مثله، وسؤر الفأر و بعره -في بعض ما قيل فيه - أنه نجس، وفي بعض ما قيل إن ذلك كله طاهر، وليس مراعي العقاب والأجدل كمراعي الفأر ولا هو من الدواب التي تشبه الفأر.
ومعي أن كل شيء أصله طاهر، فالطهارة أولى به حتى تعلم نجاسته بمعاني هذا الطير كله ما لم يخرج في النواشر، فأحكامه طاهرة بمعنى الأنعام من الدواب والصيد من الوحشي مما يخرج على شبه الأنعام من الظباء والأوعال وما أشبه ذلك. (1/151)
صفحة 152
[صفحة بيضاء] (1/152)
صفحة 153
باب طهارة الدجاج والجعل وما يخرج منها وأحكام ذلك
خبط الدجاج مفسد، وأما سؤره فلا نرى به بأسا حتى يعلم على منقارها قذر، عند شربها من الماء وأكلها، وكذلك الجعل.
قال أبو الحواري: لم ير بعض الفقهاء بأسا بخزق ما يؤكل لحمه من الطير.
وقال محمد بن المسبح: وخزق الطير غير مفسد إلا النواشر منه، فإن خزقها مفسد، والدجاجة أخذوا فيها بالرخصة، والتنزه منها أحسن إذا كانت جلالة ترعى الأقذار.
قال غيره: في نسخة أبي سعيد، معاني قول أصحابنا معي يشبه الاتفاق على خزق الدجاج الأهلي بأنه مفسد، وعلى سؤرها لأنه طاهر حتى يعلم فيه نجاسة.
ومعاني قولهم إن كل شيء من الطير الذي يؤكل لحمه، فلا يفسد خزقه، والدجاج معنا من الطير الذي يؤكل لحمه فلا يفسد خزقه، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعي أنه يخرج معاني الاتفاق قولهم على ذلك من أجل أنها ترعى الأقذار والنجاسات، ولا أعلم أنها من النواشر التي تنشر الجيف، ولا تضاف إليها، وإنما هي من الرواعي، وقد ترعى الأنعام والدواب الطاهرة المواضع القذرة وتأكل القذر، وما لم تكن جلّالة فلا يفسد لحمها ولا روثها إذ هي (1/153)
صفحة 154
طاهرة في الأصل، وإن كانت الدجاجة جلاّلة فلا يجوز لحمها ما كانت في حال الجلاّلة، ولحمها نجس وسؤرها وجميع ما كان منها، وان كانت ليست بجلالة فلا يخرجها من سائر الأنعام الخالص أكل لحمها من سائر الطير الجائز أكل لحمه، مثلها في خزقها إلا دليل يوجب عليها دون غيرها، وإن كان من جهة الاسترابة فالاسترابة لا توجب تحويل الأحكام.
وأحسب أنه قد يوجد في بعض قولهم إن خزقها لا يفسد وأن فيه ترخيصا، ومعي أنه قد قال بعض أهل العلم فيها أنها لو حبست عن مراعي الأقذار كان خزقها طاهرا، و إذا ثبت هذا المعنى فيها أنه إنما فسد خزقها من جهة المرعى والاسترابة لها فيه، وكذلك قد يكون الشيء من الأنعام مسترابا برعيه الأقذار وأكل العذِرة، ويعرف بذلك على الدوام، إلا أنه لا يخلط معه غيره من الطهارات، فلا يتحول بذلك حكمه في روثه ولا سؤره حتى يكون جلاّلا لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارات، وكل شيء أصله من الطهارة، حتى تصح نجاسته ومن النجاسة حتى تصح طهارته، وما كان أصله نجسا فهو نجس على الأبد.
ولو أن شيئا من السباع مما أصله نجس خبثه نجس، حبس عن النشر وعن أكل الأنجاس، وأطعم ما تطعم الأنعام لا يخلط معها غيرها من الأسد والنمور وأشباه ذلك، لكان خبثها مفسدا على أصله.
وكذلك الخنزير ولو تغذى بالطهارات من المعيشة، لم يكن ذلك محولا لحكمه عن التحريم إلى التحليل ولا إلى طهارة خبثه.
والدجاج معنا مشبه للطير، وهو طير مجتمع على إجازة أكل لحمه وطهارته، فلا نحب أن نعدل حكمه عن سائر الطير الطاهر إلا بشاهد ودليل، وإن لحقه فساد خزقه من طريق الاسترابة، فعلى غير ما يشبه معانى الأصول في حكمه معنا، وما يشبهه من معاني الأصول إثباته في جملة الطير (1/154)
صفحة 155
الطاهر لحمه من الرواعي، ليس من النواشر ولا من النواهش ويلحق كلا اسمه وحكمه، وقولنا قول المسلمين، وإنما نراعي مذاهبهم ونرد مشاربهم وبالله التوفيق.
وينظر في هذا ولا يؤخذ من قولنا إلا بما وافق الحق والصواب.
وأما الجعلان وما أشبهها من الخنافس ومثلها مما لا دم فيه من الطائر أو الدواب، فإن معاني أحكامه خارجة على معاني الاتفاق على ما يشبه الشبه أن كل ذلك طاهر لا بأس بسؤره ولا بما مس، حيا ولا ميتا، ولو عرف بحمل النجاسات وأكلها، ولو لم يعرف بأكل غيرها، ولا موضع من المراعي سواها فإن ذلك لا يحول حكمه ولا ينقل اسمه ما لم تعاين فيه نجاسة بعينها في ظاهره، وهو طاهر في الحكم حتى يعلم نجاسته لشيء فيه قائم بعينه، ومعنى طهارته من النجاسة وزوالها عنه بأي وجه كان في معاني ما يخرج من حكمه في قول أصحابنا في الدواب الطاهرة.
كذلك ما كان من مثل هذا من الدواب مما أصله لا دم فيه ولا دم له، فهو بهذا المعنى ولو عرف بهذا السبيل من المرعى والأكل. (1/155)
صفحة 156
[صفحة بيضاء] (1/156)
صفحة 157
باب السباع من الدواب والنواهش من الطير
شدّد من شدد من المسلمين في سؤر الرخم والغراب. وبلغنا أن محمد بن محبوب لم ير بأسا به. وقال غيره: مكروه.
وأما السباع كلها غير الصيد فمفسد سؤرها، ومن مسها وهو رطب إلا الكلب المكلب، فإنه قيل: لا يفسد سؤره ولا ما مسه وهو رطب.
قال غيره: سؤر السباع ما سوى الكلب والقرد والخنزير، قيل: إنه يكره وليس بنجس وهو بمنزلة الرخم والغراب من الطير.
قال غيره: معي أنه يخرج في معاني أحكام الدواب كلها أنها خارجة على ثلاثة أصناف، ما سوى البشر فمنها محرم بكتاب اللهّ أو سنة رسوله أو بالإجماع، وذلك معنا الخنزير والقرد وجلد الكلب، فأما الخنزير فمحرم بكتاب الله، وأما القرد فمعنا أنه يشبه الخنزير ومساو له في بعض كتاب أحكام اللهّ.
ومعي أنه قيل: إن تحريم القرد ثبت من سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وجلد الكلب معنا أنه خارج بمعاني الاتفاق أنه رجس فيخرج معاني أحكام هذا الصنف من الدواب أنه مفسد سؤره ورجس وأعراقه، وجميع ما خرج منه من رطوبة من فم أو منخر، وأبواله وأخباثه. (1/157)
صفحة 158
فأما القرد والخنزير تحريمه كله، وأما الكلب فجميع ما خرج منه من رطوبة وسؤر، فمعنى نجاسة جلده وفساده في معاني الاتفاق، وأما بوله وخبثه فلمعنى ثبوته في جملة السباع من ذوات الناب منها، وأنه من السباع النواهش ويخرج في معاني الاتفاق أن جميع النواشر من السباع من ذوات الناب أنه مفسد بوله وخبثه ولا نعلم في ذلك اختلافا.
وما عدا هذا الصنف الذي قد مضى ذكره، وما أشبه من الخنزير والقرد والكلب من سائر السباع النواهش من ذوات الناب فيخرج معاني أحكام ما يكون منها من سؤر أو عرق أو رطوبة من فم أو أنف، وما كان من رطوبة ما سوى ما خرج منها، من بول أو خبث أو قيء أو دم على ثلاثة أحوال أو ثلاثة أقوال:
فحال منها أنها في جملة الطواهر في جميع هذا، أنها لمِ يثبت تحريمها، وهي حلال في الأصل لمعنى قول اللّه - تبارك وتعالى -: (قل لا أَِجد فِيمَا أُوحِي إِليَّ محرما عَلَى طَاعمِ يطعَمُهُ إلأَ أَن يَكُون مَيْتَةً أو دَماَ مَسْفوحًا أو لحم خِنزيرِ فإِنه رجسٌ أَو فسقاَ-أُهلَ لِغير اللَّهِ بهِ فمن اضطر غَيرَ بَاغ وَلَا عَاد فَإِن رًّبكَ غفور رَّحِيم) 1. وقوله تعالى: (إنَماَ حًّرمَ عليكم المَيتةَ وَالدمَ وَلَحمَ الِخنزير وما أهل لِغَير اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضطُر غير بَاغ وَلَا عَاد فِإنَ اللّهَ غَفور رحيم) 2. و إنما كان معنى تحريم هذا وتحليله في الدواب من المطاعم ليس لأنه لم يحرم الله إلا هذا من المحرمات، فقد حرم غير هذا من المناكح والربا، وغير ذلك من المحرمات، وإنما المعنى في تحريم هذا المستثنى من جميع الدواب والطير أنه محرم، وما سوى ذلك من اللحوم من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية إذا كانت مذبوحة ذكية بوجه من الوجوه، التي تصح (1/158)
صفحة 159
ذكاتها به، من نحر أو صيد أو ذبح، وكل ما كان أصله حلالا كان جميع ما كان فيه من ذاته طاهرا حتى يصح تحريمه ونجاسته، بوجه يخرجه من حال صحة الاستثناء عن المحرمات، والخروج منها.
فهذا معنى قول من قال معي: إن أسوار هذه الدواب من السباع وهذه النواشر من الطير من ذوات المخالب ومن ذوات الناب، أنها كسائر الدواب من الطاهرات إلا ما ثبت فيها لمعنى النشر والنهش للمحرمات من الميتة، ومثلها من أكل الدواب بغير ذكاة، وعرف بذلك فثبت فيها لمفارقتها للطواهر من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبهها، فساد أبوالها وخبثها، وما كسائر ذلك من معانيها فكسائر الطواهر من هذه الدواب.
ومعي أنه يلحق هذه السباع من الدواب والنواشر من الطير من معاني الريب للإدمان منها على أكل النجاسات، وإن كان لا يعدم أن يأكل شيئا من الطهارات، ولا يصح عليها معاني أكل النجاسات كلها وحدها، إلا أنه يكاد على أكثر الحال أن يكون أكلها من النجاسات، فلما لزمتها الريبة من هذا الوجه، ولو صح عليها معنى أكل النجاسة، لا يخلط معها غيرها للزمها حكم الجلّالة، والتحريمِ للحمها والرجس لجميع ما فيها من معانيهما من رطوباتها، وجميع ما مست أو مسها من رطوبات، وكل مستراب يلزمه حكم الإشكال، وكل مشكول موقوف حتى يعلم ما يخرجه عن حال الإشكال إلى طهارة لا شك فيها، أو نجاسة لا شك فيها، فيثبت له حكم ما يصح فيه، فلزم هذه الدواب وهذا الطير من هذين الصنفين من الدواب، والطير في هذه الحال حكم الإشكال، والوقوف والكراهية لأكل لحومها، وفي جميع رطوباتها على معاني الترك له، إلى ما هو أصح فيه في حال الطهارة والتحليل، من غير أن يحكم عليه بنجاسة ولا تحريم، فإذا لم يوجد الطاهر الحلال بعينه ووجد هذا المشكل في هذا الحال، والمحرمات النجاسات بعينها، كان هذا الموقوف أولى (1/159)
صفحة 160
من المحرمات وأطيب وأولَى أن تستعمل في معانيه دون المحرمات والنجاسات.
ومعي أنه يخرج بمعاني هذه الدواب من السباع والنواشر من الطير، معنى التحريم والنجاسة من وجهين:
من وجه أنها في أغلب أحوالها وأكثره أن أكلها النجاسة والحرام، وقد ثبت في بعض قول أهل العلم أنه لو أكل شيء من الأنعام شيئا من النجاسة قليلا أو كثيرا، كان لحمها نجسا حتى يحبس للطهارة عن ذلك، ولا يستقيم فِي المعاني أن يكون لحمها نجسا، وما فيها من الرطوبات طاهرا، ولا يستقيم إلا أن تكون كلها نجسة، إذا كان لحمها نجسا، إلى أن يستبرأ حالها من النجاسة إلى حال الطهارة، فإذا ثبت طهارة لحمها ثبت طهارة سؤرها حينئذ، وجميع ما كان من رطوباتها، وهذا في أكل نجاسة واحدة، فكيف من الأغلب من أكله النجاسات، ولا يكاد أن يأكل إلا نجاسة. فهذا من وجه.
ووجه ثان أنه قد جاء النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، فذهب من ذهب فيما قيل بهذا النهي إلى التحريم، وأنه حرام لنهي النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم عنه.
وذهب من ذهب فيما قيل إنه نهي أدب، وليس بتحريم، فإذا ثبت معاني التحريم فيها في ظاهر النهي، كانت كلها نجسة، وجميع ما كان فيها وما مست مثل القرد والخنزير.
ومعي أن بعضا من قال بهذا القول يفرّق بين أشياء من هذه السباع في التحريم، فلا نراه -حراما لمعاني ثبوت اسمه في الصيد، فإن الصيد لا يكون حراما، ومن ذلك الضبع والثعلب ولعله غير هذا، ولا أعلم مؤكدا في هذا القول فيما حضر ذكره إلا هذا. (1/160)
صفحة 161
ومعي أن بعضا يقول إن كله سواء لثبوت الرواية فيه في النهي عنه، ومعي أن عامة قول أصحابنا يخرج في هذه الدواب وهذا الطير إلى كراهيته من طريق الأدب، وإلى كراهية سؤره لمعنى الاسترابة، ولا أعلم أن أحدا منهم قال بطهارة خزقها ولا خبثها ولا شيء من ذلك منها، وأما سائر رطوباتها وأسوارها فيخرج على معاني الاختلاف من القول فيها وشبه معاني ذلك الكراهية في أكثر قول أصحابنا بلا تحريم لها ولا تنجس لسؤرها ولا رطوباتها، وإذا ذكيت بذبح أو صيد على معنى ما يجوز من ذلك من الصيد لكان لحمها مكروها كراهية الأدب، وكذلك عندي لحم الكلب صائدا وغير صائد، فهو مثلها في بعض ما قيل في اللحم، وأما نجاسة سؤره ورطوباته ما سوى لحمه إذا كان ذكيا فإنه معي أنه بمنزلة المحرمات في النجاسة، وأما المكلب من الكلاب الصائد فمعي أنه يختلف في نجاسته وقطعه للصلاة، ولا أعلم معنى يفرق بينهما، لأنه إنما جاء الأثر بفساد جلده، لا لمعنى أكله للنجاسة فيما قيل، لا على معنى دخوله في جملة السباع في حال ما ذكرت من القول.
1 - الآية 145 من سورة الأنعام.
2 - الآية 115 من سورة النحل. (1/161)
صفحة 162
[صفحة بيضاء] (1/162)
صفحة 163
باب طهارة السنور والفأرة ونحوهما
وقد اختلف في سؤر السنور والفأر، فبعض كرِهَه، وأحب ترك ذلك إلى غيره، وبعض لم ير به بأسا، وبما أخذ به من رأي الفقهاء فجائز، ويوجد عن أبي علي - رحمه اللّه - في سؤر السنور من الماء أنه أحب تركه، وأما من الضباع والطعام فأجازه.
ومن غيره وقال من قال: لا بأس بذلك كله ولا نقض على من مس المخطمة منه.
وقال من قال: إن من مس المخطمة، مخطمة السنور ينقض.
وعن محمد بن محبوب -رحمه اللهّ -في فأرة وقعت في خل وأخرجت حية، قال: إنها القذرة ولا أتقدم على تحريم.
وكذلك قيل عنه: إذا دخلت في الماء وخرجت حية ولعل سؤرها عندهم أشد.
وكذلك إذا قرضت الثوب فهو مثل سؤرها.
ومن غيره: كل ذلك لا بأس به.
قال محمد بن المسبح: لا بأس بسؤر الفأر ولا قرضه الثياب، وأما إذا ماتت في شيء أفسدته، إلا أن تموت في شيء جامد مثل سمن أو عسل أو غيره، فإنه يقلع ما مسه ولا بأس بالباقي.
وحفظ الثقة أن أبا عبدالله سئل عن فأرة وقعت في إناء أو في بئر، أنها (1/163)
صفحة 164
تفسد لموضع البول منها.
قال أبو الحواري: إن الذي نأخذ به إذا وقعت الفأرة في ماء أو في غيره وخرجت حية أن ذلك الشيء لا يفسد.
