صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: المعتبر
المؤلف: محمد بن سعيد الكدمي أبو سعيد
كلمة: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1405ه/ 1984م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 4
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أحكام الولاية والبراءة، فقه الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=549&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/221
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 ربيع الأول 1447ه/ 31 - شهر 08 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة التراث القوي والثقافة
المعتبرة
تأليف
العلامة المحقق الشيخ
الي سعيد
احمد بن سعيد الكدي
الجزء الأول
1405 هـ - 1984 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
تأليف العلامة المحقق الشيخ ابي سعيد
محمد بن سعيد الكدي (القرن الرابع الهجري)
الجزء الاول
1405 هـ - 1984 م (1/2)
صفحة 3
بسم
الله الرحمن الرحيم
كلمة سماحة الشيخ أحمد
حمد بن
الخليلي
المفتي العام للسلطنة
وكيل الوزارة لشئون العدل
-- (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين.
وبعد
فإن الفقه في دين الله تعالى أساس الاستقامة ومنبع الهداية لذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وقد عني علماء السلف بهذا العلم، فانصبت فيه همتهم، وأفرغت فيه همتهم، فكان من عطاء ذلك هذا التراث الضخم الهائل الذي لا يملك الإنسان أمامه إلا أن يحني رأسه إكبارا لتلك الجهود وإعظاما لتلك الهمم التي انتجت هذا التراث، وان من بين الكتب الفقهية المعتمدة في القضاء والافتاء عندنا في عُمان كتاب الجامع للأمام أبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي المتوفي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وقد عني الإمام الكبير أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي رحمه الله بهذا الكتاب، فأولاه عناية خاصة إذ أخذ يحلل مسائله ويُجري أحكامه في كتاب واسع أسماه المعتبر، كان يقع في تسعة أجزاء، ولسوء الحظ لم يبق من هذا الكنز الثمين إلا جزآن، وبقية الأجزاء أتلفتها يد
الحوادث
وأبو سعيد مؤلف هذا الكتاب، معدود في أجلة علماء المذهب الاباضي بعمان، حتى أنه لقب بإمام المذهب، وذلك يعود إلى ما قام به من رتق الفتق ولم الشعث في عمان، بعد أن وقع بين العلماء الشقاق والنزاع على أثر الفتنة العمياء التي تأججت نارها إثر قيام طائفة من الناس، بإقصاء الامام الصلت بن مالك
- {- (1/4)
صفحة 5
الخروصي من منصب الإمامة في غضون العقد السابع من القرن الثالث الهجري، فنتج عن ذلك اختلاف الآراء وكثرة التعصبات، والغلو بإعطاء القضية فوق ما تستحق، وقد ضاق ضعفاء العلم ذرعا من ذلك، ولم يدروا أي مسلك يسلكون وبمن يقتدون حتى انبرى الإمام أبو سعيد فجلى الموضوع أتم تجلية، وشرحه أوسع شرح في كتاب خصصه لذلك، وهو كتاب الاستقامة الذي شرح فيه أحكام الولاية والبراءة، وفصل ما أجمله من قبله من العلماء، فأزاح ستار اللبس عن الحقيقة، فكان جديرا بأن يكون لمن بعده إماما، ولذلك تجد جل المؤلفين في باب الولاية والبراءة من علماء عُمان ينهلون من معينه ويستندون إلى تأصيلاته. وقد عاش الامام المذكور في القرن الرابع الهجري وعاصر الإمامين العادلين سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد رحمهما الله، كما عاصر الإمام ابن بركة البهلوي، الذي كان رئيس الحزب المعارض له.
هذا وقد أخذ أبو سعيد العلم عن عالمين جليلين من علماء نزوى، هما محمد بن روح الكندي وأبو الحسن النزوي، وتتلمذ عليه جماعة منهم ابنه سعيد ابن محمد، وترك من آثار العلم كتاب المعتبر هذا، وكتاب الاستقامة، ومجموعة من الأجوبة، رتبت من بعده في كتاب سُمّي الجامع المفيد من أجوبة أبي سعيد".
رحمه الله رحمة واسعة (1/5)
صفحة 6
/ (1/6)
صفحة 7
مقدمة التحقيق
الحمد الله الذي بنعمته تتم
الصالحات
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد رسول الله، وخيرته من خلقه. خاتم النبيين، وأشرف المرسلين، وعلى آله وصحابته، ومن
تبعهم - بإحسان ـ إلى يوم الدين
وبعد:
•
فإننا نقدم اليوم - بفضل الله وتوفيقه - كتاب المعتبر في الولاية والبراءة، للعلامة الفقيه إمام العلماء؛ أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي - رحمه الله رحمة واسعة ـ وجزاه الجزاء الأوفى على ما قدمه للأمة الاسلامية من أسس قعد بها أحكام الولاية والبراءة، وبيّن أقسامها وشرائطهما، ومعاني الوقوف، والشريطة والحقيقة وحكم الظاهر، ومعنى وقوف الدين ووقوف الرأي، وأحكام الدعاوى وأحكام البدع، ومعنى التقية ومواضعها، ومعاني ولاية الحدث، والولاية بالرفيعة، وولاية المجنون والأعجم والمتلاعنين، ومعاني البراءة في حكم الظاهر، والبراءة قبل الاستتابة، ومعنى شهادة النساء بالبراءة، والشهادة في البراءة على الأئمة السالفين، وما يسع جهله من
البراءة
وغير ذلك كثير مما استقصى به العالم الكبير كل مسألة تتصل بهاتين
الفريضتين؛ أو تتفرع عنهما، مما امتلأت به كتب الفقه والأحكام والأديان
- V- (1/7)
صفحة 8
هذا
والدعاوى، وقل أن تجد مؤلّفا بعد أبي سعيد إلا وجدته أخذ بنصيب من. المؤلف «الأم»، وخير دليل نقدمه في هذا المقام، ما اعتمد عليه العالم الجليل الشيخ جميل بن خميس السعدي في قاموسه الجامع (قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، فالمتصفح للأجزاء السابع والثامن والتاسع من هذا القاموس الشامل، يجد أن صاحب القاموس نقل حرفيا ما لا يقل عن ثمانين بالمائة. صفحات هذه الأجزاء الثلاثة من كتاب المعتبرة على الاقل بالنسبة لما من أحمد كتاب المعتبر، الذي ذكر فضيلة سماحة الشيخ الخليلي، أنه كان تسعة أجزاء ومع الأسف لم يصل إلى أيدينا منها سوى ما أودع مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة، أو ما بقي متفرقا في وريقات في أيدي بعض أفاضل العلماء
بين
أيدينا
من
بن حمد
وإننا لنأسف أشد الأسف ونعترف بالقصور لأننا لم نبذل الجهد الكافي للبحث عن قواعد الولاية والبراءة عند تأليف مذكرتنا عن الولاية والبراءة التي استقينا أسسها من الجزء الثالث من بيان الشرع» للعلامة المحقق الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي. ولم نكن ندري أن صاحب بيان الشرع وصاحب قاموس الشريعة، وغيرهم من قبلهم ومن بعدهم كثير، نهلوا من ذلك النبع الصافي المعتبر» عند كل علماء الشريعة الذين يعتمدون على قواعده إلى يومنا
هذا
فهو كما قال العلامة الخليلي - بحق - أصبح أبو سعيد ـ رحمه الله ـ بهذا الكتاب الجامع لأحكام الولاية والبراءة، وكتاب الاستقامة، إمام العلماء بلا منازع، فإذا قيل: الإمام - في مجال العلم - فهو أبو سعيد. ونسأل الله سبحانه أن يمكن المسئولين في الوزارة حتى تنشر مؤلفات أبي سعيد جميعا، وأن يمن علينا بالعثور على ما خفي منها. إنه سميع
التعريف بالمؤلف
كان أبو سعيد على جانب عظيم من الزهد، لا ينظر إلى الدنيا إلا بعين
- A. (1/8)
صفحة 9
الاحتقار. وخصاله إذا أطلنا فيها لا تنتهي - على حد تعبير فضيلة الشيخ سالم ابن حمود السيابي - وإن الله في خلقه ضنائن، ولكل درجات مما عملوا
وأما من ناحية العلم فكل العلماء يعترفون لأبي سعيد بالمنزلة العلمية وعليه يُعوّلون، وعلى أقواله يعتمدون، ولقد اشتهر أبو سعيد بعد وفاته أكثر
من شهرته في حياته؛ لأنهم اطلعوا على مؤلفاته فأكبروها. وخصاله عديمة النظير، ولهذا أطلق عليه شيخنا السالمي أنه إمام المذهب.
وأما نسبه فهو ناعبي، ونسب النعب من قضاعة، واختلف العلماء في
قضاعة؛ فمن قائل: هما قضاعتان إحداهما قضاعة بن
معد بن
عدنان
والثانية قضاعة مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
بن
وعليه قول قائلهم:
6
6
نحن بني الشيخ الهجان الأكبر قضاعة
بن
مالك
بن حمير
النسب المعروف غير المنكر في الحجر المنقوش تحت المنبر
حسم
رحم الله أبا سعيد رحمة واسعة، فلقد. الموقف عندما ترامت إليه الخلافات التي كانت سائدة بين الصلت بن مالك وراشد بن النضر، قال فيها
ما رآه؛ فكان فصل الخطاب
ومن مؤلفاته المعتبر - الذي نحن بصدده الآن - وكان تسعة أجزاء.
6
وكتاب الاستقامة - وسنفرد له تقديما خاصا به إن شاء الله ـ والجامع المشهور بجامع أبي سعيد المحتوي على فتاواه، وكلها لها مقام ثمين عند أهل الفضل
والعلم (1).
وكما ذكر فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: إن أبا سعيد - رضي الله
1 - منقول بتصرف مشافهة عن الشيخ سالم بن حمود السيابي
-1. (1/9)
صفحة 10
عنه - معدود من أجلة علماء المذهب الاباضي بعمان - حتى
المذهب
أنه لقب بإمام
وقد عاش في القرن الرابع الهجري وعاصر الامامين العادلين
سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد - رحمهما الله - كما عاصر الإمام ابن بركة وقد أخذ عن عالمين جليلين من علماء نزوى هما العلامة الشيخ
البهلوي محمد بن روح الكندي والعلامة الشيخ أبو الحسن النزوي. . وتتلمذ عليه جماعة من العلماء
خطة وأسلوب تحقيق الكتاب
تقع نسخة وزارة التراث القومي والثقافة من كتاب المعتبر في حوالي ثمانمائة صفحة من الحجم المتوسط، وقد لاقينا صعوبة كبيرة في تنسيق أفكار المؤلف وملاحظة تتابعها، فقابلناها أولا على ما جاء منها في «قاموس الشريعة في الأجزاء السابع والثامن والتاسع، واستغرق ذلك جهدا ووقتا، ونتيجة لسقوط بعض الصفحات من هذه المقابلة بحثنا عن نسخة أخرى حصلنا عليها من الشيخ حمد بن عبدالله البوسعيدي لتكملة النقص وقد رتبنا هذا السفر الثمين (المعتبر) ترتيبا موضوعيا. وقد اتبعنا الأسلوب التالي:
أولا: استعرضنا جميع الموضوعات الواردة في الكتاب فاستخلصنا منها كل موضوع يتصل بقواعد وأسس الولاية والبراءة. فوضعنا كل هذا؛ في هذا الجزء الأول، وفي داخل هذا التقسيم توخينا ـ قدر الطاقة ـ أن نتخير القواعد العامة التي وضعها المؤلف الجليل عن الولاية والبراءة، وشرائطها وتقسيماتها وفروعها.
ثانيا: أننا خصصنا الجزء الثاني لتطبيقات الولاية والبراءة، وكيفية استخدام القواعد الواردة في الجزء الأول وتطبيقها. وفي داخل هذا الجزء
-1 - (1/10)
صفحة 11
رتبنا كل ما يتصل بتطبيقات الولاية أولاء وذلك باعتبارها «الولاية» الأساس الذي يبني عليه المسلم حياته، وأوردنا كل ما يتصل بتطبيقات الولاية من ولاية الحدث والمجنون والأعجم وغير ذلك. وبعد أن انتهت كل تطبيقات الولاية، أوردنا كل ما يتصل بتطبقات البراءة بنفس الأسلوب السابق ثالثا: ألحقنا بالجزء التطبيقي ما أورده المؤلف ـ رحمه الله ـ من تطبيق لقواعده في أمور متصلة بالولاية أو البراءة مما يسع جهله وما لا يسع، وما يجوز من التقليد وما لا يجوز، والاستحلال والتحريم، والناسخ
والمنسوخ.
والصغائر والكبائر، وغير ذلك. وقصدنا من كل هذه الترتيبات المساعدة في الاستفادة من هذا السفر الثمين، وقد حرصنا كل الحرص على المحافظة على النصوص الأصلية والحمد الله
ولقد بذلنا - قدر الطاقة - ما وفقنا الله إليه من استطاعة، ويبقى قصور الإنسان وضعفه، وافتقاره إلى حول الله وقوته، وإلى عون الله له في كل عمل، وقد أدبنا ربنا - سبحانه - فعلمنا وهدانا للاستعانة به في كل أمر من
أمورنا.
وفي نهاية كلمتي لا بد لي من إزجاء الشكر الجزيل لكل من ساعدني وساهم في نشر هذا التراث الفقهي الذي أصبحت الأمة اليوم في أشد الحاجة إليه لتستنير به الأجيال المؤمنة، وتنطلق به إلى ما يحبه الله ويرضاه
وأسأل الله - سبحانه - أن ينفع به، وأن يجعله في أعمال صاحبه
الصالحة وأن يأجره عليه ويثيبه، إنه نعم المولى ونعم النصير
في 23 من شوال 1404 هـ الموافق 22 من يوليو 1984 م
-11 - (1/11)
صفحة 12
/ (1/12)
صفحة 13
باب
ثبوت العلم كله من كتاب الله تعالى
معنا أن الأصل كله من القرآن، خارجة أحكامه كلها من
التنزيل (1)، فمنه ما يخرج بنفسه من غير تأويل، ومنه ما يحتاج إلى التأيل ومنه ما لا يخرج في تأويل التنزيل.
،
ويخرج في تأويل التأويل للتنزيل، فمنه ما كان دالا على نفسه من التنزيل؛ ولم يحتج إلى تأويل، وما احتاج إلى تأويل؛ فمنه ما اختلف في تأويله ولم يصح من اختلاف المتأولين
وفي نسخة: لم يصح من تأويل المتأولين في الاختلاف؛ الا ما وافق التنزيل المحكم، غير المتشابه ولا المنسوخ، فهذا أحكام التنزيل.
فالحق كله خارج بأسره من حكم التنزيل، عن الله تبارك وتعالى، وهو أنه لا يدرك الحق إلا منه، وما خرج من أحكامه. امه منه وفيه، وما لم يوافقه ولم تخرج أحكامه منه؛ فهو باطل، لأنه الحق من الله وما سواه باطل، وما بعد الحق إلا الضلال، وما خرج على الحق فهو باطل، لأنه قيل: إن الحق كله إنما يُدْرَك من كتاب الله تبارك وتعالى، أو سُنّة رسوله، أو إجماع المحقين من
أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أو حجة العقل - مما وافق فيه هذه الأصول الثلاثة ـ كتاب
الأمة الله، وسنة رسوله وإجماع المحقين من
•
1 - في نسخة: من القرآن والتنزيل
- Ir. (1/13)
صفحة 14
وهذه الأصول كلها من كتاب الله تعالى، وهو القرآن الذي أنزله
الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ منه ما يخرج في نص الكتاب بغير تأويل، ومنه ما يخرج من تأويل كتاب الله - تبارك وتعالى -، والسُّنَّةُ كلها تأويل لكتاب الله - تبارك وتعالى -، وكذلك الإجماع من تأويل كتاب الله، فكما كان تأويل التنزيل تأويلا له؛ كذلك السنة والإجماع من تأويل كتاب الله، وكذلك حجة العقل من تأويل كتاب الله - تبارك وتعالى - والرأي من أهل الرأي من المسلمين يخرج حجة من العقول، فتُثبت أن الحق كله، والعلم كله هو من القرآن. فإن قيل لك: فما الدليل على أن الحق إنما يُدرك من كتاب الله تعالى،
وأن هذه الأشياء - زعمت من كتاب الله ـ وأنها من عند الله؟
قيل له: أما حجة الكتاب أن الحق منه، فمن ذلك قول الله - تبارك
وتعالى - ألَمَ، ذَلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمَتَّقِينَ) (1).
وقوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ ا رضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم) (2) وقوله - تعالى -: أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقِّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُم مِّن نَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) (3).
وما لا يحصى من شواهد الكتاب، ومما يطول به الوصف من الدلائل
على مثل هذا، ولا ينكر ذلك أحد من أهل القبلة
وأما ثبوت السُّنَّة
من كتاب الله، فمن ذلك قوله - تبارك وتعالى -:
وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (4).
•
1 - الآيتان (1)، (2) من سورة البقرة
2 - جزء الآية (15)، والآية (16) من سورة المائدة.
3 - الآية (3) من سورة السجدة.
4 - جزء الآية (7) من سورة الحشر
-12 - (1/14)
صفحة 15
وقوله - تبارك وتعالى -: (قُلْ
أطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حَمَلَ وَعَلَيْكُم مَّا حَمَلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
البلاغ المبين) (1)
وقوله - تبارك وتعالى -: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِياَ شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا لِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيا) (2)
وكثير من الآي من كتاب الله - تبارك وتعالى - يشهد بمثل هذا ويدل
عليه، ولا ينكر ذلك معنا أحد من أهل القبلة
•
وأما ثبوت الإجماع من الأمة من كتاب الله - تبارك وتعالى ـ؛ فمن ذلك قوله - تعالى -: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وتُؤْمِنُونَ باللهِ) (3).
وقوله - تعالى -: ولتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بالمعرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (4)
وقوله - تعالى -: {وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (5)، ولا يكون الشاهد إلا يُحقًا مصدقا
وقوله - تعالى -: أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ .. ) (2) فقيل: هم الأئمة في الدين والأئمة المنصوبون. هذه شواهد ظاهرة، أنه إنما يخاطب بها الله - تبارك وتعالى ـ المحقين، ويجعلها فيهم، لأنه - تعالى - إنما يخاطب أولي الألباب بمثل هذا كله، إلا
1 - الآية (54) من سورة النور، وجاءت في الأصل غير مستكملة.
2 - الآية (65) من سورة النساء 3 - جزء الآية (110) من سورة آل عمران
0
آل عمران.
4 - جزء الآية (104) من سورة جزء الآية (78) من سورة الحج. جزء الآية (59) من سورة النساء
1
-10 - (1/15)
صفحة 16
هذا ما خص غيرهم على غير مخاطبة التفهيم، ومن ذلك قوله - تعالى -: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ هَمُ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (1)، فمن استحق من الله الرضى على
؛ فلا يجوز إلا أن يكون محقا عليه وفيه، صحيحا له التوفيق.
وأما ثبوت حجة العقل من كتاب الله - تعالى ـ، فمن ذلك قوله - تعالى -: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ) (2)، وقوله - تعالى -: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) (3)، وقوله - تعالى -: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم من جَنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (4)
وقوله - تعالى -: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقوله - تعالى -: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الألباب) (1).
فالاعتبار والتدبر والتفكر والفكرة لازمة لكل متعبد في كتاب الله - تبارك وتعالى ـ كل منهم بما بلغ إليه طوله وقدرته، وأكثر من هذا من كتاب الله - تعالى -، مما يثبت لزوم التدبر والفكرة والاعتبار، ومحال أن يلزمهم الله - تبارك وتعالى - ذلك لغير معنى، ولا يأمرهم به إلا لمعنى؛ إن خالفوه لم يكونوا داخلين في أمره، وإن امتثلوا أمره كانوا بالغين به إلى ما أمرهم، فهذا معنى مواضع ثبوت هذه الأصول من كتاب الله - تعالى - كلها
ومعنا أن الشواهد عليها أكثر مما ذكرنا، فثبت هذا كله من كتاب الله
1 - الآية (100) من سورة التوبة جزء الآية (2) من سورة الحشر - جزء الآية (82) من سورة النساء. 4 - جزء الآية (184) من سورة الأعراف.
5 - جزء الآية (185) من سورة الاعراف 1 - جزء الآية (29) من سورة ص.
- 17. (1/16)
صفحة 17
- تعالى -، وثبت حكم الإجماع ما. ا من كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله حيث يقول: إن الله لا يجمع أمتي على ضلال (1)، وما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في كتاب الله - تعالى -. وقد قيل عنه: إن المحق هو الأمة، ولو كان فردا على رأس جبل. وكذلك يُروى عن ابن عباس: إن الأمة المحق الواحد، ولو كان على رأس جبل. فثبت حكم الإجماع من الكتاب والسنة معنا، وثبت حكم الرأي من الكتاب على ما وصفنا، أنه من حجة العقول، أو من كتاب الله شواهد تدل عليه؛ من ذلك قوله - تعالى -: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرَكِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين فَفَهَمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكماً وَعِلماً) (2)، ولم يكن الله - تبارك وتعالى ـ ليخبر بشيء من الأحكام إلا وقد جعل لنا الاقتداء به، لقول الله تبارك وتعالى -: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (3)، وقوله - تعالى -: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) (4)
وقد قيل في الرأي أنه مما جاء فيه؛ قوله - تعالى -: {وَلَوْ رَدُّوهُ إلى
الرَّسُولِ وَإلى أولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلَمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (5)
وكثير من مثل هذا مما يثبت منه معنى إحكام الرأي وإجازته، وقد قيل
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (6). وأنه قال: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح».
فلا يجوز أن يرى المسلمون شيئا من دين الله الحسن قبيحا؛ ولا القبيح حسنا، ولا يجوز أن يطلق النبي الي في قوله إن أصحابه كالنجوم بأيهم اقتديتم
1 - رواه البخاري بلفظ مغاير.
- الآية (78) وجزء الآية (79) من سورة الأنبياء - جزء الآية (90) من سورة الأنعام.
4 - جزء الآية (15) من سورة لقمان جزء الآية (83) من سورة النساء.
-0
- رواه البخاري ومسلم
- 17 - (1/17)
صفحة 18
اهتديتم؛ إلا وقد أثبت الاختلاف منهم، فبأيهم اقتدوا في اختلافهم اهتدوا. ولا يجوز أن يثبت لهم الخلاف في الدين؛ ومحال هذا، وإنما هذا كله يدل على ثبوت الرأي، وقد أجمع خيار الأمة من المهاجرين والأنصار على الرأي، فيما لا ينكره أحد من الأمة إن أنصفوا؛ فيما لا يحصى من أحكام الفرائض وغيرها؛ مثل الجد والرد والجدات، ولو لم يكن من ذلك إلا معنى واحدا قد اختلفوا فيه، وتولى بعضهم بعضا على ذلك؛ لكان ذلك حجة، لأنهم خيار أمة محمد وإذا لم يثبت إجماع المهاجرين والأنصار؛ لم يثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم أن الله - تعالى - لا يجمع أمة الرسول على ضلال، لا معنى له؛ فإذا كان خيار أمته لا إجماع لهم، وإن قيل إنه إنما الإجماع على شيء بعينه وليس الاختلاف بإجماع؟ قيل له: الاختلاف شيء بعينه قد أجمعوا عليه، كما أن الشيء بعينه شيء بعينه إن كان شيئا.
مالهم؟
فإن قال: إنما الإجماع للمهاجرين والأنصار، وليس لمن بعدهم
قيل له: فإذا ثبت قول الله - تبارك وتعالى -: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإِحْسَانٍ)، فإن ثبت الإجماع من المهاجرين والأنصار؛ ثبت من التابعين لهم بإحسان، وإن بطل منهم؛ بطل ما للتابعين لهم، لأن التابع كالمتبوع. ودون هذا فيه كفاية لمن اهتدى، ولم يتبع سبيل الغي والردى. فثبت معنا إجازة الرأي من الإجماع ومن السنة ومن الكتاب، وثبت الإجماع معنا من الكتاب والسنة، وثبتت السنة من الكتاب، وثبت الكتاب عن الله
- تعالى -، لا شك في ذلك معنا ولا ريب فيه، كما قال الله - تعالى -. ولا شك معنا ولا ريب أنه كله منزل من رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل، أمين رب العالمين، من الكتاب المحفوظ؛ على قلب محمد، ليكون به من المنذرين، بلسان عربي مبين. وأن جميع ذلك
عن
الله
- 18 - (1/18)
صفحة 19
عند الله، من
، وعن
- تبارك وتعالى - رب العالمين، كالحق كله کله والعلم الله - تبارك وتعالى - أخذه عنه أصفياؤه وأولياؤه بلا شك عندهم في ذلك
ولا ريب، وليس شيئا منه عندهم مخالف لشيء منه، بل هو شيء واحد وأصل واحد ومعنى واحد، ولا يجوز في الحق أن يكون مختلفا، لأن الخلاف لا يثبت ولا يجوز حكمه في الحق، فإذا ثبت الاختلاف في الحق في أصل الدين؛ جاز الاختلاف في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، وجاز الاختلاف في الطاعة والمعصية الله، فيطيع كل من شاء من العباد ما شاء؛ المحال والضلال، وليس إلا التسليم للحق على ما جاء، فإذا جاء مختلفا فيه من حكم الله، لم يجز أن يخالف اختلافه، وإذا جاء مجتمعا لم يجز أن
وهذا من
يختلف فيه، فليس من شيء في دين الله يخالف بعضه بعضا، ولا من الحق
ولا من العلم، بل كله متفق عند الله وفي حكم دين الله وفي حكم أولياء الله
ومن الكتاب: وليس في دين الله خفاء، ولا في الاسلام خفاء فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإن محمدا عبده ورسوله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث والحساب والجنة والنار، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى، وإقام الصلاة لوقتها؛ بحسن ركوعها وسجودها، والتحيات التي لا تجوز الصلاة إلا بها، وإيتاء الزكاة بحقها وصدقها وقسمها على أهلها، وصيام شهر رمضان بالحلم والعفاف، والحج لبيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا، وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى والجار الجنب
والصاحب بالجنب وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم، إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُختالاً فَخُورًا}، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، وغض النظر عن المحارم، وحفظ الفروج عن الحرام، وستر الزينة التي أمر الله بسترها إلا ما ظهر منها، والاستئذان في البيوت، والتسليم على أهلها، والغسل من
الجنابة، واتقاء النساء في الحيض، والنكاح بالفريضة، والبينة العادلة
6
- 14 - (1/19)
صفحة 20
ورضاء المرأة، وإذن الولي، والطلاق بالشهود، والعدة والمواريث بفرائض القرآن الكريم، واجتناب الكذب والتوبة إلى الله من جميع الذنوب والخطايا
والشهادة على أهل الضلال بضلالتهم، والبغض لهم
والبراءة
منهم، والولاية لأهل طاعة الله على طاعته؛ والحب لهم والقيام بالشهادة على
القريب والبعيد
والوفاء بالعهد إلى جميع الناس؛ البار منهم والفاجر، والعدل في الوزن، والوفاء في الكيل، وتحليل البيع وتحريم الربا، وتحريم مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
إن الله أوجب الحدود لتؤخذ من أهلها، وأثبت الحقوق لتؤدى إلى أهلها، وإنما أكمل الله - عز وجل. - دينه، وأضاء نوره للذين يهدون بالحق وبه، وهو للذين آمنوا هدى وشفاء
يعدلون
•
فمن أقر للمسلمين بهذه الأعمال وهذه الحقوق ثبتت ولايته، ووجب حقه، وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، إلا أن يُحدث حدثا؛ فإن أحدث حدثا كان حدّثه على نفسه، ولن يضر الله شيئا، وكان الله غنيا
حميدا
قال الله - تبارك وتعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (1)
1 - الآية (10) من سورة الفتح.
- 20 - (1/20)
صفحة 21
باب
في طلب العلم
قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تعلموا العلم فإن تعلمه الله خشية،
ومدارسته تسبيح، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو منار سُبل أهل الجنة، والأنيس في الوحدة، والصاحب في الغربة، يرفع الله بالعلم أقواما ويجعلهم في الخير قادة، وأئمة هدى، تقتص آثارهم، وتُرفع أعمالهم، وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسهم (1).
قال أبو سعيد: معنا أنه في الأصل تمسحهم.
6
ومن الكتاب: وكل رطب ويابس يستغفر لهم؛ حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها، والأرض وتخومها. امه
النظر فيه يعدل الصيام، ومذاكرته تعدل القيام، وبالعلم يُعرف الله ويُوحد، ويُطاع الله به ويُعبد، وهو إمام العمل والعقل تابعه
قال أبو سعيد: معي؛ أنه والعمل تابعه
•
ومن الكتاب: يُلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء.
•
وقيل: لا خير في عبادة من غير تفقه، وقليل النفقه خير من
العبادات
1 - رواه الامام الربيع في المسند
- YI- (1/21)
صفحة 22
وبلغنا أن أعمال البر كلها: الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، عند طلب العلم كتفلة في بحر
والعلماء هم ورثة الأنبياء، وملح الدنيا، ومصابيح الأرض، وهم الأدلاء عند العمى، وهم المشهورون في الأرض والسماء، لأنهم الأئمة، وربانيو هذه الأمة، والعلماء بالله والسنة، وقواد الناس إلى الجنة
وقيل: حِفْظُ مسألة خير من عبادة ستين سنة
وقيل: خطأ العالم الذي يجوز له أن يقول بالرأي مرفوع عنه، وصوابه مأجور عليه، ولا يسع أحد أن يفتي؛ إلا من علم ما في كتاب الله وسُنَّة نبيه وآثار أئمة العدل
ضمن
وقال من قال: من أفتى برأيه فأخطأ، وليس هو من أهل الرأي؛
قال أبو سعيد ـ رحمه الله -: قد اعتبرنا معاني هذه الآثار فوجدناها صحيحة محكمة من الأخبار، إلا أنها مجملة غير مفسرة، ويشتمل عليها معاني الخاص والعام، ويحتاج الناظر أن يبلغ إلى معاني تفسيرها، فأحببنا أن نذكر من ذلك ما فتح الله منها، فنظرنا في معنى قوله: «لا خير في عبادة من غير تفقه لتلك العبادة؛ لأنه لا عبادة إلا بعلم، ولا علم إلا بعبادة، ومن لم يعلم لم يكن عابدا، ومن لم يعبد لم يكن عالما، ومن لم يعلم لم يكن يفقه، وهذا مجاز معنى القول في مثل هذا، لأنه لا خير في عبادة الله؛ على غير وجهها، مع علم العابد لله مما يلزمه علمه، بما تعبده الله، لأداء لازمه إذا لم يكن متفقها ولا عالما. ولا خير في عبادته»؛ معناه بلا تفقه
وجهين:
وأما قوله: وقليل النفقة خير من كثير العبادة»؛ يخرج معناه على
- YY- (1/22)
صفحة 23
أحدهما: ما مضى مما ذكرناه؛ أنه يكون عالما متفقها، ولو لم تكثر عبادته من النوافل، أو على غير طاعة مما يكون متعبدا مما ذكرناه.
الثاني: أن يكون العبد عالما فيها لزمه من فرائضه ولوازمه، ويريد التوسل إلى الله بطاعته، وكل طاعة الله فهي عبادة له، من جميع البر مع النفل بعد اللوازم، وما أطيع الله به فهو عبادة له
فتفقه المرء في العلم خير من عبادته، ومن جميع التعبد له عندنا من جميع الأشياء من الصوم والصلاة وجميع أبواب البر، إذا كان ذلك يخرج مخرج النفل، فالعلم أفضل منه كله، وخير منه كله؛ ولو كان نفلا، وما كان من أبواب البر عند طلب العلم اللازم له؛ فهو خير من طلب العلم نفلا، وإنما كان طلب العلم خيرا من جميع أبواب البر ولو كان نفلا، إذا كان تجميع أبواب البر أصلا، ولا يبلغ إلى شيء من أبواب البر من لازم ولا نقل إلا به، فكان الاشتغال به، ولو كان نفلا، حتى يشتغل به خير من الاشتغال بجميع الأشياء من النوافل، إذا كان دليلا على جميع الأشياء، وأنه إذا لزم شيء من الأشياء غيره، لم يقدر عليها ولم يوصل إليها إلا به، وكان بعدمه بطلان اللوازم؛ التي كان يشتغل بها في خير النفل، أو بشيء غيرها مما لا يبلغ به إلى تأدية لازم ومعنى قوله في تفضيل العلم على سائر الأعمال من البر، هو ما سبق
توضيحه
•
6
وأما قوله: «أعمال البر كلها عند الجهاد في سبيل الله كتفلة في بحر» وكذلك ما وصف من العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فيخرج ذلك على الخاص والعام، وكل ما لزم من البر كائنا ما كان؛ فهو أفضل وألزم من الجهاد في سبيل الله على النفل، وإذا كان ذلك نفلا كله؛ كان الجهاد أفضل:
وكان سائر البر عنده كتفلة في بحر
•
6
وإذا كان ذلك نفلا كان الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي
- 23 - (1/23)
صفحة 24
عن المنكر ألزم؛ لأن فيه إحياء سنن الإسلام، وإماتة البدع والمنكر، وأفضل ذلك علم الشريعة؛ في الذب عنها وإحياء سُنّتِها، وإماتة ما ظهر من البدع
المظاهرة لها.
وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم نفلا، كان طلب العلم أفضل، لما قد مضى مما ذكرناه من العلل الثابتة فيه، وكل لازم الأشياء فلا خير في غيره، ولا من غيره من النوافل إلا بأدائه والقيام به، فافهموا معاني الأمور، فإنما هلك جميع الخلق من أهل القبلة؛ من جميع المتعبدين من طريق التأويل والخاص والعام.
من جميع
معنا:
وقوله: «حفظ مسألة خير من عبادة ستين سنة»؛ فقد اختلف في ذلك
فقيل: خير من عبادة سنة
وقيل: خير من عبادة ستين سنة
وقيل: خير من عبادة سبعين سنة
وقيل: خير من عبادة سبعين وسبعين وسبعين سنة
وعندنا أن هذا يخرج على الخاص والعام.
فأما إذا كان حفظ هذه المسألة في لازم، والعبادة في نفل، فلا معنى للكلام في هذا، والعبادة باطلة عند جهل اللازم، وإنما تثبت العبادة بعلم اللازم، فهنالك كان اللازم خيرا منه، قلت أو كثرت.
والقول
وأما إذا كانت العبادة وحفظ المسألة نفلاب فهنالك يحسن فيه الاختلاف
•
ويكمن صواب ما قيل فيه كله مما ذكرنا، وفيما مضى من أن جميع البر
- YE- (1/24)
صفحة 25
مع الجهاد في سبيل الله، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عند طلب العلم؛ كتفلة في بحر.
وهذا يدل على أنه؛ لا طلب العلم، ولا حفظ مسألة في العلم، في المتساويات من النوافل بشيء، ولا نقدر على تمييز التفلة في البحر، والحكم في هذا أن حفظ المسألة أفضل مما كان من العبادات إذا كان لا يقدر على
أدائها (1) أما قوله: «خطأ العالم أو أخطاء العالم الذي يجوز له أن يفتي بالرأي مرفوع عنه، وصوابه مأجور عليه»
فمعنا أن الخطأ في هذا خطآن؛ خطأ ضلال وهو أن يقول بالرأي؛ فيما لا يجوز فيه الرأي، مما جاء فيه الحكم من كتاب الله، أو من سنة رسوله، أو من إجماع الأمة، أو ما أشبه ذلك، فإذا قال في هذا بشيء من رأيه مما يخالفه، ولو كان ممن يجوز له القول بالرأي فأخطأ فيه، فهو هالك ضال فيما قال، لأنه قال بالرأي في غير موضع الرأي وليس مرفوعا عنه خطؤه، ولا نعمت عين ابل آثم في ذلك ظالم.
6
وإذا قال بالرأي في موضع الرأي، وهو ممن يجوز له القول بالرأي باجتهاده بالرأي، فوافق الصواب، كان مأجورا مصيبا، وإن خالف الصواب باجتهاد رأيه وهو من أهل ذلك، كان معذورا، ومن الحق قريبا، لا فرق بينه وبين من أصاب الحق على الحقيقة الذي طلبه، كما لا فرق بين من تحرّى القبلة، عند عدم معرفتها بالعين، أو بالشواهد الدالة عليها، فتحرّى القبلة وأدّى لازمه من الصلاة، ومعه غيره يتحرون ذلك مثله، كان كل منهم يجتهد برأيه، فأصاب بعض وجه القبلة باجتهاده، وأخطأه بعضهم وصلوا الصلاة على ذلك، ففي الإجماع أنهم مسلمون متفقون غير مختلفين
وفي الفعل يعقب ذلك إذا كان أحدهم أخطأ وجه ما أراد باجتهاده.
1 - في الأصل على عبادتها»
6
- Yo- (1/25)
صفحة 26
ففي أكثر ما قيل عندنا أنه لا يدل عليهم جميعا، وأنهم كلهم سواء في الفعل
وفي العبادة.
وقد قيل: - ولا أعلم صحيحا من قول أصحابنا ـ أن على المخطئ
منهم البدل إذا علم ذلك، ولا يبعد ذلك الأشياء بالالتحاق بمعانيها وأما التارك للقبلة للدلائل الظاهرة، فالمصلي باجتهاده إلى غير القبلة بهوى أو بعمى، ولو ظن أن ذلك يجوز له، إذا رأى من هو مثله في بقعته يصلون إلى مثل ذلك، فلا عذر له ولا نَعِمَتْ عَيْنٌ.
كذلك القائل بالرأي في غير موضع الرأي، وإذا قال بالرأي في الدين فقد خالف معنى الرأي، وليس ذلك وجه الرأي؛ وإنما هو مخالف في الدين، فافهم معاني الرأي من معاني الدين، فإنه لا يجوز الرأي في الدين، ولا يجوز
الدين في الرأي، وذلك خارج من التسمية، ومن المعنى كله، وذلك باطل، والرأي حكمه ما عدا الدين، والدين حكمه ما عدا الرأي
صفة معنى من يجوز له أن يقول بالرأي أم لا:
،
وأما قوله: «فلا يسع أحد أن يفتي بالرأي إلا من علم ما في كتاب الله وسنة رسوله وآثار أئمة العدل؛ فهو صحيح عندنا، وذلك أنه لا يجوز القول بالرأي في شيء، إلا أن يكون عالما بأصول الدين فيه، وأصول الدين ما جاء في كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع المهتدين من الأمة، في كل وقت وزمان، فمن علم في شيء من الأمور، في فن من فنون العلم، أو في باب من أبوابه، أو في شيء منه بعينه، حكم ما جاء فيه من الكتاب أو السنة أو إجماع المهتدين من الأمة، فهو عالم في ذلك الشيء، فإذا أبصر وجه الرأي والقول بالرأي فيه واهتدى له، كان فقيها فيه وعالما له، وكان من أهل الرأي فيه، كما كان غيره من العلماء فيما هو أكثر منه من الفنين والثلاثة، والبابين والثلاثة، بل هو أقوى فيه وفي بابه وفي معناه، إذا كان عالما به من ذي الفنين
- 26 - (1/26)
صفحة 27
کله
6
والثلاثة والأربعة، ولو كان العالم لا يكون عالما إلا حتى يحيط بالعلم ويكون عالما بجميعه، لكان هذا محالا، والمحال ضلال، أن لا يكون عالما
بجميع
يسمى
وقد ثبت حكم العلماء، أو أن يكون يثبت أن أحدا يحيط بالعلم، وهذا كله لا يجوز، والثابت الجائز أن يكون من علم شيئا كان عالما به، وجاز له ما يجوز للعالم به؛ من حفظ أو قياس أو رأي، كما أنه لو علم عالم فنونا كثيرة من العلم؛ حفظا ودراسة، إلا شيئا لم يعلمه، وعلمه غيره حفظا ودراسة من المغيبات، ما جاز أن يقال إن هذا العالم؛ عالم بهذا الذي لم يعلمه، وما جاز أن يقال إن هذا العالم به؛ غير عالم به، وهذا من المحال ومن تنافي المعاني ولا يجوز نفي الصحيح ولا إثبات المعدوم، ولو جاز هذا الجاز أن لا صانعا لشيء من الصنائع؛ حتى يحيط تلك الصنعة، مع أنه يجوز أن يُسمّى صانعا من جميع الصنائع؛ مثل الحداد والصائغ والنساج والصانع والحجام والطبيب، فقد ثبت لهؤلاء كلهم اسم الصنعة لمعرفة شيء منها، ولو لم يحيطوا بجميع الصنائع، وذلك مثل التاجر؛ يلحقه اسم التاجر إذا اتجر ولو في شيء واحد من جميع فنون التجارة، ولا نعلم في ذلك اختلافا كذلك العالم بشيء من الأشياء، يلحقه اسم العلم به، فإن خص بالتسمية جاز، وإن اطلق عليه اسم العلم، في معنى ما أريد من العلم فيه وبه؛ جاز ذلك، لمعنى ما ذكرنا من عدم ا الاحاطة بجميع العلم، ومن ثبوت اسم العلم على غير الاحاطة، والقول في هذا يتسع، وفي دون هذا كفاية إن
شاء الله
معنى ضمان الفتيا:
وأما الضمان على من أفتى؛ وهو ممن لا يجوز له القول بالرأي فأخطأ،
فخطأ هذا معنا يخرج على وجهين:
إن أراد العبادة لما قد أحاط به علما من حفظ أو دراسة، أو ما لا يشك في معه، بلا شك فيه ولا ريب فأخطأ بغيره من لفظه؛ فهذا بمنزلة
علمه مما صح.
- TV- (1/27)
صفحة 28
خطأ العالم الذي يجوز له ان يقول بالرأي؛ فقال فأخطأ به
بل هو عندي أبينُ عُذرا، وأثبت حجة، لأنه قصد إلى معروف بعينه فأخطأه بغيره، وإن خالف في ذلك الدين فلا إثم عليه، وذلك مثل من علم أن للأم مع الأولاد السدس، ومع غير الأولاد لها الثلث، فنزل به حكم أو فتيا. مما يجب به للأم السدس، فيجعل لها الثلث قصدا منه إلى السدس، وإلى علمه الذي لا يشك فيه
لها
ولو نسي - معنا ـ ما خوطب به، وأخطأ لسانه بالكلام بغير ما أراد من اللفظ، فهذا معذور سالم، ولا إثم عليه ولا ضمان، ومن الخطأ الذي لا يسعه أن يكون قد حفظ وعلم أن للأم مع الأولاد السدس، ولم يحفظ كم. مع غير الأولاد والإخوة؛ فجعل لها مع غير الأولاد والإخوة السدس، إذا عرف ذلك مجملا من حكمها، أو جعل لها مع الأولاد والإخوة الثلث، إذ قد حفظ وعلم أن لها الثلث مع غير الأولاد والإخوة
وكذلك في الزوجين؛ إذ قد علم وحفظ أن للزوج الربع مع الأولاد؛ فجعل له الربع مع غير الأولاد، وكذلك النصف، فهذا حفظ لا ينفعه ولا يكون له فيه عذر، فيما خالف الأصل، كما خالف من قال بالرأي في الدين الأصل، وكما خالفه. من قال بالدين في الرأي الأصل، وكذلك أمثال هذا
وإنما على المخطيء معنى الخطأ، الذي يكون له السعة فيه، وعليه أن يعلم من أفتاه، إذا علم بخطأ نفسه في الفتيا، وفي نسخة إذا علم ذلك أن يعلم بخطئه، إن قدر على ما أفتاه بذلك، وليس عليه في مثل هذا معنا أن
يخرج في طلبه، ولكن يرسل إليه ويكتب إليه إن قدر على ذلك
وأما من خالف الدين بفتيا، أو حكم بما لا يسعه ولا يعذر فيه، فمعنا أن عليه الخروج في طلب المخرج، مما يلزمه من إعلام ذلك ومن ضمانه، إذا قدر على الخروج، كما يقدر من وجب عليه الحج من صحة البدن، وأمان
- YA- (1/28)
صفحة 29
الطريق والزاد والراحلة
صفة موضع الضمان في الفتيا:
وأما ضمان المفتي إذا خالف الحق الذي لا يعذر فيه، من عالم أو ضعيف، فأصاب شيئا من إتلاف مال أو شيء يتعلق فيه، على من فعل ذلك
الضمان بإتلافه له
فمعي أنه قد قيل: ليس على العالم ضمان في ذلك، في خطأ الذي يعذر به، مما قد وصفناه، أو ما أشبهه من عالم أو ضعيف، على وجه ما يكون له العذر في الخطأ، فلا ضمان عليه ولا إثم عليه، ولا أعلم في ذلك
اختلافا
ومعي
أنه قد قيل: في الجاهل الذي يعرف بالجهل، وليس هو ممن يؤتمن على العلم، ولا هو من أهله، إذا أفتى بما خالف فيه الحق مما لا يجوز في، وهو مخالف لأحكام الدين، فقال فيه بجهل، ولو لم يعتمد في ذلك
الرأي
شيئا من الحق، فهو ظالم آثم بقوله بخلاف الحق؛ بجهل أو بعلم، ولا أعلم عليه - بعد التوبة - ضمانا، لأنه ليس من الأدلة على الحق، وإن قال في ذلك بجهله؛ قصدا منه إلى الحق، على ما يظن أنه واسع له، فوافق الحق في دين أو رأي فيما يسع فيه الرأي، فمعي أنه سالم ولا إثم عليه، إذا وافق الحق الذي يجوز له فيه القول لمن علمه
واحسب أن بعضا يقول: لا توبة عليه إذا وافق الحق، إذا كان قصده
إليه على ما أو يظن أنه يرجو
يسعه
وأما ضمانه؛ فلا أعلم أن أحدا يقول بذلك، إذا كان من الجهال
الذين لا يؤمنون ولا يعرفون بالعلم، وأما إذا كان من الضعفاء الذين لا يؤتمنون على العلم، ولا يعرفون بالعلم، وكان منهم من الفتيا ما يخالفون فيه الدين، ولا يخرج في الرأي، ولا في الدين بلا وجه، عذر من الخطأ، يخرج
- 29 - (1/29)
صفحة 30
على ما وصفنا وما يشبهه من عالم أو ضعيف، فمعي أنهما سواء، العالم والضعيف إذا خالفا الحق فيما لا يسعهما، ولا يكون لهما في الخطأ فيه عذر، كما وصفنا، وما يشبهه من عذر العالم أو الضعيف، فمعي أنه قد قيل في ضمانهما
باختلاف:
فقال
من قال: عليهما الضمان؛ لأن المفتي بمنزلة الدليل، والدال
ضامن، ولو لم يفعل بيده
وأحسب أن بعضا يقول: ليس عليهما ضمان، لأنهما إنما هما دالان على
القول الذي به أتلف من قبل غيرهما، وكانت تلك الدلالة محجورة على القائل
أن يقبلها، ولم يكن الدال على شيء بعينه أو أمر بإتلافه، فلا ضمان عليه
ومعي
أنه
يخرج جميع هذا فيما يشبه مذاهب أصحابنا، وللعالم الذي
يبصر الرأي في الخطأ منه، فيما أخطأ
حفظه
به من، ومعرفته في الشيء
بعينه، ما للضعيف في مثل ذلك، وليس للضعيف في الرأي إذا لم ينزل بمنزلة الرأي في الخطأ، ما للعالم الذي يجوز له الرأي، لأنه قد خالف الأصل الذي
ليس له فيه حجة
ومن الكتاب: صفة اجتهاد الحاكم في الرأي:
وليس للحاكم أن يتخير في الرأي، إلا ما يرى أنه صواب، ويرجو أنه
أقرب إلى الحق.
وأما من
لا يعلم؛ فيسعه أن يأخذ بما أراد من رأي الفقهاء
قال غيره، إذا كان الحكم الذي نزل بالحاكم من أصول الدين؛ لم يجز له أن يخالف الأصل، ولو كان من يحضره، مما يضاف إليه العلم، يختلفون
في ذلك كله
وقد مضى فيه الاختلاف مما يضاف إليه العلم من المختلفين،
- r. - (1/30)
صفحة 31
والاختلاف في ذلك كله باطل، وليس كل ذلك باختلاف وإنما هو خلاف، إلا القول الذي يوافق الحق نفسه، فمن قال بذلك فهو الحجة، وعلى الحاكم اتباعه، وقول قوله فيها لزمه من الحكم كائنا ما كان؛ عالما أو ضعيفا أو جاهلا. وليس له قبول الباطل من أحد، كائنا ما كان، عالما او ضعيفا، ولا عذر للحاكم وإن جهل ذلك، وليس له إلا موافقة الحق، وقبوله ممن جاء به؛ من ماض أو حاضر إذا لزمه الحكم
وأما إذا كان القول مما يجوز فيه الرأي، وكان فيه اختلاف، فيخرج في الرأي كله صواب ولا يخالف، ولا يخالطه شيء من أحكام الدين. وكل ذلك في الأصل صواب، خارج في الاجماع صوابه، فإن كان الحاكم ممن يبلغ علمه إلى تمييز ذلك والنظر إلى عدله، وإلى ما هو أقرب منه، مما هو أبعد منه في نظره؛ فمعي أنه قد قيل: عليه الاجتهاد في النظر في ذلك، كما كان على العالم القائل بالرأي، الاجتهاد في ذلك في النظر، وليس له أن يتخير ما شاء من الآراء، إذا كان على هذه الصفة، إلا أن تكون الآراء في ذلك متساوية في العدل معه، فإذا تساوت في العدل معه - في في نظره ـ وهو ممن يبصر | العدل فمعي أن له الخيار في ذلك، يختار ما شاء ويحكم به، لأنه خارج كله في العدل عنده، وليس شيء أعدل من شيء.
،
وأما إذا لم يخرج على هذا؛ فقد قيل: إن عليه أن يختار الرأي الواحد من الآراء الذي يرى أنه أصوب، وإلى الحق أقرب، فيحكم به في هذا الحكم
- وفيما يستقبل ـ حتى يتبين له أن غيره من الآراء أصوب، وإلى الحق أقرب ثم يرجع إليه ويدع هذا، فلا يزال على هذا ما ابتلي بالحكم وامتحن به، ولا يحكم بالاختيارات على سبيل اتباع الهوى، ولا إهمال النظر فيحكم لهذا بهذا القول، ولغيره بهذا، وهو يرى أن الأول أصوب أو غيرهما، فليس هذا سبيل الرأي، وإذا فعل الحاكم هذا فقد خرج من سبيل الرأي.
وأما إذا كان ذلك عنده كله عدلا، وهو ممن يبصر العدل، وغير ذلك
-31 - (1/31)
صفحة 32
بنظره، وكان بحضرته من العلماء ممن يبصر عدل ذلك وتمييزه، فعليه مشاورة
أهل العلم، ممن يبصر ذلك، فإن ذلك من النظر والرأي، لأنه قد وجد السبيل على الدلالة على حكم الرأي، وسبيل الرأي، فيضع الرأي في موضعه، ويستدل بغيره عليه، كما يستدل عليه بنفسه، إذا لم يبلغ بنفسه على الاستدلال عليه، كما أنه لو لم يعلم فيه شيئا من القول، كان عليه الاستدلال بمن قدر عليه من العلماء، من أهل الرأي، وإن كان بحضرته لم يؤخر ذلك، وإذا لم يكن بحضرته شاور العلماء من أهل مصره، ممن يقدر عليه، وإن لم يكن من أهل مصره، كان من حيث يقدر عليه، ولا يضيع ما يلزمه، ولا يقدم على شيء من ذلك
بغير علم
وكذلك هذه الأقاويل التي قد صحت مختلفة لا يعرف أقربها إلى العدل، وبحضرته من ظاهر عليه وله معرفة ذلك، ويرجو فيه تمييز ذلك فيما يراه هو عدلا، فعليه مشاورته في الأقاويل المختلفة، كما أن عليه مشاورته فيما لم يأت فيه قول، لأن الأقاويل المختلفة، يمكن عدلها كلها وصوابها، ويمكن باطلها كلها، ويمكن باطل بعضها وصواب بعض، فهي معلولة على من لم يعرف عدلها، والتماس معرفة عدلها على الحاكم، وممن يريد العمل بها في أصل النظر، إذا لم يصح عدل شيء منها لازم، فإذا عدم الحاكم. يعرف هو تمييز ذلك فقد قال من قال: إنه ما أخذ به من ذلك وعمل به فوافق الحق في الأصل، فإنه خارج كله في الرأي فهو واسع له، وقال من قال: ليس له هذا، ولا بد له أن يقصد إلى ما هو عنده أصوب، وإلى الحق أقرب؛ على حال ليس على الاهمال، ولا بد له من هذا على حال، ولا عذر له في حال من الأحوال، أن يعمل بباطل أو أن يقبله من قائل
هذا
6
ولم
وقد قيل: إذا عدم هذا، أخذ بقول أعلم القائلين؛ إن كان يعرفه، فإن لم يعرفه؛ أخذ بقول أوليائه من القائلين، فإن استووا في الولاية
فأفضلهم، وعلى كل حال لا عذر له في مخالفة الحق.
- TY- (1/32)
صفحة 33
فإذا نزل العالم بمنزلة الفتيا، وقصد إلى الفتيا، كان عليه ما على الحاكم
مما مضى كله، وليس له الاهمال، وما مضى فهو على العالم مما وصفنا في الحالات كلها في الفتيا، والمفتي كالحاكم فانظر في أحواله، وكذلك المفتي
بالمسألة ولازم له العمل بها في نفسه، أو في غيره، هو بمنزلة الحاكم والمفتي والكل في الحق واحد، والحاكم في نفسه؛ كالحاكم على غيره، والمفتي كالقائل، وما وسع الواحد وسع الجميع، وما ضاق على الواحد ضاق على الجميع إذا نزلوا بمنزلة واحدة، وكل من خصه حال لم يعم غيره، ولا يلزم غيره ما خصه، فتدبر هذه الأمور وانظر فيها، فإنها حق وصواب أو باطل وخطأ، وليس يتفق فيها حق وباطل ولا خطأ وصواب، وليس لأحد غير موافقة الحق بقول ولا عمل ولا نية، ولن ينجو من ذلك إلا من عصمه الله
ورحمه
ومن الكتاب: وأول العلم أن يعرف المخلوق خالقه، وأنه الله الذي أحياه ورزقه، فإنه لا يعرفه قلب إلا خشع، ولا بدن إلا خضع، ثم شرح الله صدره للإسلام، ورفع ذكره وقدره حكيما، وجعله حليما عليها، وكرمه في
الدنيا والآخرة تكريما
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ
بمؤمِنينَ) (1)
وقد قامت عليهم الحجة بإيضاح المحجة، فزادهم الله مرضا، وكانت النار لهم حكما وقصدا وقضاء، فأغمضوا في العلم أبصارا، وازدادوا به تخشعا ووقارا، ولا تذهبن بكم فتنة الجبابرة؛ فتخسروا الدنيا والآخرة، وتواضعوا لمن تعلمونه، ولمن تتعلمون منه، واتخذوا الإسلام منهاجا، وادخلوا في دين الله أفواجا، بالإعظام الله والتنزيه، والرد على أهل الضلالة والتشبيه، وجميع الشكاك وملل أهل الكفر والإشراك
1 - الآية (8) من سورة البقرة.
- 33 - (1/33)
صفحة 34
قال غيره: معي
أنه كان من أهل الكفر والإشراك. كل رأي يعود إلى الهلاك، ومن أثار في أمة محمد ال والفتن، ودعا الناس إلى غير السنن، وفي كل هذا تمييز ونظر لأهل العلم والبصر
الذر
وقيل: من عمل بما علم؛ كان حقا على الله أن يعلّمه ما جهل.
وقيل: عن النبي الله أنه قال: «النفاق أخفى في أمتي من دبيب النمل
قال غيره: وقد روي عن النبي أنه قال: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل الذر، على الصفا»، وأنه قال: «المنافق بالمؤمن أشبه من الماء بالماء، والغراب بالغراب، وهذا ما لا يحس بنظر، ولا يسمع بأذن لأنه لا يقدر على تمييز معرفة الغراب من الغراب، ولا الماء. من الماء إلا بالذوق والخبرة لا بالنظر، والنفاق أدق وأخفى من الشرك، والشرك دقيق خفي، ولن ينجو
منهما إلا من نجاه الله تعالى، ولن يبلغ إلى معرفة تمييزها إلا من وفقه الله
ومن الكتاب: ومثل المؤمن كمثل الفضة الجيدة؛ كلما أحميت في النار، ازدادت جودة، وقلبه مثل المرآة المجلوة، لا يأتيه الشيطان من وجه إلا
أبصره
وقد قال الله - تعالى -: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أوتِي خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (1)، والحكمة ها هنا هي
القرآن.
وقيل: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العلم، فقال: «العلم كله القرآن، وهو
الأصل والتنزيل
6
وما بعده من العلم تفسير وتأويل
1 - الآية (269) من سورة البقرة.
- 34 - (1/34)
صفحة 35
باب
معنى الكتاب الذي يسمى نسبا وموافقة
ومعنى أن قول العالم الذي يكتب الكتاب ويسميه موافقة، ويثبت لمن أقر به الولاية، إنما يخرج حكمه خاصا له، إذا كان على غير صفة يعتبرها غيره، كما قد وصفنا أو نحوه، وإنما ذلك معنا بمنزلة قوله: فلان يتولى وفلان يبرأ منه، فلا يجوز ذلك إلا لمن خصه ذلك من علمه، بما يجب به حكم الولاية والبراءة، مما جاء في. رة العالم أنه يتولى أو يبرأ منه من المسلمين، وذلك من
سيره
أحكام الخاص معنا، لا من أحكام العام، والأحكام الخاصة لا تلزم إلا من خصه ذلك، ولا يسع إلا من خصه ذلك، وذلك العالم وذلك الفقيه الذي وضع ذلك الكتاب، إنما وضعه معنا تذكرة وحجة له، ولمن نزل منزلته من المعرفة، في الممتحنين لهم من الذين يتولون منهم ويبرءون، كما يجعل الحاكم الكتاب في الحكم حجة له، على من حكم عليه، ولمن حكم له وتذكرة، وليس ذلك حجة لغيره، إذا لم يصح معه ما صح مع الحاكم وكذلك كتاب شهادة الشهود، وإنما مثل هذه الأنساب الموجودة في كل كتاب، التي توصف
بأنها أنساب الإسلام، يخرج معنا على هذه المعاني وهذه الأنساب، وإنما تخص
كل من امتحن بها، ونزل بمنزلة يخصه حكمها، وما بينت من أحكام ذلك
أنه
،
من دين الله في ذلك الكتاب، وفي نسب من الأنساب، من أصول الدين
فهو ثابت وصحيح أبدا
باب
مواضع ما كانت الجملة موضع الموافقة
كما كانت الجملة الاقرار بها في وقتها جملة وموافقة وكافية عما سواها، وموجبة للولاية قبل تفرّق الكلمة من المتدينين، هي نسب الاسلام، وكما كان بعد تفرق الكلمة بالتدين لدن التحكيم من من المحكمة
- 35 - (1/35)
صفحة 36
باب
الموافقة بالشراء والتحكيم
والشراء من الشراء اسم التحكيم، والشرى هو نسب الإسلام، وصحة الموافقة إلى مفارقة الخوارج للمحكمة، ولم تكن تفرق الكلمة من ذلك بالصحة بثبوت الجملة، بل هي ثابتة في الدين، ولكن غير مجزية بحكم الموافقة، إلا بصحة البراءة لمن أقر بها، من الخروج من ضلالات المتدينين، أو بصحة انتحال الشراء والتحكيم، فلما خالفت الخوارج بالتدين المحكمة والشراة، وهم ينتحلون التحكيم والشراء بزعمهم، لم تكن صحة الشراء
والتحكيم محرمة للموافقة، ولا باطلا في الجملة، بل هو اسم هدى. وكذلك الاباضية لما افترقوا، وخالفهم من خالفهم؛ من أهل البدع، مثل الطرقية والشعبية وهم يتسمون بالأباضية، وتشاهر لهم ذلك، لم تكن صحة الإسم بشهرة ولا خبرة موجبا لثبوت الموافقة، كما كان قبل أن يفترقوا إلا بما يصح للمتسمي بذلك، البراءة من التهم والريب في الدخول في ضلالة الطريقية والشعبية وأتباعهم، بانتحال نحلة تبرؤه من ذلك، أو صحة أمر من ولاية أحد من علماء المسلمين، أو معنى من المعاني.
باب
الموافقة في معنى الاختلاف في أحداث أهل عمان
وكذلك لما عارض الريب والشبهة من المتدينين، فيمن يتسمى بالأباضية والمحبوبية من أهل عمان، في أمور أهل عمان، بترك الولايات
مخالفة
منهم لبعضهم بعض، على سبيل ما يوجب الريب والتهمة لهم، من. الحق، في الفرق منهم بين أحكام الدعاوى وأحكام البدع! لم يكن اسم
- 36 - (1/36)
صفحة 37
المحبوبية معنا، ولا من صح منه ولاية لمحبوب، ولا لأحد من علماء المسلمين، إلى عمران بن الصفر، ولا إلى عصرنا هذا، موجبا لحكم الموافقة، إلا ببراءة له من الريب والشبهة، في أمور الحكم في أهل عمان، والبراءة له من مخالفة الحق، في الفرق بين أحكام الدعاوى من البدع، أو تصح منه ولاية لمن قد صح له البراءة من ذلك، بظاهر أمره، ولن يصح معنا ذلك، بولاية لأحد من أهل العلم، من لدن الأحداث التي وقع فيها الاختلاف، إلا بولاية أبي عبدالله محمد بن روح رحمه الله، أو من صح منه الاتباع المذهبه؛ الذي أظهره وبينه، أو لمن تولاه على ذلك
كذلك لكل أهل زمان شبهة وريب، يعارض أهل الحق في ذلك الزمان ويتحصل الحكم فيه، في أمر الولاية، إلى نظر أهل العلم في تلك الحادثة،
التي توقع الشبهة والريب في حكم النحلة الصحيحة؛ التي يثبت بها الموافقة والعلماء هم الحكام والقوام في ذلك، إلا الضعفاء والعوام، وليس للضعيف أن يقدم على ولاية - معنا - إلا بأن تصح له السلامة، وتثبت له الولاية في الحكم، ولن يكون ذلك إلا ممن يبصر الأحكام، في تقلب أهل هذا الزمان والأيام، فافهم هذه المعاني؛ فقد كرّرتُها عليك، لتحذرها وتتبصرها وتتدبرها، ولا تقدم فيها إلا على بصيرة، وإذا لم تبصر وجه السلامة في جميع هذه الأمور، فكلها على الله، وسل عن ظواهرها أهل الخبرة من العلماء، في أحكامها حكماء، ولعوارضها وفتنتها ومصلحاتها ومفسداتها
الذين هم فهماء، فإنه لا عذر لك في مخالفة الحق، بجهل ولا بعلم، ولو ظن الضعيف أن الكلمة شاملة، وأن الأمور بأهلها متواصلة، على ما قد سلف من أحكام النحلة، التي كانت بها صحة الموافقة، مع جهله بأحكام ما يفرق ذلك ويجمعه، فإنما ذلك ظن منه، ليس بحقيقة علم، لأنه قد عرض من الأمور التي قد علمها في الدار، ما قد حول حكم ذلك مع أهل العلم بأحكام الدار، الذين هم شهود وقوام على أهل الدار، لأنه إنما يبصر الفتن العلماء
"
إذا أقبلت وإذا دخلت، وإذا أدبرت أبصرها العوام، وإنما يبصرها العوام
- ry. (1/37)
صفحة 38
فرق
معنا - بإنكار العلماء لا بغير ذلك، لأن العوام - إذا لم ينكر العلماء الفتن - لم يكن معهم فرق بين الضلال والهدى، والحق والباطل، فإذا كان معهم في ذلك؛ فليس بالعوام ولا بالضعفاء في ذلك الأمر، بل هم الحكام والعلماء والقوام،، وكل على نفسه بصير، ولنفسه نصير.
باب
معرفة لزوم الجملة في خاص ذلك
وقوله إن الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن
محمدا عبده ورسوله، إنما أراد معه بذلك؛ لزوم المتعبدين معرفة ذلك،
فكان ذلك خاصا في الحكم، لمن امتحن بذلك في حكم المخصوص به،
لا
عاما لجميع من لم يخص بذلك، ممن لم تخصه معرفة التسمية لذلك، ببلوغ الخبر بذلك إليه، على التسمية الله تبارك وتعالى باسمه، هذا إذا بلغ الخبر إليه من المتعبدين المعبرين باسم محمد رسول الله له ممن يجب عليه الإقرار به، من أمته باسمه وعينه، إذا بلغ إليه خبره، وهذا من حكم الخاص، ولجميع أحكام الإسلام خاص وعام، حتى حكم الجملة التي يثبت بها من الشرك
الإسلام.
وما لم يخص ذلك أحدا بعينه من المتعبدين، فليس لزوم ذلك غيره واجبا عليه، وليس لأهل الشرك عذر بالإقامة على الشرك
باب
ما تجب به الموافقة في أمر الولاية
وقد يوجد أن نسب الإسلام؛ الذي تجب به الموافقة لمن أقر به ورضي به، أنه تثبت له الموافقة، وتجب له الولاية، وهو من لدن قوله؛ والإسلام
- 38 - (1/38)
صفحة 39
شهادة أن لا إله إلا الله إلى قوله: فمن أقر للمسلمين بهذه الأعمال
والحقوق، تثبت ولايته، ووجب حقه
وبدون هذا ـ معنا ـ يكتفى من الإقرار من الجملة التي نكتفي بالإقرار بها، إذا كان المقر بذلك، تصح له السلامة من الريب والتهم، من التدين، والدخول في شيء من أديان الضلال؛ التي قد صحت واشتملت على عامة
أهل القبلة
6
فإذا كان المقر بهذه الجملة، وبهذا الذي قد ذكر، تصح له السلامة من التهم والريب،، من الدخول في أديان الضلال، بنزوله في دار أو بقعة أو مصر، يشتمل على عامتها، والظاهر من أمر أهلها التدين والتمسك بدين أهل الاستقامة من المسلمين، في عصره ووقته الذي يقر به، وكانت قد عرفت منه الأمانة في ظاهر أمره، فيما قد ثبت له من حكم دين أهل الاستقامة، ولم يلحقه في شيء فيما يظهر منه من دين أهل الاستقامة تهمة، ولا صحت منه خيانة، وأمر بهذا الذي قد وصفه وعرف به، فهو كما قال معنا أنه تثبت ولايته ويجب حقه، وإن لم يكن في وقت ما يقر لهذا نازلا بهذه المنزلة لم يكن إقراره معنا مثبتا ولايته، ولا موجبا موافقته، لأن هذا الذي ذكره يقربه أهل البدع، ويوافقون في الأصول فيه، وإنما تكون الموافقة إذا أقر المقر، أو ظهر له، أو صح له بحرف، أو معنى يصح في وقته له، أن ذلك الذي أقر به أو صح له لا يقر به ولا يصح؛ إلا لمن قد يرى في ظهور الأمور في حينه ذلك، من التهم والريب من التدين، والدخول في شيء من الضلالات بالتدين، فإذا صح له هذا؛ وجب حقه، وثبتت ولايته، حتى يعلم منه أنه يخالف ذلك في سريرته أو علانيته
وقد قيل أن من صح ا له ما يكون به ثبوت الموافقة بدين أهل الاستقامة في وقته وزمانه، لم يحتج منه إلى علم الأعمال، وكان بظهور الأمانة وصحة الموافقة ثابت الولاية، وأحب الحق ولا ينتظر به العمل فيما يستقبل، ولو لم
- ra. (1/39)
صفحة 40
يکن ظهر له ذلك فيما مضى، ويتولى بذلك
وقال من فينظر فيه، فإن منه موافقة القول للعمل، ثبتت ولايته، وإن لم يظهر فهو بحاله، إلى أن يُحدث حدثا فيلزمه حدثه، أو يظهر منه موافقة القول للعمل فيتولى، وإن ما يراعى الناس بالولاية في كل عصر وزمان، ما يثبت فيهم ولهم، بما يثبت في الواحد قبلهم من الإقرار بذلك الشيء، إلا أن يكون مذ ثبت ذلك من أهل نحلة أهل الاستقامة، من ثبوت النسب الذي تكون به الموافقة، لم يظهر من بعدهم من أحد ممن يتدين بدين أهل الاستقامة وينتحله، يدين فيه بضلالة. ولا تهمة في ذلك؛ وإنما جعل كل أهل زمان من المسلمين سيرة، فسماها نسب الإسلام، وسماها دين المسلمين، لما يقع به الحكم على أهل مصره،، وأهل عصره وزمانه، فإذا تغير ذلك بحدوث أمر في الدعوة، وافتراق الكلمة؛ لم يكن ذلك الذي قد كان موافقة في ذلك
قال: حتى تظهر منه موافقة القول بالعمل فيما مضى، وإلا
الزمان، يعد موافقة عند تغير الحال، من أهل الدعوة التي كانوا عليها بدخول ريب أو تهمة يتدين بضلاله، كما أنه لا يحصى مثل هذه الأحوال؛ في كل عصر وزمان، ممن مضى من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، كذلك لِوَقْتِنا هذا، حكم في أمر الولاية والموافقة، سوى الأحكام الماضية في ظواهر الأمور، التي توجب الموافقة بالمحنة أو بالشهرة، كما قد عرفنا من تقلب الحال في وقتنا، ما قد يحول ـ معنا - ما كان يجتزئ به، من أمر الموافقة إلى غيره من الأحوال، كما قد صحت معاني الأحوال الماضية في كل عصر وزمان، وكذلك نخاف أن يكون ما يستقبل في الحال أكثر تنقصا مما سلف ومضى، إلا ما شاء
وإنما يختبر كل زمان، ويُسيّر أحكامه في الولاية علماؤه المشاهدون له، الذين يبصرون أحكام الولاية والبراءة، وأصول الولاية والبراءة، ويبصرون الفتن إذا نزلت، والبدع إذا دخلت، فمن هنالك قيل وثبت، أنه لا يتولى في كل عصر وزمان، الا بولاية العلماء بالولاية والبراءة، ولثبوت الريب (1/40)
صفحة 41
والشبهات في أهل القبلة، وفي عامة من صح له الإقرار بالجملة، وأشد ما يدخل على الناس في دينهم، في أمر الولايات والبراءات؛ دخول البدع والضلالات من الأديان.
وإن كانت أحداث المنتهكين لما يدينون بتحريمه أكثر في العصر والمصر،
6
وفي الموضع وفي البلد وفي الدار، من ظهور أمر المتدينين بالضلال والمظهرين للبدع، فإن أولئك لا يدخل بأحداثهم الريب في الدين، ولا الشك على المسلمين، وإنما ذلك من أمر المتدينين، فافهم معاني ذلك وتدبره، فإنه لا تسع الولاية إلا لأولياء الله، كما لا تسع العداوة إلا لأعداء الله، ولا تكون الولاية إلا بحكم واصل، كما لا تكون لعداوة إلا بحكم واصل، ولا عذر لجاهل جهل حكم ضلالة حسبها هدى، ولا حكم هدى حسبه ضلالة، لمخالفة الحكم منه في ذلك، وهو مقطوع العذر، هالك إذا خالف الحق؛ بعلم أو بجهل
وعلى العالم أن يعمل، وعلى الجاهل أن يسأل عن جميع ما جهل؛ مما لزمه حكم العمل به، من صلاة أوزكاة، أو ولاية أو براءة، من جميع ما لزمه في دين الله، - تبارك وتعالى - ليس في شيء من ذلك دون شيء، وليس للعالم أن يجهل، وليس للجاهل إلا أن يسأل
بات
تمييز وجوه الولاية والبراءة
اعلموا أن أحكام الولاية والبراءة؛ لا تخرج أبدا إلا من ثلاثة وجوه:
فحكم الحقيقة: وهي التي سنتكلم عنها
وحكم الشريطة: ويلزم في ولاية الشريطة، ولاية كل مطيع وعداوة كل عاص، وأشباه هذا كله؛ من أسماء الإيمان والكفر، ولا يسعه جهل
- {1 - (1/41)
صفحة 42
معرفة ذلك ولا اعتقاده، إذا عرف معناه، والمراد به. وسنتكلم عن هذا بالتفصيل في موضعه إن شاء الله
وحكم الظاهر: ويخرج في ولايتها ما تعبد الله به عباده في بعضهم بعض، فيما يلزم لهم وعليهم، وسنتكلم أيضا عن ذلك في حينه فمن حكم في الناس بهذه الوجوه؛ اهتدى في حكمه فيهم إن شاء الله
تعالى.
باب
حكم الحقيقة
واعلموا أن حكم الحقيقة؛ أن يصح في أحد من الناس عن الله في كتابه، أو عن رسوله، أنه سعيد أو أنه شقي، فمن صح معه عن ا الله - عز وجل -، أن أحدا من أهل الجنة، لم يسعه إلا أن يشهد له بالجنة، فإن شك في ذلك هلك. وذلك مثل ما صح في كتاب الله، من سعادة أهل الكهف. وسعادة امرأة فرعون وغيرهم في كتاب الله، ممن قد صح ـ معنا ـ أنهم من
السعداء، فلا يحل لنا إلا أن نعلم أنهم من السعداء، كما قد وجب علينا فإن شككنا في ذلك ملكنا
6
6
وليس على جميع الناس أن يعلموا أن امرأة فرعون من أهل الجنة، ولا أن أصحاب الكهف وغيرهم؛ من السعداء، ممن قد صح في كتاب الله سعادته؛ من أهل الجنة، فإن شهد هذا الذي لا يعلم، أن هؤلاء السعداء من أهل الجنة، أنهم من أهل الجنة بغير علم؛ فقد هلك
وقد صح معهم؛ مع من قد علم أنهم سعداء، أنهم من أهل الجنة، وكذلك من قد صح فسقه في كتاب الله فهذا لا محالة من أهل النار، لأنه لا
- EY_ (1/42)
صفحة 43
مبدل لكلمات الله وذلك مثل امرأة نوح، وامرأة لوط، وغيرهما من الأشقياء، الذين قد صح عندنا؛ أنهم من أهل النار، نشهد على ذلك، كما يلزمنا أن نشهد أن الله أرسل إلينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يحل لأحد ممن لم يعلم أن
امرأة نوح وامرأة لوط من أهل النار، كما علمنا نحن أنهما من أهل النار، بأن
يشهد أنهم من أهل النار، ولا يبرأ منهما. فإن فعل ذلك بغير علم هلك
،
وضل عن سواء السبيل، ونحن لو شككنا أنهما ليستا من أهل النار، لكنا بذلك من الخاسرين.
فانظروا رحمكم الله، فيما قد جاء عن الله فيه، التحقيق عليه بالسعادة والشقاء، فلم يحل لأحد ممن يعلم سعادة سعيد، ولا شقاء شقي، أن يشهد للسعيد باسمه وعينه بالسعادة، ولا يشهد للشقي باسمه وعينه بالشقاء، لأن الله تعالى يقول: إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (1)
وقال تعالى: {قل إنما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (2)
،
فلو كان كل ما جاء عن الله، فيه التحقيق أنه حق؛ أو أنه باطل. حلال أو أنه حرام، أو أنه من أهل الجنة، أو أنه من أهل النار، لزم الناس جميعا من علمه ومن لم يعلمه - أن يدينوا الله به، وأن يعلموه؛ لما أحل الناس أن نتولى مسلما، حتى نعلم أنه يقرأ القرآن كله، وأنه لا يجهل شيئا من دين
التحقيق عن
الله أنه
الله، وأنه يعلم ما جاء فيه التحقيق عن الله؛ أنه من أهل النار، وما جاء فيه من أهل الجنة، وإذا لضاق على المسلمين ذلك، وخرج ذلك من دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا
وسْعَهَا) (3)
1 - جزء الآية (86) من سورة الزخرف وصدرها: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ...
2 - الآية (33) من سورة الأعراف.
3 - جزء الآية (286) من سورة البقرة.
- Er- (1/43)
صفحة 44
فإذا كان ما جاء فيه التحقيق عن الله؛ أنه من أهل الجنة، أو أنه من أهل النار، واسع لمن لم تقم عليه الحجة بذلك جهل ذلك؛ فكيف من لم يأت الله فيه حكم مخصوص به، باسمه وعينه، فتدبروا رحمكم الله ما وصفنا عن لكم، واحملوا الجميع على الحق، وأَنزلوا الناس منازلهم، وسيروا فيهم على قدر منازلهم، واتبعوا الحق تهتدوا، ولا تكونوا من الجاهلين
واعلموا أن كل من قال عنه رسول الله هو أنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة لا محالة، وكل من قال رسول الله الله عنه أنه من أهل النار، فهو من أهل النار لا محالة، كما أن الأنبياء من أهل الجنة، وكما أن المشركين من
أهل النار.
ويتبين ذلك من كتاب الله حيث قال تعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللهُ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظَا) (1)
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً
رحيما (2). وقال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرسول فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم مَّا حَمَلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ
(4)
والوصف في هذا يطول، مما به تصديق قوله، فمن صح معه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أنه من أهل الجنة؛ فعليه أن يعلم أنه من أهل الجنة، ولا يسعه الشك في ذلك، كما لم يسعنا نحن أن نشك في امرأة
1 - الآية (80) من سورة النساء. 2 - الآية (64) من سورة النساء.
- الآية (54) من سورة النور. وجاءت في الأصل وقد سقط منها قوله تعالى: فإن تولوا فإنما عليه ما حمل
وعليكم ما حملتم
..
- {{- (1/44)
صفحة 45
فرعون
، فمن شك في ذلك هلك، وأن نشهد أنه من أهل الجنة، ولا يحل له ذلك، كما لم يحل له أن يشهد أن امرأة فرعون من أهل الجنة، فكذلك من صح معه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد؛ أنه من أهل النار، فعليه أن يشهد أنه من أهل النار، ولا يسعه الشك في ذلك، كما لا يسعنا نحن في امرأة نوح وامرأة لوط أنهما من أهل النار.
وليس على كل من يعلم ذلك؛ أن يعلم كعلم من علم ذلك، ولا يحل له أن يشهد على ما لا يعلم، فإن شهد بما لا يعلم كان بذلك من الخاسرين. فهذا حكم الحقيقة، وحكم ولاية الحقيقة، الذي لا يسع كل من بلغ علمه إلى شيء؛ مما وصفنا من كتاب الله، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن
يعلم أن ذلك الذي قد قامت عليه به الحجة بذلك، فإن شهد في ذلك هلك وليس على كل من لم يعلم كعلمه أن يبرأ كبراءته، أو يشهد كشهادته، فانظروا لأنفسكم نظر من أشفق عليها، ولا تهملوا دينكم بترك الولاية والبراءة، ولا بالحكم بهما في غير موضع حكمهما، فتكونوا من الخاسرين.
باب
فطرة المولود على الإسلام
وكل من لم يكن منه اختلاف، وصح حكم إسلامه في صباه، وفي بطن أمه؛ بالميثاق الذي أخذ عليه وله؛ من الله في بطن أمه، وفُطِر عليه، حيث يقول الله - تبارك وتعالى -: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (1)
1 - جزء الآية (30) من سورة الروم.
- {o. (1/45)
صفحة 46
وكل مفطور مخلوق، فإنما خلق على الإسلام والدين القيم، ثم أخذ
عليه؛ في ظهر أبيه، الميثاق بالإسلام، وثبت له الإقرار بذلك، حيث يقول الله - تبارك وتعالى -: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (1). (1)
فصار إلى ظهر أبيه منذ كان، وفطر نطفة على الفطرة مفطورا، ثم أخذ عليه ميثاقه في ظهر أبيه، من وقت أن خُلق نطفة، بالشهادة بالإسلام، والإقرار به، فشهد بذلك وأقر به، وشهد الله عليه بذلك، حيث يقول - تعالى -: (شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِينَ). كذلك قوله - تبارك وتعالى -: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وانقكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ) (2). فكان هذا الخطاب وهذا الجواب ثابتا لهم وعليهم، وعهدا لهم وعليهم، من قبل أن يُخلق منهم أحد في مكنون علم الله - تبارك وتعالى ـ.
فكل مولود من جميع الثقلين المتعبدين بالطاعة، والأمر والنهي، فهو
مولود على الفطرة، وعلى الإسلام؛ في ظاهر الأحكام
كذلك
الفطرة) (3).
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل مولود فإنه إنما يولد على
فإذا ثبت له أنه مسلم على الفطرة، والدين القيم الحنفي، الذي قال الله - تبارك وتعالى -: وفاقمْ وَجْهَكَ
للدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
1 - الآية (172) من سورة الاعرا
2 - الآية (7) من سورة المائدة
3 - رواه البخاري ومسلم بلفظ مغاير، ورواه الإمام الربيع بن حبيب.
- {7 - (1/46)
صفحة 47
عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ خَلقِ اللَّهِ ذَلكَ الدِّينُ القَيِّمُ)
فهو مسلم، له أحكام الإسلام؛ فيما جعل الله له من العهد والميثاق. وعليه من العهد والميثاق، إلا أنه ما دام طفلا؛ ففي ولايته وثبوت الوعد له والوعيد، إذا كان من المشركين أو المنافقين؛ اختلاف من القول.
باب
اتفاق أحكام المولودين في معاني الأحكام
وهذا معنا يخرج في كل مولود، ناشئ في جميع الأقطار؛ من البر والبحار والمسافي والأمصار، من أولاد أهل الشرك، وأهل الإقرار من أهل الحرب، أو من أهل الذمة وأهل النفاق، أو الأبرار الأخيار، ولا فرق معنا في مولود دون مولود، ولا بقعة دون بقعة، ولا أرض دون أرض، سواء كان كل منهم؛ يلزمه حكم ما يخصه؛ من جميع أحكام دين الله - تبارك وتعالى -. ومن جميع أحكام ما بلغت إليه دعوته، وقامت عليه به حجته، مما نزلت به
6
بليته، ومعذور عما سوى ذلك، وثابت له معنا على هذا الحال اسم التوحيد والإقرار والإيمان والصدق والولاية، وأنه مقر بهذه الجملة، في أصل ما تعبده الله به، ومقر بجميع ما فيها من دين الله - تبارك وتعالى -، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وجنته وناره، والبعث والحساب، وجميع تفسير توحيد الله بصدقه وحقه، وجميع ما يسع جهله من دين وما لا الله جهله، مؤديا لجميع اللوازم، منتهيا عن جميع المحارم، ولو لم تبلغه من جميع
،
ذلك دعوة، ولا قامت عليه في شيء منه بعينه حجة، ولا نزلت به منه بلية
يسع
فأي حجج الله في شيء من دينه نزلت به بليته، كان متعبدا في شيء مخصوص. ذلك بما يلزمه فيه بعينه من الجملة، أو تفسيرها؛ من التوحيد أو الوعد والوعيد، أو من الفرائض واللوازم، أو من المحارم والمآثم، فإن قام
- EV- (1/47)
صفحة 48
بذلك الذي نزلت به بليته فيه بالعدل، من قول أو عمل أو نية، أو صحيح
معرفة، أو علم لازم؛ فهو على جملته
وإن ضيّع ذلك أو شيئا منه، أو خالف العدل فيه؛ بطل حكم ما كان ثابتا له، فإن كان ذلك مؤديا له، إلى حكم شيء من الشرك والجحود، نزل
به حكمه، وإن كان دون ذلك من كفر النعم، وإنما يخصه حكم ما أحدث من كفر شرك أو كفر نعم، وعليه في حاله هذه، أداء اللوازم والانتهاء عن المحارم، وصحة التوحيد، وتصديق الوعد والوعيد، ما عليه أن لو كان قد تقدم إليه حكم الجملة، فآمن بها وأقر بها، وله مثل ذلك من جميع ما للمؤمنين المقرين، من ثبوت ما عمل من طاعة الله - تعالى -، والثواب عليه، ووزر ما أتاه من معاصي الله، على وجه ما يلزمه الحجة فيه، وتنزل فيه بليته، ولا فرق بينهما معنا في شيء من الأشياء، ولا حال من الحال، ما لم تقم الحجة عليه فيه بشيء ينقطع به عذره.
باب
الأطفال
من أولاد أهل الشرك والنفاق
وإذا كان من أولاد المشركين والمنافقين، ففيه اختلاف من القول
لحقاً
فأحسب أن بعضا قال: إنهم لُحُقِّ بآبائهم في الآخرة، كما كانوا بهم في الدنيا، ويجوز فيهم السبي؛ إذا كان آباؤهم مشركين؛ وهم مثلهم في النجس، وأشباه هذه مما يحتجون به.
يروى في ذلك عن النبي أنه قال على إثر الحديث: «إن كل مولود
فهو على الفطرة وإنما يهوده أبواه أو ينصره أبواه»
فإذا ثبت في أولاد اليهود والنصارى الحديث مطلقا، فغيرهم من أولاد
- {A_ (1/48)
صفحة 49
المشركين مثلهم.
منه،
أولادها
وكذلك يروى عنه أنه قال لزوجته خديجة، وقد سألته عن الذين ماتوا صغارا، فقال: «في الجنة»، فسألته عن أولادها من
غيره؛ الذين ماتوا صغارا، فرُوِيَ عنه أنه قال: «إذا شئت أسمعتك ثغاءهم في النار، ونحو هذا، وللحديث مجازات وتأويل، والله أعلم بتأويل ذلك ورسول الله أعلم بما قال له، إلا أنه إذا صح الحديث المرفوع؛ فلا يخرج إلا على العدل، ويخرج في أولاد اليهودي والنصراني أنه يهوده أبوه وينصره أبوه، فيما يثبت عليه، ويجوز منه؛ من إباحة السبي، ولا يجوز في أولاد المسلمين من
أهل الإقرار. وكذلك يثبت له في الإسلام عند البلوغ، أن يقر على دين والده على اليهودية والنصرانية، ولا يجوز ذلك في أولاد أهل الإقرار، ولو لم يكونوا أقروا بالإسلام من بعد بلوغهم، فإنهم لا يقبل منهم؛ إذا بلغوا، إلا الإسلام أو السيف، إذا كانوا من أولاد أهل الإقرار، فيثبت لهذا حكم أبيه في الدنيا، في أحكام الله - تبارك وتعالى ـ، التي لا يختلف فيها
•
كذلك الحديث الثاني إذا صح، فإنه يخرج على تأويل الحق، على مجاز
القول فيه، كما في أولاد اليهودي والنصراني، وذلك أهل الشرك في
الجملة، أنهم من أهل النار.