قال غيره: السنور والفأر معي من جملة الدواب الثابت لها الخروج بالاستثناء من جملة المحرمات، وفي جملة الطواهر بمنزلة سائر الدواب لما ذكرنا من تأكيد كتاب اللهّ -تبارك وتعالى في ذلك إلا ما عارض كل شيء من جميع المستثنيات من جميع الدواب، من معنى يلحقه تحريم أو شبه سبب يوجب ما يشبه حكم الكتاب أو السنة أو الإجماع، وإلا فجميع ما خرج عما سماه الله محرما من جميع الدواب من ذوات الأرواح البرية، من ذوات الدماء الأصلية، فحكمه حكم التحليل والطهارة في المحيا والممات إذا كان ذكيا.
وقد جاء في السِنور فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من متاع البيت "، ومتاع البيت لا يكون إلا طاهرا.
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروى أنه قال فيه: "إنه من الطوافين عليكم ومن الطوافات " يعني أنه من العيال، لمعنى قول الله - تبارك وتعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) 1.
فقد قال: طوّافون عليكم بعضكم على بعض، وقد ثبت في العيال في معاني الإجماع أن أولاد المسلمين على الطهارة حتى تعلم نجاستهم، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم في السنور، أنه كان يأتي إليه وهو يتطهر للوضوء للصلاة، إلا أنه يأتي (1/164)
صفحة 165
إليه وهو يتطهر من الإناء لم لعله يعترض الماء، فقيل إنه صلى الله عليه وسلم كان ميل إليه الإناء أي يحرفه إليه لينال الشرب شه ويصل إليه، فيشرب السنور من مائه صلى الله عليه وسلم ثم يتطهر من ذلك الماء، وهذا في السنور وهو الثابت في معاني جميع الدواب ما خلا المحرمات بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا يعلمه مما جاء فيه شيء منصوص، من أحد هذه الوجوه بتحريم. إلا أنا وجدناه مشبها للنواهش من السباع في معاتي الميتة من الفأر وغيره من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية التي حرام ميتتها وفاسدة، إذا لم تكن ذكية، أكله لها حية كأكله لها ميتة، وذلك نجس فاسد.
ووجدنا هذا منه شبه المعروف من عاداته بمعنى السباع، ولم نجد له من السباع مخرجا بهذا الوجه، لأن السباع وإن أكلت الميتة من كبارها وعرفت بذلك، فإن السنور معروف بأكل صغارها، وصغارها مثل كبارها، وبالإدمان على ذلك إذا وجدوها، و انما تتخذ في البيوت لها فهو معروف بذلك على شبه الإدمان، فقد ثبت بمعاني السباع ومشبه للسباع النواهش إلا أنه معروف أنه يخلط الطاهر مع النجس، والحلال مع الحرام، في أكثر عاداته وأحواله، وليس بمعروف أنه يعتلف ذلك وحده، بل صحيح أنه يخلط معه غيره، والسباع البرية أقرب إلى الاسترابة في أنها أقل ما تخلط من الطاهر في معيشتها، وإن خلطت فذلك غائب من حكمها، فهو وإن أشبه السباع في معنى النهش من أكل الميتة، فإنه لا يشبهها في معاني استرابتها لقلة الخلط للطاهرات مع النجاسات والسباع، وإن كانت مسترابة فما لم يقض عليها بالحكم لأنها لا تخلط مع الحرام شيئا من الحلال، ولا مع النجاسة شيئا من الطهارة، فإن أصلها الطهارة في جملة المستثنيات في الطهارات، ويلحقها من الاسترابة بهذا المعنى أكثر من غيرها من الدواب، وقد مضى ذكر السباع وثبوت الاختلاف وثبوت العلة في طهارتها من أي وجه تلحقها النجاسة على ما ذهب من ذهب فيها، ومن وجه لحقتها الكراهية.
وإذا ثبت معاني ذلك فيها لهذه العلل، لم يبعد معنا أن يلحق مثل ذلك (1/165)
صفحة 166
السنور، لما ثبت فيه وما يشبهها وما لحقها من معانيها، لأنه إذا لحق الشبه بمعنى فقليله مثل كثيره، وهو معنا أقرب منها لما قد ذكرنا فيه مما يخرج به منها من التعارف بأنه يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارة، بما يشهد له في أكثر أحواله وعاداته، ولا يشهد بمثل ذلك للسباع معنا، كما يشهد له في التعارف للسنور، فلهذا الحال خرج معنا من معنى السباع في جملتها، وكان أهون منها ما يلحقه معنى حكم الطهارة مثلها والنجاسة والكراهية، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ثبوت الأصل لها في الطهارة، مع مفارقتها للسباع بهذا الوجه أحببنا أن يكون في معنى الطهارة كلها إلا ما قد ثبتت نجاسته منها.
فسؤر السنور معنا ورطوباته وجميع ما خرج من فمه ومنخريه، وعرقه معنا بمعنى الطهارة فيما نحبه من أمره، وأما قيؤه وبوله وخبثه، فهو بمعنى السباع لثبوت ذلك فيها بمعاني الإجماع وشبهها لها في معاني ما يلحقها الحكم بإخراجها من معاني الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال والحمير وما أشبهها، أما مخطمة السنور فقد جاء فيها في بعض قول أصحابنا خاصة أنها نجسة وأن مسها ينقض الطهارة.
وأحسب أنهم يذهبون في ذلك إذ هي رطبة في عامة أحوالها، وأنها يلحقها الريب إذا تنجست أنها لا تزال نجسة لأنها لا تيبس ولا يفارقها معنى النجاسة إذا تنجست لموضع رطوبتها على الأبد، ومعنا أن مخطمة السنور كسائر بدنه وفمه، وكذلك لأنه يخرج من معاني قول أصحابنا لعله على معنى الاتفاقَ أنه إذا تنجس شيء من الدواب، أن طهارته تغيِّر حال النجاسة منه بأي وجه تغيرت، وأن طهارة أفواهها إذا تنجّست أن تغيب بقدر ما تأكل شيئا أو تشرب أو تأكل شيئا، أو تشرب شيئا في الحضرة، فإن طهارة أفواهها أن تأكل أو تشرب أو تغيب بقدر ما تأكل أو تشرب، ولا أعلم في معاني هذا بينهم اختلافا، فلو كانت النجاسة لا تطهر من الدواب حتى تطهر لم يكن شيء من (1/166)
صفحة 167
الدواب طاهرا، وإذا ثبت أن طهارة الدواب إذا تنجست زوال النجاسة منها كان في الاعتبار، لا يخرج معاني الدواب أن تخلو من المواضع الرطبة منها والمواضع اليابسة، وأن زوال النجاسة يأتي في الاعتبار في معاني حكمه مق المواضع الرطبة منها، كما يأتي على اليابسة لثبوت معنى الرطوبة أنها من ذوات الطهارة إلا من ذوات النجاسة، ولم يكن معنى الرطوبة في المخطمة من السنور من ذوات النجاسة، ولا من دوام النجاسة ولا من أسباب النجاسة.
وإنما ذلك من معنى الطهارة الأصلية من ذوات السنور، فزوال عين النجاسة من المخطمة ولو كانت رطبة هو طهارتها كما كان زوال عين النجاسة من الموضع اليابس من السنور هو طهارته، فلا فرق في ذلك ولا معنى يوجب لذلك إلا بدليل، وعلى معاني الحقيقة إن لم تكن المخطمة أقرب إلى الطهارة من سائر البدن لمعنى ثبوت الطهارة فيها على الأبد من ذوات السنور، وعلى معنى الطهارة من الدواب من الطهارات، قد ثبت أنه مضاهٍ للنجاسات من الريق والمخاط، في مخالطة الدم له لثبوت ذلك في بعض القول أنه يطهر النجاسات إذ هو ضرب من الطهارات يزيل معناه عين النجاسات، فكان معنى المخطمة من السنور لعلته معنى الطهارة فيها على الأبد، أولى أن يكون أطهر ما يكون من السنور وإن لم تكن هي، وسائر السنور سواء أقل ذلك، ولا نوهن قول أحد من المسلمين ولا نضعف، ولا نخطّىء في شيء من قوله ولا نعنّف، ومع ثبوت معنى فساد سؤره لمعاني ما يلحقه من الريب تثبت وتقويه لمعنى فساد مخطمه، لأنها رطوبة والرطوبة منه إذا فسد سؤره مفسدة، لأنه لا يكاد أن يجف من الرطوبة، فمعنى مسها بثبوت لمس الرطوبة، والرطوبة مفسدة للوضوء و للطهارات الرطبة مفسدة منها، واليابسة والنجاسة لا تفسد إلا الطهارة الرطبة، ولا ينقض وضوء المتوضىء إلا أن يمسهما برطوبة، ولا يستقيم أن يفسد سؤره، وينقض مس مخطمه بمعنى الرطوبة إلا وسائر رطوباته مفسدة، ولكنه لم يطلق في فساد وضوء المتوضىء مس (1/167)
صفحة 168
المخطمة، إلا لمعنى رطوباتها على الدوام.
وأنه كل ما مسها وهي رطبة، والنجاسة الرطبة تفسد الرطب واليابس، وتنقض وضوء المتوضىء كان رطبا أو يابسا، فلهذا المعنى معي وقع على مخطمة السنور، خصوصا نقض الوضوء من سائر السنور، إذ لا ينقض بالعموم مسه، إذ هو لا يحكم عليه في العموم برطوبة، فينقض على العموم، ولا يكون هذا على العموم في المخطمة إلا وهو كذلك في مخصوص في سائر بدن السنور، على معاني هذا القول، إلا أنه حتى يعلم رطوبته أو يكون المتوضىء رطبا بمقدار ما يرطبه برطوبته ويأخذ منه، وأما الفأر فلا تثبت عليه أحكام معاني النواهش من السباع على الأغلب من عاداته، ولكنه يلحق شبه السنور في معنى شبه خلقه، وتلحقه الاسترابة من طريق المراعي لا من طريق أكل المحرمات من الميتة وشبهها، وإن كان لا يتعرى من ذلك فإنه نجس الأغلب من حاله مثل السنور، وغير خارج من أحوال الريب من سوء المراعي للنجاسات وأكلها مما قد عرف به، فلم يخل من أشباه السنور لشبهه له في الخلق وشيء من الأخلاق من سوء المرض، ولم يخرج من حال الشبه لسائر الطاهرات من غير النواهش من السباع والطير، بخروجه من حال النواهش في العموم، والنواشر من السباع والطير، فلم يخل من شبه هذا ومن شبه هذا في تعلق القول فيه، فيلحقه أن يكون نجسا مفسد سؤره وبوله وبعره، هذا بالإضافة إلى أنه حرام لحمه، لمعنى شبهه لما يثبت فيه ذلك، ولا يخلو أن تلحقه الكراهية بغير تحريم، لما قد ذكرنا في جميع سؤره ورطوباته وبعره.
وقد قيل في بوله: إنه مثل بعره.
وقيل: إن بوله فاسد على حال، لأنه لا يكون أهون من الأنعام، وقد مضى معاني القول في الأنعام، ولا يخلو أن يلحقه معاني طهارة ذلك كله، وهو أشبه به معنا حتى تعلم نجاسته لثبوته في جملة الدواب الطاهرة، إلا بوله (1/168)
صفحة 169
وبعره، فإنه يلحقه معنى الاختلاف.
ويعجبنا معنى طهارة بعره لمعنى طهارة معنى روث الأنعام، ولما قد ثبت فيها إذ هي طاهرة في الأصل حتى تعلم نجاستها، وكذلك كل طاهر في الأصل من الدواب والطير لم يلحقه حكم معنى النواهش والنواشر، أعجبنا أن يكون مشبها للأنعام وغيرها من الدواب والطير، وان ذكي كان طاهرا، وأما جميع ما كان من الدواب الطاهرة في أبوالها وأرواثها من جميع ما يكون من الدواب والطير، وإن ذكي، كان نجسا بمنزلة الميتة، فإن ذلك مفسد معنا كل ماكان منه في المحيا والممات.
ومعي أن الذين يختلفون في بعر الفأر، منهم من يقول: إنه لا يفسد رطبه ولا يابسه، قليله ولا كثيره.
ومنهم من يقول: يفسد رطبه و يابسه، إذا كان مثل الطهارة من الطعام والدهن والماء، وما كان من الطهارات، ولا يفسد ما دون ذلك كان رطبا أو يابسا، ما لم يكن مثل الطهارة.
ومنهم من يقول: إنه لا يفسد رطبه ولا يابسه حتى يكون أكثر من الطهارة.
ويعجبنا ألا يفسد قليله ولا كثيره.
ومنهم من يقول: يفسد رطبه ويابسه إذا كان مثل الطهارة من الطعام والدهن والماء، أو ما كان من الطهارة، ولا يفسد ما دون ذلك، كان رطبا أو يابسا ما لم يكن مثل الطهارة.
ومنهم من يقول: يفسد عند أحكام الاختيار والمكنة في هذه الأحوال واختلاف الفساد فيها، ولا يفسد عند الضرورات، وإن تنزه متنزه وأخذ بشيء من ذلك في غير تخطئة لأحد، ممن قال بغيره من القول، فغير بعيد ما قيل كله، لمعاني ما قد مضى من القول فيه، وإذا ثبتت طهارته –أعني (1/169)
صفحة 170
الفأر- فكله طاهر من سؤره ورطوباته وقرضه الثوب، وجميع سؤره من جميع الأشياء من الرطوبات واليبوسات 2.
واذا فسد وقوعه في الماء والطهارة، إذا خرج حيا، ثبت أنه كله نجس وفسد سؤره، وان كان من طريق مجاري البول منه، فكذلك الأنعام فيها مجاري البول فيلحق ذلك معناها أنها إذا وقعت في شيء من الطهارة أفسدت لموضع البول.
ومعي أنه قد قيل ذلك في الشاة إذا وقعت في البئر التي يفسد ماؤها، أنه قد قيل إنها تفسدها لموضع مجاري البول فيها، وقيل: لا يفسدها حتى يعلم أنه كان فيها حين وقعت شيء من البول أو النجاسة قائم بعينه، فإذا ثبت هذا في الشاة فلعل الفأر مثلها، وأقرب إلى ذلك لموضع الاختلاف في سؤرها، ولأنه لا خلاف في سؤر الشاة، والاختلاف في بعر الفأر ولا اختلاف في بعر الشاة، والفأرة عندي أشبه بمعاني الفساد إذا وقعت في الماء أو في غيره من الرطوبات المائعة من الخل وغيره، مثل اللبن والسمن وأشباه ذلك، ولو خرجت حية بمعنى ذلك الذي يختلف فيه منها، ولا يختلف فيه من الشاة، و اذا ثبت في الشاة أنها تفسد البئر إذا وقعت فيها وخرجت حية لموضع معنى مجاري البول، فغير البئرمن الطهارات مثل البئر إذا وقعت فيها.
وأما ميتة السنور والفأر، فإن ذلك يخرج من معنى الاتفاق أن ذلك فاسد نجس حرام، لأنهما من ذوات البرية من ذوات الدماء الأصلية، وسواء ماتا فى الطاهرات أو ماتا ناحية ثم وقعا في الطهارة، فهما مفسدان بما مسّا من الطهارة، وهما ميتان أو ماتا فيه من الرطوبات المائعات.
وأما ما كان من جميع الطهارات الجامدة غير المائعة، فمات فيه شيء من الدواب المفسدة، أو ماتت ثم وقعت فيه وهي ميتة، فإنه إنما يفسد من (1/170)
صفحة 171
تلك الطهارة ما مس الميتة ولصق بها.
وأما ما لم يمس الميتة ويصل إلى بشرتها في مماستها، فلا يقع عليه حكم فساد كانت الطهارة أصلها من الجامدات، أو جمد بعد أن كان مائعا، فإذا كان جامدا جمودا لا يمنع، فيأخذ من بعضه بعض فإنه إنما يفسد من جميع ذلك ما مس الميتة، ولو خرج شيء من الطهارة على الميتة، إذا خرجت من الطهارة الجامدة قد احتملته الميتة، فإن ذلك معنا لا يفسد منه إلا ما مس نفس البشرة الميتة من الطهارة، وأما غيره فلا يفسد ولو احتمل على الميتة حين يخرج، ولو كان كلما خرج على الميتة مفسدا لموضع، إذ هو مما مس النجاسة التي قد تنجست نفس الميتة، لكان في الاعتبار يخرج أم جميع الطهارة التي وقعت فيها الميتة نجسة، لأنها مماسة لبعضها بعض متصلة ببعض، ولكن إنما يخرج في الاعتبار والنظر نجاسة، ما مس نفس الميتة فقط لا غير ذلك، خرج معها أو لم يخرج معها، و اذا أثبت نجاسة ما خرج معها لما لم يمسها لمعنى مماسته بعض ذلك البعض، ثبت فساد ذلك كله لمعنى المماسة، فافهم معنى ذلك.
وإذا ثبت ذلك في السمن الجامد والعسل الجامد، فمعي أنه قد جاء في معاني ما يشبه ذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفأرة تقع في السمن الجامد، وثبوت معاني هذا فيها أنه إنما يفسد من السمن الجامد، ما مس الفأرة الميتة.
وجاء مؤكدا في الأثر في العسل الجامد مثل السمن الجامد، ولعله شبيه به، و إذا لم يكن السمن والعسل مائعا، فمعنى أحكامه الجامدة، لأنه إما أن يكون جامدا وإما أن يكون مائعا، فإذا كان مائعا فسد كله، وإذا كان جامدا فإنما يفسد منه ما مس الميتة والنجاسة الحالة فيه، مما يشبه الميتة، أو ما يشبه ما لا يميع فيها ولا يخالطها بذاتها، فإنما يفسد من ذلك ما مس النجاسة.
ومعي أنه ما أشكل من ذلك في الاعتبار، مما لم يصح حكمه جامدا، أو مائعا، وقد مسته هذه النجاسة على معاني هذه الصفة، فأصله من (1/171)
صفحة 172
المائعات حتى يستحيل في معاني أحكامه إلى الجمود، فمعي أنه يخرج على معاني أصل أحكامه أنه مائع حتى يعلم أنه قد جمد، والنجاسة أشبه به في معاني أصل حكمه، ما لم يخرج إلى معاني يطمئن القلب إلى حال جموده، وأنه لا يمنع في بعضه بعض، وإذا كان أصله من الجامدات، فأصل أحكامه أولى به حتى يصح أنه مائع، وأنه ماع أو صار إلى حد المائع، واللبن عندي مثل السمن وأصله مائع، فإذا صار إلى حد الجمود، وما صار منه إلى ذلك الحد، وأشبه السمن في جموده كان مثله ولحقه حكمه.
وكذلك جميع ما لحقه حكمه ولو كان من الماء الجامد في البرودة، فكان ذلك حكمه واحد ومعناه واحد، لمعنى تساويه وتشابهه، وكذلك ما كان من الأطعمة والطهارة الرطبة الجامدة من التمر المكنوز والمعجون والطحين المعجون، إذا كان عجينا جامدا ليس بمائع.
وكذلك ما كان من الأطعمة الجامدة الرطبة من الحلوى، وغير ذلك من الأرز المطبوخ الجامد الرطب، وما أشبهه من الأطعمة المعمولات بالنار من الحلاوات وغيرها.
وكذلك الثريد وكل ما كان من هذه الأسباب، وإن اختلفت أنواعها، فإذا استوت معانيها في الجمود فحكمها في هذا المعنى سواء، وما كان أصله من جميع ذلك جامدا في الاعتبار، وإنما هو مستحيل إلى حال المائع من جميع ما ذكرنا، واشتبه معناه ولم يصح ميَعانه في حكم نظر الاعتبار له ممن يبصر ذلك، فأصله أولى به حتى يعلم أنه مائع، إلا أن تغلب الشبهة والارتياب عليه بميَعَانِه، فالأغلب من الأمرين أوْلَى في حكم الاحتياط، والخروج من الريب والشبهة، وإن وقعت الميتة في شيء من هذا كله وهو واحد، فيه شيء جامد وفيه شيء مائع متماس كله، فإن وقعت في الجامد منه فالقول واحد، وإنما يفسد ما مس الميتة من ذلك وما بقي من الجامد، والمائع الذي يمس الجامد ولا يميع فيه، ولا يمسه طاهر جميع ذلك معنا في الاعتبار، ولو كان كله في إناء واحد أو في موضع واحد، ما لم يمس المائع منه الميتة، أو ما مس الميتة بعينه مما يقع عليه (1/172)
صفحة 173
حكم النجاسة من الجامد، ويصير ما مسته النجاسة من الجامد بحد المائع لمماسته المائع.
وإذا ثبت حكم المائع نجسا فهو فاسد، ولو جمد بعد ذلك بمعنى من المعاني فيما قيل، ما لم يستحل حكمه إلى الطهارة بمعنى من المعاني، ومعاني ذكر ذلك يتسع ويطول، ولعله يأتي في موضع من المواضع نجس، ذكر ذلك بذكر معاني طهارته، إذا تنجس كل شيء بعينه.
1 - الآية 58 من سورة النور
2 - الذي يراه الإمام السالمي (وغيره) أن الفار من الفواسق المطلوب قتلها، لأنه غير طاهر كله ولا سؤره ولا رطوباته فيها طهارة. (1/173)
صفحة 174
[صفحة بيضاء] (1/174)
صفحة 175
باب الحيات والأماحي والخنازير وما أشبه ذلك
الحيات والأماحي والخنازير مفسد سؤرها وما ماتت فيه، وكذلك خبثها مثل خبث الفأرة مفسد.
وقال من قال من الفقهاء: لا بأس ببعر الفأر اليابس إذا طبخ مع الأرز وغيره!!
وحفظ لنا الثقة أنه إذا كان بعر الفأر والدهن بحيث يكون البعر نحو النصف من ذلك، وبكون الدهن النصف فإنه لا يفسد.
قال غيره: الحيات والأماحي، وما أشبه ذلك مما هو مثله، من الخنازير، وما أشبه ذلك من جميع الدواب، وان اختلفت أسماء ذلك في لغات الناس، فهي متفقه في شيء واحد.
وكذلك لو اختلفت أجناس ذلك من الدواب مما هو مثله، مما لم يثبت في جملة التحريم في كتاب الله أو سنة أو إجماع، فهو خارج من جملة الدواب المحللات الطاهرات، إلا ما لحقه من ذلك منها حكم الاسترابة، تؤديه إلى نجاسة وكراهية، فلكل شيء من ذلك حكمه، وخارج ذلك عليه لمعناه إذا ذكر فيه، مما يجب فيه من حكمه ومعنى اسمه:
فأما الحيات والأماحي وما أشبه ذلك، فإن ذلك يخرج عندي في التشبه لمعاني الدواب النواهش المحرمات، من الميتة وأشباه ذلك، لمعنى السباع الخارجة معنى السباع في معاني ما يعرف معنا، من الأغلب من أمرها أنها (1/175)
صفحة 176
سبُع، وأنها تنهش، وهي خارجة معنا في هذا الوجه بمعنى حكم السباع، ويلحقها معنى السباع في هذا الوجه، إلا أنها تخرج في حال هذا المعنى معنا عن شبه السباع، في ثبوت معانيها، أنها من ذوات الماء، أي مما تعيش في الماء، وليست السباع من ذوات الماء ولا مما يعيش في الماء، فمعى أنه يخرج ويلحق حكم معاني هذه الأشياء، ولاشتباهها بها.
فعلى قول من يقول بنجاسة سؤرها وفساد رطوباتها، ويلحق هذا الجنس من الدواب ما يلحقها لشبهها لها.
وكذلك معاني بعرها على هذا المثل يشبه خبث السباع، وأما بمخالفة هذه الأجناس من الحيات والأماحي وأشباهها فإنها مخالفة للسباع، فمعناها أنها تعيش في الماء، وأنها من ذوات الماء، وأنها تعيش في البر وفي الماء، وليس كذلك السباع، في ثيء من معانيها، لأنه لما كان القصد من الطهارة في الأصل إِزالة الأنجاس، ولما أن ثبت هذا لهذه الدواب لم يلحقها جميع الشبه، في جميع معانيها للسباع في أشياء من أحكامها.
فكذلك عندي فيما أحسب قيل إن بعر هذه الدواب وأبوالها لا يبعد بمعنى سائر الدواب الطاهرة في معنى شبه أرواثها وأبعارها، ولمعنى شبه ذوات الماء في أبوالها على معاني ذلك فيها.
ومعي أنه لما كان الماء الذي غيرت النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه أو أكثر أوصافه فإن ذلك يخرجه عن طهارته، فيخرج عندي في هذا أنه تفسد أبوالها ولا تفسد أبعارها، ويخرج أنه يفسد كل ذلك منها من أبوالها وأبعارها ولا يفسد أسئارها، وأنها تكون طاهرة الأسئار في قول من يقول بذلك، من السباع من الدواب والنواشر من الطير.
ويخرج في بعض معاني القول إنه يفسد بعرها وبولها وسؤرها، وهو أولى (1/176)
صفحة 177
الأقوال عندي لموضع الاسترابة من كل ما تتعامل به من بقاياها.
ويخرج في بعض معاني القول أنه يفسد أبوالها وأبعارها ويخرج سائر رطوباتها وأسوارها بمعنى الكراهية عن الطهارة دون النجاسة لمعنى الاسترابة.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قيل أنه لو مات مثل هذا في الماء لم يفسده إذ هو يعيش في الماء وفي البئر جميعا بحسب ما قيل في الضفادع، إذ هي تعيش في البئر والماء جميعا، ويعضد ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: إنه يُسْتَقَى من بئر بضاعة وهي لئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحائض وعذرة الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ينجسه شيء "1، فحمل شراح الحديث ذلك على الإجزاء، كما هو ظاهر الحديث وعلى أن النجاسة هنا وقعت في الماء الكثير، من باب اعتبار أن النجاسة اليسيرة غير مؤثرة في الماء الكثير، إذا كان يتوهم عدم سريان النجاسة في جميع أجزائه.
فيختلف عندي في ميتة هذه الأنواع في الماء، وأما في سائر الطهارات فإن ميتتها في مثل هذا كله من الضفادع والحيات والأماحي وما أشبه ذلك مما هو مثله، فمفسد جميع ذلك جميع الطهارات مثله، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
والفيصل عندي في هذا تبعية السؤر للحم في أحكامه، مع الاحتراز بالنسبة للحيوان الذي لا يتوقى النجس كالجلالات، وكذلك فإن موت الحيوان بدون ذكاة سبب لنجاسته شرعا.
وعندنا نجاسة أسئار الكلاب وبشرتها، وكراهية لحوم السباع وأسئارها مطلقا، وكل ما سوى الحيات والأماحي وما أشبه ذلك من الخنازير والغيلم وأشباه ذلك من الدواب، فإن ذلك كله معناه خارج بمعنى الطهارات من الدواب في جملة ماء هو خارج من المستثنى في الطهارات، إلا ما لحقه من ذلك (1/177)
صفحة 178
الاسترابة لوجه من الوجوه من طريق المرعى والنهش لشيء من الميتة والحرام.
وعندنا أن ميتة غير ذوات الدم طاهرة في الأصل، ومثلها ميتة الدواب البحرية، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بمقل الذباب إذا وقع في الطعام، فهو يدل على طهارة الذباب وذلك لأنه ليس بذي دم.
كما أنه لا نعلم خلافا على أن دم الحيوان البري نجس، ولكن الخلاف ورد في دم السمك، والدم القليل من غير البحري من الحيوانات، ومذهبنا أن دم السمك طاهر، وقاعدتنا أن الدم الخارج من مكانه من ذلك الحيوان نجس، وأحسب أن هذه الأشياء لا يلحقها معنى أشباه الحيات والأماحي من طريق أكل الدواب الميتة، ولا مما يشبهها، وإنما يلحقها الاسترابة من طريق المراعي عندنا، وشبه ذلك وكل ذلك مستراب، ولا يبعد من معاني ما يلحقه من أحكام الاسترابة من النجاسات.
ومعي أن كل ما يخرج من دُبر أو قُبل من فضلة أو رطوبة أو حيوان أو طعام أو ماء دخل الجوف فخرج ولم يتغير بصفة عن حاله، وكل ما خرج من خيشوم أو حلق فوجد طعمه كالقلس والقيء والرجيع والقيح، وكل جسم غريب وصل الجوف ثم خرج، سواء كان من أعلى أو أسفل فهو نجس، ويخرج من معاني بعض القول أشباه ذلك كله بمعنى الحيات والأماحي في جميع ما مضى من القول من فساد أسئارها وأبعارها وأبوالها ولحومها، وجميع رطوباتها، الجميع لمعنى ما ذكرنا من الاسترابة وأشباهها لبعضها بعض، لمعاني النجاسات وإن اختلفت النجاسات فمعانيها واحد.
ومعي أنه اختلف أهل العدل من المسلمين في كل دم مجتلب في ذات روح من دابة أو طائر من البريات: فقال من قال: إن كل دم مجتلب ليس بأصل في ذات ذوات الروح من (1/178)
صفحة 179
الدواب، والطير من البريات فهو طاهر، لأنه معهم بمنزلة الدم الميت المتحول عن حاله إلى حال غيره، ولو كان في أصله فاسدا، فقد تحول عن أصله إلى غيره باحتماله في ذات غيره مما لا دم فيه.
وقال من قال: إن ذلك الدم فاسد، لأنه دم بعينه وحيثما تحول فهو دم فاسد، وكل ذلك جائز.
والقول الأول أوسع، والقول الآخر أحوط.
ويوجد في ذلك قول ثالث: إنه لا يفسد به عند الضرورة إليه، ويفسد به عند السعة بغيره وإلى غيره، وهذا قول حسن، والله أعلم.
ومعي أنه قيل: تفسد أبوال هذه الدواب وأبعارها، ويخرج في جميعها من معاني الاختلاف ما يخرج في الحيات والأماحي وأشباه ذلك، إلا أنه لا أعلم اختلافا أن ميتة هذا من الدواب مفسد لكل ما مست من الماء وغيره، ولا يلحقها معاني الاختلاف في حكم ميتتها خاصة، إلا أنها تفسد جميع ما مست من ماء وغيره، وسائر ذلك من أحكامها، فيلحق القول فيها ما يلحق القول في الحيات و الأماحي.
وقد مضى عندي معنى القول في ذلك، وذكر ما خص من الاختلاف في معاني ذلك.
ومعي أن بعضا يذهب في فساد مثل هذا كله، ففي معنى المكنة والاختيار والتوسع فيه عند معاني ما يشبه الاضطرار وما خرج في حال المكنة وحال الاختيار فهو مشبه له في بعض معانيه بمعنى الاضطرار.
ويجمع على نجاسة تلك الدواب، وقد قال من قال: إنه أحل لأهل المدر من ذلك أشياء محرمة على غيرهم ممن ليس لحالتهم حق الرخصة، والرخص لا يقاس عليها.
والذي عندنا أن مسائل الاجتهاد لا يقطع فيها العذر ما لم يقطع المجتهد (1/179)
صفحة 180
على أسبابها، فالأسماء المشتركة بين الحيوانات البرية والبحرية قد ورد الشرع بتحريمها عموما، ولكن ورود اسم الخنزير مطلقا إنما يقع على البري إلا إذا وردت قرينة تدل على غيره.
والذي يعيش في البر والبحر إن مات في الماء لم يفسده وإن مات في الطعام أفسده كالضفادع وغيرها.
وقد اختلفوا في جلود ميتة هذه الدواب، فمن كانت عنده محرمة فلما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم جلود السباع، والله أعلم.
1 - أخرجه أبو داود (1/180)
صفحة 181
باب العقارب والدبى والضفادع
العقاوب والدباب والذباب، وكل دابة لا دم لها فلا تفسد حية ولا ميتة.
أما الذباب وسائر الحيوان الذي لا دم فيه فعندهم أنها طاهرة وأن الدليل على طهارتها، ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمغلوه ثم أخرجوه " وفي رواية: "فامغلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء"1. وأنه يقدم الداء ويؤخرالشفاء وعلة ذلك أنه لا دم فيه.
وعلى هذا كل ما لا نفس سائلة له مثل العقرب والزنبور والجعل والعنكبوت وما أشبه.
وفي قول من يقول بنجاسة ميتة الحيوان الذي لا دم فيه يرى أن الحديث فيه تخصيص في الذباب خاصة.
والذي عندنا أن ما شابه المحرمة من الهوام مثل الحيات والأماحي وما أشبهها لأنها تاكل اللحم وتعدو كالسباع، وما شابه الحلال فهو منه مثل الحشرات التي تستخبثها النفوس، وموضع الشبه إنما هو في الأكثر في ماكلها، والدليل على ذلك القول قوله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث"2.
وعندنا أن الحرام ما حرمه الشرع وليس بالنظر إلى استقذاره، وقد قالوا في الضفادع قولان، وفضلاته ما دام في الماء طاهرة، ويستحيل في حكم الضفادع البرية، قيل: إذا فارق الماء، وعندي أن الضفادع مفسد بعرها وبولها إذا جاءت من البر، وأما إذا جاءت من الماء فلا يفسد بولها ولا يفسد (1/181)
صفحة 182
ما ماتت فيه من الماء، لأنها من ذوات الماء.
وأما إن ماتت في طعام أفسدته، وأما إن ماتَ في البر ثم وقعت في طوي أو في وعاء فمه ماء وهي ميتة، قال محمد بن المسبح: لا تفسد إلا أن تكون جاءت من الأقذار، وان ماتت في خل فإنها لا تفسد، لأنها ليست من ذوات الخل.
قال غيره: وأما العقارب والدبى وكل ما لا دم فيه في الأصل ولا دم فيه مجتلب من جميع الطائر والدواب، على تفصيل في ذلك، فإن ذوات المخالب من الطير فهي سباع الطير شبهوها بسباع الوحش لأنها تصطاد وتعقر وتاكل اللحم، وربما كان منها ما له ظفر ولا مخلب له كظفر الغراب والرخمة.
فإن قيل: إنها لا تدخل في التحريم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ذوات المخالب.
قيل له: لم يكن التحريم بسبب المخلب ولا بسبب الناب و إنما هو علامة تميز بها سباع الطير، كما جعل الناب علامة تميز بها سباع الوحوش.
إنما قصد التحريم بسبب أنها تصطاد وتعقر وتاكل اللحم لم وإن لم تكن ذوات مخالب.