من
ذلك قوله - تعالى -: وكـ
وكُتُمُ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم
منها) (1).
(1)
فكأنهم كانوا في جملة أهل النار في الشرك، وماتوا على ذلك، كما كان ولد اليهودي يهوديا، يهوده أبوه، على تأويل الحق
كما قال الله - تبارك وتعالى -: وَلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ
1 - جزء الآية (103) من سورة ال عمران.
- 29 - (1/49)
صفحة 50
ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ: إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (1)
وقد كان خيار المسلمين، وأئمة أهل الدين مثل أبي بكر وعمر، وغيرهما من المهاجرين والأنصار، فيما لا ينكره أحد من أهل الإقرار ولا الإنكار، أنهم كانوا مشركين؛ يعبدون الأصنام ويكفرون بالإسلام، ولم يموتوا حتى شهد لهم كثير ممن عاينهم في ذلك بالجنة، على لسان رسول الله، فيما يروى
فالأخبار والأحاديث والكتاب، والآثار إذا صحت، وإنما تصح على تأويل الحق، وأكثر ما يكون فيها التشابه والاختلاف، ويصل فيها من لم يعصمه الله ثلاثة من
وجوه.
:
من وجه ردها إذا لم يقف على صوابها، وذلك ما لا يجوز له أن يرى الروايات والآثار على وجه الإنكار، ولو كانت في الأصل بإطلاق، قد كذب. على الله، وعلى رسوله، وعلى أوليائه فيها، لأن رده لما لا يعلم أنه كان أو لم يکن؛ ضلال وباطل ووجه ثان: أنه يهلك بتكلفه للتأويل فيها بغير هدى، على سبيل القطع
ووجه ثالث: أنه يحمل الخاص منها، على وجه العام، أو العام منها
أن الحديث من
على وجه الخاص، وكل هذه الوجوه تكلف وضلال تعقبه بصحة المعنى، تدخل عليه العلة من طريق ما ثبت عن الله - تبارك وتعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتُهُمْ ذُرِّيَّتَهُمْ بِإِيمَانِ الْحَقْنَا بِهِمْ وَمَا التَنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُل أمريء بمَا كَسَبَ رَهِين (2)
1 - الآية (72) من سورة المائدة 2 - الآية (21) من سورة الطور (1/50)
صفحة 51
أنه مما فمعي
يجمع عليه؛ أن أولاد المؤمنين؛ الصغار منهم؛ حق، ولا يجوز فيها الاختلاف معي، وقد كانت خديجة في ظاهر الحكم
بآبائهم - عليها السلام - من أهل الإسلام، وقد يروى فيها أنها من السعداء، وأنها ممن قال رسول الله أنها من أشرف نساء أهل الجنة، وقد سئل عن ذلك، أو كان مخبراً فقال: «إن سيدات نساء أهل الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وهي زوجته التي يروى فيها الحديث أنها سألته، وفاطمة ابنة رسول الله محمد وهي ابنته، وآسية بنت مزاحم؛ وهي امرأة فرعون، ومريم ابنة
(-
عمران؛ وهي أم عيسى - عليه السلام - فسئل عن عائشة ـ عليها السلام - زوجته - أم المؤمنين، ابنة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ـ فروي فيها عنه أنه قال: «فضلها بعد هؤلاء الأربع من نساء أهل الجنة، كفضلي على أدناكم منزلة» يعني فضله
فإذا صح أنها (1) من أهل الجنة، كان أولادها الصغار تبعا لها؛ بحكم كتاب الله ـ تعالى ـ، كقوله - عز وجل -: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَوُفٌ رَّحِيمُ) (2).
ولسنا نرد الروايات على حال، وأهل الروايات أولى بما رووا، فإن صدقوا فلأنفسهم، وإن كذبوا فعليها، ولكن اعتبرنا الحديثين فوجدناهما؛ إن كانا صحيحين من قول النبي المخرجهما عندنا على ما قلنا، من ثبوت الحكم لولد اليهودي والنصراني، وعليهما في أحكام أبيهما، فيما نحن متعبدون به، وحكام فيه، ولا يعترض على الله - تبارك وتعالى ـ، في حكم مغيباته؛ إلا بما أعلمنا، أو صحت لنا به الشهادة، مما لا يرتاب فيه؛ من صفة عدله وفضله، وقامت علينا الحجة له
1
ومن الدليل على تعليل الحديث؛ في أولاد خديجة - رضي الله عنها -
يقصد السيدة خديجة رضي الله عنها، التي تحدث عنها قبلا
2 - جزء الآية (143) من سورة البقرة
-01 - (1/51)
صفحة 52
وفيما يروى عنه: إن شئت أسمعتك ثغاءهم في النار، ما قد صح معنا، مما جاء به الكتاب من صحة الثواب والعقاب من الله - سبحانه - بالجنة والنار للثقلين، أنه إنما يكون يوم القيامة بعد أن ينفخ في الصور، ويبعث الله من في القبور، والحشر والوقوف والحساب، والعرض على رب الأرباب، والوقوف من كل عامل على ما أعطى من كتاب؛ من خير أو شر، ثم هنالك يكون العقاب والثواب. فهذا ما لا يشك فيه أحد ولا يرتاب
وقوله: «إن شئت أسمعتك ثغاءهم في النار لا يخرج معنا في التأويل؛ أن يكونوا ذلك الحين الذي خاطبها في دار الدنيا، هذا الخطاب، أن يكون ذلك الوقت في نار الخلد؛ من العقاب الذي أوعد الله به العذاب، وإنما يخرج
على مجاز ما قلنا أو نحوه من الأسباب، والله الموفق في جميع الأمور للصواب وأحسب أن بعضا قال فيهم، بأنهم من أهل الجنة، ينعمون ويثابون؛ كما يثاب أولياء الله، لأنهم أولياؤه وأهل طاعته، قد أخذ عليهم الميثاق، ولهم بالإقرار والطاعة والإيمان، للشواهد التي ذكرناها والعلل التي أكدناها، أنهم لا يؤخذون بوزر غيرهم من آبائهم ولا من أمهاتهم، الثبوت قول الله تبارك وتعالى -: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (1)
وو
وقوله - تبارك وتعالى - في أهل النار جميعا:
يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ، فَأَمَا الَّذِينَ اسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) (2)
2
وقال - تبارك وتعالى -:
لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (3)
1 - جزء الآية (15) من سورة الاسراء
الآية (106) من سورة آل عمران. - الآيتان (15)، (16) من سورة الليل
- 52 - (1/52)
صفحة 53
وما كان من القوم كفر، ولا تكذيب يحكم به عليهم، في حكم عدل
الله، الذي أعلمنا به، لما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«القلم مرفوع عن الطفل حتى يحتلم.
ولما ثبت في الاجماع، أنه لو تكلم الطفل من أولاد اليهود بالإسلام، ما ثبت عليه قبل بلوغه، ولو كان مراهقا، ولا جبر عليه، ولو تكلم الطفل من أهل الإقرار بالشرك، ما ثبت عليه حكمه حتى يبلغ. وأحكام دين الله في ظاهر ما تعبدنا، وشواهد فضله؛ التي بها أعلمنا، لا يثبت في أحدهما معنا - عقوبة في دار الآخرة، إلا بمعصيته، بعد قيام الحجة على من عصاه منه، بما شاء أن يقيمها عليه، غير معترض عليه في شيء من أحكامه، إلا أنه قد تفضّل الله تبارك وتعالى، فقال:
(1)
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (1).
وقال تعالى:
و رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (2).
وتبارك وتعالى جل أن تكون عليه الحجة أبدا، قبل الرسل أو بعد
الرسل، بل الحجة له في جميع ما سبق من أمره، من عدله وفضله، في جميع
خلقه، ولكنه من صحة فضله ومنه، أن جعل هذا لعباده من منته وفضله
فقال تعالى:
،
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ هُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (3)
1 - جزء الآية (15) من سورة الاسراء
الآية (165) من سورة النساء.
3 - الآية (115) من سورة التوبة.
- or- (1/53)
صفحة 54
وكثير من شواهد كتابه، تدل على أن هذا. فضله، وشواهد العقول من
من
تشهد له بذلك؛ أنه في حكمته وعدله وفضله، لم يكن ليعذب أحدا خلقه، إلا بما يعذب به غيره من خلقه؛ من أهل معصيته، وإلا لتناقضت ذلك الأحكام، جل عن وعز وتعالى علوا كبيرا
،
ومنته وفضله، وشواهد أحكامه في خلقه من الثقلين؛ تدل على ذلك، على أنه لا يعذب منهما أحدا، ولا أحدا من خلقه، إلا لعاص قد عصاه؛ بعد قيام الحجة عليه، وأنهما جميعا - وهما الثقلان ـ أنهما من أهل النار، أو من أهل الجنة، لا محال عن ذلك. لقوله تعالى:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُ ونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا، قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (1)
(
فكانت المخاطبة منه للثقلين؛ بالطاعة والمعصية والكفر والإيمان والثواب والعقاب؛ معشر الجن والإنس، فشواهد ذلك تدل من فضل الله، أنه من لم يستحق منهم العقاب بمعصية الله، فهو من أهل الثواب، وهو أعلم بذلك تبارك وتعالى، وهو العادل الذي لا يجور، البر الرحيم، الرؤوف الغفور، الشديد العقاب، لكل عاص كفور.
هكذا وعدنا ووعده الحق، ونحن نشهد له بهذا، ولا نعترض عليه بالشهادة، على شيء من مغيباته، إلا بما أعلمنا
به نصا
وأحسب أن بعضا قال فيهم: إنهم يدخلون الجنة، على وجه النجاة من النار، إذ لم يكفروا ويعصوا؛ فيعاقبوا بالنار، ولا يكون دخولهم الجنة على وجه الثواب، لأنه لم يكن منهم من الطاعة؛ ما يثابون به، ولكن يكونون خدما لأهل الجنة، فلا يثابون ولا يعاقبون، ويكونون ثوابا لأهل الجنة ممن
1 - الآية (130) من سورة الانعام.
-02 - (1/54)
صفحة 55
أطاع، كما يكون الولدان والحور ثوابا لأهل الجنة، غير مثابين، بل هم
ثواب، وطوبى لمن نجا من النار. وقد قال الله - تبارك وتعالى -:
وكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (1).
في معنى واحد لأهل الجنة، وصدق ربنا في جميع ما قال، وقد كان من معنا القوم فيهما أعلمنا الله؛ إيمان وشهادة وإقرار بطاعة الله تعالى، لم يصح نقضها منهم؛ من كتاب الله ولا من سنة ولا إجماع، ولا مختلف فيه أنه كان منهم، وقد ثبت عن الله أنه قال تعالى:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولا) (2)
فلا
يصح. ن - معنا - أنم يُحرمون ثواب الإيمان والطاعة، إذا لم يكن منهم من العمل؛ ما يثبت لهم في حكم الإسلام، من أعمال الطاعة بأجسادهم والسنتهم، بما قد أزيل عنهم في الحكم، وأما لو أنهم عملوه لم يثبت لهم في الحكم ولا عليهم. ومعنا أن هذا معارضة، والمعارضة لا تصح إلا بشاهد
دليل.
ومعنا أن الاجماع أنه لو لم يكن من مسلم بعد بلوغه؛ أداء شيء من الفرائض من صلاة ولا صوم ولا زكاة، ولا شيء من الأعمال، ومات على ذلك، أنه بالإجماع أنه من أهل الجنة، في حكم الظاهر، بما يشهد به في الدينونة، وما كان منه من عمل الإيمان، وما كان من الأطفال ما ينقض الإيمان الذي يثبت لهم بالكفر والإقرار بالطاعة، الذي ثبت لهم بمعصية، ولا يجوز اختلاف الأحكام على الله - تبارك وتعالى - في أمر دينه، ولا في أمر ثوابه
وعقابه.
1 - الآية (185) من سورة آل عمران 2 - جزء الآية (15) من سورة الإسراء.
-00 - (1/55)
صفحة 56
ومن أعظم الشواهد عندنا من فضل الله، إجماعنا على أن الأطفال من أهل الإيمان يثابون، وأنهم من أهل الجنة، على غير ثبوت طاعة كانت منهم، ولا إيمان كان منهم، وهم مثل أطفال أهل الشرك وأهل النفاق في الطاعة والمعصية، وفي الخلق وفي الشبه وفي المثل، فثبت أن هؤلاء بأعيانهم نصا، وأجمعت فيهم الكلمة أنهم أهل ثواب، ولم يأت في هؤلاء نص؛ أنهم أهل عذاب، بما صح من أحكام الأخبار والآثار، إلا بنحو ما وصفنا، مما لم يصح أنه من أمور الآخرة، ومعنا أنه إذا ثبت في شيء من الأطفال؛ أنهم من أهل الثواب في الآخرة، ثبت في مثلهم، ولم ينفك في الانصاف إلا بدليل أو بكتاب أو بسنة صحيحة، أو بإجماع، أو بما يصح في العقول، ولن يوجد ذلك إن شاء الله في هذا، وقولنا قول المسلمين، وديننا في جميع هذا وفي غيره دين محمد ودين أهل الاستقامة. أمته، ومن مضى على سبيله من
إلى يوم القيامة.
من
لدنه
وأحسب أن بعضا وقف عن الشهادة لهم وعليهم، في الثواب والعقاب
في الآخرة، إذ لم يصلهم في ذلك نص صحيح، بثواب أو عقاب، وإذا
،
اختلف الناس في ذلك، حتى يصح معهم في ذلك شهادة، يقطعون بها دينا. من كتاب الله أو سنة رسوله، أو صحيح خبر مجمع عليه، وهو عندنا مذهب السلامة، لأن فيه ترك التكلف، والاعتراض على الله، إلا أنه معنا أن أهل هذا المذهب، إنما تركوا القطع بالشهادة، على علم منهم،، وإقرار أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن الله تعالى عادل في جميع أحكامه، بار في جميع أقسامه، صادق في جميع کلامه، لا يجوز عليه الجور، ولا الجبر، ولا الاختلاف في الأحكام؛ لأهل الكفر، ولا أهل الإسلام، وحكمه في الجميع واحد - تبارك وتعالى ـ وما ثبت في أهل الكفر، ولهم؛ فكلهم فيه سواء عند الله، وما ثبت في أهل الإيمان ولهم، فكلهم سواء عند الله تبارك وتعالى - فهذا في أحكام الأطفال إذا ماتوا في صباهم
-07 - (1/56)
صفحة 57
باب
ما يلزم بالغ الحلم من الأطفال
وأما إذا بلغ الأطفال الحلم، وصاروا في حال التعبد؛ في الطاعة
،
والمعصية، وخرجوا من حال اتباع آبائهم في الأحكام، بأحكام أنفسهم وهم في حال ذلك عندنا، قبل أن يُحدثوا حدثا بتضييع لازم، أو بركوب شيء
من المحارم، ثابت لهم اسم الاسلام والإيمان، إذ فطرهم الله ـ تعالى ـ على ذلك، ولم يكن منهم بعد الفطرة، ما يُخرجهم عنها، وليس عليهم فيما بلغهم الله - تعالى - إليه، من حال التعبد حجة، لأن ذلك من مقدور الله تعالى عليهم، لا من أفعالهم بأنفسهم
ولا نعلم أن أحدا يقول: إنهم بحال البلوغ؛ يجب عليهم كفر، ولا يكونون به محدثين
يحدثونه
واذا ثبت لهم اسم الإيمان، فلن ينقضه عنهم ولا يزيله إلا حدث، من قول، أو عمل، أونية، مما يستحقون به كفر جحود،، أو كفر نعمة، ثم هم على ذلك معنا على الأبد، من حيث ما كانوا من الأمصار، أو الأقطار، أو من البر، والبحر، فما لم يضيعوا لازما، أو يركبوا محرما، بعد قيام حجة الله عليهم بذلك، فلن يزول عنهم ما أثبته الله لهم وعليهم، من اسم الإيمان والدين؛ الذي عليه فطرتهم، وبه أخذ عليهم الميثاق وأمرهم، وعلى تضييعه بعد قيام الحجة منه عليهم حذرهم وأوعدهم العقاب، وعلى التمسك به، والإقامة عليه، ما لم يحدثوا حدثا فيه بترك لازم منه،، أو بركوب محرم منه، بعد قيام الحجة، وعدهم الثواب، فلن يتحول ذلك حتى ينقضوه، وبذلك ثبت لهم عندنا وعد الله، حيث يقول - تبارك
عنهم
عندنا
وتعالى -:
- 57 - (1/57)
صفحة 58
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ.
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (1).
وقال - تبارك وتعالى -:
إِنَّ اللَّهَ
مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا، وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (2)
والرسول تقوم به الحجة عليهم، فيما تكون به المخاطبة من المسموعات، ولا تقوم الحجة للمسموعات، ولا يهلك من لم تبلغه حجة المسموعات من دين الله - تبارك وتعالى - إلا ببلوغ الحجة التي تقطع عذره، من مسموع، أو ما يقوم مقامه من كتاب منظور، أو ما يشبه ذلك باب
الفرق بين حجة المسموعات والمعقولات
معنا أنه قيل: لا تقوم حجة المسموعات لخاطر القلب؛ بالإحاطة بأحكام المسموعات، وإنما تقوم الحجة بخاطر القلب بحجة العقول، فيما يخرج من أحكام الصفات، إلا أن يبلغ الله أحدا إلى ذلك بهدايته، فيقوم في العقول، بإلهام الله تعالى له، مقام المسموع، ولا يشك فيه، فليس له أن يدع حجة الله - تبارك وتعالى - إذا بلغته، وهداية الله إذا أتته؛ لأن الله - تبارك وتعالى - يقول:
ذلك معه
1
وقُلْ فَللَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةٌ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (3)
فإذا بلغت الحجة انقطع العذر، ووجب العمل، أو التصديق، أو
الآية (115) من سورة التوبة.
2 - الآية (15) من سورة الاسراء 3 - الآية (149) من سورة الانعام.
- 58 - (1/58)
صفحة 59
القول، أو التصديق والإيمان، وما لم تبلغ الحجة، فمن منة الله وفضله، الصحيح حكمها معنا؛ أنه لن يُضل إلا بحجة وبيان كما أنه ـ تبارك
"
وتعالى - لن يثيب إلا بطاعة ثابتة، كذلك لن يعاقب إلا بذنب. ومن لم يبلغ الحجة بمسموع، أو بمنظور، أو بخاطر قلب، أو إلهام، أو برؤ يا في منام، أو تأس بفاعل يرويه، أو ببلوغ خبر فعل فاعل، أو بما يشبه هذا، فلن يكلف الله - تعالى - العباد مما ألزمهم في دينه، إلا ما بلغتهم الحجة به، من أمره ونهيه؛ لأنه شاء ذلك بفضله، أن يعبد ببيان وإعذار
وإنذار، ولو شاء غير ذلك، كان ذلك منه عدلا، كما كان هذا فضلا منه
ونقول: إنه لو عذب العباد على غير حجة، ولا إبلاغ دعوة، ولا
إعذار ولا إنذار، لكان في جميع ذلك عدلا، كما كان في هذه المنن متفضلا، ولكن شاء بكرمه وفضله، أن يكون ما شاء ذلك من، فكان سبحانه ذا الفضل والامتنان، والجود والاحسان، وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ، أَيْنَكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى، قُل لَّا أَشْهَدْ، قُلْ إِنما هُوَ إِلَهُ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مَا تُشْرِكُونَ) (1)
وإنما الإنذار وقيام الحجة بعد بلوغها؛ ثبت بذلك في الكتاب. وعلى ذلك أجمع أولو الألباب.
ومن لم تبلغه الحجة التي يكون مدركا بها الهداية؛ لو اهتدى، ولا يقطع في ذلك فيما معنا عذره، ولا يهلك إلا بقيام الحجة، وذلك ما لا نعلم فيه اختلافا، فحجة السمع لا تقوم إلا بالمسموعات، أو ما يشبهها من
المنظورات.
1 - الآية (19) من سورة الأنعام.
- 09 - (1/59)
صفحة 60
باب
ما لا تقوم به الحجة إلا بالسماع وما أشبه ذلك
وذلك فيما معنا أنه قيل: إنه يخرج في جميع ما كان من أحكام الشريعة عملا بالأبدان، وجميع ما يخرج من الحجة بالأسماء؛ لأن الأسماء والأعمال وما أشبه ذلك. المقال، من الترك والنهي، لا يدرك ذلك بحجة العقل، من
وإنما يدرك بحجة المسموع وما يشبه ذلك
والجملة التي كان يدعو إليها النبي الله المشركين، والذي لا يصح لهم الإسلام إلا بها، فيما قيل معي: إنه قد قيل أنها من حجة المسموعات، ولا تقوم بها الحجة على سبيل عبارة التسمية، ولزوم معرفتها من طريق حجة
العقل.
وكذلك
هي
معنا؛ أنه لا يستطاع الفرق بحجة العقل بين الأسماء.
6
ولا الفرق لذلك معنا إلا بالسماع وما يشبهه.
فما لم تقم الحجة، على من ثبت له حكم السلامة، بالاعتصام بالإيمان؛ الذي لم ينقضه كفر، فلا يهلك معنا. بجهله بالجملة، لأنه ليس بمشرك؛ إذا لم يكن قد أشرك بشيء من الشرك بعد بلوغه، وهو في أحكام الإيمان معنا ما لم يكفر، ولا يهلك إلا ببلوغ الحجة إليه، على ما قد ثبت له، ولو عاش على ذلك ما عاش في عمره، في أي البقاع كان، فهو سواء معنا، وهو على حال إيمانه، فكل ما لزمه من أمر دينه، ونزلت فيه بليته، كان مخاطبا فيه بعينه، من جميع دين الله، مما يخرج حكمه والحجة فيه من حجة العقل، أو من حجة السمع، وعليه فيه حكم من الأعمال، أو المقال، أو العلم من صفة ذي الجلال، أو الجملة التي من جهلها بعد بلوغها وقيام الحجة عليها، استوجب الضلال، وكل ذلك معنا سواء. وكل ما بلغته الحجة به، خوطب (1/60)
صفحة 61
به، وكان له فيه في حال السعة ما يسعه فيه، وفي حال الضيق؛ ما يلزمه
باب
ما لا تقوم به الحجة إلا بالسماع من المعبرين وما يشـ بهه
بجميع
ما
وإذا آمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وصدق به، فقد آمن وصدق عليه أن يؤمن، ويصدق به من الكتب؛ من كتب الله، وأنبيائه، ورسله، وملائكته، وجميع ما عليه الإيمان به؛ مما هو خارج عن صفة الله - تبارك وتعالى ـ ومن حكم وعده ووعيده، ولا تقوم عليه، فيما قيل، الحجة في جملة ذلك، ولا في شيء منه من مفسره، إلا بعد العلم له من كتاب الله، أو مما لا يشك فيه من علم ذلك، أو تقوم عليه الحجة، التي لا يجوز له الشك في قبولها؛ في شيء من دين الله، الذي لا يسعه جهله، ويكون عليه حجة فيهما يسعه جهله من دين الله، فما لم يعلم شيئا من ذلك؛ علما لا يشك فيه، أو تقوم عليه الحجة لعبارة ذلك، أو شيء منه حجة، ولا يسعه الشك فيها؛ فهو مسلم مؤمن، مستحق لولاية الله تعالى، ولولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاية جميع المؤمنين، ولو لم يعلم مما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مفسرا آية ولا حرفا، ما لم تنزل به بليته؛ في شيء من لزوم ذلك، ولو لم يعلم بنبي ولا رسول؛ غير محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أن الله رسولا غيره، ولا ملائكة، ولا أنبياء غير محمد صلى الله عليه وسلم ولا أن له كتبا غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو بجميع هذا قبل أن تبلغه الحجة به، أو بشيء منه؛ مسلم.
-11 - (1/61)
صفحة 62
باب
ما تقوم به الحجة من جملة المعبرين
أما قيام الحجة عليه بالجملة، فمعي أنه قيل: إنه تقوم عليه الحجة، بعبارة الجملة، وبخبرها من جميع من أخبره من صغير أو كبير، من مسلم أو كافر، من صحيح أو معتوه، أو كتاب يقرؤه، أو من لفظ لا. يعرف ما هو، إذا عقل ذلك الخبر، وعرف معناه والمراد به، فذلك حجة عليه، ولا يسعه
أنه
الشك فيهما عندي قيل.
وإن شك فيه
أنه
، من بعد ذلك، أو شيء منه؛ فهو هالك، ومعي قيل: مشرك بذلك، يقتل إن لم يتب، إذا شك في الله - تبارك وتعالى ـ أو في رسوله، أو فيما جاء به رسول صلى الله عليه وسلم، فإن شك في شيء من هذه الأشياء، أو في شيء منها بعدها، فهو هالك مشرك، إن لم يتب يتب يقتل.
باب
كان
ما
تقوم به الحجة من جميع العبادات
ومن حجة العقل بخاطر القلب
وما دخل في هذه الجملة، من صفة توحيد الله - تبارك وتعالى ـ ووعده ووعيده، وما أشبه ذلك، مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو واسع له جهله؛ ما لم تنزل به بليته، فيسمع بذكر ذلك، أو يُدْعَى إليه، أو يخطر بباله ذكر ذلك، فإن أخذ ذلك، وعرف معنى ذلك، والمراد به؛ لم يسعه الشك في ذلك، ولا الجهل له فيما قيل؛ وعليه معرفة ذلك، وذلك مثل معرفـ فة الله تبارك وتعالى ـ واحد لا شريك له، أو أنه ليس كمثله شيء، أو أنه قادر، أو أنه قاهر، أو أنه سميع، أو أنه بصير، أو أنه عليم، أو أنه حكيم، أو أنه
منهم
- TY- (1/62)
صفحة 63
-
عزيز، أو ما أشبه ذلك من صفات الله - تبارك وتعالى ـ؛ من صفات ذاته أو من صفات أفعاله، التي لا يجوز عليه فيها التشابه لخلقه، ولا المماثلة ولا المقايسة، ولا المواطأة، ولا يسع إلا الإقرار له بذلك دون خلقه، فكل هذا مما تقوم به الحجة له، - تبارك وتعالى - على جميع. خلقه، من حجة العقول ولو لم يسمعوا بذلك ولم يأتهم به خبر ولا عبارة؛ لأن هذا حجته قائمة الله - تبارك وتعالى -، ولو لم يأت فيه رسول، ولا نزل به کتاب، ولا جاء به خبر، لأنه لا يجوز في العقول، إلا الاعتراف الله - تبارك وتعالى ـ بعدله، وبثبوته له، وبآياته وصفته عمن سواه من خلقه
وبذلك جاء به كتابه - تبارك وتعالى - قوله - تعالى -: وَكَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النبيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُم بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
(1)
فجاء في التأويل أنهم كانوا أمة واحدة، في معرفته - تبارك وتعالى ـ، يعبدونه بمعرفته، ولم يكن لهم غير ذلك قبل أن يبعث الله الرسل، ولم يكن لهم عذر في مخالفة ذلك، ولا في الشك فيه، ولا في شيء منه إلا بالاعتراف بآياته، وبشواهد فضله وعدله، وقدرته وحكمته، وما ظهر من آياته، ولم يكونوا قبل ذلك ليبلغوا إلى ما تأتيهم به الرسل من الأمر والنهي، الذي يتعبدهم. به، ولا بالكتب التي ينزلها الله عليهم، ولا بالرسل التي يرسلها الله إليهم، وإنما كانت العبادة له قبل الرسل له - تبارك وتعالى ـ بصحة المعرفة له، وإخلاص الطاعة له، والعبادة بالإستسلام له، والإيمان به وبآياته، قال الله - تبارك وتعالى -: {وَكانَ النَّاسُ أُمَةً وَاحِدَةٌ.)، أي على هذا، فاختلفوا في عبادته، قبل أن يرسل إليهم الرسل؛ الشاك
الله
1 - الآية (213) من سورة البقرة.
منهم
، ومنهم
- 63 - (1/63)
صفحة 64
الجاحد، ومنهم المبطل، ومنهم العابد معه غيره، قال - تعالى -: (فَبَعَتَ الله النبيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيما
اختلفوا فيه) فجاءت الكتب والرسل عن الله؛ مبشّرة لمن أطاعه وعبده، وشاهدة له بالصواب والثواب، ومنذرة لمن عصاه، وشاهدة عليه بباطله ومخالفته، وبالعقاب على ذلك
معنى الحجة ومن أين ثبت الأمر والنهي وأشباهه من دين الله أنه لا تقوم إلا بالسماع
وجاء الأمر والنهي عن الله - تبارك وتعالى -؛ على ألسن رسله، وفي كتابه الذي لم يكونوا يبلغون إليه، ولا إلى شيء منه، إلا إلى ما هداهم الله إليه؛ من عبادته بالإيمان به، وبآياته وبمعرفته، فكان جميع عبادة الله ـ تبارك وتعالى - من معرفة الرسل، والإيمان بهم، ومعرفة الأمر والنهي، ومن الحلال والحرام، والطاعة والمعصية، ومن الأوامر والزواجر، واللوازم والمحارم؛ إنما قامت به الحجة الله على العباد، على ألسن رسله - صلى الله عليهم وسلم أجمعين ـ، وفي كتبه التي أنزلت عليهم، فهي كذلك لا يعرف ولا يقدر على معرفتها، إلا من من الله عليه بإلهام ذلك، وخصه به؛ كما خص أنبياءه ورسله بالوحي في ذلك، وإلهامه وإلهام حكمه، وإلا فلا يبلغ إلى ذلك حجة قاطعة؛ إلا بالسماع من المعبرين كما لم تكن الحجة به عن الله إلا بالرسل، فكل ما لم تكن حجته، وهو ما عدا صفة الله - تبارك وتعالى - فلا تتكلفه
- 72 - (1/64)
صفحة 65
العقول، ولا يقدر عليه إلا بالعبارة، أو منة من الله؛ بإلهامه لمن شاء ذلك
فإن ذلك. وتعالى -.
من
فضله، أو من فضائل مواهبه، وهو على ما يشاء قدير ـ تبارك
فأما معرفة الخالق، ورسول الخالق، وجملة ما جاء به رسول الخالق، فإن الحجة فيه؛ فيما قيل: أنه من كل ناطق ومعبر، كما قد وصفنا، وأما سائر ما جاء به رسول الخالق من الأخبار، والأمثال، والأمر، والنهي، فما عدا من ذلك صفة الله - تبارك وتعالى - وصحة وعده ووعيده؛ على طاعته ومعصيته، فمعناه واحد، ولا تقوم به الحجة؛ إلا بالعلم الذي لا شك فيه، أو بقيام الحجة؛ التي تقوم بعبارتها حكم ما لا يسع جهله، التي لا يسع الشك في قولها، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قام مقامه بدين الله - تبارك وتعالى - ا ممن صح. صدقه وإيمانه، وعلمه بما لا يشك فيه من ذلك، كمثل ما لم يشك في ذلك. من الرسول، مع من أرسل إليه من الناس، ومن بلغته حجة
رسالته وصدقه وأمانته، وصحة ما جاء به عن الله، وما خص به.
وكذلك كل من نزل من عباد الله؛ في عصر وزمان، وصح له الصدق والإيمان، والعلم بدين الله - تبارك وتعالى -، والأمانة عليه، وفيه، أو العلم بشيء منه، ولو بِفَن واحد من فنون العلم من دين الله، أو بحرف واحد من الله حروف العلم من دين، فهو فيما صح له بالشهرة في ذلك، أو بالخبرة حجة فيما قال فيه، لقول الله - تبارك وتعالى - لنبيه:
انمَا أَنتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (1)، فقيل، إنما الرسول صلى الله عليه وسلم منذر،
ولكل من خصه الله - تعالى - بشيء من دينه في عصر، أو زمان، أو وقت من
الأوقات اللازمة للعباد، ومنزلة النبي ويقوم مقامه في القيام في الحق، وذلك قوله تبارك وتعالى -: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمَنْهُمْ ظَامٌ
، حجة الله، وقائم بدينه، ينزل في الحكم في اللوازم، منزلة الحجة
1 - الآية (7) من سورة الرعد
- 65 - (1/65)
صفحة 66
لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقتصد تومنهم" سابق بالخيراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
الكبير) (1)
فما كان ميراثهم له بملك ولا باستبزاز به دون أحد غيرهم، ولكن إنما أورثهم الله - تبارك وتعالى - من الكتاب، ومن أحكام الكتاب، أن جعلهم حجة له، وأعيانا في الأرض، وشهوداً وقُوَّاما، وأدلة وحجة لمن تبعهم، وعلى من تبعهم، ولمن أطاعهم، وعلى من أطاعهم، كما جعل النبيين والرسل حجة وشهودا وأدلة، وإلا فما ورثوا منه، وما جعلوا ورثة في شيء منه
ملكا
ومن شواهد ذلك قوله - تعالى -: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَؤُكُمْ بِمَا كُنتُم
تَعْمَلُونَ) (2).
وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن ينبع الرَّسُولَ لِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عِقَبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الذين هَدَى الله وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (3)
والوسط هاهنا فيما قيل: (الخيار) ومعناه كذلك، وشاهد ذلك أنه خيار قوله - تبارك وتعالى -: كنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا هُم مِّنْهُم المؤمِنُونَ وَأَكثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ) (4)، فكان قوله وسطا خيارا، فيما قيل:
لثبوت هذا من قوله في المعنى نفسه
1 - الآية (32) من سورة فاطر. 2 - الآية (105) من سورة التوبة. 3 - الآية (143) من سورة البقرة. 4 - الآية (110) من سورة آل عمران
-17 - (1/66)
صفحة 67
باب
ما تقوم به الحجة في الفتيا
فيما يسع جهله ما لم يلزم العمل
إلا أنه قيل في كل شيء من دين الله، مما لا تقوم حجته إلا بالعبارة، مما لا يلزم العمل به، والانتهاء عنه، من اللوازم والمحارم: أنه لو قام عليه
بذلك الذي لم يلزمه العمل به، والانتهاء عنه، الحجة من فتيا العالم، ولو فلم يبصر عدل ما قاله العلماء، أو ضاق عن علم
كان ذلك
من دين
الله
6
ذلك، من جميع ما يسعه جهله باختلاف
قال
من قال: لا
يسعه الشك؛ فيما قام به العلماء عليه، وعليه قبوله
منهم، وهم الحجة عليه في علم ما يسع جهله؛ وما لا يسع جهله، لأنهم ورثة الأنبياء، وهم يقومون مقام الأنبياء، وعليه تصديقهم، فيما كان عليه تصديق الأنبياء
وقال من قال: إنه إذا ضاق عن علم ذلك، ولم يبصره كبصر العلماء له، ما لم يمتحن بالعمل به، والانتهاء عنه، وإنما يكون علمه له، يقع موقع الوسيلة والفضيلة، وتولى العلماء ولم يقف عنهم بدين أو برأي، من أجل ما قاموا عليه به من الحق، وأعلموه به، ودعوه إليه من دين الله، فهو سالم مسلم بذلك، لأنه قد يقرأ القرآن ولا يعرف معناه، ولا معنى تأويله ويغيب عنه كثير من أحكامه، فما لم يكن ذلك الذي قد جهله، وضعف عن علمه، مما لا يسع جهله من صفة التوحيد، وصحة الوعد والوعيد، وما أشبه ذلك، فلا يضيق عليه إذا آمن بجملته أنه من عند الله، وأنه حق كما أنزله الله - تعالى -.
كذلك كل ما جاء به في القرآن من الأخبار، وقصص الفجار والأبرار،
- 67 - (1/67)
صفحة 68
له صحة فلم يتضح
علم
ذلك
، وضعف عن حقيقة علمه، وصدق به
الاستقامة
مجملا، وآمن بالله وحكم في ذلك بجميع ما صح معه، ولم يشك في شيء علمه، ولا ترك شيئا أبصر حكمه، واعتقد فيهما لا يعلم حقيقته، صح وضعف عن حقيقة علمه؛ كعلم العلماء به، ودان بدين محمد صلى الله عليه وسلم ودين أهل بجميع الجملة مؤمن، أمته؛ كان في ذلك سالما، لأنه من فعالم يخرج منها، وتمسك بها ورد الأمر إلى عالمه فيها، واجتهد في علمه، فلا يكلفه الله - تبارك وتعالى - فوق طاقته، وليس كل من قرأ القرآن أحسن تأويله، ولا كل من سمع التأويل أحسن حفظه، وبلغ إلى إتقانه، وإذا كان ذلك من عدم بلوغه، إلى الإحاطة بعلم ما قامت عليه به الحجة، أو ما تلا من التنزيل، وما فسر له من تأويل، أو ما سمع من الأخبار، أو ما وطئ من السير والآثار، فلم يبلغ إلى علم إتقان ذلك، ولا الوقوف على معانيه، ولا المراد به، ولو كان بذلك مخاطبا عيانا مما لا يشك في قوله، فهو معذور في كل ما يسعه جهله من الأمور ولو كان المعبر له من العلماء الحكماء، من عالم أو أكثر، إذا لم يهتد إلى ذلك، بعلم وبصر المجمل من العلم، أو مفسر، وعليه ولاية المحقين، ولا يترك ولايتهم في الدين من أجل ما جهل من حقهم، ولم
6
يبلغ إليه من قصدهم، ولا يتهمهم ولا يستخينهم؛ فيما قالوا به من رأيهم ولا من دينهم، فإنه ليس له ذلك، وإنما يعذر، مع ضعفه، عن قبول الحق من الكتاب؛ بإيمانه بالكتاب، ما لم يبصر ما اشتبه عليه من أمر السنة، فإنما يسعه الإمساك عنه بالشهادة، بتصويب كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقيقة كل ما سنه إذا لم يبصر حقيقة ما أبصره العلماء ذلك من
•
وكذلك ما قام به العلماء عليه من تنزيل الكتاب، أو من تأويل الكتاب بالصواب، أو من سنة موافقة للكتاب، أو من إجماع موافق للسنة والكتاب، أو من رأي خارج على أحكام الصواب، كان القائم عليه بذلك واحدا، أو أكثر من العلماء، فهم معنا في ذلك سواء.
فإذا بلغ إلى معرفة ما قاله العلماء، وأبصر عدله، وبان له صوابه،
- 14 - (1/68)
صفحة 69
فلا يسعه جهله، وعليه تصديقه وقبوله، فإن شك فيه بعد ذلك فهو بشكه في
ذلك مالك، فإذا صح عنده ذلك، وقامت عليه به الحجة؛ من کتاب الله
6
أو من نصوص سنة صحيحة؛ كنص الكتاب، أداه شكه ذلك إلى كفر
الجحود، وكان بذلك مشركا
وإن كان ذلك من التأويل، تأويل الكتاب، أو سنة أو إجماع، أو شيء
علمه،
من الحق، غير نص الكتاب، ونص السنة، كان بشكه ذلك؛ مع. كافرا منافقا؛ كفر النعمة لا كفر الجحود، وإنما يلحقه حكم الكفر بالشك من كفر الجحود، وكفر النعمة، في كل ما كان واسعا له، ما لم تزل به بليته، من غير ما تقوم به الحجة من حكم العقول، من صفة التوحيد، والوعد والوعيد، وما كان أشبه ذلك بعد علمه بذلك، أنه من الكتاب أو من السنة
علم لا يشك فيه، أو بعد قيام الحجة التي لا يسعه الشك فيها، ولو كان من
منصوص
الكتاب تلاوة
•
،
وأحسب أن بعضا يقول: إنه لا يضيق عليه الشك، ما لم يعلم ذلك على حال، ما لم يرده أو يشك في الجملة، أو يدع ولاية المحقين، أو يبرأ منهم؛ من أجل ما قاموا به من الحق، وسواء ذلك عندنا، كان الذي تُلي عليه، أو أخبره به في الرسل، أو في رسول بعينه، أو في الملائكة، أو في مَلَكَ بعينه، أو في تحريم شيء من الحرام، أو تحليل شيء من الحلال، أو تلاوة شيء من القرآن في خبر، أو مثل شهادة بسعادة أو شقاوة، بتلاوة القرآن: فكل ما كان في الأصل مما يسعه جهله، وداخل في جملته، ولم يتضح له علمه ومعرفته، إلا بقول القائلين له، فضاق عن علمه، ولم يعقل معناه، وتولى أهل الحق القائمين عليه بذلك، والمعبرين له، ولم يرد شيئا من ذلك، لحقه الاختلاف معنا، ولم يضيق عليه في حكم الاختلاف، والحجة في مثل هذا يختلف فيها.
فقال من قال: تقوم بالواحد، ولا يسع الشك في قوله؛ في جميع
- 14 - (1/69)
صفحة 70
ما
عبره من دين الله، إذا كان ثقة مأمونا عالما
•
وقال من قال: لا تقوم إلا بعبارة الشاهدين.
وقال من قال: بأربعة، عليهم الغلط، وتقوم بمثلهم حجة الشهرة من
الخمسة إلى العشرة.
وقال من قال: لا تقوم الحجة إلا بعلمه هو الذي لا يشك فيه، أو يلزمه التعبد في شيء من ذلك، بفعل أو ترك، فتقوم عليه حينئذ الحجة؛ على غير وجه ما يسعه جهله
وإنما هذا القول كله يجوز معنا فيه الاختلاف، ولا يضيق عليه، ما لم يعلم ذلك علما لا يشك فيه، أو بترك ولاية المحقين، أو يبرأ منهم من أجل ذلك الحق، الذي قاموا به عليه، أو يرد منه شيئا، أو يجحده، فافهم معاني
ذلك
باب
لزوم الحجة بالفتيا عند حضور اللازم من العمل والترك مما يفوت
وأما إذا لزمه شيء من ذلك مما يفوت، مثل صلاة أو صوم، أو
مما يفوت وقته، من جميع الفرائض اللازمة له، مما يفوت وقته ويبطل، وحضر وقته، ووجب العمل به، فمعي أنه قيل: إن عليه طلب العلم، من جميع ما جهل من ذلك، وكان من عبر له شيئا من معرفته من فرائض الصلاة، أو من حدودها، أو من القبلة فيها؛ من صغير أو كبير، من مؤمن أو كافر، كان حجة عليه
- 70 - (1/70)
صفحة 71
فإن ترك العلم الذي قد بلغ إليه، ممن بلغ إليه، لم يسعه ذلك، وكان
ذلك حجة عليه
ومعي
أنه قد قيل: لا يكون عليه بذلك حجة، إذا دان بالسؤال عما يلزمه؛ إلا المأمون الثقة ولو عبر له من لا يأمنه؛ فلا يكون عليه حجة، إذا
دان بالسؤال عما يلزمه
6
لأنه ليس للكافر على المؤمن سبيل، ولا يهلك
بسببه، ولا قيام عليه بأمر كان يسلم فيه بحال، وليس من متهم حجة،
ولا من خائن.
ولا يعجبني أن يهلك، ما لم يتضح له العلم، الذي لا يشك فيه؛ من جميع ما قاله أو عبره له، وتقوم عليه الحجة من قول المسلمين، ما كان دائنا بالسؤال، معتقدا له عن جميع ما يلزمه
ولعل في بعض القول: أنه إذا حضر مثل ذلك ولزمه، فجهله ولم يعمل به؛ حتى فات وقته، هلك، مجملا في الآثار لا يستثنى له حجة ولا سؤال
وما لا
وهذا يخرج عندي خاصة، إذا كان عالما، وإذا كان يقدر على المعبرين، لا على جهله وعدمه للمعبرين، مع اعتقاد السؤال، أو طلب العلم لما يلزمه، وهذا في الآثار؛ في كتب ما يسع يسع جهله، من قول أصحابنا، يشبه المجمع عليه أنه يهلك، إذا حضر وقت العمل فلم يعمل به وجهله، أنه لا يسعه جهله، وأنه يهلك لا يستثنى له عدم علم
ولا سؤال.
يسع
وهذا معي مثل ما جاء عنهم في الآثار في جهل الجملة، أنه لا جهلها على غير تفسير، كذلك إجماعهم على هذا الفصل، أنه لا يسع جهله
على غير استثناء ولا تفسير، وهذا لا يجوز معنا على الإطلاق، إلا أن الآثار.
6
إنما يقع من قولهم إنه يهلك على ترك السؤال؛ عن علم ما يلزمه، أو اعتقاد السؤال لعلم ما يلزمه؛ إذا لم يقدر على السؤال، وذلك الأثر الذي يشبه
- VI - (1/71)
صفحة 72
المجمع عليه من قولهم بغير تفسير، ولا أعلمه يخرج إلا على هذا
•
كذلك الجملة لا أعلمها في العدل تخرج إلا على ما وصفت، لا على ما جاءت الآثار بها مجملة غير مفسرة، كما جاءت الآثار بهذه مجملة في الجملة غير مفسرة، أنه إذا جاءت وحضر وقت العمل بها فجهلها، ولم يعمل بها حتى فات وقتها؛ هلك
وكذلك كان الدليل على هذه منها، كالدليل على الجملة منها، من إجماع قولهم: إنه لا يسعه جهلها، أنه لا يكون جاهلا بها، ويلحقه الجهل بها إلا بعد قيام الحجة بها، وكيف يكون جاهلا بشيء لم يقم عليه به شواهد العلم فترك العلم؟ وإنما الجهل بعد العلم، ولا يكون الجهل ولا يسمى جاهلا من لم يعلم، ومن هو بغير علم ذلك مؤمن مسلم، وهذا من تناقض القول معنا، وإنما وقع عليه الجهل بعد العلم، وبعد قيام الحجة عليه، وإلا يسمى جاهلا جهلا ينقض عليه ما كان ثابتا له، من العلم والإيمان والإسلام، فافهم ذلك إن شاء الله - تعالى -.
فلا
فهذا في علم كل ما يلزم العمل به، وله غاية في انقضاء وقته، وفي كل ما يجب الانتهاء عنه، من المحجورات المحرمات، كائنا ما كانت، فركبه قبل أن تبلغه حجة العلم بحرمته، وهو في موضع يقدر على العلم بحرمته، فلم يسأل عنه، ولا يقدر على العلم له، فترك اعتقاد السؤال عنه وعما يلزمه فيه فركبه؛ فهذا هو الهالك
•
وأما إذا كان دائنا بالسؤال؛ عما يلزمه في جملته، ولم يقدر على السؤال؛ عن علم ما ركبه، ولم يكن تقدمت إليه الحجة بعلم ذلك، وهو مما لا تقوم الحجة بعلمه، من حجة العقول، فلا يكون هالكا إذا كان على هذا دائنا بالسؤال عما يلزمه، دائنا بالتوبة عن جميع ما يؤثمه، فركب هذا المحرم، على غير حجة تقدمت إليه بعلم حرمته، فلا يكون هالكا على هذا معنا في الأصل
- VY- (1/72)
صفحة 73
وفي مجمل الآثار من قول أهل العلم من المسلمين أنه إذا ركب شيئا
محرما، أو ترك شيئا لازما، حتى يفوت وقت العمل به، فهو هالك؛
ولا يسعه جهله، فهذا من مجمل قولهم كقولهم في الجملة، فانظر في ذلك
•
ولا يخرج تأويل الحق من الجملة، ولا فيما يلزم العمل به مما يفوت
وقته، ولا فيما يلزم الانتهاء عنه فركبه قبل قيام الحجة، إلا على تأويل ما وصفت لك من الحق - إن شاء الله تعالى -؛ وإلا فكان في ذلك تكليف ما لا يطيق، ولا يقدر عليه من دين الله، وفي صحة تكليف ما لا يطيق صحة باطلة، لا على تأويل الحق، لثبوت حكم كتاب الله - تبارك وتعالى - أنه: ولَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (1)، وقوله - تعالى -: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما أَتَاهَا) (2)
وثبوت الحكم في جميع الفرائض، أنه من لم يقدر على شيء، حط الله عنه فرض التعبد من جميع الفرائض؛ من الحج والزكاة والصوم والصلاة، والوضوء بالماء للصلاة، وغُسل الجنابة بالماء للصلاة، والعجز عن القيام في الصلاة، ولو كان عاقلا لها، فكل هذا، وجميع دين الله فيما علمنا أنه لا يكلف الله عباده إلا ما أطاقوه.
وأعظم العدم والعجز، عدم العلم لما لا يعلمه العبد مما لم يتقدم إليه علمه، ولا يقدر على التماسه في وقته، ومعي أن الإجماع من قول أهل العلم، أنه لا يكلف من العلم، إلا ما يلزمه كلفة التعبد به، فإذا ألزمه كلفة التعبد به، كان عليه حينئذ القيام بما تعبد به من العلم، أو الانتهاء أو العمل، فإذا قدر عليه في حينه، كان غير معذور فيها يطيقه، فإذا عدمه فغير مكلف ما لا يطيقه، ومما يطيقه التماس علمه، ولو لم يجده في وقته في جملة اعتقاد ما يلزمه في جملته، أو في مخصوص ما قد خصه حكمه، إن بلغ طولا
1 - الآية (286) من سورة البقرة.
2 - الآية (7) من سورة الطلاق
- 73 - (1/73)
صفحة 74
إلى درك معرفة ما قد خصه من عمل أو ترك، وإن لم يدرك ذلك وعجز عنه، ففي جملته اعتقاده للإيمان، من جميع لازمه كفاية له، إذا لم تقم عليه الحجة بحكم المخصوصات بقطع عذره، أو يعرف يقدر فيه على بلوغ التماس معرفة مخصوص علم ذلك، ولا هو في جملة العذر، إن شاء الله، إذا ثبت له لا يكلف فوق طاقته، من جميع طاعته وعبادته، من علم أو عمل أو ترك. فأما وجوب العمل، فمن حين ما وجب عليه العمل بالواجب، قبل فوت وقته الذي لا يجوز، ولا يصح العمل إلا فيه، فإن جهله أو جهل شيئا منه، لزمه التماس معرفته بطاقته، والتماس اعتقاد معرفته لأدائه، والقيام به، وأما جميع ما يلزمه الانتهاء عنه، فغير لازم له التعبد بعلمه فيما قيل، وليس له ركوبه، فإن لم يركبه فهو معذور على الأبد، بعد معرفة حرمته، وإن ركبه بعد قيام الحجة عليه بمعرفته؛ هلك، وإن ركبه قبل قيام الحجة عليه لمعرفته على ترك السؤال، واعتقاد ما يلزمه في مخصوص علم ذلك، إن بلغ إليه طولا، ليعرف ما قد خصه حكمه من التماس المعرفة والتوبة، في حكم ذلك بعينه أو في جملته، إن عجز عن تمييز ذلك؛ لم يسعه ذلك، وكان هالكا، وإن اعتقد ما يلزمه فيه التوبة من ذلك، والتماس علم المخرج منه بعينه، إن هُدِي إليه وأطاقه، أو في جملته إن لم يطقه، من التوبة في الجملة والتماس علم ما يلزمه علمه، من أداء اللوازم، والانتهاء عن المحارم، كان معذورا ما لم يضيع شيئا من هذا، ولو ركب المحارم كلها، وترك اللوازم كلها، ما لم تقم عليه الحجة بعلم ذلك بسماع، أو بجميع ما يهتدي إليه، من خاطر القلب، أو غير ذلك، أو وجه من الوجوه فاهتدى إلى علم
بعلمه
،
ذلك، فقد قامت عليه الحجة بعلمه، وليس له إضاعة العلم والرجوع إلى
الجهل بحال من الأحوال، فإن فعل ذلك ضل عندنا بذلك وهلك
•
- VE- (1/74)
صفحة 75
ومعي
باب
معاني الاختلاف في الفتيا وقيام الحجة بها
أنه قد قيل: كذلك في الفتيا، أن كل من قام بشيء من دين
الله - تعالى - من عالم أو ضعيف، من مؤمن أو كافر، من بار أو فاجر، فهو حجة كما كان المسلم العالم حجة، لأنه إنما كان حجة؛ بقيامه بالحق نفسه، الذي لا يختلف فيه، ولا يختلف فيه الذي لو اختلف فيه المختلفون من جميع الثقلين، كل يدعي فيه لنفسه قولا؛ ما كان الحق فيه إلا في واحد، وهو الذي قام به من قام من القائمين، وقال به من قال من القائلين
وإنما كان حجة بنفسه، ولا تجوز مخالفته، ولا الاختلاف فيه، فكل قائم فيه في الفتيا فهو حجة، كان فيما يسع جهله، أو فيما لا يسع جهله، في موضع لازم، أو غير موضع لازم، فالقائم بالحق حجة، والقائل به حجة، إذا كان الحق حجة بنفسه، فافهم هذا الفصل، وهو فصل ثابت صحيح، وله تأويل، ومن صحة تأويله؛ أن من حجة القائم بالحق، أنه إذا ثبت في شيء من دين الله، لم يتعر ولم ينكر أن يثبت في جميع دين الله؛ لأنه دين.
وأصل دين
الله كله واحد، وأنه لا يختلف أصل الحكم في دين الله
،
وكما ثبت في الجملة وفي تعبير الجملة؛ فيما لا يختلف فيه؛ يثبت في شيء من تفسير الجملة عند لزوم العمل والانتهاء، ولذلك لا يتعرى ولا ينكر أن يثبت ويلزم في جميع تفسير الجملة من الدين، لأن كل لازم في الدين، ومن الدين؛ فهو لاحق في موضعه، فيما تسع مخالفته، وفيهما تقوم حجته، بمنزلة الجملة في موضعها، ولا يسلم من يخالف الحق في شيء من وظائفها، كما لا خالف الحق في الجملة، فافهم معاني الحق؛ كيف يخرج بعضه من
يسلم من. بعض، ولا يخالف بعضه بعضا، إذ بعضه من بعض، وبعضه داخل في
- Vo - (1/75)
صفحة 76
بعض، ولا تختلف معانيه بتأويل الحق
ومن أعظم حجج الله في دينه، من جميع من قام به
أنه إذا قام به
قائم، كائنا ما كان، فأقل ما يكون من حجته؛ أنه لا يسع الرد له، ولا
التكذيب له، وقد كان قيل: ذلك زائل عمن لم يبلغ علمه إلى ذلك، علم. ذلك بعينه، وكلفة التعبد فيه.
كلفة
فإن لم يكن القائل بالحق حجة، فيما يسع جهله، لم يسع ولم يجز أن يكون حجة، فيما لا يسع جهله، ولكن القائل بالحق حجة، إذا قام به من طريق الفتيا فيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله، ومن حجة المحق، إذا قام بالدين فيما يسع جهله؛ أن لا يرد عليه ما جاء به، ولو كان في غير ذلك مبطلا، وأن لا يخطيء فيما جاء به، ولو كان في غير ذلك مخطئا، وأن يقبل منه عدل ما جاء به، إذا أبان عليه في الاجماع، وفي الاختلاف فهو حجة فيما يسع
جهله، كما كان حجة فيما لا يسع جهله، لثبوت حجة الحق في جميع ذلك. وجه واحد، لا تختلف معانيها في أصل العدل
باب
لزوم الحجة في الفتيا عند لزوم السؤال
من
ومعي، أنه قد قيل: إن تولى المحدث بالدين على اعتقاد الشريطة، ولم يعتقد السؤال، لما قد جهله من. حكمه، فهو هالك في حينه، ولا يضيق عليه ذلك، إذا اعتقد السؤال عما لم يبلغه علمه، مما قد ركبه قبل قيام الحجة عليه به، فلا يضيق عليه ذلك، ولا يهلك به. إلا أنه قد قيل: إنه من أفتاه بما يلزمه في ذلك من صغير أو كبير، أو بار أو فاجر، أو مؤمن أو كافر، فقوله عليه حجة، لأنه نزل في منزلة ما لا يسعه جهله بركوبه، وهو بمنزلة من
- 76 - (1/76)
صفحة 77
وصفت لك من الممتحنين بركوب محرم، أو لزوم لازم، مما يفوت وقته ففي بعض القول: إن كل من عبر له علم ذلك، فهو عليه حجة،
فإن ترك الحجة إذا لقيته لزمه الهلاك، وزال عنه عذر انسؤال.
المسلمين
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا بأهل الثقة من
من
وقد قيل في هذا الفصل: إنه يلزمه القبول، من أهل الثقة من قومنا، إذا عرف منهم الموافقة في ذلك الشيء الذي لزمه؛ مما لا يسعه تركه، ولا ركوبه، إلا باعتقاد السؤال، إذا لم تبلغه حجة العلم به، فأهل الثقة قومنا في مثل هذا، يكونون حجة عليه في الفتيا، مع من قال: إنه لا يكون حجة عليه إلا أهل الثقة والأمانة ولا يكون عليه حجة أهل الخيانة، ولا أهل التهمة من أهل الشرك، ولا من أهل الاقرار.
وأما على قول من يقول: إنه عليه حجة كل من عبر لـ له ذلك، فلأنه من أصول الدين ما لا يسعه جهله معه، فعلى هذا القول؛ يكون عليه حجة كل من أفتاه بذلك وعبر له من أهل الخلاف في الدين، من المقرين أو الجاحدين، وجميع المعبرين من المهتدين، أو الخائنين والصبيان والمجانين، وقومنا إذا كانوا من الثقاة، أولا وآخرا، أن يكونوا حجة عليه، في جملة أهل الثقة والأمانة
•
وأما ما لم يتول المحدث إذا جهل حدثه، أو تولاه برأي، فإن لم يعتقد
فيه السؤال؛ لم يضق عليه ذلك؛ لأن ذلك مما يختلف في وجوب السؤال فيه، ما لم يتوله بدين، أو يتوله برأي، فإن اعتقد السؤال فيه على قول من
يقول ذلك، أو على وجه الفضيلة، ما لم يعتقد السؤال دينا، فهو أسلم له وأفضل وأوسع له على كل حال، ما لم يكن الحدث مما لا يسع جهله على كل حال، وكان يسعه الشك فيه؛ فقد قيل: إنه إذا اعتقد السؤال أو لم يعتقده، ولم تقم عليه الحجة، وينقطع عذره إلا بعلم يبلغ إليه، أو بفتيا أهل
- VV. (1/77)
صفحة 78
العلم من المسلمين؛ الذين تقوم بهم الحجة في الفتيا، فيما يسع جهله وقد قيل في مثل هذا: إنه ليس له أن يترك الحجة من المسلمين إذا
6
6
لقيته، وعبرت له بما يلزمه من ولاية أو براءة، مما قد جهله من حكم ما لزمه وليس هذا الفصل بمنزلة سائر ما يسعه جهله من الدين ما لم يتعبد فيه بشيء، إلا وجوب العلم اللازم بعينه، لا بغير ذلك، وهذا عليه قبول الحجة من عالم من علماء المسلمين فيما قيل، أو ضعيف من ضعفاء المسلمين؛ تقوم عليه به الحجة، بتأوله من كتاب الله، أو بعبارة من عالم من علماء المسلمين بنصه عن العالم، بغير تفسير من ذات نفسه، لأن هذا قد لزمته الحجة، فيما قد لزمه العمل به، من ولاية أو براءة، قد ضعف عن القيام بذلك، ما لم تلقه الحجة، فإذا لقيته الحجة فلا عذر له
وأحسب أنه قيل: على كل حال ما لم يتول بدين، أو يبرأ بدين، على ما لا يسعه، ولم يبلغ إلى ما عبرت له الحجة، وتولى الحجة وصدقها، ولم يتول بدين فلا يضيق عليه ذلك، وذلك مما يروى أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه بدين، أو يبرأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم برأي أو بدين، فيدخل ذلك في جميع ما دانوا به، من جميع الأشياء، ما لم تقم الحجة عليه بعلمه، فارتكبه بعد قيام الحجة عليه به، أو بعد بلوغه إلى القدرة إلى طلب علمه، أو ترك اعتقاد طلب علمه، أو يتولى راكبه بدين، أو يبرأ من العلماء، أو يقف عنهم برأي أو بدين من المحقين، أو يبرأ أو يقف عن أحد من المحقين بدين، من أجل براءتهم من راكبه، وهذا معنا يخرج في جميع ما تعبده الله لا في مخصوص؛ لأنه لا يجوز الاختلاف في أحكام دين الله مما تقوم به الحجة بالسماع، أو بحجة العقول؛ فيما لم يدرك علم ذلك، وعلم معانيه، والمراد به، فالحكم فيه معنا سواء، من أنه لا تنقطع حجته في شيء، لم تبلغه حجة العلم فيه، لقول الله تبارك وتعالى:
،
- VA - (1/78)
صفحة 79
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ، إِن
الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (1).
والبيان بيانان، بيان حجة، وبيان هداية.
فما كان من بيان الحجة قطع الله به عذر الجاهل، وما كان من بيان الهداية، فمن فضل الله - تبارك وتعالى ـ، على من آمن به وأطاعه، وعلم الله حسن إرادته، وذلك قوله - تعالى -:
ومَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ) (2)
وقال تعالى:
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مَن أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإيمَانُ، وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا تَهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى
صراط مستقيم) (3)
وقال تعالى:
يَهْدِي بِهِ الله من اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النور بإذنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم)
(4)
فمن آمن به، وتوكل عليه وأطاعه، وانقطع إليه. فلا محال أن الله تعالى - موفقه وهاديه إلى صراط مستقيم، ومن لوى عنقه عن الله؛ بمثقال ذرة من معصية، من قول، أو عمل، أونية، وأصر على ذلك، فلا شك أن الله
1 - الآية (115) من سورة التوبة
2 - الآية (11) من سورة التغابن - الآية (52) من سورة الشورى. 4 - الآية (16) من سورة المائدة.
- 79 - (1/79)
صفحة 80
يُضله بعدله، وبما قدمت يداه، وما الله بظلام للعبيد، كذلك لو كثر المختلفون من المتدينين، والمتعبدين، فلن يضر ذلك المؤمنين الصادقين، وقد قال الله - تبارك وتعالى - وقوله الحق:
وَكَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَتَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيهَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (1). إلا من قال من المؤمنين: يُثَتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (2)
وجميع
أفعاله - تبارك وتعالى - في جميع عباده عدل وفضل، وجميع عباده فضله وعدله، فمن هَدَى منهم وأرشده ورحمه، فبمنه وفضله، لما سبق من ذلك في مكنون علمه، وعدل قضائه
من
ومن أضل منهم وخذله عن طاعته، وأشقاه وعذبه فبعد له، بعد قيام
الحجة عليه، والاعذار والإنذار منه إليه، لما سبق في مكنون علمه فيه
فتبارك وتعالى علوا كبيرا.
باب
ما يكون الفقيه فيه حجة
وما لا يكون
وقد قيل: إنه لا تجوز البراءة بالرأي قطعا، إلا في هذا الموضيع، ولو كان المتبرئ منه على هذا، بالحق فقيها، لم يجز له أن يبرأ منه برأي ولا
1 - الآية (213) من سورة البقرة.
- A -
2 - الآية (27) من سورة ابراهيم (1/80)
صفحة 81
بدين، ولا يقف عنه برأي ولا بدين، لأنه حجة أعني الفقيه فيما قيل: وأقل ما يكون فيه من حجة الفقيه، إذا قام بالعدل، أن لا يبرأ منه، ولا يقف عنه برأي ولا بدين، كان قيامه بالعدل قولا، أو براءة، أو ولاية، أو حكما بعدل من قتل، أو عزل، أو حكم من جميع أحكام العدل، قد أنزل العالم بمنزلة من هو أهل له، فقام فيه بالعدل، فجهل الجاهل عدله، فلا يحل في جميع هذا براءة منه، ولا وقوف برأي ولا بدين
•
وقد قيل: يلزم قبول قوله فيما قال: من العدل في الفتيا التي قام بها،
6
وبينها في ذلك الحكم، وتلزم طاعته فإن ضعف الضعيف عن البلوغ إلى ذلك وقبوله منه، فأقل ما يلزمه في الحجة أن يتولاه ولا يقف عنه، ولا يبرأ منه برأي ولا بدين، إذا كانت شواهد ما ظهر للفقيه من القول الذي قال به، والحكم الذي حكم به عدل، في دين الله، إلا أنه جهل الضعيف عدله
وأما إذا نزل الفقيه بمنزلة، يكون فيها قاذفا، لغير إقامة حجة إلى القذف، أو يدخل في أمر يكون فيه خصما؛ لا يكون مفتيا، ولا حاكما، فهو كغيره في الخصومة، ويبرأ منه على القذف؛ براءة الدين، ويحكم عليه بأحكام المسلمين، بجميع ما يلزم المدعي والمدعى عليه، وإنما يكون حجة في الفتيا بالحق، والقيام في الحكم بالحق، فيما يكون فيه حجة
باب
ما يجب في جميع ما نزلت بليته وقامت حجته ولو كان شيئا قبل شيء
وليس بمخاطب معنا بشيء، لم تقم عليه به الحجة ولم تبلغه به الأعذار
ولا الإنذار، من جملة ولا غيرها من صفة التوحيد، ولا من معرفة الوعد والوعيد، إلا حتى يخصه ذلك، وتبلغه الحجة به، ولو بلغته الحجة، فيما
- 81 - (1/81)
صفحة 82
تعبده الله به من منه، ولو حرف واحد لزمه حكمه
الأعمال، من الانتهاء عن المحارم وأداء اللوازم، أو شيء
ولم يلزمه حكم غيره من التوحيد، ولا الوعد والوعيد، إذا لم يكن قد بلغته الحجة به، ولو لزم في شيء من دين الله - تبارك وتعالى ـ، أن يلزم التعبد به في مخصوصات شيء من ء منه، قبل أن تقوم الحجة، وتبلغه الدعوة به، لما جاز عندنا، إلا أن يكون يلزمه ذلك في جميع دين الله - تبارك وتعالى ـ، لأن أحكام الله في دينه لا تختلف، ولا يجوز عليه فيه الاختلاف، ومتى ثبت في شيء من دين الله، أنه لا يلزم إلا بعد قيام الحجة، وبلوغ الدعوة، لم يجز معنا إلا أن يكون ذلك في جميع دين الله، ومتى ثبت في شيء من دين الله
تبارك وتعالى.
(-
أنه إذا بلغت الدعوة به، وقامت الحجة، ثبت دون غيره
،
لزمه فيه التعبد؛ من توحيد أو وعد ووعيد، لزم معنا ذلك، وثبت في جميع الله - تبارك وتعالى -، أنه إذا بلغت به الدعوة، وقامت به الحجة لزم، ولو لم يلزم في غيره.
دين
ومتى ثبت في شيء من دين الله، أنه ما لم تبلغ فيه الدعوة، وتقوم به الحجة، ولو قامت بغيره، وبلغت بغيره، فلا يلزم بلزوم غيره، ثبت ذلك في جميع دين الله، وهذا ما لا يشك فيه أهل العلم بدين الله معنا، ممن هداه الله، ولم يضل في سبيل التأويل من المتدينين، وفي حكم الخاص والعام، ولو قامت معنا الحجة، وبلغت الدعوة في شيء من الجملة، دون شيء، مثل معرفة الله، دون معرفة رسوله بالسماع، أو معرفة الله تبارك وتعالى، ومعرفة رسوله بالسماع، دون معرفة ما جاء به رسول الله عنه بالسماع، كان معنا سواء، ولزمت به الحجة دون غيره من الجملة، لأنه ليس في بلوغ شيء ذلك دليل، على ما لم تبلغ منه بحجة السمع مسمى بعينه، إلا على ما يخرج من حجة الصفات المدركة بالعقول، فإن بلغت المتعبد بعد بلوغه أحكام الصلاة، والحجة بها دون الجملة، أو الصوم دون الصلاة، أو الزكاة دون
من
الصلاة
- AY- (1/82)
صفحة 83
أو ما بلغه من جميع دين الله، فهو معنا سواء على ما وصفنا، وتقوم عليه به الحجة، وتعبده به دون غيره، من بواقي أحكام دين الله، التي لم تبلغه، ولم تقم عليه بها الحجة، وفي كل بالغ له دعوته لازم له فيه حجته من حجة عقل أو سماع، وليس عدم بعض ذلك، مزيلا عنه حكم بعضه، مما يلزمه ببلوغ الدعوة فيه، وقيام الحجة، وليس لزوم بعض ذلك مزيلا عنه شيئا مما بلغته فيه الدعوة، وقامت عليه فيه الحجة، وسواء ذلك معنا كانت الجملة، أو شيء من تفسيرها؛ من تفسير التوحيد، أو الوعد والوعيد، أو سائر ذلك من المحرمات، أو اللازمات بالأعمال، والفعال والمقال، فهو سواء عندنا، لا فرق في ذلك ولا يزول عنه حكم ما ثبت، ولا يثبت عليه حكم ما لم تبلغ دعوته، وتقوم حجته، وهذا هو ما يصح معنا من أحكام دين الله - تبارك وتعالى -، ولا يجوز معنا غيره
باب
نزول بلية الأعمال قبل
أن
يقدم.
عملها
فإذا نزلت به بلية الأعمال، من دين الله - تبارك وتعالى ـ، كان عليه في ذلك الطلب لعلم ما جهل من ذلك، واعتقاد السؤال.
فإن قدر على المعبرين، أو شيء من ذلك، فجهل السؤال والبحث عن طلب ذلك، فهو بذلك غير معذور وهالك، كذلك في جميع ما يلزمه من الانتهاء عنه، من المحارم إذا ركبها، وهو يقدر ويدرك معرفة حرمتها، ممن يدرك معه تعبير ذلك، فركبه بعلم أو بجهل، فلا عذر له وهو هالك وإن لم يقدر على من يعبر) له ذلك، واعتقد السؤال عن جميع ما يلزمه ذلك، وبذل المجهود في طلب ذلك، بما بلغ إليه طوله وحوله، فيمن
من
- AY- (1/83)
صفحة 84
حضر عنده أو غاب عنه، ممن يرجو أنه يبلغ عنده إلى علم ذلك، فقد قيل:
إنه غير هالك
والسائل في مثل هذا سالم، والشاك هالك، وذلك في مثل ما ينقضي وقته من اللوازم ويفوت، وكذلك جميع ما يركب من المحارم، وأما ما لم يركب شيئا من المحارم، ولا ضيّع شيئا من اللوازم، على حسب ما وصفنا، وهو عالم، أو يترك السؤال للعالم، أو يترك اعتقاد السؤال، إذا لم يقدر على العالم، فهو معنا، على ما قيل في جميع ذلك سالم، ولومات بعد عمر طويل على ذلك، وكذلك، ما لم يبلغه حكم الجملة، فهو سالم على الأبد، وليس لذلك غاية عندنا، وكذلك ما لم تقم عليه الحجة بشيء من غيرها من تفسيرها من توحيد الله، وصفاته، بما يذكر معه، أو يخطر بباله، ويعرف معناه والمراد به، فيجهل ذلك، أو شيئا منه، فهو سالم أبدا، وليس عليه في مثل هذا سؤال على الأبد معنا، لأنه ليس له غاية، وإنما عليه السؤال في الجملة، عن
جميع ما يلزمه من دين الله، أو دين خالقه، أو دين محدثه على ما تأدت إليه شواهد معرفة الله - تعالى - وصفاته، بأي ذلك عقل عن الله معرفته، ذلك كافيا له، عن سوى ذلك من أسمائه وصفاته، ما لم تقم عليه حجة
بشيء من ذلك بعينه
باب
اعتقاد الأعمال في جميع اللوازم والقصد بها إليه، ولو لم يتقدم علمها
كان
وكذلك ما اعتقد مع العمل من الأعمال اللازمة، أو القول اللازم، أو النيات اللازمة، في دين الله - تعالى - برضاء الله، أو قصد إلى عبادة الله، أو إلى طاعة الله، أو إلى ما ألزمه الله، أو في رضى الله، أو في رضى خالقه، أو في رضى محدثه، أو في عبادته، فما اعتقد، من هذه الأشياء، وما هدي إليه مع الانتهاء عن المحارم، والعمل اللازم، أو الشهادة بالتوحيد، أو الايمان
- AE- (1/84)
صفحة 85
بالوعد والوعيد، فهو سالم كاف له ذلك عمن سواه.، من المسميات، غيره من أسماء الأعمال، والعبادات، والطاعات، وأسماء الله، وصفاته، ولا يكلفه الله - تبارك وتعالى - في شيء من جميع دينه، فوق طاقته ـ جل الله عن ذلك وتعالى - علوا كبيرا.
باب
معنى صحة الشهرة في جميع ما أدت الكائنات
معي أنه يخرج على معاني أحكام الاتفاق؛ أن ثبوت صحة الأشياء من طريق الشهرة، إذا أدت ذلك من جميع الكائنات الموجودات، أو الكائنات الزائلات، بعد أن يكون ذلك، مما قد كان من جميع الأشياء؛ من جميع ما أدته الشهرة، من طريق تواطؤ الأخبار، حتى تزول معاني الشك والريب، عند من تأدت إليه معاني تلك الشهرة بذلك الشيء، نزل به علم ذلك، لأن ذلك العلم من جميع ما كان لازما واجب علمه عليه، وباطل وحرام جهله بعد، كان ذلك الشيء المعلوم من اللوازم في الدين، أو من غير اللوازم في الدين، مما يجب علمه علما، أو مما يوجب بالعلم به أداء شيء من اللوازم، أو الانتهاء عن شيء من المحارم.
ذلك
فواجب علم ذلك على كل حال، كان ذلك العلم المنتقل، بتلك الشهرة،، من العلوم في الدين، من أحكام الشريعة، او من غير ذلك من العلوم، من جميع علوم الأديان، أو علوم الطب البشري (1)، أو ما يخرج علم اللسان، أو من علوم الأنساب، أو جميع ما يخرج من علم معاني الأنساب، أو متقدم من الأخبار، مما يوجب حجة في معاني الدين أولا، أو
1 - في الأصل: علوم الطبابة في الأبدان والمقصود ما أثبت.
- Ao - (1/85)
صفحة 86
من جميع
من
ما كان الأخبار.
فكل شيء تأدى من العلوم، بتواطئ الأخبار والشهرة، التي ليس فيها تدافع ولا إنكار، فعلم ذلك لازم لمن صح معه معاني الاضطرار، وليس له في ذلك، ولا عن ذلك محيد ولا اختيار، ولو لم يعلم من أين تأدت إليه تلك الأخبار.، ولا من أين صحت عنده، وسواء صحت تلك الشهرة، التي هي صحيحة في الأصل، من قليل أو كثير، من صغير من الناس أو كبير، من أهل الإيمان أو من الكفار، أو من أهل الإقرار أو أهل الإنكار، أو من الأبرار أو من الفجار، لاحد لذلك ولا غاية، سواء علم ذلك بالنهاية ممن كان، أو بمن كان ثم ثبت علم ذلك علما واجبا، ليس لمن علم ذلك العلم؛ أن يشك فيه ولا يرتاب، ولا يرجع عنه إلى غيره، بسبب من الأسباب، ولو شهد على نقضه الثقلان من الجن والانس، ولن يكون ذلك، ولكن في المثل، لكان ذلك باطلا ومعارضة ومحالا
وليس للعالم بذلك أن يرجع إلى علم غيره، من جميع العالمين
وقد قيل: إن علم الشهرة أوجب من علم العيان، وأوجب من علم ما وعته الأذنان؛ من المتكلم باللسان، لأن ذلك قد يرتاب فيه المرتاب، وفي إتقان معاني ما لحظته عيناه أو وعته أذناه، وهذا ما لا يشك فيه، لأنه يتأدى صحيحا بجميع معانيه
العينان
ومحال أن تؤدي الشهرة الصحيحة لخلاف ما كان، فيخالف ما لحظته، ووعته الأذنان، وإنما هذا تأكيد في معاني صحة الشهرة، وأنها أصح
من العينين في معاني ما يجب حكمه على الإنسان، وكل ما وجب من علم ذلك؛ فهو واجب، وإن كان بعض أوجب من بعض، ولا يسع الشك في شيء منه بعد اليقين، ولا الجهل بشيء منه بعد العلم، كائنا ما كان، وهذا العلم وهذه الحجة أوجب العلوم وأثبتها وأوضحها محجة.
- AT- (1/86)
صفحة 87
ولا نعلم في الإسلام حجة أوضح من حجة الشهرة، لأنها توجب علم
ما سلف من الدهور، وما مضت عليه السنون والشهور، وما لا يحيط به الإنسان علما، متى كان في أي عصر، ولا في أي زمان، ولا في أي بقعة، ولا في مكان، وشواهد العلم قاطعة بذلك أنه كان
"
فأي علم أوجب من هذا البيان، وأي شاهد أوضح من هذا البرهان. ومعاني صحة وجوب علم الشهرة، يصح علم الكفر والإيمان، والشقاء والسعادة في كل زمان وفي كل أهل زمان، ويوجب اليقين بذلك والإيمان، وأن يؤمن الله بذلك ويدان، وأن يوالي لله جميع من صح بشيء من ذلك ولايته، ويعادي الله جميع من صح بشيء من ذلك عداوته
كان
6
وأوجب العلوم من ذلك؛ ما صح من علم توحيد الله - تبارك وتعالى - وصحة عدله وفضله، على ما يخرج من أحسن أسمائه، وأوضح صفاته، وثابت توحيده وصحيح ما ثبت من وعده ووعيده، وكذلك جميع ما صح من أمر دينه، وأحكام شرائع دينه، فتأدى علم جميع ذلك أو شيء منه، ولو لم يصح من أين تأدى ثانيا؛ لعلم واجب المعرفة، إذا لم يشك في علم ذلك، من أصول الدين وما أشبهه، أو من الرأي وما أشبهه، أو ثبت أصولا أو دينا، أو ثبت رأيا قد تأدى بذلك علم الشهرة، فكل ما صح من ذلك وثبت مما كان. جهله، أو مما كان لا. يسع. يسع جهله، مما كان يلزم العمل به، أو لا يلزم العمل به، في حين وجوب علمه، فجميع علم ذلك واجب، على صح وثبت؛ ولو لم يعلم العالم من أي وجه ثبت معه علمه، ولا من أي حال من البالغين أو من الأطفال، أو من أحد من النساء، أو عن أحد من الرجال؛ من أهل الهدى أو من أهل الضلال، وليس له الشك في علم ذلك بحال من الحال، ولا تحويل ما صح من علم ذلك، على وجهه ومعناه، يحيله محتالا، إلا التمسك بذلك العلم، والتزام ذلك الحكم، فإن شك في علم ذلك، وفي علم منه؛ فرجع إلى الشك في ذلك بعد يقين، أو جهل بعد
ما
- AV- (1/87)
صفحة 88
علم
، ولو في حرف واحد من الحروف، أو معنى من المعاني من أمر الدين أو غيره، من جميع الأشياء، ولم يسعه ذلك؛ وهو به في حكم الدين هالك؛
نعوذ بالله من جميع الفتن والمهالك
•
وكذلك يخرج معاني جميع الأحداث والأعمال من طريق علم الشهرة من جميع ما يوجب حكم الهدى والضلال، وما يوجب العداوة والولاية، وجميع يوجب علم السعادة والشقاوة، والايمان والكفر، ويوجب البراءة ممن وجبت عليه البراءة، بعد الشهرة المؤدية لأحداثه، ويوجب الولاية لمن صحت له المعاني الموافقة بصحيح الشهرة المؤدية لأعمال الموافقة، في كل حال من أحواله، بموافقة أفعاله وأقواله، وجميع ما يوجب له الموافقة،
"
ما وجميع يوجب عليه الخلع والمفارقة، ولا يجوز ولا يصح في معاني صحة هذا ولايته. ولا وجوب الأحكام فيه، في معاني أصول قبول الإسلام، باختلاف ولا ريب ولا شبهة ولا عيب، في جميع ما صح بمعاني حكم الشهرة، تخرج من جميع الكائنات الصحيحات في الأصول، بعد أن لا تكون صحة الشهرة بذلك
تخرج على معاني صحة الدعوى من شهرة الأحداث
ومعي
أنه يخرج على معاني أحكام الاتفاق الذي لا يجوز فيه الاختلاف، أن الدعاوى؛ وإن كثرت وتواترت بها الأخبار، وانتشرت وتظاهرت في الآفاق، وشهرت بمعاني ما يخرج به من الشهرة، وما تواترت به الأخبار والمقال، من الاتفاق والكثرة، حتى يصح مع من صحت معه، ويصير ذلك معه من صحتها، كواجب العلم والخبرة، مما لا يشك فيه ولا يرتاب، بمنزلة علم الصحيح من الشهرة.
مات ا كان
ولو صح ذلك في جميع مصره، ومع جميع أهل زمانه وعصره، علم ذلك له، ولا عليه حجة، ولو جاز له أن يشهد بذلك، ولا يعتقد صحة حقيقته، إذا كان في الأصل شهرة دعوى فيه، وإنما كان أصل معانيه دعوى، وأصل تواتر الأخبار عنه وفيه، وإنما كان عن أصل دعوى من المدعين له،
- 88 - (1/88)
صفحة 89
هذا،
وكان ذلك كله باطلا وكان المتمسك بعلم ذلك كله جاهلا، والمحق بعلم ذلك ضالا مبطلا، قائلا بدعوى المدعين، حاكما بالجور في حكم دين رب العالمين، لأن ذلك في الأصل إنما هو دعوى في حكم الدين، ولا يجوز قبول الدعوى في حكم الدنيا، ولا في حكم الدين، ولو جهل ذلك من قبل الدعوى، فظن أن شهرة الحق وشهرة الدعوى في الحكم سواء، إذ قد صح معه ذلك من صحة الدعوى، كما قد صـ معه ذلك. صح من شهرة الحق ولو كان في الأصل لا يقدر على فرق علم ذلك، لما غاب عنه من صحة ذلك وباطل فلا عذر له في قبول الدعوى، ولا تصديق الدعوى، ولا الحكم بالدعوى، كما لو أنه نشأ ناشيء بين ظهراني اليهود والنصارى المجتمعين على تحقيق قتل عيسى أن اليهود قتلوه، واتفاق كلمتهم على تحقيق ذلك، وهم صنفان وملتان في الدين، متفقان على تصديق قتل عيسى عليه السلام، وهما أهل كتاب ذلك الزمان وأهل دين ذلك الزمان، وهم من المسلمين الموافقين لأحكام الدين، في جميع الأشياء الموافقة لأصول دين رب العالمين، فوجد هذه الشهرة وهذا الاتفاق وهذه الخبرة، على هذه الصفة، ولم يجد لها معبرا ولا منكرا، ولم يسمع بخلاف ذلك قائلا ولا ذاكرا، ما جاز له تصديق هذه الشهرة، ولا تحقيق هذه الخبرة، ولكان بتحقيق ما قد. صح معه من يقين ذلك مبطلا، وبتحقيق ما قد صح معه من علم ذلك جاهلا، لأن ذلك كله في الأصل كذب وباطل، ولا يجوز تحقيق الباطل، ولا تصديق الكذب لعالم ولا جاهل، ولو لم يعلم خلافه من ناطق ولا من قائل.
وكما لا يجوز قبول الباطل في أمور الدين، ولو اجتمع عليه جميع المجتمعين، ويعلم العالم باجتماعهم خلافا لما وجد معهم من. خلاف الدين من المخالفين للدين، الجاحدين من جميع المشركين الملحدين، أو من الضالين المتأولين، بخلاف تأويل الحق من المسلمين، بوجه من الوجوه، ولا معنى من المعاني، من جميع أمور الدين، ما جاز لأحد من العالمين أو من الجاهلين، أو العالمين بحقيقة ذلك بحرف من الباطل، المخالف للدين
6
- 19 - (1/89)
صفحة 90
ولا تبطيل ذلك بالحرف الواحد الموافق للدين، ولو كان جميع أهل عصره وأهل مصره؛ من المقرين والمنكرين، لتبطيل ذلك الحرف من الحق، وعلى تحقيق ذلك الحرف من الباطل مجتمعين ومتفقين، وهم عنده وفي مذهبه في دينه أئمة في الدين، ما وسعه ذلك، ولا جاز له عند الله في ذلك، ولكان بذلك عند الله من الهالكين، فكما لا يجوز له قبول الباطل من الدين. كذلك لا يجوز له قبول الباطل من الدعوى، وجميع ذلك في حكم دين الله؛ في تحقيق باطل ذلك، وتبطيل حقه في الحكم بالسواء، كما لا يجوز له أن يشك في علم الحق، المنادى إليه علمه، من طريق الشهرة، من أحكام الدين، كذلك لا يجوز له أن يشك في علم الحق الذي هو في علم الله، في
صحيح
يرجع
حكم دينه؛ حق وصحيح، من جميع الأشياء من الأقوال والأفعال، من الهدى منها والضلال، ولا يجوز له أن في ذلك بعد العلم إلى الجهالة، ولا بعد الهدى إلى الضلال، وحكم ذلك سواء في علم أصول الدين، من دين الإسلام، وعلم ما يصح من الحق الواجب به، من حكم من الأحكام؛ من أحكام الإسلام؛ من جميع الأشياء الواجب تصديقها من المصدقات، وتكذيبها من المكذبات، وتحقيقها من المحقات، وتبطيلها من المبطلات، وما يوجب من ذلك حكم الولايات، وما يوجب منه حكم العداوات، فجميع الحق؛ من نقل الشريعة وقبولها، في أحكام ما يخرج من أحكامها، كله سواء في معاني حكم ما يوجب حكم الشهرة، وكذلك حكم الباطل في الدين، وحكم دعاوى المبطلين من ذلك، في حكم الحق سواء، ولا يجوز قبول شيء من هذا، لا من الباطل في الدين، ولا من الباطل في الدعوى من المدعين، ولا يجوز الشك ولا الجهل في شيء من أحكام الشريعة في الدين، ولا في شيء مما يوجب الحكم فيها بالحق، من أحكام المحقين، ولا من أحكام المبطلين من المحقين في الدين؛ من أحكام المسلمين، مما ثبت من أحكامهم، من جميع الأحكام الثابتة، ومن جميع أحكام الإسلام، مما يخرج حكمه في تحقيق الحق أو تبطيل الباطل في أحكام الدين والبدع،
-4.- (1/90)
صفحة 91
ولا في أحكام القضاء والدعاوى، ولا فيما يصح من قول المحقين ولا باطل
المبطلين، من جميع ما ثبت في الدين
فافهم معاني الفرق بين أحكام شهرة الحق بصحة الأحداث؛ كيف
تكون حجة في أصل الدين، من أحداث المحدثين، وأفعال الفاعلين وأقوال
6
القائلين من المحقين والمبطلين، وكيف كان حجة قبوله وحجة موافقته وباطل تركه والشك فيه، ولو لم يعلم من أين صح معه، ولا من أين تأدى إليه، ولا من أين قامت حجته عليه، وبين شهرة الدعوى التي أصلها باطل، ولو لم يعلم الذي بلغت إليه أنها باطل، إذ الباطل باطل؛ عند من علم أصله أو جهل أصله، كما كان الحق حقا وحجة؛ علم أنه حق أو لم يعلم، فالحق حق وحجة؛ في جميع ما كان أصله حقا أو حكمه حقا، علم أو جهل، والباطل باطل من جميع ما كان أصله باطلا، أو حكمه باطلا، علم أو جهل؛ من أي وجه علم الحق، ومن أي وجه جاء الحق، ومن أي وجه علم الباطل، ومن أي وجه جاء الباطل، ولو كان صحة ذلك وعلمه، من
وجه واحد ومعنى واحد
ومن
ذلك
، لو أن ناشئا نشأ في أهل مصر كلهم من أهل الرفض
والشيعة، الذين يذهبون إلى عداوة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ـ وشتمهما بدعواهم عليهما، فيما قد عرف أنه دعوى في حكم الدين، وفيما صح من حکم دين | المسلمين، كانوا في تلك الدعوى صادقين أو كاذبين؛ فيما غاب من أمرهم عند رب العالمين، فشهد مع ذلك الناشيء، في ذلك المصر هذه الدعاوى، شهرة لا شك فيها، إذ لا يجد فيها اختلافا بين أحد من أهل المصر الذي هو فيه:
فقبل هذه الدعاوى واعتقد بصدقها، إذ لم يشك في تحقيقها عنده، مما قد صح معه ما كان واسعا، ولكان بتصديق ذلك عليهما، ولو لم يعرفهما بخلاف ما قد عرفها معهم، من الظالمين والأثمين، وبحكمه عليها بذلك
-11 - (1/91)
صفحة 92
هم
من الجائرين، إذ وافق الباطل في حكم رب العالمين، فيما يعبد الله به أهل دينه من المسلمين، القائمين بالعدل في ذلك، والحاكمين في ظواهر حكم الدين، ولو كان المدعون عليهما في ذلك. الصادقين، فيما غاب من أمورهم في حكم الدين، وكان الحاكمون لهما بالعدل والصواب من الجماعة الذين هم حجة في دين الله، وفي ظاهر حكم دينه من الكاذبين والجائرين، فلا يجوز لمن علم ذلك ولا من جهله؛ مخالفة حكم ظواهر الدين
دين رب العالمين؛ فيما تعبد به المسلمين.
6
الذي ثبت في حكم
وكذلك لو شهر في أهل المصر، عند هذا الناشيء، الذين كلهم خونة، فاسقون في دين رب العالمين، في فضائل علي بن أبي طالب، وميلهم إليه، وولايتهم إياه، فشهر منهم فضائله التي هي منه صحيح، والتي تستوجب بها في حكم الدين؛ الولاية، فصح معه ذلك وتحقق، كان له وعليه تصديق ذلك وتحقيقه، لأن ذلك في الأصل حق ليس بباطل، وعليه
ولايته، إذ كان ذلك مستحقا للولاية في حكم الحق، لا في حكم الباطل وليس ذلك بدعوى منهم في حكم الدين، كما كان ذلك منهم دعوى على أبي بكر وعمر في حكم الدين، بل هم فيما قالوا في علي بن أبي طالب من الحق والعدل الذي كان منه في الأصل، محقون وصادقون، وإن كان في ولايتهم له على ما ثبت عندهم في علمهم، دون علم هذا الناشيء معهم؛ من المبطلين، بشهرة الحق منهم، بفضائله الصحيحة التي ليست بدعوى ولا كذب، حق وعدل في حكم دين الله، وقبولها عدل، والحكم بها عدل، والشك فيها بعد صحتها، وإبطال الحكم بها باطل، لا: يسع ذلك، ولو لم يعلم كيف كان الأصل في ذلك، من هذه الشهرة، أنها بالميل والحيف، وأنهم قد علموا منه خلاف ذلك
وإن كانوا قد علموا أنه لو شهر ذلك كله معه؛ مما قد علموه، انتقض
الذي في يده عليه، من صحة الفضائل والعدل، بما قد ألبس ذلك. من قليل
الحوار أو كثيره، ولو بحرف واحد
- AY- (1/92)
صفحة 93
فافهم معاني ثبوت الحق بالشهرة، وثبوت الباطل بالشهرة من وجه واحد، كيف كان الحق حجة، والباطل ليس بحجة، وكله إنما صح من طريق الشهرة.
الدين
ولو انتقل إليه علم فضائله بالشهرة منهم، وعلم شيئا مما ينقل تلك الفضائل من أحداثه، أنها كانت منه بعد الفضائل، وتأدى إليه علم ذلك بالشهرة منهم، فوقف على جميع علم ذلك، والحكم فيما تأدى إليه من علم حدثه، محتمل للحق والباطل، فكان في إجماعهم أن ذلك منه حق، وأن خصميه والقوام عليه في ذلك هم المبطلون، وأنه إنما قتلهم على باطلهم، وقد يحتمل ذلك في حكم العدل، فوجد الإجماع من جميع من أدرك على ذلك منه، على هذا الأصل، وجهل هو حكم ذلك، وحكم تمييزه، ووجد الإجماع منهم على تصويبه، فيما هو محتمل له في الحكم عند المسلمين، البصراء بحكم، فكان ذلك في الأصل عند المسلمين في حكم دينهم، الذين هم حجة على خلاف ما أجمعوا عليه، وأن إجماعهم ذلك الذي صح معه منهم خارج دعوى، في حكم الدين، فيما غاب عن هذا الناشيء، من هذه الأمور كلها، لما وسعه قبول الدعوى منهم في هذا الحرف، ولو جهله، إذ الدعوى ليست بحجة، ولا جائز قبولها من جميع من قام بها، وعليه في هذا الحكم المتأدى إليه في العدل، أن يكون مع الصادقين المحقين، كما فرض الله عليه؛ حضروه أو غابوا عنه، سمعهم أو لم يسمعهم ومن الحق والعدل عليه؛ أن يبرأ ممن صح حدثه، فيما تأدى إليه بعلم الشهرة، من جميع ما تأدى إليه علم ذلك، إذ ذلك في الأصل حق، ويبر، ويبرأ منه في ذلك براءة بالدين، فإن جهل ذلك وجهل الحكم فيه، فلم يتوله بدين، وتولاه برأي لا بدين، ولم يبرأ من أحد من علماء المسلمين برأي ولا بدين، من أجل براءتهم منه ولا ممن برئ منه، على حدثه ذلك، ولا وقف عنهم برأي ولا بدين، ولا برئ من أحد من المسلمين من أجل
من
الضعفاء
ذلك، برأي ولا بدين، ولا وقف عنهم بدين
- 93 - (1/93)
صفحة 94
فمعي
أنه سالم مسلم، فإن تولاه على ذلك، أو تولى أحدا ممن تولاه
على ذلك بدين، أو تولاه هو بدين؛ لم يسعه ذلك، وكان من الهالكين
وكذلك لو لم تصح معه فضائله ولا أحداثه، إلا إن وجد أهل المصر كلهم؛ وهم في منازل الفضل والعلم في ظاهر الأمر، إلا أنهم الظاهر علمهم في حكم دين الله، أن دينهم ذلك دين الضلال والخلاف، وهم
منتقلا
نساك علماء
زهاد عباد، أمناء في دينهم ذلك؛ دين الرفض والشيعة، فلم يصح معه من أمور علي بن أبي طالب أحداث ولا فضائل، ووجدهم مجمعين على ولايته، شهودا له بالفضل والإسلام، والعدل والموافقة للحق، على غير ما يكون من أخبار فضائله، والإشهاد منهم له بالإسم من الأسماء الفاضلة الموافقة العادلة؛ فلا يجوز أن يتولاه بولايتهم، إذ هم في ذلك الأصل غير حجة في الولاية، لأنهم في الولاية مدعون في حكم الدين بجميع من تولوه من المحقين والمبطلين، فلا حجة له في ولايتهم ولا بولايتهم، في حكم الدين دعوى ولا تقوم بالدعوى حجة، علم ذلك الناشيء بمنازل الحجة وجهلها، لأنه لا حجة في ولاية المبطلين ولو شهرت وظهرت، وثبت الإجماع منهم في البصر من جميعهم، وكلما كثروا كان أضعف حجتهم، وأكثر دعواهم، ولو تولوا على ذلك من واجب ولايته ولازم ولايته في الدين من السالفين؛ مثل سليمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي، الذين معنا أنه قيل إن أهل القبلة كلهم في مذهبهم مجمعون على ولاية هؤلاء الثلاثة؛ من صحابة رسول الله له ولعلهم فيما سواهم على ما قيل مختلفون في الولاية لهم والبراءة
منهم
فلو أجمع أهل الضلال في الدين من جميع العلماء منهم، والعباد والنساك منهم والزهّاد؛ على ولاية هؤلاء الثلاثة، أو ولاية أحد منهم، وصح ذلك مع أحد منهم بالشهرة، أو بمعاني الرفيعة والخبرة على غير شهرة منهم لفضله الذي هو في الأصل منه فضل وعدل، مما يستوجب صحة ذلك بالشهرة في الولاية ممن صح منه، فلا يجوز أن يتولى هذا الناشيء لهؤلاء الفاضلين في الأصل في
-12 - (1/94)
صفحة 95
حكم الدين، عند علماء المسلمين بشهرة ولايتهم، مع أهل هذا المصر المحقين، فإن تولى أحدا منهم بولاية أهل هذا المصر، ولوظن أهل هذا المصر هم المحقون وهم المسلمون، وأنهم الحجة فيهما تولوا ما وسعه ذلك، ولا جاز له، إذ ذلك دعوى، في حكم دين المسلمين.
•
ولا يجوز قبول الدعوى، عُلمت أو جهلت، قلت أو كثرت من جميع ما كانت وصحت، فإن تولاه برأي لا بدين لم يضق عليه ذلك.
وكذلك لا يجوز له أن يتولى أحدا من علماء أهل الخلاف، ولا من أفاضلهم، ولو جهل أمرهم، ولو ظن أنهم أهل الحق وأهل الفضل، ما جاز له أن يتولى أحدا منهم بدين، وإن تولى أحدا منهم برأي بالقصد منه إلى ولاية المسلمين، وأهل طاعة رب العالمين، ومن رأيه فيما ظهر من هؤلاء في قصده، إلى ولاية المسلمين وأهل الطاعة لدين الله واقفين، يتولاهم على أنهم في رأيه ممن تجب ولايته من المسلمين، أو كانوا ممن تجب ولايته؛ على اعتقاد ولاية الشريطة وبراءة الشريطة منه، في أولياء الله، على ما يصح له في اعتقاد
الدين
من
وكذلك لو شهر من أهل مصر من ضعفاء المسلمين، ليس فيهم أحد من أهل العلم بالولاية والبراءة، من علماء المسلمين، فشهر منهم ولاية أحد سالف المسلمين؛ من المهاجرين والأنصار، أو من التابعين أو من تابعي التابعين، ممن يستحق الولاية في أصل الدين، عند علماء المسلمين، لم تكن ولاية الضعفاء على القطع، على غير صحة من فضل المتولى، الذي يستوجب به الولاية، بما تقوم به الحجة من علم ذلك
لأنه لا تكون شهرة ولاية الضعفاء، ولا تقوم بهم. حجة، وولايتهم
خارجة بمعنى الدعاوى، ولو كانوا من المسلمين
لأنه من لم يكن في قوله حجة؛ فهو خارج بمعنى الدعاوى، ومن خرج
-40 - (1/95)
صفحة 96
قوله بمعنى شهادته وسماعه دعوى؛ خرج بمعنى الشهرة منه بذلك القول
دعوي
ولا يجوز قبول الدعوى ممن جهل حكمها، أو علم حكمها؛ ولو شهر ولا يتهم وهم علماء، ممن تقوم به الحجة في الولاية والرفيعة، لأحد من الناس باسمه وعينه، ولو كان منهم واحد ممن تقوم به الحجة في الولاية، ممن لو رفع ولايته على الانفراد، كانت ولايته جائزة للمرفوع إليه ولايته؛ علم ذلك أو جهله، إذا كان ذلك نازلا منه بمنزلة الحجة، ولو جهل هو الحجة، وكان قول الواحد في الرفيعة والشهرة عنه، أنه يتولى هذا الشخص؛ أو المسمى المعروف باسمه وعينه، وهو من العلماء الذين تقوم به الحجة في الولاية، إذ هو يبصر أحكام الولاية والبراءة، حجة في الولاية.
ولو كان هذا المتولي على هذا النحو، ممن لا تجوز ولايته للمتولى، فكان قد تولاه في الأصل بما لا يسعه، ولو تولاه بالباطل؛ لكانت ولايته بالرفيعة
6
فيه، وبصحة شهرة ولايته له حجة، ولو كان واحدا، ولو شهرت ولايته له على غير ألسن المسلمين، إلا أنه قد صحت ولاية ذلك العالم من المسلمين لهذا المتولى، بما لا شك فيه من طرق الشهرة، ولو لم يعرف من أين صح. معه، فإن تلك الصحة من طريق الشهرة بمنزلة ولايته له بالرفيعة وبالسماع، ولا تكون ولايته له حجة لمن تولاه بولايته بسماعه لولايته، أو بصحة شهرة
ولايته عنده
•
عنه ذلك
ولم تكن صحة شهرة ولاية أهل المصر من الضعفاء كلهم حجة، لمن صح معه ذلك، إذ كانوا في الأصل ليسوا بحجة في الولاية؛ أن لو سمع منهم ذلك ورفعوه، وشهروا به، لم يكونوا بذلك حجة
ومعي أنه لو شهر ولاية المسلمين لأحد من الناس بعينه، ولم تصح عنده من تولاه من المسلمين تلك الشهرة، لم يكن ذلك موقع ثبوت ولايته، وكانت تلك عندي شهرة دعوى، لأن المسلمين منهم الضعفاء والعلماء، وليست
-47 - (1/96)
صفحة 97
ولاية الضعفاء المسلمين ولو كثروا، وشُهر ذلك منهم؛ بحجة، ولا تجوز من
الولاية بولايتهم على ذلك في حكم الظاهر.
ولو ثبت من طريق الشهرة، من حيث لا يعلم أو من حيث يعلم أن أحد علماء المسلمين، أو واحدا منهم بعينه، من حي أو ميت، أو أنه في الولاية معهم، على معنى الشهرة، كان ذلك عندي حجة في ثبوت ولايته، وجازت ولايته في حكم الظاهر عندي، من طريق الشهرة، بمعنى حكم الولاية له على حكم الرفيعة، لا على صحة حكم موافقته، لأن من الولاية والموافقة والخبرة، أو تصحيح شهرة، كانت ولايته في حكم الظاهر على سبيل موافقته
صحة
ومن ثبتت ولايته بالرفيعة بسماع أو شهرة، ثبتت صحة الحكم بولايته، والحكم بموافقته، ولا أعلم بموافقته والعلم بوجوب ولايته، وليس للمتولى بالرفيعة معنا أن نعتقد صحة موافقة متولى ولا صحة ما تجب ولايته، وإنما يلزمه ويجب عليه ويجوز له؛ ما ثبت من الحكم في دين الله، من ثبوت هذا المتولى، كما يلزم الحاكم أن يقبل شهادة الشهود، إذا كانوا عدولا في حكم العدل، ولا يجوز له أن يرد شهادتهم، ولا يجوز له أن يشهد لهم، وإنما يقبل الحجة التي قد ثبتت شهادتهم في الحكم
بصدقهم
وكذلك ليس لمن شهد الحكم من الحاكم، أو لمن حكم له الحاكم، أو لمن حكم عليه الحاكم، أن يحكم برد ذلك على الحاكم، أو لا يخطؤه فيه، إذ هو حجة في الحكم، إذا لم يعلم أنه حكم بباطل
ولا يجوز لأحد هؤلاء أن يشهد للحاكم، أنه حكم بالعدل، فيما غاب عنه، ولا يعتقد عدله ولا صدقه فيما قال وحكم، وإنما يلزم الحكم في هذا على معنى قبول الحجة، في جميع هذه الأشياء، من قبول الشهادة وقبول الحكم في الأحكام، وقبول الولاية في الرفيعة، وقبول الشهادة فيما يجب من الأحكام في الأحداث في البراءة
- AV. (1/97)
صفحة 98
وكذلك شهرة الولاية من العلماء، لأحد من الناس، لا يخرج ذلك
كله، بمعنى العلم
فافهم معاني الحكم؛ من معاني العلم، وصحة فضل المسلمين، وموافقته للعدل من طريق الشهرة أو الخبرة، مما يوجب العلم لذلك منه، ويتولاه بالعلم، ولا يتولاه بمعنى الحكم
وكذلك صحة أحداثه، التي يستحق بها البراءة والعلم بها، بالخبرة والسماع والمعاينة، وكل ذلك يخرج بمعنى العلم، بما يستوجب من الولاية والبراءة، لا بمعنى الحكم.
ولو شهر فضل أحد من الناس؛ بما يستوجب به الولاية، وصحة موافقته كان ذلك حجة، ولو لم يصح ذلك، من أحد من العلماء، لأن صحة الأعمال والفضائل؛ غير صحة الولاية، إلا أن يكون أحد من المسلمين في الولاية من العلماء والضعفاء، ثم شهد عليه أحد من قومنا، ولو كثروا وكانوا بمنزلة الحسن بن أبي الحسن وابن سيرين في الفضل، أو أفضل منهما، أو كانوا على ذلك مائة ألف أو يزيدون، لم تقبل شهادتهم في ذلك عليه، لأنهم في الأصل مدعون، لأنهم يدينون بعداوته وتكفيره، فهم خصوم له في الدين، والخصم لا تجوز شهادته، ولو كان ثقة مأمونا؛ فيما يكون فيه خصما. بهذا جاء الأثر المجمع عليه، أنه لا تجوز شهادة الخصم
منهم
وكذلك لو ثبتت شهادة الشهرة عليه بذلك، منهم خاصة لا من غيرهم، لم يكن قبول ذلك منهم حجة، إذا كان. خاصة، ولم يصح من غيرهم، لأنها شهرة دعوى، كما كانت شهادة، ولو شهر ذلك عليه، من حيث لا يعلم صحة الشهرة فيه، إلا من طريق الشهرة، كان صحة ذلك حجة، لأنها شهرة غير معلولة، والأشياء على ظواهرها في الأحكام حتى يخصها ما يعلها.
-44 - (1/98)
صفحة 99
وكذلك لو شهر ذلك عليه في دار أهل الإسلام، ودار أهل الإقرار
بالدعوة، كان ذلك حجة معنا بصحة الشهرة، ولو كانوا ضعفاء، لأنهم ليسوا في الأصل يدينون بتكفير أهل الإسلام، ولا هم خصم لهم في الدين، فهم وإن كانوا غير كاملي الإيمان؛ بما يستحقون به الولاية، أو كانوا ينتهكون لما يدينون بتحريمه، فإنهم لا يدينون بتكفير المسلمين ولا بعداوتهم، فليسوا هم لهم خصوم، فيكونون مدّعين عليهم في الإسلام.
في
فثبوت الشهرة؛ من أي وجه تثبت، ما لم يخرج حكمها حكم دعوى بصحة الأحداث، ثابتة واجب الحكم بها، تقوم مقام العلم والعيان، أحكام الولاية والبراءة
وسواء كان المسلم الذي ثبتت له الولاية، كان من السالفين أو من الشاهدين، فلا تقبل فيه شهرة الدعوى من المخالفين، ولا الشهادة منهم عليه، بما يوجب كفره قلوا أو كثروا.
وكذلك من ثبتت عداوته في حكم الإسلام، وصار بمنزلة أهل الخلاف في الدين، واختلف فيه المسلمون، وقوفهم في الولاية والبراءة، وكانوا خصما فيه، لم تقبل له شهادة منهم بتوبة، ولا شهرة بتوبة منهم، خاصة، ويخرج منهم مخرج الدعوى، ولن يجيزوا شهادة المدعي، ولا شهرة الدعوى.
ذلك
ومن ثبت عليه حكم ما يستحق به البراءة في الدين؛ من شهرة حدثه، أو شهرة حكم المسلمين، على باطل حدثه، ولو كان في الأصل حدثه، فيما يحتمل فيه الحق والباطل، فهو على حكم البراءة بحكم الشهرة، ولا يقبل من قومنا له شهادة بتوبة، ولا شهرة منهم بتوبة
وكذلك من ثبتت ولايته بشهرة حكم المسلمين له، بما يستحق ذلك، ولو كان فعله مما يحمل الحق والباطل، فثبت له حكم المسلمين بصوابه، أو ثبتت ولايته بالشهرة، فاستحق الولاية بحكم الشهرة لموافقته، أو بحكم
-99 - (1/99)
صفحة 100
الشهرة من حكم المسلمين له بموافقته، فهو على ولايته، ولن يقبل فيه بنقض ذلك الحكم، بوجه من الوجوه، بشهادة من أحد من المسلمين ولا من قومنا، ولا يثبت فيه بنقض الشهرة حكم غيرها معنا
وليست شهرة البراءة وصحة الإجماع عليها، من علماء المسلمين، في وقت من الأوقات، أو زمان من الأزمنة، ممن حضر أو غاب منهم، من أكثر أو أقل، حجة في حكم وجوب البراءة، وذلك دعوى كله، وقذف من المتبرئين، لأن المتبرئ ولو كان حاضرا، كان المتبرءون قليلا أو كثيرا؛ فهم
خصوم
•
?
وكذلك الشهرة عنهم بذلك، تخرج على حكم الدعوى، ولا تقبل الدعوى، ولكن لو ثبت من المتبرئ منه حدث، يحتمل الحق والباطل، وثبت من أحد من علماء المسلمين ممن تكون حجة عليه في الولاية والبراءة، فحكم عليه بباطل حدث ذلك، وشهر حكمه عليه بذلك، في وقت ما يكون حاكما عليه، وقام بالحجة عليه في ذلك، والنكير في موضعه، كان ذلك حاكما ثابتا على المحدث وزائلا، في معاني حكمه الاحتمال والحكم بالاحتمال. وثبت من حكمه الباطل، وكان ثبوت الحكم عليه بذلك من العالم، أو من العلماء حجة، بإظهارهم النكير والقيام عليه بحكم العدل والشهرة بذلك موجبة بالبراءة منه، بغير حكم احتمال فيه، إذا صح فيه بالشهرة، حكم الباطل عليه من العلماء، من المسلمين من الواحد فصاعدا، بإظهار النكير عليه والقيام بالعدل، ولو شهر حدثه المحتمل حقه وباطله، وشهر البراءة منه من المسلمين، في وقت حدثه ذلك، المحتمل للحق والباطل، من غير ظهور إنكار منهم عليه، ولا قيام منهم عليه بحجة، فيما يكون لهم عليه فيه الحجة، إلا أنه شهرت البراءة منه من المسلمين في عصره ذلك، على هذا الحدث، فليس ذلك حجة، توجب حكما منهم بباطل حدثه، لأنه وإن صح الاجتماع على البراءة منه في ذلك، فإنما ذلك الاجتماع خارج على حكم الرأي، ما لم يثبت الحكم منهم على المحدث بالباطل، وليس اجتماعهم على البراءة
-1 - (1/100)
صفحة 101
كاجتماعهم على الحكم، لأنه من ثبت منه حدث يحتمل الحق والباطل، فيما يكون الحق فيه، والحجة الله وللعباد في معاني أحكام الإسلام، جاز للمحتمل فيه ذلك، البراءة بما ظهر من حدثه، بغير حجة تقوم له واحتمل فيه الولاية، لأصل ما كان عليه بأحكام ما استحق من الولاية، واحتمل فيه الوقوف، لمعنى الإشكال فلو ثبت فيه من جميعهم البراءة، لم يكن ذلك موجبا لباطله.
ولو ثبت منهم الإجماع على ولايته، من غير تصويب منهم، وحكم بصواب حدثه، لم يكن ذلك موجبا لصواب حدثه، ولو ثبت منهم الإجماع على الوقوف عنه، لم يكن ذلك مزيلا الحكم ما يسع فيه الاحتمال، في الولاية والبراءة والوقوف، ولكان ذلك جائزا، كله فيه الاحتمال، وثابت له ما لم يصح منهم الاجتماع، على باطل حدثه أو صواب حدثه
وليس الإجماع على الولاية والبراءة إجماعا على تصويب الحدث المحتمل، أو على باطله، ولا مزيلا لحكم الاحتمال فيه، لأن ذلك كله جائز
وكذلك جائز فيه الوقوف، وقد يجوز أن يجتمعوا على أحد؛ ما يسع من
ولاية أو براءة أو وقوف، فيصح ذلك منهم في الشهرة، ولا يكون ذلك قاضيا عليه بنقض ما له من حكم الاحتمال، هذه المعاني وتدبرها فافهم وتصفحها، ولا تجعل منها شيئا في غير موضعه، فلا ينتفع بها وبكثرتها.
صح
فمن قرأ كتابنا هذا أو قرئ عليه من أوله إلى آخره، فليتدبره حرفا حرفا، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد، خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا.
-11 - (1/101)
صفحة 102
جواب من أبي الحسن رحمه الله
إلى عبد الله بن محمد بن بركة
الله الرحمن الرحيم بسم
ذكرت أنك أحببت، أن أعرفك رأيي؛ فيمن يتولى موسى بن موسى وراشد بن النضر، ويبرأ ممن يبرأ منهما أو يتولاهما، ووقف عمن برئ منهما أو تولاهما، أو تولى من برئ منهما، أو كان هذا المتولي لهما يتولى من وقف عنهما، أو يبرأ ممن وقف عنهما، أو يقف عمن وقف عنهما؟
قلت: من حالته عندي على هذه الأحوال كلها، فعلى ما وصفت - رحمك الله - أن هذا إنما هو أحكام تجري على ما جاء به الأثر؛ لا يجوز فيه رأي ولا قياس، كما يمكن في غيره من الحلال المختلف فيه والحرام، من أهل العلم به، فإن كان هذا الذي يتولى موسى بن موسى وراشد بن النضر، كانت قد ثبتت لهما ولاية؛ بما يلزمه في حكم الحق، ثم لم يصح عنده أمر منهما بحدث أحدثاه، فهو على ولايتهما حتى يصح عنده حدثهما بشهرة لا تدفع، أو بمعاينة بصره، أو يعلمه بذلك رجلان من المسلمين، ينسبان عليه بما كفرا به من أحداثهما، ممن له بصر بالولاية والبراءة، فإذا لقي الحجة ثم برئ من المسلمين بعد ذلك، أو وقف عنهم ببراءتهم من عدوهم؛ الذي قد صح منهم خلعه، خلعوه وبرءوا منه
وكذلك إن وقف عنهم البراءتهم من عدوهم، وبرءوا منه، وإن وقف عن عدوهم وتولاهم على براءتهم من عدوهم وهو واقف عن عدوهم، فهو على ولايته إن كانت له ولاية إذ تولاهم على البراءة من عدوهم الذي لقيته الحجة من المسلمين فيه، وإن هو وقف عن عدوهم ووقف عنهم لبراءتهم من
- 102 - (1/102)
صفحة 103
عدوهم الذي وقف هو عنه، فعند ذلك يبرءون منه ولا يتولونه قال أبو سعيد - رحمه الله -: وكذلك إذا كانوا من العلماء الذي تقوم بهم الحجة، فبرئ منهم على براءتهم من موسى وراشد، بعد أن قامت عليه الحجة بعلم حدثهما الذي يستحقان به الكفر، وجهل أحكام حدثهما، فإن وقف عنهما وتولى من برئ منهما وسعه ذلك، وإن وقف عمن برئ منهما من علماء المسلمين برأي أو بدين على براءتهم منهما، بما يستحقان به البراءة منهم لم يسعه ذلك، ولمن وقف عنهما أو وقف عمن برئ منهما من ضعفاء المسلمين، وقوف دين؛ لم يسعه ذلك، وإن وقف عنهم وقوف رأي ما لم تقم عليه الحجة بعلم أمرهما، فهو سالم ولا يهلك بذلك حتى يقف عن العلماء من أجل براءتهم منهما برأي أو بدين أو عن ضعفاء المسلمين بدين، علمه بحدثهما الذي يجب به أمرهما، أو يحتمل حكم حدثهما
باب
الحجة في الجملة أنها لا تلزم إلا بعد قيام الحجة كغيرها
وذلك بعد
فإن قال قائل: فأين قول المسلمين: إن البالغ المحتلم، من حين ما بلغ واحتلم، لزمه معرفة الجملة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا
شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد عن الله، فهو
الحق المبين
قيل له: قولهم هذا عندنا؛ يخرج في رجلين: أحدهما أنه قد بلغته الدعوة بهذه الجملة، وسمع بها، وقامت عليه الحجة بها، فجهل ما يلزمه فيها عند بلوغها.
- 103 - (1/103)
صفحة 104
بها.
جهلها
أو مشرك قد جحد بها، بعد بلوغه طرفة عين، ولو لم تقم عليه الحجة
فهذان الرجلان معنا، لا يسعهما إلا معرفة هذه الجملة، ولا يسعهما
وأما غيرهما؛ فلا يجوز عليه معنا ما يجوز عليهما من الهلاك؛ بدون معرفتها؛ لأنه في أصل دينه مقر بها، دائن بها، وبجميع ما فيها مجملا ومفسرا، ما لم ينقضها بشيء، مما يكون به ناقضا لها بجحدها، أو بجحد شيء منها، أو بالشك فيها، أو في شيء منها؛ بعد بلوغ دعوة ذلك إليه، وقيام حجته عليه، فلا يجوز غير هذا بحيلة، لأنه لا يكون جاهلا بشيء، يلحقه اسم الجهل له من دين الله، دون أن تبلغه الدعوة فيه، وتقوم عليه
الحجة به
فإن قال: فلم نجدهم يفسرون هذا التفسير؛ وإنما وجدنا في آثارهم وفي سيرهم؛ أنه لا. يسع. جهلها كل من بلغ وصح عقله، قيل له: فحجتك منك عليك بحمد الله، إذ نقول: أنهم قالوا: لا يسع جهلها. فهل يكون جاهلا بها بعينها: مسمى بذلك من لا يقدر على البلوغ إليها بحال من الحال؟ لأنه يعذر على ما لا يقدر عليه من العلم، كما لا يقدر على ما لا يقدر عليه من العمل، لسقوط بعض الآلات منه، يعني بعض العمل منه، وكذلك لا يقدر على علم ما لا يقدر على عمله، كما لا يقدر على ما لا يقدر عليه من القول؛ لسقوط حكم اللسان عنه في الكلام، وكذلك في السمع والبصر، وكذلك لا يقدر على علم ما لا يقدر عليه من المكتسبات، إلا ببلوغ ذلك إليه لا محال؛ لأن العلم علمان: علم غريزية، وعلم اكتساب
فأما علم الغريزية؛ فقيل: أنه صحة العقل في الإنسان، الذي يعلم
به المعلومات، ويعقل به المعقولات
-1.2 - (1/104)
صفحة 105
وأما علم الاكتساب؛ فجميع المعلومات المتأديات البالغات إلى علم
الغريزية.
،
ولا غنى لأحد العلمين عن صاحبه في الإنسان، ولا من الإنسان بحال الحال من، ومتى عدم أحدهما صاحبه في حال، بطل حكم العلم، وحكم العقل من الإنسان في ذلك؛ لأنه من صفة الإنسان، أنه لا يجوز إلا أن يكون عالما لمعلوم يعلم هو سواه، وهو سواء قلبه الذي فيه، وفيه تركيب عقله، ومتى عدم قلبه نور العقل؛ لم يكن عاقلا لمعقول أبدا، ومتى عدم نور عقله مشاهدته المعقولات، وبلوغها إليه بالتأدي بما تقدر به على دركها ووجودها. لم يكن عالما لها، ولا عاقلا لها بحال، وهذه صفة المخلوقين كلهم، وهذا معنا، مما يدرك بحجة العقل؛ لئلا يساووا بين الله - تبارك وتعالى ـ، وبين خلقه، ولا لشيء من خلقه، وغير هذا باطل معنا، ولو جاء مجملا في التوراة والانجيل والقرآن؛ ما خرج إلا على هذا في صحيح التأويل، وإنما يخاطب كل مخاطب بما يعقله، عمن يخاطبه، ويجري المخاطب في مخاطبته لمن خاطبه، على الزيادة على ما يعقل عمن يخاطبه
•
ولا يجوز على العلماء ولا على المسلمين معنا؛ أن يلزموا في مخاطبتهم،
ولا في مكاتباتهم، ولا في سيرهم،، ولا في آثارهم، ما لا يجوز في المعقولات
6
أنه لا يجوز
وما هو معدوم؛ وإنما تأويل ما خوطبوا به وألزموه، وإن كانوا قد اكتفوا عن تفسير ذلك، بمعرفة من قبل منهم ذلك وعقله، ولما قد صح معهم سواه؛ أنه يلزم معرفة الجملة من بلغته دعوتها، وقامت عليه حجتها، لا غير ذلك بحال من الحال، أو جاحد بها قد هلك بإنكارها، فعليه الخروج من حال الهلاك إلى حال السلامة
وإنما ألزمنا أنفسنا الاجتهاد في هذا الحرف وتبيينه، والحجة فيه وتفسيره، إذ قد خشينا أنه قد هلك فيه عامة المتأولين من الضعفاء، الآثار المسلمين العلماء، بتأويل الضلال، أو بمخالفة أحكام الخاص والعام في
-1.0 - (1/105)
صفحة 106
ذلك، ولكنا أدركنا نحن؛ ممن يبتلى بذلك بالجهل له ولأحكامه، ونحن
نستغفر
الله من جميع
ما خالفنا فيه رضاه من ذلك، أو من غيره من قول، أو
عمل، أو نية بجهل، أو بعلم برأي، أو بدين، فالله الله!! معاشر أهل الاسلام، في تأويل الكتاب، أو السنة، أو الآثار، تأويل ذوي الأبصار، من تأويل الضلالات، فإن هذا الحرف عندنا؛ أنه ممن قد تاه فيه كثير من الناس، إلا ما شاء الله
فأغمضوا في ذلك أبصاركم، واعرضوه على صحيح آثاركم، واجتهدوا فيه بالمناصحة من أفكاركم، ولا تتبعوا ظواهر الأمور، فإن في ذلك الهلاك - نعوذ بالله من الهلاك -، إلا كل من وافق الحق من ظواهر الأمور، مما لا يحتاج إلى تفسير، وفي دون هذا - إن شاء الله - كفاية، لمن قد من الله عليه بالبصر والهداية، ولا أن أحدا ممن له نور قلب، يجهل هذا، إلا من: شاء الله تعالى ـ، وإنما أخاف الشيطان أن يكون قد أعمى قلوب الضعفاء المجتهدين. عن إصابة الحق في هذا الوجه، لأنهم يجعلونه أصلا لأصل دينهم، وهو كذلك على وجهه، فانظر من أين جاءهم عدو الله؛ من وجه التشديد والاجتهاد، في أصل دينهم، وليس يجوز في جميع الأشياء إلا موافقة الحق في ضيق، ولا في سعة، والله الموفق للصواب
الآثار.
6
•
فإن قيل: فمن أين أدركت أنت هذا؟ وما دليلك عليه؟ وقد مضت، عن ذوي الأبصار، في السير والجوابات، والتقليدات والسماعات، بغير تفسير لهذا وأنهم إنما يثبت عنهم أنه لا يسع جهل الجملة؟
،
قيل له: فمن إجماعهم أنه لا جهلها، أخذنا هذا
إجماعهم؛ أنه لا
يسع
عنهم
أنه
يسع جهلها إلا بعد علمها، وأنه لا يكون جاهلا لها، إلا
بعد العلم لها، وإلا فلا يكون على الأبد جاهلا لها، في أصل ما تعبد الله
الجهل الذي يكون جاهلا به، فهذا من أقرب ما يحتج به على هذا القائل
ومن قول الله - تبارك وتعالى -:
به
6
-1.7 - (1/106)
صفحة 107
لا يُكَلَّفُ اللهُ نَفْسًا الأَوَسُعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحملنا ما لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، أَنتَ مَولانا
فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (1)
فصح في التأويل عندنا، [إلا طاقتها فيما تعبدها به من دينه]، وصح معنا، أنه لا طاقة له إلى بلوغ علم شيء من الأشياء، إلا بمشاهدة علمه
وبلوغه إليه بوجه ما يطيق عليه، وإلا فخرج إلى أن يكلف حال ما لا يطيقه،
،
،
فإذا ثبت هذا في شيء من دين الله الذي كلفه إياه، وكلفه علمه إذا بلغ إليه وقدر عليه مما قلنا، وأجمعنا عليه أنه معذور بجهله، ما لم يبلغ إليه، بطل ما أجمعنا عليه إذا ثبت معنا به، إذا ثبت معنا في مثله أن يلزمه فيه غير ما أجمعنا عليه، فقد صح إجماعنا على بعض بالنص، أنه يسعه جهله ما لم تبلغه، أو تقوم الحجة عليه ثبت معنا مثله في مثله، ولا فرق في دين الله، ولا في أحكامه تبارك وتعالى - و إذا جاز غير هذا، ألزمناه الاختلاف في أحكامه - تبارك وتعالى ـ، وإذا لزمه الاختلاف - تبارك وتعالى - الزمناه أنه غير حكيم! ولا يجوز معنا هذا بوجه من الوجوه!.
ومعي
باب
ثبوت الجملة للمقر بها في جملة إقراره ولو لم يكن يثبت بها على وظائفها بأسمائها وحروفها
أنه قيل: إذا ثبت للعبد حكم الجملة، التي فيها داخل جميع
دين الله - تبارك وتعالى ـ، وحجتها بالسماع فيها فيما قيل: فإذا ثبت له حكم
1 - الآية (286) من سورة البقرة.
- 107 - (1/107)
صفحة 108
الجملة بالإيمان لخالقه، وبرسول خالقه إلى أهل زمانه، وبما جاء به رسول خالقه، إلى أهل زمانه، ورسول خالقنا، إلى أهل زماننا، إلى يوم القيامة، ولا رسول بعده، ولا نبي إلى يوم القيامة، وهو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك أخبرنا الله - تبارك وتعالى ـ أنه خاتم النبيين، فقيل: إنه إذا ثبت للعبد الإيمان بالله، وبرسوله وبما جاء به رسوله من ربه، فقد ثبت له الإيمان بجميع ما ألزمه الله الإيمان به،، والدينونة ما ألزمه الله الدينونة به، والولاية بجميع ما ألزمه الله ولايته، بجميع والعداوة لجميع من ألزمه الله عداوته، والعلم الجميع ما ألزمه الله علمه، والعمل بجميع ما ألزمه الله العمل به، والانتهاء عن جميع ما ألزمه الله الانتهاء عنه، فكل هذا ثابت له في جميع دين الله ـ تبارك وتعالى ـ في الحكم كثبوته لمن عمل به، وقال به، وآمن به، ووالى وتبرأ، وعمل، وصدق، وانتهى، ما لم يخصه شيء من ذلك بعينه، وتنزل به بليته، وتقوم عليه به حجته، فيضيع من ذلك لازما من قول، أو عمل، أونية، أو يركب من ذلك مأثما من قول، أو عمل، أو نية.
عليه
باب
بلوغ الدعوة وقيام الحجة بالجملة
وإذا قامت الحجة ببلوغ الدعوة بالجملة، للمتعبد بها ممن قد ثبت، ومنه جحود بها، أو شيء منها، فقد قيل فيها عندي: إنه لا يسعه دون الإقرار بها بلسانه، إن قدر على ذلك بما أنكر منها؛ لأنه لا يجوز له التوبة من ذنب العلانية، إلا بتوبة العلانية، ولا من إنكار العلانية، إلا بإقرار العلانية، وبذلك ثبت معنى القول عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لمعاذ بن جبل - رحمه الله - في وصيته: «يا معاذ؛ أحدث لكل ذنب توبة السريرة بالسريرة، والعلانية بالعلانية، فثبت أن السريرة؛ (ما أسره العبد ولم يكن
،
-1. A- (1/108)
صفحة 109
منه فيه علانية بقول باللسان، ولا عملت ذلك منه يدان، ولا مشت فيه
رجلان، ولا ثبت فيه منه عمل بإعلان
وإنما هو باعتقاد قلبه، من شك في شيء مما لا يسعه فيه الشك، أو اعتقاد شيء مما لا يسعه اعتقاده والنية فيه، فكل ما ثبت منه من ذنب سريرة، شك في شيء منه ء منه، فتوبته منه باليقين به، والتصديق له بقلبه، واعتقاد التوبة والاستغفار لربه منه، ولو لم يظهر ذلك بلسانه
وكذلك
ما كان جميع من النيات، المعتقدات والسريرات؛ فتوبته من ذلك اعتقاد ترك ما نوى، واعتقاد التوبة والاستغفار، إلى الله - تعالى -
بالسريرة.
وأما ما ثبت من جميع الذنوب علانية بقول، أو فعل، فلا يجزؤه؛ فيما عندنا، إلا بالتوبة، والاستغفار من ذلك باللسان علانية، إن قدر على ذلك، ولم يمنعه مانع من عاهة في لسانه تمنعه إعلان ذلك
كذلك كل من ثبت منه إنكار لشيء من دين الله، ثبت عليه الاقرار به بلسانه، كما ثبت منه الإنكار له بلسانه، من إنكاره بجحوده، أو من إنكار منه لتأويل ضلال، يؤديه إلى كفر النعمة؛ فكل منكر لشيء يحل فيه حراما، أو يُحرم فيه حلالا، أو يحق فيه باطلا، أو يبطل فيه حقا؛ ثبت عليه الإقرار بذلك بلسانه، والتوبة منه إلى الله - تعالى - والاستغفار بلسانه، فكذلك من ثبت عنه جحود وإنكار لشيء من الجملة، ثبت عليه الإقرار بما أنكره، وجحده إنكار لا يسعه دون ذلك، لثبوت الحق فيه ومن ثبت منه الشك فيها، أو في شيء منها بعد قيام الحجة بها، وبلوغ
الدعوة بها، وجب عليه في الإجماع معنى التصديق لها، واليقين والإيمان في
اعتقاده
وقد قيل: أن عليه الإقرار بذلك أيضا بلسانه بهذه الجملة، إلا أن
-1.4 - (1/109)
صفحة 110
ذلك
يمنعه من مانع.
باب
المنقطع في موضع من المواضع إذا لم يبلغه خبر الجملة
ومن وجه آخر، أنا قلنا في هذه الجملة: أنه من كان من المتعبدين، في أرض لم تبلغه هذه الدعوة بهذه الجملة من أطراف الأرض، ولا يسمع بها من سفالة، أو مثل من كان منقطعا في جزيرة من جزائر البحر، لم يبلغه خبر هذه الجملة، وسعه جهلها في مجمل ما جاءت به الآثار والسير، كما جاء مجملا أنه لا يسع جهلها، من كان في أرض قد بلغتها الدعوة بها وبخبرها، فنظرنا في ذلك؛ فإذا تأويل ذلك كله، يخرج أنه إنما هو:
إذا لم تبلغ المتعبد بها نفسه بعينه، لا أحكام البقعة، ولا أحكام بلوغها إلى البقعة، في علم غيره، ولا إلى غيره، وإنما هو متعبد بعلم نفسه، لا علم غيره، فإن البقعة لا معنى لها. وإن علم غيره لها، لا يقدر بعلم غيره ممن شاهده، أو ممن غاب عنه أن يعلم بعلمه، ولا يعلم كعلمه إلا ببلوغ ذلك، وقيام حجته عليه
إليه
فإن قال قائل: إنما ذلك فيها قد جاء به قول المسلمين مجملا، فيما وصفته من البقاع التي لم تبلغها الدعوة قيل له: فإن هذه الدعوة، وهذه الجملة، قد كانت بلغت هذه البقعة التي فيها هذا المتعبد وشهرت وظهرت فيها، إلا أنهم بأجمعهم ارتدوا عن ذلك، وأنكروه، ولم يدرك هذا المتعبد بعد عقله علم هذه الجملة، وقد كانت بلغت هذه البقعة، وصحت وشهرت، وإنما ارتد أهلها قبل بلوغ عقل هذا المتعبد بشهر، أو يوم، أو ساعة، فما عندك في هذا هو من المرتدين، وحكمه حكم المرتد، إذا أهلها مرتدون فيما
-11 - (1/110)
صفحة 111
تعبده الله هو في ذات نفسه مما يخصه حكمه، وقد قامت عليه الحجة عندك، ببلوغها إلى غيره، قبل أيامه إذا كانت قد بلغت إلى بقعته، ولم تقم عليه
الحجة.
فإن قال: قد قامت عليه الحجة؟
قيل له: فإنما عندك أن قيام الحجة بلوغها إلى البقاع، والبقاع هي
المتعبدة ليس المتعبدين
•
وإن قال: لا تقوم الحجة عليه؛ لأنه لم يتعبد بعلمها، وهو في تلك البقعة يدرك علمها، إذ أهل البقعة كلهم يجحدونها، قيل له: ان أعلمه ممن يجحدها منهم بها معلم، وأخبره بها مخبر، وقال: إنها باطل إلا أنه قد أخبره بها، وبلغه علمها، أيكون عندك قد بلغته دعوتها وقامت عليه حجتها أم لا؟ فقد أبطل أصل ما أقر به وزاد على الابطال؛ لأنه يقول:
6
فإن قال: لا يلزمه الحجة ويهلك بجهلها، ولو لم تبلغه، وإذا بلغته ممن يعبرها له لم يهلك
بجهلها، إن هذا لهو العجب العجيب
وإن قال: بل تلزمه الحجة، إن أخبره المخبر منهم، وإن لم يخبروه، فلا حجة عليه؟ قيل له: فما الفرق عندك في كينونته؛ في بقعة من يقرون بها كلهم، ولو أعلمه بها منهم أحد قامت عليه به الحجة، وبين كينونته في بقعة ينكرونها كلهم، لو أخبره بها أحد قامت عليه فيها الحجة؟ فمعنا أنه لا يجد على الخروج من هذا دليلا، إلا أن يلزمه حجتها، بحكم البقعة لا غيرها، أو ينكر ما قيل: لعله قال: إنه إذا كان في موضع لم يبلغه خبرها؛ لم يلزمه حجة علمها، أو يثبت أن التعبد بها، إنما هو البقاع نفسها، فيلزمه أنه لو كان بأرض قد كان قد بلغت اهلها هذه الدعوة، ثم فنوا كلهم قبل كينونته فيها وبلوغه اليها، فالكينونية، أنه فيها يلزمه حكمهم، ولو كانوا في غيرها، ولو كانوا قد ماتوا، وهذا كله باطل معنا، لا أصل له، وإنما الأصل له والمعنى وصحة التأويل؛ وأنه إذا كان في بقعة قد بلغه هو خبر هذه الجملة، خاصة في
-111 - (1/111)
صفحة 112
نفسه، لا
بلوغ غيره بحجة عليه، ولا بلوغها إليه حجة على غيره. والكلام في البقاع باطل، وهذا أيضا من ظاهر التأويل، وإنما المعنى أنه لا يسعه جهلها؛ إذا كان في أرض متصلة بالأخبار، قد بلغه خبرها فيمن بلغه، واتصل به فيمن اتصل به، على هذا يخرج، وإذا لم يكن هكذا، جاز له، ولزم له أن لو كان في بقعة وحده، ليس معه غيره في تلك البقعة، في بر أو بحر بلغه خبر. هذه الدعوة، أو هذه الجملة من خبر مخبر، أو كتاب ألقاه إليه طائر فيه خبر هذه الجملة، لم ير غير ذلك، ولا اتصل به من الحق غير ذلك، أن يكون له العذر في جهلها؛ لأنه هو ليس في أرض متصلة بالأخبار، إذا كان على غير ما قلت: أنه إنما حكمه حكم غيره من المتعبدين، وأنه إذا بلغ غيره ممن هو مشاهد له، لم يعلم كعلمه أنه حجة عليه، علم غيره، لاتصال البقعة، وكذلك علمه هو إذا خصه فيها، وهو غير متصل بالأرض، أنه لا يلزمه؛ لأنه ليس في الأرض المتصلة، وهذا هو الانصاف، إذا كان التعبد إنما هو بالبقاع. فإن قال: لا؛ فإنه يلزمه علم غيره في البقاع المتصلة، ويلزمه علمه في
من
أنصف
البقاع المنقطعة؛ فهذا هو الاختلاف والمغالطة البينة، ولن يدرك. وبالثبوت على تأويل الضلال،
6
في هذا الوجه حجة تخرجه، إلا المكابرة وادعاء صوابه بغير دليل، ولا حجة لك؛ وذلك خارج من الانصاف، فذرهم وما يفترون، وتوكل على الله والزم الحق ترشد، ولا تكن من
الجاهلين
باب
ثبوت الحجة أنه لا بد أن يكون العبد ضالاً أو مُهتديًا
ومعنا؛ إن شواهد الله - تبارك وتعالى - وشواهد قضائه، وأحكامه
- 112 -
6 (1/112)
صفحة 113
أنه لا يترك متعبدا من خلقه بطاعته وعبادته سُدى، وأنه لا بد أن يهديه هداية، إن شاء يهديه بها، أو هداية يشقيه بها، ويقيم عليه بها الحجة، ولن
يكون إلا كذلك؛ لأنه قال تبارك وتعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكرًا وَإِمَّا كفورا) (1)
وقال: (فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (2)
وقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرُ وَمِنكُم مُّؤْمِنُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرُ (3). فمعناه على الحقيقة، أنه لن يأتي على العبد المتعبد بالطاعة والانتهاء عن المعصية، طرفة عين، إلا وهو مهتد إحدى الهدايتين
- تبارك وتعالى -
عليه
،
الله من
إما هداية من فضله يمن بها عليه، وإما هداية من عدل الله، يحتج بها
وإنما قلنا: هذا الذي مضى كله، لإثبات فضل الله، وعدله على
،
خلقه، في ظاهر الحكم معنا، في التعبد في بعضنا بعض،، وإثبات الأحكام وأن لا تختلف أحكام الله - تبارك وتعالى - في شيء دون شيء، ولا في معنى دون معنى، لأنه لا يجوز عليه الاختلاف في أحكام دينه، ولا في أحكام ثوابه، ولا في أحكام عقابه، ولا في شيء من صفاته، ولا في معنى من المعاني يضاف إليه - تبارك وتعالى -.
فانظر معاني الضيق والسعة، والخاص من العام، وما يلزم فيه السؤال ومما لا يلزم فيه السؤال، وما يكتفى بالسؤال عنه في الجملة، وما لا يكتفى عنه بالسؤال في الجملة، إذا خص حكمه، وما لا ينفع فيه اعتقاد السؤال إذا نزلت بليته، ولو لم تبلغ إليه، ولم تقم به الحجة من العبادة، من جميع ما لا
1 - الآية (3) من سورة الانسان
2 - الآية (8) من سورة الشمس
3 - الآية (2) من سورة التغابن
- 113 - (1/113)
صفحة 114
يسع جهله، من توحيد الله - تعالى - وصفاته، ووعده، ووعيده، وما هو منه، ولا حق به، وداخل فيه، فإن في عملك لذلك، ونظرك فيه خطئا كبيرا مما يكلفه المتكلفون، ويجهله الجاهلون، ويتعسف فيه المتعسفون. ولا توفيق لك ولا لنا، ولا لأحد من الخليقة أبدا إلا بالله - تبارك وتعالى ـ عليه توكلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير.
باب
الحجة على لزوم السؤال عن لزوم الأعمال وما أشبهها دون الجملة وما أشبهها
فإن قال قائل: فما بال اللوازم والمحارم؛ يلزم فيها السؤال، ويخص فيها، ولا يسلم المتعبد إلا بالسؤال عنها، وإنما هي داخلة في الجملة، ولا يلزم في الحجة بعينها سؤال، ولا في شيء من توحيد الله بعينه، إذا اهتدى ء منه، دون غيره، والجملة هي ألزم مما دخل فيها من اللوازم؟.
بشيء
قيل له: لأن شواهدها إذا بلغت ونزلت البلية بها، وبلغت الحجة لم يكن للمبتلى بها، في ذلك عذر ولا شك، وكان هالكا بشكه، من حين ما نزلت به بليته، ولا ينفعه عند قيام الحجة بعد نزول البلية اعتقاد السؤال، ولا يعذر بذلك السؤال ولا ينفعه، وهو هالك إذا لم يقبل الحجة من حين نزول البلية، ويؤمن ويصدق بالجملة، وكذلك ما كان من تفسيرها؛ من
،
توحيد الله - تبارك وتعالى - وصفاته؛ من صفات أفعاله، أو صفات ذاته فألزامنا له السؤال عن شيء، لم تنزل به بليته بعينه، مما هو ثابت له في أصل ما تعبد الله له غلطا وباطلا، وإذا نزلت به بليته، لم ينفعه السؤال عنه، إذا عرف معناه بعينه؛ حتى يعتقد فيه السؤال بعينه، بطل حكم السؤال، لأن عليه الإقرار به، بغير سؤال؛ فإذا عرفه وعرف معناه، حال عن حكم
-112 - (1/114)
صفحة 115
السؤال، واستحق بجهله له الضلال
6
وقد ألزمناه في الجملة السؤال عن جميع ما يلزمه من رضى خالقه وعبادة خالقه، أو دين خالقه، بأي شيء من الأشياء التي يستدل بها، مما قد
من
هداه الله إليه، وأقام الحجة عليه من معرفته، ومعرفة عبادته؛ فعليه اعتقاد السؤال، عن جميع جملة ما يلزمه فيما قد عقله إذا اهتدى إلى ذلك؛ لأنه لا يستطيع ولا يصل إلى رضى خالقه، أو عبادة خالقه، إلا بطلب ذلك غيره، ممن هو مثله من المتعبدين، ممن يدرك عقله فيما هدي إليه، أنه يدرك معرفة رضى خالقه مما جهل منه من عند من هوه مثله، أو من يدرك معرفته منه على ما يهتدي إليه. ولن يضله الله - تبارك وتعالى - أبدا إلا بعلم الله - تبارك وتعالى - يبينه له، ويقيم عليه وله به الحجة، مما شاء من إلهام، أو مخاطبة، أو كلام، أو غير ذلك مما يقيم به الحجة عليه، من الأفهام، فعلى ما قامت به الحجة له وعليه، فعليه الاجتهاد في ذلك الوجه، وذلك السبيل بكل ما يحسن له ويقع له، وليس عليه علم ما لا يبلغ إلى علمه من سبيل الهدايات، وسبيل الرشاد، ولا سبيل الحجج التي يهلك بها غيره، ولا سبيل الهدايات التي يهتدي بها غيره، وإنما عليه الاجتهاد فيها هدي إليه، وبوجه ما احتج به عليه لا غير ذلك
ومتى لزمه السؤال عن شيء بعينه، قبل أن تنزل به بليته، كان هذا
6
باطلا؛ لأنه كيف يلزمه السؤال عن شيء بعينه نفسه، لا يعرفه ولا يعقله هذا ما لا يطاق؟ وكيف يكون له السؤال في الجملة، إذا نزلت البلية به، يسعه جهلها، وعليه الإيمان، والتصديق بها؟ فأي سؤال يلزمه
لا وهو وينفعه السؤال عنه، وهو هالك بجهله، هذا؛ من الغلط في الأصول، وإنما يلزمه السؤال في الاعتقاد في الجملة عن جميع اللازم، أو عن شيء من المخصوصات، إذا نزلت البلية بها، إذا لم تقم بها على المبتلى بها الحجة من
-110 - (1/115)
صفحة 116
شواهد عقله، وكان سالما بترك ذلك، أو بفعله إذا كان معتقدا للسؤال عنه، وإذا لم يعتقد السؤال عنه هلك؛ فهذا هو موضع لازم السؤال، ومنفعة اعتقاد السؤال؟
وأما إذا كان النازل به بليته من الأشياء التي إذا نزلت به، وقامت بها
عليه الحجة عليه، من شواهد عقله، فهو هالك بذلك، سأل أو لم يسأل وإلزامنا له سؤالا لا ينفعه، لا معنى له؛ وإنما يلزمه السؤال، وينفعه،
6
ويقع موقع النفع، وكان نافعا له، وكان تركه ضارا له، كذلك كل شيء من طاعة الله - تعالى - كان لا يضره تركها، وينفعه العمل بها، أن لو عمل بها فليس يجوز لنا أن نلزمه العمل بما لا يلزمه، وإن كان ينفعه إذا فعله، وبلغ إليه كذلك كل سؤال لا يلزمه؛ فلا يجوز لنا أن نلزمه إياه، ولو كان إذا سأل عنه نفعه، وبلغ به إلى منازل السلامة عند منازل البلية، ولكنا نأمره بذلك، ونحثه عليه، لأنا إذا الزمناه ذلك؛ فقد ألزمناه غير اللازم، وإذا ألزمناه غير
اللازم
ما
، فهو عندنا بمنزلة من حططنا عنه اللازم
،
ولا فرق بين ذلك
ومن ألزم أحدا غير اللازم، أو حط عنه شيئا من اللازم؛ فهو بذلك ظالم آثم جاهل لذلك، أو عالم لا عذر له في ذلك عند الله - تبارك وتعالى ـ، ولا في دينه عند أهل العلم، ولو جهل هذا المولود الناشيء جميع القرآن، إلا يقيم به صلاته، وهو يسمع من يقرؤه ويتلوه، ولا يعرف معنى ذلك، ولا المراد به؛ لكان عندنا سالما بذلك، ما لم ينكره أو ينكر شيئا منه، أو تقم عليه به الحجة، أو شيء منه، ويعرف معنى ذلك، والمراد به ثم يشك فيه، أو فيما قد قامت به الحجة عليه، من علم متقدم، أو قيام حجة يعقلها، ويعرف معناها من معلم، ثم هنالك يضيق عليه الشك فيه، لأنه مقر بالجملة. وكذلك الملائكة والنبيون والكتب الخالية، ولو. ذلك بأسمائها سمع وذكرها، ولم يعرف معنى ذلك، ولا المراد به، ولا أنه من عند الله، لكان سالما ما لم تقم به عليه الحجة، كما وصفنا؛ من علم المتقدم، أو قيام حجة من
-117 - (1/116)
صفحة 117
معلم يعقلها، ويعرف معناها
وكذلك معنا؛ الموت والبعث بعد الموت، والحساب والعقاب والثواب، لو سمع بذكر ذلك، ولم يعرف معناه، ولا المراد به، لم يضق عليه حتى يعلم ذلك؛ من علم متقدم، أو قيام حجة من فاهم يعرفها، ويعرف معناها، والمراد بها، والسيرة في هذا الناشيء ء، والمولود في جميع الأحوال، والأحكام معنا بمنزلة من أقر بالجملة: باسمها وعينها، وبلغته حجتها بعينها، في جميع ما يسعه جهله، وجميع ما لا يسعه جهله، وفي جميع ما يلزمه العمل به، وفي جميع ما يلزمه الانتهاء عنه، وفي جميع الأحوال. فانظر في جميع وسر به في جميعه كذلك، إن شاء الله - تعالى -، وبالله التوفيق.
ذلك
معنى التصديق والإيمان أنه شهادة بالجملة ولو لم يفهم بلسانه
ومن لم يثبت منه في هذه الجملة على ما وصفنا، إنكار ولا جحود ولا شك بعد قيام الحجة، وبلوغ الدعوة فيما مضى، ثم بلغته بها الدعوة، وقامت عليه بها الحجة، فقد قيل فيه فيما عندي باختلاف:
6
فقيل: إن إيمانه بها، وتصديقه لها، بالاعتقاد، والعلم، والشهادة، دون الإقرار باللسان، كاف له عن الإقرار لأنه إنما عليه الإيمان بها،. والتصديق لها، وكل ذلك بالاعتقاد واليقين، وقد ثبت أن العلم بالشيء شهادة به، وأنه إذا علم شيئا فقد شهد به، وثبتت له الشهادة به، ولو لم يتكلم به بلسانه، فمن ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ
الحكيم) (1)
1 - الآية (18) من سورة آل عمران.
- 117 - (1/117)
صفحة 118
فقد قيل: إنما هذه الشهادة علم، أي علم أنه لا إله إلا هو، وعلم
،
وأن
ذلك ملائكته، وعلم ذلك أولو العلم من خلقه، أنه لا إله إلا هو. الدين عند الله الإسلام، وعلم الله وملائكته، أن الدين عند الله هو الإسلام، وقوله - تبارك وتعالى -: يا أهلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (1).
يعني وأنتم تعلمون
.
فانظر كيف سماهم الله - تعالى - شهودا بذلك بشيء هم به ينكرون و به يجحدون، وكذلك قوله - تعالى -: لكن اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ يعلمه والملائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) (2)، فانظر؛ أنه علم والملائكة يشهدون، أي (يعلمون)، وكفى بالله شهيدا
والشهادة في العلم باليقين، أثبت من الشهادة باللسان، من شهادة
الفاسقين
والإجماع من لفظ أهل العلم؛ أن الشاهد، من علم الشهادة وحملها
6
ولو لم يشهد بها عند الحاكم بلسانه، ولا غيرها؛ فهو شاهد، وثابت له اسم الشهادة؛ أنه شاهد، وأنهم شهود، إذا كانوا جماعة، إذا كانوا قد حملوا الشهادة وعلموها، ولو لم يعبروها وشهدوا بها بألسنتهم مع حاكم أو غيره؛ فهم شهود، فقال من قال: أن العلم والتصديق بهذه الجملة، إذا بلغت دعوتها، وقامت حجتها، كاف له عن الإقرار باللسان بها، إذا لم يثبت منه إنكار لها، ولا جحود لها بالشواهد التي استشهدت، والعلم الذي أكدت
ومعي أنه قيل: لا بد مع التصديق لها، والعلم لها، من الإقرار لها، والشهادة باللسان؛ لأنها أصل الإيمان، والإيمان قول، وعمل، ونية،
1 - الآية (70) من سورة آل
عمران
2 - الآية (166) من سورة النساء.
- 118 - (1/118)
صفحة 119
6
فذهب من ذهب إلى هذا التأويل، لثبوت القول: أن الإيمان قول، وعمل، ونية، فمعي أن الذي يثبت الإقرار بها باللسان، أن بعضهم يقول: أن
إقرارا واحدا، وشهادة واحدة منه بهذه الجملة، تجزؤه إلى الأبد، وهي الفريضة التي عليه، وليس عليه غير ذلك لازم، ما لم يكن منه إنكار، أو شك ينقض به ما أقر به وعلمه، وأحسب أن بعضا يقول: أن عليه تجديد
الإقرار، واعتقاد النية كلما سمع بذلك، أو خطر بباله، أو تأدى إليه علمه؛ فهذا في هذه الجملة، قد جاء القول فيها هكذا
وأما تفسير سائر الجملة: من تفسير التوحيد، وإثبات الوعد والوعيد، فلا نعلم أن أحدا يلزم في ذلك الإقرار باللسان إذا نزلت بليته، وبلغت دعوته، وقامت عليه حجته، وليس عليه في ذلك إلا التصديق، والعلم، والإيمان بالاعتقاد، ومن هذا الإجماع؛ جاز القول في الجملة: أنه يجزئ فيها الإيمان والتصديق؛ لأنه منها، ولاحق لها، ومساو لها، فمعنا أنه؛ ماذا ثبت فيه، ثبت فيها، وما ثبت فيها، ثبت فيه، وإن كان الإيمان إنما هو قول وعمل في هذا؛ فتفسير الجملة إذا نزلت بليته، مثل الجملة إذا نزلت بليتها معنا؛ لأنه منها، وإيمان مثلها، وتقوم به حجة في العقول، ولا تقوم بها إلا فيما يصح في العقول، من صفتها لا بتسميتها، فإن لم يكن تفسيرها أثبت حجة لقيام حجته بالعقول، لم يكن بدون الحجة منها إلا ما كان مفسرا من الجملة قولا
باب
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والولاية والبراءة بالطاعة دون القول باللسان
مثل الصلاة على النبي محمد والاستغفار للمؤمنين، والبراءة من الظالمين، وأشباه هذا مما يخرج قولا في الإطلاق، فمعي أنه قد قيل فيه: مثل
- 119 - (1/119)
صفحة 120
ما قيل في الجملة عند قيام الحجة به، ولزومه أن العلم والشهادة به، والاعتقاد له بالقلب دون اللسان كاف، كما قد ثبت ذلك في الجملة، بشواهدها التي قد مضت. وقيل: لا بد من قول بذلك باللسان، إذا وجب وقامت به الحجة، وتجزئ في ذلك المرة الواحدة في كل لازم، في خاص أو عام من ولاية أو براءة استغفار أو صلاة
وقال من قال: كل ما خطر بباله أو سمع بذكره، فعليه تجديد ذلك، كما كان عليه في الجملة عند لزومها، وشواهد ثبوت الصلاة والاستغفار والبراءة، أثبتها ذلك بالاعتقاد عند موافقة الحق من القول، عند مخالفته؛ وقد قال الله - تعالى -: وبالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (1).
فقيل: إن ذلك صلاة كانوا يصلونها، وإنما الاستغفار طاعة الله - عز
وجل ـ، ومن أطاع الله، فقد استغفره.
وقال الله - تبارك وتعالى -: قُلْ مَا يَعْباً: وقُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ
كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) (2)
فقيل في ذلك: لولا عبادتكم، والعبادة دعاء واستغفار، والاستغفار صلاة، فمن ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيماً) (3).
فقيل: صلاة الله على نبيه رحمة له وغفران لذنوبه)، وصلاة الملائكة له (الاستغفار له، ودليل ذلك قوله - تبارك وتعالى -: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يتقطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ) (4)
1 - الآية (18) من سورة الذاريات.
2 - الآية (77) من سورة الفرقان 3 - الآية (56) من سورة الأحزاب.
4 - الآية (5) من سورة الشورى
- 120 - (1/120)
صفحة 121
وقال: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ) (1)
?
فهذا استغفار وهو صلاة منهم لقول الله - تبارك وتعالى -: هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحيما (2)، فصلاة الله عليهم (رحمة لهم) وصلاة الملائكة عليهم (استغفار هم ليس بالركوع والسجود، كذلك صلاتنا على محمد صلى الله عليه وسلم استغفار (له، واستغفارنا له (صلاة عليه وعلى آله الطبيبين وسلم تسليما.
وإيماننا به، وطاعتنا له، وديننا بدينه، وولايتنا له، واستغفارنا له؛ صلاتنا عليه، وكذلك طاعتنا لرب العالمين، وعملنا برضاه؛ هو ولايتنا له تبارك وتعالى - إذا اتقيناه، وعملنا له برضاه، فمن عمل ذلك منا فقد والاه، وهذه الأمور بعضها من بعض، وبعضها في بعض، وكلها متفقة غير
مفترقة.
ولو صلينا عليه بألسنتنا، واستغفرنا له، وخالفنا دينه في حرف واحد، ما كنا بالمصلين عليه، وبالمستغفرين له، لأنا من أعدائه، ولسنا من أوليائه، بل نحن ممن حاربه وعصاه بالذنب الواحد من مخالفتنا لدينه، كذلك ولا يتنا الله - تبارك وتعالى - استكمالنا طاعته، ومجانبتنا معصيته، فما كان ذلك منا في مجمل أو مفسر، فنحن أولياؤه وحزبه، ولو لم نكثر توحيده بألسنتنا، ولم نهتد لكثير منه بتغييرنا، ومتى خالفنا دينه بحرف واحد، بتضييع لازم، أو ركوب مأثم بعد قيام الحجة، وأقمنا على ذلك من غير توبة ورجعة، فنحن نشهد على أنفسنا أنا أعداؤه وحربه، ولو أكثرنا من الأعمال والمقال من طاعته، وأكثرنا من توحيده وأبصرنا الحكم في جميع دينه من وعده ووعيده،
1 - الآية (7) من سورة غافر
2 - الآية (43) من سورة الأحزاب.
- 121 - (1/121)
صفحة 122
وأمره ونهيه، فإنه لا خير منا ولا فينا، ولا ولاية لنا في دينه، ولا ولاية له معنا، ولا نستحق ذلك ولا نعمت عين ما أقمنا على ذلك بحرف من معصيته، فليست حقيقة الاستغفار والصلاة والولاية والبراءة بلفظ اللسان، من كلام الإنسان على سبيل الهذيان، لأنه إذا لم يكن له حقيقة في كمال الطاعة، لم يكن له حقيقة في ثبوت الطاعة، وما لم يثبت حكمه في طاعة الله - تعالى - من قائله، وفاعله، ومعتقده، فهو ضياع من صاحبه، أسوأ حالا. من الهذيان، أو من الكلام من المعتوه والصبيان، ومن لا عقل له؛ فإن ذلك لا خير فيه ولا شر، وكلام المتكلم بشيء من طاعة الله، أو العمل به والمعتقد له، وهو مقيم على معصية الله محبوطا ممقوتا بإقامته على معصية الله، يزيد عمله ذلك وقوله مقتا عند الله، إذا لم يف الله بطاعته.
باب
معنى ثبوت الإيمان بالجملة بالتصديق باليقين دون الإقرار باللسان
فإن قال قائل: فَلِمَ قلتم في الجملة، أنه يجري فيها التصديق بالقلب والشهادة، واليقين بالقلب، دون القول باللسان، والمجمع على الجملة أنها أصل الإيمان والإسلام، والمجمع عليه مع المؤمنين، أن الإيمان قول وعمل ونية، وأنتم تقولون أنه تجري فيه النية دون القول، فما دليلكم على ذلك؟ له: دليلنا على ذلك؛ أنا وجدنا الله - تبارك وتعالى - يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخر فقد ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا) (1).
قيل
وكذلك في كل موضع وجدنا تأكيد الإيمان من كتاب الله؛ إنما وجدناه
1 - الآية (136) من سورة النساء
- 122 - (1/122)
صفحة 123
،
إيمان التصديق واليقين والمعرفة، وإنما يخاطب بذلك المؤمنين المقرين بالجملة، الثابت لهم اسم الإقرار والإيمان بالجملة، في ظاهر الحكم، فلم نجد إقرار المقرين بألسنتهم بالجملة من إقرارهم بالله وبرسوله وبكتابه، وبالكتب الخالية، مما كانوا ينكرونه، فدعوا إلى الإقرار به فأقروا به، كاف لهم ذلك الإقرار باللسان والقول باللسان، عن الإقرار بالقلب من التصديق واليقين، وإنما وجب عليهم عندنا الدعاء إلى الجملة، وكان حقا عليهم أن يقروا بها، إذا كان حكم دارهم وحكم عامة الدور كلها ثابت عليها حكم الإنكار والشرك، في الحكم بالظاهر، وكانوا لا يسلمون في حكم الظاهر عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعند سراياه الباعث بها، وعند قواده وعماله، إلا بإقرار الجملة، التي ظاهر عليهم حكم الإنكار بها، وإذ لا يسلمون من السباء والغنيمة؛ في أموالهم وفي أنفسهم وفي ذراريهم، ممن يجوز فيه السباء، إلا بالإقرار بذلك وإظهاره باللسان، وإلا حل دمه وماله فكان لا لأحد؛ الإسلام في الظاهر حتى يصح منه التحول في الظاهر عن الشرك. الذي عليه حكمه ظاهر، فهذا في حكم الظاهر
6
يصح
وكذلك عليه عندنا في حكم السرائر أن يقر بالجملة بلسانه، إذا كان جاحدا بها بلسانه، ولو لم يدعه إلى ذلك أحد، ولا حكم عليه به أحد، لثبوت الجحود منه لها بلسانه، وقد مضى في متقدم القول بيان ذلك، أن من ثبت منه إنكار لشيء بلسانه لم يخرجه منه إلا الإقرار منه بلسانه، لثبوت السريرة بالسريرة، والعلانية بالعلانية، في أحكام التوبة، وفيما مضى
كفاية.
والإيمان كله إنما هو تصديق ويقين بالقلب، بالشيء الذي وجب به الإيمان، وليس الإيمان الإقرار باللسان، إلا على ما وصفنا من ثبوت الإقرار باللسان في موضعه، ثم إذا لم يصدقه بإقرار القلب؛ بالتصديق له، والإيمان بقلبه، لم ينفعه ذلك الإقرار بلسانه، وكان كاذبا منافقا، ولو كان على ما أقر به صادقا، قال الله - تبارك وتعالى - في المنافقين: إذا جاءك المنافقون قالوا
- 123 - (1/123)
صفحة 124
تَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهَ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولَهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنافِقِينَ
لكَاذِبُونَ) (1).
فكانوا بشهادتهم في الصدق، أن رسول الله رسوله، إذ لم يكونوا
بشهادتهم مصدقين، كانوا بشهادتهم بالصدق كاذبين.
90
وكذلك قوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضَرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤمِنِينَ وَإِرْصَادًا لَمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون) (2)
فهم يحلفون وهم كاذبون، ويشهدون بالصدق وهم كاذبون.
باب
معنى قوله الإيمان قول وعمل ونية والتصديق بالإيمان
الإيمان قول وعمل ونية، والإيمان به إيمان، وإذا قال به كان قوله به إيمانا، ولو قال بغير إيمان من سائر القول، يريد الإيمان لم يكن ذلك إيمانا، فالإسلام إسلام، والإيمان إيمان، وهو قول كما قيل في موضع القول، وعمل في موضع العمل، ونية في موضع النية
ولو ثبت هذا في الجملة أن الإيمان قول وعمل ونية، أنه كل قول وعمل ونية، ولا يكون شيء من الإيمان إيمانا، إلا حتى يكون قولا وعملا ونية، لبطل هذا، ولكن الإيمان قول وعمل ونية، فالقول في موضع القول قول،
1 - الآية (1) من سورة المنافقون
2 - الآية (107) من سورة التوبة
- IYE - (1/124)
صفحة 125
والنية في موضع النية نية، والعمل في موضع العمل عمل، وإنما أكد المسلمون هذا الأثر، أن الإيمان قول وعمل ونية؛ حجة على من قال إن الإيمان قول بلا عمل؛ من المرجئة وأشباههم، فقالوا إن الإيمان يثبت بالقول، ولا يبطله ترك العمل بالطاعة، ولا يبطله العمل بالمعصية، من آمن بالقول، والقول معهم هو الإيمان بالجملة، فمن كان مؤمنا بالجملة، غير جاحد لها، ولا لشيء منها بالقول، ولا مكذبا لشيء منها بالقول، فهو مؤمن بلسانه بالجملة، ولا يضره ترك العمل، ولا يضره ركوب المعاصي، وهو مؤمن ما لم يكذب ويكفر بشيء من القول.
بالعمل
وقد قال المسلمون: إيمانه بالقول إيمان، والعمل بالطاعة الواجبة إيمان، وترك العمل بالطاعة اللازمة كفر، لأنه كان عمله إيمانا، وكان تركه للإيمان كفرا، وكذلك ركوب المعاصي كفر وتركها إيمان. وتأويل قول المسلمين الإيمان قول، يُخرج تأويل ذلك في صحيح التأويل، أن القول هاهنا ما أنزل الله من أحكام الإيمان قولا ونية، وشرحه بالقول فهو إيمان، وهو قول، وما جعله عملا من الإيمان فهو عمل، وهو إيمان، وما جعله نية و اعتقادا بالقلب فهو إيمان، وهو نية، فمن آمن به قولا قبل أن يجب عليه العمل، الذي هو إيمان، كان إيمانه بالقول، وتصديقه به إيمانا بالقول والعمل، فإذا وجب عليه الإيمان الذي هو عمل، فلم يعمل به نقض إيمانه، الذي قد آمن به قولا، وكان عليه في جملة ما آمن به العمل إيمانا، فإن ترك إيمان العمل، وآمن به قولا فلم ينكره، ولم يشك فيه، كان بشكه إيمان العمل من ترك إيمان الفعل، وركوب المعصية الذي تركه إيمان، كان كافرا كفر نعمة منافقا
وإن شك في إيمان القول من وجوب إيمان العمل؛ مثل فرض العمل، وفرض ترك المحارم، أو تحريم المحارم، كان بذلك بالكفر، أو بالجحد، أو بالشك في إيمان القول مشركا، لأنه جحد الإيمان من قول الله الذي هو قول. وكذلك في شكه في القول من الإيمان؛ أن يكون جحدا، فهذا على تأويل قول
6
- 125 - (1/125)
صفحة 126
6
المسلمين؛ الإيمان قول وعمل ونية، أي أنه لا يقوم الإيمان بالإيمان بالقول دون العمل بالإيمان؛ الذي عمل به إيمان، إذا وجب، ولا بدون ترك العصيان الذي تركه إيمان إذا وجب، ولا يكون ذلك كله من الإيمان بالقول ولا بالعمل، إلا بصدق النية في الإيمان، من القول والعمل والترك، بصدق الإرادة بالقصد في ذلك الله، بالطاعة له والعبادة، ولا يتم إيمان من إيمان بقول ولا عمل، إلا بصدق نيته لله خالصة لله - عز وجل -، موافقة صادقة لسبيل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور الله موافقة، فافهم تفسير الآثار على ما يصح ويخرج، من تأويل ذوي الأبصار الصادقين الأخيار، إن شاء الله ـ تعالى ـ، وبالله التوفيق، ومن صدق بالإيمان من قول الله - تعالى ـ، فقد آمن، ولو لم يقر بلسانه، ولو كان كما يقول، ويتوهم أهل العمى والضعف أن الإيمان قول وعمل ونية، أنه لا يكون المؤمن مؤمنا؛ حتى يقول بجميع ما كان من الإيمان قولا، كما كان مؤمنا بأداء الفرائض؛ من الصلاة والصوم والزكاة، حتى يقر
الله
بها قولا، كقوله بالشهادة على ذلك وبذلك، إذا كان فرض ذلك من دين ا وقوله إيمانا، ومن الإيمان، كما كانت الشهادة بالجملة من دين الله وقوله إيمانا، كما كانت جميع الفرائض، وجميع قوله في الحدود والمحارم واللوازم إيمانا، من جملة الإيمان، فإذا ثبت هذا في الجملة، أن يكون قولا منه، كما هو قول في دين الله، وفي حكم الإيمان، لزمه أن يقر بجميع ذلك قولا، كما كان عند الله قولا، وإلا فلا يلزمه إلا التصديق والمعرفة بذلك، واليقين به، وهو الإيمان به قولا، فإذا وجب العمل؛ كان عمله كما يجب من العمل إيمانا به، فإذا وجب الانتهاء عن المعصية التي هي إيمان، كان تركه لذلك إيمانا به، وهذا تفسير الإيمان قولا وعملا ونية.
والعبد إنما يكون مؤمنا لا يكون إيمانا، وإنما يكون منه الإيمان فإذا آمن
كان مؤمنا
وفي بعض هذا كفاية من شواهد الإيمان، بأنه التصديق والمعرفة، وأنه
- 126 - (1/126)
صفحة 127
لا معنى في لزوم القول، إلا لسبب يثبت أو بدليل، ولم نجد في هذا معنى، فيثبت فيه القول، إلا على وجه ما جاء مجملا في الأثر، كما قد بيناه مفسرا. ويقال لمن قال هذا إن الإيمان بالجملة؛ لا: يصح ممن كان، إذا قامت عليه شواهد الحجة بها، إلا بالإقرار باللسان، ولا يجري في ذلك التصديق الصحيح من شهادة القلب والإيمان، ما دليلك على أنه لا يجزئ هذا إلا على هذه الجملة إلا الشهادة؟ كما زعمت بالإقرار باللسان، ويجري في سائر تفسير
الجملة
، من صفة التوحيد، والوعد والوعيد والعمل بذلك، والتصديق
دون الإقرار باللسان، وكل ذلك يجب به الإيمان، وقد يثبت بالإيمان
فإذا قال كذلك ما وصفت من جميع صفة التوحيد، والوعد والوعيد،
لا يجزئ فيه إلا الإقرار باللسان، ولا يجزئ فيه التصديق بالقلب والإيمان؟ قيل له: فقد قلت ما لا نعلم أن أحدا قاله مفسرا، ولا جاء في شيء من الآثار مؤثرا، بالنص فيه، أن عليه أن يقر بذلك باللسان، وإنما جاء في ذلك من حمل الآثار، أن عليه علم ذلك والتصديق به، وعليه نفي الجور عن الله وصفات الإلحاد بالمعرفة، وأن يعرف ذلك ويصدقه، وينفي خلافه في كل صفة، فأنت قد قلت في هذا ما لا نعلم أن أحدا قال به
- تعالى -
،،
فإن قال: إذا ثبت لزوم الإقرار باللسان في الجملة؛ ثبت في هذا، أنه مثلهما، وقد ثبت ذلك في حكم الجملة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدعو إليها، وهذا تفسيرها، وهو لاحق بها في المثل، ويلزمه في مثل هذا، مثل ما يلزمه في الجملة
قيل له: أما أنت فقد أصبت معنى الحكم بالمثل، أنه كما قلت: أنه إذا ثبت في الجملة ثبت في هذا، وإنما أردنا إثبات ذلك عليك، وأما أنت فما أحسنت معنى التأويل، إذ ألزمت أهل الإقرار من قد ثبت له حكم الإقرار، وقضى له ولجميع من هو مثله بذلك، من أهل الدار، من جميع أهل الأحكام، التي لا يجوز أن تثبت ولا يحكم بها إلا أهل الإقرار، من
- 127 - (1/127)
صفحة 128
المناكحة والموارثة وأكل الذبائح وإجازة الشهادات على المسلمين، بحكم جاز لهم وعليهم من العرب، فيما بينهم، وفي بعضهم لبعض، ولبعضهم على بعض بحكم، إنما كان مخصوصا بأهل الجحود والإنكار، وإذا كان ذلك شاهرا عليهم في الدار، وفي جميع الأمصار، ولم يكونوا ليسلموا إلا به في الأحكام، في العلانية ولا في الأسرار، إذا كانوا أهل إنكار، وإن هذا لهو العجب العجيب، ويلزمك في هذا إذا كانت هذه علتك، وأن يلزمهم اليوم من الدعوة، ويجب عليهم ما كان يجب على أهل حرب النبي صلى الله عليه وسلم من
المشركين.
بها
وكذلك يجب لهم عندك إذا أقروا بهذه الجملة التي إذا كانوا قد أقروا، وجب لهم الإيمان والإسلام، وكانوا إخوانا في الدين وأولياء في الدين
الإيمان
وكذلك يجب عليك لهم إذا أقروا بهذه الجملة؛ الولاية وثبوت
•
فإن قال نعم؛ تثبت لهم الولاية والإيمان
•
قيل له: ما نعلم أن أحدا يذهب إلى هذا المذهب نصا، إلا به، لعله يشبه قبح مذاهب المرجئة، فإذا بان لنا أنك منهم، فقد استرحنا منك، من عجبهم من، ولا ينبغي أن يشتغل بالقليل
أكثر هذا
الكلفة لمؤ ونتك، لأن من العجائب، مما ينتفع به، مع أننا لا نسالمك دون أن نقول أن على أهل حربنا اليوم من الأمصار، ممن ثبت له حكم الإقرار باستقبال القبلة، في كل دار من أمصار العرب ودورهم، أن ثبت بحكم عليهم أن يدعى كل واحد منهم بعينه، إلى هذه الشهادة، حتى يقرها بعينها، ولا ثبتت له أحكام السلامة إلا بالإقرار بها، ولا الموارثة ولا المناكحة ولا أكل الذبيحة، ولا يجوز أحد على الأبد، إلا بإظهار ذلك، وإلا فمناكحتهم
ذلك لأحد
منهم من
لبعضهم بعض، وموارثتهم وأكل ذبائحهم باطل، ولا يجوز ذلك لأحد منهم في غيره، كما كان لا يجوز في حرب النبي هو في أيام دعوته، إذا ألزمتهم
- IYA- (1/128)
صفحة 129
حكمها بالإقرار باللسان، ما كان يلزم أهل حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك سواء ولا فرق فيه، ولا يدلك من أحد هذين؛ إما أن تلزمهم الإقرار باللسان، كما كان يلزم أهل الحرب، وتثبت لهم وعليهم من الأحكام ما كان ثابتا في أهل الحرب، من الإقرار والأحكام
باللسان
•
فإن قلت لا ألزمهم ذلك في الأحكام والزمهم ذلك في الإقرار
قيل لك: فهو قول مختلف يؤفك عنه من أفك، وهذا أعجب وأشنع عندنا من قول الخوارج، إلا أنه يواطؤه في الشبه، وذلك أنهم انتحلوا الهجرة، وشركوا أهل القبلة، وألزموهم ما كان يلزم أهل حرب النبي صلى الله عليه وسلم؛ من السباء والغنيمة، وأجازوا نكاحهم وموارثتهم وأكل ذبائحهم، كذلك هذا المذهب عندنا، إن لم يكن أشنع في أصل المعنى؛ لأن أولئك الزموهم شيئا دعوهم إليه، وساروا فيهم به، وحكموا عليهم به، أو ببعض أحكامه، وتأولوا فيه بعض ما تأولوا، وأنت ألزمتهم الدعوة بعينها كلها، وأسقطت عنهم الحكم كله بأسره، وحكمت فيهم بحكم أهل الإقرار بأسره، فعجائبك أعجب من عجائب الخوارج، في هذا معنا وعند من أبصر الحق إن شاء الله تعالى
وإن قال: لا يلزمهم ذلك في الدعوة في الظاهر لا بظاهر أمرهم، قد ثبت لهم حكم الإقرار، وإنما ذلك عليهم فيما بينهم وبين الله، في حكم
الإسرار، لأنهم لا يسلمون عنده إلا بذلك
قيل له: فأنت على جملتك، وإذا كانوا لا يسلمون عند الله إلا بذلك، فكذلك لا يسلمون عند أهل دينه إلا بذلك، كما كانوا لا يسلمون عند النبي وأهل دينه إلا بذلك، ولا يجوز ذلك أن يحكم فيهم بشيء من الأحكام، وتبرئهم عن شيء من الأحكام ولن يثبت ذلك معنا أبدا، ولا مع أهل العلم؛ فإن شئت فألزمهم الأحكام والدعوة، وإن شئت فأبرتهم من الدعوة
- 129 - (1/129)
صفحة 130
وأثبت لهم الأحكام، التي تثبت لهم بثبوت حكم أهل الإقرار بالدعوة، وزوال الدعوة عنهم، وثبتت له على هذا فلا بد له من أحد هذين، فإن ثبت على إلزامهم الدعوة، ثبت على إلزامهم الحكم، وإن رجع إلى ذلك فهو العدل، وما يراد به، وإن الزمهم الدعوة وأجرى لهم الأحكام بأحكام أهل، فهذا هو التخليط والحمد لله رب العالمين.