والرخمة أقذر الطير طُعمة، لأنها تاكل العذِرَة وتقع على الجيف كالغربان، والدجاج لا يقاس على الرخمة لأنه في الأغلب الأعم يطعم الحب وانما يقضَى بالأغلب، وذلك مثل العصفور فإنه أيضا يشبه سباع الطير باعتباره يلقَم فراخه ولا يزق وياكل اللحم ويصيد الجراد، ومع ذلك فالأغلب عليه لقط الحبوب.
وكذلك الدواب يخرج في معاني أحكام الاتفاق وما يشبه السنة أنه طاهر حيا وميتا، ولا يفسد منه شيء لما يثبت من السنة في ذلك أنه مشبه للجراد، ولما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحل ميتة الجراد.
وإنما هو شيء من الطير من ذوات البر، لا من ذوات الماء، ولا يستقيم في معاني ما يصح في أحكام الإسلام أن يكون طاهرا ميتا يلحقه شيء من النجاسة في الحياة، من سؤر أو (1/182)
صفحة 183
بول أو بعر، أو شيء من الأشياء مما خرج منه، ويشبه معاني الاتفاق من القول وما أشبه السنة أن كل شيء من ذوات الأرواح البرية من الطيور البرية والدواب من غير ذوات الدماء الأصلية لم تكن مجتلبة بشيء.
وعندنا أن نجاسة سؤر الكلب وبشرته ولكن كراهية لحمه، وكره أيضا لحوم السباع وأسئارها قوم منا إلا الضبع والثعلب فهما حلال اللحم مكروه سؤرهما.
وذهب آخرون إلى نجاسة أسئارها مطلقا، وقد حملوا حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي رواه ابنه عبدالله عن أبيه وفيه أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع، فقال: "لها ما ولغت في بطونها ولكم ما غَبَرَ"، وقد حملوا ذلك على أن هذا العفو إنما كان للجهل بنجاسة الحياض دفعا للمشقة، ولكن هذا ليس دليلا على طهارة أسئارها مطلقا، لترتب العفو على دفع المشقة، كما عفي عن سؤر الهرة باعتبارها من الطَّوافات في المنازل، ولذلك يعسر الاحتراز عنها غالبا.
وقد قيد بعض حديث عمر-رضي الله عنه – بما فوق القلتين.
وقد اختلفوا في ميتة غير ذوات الدم:
فقال قوم بطهارتها، وهو عندنا الأرجح، لأن التحريم في قوله تعالى: إنما حرمت عليكم الميتة .. " من باب العام أريد به الخاص فاستثنى البعض ميتة البحر.
وعندي أن جيع هذه الأشياء من ذوات الأرواح البرية من الطيور البرية والدواب من غير ذوات الدماء الأصلية، أنها طاهرة في الممات والحياة، وأن جميع ما خرج منها فهو تبع لها من فم أو دبر من بول أو بعر أو ما أشبه ذلك، ولا يثبت ولا يستقيم في هذا النوع من ذوات الأرواح معنا معنى (1/183)
صفحة 184
الاختلاف.
وأما ما كان من جميع ذلك مما ليس له أصل دم من جميع الدواب والطير، فاجتلبت دما فكان فيها دم مجتلب، فيخرج في معاني ذلك منه الاختلاف.
والقول عندي أنه في بعض القول أنه ميتة، وأحكامه بمنزلة سائر الدواب من ذوات الدماء الأصلية.
وإذا ثبت معاني ذلك فيه أفسد ما خرج من ذرقه، لأنه -مشبه لمثل ما قيل فيه من الدواب لا على معاني الاختلاف فيه.
وكذلك إن ثبت لشيء من ذلك بول أشبه فيه معاني الاختلاف في بوله، على قول من يقول بذلك في الدواب، مما يخرج هذا على شبهه، والأبوال أقرب إلى معاني التشديد من جميع الدواب البرية، من ذوات الدماء الأصلية، لثبوت فساد بول الأنعام في قول أصحابنا.
وعندنا نجاسة أبوال الأنعام مطلقا إلا ما يعيش منها في الماء، وأما إباحته صلى الله عليه وسلم للعرنيين بشرب أبوال الابل وألبانها، فذلك لأجل الضرورة3، ذلك لأن أهل المضرة يحل لهم أشياء محرمة على غيرهم ممن ليس في مثل حالتهم، رخصة من الله سبحانه وتعالى.
وعند بعض علمائنا - رحمهم الله - أن أرواث الأنعام كلها طاهرة، ودليلهم ما روي من أن الجن اشتكوا إلى وسول الله، قلة زادهم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "كل عظم ذكر اسم الله عليه فهو لحم غريض، وكل روث هو علف لدوابكم "، فقالوا: إن بني ادم ينجسونه علينا. عند ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث.
وقد اختلفوا في الأرواث بسبب نظرتهم لتبعيتها للحومها، فما كان من (1/184)
صفحة 185
الحيوان لحومه مباحة فأرواثه طاهرة، وما كانت لحومه محرمة فارواثه نجسة محرمة، وما كانت لحومه مكروهة فأرواثه مكروهة، وقال بعضهم: إن أرواثها تابعة لمآكلها، فما كان من الحيوان يأكل اللحم والجيف والأنجاس، فارواثه منجوسة، كالسباع والجلالة من البهائم والدجاج، وما كان من الحيوان يأكل العشب ويلقط الحب فزرقه طاهر. وقلد مضى القول بان الأبوال نجسة مطلقا عندنا.
وقد مضى ذكر تكرير مثل هذا في معانى ما ذكرنا من ذلك، وإذا ثبت فساد ميتة مثل هذا لم يتعر أن يلحقه سائر أحكام الدواب التي تفسد ميتتها من جميع ذلك، لأنه يلحقه الاسترابة من طريق معيشته من الدم النجس فيما يتعارف من أمره في هذا، فهو ما يشبه المسترابات في معاني ذلك.
وهذا يلحق حكمه والأشباه منه وفيه جميع ذوات الأرواح من الدواب والطير ومن البراغيث والقردان والحلم وأشباه ذلك والذباب والبعوض والكتك، وأشباه ذلك كله، مما يخرج حكمه أنه مجتلب للدماء ويخرج فيه حكم ذلك.
وعندنا أن دم البرغوث والحلمة والقردان والقمل، أصح الأقوال نجاسة ذلك كله، ورأى البعض طهارته خاصة ما يتصل منه بالبدن أو الثوب من القمل، أو ما لا يتحرز عنه البق والبرغوث في موضعهما دفعا للحرج، وما جعل الله في الدين من حرج، وقد مضى القول أن كل دم مجتلب في كل ذات روح من دابة أو طائر من البريات، وليس باصل في ذات ذوات الروح فهو طاهر، لأنه بمنزلة الدم المتحول عن حاله إلى حال غيره، ولو كان في أصله فاسدا، فقد تحول عن أصله إلى غيره باحتماله في ذات غيره مما لادم فيه. وهذا القول أوسع لأن فيه رفع الحرج. (1/185)
صفحة 186
وأما ما لا يلحق فيه حكم معاني ذلك من اختلاف الدماء من الدواب والطير مما لا دم فيه، فذلك ثابت معان أحكامه أنه طاهر في المحيا والممات، وجميع ما خرج منه وجميع أسبابه.
1 - رواه البخاري وأحمد.
2 - جزء الآية 157 من سورة الأعراف.
3 - متفق عليه (1/186)
صفحة 187
[صفحة بيضاء]
باب الضفادع ونحوها
وأما الضفادع فإنه يخرج معاني أحكامها عندي أنها من ذوات الأرواح والدماء الأصلية، وتلحقها أحكام الدواب البرية في عامة أحكامها.
وقد مضى القول بان بعر الضفادع وفضلاتها ما دامت في الماء طاهرة، وقد يشبه فيها معاني أحكام الدواب المائية، فاما سؤرها فلا أعلم فيه قولا بالكراهية، لأنها خارجة عندي في حال الاسترابة إذا جاء من البر، لأنها في البر يلحقها معاني الاسترابة من مراعي الأقذار، فإذا جاءت من البر لا يبعد أن تكونن طعمت شيئا فيه خبث ونجاسة فيلحقها حكمه، وعندئذ تكون معاني أحكامها أن يلحقها تبعا لذلك فساد سؤرها ورطوباتها وكراهيته، على معاني الاختلاف في غيرها من الدواب البرية المسترابة كاكلة اللحوم من السباع، وأكلة الجيف من سباع الطير ذات المخالب أو ذوات المخارط أو من الدواجن الجلالة، وإذا لحق الضفادع وغيرها من ذوات الأرواح والدماء الأصلية، معاني ذلك لم يبعد أن يلحقها معاني الاختلاف في لحمها وجميع رطوباتها لمعنى الاشتباه لها في سائر الدواب في معنى الاسترابة.
وأما أبوالها فيختلف الأمر إذا كانت في الماء أو جاءت من الماء، فعندي أنها إذا جاءت من الماء أو في معاني ما يقرب من الماء فإن ذلك يخرج عندي فيها، ما لم تصر في الماء بحد ما يلحقها معاني الاسترابة في المرعى، لأنها من ذوات الماء، فإذا كانت في الماء أو في قرب الماء أو من الماء بنحو ما لا يلحقها ذلك من الموضع التي هي فيه حكم الاسترابة، ينقلها عن أحكام طهارتها بحكم الماء فيعجبني أن يحكم لها على هذه الصفة في أحكامها (1/187)
صفحة 188
المائية، كان مجيؤها من الماء إلى البر، أو من البر إلى الماء ما لم يلحقها حكم الاسترابة بما يعلم، أو بما يغلب من الشبهة لذلك.
فإذا ثبت لها معاني حكم ذلك على هذه الصفة، فقد قيل في بولها في هذه المنزلة من منازلها باختلاف:
فقيل: إنه مفسد.
وقيل: إنه ليس مفسدا.
ومعي أنه يلحقها معاني الاختلاف بمنزلة سائر الدواب في أبوالها، وان لم تكن أقرب في ذلك من غيرها فليست بأبعد.
وإذا ثبت معاني طهارة بول الحية والأماحي وغير ذلك من أشباهها، فالضفدع عندي أقرب أن يلحقها حكم طهارة بولها من أي وجه جاءت، وكانت فيه بمعنى الاختلاف.
فمن قال: فضلات الضفدع وابواله طاهرة ما دام في الماء، بنى قوله على أنه من الدواب البرية.
ومن قال: إنه يستحيل في حكم الضفدع البري إذا فارق الماء بثلاث قفزات.
ومعي أنه قد قيل في بعر الضفدع إنه مفسد على حال.
وقيل: إنه ليس بمفسد على حال من أي موضع كانت، ومن أي موضع جاءت.
ومعي أنه قيل: ليس بنجس إلا أن تاتي من مواضع الأقذار، ويعرف منها ذلك. (1/188)
صفحة 189
ويخرج عندي أنه يلحق ذلك بولها، وأنه قد قيل ذلك أنها إذا جاءت من الأقذار فهو مفسد، ولا يفسد ما لم يكن كذلك، ويلحق ذلك معاني ما وصفنا من حالها وشبه ذلك لمعنى أنها من ذوات الماء، وكما قد مضى من الأحكام أن ذوات الماء طواهر، وكذلك كل ما جاء منها طاهر، إلا ما ثبت حكمه محرما بكتاب أو سنة منصوص عليه أو بإجماع، ومثل ذلك ما ورد من أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنى زادهم، فلماانتهوا إلى البحر فوجدوا حوتا فاكلوا منه.
والدليل عندنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحل لكم ميتتان ودمان، فالميتتان الجراد والسمك والدمان الطحال والكبد"، وكذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته ".
وعندنا أنها على حالها مالم تنتقل عن حال الطهارة بمعنى حكم أو استرابة، أي أنها على حال الطهارة وعلى أصل الطهارة، فإذا ثبت أنها قد انتقلت عن حال الطهارة إلى ثبوت حكم الأقذار عليها والاسترابة بذلك، لحقها حكم ذلك حتى تتحول وتنتقل إلى الماء، ويرجع حكمها حكم المائية.
ومعي أنه بين الضفادع وبين الحيات والأماحي وما أشبه ذلك في هذا فرق لأن الضفادع إنما هي من ذوات الماء، وقد مضى القول أن لها أحكامها التي تختلف فيها عن الدواب البرية، وأن حكمها والمتعارف من أمرها أنها تحيا ويكون معنى ابتداء حياتها في الماء، وأنها تعيش في الماء، وأنها لا تعيش فيْ حين ذلك إلا بالماء، فمتى فارقت الماء هلكت في المتعارف وفي حكم القضاء عليها وفي أصلها من ذوات الماء الأصلية.
فيخرج عندي في حكم القضاء لها وعليها أنها ما دامت بهذه الحال، بمنزلة صد الماء، وأنها لا تعيش قي البر بحال، لأنها على هذا النظر لا تفسد (1/189)
صفحة 190
مادامت بتلك الحال ميتة ولا حية، ولا يفسد بولها ولا جميع ما كان منها من بعر ودمها بمنزلة دم صد الماء، وتفسد ميتتها للماء ولا في غيره في معاني حكم النظر بالاعتبار لأمرها بصحة الحكم فيها أنها من ذوات الماء بغير اختلاف.
فإذا انتقلت إلى حال ما تعيش في البر والماء، لحقها حكم الاختلاف عندي بما يلحق ذوات البر وذوات الماء، في كل أمورها في ميتتها وفي دمها، واذا ثبت لها حكم ذوات البر والمعيشة في البر، من غير أن تلحقها استرابة في سوء المرعى، بما يصح لها ذلك والخروج من ذلك بما لا شك فيه، من أنها لاتبلغ في حالها إلى مثل الاسترابة.
وأعجبني في هذا الحال منها أن لا يفسد بعرها بمعنى الاجماع في أبعار الأنعام وأرواثها أنها طاهرة، وأن دليل الطهارة هنا هو أن رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم جعلها للجن علفا لدوابهم، إذ لو لم تكن طاهرة ما سمح لهم بذلك.
وأعجبني ثبوت الاختلاف في أبوالها. فبعض يرى أن أبوال الأنعام تبعا لحرمتها، فسباع الحيوان والطير حرام، وغيرها يختلف.
وبعض يرى أن أبوال الأنعام نجس قياسا على بول الادمي، وكان أحب ذلك إليّ أن لا تفسد أبوالها، بمعنى أنها لم تنتقل من ذات الماء بحكم ريبة، وأنها لا تشبه في ذلك بقية الأنعام في حكم أبوالها، لأن الأنعام من ذوات الدماء الأصلية الفاسدة ومعيشتها من بعد أن تنتقل إلى ذوات الأرواح من معاني معيشة أمهاتها، وهي من ذوات الدماء الأصلية من الدواب البرية.
وعندي - على هذا النحو- أن معانيها تختلف، فإذا انتقلت عن هذه الحال إلى حال استرابة المرعى، فجاءت من حال البر من حيث يلحقها معاني الامسترابة، ولا يلحقها حكم ذلك بعلم ولا ما يشبه ذلك من الشبهة، وقد خرج عندي الاختلاف في فساد أبوالها وأبعارها، على النحو الذي أوردناه في (1/190)
صفحة 191
اختلاف الفقهاء من قائل بطهارتها أو نجاستها حسب تحريم لحومها أو حلها أو كراهيتها، وقد رجح عندنا القول بنجاستها، بل وأعجبني في هذا الموضع قول من يفسد أبوالها، ولا يعجبني أن تفسد أبعارها، إلا أن تكون تأتي من مواضع الأقذار بعلم من ذلك، أو بما يغلب عليه من الشبهة، فإذا ثبت من حال ذلك ومن مواضع الأقذار بعلم أو بما يشبهه من الشبهة، لم يخل عندي من الاختلاف في فساد أبعارها وأبوالها.
ويعجبني فساد أبعارها وأبوالها في هذا الموضع، وأبعارها أقرب عندي، ما لم تصِر إلى معاني الجلّالة.
وأبوالها عندي أشد إذا ثبتت راعية برية، لمعاني ثبوت فساد ذلك في الأنعام الطاهرة، فافهم معاني ذلك.
وإذا صارت الضفادع إلى حال تكون فيها برية وثبتت معيشتها في البر، خرجت من حال ما لا تعيش إلا في الماء، وعلى ذلك يتغير حكمها، لأن ميتتها عندي على ما يخرج من معاني أحكامها أنها مفسدة لجميع الطهارات ما سوى الماء، فإن ميتتها في الماء سواء كان الماء قليلا أو كثيرا، في بئر أو إناء أو في غيره من المواضع، فإنه يخرج عندي على معاني الاختلاف في فساد ميتتها للماء، إذا ثبتت مائية برية تعيش في البر والماء وأما غير الماء فلا يبين لي فسادها له ميتة، معاني الاختلاف ولا وجه اختلاف، لأنها قد ثبت حكمها أنها من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية.
ويعجبني ما لم يلحقهما الريب في المراعي، ولو ثبت عيشها في أكثر البر ما لم يلحقها الريب من سوء المرعى.