الإسلام
ويقال له في قوله: إنه يلزم كل متعبد بالغ الحلم، صحيح العقل،
الإقرار بهذه الدعوة، لأي وجه ألزمت المتعبد الإقرار بهذه الجملة
لدينه
•
فإن قال: لأنها جملة الجميع دينه، وكل دينه داخل فيها، إذ هي أصل
قيل له: وكذلك الإيمان بالله أصل الدين كله، وإذا آمن بالله فقد ثبت له الدين كله، في أصل ما تعبده الله به، فإذا ثبت له أصل الدين، اكتفى به دون الإيمان بغيره، حتى تقوم عليه الحجة بغيره، وإلا فما الدليل على أنه لا يجزؤه الإيمان بشيء من ذلك، دون شيء، والأصل الواحد حكمه مثل الأصول كلها
فإن قال: لا يجوز الإيمان بالأصل الواحد وإذا كان فيه دخول الأصول كلها، إلا بالإيمان بغيره من الأصول لغير دليل، جاز أن لا يكون إيمانه شيء من الأصول كلها، التي سائر الأصول من إيمانه داخلة فيه حتى يؤمن بالأصول كلها بعينها، التي هي داخلة كلها في أصل دينه وإيمانه، فإن أجاز الإيمان بشيء من الأصول؛ كان الإيمان بالله والتصديق به، أصلا كافيا عن سائر الأصول، لأن جميع الأصول من الإيمان داخلة فيه، وهو أصل لجميع الأصول، وسائر الأصول داخلة فيه وراجعة إليه
فإن قال بذلك وأقر به، قيل له: كذلك الإقرار باللسان، راجع إلى
المعرفة والتصديق، والإيمان بالقلب لأن هذا أصل لهذا
- 130 - (1/130)
صفحة 131
وإن قال ذلك أيضا
قيل له: كذلك الإقرار برسوله، وبما جاء به رسوله، راجع إلى الإقرار
به - تبارك وتعالى - والإيمان به.
وإن قال: لا يجزئ ذلك، ولا بد من الإقرار بتوحيد الله - تبارك وتعالى - باللسان، والإقرار برسوله باللسان، والإقرار بما جاء به رسوله، إذ ذلك هو الأصل الداخل في جميع الأصول.
قيل له: فإذا ثبت هذا، ثبت أن فرائض الله المنصوصة أصول، وكذلك جميع محارم الله المنصوصة أصول، ولا يجوز إلا الإقرار بها باللسان، لأنها من الإيمان، ومن أصول الإيمان، فإذا ثبت أنه لا يجزؤه التصديق والمعرفة بشيء من الإيمان، دون الإقرار به باللسان، ثبت أنه لا يجزئ في شيء من الإيمان، أصول الإيمان إلا بالإقرار باللسان، فإذا ثبت في شيء منه بحال من الحال، من جميع الأصول وجميع الإيمان، فيلزم على قولك أنه لا بد له من الإقرار بالأصول، التي هي أصول الإيمان باللسان، كذلك يجوز عليك ويثبت أنه يلزمه أن يقر بجميع الأصول، وجميع الإيمان باللسان، وكذلك ما يلزمه في قوله في لزوم الإقرار بالجملة باللسان، إذ هي من القول من الإيمان، وأنها إذا كانت من الإيمان قولا، كان عليه الإيمان بها قولا، كذلك فرض الصلاة والزكاة، والصوم والحج، وجميع اللوازم، وتحريم جميع
6
المحارم، هي من الإيمان، قولا، فيلزمه أيضا أن يلزم كل متعبد بالإيمان أن يقر بذلك باللسان، كما ألزمه أن يقر باللسان بالجملة، إذ هي من الإيمان
قولا
فإن قال: لا يلزم ذلك إلا في الجملة، كان عليه الدليل يخص شيئا من
الإيمان، بحكم دون غيره من الإيمان، وكله فرض وقول من الإيمان
فإن قال: إن الجملة أصل لغيرها من الإيمان؟
131 - (1/131)
صفحة 132
قيل له: وكذلك كل فرض وأصل من الإيمان، فهو أصل لغيره من الإيمان، لأنه لا يكون الأصل إلا لشيء يثبت عليه غيره، ففرض الصلاة قول من الإيمان أصل للعمل بها، وفرض الحرمة للحرام من الإيمان؛ أصل للانتهاء عنه من الإيمان، ولا يثبت لك من هذا حجة، إلا ثبت عليك مثلها، دون أن يرجع إلى أن يكون حكم الإيمان كله سواء بالتصديق والمعرفة، وأداء اللوازم، والانتهاء عن المحارم، وأن يكون كله لازما فيه الإقرار باللسان، فيلزم ذلك في جميع الإيمان والأصول والفرائض والمحارم، ويتسع عليك الفتق ويلزم الناس أن يكونوا كلهم علماء، كعلم الله تبارك وتعالى -، وهذا من المحال، ولعل عامة العلماء من المهاجرين والأنصار وغيرهم من التابعين، لم يبلغوا منزلة أن يحيطوا بعلم الإقرار بجميع الإيمان، من القول الذي هو قول في دين الله، من أصول الإيمان ولا يعلم ذلك، ومن لم يكتف بقليل الحكمة ضر كثيرها فيما قيل، والله الموفق للصواب
بمنه وفضله
باب الشرك
واعلموا أن الشرك ينصرف على ثلاثة وجوه: فشرك جحود وشرك
طاعة وشرك رياء.
فأما شرك الجحود فهو الإشراك بالله، يعني الذي يعدل به غيره، كقوله تعالى: (وَمَن يُشْرِكْ بِالله) يعني من يعدل به غيره، فقد حرم الله عليه
الجنة، إذا مات على ذلك غير تائب
وقال الله تعالى:
وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجَ الْأَكْبَرِ أَنَّ الله المُشرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ
- 132 - (1/132)
صفحة 133
(1)
مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
فكل من جحد الله أو عبد معه إلها آخر، أو شك فيه أو شك في رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أو جحد ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهو مشرك يلحقه اسم الشرك
وأما شرك الطاعة فهو طاعة الشيطان، وهو قوله تعالى:
هو فلما أتاهُما صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فيما آتاهما فتعالى الله عما
يُشْرِكُونَ) (2).
فدخل عليهما في طاعة الشيطان الشرك، من غير عبادة يعبدونها
الشيطان من دون الله
كذلك قوله تعالى:
إِنَّما سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) (3).
وقوله تعالى:
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانِ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُم لِي فَلَا تلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنْ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ هُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (4).
وقوله تعالى:
أَلَمْ أَعْهَدُ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
- 133 -
(0)
1
الآية (3) من سورة التوبة
2 - الآية (190) من سورة الأعراف
الآية (100) من سورة النحل
4 - الآية (22) من سورة ابراهيم الآية (60) من سورة يس. (1/133)
صفحة 134
يعلم.
الجحود
فعبادته ها هنا طاعته، فمن أطاع الشيطان فقد عبده من
وهذا الشرك غير شرك الرياء ويلحقه اسم النفاق، ولا يلحقه اسم
كذلك شرك الرياء إنما هو شرك يلحقه اسم النفاق، ولا يلحقه اسم الجحود، وهو قوله تعالى:
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِليَّ أَمَا إِلَكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (1) فدخل عليه اسم الشرك من حيث لا يعلم، إذا أشرك في عبادة ربه
غيره
واعلموا أن شرك الرياء وشرك الطاعة، يلحقهما اسم الكفر والنفاق والضلال والفسق، وكل اسم من الأسماء القبيحة، التي قد الله بها سمى الفساق، ولا يلحقهما اسم الجحود.
كذلك اسم شرك الجحود؛ يلحقه اسم الكفر واسم الضلال واسم الفسق، وكل اسم قبيح سمّى الله به الفُسّاق، ما سوى اسم النفاق، وكذلك النفاق؛ يلحقه اسم الكفر واسم الضلال واسم الفسق، وكل اسم قبيح
سمى الله به الفساق، ما سوى اسم الشرك
•
واعلموا أن من جهل تسمية أهل الشرك بالشرك، وسماهم بالكفر،
ولم يثبت لهم اسم التوحيد في الموازنة (2)، والمناكحة وأكل الذبائح وجميع ما يحرم على المسلمين من المشركين، ودان في ذلك بدين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أصاب
الحق إن شاء الله
1 - الآية (110) من سورة الكهف 2 - أي في الزن.
- IrE - (1/134)
صفحة 135
وذلك أن يكون اعتقاده فيه إن كان يلحقه اسم الشرك، فقد سماه
باسم يستحقه اسم الشرك، ويسميه هو بالاعتقاد بالشرك على هذا السبيل
6
وإن يكن لا يلحقه الشرك، فقد سماه باسم يستحقه اسم النفاق، ويدين الله أنه منافق في اعتقاده، ما لم يسم أهل الشرك بالنفاق، أو اسم أهل الشرك بالنفاق، ودان فيه بدين محمد ه فهو سالم إن شاء الله تعالى، ما لم يحرم من المنافق المناكحة والموازنة وأكل الذبيحة، وما أحله الله من المنافق، فتدبروا رحمكم الله هذا الفصل إن شاء الله
وجدت مكتوبا، ومن جواب أبي عبدالله رحمه الله: وإني أنصحك أخي أن لا تطع أهواء قوم لا يعقلون، فقد صح معي أن من حكم في البراءة على الناس، على خلاف حكم المسلمين، أنه ممن لا يعقل الحق، ولا يهتدي به في ذلك سبيلا.
وقد قال الله عز وجل:
وَإِن تُطِعْ أكثرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ) (1)
الأحداث
وقد وجب على العلماء الوقوف في دينهم، عن البراءة عن المكفرة، إذا شكوا في صحة حدثهم، لأن البراءة حكم من أعظم أحكام الإسلام، فلا يحل لنا إنفاذها في عباد الله، بالشك في صحة ما تجب به البراءة منهم، فمن قطع على الناس البراءة في الشك في ذلك، كمن شهد بالزور، وحكم بالظن، ودان بالباطل بغير علم، فافهم ذلك
وذلك مثل من علم أن أهل البغي واجب على المسلمين البراءة منهم، ولا يخالجهم شك في ذلك، ثم برئ من راشد بن النضر وموسى من أجل براءة المسلمين منهما، فهذا عندنا ضال مخلوع، وهذا باب أخاف أن قد هلك
1 - الآية (116) من سورة الأنعام
- 100 - (1/135)
صفحة 136
فيه جماعة من
الضعفاء المتمسكنين، ولا يحل له التقليد للمسلمين، الذين برءوا من راشد وأتباعه لهم بالبراءة، لا محالة أن يشهد على ذمي لمسلم بدرهم، من أجل شهادة جماعة من المسلمين. أو شهد لذلك الغريب الذمي بذلك الدرهم، لهذا المسلم، ولو كانت تلك الجماعة فيهم جابر بن زيد رحمه
الله
قال غيره: يقول أخوك محمد بن الحسن: ذكرت رحمك الله، فيمن يتولى قوما ممن يبرأ من راشد وموسى بن موسى، ممن أدرك عصرهما؛ مثل أبي خليل وغيره، وقلت: إن قال يتولى الذين يبرأون من موسى وراشد على
براءتهم لهما.
وقلت إن كان هؤلاء المتبرءون من موسى وراشد، يقفون عمن وقف
عن موسى وراشد، هل تجوز ولايتهم؟
فعلى ما وصفت فإن تبرأ هؤلاء من موسى وراشد بما تسعهم البراءة به، مما قد صح لهم، وهم يستحقون الولاية به، مع من يتولاهم، جاز له ذلك ما لم يبرءوا منه إذا وقف عمن برءوا منه، بما يسعهم الوقوف فيه، أو يقفوا عنه بما يسعهم الوقوف فيه، فإذا فعلوا ذلك لم يتولهم على ذلك، إذا برثوا منه على ما يسعه الوقوف في قول المسلمين.
باب
الولاية والبراءة إذا أثبتا
وإذا خرج الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على غير الغاية؛ فإنما يكون عندنا بمنزلة من جهل من محدث حدثا يكفر به، ما لم يتوله على ذلك بدين، أو يتول من يتولاه بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برءوا من راكبه برأي أو بدين، أو يبرأ من المحقين ممن برئ منه بدين، أو تقوم عليه الحجة بعلم
- 136 - (1/136)
صفحة 137
ذلك بأي وجه من العلم وصل إليه، أو بحجة من المسلمين التي ليس
الشك فيها ولا جهلها، فلا يضيق عليه ذلك
باب
في الولاية والبراءة
واعلموا أنه مما يلزم المسلمون ويدينون به، الولاية لأولياء الله والحب لهم، والبغض لأعداء الله والبراءة منهم، ومن أحب عبدا في الله فكأنما أحب الله، وذلك من أشرف أعمال البر، وأعظمها درجة في الجنة، وإنما جعل الله بيان ذلك لعباده في بعضهم بعض، بما يظهر من أعمالهم، ولم يكلفهم علم ما غيبه عنهم، فمن ظهر منه للمسلمين خير أحبوه عليه، وثبتت عندهم ولايته، ولو كانت سريرته سريرة قبيحة مكفرة، وكذلك لو أظهر الأعمال المكفرة القبيحة المخالفة، وستر الأعمال الحسنة لأبغضه المسلمون بما يظهر،، ولم تكن له عندهم ولاية ولا منزلة ولم ينتفع عندهم بما غاب من أمره
منه،
باب
الولاية والبراءة بالظاهر
أحد
من
واعلموا أن حكم الولاية والبراءة بالظاهر، أن يظهر من الناس فسق، ويظهر منه رشد، فكل من ظهر منه فسق، فعلى المسلمين أن يبرءوا الله منه؛ بما ظهر إليهم من فسقه، إذا وقفوا على حرمة حدثه، وليس على من لم يبلغ علمه إلى معرفة حرمة حدثه أن يبرأ منه إلا أن تلقاه الحجة، فتعلمه أنه قد كفر بحدثه ذلك، إذا لقيته الحجة، فأعلمته أن ذلك الحدث قد كفر بحدثه ذلك، وكان هو قد علم من المحدث ذلك الحدث لزمه إلا أن يبرأ
- 137 - (1/137)
صفحة 138
منه باسمه وعينه
الشريطة
وليس على من لم يعلم بحدثه أن يبرأ منه، إذا دان في الناس بحكم
واعلموا أن حكم الظاهر من الولاية والبراءة يخص ويعم فيلزم بعض
المسلمين البراءة من رجل باسمه وعينه، ولا يلزم بعض المسلمين له الولاية، وهم متفقون في حكم الشريطة على ولاية وليهم هذا، إن كان وليهم محقا.
كذلك
6
هم متفقون في حكم الشريطة على البراءة من عدوهم. هذا، إن كان مبطلا، وإن كان عدوهم. هذا محقا، فقد وافقوا هم الذين يبرءون منه، الذين دانوا بولايته في حكم الشريطة. كذلك إن كان وليهم هذا مبطلا؛ فقد وافقوا الحق فيه، في دينونتهم بحكم الشريطة، فالمسلمون متفقون في حكم الحق في الولاية والبراءة، وإن لم يكونوا متفقين في رجل واحد باسمه وعينه، فهم متفقون في حكم الحق في الولاية والبراءة، كما قد اتفقوا عى الوضوء في الصلاة، إذا دانوا في الناس بما وصفنا، من حكم الحقيقة وحكم الشريطة وحكم الظاهر، فهم في حكم الشريطة يتولون أهل الجنة الذين وصفنا من کتاب الله، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبرءون من الأشقياء الذين وصفنا، ومن جميع الأشقياء الذين قد. صح. عندنا أنهم أشقياء، من كتاب الله، وعلى لسان رسوله، فقد دانوا في حكم الشريطة بحكم الحقيقة، بما يلزمهم من حكم الظاهر، حتى يلزمهم، ويبين من وليهم بأنهم دانوا بحكم الظاهر بما يلزمهم، وإن كانوا مختلفين في حكم الحقيقة والظاهر، فهم متفقون في حكم الشريطة على ما وصفنا، ولا فرق بين المسلمين، فيما دانوا به من الولاية والبراءة، ولا شيء من دينهم، وإن اختلفت أحكامه بينهم، فخص بعضهم دون بعض، وحرم على بعضهم دون بعض، فهم متفقون على جملة التحريم الله، وعلى جملة التحليل لما أحل الله؛ لا يحلون لأحد ما حرم الله
حرم
عليه، ولا يحرمون على أحد ما أحل الله له
- 138 - (1/138)
صفحة 139
فتدبروا - رحمكم الله - ما قد وصفنا لكم من هذه الأحكام الثلاثة،
حكم الحقيقة، وحكم الشريطة وحكم الظاهر، تصيبوا الحق إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
واعلموا أن المدعى مما وصفنا من أمر عمر بن الخطاب، وأمر علي بن ابي طالب، لو ادعى ذلك أحد من أهل ديننا أنه قد صح معه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن عمر بن الخطاب من الأشقياء، وأن علي بن أبي طالب من السعداء، لكان هذا المدعي عندنا على عمر بن الخطاب - رحمه الله - ذلك مخلوع عن الدين، ندين الله بخلعه، ولا نقبل منه على ذلك شهادة، لما قد سبق من دينونة المسلمين، بولاية عمر بن الخطاب لأنا تولينا عمر بن الخطاب بما ظهر وشهر في الآفاق من عدل سيرته، وقيامه بالحق بين أهل رعيته، وبرثنا من علي بن أبي طالب بما شهر في الدار من مخالفته للحق، وسفكه لدماء المسلمين، وإمساكه عن الرجوع الى الحق، ولم نتول عمر بن الخطاب ولاية حقيقية. وأنه من أهل الجنة لا محالة؛ لأنا لم يصح معنا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من كتاب الله، وكذلك لم نبرأ من علي بن أبي طالب براءة حقيقية أنه من أهل النار، فليس في ديننا إنكار على من قال هذا في سريرته، إلا على الشريطة إن كانت سريرة عمر بن الخطاب - رحمه الله ـ كعلانيته، فإن هذا المدعي كاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك ديننا في قوله: إن علي بن أبي طالب قد صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو قال ظاهرا ذلك معنا، ما كان يحل لنا أن نبرأ منه على هذا وتُخَطَّؤُهُ عليه، أو نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك، ولكن جوابنا لهذا القائل أنا برئنا منه، بما ظهر إلينا من زيغه عن الحق، ونحن ندين لله بأنه من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه من أهل الجنة؛ فهو يتوب لا محالة؛ لأنه محال أن يموت سعيدا مُصِراً على ذنبه، ولا يحل لنا أن نبرأ من هذا القائل بهذا القول، ولكن نبرأ من هذا القائل، إن أقر عندنا أن علي بن أبي طالب سفك الدماء، وحكم الحكمين، وقال: إن علي بن أبي طالب مصيب على ذلك، إذ قد صحت سعادته عنده،
فهنالك
- 139 - (1/139)
صفحة 140
أنه
نبرأ من هذا القائل، إذ قد قبل الباطل من السعداء، ولم يرد عليهم في زعمه من السعداء ولا ينبغي لأحد من الناس أن يبرأ ممن تولى علي بن أبي طالب،، إلا على الشريطة؛ أنه إن تولاه على علمه بحدثه الذي أحدثه؛ لأن علي بن أبي طالب؛ قد كان له شهرة فضل، والولاية لعلي بن أبي طالب بشهرة فضله لا يخطيء من تولاه على شهرة فضله، لأنه قد صح معنا أن علي بن أبي طالب كان إماما للمسلمين، لا اختلاف بينهم في أصل إمامته، فمن شهر معه أن علي بن أبي طالب كان إماما للمسلمين، لا اختلاف بينهم في أصل إمامته، وجب عليه أن يتولى علي بن أبي طالب، ولم يحل لأحد أن يخطئه على ولايته لعلي بن أبي طالب على هذه الصفة، ولا يترك ولايته، لأن الولاية حكمها خلاف حكم البراءة، والولاية يجوز أن يتولى الفاسق برفع الولاية.
،
إذا رفع إليه ولايته من يبصر الولاية والبراءة على سبيل حكم الظاهر، فحجة هذا المتولي لعلي بن أبي طالب المخلوع، فإنه من حجته أن يحتج أنه قال له رجل ممن يبصر الولاية والبراءة: أن علي بن أبي طالب كان إماما للمسلمين، عقدة إمامته صحيحة، عقد له الإمامة المهاجرون والأنصار، منهم عمار بن ياسر، وغيره من المسلمين لكان هذا القائل لهذه المقالة عندنا مصيبا، ولا نخطئه على ذلك
وكذلك المتولي لعلي بن أبي طالب على هذه الصفة، لا يكون المتولي عندنا بمخطيء، بل يجب علينا أن نتولاه حتى نعلم أنه كاذب في مقالته؛ لأن قوله في هذا، وجه من وجوه الحق؛ لأنا نحن ممن يقول: أن علي بن أبي طالب كان إماما للمسلمين لا نعلم اختلافا في أصل إمامته، وشهر معنا أنه خالف الحق، وسفك دماء المسلمين بغير الحق، ولو أننا نحن شهر عندنا من علي بن أبي طالب أنه إمام المسلمين، لا اختلاف بينهم في إمامته، ولم يشهر معنا أنه خالف الحق، وسفك دماء المسلمين بغير الحق، لوجب علينا أن نتولى الله علي بن أبي طالب، ثم إن عارضنا معارض فقال: إن علي بن أبي طالب زاغ عن الحق إلى الباطل، وحكم في الدين غير حكم كتاب الله
،
- 18+ - (1/140)
صفحة 141
وسفك دماء المسلمين بغير الحق، لوجب علينا أن نخلع الله من قال: هذا علي إمام المسلمين، ولا نقبل منه ذلك عليه، لأنا علينا أن ننكر على كل من أظهر إلينا البراءة من أوليائنا، ولا يحل لنا أن ننكر على من يتولى من نبرأ منه: نه نحن إلا في حكم الشريطة؛ أن يتولاه على ما قد علمنا نحن منه، فهو عندنا خليع على هذه الصفة؛ ولا يخلق عليه بالبراءة إلا على ما وصفنا.
فتدبروا - رحمكم الله هذا الفصل، والتمسوا للناس العذر، حتى يصح
معكم كفرهم من باب ينقطع عندكم عذره
واعلموا أن من خالف هذا الذي وصفنا من أحكام المسلمين في الولاية والبراءة، أو في غيرها من الأحكام هلك إلا أن يتوب
باب
معنى الولاية والبراءة ولزومها
كذلك الولاية لأولياء الله وأهل طاعته، والعداوة لأعداء الله، وأهل معصيته معنا؛ أنهما فريضتان، ومعنا أنهما في الجملة من حكم تفسير الجملة، التي لا يسع جهلها؛ إذا قامت الحجة بها على نحو ما وصفنا أو بوجه من الوجوه، وتفسير الجملة الذي تقوم به الحجة من العقول، من صفة الله وتوحيده ووعده ووعيده، كذلك معرفة أهل طاعته والشهادة لهم، والمعرفة بالرضى من الله على طاعته والثواب تخرج من حكم الوعد
كذلك
•
معرفة أهل معصيته، ومعرفة سخط الله عليهم، وعداوته لهم واستحقاق عقابه لهم على معصيته، لاحق ذلك عندنا من حكم الوعد والوعيد، مما تقوم حجة معرفته من شواهد العقول في الجملة، بصفتهم، أو خطر بالبال ذكر معرفتهم، أو دعي إلى ذلك: لزمت به الحجة
إذا سمع
- 121 - (1/141)
صفحة 142
من جملة أهل الطاعة، وجملة أهل المعصية، والولاية الله ولرسوله، وأهل طاعته له، لازمة معنا في حجة العقول، إذا خطرت بالبال أو سمع بذكر ذلك، وعرف معناه والمراد به
كذلك عداوة أعداء الله ورسوله، وأهل طاعته في الجملة؛ كذلك لازمة معنا، وهي خارجة عندنا مما لا. جهله في الجملة، ولا حق حكم يسع
ذلك معنا حكم الوعد والوعيد
ذلك
وأما مخصوصات ذلك في صفات المعاصي والطاعة، وفي الشرائط يلزم من خصه صحة معرفة الصفات، وأهل الصفات من صفات الكفر والإيمان والطاعة والمعصية، فعلى كل من خصه شيء من ذلك من ولاية معروفة، أو براءة بشريطة لصفة معروفة، فلاحق ذلك أيضا حكم ما لا يسع جهله في الشرائط، بخاطر القلب، أو بسماع لذلك، ولو لم يعاين محدثا بالمعصية، أو عاملا بطاعة ولا سمع بذكره باسمه وعينه، فعليه العلم بصفات الكفر والإيمان والطاعة والمعصية، والبر والفجور، وأشباه هذا مما
عداوة جميع
6
تبلغ إليه معرفته من كل اسم يلحق أولياء الله، وكل اسم يلحق أعداء الله إذا بلغ علمه إلى ذلك، في الشريطة بحجة العقل، ما كان عليه الجملة من أعداء الله ورسوله وأهل طاعته، وولاية الله ورسوله وأهل طاعته، ويجزيه أن يوالي الله، وأهل طاعته إذا لم يبلغ علمه إلى غير ذلك، ولو لم يخطر بباله غير ذلك، ويعادي أهل معصية الله، وما لم يخطر بباله شيء من هذا، ولا سمع بذكره فيعرف معنى ذلك، والمراد به، فهو مسلم بدونه من تمسك بدينه، ما لم ينقضه بشيء من الأحداث، ثم كانت الجملة من ولايته الله، وأهل طاعة وعداوته لأعداء أهل طاعته كافية، ما لم يبلغ إلى غيرها، من معرفة رسول الله، وولايته، وولاية أهل طاعة رسول الله، وعداوة أعداء رسول الله
وكذلك المسلمون وولايتهم بالصفة، وعداوة أعدائهم، قد يجزئ في
- 142 - (1/142)
صفحة 143
الجملة ولاية أهل الطاعة الله ورسوله، وعداوة أهل المعصية الله ورسوله، وكل حالة اعتصم بها، ودان بها من درجات الولاية والبراءة والعداوة، ولو لم يبلغ إلى علم غيرها، كان بما بلغ إليه من ذلك، واعتصم به ولم يعطل حكم ما بلغ إليه من ذلك، كان له كافيا عما سواه، حتى تنزل به بليته بعينه، وتبلغ إلى حال التعبد به من شريطة بصفة أو بحقيقة أو بحكم ظاهر، وجميع الولاية والعداوة، وجميع الوجوه والأحوال راجعة إلى ثلاثة معان، وثلاثة أصول
وهي:
أصل الشريطة في الولاية والعداوة.
وأصل الحقيقة.
وأصل حكم التعبد بحكم الظاهر
فكلها يجزئ فيها أصل الخاص والعام، فمن خصه شيء من أحكامها، ونزلت بليته بها، لم يجزه دونه مما قد عوفي منه غيره من جميع الوجوه، وكل من عوفي من شيء منها، من وجه من الوجوه، لم يلزمه ما ابتلي به غيره من جميع الوجوه؛ من وجه الشريطة ولا الحقيقة ولا حكم الظاهر
باب
تمييز وجوب أحكام الولاية والبراءة
لقد اختلفت أحكام الولاية والبراءة، على منازل شتى، فحكم يسع
جهله، وحكم لا يسع جهله، وحكم خاص وحكم عام، وحكم يلزمه فيه السؤال، وحكم لا يلزم فيه السؤال.
وكل هذه الوجوه التي ذكرنا مما يسع جهله ومما لا يسع جهله، وما يلزم
- 143 - (1/143)
صفحة 144
فيه السؤال وما لا يلزم فيه السؤال
هي
وجميع وجوه أحكام الولاية والبراءة تخص وتعم، فلا تكون لبعض المسلمين حل؛ إلا وتكون على بعض المسلمين حراما، ويسع بعض المسلمين جهلها ولا يسع بعضهم جهلها، ويلزم بعض المسلمين فيها السؤال؛ ولا يلزم بعض المسلمين فيها السؤال، وجميع أحكام الدين تخص وتعم؛ مثل الصلاة لازمة للمسلمة الطاهرة، وحرام على الحائض من المؤمنات. وكذلك الصيام في شهر رمضان واجب على المقيمين من الرجال والنساء، إذا كانوا أصحاء الأبدان أصحاء العقول. والإفطار حلال للمريض والمسافر. وكذلك الاغتسال من الجنابة، والوضوء للصلاة لازم للمسلمين إذا وجدوا الماء، وحط الله عنهم فرض ما يلزمهم من الاغتسال والوضوء بالماء، وأجزأ التيمم بالصعيد، والوصف في هذا يطول
كذلك أحكام الولاية والبراءة تخص وتعم، على ما وصفنا، فمن حكم بحكم ما لا. يسع جهله، في موضع حكم ما يسع جهله ضل، ومن حكم بحكم ما يسع جهله في موضع حكم ما لا يسع جهله ضل، ومن حكم بحكم المخصوص في موضع حكم العموم ضل، ومن حكم بحكم العموم في موضع حكم الخصوص ضل، ومن حكم بحكم ما يلزم فيه السؤال في موضع حكم ما لا يلزم فيه السؤال ضل، ومن حكم بحكم ما لا يلزم فيه في موضع حكم ما يلزم فيه السؤال ضل، والله لا يقبل الدين إلا بكماله، والله غني حميد
مجيد
- 122 - (1/144)
صفحة 145
باب
ما يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة معروض على أبي سعيد]
إعلموا أن الجملة التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك من دعا إلى دين
الله
بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يسع الناس جهله، وهو الإقرار بالله، أنه واحد، وأنه ليس كمثله شيء، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله فهو الحق، فهذا الذي لا. يسع جهله في حال من الحال.
وهذه الجملة لازم معرفتها كل بالغ صحيح العقل، وكان متصلا بالأرض، ولا يكون أحد مسلما ممن هو متصل بالأرض إلا بمعرفة هذه
6
الجملة، وهي على الرجال والنساء، والعبيد والأحرار، والحائض والطاهر وفي السفر والحضر، وفي السراء والضراء، وفي العافية والبلاء، وفي الفقر والغنى، وفي الليل والنهار، وفي الجماعة والوحدة، ولا يسع جهلها في حال من الحال، إلا ما جاء فيه الأثر عن النبي أنه قال: «القلم مرفوع عن ثلاثة؛ عن الصبي حتى يحتلم، وعن الناعس حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يرجع إليه عقله
وما جاء الأثر عن أسلافنا، فيمن كان منقطعا في جزيرة في بحر، وما
عن
كان
رءوا له من الرخصة في ذلك الموضع، لانقطاعه الأرض، فكل من من غير هذه الوجوه التي ذكرناها، فعليه معرفة هذه الجملة، وعليه أن يعلم أنه لا يكون مسلما حتى يؤمن بهذه الجملة وعليه أن يعلم أن من أقر بهذه الجملة ولم يبدل تفسيرها فقد أطاع الله، وأنعم الله عليه. وأن من خالف هذه الجملة، أو شك فيها أو ردها، فقد عصى الله، وغضب الله عليه، لأنه لا يسعه هذا في حال من الحال
وهذا الراد لما في يده من الجملة، والشاك فيه، رآه أو لم يره، فعليه أن
- 120 - (1/145)
صفحة 146
يدين الله بذلك، لأنه كما لا يسعه هو، ولا كان مسلما إلا بإقراره لهذه الجملة، وجب عليه العلم، ولا يكون مسلما إلا بها، وكذلك يجب عليه أن من خالفها فهو مبطل ضال.
قال أبو سعيد - رحمه الله - وهذا إذا بلغ إلى العبد معرفة هذا بعد بلوغ سنه، وصحة عقله؛ وعرف معناه، والمراد به في هذه الجملة على هذه الصفة؛ لأن هذه الجملة على هذه الصفة، إنما تقوم بها الحجة من طريق السمع والعبارة، وتقوم بمعرفة معانيها الحجة بخاطر القلب، وبما يؤدي إلى القلب من أسباب معرفة ذلك
ويخص الحكم في هذه الوجوه هو حكم خاص وحكم عام، فالحكم الخاص في هذا الباب لا يسع جهل البراءة من أهل صفته أبدا، ولا يسع جهله أبدا، ولكن إنما ذكرنا من المخصوص والمعموم، أنه إذا رأى رجلا يكفر بهذه الجملة أو يشك فيها، لزمه أن يبرأ منه باسمه وعينه، وليس على من لم يعلم أن ذلك الرجل: رد هذه الجملة، أو شك فيها، أن يبرأ منه باسمه وعينه، إلا أن تلقاه الحجة في ذلك، وعليه أن يبرأ ممن رد هذه الجملة، أو شك فيها، أنه لا يسعه الشك في ذلك، في اعتقاده في الجملة، فإذا برئ ممن رد هذه الجملة، أو شك فيها فقد وافق المسلمين على البراءة من هذا الرجل، وهذا حكم المخصوص والمعموم في هذا الباب
وكذلك كل ما لا يسع جهله من تفسير الجملة، فلا يسع الضعيف ولا القوي، جهل البراءة منه، إذا ارتكب حدثا لا يسع جهله. وذلك مثل علم الموت والبعث بعد الموت، والحساب والجنة والنار، وإثبات القدر، ونفي الجور عن الله، فهذا ومثله مما لا يسع جهله إذا سمع بذكره، أو خطر بباله، وقام عقله على تفسير معرفته، لم يسع إلا أن يعلم أنه ميت، وأنه مبعوث بعد الموت، وإن من عصى الله فعليه العقاب، وأن ذلك العقاب لا يشبهه عقاب؛ وهو النار، وأن من أطاع الله فله الثواب، وأن ذلك الثواب لا
-127 - (1/146)
صفحة 147
يشبهه ثواب؛ وهو الجنة
هلك
•
وكذلك عليه أن ينفي الجور عن الله - عز وجل ـ فإن شك في هذا
وكذلك عليه أن يعلم أن من شك في هذا فقد عصى الله، ومن آمن بهذا ولم يشك فيه ولم يرده، فقد أطاع الله، وقد ثبت له عنده اسم الأيمان بعد إقراره بالجملة، فإن شك في تضليل من شك في هذا، وفي من يرده، فقد ثم خص الحكم في هذا وعم، فمن علم من) أحد أنه شك في الموت أو البعث أو الجنة أو النار، أو في شيء مما لا يسع جهله، فعلى هذا العالم بحدث هذا المحدث؛ أن يبرأ الله منه باسمه وعينه، وعلى جميع المسلمين أن يبرءوا الله من أهل هذه الصفة التي لا يسعهم جهلها
هلك،
وإن شك أحد في تضليل من شك في شيء مما لا يسع جهله، لم يسع المسلمين إلا أن يبرءوا ممن شك في البراءة منه، وكل من شك في تضليل محدث جهله، فالشاك في تضليل المحدث محدث، والشاك
أحدث حدثا لا يسع فيهما بعد العلم منه؛ أن المحدث أحدث ذلك الحدث، وأن الشاك فيه قد
علم منه ذلك الحدث محدث، وهذا الحكم مخصوص بالأسماء
وأما من لم يعلم أن هذا المحدث أحدث ذلك الحدث وأن الشاك قد
6
علم من المحدث ذلك الحدث، ثم دعي إلى ذلك، أودعي فيه ذلك، فعليه أن يبرأ ممن أحدث ذلك الحدث
ومن شك في البراءة ممن أحدث ذلك الحدث، فإن شك هذا في البراءة من أهل هذه الصفة فهو محدث، فإن لم يقبل هؤلاء الذين قد علموا من هذا المحدث هذا الحدث الذي لا يسع جهله، إلا أن يبرءوا من هؤلاء المحدثين بهذا الحدث، من غير أن يقيموا عليه في ذلك حجة ولا برهانا، فقد هلك هؤلاء إذا حكموا بحكم المخصوص في موضع حكم المعموم؛ لأن هذا الذي
- \ {V- (1/147)
صفحة 148
المحدث
6
من
هذا
ذلك
هذا الحد لم يعلم من المحدث، يسع جهل البراءة منه باسمه وعينه، فإن هو برئ من هذا المحدث بغير حجة ولا برهان فقد هلك فإن كان هؤلاء العالمون بهذا الحدث من هذا المحدث، أقاموا على هذا الذي لم يعلم من ذلك الحدث بينه، فشهدت أن ذلك الحدث كان المحدث، وأنهم عاينوه من ذلك المحدث، أو سمعوه من هذا المحدث، فقد قامت على هذا الحجة بمعرفة ذلك، فإن لم يبرأ منه باسمه وعينه هلك، فإن هم أنزلوه على حكم العموم، على وجه ما وصفنا في المسألة الأولى، وعذروه بجهله ذلك وقبلوا منه البراءة من أهل تلك الصفة، فقد تركوا الحق في ذلك، وقد ضلوا في ذلك عن سواء السبيل، وذلك بعد أن عدالة تقوم البينة؛ فإذا قامت عدالة البينة
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه حتى تقوم عدالة البينة على المحدث مع
المشهود عليه، وتصح معه منهم وفيهم ما تجوز به شهادتهم في الحدث الذي
شهدوا عليه، وتقوم عليه الحجة بمعرفة ذلك منهم.
ومن
أقامت البينة عليه الحجة في ذلك فشك في البراءة من هؤلاء
المحدثين؛ فقد هلك، وإن شكت البينة في ضلالته، أو من قامت عنده دلالة (1) البينة، وحضر إقامة الحجة من البينة على هذا الشاك، فقد شكوا فيما لا يسعهم جهله وقد هلكوا، وذلك أنهم حكموا بحكم العام في موضع حكم الخاص، فأنزلوا عذره على براءته من أهل الصفة، وقد قامت عليه الحجة بالمعرفة أن هذا الحدث قد كان من هذا المحدث، فاستعملوا حكم الله في الناس حكم ما يسع جهله في حكم ما لا يسع جهله.
واعلموا أنه لا عذر لكم أن تحكموا في أحد بغير ما حكم الله فيه، ولا تضعوا عن أحد حكم ما أوجب الله فيه فإنكم إن استعملتم حكم ما يسع
جهله، وحكم ما لا يسع
1 - في نسخة: «عدالة البينة
جهله، ودنتم في الناس بهما، فعذرتم من عذره
- 1 EA - (1/148)
صفحة 149
الله، وأنفذتم الحكم على من قامت عليه الحجة بالعلم والبينة، إذا كان الحدث ما لا يسع جهله، ودنتم الله فيهم بالحق؛ فقد حكمتم فيهم بالعدل، وإن أنتم لم تعذروا من عذره الله، ولم تقيموا الحجة؛ فقد حكمتم فيهم بالجور، واستعملتم فيهم ما لا يجوز لكم، وكنتم بذلك عند الله من
الخاسرين
•
باب
معاني الولاية في الأيام والأزمنة
قد بينا حالات ما تجب به الولاية بحكم الظاهر، أنه يجب لكل أهل عصر وزمان، حكم يقضي عليهم ولهم في صحة المذاهب وفسادها من المتدينين؛ فإنه لا الأحد يصح بعينه ولاية في حكم الظاهر، إلا باستحقاقه الإسم أو معنى أو صفة، ويستحق بذلك المعنى أو الاسم أو الصفة، الخروج في ذلك الوقت الذي صح له ذلك، والبراءة من الدخول في شيء من دين أهل الضلال، ويبرءون من التهم من جميع ذلك بخبرة، أو بصحيح شهرة أو برفيعة، من أهل العلم بأحكام الولاية والبراءة، من أحد من علماء المسلمين، من صح له هذا الذي وصفته، وتصح له الاستقامة على دين أهل الصدق والسلامة، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل عصر وزمان، في مصر أو بقعة
6
ومكان، بشهرة بذلك أو بخبرة، فلا تجوز الولاية عندنا في الحكم بالظاهر إلا بأحد هذه الوجوه على هذه الصفة وهذا المعنى، فإذا ثبتت لأحد ولاية على هذا الوجه، وجبت على من أبصر ذلك، أو أبصر حكمه، أو قامت عليه به الحجة من أهل العلم بذلك، على سبيل ما تقوم به الحجة، كان عليه وله ولاية ذلك الشخص باسمه وعينه، إن عرف ذلك، وإلا فولاية ذلك بعينه، وكان ذلك مباحا له واجبا عليه، ولو كان ذلك الشخص وذلك الولي عند الله في حكم السريرة، أو عند جميع العالمين من المسلمين والظالمين، معطلا لجميع
-129 - (1/149)
صفحة 150
الدين، أو زنديقا جاحدا للدين، فلا يحل لمن وجبت عليه ولايته في حكم
الظاهر في الدين، ترك ولايته إذا وجبت عليه
كذلك عند الله إذا صح له حكم الولاية في دين الله، ولا يضره علم
غيره من جميع العالمين؛ إذا علموا غير ذلك؛ مما يستحق به العداوة، ولو كان من الأشقياء، المستحقين لنار جهنم في
عند الله - تبارك وتعالى -
في علمه
6 -
الآخرة، فهو عنده في حكم دين الله الذي تعبده الله به من الأولياء، والله يواليه على ولاية عدوه الذي قد علم عداوته، ويعاديه على ترك ولاية عدوه، الذي قد أوجب عليه ولايته في حكم دينه، وهذا الذي يواليه في حكم دينه بالظاهر، بما استحق في حكم دين الله، وهو عدوه فيما دان به من حكم الشريطة من عداوة جميع أعداء الله، ولو لم يكن بلغ إليه علم حكم الشريطة، ولا قامت عليه الحجة بذلك، ولا دان به حتى وجب عليه حكم الظاهر لهذا الموالي، لكان عدوا الله فيها أقر به من جملته، ودان به من جملته،
،
إن كان بلغ إلى حكم ذلك وعلمه بعينه، وإلا فذلك ثابت له في ميثاق الله له وعليه، على ما وصفت أنه ثابت له جميع دين الله، من حكم الجملة وغيرها. ما لم ينقض ذلك الميثاق بشيء من الأحداث بقول أو فعل أو نية، مما قد قامت عليه الحجة به، وما تقدم إليه، ونزلت به بليته من جميع درجات دين الله في ولاية أو براءة، من شريطة أو حقيقة، أو حكم الظاهر، وجب الله القيام به
6
والعمل به، وكان مجزيا له عما سواه من الأحكام والأصول، وكان ذلك الذي
لم يمتحن به بعينه ثابتا له في حكم جملته، أو في حكم ميثاقه
وما لم يبلغ المبتلى بشيء من أحكام دين الله من وجه من الوجوه، مما لا تقوم حجته من العقل، وينقطع به العذر مما يبصر علمه، ويعرف المعنى والمراد به، وما عدا ذلك فهو سالم، إذا لم تقم عليه الحجة، بشيء مما امتحن به، فيبصر عدله، ما لم يتول، في حال ما لم يبلغ إلى علم ذلك عدوا الله بدين، أو يعاد وليا لله في حال جهله بدين، في حكم الظاهر، أو يقف عن
-10 - (1/150)
صفحة 151
العلماء أو يبرأ منهم برأي أو بدين، من أجل ولايتهم وليا الله، أو براءتهم من عدو الله، في حال حكم ما يستحقون به ذلك عليه، أو يقف عنهم أو يبرأ منهم بدين، ولو كانوا ضعفاء من المحقين في حكم دين الله، الذي قامت عليه الحجة بمعرفة صوابه وعدله في حكم العدل بالظاهر، ولو جهل ما يلزم من ذلك، فغير معذور بجهله الحجة، إذا قامت عليه بالعدل الذي جهله في دين
الله، ولو كان في الأصل قد بلغ إلى علم الحجة، الذي إذا بلغ إليه كان به حجة، علم حكم الحجة أو جهله
•
باب
تمييز البراءة من أهل الأحداث والولاية لهم
اعلموا أن كل قطر من الأرض؛ فأهله مؤتمنون على دينهم، فإذا وقع
حدث في ذلك القطر، كانوا فيه على أربعة أصناف:
منهم
أئمة
في الحدث؛ يكفون حتى يرتفع إليهم. ومنهم ناقمون؛
وهم الذين رأوا الحدث بأعينهم.
ومنهم كافون؛ ينظرون رأي الفقهاء
ومنهم أتباع ضعفاء، فصنف أهل الحدث، وصنف الشهود الناقمون، وصنف لعله كافون. وصنف سائر الناس
وإذا استحل المحدثون ما ركبوا، واستحلالهم أن يبرءوا ممن حرم حدثهم، أو يدعوا إنما أحلوا من ذلك حلالا من الله، أو حراما من الله، من
استثناء منهم.
-101 - (1/151)
صفحة 152
واعلموا أن العالم ها هنا على وجوه:
عالم بحدثهم ببصره وقلبه، فذلك يلزمه البراءة منهم، وهذه صفة
الشهود الناقمين.
وعالم بحدثهم بقلبه لم يعلمه ببصره، فهو كاف عن البراءة منهم بأسمائهم وأعيانهم، وعليه البراءة من أهل صفتهم، وهذه صفة الحكام الكافين حتى يرفع إليهم.
وعالم بحدثهم ببصره؛ ولم يعرفه قلبه، وهو مسلم ما لم يتول أهل الحدث، أو يبرأ ممن برئ منه العلماء على حدثه، أو يقف عنهم من أجل براءتهم من هذا الحدث
"
وهذا العالم بحدثهم ببصره ولم يعرفه قلبه صفة
الأصناف
"
وهم
من ذكرنا من الناظرون لرأي الفقهاء، لأنهم على هذا الوجه، عليهم أن
يجمعوا المسلمين على رأيهم: رأي المسلمين، ودينهم دينهم في هؤلاء
المحدثين
فإذا قامت عليهم الحجة بكفر هؤلاء المحدثين، لزمهم البراءة منهم؛ لأنهم علموا بحدثهم، ولم يعلموا كفرهم، وليسوا ملزمين في هذا الموضع سؤالا عن حرمة الحدث، لأنهم مسلمون على ما وصفنا حتى تلقاهم الحجة، وتنزل بليتهم، كما نزلت بليتهم في الاغتسال من الجنابة، وإن كانوا
كارهين.
وأما الأتباع الضعفاء الذين ذكرنا، فإن أولئك لم يبصروا حدثهم بأعينهم، ولم يعلموا أن ذلك الحدث مكفر، فهؤلاء ما لم يتولوا من أحدث ذلك الحدث، أو يبرأوا ممن برئ من أهل الحدث المكفر، من أهل ذلك الحدث من العلماء على حدثه، أو يقفوا عنهم من أجل ذلك، أو يتولوا من
- 101 - (1/152)
صفحة 153
6
تولى من أحدث ذلك الحدث بعد علم المتولي للمحدث، وأن المحدث أحدث ذلك الحدث، وبعد علم من الضعفاء بذلك، وإن كان قولهم في ذلك قول المسلمين، فهم مسلمون، وليس على هؤلاء الضعفاء أن يجمعوا المسلمين على البراءة، ممن أحدث ذلك الحدث، ولا على البراءة من هؤلاء المحدثين، إلا بعد قيام الحجة عليهم بذلك، لأنهم لا يعلمون أن ذلك الحدث مكفر، إلا أنهم يجمعونهم على البراءة ممن خالف دين رسول الله محمد، لأن هذا الضعيف لا يسعه إلا أن يبرأ ممن خالف دين محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كما لا يسعه هو إلا أن يقر بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كذلك لا يسعه إلا أن يبرأ ممن خالف ما جاء به محمد الله مجملا على هذه الصفة، فتدبروا - رحمكم ا هذا الفصل، واستعملوا فيها بينكم، واتقوا الله، إن الله عليم بذات
الصدور
باب
معاني الشريطة والحقيقة وحكم الظاهر
من الولاية والبراءة
الله
وأصول الشريطة ما وصفت من ولاية أولياء الله، وعداوة أعداء الله، وولاية المسلمين، وعداوة الظالمين، وأشباه هذا مما يخرج في الشريطة في الصفات، وأسماء الصفات، فكل ما كان على هذا الوجه؛ فهو خارج على
وجه الشريطة، وأصول الحقيقة ولاية الله - تبارك وتعالى ـ وولاية رسوله وولاية من صح من أوليائه، له الولاية من النبيين والمرسلين والمؤمنين؛ بأعيانهم وبصفاتهم الدالة على أعيانهم.
فأما الحقيقة فمثل ولاية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صح من أنبياء الله ورسله، مثل آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم، وجميع من صح منهم مع
أحد باسمه وعينه.
- 153 - (1/153)
صفحة 154
وكذلك من صح باسمه وعينه من المؤمنين مثل مريم ابنة عمران، وامرأة فرعون، وأشباه هؤلاء من جميع من صح له اسم الإيمان، والطاعة بعينه من كتاب من كتب الله، أو عن رسول من رسل الله، أو له ذلك صح بالشهرة أنه مؤمن حقا، وجبت ولايته بالحقيقة، والشهادة له بولاية
الحقيقة
كذلك الصفة الدالة على الإسم، كمثل أصحاب الكهف، وأشباههم من الصفات الدالات على الأعيان، فهذا من أحكام الحقيقة في الولاية
وأشباهه، من جميع من صح له مثل هذا
وأحكام الشريطة ما وصفت وأشباهه
"
وأحكام الولاية بالظاهر
والبراءة بالظاهر، من ثبت له في حكم الله المتعبد به عباده لبعضهم بعض، حال يستحق به العداوة، أو حال يستحق به الولاية باسمه وعينه،، أو بصحة الخبرة أو بصحة الشهرة، أو بصحة شهادة مما تجوز فيه الشهادة، من أمر الولاية والبراءة، وكل من خصه من ذلك حكم في الأصول، لم يلزم غيره
ما خصه.
وكل هذه الأحكام والأصول مخصوص بحكمه، ومخصوص بعلمه، ولا يلزم غيره ما لزمه للزومه له، ولا يلزمه ما لزم غيره للزومه لغيره، كما لا يلزم أحدا في جميع الدين؛ من جميع الأشياء ما لزم غيره، ولا حط عنه ما لزمه إذا لم يلزم غيره، فافهم هذه المعاني فإنها الأصول، وإذا لم تعلم الأصول وتبن عليها، لم يكن لك إلى السلامة من مهلكاتها وصول، وخفت عليك أن تقع في مهلكات الفضول، والكلام والوصف في مثل هذا متسع
ويطول، وكل مخصوص في هذا بعلمه وحكمه
وحكمه
•
وهذا
وكذلك جميع دين الله - تبارك وتعالى - كل فيه مخصوص بعلمه، من ولاية أو براءة أو صلاة أو زكاة، أو أمر أو نهي، ما لا يختلف فيه مع أهل العلم، وإنما تاه ضعفاء العقول وأهل الجهل
- 108 - (1/154)
صفحة 155
والفضول، من طريق تأويل الضلال، للكتاب والسنة والآثار، أو من طريق
6
الرد ما لم يصح معهم الإنكار، أو لحكمهم بأحكام الخاص في موضع العام أو بأحكام العام في موضع الخاص، فاحذر هذه المعاني، فإنها من أصول هلاك المتعبدين، والمتعلمين المجتهدين الذي لم يتبعوا في اجتهادهم أصول الدين، ويوافقوا ما وافقه الأصول، ويجانبوا ما جانبه الأصول.
ولايته
ومعي
باب
معاني وقوف الدين
؛ أنه قيل: إن وقوف الدين كله، إنما هو في كل من جهل حدثه
من جميع الخلق، وجهل أمره، فلم يعرف منه ما يستحق به الولاية، أو ما يستحق به العداوة من إيمان أو كفر، وجملة المتعبدين في حكم الدين، لا يخلو منهم أحد في حال من الحال، ولا حينا من الحين، من أن يكون وليا للمسلمين، أو عدوا لرب العالمين، فمن علم منه ما يستحق به الولاية ثبتت، ومن علم منه ما يستحق به العداوة ثبتت عداوته، ومن لم يعلم منه ذلك شيء من بعينه من ولاية أو عداوة، فجميع المتعبدين مع جميع المتعبدين في حال وقوف الدين، لأنه لا يجوز أن يتولى بالدين، من لا تثبت ولايته بحكم الدين، ولا يبرأ منه بالدين، من لم تصح عداوته بالدين، ومن لم تصح له ولاية ولا عداوة في حكم الدين، ثبت فيه الوقوف بالدين، ووقوف الدين في حكم وقوف الدين، حكمه سواء من العلماء والضعفاء، وجميع المتعبدين في جميع المتعبدين في حكم وقوف الدين بالسواء، ليسوا بمختلفين ولا متفاضلين
والعالم والضعيف في ذلك سواء في حكم الدين، إلا ما فضل العلماء على الضعفاء من المعرفة التي بها فضلوا بمعرفة أحكام ذلك، وفاقوا به على
- 100 - (1/155)
صفحة 156
الضعفاء، وأما حكم الجائز واللازم فيهم بالسواء، وكذلك الحكم منهم في غيرهم؛ في وقوف الدين سواء، لا تختلف في ذلك أحكامهم من عالم ولا ضعيف، في عالم ولا ضعيف؛ إلا من ثبت له الحكم باستحقاق ولاية أو عداوة، فقد خرج من حال وقوف الدين، ولزم هنالك المتعبد فيه، في ذلك الشخص بعينه، وما قد لزم فيه أن ابتلي بولايته أو عداوته
واختلفت هنالك الأحكام لأهل الكفر وأهل الإسلام، وتفاضلت الأحكام من الضعفاء والعلماء، وحال الحكم عن وقوف الدين إلى ولاية الدين، إذا ثبتت في الحكم، أو عداوة إذا ثبت في الحكم، فالعالم عليه إنفاذ حكم ما علم من الولاية والعداوة، وليس له الوقوف برأي ولا بدين، بعد علمه بأحكام الولاية والعداوة للموالي أو المعادي، وليس له الوقوف برأي
ولا بدين
وأما الضعيف فإذا ثبت عليه حكم ولاية؛ ولم يبصر حكمها، أو عداوة لم يبصر حكمها، فليس له جهل مع ذلك، وإن جهله أن يثبت على وقوف الدين؛ الذي كان له في جميع العالمين، من قبل أن يمتحن بعداوة وولاية في الدين، في أحد من المطيعين الموافقين، أو في محدث من المحدثين، بجهل ما يلزمه فيه في الدين، فليس له - وإن جهل ذلك ـ أن يقف عن الموالي ولا المعادي وقوف الدين، إلا أن بعض أهل العلم قد استجاز أن يكون على جملة ما هو عليه من وقوف، على اعتقاد الشريطة للعداوة، والولاية فيه، إن كان وليا، وإن كان عدوا وهو على حاله مع صاحب هذا القول من الوقوف. ويجتزئ بولاية الشريطة وبراءة الشريطة، في أصل ما تعبد به من الولاية
والبراءة.
،
وقال من قال: ليس له ذلك، وإن جهل حكم الولاية والبراءة فيما قد
لزمه أن يقف عمن قد لزمه فيه ولاية أو براءة، فجهلها من وقوف الدين
6
ولكن يجوز له أن يقف وقوف الرأي، حتى يلقى الحجة فيها قد لزمه من ولاية
-109 - (1/156)
صفحة 157
أو براءة.
باب
معنى الوجوب على اعتقاد قول المسلمين في دين أو رأي أو ولاية أو براءة
قال غيره: لا نعلم في هذا الفصل اختلافا، وفيه يخرج قول أبي الشعثاء جابر بن زيد - رحمه الله -؛ أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوا أو يتولوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من
راكبه، أو يقفوا عنهم.
وكذلك إذا ثبت أن عليهم أن يتولوا من برئ منهم مما جهلوه، فمثل ذلك عليهم في الولاية، لأن الولاية ألزم، وليس لهم في حال جهلهم بحكم ما يجب في حكم الإسلام، من الولاية والبراءة، أو يخالفوا حجة الله من المسلمين فيما يقومون به من الحجة في الدين
•
فإن تولى من برئ منهم برأي غيره دين، أو تولاهم على ما وصفت لك من ولاية العلماء، ولم يقف عن أحد منهم من أجل براءتهم ممن برثوا، وولايتهم ممن تولوا بالحق، الذي جهله أو بما غاب عنه، ويحتمل صواب فيه، ما لم يكونوا في حد القذف معه، ممن برثوا منه، فلا يضيق عليه ولاية من برثوا منه إذا تولاهم.
باب
معاني وجوب السؤال في أمر الولاية والبراءة
معي؛ أنه قد قال من قال: عليه اعتقاد السؤال في كل ما يلزمه من
- 157 - (1/157)
صفحة 158
ولاية أو براءة، فجهلها كان قبل ذلك يبرأ ممن لزمته ولايته، أو يتولى من لزمته
البراءة منه، أو لم يكن قبل ذلك يتولى ولا يبرأ.
وقال من قال: لا يلزمه السؤال إلا فيمن كانت قد تقدمت له ولاية، ثم أحدث حدثا لم يبلغ معرفة حكم حدثه، فله أن يتولاه برأي، ويعتقد عما يلزمه في حدثه ذلك، ليبلغ إلى علم ما يلزمه؛ من ولايته بمعرفته، أو عداوته
بمعرفته.
وقال من
قال: ما تولاه برأي، ولم يكن حدثه مما لا يسعه جهله، ولم يتوله بدين، فليس عليه سؤال؛ لأنه سالم بولايته له برأي، ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة الحكم في حدثه، فأما إن تولاه بدين على غير شريطة البراءة فيه؛ فهو بذلك هالك، وعليه الدينونة بالسؤال، إن جهل حكم ما يلزمه في ذلك، فإن ترك اعتقاد ما يلزمه من السؤال، وتولى بدين، أو جهل ما يلزمه في ذلك لم يسعه ذلك، وإن اعتقد السؤال عما يلزمه في ذلك، والدينونة فيما يلزمه من جملة ما يلزمه، أو فيه بعينه إن هدي له، ولم يتول بالدين على غير اعتقاد السؤال عن ذلك، فلا يضيق عليه ذلك، ما لم تبلغه الحجة بعلم ذلك، بعلم متقدم، أو حجة تلزمه؛ من فتيا أهل العلم الذين هم
الحجة
عليه
معي
باب
السعة في الوقوف ما لم يتول أو يبرأ
؛ أنه قد قال من قال: إنه لا يهلك أحد بهلاك أحد، ولا يضل أحد بضلال أحد، المعنى؛ أنه لا يهلك بهلاكه، يعني إذا جهل كفره وضلاله، فلم يبرأ منه فلا يهلك بهلاكه، ما لم يتوله، فيكون يهلك بفعله
- 101 - (1/158)
صفحة 159
لا بفعل الهالك، لأنه لم يبرأ ولم تقم عليه الحجة، فلا يلحقه فعل غيره
ولا يهلك بفعل غيره.
وصحيح
معنا، أنه كل ما لم تقم عليه به شواهد الحجة، وبلوغ
6
وهذا صحيح العلم في مثل هذا، ولم يتول بدين، من وجبت له العداوة في حكم ما علم منه، ولم يبرأ بدين من أحد. من المحقين من الضعفاء، أو برأي أو بدين من أحد من المحقين من العلماء، ولم يضيع ما يلزمه من طلب العلم بالاعتقاد إن لم يقدر عليه في وقته، أو السؤال عنه إن وجد إلى ذلك سبيلا، فلن يضل ولن يهلك بفعل غيره، كائنا ما كان حدثُ المحدث، فافهم تأويل معنى الآثار. الأخبار، فإنه ما أحسب أنه يأتي شيء من الروايات ولا من الأخبار الآثار، ولا من قول أحد من ذوي الأبصار، إلا وخارج تأويله على العدل والصواب، عند من هداه الله إلى عدل التأويل، ولا يأتي من ذلك شيء إلا وله تأويل ضلال، عند كل من أعمى الله قلبه، وطلب الفتنة، واتبع متشابهات الأمور، وترك محكماتها، وتأويل عدلها، حتى في كتاب الله تبارك وتعالى -، وفي سنة رسوله، الصحيحين المحكمين، غير المتشابه من ذلك، وحتى في الناسخ من ذلك غير المنسوخ، وطلب الفتنة في كل. وزمان، لا شك أنه أكثر ممن طلب الهدى واتبعه
ولا من
عصر
وكذلك أخبرنا الله - تبارك وتعالى - عن عامة ممن مضى، نصا من الأمم، وحكم بذلك عليهم قطعا في جملتهم، كذلك في كل عصر وزمان، وشاهدنا صحة إخباره، فما وجدنا أكثرهم شاكرين ولا مهتدين. وقد قال - تعالى - لنبيه: {وَإِن تُطِعْ أكثر من في الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يتبعونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يخرمُونَ) (1)
1 - الآية (116) من سورة الأنعام.
- 109 - (1/159)
صفحة 160
باب
معنى الدعوة واختلافها
قال غيره: لا نعلم أحدا؛ ممن يثبت له اسم أهل القبلة، صح منه في شيء من الأمور من المتدينين، ممن ثبت له اسم أهل القبلة، يلحقه فيه حكم يلزمه الدعوة إلى الإقرار بالجملة في حكم دينه، ولا فيما يلزم المسلمين فيه في محاربته على حدثه إن أرادوا، ولا في ولاية إن أرادوا امتحانه وموافقته، إلا أن يصح في أحد من الناس بعينه، نقض شيء من ذلك؛ برد لشيء من الجملة، ويشك في شيء منها بعد بلوغ دعوتها إليه، وقيام حجتها عليه، فإنه يلزمه في ذلك وبذلك حكم ما ركبه، ولا يسمى بذلك من أهل القبلة، بل هو خارج من جملة أهل القبلة إلى جملة أهل الرد؛ الذين تجب فيهم الدعوة إلى الإقرار بما أنكروه من ذلك، أو الإيمان بما يشكون فيه من ذلك، والتوبة على ما يلزمه فيه التوبة، وأنهم إن لم يتوبوا من ذلك بعد المبالغة في استتابتهم، فإنهم يقتلون ولا يقتل منهم غير ذلك
في أمره.
وقد قيل: يحبس منهم المرتد ثلاثة أيام، ويستتاب ثلاث مرات اجتهادا
وأحسب أنه قد قيل: كل يوم مرة يعرض عليه التوبة.
وأحسب أنه قيل: استتابة واحدة تجزؤه، فإن لم يتب بعد المبالغة فيه في الرجوع إلى الحق، وهذا إن أعطى القود ولم يمتنع، وإن امتنع ولم يعط القود لما يلزمه من ذلك نويذ الحرب، ودعي إلى الإقرار لما أنكره، والإيمان بما شك فيه بما أكفره، فإن لم يتب ويرجع عما أحدث، حورب على ذلك حتى يتوب من محاربته أو يقتل؛ لا مقاررة له، ولا مهاودة دون ذلك، ولا يسمى من أهل القبلة، ولا من أهل الإقرار، ولا يسمى بالنفاق، ولكن يسمى بالشرك والجحود، ولا نعلم أن أهل القبلة يلزم فيهم الدعوة إلى ما صح لهم
- 17. (1/160)
صفحة 161
من الإقرار به من الجملة، وإنما سُمّوا أهل قبلة بثبوت حكم الإقرار لهم وعليهم، ولزوم أحكامه لهم وعليهم مما لا يجوز لهم ولا عليهم، إلا بثبوت حكم الإقرار بها، وكل من ثبت له حكم الإقرار بشيء، فلم تلزم فيه الدعوة إليه بمعنى من المعاني، ولا لوجه من الوجوه، ودعوته إلى ما صح منه وعليه، لا تخلو من أحد وجهين؛ إما وسيلة وإما استبراء أو فضيلة، أو فائدة خوفا أن يكون أنكر ما ثبت له الإقرار به.
ولا تسمى هذه الدعوة لازما ولا يقال إنها عليهم، ولا أنها فيهم، لأنها إذا ثبتت فيهم وعليهم في الأصول لم تصح لهم السلامة من حكم الإنكار بها فيما يلزم فيهم، ولهم من أحكام الأصول إلا بالدعوة لهم إليها، والتوقيف منهم عليها؛ وإلا فهذا حشو من الكلام، أو على ما يصح من أحكام الخاص لمن ثبت له ذلك منهم لأحكام العام، ويكون إنما أراد صاحب الكلام التثبت له في أصول أحكام الإسلام به، ومن الدعوة في أهل القبلة، وإن ثبت لهم الإقرار بهذه الجملة، فمن الدعوة فيهم اللازمة في أحكامهم عند فساد أديانهم، وظهور ذلك فيهم مما لا يحصى، أو يحصى من فرق أهل الضلال،
بسوء التأويل في الدين، والانتحال لا على وجه الجحود والإنكار. ولا نعلم أن أحدا من المسلمين، سمّى أحدا من المتأولين في الدين، ولو تأول بتنزيل رب العالمين، أو في سنة رسوله خاتم النبيين، أو في شيء من إجماع المسلمين، ولا في شيء من أصول الدين، حتى من نفى منهم القدر، أو شبه الله بغير علم ولا بصر، وغيرهم من أهل الإرجاء ممن شهد لأهل النار بالجنة، ولأهل الخلود في النار بالخروج منها، والله يشهد عليهم بالخلود فيها، وما لا يحصى من ضلالات أهل القبلة، فلم نعلم أن أحدا من المسلمين من أهل العلم سماهم بشرك ولا جحود وإنما سماهم المسلمون كفار نعمة ضلالا عن تأويل الحق، منافقين بريئين من ولاية رب العالمين، وولاية رسوله وجميع المسلمين، ولا سلامة لهم في دين الله في حكم الظاهر، مما ظهر عليهم أحكامه، وجرت فيهم أقسامه، كل منهم مأخوذ بما أحدث بعينه،
:
-171 - (1/161)
صفحة 162
وموقوف عليه ومدعى عليه عند من يُطلب منهم من المحاربة عليه، أو من
امتحانه فيه وعنه، عند استتابته للولاية والموافقة
•
فإن ظهر من أهل الدار اختلاف بأديان الضلال، لم يعرف كل منهم بضلالته، لاختلاط الدار بهم، وظهرت أديانهم التي ظهر عليهم انتحالها، في ظاهر ما يحكم على أهل الدار به من اختلافهم، لم يسلم أحد منهم من أهل الدار بعينه في ذلك الذي وصفنا في الدعوة للمحاربة والمحنة، إلا بدعوة يبرئون جميع أهل الدار بالخروج من تلك الأديان الضالة كلها، والتوقيف لكل مدع، على جميع ما ظهر في الدار من تلك الأديان المختلفة الضالة كلها حرفا حرفا، حتى يبرأ من ذلك في حكم الظاهر، ولا يبرأ من أحد من أهل الدار بعينه؛ ممن لم يعرف منه حدث بعينه، ولا نحكم فيه بحكم حدث، ولو كان لا يبرئ في حكم القضاء في الظاهر، إلا بما وصفناه من الاستبراء، وإنما يلزم ما ذكرنا ليس أنه لازم في كل أحد بعينه في حكم ما يزيله في أمر دينه، فيما يعاديه به عليه، ولا يقاتله عليه، إلا إذا ظهر دخوله في حكم أهل الدار لم يكن له سلامة في حكم الظاهر، إلا بخروجه منه في حكم الظاهر
فافهم معاني الأحكام، من أحكام أهل الكفر، وأهل الإسلام، وأهل الإقرار، وأهل الإنكار، فإن لكل حكمه، وعليه حكمه لا يحكم لأحد، ولا عليه بحكم غيره، من مقر صادق، أو مقر منافق، أو جاحد منكر، أو جاحد بكتاب من كتب الله، مقر من جميع عباد الله، وعليه من الأحكام ما ثبت عليه من حكم الإسلام من مشركي العرب عبدة الأوثان، ومن مشركي العجم عبدة الأوثان، ومن مشركي العرب ممن يثبت له حكم کتاب، ومن مشركي العجم ممن يثبت له حكم، ومن مقر صادق، ومن مقر منافق، فإن لكل واحد من هؤلاء حكم من الأحكام فارقا، لا يحكم لواحد ولا عليه بحكم صاحبه، ولا يهتدي ولا. يصيب من جمع بينهم في أحكامهم المتفرقة، ولا فرق بينهم في أحكامهم المتفقة، ولكل منهم دعوة
منهم
- 162 - (1/162)
صفحة 163
يدعى إليها، وأحكام ينزل به عليها، فأهل الإقرار الصادقون هم من جميع عباد الله إذ كانوا لجميع طاعة الله موافقين، ولم يكونوا لشيء من طاعة الله
مفارقين بترك اللازم، أو ركوب شيء من المحارم؛ من صغير أصر عليه، أو كبير لم يتب منه من حينه
فهؤلاء هم المؤمنون حقا وصدقا، المحسنون الذي لا سبيل عليهم
،
ولا عدوان، ولا يد لأحد من عباد الله وهم اليد، وهم السبيل والسلطان على جميع من سواهم من أهل الأديان، ممن عصى الله بطاعة الشيطان، بغير
ما به يعتقد ويدين، إلا بانتهاك محارم ما يدين به، من اتباع شهواته بجهله، وعليه لا يفرق بين ذلك، فالمسلمون الصادقون هم أولياء الله وحزبه، وأهل ثوابه وأهل طاعته، وأهل رضوانه الذين يلحقهم كل اسم طيب مطهر،
لا سبيل لبعضهم بعضا، على بعضهم بعضا، ولا لأحد عليهم إلا أن يخالف سبيل الحق والصدق، فينزله حيث أنزله حدثه، أو يجب عليه حق
أحد
منهم
من الحقوق لبعضهم بعضا، التي لا تخرجه من الإيمان، فهو مأخوذ بما وجب عليه؛ من الحقوق اللازمة له من الديون والنفقات وما لزمه من التبعات للعباد، والله من زكاة أو ما يشبهها من حقوق الله - تعالى ـ، فلأولي الأمر
6
منهم السبيل على من سواهم، فيما جعل الله لهم السبيل من. حقه وأحكامه والعدل في أقسامه
•
6
فمن أعطى منهم ما لزمه من الحق؛ فلا سبيل عليه في دينه، وهو
من
،
خرج من
مؤمن محق صادق على منزلته، وإن امتنع مما يلزمه الطاعة حكم الجماعة، ونزل حيث أنزله حدثه، مما وصفنا من أهل الإقرار والإنكار، ولم ينزل بغير منزلته، ولا يحكم فيه بغير حكمه، ولن يلزمه من الدعوة إلى أن يرجع إلى ما خرج منه بعينه، ولا يلزم أحدا الدعوة إلى ما هو داخل فيه، ومقر به في حكم الظاهر، ويدان به فيه في حكم السرائر.
وأما من خرج من حال جميع الموافقة للدين بحرف، خرج به من حال
- 163 - (1/163)
صفحة 164
جميع الموافقة لجميع الدين، ومن جميع الطاعة لرب العالمين، بإصرار على صغيرة من الذنوب أو ما يشبهه، أو ركوب كبيرة من الذنوب أو
6
ما يشبهها، فهو خارج بذلك من أسماء أهل الطاعة، وأسماء أهل الإيمان الصادقين، فإن كان دينه ذلك الذي أخرجه إلى حكم لا يجحد به، ولا يكون به جاحدا، فهو من جملة أهل القبلة كائنا ما كان حدثه، ما لم يكن خارجا إلى حكم الإنكار لرب العالمين، أو لشيء من ملائكته أو كتبه، أو لشيء مما جاء به عنه حكمه وأمره، أو يشك في شيء مما لا يسعه الشك فيه من ذلك كله، فهو بذلك الحدث من جملة أهل القبلة والإقرار، من أهل القبلة بالجملة في ظواهر أحكامه، وجميع أقسامه وحقوقه، يبرأ منه ويعادي الله على حدثه بكفر النعم الخارج به من شكر رب العالمين، ويلحقه اسم
ذلك
، ويسمى
الشقاق والنفاق والظلم، والعدوان والفسوق وجميع الأسماء القبيحة، ولا يلحقه شرك الجحود بحدثه هذا، ولا يلحقه إيمان الصدق، ولا إسلام
الصدق.
وقد يلحقه في مجاز الكلام والتسمية اسم الإقرار وإيمان الإقرار، ويقال له إنه أسلم وآمن، ولا يسمى مؤمنا ولا مسلما على الحقيقة، ولا يلحقه من الأسماء الطيبة على الحقيقة اسم، ولا يلحقه اسم الشرك من الأسماء القبيحة بحال من الحال، في معنى دينه، ويدعى هذا المقر من جملة المطيعين لحدثه، الذي هو دون الإنكار، على ما وصفت لك، إلى الخروج من حدثه بعينه، لا يدعى إلى غيره، ولا يلزمه غير ذلك من دعوة إلى الجملة، ولا إلى ما أحدث غيره من المحدثين، ولا يطالب بذلك عند محاربة ولا محنة لولاية
"
فله
فإن أعطى التوبة والرجوع من حدثه بعينه إلى الرجوع إلى حال الطاعة، وقبول ذلك، والتوبة من ذلك، وأعطى الحق الذي لزمه فيه: ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ويسمى بأسمائهم ودخل في جملتهم، وكان في الجملة والولاية والمحبة، وحرم شتمه ودمه وبغضه وأذاه، وكان بتوبته كمن لا ذنب له، لا يقبل عليه بغير ذلك، ولا يطالب من الحقوق بغير
-198 - (1/164)
صفحة 165
ذلك، ولا يدعى إلى غير ذلك على سبيل اللازم له، وليس ذلك من العدل. وإن امتنع من التوبة والرجوع إلى العدل، وإعطاء الحق من نفسه، ولم
يحارب وكان يلزمه في ذلك أداء حق أو حد، أخذ بما يلزمه من الحقوق والحدود، فإن امتنع ولم يحارب في شيء من ذلك؛ حبس ولم يحارب، إذا لم يمتنع الحبس الذي يلزمه، فإن امتنع الحبس والإنصاف، وإعطاء الحقوق حورب على ذلك، بعد الامتناع لما يجب عليه من أداء الحقوق، والسمع والطاعة للمسلمين في أخذهم له بالحقوق، وكانت الحقوق الله أو للعباد؛ فلن يحارب عليها حتى يمتنع عن طاعة المسلمين، ويحارب على ذلك، فإن حارب على شيء من ذلك على قليل أو كثير، صغير أو كبير، بعد أن يصير إلى حد الامتناع لما يلزمه، والمحاربة منه على مثقال ذرة، أو على شعرة من لحية رجل نتفها، ثم امتنع عن أداء الحق فيها، أو غير ذلك من حقوق الله، أو حقوق العباد، فهو كالمحارب منهم على سفك الدماء، وأكل الأموال الكثيرة ظلما من الجبابرة المعادين، ويسمون جميعا بالبغي والظلم والكفر، يحاربون محاربة أهل البغي جميعا، المقل منهم والمكثر في امتناعه لحدثه وظلمه، ولا فرق في أسمائهم، ولا في محاربتهم حتى يفيئوا إلى أمر الله عن بغيهم الذي به بغوا. وعليه حاربوا، أو يعطوا من أنفسهم الحقوق والحدود، التي بها طولبوا وبها امتنعوا، وعليها حوربوا، لا يستحل من جميعهم سباء ذرية، ولا غنيمة مال من أي المقرين؛ كان من العرب أو من العجم، فحكمهم واحد، وحربهم واحد واسمهم واحد وسبيلهم واحد، لا غاية لأحد منهم في محاربة؛ حتى يرجع الذي عليه حارب، ويؤدي الحق الذي به طولب، فإن ترك أحد منهم المحاربة وأعطى بيده تائبا من المحاربة من جميع أهل البغي الذين حاربوا على بغيهم، فإن كانوا دائنين بالذي حاربوا به متأولين فيه تأويل ضلال يدينون بما حاربوا به المسلمين، فإنه يهدر عنهم جميع ما أتلفوا من الدماء والأموال التي استحلوها، ثم تابوا منها بعد إتلافهم بها؛ في محاربة وفي غير محاربة، فجميع ما دانوا به فأتلفوا أو ركبوه بتأويل ضلال بدينونة، فلا أعلم أن أحدا من أهل
- 165 - (1/165)
صفحة 166
العلم الزمهم غرم شيء من ذلك إذا كانوا على الدينونة.
محاربتهم
وأما إذا كانت محاربتهم على غير دينونة بتأويل الضلال، فركبوا في الدماء والأموال، ثم تابوا من قبل أن يقدر عليهم بأخذ ذلك منهم، وأعطوا بأيديهم التوبة من المحاربة، فمعي؛ أنه قيل: إنهم يؤخذون بجميع ما جنوا، إذا كانوا مُحرّمين، وغرم ما أتلفوا في محاربتهم، وما امتنعوا به وحاربوا عليه، فكل ذلك يؤخذون به
ومعي
؛ أنه قيل: يهدر عنهم جميع ما أخذوا في محاربتهم؛ مذ حاربوا و ناصبوا الحرب، إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم بأخذ ذلك منهم، وإنما يهدر عنهم على قول من يرى الإهدار، ما أتلفوا في محاربتهم، وأما ما كان في أيديهم قائما من الأموال فمردود إلى أهله، وذلك إذا كان الحدث في بعض قول
أهل العلم من جملة المحاربين، ولم يعرف محدث منهم بعينه
ومعي
؛ أنه يخرج أنه مهدور به عنهم، ولو عرف المحدث إذا كان على هذه الصفة، لأنه إذا ثبت الإهدار عن الجماعة بوجه لم يلزم الواحد وما ثبت على الواحد لم يهدر عن الجماعة
6
وأما ما دانوا به في محاربتهم على التحريم لما يحدثون؛ فإنهم يحاربون على بغيهم، ويطالبون بما يلزمهم من جميع ذلك إذا كانوا على التحريم.
وأما إذا دانوا من بعد أن يقدر عليهم؛ فإنهم يؤخذون على كل حال بأصل ما امتنعوا به، وصاروا به حربا من حق أو حد ولا يهدر عنهم منه قليل ولا كثير، ولا أعلم أن أحدا من المسلمين؛ أهدر عنهم شيئا من ذلك الذي أحدثوا، وطولب منهم وهم في غير محاربة، فامتنعوا بذلك عن العدل، وحاربوا عليه، ولا أعلم أن أحدا حاربهم، ولا أحدا منهم ما دام
معطي بيده العدل في حق أو حد، ولو تمادى في أداء الحقوق، وأبطأ فيها
،
فإنه لا يسلم من الحبس، ولا يزال فيما يستحقه من الحبس، أو غيره من
-177 - (1/166)
صفحة 167
العقوبة التي استحقها، ولا يقتل على التمادي بأداء الحقوق، ما دام في حال الإقدار ولم يخرج إلى حد الإنكار، إلا ما خص من حقوق تكون لاحقة بشبه الإنكار، في عظم حقوقها مثل: أنه امتنع عن الصلاة الحاضرة، والصوم الحاضر، فأبى أن يصوم، أو يصلي، وامتنع عن ذلك مصرا ممتنعا فإنه قد قيل: إنه إن لم يصلّ، ولم يصم ولم يختتن، وأشباه هذا من الأشياء المقيمة به، والمقيم عليها، فأحسب أنه قيل: يقتل على ذلك إن لم يصل، ولم يصم على الأبد مقيما بتضييع الحاضرات من الفرائض، وهو مأخوذ بذلك ولا يصلي، وذلك أنه يشبهه من شبهه بالإنكار، وهو أصل من أصول الإسلام والإيمان، والإنكار بالإيمان، وإنما أنكر أصلا من أصول الإيمان. وأنه لو أنكر هذا الأصل لإنكاره للجملة؛ كان منكرا، وكان جاحدا، أو كان الفاعل كالجاحد، وترك الفعل كالترك بالقول، إذا لم يكن أشد، لأن الفاعل أشد من القائل، في أشياء غير هذا حكموا بها بعينه، وأحسب أنهم إنما ذهبوا إلى قتله، إذا لم يفعل الحاضر، لا على تركه للماضي، ولكنه إذا عرف منه أنه قد عزم على ترك الصلاة أو الصوم، وهو يطالب بذلك ولا يفعل؛ قتل على ترك فعله اللازم له هكذا
وأحسب أنهم ذهبوا إلى هذا، وليس إذ لم يتب من فعله الماضي
ومعي؛ أنه قيل: لا يقتل إذا لم ينكر فرضها، أعني (فرض الصلاة وفرض الصوم أو شيء من (الفرائض على الجحود ولكنه يعاقب، ويحبس ولا يسأم له: من العقوبة، والحبس والضرب والقيد إذا عزم على ترك ذلك، وما أمكن فيه من العقوبة دون القتل عوقب به، فإن فعل ما به مما يلزمه فيه؛ فسبيل ذلك، وإلا لم يزل على ذلك أبدا، حتى يموت على ذلك، أو يفعل
ذلك ما يلزمه من
ولو أن محدثا من أهل القبلة أحدث حدثا صغيرا أو كبيرا، وطولب بالتوبة من ذلك، ولو لم يكن من حقوق العباد، فلم يتب من ذلك؛ كان
- 167 - (1/167)
صفحة 168
محدثا، وكان عليه معنا أن يحبس، ويعاقب على ذلك أشد العقوبة،، إذا أصر
على صغير أو كبير ولم يتب.
وأشد الأحداث الإصرار معنا، ولا يسأم له من ذلك، ولا نعلم أنه يقتل، فلو كان يقتل على شيء من الكبائر دون الإنكار؛ لكان حقيقا بذلك أهل الإصرار، لأن المصر محارب الله، لا حق في عظم الجرم بمنزلة أهل الإنكار، ولكنه لا يسأم له من العقوبة فما أعطى بيده، ولم يحارب على ذلك، فلا يحارب ولا يقتل، فإن حارب على ذلك حورب، وكان باغيا، ولو أصر على مثقال ذرة وعلى شعرة ينتفها ظالما لها، أو على كذبة أو على نظرة، فكل ذلك سواء، أصر على صغير أو كبير، فهو يحارب على ذلك إذا كان يحارب عليه، لقول الله - تبارك وتعالى -: يا أيها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمَنافِقِينَ واغلظ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (1)
وه
فالكفار هاهنا فيما قيل هم أهل الشرك والجحود، فجهاد المشركين والمنافقين في دين الله كله، سواء ثابت لازم على من قدر على ذلك ممن جعل الله له ذلك، وليس أهل البغي الجبابرة وحدهم، ولا سفاكي الدماء ولا أكلة أموال اليتامى ظلما فحسب، ولكن الباغي جميع من امتنع عن الرجوع إلى
شيء من الحقوق، حقوق الله، أو من حقوق العباد مما يلزمه في دين
الله
وأما من خرج من حد الإقرار بحكم إنكار يستحق به حكم الارتداد ممن
ثبت له الإقرار وعليه، ثم ارتد عن الإسلام بشيء من إنكار ما ذكرت لك أو بالشك فيه بعد الحجة فيه، كعلمه، كان من العرب أو من العجم، من أهل الأوثان، فأقر بالإسلام، أو من أهل الكتاب فأقر بالإسلام، ثم ارتده فإن السنة فيه معنا على ما قيل: أنه يقتل على الردة، وذلك أنه جاء عن النبي فيها معي؛ أنه يجتمع عليه أنه قال: من بدل دينه فاقتلوه، فثبت أنه إلا الإسلام، وأنه لا يجوز غيره، وأنه من بدل دينه عن الإسلام إلى
لا.
دين
1 - الآية (9) من سورة التحريم
- 168 - (1/168)
صفحة 169
6
الكفر فاقتلوه، فثبت تأويل قوله على ما تأوله أهل العلم؛ أنه من بدل دينه ملة وخرج عن الإسلام إلى ملة الشرك من الجحود والإنكار، أو يشك بعد علم يلحقه ذلك الشك إلى حكم الشرك، فإنه إن قدر عليه وأعطى بيده أنه يحبس ثلاثة أيام ويستتاب، وقال من قال: (ثلاثا)، وأحسب أنه قيل: مرة واحدة، فإن لم يتب ويُقر بما أنكر، ويؤمن بما شك فيه، قتل بالسيف على سبيل القود معنا، إذا أعطى بيده.
ومعنا؛ أنه قيل لا يغنم ماله على حال ما لم يحارب ولا تسبى له ذرية على حال، ولو حارب كانت الذرية ولدت له في حال المحاربة، أو في حال الردة، قبل المحاربة، أو في حال الإقرار قبل الردة، أو في حال شركه قبل الاقرار وقبل الردة، إن كان مشركا ثم أقر فذريته الصغار الذين يجوز فيهم السباء بسببه في حال الشرك، وكل ذلك سواء، ولا يجوز فيهم على حال السباء بذلك معنا، ثبتت السنة أنه لا سباء في ذرية أهل الإقرار، وأن أولادهم الصغار لحقوا بهم في حال الإقرار، وثبت من قول المسلمين لا أعلم فيه اختلافا، أن أولادهم يجبرون على الإسلام إذا بلغوا، إن أنكروا بعد بلوغهم، كانوا بمنزلة المرتد كما وصفت لك
وكذلك إن مات المرتد في حال ردته غير محارب، قبل أن يقدر عليه ويقتل، ولا غنيمة في ماله فيما عندي؛ أنه قيل: ما لم يحارب في ردته.
ومعي
6
؛ أنه قيل: أنه إذا حارب المرتد من أي المرتدين كان، فولد له في محاربته، في ذريته أنه يجري فيهم السباء، ما لم يرجع عن محاربته، ويرجع
إلى الإسلام.
يخرج المعنى فيهم؛ أنهم كأنهم أولاد أهل الشرك الذين
أنه؛ ومعي
ولدوا على الشرك، والمحاربة، وإذا مات على ذلك غير محارب أو قتل:
فمعي؛ أنه قد قيل: في ميراثه باختلاف:
- 179 - (1/169)
صفحة 170
قال من قال من أهل العلم: أنه يكون لأولادهم الصغار.
وقال من قال: للفقراء من أهل دينهم الذي ارتدوا إليه وأحسب أنه قيل: أنه للفقراء، وأحسب أنه فقراء المسلمين.
ومعي؛ أنه قيل: أنه يكون لبيت مال المسلمين أعني (ميراث المرتد إذا قتل ومات غير محارب في ردته.