ويعجبني أن لا يفسد الماء إذا ماتت فيه على حال، فإذا لحقها الريب أعجبني قول من يفسد ميتتها في الماء، وبخاصة إذا جاءت من الأقذار في حين (1/191)
صفحة 192
ذلك ثم ماتت في الماء، فهنالك أقرب في ثبوت فسادها عندي، ما لم تكن جلالة، فاذا ثبت معناها جلالة أفسدت على حال، وكانت فاسدة مفسدة حية وميتة، ومفسدة ميتتها، حيثما ماتت، ومفسد جميع ما خرج منها من رطوبة أو بول أو بعر، وكذلك ما ثبت حكمه من جميع الدواب جلّالا، من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية من طائر أو دابة خرج عندي معنى حكمه، إذا ثبت معناه واسمه جلاّلة، إلا أنه بهذه المنزلة حرام مفسد لحمه وسؤره ورطوباته وخبثه وميتته في جميع ما كان من خبث ما كان.
وأما الحيات والأماحي وأشباه ذلك، فمعي أن أصل مبتدأ ذلك يخرج من البر وفي البر، ومعيشة ذلك في البر، وإنما يلحقه بعد أن يصير من ذوات الأرواح حكم معاني الدواب البرية و الدماء الأصلية من جملة الدواب الطواهر غير النجاسات، والحلال غير المحرمات فأحكامه قبل أن تثبت له معاني معيشته في الماء أحكام الدواب بجميع أحكامه، ولو مات في الماء في ذلك الحال لكان مفسدا للماء، ولم يخرج عندي في معاني ذلك اختلاف، فإذا صار في حال يعيش فيه في الماء والبر، ولحقه معاني ذلك لم يبعد عندي ذلك أن ينتقل إليه ويلحقه معاني الاختلاف كما انتقلت الضفادع من حال ذات الماء، وحكمها إلى معاني حكم البرية بمعيشتها في الماء والبر، وما لم يثبت لذوات الأرواح البرية حكم معيشة في الماء بما لا يرتاب فيه من ثبوت معاني ذلك وقربه، كما ثبت على الضفادع حكم ذلك في انتقال أحكامها، فكل شيء على أصله حكمه، حتى ينتقل عنه بحكم علم أو غالب من الأمر، يأتي عليه مما لا شك فيه من الطمأنينة إليه أو الاسترابة فيه.
ويعجبني على كل حال إفساد ميتة الحية والأماحي وأشباه ذلك للماء وغيره من جميع الطهارات في جميع الطهارات، لأن أصل ذلك بري لا مائي.
ومعي أنه إذا ثبت معاني ميتة ذوات الماء أنها لا تفسد الماء من (1/192)
صفحة 193
الضفادع وما أشبهها مما تعيش في البر والماء، ويلحق فيه معاني الاختلاف في ذلك.
وكذلك في ميتتها فى الماء، فأحسب أنه قيل: إنها إذا ماتت في الماء بأي حال وعلى أي حال لمْ تفسده، ما لم يكن فيها شيء من النجاسة بعينها.
ومعي أنه قيل: إنها تفسد علىكل حال، في ثبوت حكمها برية ومعيشتها في البر.
ومعي أنه قيل: لا تفسده حتى يتبين تغيّره، فإذا غيرته أفسدته، فعلى هذا المعنى إذا تغيرت بلون أو طعم أو ريح أفسدته، وما لم تغيره لم تفسده.
ومعي أنه قيل: إنها إذا ماتت في غير الماء ثم وقعت في الماء أفسدته على كل حال، لأنها كأنها ميتة من ميتة البر وميتة البر تفسد الماء، على معاني قول من يقول بذلك مالم تغيره ومعي أنه قيل: لا تفسده على حال، ولو ماتت في غيره ووقعت فيه إلا على معاني الاختلاف.
ومعي أنه قيل: لا تفسد على حال وإن غيّرته وإنما تغييرها له خارج بمعنى تغييره بشيء من الطهارات، لم ينتقل اسمه عن اسم الماء ويكون مضافا.
ومعي أنه على قول من يقول بهذا، وتختلف فيهما في معنى ميتتها في الماء، فيقول: لو أنها وقعت في ماء يطبخ به شيء من الأطعمة، مما لا يخالطه الطعام، ويكون منفردا باسمه إلا أنه من الماء المضاف مثل الباقلاء واللوبياج أو نحوه، فوقعت في ذلك الشيء، فماتت فيه، ففي (1/193)
صفحة 194
بعض ما قيل: إنها تفسد ما في الماء من الباقلاء واللوبياج وما أشبه ذلك، ولا يفسد الماء، ويكون الماء طاهرا وما فيه من جميع ذلك نجسا.
ومعي أنه قيل: إن جميع ذلك نجس لأنه طعام وليس من الماء في شيء، وإذا ثبت معاني طهارة الماء لهذا المعنى لم يلحق عندي أحكام طهارة النجاسة ما في الماء الطاهر، وإنما تنجس بمعناه لأنها لو ماتت في الباقلاء وهو يابس وهي يابسة لم تفسده إلا أن تمسه منها رطوبة من ذاك أو ما يمسها منه مما ينجسه، وإذا ثبت معنى طهارة هذا الماء بهذه العلة لم يلحق عندي ما فيه حكم النجاسة، إلا أن يتفرد منه بشيء منها فيفسده بغير معنى مماسة الماء الطاهر، فهذا عندي لا يستقيم إلا أن يكون كله طاهرا أو كله نجسا.
وقد أجمعوا - لا نعلم في ذلك خلافا - أن دواب البحر ولا يشبه دواب البر، أنه ما دام حلالا فهو طاهر، ولكن اختلافهم فيما يشتبه فيه من دواب البحر.
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب التي تشبه دواب البر، أو غير المشبهة لها من ذوات الدم فإن كان الأغلب من أموره أنه يعيش في أيهما أكثر أخذ حكمه.
وأما ما خرج عندي بمعنى الطعام، أو بمعنى المتحول عن الماء من الأشياء مثل الحساء ولوكان رقيقا، ومثل الخل والنبيذ ولو كان رقيقا، ومثل السرج ولو كان رقيقا، وجميع ما تحول وانتقل عن اسم الماء المضاف أو غير المضاف، فخارج عندي من حكم معاني الاختلاف، ويلحق عندي فساد ميتة الضفادع وأشباهها، إن كان يشبهها شيء بمعنى انتقاله عن حكم الماء واسمه، خرج عندي من حال حكم الاختلاف وأشباه الاختلاف فيه، وما لم يختلط الأرز بالماء فينقل الأرز اسم الماء المضاف إليه، فلا يتعرى عندي عن شبه الاختلاف، لأنه يلحقه عندي إضافة الماء، لأنك تقول إن ماء الأرز وماء الباقلاء، ولا ماء اللوبياج وماء الماش، ولاتقول للحساء ماء ولا لشيء (1/194)
صفحة 195
من الطعام وإن كان رقيقا، ولا ماء النبيذ ولا الخل، وإنما يشبه معاني ما لحقه من المياه المضافة.
ويشبه عندي معاني الاختلاف في مثل هذا، أن لو ماتت في مثل هذا، ذلك لمعنى النار لا لمعنى موتها هي بمعنى الموت بغير النار، وإن كان كله موت فلعله يخرج في معاني الاختلاف، أنها إذا ماتت في شيء من هذا بمعنى النار أفسدت على كل حال للماء وغيره لهذه العلة، لأنها ليست من ذوات الماء والنار، ولأن هذا ماء ونار، ولو ماتت في الماء ثم أغلي بها الماء وهي ميتة، كانتْ عندي بمعنى الاختلاف، لأنه قد ثبتت ميتة بغير معنى النار، ولا يحول معنى النار بعد الموت.
ومعي أنه يخرج الاختلاف من معاني أنه لا فرق فيهما، ماتت في الماء لمعنى موتها بالنار والماء الساخن والماء المغلي، أو بغير ذلك إذا كانت ميتتها في الماء فلا فرق فيه، ويخرج عندي معاني ذلك أن موتها في الماءكله سواء من الماء العذب والماء المالح، أو من البحر أو من الفوات، لأن جميع ذلك معي من المياه بمعنى واحد، وهي من ذوات الماء إلا أن تخرج معناها في التعارف، وأنها لا تعيش بماء البحر لمعنى قد عُرفت بذلك، وأنها خارجة من معاني ذوات الماء من البحر، فلا يتعدى عندي على هذا المعنى أن يلحقها بحكم ذلك فيما خصها من ذلك، إن كان ذلك ما لا يشك فيه أنه كذلك. (1/195)
صفحة 196
[صفحة بيضاء] (1/196)
صفحة 197
باب ذكر الغيلم ونحوه من ذوات الماء والطير
معي أنه قد قيل في الغيلم من ذوات البحر: إنه يلحقه في بعض معانيه أحكام ذوات البر.
وقد اتفقوا على أن سؤر ذوات البر من الطير طاهر، ما لم تر النجس على منقارها.
أما قرض الأماحي فنجس، واختلفوا في نجس بعر الضفدع البرية المباعدة للماء أو التي جاءت من الصحراء، والأولى عندي نجاستها لأنها تحولت عن صفتها المائية.
واختلفوا أيضا فيما يشتبه فيه من دواب البحر ودواب البر وأسمائه، وذكر البعض في قول أن ذلك مما يشبه أجناس الأنعام.
وقد قيل: إنه ليس في البر دابة إلا في البحر مثلها أو ما يشبهها، مثل الكلب وغيره، ويسمى ذلك كلب البحر أو غول البحر وما أشبه ذلك، فما كان من الدواب التي في البحر خارجة من أجناس صيد البحر، إلى شبه دواب البر وصيد البر، وقد قيل: إن ما كُره من دواب البر، فمثله يقال فيه بالكراهية من دواب البحر.
وقال من قال: كل صيد البحر جائز، لأن الله لم يستثن منه شيئا، وهو أصح القول لقول الله - تبارك وتعالى -: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) 1.
وعلى ذلك فقد أجمعوا - لا نعلم بينهم اختلافا - أن ما كان من أجناس الصيد المعروف بصيد البحر، ولا يشبه صيد البر ولا دواب البر، (1/197)
صفحة 198
أن ذلك حلال وأن حيه وميته سواء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك: "أحل لكم ميتتان ودمان " فأما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فإن هناك أ قاويل.
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب المشبهة بدواب البر أو غير مشبهة من ذوات الدم، فنظرا لدخول سبب البر عليه إن كان الأغلب من أموره أن يعيش في البر أكثر فهو من دواب البر، وحكمه حكم دواب البر وصيد البر، ولو كان صيدا ودمه مفسد بالأغلب من أموره، أنه يعيش في البر أكثر زمانه وأكثر شأنه أنه من ذوات البر.
وأما ما كان الأغلب من زمانه وعيشته في البحر والماء، إلا أنه قد يعيش في البر عيشة يفارق بها دواب الماء التي لا تعيش في البر، وأنها متى فارقت الماء هلكت، فإذا كان كذلك، فلا يصح حلاله إلا بالتذكية، وذلك لدخول سبب البرية عليه، ويحكم له أو عليه بالأغلب من أموره، لأنه قد يعيش في البر، فما كان الأغلب من أموره وعيشته البر، كان حكمه حكم صيد البر، وكان دمه دم صيد البر مسفوحا، فإن صح له أنه يعيش في البر والبحر أو الماء، كان على الاحتياط أن دمه فاسد.
وقد قيل: إن الغيلم 2 من ذوات البحر ولذلك لا تحل إلا بالذكاة، وذلك ما لا أعلم فيه اختلافا أنه لا يحل لحمها إلا بالذكاة، على سبيل ذوات البر، وإذا ثبت هذا فيها وهي من ذوات الدم الأصلي، كانت ميتتها فاسدة مفسدة لجميع ما مست منه، ما لم تذكّى، إلا أنها يخرج معاني شبههما في هذا بمنزلة الضفادع في ميتتها في جميع الأشياء إلا في الماء، فإنه يلحقه عندي الاختلاف بمعنى ذلك، إذ هي من ذوات الماء والبر، واختلاف معانيها عندي في الماء العذب إن لم تكن تعيش فيه كما تعيش في البحر بمعنى الضفدع (1/198)
صفحة 199
على حسب ما ذكرنا، إن كانت لا لْعيش في ماء البحر كما تعيش في الماء العذب، فهي له مفسدة إذا ماتت فيه، ولا يلحقها معاني الاختلاف فيه.
وكذلك الغيلمة إن كانت لا تعيش في الماء العذب، كما تعيش في البحر وكما تعيش في البر، فيخرج عندي أنها مفسدة له إذا ماتت فيه، بمعنى الميتة لأنها ليست من ذواته.
وكذلك جميع ما أشبه الضفدع، من ذوات الماء البرية التي تعيش في الماء العذب، إن كانت لا تعيش فى ماء البحر فميتتها في البحر كميتتها في سائر الطهارات، ولا يلحقها معاني الاختلاف.
وكذلك ما أشبه الغيلم من ذوات البحر التي تعيش في البر من ذوات الدماء، فهو عندي لاحق بمعنى الغيلمة، وأما جميع ما كان من ذلك لا يعيش في البر، ولو كان يلحق ذوات البر وما أشبه ذوات البر، فهو بمنزلة السمك وصيد البحر، ولا ذكاة فيه ولا عليه، وجميع ما كان في البحر ولو أشبه خلق دواب البر، فلا يلحقه معنى التحريم، ولو كان يشبه القرد والخنزير والكلب، وما أشبه السباع لأنه قيل: إنه لكل دابة في البر شبها في البحر، يسمى باسمها ويشبهها بلونها، فقيل: إن جميع ذلك بمعنى واحد وأنه بمنزلة صيد البحر لا ذكاة عليه ولا تحريم، ولا يفسد دمه إلا على معاني ما قيل في دم السمك المسفوخ منه.
ولا أعلم أن ذلك قول مجمع عليه، بل إن أكثر القول أن جميع دم السمك طاهر، كما سبق أن أوضحنا، وهو لا باس به، وأن جميع ذوات البحر حلال، لقول الله - تبارك وتعالى -: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون). (1/199)
صفحة 200
ولانعلم في ذلك من الوجوه، ولا في شيء من الأشياء.
ومعي أنه قد قيل على معنى الأشباه: إن قرد البحر وخنزيره وما أشبه منه المحرمات من ذوات البر، لحقه التحريم بالشبه والاسم، وإن كان ذلك ليس بصيد.
وكذلك ما أشبه المكروهات من ذوات البر منه، لحقه معنى الكراهية، وما أشبه المحللات من ذوات البر كان محللا، وإذا ثبت هذا القول في هذه المعاني أنه إنما يلحقه معاني الشبه في التحريم والكراهية والتحليل، لحقه عند ذلك من معاني الشبه في الذكاة وفساد الدم ومعاني الميتة، لأن ما تشابه بمعنى هذا تشابه في الأحكام فيما سواه.
فإذا ثبت ذلك كان ما أشبه الأنعام في معنى وحكم أحكام الأنعام في كل شيء منه كسؤره وعرقه وما يخرج منه وما أشبهه سائر الدواب من المحللات أو المحرمات أو المكروهات فإنه كذلك يشبهها في كل أحكامها يضا، في كل شيء منه كسؤره وأبواله وأبعاره وجميع ما خرج منه.
وأما ما كان من طير الماء الذي يعيش في البر، أو الذي يعيش في الماء العذب، فإنه عندي يخرج من معاني الاختلاف فيه، لمعنى الاختلاف في دواب البر عندي، لأنه يأخذ حكم منزلة طائر البر في الصيد على المُحْرِم، وكذلك في قتله وفي فساد ميتته، إلا في الماء فإنه عندي يخرج معاني الاختلاف فيه، لمعنى الاختلاف في الضفادع، ويخرج معاني دم ذلك أنه فاسد مفسد، بمعنى دم سائر الطير البري، إلا أن يكون لا يعيش في البر بحال، وإنما يعيش في الماء فهو بمنزلة صيد الماء، ولا تفسد ميتته ولا دمه إن كان له دم، وهو بمنزلة صيد الماء في دمه وفي جميع أحكامه من صيد الماء العذب، إن كان من (1/200)
صفحة 201
ذوات الماء العذب.
وكذلك كل ما كان لا يعيش إلا في الماء، سواء أكان يعيش في بحر أو يعيش في ماء عذب، فإنه عندي يأخذ حكم منزلة صيد البحر، وذلك مثل السمك والحيتان وما أشبه ذلك، ويأخذ حكم صيد البر إن أشبه شيئا منه لم كنحو طير أو غيره من المحرمات أو المكروهات، إن ثبت شيء من ذلك مشبها لشيء من ذوات البر سواء أكان في ماء عذب يجري ماؤه كماء العيون وماء الابار، أو شيء من ماء عذب من مياه البحر، فسواء ذلك عندي إذا كان من ذوات الماء، ولا يعيش إلا في الماء مما أشبه الطير أو الدواب، فكله من الماء العذب أو المالح من البحر، خارج عندنا بمعنى واحد، ويلحق فيه معاني الاختلاف لثبوت الشبهة، وبصحة تحليل ذلك في الجملة، لأنه ليس ببري، وانما وقع التحريم في دواب البر، من مسمى أو ما مشبه له إلا من صيد البحر وطعامه، ولا فرق في الماء العذب ولا المالح ولا البحر ولا الغيول، ولا غير ذلك من المياه من الابار والأنهار، فمعنى ذلك كله سواء.
وأما كل ما عاش في البحر والبر و في الماء العذب والبر، من طير أو دواب، فأشبه شيء عندي من ذلك في حكمه سواء كان محرما أو مكروها أو محللا، من الدواب البرية.
فمعي أنه لا مخرج له من لحوق الشبه وثبوت الحكم فى معاني ذلك، فيما يلحق من التحليل والتحريم والكراهية والدماء والميتة من ذلك، واستواء ذلك وتشابهه في معاني ما يشبهه ويساويه، ولا تختلف معاني شيء من هذا في وجه من الوجوه عندي، إذا اشتبه، إلا في معاني ميتة ذلك في الماء خاصة، إذا ثبت أنه يعيش في البر والبحر أو الماء العذب والبر، فإنه يلحق ذلك الاختلاف، بمعنى ما قيل في الضفادع وما أشبهها، والغيلم وما أشبهه، ومعاني ذلك واختلافه في حياته في الماء العذب دون ماء البحر، وما في ماء البحر دون العذب من الماء، فما ثبت أنه (1/201)
صفحة 202
يعيش في البر والعذب من الماء دون ماء البحر كانت ميتته في العذب من الماء بمعنى الاختلاف، ولا يلحقه معاني الاختلاف في ميتته في البحر الأجاج، إلا أنه مفسد له، إذا كان لا يعيش فيه.
وكذلك ما كان يعيش في ماء البحر الأجاج، وفي البر، ولا يعيش في الماء العذب الفرات، من غيل أو بئر أو بحر، من دابة أو طير، فهو متشابه في الحكم بذوات البر، إلا ميتته في الماء العذب الذي لا يعيش فيه، فإنه مفسد له كفساده لسائر الطهارات، في معاني ما تخرج أحكامه في ذلك على حسب ما ذكرناه.
ومعي أنه قيل في دم الغيلم: إنه مفسد بمعنى دم الدواب البرية.
ومعي أنه قد قيل: إن دمه لا يفسد، بمنزلة صيد البحر والسمك، إذ يلحقه معنى ذلك من وجهين، ولا يبين لي أنه يخرج من معنى الفساد والتحريم لموضع ثبوت التذكية فيها وأشباهها معاني الدواب البرية، وأقل ما يكون يفسد عندي من دمها وما أشبهها مما هو مثلها من دم مذبحتها التي لا تكون ذكية إلا به، وأما ما سوى ذلك من دمها، مما يجرى فيه الاختلاف من دم الأنعام والدواب البرية، فلا يتعرى من الاختلاف في ذلك، ولحوق الشبهة لها بعضها لغير بعض.
و إن قال قائل إنه ليس شيء من دمها نازلا بمنزلة المسفوح و إنما هو نجس لغير معنى المسفوح، لم يبعد ذلك عندي، وأعجبني ذلك لمعنى اختلاف أحكامها في ذلك وقواعدها والبريات التي لا تعيش في الماء بحال، ولا تعيش إلا في البر.
فإن قال قائل: فإنها في ذلك بمنزلة الدواب البرية والطير البرية مما يلحقها المسفوح وغير المسفوح، ولم يبعد من ذلك ولا يبعد ثبوت حكم (1/202)
صفحة 203
معاني البرية فيها وما أشبهها من الطير والدواب، وخرج ذلك بمعناها وما ظهر فيها من أحكام ومن اختلاف فى الأقوال المحمولة على أدلتها مما استنبطه القائلون في ذلك، فانظر في هذا وفي معانيه وأحكامه وما يشبهه منه وما يقاس عليه وما يختلف عنه إن شاء الله.
1 - الآية 96 من سورة المائدة.
2 - ذكر السلحفاة. (1/203)
صفحة 204
[صفحة بيضاء] (1/204)
صفحة 205
باب ذكر الوضوء ونحوه من كتاب المعتبر عن كتاب الضياء عن الربيع
من تعمد لتقديم بعض الوضوء على بعض فليعده، ولكن إن كان ناسيا فلا بأس عليه.
وعن علي: ما أبالي بأي أعضاء بدأت، إذا أتممت الوضوء.
ومن غيره وسئل، قيل: إن جابر بن زيد-رحمه الله -كان لا يتوضأ وضوءا لا يمسح وجهه بثوب فلا ينهه. قال: وقد قيل: إن الربيع وقف على رجل وهو يتوضأ، فوقف ينظره، فلما أراد الرجل أن يمسح رأسه، حمل من الماء بكفيه، ثم نفضهما، فقال له الربيع: يا هذا حملت الماء لتتوضأ ثم رددت الطهور ورجعت عن وضوئك.
وقال غيره: أما مسح الوضوء فقد مضى فيه القول، ويجري في ذلك الاختلاف، وأقصى ما قيل في ذلك بالكراهية، ولا أعلم في ذلك نقضا إذا مسح مواضع وضوئه، أو شيئا منها بشيء من الثياب الطاهرة.
وأما نفض الماء من يديه بعد أن أخذه لمسح رأسه، أو لشيء من غسل جوارحه لوضوئه، فاما الوضوء فلا يقع بمثل ذلك عندي موقع المسح، فالمسح لا يقوم مقام الوضوء فى الغسل، وأما في المسح فإن كان باقيا في يده شيء من الماء بما يمسح به رأسه، ويثبت في ذلك مسح رأسه بماء (1/205)
صفحة 206
موجود في يده فقد قصره، وأرجو أن يجزئه ذلك، وان لم يكن ثم ماء مدروك إلا رطوبة، فإن كانت الرطوبة تبل ما مسها، أو ما مسته من الرأس حتى يكون ثم ماء، أو ما يقوم مقام الماء، فأرجو أنه يخرج في بعض ما قيل إنه يجزئه، و إن كان ليس ثم ماء ولا رطوبة تبل، وانما هي رطوبة لا يوجد منها شيء، ولا ينحل منها شيء، فلا يبين لي في ذلك أنه يجزئه المسح ولا الوضوء، ويخرج ذلك عندي باطلا في المسح والوضوء ولا يجزئ.
وإذا أراد المتوضىء للصلاة، أن يمسح وجهه بخرقة، فإذا فرغ من وضوئه فليفعل فإنه لا بأس بذلك عندي، كما أنه إذا غسل من الجنابة فلا يضره أن يمسح جسده بثوب إذا فرغ.
وبلغنا عن معاذ بن جبل أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه بطرف ثوبه، آثار وضوئه،، ووافقنا على ذلك الحسن البصري وأبو حنيفة، وكان إبراهيم يقول: لا بأس إن مسح الرجل وجهه إذا توضأ.
قال غيره: إنما هذا إذا دعت حاجة ماسة إليه كنحو برد شديد أو خوف تشقق الجلد، قيل لأن الأفضل عدم المسح، لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعضاء.
وقد ذكر أن الماء يسبح في الأعضاء ما دام فيها من وضوء أو غسل.
وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما مسح وجهه بطرف ثوبه، آثار وضوئه لبيان الجواز، وقد قال البعض: يستحب ترك التنشيف لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنشف - في أغلب الأحوال - ولأن ماء الوضوء نور يوم القيامة، وفي مسند الربيع عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متخذا منديلا يمسح به بعد الوضوء، فهو عندي على معنى حكم جواز الأمرين - المسح وعدمه -، وهو معي توسعة ويعجبني عدم المسح فيه لأنه كان أغلب عمل النبي صلى الله عليه وسلم وقد فعل المسح كما مضى من باب إجازة المسح وأن فاعله لا ينتقض وضوؤه. (1/206)
صفحة 207
باب ذكر الوضوء قائما أو قاعدا أو عاريا
ولا يتوضأ المتوضىء وهو عريان ولا قائم، فإن فعل فلا نقض عليه إلا أن يكون لا يمكنه القعود، وإن كان في ماء توضأ فيه، فلا باس.
قال أبو الحواري - رحمه الله -: إنه من توضأ قاعدا فهو أحسن وان توضأ قائما فهو جائز
قال غيره: معي أنه أراد أنه لا يتوضأ الانسان قائما وضوء الصلاة، ولا عاريا، وأما وضوؤه قائما إذا كان الإنسان ساترا عورته، فيخرج عندي أن ذلك نهي الأدب، ولا أعلم فيه حجرا ولا نقضا، إلا أن القعود عندنا أحسن في الوضوء.
وقد بلغنا أن بعضا أتى بعض أهل العلم، ليساله عن الوضوء قائما، فوجده يتوضأ قائما، وأرجو أنه ساله عما أراد أن يساله عنه، فقال له: تراني قائما وتسالني أو نحو هذا.
وأما الوضوء للصلاة عريانا فمعي أنه أشد كراهية إلا أن يكون في موضع مستترا فيه على نفسه، حتى لا يراه من لا يجوز له النظر إليه. ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل، إن وضوءه تام إذا كان في ذلك الموضع المستتر، الذي يحافظ فيه على نفسه أنه لا يراه فيه أحد ممن لا يجوز له النظر إليه في موضع وضوئه، ولا إذا قام ليلبس ثيابه لم يبصر عورته مَن هنالك، فإذا كان على هذا فمعي أنه قيل: إن وضوءه تام حيثما كان على هذه الصفة، في ليل أو في نهار. (1/207)
صفحة 208
وأما إذا كان في موضع منكشف إلا أنه بأمن لا يمضي عليه في ذلك الوقت أحد لاعتزاله عن كثرة المار والجائى والذاهب، في القرى أو في البراري، فمعي أنه يختلف في ذلك: ففي بعض القول إنه لا يجوز وضوؤه ولا ينعقد في النهار إن كان عاريا في هذا الموضع، إذا لم يكن في مأمن مستتر على ما وصفت لكن من سكن أو سترة فى غير سكن.
وفي بعض القول: إنه ما لم يبصره أحد في هذا الموضع ممن لا يجوز له النظر إليه حتى توضأ واستتر، فقد تم وضوؤه، وإن أبصره أحد في حال وضوئه، كان عليه الإعادة في وضوئه، ولا يتم له إلا أن يكون كما وصفتُ لك حتى يتوضأ ويلبس ثيابه، وإذا كان في موضع مخاطرة ليس في موضع يامن على نفسه في الوقت الذي يتوضا فيه في النهار فمعي أنه في أكثر ما قيل إنه لا يجوز عند ذلك وضوؤه هنالك عاريا في النهار، ولو لم يره أحد، إذا كان في غير مامن.
ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل: إنه ما لم يبصره أحد ممن لا يجوز له النظر إليه حتى أتم وضوءه، فإن وضوءه عندي تام وهو مقصر في ذلك، إلا أن يكون في ضرورة عندي في ذلك.
ومعي أنه يخرج بمعنى الاتفاق أنه إذا كان في الليل، أو في موضع يستتر في النهار، أن وضوءه تام حيثما توضا على هذا، إذا كان فى ماء جار أو من إناء، أو كان على جانب الماء الجاري، وهو عار، وكيفما توضأ على هذا الموضع، في الليل أو في الستر، من سكن أو غيره، فلم يبصره أحد ممن لا يجوز له النظر إليه، فإن وضوءه تام، ولا يجوز له أن ينظر إليه في ذلك الحال على هذا إلا زوجته أو سريته التي يطأها، ولا يجوز للمرأة في ذلك (1/208)
صفحة 209
إلا زوجها، والمرأة والرجل عندي في هذا الوجه في أمر الوضوء سواء.
فإذا ثبت هذا المعنى بأن الوضوء ينعقد بمعنى الاتفاق عاريا، إذا كان في موضع ستر أو في الليل إذ هو لباس، فمعي أن ذلك إنما هو على هذا السبيل من طريق الإثم إلا من طريق أنه لا يثبت الوضوء عاريا، ولو كان من طريق التعري لم يجز في ليل ولا في نهار في سترة ولا في غيرها، كما أنه لا يجوز الصلاة إلا باللباس الذي ستر العورات، فلا يجوز في ليل ولا نهار، في ستر ولا غيره، وحكم ذلك في الليل حكمه في النهار في المساكن والمساتر، كغيرها من المواضع فإنه يخرج عندي في هذا الفصل، أنه إنما لا يجوز الوضوء من هذا الوجه، من أجل إثم المتعري، وإذا ثبت هذا ولا يصح عندي فيه إلا من أجل هذا المعنى الاتفاق أنه جائز في ليل، أو في موضع الستر في النهار، أو عند من يجوز نظره إليه هذا، ثبت أنه إنما فسد من طريق الإثم، فإذا توضأ المتوضىء وأتم وضوءه على هذا في أي موضع إن لم يره أحد، ممن لا يجوز له النظر إليه حتى يتم وضوءه، خرج عندي أن وضوءه تام، ما لم ينظره من يأثم بنظره إليه على هذا المعنى، ولو كان في غير مأمن، مالم تكن له نية في قعوده في ذلك الموضع، لا يسعه ويأثم بها، فإذا كان كذلك خرج عندي معي الاختلاف في وضوئه.
وإذا ثبت أنه إنما نقِض وضوؤه من طريق الإثم بالنظر إليه ممن لا يسعه النظر إليه، خرج عندي نَقْض وضوئه بذلك مما يجرى فيه الاختلاف من قول أصحابنا، لأني لا أعلم معنى بنقض الوضوء في قولهم بمعنى الإثم بغير نظر الفرج وأشباهه من المتوضىء، إلا وفي نقض وضوئه بذلك معاني الاختلاف، ولا يلحقه معنى الاتفاق كائنا ما كان مما ياثم به إلا الشرك إذا أشرك بالجحود بشيء من الكلام أو الفعل، مما يريد به إلى الشرك، فإني لا أعلم في هذا الفصل من قولهم اختلافا في نقض وضوئه، بل يخرج عندي معاني الاتفاق من (1/209)
صفحة 210
قولهم يُنقَض وضوؤه على هذا الفصل وأما إن أريد في نفسه بغير قول أو فعل، فمعي أنه يختلف في نقض وضوئه بذلك.
وأما سائر المأثم فيما عندي أنه في نقض الوضوء بذلك، كان من القتل للنفس والسرق، مما يجب به القطع أو سائر ذلك من الكبائر أو الكذب المعتمد عليه، ففي معاني ذلك كله في نقض الوضوء به اختلاف في قول أصحابنا، ولعل الاتفاق من قول قومنا أو أكثر قولهم إنه لا ينتقض الوضوء بشيء من ذلك، إلا من الأحداث في أمر النجاسات وما أشبهها إلا من طريق الإثم لغير معنى ذلك وما يشبهه من الأحداث من أمر الفرجين والملامسة، ولا يعتمد قول قومنا ولا يقبل منه إلا ما وافق العدل، وكذلك ينبغي أن يكون جميع ما جاء لا يقبل منه إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع، فمن وافق قوله العدل فهو العدل، وإياه نعتمد وبه نأخذ وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز قبول غير العدل فيه، لما تقدم منه من العدل في غير ذلك، الذي قاله من غير العدل، ولا نقول إن أحدا من المسلمين، من العلماء المهتدين يقول في الدين بغير ما وافق العدل ولا ما يخالف العدل إلا أن يكون منه ذلك على وجه الغلط أو زلة يتوب منها، أو تخوف معنى ما قيل عنه ممن نقل عنه ذلك، أو في الأثر الذي جاء عنه في ذلك، وقد يكون من علماء قومنا الصحيح من القول، وما يوافقون فيه أصحابنا، في معنى الدين والرأي، ولا يرد على أحد من الخليقة شيئا من العدل، ولا يجوز ذلك ولا يقبل من أحد من الخليقة ما يخالف العدل، ولا يجوز ذلك من الدين فيما يجوز أحكامه أحكام البدع وبتحليل الحرام وتحريم الحلال وما يكون حكمه حكم الدعاوى، فكل ذلك غير جائز قبول باطل منه، ولا رد حق بما يخالف حكم العدل بعلم بباطل ذلك أو بجهل، وإذا ثبت معنى الوضوء للمتوضىء عاريا، في موضع ما يجوز بمعاني الاتفاق والاختلاف، فسواء عندي كان يتوضا في الماء قاعدا فيه أو قائما، إلا أن (1/210)
صفحة 211
القعود عندي أحسن في معنى الأدب والستر، وأما في معنى اللازم فسواء كان قائما أو قاعدا أو نائما، إذا أحكم وضوءه في موضع ما يجوز.
ومعي أنه في بعض القول، على قول من يقول: إذا كان في موضح الستر ثبت وضوؤه عريانا أنه إذا كان في الماء، وكان الماء يستر سرته إذا قعد، أن وضوءه فيه تام، ولو كان في غير ستر، ولعله يذهب في ذلك كان الماء ستر، ويخرج هذا القول في الرجال لا في النساء، في نظر الرجال إليهن، وكذلك عندي إذا ثبت معناه في الرجال، من نظر الرجال إليهن، فمثله عندي في النساء من النساء، من ذوات محارمهن من الرجال، وقد يكون الماء عندي سترة، ما لم يتقرب الناظر إلى القاعد في الماء، فإذا تقرب منه وصف الماء القاعد فيه، لأن الماء الصافي يصف العورة ولا يسترها إلا من بعيد، ولكن إذا كان الماء كدرا لا يصف العورة ولا تبصَر منه، كان عندي سترة على معنى ما قيل في هذا القول، وهذا القول عندي مطلقا إذا كان يستر السرة من القاعد فيه، ولا يذكر فيه تفسير في قيام المتوضىء إلى ثيابه ليلبسها، كان معناه أنه إذا كان في موضع ستره، إلى أن ينعقد وضوؤه وهو مستتر، فقد ثبت وضوؤه وقيامه إلى لبس ثيابه.