•
ويعجبني أنه؛ إذا كان له أولاد صغار أن يكون ميراثه لهم، وإن لم يكن له أولاد صغار أن يكون ماله لبيت مال المسلمين، وإن لم يكن بيت مال المسلمين فأعجبني أن يكون للفقراء من المسلمين ولا يعجبني أن يكون لفقراء أهل دينه من المشركين؛ لأن ذلك ليس بدينه عندي، ولو كان دينه كان يقر عليه، ولكن دينه الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»، فدينه الذي يُجبر عليه، وحكمه مردود
ومعي
أنه قيل: ان كان لحق بأهل الحرب وكان له ذرية في أهل الحرب، ومال وذرية في أرض الاسلام، ولم يحارب ومات على ذلك، فماله من دار الحرب لذريته التي في أرض أهل الحرب؛ الصغير منهم والكبير، وماله الذي في الإسلام، لذريته الصغار الذين في أرض الإسلام، ويعجبني أن يكون المال كله لذريته الصغار، مقسوم بينهم من كان بأرض الحرب، ومن كان بأرض الإسلام لأنهم مجبورون كلهم على الإسلام كما كان مجبورا، ولو ولدوا له في دار الحرب، لم يزل ذلك عنهم حكم الجبر على
الإسلام.
ومعي
"
؛ أن جميع ماله ما لم يحارب فهو بحاله، أصوله وعروضه ورقيقه وجميع ما ارتد عنه، أو ما ملكه في ردته واستحقه، فإن حارب كان غنيمة ما كان من ماله دون الأصول إلا الرقيق، فإنه قد قيل: إنهم يعتقون إذا مات أو قتل محاربا، إذا كان ماله قد صار في حد ما يجوز فيه الغنيمة بالمحاربة.
- 170 - (1/170)
صفحة 171
وقال من قال: إنهم يكونون غنيمة لمن استحق غنيمته، وإذا ارتد فليس يقرب معنا إلى شيء من ماله، ولا من رقيقه، ولا يكون له فيه حجة أن قدر عليه إلا أنه معي؛ أنه ينفق عليه منه، وعلى عياله الذين يلزمه عولهم،
إلى أن يقتل، أو يتوب ويرجع إليه ماله، أو يهرب فلا يقدر عليه
فمعي أنه؛ إذا هرب فلم يقدر عليه أن ماله بحاله، وينفق منه على
عياله حتى يثبت فيه أحد الأحكام، التي يستحق بها بعد موته، وينظر على ما يموت، ولا يبين لي أن ينفق على زوجته؛ لأنه عليها، وخرجت من
حرم
ملکكه، ولا سبيل له عليها، وينفق معي من ماله على رقيقه ودوابه، حتى
يثبت فيه أحد الأحكام من أحكام الإسلام.
6
فإن ثبت ماله غنيمة كان الأصول منه فيئا
ماله وأما الأصول من للمسلمين، بمنزلة الصوافي، فهنا معي في المرتد في أي المرتدين كان، على ما
وصفت لك
وأما ما كان من أهل الكتاب، أو من ثبتت عليه الجزية بسبب من الأسباب، وكان من أهل العهد، ثم حارب ونقض عهده الذي ثبت له، فإن ماله غنيمة إذا حارب على ذلك، وأما ذريته الصغار فمن ولد منهم في العهد الذي كان له، فلا غنيمة فيهم وهم على عهدهم، وأما من ولد منهم في حال نقض عهدهم فهم حق بآبائهم، وفيهم السباء فيما معي أنه قيل؛ ومن كان من مشركي العرب لم يثبت له عهد ثابت بحكم معروف، أنه أقر بسنة صحيحة على شيء من الشرك، مثل نصارى العرب، الذين أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كانوا نصارى، فأقروا على النصرانية وهم من العرب، وكل من ثبت له حكم الإقرار على شيء من الأديان من أهل الكتاب، فلن يقبل منه إلا الرجوع إلى الإسلام، أو يقتل على ذلك؛ وإن حارب على ذلك فماله غنيمة، عندي بمنزلة المرتد، وهو عندي كما وصفت لك في المرتد، ولا سباء في ذريته على كل حال، وإن لم يحارب على ذلك، فحكمه حكم المرتد في جميع
- 171 - (1/171)
صفحة 172
أحكامه؛ لأنه لم يثبت له الشرك على حال، وحكمه حكم المرتد، وإن لم يقبل منه إلا الإسلام، فإن أعطى بيده ولم يحارب؛ كان عندي أنه يحكم فيه بحكم المرتد، وإن حارب كان بمنزلة المرتد، كما وصفت لك، لأنه من لم يثبت له الشرك في حال في حكم الإسلام، خرج أحكامه حكم من لم يثبت له الشرك من أهل الإسلام؛ لأنه مجبور على الإسلام، ولا أعلم أن أحدا يجبر على الإسلام ولا يقارر، إلا إلى الإسلام أو السيف، إلا مشركي العرب، أو المرتد عن الإسلام؛ ممن إذا كان قد ثبت له حكم الإقرار.
وكذلك ذرية من يثبت له عليه حكم الإقرار بالإسلام وهم صغار، ثم ارتدوا وهم صغار، أو ولدوا له في ردته، معنا فهم. تبع له يجبرون على
الإسلام
وأما من أسلم أبوه، وهو بالغ من ذريته، فلن يجبر من كان بالغا من أولاده الكبار معنا على الإسلام؛ لأنه قد ثبت لهم حكم أنفسهم، وهم على الشرك الذي قد ثبت لهم، وأما ما كان من جميع مشركي العجم ممن لم يثبت له عهد ولا ذمة، وهو من أهل الحرب، من جميع العجم من المشركين، ما لم يكونوا من العرب، ممن لا يقاررون على الشرك
•
فمعي؛ أنه قد قيل: لا يجبرون على الإسلام؛ ولكنهم يدعون إلى الإسلام إذا حاربهم المسلمون، فإن أسلموا قبل منهم، وكان لهم ما للمسلمين، وإن حاربوا حوربوا، فمن قتل منهم في المحاربة فقد مضى، ومن ظفر به قبل أن يسلم، وأخذ أسيرا من المحاربين ممن صح محاربته، فمعي؛ أنه قيل: إن الإمام فيهم بالخيار، إن لم يسلموا من الأسارى، فمن لم يسلم منهم إن شاء قتلهم إن لم يسلموا، وإن شاء تركهم غنيمة، ولا يجبرون على الإسلام، ولكن يباعون في الأعراب، وفي غير أمصار المسلمين، ويكونون غنيمة. ومعي؛ أنه قيل: إنه ليس له قتلهم، ولكنهم غنيمة من حيث ما ظفر
- IVY - (1/172)
صفحة 173
بهم غير مسلمين فإنهم غنيمة، فإن أسلموا كانوا عبيدا مسلمين غنيمة للمسلمين، وإن لم يسلموا فهم غنيمة يباعون في الأعراب، وإن لم يمكن في الأعراب، فلا يجبرون على الإسلام على حال، للمسلمين، وهذا في المحاربة منهم
بيعهم
وهم عبيد
وأما من لم تصح عليه محاربة، وظفر به منهم من البالغين من الرجال والنساء، في دار أهل الحرب من المشركين ممن لم يصح عليه عهد ولا ذمة؛ فإنهم غنيمة، ولا يقتلون على حال من الرجال والنساء، إلا أنهم يدعون إلى الإسلام، فإن أسلموا فهم عبيد مسلمون، وإن لم يسلموا لم يجبروا على الإسلام، وكانوا عبيدا ـ كما وصفت لك - من المشركين، وأما أموالهم غنيمة، وأصول أموالهم ما كان منها من الأصول صوافي للمسلمين.
وأما ما كان من ذرياتهم صغارا فغنمهم المسلمون وهم صغار، وصاروا ملكا في الغنيمة بمنزلة أولاد أهل الإسلام، ولو لم يسلم آباؤ هم فهم مسلمون في الحكم في أحكام الطهارة، وجميع أحكام أولاد المسلمين وكذلك من ثبت عليه السباء من أولاد أهل العهد الذين ولدوا في المحاربة، فمعي؛ أنه بمنزلة
المسلمين وهم عبيد غنيمة للمسلمين
6
ويدعى أهل العهد من المشركين إلى الاسلام إذا نقضوا العهد بشيء يكونون فيه ناقضين، أو الرجوع إلى عهدهم وإعطاء الجزية، التي ثبتت عليهم في الإسلام، ولا يقبل منهم غير ذلك لثبوت عهد الإسلام لهم وعليهم، فإن حاربوا على ذلك حوربوا وقتلوا، ـ كما وصفت لك ـ ممن أخذ منهم أسيرا لم يقبل منهم إلا الإسلام أو رجوعه إلى العهد الذي كان له، وإعطاء الجزية إن كانت ثابتة عليه، فإن امتنع عن ذلك قوتل عليه، إن
حارب عليه فلا يجبر على الإسلام.
وأحسب أنه قيل: يقتل مقاتلهم إن ظفر بهم، ولم يرجعوا إلى العهد
،
6
- 173 - (1/173)
صفحة 174
من بعد أن حاربوا، كذلك يعجبني أنهم إذا حاربوا وظفر بهم، ولم يسلموا أو يرجعوا إلى عهدهم، ويعطوا ذلك من أنفسهم؛ أن يقتل مقاتلهم على
ذلك
أنه؛ ومعي قيل: إنهم إذا حاربوا، وهم أهل شرك فقد نقضوا عهدهم، وجاز فيهم ما يجوز في أهل الحرب لثبوت الحرب فيهم، وزوال العهد عنهم، فمن رجع إلى عهده، أو أسلم قبل أن يظفر به، كان له حق ما رجع إليه من العهد والإسلام، ومن ظفر به منهم كان غنيمة للمسلمين بمنزلة أهل الشرك، وأهل الحرب؛ لأنهم قد صاروا أهل حرب، ولعل هذا القول أشبه بالأصول عندي، فانظر كيف يدعى كل واحد ممن وجبت عليه الدعوة. إلى ما ثبت عليه الخروج منه، ولا يدعى إلى غير ذلك من أهل الإقرار، وأهل الإنكار من أهل العهد، وأهل الحرب من أهل الجزية، أو من غير أهل الجزية، وأنه كل من ثبت له شيء وعليه شيء، فهو يحارب عليه، ويدعى إليه لا إلى غيره
6
فأهل الإقرار لا تثبت عليهم الدعوة بحال من الحال إلى الجملة؛ إلا أن يثبت من أحد منهم بعينه الإنكار بها، أو شيء منها؛ فإنه يدعى إلى ما أنكره مما قد دان به وأقره، وثبت عليه ذلك، أو يقر به ويجبر ممن لا يجوز له في الإسلام ثبوت على الإقرار.
وإنما أكثرت لك هذا التفسير في كل صنف لتعلم عدل ذلك وصوابه ومواضعه، ولا يشتبه عليك، ولئلا يضيق صدرك من قول من قال بهذا الأثر المجمل الذي لا يخرج إلا على تأويل الحق، وأنه إذا حمل على جملته كان فيه
تبطيل أصول الحق، فافهمه وبالله التوفيق
- IVE - (1/174)
صفحة 175
باب
المنسوخ إذا قيل قبل أن ينسخ أو بعد أن ينسخ
ومن الكتاب إلا أن يكون قوم آمنوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجملة، ثم خرجوا ولم تنزل الصلاة، وكان لهم أيضا لعلة، أشياء حلالا ثم حرمت من بعدهم، ونزل القرآن بتحريمها، أو نزلت صلاة، فإن أولئك مسلمون حتى تجيئهم الحجة بأنها قد نزلت، وحرم كذا وكذا
•
قال غيره: هكذا معنا في هذا الأصل، وهذا مفسر، والمعنى فيه معنى واحد، وإيمانه بالجملة، وفيها اللوازم والمحكوم مسمى بها بعينها، محكوم بها مثل إيمانه بها، ثم نزلت فيها المحرمات والمحللات من ذلك، من جميع دين الله، وإذا قامت الحجة بشيء بعينه، وقامت به الدعوة وقامت الحجة به، والجملة منذ نزلت بجميع الفرائض التي قد علم الله أن يتعبدهم بها، وليس في دينه اختلاف، ولكن لم يكن أحد منهم ليبلغ إلى علم شيء من ذلك، إلا حتى تأتيه بذلك الأعذار، والانذار من الله من رسول أو حاضر للرسول أو غائب عن الرسول، أو حادث بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه إذا لم يمكن ترك ذلك الشيء بعينه، الذي قد حرم من بعد أن كان حلالا، فيما قد بلغ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووقع به الانذار منه، وبلغت به الحجة من الله جميع من تعبده الله بدينه، حضر أو غاب، أو قبل الجملة بعينها أو لم يقبلها بعينها، فعليه في أصل دين الله الذي تعبده الله به وهو الإسلام، إذا كان مقرا به، وغير خارج منه، وجميع ما ثبت في دين الله - تبارك وتعالى - على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه في أصل ما تعبده الله من دينه أن يطيعه بجميع ما أمره به من عمل بطاعته أو ترك لمعصيته، فإذا بلغه حكم حجة الجملة فقبلها بجميع ما فيها، وله ما فيها جميع ما للمؤمنين، وعليه فيها جميع ما على المؤمنين بما قبلها من الرسول، أو من رسول الرسول، أو من خبر مخبر، أو من جميع من قامت بها
6
- 175 - (1/175)
صفحة 176
الحجة عليه، وعليه فيها جميع ما قدر عليه من العمل من اللازم، وترك ما قدر عليه من ترك المحارم، فإن قبلها وبلغت إليه في حال كان فيها شيء حرام فحل بعد ذلك، أو حلال فحرم بعد ذلك، أو لازم فحط بعد ذلك، أو غير لازم فلزم بعد ذلك، فمن حين ما بلغت الحجة بذلك، إلى صاحب الشريعة عن الله، فقد وجب في دين الله، إذ قد جاء به عن الله، وإذ قد انتهى إليه الله عن وإذ قد أمر أن ينذر به جميع المسلمين، وجميع أهل الأرض من الثقلين، فليس لجميع الثقلين، ولا جميع العالمين بعد أن انتهى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تحريم شيء أن يحلوه على القطع، ولو كانوا قبلوا الجملة وهو حلال، إلا على ما قبلوه حين عرفوه.
"
وكذلك لا يحرمون ما أحل الله مما قد أحدث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على القطع إلا على سبيل ما قبلوه وعرفوه، وذلك غير مأذون لهم به، وإن لم يكن بلغتهم الحجة بتحريمه وتحليله، فليس لهم التقديم فيه على القطع بتحليل، ولا تحريم في وقتهم ذلك على الشهادة منهم به، إذ ذلك ليس بجائز في حكم دين
،
الله، وفيهما تعبدهم الله به. وإن قالوا إنما علمناه حلالا، أو علمناه حراما. أو علمنا تحليله، أو تحريمه، كان ذلك جائزا لهم، فإن قطعوا بتحليل الحرام
في دين الله، وإن لم تبلغ الحجة بذلك إليهم لم يكن لهم ذلك، وكذلك إن حرموا حلالا قد أحدث في دين الله على نبيه على القطع، ولو كانوا قد علموا حرام ما حرموا أو حلال ما أحلوا، لم يكن لهم ذلك في حين ذلك الذي يجوز
لهم في دين الله
•
كذلك إذا أحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العمل بشيء وجب عليهم في دين الله العمل به من حين ما أحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم الانتهاء في دين الله عن جميع ما أحدث إلى رسول الله تحريمه، ولكن ما لم تبلغهم الحجة فهم سالمون بركوب ما أباح لهم ركوبه، وترك ما أباح لهم تركه في أصل دينه الذي كان تعبدهم به، وأمرهم به، حتى تبلغهم حجة المحدث من دين
الله، لقوله
- 176 - (1/176)
صفحة 177
- تبارك وتعالى -:
ووَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (1). وذلك إذا قبلوه بعينه محرما أو محللا أو واجبا أو
زائلا.
كذلك كان علمه لأولئك الذين قبلوه حلالا بالعلم كان طاعة، وقبلوه بالعلم حراما ما كان واجبا تركه، وما قبلوه بالعلم كان مباحا لهم بعينه، لما يثبت لهم في دين الله بتحليل ذلك بعينه، وتحريمه بعينه، وبلوغ الحجة إليهم فيه، وثبوت الحجة لهم به بعينه، وإحداثه إلى النبي تحليلا وتحريما، بخلاف ما علموه موجبا عليهم أن لا يحلوه، ولا يحرموه بالقطع، أو قادرون على أن لا يحلوه، ولا يحرموه، إذ ليس لهم أن يحرموا ما أحل الله، ولا يحلوا ما حرم! الله، ولو كانوا لا يعلمون حين ذلك تحليله ولا تحريمه، فإن فعلوا ذلك كانوا منكرين ناقضين الجملة ما أقروا به، ولهم التمسك بما علموا علما ودركا للحجة التي تثبت لهم من الله، إذا لا يقدرون على علم غير ذلك حتى تبلغهم الحجة به بعينه إذا كان هو بعينه معهم حلالا، وإذا كان بعينه غير واجب، إلا أنه إن حدث عن الله إلى رسوله لهم في جملة ما دانوا به من دين الله، كان قد بلغتهم الدعوة، أو لم تكن بلغتهم الدعوة بذلك، فهو في جملة ما دانوا به داخل، وليس لهم إنكاره.
كذلك إذا بلغت الدعوة بالجملة إلى غيرهم ممن لم يأخذ ذلك محللا ولا محرما بالنص، إلا أنه قد بلغته الدعوة بالجملة فقد لزمته الدينونة بالجملة ما فيها، وليس عليه فيما لم يبلغه فيه حجة إلا ما قد قامت عليه به وبجيمع الحجة فيما بلغته مجملا، إلا أن يبلغه في شيء بعينه، وتقوم عليه به الحجة، أو بذل المجهود في طلب ما جاء في الجملة التي لزمه الدينونة بها إذا لم يعلم ذلك بعينه، فيعمل به على بصيرة، ويتركه على بصيرة، ولو بلغته الحجة بالمنسوخ
1 - الآية (115) من سورة التوبة
- 177 - (1/177)
صفحة 178
الله
من دين، من قبل أن تبلغه الحجة بالناسخ، وكان في حين بلوغه بحجة المنسوخ قد نسخ، لم يكن له معنى ذلك حجة، ولا عليه حجة، لأنه لم يقبل ذلك في حين ما كان واجبا قبوله، جائزا قبوله؛ لأن ذلك محجور عليه، ولا تقوم به الحجة له ولا عليه، فانظر كيف كان هذا مهتديا بما قبله نصا وعرفه، ولم يكن حجة لغيره، ولا على غيره، ولو كان هذا هوا المخبر له قبل أن ينزل نسخ ذلك بطرفة عين، وكان في ذلك صوابا وحقا، لكان قبوله جائزا ولازما، وكان كمن قبله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا، حتى تلقاه الحجة بنسخ ذلك نصا، ولو أخبره ذلك الذي قد قبل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن غيره، وقبول ذلك هدى وحق وعدل، فقبله منه ثم أخبره غيره بذلك من بعد حدوث خلافه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دين الله؛ لم يكن ذلك معنا للقائل حجة، ولا عليه حجة، وكان القابل الأول لذلك في وقت ما كان هدى، وحق كان له ذلك، وعليه، وكلاهما معنا في وقت واحد وساعة واحدة، هذا عليه غير ما على هذا، ولهذا غير ما لهذا، وعلى هذا التماس ما يلزمه في دين من الشيء ء بعينه، الذي قد نسخ وأحدث فيه، ولهذا التمسك معنا إذ كان ذلك هدى وصوابا
الله
هذا
به
فعلى هذا صوابه وهداه، فيما قامت عليه به الحجة وله به الحجة، حتى يأتيه خلافه بالنص، وكل مخصوص في دين الله بما يلزمه؛ في كل حين يلزمه، ولا تختلف أحكام دين الله إلا على أحكام الخاص والعام، على أصل
أحكام الإسلام.
وليس على هذا الذي بلغته الدعوة بالجملة فلم يبلغه بما في الجملة من
الأعمال، إلا الاجتهاد في طلب علم ما يلزمه، كان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم أو
بعده، لا تختلف أحكام الدعوة ولا أحكام الجملة معنا في وقت من الأوقات
ولا في بقعة من البقاع، ولا في أحد من خلق الله
فانظر كيف اختلف لزوم دين الله في رجلين، في موضع واحد، في
6
- 178 - (1/178)
صفحة 179
وقت واحد
هذا له الأخذ، والعمل بشيء من دين الله جائز ثابت، إذ كان قبله وهو هدى حتى تأتيه الحجة بخلافه، ولم يكن لهذا الذي بلغه خبر ذلك الذي هو بعينه لهذا هدى إلا من بعد أن زال حكم ذلك في أصل التعبد لهما جميعا، ولم يعلمه هذا ولا هذا، فكان قبوله لهذا حجة، ولم يكن قبوله لهذا حجة، ولهذا أن يعمل به، وليس لهذا أن يعمل به.
وكذلك هذا الذي كان قد بلغته الحجة بالجملة، في وقت كان هذا المنسوخ فيها غير منسوخ، فقبل الجملة بجملتها، ولم تبلغه حجة ذلك بعينه ولا قبله وهو حجة، ثم لم يبلغه خبر ذلك حتى نسخ في الجملة التي قد قبلها، وهو فيها غير منسوخ، ولكنه حلال مباح ثم بلغه خبر ذلك ممن قبله،، وممن هو مصيب بقوله نصا جائز له التمسك به، حتى تبلغه الحجة إذ قبله نصا لم يكن له ذلك حجة، ولا عليه حجة، ولو كان قد قبل الجملة، وذلك فيها ثابت، لأن كل شيء من دين الله حجة بعينه، لئلا تختلف أحكام دين الله، سواء معنا كان هذا الحكم، وهذا العلم، قريبا من بقعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعيدا، ولو كان جميعا في المدينة معه، أو كلاهما بخراسان أو بأرض سفالة، أو حيثما
كان من البقاع بها
•
وفي كل حال لا يجوز إلا قبول الحق، ولا يجوز خلاف الحق، فانظر كيف تخص أحكام الإسلام وتعم، وأحكام الدين، وأحكام الإيمان، وانظر أنه لم يضره ولم ينفعه بلوغ حجة الجملة عما سواها، ولا لزوم بلوغ الحجة بالجملة، إذ لم يكن قبل، ولا بلغه ما كان فيها جائزا له العمل به حتى نسخ ذلك، وتحولت أحكامه ليعلم أن الجملة لم تكن تضره ولا تنفعه، وإنما يضره وينفعه من جميع أصول دين الله حجة ما لزمه وبلغه بعينه، ويزول عنه حكم حجة ما لم تنزل به بليته، ولم تبلغه دعوته، ولم تقم عليه حجته،، ولو كان في المدينة في بقعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل شيئا منه نصا من نبيه، أو من غيره
6
- 179 - (1/179)
صفحة 180
من
المخبرين، كائنا كان
من
، من صغير أو كبير، وكان ذلك من المعبرين
الشيء هدى وصوابا من الأمر والنهي، كان لازما قبول ما يلزمه من ذلك، جائز له قبول ما يسعه من ذلك، ولو كان قبل أن ينسخ ذلك بساعة من دين الله ثم قبله نصا، كان ذلك له جائزا، وكان له العمل به، والتمسك به، وعليه ذلك مما يلزمه من لوازمه، ولو نسخ ذلك بعدما قبله، وقد كان قبوله هدى ثم لم يبلغه خبر نسخ ذلك حتى لبث على ذلك ما لبث قليلا أو كثيرا، أو مات عليه قبل أن يلقاه خبر نسخه، ولم يبلغه ذلك
•
ولا غاية لذلك في القرب، ولا البعد معنا، ولو كان في المدينة مقيما، ولو كان في الصدق والأمانة مثل أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - فكان يخبر بذلك أهله وأهل بيته، وأهل محلته من بعد نسخه، وكانوا يقبلونه منه ويركبونه ويأتون منه ما جاز لهم ذلك معنا، ولا كان قبوله من مثل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ـ أو من مائة ألف مثلهما حجة لهم. ولا نافعا لهم، ولا ضاق هو عليه التمسك بذلك بعينه، ما لم تبلغه به الحجة، إذا قبله نصا، وكان قبوله حجة وصوابا، وإذا كان نقله إليهم وخبره لهم به من بعد نسخه غير حجة، ولا صواب ممن قد قبله، فكذلك لو كان في غير المدينة من قريب ذلك وبعيده، ممن قد بلغته حجة الجملة، أو لم تبلغه باسمها وعينها حتى بلغته حجة هذا الذي وصفنا من دين الله - تبارك وتعالى - ممن لم يثبت منه إنكار للجملة، ولا لشيء منها ولا شك فيها بعد بلوغها إليه، ولا في شيء منها وبلغته الحجة بشيء من دين الله من لوازمه، أو من محارمه، كان عليه قبوله وله قبوله إذا كان صوابا ولازما في دين الله وعدلا،
ولا عذر له في تركه ولا مخالفته
6
ولو كان لم تبلغه حجة الجملة بعينها؛ فعليه في ذلك الشيء من دين الله ما على من قد بلغته حجة الجملة، وله في ذلك ما لم تبلغه حجة الجملة من التمسك، والعمل، والقبول إذا كان ذلك الوقت الذي قد قبله وبلغه صوابا، وعدلا في دين الله، ولو نسخ بعد ذلك كان ذلك له حجة ما لم تبلغه
- IA - (1/180)
صفحة 181
حجة النسخ
ومن
أخبر بذلك. من الناس، وقام بحجته عليه قبل أن ينسخ ذلك في دين الله ولو بساعة، كان ذلك حجة لمن أخبره بذلك وعليه، وكان له التمسك بذلك، والعمل به، إذ كان قبوله هدى في دين الله وحجة، ولو كان خبره له بعد النسخ لذلك ولو ساعة في دين الله، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهما كلاهما بخراسان، ولا علم هذا ولا هذا، أو أبعد من ذلك من البقاع ما كان خبره ذلك عليه حجة، ولا له معنى وكان الآخر على جهته التي قبلها، وهي هدى وعدل
من
كان
•
فانظر في حجج دين الله كيف لم ينفع بلوغ الحجة الشريعة، ولا ضرت
من
سائر
ذلك
الله
من دين، وكان كل شيء من دين
الله
حجته
بنفسه، وحكمه بنفسه بحضرة النبي، في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، أو في المغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الحكم في جميع دين الله من بعد أيام النبي صلى الله عليه وسلم
الله
من
ومعنا أنه لو قبل قابل من المتعبدين، من عباد الله شيئا من دين لوازمه، أو من محارمه، من جملة، أو غيرها من اللوازم، ثم خرج إلى بلده، وأخبر بذلك في بلده، وهو من دين الله الذي تقوم به الحجة، أو مما يسع قبوله من دين الله، أو مما هو. عدل قبله عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن غيره ممن أخبره، وأخبر ذلك في بلده ومصره؛ كان ذلك حجة معنا لهم وعليهم، ولو اقتدوا به كلهم، وهم أهل مصر من الأمصار كان ذلك معنا هدى وعدلا، إذ كان قبولهم لذلك منه، أو من بعضهم بعض عن خبره كان وهو من دين
عدلا وصوابا.
الله
ولو أنه نشأ ناشيء فيهم بعد ذلك، من بعد أن ينسخ ذلك من دين الله، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغ ذلك، إلى ذلك المصر بخبر، نسخه إلا أنه قد نسخ ثم نشأ بعد ذلك الناشيء، ولزمه التعبد بدين الله، ما جاز له معنا قبول المنسوخ ممن قبله، وهو عدل وصواب إذ لم يقبله هذا
- 181 - (1/181)
صفحة 182
المتعبد، وهو عدل في دين الله، وصواب، وكان أهل المصر الذين هم قبلوه، وصواب على صوابهم وعدلهم في ذلك بعينه، حتى
وهو
الله
6
عدل في دين يأتيهم خبر نسخه، وكان عليه هو وعلى من مثله، ممن لم يقبل ذلك وهو عدل حتى قد نسخ، أن يجتهد في طلب ما يلزمه من دين الله في شريعة رسوله، ولا ينفعه قبول ذلك. منهم، وهم محقون به وعليه، فليس بحجة أن يقبل ذلك منهم غيرهم ممن لم يلزمه ما لزمهم، ويجوز له ما جاز لهم، فانظر كيف ثبت لأهل مصر، وعلى أهل مصر في دين الله مخصوصين بحكم غيرهم، وخص غيرهم في جملتهم ممن نشأ معهم، أو بلغ إليهم من غير بلدهم، ومصرهم ما لم يخصهم وما لم يلزمهم.
كذلك لو كان المخصوص بذلك من أهل المصر من قبول ذلك بعدله واحدا، وكان أهل المصر كلهم لم يخصهم حكم ما خصه، لكان حكم أهل المصر كلهم في ذلك المصر من دين الله الاجتهاد في طلب ما يلزمهم من دين الله، وكان لهذا المخصوص بذلك له حكم سواهم إذا خصه ذلك دونهم، ولو رجع إليهم هذا الذي قد قبل هذا الحرف من دين الله، وقد بلغ إليهم ما قد نسخ ولا علموا هم بذلك، ولا علم هذا بنسخ ذلك فأخبرهم بذلك، وأفتاهم به بعد نسخه ولو بساعة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهم بخراسان، أو أبعد، لما كان لهم قبول ذلك منه ويمضي عليه، والتمسك به إذ قبله، وكان قبوله عدلا وصوابا بعينه حتى يأتيه به خبر النسخ بعينه، ولا يكون لغيره حجة ولا على غيره حجة
•
فافهم معاني الحجة في دين الله من الجملة وغيرها، في أيام النسخ، وفي غير أيام النسخ، فإنك إن أبصرت ذلك، أبصرت أهل العدل، وعلمت أن كل شيء من دين الله مخصوص بحجته، وبلوغ دعوته، ونزول بليته في كل وقت وزمان، وفي كل أمر وشأن، وفي كل عبد وإنسان، وإن ذلك لا تختلف أحكامه في صحة أصول الدين عند من أبصر العدل من المتأولين. المسلمين، وإنما يهدي الله إلى صراطه المستقيم، مما اختلف فيه المختلفون،
من
- 182 - (1/182)
صفحة 183
وما ضل المتأولون، من خصه فضله من عباده المؤمنين، ويضل الله
الظالمين بعدله، ويفعل الله ما يشاء وما ربك بظلام للعبيد
ومعي
6
؛ أنه لو كان أهل مصر متمسكين بدين عيسى - صلوات الله عليه - لم يخالفوه في شيء من الدين في دينه، وكانوا على جملة شريعته من الأمر والنهي، والحلال والحرام، وجميع شرائع الإسلام، وكانوا على ذلك؛ إلى أن بلغهم خبر بعث النبي ودعوته إلى الجملة، وبلغتهم دعوته في الجملة؛ لكان عليهم الإيمان بها، والتصديق لجملته واعتقاد الطلب لعلم ما يلزمهم في شريعته من الأمر والنهي، والحلال والحرام، واللوازم والمآثم، ليؤدوا ذلك على وجهه، ويعملوا بحقيقته، وليس عليهم لهم معنا أن يتركوا ما هداهم الله له من حلاله وحرامه، في شريعة دين عيسى، إذ قد بلغتهم الدعوة بالجملة التي قد نسخ فيها ما كان معهم حلالا بالتحريم، وما كان معهم حراما بالتحليل، وما كان معهم أمرا بالنهي، وما كان معهم نهيا بالأمر، ما كان عليهم حجة، وكان لهم التمسك بحلال الله، وحرامه الذي هداهم، ولا يضرهم بلوغ الدعوة بالجملة؛ إذا لم تبلغهم الحجة بأحكام الجملة الداخلة فيها حتى يأتيهم شيء من ذلك بعينه، إذا كان قبول ذلك لهم في الله دين بعينه، عدلا وصوابا، قبل أن يأتي نسخه في دين بعينه، ولو كان قد نسخ؛ لأن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بجملته التي رسل بها، والإيمان بها، والتصديق لها، ثابت على من بلغه، وناسخ أحكام شريعته، بجميع أحكام شرائع النبيين والمرسلين بعده، ما ينسخ منه على لسانه، وفي دينه، وفي شريعته، والدين واحد وهو الإيمان بالله، وبرسوله، وبما جاء به رسوله في كل عصر وزمان وأوان، من جميع النبيين والمرسلين، وإنما ينسخ كل رسول، وكل نبي جاء من بعد رسول، ونبي إذا جاء النسخ على لسانه، وفي شريعته الأمر والنهي، من أحكام شريعة النبي الأول، ولا لشيء من ذلك من كتب الله، ولا من دينه، ولا أمثاله، ولا من وعده ووعيده، ولا من أخباره، وكل ذلك ثابت محكم، لا يجوز عليه النسخ من
الله
- 183 - (1/183)
صفحة 184
إلا فيما جاء عن الله
جاء عن
أحد
من
قبل الله - تبارك وتعالى - في شريعة نبي، ولا رسول، لشيء جاء به رسول غيره، ولا لشيء جاء به هو، ولا يجوز النسخ فيهما قيل، وهو كذلك عندنا؛ من الأمر والنهي، لا في غير ذلك مما جاء عن الله، ولا فيما رسله صلوات الله عليهم، فشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع شرائع النبيين، والمرسلين، ولا ناسخ لها، ولا لشيء من أحكامها إلا ما صح من نسخ ذلك في شريعة دينه؛ لأنه لا نبي بعده، ولا رسول بعده فينسخ ما جاء عنه، فأحكام شريعته المحكمة محكمة أبدا إلى يوم القيامة، وما مات عليه من منسوخ شريعته؛ فهو منسوخ إلى يوم القيامة، ولا يجوز أن يأتي غير ذلك أبدا، وكل ما حل معناه في شريعة نبي من الأنبياء صلوات الله عليهم -، وكان التمسك به هدى وعدلا وصوابا،، ما لم ينسخه غيره من النبيين والمرسلين، ولو بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصح بعثه لم يكن ذلك معنا ناقضا ما في أيدي المسلمين إذا قبلوه وبلغتهم حجته وقبوله هدى غير منسوخ في قبولهم دين الله قبولهم له، وبلوغ حجته إليهم ممن كان متمسكا بشريعة دين عيسى صلى الله عليه وسلم، ولو بلغه رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما نسخ ما في أيديهم على لسانه عدلا وصوابا وهدى، حتى يبين لهم ما يتقون، على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بما أحدث مما أحدثه إليهم، ويأتيهم خبر ذلك بعينه، ولا يضرهم نسخ ذلك في الشريعة معنا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو بلغته حجته ودعوته بالجملة وقد نسخ في شريعته ما كان حلالا في أيديهم، أو ما كان حراما في أيديهم، لم ذلك ولا ينفعهم، وحلال الله وحرامه الذي قبلوه، وهم يوم قبلوه هدى وصوابا، وهو على حاله على الأبد، حتى تأتيهم الحجة بغيره، إلا أن عليهم الاعتقاد للسؤال عما يلزمهم في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد الجملة ذلك، والدينونة بجميع دينه، وجميع شريعة دينه، وطلب جميع شريعة دينه، وحلال لهم ومباح ما في أيديهم من دين الله الذي لم يصح معهم، ولا يأتيهم خبر نسخه، ولو كان منسوخا، ولو استجاب أحد في الاسلام عن الشرك، وقبل دين محمد صلى الله عليه وسلم، وجملته أو لم يبلغه ذلك، إلا أنه قد بعث محمد صلى الله عليه وسلم بنسخ شيء من أحكام شرائع دين عيسى فاستجاب وقبل من
يضرهم
- I^{- (1/184)
صفحة 185
المسلمين المتمسكين بحكم شرائع دين عيسى، إذ قبلوه وهو هدى وعدلا وصوابا في قلوبهم فتولوه، وإنما نسخ قبل أن يستجيب بساعة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، أو في مكة، وهم بين السدين أو في أبعد الأمصار، وأقصى الأقطار، لما جاز عندنا لهذا المستجيب إلى الإسلام، قبول أحكام شريعة عيسى، إذا كان في الحكم في دين الله؛ قد نسخ ذلك على لسان رسول الله، لكن له معنا، وعليه الإيمان بالله - تبارك وتعالى - ربا، وبعيسى نبيا، ورسولا، وأن ما جاء به عن الله فهو الحق، إن كان قد بلغته دعوته؛ لأن هذا واجب في كل نبي ورسول إلى أهل زمانه، وعلى جميع كل من بلغته دعوته وعرف رسالته، أو نبوته، أو قامت عليه بذلك الحجة، فعليه أن يؤمن به ويصدق به، ويؤمن بما جاء به، وأنه الحق من الله
وهذه كانت دعوة النبيين والمرسلين، وكل النبيين والمرسلين يجب
الإيمان بهم ممن عرفهم، وبما جاءوا به عن الله - تبارك وتعالى - أنه الحق المبين، كما على من بلغته دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكل دين النبيين والمرسلين دعوتهم واحدة، وحجتهم دعوة واحدة، ودينهم واحد لا يختلف الدين الذي جاءوا به من رب العالمين، وكلهم كانت شهادتهم واحدة، كل من أرسل كانت دعوته إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين
منهم
وأن جميع ما جاء به عن الله فهو الحق، وكان هو الدين والإيمان في الأمم كلها، لا يختلف أصل الدين، ولا يجوز فيه الاختلاف، وذلك قول الله
- تبارك وتعالى -:
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَهَدِي إِلَيْهِ مَن يُنيبُ) (1)
1 - الآية (13) من سورة الشورى
- 1 A 0 - (1/185)
صفحة 186
وقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ
المخاسيرين) (1)
وقال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الا مِن بَعدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرُ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الحساب) (2)
وقال: إنَّ هَذه أمَّنكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (3) وقال: {وَإِنَّ هَذِهِ أَمَنكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)
فكان الدين واحدا على كل نبي ورسول.
وإنما تختلف من أمور النبيين والمرسلين الشرائع؛ إذا اختلف، لقوله تبارك وتعالى -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِنَّا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحق لكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ جَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن ليَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
فيه تختلفون) (5)
ويحله
والشريعة؛ ما جاء في أحكام دينه الذي أمر به، ونهى عنه، ويحرمه، فإذا جاء رسول بشيء من نسخ ما جاء به رسول قبله، من الأمر
والنهي، كان ذلك منسوخا في دين الله، وكان الأخذ به باطلا في دين ا الله
والعمل به باطلا، وكل رسول جاء فهو يدعو إلى الإيمان بالرسل من قبله، وبالكتب التي من قبله من رسل الله وكتبه، وذلك هو الدين الذي لا يختلف،
آل
عمران
1 - الآية (85) من سورة 2 - الآية (19) من سورة آل عمران.
- الآية (92) من سورة الأنبياء 4 - الآية (52) من سورة المؤمنون. - الآية (48) من سورة المائدة
6
-
186 - (1/186)
صفحة 187
ولا ينسخ وإنما ينسخ الأمر والنهي، مما شاء الله أن ينسخ
،
وأما أصل الدين فلا نسخ فيه، ولا يجوز فيه النسخ معنا في شريعة من الشرائع، ولا على لسان نبي من الأنبياء، ولا رسول من الرسل، فعلى الذي استجاب للدين على دين عيسى مسلمين، قد قبلوا حلال ما كان على دين عيسى وحرامه، مما هو منسوخ على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إن كان منسوخا شيئا منه، فالذي قبلوا ذلك وهو هدى وعدل، قبل أن ينسخ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن بلغتهم دعوة النبي الله إلا أنه كان قد بعث ونسخ في دينه، ما نسخ من دين عيسى؛ فالذي قبلوه، وكان هدى وعدلا وصوابا وجائزا ولازما قبوله، والتمسك به، والعمل به معنا حتى يأتيهم خبر نسخه نصا، كما أخذوه نصا من هداية الله ودينه وعدله، وليس هذا الناشيء ولا المستجيب ولو كان بالغا مشركا في أيام ما كان الأخذ به هدى، إلا أنه لم يكن آمن به ولا قبله، ولا بلغ هذا الناشيء حتى نسخ ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليس للناشيء إذا لم يكن وجب عليه أحكام الإسلام، والتعبد بأحكام نفسه من أهل الإسلام المولودين، ولا المستجيب على الشرك في هذا المنسوخ ما للذين قبلوه، وهو هدى وعدلا، وعلى هذين الإيمان بالله، وبعيسى، وبما جاء به عن الله مجملا، إنه الحق المبين، وعليهما معنا في المنسوخ من دينه على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حكم شريعة نبينا من حلاله وحرامه، لأنهما لزمهما حكم دينه، وذلك الشيء الذي كان حراما قد أحل، والذي كان حلالا قد حرم، وهو نبيهما، في أحكام الشريعة، ونبي كل من كان على الأرض من الثقلين من مؤ من متقدم الإيمان، أو مستجيب، أو ناشيء من بعد بعثه في أصل ما تعبدهم الله به، ولو لم يبلغهم خبره، ولا ذكر شأنه، فمن حين ما بعث الله الرسول، فكذلك كل رسول قد ثبتت نبوته ورسالته على جميع أهل الأرض من أرسل إليهم، وثبتت عليهم أحكام شريعته في دين
بلغتهم دعوته أو لم تبلغهم
ومن
كان
منهم
الله
على هدى من دين نبي قبله، وشريعة رسول قبله،
- 187 - (1/187)
صفحة 188
دين
الله
ذلك
وشيء من الهدى قبله، فهم على هداهم، ولهم التمسك به، وإن لم تقم عليهم حجته، ولا حجة شيء مما نسخ على لسانه مما قبلوه، وهو هدى في حتى يأتيهم خبره، فإذا جاءهم خبره برسالة ثبت عليهم الإيمان به، ما جاء به عن الله - تبارك وتعالى ـ، ولو لم يدع إلى وبجميع فعليهم الإيمان به، والتصديق والإيمان بما جاء به، والتصديق، ولا يسعهم غير ذلك والدينونة بدينه، والإنتحال بحكم شريعته، وهم على هداهم الذي قبلوه عن الله نصا حتى يأتيهم خبر نسخه نصا
ولو كان قد نسخ ولو لم يكونوا قبلوه نصا وهو هدى، إلا أنهم قبلوا دين النبي، وآمنوا به، وقبلوا شيئا من شرائعه نصا، وإذا لم يبلغهم شيء من أحكام شريعته حتى ينسخ ما لم تبلغهم على لسان المرسل، ما كان قبولهم معنا للمنسوخ من أحكام شريعة النبي قبله عدلا وصوابا، وكانوا في هذا كالبالغ الناشيء من بعد رسالة الرسول، وبعثه والمستجيب عن الشرك، ولو كان في أيام الرسول الأول، وفي أيام أحكام شريعته
والمستجيبون للنبي الأول أو إلى من دعى إلى دينه،، أو دخلوا في دينه. واستجابوا إلى الدين وآمنوا به، وبما جاء به مجملا، ولو لم يكونوا قبلوا منه شيئا من الدين نصا، حتى نسخ على لسان الرسول المبعوث، كانوا في ذلك معنا مثل المستجيب، والبالغ الناشيء من بعد نسخ ذلك، وبعث الرسول الآخر، فافهم معاني أحكام شرائع الدين، وأحكام جملة الدين في كل وقت وزمان، واعلم أنها لن تختلف، ولا تخلف أحكامها لزمان، ولا في زمان، ولا في دهر، ولا في أوان، ولا في حياة الرسول، ولا من بعد موت
الرسول.
وعلى كل من دخل في الإسلام، أو لزمه حكم الإسلام، أو ثبت عليه حكم الإسلام، أو ثبت له حكم الإسلام بوجه من الوجوه، أو حكم من الأحكام في وقت من الأوقات في أي بقعة كان، أو في أي عصر كان، أو في
- 188 - (1/188)
صفحة 189
أي المولودين كان من أهل الشرك، أو أهل الإيمان، أو من أهل الإقرار المنافقين، فكل ذلك سواء، ولهذا المسلم وعليه في وقته ذلك ما على المسلمين، وما للمسلمين في وقته ذلك، وساعته تلك من أحكام شريعة نبي ذلك الزمان الذي لم ينسخ حكم شريعته نبي من الأنبياء، ولا رسول من الرسل، كان الرسول حيا قائما، أو قد مات؛ فكل ذلك سواء، وقد بينت لك ما فيه وفي بعضه شفاء لمن أبصر قلبه وصفا، وإلا فلم تزده كثرة الحجج ولا الآيات والبينات إلا تهدفا وتعسفا.
وإنما أردنا بهذه الحجج، وهذه الواضحات من الدلائل، لأن يهتدي بها العاقل، ويكتفي بها السائل، ويقدمها من أبصر عدلها على قول كل قائل، لأنها الهدى عندنا والصواب، إلا ما وافق الحق من قول القائلين من
الأولين والآخرين، فالصواب كله بعضه من بعض فكله مقبول
•
فانظر كيف كان قبول شيء من دين الله نصا، وقبوله هدى من جميع المنازل التي وصفتها لك، والأحوال التي بينتها لك، كان حكمه له بعينه لا أحكام الجملة، وكان عليه أحكامه بعينه لا أحكام الجملة فيما يلزمه من قبوله بعينه دون الجملة، وفيهما ثبت له الحكم من التمسك به، والعمل به، وعليه به، دون الجملة لتعلم أن لكل شيء من ذلك حكما لازما إذا نزلت بليته به، وقامت الحجة به، وبلغت الدعوة به، فانظر كيف وجب على من بلغته حجة الجملة وهو على صواب، مما ينقضه حكم الجملة فلم ينتقض عليه إذ كان قد قبله بعينه صوابا، حتى تأتيه به الحجة نصا
•
فانظر كيف لم يكن لمن قبل الجملة، ولم يقبل ما فيها من الأحكام نصا أو شيئا منه، حتى نسخ كيف لم يكن له قبول الجملة حجة بالتمسك كان بما جاء فيها غير المنسوخ، وانظر كيف كان بلوغه للشيء من حكم الشريعة التي تنسخ ما في يده ناسخا لما في يده من صواب ما قبله، ولو يدعى إلى حكم الجملة ولم يسمع بها أن النبي يدعو إليها، إلا أنه قد جاء خبر النبي المرسل،
- 189 - (1/189)
صفحة 190
وأنه يحرم كذا وكذا، أو يحل كذا وكذا، وينهى عن كذا وكذا، كيف كان حجة بعينه عليه، ومزيلا لما في يده مما كان له هدى وعدلا وصوابا، كيف
(
نقضه خبر الناسخ له، ولم يأته خبر الجملة، ولا دعي إليها، ولا ذكر شأنها فتدبر هذه الأمور، فإن في تدبيرها هداية ونورا، وشفاء لما في الصدور، لمن كان لهذه الأمور مبصرا، وكان ممن سمع بقلبه ويرى، وإلا فلم يزده تكرير الحكم إلا. في قلبه، وصما وطغيانا ويكما، وكذلك دعوة الحق وحجته في
عمى
كل عصر وزمان، ودهر وأوان، مخصوص كل شيء منه بعينه كل ما بلغت منه حجة في شيء من أحكامه أو قسم من أقسامه، أو أصل من أصوله، أو محرم من حرامه، أو لازم من إلزامه؛ فحكمه بعينه لازم، ولبالغه والمبتلى به بشاهده قائم، ولو لم يسمع بشيء سواه، ولم يدر ما قدام ذلك، وما وراءه، فإن ذلك الحكم له بعينه، وعليه واجب، والله - تبارك وتعالى ـ له بذلك مطالب، وله في تضييع ذلك ولو لم تقم حجة غيره عليه معاقب، وبقيامه بعد ذلك أو تضييعه محاسب، ولا يكلفه جميع دينه إلا ما أبان له حجته، وأهدى ما كان إليه فضله ومنته، من جميع من الخليقة وحيثما كان من البالغين والولدان، في كل عصر وزمان، ودهر وأوان، وبقعة وقطر، وبلدة ومصر، الله في أحد من خلقه، فاعلم ذلك، إن شاء الله.
لا تختلف أحكام دين وأما من أقر بجملة ما أوعده الله على تركه أو فعله النار، فإن الذي
ضيع وفعل ضال إن شاء الله
قال غيره: قد مضى من هذا ما فيه كفاية من بيان ثبوت كل شيء بعينه، ولزومه دون غيره، وسقوط غيره، ولو لزم غيره، وهذه آثار مجملة، وهو عدل في الأصل معنا، إلا أن التأويل فيها وفي غيرها من جميع الأشياء أنها تخرج على العدل، لا على ما جاء من المجملات والمفسرات، وكل شيء من أصول دين الله هو معنا جملة لنفسه ولا ينفع القائم بخلافه إذا ضيع
6
حكمه، ولا يضر شيء منها عند القيام بما لزم من
خلافه
ومن الكتاب؛ وعليهم إذا لم يعلموا أنه حرام والوقوف حتى يعلموا
- 19.- (1/190)
صفحة 191
ما هو؛ فإن فعلوه ولم يقفوا في حال جهلهم ففعلوا ما نهوا عنه ا وكفروا قال غيره: قد مضى تفسير هذا، والقول فيه ما لا يحتاج إلى إعادة
القول فيه إن شاء الله تعالى.
ومن الكتاب؛ وأما ما يسعهم جهله أبدا فما لم يتقولوا على الله في حال جهلهم بالخطأ، ولا ادعوا على الله فيحلوا حراما، أو يحرموا حلالا، أو يلقوا الحجة فيعلموهم فلا يقبلوا ولا يؤمنوا بقولهم، فإنه علم قسمة المواريث، وعلم ما حرم الله وأحل، مما يسعهم جهله فهم مسلمون ما لم يتقولوا على الله الحلال، أو تحليل الحرام، أو يقفوا بالحرمة، ولا يصدقوا
الخطأ
بتحريم
الحجة إذا لقيتهم.
قال غيره: معنا أنه؛ كل ما ثبت حراما في دين الله من حكم كتابه، أو سنة رسوله، أو إجماع الأمة من المحقين، فليس لأحد جهل ذلك أو علمه، أن يقول فيه بخلاف ما ثبت دينا من تحريم حلال ذلك، أو تحليل حرامه من جمع الدين برأي، ولا بدين، ولو لم تبلغه في ذلك حجة؛ لأنه ليس له نقض الله من دينه، ولن يسعه ذلك بجهل، ولا بعلم برأي ولا بدين
ما جاء عن
هو
والمحل الحرام الله من دينه، والمحرم الحلال الله من دينه، برأي أو بدين
هالك ضال عندنا فيهما قيل
•
فإن أحل ذلك من حكم كتاب الله، أو سنة رسوله، فرد الكتاب، أو السنة نصا على غير تأويل ضلال من تأويل كتاب بالسنة، أو السنة بكتاب، والكتاب بعضه ببعض، أو السنة بعضها ببعض، وهو يرد الكتاب أو السنة بكتاب أو السنة نصا، مشرك يقتل إن لم يتب، ويرد تأويل ذلك، أو يتأوله على غير تأويل المحق من تأويله بالدين بعضه ببعض كافر كفر نعمة، منافق لا حظ له في الإسلام إلا أن يتوب، وقوله في ذلك: (بالرأي معنا والدين) سواء؛ لأنه ليس له أن يخالف الدين بالرأي، ولا بدين من القول، وهذه
- 141 - (1/191)
صفحة 192
أصول الدين لا يجوز تحويلها برأي ولا بدين.
وأما مواقعة الفعل ومحرم ذلك من دين الله قبل بلوغ الحجة بعلم ذلك إليه، على تحري الحلال من ذلك واعتقاد السؤال عن علم ذلك، بالخروج من كل حرمة ومأثم ومحرم، واعتقاد التوبة منه إن كان حراما أو في الجملة من
عن
كل محرم، ومن كل مأثم ولم يقم عليه بدين، ولا إهمال من اعتقاده السؤال، أو توبة في مخصوص، أو معموم مما يقع له في الحكم على الذي ركبه داخل فيما نوى من اعتقاده السؤال والتوبة من جميع المحرمات التي لا تقوم حجتها من العقول، ولا تدرك بالسماع أو ما يشبهه؛ فمعي؛ أن في هذا
قولين:
أحدهما؛ أنه سالم إذا ركب ما ركب على هذا، وقد مضى القول
والحجة والاعتلال فيه قبل هذا
ومعي؛ أنه قيل: هالك؛ لأنه لم يكن له الإقدام، وإن لم يعلم، وقد كان يقدر أن يترك المحرم إلى غيره من الحلال، إلا أن ينزل بحال الاضطرار، فيما يجوز فيه الاضطرار، فواقعه على ما يجوز فيه من حال الاضطرار،
فلا أعلم في ذلك اختلافا، أنه وافق ما يجوز له جهله أو علمه
وأما ما كان من جميع دين الله لازما فعله، فحضر وقت العمل به واللزوم له، قبل أن تقوم حجته عليه، ويبلغه علم مما لا يقدر، ولا يبلغ إلى علمه من حجة العقول، ولا يبلغ إلى علمه إلا بالسماع، أو ما أشبهه فلم يتركه بدين، ولم يضيع السؤال عما يلزمه في مخصوص ذلك اللازم، أو عن جملة اللازم إن لم يهتد للمخصوص، ولا اعتقاد التوبة عن تضييع ذلك المخصوص إن اهتدى إليه، أو من جملة ما ضيع من اللوازم، فلا أعلم أنه يخرج معنا في التأويل؛ إلا أنه سالم مسلم؛ لأنه لا يجوز أن يكلف فوق طاقته في دين الله في شيء من الأمور.
- 192 - (1/192)
صفحة 193
وإذا كلف علم ما لا يطيقه، ولا يقدر عليه بعلم متقدم أو من محصور
اعتقاد
من معلم يقدر عليه فيضيع طلب ذلك، أو لا يضيع ما يقدر عليه من طلب ذلك، أو ما يقدر عليه من اعتقاد التوبة في الجملة والمخصوص على ما قد وصفنا؛ فقد كلف ما لا يطيقه
وأما إن ضيع شيئا من اللازم، أو ركب شيئا من المحارم بدين،، أو على إهمال - لما وصفنا - إن أهدي إليه، وقدر عليه، أو لشيء منه فهذا مضيع
ولا عذر له في التضييع لما يقدر عليه من اللوازم، ولا المحارم، إذا ضيع من
ذلك شيئا من طوله أو حوله بجهل، أو بعلم، فضيع بتضييعه ذلك لازما
بجميع
أو ركب محرما كان ذلك معنا آثما، ولم يكن في شيء من ذلك سالما وزاده الله بذلك جهلا وعمىً.
"
6
وأما من صدق في إرادته في. ذلك وعلانيته وبذل مجهوده من قوله
?
وفعله ونيته بما بلغ من ذلك بطاقته فلم يكله الله إلى ضعفه، ولا محال معنا أنه معنا يعضده بقدرته، ويهديه إلى ما يرضيه من طاعته، ويتوب عليه من جميع ما ركب في حال ذلك من معصيته، ونحن لله - تبارك وتعالى ـ في هذا في دينه شاهدون، و به متقربون، وله عابدون.
ومن ترك شهادتنا بهذا، إليه تائبون وراجعون، ولا توفيق لنا، ولا لأحد من الخليقة إلا بمن الله وفضله؛ لأن ما يستحقه أحد من الخليقة بشيء منهم في حكم عدله، فلا يدخل نفسك في هذه الأصول من دين الله، ضيق من قول من يقول بخلاف هذا، من عالم أو جهول؛ فإن العالم إنما يقول في أحكام الفروع والأصول بما وافق كتاب الله، وسنة الرسول لا لما يخالف ذلك على ما يخالف قوله أهل التكليف والفضول، بمخالفة التأويل للأحكام، ومخالفة الحق في الخاص والعام؛ وإلا فكل الحق واحد، فكل إلى الحق من المخلوقين عائد، وبالحق في جميع أموره شاهد، ولله بالحق في جميع
أموره عابد
- 193 - (1/193)
صفحة 194
واعلم أنه لا يجوز مخالفة الدين معنا بالدين، في قول، أو فعل، أو
ترك بقول، أو عمل، أو نية في جميع الأمور، بجهل أو بعلم، والمدين بخلاف الدين هالك على كل حال، ولا عذر له في ذلك بجهل، ولا بعلم، ولا أعلم أنه. الله أحد معصية أعظم جرما من متدين الله بمعصية، أو من مؤيس من الله - تبارك وتعالى ـ في شيء من الأمور من رحمته، أو مفتر في شيء من الأمور بالله في عقوبته، أو مخادع الله في شيء من الأمور في سريرته أو
علانيته
ومعي
عصى
؛ أنه إذا سلم العبد من هؤلاء الخصال الأربع في جميع أموره.
6
ولم تلحقه منهن واحدة مع بذل مجهوده في جميع الأمور ومقدوره، فقد حكم الله بسعادته، واستخلص من الله حقيقة طاعته وعبادته، ولو لم يصل له قط صلاة، ولا عادى له أحدا بعينه من أعاديه، ولا والى له أحدا بعينه من أوليائه، ولا أدى له شيئا بعينه من فعال اللوازم، ولا ترك له شيئا من فعال المحارم، وأن لحقه أحد هذه الخصال، أو ما يشبههن من أخلاق الضلال، فإنه مستحق لسخط الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، ولو لم يدع شيئا من عبادة الله من فنون العبادة إلا علمها، وتوسل إلى الله بالمقال والفعال سوي ما ركبه من أحد هذه الخصال، ولو بمثقال ذرة من الضلال؛ فإنه عند
الله
من
من أعظم الجهال
ومن الكتاب؛ ومن الدعوة أيضا في أهل القبلة التي لا يسلمون إلا بها، شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء به عن الله، والبراءة من أهل الحدث الناقضين لما جاء من الله، فهذا لا يسع جهله؛ لأن أهل القبلة قد ظهر منهم بعد الإقرار بالجملة أحداث، نقضوا فيها ما جاء عن الله، بالادعاء عليه، فمنهم من
تجبر
،
وحكم بغير ما أنزل الله - عز وجل - وأفسد في الأرض، وقتل
المسلمين، وأخذ أموالهم بغير حق
•
- 198 - (1/194)
صفحة 195
وقالوا لنا هذا: ومن غير علينا فقد أحل الله دمه، وهو عدو الله وهم
الجبابرة، وخرجت الخوارج ادعوا على الله الكذب، وسموهم مشركين حلال دماؤهم، وغنيمة أموالهم وقتلهم في السر والعلانية، وزعموا أن الله - تعالى - أمرهم بذلك على لسان نبيه، واستحلوا دم من لم يقل مثل قولهم، ويستحل
ما استحلوا ويحرم ما حرموا
باب
القول في تارك الوصية
قال غيره: قال معي أنه قيل: إذا لم يوص الذي تلزمه الوصية للأقربين، وقد ترك خيرا، كما قال الله - تبارك وتعالى، فقد ضيع الفريضة التي أوجبها الله عليه، إن كان من المتقين. ومن لم يكن من المتقين، فهو من كان الفاسقين، ومن من المتقين وقد ضيع ما أوجب الله على المتقين، لم يكن
بذلك من المتقين وكان من الفاسقين
وليس لمن ضيّع ما أوجب الله عليه بغير عذر، يكون له في الإسلام مخرج من الفسق، إلا أنه قد قيل: إن الخبر الذي أوجب الله ـ تعالى ـ منه الوصية للأقربين، على من تركه، وهو المال في الإجماع، فلما أن ثبت أنه هو المال، ووجدنا الله - تبارك وتعالى - استثنى الوصية على من ترك خيرا، فإذا كان المال نفسه لا يتفاصل فيه، لم يكن فيه استثناء معنا، لأنه لا نعلم أن أحدا يموت إلا وترك شيئا يقع عليه اسم المال، ولكنه معنا أن المال الكثير الذي فيه الفضل المعروف من ربه، فمعنا أنه اختلف في تأويل الخير من
المال.
فأحسب أنه قيل: إذا ترك بعد قضاء دينه وتبعاته وما كان عليه من الحقوق الله؛ من الكفارات والزكاة، وجميع اللازم لله وللعباد، خمسة دوانيق
-190. (1/195)
صفحة 196
من الدراهم، كان من الخير، وتأول في ذلك من قال به، فيما أحسب أن الله تعالى - أثبت في الغنيمة الخمس، حقا ثابتا، وثبت أن الخمس من خمسة دوانيق فصاعدا يخرج
وأحسب أنه لا يخرج من دون ذلك، فيما قيل، ولا يكون غنيمة فيها، الغنيمة إلا من خمسة دوانيق فصاعدا، وما دون ذلك فأحسب أنه لا خمس فيه، وهو من غنيمة، قال: فيهما ثبت فيه؛ على معنى قوله: إنه ما ثبت فيه حق مفروض، فهو مال وخير، وفيه الوصية للأقربين
وأحسب أنه قيل: لا يكون فيها دون مائتي درهم أو قيمتها، من بعد لازمة، لأن حق الله الذي فرضه على عباده من الزكاة، لا يخرج في أقل من ذلك، فلا يثبت لزوم ذلك، في أقل من مائتي درهم أو قيمتها وأحسب أنه قيل: لا يكون في أقل من أربعمائة درهم أو قيمتها بعد
اللازم.
وأحسب أنه قيل: لا يكون في أقل
درهم أو قيمتها. من ستمائة
وأحسب أنه قيل: لا يكون في أقل من ألف درهم، والمعنى فيما أحسب أنه مذهبه في المال الكثير، يتفاضل، ولما أن ثبت التفاضل والاختلاف في التفاضل في حكم الظاهر، لم يتعر دخول العلة في شيء ء منه بعينه بالقطع، إذ لم يأت فيه إجماع؛ من نص تنزيل أو نص سنة في شيء بعينه، أو إجماع من قول المسلمين، لا يختلفون فيه، فيخرج إجماعا على شيء بعينه إلا على مذهب الكثير لم يتعر الاختلاف في اسم الكثير، ولم يكن ثم شيء مسمى يصح به إجماع لم يستقم قطع تكفير في حكم الظاهر، على شيء بعينه، إذ لم يثبت فيه شيء بعينه معنا، ولا تعلمه
•
قيل عن أحد من أهل العلم أنه يذهب إلى تخطئة من ترك شيئا من ذلك
محدودا، ولم يوص فيه للأقربين في حكم الظاهر، إلا أنه
قد، قيل: إذا ترك
-197 - (1/196)
صفحة 197
الأكثر مما قاله المسلمون، ولم نعلم فيه ترخيصا أكثر من ذلك، ولم يوص بشيء للأقربين تركت ولايته، إذا لم يكن له عذر في ذلك، بوجه من الوجوه، يخرج له في تأويل الحق
ومعي؛ أنه قيل: لا تجب عليه الوصية إلا بعد أن يترك، بعد لازمه وسكنه وخادمه، يوقعان له أيضا ويترك بعد ذلك أحد ما وصفت لك، بعد اللازم والمسكن والخادم.
ومعي؛ أنه قد اختلف في كفنه، فقال من قال: هو من رأس المال
وقال من قال: من الثلث، مع الوصايا مخروج، وإذا كان من رأس المال، فمعي أنه بعد الكفن أيضا مع ما استثنى، ولا أعلم أن الأقربين إذا لم يوص لهم بشيء، يدخلون على شيء من اللوازم، مما به أوصى الموصي، من وجه من الوجوه، من دين ولا زكاة ولا حج ولا كفارات لازمة. وقد قيل: من أوصى بعتق رقبته لم يدخل عليه الأقربون، وأحسب أن العتق هاهنا لم يكن لازما من كفارة، ولا من سبب لازم، ولولا ذلك لم يستثن، أنه مع الوصايا لا يدخل فيه الأقربون إذا لم يوص بشيء.
وأحسب أنه قيل: إنه لو أوصى بحجة نافلة لم يدخل في ذلك
الأقربون.
وأحسب أنه قيل: يدخلون فيها إذا لم يوص لهم بشيء، فجاء في الوصية للأقربين، سعة من الكلام، والاختلاف والبراءة والتخطئة بالدينونة بالقطع، لا يثبت إلا بشيء لا يختلف فيه ولا يشك فيه
وأما في جملة الدينونة فإنه معنا؛ أنه من ترك الخير الذي قد أوجب الله عليه فيه الوصية، للأقربين الذين لا يرثون، فلم يوص لهم بشيء بالمعروف، كما قال الله - تعالى -؛ أنه قد ضيّع ما أمر الله به، في أصل اعتقادنا بالدينونة، ومن ضيّع ما أمر الله به من غير عذر فقد عصاه، ومن
- 197 - (1/197)
صفحة 198
عصى
فلا مخرج له عندنا من
الله - تبارك وتعالى -، خاتما بالعصيان عمره، الهلكة، لأنه لا توبة بعد الخاتمة بعد الموت، نعوذ بالله من
الهلكة
ومن الكتاب؛ قيل: من ترك صلاة الفطر والأضحى، والصلاة على الجنازة، ولم يصل الوتر إلا ركعة واحدة، ولم يتطوع بشيء من الصلاة، وترك ركعتي الفجر، التي قبل صلاة الفريضة، وقال كل هذا لم يفرض علي، أن منزلته خسيسة، وقد رغب عن الفضل، ويُنصح له ولا يترك بذلك وأما من صلى بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، أو ترك صلاة الجماعة، متعمدا بلا عذر، فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه، لأنه قد ترك السنة
قال غيره: إن ترك شيئا من هذا تارك؛ على الدينونة بتركه؛ أو على الاستخفاف بفضله وثوابه، أو على التخطئة لمن فعله في فعله؛ أو تنقص بمن فعله من المسلمين في فعله، فلا عذر له في ذلك معنا، وأما إن ترك هو على غير هذه الأحوال، فمعي؛ أنه تختلف معانيه
فأما صلاة الفطر والأضحى؛ فإن تركهما تارك ممن لا عذر له بتركهما
6
وقد ثبت عليه في السنة القيام بهما، فمعي؛ أنه قد قيل: إنه يبرأ منه إن لم
يتب من
ذلك
وأحسب أن بعضا يلحقها بالسنن الواجبة، التي لا عذر في تركهما،
لمن خصه القيام بهما
وأحسب أنه قيل: إنه خسيس المنزلة، في تركه لذلك، بترك ولايته.
وتسقط شهادته على تركه ذلك، ولا يبرأ منه
6
وأحسب أنه قد قيل: خسيس المنزلة في تركه لذلك، ولا يترك
ولايته
- 198 - (1/198)
صفحة 199
وأحسب أنه قيل في صلاة العيد؛ أنه مما يقوم به البعض عن البعض،
ولعذر فيه البعض بقيام البعض ولعله إنما اختلفت أحوال التارك لذلك في
الاختلاف مذاهب من ذهب إلى الاختلاف فيه، كل واحد إلى معنى
وأحسب أن الإجماع فيه في صلاة العيد، أنه على كل أهل مصر صلاة، فليس لأهل المصر تضييع ذلك بأجمعهم، لأنهم إذا تركوا ذلك، تركوا السنة التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه سنها لهم، وثبوت سنته لا يختلف فيه بين أحد من أهل العلم.
•
وأحسب أنه مجمع عليه في القول والعمل، وكفى بالإجماع عليه فعلا من أهل الآفاق والأمصار، من جميع أهل الإقرار.
،
فإن ترك ذلك أهل المصر كلهم لم يسعهم ترك تضييع السنة؛ بالإجماع عليها بغير عذر، ولعل الذي يذهب إلى أنهما إنما تلزم في المصر كله جماعة واحدة، بمنزلة الجمعة، إذ هي فريضة ثابتة، إنما يلزم في المصر جمعة واحدة، فلعله يذهب أنه ليست السنة ثابتة من الفريضة، وإن كانت قد ثبتت سنة.
وأحسب أنه قيل: إنها سنة
ويلزم في كل بلد جامع، وفيه مسجد جامع، وليس لهم تضييعها في كل بلد، ولعله يذهب إلى السنة ثابتة لاحقة بالفرائض، إذ صلاة الجماعة ثابتة، في كل بلد صلوات الفريضة أن تصلى جماعة، وعليهم أن يقيموا بها جماعة في كل بلد، ويعجبني أن ثبت حكم البراءة في تركها، ففي تضييع أهل
6
المصر لها جميعا، وأنه لا يسعهم ذلك، أن يجمعوا عليه من غير عذر يخرجهم في الإسلام، ويعجبني إن ثبت ترك الولاية فيها ففي إجماع أهل البلد الواحد على تركها، ممن يقدر ويحسن لها، وأن لا يسعهم ترك ذلك بالإجماع، ويعجبني! ن أن تكون حسنة الحال يلحق من عرفت بالإدمان على تركها، مع قيام
-149. (1/199)
صفحة 200
البعض بها لأنه من يرغب عن فضائل الإسلام، لا يكون من أهل الفضل في الإسلام، بل تخس حالته في الإسلام.
وكل معذور في جميع الأحوال، وله مخرج يخرجه بحال، من الرجال والنساء، فلا تلحقه براءة، ولا ترك ولاية، ولا خسة حال، وإنما يلحقه
الأحكام من خصه بها القيام، بعد القدرة عليها والبلوغ إليها
•
وأما الصلاة على الجنازة، فلا أعلم أن أحدا يختلف في لزومها، لمن خصه القيام بها، فيمن تجب عليه من المقرين، ولا أعلم فإن البعض يجزئ فيها عن البعض، وليس ذلك في ميت دون ميت من أهل القبلة، ولا في مصر دون مصر، ولا في الحضر دون السفر، وكل من خصه لزوم شيء من ذلك فعليه القيام به، ما قدر على القيام به منه، فإن تركه بغير عذر فمعي؛ أنه قيل: لا عذر له، ويهلك بذلك
وأما صلاة الوتر ركعة واحدة، فهي من سنته، فمن تمسك بذلك فتولى بسنة، غير راغب عن الفضل، فلا يكون خسيس الحال من قام بالسنة، وإن كان رغبة منه على الفضل من غير استخفاف بترك ذلك، والاستم حذاء بفاعل ذلك، فهو خسيس الحال، لأن من رغب عن الفضل في شيء من فضائل الإسلام، فلا يكون فاضلا في الإسلام، بل يكون خسيس الحال عن الفضل، وليس ترك التارك بشيء من الفضل اشتغالا بغيره من الفضل، رغبة منه عن الفضل، ولكن فضائل الإسلام واسعة، ولكل امريء ما نوى.
وكذلك من ترك صلاة الجنازة والأعياد وصلاة الجماعة والجهاد لشيء، ألزم من ذلك له، وأفضل أو لما يشبهه من الفضل بعد أن يقوم بذلك غيره، فلا تلحقه براءة ولا ترك ولاية ولا خسة حال، ولا يقدر العبد في الوقت الواحد، أن يكون في حالين من الفضل متفرقين، ولا يلزمه في الوقت الواحد واجبان في معنى واحد، إلا وزال عنه أحدهما بالآخر، فيسقط عنه أحد
- 200 - (1/200)
صفحة 201
اللازمين بالآخر، فيكون له ثواب القيام باللازم، ولا يكون عليه في ترك ما زال عنه مأثم، بل المسلم شريك للمسلم، في فضائل ما قاموا به من الفضل، واللازم إذ كان قائما بما قبله من اللوازم والفضائل، مع صدق نيته وحسن إرادته، أنه لو قدر على ذلك أو وصل إليه، لم يدع لازمه، ولم يرغب في ترك فضل ما هو فضيله والمسلمون منه، فالمؤمن نائم؛ وله فضل القائمين، وقاعد؛ وله فضل المجاهدين، ومفطر؛ وله فضل الصائمين من لازم وفضيلة، والمسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضا، ويستر بعضهم بعضا، ويكفي بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا، ويرفع بعضهم بعضا، وهم على هذا في ما لا يحصى مشاركتهم في الفضل.
الفريضة
لذلك
وأما ركعتا الفجر اللتان قبل الفريضة، وركعتا المغرب اللتان بعد، فلا أعلم بين أهل القبلة اختلافا في ذلك في العمل، ولا في إثبات
وقال
من قال من أهل العلم: إن ذلك فريضة، ويتأول في فرض ركعتي المغرب، قوله - تبارك وتعالى -: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السجود) (1).
فقالوا: إنه ركعتا المغرب، بعد صلاة المغرب، وهو أدبار السجود،
سجود المغرب
وقال من قال: ذلك يعني به الفريضة، في ركعتي صلاة الفجر،
قوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبَارَ النُّجُومِ) (2)
أي إدبار النجوم من الليل وقال من قال: إن ذلك في صلاة الفريضة، وأما العمل أيهما فالاجماع على ثبوت العمل بهما، في جملة أعمال الإسلام، فلا نعلم في ذلك اختلافا
1 - الآية (40) من سورة (ق). 2 - الآية (49) من سورة الطور
- Y.1 - (1/201)
صفحة 202
وقد قيل فيما يروى عن النبي أنه قال في ركعتي الفجر فيها أحسب أنهما خير من الدنيا وما فيها، أو أفضل من الدنيا وما فيها، وثبت عنه العمل بهما، فيما جاء به الخبر على الدوام في ذلك، ويروى عنه أنه قال: فيها أحسب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة في المسجد الاركعتي الفجر، وهما قد جاء به من سنن الصلوات التي تضاهى به اللوازم، فلو أن تاركا تركهما، أو أحدهما أعني ركعتي الفجر أو ركعتي المغرب بغير عذر من جمع في السفر، أو في الحضر أو الأذى من مطر أو المرض يُنقل عليه الصلاة، فيترك ذلك على غير سبب على الإدمان ما انساغت عندنا ولايته بالتعمد والإدمان، على مخالفة ما أجمع عليه أهل القبلة قولا وفعلا، إلا لسبب، قد عرف من قولهم وفعلهم في ترك ذلك، لأنه قيل: فيما أحسب ممن ظهر منه ما هو معروف، بأنه ليس من أخلاق المسلمين، من رفع اليدين في الصلاة، أو ترك بسم الله الرحمن الرحيم، وأشباه هذا، مما قد عرف أنه ليس من أخلاق المسلمين، ولو لم يكن مجمعا عليه أنه يفسد الصلاة بالاختلاف إلا أنه ليس من أخلاق المسلمين، الذي قد عرفوا به لغيره، ولا يفعله إلا من يخالفهم في الدين، أنه لا يتولاه إذا أظهر لهم ذلك على الإدمان، بغير عذر من أخلاقه، ولو كان ليس يخالف في شيء من الدين، لأن ولاية الظاهر إنما اصطفاء وارتضاء. الريب والشبهة وحسن الحال في المقال والأفعال، وليس يُحسن الحال معنا مستحقا للاصطفاء والارتضاء، من ظهر منه الإدمان على مخالفة ما عليه إجماع أهل القبلة قولا وفعلا
هي
زوال
وأما من ترك النوافل ولم ينتقل بشيء من النوافل من الصلاة ولا غيرها من الوسائل، مما لم تثبت فيه سنة أو ما يشبهها، أو ما يجتمع عليه من سائر الوسائل والفضائل، فإن فعل ذلك رغبة عن الفضل، من غير استخفاف لثواب، ولا تنقض لفعال:
فمعي أنه قيل في جملة ما قيل، في تارك الوسائل، هذا، أنه خسيس الحال، إذا رغب عن الأفضال الذي به شهر للمتداومين عليه، والسابقين
- 202 - (1/202)
صفحة 203
إليه المنزلة الرفيعة، من ثبوت اسم العباد والزهاد، لأنه إنما يثبت في هذا الاسم في ظاهر الحكم مع العامة والخاصة، لمن عرف منهم، ويان منه كثرة الوسائل والفضائل في ذلك، من التعبد بالوسائل من الصوم والصلاة، وترك المحارم وما يشبهه من الآثام، والزهادة فيها رغب فيه، من أداء الفرائض واللوازم.، من طلب الأرزاق، والتوسع في الإنفاق، والترف في المطاعم والمشارب، والمناكح والملابس، وإن كان حلالا في الأصل، وكان فاعله عابدا أو زاهدا في الأصل، فإنه لا يثبت له اسم الزهادة والعبادة، فمن رغب عن الفضل لم يكن فاضلا، وكان خسيسا عن حال الفضل، الذي بلغ إليه
غيره
اللازم.
وأحسب أنه قيل: عن بعض الفقهاء: إنه لا يتولى من لم يوص إلا
،
وأحسب أنه قيل ولم ينته إلا عن المحارم فذلك يخرج إذ كان لا يتولى من لم يؤد إلا اللزوم، كان مثله فيمن لم ينته إلا عن المحارم، لأن هنالك أشياء يدخل الريب، ولو لم يكن شيء يظهر منه العيب، والمستراب لا يطيب مشربه كعذب الشراب، ومن لم يطب مشربه، لم تطمئن النفوس بولايته على حقيقة حكم الظاهر، وإذا لم تطب النفس لم تصح حقيقة الرضى، وإذا لم يقع حكم الرضى زالت الولاية بالاصطفاء، وقد ثبت عن الله تبارك وتعالى، فيها جاء في التأويل، أنه حث عباده على التوسل إليه بالمشبهات فيما لزمهم من فقال - تبارك وتعالى -:
طاعته،
يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1). فالركوع والسجود ثبت أنه الركوع والسجود في الصلاة، واعبدوا ربكم فجاء في التأويل، أن العبادة ها هنا، أمرهم أن ما أوجب الله عليهم، من أداء
يعبدوه بجميع
1 - الآية (77) من سورة الحج.
اللوازم، وترك المحارم، ثم
- 203 - (1/203)
صفحة 204
قال: وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، فقيل في التأويل أن الخير ها هنا، النوافل والوسائل، وقوله لعلكم تفلحون أي كي تفلحوا، فيما قيل في التأويل
عندي
•
وقيل: إنه كل ما جاء عن الله تبارك وتعالى، لعل فهو لكي، وهو على التأكيد ليس على الشك، ولعل من العباد على الشك، فقيل: قد حث الله تبارك وتعالى عباده، على التوسل إليه بالخير المشبه لما يلزمهم
وأحسب أنه قيل: في قوله تعالى:
ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1). فأما قوله: اتقوا الله بأن يتقوه في جميع ما نهاهم عنه، أن يأتوه أو شيئا منه، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما قوله: وابتغوا إليه الوسيلة. فأحسب أنه قيل: وابتغوا إليه الوسيلة بأداء اللوازم. وأحسب أنه قيل: اتقوا الله فيها أمركم به ونهاكم عنه، وابتغوا إليه الوسيلة، أي الوسائل والفضائل، وهذا شبه ما قيل في الأول، فمن حث الله تبارك وتعالى عباده على طاعته، فيما أمرهم به، ونهاهم عنه، وأن يتقربوا إليه، فقال: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)، وقال: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ
على الله
وكثير من القرآن والسنة والإجماع وقول المسلمين، قد ثبت في أمر الوسائل والفضائل، قولا وفعلا، ومن رغب عن كل الفضائل، فحقيق عندنا أن لا يكون من أهل الفضائل، ومن لم يكن من أهل الفضائل؛ لم يكن من أهل الولاية على الحقيقة في حكم الظاهر معنا
وأما الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وبعد صلاة الفجر
حتى تطلع الشمس تطوعا، فقد جاء النهي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم نصا، ولا
1 - الآية (35) من سورة المائدة
- Y.E- (1/204)
صفحة 205
أعلم أن أحدا اختلف في ذلك من المسلمين ولا من قومنا
وقد قال الله تبارك وتعالى:
القري
مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَة: ـ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
العقاب) (1)
وقال: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمِنينَ، نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنَصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
دو
فمن قامت عليه الحجة، وبلغت إليه المعرفة؛ فخالف بعد بلوغ الحجة والمعرفة، فقد شاقق الله ورسوله والمسلمين، ولا عذر له ولا نعلم في ذلك اختلافا، أنه إن فعل ذلك بغير عذر ومن بعد الموت، أو قيام الحجة عليه، أنه يبرأ منه بذلك، إن لم يتب بعد أن ثبت.
ومعنا أنه
من الكبائر فيهما قيل إنه لا يبرأ منه حتى يستتاب
وقد قيل يبرأ منه، ثم يستتاب وهو بمنزلة من أتى الكتاب
وقد قيل عن بعض أهل العلم، فيما أحسب أنه ذكر عمن فعل ذلك، وقال أن الله لا يعذبه؛ زعم على الصلاة، فقال من روي عنه من أهل العلم
ذلك،
فقال له: إن الله تعالى يعذبك على خلاف السنة
وكذلك يقال له معنا أن الله تعالى يعذبه على مشاققته ومشاققة رسوله
6
وإتباع غير سبيل المؤمنين بالصلاة التي نهى عنها، كما يعذبه على ترك الصلاة التي أمر بها، ولا فرق في ذلك إذا فعل ذلك من بعد ما تبين له الهدى، وقامت
1 - الآية (7) من سورة الحشر
- 205 - (1/205)
صفحة 206
عليه الحجة، ببيان الحق من الباطل، والضلال من الهدى، ففعل ما قد نهى
عنه كان مشاققا لله ولرسوله، ومتبعا لغير سبيل المؤمنين
•
وكذلك معنا فيما قيل: صوم يوم الفطر ويوم النحر، ووصال صوم الليل بالنهار، أو اعتقاد صوم الليل، كل ذلك محرم على لسان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومجمع على تحريمه، والصوم طاعة ولازم في مواضع لزومه، وفضيلة ووسيلة في غير جميع مواضع تحريمه، ولكنه معصية ومشاققة لله ولرسوله، واتباع لغير سبيل المؤمنين في موضع تحريمه
وكذلك صلاة الحائض والنفساء، وصومهما اللوازم من الصوم والصلاة أن لو كانتا طاهرتين، محرم عليهما بالسنة والإجماع، فليس لأحد اعتراض ولا اختيار في تنزيل حكم الله تبارك وتعالى في دينه، ولا جهل ولا تجاهل في الإسلام، وعلى العالم بدين الله أن يعمل بما لزمه من الأعمال في
الدين
وعلى الجاهل أن يساأل إن قدر على السؤال، أو أن يعتقد السؤال إن
6
كان عاجزا أو معدما أهل السؤال والاعتقاد، لأداء ما يلزمه من الأعمال واعتقاد ترك جميع ما يلزمه تركه من الضلال، إذا قدر على ذلك بحال من الحال، واعتقاد التوبة من جميع ما قد ضيع من الأعمال، أو ركب من الضلال، والتوبة فيما يستقبل واقعة بجهل أو بعلم، وأحكام السنة ثابتة في الدين كأحكام الكتاب، وأحكام الإجماع ثابتة في الدين ـ في موضعها - كثبوت أحكام الكتاب والسنة، وثبوت أحكام الرأي، في موضع لزومها. ونزول البلية بها، لاحق بأحكام الكتاب والسنة والإجماع.
اختلاف
،
وليس في دين الله تعالى ضعف ولا وهن ولا شك ولا ريب ولا
•
وليس لأحد في شيء من مختلف ذلك ولا مجتمعه، ولا حلاله ولا
- 206 - (1/206)
صفحة 207
محرمه، ولا نهيه ولا أمره، ولا إزالته ولا إلزامه اعتراض ولا اختيار للجمع
بين مفترق ذلك، ولا بفرق بين مجتمعه، وإنما على العباد اتباع ما أمروا به وعلى وجهه بحقه وعدله
جماعة
"
وأما صلاة الجماعة بالإجماع على الصلوات الخمس الفرض بالصلاة
فمعي أنه قد قيل: إن ذلك فريضة، والاختلاف ـ فيما أعلم ـ أنه سنة ثابتة، وإجماع صحيح لا نعلم فيه اختلافا بين أهل القبلة، إلا من أبطل في مذهبه أحكام دينه من الجهال وأهل الضلال
وقد قيل: إن البعض يجزئ في ذلك عن البعض. وأحسب أنه قيل: على الكل القيام بذلك إلا من عذر يخصه
وعلى كل حال؛ قالوا: أحب عذره في شيء من ذلك لا سبيل عليه ولا حجة، والمعذور من عذره الله، وبأي وجه استحق العذر في حكم من
الأحكام في حكم خاص أو عام فلا تبعة عليه ولا سبيل.
وهو من أهل الإيمان والإسلام.
وأما من ضيع من ذلك ما يخرج تـ تضييعا بتضييع معنا لذلك كبيرة
في أصل اعتقاد الدينونة
منازل حكم الإسلام:
وأما في مخصوص بعينه في ظاهر الأحكام، فيما يترك تارك ذلك
فقد قيل: إنه لا يتولى على ذلك، وتترك ولايته.
من
وقد قيل: يبرأ منه، والبراءة أشبه معنا في حكم الظاهر، وحكم اعتقاد الشريطة والصفة، إذا نزل بمنزلة ولا يشبهه فيها أنه لا عذر له بوجه من
الوجوه، في ترك ما لزمه من
ذلك
- 207 - (1/207)
صفحة 208
باب
معنى اختلاف أحكام الدعاوى من أحكام البدع
ولو اختلف المختلفون في ولايته والبراءة منه في الباطل والحق، فليس اختلاف المبطلين مما يقع الاختلاف فيما تجب به البراءة من أحداث المحدثين، إذا خرجت الشهرة للأحداث مخرج أحكام الأحداث التي ليس فيها محتمل للحق، أو خرجت الأحداث محتملة للحق والباطل، إلا أن الحكم قاض عليها من حكم الإجماع من الشاهدين له من الحكام له، وعليه من المسلمين بباطل الحدث؛ فإنه يخرج إذا خرج الحدث في حكم الاجماع فيه، أنه مجتمع على باطله لم ينفع فيه الاحتمال فيه للحق والباطل، لمن غاب عنه صحة الحدث في سريرته.
وكذلك إذا خرج الإجماع في الحدث المحتمل للحق والباطل بالصواب، لم يضر الاحتمال، ولا جاز الاختلاف في الحدث الثابت عليه حكم الإجماع، بإزالة حكم الإجماع بالمخالفة حكم الاجماع من ولاية أو براءة. لاثبات الحكم بذلك بالدينونة على مخالفة الاجماع.
وكذلك إذا ثبت الإجماع على حكم الحدث المحتمل للحق والباطل.
،
لغير حكم باطله، ولا صحة حكم صوابه وحضر لم يجز لمن غاب عنه صحة الحدث بحقيقة في سريرته أن يحكم فيه بالدينونة بحقه ولا بباطله، ويخرج في حكم الاحتمال عند كل من غاب عنه صحته في سريرته، كيف كانت، وكيف جرت لمن شاهد عصره ومصره،، أو لمن غاب عن مصره،، أو وقت عصره، أو جاء بعد عصره من أهل مصره، أو من غير أهل مصره، لأحد غاب عنه صحة الحدث أن ينقض الحكم المجتمع فيه بمخالفته بالدينونة من عالم أو ضعيف، من شاهد أو غائب، من شاهد لعصره أو حادث بعد عصره، فلا يجوز له نقض حكم مجتمع عليه بحكم الاختلاف بالدينونة
وليس
- YA- (1/208)
صفحة 209
بالاجماع ولا بالرأي إلى الاجماع.