حال آخر لا يدخل في معنى الوضوء.
فإن توضأ وقام إلى ثيابه فلبسها ولم ينظر إليه أحد ممن لا يجوز له النظر إليه نظرا يأثم فيه المنظور إليه من التبرج بغير عذر لحقه عندي معنى الاختلاف في نقض وضوئه على هذا القول، لأنه قد توضأ وهو مستتر، وقيامه إلى لبس ثيابه غير معنى وضوئه، و إنما ذلك حدث يدخل على وضوئه، إن لم يسلم منه، وإن سلم منه إلى أن يلبس ثيابه ولا يدخل عليه في ذلك ما يؤثمه، تم وضوؤه على معنى هذا القول، وهذا القول عندي أشبه بمعنى الأصول في انعقاد الوضوء، أنه ينعقد إذا لم يأثم في حين الوضوء، إذا ثبت أنه إنما لم ينعقد الوضوء من أجل الحدث فله، فإذا (1/211)
صفحة 212
كان الماء سترة إلى تمام الوضوء، فمعناه ينعقد الوضوء، وقيامه إلى لبس ثيابه حال آخر، ويخرج عندي في القول الأول، أنه لا ينعقد الوضوء له إلا حتى يكون في موضع سترة في حال وضوئه، إلى أن يلبس ثيابه التي يسلم بها من الإثم، على معنى ما قيل في المجامِع في الليل في شهر رمضان، أنه لا يجوز له أن يجامع في آخر الليل، إلا أن يكون من الليل في وقت يجامع فيه ويتطهر من الجنابة قبل الصبح، منع الوطء بمعنى إذ لا يخرج من حكم الوطء في وقت الإباحة له الوطء، أن الوطء لا يكون خارجا من أحكام الوطء حتى يخرج بالطهارة من أحكام الوطء، كما لا تكون الحائض خارجة من حكم الحيض، ولو طهرت من الحيض إلا بالتطهر من الحيض في معنى انقضاء العدة، واطلاق الفرج للوطء، وحكم الصلاة والحائض بعد طهرها في معاني أحكام ما يصح منها وما لا يصح في الحيض، بمنزلتها قبل أن تطهر.
وكذلك معنى حجر الوطء في معنى النهي، في الوقت الذي لا يخرج فيه الوطء من أحكام الوطء بالتطهر، وهو مشبه معناه، إذا لم يخرج فيه من جماع قبل الصبح، لأن اكمال الجماع التطهر، كما كان إكمال الحيض التطهر، كذلك يشبه معنى ما قيل في أنه لا يتم الوضوء إلا ستر العورة في حال الوضوء، إلا بكمال ذلك إلى أن يستر عورته باللباس ويصل إلى ذلك وهو يستتر، والا فلم يكن له ثبوت معنى حكم الستر على هذا المعنى، واذا ثبت هذا المعنى فإنما يخرج من معنى هذا القول أن يكون الماء الذي يتوضا فيه يستر سرته، إذا قام للبس ثيابه، حتى لا تنظر له عورته حتى يلبس ثيابه.
ومعي القول الثاني: إنه إذا كان مستترا في حين عقد الوضوء فليس يضره ما بعد ذلك في معنى الاتفاق، أنه إذا كان مستترا في حين عقد الوضوء، إلا أن يحدث حدثا في غير معنى الوضوء، ومن ذلك ما يخرج في معنى الاتفاق أنه لو توضأ في موضع الستر الذي يستره وينعقد له الوضوء، (1/212)
صفحة 213
ثم إنه تبرج بعد فراغه من الوضوء في موضع يجوز له التبرج فيه، في موضع لا ينظر إليه أحد نظرا يأثم فيه أن هذا التبرج لا يضر وضوءه، في معنى الاتفاق، إذ قد ينعقد وضوؤه ولم يعص في معنة تبرجه، فإذا لم يدخل الوضوء فى حمل العصيان، حتى انعقد، فإنما ينقضه الحدث باي وجه كان، وليس خروجه من الوضوء بعد تمامه مما يدخل عليه حكم نقضه، إذا انعقد إلا بحدث مما ينقض الوضوء.
وليس تبرجه في موضع ما لا ينظر إليه أحد، ولوكان فى غير مأمن، إذا لم ينظر إليه أحد، في وقت تبرجه ذلك نظرا لا يسعه في وقت تبرجه ذلك، فليس ذلك عليه بضر في أمر الدين في معنى الإثم، لا في معنى الأدب، إذا كان في غير عذر، فقد يكره للإنسان في معنى الأدب إبداء عورته في كل حال ولو كان خاليا، إلا لمعنى يخرج له فيه معنى عذر.
وقد قيل: إنه ينهى أن يقوم الإنسان منتصبا من مغتسله ليلبس ثيابه، أو لمعنى عاريا إلا من عذر لا يمكنه إلا ذلك.
وكذلك ينهى عن إبداء شيء من عورته، ولو كان خاليا في منزله إلا من عذر، وهذا كله يخرج عندي على معنى الأدب لا على معنى المحارم والمآثم. (1/213)
صفحة 214
[صفحة بيضاء] (1/214)
صفحة 215
با ب معنى ما تثبت به هذه الطهارات
معي أنه إنما يخرج معاني هذه الأشياء المذكورات أنها من الطهارات وتسميتها، وإن كان يذكر فيها ومعها النجاسات، فإنما سميت كتب الطهارات وأبواب الطهارات، ولم تسم أبواب النجاسات لمعنى الفرق بين الطهارة والنجاسة منها، فيثبت أنه يذكر النجاسة من ذلك، ثابت معنا ذكر الطهارة، لأنه لا يحسن تقديم النجاسة على الطهارة، كما لا يحسن تقديم الكفر على الإيمان، كما كان ذكر الإسلام والإيمان هو المقدم وهو الثابت، وقد يجرى في ذلك الكفر وصفة الكفر، ويقال نسب الإسلام، ويجرى فيه ذكر الكفر والإسلام، والحلال والحرام وإنما ذكر الحرام ليفرق عن أحكام الحلال والكفر، ليعزل عن الإيمان والإسلام ظواهر الأمور.
من ذلك إنما يضاف في المجتمعات إلى الحسن من ذلك إلى القبيح، فيخرج معنا ذكر هذه الأشياء كلها من الطهارات والنجاسات المذكورات، بأنها طهارات ومن الطهارات من هذا الوجه.
ويخرج ذلك كله معنا بأسره، مشتق من معنى الطهارة في الانسان لطهارته بمعنى الإيمان، وطهارة الأبدان بالماء من الإنسان، لأن الإيمان طهارة وطاهر ومطهر، والكفر رجس ومرجس، وما كان منه وأسبابه من المحرمات، فهى الإيمان وأسبابه من جميع الطهارات مفسدات، في معاني المخصوصات والمعمومات، وما كان من الكفر بأسره من الإقرار والإنكار والإصرار على الصغائر والكبائر، وجميع ما كان من أسبابه مما يباعد من الجنة ويقرب إلى النار فهو رجس وبمنزلة الرجس، في معاني الإيمان في الانسان، (1/215)
صفحة 216
وأنه مفسد لجميع أسباب الإيمان، لأنه لا يتفق في المعنى الواحد ضدان، والكفر والإيمان فهما متضادان، فإذا ثبت حكم أحدهما بطل الآخر من الإنسان على الموضع والإمكان.
وكذلك عندي معنى الطهارة مما يثبت معنى طهارته بالماء، وثبت في الانسان من طهارة الوضوء للصلاة، ولا يصح في معاني الاعتمال المتضاد، وشيء من النجاسة في الأبدان قبل الوضوء، كانت تلك النجاسة أو بعد ثبوت الوضوء، فلا تثبت معاني الطهارة بكمال الوضوء للصلاة إلا بكمال الطهارات من النجاسات الحادثة في الإنسان من جميع النجاسات، كانت منه أو من غيره، وجميع ما ثبت نجسا من جميع ما ذكرنا ومضى ذكره من مبتدأ ذكر ما ينقض الوضوء مما جرى ذكره، أو ما أشبهه مما هو مثله، مما يخرج معناه مجتمعا على نجاسته من كتاب أو سنة أو إجماع أو رأي عدل شبه ذلك في موضعه من جميع النجاسات، فمس شيء من ذلك البدن، فلا يثبت طهارة الوضوء للصلاة عليه بمعاني التعمد والقصد إليه في أكثر معاني ما قيل وجاءت به الاثار، وصح عن ذوي الأبصار.
وكذلك ما عارض البدن من جميع ذلك، وما أشبهه من النجاسات، خرج معناه بحسب ما ذكرنا أنه ذلك ناقض للوضوء، ويخرج معاني ذلك على العمد والقصد بما لا يشبه فيه اختلاف من قول أصحابنا، على حسب ظواهر ما جاء عنهم من أكثر قولهم، وإن كان قد يأتي عمهم أو عن بعضهم، مما يضاف إليهم أشياء تأتي في الآثار، مما يأتي على حسب الاطمئنان أنه عنهم، مما يضاف إليهم مما يقرب ويسوغ في أشياء تأتي وآثار قومنا، من ذلك ما جاء يروى عن أبي عبدالله محمد بن محبوب -رحمه الله -، على حسب ما يوجد عنده أنه يرفعه عن والده محبوب - رحمه الله -، أو ممن يروى عنه ولعله عن غيره مما يوجد في آثار أصحابنا بنحوه ونحو معانيه، أنه لو كان في أحد (1/216)
صفحة 217
جوارح الوضوء من الانسان نجاسة، فتوضأ وتلك النجاسة فيه حتى أتى إلى موضع النجاسة من جوارحه، غسله له غيره أو غسله هو بحجر أو غيرها إلا أنه لم يمسه حين غسله، أن وضوءه ماضِ ويمضي على وضوئه، ولا يذكر في ذلك أنه كان في أول جوارحه ولا آخرهاَ.
و إذا ثبت ذلك جاز أن يكون لو مضى غسل جوارحه كلها ومواضع وضوئه كلها، وكانت النجاسة في قدمه الأيسر التي يكون غسلها في وضوئه مؤخرا، كان يستقيم ويجوز أن يكون وضوؤه قد تم كله على حسب النجاسة التي في بدنه ولا يذكر من يروي ذلك، ونقول إنه تفسير عمد في ذلك ولا نسيان، وإذا ثبت معاني الأثر به وحكمه والقول به، لم يتعر من القول فيه على التعمد، على تسليم الأثر به.
ومعي أنه قد شبه من شبه ذلك على معاني القول به، أن لو كانت النجاسة في غير مواضع الوضوء، ففعل فيه ذلك بعد الوضوء وغسله له غيره أو غسله هو، ولم يمسسه بشيء من جوارحه عند الغسل، أن ذلك سواء ويتم وضوؤه، وذلك غير بعيد عند ثبوت معاني القول في هذه الآية، لا فرق في ذلك في مواضع الوضوء، سواء كانت النجاسة لعلِّة في مواضع الوضوء أو في غير مواضع الوضوء، بل في مواضع الوضوء أشد وأحرى وأولىَ، أن يفسد الوضوء ما مس جوارح الوضوء من النجاسة، لأن مواضع الوضوء أقرب الأشياء من البدن إلى ثبوت الوضوء بطهارتها وثبوت نقض الوضوء بنجاستها، لأنه قد جاء فيما قيل مما يخرج على معاني الاتفاق من قول أصحابنا، أنه لو مس الرجل فرجه بشيء من غير مواضع وضوئه لم ينقض ذلك وضوءه، وإذا مسه بمواضع وضوئه نقض ذلك وضوءه.
وكذلك قد قيل -في أكثر ما عندي أنه من قولهم -: إنه لو مس فرج زوجته أو سريته بغير مواضع الوضوء من بدنه، على غير معاني الشهوة، فإنه لا ينقض وضوءه، ولو مسه بفرجه ما لم تغب الحشفة في فرجها مجامعا، وإذا مس فرجها بشيء من مواضع وضوئه انتقض وضوؤه، فهذا مما يدل على أن سائر بدنه غير مواضع الوضوء منه، أهون وأقرب في مواضع نقض الوضوء، بمس ما ينقض الوضوء من الأشياء المفسدة له.
كذلك مس النجاسة لمواضع الوضوء، أشبه أن يكون ذلك أقرب إلى فساد الوضوء.
وإذا ثبت معاني هذا، أن الوضوء ثبت على شيء من النجاسة في البدن في موضع الوضوء وفي غير موضع الوضوء، لم يتعر ولم يبعد أن يكون كذلك إذا مس المتوضىء شيئا من النجاسة في بدنه، أن يكون مثل هذا، لأنه لا فرق في ذلك، وإذا ثبت الوضوء على النجاسة أو جارحة منه، أو شيء من جوارحه ثبت معنى ذلك فيه المعارضة له بعد الوضوء، إذا خرج بمعنى ذك أن يطهره له غيره، أو يطهره هو بغير شيء من جوارحه، بحجر أو ما أشبهها، أو في ماء جارٍ أو في ماء لا ينجس في بعض معاني ما قيل إن المتوضىء إذا غسل شيئا من النجاسة في الماء الجاري، فلم يلصق به شيء من (1/217)
صفحة 218
النجاسة أن وضوءه لا ينتقض.
وأحسب أنه قيل: إنه ينتقض، لأنه قد مس النجاسة رطبة، وإنما يخرج معنى هذا عندي أن وضوءه لا ينتقض، على معنى القول أن تلك النجاسة منه في الماء الجاري أنها لا تنجسه ولا تنجس شيئا من بدنه، وأما على هذا القول فإنه يخرج أنه بمعنى مماسته النجاسة لبدنه لا ينقض وضوءه، إذا طهره له غيره، أو طهره هو بغير أن يمسه شيء من بدنه، إذا غسله بحجر بما أشبه ذلك، فإذا كان كذلك فغسله في الماء الجاري مشبه لذلك، من غسله غيره له، أو غسله هو له بحجر أو بما أشبهها.
وقد يوجد نحو هذا ومما يدل عليه، مما يروى عن هاشم بن غيلان أنه لو مس المتوضىء دما في غير مواضع وضوئه فغسله له غيره، ففي الاستدلال (1/218)
صفحة 219
به في معنى قوله: إنه لا ينتقض وضوؤه بذلك، وليس ذلك ببعيد إذا ثبت هذا.
و اذا ثبت معنى هذا الأول أن النجاسة تكون في مواضع الوضوء وينعقد عليها الوضوء أو شيء من الوضوء، فهذا من حدوث النجاسة في المتوضىء من بعد الوضوء، وتمام الوضوء أقرب وأحرى أن تجوز فيه هذا، إذا غسله له غيره، أو غسله هو بحجر أو بما أشبهه ذلك، لأنه قد قيل في المتوضىء: إنه إذا خرج منه دم من شيء مات بدنه من مواضع الوضوء أو من غيرها مجملا، ففي بعض القول - ولعله الأكثر - أنه ما كان من الدم قليلا أو كثيرا، من جرح طري أو غيره ولم يفِض، كان الجرح صغيرا أو كبيرا، فإن وضوءه لا ينتقض بذلك، وأنه تام ما لم ينتقض وضوءه ذلك سوى ذلك الدم، فإذا انتقِض وضوؤه بسوى ذلك الدم، ولزمه الوضوء للصلاة، لزمه في بعض ما قيل عندي أن يغسل ذلك الدم، وأنه لا يثبت وضوؤه إذا توضأ جديدا، قبل أن يغسل ذلك الدم، الذي لم يكن أفسد ذلك الوضوء الأول عندي، حتى يفيض ويفسد عنده هذا الوضوء الجديد المبتدىء، فكأنة عنده عند تساوي الأمرين في معنى واحد، أن تجديد الوضوء على النجاسة المتقدمة أشد، ولا يجوز إلا بعد طهارتها، ولو لم يكن مفسدا للوضوء المتقدم، وكذلك هذا الدم الحادث أو النجاسة الحادثة على الوضوء المتقدم على هذا المعنى، أولىَ وأحرى أن لا يفسد الوضوء، إذا مسه من غيره، لأنه لا اختلاف في معنى النجاسة، إذا ثبت منه ولا من غيره في معاني أسباب نقض الوضوء في أصول أصحابنا.
وكذلك على قول من يقول: إنه إذا لم يكن الدم الفائض مسفوحا، وكان أقل من ظفر عند من لا يفسد به الوضوء، إذا كان أقل من ظفر، فيخرج عندي في معنى القول على نحو هذا أنه لا يفسد الوضوء، ولا يقوم (1/219)
صفحة 220
عليه الوضوء الجديد حتى يطهر، في معاني قول من قال بذلك من أصحابنا، فثبت في معاني القول، أن معارضة النجاسة للوضوء المتقدم يدرك فيه معاني الترخيص أكثر من تقدم النجاسة قبل الوضوء الجديد، وذلك شيء مفهوم، أن معاني النقض في عامة الأشياء، أقرب من بناء الأصول على الفاسد، وبناء الأصل على الفساد يلحق معاني الاجماع بفساده، أكثر من المعارضات الفاسدة له، بعد ثبوته والعمل به على المستقبل من أموره، وذلك فيما لا يحصى لعله أنه حكم ما مضى يدرك ما فيه من الترخيص، أكثر من حكم ما يستقبل من ذلك، أنه مما يقع بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا، إن العامل بالطاعة من جميع المعاصي، صغارها وكبارها من التحول عن أحكام ما يوجب إصرارها، فإذا ثبت الايمان للعبد، كان ثبوت الايمان له فى الأحكام لاجتناب كبائر الاثم معفيا له ومكفرا عن سيئات المعاصي، مثبتا له الإيمان باجتناب الكبائر واعتقاد التوبة من الصغائر والكبائر، وثبوت أحكام ما يأتي من من السيئات مما كان مكفرا عنه بالإيمان، واجتناب الكبائر فغير معفي له ولا مكفر عن تلك السيئات مع غير كمال الإيمان واجتناب الكبائر، بل هو مأخوذ بجميع ذلك في حكم الدين، في معاني قول رب العالمين لأنه من لم يجتنب الكبائر لم يثبت في معاني قول الله -تبارك وتعالى- تكفير السيئات من الصغائر.