وكذلك ليس له هو أن ينقض حكما مجتمعا عليه بحكم الإجماع إلى حكم الاختلاف بالدين، ولا بالرأي بالقول إلا من ضعف عن بصر الأحكام المجتمع عليها إجماعها من مختلفاتها، فتولى أحدا من أهلها برأي، ما لم يخالف أحدا من المحقين ممن يتولى بحق أو يبرأ بحق في أصل الإجماع الذي جهل به صحة حكمه، وضعف عنه بوقوف عن عالم محق برأي أو بدين، أو ضعيف بدين، أو براءة من أحدهما برأي أو بدين، فلا يضيق عليه ذلك
معنا
عن
وكذلك إن وقف عن الولاية والبراءة لأهل الأحداث الثابتة في الأحكام، المجتمع عليها على مخالفة المحقين بولاية أو براءة، بوقوف عن عالم برأي أو بدين، أو عن ضعيف عن المحقين بدين أو براءة من أحدهما، برأي أو بدين؛ فهو سالم، ولا نعلم في ذلك اختلافا أحد من من المسلمين
باب
اختلاف أحكام الدعاوى من أحكام البدع
وكل حدث خرج على أحكام الدعاوى من جميع الأحداث على غير تصريح أحكام البدع من استحلال المحرمات وتحريم المحللات الشاهرات، من جحود بإنكار أو بضلال تأويل مع الإقرار، فهو خارج على
الظاهرات حكم المحتملات للحق والباطل والجائز فيه، والثابت حكم الإجماع بحقه وباطله، ومحتمله على حالته التي جرت عليه، إذا ثبت الحكم المجتمع عليه في الإجماع بأحد ذلك، ثبت في حكم الظاهر ما ثبت في حكم المجتمع عليه، ولو كان الإجماع ممن أجتمع عليه كانوا في سريرتهم مخالفين لعدل الله وصوابه في
- 209 - (1/209)
صفحة 210
ذلك الحكم، وكانوا مبطلين، فإن حكمهم في هذا الوجه بأي وجه ثبت منه الحكم بتحقيق الحدث، أو باطله أو بإثباته على حاله فهو حجة الجميع من غاب عنه صحة باطلهم، وعلى جميع من غاب عنه صحة باطلهم ممن شهدهم، أو غاب عنهم، فافهم هذا الأصل
وكل حدث خرج على حكم البدع، وشهر ذلك فظهر خارجا على صحيحات أحكام البدع، فليس في ذلك احتمال، ولا يكون الحكم فيه ممن شاهده مزيلا لمن شهر منه من حق أو باطل، بخلاف ما شهر من أحكام البدع، ولو أجمعوا على باطل حقه ولن يجمعوا، ولو أجمعوا على تحقيق باطله، فليس للحكام في إزالة حكم البدع، على سبيل ما صحت عليه حجة؛ ولا منهم حجة، ولا حجة، وعلى كل من ورد عليه الحكم من غائب أو شاهد، أو محاضر أو حادث، أن يكون حاكما لنفسه، وعليها في صحة عنده، وفي صحة أحكام البدع عنده، وعلى الحاكمين
أحكام
بهم
أحداث البدع عنده بمخالفة الحكم في البدع، وللحاكمين بموافقة الحق للموافقين للحكم، في احكام البدع، وبين أحكام البدع، وأحكام الدعاوى الخارجة على سبيل أحكام احتمال الحق والباطل من الأفعال المحتملة للهدى والضلال في حكم
•
الشريعة فرق بعيد واختلاف الحكم في ذلك وتفاوته مع أهل العلم المحقين لذلك شديد شديد، فلا يحمل ذلك كله على معنى واحد، فإن ذلك فاسد فاسد، وعلى كل حال معنا؛ فإذا شهد الشاهد من علماء المسلمين لأحد من أهل الأحداث، كانت الأحداث خارجة على أحكام البدع، أو على أحكام الدعاوى بالتوبة من حدثه الذي كان منه على أحد الوجهين، وهو ممن يبصر أحكام الولاية والبراءة، والتوبات، فتولاه على ذلك بعد شهادته له بالتوبة، وهو ممن لم تصح منه مخالفة للمسلمين بوجه من الوجوه للدين، فهو معنا جائز الشهادة لذلك المحدث، وجائز قبول قوله بذلك ممن علم الحدث ممن شاهده أو غاب عنه، من حاضر أو حادث ما لم يعلم كذب العالم الشاهد بذلك، ولم
- 210 - (1/210)
صفحة 211
يصح
معنا كذبه، إلا أن يكون المحدث قضت الشهرة عليه بالموت على الإصرار على حدثه، أو حكمت عليه بذلك الجماعة بإصرار وصحة الاصرار على غير صحة الحدث؛ فإنه إذا صح الحكم عليه بالإصرار أو الشهرة، بأنه مات مصرا بشهرة، أو بحكم إجماع؛ ثبت حكمهم عليه بذلك، فإنه لا يقبل من أحد بعد ذلك شهادة بتوبة، ولو شهد له جميع الثقلين بالتوبة، ولو شهدوا جميعا بذلك ما قُبِلَ منهم، كما أنه لو شهد له جميع الثقلين ولو يشهدون بأنه لم يكن منه ذلك الحدث الذي قد صح في الشهرة باطله فيه، أو في الاجماع باطله فيه ما قبل منهم ذلك، وما كانوا فيه حجة، وكانوا كلهم في ذلك مدعين في حكم الحق ما به يشهدون، ولن تقبل شهادة مدع على الأبد في حكم ما يكون فيه مدعيا في حكم الدين، ولا في حكم الدنيا، فافهم ذلك - إن شاء
الله -.
ومن تولى هذا المحدث الذي قد صح حدثه لأحد هذين الوجهين جميعا في حكم إجماع، أو حكم شهرة بباطله من أحداث البدع، أو من أحداث الدعاوى مع من صح معه ذلك من المحدث، من غير شهادة منه له بتوبة، وهو من علماء المسلمين، الذين لم تصح منهم مخالفة في أصل الدين، وصح له موافقتهم في ظاهر حكم الدين، والمحدث من الأئمة أو. من العامة إلا أنه خارج لهذه المنزلة، فمعي:، أن هذا الذي يختلف فيه؛ وأما الأول؛ فلا أعلم فيه اختلافا أنه في الولاية، إذا شهد له بتوبة محتملة كما وصفت لك، وأما إذا تولى على غير شهادة بتوبة يقدمها فعندي، أنه يلحقه حكم الاختلاف في الولاية، والوقوف والبراءة منه، ومن المحدث وفيه وفي المحدث، ويعجبني إذا كان عالما بصيرا، كما وصفت لك، وكان عالما بالحدث، أو كان الحدث شاهرا، يقضي أنه قد علمه أن يتولاه هو والمحدث جميعا، وإن لم يكن عالما بالحدث إذا احتمل ألا يعلمه أنه يتولاه هو، ولا يقف عنه برأي أو بدين، ما لم يعلم باطله، ولا يتولى المحدث، ويكون على حالته وما صح عليه من باطله في حكم البراءة، ما لم يشكل ذلك من علم العالم فيه، أو عالم
،
- 211 - (1/211)
صفحة 212
بحدثه، أو غير عالم بحدثه، وأشكل ذلك فيعجبني الوقوف من المحدث في هذا الفصل، والولاية للعالم، وإن كان هذا المتولي ضعيفا من ضعفاء المسلمين، والشاهد الذي وصفت لك من ضعفاء المسلمين، أعجبني أن لا تقبل شهادته في هذا الموضع للمحدث، ويكون المحدث على حالته، ويتولى الشاهد إذا احتمل صدق شهادته على ما وصفت لك، ولا أعلم أن أحدا قال في الشاهد إذا احتمل صدق شهادته بوقوف، ولا براءة، ولا ترك ولاية، بأي حالة كان عالما أو ضعيفا، ولا أعلم أنه قال أحد بولاية المحدث، إذا تولاه من لا يعلم بحدثه، بأي حال كان المتولي عالما أو ضعيفا، فافهم معاني هذين الفصلين اللذين لا أعلم فيهما اختلافا
ومن الكتاب، وعن رجلين برئا من رجل، فسئلا عما برثا منه، قالا:
6
لا نفسر، قال أبو عبدالله: إن كانا من العلماء الذين تقوم بهم الحجة سئلا، وقبل قولهما، وبرئ من الرجل ببراءتهما، وإن كانا ممن لا تقوم بهما الحجة لم يقبل قولهما حتى يُفسرا، فإن قالا: إنا استتبناه فلم يتب قبل قولها عليه، وإن لم يسألا حتى ماتا، وكان للرجل ولاية ثبتت ولايته وولايتهما، إن
شاء الله تعالى
باب
ما يجوز به معنى التقية في الأرحام ونحوهم من القول
وقال: التقية في ذوي الأرحام والجار والصاحب جائزة، يظهر إليه الجميل والدعاء، حتى يرى أنك تحمد أمره ولو كنت لا تتولاه، والمعنى في ذلك لغيره، وكل من لا يتولى فلا يُدْعَى له برضاء الله ولا بمغفرته، ولا بما يكون نحو ذلك، مما يستوجب به من فعله الله له دخول الجنة
قال غيره: التقية في الرحم والجار، ومن قد أمر الله ببره ومواصلته،
- 212 - (1/212)
صفحة 213
معي
الأمر.
؛ أنه قد قيل: تجوز فيهم أن يلقوا بمثل من يلقى من له الولاية في ظاهر، من الدعاء وإظهار الجميل لأمره، لئلا يحزنه ويدخل عليه المكروه،
وقد أمر الله ببره.
وإذا وجب عليه الإنكار لشيء من المناكر؛ كان من أوجب حقه في بره، فيما قيل: أن ينكر عليه ذلك في رفق، ويدعى إلى الحق في رفق، بأرفق ما يقدر عليه، مما لا يسع، لأن الأصل أمر ببره ومواصلته، فليس هو كغيره ممن لا يجب حقه في حال إيمانه، ولا في حال فسقه، ولا ينبغي على كل حال، إذا كان يقدر الإنسان أن يلقى كافة أهل الزمان بالبر والإحسان، ويسلم في ذلك في دينه، أن يخالف في ذلك من وجه من الوجوه، ولا معنى من
المعاني.
-وو-
وقد قال الله - تبارك وتعالى -: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنًا وَاقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنتُم معرضون) (1)
ومعي؛ أنه في مذهب الذي يقرأها: وقولوا للناس حسنا، معناه؛ وقولوا للناس الحق، لأن الحق هو الحسنى، قوله - تبارك وتعالى ـ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى وهو الحق، أن له الحق والذي يذهب إلى قراءتها، وقولوا للناس حسنا؛ أي حَسَنا من القول
ومن كان في حال التقية أو في غير حال التقية؛ ولقي كافة الخلق بأحسن ما يقدر عليه، ما لم يضيع حقا الله، في حال ذلك، بدخوله في باطل، أو خروجه من حق، فهو معنا من أفضل الأعمال، وأحسن الأحوال من الوسائل والفضائل، وربما كان ذلك من الواجب اللازم، ولا شك أنه
1 - الآية (83) من سورة البقرة.
من
- 213 - (1/213)
صفحة 214
المروءة والمكارم، لأنه قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيه لاق قط إلا ورآه باسما، أو ما رآه أحد إلا باسما، أو ما رُئِي إلا باسما ولا لقيه أحد قط، فكان هو المتولي به حتى يتولى الآخر عنه إذا التقيا، فتواقفا أو تواجها، ولا صافحه أحد قط فأخرج يده من يده حتى يُخرج الآخريده، من يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا جالسه أحد قط فمد رجليه مع جليس له، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في حال التقية وفي حال
القدرة
•
وقد روي عنه أنه كان هو وأصحابه قعودا في الأرض، أو على الأرض، فأحسب أنه أتى إليه آتٍ، من وجوه الناس، ولا أعلمه من وجوه المسلمين، إنما هو من الرؤساء، فأمر له بنمرقة فطرحت له، وهو وأصحابه قاعدون في الأرض، ثم قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
وروي عنه؛ أنه كان ذات يوم قائما خطيبا، إذ عارضته إمرأة فقالت له: أنا ابنة الكريم أو أنا ابنة كريم العرب حاتم، فأقبل على أصحابه وهو في كلام قاطعا لكلامه، فقال: ارحموا عزيز قوم ذل، وارحموا غنيا افتقر، وارحموا عالما بين جهال»
فلم نجد مع حقيقة الأمور، وتصفح الأحوال فيها، أحدا
،
إلا الإسلام حق يجب له إلا أن لا يلقاه إلا بأحسن اللقاء وأجمله، في لزوم
ذلك دون فضائله
وروي عن بعض أهل العلم أنه كان يكتب إلى بعض من كان فسقه ظاهرا مع الناس، وأحسب أنه من أعوان السلطان، وكان في كتابه حياك الله وحفظك، فسأله بعض من حضره: أليس إنه قد قيل إن حياك الله ولاية؟
فمعي؛ أنه قيل: فأقبل إليه مغضبا، وقال له: قد قيل: للرحم تقية
وللجار تقية
المعنى أنه يجوز في التقية للرحم والجار أن يلقاه، ويقال له ما يقال للولي
- YIE - (1/214)
صفحة 215
اللقاء، ويظهر إليه ذلك، ويصرف المعنى على ما يسعه، من صرفه إلى غيره، أو لغير اعتقاد ذلك له، لأن الولاية إنما هي بعقد القلوب فإذا صرف ذلك عنه، لم يضر القول الذي يراد الحسنى والواسع، إذا كان عقده على عقد الجائز، لأنه قد قيل: إنه قيل: إنه جائز أن يتكلم الإنسان بكلام على غير ما يكون، يريد به الإصلاح بين الناس، وصرف الباطل، وإدخال الحق، إذا كان أصله؛ لو كان على غير ذلك كان كذبا، ولا يكون على هذه المعاني كذبا، لأن الكذب إنما هو ما عُقد كذبا، وهذا إنما عُقد للإحسان والإصلاح والحق وصرف الباطل، فلا يكون كذبا، وفيه الأجر والثواب، كذلك هذا إذا عقد على بر الواجب، أو الفضيلة لنفس المعنى، فلم يعقد للملقى به ولا أريد بذلك، وإنما أريد الحسنى، فافهم هذا المعنى
وإن ضبط نفسه، وأمكنه صرف ذلك إلى غيره من الأولياء، وكان قصده هو البر كان ذلك أحب إلي، فإن ذهب عليه، وكان قصده بالبر على الغلط، في ترك العقد وصرف ذلك مع نيته المتقدمة أنه لا يتولاه، ولا يتولى المسلمين، وإن مثل هذا لا يريد به الولاية، وهذا صحيح اعتقاده ومتقدم
نيته لم يكن هذا متوليا
فهذا على صرف هذه المعاني، إذا قصد إلى هذه الأسباب دون عقد الولاية، بالذي يلقاه من تقية في دين أو نفس أو مال، فلا بأس به على ما وصفت لك، وإما على غير سبب يجوز ولم يرد به الولاية ولا صرفها عنه
بمعنى يجوز له، فأما قوله: رضي الله عنك في دعائه له، فلا أعلم لها مخرجا عن ثبوت الولاية، إذا لم يكن لها مخرجا على ما وصفت لك
،
وأما قوله: غفر الله لك، فمعي؛ أنه قيل: يخرج من المغفرة العافية من الذنوب، والعافية من العلل، كما يخرج العافية من الذنوب، وإنما المغفرة وجه من العافية، والعفو عن الشيء غفرانه له، وذلك صحيح في الكلام، يقول الرجل للرجل: قد غفرت لك كذا وكذا، وكذلك يسأله ليغفر للذي
- 215 - (1/215)
صفحة 216
بينهما، يغفره له وهو عنه غير راض، إلا أنه يتركه له يكون غفرانا من طريق العافية، من العقوبة وإلزام الحق إن تركه كان غفرانا، وكذلك عافية الله لعباده، غفران منه لهم، ذلك البلاء الذي كان عليهم وفيهم، ولو لم يكن راضيا عنهم، فهذا في الغفران على القصد إلى الكلام، لغير صرف إلى معنى
6
من المعاني، التي وصفتها لك، لها إرادة الكلام ولا إلى الولاية على العقد لأن كل كلام تكلمه المتكلم يقصد به إلى معنى، يجوز له ذلك الكلام له بذلك المعنى فهو له، وإنما يقع له لا لغيره؛ إذا كان في الأصل اعتقاده ليس يريده هو
وإنما يريد غيره
والعذر في التقية في الدين، فيما يجوز، كالعذر في التقية في النفس فيما يجوز، والنية هي أشد الأمور من الكلام، وإن كان الكلام لا يجوز إلا على
معنى.
ومن الكتاب؛ وقيل: لا يقال له حياك الله ولا رحب الله بك، وإن قال: مرحبا بك فلا بأس، وكذلك إن دعا له بالكرامة والحفظ والرحمة في الدنيا، والعافية وذلك ما أولاه الله بني آدم في الدنيا جميعا، ومن كان في حال التقية، جاز له أن يدعو لمن لا يتولاه، بما يدعو به لأهل الولاية، ويعقد المعنى لغيره، وكذلك قيل: إذا عزّى من لا يتولى جاز أن يقول عظم الله أجرك.، وجبر مصيبتك، والمعنى لغيره، وإن قال له الله مصيبتك
جبر
فلا بأس أيضا، وكذلك إن قال له: عافاك الله. من النار، أو نجاك أو رحمك من النار، ويعني نار الدنيا، فلا بأس
قال غيره: أما قوله: حياك الله؛ فقد قيل: إنها ولاية، وقيل: إنها تخرج على غير الولاية من طريق الحياة في الدنيا. أما قوله: رحب الله بك فإنه قيل في بعض المعاني: أنه لا يستحب أن يقال لولي ولا غير ولي إذا كان المذهب إلى ترحيب الله به، لمعنى المخلوقين والله عز عن ذلك وجل، ولا يجوز ذلك على الله - تبارك وتعالى -، لولي ولا لغير ولي، ولا لأحد من الخليقة، وهذا لا يعتقده أحد له عقل.
- 216 - (1/216)
صفحة 217
وقد قيل: انه يخرج ذلك أنه من ترحيب الله به؛ النفقة والسعة: معيشته والأحوال، فيرحب به؛ يعطيه، من ذلك رحبا وشيئا رحبا، وهذا هو الصحيح من المعاني معنا، وأما سائر ما ذكرنا من ذلك كله، فإن ذلك
يخرج على اعتقاد الولاية، ولا يخرج ولاية كله إذا قصد به إلى معنى من المعاني
وإذ
التي وصفت لك، وكذلك التعزية هي من أوجب الحقوق عند وجوبه، قصد القاصد إلى ذلك الكلام، لمعنى التعزية لا يريد به الولاية في النية، ولا أمور الآخرة دون أمور الدنيا، خرج ذلك كله على معنى أمور الدنيا، ولو
لم يعتقده كان سالما، وإن اعتقده بصرف ذلك إلى أمور الدنيا، دون أمور الآخرة، في وقت ما يقول ذلك، فذلك أحب إلي وإلا فهو خارج على ما وصفت لك، على نيته المتقدمة، وإرادته هذه لكلامه هذا التي هي من الولاية،، ومن أمور الآخرة سالمة
ومعي
؛ أنه جميع ما تكلم به العبد، لا يقصد به إلى شيء مما لا يجوز له بعينه، مما له مخرج في أصل الكلام في الدين، عند علماء المسلمين، أو في
دين
الله عند رب العالمين، فلا يؤاخذه الله بذلك إن شاء الله، لأنه ما لم
6
يواقع ما لا يسعه؛ بقول ما لا مخرج له عند الله، مما لا يسعه أو يقصد إليه ولو كان له مخرج فهو خارج من عند الله إن شاء الله، وليس على الناس أن
يكونوا علماء
الأشياء
بجميع، ويسعهم جهل علم ما دانوا بتحريمه، ما لم
يركبوه ركوبا لا عذر لهم فيه، ولا مخرج منه عند الله في دينه باب
الجبن في مواضع التقية
ومن الكتاب؛ وقال من قال: إن الجبن في مواطن الحق نفاق
قال غيره: معنا أنه قيل هذا، وقيل مجملا: أن الجبن نفاق، ومعنا أن الجبن جبنان، من جبن عن ترك ما يلزمه، من الحق الذي ليس له تركه، في حين ذلك، وهو عليه واجب في الدين، في الإجماع من كتاب أو سنة أو إجماع
- 217 - (1/217)
صفحة 218
المحقين، من غير تقية تسعه، وتجوز له، وهو قادر على ذلك، فهذا معنا من الجبن الذي يكون نفاقا، وأما إن كان الجبن غريزة فيه، لا يقدر على القيام بذلك العارض من الحق، أو كان الحق غير واجب عليه، أو كان في حال تقية توسع بها مما يسعه في دين أو نفس أو مال، ولم يترك ذلك لمعنى من معاني الباطل؛ من الرياء والميل إلى أمور الدنيا، بغير الحق وغير ما يسعه،، ومعنا أن هذا لا يكون من النفاق، وإنما النفاق ما أوجب الكفر من ركوب المعصية، وترك شيء من اللازم، أو ركوب شيء من المحارم، بغير عذر يكون له في الدين، وهذا معنا من مجملات الأثر وتأويله معنا يخرج على هذا ونحوه. باب
موضع وجوب الولاية في الشريطة والحقيقة والظاهر
قال غيره: وهذا معنا يخرج في ولاية حكم الظاهر، الذي تعبد الله به عباده، في بعضهم بعضا، فيما يلزم لهم وعليهم، وأما ولاية الشريطة فإنه يلزم فيها ولاية كل مطيع، وعداوة كل عاص، وأشباه هذا كله، من أسماء الإيمان والكفر، ولا يسعه جهل معرفة ذلك ولا اعتقاده، إذا عرف معناه
والمراد به
وولاية الحقيقة: إذا ثبتت في أحد بعينه، أو البراءة في أحد بعينه، فلن يتحول عنه حكمها بأعمالها، ولو صح ممن وجبت له الولاية في الحقيقة، على لسان رسول من رسل الله، أو في كتاب من كتب الله، أو نصيحة خبر عن أحدهما، يصح في الشهرة ولا يشك فيه من بلغ إليه، فهو على حقيقة العداوة والولاية، ولو صح من عدو الحقيقة، ما تستوجب به الولاية في حكم الظاهر أعمال الظاهر، والأقوال الموافقة، ما يستوجب به الولاية، أو لم تصح عداوته في الحقيقة، كذلك لو صح من ولي الحقيقة، ما يستوجب به البراءة في حكم الظاهر من المكفرات، ولو أشرك بالله وارتد عن الإسلام،
، من
- YIA - (1/218)
صفحة 219
،
فإنه يؤخذ بجميع ما يوجب عليه في ذلك، من الحقوق والحدود والقود. والقتل على الردة، والمحاربة في البغي، والمحاربة في الردة، وجميع الأحكام
التي يلزمه في حكم الإسلام، ويشهد له قطعا بما ثبت له، على لسان رسول الله، أو من كتاب الله في ذلك، ولا يبرأ منه ولا يعادي نفسه، وإنما يعادي ويخلع مقاصيه وأحداثه التي تصح منه، وكذلك يوفى من صحت عداوته عن الله، كل حق ثبت له في الإسلام، من ثبوت شهادة لصلاحه، إذا نزل منزلتها، وجميع الحقوق التي تلزم له بحكم الظاهر ولو كان إماما من أئمة المسلمين، لوجبت طاعته، ولو كان عالما ظاهرا له في حكم الإسلام ما يكون به حجة، فيما يسع جهله كان حجة بمنزلة الإعلام، إلا ولايته في نفسه فإنه لا يتولى إذا ثبتت عداوة الحقيقة فيه، ولا يعادي إذا ثبتت ولاية الحقيقة فيه، ويجري عليها جميع أحكامها الظاهرة إلا الولاية لعدو الحقيقة، والعداوة لولي الحقيقة، فافهم ذلك إن شاء الله فإنه باب عظيم.
باب
صفة موضع وجوب الولاية بحكم الظاهر
وإذا عرف الإنسان بأداء فرائض الله - عز وجل ـ من الصلاة والزكاة، وما أمر به من صيام وحج وغيره، وعرف بالورع عن المحارم مع موافقة المسلمين، استحق بذلك الولاية والمحبة، وهو العدل الجائز الشهادة معهم
ومن عرف بتضييع شيء من الفرائض، حتى يفوت وقتها، أو ركوب مكفر أو ما دونه من الذنوب؛ فاستتيب فأصر ولم يتب استحق الخلع
والبراءة
•
قال غيره: إذا نزل العبد عندنا بمنزلة، يكون مأمونا فيها على أمر دينه ما استتر منها وما ظهر، ولم يلحقه تهمة في شيء من أمر دينه، بتضييع اللازم، ولا ركوب لشيء من المحارم بدين ولا برأي، بعلم ولا بجهل، ولا يلحقه تهمة في شيء من ذلك، ولو لم يعرف منه على العيان من معاينة
- 219 - (1/219)
صفحة 220
الإنسان أداء شيء من ذلك، إلا على تظاهر ما يصح له من الأمانة فيه، ولم يصح عليه شيء من الجنابة منه في شيء من ذلك، وبظاهر له ما يلحقه فيه تهمة ولا خيانة أن دينه وتعبده فيما يظهر منه على سبيل دين أهل الاستقامة، وفي ذلك الدين ظهرت له الأمانة، ولا يصح منه ولا عليه شيء من الخيانة، وثبت له مع ذلك اسم أو معنى، يستحق به الموافقة للمسلمين، الذمن هم على سبيل الاستقامة، في عصر وزمان يبرأ بذلك الاسم، أو بذلك المعنى الذي صلح له، وثبت له بخبرة أو بصحيح شهرة، من دخول في شيء من، بدين أهل الضلالات، أو من التهمة بالدخول في شيء من ثبتت له الولاية معنا، من عرف منه هذا، فإذا كان يبصر أحكام ذلك الذي
التدين
ذلك،
6
نزل هذا النازل به، من ثبوت الولاية بذلك، فهو عالم بما تجب به الولاية. ويجوز له أن يتولى بمعرفته، ووجب عليه ذلك، إذا لم يَرْتَب في أحد ممن نزل بهذه المنزلة، وإن لم يكن يبصر ذلك، وكان يقصر علمه في ذلك، فليس له أن يتولى برأيه إذا لم يكن يعرف المنزلة والقصة التي بجملتها ثبتت الولاية، حتى يسأل ويستدل على ذلك، ويتولى بعلم وولاية في الشريطة يجزؤه ما لم يبرأ ممن وجبت ولايته، في الحكم الظاهر، أو يبرأ ممن تولاه من علماء المسلمين برأي أو بدين، أو يقف عنه برأي أو بدين، أو يقف عن أحد. ضعفاء من المسلمين بدين، أو يبرأ منه برأي أو بدين من أجل ولايته
وإن نزل بأرض أو بدار ظاهر عليها وعلى أهلها، التدين بدين أهل الاستقامة، لا نعلم في الدار ولا في الموضع الذي يجب فيه حكمه، من بلد أو رستاق مصر، أو موضع معروف من مصر أو بلد، أنه يدين أحد من أهله بضلال ولا يتهم بذلك وإنما ظهر حكم ذلك الموضع، إن المتدينين منه يدينون بدين أهل الاستقامة، إلا من انتهك ما يدين بتحريمه منهم، فمن عرف منه أهل ذلك الموضع الأمانة، بخبر أو بتظاهر شهرة ولم يصح منه. شيء من الخيانة، ولا شيء من التهمة في شيء من دينه، وجبت معنا له الولاية في ظاهر الحكم، ولو لم يختبر ولا ظهر له اسم ولا معنى لوجب
من
ذلك
- YY .. (1/220)
صفحة 221
الموافقة، لأن هذا معنى من المعاني التي توجب الموافقة، وكاف عن ظهور
الاسم بيان بالتسمي باسم أهل الاستقامة
وإذا نزل بهذه المنزلة، ولم تعلم منه خيانة، ولا صحت له تظاهر
أمانة:
فمعي؛ أنه قيل: يتولى بذلك ولا ينتظر به العمل، لأن هذا موضع
معرفة الموافقة في القول.
فقال من قال: من صح له الموافقة بالقول أو المعنى، الذي يوجب له الموافقة، تولاه من حين ما يعرف منه ذلك، حتى ينقضه بحدث ما لم يكن تقدمت منه تهمة أو خيانة
وقال من قال: حتى يكون قد تظاهرت منه الأمانة بخبرة أو شهرة، بأداء اللازم، والانتهاء عن المحارم من دينه، ما لم يصح له ما تكون به الموافقة، وإلا فينتظر به بعد صحة الموافقة، حتى يعلم منه الأمانة في تصديق ما أقر به، أو ما ثبت له حكمه من الموافقة، فإن صدق القول بالعمل، وإلا انتظر به على الأبد حتى تصح منه أمانة، فيستوجب ما وجب له، من حكم الموافقة أو جناية فيلزم حكم ما خان فيه أو تهمته، فتزول حكم الأمانة وينتظر به صحة حكم الأمانة، والانتقال عن التهمة أو الخيانة، ويستوجب حكم ما استحقه بالموافقة بالمعنى أو الاسم، وأما من صحت منه على كل حال كبيرة، أو تضييع شيء من اللازم في دين الله أو ركوب شيء من المحارم، التي ينقطع بركوبها لها عذره، ولا يحتمل له مخرج من مخارج الحق، في حكم دين الله، الذي يعلمه العلماء، ولو لم يعلمه المعاين لراكب ذلك، فإنه على كل حال يلزمه حكم حدثه من الكفر، وقد قيل: يبرأ منه بركوبه الكفر من الكبائر قبل أن يستتاب، وقيل: لا يبرأ منه حتى يستتاب، فإن لم يتب برئ منه، واستحق الخلع والبراءة
- 221 - (1/221)
صفحة 222
وأما ما دون المكفر، فلا نعلم أنه يحكم عليه ببراء في الظاهر، إلا بعد
الإصرار على ذلك، فإن استيب من ذلك فأصر ولم يتب، فمعي؛ أنه يستحق البراءة إذا استتيب فلم يتب وأصر. وأما إن أصر من غير أن يستتاب، وعلم إصراره على ذلك، فمعي؛ أنه يكفره ذلك، فإن برئ منه بذلك، فقد قيل: يلحقه ذلك، وقيل: لا يبرأ منه على حال حتى يستتاب، لأن البراءة حكم، والحكم لا يحكم به إلا بعد الحجة، كما لا يحارب إلا بعد الدعوة، ولو صح ما تجب به المحاربة، فلا بد من الدعوة، كذلك لو وجب ما تجب به البراءة فلا بد من الاستتابة، وقد قيل: يبرأ منه ثم يستتاب، وأصح ذلك أن يستتاب؛ فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب برئ منه، ولا يقطع الحكم ثم يحتج عليه بعد الحكم، إذا قدر عليه في الحجة التي يحتج
بها عليه
تم بحمد الله وتوفيقه
الج
زء الأول
من كتاب المعتبر
ويليه الجزء الثاني
إن شاء الله تعالى
- YYY- (1/222)
صفحة 223
الفهرست
كلمة سماحة المفتي العام للسلطنة
مقدمة التحقيق
باب ثبوت العلم كله من كتاب الله تعالى
باب في طلب العلم
معنى الكتاب الذي يسمى نسبا وموافقة
مواضع ما كانت الجملة موضع الموافقة الموافقة بالشراء والتحكيم
الموافقة في معنى الاختلاف في أحداث أهل عمان
معرفة لزوم الجملة في خاص ذلك
ما تجب به الموافقة في أمر الولاية
تمييز وجوه الولاية والبراءة حكم الحقيقة
فطرة المولود على الاسلام
اتفاق أحكام المولودين في معاني الأحكام الأطفال من أولاد أهل الشرك والنفاق
ما يلزم بالغ الحلم من الأطفال
الفرق بين حجة المسموعات والمعقولات ما لا تقوم به الحجة الا بالسماع وما أشبه ذلك
رقم الصفحة (1/223)
صفحة 224
ما لا تقوم به الحجة الا بالسماع من المعبرين وما يشبهه ما تقوم به الحجة من جملة المعبرين
رقم الصفحة
ما تقوم به الحجة من جميع العبادات ومن حجة العقل بخاطر القلب
معني
الحجة ومن
أين ثبت الأمر والنهي وأشباهه من دين
أنه لا تقوم الا بالسماع
ما تقوم به الحجة في الفتيا فيما يسع جهله ما لم يلزم العمل لزوم الحجة بالفتيا عند حضور اللازم من العمل والترك مما يفوت معاني الاختلاف في الفتيا وقيام الحجة بها
لزوم الحجة في الفتيا عند لزوم السؤال
الله
ما يكون الفقيه فيه حجة وما لا يكون
ما يجب في جميع ما نزلت بليته وقامت حجته ولو كان شيئا قبل شيء نزول بلية الأعمال قبل أن يقدم عملها اعتقاد الأعمال في جميع اللوازم والقصد بها اليه ولو لم يتقدم علمها معنى صحة الشهرة في جميع ما أدت الكائنات جواب من أبي الحسن رحمه الله الى عبد الله بن محمد بن بركة الحجة في الجملة أنها لا تلزم الا بعد قيام الحجة كغيرها ثبوت الجملة للمقر بها في جملة اقراره ولو لم يكن يثبت بها
على وظائفها بأسمائها وحروفها
بلوغ الدعوة وقيام الحجة بالجملة
المنقطع في موضع من المواضع اذا لم يبلغه خبر الجملة باب ثبوت الحجة أنه لا بد أن يكون العبد ضالا أو مهتديا
- YYE- (1/224)
صفحة 225
رقم الصفحة
الحجة على لزوم السؤال عن لزوم الأعمال وما أشبهها دون الجملة
وما أشبهها
معنى التصديق والايمان أنه شهادة بالجملة ولو لم يفهم بلسانه الصلاة على النبي والولاية والبراءة بالطاعة دون القول باللسان
معنى ثبوت الايمان بالجملة بالتصديق باليقين دون الاقرار باللسان معنى قوله الايمان قول وعمل ونية والتصديق بالايمان
باب الشرك
الولاية والبراءة اذا أثبتا
في الولاية والبراءة
الولاية والبراءة بالظاهر
معنى الولاية والبراءة ولزومها
تمييز وجوب أحكام الولاية والبراءة
ما يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة (معروض على أبي سعيد)
معاني الولاية في الأيام والأزمنة
تمييز البراءة من أهل الأحداث والولاية لهم
معاني الشريطة والحقيقة وحكم الظاهر من الولاية والبراءة معاني وقوف الدين
معنى الوجوب على اعتقاد قول المسلمين في دين أو رأي أو ولاية أو براءة 157
معاني وجوب السؤال في أمر الولاية والبراءة
السعة في الوقوف ما لم يتول أو يبرأ
معنى الدعوة واختلافها
المنسوخ اذا قيل قبل أن ينسخ أو بعد أن ينسخ (1/225)
صفحة 226
القول في تارك الوصية
معنى
اختلاف أحكام الدعاوى من أحكام البدع
اختلاف أحكام الدعاوى من أحكام البدع
ما يجوز به معنى التقية في الأرحام ونحوهم من القول الجبن في مواضع التقية
موضع وجوب الولاية في الشريطة والحقيقة والظاهر صفة موضع وجوب الولاية بحكم الظاهر
رقم الصفحة (1/226)
صفحة 227
/ (1/227)
صفحة 228
طبع بمطابع
دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي - ص. ب (6002)
سلطنة عُمان
1984 (1/228)
صفحة 229
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
تأليف
العلامة المحقق الشيخ
أبي سعيد
محمد بن سعيد الكدمي
الجزء الثاني
1405 ه ــ 1984 م (2/1)
صفحة 230
/ (2/2)
صفحة 231
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
تأليف
العلامة المحقق الشيخ
أبي سعيد
محمد بن سعيد الكدمي
الجزء الثاني
1405 ه ــ 1984 م (2/3)
صفحة 232
بسم الله الرحمان الرحيم (2/4)
صفحة 233
الولاية
ذكر ولاية من حلف بثلاثين حجة
وعمن حلف بثلاثين حجة وهو في الولاية، ولا يقدر على الحج فولايته بحالها، إن كان يدين بكفارة يمينه إذا قدر، وبفعل ما يراه عليه المسلمون، إذا لم يقدر على الحج.
قال غيره: هذه اليمين لا أعلمها مما يجتمع على القول فيها، ولا أحب أن يلزم نفسه الدينونة بشيء لا يلزمه في الأصل بالدينونة، وإذا دان بذلك على اعتقاد الدينونة بالدين، فيما لا يوافق فيه أهل الدينونة، كان مخالفا لأصل الدين، وإذا اعتقد لما يلزمه في ذلك، وأداء ما يلزمه في ذلك، وكان ما يلزمه في ذلك يخرج في الرأي، كان مصيبا وإن كان يخرج في الدين كان مصيبا.
وكذلك إذا اعتقد تأدية ما عليه من ذلك، أو ما يجب عليه من ذلك فكل هذا يخرج معي على الصواب، وإن كان ما يلزمه في الدين، أو في الرأي، وإذا دان بذلك قطعا، وهو ليس من الدين، لم يجز له ذلك لأنه يخالف أصل الدين، إلا أن يكون معناه في اعتقاده، لجهله لأصول الدين من الرأي، وكان معناه أن كل ما لزمه فهو دين، وظن ذلك، وقصد إلى هذا المعنى، فإني لأرجو أن يسعه على هذا، لأن هذا قد يخرج في معنى الاعتقاد، وفي معنى القول أن ما لزمه، فهو دين، وما ألزم الإنسان نفسه فهو دين على معنى اللزوم والإلزام، وذلك أنه قال: إذا كان يدين بكفارة يمينه، فلا يعجبني أن يدين بما يختلف فيه، على القصد إلى الدينونة إلا على هذا، ممن لا (2/5)
صفحة 234
يعرف التمييز بحكم الدين من الرأي.
وعليه كما قال، أن يفعل ما يلزمه، إذا لزمه ذلك في الإجماع، ولا نحب أن يخرج من رأي أحد من المسلمين، ولا يلزم نفسه ما يختلف فيه، أو ما لا يعلم أنه في الدين باعتقاد الدين، ولو أنه اعتقد الدينونة بما يلزمه في هذا الأمر، خرج ذلك عندنا على معنيين:
معنى أنه يخرج على السلامة، لأنه في الاعتقاد إنما دان بما يلزمه دينا، والدينونة لا تكون إلا دينا.
ومعنى أنه لا يسعه إذا قصد إلى كل ما لزم في ذلك دينا، لأنه قد يلزم فيه على الإطلاق في قول بعض، ويخرج على وجه الرأي.
باب
ذكر ولاية الولي إذا لزمه الحدث فمات
قبل أن يقام عليه الحد
وعمن أحدث حدثا لزمه فيه الحد، وقد كانت له الولاية، فضرب وهو مريض فمات قبل أن يقام عليه الحد، فإذا تاب فهو في الولاية، ولا يقام الحد على المريض حتى يبرأ.
قال غيره: ليس بما يجب من الحدود تزول به أحكام الولاية، كان له في ذلك عذر، أو لم يكن له في ذلك عذر من مرض أو غيره. وإنما يزيل الولاية الكفر، ولو أنه تاب وقد وجب عليه شيء من الحدود، ولم يرفع ذلك من أمره إلى الحاكم، ولم يصح عليه، لم يكن له معنا أن يظهر على نفسه ذلك، وعليه أن يستر على نفسه، ويستغفر ربه. (2/6)
صفحة 235
ومن علم ذلك من أوليائه فتاب منه، كان على ولايته معهم.
وليس للعبد معنا أن يقصد إلى إظهار ما يجب به كفره على نفسه، ولا يقر بذلك، وعليه أن يستر على نفسه كل معصية ركبها، مما يجوز له التوبة منها، بغير إظهار لها، فإن أظهر على نفسه، ما يلزمه به الكفر والبراءة عند المسلمين، بغير معنى يلزمه على القصد إليه من ذلك، كان ذلك معنا مشتبها لما أتى من القذف، والخلع، والبراءة للمسلمين الذي به ينخلع، ويخرج من ولاية المسلمين إلى البراءة لأنه مشبه له، لأنه قد كان مسلما بغير إظهار ذلك، كما كان مسلما بعلم ذلك من غيره، فإظهار ذلك من نفسه براءة من نفسه، وعليه أن يستغفر ربه، ويتوب إليه سريرة، ويستتر على نفسه، وهو مسلم، كما كان عليه أن يبرىء نفسه، ممن علم منه ذلك سريرة، إلا أن يظهر منه دلك، فيبرىء من نفسه، فيكون كما أباح البراءة من نفسه، ببراءته من غيره بالبينة، إذا قصد إلى ذلك.
ومعنا أن عليه التوبة من ذلك على هذا المقصد، ولم يكن مأذونا بذلك معنا، ولا معنى للحد في تعلق ما يلزمه هو من التعبد في نفسه، إذا لم يقم عليه الحد، وإنما الحد على الحكام فيه ليس عليه هو، وليس عليه هو أن يعاقب نفسه، إلا بموافقة أصول العدل في دين الله، وليس كل من رأى شيئا رشدا وفضلا كان ذلك على ما رآه وتوسمه.
وكذلك الغي إذا بان له، وكان الذي بان له في رأيه غيا في أصل العدل، كان له ذلك، وكان صوابا أن يدعه، وأما ما يوافق تركه، فليس له تركه ولو رآه وحسبه غيا.
وأما ما لم يعرفه، ووقف عنه فما وافق في ذلك ما يسعه جهله في وقوفه عنه، من ولاية أو براءة، أو فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال، أو اعتقاد، فإن وقوفه في ذلك، وعن ذلك، يسعه إذا لم يعرفه. (2/7)
صفحة 236
وأما إذا وافق ما لا يسعه جهله، فلا يعذر بوقوفه، ولو لم يعرفه إذا قامت عليه حجة المعرفة، التي تقوم بها الحجة، فلم يعرفها بتمييزها، وحسب أنها لا تقوم بها حجة لأنه قيل: لا عذر لمن ترك حقا وصوابا حسبه باطلا أو خطأ، ولا عذر لمن ركب باطلا أو خطأ حسبه عدلا وصوابا، وقد قامت الحجة وانقطع العذر، وتأويل ذلك أنه قد بلغه معرفة الحق والباطل فلم يعرف الحق من الباطل.
باب
ذكر الشهادة بالتوبة بعد موت المحدث
أو ولاية بغير شهادة
ومن الكتاب: وإذا كان في ولايته مع المسلمين، ثم دخل في شيء أخرجه من ذلك، فزعم رجل من المسلمين ثقة بعد موته أنه تاب من ذلك قبل المسلمون قوله وشهادته بذلك، وتولى المسلمون الهالك بولاية وليهم الحي.
قال غيره: معي أنه قيل: هذا باختلاف.
قال من قال فيما أحسب: تجوز فيه شهادة الواحد بالتوبة في كل شيء من المعاصي، كان ركبه الراكب مستحلا أو محرما، أو جاهلا أو عالما، أو شاهرا أو مستترا، كان من حقوق الله أو من حقوق العباد، في الشاهد الواحد من المسلمين له بذلك، فالتوبة من ذلك مقبولة، ويرجع إلى الولاية بشهادته.
وقال من قال فيما أحسب: لا تجوز شهادته وحده، في وجه من الوجوه من ذلك، ولا يقبل إلا بشهادة اثنين، وأحسب أنه قيل: تجوز شهادته وحده (2/8)
صفحة 237
له بالتوبة، إذا كان الحق في ذلك الذنب الذي أذنبه، لله - تبارك وتعالى - وحده.
وأما إن كان من حقوق العباد لم تقبل شهادته وحده.
وأحسب أنه قيل: لا تجوز شهادته وحده من حقوق الله، فيما كان ذنبه فيه شاهرا، وأما ما كان غير شاهر من المعاصي، التي ليست شاهرة، جازت الشهادة من الواحد.
وأحسب أنه قيل: تجوز في حقوق الله، وحقوق العباد إذا كان المحدث مستحلا لأنه لا تبعة عليه، إذا تاب بعد التوبة، فيما أتلفه من أموال الناس، ولا فيما ضيع من حقوق الله، فالتوبة تجزئه إذا تاب عن ضمان ذلك كله، وعن القيام بما قد ضيع من حقوق الله، على الدينونة.
ومعي أنه اختلف فيه القول، إذا لم يقبل الشهادة له، قيل: هو على البراءة.
وقيل: هو في الوقوف، لا يتولى ولا يبرأ منه، لسبب شهادة الواحد، وأما إذا علم منه أحد من المسلمين ذنبه ذلك، ثم علم منه الولاية له بعد ذلك الذنب الذي قد علمه منه، فاحسب أنه قيل: إنه يتولى بولايته أيضا، ويحسن بهما الظن جميعا، أن المتولي له لم يتوله إلا بعد التوبة.
وأحسب أنه قيل: يبرأ منه الأول، ويتولى المتولي له لأن الأول المحدث لم تصح توبته بشهادة، وهو على حكم الصحيح فيه، والمتولي له على ولايته التي كانت له لأنه لم يعلم تولاه بباطل، ويمكن فيه هذا وهذا، فهو على ولايته.
وأحسب أنه قيل: يوقف عن المحدث الأول، لمعنى ولاية المسلم له، ويتولى المتولي له، على معنى الذي وصفت لك. (2/9)
صفحة 238
وأحسب أنه قيل: يبرأ من الأول، ويوقف عن المتولى له، بدخول الإشكال عليه إذا صح حدث الأول، وصح ولاية المتولى له، على غير صحة توبته، وأمكن فيه الحق والباطل، على الأصل الذي قد صح، ولم يصح زواله فيوقف عنه للإشكال فيه.
وأحسب أنه قيل: يوقف عنهما جميعا فيوقف عن البراءة من الأول، لموضع ولاية الثاني له، فيدخل في البراءة منه بالشبهة، والبراءة تدرأ بالشبهة.
وأحسب أنه قيل: يبرأ منهما جميعا من الأول بصحة الحدث فيه، ومن الثاني بولايته، لمن قد صح معه حدثه، ولم يعلم أنه علم توبته، وكان في الحكم محجورا عليه ولاية الظالم، كما كان محجورا عليه البراءة من المسلمين في الظاهر، فالمتولي للظالم كالمتبرىء من المسلم، مع من يتولى هذا، ويبرأ من هذا، لأن ذلك كله محجور، من ولاية الظالم، والبراءة من المسلم.
ويعجبني في هذا كله في الشهادة وفي الولاية له ممن يعلم علمه بحدثه أنه إذا كان إذا تولاه، وهو ممن يبصر الولاية والبراءة، أن يتولى بولايته، أعني المحدث، كذلك إذا شهد له بالتوبة من حدثه، الذي أحدثه المعروف به، وهو يبصر أحكام الولاية والبراءة، وأحكام التوبات مأمون في ذلك بصير بأحكامه ووجوبه، ووجوب حقوقه من مستحله وحرامه، وحقوق الله فيه، وحقوق العباد، أن يقبل ذلك منه، ويتولى بولايته، كائنا ما كان، من حق الله أو من حقوق العباد، مستحلا أو محرما، سريرة أو شاهرا، أن يتوليا جميعا، وإن لم يكن المتولي للمحدث بعد علم منه بحدثه، مأمونا على مثل هذا الذي وصفته لك، بصيرا به، ثم تولاه وهو ضعيف، لا يؤمن على معرفة الأحكام، فنخاف أن يدخل عليه الإشكال، ويلحقه الاختلاف في الولاية والوقوف، وأما البراءة منه فلا يعجبني على كل حال. (2/10)
صفحة 239
ومعي أن الشاهد له بالتوبة، إذا لم يتوله، حتى يشهد له بالتوبة من ذلك الحدث، الذي به برىء منه، فلا أعلم أن أحدا قال فيه بالوقوف ولا بالبراءة، أعني الشاهد بالتوبة للمحدث، من أي وجه كان الحدث.
ومعي أنه إذا كان يبصر أحكام ذلك، أو لا يبصر، وإنما هو شاهد له بالتوبة، والتوبة معروفة من ذلك الحدث، وإذا شهد له بالتوبة من ذلك الحدث، فقد شهد له بالتوبة، وكان مأمونا على قوله في ذلك، ولا يلحقه -فيما أعلم -مع أحد منهم براءة ولا وقوف.
ومعي أنه لو كان المتولي لهذا المحدث ممن يبصر الولاية، والبراءة، ولم يعلم بحدثه ثم تولاه، ولم يشهد له بالحدث، وهو ممن لا يعلم أنه يعلم بحدثه، فإنه لا يبين لي أن يتولى بولايته على حال لأنه يحتمل أن يكون تولاه قبل أن يحدث الحدث، فتكون ولايته له جائزة، ولا يوجب ذلك خروج المحدث من حدثه، إلا أن يكون حدث المحدث شاهرا، شهرة تجب على أهل الدار معرفة كفره فإذا كان على هذا، ثم تولاه هذا المتولي الذي يبصر الولاية والبراءة، ثبتت ولايته، معي في قول من يثبت الولاية بقول الواحد، كائنا ما كان المحدث معنا، من المسلمين المستحلين والمحرمين من الأئمة أو من العامة ما لم يقع هنالك تنازع، وتتكافأ فيها أقاويل العلماء، في صاحب الحدث الشاهر من الأئمة، أو من العامة، فإن أهل الأحداث الشاهرة، التي تجب على أهل الدار والآفاق والأمصار بشهوة حدثه، ولا يختلف فيها من شهرة حدثه المكفر. (2/11)
صفحة 240
باب
ذكر من ثبتت ولايته في حكم الظاهر
كيف تزول
ومن ثبتت ولايته بما عرف من صلاحه، فهو على ولايته، ولا يزول عنها إلا بحدث يستحق به ذلك.
قال غيره: معي أنه قد قيل: هذا إذا ثبتت ولايته في الحكم بالظاهر، فلن تزول إلا بالعداوة لأنها ولاية، والولاية ضدها العداوة، ولن يحكم بحكم غير هذا، يتنقل إليه من ركوبه لكبيرة، أو موافقته لصغيرة يصر عليها، فيستحق البراءة من ذلك، فيستتاب من ذلك، فإن لم يتب برىء منه، على قول من يقول ذلك، أن يبرأ منه، ثم يستتاب على ما قيل من ذلك، وكلما أتى حدثا ما دام يتوب منه، فإن رجع إلى الولاية، ولا يوقف عنه إلا بعداوة على هذا القول.
وقيل: إن الولاية بالحكم بالظاهر، إنما هي صفوة يصطفيها العبد لنفسه، وإنما يقصد إلى ولاية أولياء الله، ممن لم تلحقه تهمة، ولا خيانة في الأصل، ولا ريب فمتى كان أحدث ذلك لم يتول، وكذلك إن نزل بعد أن يستحق الولاية بمنزلة تلحقه فيها تهمة أو ريب، رجع إلى حالته التي لم يكن يستحق فيها الولاية إلا بزوال هذه منه، من حال الوقوف الذي كان له، ويقف عن ولايته إذا لم يتم إلى حال الأمانة، وزوال الريب عنه.
وقال من قال: فيما أحسب أن له أن يقف عن ولايته، إذا ثقلت نفسه عن ولايته، لما يرى منه من الأشياء، التي لا تعجبه له، ولا تستحسن في الأولياء لأن أصل ولاية الظاهر، إنما هي على ما تطيب به النفس، ولا يثقل (2/12)
صفحة 241
ولا يرتاب فيه.
وقد قيل عن بعضهم: إنه لم يكن يتولى ولو عرف بالموافقة خوف ما يدخل عليه في أحوال الولاية من اختلاف الحال، وينتظر به إلى الموت، فإذا مات تولاه على ذلك، وذلك إذا كان إنما يصطفيه هو بنظره، ويتولاه ببصره، ولم يثبت عليه ذلك بحكم من غيره.
وقد قيل عن بعضهم: وأحسبه ابن مسعود: لا تعجلوا على الناس بمدح ولا بذم، فرب من يسركم اليوم يسوؤكم غدا، ورب من يسوؤكم اليوم يسركم غدا، فانظر كيف أمر بتلك العجلة في الحمد، ولو كان قد جاز أن يحمد، وترك العجلة في الذم، ولو كان قد جاز الذم، إلا بعد التأكد والتاني، والنظر من وجوه السلامة، حتى يأتي بأمر على وجهه، لأن الولاية والبراءة علمان وحدثان يحدثان، فينبغي أن لا يكونا إلا على وجه لا يخشى منه، بعد عقدهما لمن يعقدان له وعليه، والبراءة عندي أبين في هذا وأوجب، لأن لها حدا يقطع عليه، بحكم بها فيه، وهو أن يصر الراكب على ذنب من الذنوب، صغيرا أو كبيرا، ثم استوجب البراءة والعداوة على ذلك عندي، كل من عرف ذلك، وعلى كل من عرف ذلك أنه مكفر، فانظر كيف أمر بالتأني فيه، وأن لا يعجل فيه، لأن الوقوف على اعتقاد طلب السلامة، والمخرج مع الدينونة بما يلزم في ولاية، أو براءة في الجملة و الشريطة، أو في هذا الشخص الذي قد صح منه، ما تجب به الولاية أو البراءة عند علماء المسلمين، واشتبه ذلك على من هو دونهم، فاعتقاده في هذا الشخص بعينه براءة الشريطة، إن كان قد استحق ذلك، أو ولاية الشريطة إن كان قد استحق ذلك الريب لعارضة فيه، أو لسبب ينظره فيه حكما له منه، مما قد وجب عليه، لأنه لا يحكم عليه بشيء يرتاب فيه.
وهذا الوقوف على هذه الشريطة واسع للعالم والضعيف، إذا كان مذهبه اعتقادا صحة الحقيقة في طلب السلامة، مما يخاف في قطع الحكم في (2/13)
صفحة 242
الولاية والبراءة، من عواقب الندامة، حتى يبين له ما يشتبه عليه فيه.
باب
ذكر حدث الولي في حكم الظاهر
قال غيره: قد مضى مما نرجو أن في بعضه كفاية عن تفسير هذا، إلا أن قوله كبيرة، يجب بهما عليه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، فكأنه أثبت ألا تكون كبيرة، إلا إن ثبت فيه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، والقول في ذلك معنا أن الكبيرة التي يختلف فيها، أنه ما ثبت فيه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخره من كتاب أو سنة أو إجماع، أو ما أشبه ذلك، أو لعن عن الله، أو سخط أو غضب، أو لعن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قبح أو ما أشبه ذلك فهو كله كبير، لاحق بحكم الكبائر من المعاصي، ليس أنه حتى يجتمع فيه حكم حد في الدنيا، أو نص وعيد في الآخرة، وليس بأحدهما يجب حكم الكبير.
وأما البراءة بعد الاستتابة من الكبير، فقد مضى فيه القول، والاختلاف فيه أن بعضا لا يبرأ منه حتى يستتيبه، وبعض يستتيبه ثم يبرأ منه.
ويعجبني أن لا يبرأ منه بالحكم حتى يستتاب، لثبوت الإجماع أنه لا يحكم عليه بحكم حتى يحتج عليه، إذا أمكن ذلك، وذلك في المال لا في نفسه، ويحكم عليه هاهنا في نفسه، فتكون الحجة عليه بنفسه وتترك ولايته، مع معرفة كفره، واعتقاد استتابته، وهذا موافق معي لحكم السنة في الأحكام، لأنه ليس ترك البراءة منه شك في أمره، وإنما هو اعتقاد لا يقضي فيه بقضاء يحول حكمه إلا بعد الحجة، وأما ما يلزمه في حدثه من الضمان والتبعات، فمعي أنه قيل بالتوبة منه عن ذلك، يستحق الولاية لأنه يكون (2/14)
صفحة 243
الضمان الذي يتعلق عليه بعد التوبة منه من الحدث، بمنزلة الدين، وليس في الدين استتابة، وإنما هو في الذمة، مأمون على أدائه، ما لم تقم عليه حجة بأنه مبطل في شيء من ذلك.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يتولى إذا تاب، حتى يعلم منه الدينونة بأداء ذلك، ويعطي بلسانه، ثم هنالك يتولى إذا أعطى الدينونة، بأداء ما يلزمه من ذلك.
وأحسب أنه قيل: إذا تاب ولم يؤد، ولا دان بأداء ذلك فهو في حالة البراءة، ولا تتم توبته إلا بالدينونة، بأداء ما يلزمه من المظالم التي كان أصلها مظالم، لأن المظالم عليه متعلقة، ولا يخرج ذلك مخرج الدين، ولكل شيء من ذلك معنا حجة، يذهب إليها القائل من هذه الحجج.
ويعجبني أنه إذا تاب ودان بأداء ما يلزمه، ثبتت ولايته، ولا تعجبني البراءة منه على حال، ولو لم تعلم منه الدينونة بأداء ذلك، ولا يعجبني أن يسرع إلى الرجوع إلى ولايته، إلا باعتقاد أداء ذلك، لأنه مظلمة قد ركبها وبها كفر، فلا يصح له معي حقيقة حكم الولاية بالاستغفار بلسانه فيما ظهر، والإقرار بأنه دائن بأداء ما يلزمه في ذلك في حكم ما أسر.
باب
ذكر من يتولى بنظره وصفة ذلك
واعلم أن الولاية عندي بحكم الظاهر، التي يصطفى بها الأولياء، إنما هي تخرج مخرج حكم الرأي، باجتهاد النظر لمن عرف أصول الولاية والبراءة، ويعرف أحكامها، وخاصها من عامها، وحكم البدع منها من حكم الدعاوى، وحكم التحريم منها من حكم الاستحلال، وحكم ما يسع (2/15)
صفحة 244
جهله منها، وما لا يسع جهله، وحكم ما يلزمه فيه السؤال منها، من حكم ما لا يلزمه فيه السؤال، وحكم الرأي منها من حكم الدين، وحكم السر منها من حكم الجهر، وحكم الشهادة منها من حكم القذف والدعاوى، وحكم الدعوى منها من حكم الفتيا.
فإذا كان بصيرا بالأصول من الولاية والبراءة، وبأحكام الأصول، فكان له بصر بحسن نظر مع ذلك، يفرق به بين تمييز البشر وموضع الصفوة منهم، من موضع الكدر، استعمل في ذلك مجهود النظر، في كل ما أراد أن يأخذ من أمور الناس أو يذر، ولا يعجل عجلة خرق، فيلحقه في ذلك أحكام الحمق، ويتأيد ويستنبط عن أخبار الناس، ويسأل عنهم أهل المعرفة بهم، فإنه ربما كان من هو دونه في النظر، أبصر منه بأمر الواحد الذي قد غاب عنه من أمره، ما لم يغب عمن هو عارف به، حتى يدخل في الأمر على بصيرة، وإذا كان بحد المعرفة في الناس، بهده الشروط التي هو أبصرها، وله نظر يؤديه إلى معرفة التمييز لأمور الناس، و إلا لم ينفعه علم ذلك إلا في أحكام الفتيا به، وربما كان كثير العلم، ليس له نظير يؤديه إلى أكثر مما علم، ولا يكاد من ضيق صدره، وقلة نوره، أن يحيط علما بما عرف، وإتقانا لما علم، إلا وتجده في عامة أموره متحيرا، وربما كان قليل العلم، له مادة بصر من ذات نفسه، تدعوه تلك المادة إلى طلب علم يخرجه إلى ما لا يعلم، ويستخرج بقليل علمه مع مادة نظره وصفوة بصره، ما لم يحفظه، وما هو أصفى وأحسن وأشفى من عبارة هذا المكثر، لما وعى من علمه إذا لم تكن له مادة بصر، وصفوة نظر لأنه إذا رجع العبد واحتاج في شيء من أموره، إلى أن لا يقدر بمادة نظره، وصفوة بصره، إلى تمييز شيء من الأمور، إلا ما حفظه نصا بحروفه كتلاوة القران، لم تجده إلا ضعيفا فيما عرف وحفظ لأنه لا يستطيع القلب أن يحفظ العلم والأخبار بتلاوة الحروف، وإتقان الكلام نفسه، إذا لم يكن يبصر حامله، أحكام المعاني التي يخرج منها كلامه الذي يتكلم به، أو أفعاله التي يفعلها، أو رأيه الذي يبرمه، (2/16)
صفحة 245
ولم نجد له حقيقة علم، ولا حسن رأي، ولا قوة فعل ينتفع فيه بنفسه، ولا ينتفع منه غيره به، وإنما يتكلم بما لا يعلم وهو مشاقق أن لا يسلم، وكيف يكون له ومنه وفيه شيء غير ذلك، فافهم المعاني في علم المادة، وعلم الغريزة.
فإن القليل من علم المادة في كثير علم الغريزة كثير، والكثير من علم المادة مع القليل من علم الغريزة يسير، ولا يكاد ينتفع علم الغريزة إلا بعلم المادة، ولا مجال أنه لا ينتفع أحدهما إلا بصاحبه، ولكن ربما كان كثير علم الغريزة يستخرج بإلهام الله - تبارك وتعالى - من علم المادة، ما لا يستخرج قليل الغريزة كثير علم المادة، ولا توفيق لأحد من الخليقة في شيء من الأمور إلا بالله رب العالمين، هو حسبنا في جميع أمورنا، فنعم المولى ونعم النصير.
فإذا أبصر العبد أمرا من الأمور من إلهام الله له، انتفع بمادة ما أمده من تلك المكتسبات، وأسور عن نفسه فيما قد هداه إليه الله أو كان غيره أكثر تجاربا فيه، وأقدم سنا منه، وأكثر تعاهدا له منه، لحسن نظره فيه، ولو لم يعرف ذلك من أحد من البشر، ولا عدم تبين ذلك، ولا أكثر من تلك النقود والسيوف والبروز وجميع الأشياء التي تتفاضل، وتخرج أحكامها بالنظر، وربما كان صغير السن قليل التجارب في ذلك أبصر من قديم السن، كثير التجارب، والتعاهد في ذلك، وربما وجدت كبير السن كثير التعاهد والتجارب في ذلك، لا يبصر منه شيئا من دقائقه، وربما وجدته يبصر دون من هو بمنزلته في ذلك، وهو بمنزلته أبصر منه، وهذا ما لا يخفى على من فتح الله له نظرا فيه، ونظرا في أمور الناس، واختلافهم فيه، وهذا إنما يبصر كله ببصر العين، ونور القلب، لا بغير ذلك يدرك.
وأمور الناس لا يدرك اعتبارها، ولا تمييزها، إلا بأصل العلم الذي وصفته لك، الذي يعرف به البار منهم والفاجر، والمؤمن منهم والكافر، (2/17)
صفحة 246
والكاذب منهم والصادق، والمشرك منهم والمنافق، وما لا يحصى من أسمائهم وصفاتهم، ويكون لمن علم تلك الأصول مادة نظر، ونور قلب وبصر، يعرف به تمييز دبيب الذر، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشرك في أمتي أخفى من دبيب الذر على الصفا" فأين لك بهذا القلب وهذا النور، إلا أن يوفق الله لشيء من الأمور؟ فإنه على كل شيء قدير، ويحتاج إلى نور قلب، يميز به بين الغراب من الغراب، والماء من الماء، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المنافق بالمؤمن أشبه من الغراب بالغراب، والماء بالماء".
فهذا العلم الدقيق لا يعرف عندي بعلم المواد، وعلم المكتسبات، وإنما يعرف بما يهتدي إليه من علم المكتسبات، مع صحة نور القلب، وجمة العقل والآلة، و إلا فتاه في ذلك وحار وغرق، في عميقات البحار، ولم يميز بين الفجار والأبرار، ولا الأخيار ولا الأشرار، ولا المؤمنين والكفار، ولا أعلم تفاضلا في الخير والشر عند من هدي لذلك، وأبصر من تفاضل البشر، ومن دقائق العلم فيهم والنظر، فعليك فيهم بالحزم والحذر، قبل أن تدخل في أمورهم في كدر، وانتفع عند فضل الله وتوفيقه بالعلم والبصر، ولا يدرك العلم إلا بأحكام الأثر، ومحكمات الكتب والسير، وصحيحات الرواية والخبر، وإذا خالفت ذلك بترك ما نهى الله عنه أو أمر، في ولاية أو براءة على غير ما يحبه الله ويرضاه، أو شيء مما أوجبه الله عليك أداه عمى، وصمما، وغشاوة، وبكما؟ فإنه قيل: من لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها، وما التوفيق إلا بالله. (2/18)
صفحة 247
باب
ذكر معنى قبول الولاية بالرفيعة
وثبوتها وجوازها
وقد قيل: إنه تقبل الولاية بالواحد الثقة، و إن كان عبدا، وكذلك المرأة إذا كانت تعرف الولاية والبراءة، ولا تبطل ولايته إلا بشهادة رجلين عدلين عليه، بما تبطل به شهادته، وكذلك حفظنا عن المسلمين، وشهادة رجل وامرأتين من العدول.
قال غيره: أما الولاية، فقد قيل: إنما تجوز وتثبت بالرفيعة، من قول الواحد المسلم الثقة في دينه، البصير بأحكام الولاية والبراءة، المبصر للولاية والبراءة.
ومعي أنه قيل: لا تجوز ولا تثبت إلا باثنين، ممن وصفت لك، ومعي أنه قيل: انه يجوز بقول الواحد ممن وصفت لك، ومعي أنه قيل: ولا يلزم المرفوع إليه إلا بقول اثنين، وهو مخير في قبول الولاية بالواحد ممن وصفت لك، ومعي أنه قيل: إذا سأل هو عن ولاية المرفوع إليه ولايته، فرفع إليه ولايته واحد ممن وصفت لك، لزمه أن يتولاه، وإذا لم يسأل هو عن ذلك، وكان الرافع هو للولاية، فلا يلزم المرفوع إليه، وهو بالخيار ما لم يكن هو السائل.
ومعي أنه يذهب إلى أنها بالواحد تلزم على كل حال سأل أو لم يسأل، ولا يجعل له التخيير. يخرج ذلك معي في التأويل مشبها للفتيا والدلالة، فكأنه أفتاه ودله على شيء من الفرائض، التي قد أوجبها الله عليه، فكانت فتياه ودلالته عليه، حجة على ما قد تعبد الله من الولاية في (2/19)
صفحة 248
حكم الظاهر، فإذا ثبت هذا السبب، الذي هو دليل له على ولاية المسلم الذي قد أوجب الله عليه في الحكم ولايته، لم يكن له ترك مما ألزمه الله، ولم يكن له تخيير. فإن كان هكذا فالمرأة إذا كانت بهذه المنزلة، المرأة الحرة، والعبد والأمة، إذا كانوا بهذه المنزلة التي وصفتها لك، كانوا حجة لأنه في الفتيا، وعلى الشيء من الأشياء لا فرق فيها بين عبد ولا حر، ولا أنثى ولا ذكر، ولا من قل أو كثر، بلوغ الحجة وقيامها إصابة المعنى نفسه، الذي ثبت فيه التعبد ووجوده.
فهذا معنى يخرج في قول الواحد، أنه ثابت بقوله الولاية بلا تخيير. وأما معنى ما عندي أنه قيل: إنه مخير في قول الواحد، وغير مخير إذا سأل، فيشبه عندي سؤاله سؤال الحاكم للمعدل المنصوب للعدالة عن شهادة الشاهد، فيعدله المعدل ي الحكم الذي قد ثبت على الحاكم السؤال فيه، والعمل به، فإذا سأله كان قوله عليه حجة إذا عدله، وله طرحه غيره من المعدلين، ولو رفع إليه المعدل في سائر الأوقات عدالة شاهد له، ولم يكن ذلك لازما له وقت الحكم الذي يعني به، إذا لم يكن فيه سؤال، ولم يجزه ولم يلزمه أن يحكم بذلك التعديل، حتى يسأل عن الشاهد العالم إذا شهد في ذلك الحكم، وكان سؤاله عن هذا الشاهد لهذا العالم، يخرج عندي مشبها لهذا الحكم، لهذا المعدل في حكم الذي أراد أن يحكم فيه، بشهادة هذا الشاهد إذا قد شهد فيه.
وكذلك سؤال هذا لهذا العالم، عن هذا المسلم ليحكم فيه بما سأل عنه، فهذا عندي يخرج على هذا والله أعلم.
وأما قول من قال: إنه مخير في قول الواحد على حال في ولاية من تولاه، أو دفع ولايته، سأل أو لم يسأل، فإنه يخرج عندي أنه يذهب إلى أن الولاية حكم، ولا يلزم الحكم فيها إلا بشاهدين ممن تجوز شهادته في ذلك الحكم، (2/20)
صفحة 249
فالولاية لزومها له في إنسان بعينه، بعد أن كان سالما من ولايته، ومن أحكام ما يجب عليه من ولايته، فلا يلزمه إلا بما يلزمه له الحكم، وهو شاهد أن ممن تجوز شهادته في ذلك المشهود به.
و إذا رفع إليه الواحد الذي لا يجب نسخه الذي تجب عليه ولايته، بمنزلة شهادته عليه في شيء إذا صدقه الشاهد فيه لزمه الحكم به من حرمة حلال في يده، حلال يريد أن يدخل فيه مما حكمه المباح، من مال أو فرج أو ما أشبه ذلك، فإذا شهد معه العدل المسلم الثقة، في شيء من مثل هذا، ولو كان في الفضل بأي حال، والعلم بأي حال، ما لم يكن نبيا أو رسولا من قبل الله - تبارك وتعالى -، من أنبيائه ورسله، فلا يكون عليه حجة، ولكنه بالخيار، فإن شاء صدقه وألزم نفسه ذلك الحكم، وإن شاء لم يصدقه حتى تقوم عليه الحجة بشهادة شاهدين، وسواء عندي في ذلك، سأله عن ذلك أو لم يسأله، فإذا ثبت عليه قول الشاهدين اللذين هما حجة عليه فيما تعبده الله به، لم يسعه إلا إلزام نفسه الحجة، ولو لم يحكم عليه بذلك حاكم، في جميع ما كان مباحا له، شهدا عليه بحرمة أو بباطله، أو بما يزيله منه بصفة يبينانها أنها من المحرمات، وسواء سألهما عن ذلك، أولم يسألهما، فهما حجة عليه إذا عرفهما معرفة تقوم عليه، بمعرفته فيهما الحجة، وليس له أن يجهلهما بعد أن علمهما، ولو جهل موضع حجتهما، فكذلك هذا المتولي في هذا، وإلزامه له الولاية فيما تعبده الله في أحكام الولاية لوليه هذا، فقامت عليه الحجة ببلوغ علم ذلك إليه، فليس له أن يجهله إذا علم الحجة أنها حجة، ولو جهل حجة الحجة.
وقد قيل: يلزمه ذلك ولا يسعه إلا ولايته، لمن توليا، وقد قامت عليه الحجة.
وقال من قال: إن لم يبصر وجه وجوب الولاية بولاية العالمين، والعلماء الذين هم عليه حجة، وضعف عن ذلك فوقف عن ولاية المتولى، وتولى (2/21)
صفحة 250
العلماء على ولايتهم لمن تولوه، ولم يقف عنهم برأي ولا بدين، ولا برىء منهم برأي ولا بدين، ويسعه ذلك، ولم يضق عليه، وقد تولى في الحكم من تولوه في جملة ما تعبده الله به، وبه جاء الأثر الذي لا أعلم فيه اختلافا بين أهل البصر، أنه من وقف وتولى من تولى، فقد تولى، أي فقد تولى المتولي، في أصل ما أوجب الله عليه أن يتولى.
وكذلك يلحقه إذا ضعف، ولم يبلغ بصره إلى ما بلغ إليه العلماء من أحكام الولاية، والولاية في أحكام ما وصفت لك من الاختلاف في الواحد ولزومه ذلك، وتخييره في ولاية المرفوع ولايته، فعلى كل حال إذا لم يبصر ذلك، فذلك عندي أوسع للاختلاف أن يتولى المتولى من العلماء، أو يقف عن المتولى، ويسعه ذلك، ولا يسعه على حال، وإن ضعف عن ولاية المتولى، أن يترك ولاية المتولى من العلماء، ولا يبرأ منه برأي ولا بدين، فافهم ذلك إن شاء الله.
باب
ذكر ولاية الطفل بولاية أحد والديه
المجنون إذا كانت له ولاية، ثم ذهب عقله، فهو على ولايته، الصغار المسلمون يترحم عليهم، ويتولون إذا ماتوا، وكذلك إذا كان الأب وحده في الولاية.
وقال أبو زياد: عن أبي العباس ولده، قال: كتبت أنا وأبو جعفر جوابا في الصبي، إذا كانت أمه في الولاية، أنه يترحم عليه، فقرأ أبو علي الكتاب فلم يغيره.
وقال من قال: حتى يكون الأب، وأما الأم فلا. (2/22)
صفحة 251
وكذلك أطفال المشركين إذا أسلم أبوهم وأصلح، فهو في الولاية، لأنه تبع له، فإن بلغ الصغير، زال عنه ذلك، فإن كانت له ولاية تولي، وإن لم تكن له ولاية هو لم يتول بولاية أبيه.
قال غيره: في هذا كله معي أنه قد قيل: هذا، فأما في أطفال المسلمين فقد جاء فيهم عن الله فيما جاء في التأويل قوله -تعالى -: (والذين أمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين) (1).
فإذا ثبت في الذين آمنوا، لم يصح ذلك إلا في الجملة، من الذين امنوا، أو تزول عن الذين امنوا، والآباء والأمهات داخلون عندنا كلهم في الذين آمنوا، وأولادهم وذرياتهم، فإذا ثبت لهم الإيمان من الآباء لم يخرج من الأمهات، فمعي أن هذا مذهب من يقول: بأنهم سواء الأب والأم، لمن كانت له الولاية منهما ألحق به أولاده، وأما قول من يقول: إنه حتى يكون ا لأب.
فمعي أنه يذهب أن الأولاد إنما هم للآباء في ثبوت الأحكام، من ثبوت ما يلزم الحكم في الأب، وعلى الأب، وللأب دون الأم من وجوب النفقة، والكسوة للولد على أبيه، دون أمه، ووجوب حكم الرضاع على الأب للأم، وتصرف الأب في مال الولد، في مصالحه في نفسه من دون الأم، وإنما المخاطبة في هذه الأمور للرجال، فيلحق التعلق معنا بأحكام ولاية الظاهر، من أحكام الدنيا بهذه الأسباب، ولا يخرج ذلك معنا إلا التعلق بالصواب، لثبوت مخصوصات الحكم بالأب، دون الأم في هذه الأسباب.
وأما ثبوت ذلك في أحكام الآخرة، فلا يستقيم معنا في ذلك اختلاف، وإذا ثبت اللحوق بهم في الآخرة بالآباء لم يستقم إلا أن تكون الأمهات
__________
(1) - الطور 21. (2/23)
صفحة 252
مثله، لأن أحكام الدنيا غير أحكام الآخرة، وأحكام الظاهر، غير أحكام الحقائق في الولاية والبراءة، وأحكام الآخرة أحكام الحقائق، وأحكام الدنيا أحكام ظواهر، ليست بحقائق، وإنما هي تلزم بالتعبد، فافهم ذلك إن شاء الله.
ونحب على كل حال في الولاية، أن يكون يثبت لأولادهم جميعا الولاية من قبل الأم والأب، وهو معنا أكثر القول، وأشبه بالثبوت، لأن معنى الإيمان والولاية ليس كمعنى الأحكام من النفقات والأموال، والمصالح في الدنيا، وأما إذا لحق للصبي الولاية بولاية أبيه في حكم الظاهر، ثم بلغ، ولم يعرف منه ما تجب به ولاية ولا براءة، فمعي أنه قد قيل: يوقف عنه، وهو كسائر الأطفال إذا بلغوا، ممن لم تكن له ولاية بولاية أبيه، ويخرج معي هذا الوقوف إذا ثبت هذا أن يكون وقوف الدين، في جميع العالمين، ممن لم يصح منه ما تجب به ولاية ولا براءة، وهو كسائر الناس.
ومعي أنه قد قيل: إذا ثبت له الولاية بسبب لم يحل عنه، وهو عليها، وهي له إلى أن يعرف منه ما ينقضها، وقد كانت إنما ثبتت له في حكم الظاهر بسبب، فلا يزيلها عنه إلا بسبب يحدثه.
ومعي أنه قيل: تثبت له ولاية الرأي أن يتولى نفسه، ويعتقد فيه إن كان على الحق والدين، الذي يجب له به الولاية، ولا يقطع عنه كغيره، ممن لم يعرف منه شيء، ولا يوقف عنه كغيره ممن لم يعرف منه شيء، ويعجبني فيه ولاية الرأي، لئلا يتعرى في الحكم كغيره، مما ثبت له في الحكم، و ولاية الرأي ولاية السلامة -إن شاء الله -، وهو أن يعتقد ولايته على ما كان في الشريطة، إنه إن كان على الإسلام، وهذا في نفس ولايته.
وأما في حكم شهادته، وما يلزم له وعليه في أحكام الولايات فلا يبين لي أن يكون فيه إلا حكم الوقوف، وأنه فيه كغيره من الناس في حال التعبد في (2/24)
صفحة 253
غير ولاية نفسه.
ومعي أنه قيل: في أولاده الذين ماتوا صغارا، من قبل أن يستحق هو الولاية، كان على شرك يوم ماتوا، أو على كفر نفاق، أو لم يكن يعرف منه شيء ثم صار في حال يستوجب الولاية، أنه تجب لأولاده الصغار الذين قد ماتوا ما يجب له به، ويكونون لحقا به، في حكم الولاية في حكم الظاهر وتجب ولايتهم.
وكذلك معنا إذا ثبت أنهم لحق بهم في أحكام الآخرة، فسواء مات الطفل وأبوه مشرك في أحكام الدنيا، أو كافر منافق، أو مؤمن في أحكام الدنيا، لأن أحكام الآخرة لا تتحول في حكم الله -تبارك وتعالى- ولا تختلف.
وكذلك، إذا مات الوالد وله ولاية، ثم ولد له من بعده أولاد، فهم لحق به في الولاية، ولا تختلف معنا أحوالهم في أحكام ولاية الظاهر، مات قبلهم أو ماتوا قبله، أو كانوا في الحياة جميعا في وقت واحد.
باب
ذكر معنى ولاية المجنون وحكمه
وأما المجنون فمعنا أنه إذا ذهب عقله، وقد صار بحد المعتوه، فقد زال عنه حكم التعبد، بمنزلة الصبي الذي لا تعبد عليه، في أحكام الدنيا، بل قد يكون من الصبي المراهق والعاقل ما يرجى له فيه، ما لا يرجى للمعتوه ولا منه، إلا أنه إذا جن وهو في حد الولاية فقد ثبتت ولايته في حكم الظاهر، و كأنه مات على الولاية. (2/25)
صفحة 254
وأما ما ولد له في حالة عتهه (1)، فهم لحق به في الولاية، وأحكامه كلها في أحكام الولاية أحكام الولي المسلم، إلا أنه لا تقوم منه حجة، حجة من شهادة أو غيرها من حجج الإسلام، ولا في نفسه ولا في ماله، ولن يتحول إلى حال وقوف في حكم الظاهر، ولا إلى براءة تحيله، ولو أظهر الشرك وتكلم به، وجميع المكفرات، وقتل وأخذ أموال الناس على المكايدة، فلم يرجع بشيء من ذلك عن حكمه، الذي قد ثبت له في الظاهر من الولاية.
وكذلك إن كان في حد الوقوف، فهو على حاله لا يرجع إلى حال براءة ولا ولاية أبدا.
وكذلك إن كان في حد البراءة، فهو على حاله، ويبرأ منه في الحكم بالظاهر، فيما قد ثبت عليه، ولا يرجع إلى حد الوقوف ولا الولاية، إلا أن يشهد له بالتوبة قبل عتهه، ويصح ذلك منه، فإنه يرجع إلى حد ما كان عليه الذي عته، وهو عليه من ولاية أو وقوف، إذا شهد له بالتوبة من حدثه الذي برىء منه.
وأما أن كان في حد الوقوف أو الولاية، ثم شهد عليه بحدث كان منه في صحة عقله، فهو بمنزلة الميت.
وقد وصفت لك الاختلاف في الشهادة على الميت، في اختلاف أحواله إذا كان من الأئمة، أو إذا كان من المسلمين دون الأئمة، أو كان من غيرهم ممن ليس له ولاية، ولا تصح له عداوة في حكم الظاهر.
وكل حالة ثبتت في الميت له أو عليه، مما وصفت لك من الشهادة في الأحداث على المكفرات، فالمعتوه مثله، فافهم ذلك وليس يحتاج إلى تكرار ذلك.
ولو كان المعتوه مشركا ثبتت أحكام شركه، على ما كان يثبت له من أحكام الشرك عليه، وأولاده الصغار تبع له، له في حال عتهه فهو
__________
(1) - في الأصل (عتوهه)، والصواب ما أثبت لأن عته مصدره عته. (2/26)
صفحة 255
تبع له في أحكام الظاهر في الدنيا، إلا أنه لا حجة عليه ولا منه، ولا عقوبة في فعله، ولا أعلم أن عليه جزية، ولو أنه أظهر الإسلام وأقر به بكماله، وأظهر التوبة بكمالها بلسانه، لم يخرجه ذلك مما هو عليه في الإسلام، ولا يثبت له من ذلك ولا عليه من الأحكام، ولا يقرب دخول المساجد ولا الحرمين مكة والمدينة، وأحكامه كلها في أحكام الظاهر، حكم المشرك في أحكام الولاية و البراءة، والنجاسة والطهارة، ولحوق الذرية، بإزالة الصدقة عن ماله، إذا كان أصلها ليس من مال المسلمين، إلا ما يكون من الطاعة، فإنها ليست بثابتة له، وما يكون له بمعصية فليست بثابتة عليه.
باب
ذكر ولاية الأعجم وحكمه
وكذلك معي أنه قد قيل: إنه لا يتولى ولا يبرأ منه، على ما يأتي من الطاعة والمعصية، إذا كان أعجما لا يسمع ولا يتكلم، لأنه لا تعرف منه حجة له ولا عليه، فإذا كان كذلك ولد، أو كذلك بلغ فهو عندي يشبه بحكم المعتوه في الولاية والبراءة، ومعي أنه لو كانت له ولاية ثم أعجم فذهب سمعه ولسانه، أعجما أصما بمنزلة الأعجم، كان على الولاية معي، ولحق فيه معي جميع ما لحق المعتوه في حكم الظاهر، مما وصفت من عمله بالطاعة والمعصية في أولاده.
وكذلك لو كان في حد البراءة، ثم أعجم كان على حالته معي في الحكم، وكذلك إذا كان على حد الوقوف، كان على حالته، وكذلك لو كان مشركا كان على حالته في حكم الظاهر، لأنه لا تقوم له حجة ولا عليه حجة، وإن كان الأعجم من أولاد أهل الشرك أو معتوها، فإذا بلغ كان معنا في حد الوقوف، وكذلك إذا عته أو أعجم بعد بلوغه، وقد كان من أولاد أهل الشرك، أو من أولاد أهل الإقرار، كان في حد الوقوف، ولم يبرأ منه، ولم (2/27)
صفحة 256
يتول في حكم الظاهر، حتى يعلم منه ما يجب فيه من حكمه، من حكم ولاية أو براءة من ذات نفسه، لا من حكم غيره.
وإن كان من أولاد المسلمين فأعجم أو عته وهو صغير، أو قبل أن يعرف ما عنده بعد بلوغه من كفر أو إيمان، أو ولاية أو براءة، فعلى قول من يثبت ولايته حتى يعلم ما عنده في حكم الظاهر، فهو في الولاية، ما لم يصح منه بعلي صحته، ما يجب به حكم من ذات نفسه.
وعلى قول من يقول بالوقوف فهم أنه موقوف عنه، ومعي أنه وقوف دين.
وعلى قول من يقول: إنه يتولى بالرأي، فلعل هذا الفصل يضعف أصله ومعناه، أنه إذا عته كان أو أعجم صغيرا، وأما إذا كان بعد بلوغه، فعندي أنه يثبت القول فيه، أن يثبت له ولاية نفسه على الشريطة كما وصفت لك.
باب
ذكر ولاية المتلاعنين و حكمهما ونحوهما
ومن الكتاب: وأما المتلاعنان ففيهما اختلاف:
فمن المسلمين من قال: هما في الولاية التي كانت لهما، حتى يعلم الكاذب منهما.
وقال من قال بالوقوف عنهما لأنه لا شك أن أحدهما كاذب، و إذا اجتمعا في شهادة كانت شهادة واحد، وهي شهادة امرأة. (2/28)
صفحة 257
وكذلك قال من قال في الرجلين إذا كانا في الولاية، فقتل كل واحد منهما صاحبه: إن أهون ما يلزمهما الوقوف.
قال غيره: قد مضى القول في المقتتلين بذكر الاختلاف فيهما، وكذلك المتلاعنان مثلهما، وهما مثل المتلاعنين، وكل هذا فصل واحد.
وقد قيل: الولاية لهما جميعا أثبت على ما وصفت لك.
وقال من قال: بالوقوف، وإن الوقوف عنهما أنزه، وقد بينت لك الحجة في ذلك، وكذلك إذا كانا في الولاية، ثم برئا من بعضهما بعضا، ولم يعرف المبتدىء منهما من صاحبه قبل الآخر، إلا أنهما يبرآن من بعضهما بعضا، فقد قيل فيهما مثل هذا في الاختلاف من الوقوف، والولاية والبراءة على ما وصفت لك من القول الشاذ، وكل هذا فصل واحد، وأصل واحد، وما أشبهه فهو مثله مما يتولد منه، وأما المتلاعنان، فإن حكمهما واحد، ولا يدري على كل حال في الحكم، أيهما الكاذب من الصادق، إلا أن يقر أحدهما على نفسه أنه كاذب، وأن صاحبه الصادق، فإنه يثبت معنا على المقر ما أقر به، ويثبت للآخر منهما حكمه الذي عليه، لثبوت الكذب في الآخر المقر على نفسه، و إلا فلا أعلم أنه يقدر بحيلة على الخروج لأحدهما بالحق دون صاحبه.
باب
ذكر ولاية المتبرئين من بعضهما بعضا
فأما المتبرئان من بعضهما بعضا، فالمبتدىء من صاحبه بالبراءة عند من يتولاهما من أوليائهما هو القاذف، ويبرأ منه بعينه في حكم الظاهر بحكم القذف، ويتولى الآخر، ولو كان في حكم سريرته، إنما برىء منه بحق يعلمه (2/29)
صفحة 258
أشه يستحقه، ولم يسعه ذلك في دين الله، وهو مخلوع بقذفه، وهو المبتدىء المبطل في حكم الظاهر، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وأما المقتتلان حتى قتل كل واحد منهما صاحبه، فإن علم المبتدىء منهما بقتل صاحبه أو ضربه، ولم يعلم أنه محق أو مبطل، ولم يعلم أيهما المبطل، ولا أيهما المحق، وقد علم المبتدىء منهما بقتال صاحبه، فمعي، أنه قد قيل: إن ذلك كله سواء، وهو على ما قد مضى من القول من ولايتهما جميعا، أو البراءة منهما جميعا، أو الوقوف عنهما جميعا.
ومعي أنه قيل: إن المبطل منهما من كان منه الابتداء في حكم الظاهر، لأنه بدأ فاتى المحجور الذي هو محرم في الأصل، إلا بوجه يبيحه، فإذا لم يعلم فهو المعتدي، ويبرأ منه، ويتولى الآخر في الحكم.
وقيل بالقول الأول كما وصفت لك، لأنه يحتمل أن يكون فعل ذلك بما يجوز له فيه، وبما يستحقه عليه في حكم الإسلام، مما غاب عن المسلمين فهما جميعا في الولاية، وقيل: بالوقوف عن المبتدىء لإشكال أمره، والولاية للآخر، لأنه لم يظهر منه الاعتداء، وإنما الاعتداء يكون عن نفسه، فليس فيه إشكال إذا عرف المبتدىء فيوقف عنه ولا يبرأ منه، وإنما الاختلاف بالبراءة والوقوف، ممن علم منه الابتداء، وفيه شبه الإشكال، أو شبه الاعتداء أو التصريح.
وكذلك لو أن أحدهما قتل الآخر، ولم يكن من الآخر فيه حدث بقتال، قتل، ولا ضرب، ولا نكير، فقد قيل: إنه في الولاية على حالته الأولى كما وصفت لك، وقيل: بالوقوف، وقيل: بالبراءة، كما وصفت لك فيه من الابتداء، إذا كان منه الفعل والابتداء قبل صاحبه.
والاختلاف إذا كان هو الفاعل دون صاحبه، كالاختلاف فيه إذا كان المبتدىء هو بقتل صاحبه، وإذا لم يكن من الآخر فعل على المقتول من قبل، (2/30)
صفحة 259
ولا من بعد، فهو على حال ولايته، ولا أعلم في ذلك اختلافا، فافهم هذه المعاني فإنها من دقائق الولاية والبراءة معي، وقليل مبصرها ومميزها، إلا من هداه الله إلى ذلك.
فإن قيل لك: كيف افترق أمر المبتدىء بالبراءة منهما، وأمر المبتدىء بالقتال منهما، وكلاهما في الأصل مبتدئان بأصل محجور؟
قيل له: إن المبتدىء بالبراءة مبتدىء بالقذف، والقاذف مخلوع على كل حال، ولو كان في سريرته عالما بما يجوز به الخلع والبراءة ممن برىء منه، فإذا أظهر البراءة منه مع وليه فهو قاذف والقاذف مخلوع لا عذر له في الإسلام، ولا محتمل له، و المبتدىء بالقتال، والقتل مبتدىء بما يحتمل حقه وباطله وخطؤه وصوابه، لأنه إن كان محقا، أو كان له ذلك في السريرة في علم الله، فذلك في دين الله غير محجور، وقد يكون من المسلمين إذا كان لهم ذلك، وليس عليهم ترك ما لهم من الانتصار في الحقوق، التي لهم على من ظلمهم في مال، أو نفس عن أخذ ما يجب لهم، إلا أن تحيل بينهم وبين ذلك حجة حق، والقاذف و المتبرىء ليس له ذلك في حكم الظاهر، ولو كان لا يعلم منه أنه عالم بذلك بما لا يستحق القاذف القذف، ويستحق الخالع الخلع، فإن ذلك محجور في الاصل دين الله، فالفعل في هذا غير القول بهذا في الإجماع، لأنا مجمعون أن له أن ينتصر من ظالمه والمعتدي عليه، إذا لم يقدر على من ينصفه ويوصله إلى حقه من نفس ما يجب له من الحق، ومجمعون أنه ليس له أن يظهر القذف، بان ذلك ليس بانتصار، وأنه محجور عليه.
فإن قال: فما زال حكم القذف عنهما جميعا، وقد برئا من بعضهما بعضا مع من يتولاهما، وهما قاذفان لبعضهما بعضا، فكيف جاز لمن يتولاهما وهما قاذفان؟
قيل له: لأن وليهما لم يعلم أيهما القاذف فيبرأ منه بعينه، و المتبرىء منهما في الأصل غير معلوم فيبرأ منه بحكم القذف، فلما غاب ذلك احتمل للمبتدىء أن يكون قذف باطلا فيبرأ منه الآخر بحق، واحتمل أن يكون برىء بحق، و برىء منه الآخر بباطل، واحتمل باطلهما كلاهما، واحتمل (2/31)
صفحة 260
حق أحدهما، ولم يتعر ذلك في أصل المحتمل، فلحقهما بحكم المتلاعنين الاختلاف في ذلك، وحكم المقتتلين.
فإن قيل: فحيث جاز عندكم لرجل واحد بعينه، وهو الذي قلتم أنه قتل وليه، وكلاهما كانا في الولاية، فقلتم: يجوز فيه البراءة على ما قلتم، وتجوز في الولاية، ويجوز فيه الوقوف، فما تقولون في الواقف عنه، ما يكون وليه عند الذي برىء وتولاه؟
قيل له: يكونان في الولاية جميعا، ولا يسعه ترك ولاية أحدهما بدين ولا برأي، إن كان من العلماء، ولا بدين إن كان من الضعفاء، لأن كل واحد منهما، يعمل بقول له أصل ثابت من أصول الحق المجتمع عليه، راجع ذلك القول إليه، ونازل عليه.
فإن قال: فيجمع بين الأضداد المتولى و المتبرىء في الواحد بعينه، ويتولاهم برأي أو بدين؟
قيل له: لا، بل يتولاهم بدين، وليس هؤلاء متضادين، ولكن هؤلاء متوافقون متساعدون، متحابون متوادون، في أصل حقائق الدين مع المبصرين المهتدين.
فإن قال: فكيف؟ قال المسلمون: إنه لا يجوز أن يجمع بين المتضادين، المتولى و المتبرىء بحال ولاية لهما، ولو جهل ذلك المتولى لهما، وهو غير معذور؟
قيل له: ذلك فيمن أن من الأحداث، ما لا يجور أن يكون فيه الحق، إلا في واحد من أمور الدين، الذي لا يجوز فيه الاختلاف، ولا يجوز أن يكون الحق فيه إلا في واحد، فإن كان ذلك صوابا لم تجز فيه البراءة للمتبرىء بالدين، وإن كان ذلك خطأ لم تجز فيه الولاية بالدين، فعلى هذا إن المتضادين في هذا الوجه ليسا محقين جميعا فمن اطلع من الناس على أصل ما اختلف فيه من أصل الدين، فلا يجوز له إلا أن يكون مع المحق منهما، من المتولى منها ومن المتبرىء، وأقل ما يكون يلزمه إذا علم الأصل كعلمهما الذي اختلفا فيه فيما لا يجوز فيه الاختلاف، أن يتولى المحق، فإن كان المحق من العلماء تولاه بدين، وإن كان من الضعفاء تولاه بدين أو برأي، لا يجوز غير (2/32)
صفحة 261
ذلك، كان المحق هو المتولي أو المتبرىء، جهل هذا الحكم فيما عاين أو علم، وليس له أن يتولى المبطل منهما بدين على حال.
وإن تولاهما برأي، لم يضق عليه إذا جهل الحكم فيه.
فإن قال: فإنه لم يقف على أصل ما علما من حدث هذا المحدث ولم يعلم كعلمهما فيه، من أصل حدثه ولا فيما يختلفان فيه في أصل حدثه، إذا سمعهما أو أحدهما يتولى هذا الشخص المسمى، وأحدهما يبرأ منه، وهما جميعا في الولاية معه، وإنما كان أصل ما اختلفا فيه، فيما يكون فيه الحق في واحد في علمهما، أو علم الله فيهما، وعلم غيره من المسلمين في غيرهما، أنه لم يعلم ذلك علما تقوم عليه الحجة به بمعرفة ذلك من حدث المحدث، ولا يعرف المحق منهما من المبطل إلا اختلافهما في الولاية والبراءة في هذا الشخص بعينه، قيل له: معنا، إن له أن يتولى ولييه جميعا، إذا غاب عنه معرفة صحة الحدث، وحكم المحق منهما من المبطل، لأنه لا يسعه ترك ولاية ولييه على دعواهما على بعضهما بعضا، لأن الولاية والبراءة إنما هي دعوى، وحكم الدعاوى أنه يلزم فيها الولاية ما لم يخطيء أحد من المدعين صاحبه، وليس هذا جامعا بين الأضداد فيما تعبده الله به في حكم ولييه هذين.
فإن قيل: أليس هذا هو الذي قلتم أنه لا يجوز فيه الجمع في الولاية من المتولي والمتبرىء في علم الله - تبارك وتعالى -، وعلم المسلمين، وفي الشاهر والظاهر، إلا عند هذا بعينه أن هذين المتضادين، وانهما مختلفان في حكم من أحكام الدين؟
قيل له: نعم، هو كما تقول أن الله - تعالى - لا يكلف العباد معنا في شيء من أحكام الدعاوى علمه - تبارك وتعالى - ولا غيره من عباده، ولا من ملائكته، ولا من رسله، ولا من أحد من المسلمين، ولكن كلفهم في ذلك أن لا يخالفوا في حكم الدين، الذي أنزل عليهم فيه الكتاب المستبين، وأرسل إليهم فيه رسله الصادقين، وجعل لهم وعليهم شواهد فيه عبادة المسلمين، وأخذ عليهم الميثاق، أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون، (2/33)
صفحة 262
فالأول إذا تولى المتولي و المتبرىء على علمه بالحدث الدين، وهذا إذا برىء من أحدهما أو وقف عنهما أو عن أحدهما بدين، بغير علم الاختلاف بهما، في ولايتهما وبراءتهما، على ما قد أوجب الله عليهما وألزمهما، وغاب عن هذا أمرهما، كان ناقضا للدين، وولاية ولييه على دعواهما، ما لم يعلم باطلهما، أو باطل أحدهما ثابتة عليه في أصل الدين، وموافقا بذلك أحكام شريعة الدين.
فإن قيل: فإن المتولي منهما برىء من المتبرىء منهما، وقال: إنه برىء من ولييه، وأباح البراءة من نفسه، ومعي، أنه قد برىء من ولي فما عندكم فيهما إذا برىء المتولي ممن برىء من ولييه، إذا أظهر البراءة ماذا يلزم وليهما هذا الذي قد سمعهما يختلفان، ولا يدري اختلافهما على أي الوجوه في ولايتهما أو براءتهما هذه؟
قيل لمن قال ذلك: معنا، أن وليهما يبرأ من المتبرىء من وليه منهما، إذا كان المتبرىء علم أنه يتولاه أو أخبره بولايته، و المتبرىء عالم بولاية هذا الذي برىء منه، لأنه قاذف لوليه على دعواه، من غير أن يصح عليه ما يجب له به البراءة، ولا أقر له وليه بشيء يجب له به البراءة، فهو قاذف لولية، ويبرأ من المتبرىء، ووليه الأول على ولايته عند هذا، فإن برىء وليه من المتبرىء إذ برىء منه على دعواه أنه برىء من وليه، أو برىء منه على ذلك، فالمتبرىء من الذي يبرأ منه على ولايته، وهو وليه الأول.
فإن قال: أفليس تنكرون على المتبرىء إذا أظهر البراءة من هذا الذي يتولاه هذا بحضرتكم، ويقول: أنه وليه، وهذا يبرأ منه؟
قلنا له: لا تنكر عليه براءته من أحد لا نتولاه نحن، ولا تقوم عليه الحجة فيه أنه مخالف فيه الحق، وإنما هذا مدع في ولايته معنا، وهذا مدع في براءته معنا، وكلاهما متداعيان، والمتداعيان في الولاية لا اختلاف في ذلك معنا ما لم يخطيء بعضهما بعضا، فيكون المخطيء هو المخطيء. (2/34)
صفحة 263
فإن قال: فما بال هذا أجزتم له أن يبرأ ممن برىء منه وليه من هذين المتداعيين، ولم تجيزوا للمتولي من المقداعيين أن يبرأ ممن يبرأ من وليه؟
قيل له: يجوز له أن يبرأ ممن برىء من وليه، إذا كان برىء منه باطلا سريرة، ولا يبرأ منه علانية، عند من يتولاه، فيكون قاذفا، وإذا خالف الحق في براءة السريرة، وجعلها علانية، كان قد خالف الحق، وأباح من نفسه البراءة لو كان محقا في سريرته أن هذا قد قذف وليه بغير ما تقوم عليه به الحجة له.
باب
ذكر معنى شهادة الشاهدين
على أحد من المسلمين ممن له ولاية
مع من يتولاه
ومعي، أن شهادة الشاهدين على أحد من المسلمين، أنه يبرأ من أحد من المسلمين ممن له ولاية مع من يتولاه، ومعي، أن شهادة الشاهدين أن أحدا من المسلمين بعينه، يبرأ منه وهو ولي له، أن الشاهدين ها هنا قاذفان لوليه، الذي يقولان أنه يبرأ منه، وهو يتولاه.
وكذلك إن شهدا على أحد من المسلمين، ولو كانوا كثيرين ممن يتولاه المتولي لوليه، وشهدا أنهم يبرؤون من وليه فهما قاذفان معي لوليه، وقاذفان لمن قالا أنه يبرأ منه، من أوليائه.
وأما إن شهد الشاهدان، أن المسلمين يبرؤون منه هكذا، فمعي، أنهما يكونان قاذفين لوليه، ولا يكونان شاهدين بشيء من هذا كله على من شهدا عليه، وإن شهدا بان أحدا من المسلمين بعينه يبرؤون منه، فهما قاذفان للذي يشهدان عليه بالبراءة منه، فإن كان المتولي له يتولاهم، فهو قاذف (2/35)
صفحة 264
لأوليائه لان كان لا يتولاهم إذا كانوا معروفين فليس هما بحجة بشهادتهما، ولا قاذفين بشهادتهما على براءتهم منه، ولا قاذفين لوليه، ولا للشاهدين عنه أنه يبرأ منه.
وأما شهادتهما في الجملة، أن المسلمين يبرؤون منه، فإنه قاذف له، لأنه لا يبرأ منه المسلمون إلا كافرا، وقد قذفوه بالكفر معي، ولا يخرج تأويل هذا الأثر إلا على الحق، إلا أن هذين الشاهدين شهدا عليه بشيء من الكفر، الذي يبرأ المسلمون منه، لأن كل كفر أتاه، فالمسلمون يبرؤون منه عليه في الجملة، وفي إذا أتاهم يبرؤون منه في الشريطة، فشهادة الشاهدين عليه بالكفر، ما يكفره العمل به، مما تجوز الشهادة به منهما، شهادة فيهما في تفسير الجملة أنهما يشهدان عليه أن المسلمين يبرؤون منه، في معنى التأويل، لأنهم يبرؤون منه على ذلك، ولا يجوز عندنا أن يكون في الأثر مما صح عن أهل البصر شيء، إلا وله تأويل يخرج في الحق.
ولا يجوز رد الآثار، ولا شيء من الأخبار، على كل حال، فلا يكاد يصح منها شيء ولا يؤخذ منها شيء إلا وله تأويل صحيح عند من عرف الحق، وليس لجهل الجاهل تأويل الحق رد الرواية، والأثر، ولا تضعيفهما، ولا أن يحمل الأثر على غير تأويل الحق في اتباعه في شيء من ركوب الباطل، ولا ترك الحق، وعليه الإمساك عن ذلك كله حتى يتبين له الحق من الباطل، وكل شيء من الكلام الخارج من أحكام الإسلام من تنزيل أو تأويل، أو سنة أو أثر، أو تأويل، قول أهل البصر أو قول أحد من أهل البصر، فكله معنا إلا ما شاء الله من ذلك لا يكاد أن يخرج بنفسه يكتفي عن التأويل، بل عامة ذلك، ويكاد أن يكون كله محتاجا إلى التأويل، ومحتاجا تأويله إلى تأويل، لأن كل من لم يبصر شيئا احتاج إلى تأويله، واحتاج إلى معرفة تأويله من غيره، ولو كان ذلك من تأويل الحق منا، ولا في غيره من الأصول، فكل شيء من الكلام لا يخرج -إن شاء الله -منه إلا بالتأويل، وإنما يقع الضلال ممن جهل التأويل فحمله على حكم الخاص والعام، بغير تأويل يقع، أو (2/36)
صفحة 265
بتأويل ضلال يحمل على ظاهر الأمر فيه، لا يرده إلى صحيح الحق، لأن التأويل للحق، لا يخرج إلا على الحق في شيء من الأمور، ولابد له من تأويل الحق على الحق، ولا يجوز أن يحملا إلا على الحق، ولا يجوز أن يخرج من الحق في حال من الحال، ولو لم يقف الواقف عليه على وجه تأول الحق فيه، فليس له إلا الإمساك فيه عن الباطل كله في القول فيه، وفي العمل به إلا على موافقة الحق فيه.
باب
ذكر معاني البراءة في حكم الظاهر
وأما ما يستحق به البراءة في حكم الظاهر، فكل محدث حدث في دين الله - تبارك وتعالى -، من حكم الكتاب، أو من حكم السنة، أو من حكم الإجماع، أو ما أشبه ذلك، أو بشيء منه من ركوب لكبيرة من كبائر المعاصي، لم يتب منها، أو صغيرة من المعاصي، أصر عليها عالما بذلك أو جاهلا له، دائنا بذلك مستحلا أو محرما، أو جاهلا، أو متجاهلا، بعد قيام الحجة وبلوغها إليه بما ينقطع به عذره، فبالذنب الواحد من كبائر الذنوب، أو من الإصرار على صغائرها، يستحق الراكب العداوة، والبراءة في حكم دين الله بحكم الظاهر، فمن بلغ إلى علم ذلك من الممتحنين به من خصه علم ذلك من محدثه، وعلم ضلالة المحدث، بأي وجه كان حدثه لزمه عداوة المحدث.
وقد قيل: أنه ليس له أن يحكم عليه بالضلال والبراءة، حتى يستيبه كائنا ما كان المحدث، ممن كان يتولاه من قبل الحدث، أو ممن لا يتولاه فلا يبرأ منه ولا يخلعه، عن الدين إلا بعد الاستتابة منه له، وإصراره على حدثه، بعد الاستتابة له التي بها تجب الحجة في الحكم في البراءة. (2/37)
صفحة 266
وقال من قال: يبرأ منه بركوبه الكبيرة، أو إصراره على الصغيرة، كائنا ما كان ممن يتولاه، أو ممن لا يتولاه، ثم يستتيبه من بعد ذلك، فإن تاب رجع إلى حالته التي كان عليها من ولاية، أو وقوف، أو براءة، بعد ذلك الحدث بعينه.
وقال من قال: يبرأ منه، فإن كان وليا له قبل ذلك استتابه، ولا بد من استتابة الولي، فيما قيل، ولا أعلم في ذلك اختلافا قبل البراءة أو بعد البراءة.
باب
ذكر صفة براءة من يبرأ من السعداء
واعلموا أن كل من علم أن أحدا من السعداء بوجه تصح معه سعادته، فلا يحل له إلا أن يعلم أنه من السعداء، وأنه من أهل الجنة، ولو صح معه منه حدث فسق يستحق به عنده البراءة إلا أن يتوب فإن عليه أن يتولى ذلك السعيد بعد إذ صحت معه سعادته، ولو كان يكفر بالإسلام، ويعبد الأصنام، فلا يحل له ترك ولاية هذا السعيد، ولا يحل له أن يقبل من هذا السعيد، حدثا يخرجه من الحق، بل يجب عليه أن يسخط لله من الباطل، ويبرأ لله من الباطل مما جاء به، ولكن هذا قد صح معه أن ذلك من السعداء، فلا يحل له أن يبرأ منه أبدا على ما وصفنا، ولو حل لنا أن نبرأ ممن صح معنا منه حدث فسق، وقد صحت سعادته معنا، للزمنا أن نبرأ من آدم صلى الله عليه وسلم إذ قد صح معنا أنه عصى الله، حيث يقول: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ (2/38)
صفحة 267
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (1).
فنحن لا يحل لنا أن نبرأ من ادم، إذ قد صح معنا أنه قد عصى الله، ولا يحل لنا أن نرضى لآدم بمعصية الله، ولا نصوبه على معصية الله، ولا نقول: إن ادم لم يعص، إذ قد صح معنا سعادته، بل يجب علينا أن نبرأ لله من كل معصية، وأن لا نرضى أن يعصى.
فإن رضينا لآدم بمعصية الله، فقد هلكنا إلا أن نتوب، وإن برئنا من آدم إذ قد صح معنا أنه عصى الله، ولم نحكم فيه بحكم الله هلكنا، بل الحكم علينا في ادم أن نتولى لله آدم، ونشهد أن ادم من السعداء، لا يخالجنا شك في ذلك، وعلينا أن نسخط لله المعصية من آدم وغيره، ونقبل الحق من ادم وغيره، لحق مقبول ممن جاء به، ولو كان شقيا، والباطل مردود على من جاء به، ولو كان سعيدا.
فهذا ديننا الذي ندين به لربنا إن شاء الله، ولو جاز الباطل من السعداء، أو الرضى به منهم، لجاز الاقتداء به، و لجاز للناس أن يفعلوا كآبائهم لإخوانهم ما فعل بنو يعقوب - رضوان الله عليهم - بابيهم يعقوب، وأخيهم يوسف - رضوان الله عليهما – و لجاز للناس أن يبيعوا إخوانهم كما باع السعداء أخاهم يوسف، ولكانت تلك قدوة يقتدى بها من السعداء، بل يجب علينا أن نسخط لله فعل بني يعقوب في أخيهم يوسف، وأن نتولى لله بني يعقوب ولاية حقيقة، لا يخالطنا فيها الشك، كذلك علينا أن نقبل الحق ممن جاء به من الأشقياء، ولا يحل لنا أن نرده عليهم، وعلينا أن نبرأ لله من الأشقياء، ممن علمنا منهم بأسمائهم وأعيانهم.
وعلينا أن نشهد أنهم أشقياء، ولا يحل لنا أن نرد الحق عليهم، كلما أن عمير بن جرموز من صح معه أن قاتل الزبير في النار، وصح معه أن عمير بن جرموز قتل الزبير، فعليه أن يعلم أن عمير بن جرموز من الأشقياء، ولا يحل
__________
(1) -120 - 121 من سورة طه. (2/39)
صفحة 268
له أن يرد على عمير بن جرموز، نصرته للمسلمين في حربهم، وتصويبه إياهم، فإن رد هذا الذي قد علم، أن عمير بن جرموز من أهل النار على نصرته للمسلمين في حربهم، وتصويبه إياهم هلك، فإذ شك في هذا بعد أن صح معه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قاتل الزبير في النار، ثم صح معه أن عمير بن جرموز قتل الزبير، فشك في ضلالة عمير بن جرموز هلك، فلا يحل لأحد أن يقبل من سعيد باطلا، يرد على شقي حقا.
واعلموا أنه من صح معه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة لا محالة فإن ظهر من هذا السعيد حدث فسق، فعليه أن يبرأ لله من حدثه، وليس له أن يبرأ منه أبدا، وعليه أن يعلم أن ذلك السعيد تائب من ذنبه، وليس له أن يخطئ من برىء من هذا السعيد، الذي قد أحدث حدثا استوجب به البراءة، في حكم دين المسلمين، فإن برىء من هذا الذي قد صح معه سعادة هذا السعيد من هذا الذي برىء من هذا السعيد بحدثه هلك.
فانظروا كيف وجب على هذا الحكم أن يتولى نفس السعيد، ولا يحل له البراءة منه، إذ قد صحت معه سعادته، ولا يحل له أن ينكر على المسلمين براءتهم من هذا السعيد، فوافق المسلمين على براءتهم من هذا السعيد، ولم يحل له ترك ولايتهم.
وكذلك لو أن رجلا صح معه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -من أهل النار، وأن علي بن أبي طالب من أهل الجنة، ثم أن عمر بن الخطاب - رحمه الله - سار في رعيته بالعدل، وحكم بينهم بالقسط، فوجبت ولايته على المسلمين، وظهر منه العدل في سيرته في الناس، ما حل لهذا الرجل أن يتولى عمر بن الخطاب - رحمه الله -، ولوجب على من صح معه ذلك عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعلم أن عمر بن الخطاب - رحمه الله - من الأشقياء، ولا يحل له أن يدين لله بطاعته، ولا يحل له أن يرد عليه الحق الذي (2/40)
صفحة 269
قد جاء به، وظهر على يديه في رعيته، ولوجب عليه أن يبرأ لله من عمر بن الخطاب - رحمه الله - سريرة، ولا يشك في البراءة منه، ولا يحل لهذا أن يظهر البراءة من عمر بن الخطاب مع أهل مملكته، ولا يحل له أن يترك ولاية المهاجرين والأنصار، إذ قد دانوا بطاعته، وتولوه على ما ظهر من عدله، ولوجب عليه أن يتولى المهاجرين والأنصار، وجميع ما دان بولاية عمر بن الخطاب - رحمه الله -، ولوجب عليه السمع والطاعة لعمر بن الخطاب في دمه وماله، إذ حكم عمر بن الخطاب بالعدل فلم يحل لهذا الذي علم ذلك أن يشك في البراءة من عمر بن الخطاب، ولم يحل له أن يرد الحق على عمر بن الخطاب، ولم يحل له أن يبرأ ممن تولى عمر بن الخطاب، ولم يمتنع من الطاعة من حكم عمر بن الخطاب، فإن فعل شيئا من ذلك مخالفا عن حكمه هلك.
ثم إن علي بن أبي طالب استخلف على الناس، فنقض عهد الله وحكم في الدار غير حكم كتاب الله، وقتل المسلمين، وسار بالجور في أهل رعيته، فعلى هذا الذي قد صحت منه سعادة علي بن أبي طالب، أن يتولى لله علي بن أبي طالب، على سفكه لدماء المسلمين، وعلى تحكيمه في الدماء غير حكم كتاب الله، وسيرته القبيحة، ولا يحل له الشك في ولايته، وعليه أن يبرأ لله من باطله، ومن سفك دمه إن قدر على ذلك، وليس له أن ينكر على المسلمين البراءة منه، وعليه أن يتولاهم على قتله، وعلى البراءة منه، فإن شك هذا في ولاية علي بن أبي طالب، أو رضي من علي بن أبي طالب بباطله، أو أنكر على المسلمين براءتهم من علي بن أبي طالب، أو قتلهم إياه هلك.
فتدبروا -رحمكم الله - الحكم فيمن يتولى من السعداء والحكم فيمن يبرأ من السعداء، واستعملوه في الصحابة، وفي جميع من صحت سعادته، ولا تقبلوا من سعيد باطلا، ولا تردوا على شقي حقا.
فإن قال قائل: أفيحل لكم أن تبرؤوا ممن صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتولوا من صح شقاؤه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلنا له: (2/41)
صفحة 270
لا يحل لنا أن نبرأ ممن صحت سعادته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نشهد أنه من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة لا محالة، كما نشهد أن محمدا أرسله الله بالحق، ولكنا لم يصح معنا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سعادة علي بن أبي طالب، ثم صح معنا فسقه، وخلافه للحق، فلزمنا أن نبرأ منه، ونحن ندين لله أنه إن كان علي بن أبي طالب من السعداء، فإنه يتوب من ذنبه، لأنه من أهل الجنة.
فإن قال: فقد قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه من أهل الجنة، قلنا له: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يصح معنا، وإن كان هو الحق أصح معنا أم قول الله - تعالى - إذ قال: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (1).
وقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون و الأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس و اخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (2)
فنحن قد صح معنا، أن علي بن أبي طالب، قد قتل المسلمين، فعلينا أن نبرأ من علي بن أبي طالب، وعليك أن تبرأ ممن قتل المسلمين إن صحت عندك سعادة علي بن أبي طالب، وتتولى لله علي بن أبي طالب.
وكذلك لو صح معنا، نحن في عمر بن الخطاب -رحمه الله -، ما قد صح معك أنت من أمره لدنا لله من عمر بن الخطاب بالبراءة، ولتولينا المسلمين على ولايتهم لعمر بن الخطاب بالبراءة، ولتولينا المسلمين على
__________
(1) - النساء 93.
(2) - المائدة 44. (2/42)
صفحة 271
ولايتهم لعمر بن الخطاب بما قد ظهر إليهم من عدله، لم يحل لنا أن ننكر عليهم ذلك، ولوجب علينا أن نقبل من عمر بن الخطاب -رحمه الله - الحق الذي قد جاء به، ولا يحل لنا أن نرد عليه.
كذلك أنت، لا يحل لك أن تبرأ من المسلمين إذ قد برئوا من علي بن أبي طالب، بما قد ظهر إليهم من حدثه، وغاب عنهم من صحة سعادته، فتدبروا - رحمكم الله ما وصفنا لكم، فإن الذي وصفناه برهان من الحق، فاتبعوه لعلكم تهتدون.
واعلموا أن ليس على جميع الناس أن يعلموا أن عمر بن الخطاب رحمه الله كان إماما عدلا من المسلمين ولا أن علي بن أبي طالب كان إماما فاسقا عن الحق، وإن كنا نحن قد علمنا ذلك، كما لم يكن علينا أن نعلم كعلم من علم أن عمر بن الخطاب -رحمه الله - قد صح معنا شقاؤه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما صح معه سعادة علي بن أبي طالب عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك الذي قد صح معه، أن علي بن أبي طالب من السعداء أن يتولى علي ابن أبي طالب ولاية حقيقة.
وكذلك إذا علم أن عمر بن الخطاب من الأشقياء فعليه أن يبرأ من عمر ابن الخطاب -رحمه الله - براءة حقيقية، كذلك نحن تولينا عمر بن الخطاب - رحمه الله -بما ظهر إلينا من عدله وبرئنا من علي بن أبي طالب بما ظهر إلينا من جوره.
فانظروا كيف اختلف الحكمان إذا لزم هذا أن يبرأ ممن لزمنا نحن أن نتولاه، ولزمه هو أن يتولى، من لزمنا نحن أن نبرأ منه وهذا المثل لم نعلم أنه كان، ولا أحد ادعى أنه صح معه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن عمر بن الخطاب من الأشقياء، ولكن إنما ضربنا هذا المثل لتعلموا أن الحق في عمر بن الخطاب كالحق في علي بن أبي طالب، والحق في آدم - عليه السلام - كالحق في (2/43)
صفحة 272
عمير بن جرموز، والحكم في جميع الناس السعيد منهم والشقي سواء، لا يحل لنا أن نتبع فيهم غير الحق، صح عندنا أنهم من السعداء، أو صح عندنا أنهم من الأشقياء، لا يحل لنا أن نقبل من سعيد باطلا، يحل لنا أن نرد على شقي حقا، فهذا من ديننا الذي ندين به لربنا-إن شاء الله -.
باب
معنى البراءة قبل الاستتابة من المستحل وغيره
وأما البراءة قبل الاستتابة فقد مضى القول في ذلك، إلا أن الدائن بشيء من الضلال، إذا كان منتحلا للدينونة بذلك، فإن البراءة منه قبل الاستتابة أحب إلي، لأنه معروف بأنه لا يتوب منه ما دام ينتحله دينا يتقرب به إلى الله، فإذا رجع عن انتحاله لتحريم ما استحل، واستحلال ما حرم، كان الحكم عليه معي في التوبة، وله كما لغيره وعليه، لأن عليه الرجوع عن الدينونة بذلك، واستحلال ما حرم، وتحريم ما أحل، ولا تجزيه الرجعة عن ذلك إلا بالتوبة والاستغفار باللسان، لأنه كذلك جاء في شرائط التوبة النصوح، أنها لا تثبت فيما ثبت فيه توبة الجهر إلا بالترك للمعصية، بما وقع من العصيان بشيء من الجوارح، أو اللسان، والاستغفار مع الترك باللسان، والندم بالقلب على ما مضى من العصيان، واعتقاد النية أن لا يرجع إلى ذلك أبدا.
فهذه شرائط التوبة التي لا ينفع بمعنى إلا بها جميع المذنبين من ذنوب الجهر، وأما ذنوب السر، وهو اعتقاد النية بالعصيان، فإن دعائم التوبة معنا أربع:
اعتقاد لتركه، ويقين بما شك فيه منه، وندم على ما مضى، واعتقاد أن لا يرجع إلى ذلك أبدا. (2/44)
صفحة 273
وقيل: أنه ليس عليه في ذلك استغفار باللسان، وإن استغفر كان أحب إلينا، فالمستحل عليه معنا أن يرجع إلى تحريم ما أحل باللسان، وإحلال ما حرم باللسان، مما تجاهل به، أو دان، والاستغفار مع ذلك لازم له معنا، لأنه من الجهر، فقبل رجوعه عن دينونة، فالبراءة منه قبل الاستتابة، فإن رجع عن ذلك ونيته التوبة، لحقه الاختلاف عندنا على قول من يقول أنه لا يبرأ منه حتى يستتاب.
وفي قول من يقول: إنه يبرأ منه قبل أن يستتاب، فإنما يخرج في الاختلاف معنا في المستحل بعد رجوعه عن استحلاله، لا في حال استحلاله، لأنه إنما ثبت ذلك قبل التوبة أو بعدها، ولا تكون الاستتابة تصح في المستحل إلا بالرجعة عما أحل، والتولة منه بعد الرجعة، أو التوبة، أو الرجعة باللسان، فاي ذلك ثبت منه وكان، فأرجو أنه يجزيه إذا كان ذلك كله باللسان، وما قدم من ذلك وأخر أجزى من توبته إن شاء الله.
وأما ولايته لمن برىء من المسلمين، بعد علمه ببراءته من المسلمين، فإن تولى من برىء من المسلمين معنا بدين، فلا عذر له في ذلك، وكذلك إن علم، فالحكم فيه بالبراءة منهم، فتولاهم برأي أو بدين، وضيع ما لزمه بعد العلم الذي لا شك فيه، ولا عذر له في تضييع ما يلزمه معناه، ما لم يعرف الحكم في ذلك، فتولى من برىء من أحد منهم برأي، ولا بدين، وتولى المسلم العالم، ولم يقف عنه، ولا برىء منه برأي ولا بدين، ولم يبرأ من أحد من ضعفاء المسلمين برأي ولا بدين، وقف عن أحد منهم بدين، فمعي أنه قد قيل: لا يضيق عليه ذلك، ويسعه ما لم تكن منه أحد هذا الذي وصفنا الذي لا يسعه. (2/45)
صفحة 274
باب
معنى شهادة النساء بالبراءة
وأما شهادة النساء على الأحداث في البراءة، فمعنا أنه قد قيل ذلك أنه جائز، إذا كن معنا بمنزلة ما وصفنا من حالات الرجال، إلا أنه إذا ثبت في البراءة أنهما مثل الحدود، كانت شهادتهن معلولة في ذلك، على قول من يقول: لا تجوز شهادتهن في الحدود كلها، وعلى قول من يقول: أن شهادتهن جائزة في الحدود، إلا في الزنا، فإني لا أعلم أن أحدا قال أن شهادتهن جائزة في الزنا، والله أعلم.
ولا أجد علة توجب سقوط شهادتهن في الزنا، فيثبتها في سائر الحدود، فإذا ثبت عندي سقوط شهادتهن بالإجماع في الزنا، أشبه ذلك عندي جميع الحدود، ولا أعرف العلة التي أوجبت سقوط شهادتهن في حد الزنا، لمعنى يفرق حكمهن في الزنا دون غيره من الحدود، عن حكم الرجال، إلا من طريق ما يشبه عندي أنه من جهة الحدود، ذكرنا هذا الفصل لأنه لم يكن حدا في آخر موضعه.
باب
الشهادة في البراءة على الأئمة والمتأولين
من أهل الضلال
وكذلك لم يجز فصل، في قبول الشهادة على أئمة الضلال بعد موتهم، فيما لا يوجب عليهم البراءة، وذلك أنه معي أنه قد قيل: إنه لا يجوز الشهادة على أحد بحدث مكفر يستحق البراءة به، إلا الأئمة الجائرين. (2/46)
صفحة 275
وأحسب أنه في علماء الضلال المبتدعين، فأحسب أن بعضا لا يقبل الشهادة في الأحداث على البراءة، إلا على هؤلاء، وأما ما سواهم، فلا تجوز الشهادة عليه.
وأحسب أن هذا شبه المقابلة في الإجماع، بأن لا تقبل الشهادة بعد الموت، في أحد من العلماء في الدين، ولا في أحد من الأئمة المسلمين العادلين، لأن في قبول ذلك زوال الأصل، الذي عرف به سبيل المسلمين، وأخذوا دينهم عنه من سبيله، عن خلف بعد سلف، ولا يجوز نقض ذلك الذي هو أصل لهم.
وإذا ثبتت هذه العلة من هذه الجملة عندي، حسن مثلها ومقابلتها، لأنه لا تثبت الشهادة على أضدادهم من العلماء المبتدعين، والأئمة الجائرين، ولكني لا أبصر ذلك، إذا أطلق وجاز، إلا أن يكون قد أطلق في الأئمة العادلين المحقين، إذا جاز أن يقبل من الشاهد أن هذا الذي شهد عليه هو من الأئمة الجائرين، أو من العلماء المبتدعين، ويقبل منه ذلك.
فإذا قال ذلك في الأئمة المهتدين، وعلماء المسلمين، خائنا لرب العالمين، جاز قبول ذلك منه إذا كان مطلقا، وليس معنى قبول الشهادة الجائزة التي تقبل منهم فيما هم فيه حجة، دليلا على أنهم معصومون من الكذب والخيانة لله في ذلك إذا شهدوا، بل إنما تقبل منه الشهادة إذا كان عدلا، تقليدا له بقبول الحجة منه، على أنه غير مبرأ من ذلك، ولكنه حجة في شهادته في الحكم، إذا كان عدلا في ظاهر حكمه، ولو كان زنديقا في سريرته، كاذبا في شهادته، فعلى هذا الوجه يكون قبول الشهادة.
ولو كان لا يقبل من الشاهد شهادته إلا حتى يعلم أنه موافق سريرته علانيته، صادقا في شهادته، لبطل هذا الحكم، ولم يدرك أبدا، وهو محال، ولو كان لا يسع إلا على هذا، كان لا معنى لشهادته، لأن علم العالم بصدق (2/47)
صفحة 276
الشاهد، كاف له عن شهادته، أو حجة عليه دون شهادته، وإنما تقبل من الشاهد شهادته إذا ثبت أنه حجة في ذلك، مباح جائز لازم قبول ذلك منه، في حكم الشريعة، ولو كان كاذبا في سريرته، وهذا ما لا يختلف فيه أحد من أهل العقل من أهل الجور ولا من أهل العدل فيما عندي.
وإذا جاز هذا على الإطلاق بقول الشاهد، جاز هذا الذي وصفناه، وجاز قبول الشهادة، على العلماء الصادقين، والأئمة المحقين، في أصل الإباحة في الدين، وأن يكلف كل أحد أن يعلم العلماء الصادقين، والأئمة المحقين كلهم، حتى لا يقبل منهم هذا، ويعلم الأئمة الجائرين والعلماء المبتدعين، حتى يقبل فيهم ذلك بأعيانهم، وإذا علم هذا وهذا وثبت هذا عليه، فلا معنى للشهادة عليه، ولا له في شيء هو عالم، وإنما تكون الشهادة نصح علم الجاهل ولا يصح علم العالم، فلا نجد فرقا واضحا يوجب الشهادة في الأحداث الموجبة للبراءة، من أجل ماض قد مات وماتت حجته، بوجه من الوجوه، إلا وتعارضه العلة من وجه ما معنا، أنه قيل مجتمع عليه، فلا نجد مخرجا في البراءة في الشهادة على الأحداث إلا في الأحياء المشهود عليهم بحضرتهم، والمحتج عليهم بعد الشهادة، فيما يجوز في ذلك في بعض ما قيل.
وقد قيل: ليس إلا بحضرة المشهود عليه، يكون الشهادة عليه، وذلك هو الأصل الذي لا نعلم فيه اختلافا، أنه يجوز و يلزم.
وأما ما سوى ذلك، فكله فيما معنا يختلف فيه، والاختلافات فيه معنا معلولة، من وجوه ما ذكرت لك، ما يوافق فيه من يقول به ولا ينكره، فالذي لا نعلم فيه اختلافا، من ثبوت الشهادة، أنه ثابت لازم جائز، هو أن يشهد على المحدث شاهدان، من أحد ما وصفت لك، أنه جائز الشهادة في الأحداث، على ما وصفت لك، من صفتهم بحضرة المشهود عليه، واستماعه للشهادة بأذنيه، إن كان يسمع، ومعاينته بعينه إذا كان يبصر، (2/48)
صفحة 277
و أنهما عاينا منه ذلك، أو سمعاه منه، أو يقطعان عليه قطعا، فلا يفسران من أين علما ذلك عليه.
وقد قيل: حتى يفسرا أنهما عاينا ذلك، أو سمعاه إذا كان من المسموعات، ثم لا يكون منه في ذلك حجة، تبرؤه مما شهد عليه به، فهنالك تلزم الحجة فيه، إذا صح بذلك من أمره ما ليس له فيه عذر، ولا محتمل فيه بوجه من الوجوه، وهنالك يلزم الحجة في المشهود عنده بذلك، فإذا أبصر الحكم في ذلك، ووجه ما يلزم في ذلك، لزمه أحكام قبول ما قد صح معه و إنفاذ الحكم، بما قد سمعه، وإن ضعف عن ذلك، وتولى المسلمين على براءتهم منه، ولم يقف عن أحد من العلماء من المسلمين، ولم يبرأ منه برأي ولا بدين، وقف عن أحد من الضعفاء من المسلمين، من أجل براءتهم منه، أو شهادتهم عليه بدين، ولا برىء منه برأي ولا بدين، فقد برىء ممن قد برئوا منه في حكم الدين، وشهدوا على من شهدوا عليه في حكم الدين، وقبل ما لزمه في حكم الدين فهو في ستر الله، وولاية المسلمين، لا نعلم بين علماء المسلمين، المبصرين لأحكام الولاية والبراءة، في عذر هذا ولا موافقته ولا ولايته اختلافا.
ومن الكتاب: وكل من كانت له ولاية ثم أحدث حدثا صغيرا أو كبيرا يزيلها عنه، ثم تاب رجع إلى ولايته، وإذا أحدث استتيب من حدثه، وكلما مر باب قبلت توبته، وكذلك بلغنا في جواب الأعرج إلى أبي جابر.
قال غيره: قد مضى القول في هذا، قبل هذا في هذا الكتاب، بما نرجو أن في الشرح ما يستدل به، وهذا معنا أصل صحيح، أنه ما دام بتوب ويرجع إلى حالته، التي كانت له وعليها تولى من الأمانة والبراءة، من التهمة والريب رجع إلى حالته التي تثبت له من قبل، وإن حالت حالته إلى حال لو كان بها قبل اعتقاد ولايته لحسن، وجاز أن لا يعتقد له الولاية عليها، فليس يوجب اعتقاد الولاية له معنى في الحكم الظاهر، على حالة تغيرت، (2/49)
صفحة 278
ولحالة تغيرت مداخلة العلة بموجب عليه في الإجماع، الوقوف له على الولاية إلا بحالة لم تتغير، وهذا أرجو أنه عند أهل البصر تبصرة.
ومن الكتاب: قال أبو زياد وأبو عبدالله: إذا كان رجل معك في ولاية أو امرأة، ثم قالا أو أحدهما: أن فلانا رجل صالح، أو عندهما في الولاية، توليت من توليا أو أحدهما، إن كانا أو أحدهما يبصر الولاية والبراءة، وإن كانا ممن لا يبصر الولاية والبراءة والفراق فلا يتولاه بقول من لا يبصره.
قال غيره: قد مضى القول في هذا، ولا يبين لي فيه لحق شيء.
ومن الكتاب: وعن بشير قال في رجل: قوله فيه قول المسلمين، ودينه دينهم، فقد برىء وتولى إذا تولاهم على ولاية من تولوا، والبراءة ممن برئوا، وكذلك عندنا في الذي يختلف عليه الرأي، فيما يختلف الناس فيه، وهو ملتمس للصواب، فيقول رأي في ذلك رأي المسلمين فإن ذلك يقبل منه.
باب
موضع إجازة الرأي ونحوه
وأما إن برئوا ممن تولوا برأي أو بدين، ما لم ينزل معه بمنزلة القاذف، فليس له ذلك، لأن البراءة لا تجوز بالرأي معنا، إلا ممن نزل بمنزلة القذف بالزنا، لأحد من أهل الإقرار بالزنا، أو بشيء من الكفر لأحد ممن تولى، فإن البراءة ممن ضعف عن بصر الأحكام عن براءة الدين، فإنه معنا فيما قيل أن يبرأ في هذه المواضع، ممن برىء من وليه، وممن قذف من يستحق بقذفه الكفر.
وليس يجوز له أن يبرأ من محق، نصا برأي إلا في هذا الموضع، إذا برىء المحق الضعيف من أحد من أوليائه في شيء، أو على شيء ينكره عليه، قد علم هذا منه، إلا أنه لم يبصر الحكم فيه، وليس للضعيف بموضع (2/50)
صفحة 279
الحجة في الفتيا، فيما يسع جهله بمنزلة العلماء، فإنه إذا برىء ممن برىء من وليه على هذا الوجه، ولو كان محقا في براءته من وليه فبرىء منه برأيه ممن برىء من وليه، فمعي أنه قيل: جائز في هذا الموضع، ولا يجوز في غيره على حال من المحقين، في موطن من مواطن الحق، ولو جهل جهل حق الضعيف، فليس له أن يبرأ منه برأي ولا بدين، ولا يقف عنه بدين على حال، فإن فعل ذلك فلا عذر له فيما قيل.
وأما الولاية بالرأي فجائزة للضعيف على كل حال، ولم يوافق من المتولى، ما تجب به الولاية، ولو كان المتولى يستحق البراءة عنده، فيما علم من حدثه، إذا لم يبصر الحكم فيه، وكان مما يسعه جهله، ولو يرى منه المسلمون عليه فتولى برأي، وتولى المسلمين العلماء منهم بالدين، والضعفاء منهم برأي أو بدين، ولم يقف عن العلماء عالم، ولا برىء منه برأي ولا بدين من أجل ذلك ولا برىء من ضعيف محق من أجل ذلك برأي ولا بدين، ولا وقف عنه بدين ولا يضيق عليه وهو في الولاية.
باب
معنى الشهادة في الأحداث في البراءة
وأما البراءة فلا تخرج عندي إلا أنها حكم من الأحكام.
وعندي أنها من الأحكام العظام.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نعلم فيه اختلافا، أنه قد قال: "خلع المؤمن كقتله، ومن خلع مؤمنا فقد قتله ".
وجاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -أنه قال في أمر البراءة، أو (2/51)
صفحة 280
قال قولا وعنى به أمر البراءة، أو خرج التأويل من قول له على معنى البراءة، أنه يخرج في البراءة، وأنه قال في ذلك: " ادرؤوا الحدود ما استطعتم، وما وجدتم للمسلمين مخرجا فخلوا سبيله".
وجاء الأثر أن الحدود تدرأ بالشبهات.
وقد فسر من فسر من أهل العلم، يذهب على مذهب قوله: إنه من لم يدرأ الحدود بالشبهات كفر، فكان المعنى أنه مجتمع عليه عندنا من تأويل ذلك، من قول أهل البصر، لأنه لا يكفر الحاكم إذا أخذ ببعض ما يختلف فيه من أحكام الأثر، مما يخرج حكمه في النظر، ولم يكن من المجتمع عليه، فكأنه ثبت معه، ومن قوله إن ذلك لازم أن يدرأ الحاكم الحدود بالشبهات، وأنه لا يحمله على شبهة، وإن ذلك لازم له على معنى الإجماع.
وقد ثبت في البراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها بمنزلة القتل، ولا نعلم القتل يجوز في الأحكام في أمر القود في أهل الكفر، ولا في أهل الإسلام إلا بشاهدين ممن تجوز شهادته في الذي شهدوا فيه، وقد ثبت فيها أنها مثل الحدود، ولا نعلم حدا من الحدود تجوز فيه الشهادة إلا بشهادة شاهدين، وقد ثبت أنه لا تجوز إلا بأربعة شهود، وهو حد الزنا، كان محصنا أو بكرا، فلا تجوز في الحد في الزنا إلا بأربعة شهود، كان من قذف وشرب خمر، أو غير ذلك من الحدود، فلا يجوز الحكم فيه إلا بشاهدين، ممن تجوز الشهادة منهما في ذلك في نظر أهل العدل.
كذلك البراءة لاحقة معنا بما أشبهته وأشبهها من الحدود، أنها لا تجوز في الحكم بالشهادة في حكم الظاهر من أحكام البراءة إلا بشاهدين، لا بأقل من ذلك معنا ممن تجوز شهادته في البراءة، على من تجوز شهادته عليه من المشهود عليه، لا بدون ذلك معنا، فافهم ذلك.
ومعي أنه قيل: لا تجوز في الأحداث الموجبة للكفر والبراءة للشهادة (2/52)
صفحة 281
إلا بشهادة شاهدين عالمين بالولاية والبراءة المسلمين الوليين، ولا يجوز من غير العلماء كما لم تجز الولاية إلا من العلماء، ولم يثبت إلا من العلماء في الولاية والبراءة، فالبراءة أولى وأحرى، أن لا تقوم فيها الحجة إلا بمن أبصر الولاية والبراءة، من المسلمين المستحقين للولاية.
ومعي أنه قيل: تجوز من المسلمين الوليين، إذا فسرا الحدث يشهدان عليه، وشهدا به مفسرا تفسيرا يوجب الكفر، عند المسلمين بأحكام الولاية والبراءة، وأنهما استتاباه من ذلك، فلم يتب لأنه إذا كانا ضعيفين لا يبصران الولاية والبراءة أعني للحدث الذي شهدا عليه، ولا تقبل منهما الشهادة دون أن يشهدا أنهما استتاباه من ذلك فلم يتب لأنه إذا كانا ضعيفين لا يبصران أحكام الولاية والبراءة، لم يثبت منهم من شهادتهم شهادة مجملة، توجب حكما إلا مفسرا تفسيرا يحكم به العلماء، أنه موجب للكفر والبراءة من المحدث لأنه لا يؤمن من الضعيف إلا على التفسير بصفته في علم الأحكام، التي توجب الكفر في نظر العلماء إلا في قول الضعيف الشاهد، فافهم المعنى.
ومعي أنه قيل: إنه يقبل من العالمين الوليين في الشهادة في حكم البراءة، إذا شهدا أنه أحدث حدثا كفر به، أو أنه كافر، أو أنه فاسق، أو منافق، ويسمى باسم من أسماء أهل الكفر، ولا يحتاجان في شهادتهما إلى تفسير ما كفر به، ولا ما فسق به، ولا ما استحق به الكفر، وأشباه ذلك الذي شهدا به عليه من أسماء الضلال، ولا يكلفان أن يشهدا أنهما استتاباه من حدثه، فلم يتب لأنهما عالمان بأحكام الصغائر والكبائر، والولاية والبراءة، والمؤمن والكافر، وما يستحق به الولاية، وما يستحق به العداوة، فشهادتهما عليه بالاسم كاف عن التفسير، إذ كان بهما تقوم الحجة في التفسير، أن لو شهدا به مفسرا ثم حكم في تفسيره أنه حكم مكفر، فهو المعبر لذلك، والمفسر ففي جملة ذلك، في ذلك النظر أنه شاهد ومفسر، ومأمون (2/53)
صفحة 282
على جميع ذلك.
ومعي أنه قيل: إنه لا يقبل من العالمين إلا التفسير أيضا بالحدث الذي يستحق به الاسم الموجب للبراءة، وليست الشهادة بالاسم شهادة بالحدث، ولا يكون شهادة، وإنما ذلك منهما بمنزلة القذف لأنهما قذفاه حتى قالا أنه كافر أو منافق، أو فاسق، كان ذلك منهما بمنزلة الخلع والبراءة، ولا يجوز قبول الخلع والبراءة، ولا يكون حجة بل هو قذف، وكل قاذف فهو خصم وخليع إذا قذف من له الولاية، ولا تجوز شهادة خليع، ولا شهادة مدع بحال من الحال، ولا في حكم من الأحكام، ولا أعلم اختلافا على صحة ما صح من صحة تأويل الآثار من المتبرىء والخالع قبل الشهادة أنه قاذف لمن كان له ولاية، فلما ثبت هذا أنه إذا برىء، كان قاذفا مدعيا، كان بتسميته له بالكفر والنفاق، وأشباه ذلك من أسماء الكفر، عند من قال بذلك بمنزلة القذف، ولا أعلم في الضعيفين اختلافا، ولا يبين لي أنه يثبت فيهما اختلاف، إذا شهدا بالكفر والفسق، والاسم الذي يوجب البراءة على غير تفسير للحدث، أن يكون ذلك منهما حجة بحال، التفسير منهما للحدث، على ما وصفت لك، ولا يبين لي أنه يجوز في الأحداث شهادة غير الأولياء المسلمين الثابتة، ولا يتهم في الدين، شهدوا على من كانت قد تثبت ولايته، وعلى غير من لم تثبت ولايته، فكل ذلك سواء، ولا تجوز شهادة غير الأولياء في الأحداث الموجبة للبراءة لأن البراءة لا يكون فيها حجة إلا أهل الولاية.
ومعي أنه قيل: لا تجوز الشهادة على العلماء ولا الأئمة الأحياء الحاضرين إلا من العلماء في الدين، وغير ماذون له أن يعاقب نفسه، وكذلك ليس له معنا أن يظهر على نفسه ما يعاقب به، كما لم يكن له أن يأتي بما يعاقب عليه، وإنما ذلك إذا صح عليه حد، لزم الحكام فيه لا يلزمه هو.
ومن الكتاب: وإذا سئل المسلم عن رجل له معه ولاية، فقيل: (2/54)
صفحة 283
لا يسعه أن يكتم علمه فيه.
قال غيره: ومعي أنه قد قيل: هذا ويخرج معي ذلك على تأويل الحق، أنه إذا قصد بكتمانه ذلك فيه لمعنى إزالة اسمه من الإيمان، أو لمعنى إزالة حق يراد به في ذلك، مثل شهادة قد شهد بها، فيكون إعلامه بذلك مما تقوم به الشهادة في حكم الظاهر، وكتمانه يبطل ذلك، فقصد إلى شيء من هذا وأشباهه، فمعي أنه لا يسعه القصد إلى الكتمان في أمره على أحد هذه المعاني.
وأما إذا كان بكتمانه لعلمه فيه لا يزيل حقا، ولا يوجب باطلا، وكان له مخرج يخرجه إلى السلامة من خوف أن تنفتح عليه فتنة، أو يخاف مد أعين الناس إليه، من أمور ما يخاف فيه الفتنة، ولم يكن في ذلك شيء مما ذكرنا فأرجو أنه لا يضيق عليه ذلك، لأنه ليس كتمانه لذلك بمنزلة كتمان العلم الذي هو حجة بنفسه، وليس إعلامه بالولاية حجة بنفس العلم في الإجماع، وربما كان في الولاية للواحد مما يخاف في إظهار ولايته تولد الأعتاب التي يخاف منها الفتن في الدين، ويجب بها التفرق في الكلمة، فيكون كتمان ذلك على اعتقاد طلب السلامة من هذه الأمور، أو من بعضها معنا أفضل، ما لم يقع كتمانه بأحد المنازل، التي وصفنا من قصده لإرادته.
وقد بلغنا أنه لما اختلف من اختلف في شبيب بن عطية من أهل عمان، وكان موسى يتولاه، وأحسب أن موسى بن أبي جابر، أو موسى بن علي، فقيل: أنه لما قتل خاف تولد ما يخاف منه الفرقة والاختلاف، أظهر الوقوف منه، أو وقف عنه، وهذا عندنا أشد من كتمانه ولاية من لا يكون في إعلامه بولايته وجوب حق، ولا في كتمانه زوال حق، وأشد هذا عندي، وأقربه إلى إجازة ذلك، أن يكون الضعيف بمنزلة مع الضعفاء، ينزلونه بها أنه بمنزلة من تؤخذ عنه الولاية، فيسأل عن هذا السؤال، ومعه أنه يقبل منه الولاية، وهو ممن لا يجوز للضعيف أن يقبل منه الولاية، وإنما يتوهم فيما يظنه (2/55)
صفحة 284
فيه، أنه بتلك المنزلة، فإذا وقع السؤال على هذه الصفة، أحببت أن لا يطلق الجواب في هذا، ويعجبني أن يدافع عن ذلك للقصد، أن لا يقع السائل فيما لا يسعه، صونة له على أمر دينه، ليس إلى كتمان حق، وليه، الذي قد ثبت معه ولايته، بما يسعه ولايته، فافهم هذه المعاني، إن شاء الله -تعالى-.
ووجه من ذلك، أن تسعه التقية في دينه، ونفسه، وماله إذا خاف من إظهار شيء من ذلك، فهذا على حال تسعه التقية، وأحب له أن يتمسك بالتقية في مثل هذه الأمور، في أيام التقية التي يخشى على نفسه منها، عند إظهار ما لا يلزمه إظهاره، أن يمسه ما لا يقدر عليه من المعارضات، فيخرج عما يلزمه إلى ما لا يسعه.
باب
ما يسع جهله من البراءة
واعلموا أن كل ما وسع الناس جهله من معرفة حرمة حدث ما حرم الله ذلك، وارتكابه إلى أن يركبه مثل شرب الخمر، وأكل الخنزير، إذا كان قائم العين، أكل الميتة، أو نكاح ذوات المحارم، أو أشباه هذا مما يسع جهل معرفته، ولا يسع جهل ركوبه، فإن لم يبلغ معرفته إلى معرفة حرمة ذلك، فهو يسعه جهل معرفة حرمته، ولا يسعه جهل ركوبه، فإذا أحدث محدث حدثا مما يسع الناس جهل معرفة ذلك الحدث، فمن علم من ذلك المحدث ذلك الحدث، وعلم أن ذلك الحدث مكفر فعليه أن يبرأ لله من ذلك المحدث، ولا يسعه الشك في البراءة ممن قد علم منه حدثا مكفرا، وعلى من علم أن ذلك الحدث مكفر، أن يبرأ لله ممن أحدث ذلك الحدث، ولا يسعه (2/56)
صفحة 285
الشك في البراءة من أهل صفة الكفر، وأما من لم يعلم أن ذلك مكفر، ولم يعلم من محدث حدثا، فليس عليه أن يبرأ من صفة، لم يعلم أن أهلها قد خرجوا من الحق، إلا أن تلقاه الحجة، فإذا لقيته الحجة فأعلمته أن دلك الحدث مكفر، لزمه أن يبرأ لله ممن أحدث ذلك الحدث، فإن كان قد علم أن ذلك المحدث أحدث ذلك الحدث، فعليه أن يبرأ لله منه باسمه، وعينه، ولا يسعه بعد أن يلقى الحجة، أن يشك في البراءة منه، والحجة كتاب الله، وعلماء المسلمين، وهؤلاء الذين قد علموا حرمة الحدث وبرئوا ممن أحدث ذلك الحدث، وليس عليهم أن يبرؤوا من هؤلاء بأسمائهم، وأعيانهم، إلا أن تقوم عليهم الحجة بالبينة العادلة، أن ذلك الحدث كان من هذا المحدث، فإن حكم هؤلاء العالمين بحدثهم على هؤلاء الذي لم يعلموا بحدثهم، فقد وافقوهم على البراءة ممن أحدث ذلك الحدث، أن يحكموا عليهم بالبراءة ولم يعذروهم لما قد وسعهم في ذلك، فقد هلكوا.
وإن كان هؤلاء الذين قد علموا بحدثهم شكوا في البراءة منهم، ثم برئوا منهم، إذا لم يبرؤوا ممن عاينوا حدثه، هلكوا بذلك وضلوا ضلالا بعيدا، إذا حكموا لحكم ما لا يسع جهله، في موضع حكم ما يسع جهله، وليس للناس أن يدينوا فيما يسعهم جهله إلا بما يعلمون.
وليس للعالم بما يسع جهله أن يحمل على الجاهل فيما يسعه جهله، أن يعلم كعلمه، أو يبرأ كبراءته، فإن فعل ذلك فقد قطع الله عذر العالم، وكذلك ليس للجاهل أن يحمل على العالم، أن يرجع إلى منزلة جهله، فإن فعل ذلك، فقد قطع الله عذر الجاهل.
والجاهل بحرمة الحدث إذا وافق العالم، على البراءة ممن خالف دين محمد في صلى الله عليه وسلم، وتولى العالم على براءته من المحدث، فقد وافق العالم على البراءة من ذلك المحدث، في شريعة دينه، وقد دان هذا الجاهل بحرمة ذلك الحدث، إذا دان فيه بدين محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لهذا العالم أن يلزم هذا (2/57)
صفحة 286
الجاهل، أن يسأل عن تلك الحرمة دائنا بالسؤال ليبرأ من ذلك المحدث، فإن فعل ذلك العالم فقد هلك لأنه حكم عليه بحكم ما يلزم فيه السؤال، في موضع حكم ما لا يلزم فيه السؤال لأنه في هذا الموضع لا يلزم الجاهل بالحرمة السؤال، وإنما يلزم السؤال إذا رأى من ولي له حدثا لم يعلم هو أنه مكفر، فعليه في هذا الموضع أن يقف عن وليه وقوف سؤال، على أن دينه فيه دين المسلمين، فإن يكن ذلك الذي رأى من وليه ما يبلغ به عند المسلمين إلى البراءة، ودان لله بالبراءة من وليه، وإن لم يكن ذلك الذي رأى منه ما به إلى مكفرة فوليه على ولايته.
قال أبو سعيد: السؤال هاهنا لا يقع موقع الإجماع فيما عرفنا، يقع موقع الاختلاف.
رجع، وعلى هذا يكون اعتقاده في وليه من غير ترك منه لولاية وليه إلا على هذه الصفة، وإنما يكون وقوفه عنه وقوف برأي لا بدين، فافهموا موضع ما يلزم فيه السؤال، من موضع ما لا يلزم فيه السؤال، وقد يكون وقوف السؤال على غير هذا، إلا أنه كل وقوف السؤال إنما يكون برأي لا يكون بدين لأنه إذا دان بالوقوف في موضع وقوف السؤال، فقد دان بغير دين المسلمين، ومن دان بغير دين المسلمين فقد هلك.
قال أبو سعيد: وليس له أن يدين هاهنا بالسؤال دينا، ويبرأ بذلك، وإنما يعتقد على غير الدينونة، إذا كان موضع السؤال يقع موقع الاختلاف، لا موقع الدين.
رجع وكذلك إذا دان بالسؤال في موضع وقوف الدين، فقد دان بغير دين المسلمين، وقد خالف الحق في ذلك، وهلك إلا أن يتوب، وإنما يلزم وقوف السؤال في الولي خصوصا، مثل أنه سمع رجلين يتنازعان شيئا، قد علم هو الشيء باسمه، ولم يعلم حرمته مثل أنه عرف الخمر بعينه، أو الخنزير بعينه، ولم يعرف حرمتهما، وسمع هذين الرجلين يتنازعان في الخمر أو (2/58)
صفحة 287
الخنزير، فيقول أحدهما: هذا حلال، ويقول أحدهما هذا حرام، فقد قامت عليه الحجة في مثل هذا من عقله، لأنه لا بد أن يكون أحدهما كاذبا على الله، فوجب عليه أن يبرأ من الكاذب، ولو لم يكونا له وليين، ولزمه الوقوف عنهما حتى يسأل عن ذلك، من غير دينونة منه بالسؤال على ذلك، إذا لم يكن هذان الرجلان ولييه، فإن يكن ذلك الذي سمعه منهما حراما، دان لله بالبراءة ممن أحله، وإن يكن ذلك الشيء سمعه منهما حلالا دان لله بالبراءة ممن حرمه، وهكذا يكون اعتماده في مثل هذا، ولا يبرأ من أحدهما بعينه، حتى يصح معه كفره على ما وصفنا، ولا يحل له أن يثبت على هده الصفة لهما الولاية لأنه قد قامت عليه الحجة لله في عقله، وإن لم يعبر له معبر، ومحال أن يكونا كلاهما صادقين في ادعائهما على الله.
قال أبو سعيد: وهذا إذا كان التحليل منهما والتحريم يدعيانه على الله أنه أحله أو حرمه، ويتنازعان في ذلك.
رجع وإذا لقيته الحجة فأعلمته الحجة بالكاذب منهما من الصادق، برىء لله من الكاذب، وإن كان الآخر وليا له تولاه على ذلك.
قال أبو سعيد: السؤال ها هنا برأي لا بدين لأنه لا يقع موقع الدين.
رجع فإن كان أحد هذين الرجلين يبرأ منه، فليس له في ذلك سؤال، ويبرأ ممن كان يبرأ منه، ويتولى وليه، ولا يحل له أن يحكم على من يبرأ منه، بأنه هو المخطيء في هذا الوجه، فإن حكم عليه بذلك هلك، وإنما انحط عنه الدينونة بالسؤال.
قال أبو سعيد: وإنما انحط عنه السؤال، ولا يقال: الدينونة بالسؤال.
رجع في هذا إذا لم يكن يلزمه في الذي يبرأ منه سؤال، واحتمل (2/59)
صفحة 288
عليه من وليه أن يكون أتى حقا، وأن يكون أتى باطلا، فلا يحل له أن يحكم عليه بالفسق، على هذه الصفة، ولم يلزم فيه الدينونة بالسؤال، ولم يحل له أن يدين فيه بالسؤال، على ذلك بتجسيس عن عورته ليبرأ منه، لأنه إذا ظهر من وليه أمر، يحتمل أن يكون محقا في بعض الوجوه، ويحتمل أن يكون مبطلا في بعض الوجوه فلا يحل له ترك ولاية وليه على ذلك، ولزمه ولايته لأنه احتمل عنده في هذا الوجه، أن يكون وليه أن الباطل، أتى الحق، فلم يحل له أن يحكم على عدوه أنه أتى هذا الباطل، واحتمل عنده أن وليه أتى الحق، وأن عدوه أتى الباطل، فلم يحل له أن يحكم على وليه بالباطل، وزال عنه السؤال في هذا الوجه من هذا الباب، إلا باعتقاد الدينونة أنه يبرأ لله من الكاذب عليه، ولو كان هذان الرجلان ولييه جميعا للزمه الدينونة بالسؤال، على اعتقاد الدينونة منه أنه أيهما كان كاذبا على الله فهو يبرأ منه.
قال أبو سعيد: لا يقال ها هنا أن السؤال بالدينونة، وإنما يقع موقع الاختلاف، وهذا موضع يقع الاختلاف، لما يلزم بغير اعتقاد دينونة، لأن الدين لا يختلف فيه، والرأي ما يقع فيه الاختلاف، وهذا موضع يقع السؤال فيه موقع الاختلاف.
رجع والآخر عنده في الولاية ويقف عن ولايتهما وقوف رأي على ما وصفنا، لا يكون وقوفه وقوف دين لله بالوقوف عنهما، إلا إذا دان لله بالوقوف عنهما، ثم كان أحدهما محقا، فقد ترك ولاية المحق، وقد هلك بذلك، ولا يحل له أن يتولاهما على ذلك جميعا، ولا يحل له أن يترك ولاية أحدهما، أو يتولى الأخر مخافة أن يكون الذي ترك ولايته هو الصادق، وأن الذي تولاه هو الكاذب، وإنما يلزمه السؤال في هذا الوجه.
قال أبو سعيد: إنما يعتقد السؤال في هذا الوجه، ثم الرد لئلا يترك ولاية ولييه جميعا المحق منهما والمبطل، فيخالف الحق في ذلك، فيلزمه أن يسأل عن أمرهما ليتولى المحق منهما، ويبرأ من المبطل، ولا يكون مهملا ولاية (2/60)
صفحة 289
المحق الذي قد لزمت ولايته، ويبرأ ممن قد لزمته البراءة منه، في حكم الله، فهذا وقوف السؤال.
وأما وقوف الرأي فهو أن يكون هذان الرجلان ليسا بولييه، ثم سمع منهما ما وصفنا من التحريم والتحليل، فيلزمه وقوف الرأي، وعلى أن رأيه فيهما، ودينه دين المسلمين، فأيهما كان المسلمون يبرؤون منه على ذلك، فهو يبرأ منه، ولا يلزمه في ذلك سؤال للمسلمين على الحدث بعينه لأنه إذا دان في هذا الموضع بالسؤال، فقد دان بغير دين المسلمين، ولا يحل يلزم هذا الدينونة بالسؤال، إلا على ما وصفنا حتى تلقى هذا الرجل الحجة من غير اعتقاد بدينونة السؤال، فإذا لقيته الحجة، وأعلمته الكاذب منهما من الصادق، لزمه أن يبرأ لله من الكاذب، ويكون الصادق منهما بحالة عنده في حال الوقوف.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه يخرج، ولا يكون اعتقاده في هذا الصادق، إلا وقوف الدين، ومن وقوف الرأي أيضا الذي لا يلزم فيه السؤال، إن سمع من الرجلين أمرا يتنازعان فيه، أحدهما يحله، و أحدهما يحرمه، وهولا يعرف جنس ذلك الشيء، و إنما سمعهما يتنازعان في شيء لا يعرفه بجنسه، ولا يدرك معرفته مع غيره من الثقاة، وذلك مثل الخنزير في ضرب المثل، ولا يعرف الخنزير بجنسه، فليس عليه في هذين الرجلين في هذا الموضع سؤال، ولوكانا جميعا له وليين لأنه لا يعرف ما هو فيسأل عنه إلا أن يشهد على الخنزير شاهدان، أنه خنزير، ويصح معه بعد ذلك الجنس بأنه خنزير، فإنما يلزمه في ولييه هذين أن يبرأ لله من الكاذب منهما على الله، ولا يقف ولا يلزمه أن يقف.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد ويلزمه أن يقف.
رجع و يتولاهما برأي أنه أيهما كان الصادق فهو له ولي، و أيهما كان الكاذب فهو له عدو، ويبرأ منه برأيه، على هذا الاعتقاد، فإذا لقيته الحجة (2/61)
صفحة 290
بمعرفة الجنس، لزمه هنالك الدينونة بالسؤال.
قال أبو سعيد: إذا لقيته الحجة في ذلك اعتقد السؤال، ولا يعتقده على سبيل الدينونة لأنه يقع موقع الرأي.
رجع: عما يلزمه في ولييه هذين على ما قد صح معه، وإن كان ذلك الشيء لا تدرك معرفته أبدا، وقد اشتبه عليه ذلك مثل أنه سمع ولييه يتنازعان في كأس خمر، ولا يسميان باسمه إلا التنازع بينهما في التحليل والتحريم، ثم غاب ذلك الكأس، عنه بعينه، ولم تدرك معرفته إلا بالتسمية، فالوقوف برأي، ولا يلزمه فيه السؤال إلا بعد تقرر اليقين، وارتفاع الشك والشبهة من قلبه لأنه جاء الأثر أنه لا يجوز إقامة الحدود بالشبهة.
فالولاية والبراءة من أشد الحدود.
قال أبو سعيد: الولاية معنا لا تسمى من الحدود لأنها ليست بعقوبة، وأما البراءة فإنها من الحدود لأنها عقوبة، إلا أن الحكم يخرج بها مخرج الحدود، فمن هنالك جاز في المعنى للمتكلم أن يسميها حدا لأنها هي نفسها حد.
رجع: واعلموا أنه من حكم بحكم وقوف الدين، في موضع حكم وقوف السؤال ضل، ومن حكم بحكم وقوف السؤال في موضع حكم وقوف الدين ضل، ولا عذر لمن حكم بغير الحق في عباد الله، واعلموا أن وقوف الدين الذي استعمله العلماء، ودانوا به من غير جهل منهم بمحارم الله، على أنهم عالمون بجميع دين الله، وعلى أنهم عالمون بموضع وقوف البراءة، وعلى أنهم عالمون بموضع وجوب الولاية، ولم يحل لهم أن يبرؤوا ممن ألزمه الله كلفة التعبد، حتى يعلموا منه أنه مستحق لذلك، ولم يحل لهم أن يتولوا من ألزمه الله كلفة التعبد حتى يعلموا منه أنه مستحق لذلك، فيبرأ المسلمون ممن استحق (2/62)
صفحة 291
عندهم البراءة، ويتولوا من استحق عندهم الولاية، ولم يسعهم إلا أن يتولوا من ظهر منه الرشد، ويبرؤوا ممن ظهر منه الغي، ودانوا في جميع الناس الذين لم يعلموا منهم رشدا ولا غيا، بالوقوف من غير إهمال منهم في وقوفهم، وإنما اعتقاد المسلمين في الدينونة بالوقوف على أنهم يبرؤون ممن استحق البراءة في دين الله، وعلى أنهم يتولون من استحق الولاية في دين الله، ولم يهملوا دينهم في الوقوف فالمسلمون في وقوفهم يتولون لله كل مسلم، ويبرؤون لله من كل كافر، من غير أن يحكموا بذلك على أحد من الناس باسمه وعينه، إلا من صح عندهم ذلك منه.
فالمسلمون يبرؤون لله من أوليائهم الذين قد صح معهم أنهم محقون، وهم يخونون الله في سريرتهم، ويتولون أعداءهم الذين قد صح عندهم أنهم مبطلون، وهم محقون في سريرتهم، تائبون من ذنبهم، ولولا أن المسلمين استعملوا هذا الوقوف، لضاق عليهم الخناق لأنه لا يجب على المسلمين أن يتولوا لله كل مسلم، وأن يبرؤوا لله من كل فاسق، وحرام عليهم أن يتولوا الكافر، وحرام عليهم أن يبرؤوا من المسلم، ومحال أن يدرك أحد من المسلمين هذا، أن يتولى جميع المسلمين بأسمائهم وأعيانهم، وأن يبرؤوا من جميع الكافرين بأسمائهم وأعيانهم، والله - تعالى - يقول لنبيه: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) (1)
فقد صح معنا أن هؤلاء الأنبياء أرسلوا إلى المفسدين في الأرض، وقال الله - تعالى ": (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله
__________
(1) - غافر 78. (2/63)
صفحة 292
وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (1).
والأنبياء والربيون لا يقاتلون إلا المفسدين، وليس على المسلمين أن يعلموا جميع المسلمين فيتولوهم، وأن يعلموا جميع المفسدين فيبرؤوا منهم.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد أنه محال أن يعلم المسلمون جميع المسلمين، بأسمائهم وأعيانهم، فيتولوهم على ذلك، وجميع الفاسقين فيتبرؤوا منهم على ذلك.
وقال الله - تعالى -: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فنصرنا على القوم الكافرين) (2).
أي إلا (طاقتها)، فاستعمل المسلمون هذا الوقوف على أن يتولوا في وقوفهم هذا كل مسلم، وأن يبرؤوا في وقوفهم هذا من كل كافر، حتى تلقاهم الحجة في أحد من الناس بعينه أنه مسلم، فيتولوه، أو تلقاهم الحجة في أحد من الناس بعينه أنه كافر، فيبرؤوا منه.
فهذا وقوف الدين، أوسع للعلماء من الدهناء لراعي الإبل، لأن العلماء يسعهم الوقوف عن أبي جهل بن هشام لأن العلماء يدينون لله بالبراءة من المشركين.
ووقوف السؤال أضيق على الجاهل من سم الخياط على جثة البعير لأن الجاهل إذا أحدث وليه حدثا ثم اعتقد له الولاية على ذلك هلك، ووقوف السؤال إنما هو وقوف الجاهل.
__________
(1) - آل عمران 146.
(2) - البقرة 286. (2/64)
صفحة 293
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد وقوف الدين، ووقوف العلماء لأن العالم لا يجهل حدثا يحدثه وليه، ويثبت له الولاية على ذلك، فالعلماء متوسعون في دينهم في وقوف الدين على ما وصفنا، وكذلك الجاهل أيضا، واسع له وقوف الدين ما لم يمتحن بشيء مما وصفنا من وقوف السؤال، فتدبروا ما وصفنا لكم من وقوف الدين، ووقوف السؤال ووقوف الرأي، فإنه في تدبركم له حط عن ظهوركم ثقل ما جهله الجاهلون، مما وصفنا لكم لأن لكل وجه من هذه الوجوه حكما فارقا، لا يحل لأحد أن يحكم فيه بغير حكمه، فمن حكم في هذه.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد في أحد هذه الوجوه بحكم غير حكمه هلك وضل، وكان من الخاسرين، واعلموا أن وقوف الشك واسع للعالم والجاهل، دين يدين لله به، وليس هو شكا في الحق، ولا خروجا منه، وذلك لأن المسلمين استعملوه، ولا يكون وقوف الشك أبدا إلا فيما يسع جهله لأنه لا يحل الشك فيما لا يسع جهله لأنه من شك في البراءة من رجل، وتولى من برىء منه، فقد برىء منه في حكم الدين لأنه لا يحل الشك فيما لا يسع جهله، ولا يعتقد الشك دينا لأنه ليس في حكم الدين شك، وإنما يكون شكه في الحدث، أنه مهلك، أو غير مهلك، وأن ذلك الحدث أحدثه ذلك الرجل، أو لم يحدثه، فشك في هذا وتولى من برىء من المحدث، فقد برىء من المحدث، ووسعه أن يتولى المحدث الذي معنا.
قال أبو سعيد: أنه أراد ويتولى المحدث برأي، ولا يترك ولايته، لأنه محتمل أن يكون المحدث أحدث حدث فسق، فقد أصاب من برىء منه فتولاه على براءته، ومحتمل أن يكون المحدث لم يخرجه حدثه من الحق، فلم يحل له هو أن يبرأ منه على هذا، ولم يحل له هو أن يترك ولاية وليه على براءته، ممن أحدث حدثا قد علم هو منه حدثه، وشك فيه أحق أم باطل، فقد وافق (2/65)
صفحة 294
فيه هو هذا المتبرىء من هذا المحدث، بولايته للمتبرىء، وليس للمتبرىء أن يحمل عليه البراءة من المحدث بولايته للمتبرىء، لأنه لزمه في وليه الذي أحدث الحدث، وقوف السؤال، ثم برىء منه هذا المتبرىء منه على حدثه، فظهر من هذا أمر محتمل أن يكون حقا، ومحتمل أن يكون باطلا فلم له (1).
وقال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد فلم يجز له أن يترك ولايته على هذا الوجه، ولزمه أن يثبت على ولايته، ولا يحل لهذا إهمال ولاية من أحدث الحدث، ويكون دينه فيه دين المسلمين، على ما وصفنا من وقوف السؤال، وإنما يكون هذا المحدث ليس بولي للشاك، لم يلزمه في ذلك سؤال، ومن وقف عنه وقوف دين لشكه في تحريم حدثه، ويتولى هذا المتبرىء من هذا المحدث، فإذا تولى هذا المتبرىء من المحدث، ووقف على المحدث وقوف دين على ما وصفنا، فقد برىء من المحدث، إن كان أحدث حدث فسق، وقد برىء من وليه هذا، إن كان المحدث لم يخرجه حدثه ذلك من الحق، وقد تولى المحدث إن كان المحدث مسلما.
فوقوف الشك شبيه بوقوف الدين، وكذلك من شك في ولاية رجل وتولى من تولى، فقد تولاه لأنه يسعه الشك فيه، حتى يعلم أنه مسلم، كما وضعه البراءة.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنه أراد وسعه ترك البراءة من المحدث، حتى يعلم أنه أحدث حدث فسق، وكذلك إن شك في رجل، وتولى من برىء منه، وتولى من تولاه وسعه ذلك، و إن شك ووقف عمن برىء منه، وعمن تولاه، فقد شك في الحق، إذا كان المتولون والمتبرئون محقين، ولا يسعه الشك في ولاية المحق، لموضع شكه في فسق المحدث الذي قد اختلف فيه، أو صلاحه، وعليه أن يتولى المحقين حتى يعلم أنهم خالفوا
__________
(1) - أي أن هناك تقديرا محذوفا ومعناه (فلم بجز له) كما فسر أبو سعيد -رحمه الله - تعليقا على المتن. (2/66)
صفحة 295
الحق، في ولايتهم لهذا الرجل.
وكذلك عليه أن يتولى المحقين من المتبرئين، حتى يعلم أنهم خالفوا الحق في ذلك، في براءتهم من هذا الرجل، فتدبروا - رحمكم الله - ما وصفنا من وقوف الشك، واعلموا أن هذا الذي وصفنا هو الحق، في آثار المسلمين في دينهم، فاستعملوه في فضل حكمه، فإن أحكام الدين تخص وتعم، وهذا الذي وصفناه ديننا، الذي ندين له لربنا -إن شاء الله -.
وقد وجدت عرض على أبي سعيد، وصح.
باب
الشهادة في البراءة واختلاف ذلك
من العلماء والضعفاء من المسلمين
قال غيره: وهذا من مجملات الأثر التي لا يصح معنا إلا في حكم المعتبر، وذلك أن البراءة في الإطلاق تخرج على وجهين:
وجه منهما الخلع والبراءة، بغير تسمية باسم من أسماء الكفر، التي يستحق بها البراءة وكلاهما براءة في التسمية والأسماء التي يستحق البراءة، و يستحق بها البراءة فهي أسماء الضلال والكفر، والنفاق والفسق، وأشباه هذه الأسماء، وهذه أسماء دالة على من يستحق البراءة من المتسمين بها.
وهي براءة في التسمية إذا سمى بها والبراءة بغير تسمية هي اللعن، وقوله: قد برئت من فلان أو فلان، برىء من الإسلام، أو برىء من الله، أو خليع من الإسلام، وأنا أبرأ من فلان أو أشباه هذا، فهذا خلع وليس بتسهية، ولا يكون معنا في هذه الألفاظ كلها صحة شهادة على المقذوف بها، من جميع من قذفه بها، كان ذلك من المسمى له بها، سمى له بها على وجه الشهادة، أو على وجه القذف، ولا يخرج شيء منها معنا شهادة، إلا قوله فلان برىء من الإسلام، أو خليع من الإسلام، (2/67)
صفحة 296
ونحوه على وجه الشهادة، أو على وجه القذف، فإنه يشبه معنا الأسماء الدالة على البراءة، وأما سائرها فقذف خارج معنا كله، ومصرح من البراءة.
باب
معنى من يتولى من يبرأ منه
أحد من المسلمين
قال غيره: هذا الأمر معنا يخرج تأويله، أن هذا المتولي لهذا المتبرىء منه، يبرأ منه بعد علمه بحدثه الذي لا يعلم الحكم فيه، وضاق عن البراءة منه فإذا تولاه بدين فقد أتى كبيرة، فلا يسعه ذلك معنا، فإن برىء منه قبل الاستتابة، فقد قيل: ذلك على ما وصفت لك، وإن استتيب فقد قيل: أنه لا يبرأ منه حتى يستتاب، فإن لم يتب برىء منه على ذلك، وإن تولاه برأي ما لم يعلم بحكم الحدث، أو يقف عن أحد من علماء المسلمين، أو يبرأ منه برأي أو بدين، من أجل براءته منه، أو من أحد من ضعفاء المسلمين بدين، فلا يضيق عليه ذلك، وهو في الولاية، ولا يجوز أن يكون معنا إذا تولاه بما تجوز له الولاية فبرىء منه أحد من المسلمين من العلماء والضعفاء، ولو مائة ألف أو يزيدون، فلا يدخل عليه شيء لولايته لوليه، بل هم يكونون معه قذفة مخلوعين، إذا برئوا منه قبل أن يقيموا الحجة على وليه، بما ينقطع به عذر الولي، في ولايته من الشهادة، ثم هنالك يجوز لهم بعد قطع عذره من ولاية وليه أن يبرؤوا من وليه، ولا حجة له عليهم بعد ذلك، ولو برئوا منه قبل أن يقيموا عليه الحجة، كائنا ما كانوا من القلة والكثرة، بعد علمهم بولايته، أو قيام الحجة بذلك عليهم، لكانوا معنا قذفة مدعين، لا تجوز شهادتهم فيما ادعوه أبدا، ولا فيما برئوا منه عليه من ذلك السبب، ولا يخرجهم معنا من حد البراءة والخلع، إلا توبتهم من ذلك، فإن أقاموا عليه الحجة بكفر وليه بما يثبت عليه من ذلك، فتولى بعد ذلك بدين لم يسعه (2/68)
صفحة 297
ذلك، وكان وإن وقف عنه أو تولاه برأي إذا لم يبصر الحجة والحكم، وتولى المسلمين ولم يقف عنهم ولا برئ منهم، على ما وصفت لك برأي ولا بدين، لم يضق عليه ذلك، وهو مسلم.