كذلك أشياء كثيرة تخرج في معانيها، أن تقدم الطهارات والأعمال بالأ شياء من الفرائض واللوازم، وأن الارتكاب للأشياء المكروهة مما يشبه المآثم، ويثبت في معاني القول فيها وبها أنه ما مضى من الأمور معفي عنه، ولا يؤمر فيما يستقبل بالعمل بذلك، وليس الماضي كالمستقبل في كثير من أحكام الإسلام، مما يجري فيه الاختلاف، فأسباب ما مضي توجد معانيه أقرب مما يسقبل، كذلك هذا عندنا يخرج معاني معارضة ما ينقض الوضوء من جميع الأشياء بعد تقدم الوضوء، أقرب وأسهل مما يخرج معاني (1/220)
صفحة 221
استقبال الوضوء عليه لمعاني ما قد ذكرنا مما يشبه ذلك ويقتضيه.
ومعي أنه قد قيل: في كل ما لم ينقض الوضوء من الدم الحادث الذي لم يفض، في قول من يقول بذلك أنه لا غسل فيه مع استقبال الوضوء وتجديد الوضوء، إذا انتقض الوضوء الأول بغير معاني ذلك من أسباب نقض الطهارة، ولو كان في مواضع الوضوء، ويوضىء جوارح الوضوء ويمر الماء في الغسل على معاني قول من قال بذلك، وليس عليه غسل الدم ولا اتقاؤه، ولا يفسد ما جرى عليه من الماء من موضع ذلك الدم من سائر الجسد، كان في مواضيع الوضوء أو من غير مواضع الوضوء، إلا أن يخرج ذلك الماء الجارى على مواضع الدم متغيرا، قد غيرته النجاسة وغلبت على لونه، وصار بحد المتغير، فهنالك عندى على معنى ما قيل يفسد ما مس ذلك الماء، ولعل هنالك يثبت غسل ما مس ذلك الماء المتغير ويلزم غسله وتنتقض الطهارة به، على معاني ما قيل من ذلك، وعلى جملة القول فيما يقتضي قول هذا القائل، أن مواضع الدم التي لم يفض منها الدم وهو بها، أو قد انتقل عنها بالغسل وجرى الماء عليها غسِل، ولو كان الدم بها باقيا غير فائض.
فانظر معاني القول: كيف فسد الماء إذا تغير من هذا الدم، الذي هو غير فائض، وجب غسله وأفسد الطهارة، وهذا الدم القائم الذي فسد منه ذلك الماء لا غَسل فيه ولا فساد فيه للوضوء واذا ثبتت معاني هذه الأشياء كلها، فلا فرق عندي في مس النجاسة لشيء من بدن المتوضىء من غير جوارح وضوئه، أو من جوارح وضوئه، والمعنى في ذلك واحد، لمعنى تساوي ذلك، ولما قد ذكرنا أنه أقرب وأهون من المتقدم، ولمعنى القول المذكور عن بعض أصحابنا الذي قلنا أنه يروى عن محمد بن محبوب عن والده، في النجاسة تكون في شيء من مواضع الوضوء، فيوضىء إنسان شيئا من جوارحه حتى أتى إلى ذلك غسله له غيره، أو غسله (1/221)
صفحة 222
بحجر أو ما أشبه ذلك، وتم وضوء المتقدم والمستقبل، وتلك الجارحة على هذا، فمعنا أن معارضة النجاسة للمتوضىء بعد كمال وضوئه خارجة بمخرج تقدمها قبل الوضوء، أن يكون المعارض على ما ذكرنا أقرب وأيسر وأشبه، بل هو معنا كذلك إذا ثبتت هذه الأشياء والمعاني التي ذكرت.
وإذا ثبت هذا كله وحسن معناه، لم يبعد من ذلك أن يكون غسله لنفسه ذلك بيده، وغسل غيره له وغسله له بغير يده، أن يكون ذلك كله سواء، إذا كان آخر ذلك طهارة النجاسة وثبوت الوضوء، لأن النجاسة إذا ثبت أنها لا تفسد الوضوء في مواضع الوضوء، ولا في غير مواضع الوضوء، وهي مماسة لشيء من جوارح الوضوء، وغير جوارح الوضوء، أو في بعض جوارح الوضوء، ثبتت معاني الوضوء أنه تام، عند استتمام طهارة الإنسان من جميع النجاسات، بعد أن يقوم إلى الصلاة طاهرا، ولا يضره شيء من مماسة النجاسة لشيء من جوارحه، لغسل ولا غير غسل، بل الغسل أولى وأحرى أن يكون موسعا له ذلك، لأنه إذا لم يفسد وضوءه مماسة النجاسة له ولبدنه من وجه، لم يفسده من وجهين، إذا كان بمعنى واحد، وإذا لم يفسده من وجهين لم يفسده من ثلاثة ولا أربعة ولا من عشرة، ولا من أكثر، والمعاني في ذلك كالمعاني وهي كالمعنى معنا.
وإذا احتمل هذا وثبت في الموضع الواحد من جوارح وضوئه، ثبت أن يكون في جوارحه كلها، وإذا لم يثبت في جوارحه كلها لم يثبت في جارحة، لأنه لا فرق في ذلك، واذا لم يثبت في جارحة من جوارح الوضوء لم يثبت في شيء من بدنه، من غير جوارح الوضوء، وإذا لم يثبت في شيء من ذلك إذا غسله بيده وهو في الأصل مما يفسد الوضوء، لم يثبت إذا لم يغسله بيده، ذلك لأنه إذا غسله بيده من بدنه في غير جوارح الوضوء، لم يثبت في شيء من جوارح الوضوء، وإذا لم يثبت في شيء من ذلك ولو غسله له غيره، أو غسله (1/222)
صفحة 223
بغير يده – كحجر أو غيره من الأشياء –أو غسله في ماء جار في هذه الأشياء كلها عندنا بعضها من بعض، فإذا ثبت فيها معنا هذين الأمرين وهذا القول، أثبت ذلك المعاني كلها التي ذكرناها، وخرجت كلها بعضها من بعض.
وإن بطل شيء من هذه المعاني بطل هذا الأثر، ومع ثبوت هذا الأثر بمعناه فيتولد من معانيه وأسبابه معي، كما أنه إذا قام المصلي إلى الصلاة طاهرا من النجاسة، فقد ثبت له حكم الوضوء، بمعنى العمل بإجراء الغسل على مواضع الوضوء، سواء تقدم ذلك نجاسة أو لم يتقدمها، حدث في المتوضىء نجاسة بعد ذلك أو لم يحدث، مما لم يات فيه إجماع أنه ناقض للوضوء على حال، مما لا يجري فيه اختلاف.
وإذا قام المتوضىء إلى الصلاة وليس به شيء من النجاسة، وقد ثبتت له أحكام الوضوء، أن وضوءه تام وصلاته تامة فصلاته تامة.
و إذا لم يثبت هذا المعنى على هذا الوجه وينتقض شيء منه، فهذا القول باطل بجميع معانيه إلا من وجه واحد من هذه الوجوه، وهو أن يكون موضع المضمضة من الانسان نجسا، فإنه لعله إن كان موضع المضمضة نجسا من الانسان فتمضمض، فانقى فاه، فقد ثبت حكم المضمضة بثبوت طهارة الفم، وكان مطهرا لفمه متمضمضا، وكان بغسله لهذا الموضع من مواضع وضوئه من النجاسة ثابتا له به حكم الوضوء، ولو كان فيه النجاسة، ولو دخل في الوضوء لأنه بمعنى استكمال طهارة النجاسة، ثبت له جميع وضوئه بالطهارة، إذا استقبله سائر جوارح وضوئه طاهرا، فثبت له جميع وضوئه بالطهارة، إذا استقبله متطهرا، وتثبت له المضمضة بثبوت النجاسة من موضع المضمضة، ولو كانت النجاسة في موضع الاستنشاق فتمضمض المتوضىء على ذلك ثم استنشق فطهر موضع الاستنشاق من النجاسة، فقد ثبتت له الطهارة من النجاسة، ولا تثبت المضمضة وهو بمنزلة من ترك المضمضة، فإن كان عامدا (1/223)
صفحة 224
لذلك، فهو بمنزلة من ترك المضمضة عامدا، وان كان ناسيا لذلك فهو بمنزلة من ترك المضمضة ناسيا، ولا تحصل له المضمضة من وضوئه على هذا، لأنه تمضمض وفيه النجاسة في موضع الاستنشاق، ولا تصح المضمضة ولا شيء من الوضوء على شيء من النجاسة على أصل هذا القول.
وكذلك إن كانت النجاسة في وجهه فتمضمض واستنشق على نسيان أو تعمد ثم غسل وجهه حتى نظُف فقد ثبت له بذلك غسل الوجه في معاني الوضوء، وهو بمنزلة من ترك المضمضة والاستنشاق على التعمد أو على النسيان، وقد مضى القول في ترك المضمضة والاستنشاق على التعمد وعلى النسيان والاختلاف في ذلك فيقع القول فى هذا في الوضوء على الترتيب في معاني أكثر ما يصح عليه قول أصحابنا، أن الوضوء لا يصح على نجاسة، سواء كانت قبله في البدن على عمد ولا على نسيان، وعلى النسيان أشبه أن يشبه معاني قولهم، مما أن يثبت على العمد، واذا ثبتت معاني ما وصفنا من قولهم، أنه يروى أن بعضهم أو جاء عن بعضهم، وليس في ذلك فرق في عمد ولا نسيان، فإذا كانت النجاسة في أحد اليدين بطل غسل الوجه، وإذا بطلت فريضة من الفرائض في الوضوء، وبطلت أحكامها، فليس يخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلاف على عمد، في معاني هذا.
وإن رجع بعد أن غسل مواضع الوضوء كلها إلى الوجه فغسله مرة، بعد ثبوت الطهارة له، وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، أو من طهارة بعد النجاسة وغسل اليدين، أو غسل شيئا من جوارح وضوئه، فلو رجع بعد ذلك إلى غسل وجهه الذي قد بطل، إذ وقع على النجاسة، فغسله، ومضى على تمام وضوئه، أو رجع إلى المضمضة والاستنشاق، وغسل وجهه ومضى على وضوئه ولم يعده، كان أتم وضوءه كله، أو أتمه بعد رجعته إلى غسل وجهه، أو ما قد وقع من وضوئه (1/224)
صفحة 225
وفيه النجاسة، وقع معاني ذلك عندي موضع الاختلاف، على سبيل ما قد قيل في الوضوء في الترتيب أو على الترتيب في النسيان والعمد ومخالفة السنة، فإذا لم يكن أراد مخالفة السنة فيجزئه أن يرجع إلى ما كان من وضوء قد وقع وفيه النجاسة، ويتم له ما مضى من وضوئه إن كان أتمه، ويجزئه أن يبني على ما مضى من وضوئه كله.
وعلى قول من لا يجزىء ذلك ولا يجيز له إلا أن يرجع إلى إعادة وضوئه كله ولا يقع له ما توضأ من بعد الطهارة.
ومعي أنه قد قيل: إنه يخرج معنا ثبوت الوضوء في العضو لثبوت طهارته من النجاسة، فإذا ثبتت طهارته من النجاسة معا، أو كانت طهارة النجاسة من العضو قبل غسل سائر العضو، فذلك معنا ثبوت طهارته في أحكام الوضوء لأن حكم طهارة النجاسة تقوم مقام الطهارة في الوضوء، لأنه لازم ذلك كله، وبمعنى الطهارة يثبت فرض الغسل للعضو في أحكام الوضوء، كما كان غسل العضو من الجنابة، إذا ثبت غسله لفرض الجنابة، كان ذلك ثابتا للوضوء، ولو لم يقصد به للوضوء، لأنه لازم وهذا لازم، وإذا وقع أحد اللازمين قام مقامه صاحبه، إذا قام بمعناه باعتبار حاله فيه ومعه، وربما قام غسل النجاسة بأكثر مما يقوم فرض الوضوء، من قلة الغسل، لأن فرض الوضوء وغسل الجنابة يقوم فى الاعتبار بالغسل الواحد في معاني الاتفاق، وربما لم يكن كذلك طهارة النجاسة، لأن طهارة النجاسة ربما لم تصح بالغسل الواحد في معاني جميع النجاسات، من الذوات، وغسل العضو للوضوء والجنابة يخرج في معاني الاتفاق بالغسل الواحد، في معاني جميع النجاسات، وتصح بالغسل الواحد، فربما قام غسل الوضوء والجنابة بغسل النجاسة، وربما لم يقم بذلك، وغسل النجاسة إذا حصل من جميع النجاسات من الذوات وغير الذوات، قام مقام غسل الوضوء وغسل الجنابة (1/225)
صفحة 226
على ما يخرج من معاني الاتفاق، إذا لم يصح غسل شيء من اللوازم عن شيء كان كله في المعنى واحد، ولم يقم شيء منه عن شيء إلا بالقصد إليه، ولعل ذلك قد قيل في بعض ما قيل، ويخرج هذا عندي لعله على أكثر ما قيل، فانظر في ذلك وفي معانيه. (1/226)
صفحة 227
خاتمة
تظهر أهمية دراسة تلك الأنواع من لحوم الأنعام والدواب المختلفة والطير والحشرات وما أشبهها، من ناحية حِل لحومها وطهارة أسئارها وخزقها وعرقها وما يخرج منها، أو نجاسته، لارتباط ذلك كله بأنواع من العباداتْ كحل الصيد من تلك الأنواع البحرية للمُحرِم، وأثر ما يخرج منها وحكمه في النجاسات على المتعبد والمتطهر بالوضوء، وأثر أسئارها على أنواع المياه، من ناحية تغير طعمها ولونها ورائحتها، وتأثير ذلك كله على طهارة الماء، وأحكام زوال حكم النجاسة وثبوت حكم الطهارة في تلك الأنواع بالمؤثرات من صفات لا وأحوال، وكذلك في إزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان، وكذلك تظهر أهميتها في معرفة أثقل النجاسات وأخفها، وما رخص فيها منعا للحرج والمشقة كشرر الدم المسفوح، وتأثير ذلك على العبد المؤمن في أكله أو شربه أو وضوئه، أو الاغتسال به أو الصلاة في ثوب لحقه شيء من ذلك.
وقد وضع الإمام أبو سعيد في هذا الجزء قواعد أحكام الطهارة في كل هذه الفروع، تمهيدا لما سيقدمه إن شاء اللهّ عن أحكام الوضوء والصلاة (1/227)
صفحة 228
بحمد اللّه وتوفيقه، تم بفضله تعالى تحقيق وتصنيف هذا الجزء الثالث من كتاب المعتبر للإمام أبي سعيد محمد بن سعيد الكُدَمِيّ عن الطهارات، ويليه إن شاء اللّه تعالى الجزء الرابع في العبادات ويبدأ ببيان أحكام الغسل من الجنابة.
محققه
محمد أبو الحسن
معهد القضاء في يوم الاثنين 22 من شهر ربيع الآخر سنة 1405هـ
الموافق 14 من يناير سنة 1985 م (1/228)
صفحة 229
الفهرس
* باب في الحائض و المستحاضة (من الأثر)
* في الحيض و المستحاضة)
* باب: غسل الخنثى من حيضها وجنابتها)
* باب: حيض الخنثى وتزويجها وميراثها)
* باب: الطهارات وأحكامها)
* باب: الطهارات وأحكامها)
* باب: الاستنجاء والطهارة)
* باب سؤر الأنعام وما أشبهها وأحكام ذلك)
* باب الجلالة ونحوها من الدواب)
* باب سلح الإبل)
* باب طهارة أسئار الطير وخزقها وكناستها)
* باب طهارة الدجاج والجعل وما يخرج منها وأحكام ذلك)
* باب السباع من الدواب والنواهش من الطير)
* باب طهارة السنور والفأرة ونحوهما)
* باب الحيات والأماحي والخنازير وما أشبه ذلك)
* & باب العقارب والدبى والضفادع)
* باب الضفادع ونحوها)
* باب ذكر الغيلم ونحوه من ذوات الماء والطير)
* باب ذكر الوضوء ونحوه من كتاب المعتبر عن كتاب الضياء عن الربيع) (1/229)
صفحة 230
* باب ذكر الوضوء قائما أو قاعدا أو عاريا)
* با ب معنى ما تثبت به هذه الطهارات)
* خاتمة) (1/230)
صفحة 231
[صفحة بيضاء] (1/231)
صفحة 232
طبع بمطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي ص. ب 6002
سلطنة عمان
1985 (1/232)