باب
شهادة الشاهدين على براءة المسلمين من أحد
والمسلمون يبرؤون من فلان
وأما شهادة الشاهدين أن المسلمين يبرؤون منه، فليس هذا مما تقوم به الحجة، على المتولي له، إذا كان يتولاه في الأصل بحق يسعه، وإن كان لا يتولاه بحق بدين، فهو هالك، وليس الشهادة على براءة المسلمين موضع حجة لأن براءة المسلمين، ولو سمعهم يبرؤون منه، بإذنه وهم علماء فقهاء، لم يكن ذلك حجة عليه، له معنا يبرأ كبراءتهم منه وإن كان يتولاه بحق في الأصل، فهم عنده قذفة، وعليه البراءة منهم إن أبصر ذلك، وإن لم يبصر في الحكم في ذلك، فلم يتولهم أو تولاهم برأي، وسعه ذلك، ما لم يقف عنه وليه المحق من أجل براءتهم منه، فإن وقف عن وليه من أجل براءة المتبرىء منه، ولو كانوا علماء المسلمين فيما مضى، وقد برىء منه أو وقف عنه بدين، أو برىء منه برأي أو بدين، كان ضعيفا أو عالما، لم يسعه ذلك، ولو كان متوليا له في الأصل بباطل ما كانت براءتهم عليه حجة، ولا زائدة ولا ناقصة، وإنما يهلك بولايته له على الباطل، إذا تولاه بدين ولا ببراءة المسلمين منه، ولا بشهادة من بعضهم أنهم يبرؤون منه، ولا بصحة الشهرة أنهم يبرؤون منه، إلا أن يكون يصح بالشهرة معه، وإجماعهم على الحكم عليه في حدثه المحتمل حقه وباطله، فيما يجوز إجماعهم عليه من الحكم بباطله، فإن صح ذلك من إجماعهم على الحق، ببطلان حدثه في موضع ما يكون حجة في الحكم، زال عنه حكم الاحتمال، وثبت عليه أن لا يتولاه بدين، بمخالفة (2/69)
صفحة 298
حكم المسلمين عليه، وصحة حكم المسلمين عليه بباطل حدثه، فيما يخرج من المسلمين حكما عليه، فالحكم منهم حجة على من علم بحكمهم، كان وليه حيا أو ميتا، إذا كان قد ثبت عليه حكمهم بالباطل، وحكمهم بالباطل أصح من شهادتهم عليه بعد موته لأنه لا يخرج الحكم إلا حقا ثابتا من الشهرة التي تصح ذلك معه.
وأما الشهادة على الإجماع على حدثه بعد موته أنه باطل، ولم يصح معه هو إجماعهم بالشهرة، فالشهادة على إجماع المسلمين على باطل حدثه، بمنزلة الشهادة على الحدث أنه باطل، ولو كان قد علمه إذا كان قد علمه محتملا، ولم تصح حجة عليه ببطلانه بالبينة حتى مات، فالشهادة عليه بالإجماع على حدثه كالشهادة عليه بحدثه، وقد مضى القول في الشهادة في الأحداث فيما توجب البراءة بعد الموت ببيان ذلك، مع ذكر الاختلاف فيما مضى من هذا الكتاب.
باب
براءة الشريطة
واعلموا أن حكم الشريطة أن يتولى لله كل مسلم، وأن يبرأ لله من كل كافر، فالمسلمون في حكم الشريطة، يتولون لله كل سعيد غاب عنهم صحة سعادته، ويتبرؤون لله من كل شقي غاب عنهم صحة شقاوته، وهم دائنون لله في حكم الشريطة بولاية أوليائه وعداوة أعدائه فهم على ذلك يبرؤون ممن ظهر منه المواففة للمسلمين، ووجب عليهم ولايته، كذلك يتولون من قد ظهر إليهم منه حدث فسق، فبرئوا منه بحكم الظاهر، وهو في سابق علم الله أنه سعيد تائب من ذنبه، فلا يحل لهم أن يتركوا ولاية من قد صح عندهم رشده، ويسيروا فيه بحكم الشريطة باسمه وعينه، بل إن فعلوا ذلك فقد فسقوا. (2/70)
صفحة 299
كذلك لا يحل لهم أن يتركوا البراءة ممن قد ظهر إليهم منه حدث مكفر، ويحكموا فيه بحكم الشريطة باسمه وعينه، فالمسلمون متوسعون في دينهم بولاية من ظهر منه إليهم رشد، حتى يعلموا منه زيغا عن الحق ببراءتهم في الشريطة من كل فاسق، كذلك متوسعون بالبراءة من كل من ظهر منه حدث فسق، حتى يعلموا منه توبة من ذلك الحدث، بولايتهم لله على الشريطة لكل مسلم، فهم يدينون لله بالبراءة منه باسمه وعينه، إذا زاغ عن الحق، ويتولونه في الشريطة، وإن لم يتولوه باسمه وعينه إذا تاب، فتدبروا هذا الفصل -إن شاء الله - واتبعوه تسعدوا ولا تكونوا من المعتدين.
باب
ولاية الوليين كل واحد منهما يقتل صاحبه
ومن الكتاب وقيل في الرجلين، يكونان في الولاية، فيقتل كل واحد منهما صاحبه، ولا يعرف الظالم منهما، فهما في الولاية جميعا، حتى يعرف الظالم منهما.
قال غيره: معي أنه قد قيل: إذا اقتتلا فقتل كل واحد منهما صاحبه على المحاربة، فقال من قال: بولايتهما جميعا، للأصل الذي كان قد ثبت فيهما في دين الله، في حكم ما تعبد به من حكم ولاية الظاهر ولأن حكم كل واحد منهما مفرد بنفسه، ثابت في حكم ما تعبد فيه من ولاية الظاهر، فهو بولايتهما جميعا حتى يعلم المحق منهما من المبطل.
وأحسب أن بعض أهل العلم قال: إن ولايتهما أصح في أحكام الظاهر من أحكام الولاية والبراءة.
ومعي أنه قيل: إذا اقتتلا فلم يعرف أيهما المحق من المبطل، فهما (2/71)
صفحة 300
متضادان، ولا محال أن أحدهما مبطلا أو كلاهما، ولا يثبت لهما أنهما مصيبان بالتضاد للمحاربة، ولا يعلم بوجه من الوجوه، فإذا ثبت هذا في أصل ما صح منهما، فلا تجوز ولايتهما جميعا لجميع المتضادين، اللذين أحدهما مبطل، ولا يعرف المحق منهما بعينه فيتولاه منهما مشكوكان، والمشكوك موقوف بذلك جاء الأثر، أن المشكوك موقوف، ولا نعلم في ذلك اختلافا من ثبوت الأثر.
يخرج على غير هذا التفسير منه في الاجتماع منه، ومما لا يختلف فيه، أنه إذا لم يعلم من أحد بعينه، مما تجب به الولاية، ولا ما تجب به البراءة، ولا محال أنه يلزم فيه أحدهما عند الله في دينه، فهذا من أصل المشكوك، ومما مجتمع عليه أنه موقوف وما أشبهه، فهو مثله، وقد تساوى الأصول في معنى واحد، فيشبه ذلك المعنى كل أصل منهما بسبب، فيلحقه الاختلاف، ويجوز فيه إذا ثبت فيه شبه الأصل، فثبت في هذا الأصل الشبه في المشكوك، من أجل هذا الذي دخل فيهما من الريب، فلم يبعد فيه القول بمثله وبشبهه، ودخل في الولاية حكم ما تعلق به من ولاية الأصل، الذي لم يصح من أحدهما زواله، فلم يداخله حكم ثابت بعينه أنه باطل، فهو يتولاه على الانفراد بعينه، ما لم يزل ذلك الحكم الذي قد ثبت له بغير شك، كما قد ثبت له بغير شك.
وأحسب أنه قد قيل فيهما بالتعلق، أنه يبرأ منهما وعن بعض أهل العلم، أنه قال: هذا قول شاذ، وهو كذلك معنا، والشاذ من الشيء معنا ما لم يشبهه، وما بعد عنه فهو شاذ عنه، وإنما يثبت من الشيء ما يشبهه معنا، وما أشبهه وقرب منه.
ولا نعلم أن البراءة تقام بالشبهة في وجه من الوجوه معنى من المعاني لأنها حد من الحد وحكم من الأحكام، وإنما هي حدث، ليس فيها أصل إلا بالحدث المعين في الأشياء، فلا نعلم لهذا القول الثالث أصلا (2/72)
صفحة 301
يشبهه، ولا معنى يقاربه في حكم الدين في الولاية والبراءة، وما لم يشبه الشيء لم يضف إليه والله أعلم بصوابه، فيما لم نقف عليه.
باب
التمييز بين شهرة الادعاء للحدث
وبين لشهرة ما يصح من الحدث
اعلموا أن شهرة الادعاء للحدث، لعله أن يصح في القلب بحدث، ولا يحل لأحد أن يحكم بشهرة الادعاء للحدث في البراءة.
وقد جاء الأثر أن الشهرة بالحدث الواقع في الدار يصح في القلب بحدث، وتقوم به الحجة على الناس، ثم اختلف الحكمان في ذلك، فصار شهرة حدث، لا يقع ذلك الحدث، وإذا صح إلى الأصل، وجدنا أصلا ثابتا.
وشهرة الادعاء للحدث يصح في القلب تحقيق الحدث، و بينهما حكم فارق، فتميزوا ما يصح في قلوبكم من شهرة الحدث ومن شهرة الادعاء للحدث.
واعلموا أن مثل شهرة الحدث ومثل شهرة الادعاء للحدث، كمثل الشهادة والمدعي، فالمدعي يقول: على فلان لي دينار، والشاهد يقول مثله على فلان له دينار، فلو أن الحاكم حكم بقول المدعي، ولو كان المدعي صادقا لهلك الحاكم بذلك، وكذلك لو رد شهادة الشاهد، ولم يحكم بشهادته إذا شهد معه غيره هلك.
فتدبروا - رحمكم الله - هذا الفصل، والتمسوا الحق من صدوركم، فإنه لا عذر لكم إن حكمتم بشيء من الباطل، في أحد من الناس، وقد وصفنا في هذا الكتاب من الولاية والبراءة، ما في بعضه كفاية لمن من الله عليه بالهداية. (2/73)
صفحة 302
فتدبروا ما وصفنا لكم، ولا تأخذوا من قولنا إلا ما وافق الحق والصواب، فإنا ندين لله بالتوبة من جميع ما خالفنا فيه حكم الصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله ونبيه محمد وآله وسلم تسليما.
تمت سيرة أبي عبدالله محمد بن روح على ما وجدنا، رحمه الله وغفر له.
باب
ذكر معاني القول في اللوازم الواسع وقتها
وأما ما كان من الفرائض واللوازم من دين الله - تبارك وتعالى - فإذا وجبت كان لوجوبها وقتا واسعا، لا يفوت وقتها مثل الزكاة والحج، وأشباه ذلك من الحقوق التي لله أو لعباده، مما ليس له وقت يفوت فيه، وينقضي وقته، وهو من اللوازم الواجبة، فوجب ذلك الحق عليه بوجه من الوجوه.
فمعي أنه قد قيل: إنه لا يسعه جهل لزومه، واعتقاد الأداء له، إذا بلغته الحجة به، وقامت عليه بعلم ذلك، وعليه اعتقاد أداء ذلك على ما يوجبه الحق من قدرته، فإن لم يفعل ذلك ويعتقده، وينوي ذلك، لم يسعه.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يهلك بذلك، إذ وقته واسع، إذا لم يعتقد ترك أدائه بالعزم على ذلك أو ينكره، أو يحضره الموت وهو قادر على الوصية ذاكر لها، من غير عذر.
فمعي أنه قد قيل: يهلك بذلك، وأحسب أنه قيل: إنه ليس عليه في ذلك من الاعتقاد والسؤال، ما عليه من اللوازم التي يفوت وقتها، لوقت معروف مثل الصلاة والصوم، وأشباه ذلك مما له وقت ينقضي، ولا يجوز العمل به إلا فيه، ولا أداؤه إلا فيه، لأن الزكاة لو وجبت عليه في شهره (2/74)
صفحة 303
هذا، فأداها في غيره، كان قد أداها، وكان قد قضى واجبا عليه في وقته، وكان ذلك وقتا واجبا.
وكذلك لو تركها سنة ثم كان كذلك، وإذا جاز تركها سنة، لم يضيق عليه في السنين، إلا بمعنى يعتقده أو ينويه مما لا يسعه.
وكذلك الحج، لو وجب عليه في سنته هذه فلم يحج، وحج من قابل، أو بعد ذلك كان ذلك وقتا لحجه، ولم يكن الحج موقتا عليه في عامه ذلك، كما كان ذلك وقتا عليه الصوم في رمضان، أن لا يتعداه إلى غيره، وصلاة النهار في وقتها، وصلاة الليل في وقتها، وكل صلاة من الصلوات في وقتها من الليل والنهار، وساعات الصلاة والحج، وأشباه ذلك من زكاة الفطر، وحقوق العباد، التي ليس لها وقت معروف، ويسع فيها أداؤها، متى أديت من النفقات والديون، ما لم يأت في ذلك ضرر في تقصير، في أداء شيء من حقوق العباد، أو يعتقد ترك أدائها ويعزم على ذلك، أو تجب عليه حجة من حكم حاكم، أو من ضيق حكم حاكم، أو من تضييق حكم، وهو قادر على أداء ذلك، بغير ضرر عليه في نفس ولا دين، فهو في حال السعة -إن شاء الله تعالى - لأن هذه الحقوق، وقتها من دين الله، ومن لوازم حقوقه، إذا كانت هذه الحقوق إنما لزمته من وجه لا يكون فيها ظالما لأحد، وإنما هي من الديون أو النفقات أو مثل ذلك.
ومعي أنه قد قيل في مثل هذا الذي وقته واسع: أنه واسع على الأبد، ما لم تقم عليه حجة ينقطع بها عذره.
وقيل: إنه إذا وجب عليه حكم التعبد بها، كانت في لزوم العلم بها، على نحو ما يلزمه في الحقوق الفائتات، ولا يسع لهم جهل العلم باللازمات، لأنه من حين ما وجب ذلك الحق اللازم، فقد ثبت عليهم حكم التعبد به، وإنما يعذرون بتأخير ذلك، عن القيام به من حين ما وجب، بسعة الوقت، ما لم تقم عليه حجة في تأديته، ينقطع بها عذرهم بوجه من الوجوه، فهم موسعون في تلك الحقوق، مع اعتقاد أدائها، إلى حضور الموت، الذي تجب (2/75)
صفحة 304
فيه الوصية بالحقوق اللازمة، فإذا حضرهم ذلك لم يسعهم ترك الوصية بذلك، إذا قدروا عليه، ولم يكن لهم عذر في وجه من الوجوه.
ومعي أنه ما يلزم من الحقوق التي تلزم، مثل قتل الخطأ، ومثل العواقل اللازمة والقسامات، إذا كان ذلك لازما لحكم الإجماع، فهو عندي من الحقوق التي تخرج مخرج الديون، ولا يضيق عليه ذلك أكثر من الدين، لأن قاتل الخطأ، والمحدث حدثا خطأ في مال أو نفس، مما يتعلق عليه فيه ضمان، فمعي أنه لا يأثم بفعله الخطأ، ولو قتل نفسا مؤمنة خطأ، أو أشباه ذلك من الأحداث، لم يلحقه بالفعل نفسه الكفر ولا الإثم، ولا أعلم أن عليه في ذلك توبة، لأنه لا عصيان منه في ذلك، إذا كان إنما هو فعل خطأ، وأشباه ذلك.
وإنما يأثم فيما يخالف فيه العدل، في أداء ما لزمه، من القيام بما يلزمه من الدية، أو من الكفارة، لأنه ليس يأثم بنفس الفعل من الخطأ، إذا خرج ذلك مخرج الخطأ في مال أو نفس.
باب
ما يسع جهله وما لا يسع جهله
واعلم أن أصدق الكلام، وأعدل الأحكام، ما أنزل الله في القرآن الكريم، ثم ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لعباده فيما يحدث لهم من الأمور: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (1).
وهم العلماء الذي جعل الله لهم الأنوار، التي أبصروا بها الآثار، فهم الأدلاء عند الظلمات، وبهم يقتدى في المحيا والممات.
__________
(1) - الأنبياء 7. (2/76)
صفحة 305
والإيمان الذي لا يسع الناس جهله، هو شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإقرار بما جاء به عن الله -تعالى-، فهذا الإيمان الذي لا يسع الناس جهله أبدا على حال من الأحوال.
وقيل: إن هذه الجملة التي كان يدعو إليها النبي صلى الله عليه وسلم، من المشركين.
قال غيره: قد مضى في أول التفسير ما فيه كفاية، وهو كما قال معنا أنه قد قيل: لا يسع جهل هذا في حال من الحال، وتأويل ذلك معنا أنه إذا بلغته الدعوة بهذا، وقامت عليه الحجة به لأن هذا كله قيل: إنه لا تقوم به الحجة إلا بالسماع، ولا تقوم به من شواهد العقول مثل الصفات، لا الفرق بين المسميات وهذه الأسماء، أعني اسم الله -تعالى - واسم رسوله.
وأما ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله حق وصدق، فذلك يخرج معنا مخرج الصفة عند الفهم له والمعرفة، إذا عرف معناه والمراد به.
وأما الأسماء فقد قيل: لا يبلغ إلى معرفتها والفرق بينها إلا بالسماع، ولو ثبت أن هذه الجملة مما تقوم بمعرفتها شواهد العقول، ما جاز أن يهلك بها أحد قبل أن يبلغ إليه شانها، ويسمع بذكرها، أو يخطو بباله أمرها، كسائر الأشياء من جملة التوحيد، من الصفات من صفات الأفعال و الذات لله - تبارك وتعالى -، وإنما يخرج تأويل هذا على هذا، وفي بعض ما مضى هداية وكفاية، لمن صحت له إرادته، وسبقت في علم الله سعادته، و إلا فلا تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.
وكل شيء من الحق، من الكتاب والسنة و الآثار، وهو لمن من الله عليه بالهداية هدى، ولمن أشقى الله سابقته، وخذله عن هدايته ضلالة وردى.
كذلك قال الله -تبارك وتعالى -: (وننزل من القرآن ما هو شفاء (2/77)
صفحة 306
ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) (1).
وقال، - تعالى -: (و لوجعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) (2).
__________
(1) -
(2) -
وقال -سبحانه وتعالى -: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم و أما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) (3).
وكذلك جميع الحق هذا سبيله، على كل من ضل قعد التأويل دليله، فكلما ازداد تمسكا بما ضل به عن الحق و اجتهادا، ازداد عن موافقة الحق الذي كل ضل عنه قصوا و ابعادا.
وانظر إلى قوله: إن هذه الجملة التي كان يدعو إليها النبي صلى الله عليه وسلم عدوه من المشركين، فهذا عندنا هو الحق المبين، وعليه وبه يصح تأويل هذا الأثر من قول المسلمين، أنه إنها يخص مثل من نزل بمنزلة عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل حربه من المشركين في الدعوة له إليه، والتوقيف له عليه ولا يقبل منه في ذلك سوى الإقرار، كما قد صح منه فيه، وله من الإنكار.
وأما من قد ثبت له وعليه وبه حكم الإقرار، من أهل بقعة، أو من أهل دار مصر من الأمصار، أو قطر من الأقطار، ممن قد ثبت في ظاهر الأمر إقراره وإسلامه، وجرت عليه وله في جميع الأمور أحكامه، فهذا لا يلحقه في صحة التأويل، ما يلحق من صح منه الإنكار، لمنصوص
__________
(1) - الإسراء 82.
(2) - فصلت 44.
(3) - البقرة 26. (2/78)
صفحة 307
التنزيل، ولثبوت حق رسالة الرسول، وممن عبد مع الله غيره.
إن هذا الشيء بعيد عن التفاوت، عند من أبصر الحق، إلا على مما وصفنا، من صحة التأويل، وما قد ثبت عليه وفيه من الحجة والدليل، ومما ليس إلى غيره عندنا في هذا مقاربة ولا سبيل، ولو أجمع عليه، على غير هذا التأويل جميع الخلائق من المشارق والمغارب، وكان كل منهم بخلاف هذا ناطقا، ولنا عليه معاديا ومفارقا لرضينا في هذا بالله وحده، وكنا على ما بيناه من تأويل الحق، ولو وحدنا عنده، و أعطينا الله على ما أخذ علينا في هذا عهده، فينا على تمسكنا بذلك وعده، إذ في ذلك على غير تأويل الحق، إذا ثبت على ما لا يجوز على الله -تبارك وتعالى - من تكليفه لعباده ما لا يطيقون، ولمخالفة أحكام الله في ذلك من كتابه وسنة نبيه، وإجماع المسلمين، وشواهد العقول، بما قد بيناه فيما مضى من الشواهد، على هذا الحرف، وما لو استشهدنا به، واستدللنا به، مما بقي، لكان ذلك يتسع ويطول.
وقد قيل: يجزي العاقل، قليل الحكمة عن كثيرها.
ومن الكتاب وقد يدخل في هذه الجملة تفسير أشياء لا يسع الناس جهلها إذا ذكرت، وعرف معناها، ولكنهم لا يدعون إلى تفسيرها، كما يدعون إلى ما ذكرنا من جملتها، وعليهم علمها إذا ذكرت وفسرت، مثل: أن الله -تعالى - واحد، قادر، قاهر، لا يشبهه شيء، ولا يغفل، ولا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه يعلم الغيب، وأنه حي لا يموت، وأشباه هذا من تفسير توحيد الله في الجملة.
وقد يسع الناس أن لا يذكر لهم هذا التفسير، إذا أقروا بالجملة التي ذكرناها في صدر الكتاب.
قال غيره: أنظر إلى معنى الأثر أن تأويل السياقة كلها، يخرج مخصوصه ني أهل الجحود، الذين كانوا ينكرون هذه الجملة، وأنه يوجب لهم الدعوة (2/79)
صفحة 308
إليها، ولا يسلمون إلا بها احتذاء منه لدعوة أهل حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يعذرهم عن الدعوة إلى ما سوى هذه الجملة، إذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلا إلى هذه الجملة، إذا لم يكن منهم إنكار لغيرها بعينه في جملة دعوتهم، إلا من خصه من ذلك حكم بعينه، في شيء لم يقبل منه إلا ذلك.
فهذه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل حربه من المشركين نصا، و إنما هو اتباع لما قيل في الأصل، لأنه يخرج في تأويل قوله، ويشهد عليه معانيه، أنه يلزم الدعوة إلى هذه الجملة في قوله.
والإجماع من مذاهب أهل القبلة، أنه ليس على الناس، على صحة التأويل، من جميع أهل الإقرار دعوة، إلى هذه الجملة بعينها، وأنه ثابت لهم أحكامها، وجائز لهم أقسامها، فإن كان ملزما لنفسه الأصل، مخالفا لأحكام الأصل، فهذا باطل، وإن كان إنما هو متبع للأصل، الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أهل حربه، فتأول ذلك بالعدل، يخرج على ما وصفنا، وهو كذلك معنا، ونحكم به ونجريه على من نزل بمنزلة أهل حرب نبينا صلى الله عليه وسلم ممن حاربناه أو حاربنا، ونضعه عمن وضعه الله عنه، ممن قد صح له الدخول فيه، ولا يلزمه ذلك سريرة ولا علانية، في أحكامنا عليه، إلا ما نلزمه إياه، في حال نزول بليته، كسائر ما يلزمه من دين الله، في حين ما يلزمه، لا قبل ذلك، إلا ما نلزمه إياه من جملة التعبد لميه وفي غيره، على ما قد وصفنا، وتفسير هذه الجملة من صفة الله - تبارك وتعالى - أضيق عندنا، لأن الصفات تدرك بشواهد العقول، وتقوم بها الحجة بالعقول.
والأسماء لا تدرك بشواهد العقول، إلا من خصه الله من ذلك من صحة إلهامه له، أو وحيه إليه، وإلا فلا فرق في ذلك، الأسماء من شواهد العقول، ما تقوم به الحجج، وتصح به الدلالة، والصفات مدركة بالعقول، حجتها قائمة من شواهد العقول ودلالتها.
ومن الكتاب: وعليهم علم أشياء من تفسير ما جاء من الله، (2/80)
صفحة 309
لا يسعهم جهله إذا ذكر، كما لا يسع جهل تفسير التوحيد، في الجملة إذا ذكر، وقد كان واسعا لهم إلا أن يذكر لهم، وذلك من تفسير الجملة ما جاء من الله مثل: القيامة، والبعث والحساب، والجنة والنار، وحلاله وحرامه، وتضليل الناقل لما في أيديهم، مما قد عرفوا أنه جاءهم من أمر الله مما أمرهم به، أو نهاهم عنه.
فهذا كله لا يسعهم جهله إذا ذكر، و يجزىء عنهم فيه الجملة التي ذكرناها في أول الكتاب، ما لم يجئهم هذا التفسير، ويعرفوا معناه، فإذا جاءهم وعرفوا معناه، لم يسعهم جهل علمه، ولا يسعهم جهل ضلال من رد ذلك العلم ونقضه عليهم.
باب
ذكر ما تقدم عمله من اللوازم المتفقة
من الفرائض مثل الزكاة والحج والأيمان الواجبة
من كتاب المعتبر تأويلا لما يوجد في الأثر
من أهل العلم والبصر، وذكر ما تقدم من اللوازم،
إذا وجب واتفق ونحوه
بسم الله الرحمن الرحيم
ومما يوجد عن بعض أهل العلم: وذكرت فيمن وجبت عليه زكاة، ووجبت عليه حجة الفريضة، وأيمان مرسلة وجبت عليه كفارتها، و الله أعلم يبدأ بالحج والزكاة، فإن بقي له مال يجب عليه الإطعام فيه والكسوة أو العتق أطعم أوكسا أو أعتق عن كل يمين، كما قال الله - عز وجل -.
وإن لم يبق له مال يجب عليه فيه الإطعام أو الكسوة أو العتق صام لكل يمين ثلاثة أيام. (2/81)
صفحة 310
قال غيره: الله أعلم، وقد نظرنا في هذه اللوازم فكلها واجبة في كتاب الله - تعالى -.
إلا أن لها عندنا مواقع يقع فيها، ولا يكاد أن يتفق معنا، إلا بما يقدر الواجب عليه فيها، إذا قدر.
فأما الزكاة فجزء المال، ومعنا أنه لو ملك مالك ما تجب عليه فيه الزكاة، ووجبت عليه فيه، فكان إذا أخرج الزكاة، لم تجب عليه بإخراجها، حج ولا كفارة فيما قد حنث فيه من الأيمان اللازمة في ذلك الوقت، لأن ذلك يزيل عنه وجوب الحج، و الكفارات، ولا يقع عند وجوب ذلك على هذا الوجه.
والزكاة أولى وأوجب عندنا، لمعنى ما ذكرنا من أن الزكاة من ملكه جزء وليس له أن يحيله، ولا تزاحمها عندنا الفرائض التي تجب لله -تبارك وتعالى-.
ولمعنى أن الزكاة قد تجب في مال الصبي، ولا نعلم في ذلك اختلافا في معنى وجوب ذلك من ماله، كان يتيما أو له أب، ولا يجب عليه الحج عندنا.
ويجب عندنا في مال المعتق من أهل القبلة، ولا يجب في ماله بعد عتهه، ولا يجب عليه الحج فيما عندنا.
وقد تجب في مال العبد إذا ملكه، ولا نعلم أنه يجب عليه الحج ولا الكفارات بالإطعام إلا بإذن سيده.
والزكاة واجبة في أي حال، فهذا معنا في الزكاة. وأما إذا كان قد أدى الزكاة من ماله الواجبة فيه، وبقي من ماله ما يجب عليه فيه الحج أن لو لم تجب عليه الكفارات الواجبة عليه، في ذلك الوقت معا، وتجب عليه الكفارات من الملك، أن لو لم يجب عليه الحج، واتفق ذلك (2/82)
صفحة 311
وتزاحم، ولم يف الملك الباقي بالجميع لعدم الكفاية، وقام بالبعض، فمعنا أن الكفارات اللازمة له من كتاب الله أو سنة نبيه، أو الإجماع عن أهل العلم من المسلمين، أوجب، ويبدأ ذلك بذلك.
ولا يقع عندنا وجوب الحج حتى يقضي ما وجب عليه من الكفارات اللازمة، التي ليس له فيها تخيير بين تكفيرها بالصوم أو بالمال من العتق أو الإطعام أو الكسوة.
فإذا وجبت هذه الكفارات، فهي عندنا أولى، وينحط عندنا بها فرض الحج، ولا يقع إذا كان إن أداها لم يف ما بقي من الملك بعدم الكفاية للحج، لمعنى أن اللازم في هذا الوجه معنا في الكفارات متعلق في الذمة بالمال، دون الأبدان، والحج إنما هو متعلق في الملك والأبدان معا.
والمعنى أن الحج فريضة غائبة عن الإنسان، ولا يدري أيصل إليه أم لا، و الكفارات حاضرة لازمة في الوقت، مخاطب بها، غير معذور عنها، ولا يعذر بتأخيرها من حين ما تجب عليه، إذا قدر على الملك، والمساكين الذين يطعمهم أو يكسوهم، أو العتق.
ولو خرج حاجا بملكه ذلك، فتلف ماله أو أفناه في كفارة، قبل بلوغه إلى الحج ولو بساعة، زال عنه عندنا وجوب الحج. ولو ملك بعد ذلك ما لا يجب عليه فيه الحج بالملك المستأنف لم يكن متعلقا عندنا عليه وجوب الحج، إذا لم يكن الملك المستأنف يجب به الحج، ولو لم يكفر لما قد لزمه من الكفارات وهو يقدر حتى زال ملكه ذلك أو أفناه، كان وجوب ذلك متعلقا عليه دينا واجبا لا عذر له منه، في قول من يقول: إن حقوق الله -تبارك وتعالى - تجب في الذمة وجوب الدين.
والمعنى أنه لو وجب عليه الحج في ملكه، جبت عليه الكفارات لازمة في ملك معا، وكان ملكه واسعا لجميع ذلك، فأراد إنفاذ ذلك، لأمرناه أن يبدأ بالكفارات، لحضور ذلك وغيبة هذا، ولا يتشاغل عن إنفاذ ذلك (2/83)
صفحة 312
بما يقدر عليه، فإن لم يتوان وقام في إِنفاذ ذلك فلم يتوان حتى زال ماله، وأتلفه في كفارة لا بد له منها، زال عنه عندنا جميع ذلك، ووجبت عليه الكفارات بالصوم، ولم يكن عليه حج، ولو أخذ في طلب الحج الغائب عنه، وترك الكفارات اللازمة حتى تلف كان وجوب الكفارات عندنا عليه باقية، وزال عنه الحج، وعليه - عندنا - عند المكنة لجميع ذلك، إذا لم يكن توانى في شيء منه أن يوصي بالكفارات، إن أراد الخروج للحج، وليس عليه الوصية بالحج إذا خرج إليه في الواجب.
فلهذه المعاني كلها، أوجبنا تقديم الكفارات اللازمة له على الحج، إذا لم يكن ذلك له فيه تخيير، بعد وجوبه عليه، وذلك عندنا في كفارة قتل الخطأ، والعمد أشد من الخطأ.
والكفارات اللازمة في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو في الإجماع إلا فيما يكون له فيه التخيير، من شهوات نفسه، مثل كفارة الظهار، الذي به من العتق يبلغ إلى إدراك زوجته، وإذا أعتق ذلك العتق زال عنه وجوب الحج، وإذا تركه وجب عليه الحج، فمعنا أن هذا الفصل من الكفارات لا يزيل عنه حكم وجوب الحج، لكن إن شاء - معنا - أعتق وأدرك زوجته، وعليه الحج واجب في ذمته، وإن شاء حج وترك ذلك، ولم يجز له - معنا أن يصوم على هذا الوجه ويدرك زوجته، لأنه واجد للعتق، إذا لم يخرج في الحج من حين ذلك، ويريد أداءه حتى تزول عنده القدرة على ذلك.
فإن خرج حاجَّا وقام بذلك، حتى يصير في حال لا يقدر بذلك على العتق، جاز له الصوم على الكفارات، لأن في ذلك السعة له في الوقت، ما لم تنقض الأربعة الأشهر، إذا لم يتوان في واجب.
وأما إن كان الحج قد وجب عليه قبل ذلك وصار دينا عليه، وتواني عن ذلك، أو قصر حتى وجبت عليه كفارات لازمة، يلزمه فيها الِإطعام، فهي -عندنا - أولى، إذا أراد أداءها من ذلك الملك، الذي به تجب عليه فيه (2/84)
صفحة 313
الكفارات بالملك، وإذا لم يرد أداء ذلك، في الحال الذي يزيل عنه وجوب أداء الكفارات بالملك، فيجب له أن يكفر في هذا الوجه بالإطعام أو العتق أو الكسوة، ولا يكفر بالصوم، فإن كفر وكان إنما صام، وترك ذلك الملك ليؤدي به الحج في ذلك العام أو في غيره، فذلك جائز له عندنا، إِذا لم يكن فيه فضل عن حج، فإن كان فيه فضل عن ذلك، ما تجب به عليه الكفارات بالملك وجب عليه ذلك، وأما إن كان وجب عليه الحج فلم يتوان حتى وجبت عليه الكفارات، التي ليس له فيها تخيير، من لازم ولا من شهوات نفسه، فمعي أن حضور وجوب اللازم من الحاضرات تُسقِط عنه وجوب الغائب، ولم يقدم وجوب الحج، فلم يتوان عن ذلك بوجه يكون عليه فيه دينا في حكم الِإسلام.
وأما إذا كانت الكفارات من وجه، يكون له فيه التخيير من شهوات نفسه، مثل الظهار ونحوه، فإن أراد الخروج في أداء اللازم من الحج الذي قد وجب عليه، ولم يتوان فيه حتى يكون دينا عليه، وزالت بدلك عنه القدرة على العتق، فيجب أن يكون له الكفارة بالصوم على هذا، وكذلك لو صار عليه دين فأخذ فيه، في وقت ما يزول به عنه حكم القدرة على العتق، ويصير بحد من يكون له الصوم، فنحب أن يكون له الصوم على هذا.
وأما ما كان بحد من يقدر على العتق، في الوجهين جميعا في هذا، فيجب أن يكون عليه العتق، لأنه مخير في أداء الحج في هذا العام أو غيره، ومخير في الكفارة عن زوجته حتى يدركها أو يدعها حتى تبين منه، ولا يلزمه كفارة، فلما أن كان هكذا، كان هذا - عندنا - ونحوه، غير الأيمان التي ليس له فيها عذر ولا تخيير ولا محاولة.
وأما إذا وجب عليه الحج ولزمه فلم يتوان حتى وجبت عليه الزكاة، وكان بوجوبها وإخراجها زوال وجوب الحج عنه - فمعنا - أن ذلك يزيل عنه وجوب الحج.
وكذلك الكفارات إذا لم يتوان في أدائها حتى وجبت الزكاة، (2/85)
صفحة 314
فكان في إخراج الزكاة زوال ما يجب عليه من أداء الكفارات بالملك، فذلك - معنا - يزيل عنه حكم ذلك، ويجزؤه الصوم، لما ذكرنا من العلل التي في الزكاة.
وأما إن صار ذلك عليه دينا بتقصير، أو إتلاف ملك، حتى لزمه ذلك وصار عليه دينا، ثم وجبت عليه الزكاة في ماله، من الورق والذهب والعين، وأشباه ذلك، وذلك عليه واجب قد لزمه القيام به، فمعنا أنه على قول: يجعل حقوق الله اللازمة مثل الدين من رأس المال، فذلك مرفوع له في الأصل، على ما يجب من الدين، إذا كان قد لزمه ذلك، من قبل محل الزكاة.
وإذا لزمه دين قبل محل زكاته ووجب عليه، ثم حلت زكاته من ماله، من جميع ما تجب عليه فيه الزكاة، وذلك الدين من حقوق العباد، فمعنا أنه مما يجري فيه القول بالاختلاف.
فمعنا أنه قيل: إِذا كان الدين من جنس ما تجب عليه فيه الزكاة، فهو مسقط عنه الزكاة، إذا كان إنما وجبت عليه الزكاة من بعد محله، وذلك على قول من يقول: إن حقوق العباد قبل حقوق الله، لأنه إذا كان كذلك، كان ذلك المال كأنه لغيره مستهلكا في الدين عليه.
وقد قيل: إنه إنما تزول عنه الزكاة في مثل هذا، إذا كان الدين قد وجب عليه قبل محل الزكاة، وكان يريد أن يؤديه في سنته، قبل محل زكاته الثانية.
وقد قيل: إنه لا يزيل عنه الزكاة ذلك، وهو مأخوذ بجميع ذلك من ماله، من حق الله وحق العباد، وكل شيء من ذلك قائم بنفسه هذا في موضعه، وفي جملة ماله، وهذا في ذمته، ولا يزيل حقا من ذلك غيره، والزكاة أولى لأنها شريك له في جملة ما له، والشريك أولى من الغرماء في (2/86)
صفحة 315
الإجماع، أن لو كان الشريك من العباد، فإذا ثبت هذا وثبت أن حق الله وحقوق العباد سواء كانت الزكاة أولى في موضعها، كيفما كانت، وأي وقت حلت، وفي أي شيء وجبت من الأشياء التي تجب فيها.
وإذا ثبت هذا، كانت الزكاة مقدمة في وقتها خارجة بنفسها، وكان ماله هو وملكه في غرمائه، وما يلزمه من سوى ذلك من حقوق الله دونها.
ومعي أنه قد قيل: إنما يرفع له الدين فيما يجب من زكاة الذهب والفضة، والأنعام دون الثمار كلها.
ومعي أنه قد قيل: لا يجب ذلك في زكاة الأنعام.
وقيل: إنه إنما يكون ذلك في الذهب والفضة من الورق والعير، دون الحلي والكسور، وما سوى ذلك من الذهب والفضة.
وقيل: إنه لا يجب ذلك في شيء من الزكاة على ما قد مضى فيه القول.
ومعي أنه قد قيل: إن زكىَّ ما له بالقيمة من جميع ذلك، بقيمة الذهب أو الفضة، رفع له دينه على تلك الصفة.
وإذا أدى الزكاة من أنواع ما في يده من العروض والأمتعة بالإجزاء، لا يرفع له دينه من ذلك، وكان عليه الزكاة.
ومعي أنه قد قيل: إذا ثبت له المقاصصة بالدين من ماله من رأس ماله، قبل الزكاة، على حد ما قيل فذهب الدين بما في يده من المال حتى يبقى في يده ما لا تبلغ فيه الزكاة، وهو أقل من مائتي درهم، أو عشرين مثقالا ذهبا، أو نحو ذلك من جملة القيمة، وقد كان لو لم يكن عليه دين، تجب فيه الزكاة، أنه يزكي ما بقي في يده.
- 87 –
ولو بقي في يده أربعون درهما، أو قيمة ذلك، مما تجري فيه الزكاة، أو أربعة مثاقيل أو قيمة ذلك، مما تجري فيه الزكاة في التكاسير، لأن الزكاة قد وجبت في جملة المال، إلا ما قد خص من القدر، ما بقي من المال بقي بزكاته، وما مضى من الدين مضى بزكاته.
ومعي أنه قيل: حتى يبقى قي يده من بعد ما يجب له إنفاذه في الدين من جملة المال ما تجب فيه الزكاة مثل مائتي درهم أو عشرين مثقالا، أو قيمة أحد ذلك، مما تجري فيه الزكاة من جميع العروض والأمتعة، غير الذهب والفضة.
ومعي أنه إذا ثبت هذا على هذا الوجه، في زكاة الذهب والفضة في هذا الباب، ففي غير ذلك، مما قد قيل: إنه يجب أن ترفع منه الزكاة، على نحو ما قيل في، الذهب والفضة من الاختلاف، إذا ثبت ذلك.
ومعي أنه قد قيل: إذا كان الذي تجب فيه الزكاة من تجارته طعاما، كان له أن يرفع له بمقدار نفقته ونفقة (2/87)
صفحة 316
من تلزمه إعالته إلى سنة، ولا أعلم في الكسوة فيما قيل، ولو كانت التجارة من الكسوة، إلا أنه قد قيل: إن له أن يدخر لنفسه، ما شاء من الكسوة من تجارته، قبل محل زكاته، ويبينها من تجارته أو يصطنعها لنفسه ولعياله.
ولا يبين لي أن النفقة التي له أن يحسبها من رأس ماله من الزكاة، مجمع عليها، بل يخرج عندي أن ذلك مما يلحقه الاختلاف.
ومعي أنه قد قيل في حقوق الله تبارك وتعالى، وحقوق العباد من غير الزكاة، وما ذكرنا فيها من ثبوت تقديمها بمعنى مشاركتها في المال.
والإجماع أن الشريك أولى من الغرماء، مع ما دخل فيها من سبب الحقوق للعباد في الاختلاف لا في الإجماع - عندنا - فسائر ذلك من حقوق البارىء، إذا تزاحمت حقوق العباد، واتفقت معي أنه قد قيل: إن حق الله أولى وألزم من حقوق (2/88)
صفحة 317
العباد، لأنها من فرائض الله عليه، التي ثبتت عليه من قبل الله، وحقوق العباد اكتسبها على نفسه، فما وجب عليه من فرائض الله التي لزمته من قبل الله، هي أولى وأوجب فتقدم حقوق الله إذا ثبتت وصحت، في ملكه، وما بقي بعد من حقوق الله -تبارك وتعالى - كانت أسوة في حقوق العباد، لتقدم فرض حقوق اللّه في أصل دينه.
ومعي أنه قد قيل: إن حقوق الله الواجبة، وحقوق العباد كلها سواء في ماله، إذا كانت من المال وفي المال، لأنها واجبهْ كلها في حكم دين الله، فيحكم بها كلها في ماله كل شيء منها قد لزم على حياله إذا تزاحمت واتفق وجوبها معا، إن تزاحمت في وجه من الوجوه، معنى من المعاني، فكل من ذلك يجب له من المال بالأسوة، عند وجوب ذلك، بمنزلة الحقوق أن لو كانت للعباد.
ومعي أنه قد قيل: إن المتقدم وجوبه من حقوق الله، أو من حقوق العباد، هو أولى في اللزوم، أو مقدم قبل الآخر من حقوق اللّه أو من حقوق العباد، فما تقدم من حقوق الله ثبت به التعبد عليه في وقته، وكان عليه لزومه، قبل ما يثبت عليه من حقوق العباد، من بعد لزوم حقوق الله في ذمته، وحقوق الله متقدمة في المال، إذ قد وجبت حقوق العباد قبل حقوق الله متقدمة، وثبوتها وتقديمها يزيل حكم حقوق الله، لثبوت حقوق العباد، وتسقط إذا لم يكن في الملك موضعا، بعد حقوق العباد يخرج لزوم حقوق الله.
ومعي أنه قد قيل: إن حقوق العباد مقدمة في الحكم في المال، في المحيا والممات، ويحكم أنها في المحيا من ولا تزول في الحكم حقوق العباد، ويكون عليه في ذمته، ولو تقدمت حقوق الله في لزومها، لما ثبت من تقديم حقوق العبادْ، لما جعله الله لهم في حكم دينه واجبا لأشياء جاءت في الروايات التي ثبتت صحتها، عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فيما قيل عنه: أنه (2/89)
صفحة 318
سأله سائل فقال له: يا رسول الله، إن علي حقوقا ودينا، وعدد عليه - فيما أحسب –ديونا كثيرة، فلو أخذت سيفي هذا فقاتلت به في سبيل الله، حتى أقتل، أو نحو هذا في الرواية، أكان الله يغفر لي، فاحسب أنه فيما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم إلا حقوق العباد"، فلم يستثنى عليه من حقوق الله، من مقاضيه ولا من حقوقه، وقد سأله عنها إلا حقوق العباد، فإنه استثنى عليه، فإنه لا يغفر له المعنى إلا بأدائه.
وأحسب فيما ثبت معناه في الرواية عن الله - تبارك وتعالى -، في بعض ما أوحي، أو ألهم بعض عباده، نزل في بعض كتبه، المعنى أنه بينه وبين ما ألزمه أو مما يلزمه في دينه، أو نحو هذا ثلاثا، فواحدة لله تبارك وتعالى - في الرواية - على عبده، و لعبده عليه، وواحدة بينه وبين عبده، ففي الرواية من قول الله تبارك وتعالى في الثلاث: "فأما التي على عبدي فإنه عليه أن يعبدني لا يشرك بي شيئا، وأما التي لعبدي علي فإنه لا يعصيني فإن عصاني فاستغفرني فأغفر له، وأما التي بيني وبين عبدي فحقوق عبادي عليه، أو نحو هذا فإذا أداها قبلتُ منه، وإن لم يؤدها لم يقبل منه ".
فخرج في معنى قول الله تبارك وتعالى أنها خارجة في الحكم للتوبة والاستغفار، وكذلك يرجى الله تبارك وتعالى العباد، في جميع حقوقه وحقوق عباده، ولا ييأس من رحمته في شيء من الأمور، يغتر بعقوبته في شيء من الأمور، من المحجور إلا أنها أحكام قد حكمها، وأقسام قد قسمها، ودلائل قد دل عليها من فضله وعدله.
وكل هذه الأقاويل التي مضت، تخرج على العدل لا على غيره، وليس ببعيد عندنا جميع ما معنا أنه قد قيل من هذه الأقاويل، بان الحقوق، وإن كانت لعباد، فالحقوق والعباد كلها لله تبارك وتعالى، يفعل فيها وفيهم ما يشاء، ويحكم فيها وفيهم ما يريد، فعليهم في جميع حكم التعبد، (2/90)
صفحة 319
الاستسلام بطاعته، في جميع ما أمرهم أو نهاهم، والخوف في جميع ما أمرهم أو نهاهم والخوف في جميع ذلك من شؤم ذنوبهم في عدله، والرحمة في جميع ذلك الصحيح، ما دلهم عليه من فضله، وليس لأحد منهم غير هذا بوجه من الوجوه، حق لأي معنى من المعاني، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وجدت مكتوبا جواب أبي سعيد رحمه الله: وذكرت فيمن اطلع على وليه أنه كذب كذبة، أو سرق شيئا قليلا أو كثيرا، ما حاله عنده فعلى ما وصفت، فإذا أبطل الكاذب - بكذبه - حقا، أو أحق باطلا، أو أحل حراما أو حرّم حلالا فذلك من الكبائر، ويبرأ منه من حينه، ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن أصر مضى على البراءة منه.
وأما إذا كذب في حديثه فيما يجري من الحديث، فقد قال من قال في المجمل: إن من كذب كذبة فهو منافق إلا أن يتوب.
وقال من قال: ما لم يكن لكذبه على ما وصفت لك، فهي صغيرة، يستتاب منها الولي، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن لم يتب برىء منه على ذلك على كل حال.
وأما الذي يقول إنه منافق، فيقول إنها كبيرة كائنة ما كانت، إلا في تقية، أو في إصلاح بين الناس، أو ما يخرج في كذبه على وجه الصلاح، من غير اعتماد على ذلك، بألا يحق باطلا ولا يبطل حقا.
فالكذب على ثلاثة وجوه، وقد وصفناها لك.
وأما السرق فما أخذه على وجه المكابرة والمحاربة والمغالبة، قليلا أو كثيرا، فهو بذلك مرتكب لكبيرة بالمحاربة والكبائر.
وكذلك الذي يأخذه في بخس ميزان أو مكيال، قليلا كان أو كثيرا، (2/91)
صفحة 320
فذلك كبيرة.
وكذلك لو أعان ظالما متعديا، على ظلم حبة فما فوقها، كان كبيرة.
وأما من أخذ على وجه التخلس والتلصص، فقد قيل: كما خرج من حد ما يتعارف بين الناس أنه حرام، ولأنه لا يوجد، فقد قال من قال: كلما خرج من حد التعارف بين الناس، أنه لا يخرج إلا على الحرام والباطل، فهو كبيرة كان قليلا أو كثيرا، لأن الآخذ لذلك عازم على الباطل فيه والحرام، مرتكب الآثام بمعصية الله.
وقال من قال: إذا لم يكن ذلك أربعة دراهم أو قيمتها، فذلك لا يكون كبيرة، ولا يبرأ منه حتى يستتاب.
والقول الأول أصح عندي، والله أعلم.
وأما من أخذ حبة ذرة، أو بر، أو ورقة حشيش، أو شيئا من مثل هذا الذي يتعارف بين الناس، أنه ليس على وجه القصد، ولا إلى الغصب فذلك لا يبرأ منه على ذلك بحال حتى يصير على ذلك أو يأخذه على وجه القصد إلى الحرام، وأنه لا يتوب من ذلك، أو يأخذه على وجه الاستحلال له، أنه له حلال، فهذا يأتي على جميع مسألتك إن شاء الله في الكذب والسرق.
قال غيره: ودائن السؤال عن جميع ما يلزمني في دين الله، من جميع ما تعبدني به، ودائن بالتماس جميع ما يلزمني في دين خالقي، وما يوجب على الوعيد ألا أرتكبه، وما يوجب لي الوعد لأدائه، ومعتقد أني راجع إلى الله من جميع ما تركته من دينه، الذي تعبدني بالعمل به، أو جميع ما تعبدني بتركه فارتكبته بجهلي أو بعلمي.
بسم الله الرحمن الرحيم
وفي جواب من بشير بن محمد بن محبوب -رحمه الله - إلى عبدالله بن (2/92)
صفحة 321
محمد بن محبوب، وخالد بن قحطان.
قضى الله يا أخي لك، باعتقادات صادقة، وحكمة في معانيها كلها بالغة، وعزائم بها موافقة.
الأفضل لك ولنا ولكافة المسلمين عاجلا وعاقبة.
وقرأت في كتابك تذكر ما شرحته فيما يليك بشان الفرقة المحرمة، وصدع الجماعة، وتشعب الكلمة، وانقطاع الحال في الجملة الشاملة بالعصمة المحكمة، والنحلة القيمة، وما دعتك نفسك إليه في ذلك من إيضاح الحجة، وتقويم الألفة، وبيان المشكل من الشبهة الكافة.
فأمدك الله بعونه، وغمد لك بتوفيقه، وشكر لك في مقامه لك، بمنّه وفضله، وقبله منك على صدقه وعدله، في الرضى به وعنك.
قد تصفحت أخي توقيعك، اعتبارا له على ما رسمت فيه، ونظرنا فيما لحظت من معانيه، فوجدت ذلك - على تقصيري - وكلال حدي، ومخامرة شكوكي إلى مشورة النظام في تفصيله، جاري السير لدلائله، مطرد القياس في علله، ما أصلته لك من ذكر الحدث بإزكي وحكمه، والمشهور في استعمال المحدثين قبل توباتهم منه، ومبلغه في المشهور ذلك معهم.
وفي هذه الأحداث يا أخي خصومات مشكلات، وغفلة ذات شبهات: منها ما يخرج في الاجتهاد، ومنها ما يخرج في الدين، والمبين للفرق فيما بينهما عديم في زمانه فيما أرى، فالاعتصام بالجملة وما قد قامت حجته، ووضح بيانه السلامة إن شاء الله تعالى، فإنها أخي فالتزم بها واعتم ولا قوة إلا بالله.
قلت لأبي سعيد: ما معنى قوله: والمشهور في استعمال المحدثين قبل توباتهم، ومبلغه في المشهور ذلك معه؟ (2/93)
صفحة 322
قال غيره: معي أنه يخرج معنى الحدث الواقع بإزكي من السرية الفاضلة من قتل عزان بن تميم على ما تظاهرت به الأمور، خارج على وجه التحريم، والمحدثين له المنتهكين، ما يدينون بتحريمه على غير صحة شهرة قضت بذلك عن رأي المرسل، وإنما كانت الرسالة، لمعنى الوقوف والنظر في الأمور، على ما جاءت به الأخبار، نعلم أنه تكاتفت دعاوى تدعي صواب ذلك، ولا يدعي أنه كان عن أمر الإمام نصا، إلا أن شهرة ذلك أن الحدث كان من العسكر، من غوغائهم وعوامهم، لا من ولي الأمر منهم، فيما تظاهرت به الأمور، وتظاهرت به الأخبار، أنه يدل على أنه كان خطأ وباطلا ممن فعله.
وإذا تظاهر الحدث من بعض أهل الدار بما يدينون بتحريمه، وكان ذلك شاهرا، وظهر من الإمام استعمال من المحدثين، بعد ظهور ذلك الحدث، فيما لا يجوز فيه استعمال المحدثين، من ائتمان على شيء من أمانات الله، التي لا يجوز أن يؤتمن عليها المتهمون ولا الخائنون، ويجب على الرعية أن يحسنوا بالإمام الظن، أنه لا يستعملهم إلا عن توبة، لأنه مؤتمن فيما غاب من أموره كلها، في جميع ما يحتمل له فيها الحق من أماناته، التي هو يلي تدبيرها، إلا أن يشهر استعماله للمحدثين من غير توبة، بشهرة لذلك بالغة شهرة ذلك بالمعنيين أنه مستعمل للمحدثين من غير توبة، فهنالك يجب على الرعية مناصحة الإمام، والقيام عليه بالعدل في ذلك، ويضيق عليهم في أمره ممن عرف منه ذلك، إلا القيام بالنصيحة.
وأما إن كان المحدثون، في عامة الأمور، التي ليسوا هم فيها أمناء، وإنما هم مرسلون مع الأمناء في سيرة، على حرب القائم بالأمر غيرهم، أو شراة مع وال، أو رسل مع وال في محرس، أو شيء من الأمانات التي هم فيها تبع للأمناء، وأشباه هذا، فلو كان استعماله لهم على هذه الصفة شاهرا، من غير توبة من الأحداث المحرمة والمحللة، على معنى ما لا يكون لهم من أمانات المسلمين مدخل، وأمرهم تبع فيه للمسلمين، والأمناء منهم في جميع (2/94)
صفحة 323
أمور المسلمين، لم يكن ذلك بعيب على الإمام.
فهذا معنى ما يخرج عندي في أمر الاستعمال للمحدثين، ولو كان الحدث يخرج على معنى الاستحلال، وكان شاهرا أو غير شاهر، إلا أن الإمام ظهر منه استعمال المحدثين من غير أن يشهر أنه استعملهم على غير توبة، وشمل أن يكون استعماله لهم من بعد التوبة، كان الإمام مأمونا على ذلك، إلا أن يشهر أنه استعملهم على غير توبة، كما شهر حدثهم واستعمالهم في المعاني التي لا يجوز استعماله لهم فيها، على ما وصفنا وما أشبهه.
وإن كان المحدثون متعلقا عليهم من حدثهم حقوق في أنفسهم وأموالهم، فلا يمنع ذلك استعمالهم بعد التوبة، مما يلزم فيه التوبة والدينونة، بأداء ما يلزمهم، ما لم يبطلوا لأهل الحقوق حقوقهم إلى الإمام ويصح عليهم، ويمنعوا ذلك، فهنالك على الإمام أن يأخذهم بالحقوق، إلى أن يؤدوها، أو يكونوا أسارى في حبسه، لا يستعملهم حين ذلك، إلا أنه يجب استعمالهم فيما هو أولى من ذلك في نظر العدل، وما هو أعود على الإسلام، مما يسعه فيه النظر، فلا يقع على الإمام ولا على المسلمين حجة.
ومعي أنه معنى قوله في الأحداث أن فيها أمورا مشكلة غفلة، والغفلة ما يوجب إغفاله ولا يبحث عنه، والمشكلة ما يوجب توقيعه، والوقوف فيه، والاكتفاء بظاهر معانيه، لأن كل مشكوك موقوف، ويوجب معاني قولهم في الأحداث ما يخرج حكمه دينا، لا يجوز فيه إلا الحق في معنى واحد.
وفيها ما يخرج حكمه في الاجتهاد على معنى التخيير، ويوجب معنى قوله: إن المفرق بين حكم ذلك، الذي يخرج دينا لا يجوز فيه الاختيار، وما يخرج في الاجتهاد ما لا يجوز فيه الدين، والاتفاق عديم أي معدوم في ذلك الزمان الذي كان فيه.
فانظر في هذا، فإذا كان ذلك الزمان عديما من يفرق بين تلك الأمور (2/95)
صفحة 324
وبين أحكامها، عند المشاهدة لها والعلم بها، وجل أهل العلم بحضرتها فكيف بالغائب عنها، وعن معرفتها وعن مشاهدتها، الناقض العلم، الناقض عن أهلها المشاهدين لها إلا ما هدى الله ووفق.
ويخرج في معنى قوله: إن الاعتصام بالجملة التي كان عليها الأمر الظاهر البحث والكشف عما غاب من الأمور، ويكف ذلك كفاية وسلامة ما وسع ذلك، ولم يخرج معنا باطله بوجه لا يحتمل فيه سلامة في ثبوت ولاية الإمام على ذلك، أو ولاية من تولاه وأن تكون الدار وأهلها سالمة بذلك، فما كان كذلك فالإمساك عن البحث والكشف هو السلامة، لأنه لا يدري عند ترك ذلك، وطلب غيره ما يوافق من أمور الضيق وعدم ما يطلب.
ومن الجواب:
كرهت يا أخي إملاء هذا الجواب وتركته، وإن كان أخوك متراخيا عن مثله، للعلة التي به، فأنت يا أخي ممن لا يبخل عليه بفائدة ولا نصيحة.
وقد وصلت إي كتب من الجوف، تذكر نحو ما وصفت، فإن لم يتهيا لي جوابهم، لأني أكره الإملاء لذلك الجواب، وقد كان جوابي إليك كافيا، لمن كتب معهم ومحتسب لجميعهم.
واعلم يا أخي أن الجماعة إنما كانت اعتمدت الحكم على الحادث المجمع على تحريمه، والشهرة له، والدينونة به، وإلحاق معاني ذلك إليه في الولاية، والمعونة إليه، وقد كنت أنت وقفت على ما لحظنا فيه.
والذي أراه للجميع الوقوف على ذلك، وأن لا يحدث أحد منهم الجهر فيه بالدينونة، في ولاية ولا في براءة، في مختلف فيه، وأن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه لعلمه، وأن لا يخرج إلى حكم المشهور، فيبيح ذلك من نفسه ما لا يحل، ولو كان عنده، متى أنه قام بذلك قامت له به حجته.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قوله في الحادث الواقع، الذي وصفه (2/96)
صفحة 325
بهذه الصفة على ما يخرج من معاني قوله فيه: أنه يقصد بذلك حدث موسى بن موسى وراشد بن النضر، وذلك أنه مما تظاهر عليه وعلى طبقته، وممن ذهب مذهبه، أنهم كانوا يذهبون إلى أنهم، كانوا بغاة على الصلت في خروجهم ذلك، الذي ظهر وشهر، لأنني لا أعلم أن تلك الأحداث كلها مجتمع على أحد من أهلها، إلا بأمر يعصى فيه وعليه، بمعنى المخالفة بالدينونة، من أول عمان إلى آخرها، ولا يصح من ذلك حرف بمعنى يدعيه، لا باستحلال لما حرم الله، ولا تحريم لما أحل الله. وإنما تخرج كلها في ظاهر أمورها، على أحكام الدعاوى، لما يحتمل لكل واحد منهم أن يكونْ مصيبا في ادعائه، أو مخطئا في ادعائه، وعلى كل حال، فإنما هي دعوى لا بدعة.
وكان معي أنه مما ظهر، على فريق من أهل عمان، في ذلك العصر والزمان، وأنهم كانوا يذهبون إلى تخطئة موسى بن موسى، وراشد بن النضر ويزعمون أنهما باغيان على الصلت بن مالك، وأنهما لا عذر لهما في خروجهما ولا تقدمهما.
ومعي أنه كان قد وقع منهم إجماع على البراءة منهما على ذلك، على ما يظهر الدعوى عليهم، والتقول وإن كان مما يشبه معنى الشهرة أنه كذلك.
ويظهر عن أبي المنذر -رحمه الله - في ذلك كتاب يضاف إليه بنحو ما يدعى عليه، فكان ذلك عندي في أوان ذلك، من الحاضرين له.
ومعنى الحدث الواقع بعمان، من أوله إلى آخره، يخرج معناه كله على الدعاوى مع أهل البصر بالعدل، ولا يخرج شيء من معانيه عند من أبصر الأصول، على معنى بدعة، ولا على معنى انتهاك ما يدين الفاعل بتحريمه، وإنما هو كله خارج على معنى الدعاوى، وأن كل فاعل من الفاعلين و متبرىء من المتبرئين ومتول من المتولين من الفاعلين أو المدعين، فإنما يخرج ذلك على معنى الدعاوى، واحتمال الصواب واحتمال الخطأ، ولم يصح في معنى الفعل الظاهر من موسى بن موسى وراشد بن النضر، في معاني ظاهر الأحكام، أنهما (2/97)
صفحة 326
قاما على الصلت بن مالك، حجة ينقطع بها عذره بشيء من المكفرات، ولا أنهما ركبا مثل ذلك من المكفرات بغير حجة، يحتمل معنى لهما، ولا صح في ظاهر الحكم أن الحدث وقع على انتهاك ما يدان بتحريمه، ولا بدعوى تحليل حرام، ولا لتحريم صح في ظاهر الحكم بمعنى الاتفاق تبرّأ الصلت من الإمامة على ما ينفق عليه أعلام اِلمصر، ويقبلونها منه، ولا اجتمع في ظاهر الأمر علماء أهل عمان في ذلك العصر، وفي ذلك الزمان بعد ثبوت فعل موسى وراشد و أنصارهما، على تصويب لهما بمعنى الاجتماع في فعلهما ذلك، ولا على اجتماع على تخطئتهما، ولا صح في ظاهر الحكم على ما تظاهر من صحة الأخبار أنه ظهر من الصلت بن مالك، في حين تقدم موسى وراشد في ذلك الأمر، نكير عليهما بشيء مجمع عليه، ولا يختلف فيه، في حين ما كان منهما الدخول والتقدم، ولا من أحد من أعلام المِصر، من الحاضرين ولا من رؤ ساء أهل العسكر، ولا من المؤازرين، والتي تظاهرت به الأمور، في معنى ذلك كله معنا، التسليم والمسالمة لأمور قد علمها الله - تبارك وتعالى - ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى فيها من حيّ عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
فاختلف بعد ثبوت الأمور على معاني الإشكال، ومعنى الدعاوى بأحكام الاحتمال للهدى في ذلك والضلال.
وعلى أمر واضح معتبر مما يصح من تلك الأمور كلها، أو في حال من الحال، عند من أبصر قلبه، وصفي لبه، ولم تغره أراجيف المرجفين، ولا دعاوى المدعين، ولا براءة المتبرئين، ولا ولاية المتولين، وذهب في ذلك إلى معنى اتباع الأصول.
فلما أن ثبت هذا على هذه الصفة ظهرت الدعاوى من أهل العلم من عمان.
ففريق يُصوّب الصلت بن مالك، و يخطىء موسى وراشد.
وفريق يصّوب موسى وراشد، ويخطّىء الصلت. (2/98)
صفحة 327
وفريق يصوّب موسى وراشد والصلت.
وفريق يخطىء موسى وراشد ويعذُر الصلت.
وكل ذلك لا حجة لهم فيه ولا برهان، عند من يرى الأحكام، وفي ظاهر الأحكام عند من أبصر الأحكام، لأن الدعاوى كلها غير مقبولة، ولأنه ليس من المدعين أحد يقبل شهادتهم وإن كثروا، وإن خطر شانهم وعلمهم وخطرهم، فالواحد منهم كالألف، والألف كالواحد، وكل مدع في الإسلام فهو مدع، وليس من الحكام، من بعد أن يثبت الحكم على معنى الاحتمال، ولا ينقضي فيه حكم يخرجه من معنى الاحتمال إلى معنى صحة الحدث، بإظهار نكير من الحاضرين، ممن ثبت له النكير، أو بإجماع من علماء أهل الدار وحكامهم، على تصويب الفعل المحتمل، أو على باطله، بما لا يختلف فيه من الحكام والرؤساء والأعلام، فلن ينتقل عن حال الاحتمال أبدا إلى غيره.
ولو اجتمع أهل الدار بعد الاختلاف منهم، لما كان إلا دعوى، لأن اجتماعهم نقض لحكم السلف الذي ثبت منهم الاختلاف في حكم الدعاوى، في حكم الحدث المحتمل.
ولو أن أعلام الِمصر، بعد أن صح منهم الاختلاف، في معاني صحة لأحكام الحدث، وتداعى صوابه وباطله، رجعوا إلى الإجماع على أحد المعنيين فيه، بعد أن ثبت حكمه محتملا، وثبت حكمهم مختلفا، ما كانت الرجعة إلى اجتماعهم إلا دعوى في الحدث وفي حكم الحدث، لأن الحكم ثبت على ما ثبت عليه في حكم العدل، من أول ما ثبت فيه الحكم، ولا يجوز نقض الأحكام من حكام ولا أعلام ولا قاض ولا إمام، ولو ثبت الحكم مجمعا عليه - بعد ثبوت الاحتمال فيه - ثم اختلفوا في ذلك، هم وغيرهم، كان ذلك منهم دعوى، ولا تقبل منهم الرجعة إلى الاختلاف -بعد الاجتماع -إذا احتمل صواب الإجماع بوجه من الوجوه، ولا إلى الإجماع بعد (2/99)
صفحة 328
الاختلاف، إذا احتمل صواب الاختلاف بوجه من الوجوه وليس لمن جاء بعدهم حكم غير حكمهم، ولو كانوا قد حكموا بباطل، وحاشا أهل الحق من الباطل، فحكم المختلف فيه، مختلف فيه أبدا إلى يوم القيامة. وحكم المجمع فيه مجمع عليه أبدا إلى يوم القيامة، ولا يقبل نقض ذلك، ولا تغييره من أحد من الحاكمين ولا من غيرهم من الخليقة، والمصيب المهتدي من هداه الله للاتباع والاعتصام لمعنى صحة الأحكام.
وما لم يصح من أهل الدعاوى - من جميع المدعين - في أمر حكم الدنيا، أو حكم الدين، تخطئة للمدعى عليه، ولا قذفا منهم له بشيء مما لا يسع جهله، فجميع المدعين في أمر أصول الدنيا أو الدين، كلهم في الولاية، عند من ثبتت عليه ولايتهم، أو أصلحت له ولايتهم في المستأنف، ولا يجوز ترك ولاية المدعين ولا لأحد منهم، من أجل ثبوت دعواه، لما يحتمل فيه صوابه وباطله، من جميع العالمين، ولا يجوز تصديق مدع على ما ادعى عليه من جميع الثقلين في أمر الدنيا ولا في أمر الدين.
بذلك جاء الحكم المجمع عليه، عند من أبصر الأحكام، ولم يقلد دينه أحدا من الأنام، وجاء الأثر- الذي لا نعلم فيه اختلافا - بين أهل البصر، أن أحكام الدعاوى كلها، ما لم يصح خروجها من معنى الدعاوى، فإنها كلها موقوفة مشكلة، لا يجوز فيها الحكم بالإجماع، إلا أن يخرج حال المدّعى من حال الاحتمال، في أمر دعواه، ذلك في دين أو دنيا، إلى صواب لا شك فيه، بقيام الحجة له، أو إلى باطل لا شك فيه بقيام الحجة عليه.
وأما ما لم ينكشف حاله، ويتحول عن حال الدعاوى المحتملة، إلى حال ما لا احتمال فيه، فلا يجوز الاجتماع فيه، ولا إِخراجه على أحكام إلى غير حكمه، وأن الفاعل لذلك بشهادة أو ولاية أو براءة، أو حكم أو بوجه من الوجوه، مبطل ضال عن سواء السبيل، وأن المدعي على المدعى خلاف ما يدعي مما يحتمل له حكمه، ويثبت له في الإسلام حكمه من الاحتمال، لا تخرج دعواه من حكم هدى إلى حكم ضلال، ولا حكم إيمان إلى كفر، فالمدعى عليه شيئا من ذلك، ولو تكافأت دعاويه ودعاوى (2/100)
صفحة 329
-
غيره، ممن لا تثبت حجته عليه، ولا يكون حاكما عليه، فالمدعى عليه ذلك متحول عن حال الدعوى إلى حال القذف، والإباحة من نفسه ما لا يحل له، كانت الدعوى في أمر الدين أو الدنيا، فخرج معي قول أبي المنذر في هذا الحدث، أنه قد اجتمع معه على تحريمه، أي أنه حرام باطل، وعلى أنه قد شهر ذلك معهم فأخرجوه إلى معنى الإشهار، والقول به والإجهار في معنى تحريمه، والدعوى به منهم، والخروج إلى معنى الإشهار والدينونة بذلك فيه، وأنه قد كان ذلك منهم، ودانوا به محرما، وأشهروه عن حال السر إلى معنى الدينونة بالجهرية، وإلحاق معاني ذلك كله إليه، فيخرج أن معاني ذلك كله من تحريمه، و إشهاره من المجتمعين، قد دانوا به وألحقوا معاني ذلك إليه وبه، فيما مضى من أمرهم على ما يخرج من تأويل قوله، وفي الولاية فيه، والمعونة عليه، فيخرج معنى هذا أنه ألحقوا به معنى المتولي له، والمعين له، والمعين عليه من الفاعلين، وأنهم أنزلوا المتولى والمعين في ذلك الحادث، منزلة المحدث، لم اذا صح الحكم عندهم بذلك، فلا يجوز إلا أن يلحقوا به المتولي، على ما لا تسعه الولاية له والمعين له مثل ذلك.
ولا يخرج معنى قول أهل العلم على شيء من الباطل، على وجه يغيب عنه باطله، وتسعه المعونة عليه، لاحتمال صوابه أن يحتمل من قول الفقهاء إن ذلك معين على باطله.
وكذلك المتولي لا يجوز أن يكون يتولى على ما يكون يحتمل فيه الحق، فيخرج في قول المسلمين أنه متولي المبطل، وهذا متناف من القول، فيما يخرج من أهل العلم، فإنما يخرج معنى الولاية التي يستحق المتولي حكم المتولى والمعونة له، التي يستحق بها المعين حكم المعان، أن يعين المعين، ويتولى المتولي على علم منها، بما لا يسعهما من الولاية والمعونة، ولو جهلا حكم ذلك جهلا لا يسعهما، وهذا كله ثابت في مخصوص العلم، وغير مردود معاني القول فيه، ولا في شيء منه، إلا أنه خارج معناه كله، على معنى الدعوى لنفسه، على ما مضت به الحكاية والقول، فانظر في ذلك. (2/101)
صفحة 330
-
وأما قوله: وقد كنت يعني أنت بذلك الكاتب إليه في المعنى، وقفت على معنى ما لحظنا فيه، يعني بذلك في ظاهر الأمر، على ما كانوا لحظوا فيه بمعنى الحدث.
فانظر إلى قوله: إنما كانوا نظروا فيه نظرا، لأن اللحظ إنما هو نظر ورأي، لا أعلم غير هذا يخرج مما معنى اللحظ.
وإذا كان الأمر إنما هو على معنى اللحظ، فإنما هو على معنى الاجتهاد في الرأي، لإصابة الحكم فيما امتحنوا فيه من الأمر المشكل، وإذا كان كذلك فقد أخطأوا سبيل العدل في ظاهر الأمر، لأن حكم السر لا يجوز فيه حكم الظاهر وحكم الاحتمال، والإشكال لا يجوز فيه الإجماع على ظاهر حكمه، إلا من علم حكم سره، وليس له إذا علم حكم سره أن يجهر فيه، بخلاف ما هو محمول عليه به في ظاهره، والدليل على الصحيح من معاني كلامه، وما يقتضي من أحكامه، أنه كان رأيا أو لحظا.
قوله الآن والذي أراه للجميع، الوقوف على ذلك، فيخرج معنى قوله الوقوف على ما كان وقع عليه الاتفاق، وخارج ذلك على حسن الظن بهم.
وفي قوله: أن يكون الوقوف على ذلك حق، لولا ذلك ما أمر بالوقوف عليه، وأن ذلك الذي كان الاتفاق عليه، إنما كان يقع موقع حكم السر لا حكم الجهر، وإن كان الجهر به منهم لعله يخرج مخرج الهفوة من هفوات العلماء، ولعله قد كان في ذلك حجة، برجاء أن يستقيم لهم على الجماعة، وأن لا يقع تنازع ولا اختلاف، فيكون يمضي لهم حكم ما علموا، فلما بان أن ذلك كان في غير موضعه، أوجب الرأي الوقوف عليه، على معنى حكم السر لا على الجهر.
والدليل على ذلك من قوله، وأن لا يحدث أحد منهم الجهر بالدينونة في (2/102)
صفحة 331
ولاية ولا في براءة، في مختلف فيه، فكان بهذا اللفظ قوله استدلالا على ما صح معه، أن اللحظ الذي لحظوه، والرأي الذي رأوه على معنى الاجتهاد في حكم الحادث الذي تابوا به، خرج منهم على معنى الهفوة، أو على غير ما تقوم به الحجة، لا بحساب ذلك وانكشافه له، من بعد أن وقع الاجتماع على الإشهار والجهر به، وهذا هو الظاهر من صواب حكم الحدث، أن يكون الحكم فيه بالسر لا بالجهر، حتى يصح غير ذلك، ولا يصح غير ذلك أبدا إلا ما شاء الله، لأنه ليس من بعد ثبوت الأحكام يجوز نقضها إلا بغير العدل، وأن تثبت حجته أبدا إِلا بالعدل لا في دعوة ولا في شهادة ولا في حكم.
وكل ما خالف العدل فهو جور، وكل ما خالف الحق فهو باطل، وأحكام السر في الولاية والبراءة في أحكام ما يجب به الإشكال في حكم الدعوى به السلامة، مما يتخوف من الفرقة والفتنة، وأن يكون كل من أهل الدار مخصوصا في الحكم من موجب ولاية أو براءة، إذا ثبت معنى الاختلاف وحكم الاختلاف، والدليل على ذلك أنه قد ثبت في حكم هذا الحادث معنى قوله، وأن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه بعلمه، وأن لا يخرج إلى حكم المشهور، فيبيح بذلك من نفسه ما لا يحل له، ولو كان عنده أنه متى قام بذلك، قامت له به حجته، فانظر أنه قد مضى ني حكم الحادث ثبوت أحكام الاختلاف ممن يكون اختلافه اختلافا، وأنه لا يجوز عند الاختلاف معاني أقامت الحجة في الاجتماع، ولو كانوا عند أنفسهم وفي منزلتهم في العلم، وكثرتهم في الفضل، فمن قام بذلك قامت له به حجته، ولا يكون هكذا إلا من حجة تامة، أن لو كانت حجة في حكم الحجة، ولكنه لا تكون حجة في موضع ما يكون فيه مدعية، ولو كثرت وظهرت وكبرت فإنها لا تقوم مقام الحجة، إذا كانت في موضع الدعوى، فإن قامت حجة أحد الفريقين المختلفين على صاحبها عند المشاهدة منهم، لإقامة الحجة على بعضهم بعض، إذا كانوا هم الخصماء والمختلفون، وإذا كان في اتفاقهم أن لو لم (2/103)
صفحة 332
يختلفوا ثبوت معاني حجة الاتفاق، فلما لم يتفقوا أو اختلفوا، احتمل في اختلافهم في معنى أحكام الحدث، بحقه وباطله ما احتمل في أهل الحدث، ما لم يتجاهروا بالبراءة من بعضهم بعض، والتخطئة لبعضهم في دعاويهم في الحدث، واختلافهم فيه.
ومعنا أن أحكام الدار- بحمد الله - ماضية على مجاري السلامة، من وقوع الفرقة في الأحكام، وفي المتداعين في الأحداث إذا لم يظهر في الأحداث ولا في المتداعين فيها، ولا في أحد منهم ما يقطع عذره، ويخرج من حال الاحتمال بمفارقة تخطئة بعضهم بعض على الجهر، ولو كانوا قد تجاهروا وتظاهروا بالبراءة من المحدثين، ولا يكون التظاهر بالبراءة في الحدث المحتمل حقه وباطله بظاهر، أو بكفر ظاهر الكفر، ولا انقطاع الحجة، ولا فرقة في الدين، إذ ذلك جائز للعلماء والضعفاء، واذ الولاية والبراءة والوقوف غير منكر في الأصل، واذ لكل واحد منهم إِظهار ذلك على ما يحتمل من حكم الحدث، من تعلق ذلك كله فيه ما لم يتظاهروا بالدعوى التي توجب القذف للمحدث، ولا نعلم ذلك أنهم تظاهروا، ولو تظاهروا به وهم المشاهدون للمحدث والعارفون به، ولم يخطىء بعضهم بعضا وجرت السلامة بينهم من التخطئة في ظاهر اختلافهم بالتداعي بحق ذلك وباطله، كانت أمورهم حادثة مع من غاب منهم أو حضر ممن لم يعرف باطلهم، وصدقهم من كذبهم، ولا أحد منهم، في جميع ذلك كله، ما لم يتجاهروا بالفرقة عليه، على معنى الدعاوى التي تعتبر غير مقبولة في قيام الحجة، ولا مردودة بقطع عذر، لاحتمال ذلك كله، وكلهم في الولاية، ولو تظاهروا بذلك في الدعاوى، لأنهم الحكام والقوام، ولهم الحجة على بعضهم بعض، وكل منهم يدعي حجته، ولعل كل واحد منهم في الأصل يقوم على صاحبه، بحجة يعرفها في أصل ما عرفا من بعضهما بعض، فلم يجهر عنده إلا بما له فيه الحجة.
وإنما رجا أن تقوم له به الحجة، فلما لم تقم له به الحجة ترك ذلك، ففي كل ذلك السعة، ما لم نعلم باطلهم، ولم تقع (2/104)
صفحة 333
-
الفرقة منهم، فيقع النكير، وفي ترك النكير كله حجة ممن تركه، لمن لم تقم عليه به في السلامة له في الحكم الظاهر، والسلامة فيه، لمن انتبه على حاله، ولو ظهرت منه دعاوى بما ليس له فيها حجة في الحكم، إلا أن يقر له خصمه، فلما لم ينكر عليه خصمه احتمل عدله وجوره، وكذلك من خصمه إذا لم يقر له بما يدعيه عليه، ولو لم تقم الحجة عليه بالنكير، فيما هو حجة عليه، احتمل أنه محجوج، وأنه كاذب وصادق من ادعى عليه، واحتمل أنه محق ضعيف عن القيام بالحجة، واحتمل أنه محق مضيع ما يلزمه بجهل ما يلزمه، ولا يحكم بذلك على الحقيقة في أحد من المدعين، في أصل الحدث، ولا في المتداعين في حكمه، وخارج أحكام ذلك كله على المسالمة، وليس لمن لم يشهد الأمر من الحجة في إظهار المحجور، ما كمن شاهده وكانت له الحجة فيه بالعلم، لأن من غاب عنه حكم السريرة، فيبطل عنه ذلك، ولم يلحقه إلا بمعنى الشهادة، فليس قول الشهادة في معنى الدعوى بشيء يوجب علما، غير ثبوت الحكم، ولا يكذب الشهرة ويبطلها بما ثبت من أحكامها، في علم السرائر منها إخبار الشهود المشاهدين لها من بعد أن صاروا بمنزلة المدعين، في جميع أحكامها، فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
ومما يدل على أن الأمور في الحدث الذي كان الاجتماع فيه من الكاتب والمكتوب إليه وتلك الجماعة، لا يجوز الجهر فيه، وتسع السلامة فيه بان يكون كل من أهل الدار مخصوص فيه بعلمه، وأنه كسائر ما ادعى على من مضى من الأئمة ممن لم تقع فيه المحنة، ولا انكشف فيه قناع، ولا ثبت فيه معنى الاختلاف، في ظهور الحكم، وهو المهنا بن جيفر، فقد ثبت معنى قوله إن الأمر فهم في المعنى سواء.
ولعل أمر المهنا أيسر معه من الأمور الحادثة، بعد قوله إني كنت سألت الفضل بن الحواري عن الجماعة الخالعين للمهنا بالحدث، كيف لم يقوموا بذلك على أوليائهم العاملين له، وهم الحجة التامة، فقال: لم أرهم فعلوا ذلك، وكذلك أمسكوا عن الجهر بالبراءة منه بعد موته، وزجروا عن ذلك من أراده، فكان هذا منه للبراءة ممن برىء في (2/105)
صفحة 334
-
الحدث على شاقة الأمر فيه، كالمتبرىء في المثل والمعنى والحكم من المهنا بن جيفر، وأن ذلك كان محرما الجهر به، لولا ذلك ما كانوا يبرؤون منه و ينكرون على من يبرأ منه، ويزجرون عن ذلك في حياته وبعد موته، ويتولون عماله وولاته، والمتولي له في دينه، والمطيعين له، وهم يتولونه على ذلك، فقد جمعوا ولاية من يتولاه والبراءة منه جميعا في حكم السر، وأعلنوا ولاية من تولاه، ولا يجوز لهم غير ذلك، ولا يجوز لهم وقوف عنه، لا براءة في الجهر، والدليل على أنه متساو في سياقته للمعنيين، وحكايته لهما جميعا ج قوله ففي فعل المسلمين عذر وسعة، بعد ما وصفت ما فعل الخالعون، وما تركوا من القيام عليه في إظهار ذلك، ولعلهم قد كانوا هم الحجة التامة فتوسعوا في دينهم أن تولوا من تولاه من العلماء ومن الضعفاء من جميع، في حكم السرائر والِإظهار، وكانوا في الحكم تبعا لأهل الدار من الصغار والكبار، وهم كانوا الأئمة وأعلام الأمة في زمانهم، ولم يكن لهم في المصر من يناظرهم إلا لعله بشير.
ومن الدليل على أن الأمر في المهنا كان أسهل، أن لو قاموا به عليه، وأقرب إلى السلامة من القيام بذلك في أمر الحادث الذي فيه الكلام والمعنى، فذلك ما لا يشك في متظاهر الأحكام أنه لو قام بذلك على الإمام، وحكى عنه من أهل الدار أنه هو المتبرىء والعالم بالحدث، ما عارضه أحد من أهل الدار في ذلك، ولو عارضه بعد أن يكون هو الحجة لكان معارضة باطلة، لأنهم أئمة أهل الدار في دينهم وعلمهم، ولم تقع في معنى الدار، فيجب أن يكونوا فيه مدعين، يلحقهم معنى الاختلاف والادعاء فيهم، إلى أن لو قاموا بذلك، لكانوا أقرب إلى السلامة والبلوغ إلى ما قاموا به، ممن عرّض نفسه للقيام في الحدث في الحادث الواقع، إذ كان فيه بمنزلة المدعي وقد صار فيه خصما.
ومن الدليل على ذلك وتحقيقه معنى قوله فهذا في الأمر الواضح، يعني (2/106)
صفحة 335
-
أمر المهنا، فكيف فيما يتنازعون فيه، المشهود يعني من أمر الحدث، ويدخلون فيه بالحكايات المتكافئة، والشهادات المخصوصة، وشبهات النظر في الحجة.
فانظر كيف جعلهم في الحدث أنهم يتنازعون فيه، والمشهود من ولاية كل واحد معهم، وبراءة كل واحد منهم، وبراءة كل في معنى الجهر، وهذا موضع التنازع فيه، والمشهور لأنه يظهر في الفريقين الولاية والبراءة، فقد تجاهروا وتنازعوا المشهور، وجعلهم في ذلك متكافئين في قيامهم بحججهم، ولم يسقط واحد من الفريقين لقوله، ويدخلون فيه بالحكايات المتكافئة.
والحكايات المتكافئة يعني معناها أن يحكي كل واحد منهم، من الفريقين غير ما يحكي صاحبه من الحكم في الحدث بصوابه وباطله، ولم يجعل واحدا من الفريقين خصما، لولا ذلك لم يجعل الحكايات متكافئة، ولولا ذلك لم يجز له في حكم الدار، لأنهم كلهم أصل دين واحد، ومعنى واحد، وخصومة واحدة، وصح عند قوله هذا أنه قد كانت هنالك شهادات من المختلفين قد قام بها دون غيره في خاصة علمه.
وذلك قوله والشهادات المخصوصة، وتشابه النظر في الحجة، والشكوك المعتدلة، فانظر أنه عند تكافؤ تلك الحكايات، وخصوص تلك الشهادات، أوجب بشهادة النظر ني الحجة، واشتكلت الأمور فيها فاعتدلت، فلم يحاجّ بعضها بعضا، فقال: وشبهات الناظر في الحجة والشكوك المعتدلة.
فبالدخول في الحكم بالحكايات المتكافئة، والشهادات المخصوصة، اعتدلت الشكوك، في الأمر كله، من المتداعين ومن المختلفين، وكانت أمورهم كلها مشكوكة معتدلة، لا يعلو بعضها بعضا، وأشبه في النظر في الحجة، فلم يبن للناظر في ذلك حجة، لأن النظر في ذلك ليس كالعلم، والعالم في ذلك والضعيف سواء، فاشتبه النظر في الحجة من جميع أهل الدار، ولزمهم حكم واحد، وهو المشكوك داخل فيه العالم والضعيف، لأنه (2/107)
صفحة 336
-
مرجوع إلى الوقوف، وعلى مستقره إلى أن يحكم كل واحد فيه بعلمه، إن كان له علم في السريرة، رجع إلى علم سريرته سرا لا جهرا، وإن لم يكن له علم في سريرته لم يكن له نظر في الحدث من طريق علمه، فاشتبه النظر في الحجة، فكان النظر كله سواء، ورجع كله إلى الشكوك المعتدلة.
ومما يدل أن ذلك كله قوله، وقد علمت أن النكير له حجة في المخالفة، وترك المخالفة للنكير، له حجة في السلامة، ويخرج معنى ذلك، أن الحدث إذا وقع مشكوكا فترك فيه النكير في حين وقوعه، ولم ينكروه، تبين أمره وتكشف حاله، في حين وقوعه، ما وسع ذلك التارك له، وكان في ترك ذلك سلامة للتارك ولأوليائه الذين يتولاهم على الدخول في المشكوك المحتمل فيه السلامة ففي ترك المخالفة للنكير لذلك المشكوك من جميع الأحكام والأحداث، يعتبر حجة في السلامة للتارك للنكير، ولجميع أهل الدار الغائب منهم والحاضر في القيام بالنكير لذلك المشكوك، إذا أقيمت عليه الحجة حتى يخالفها و يتضح الحكم، بخلاف المشكوك من إبانته والحكم بحقه أو بباطله حجة لمن قام بذلك النكير، ولجميع أهل الدار، كما كان النكير حجة فيْ السلامة، وإنما يكون النكير وترك النكير حجة في كل أصل يحتمل فيه الحق والباطل، من أحكام الدعاوى من جميع الأمور، وهو الأصل المشكوك، لا يقع موقع الشكوك، وكان واضحا، فهو قائم بنفسه، والمخالف فيه مخالف للعدل، وذلك فيما يكون فيه الحق واحدا، من دعوى الأصول، أو من حكم البدع في الدين، فإذا كان الأصل مجتمعا عليه في معنى حكمه، لم يضره النكير في تخطيه ولا في الخلاف عليه.
والحق فيه ما وافق الأصل الذي هو عليه، ولو اجتمع على نقضه جميع الخلق، فلن لم يكون ذلك، ولكن لو كان ذلك لما كانوا حجة، في نقض الأصل المجتمع عليه بالحق.
وكذلك الأصول المجتمع عليها، لا ينفعها تصوب من صوبها، وحكم من حكم بتصويبها، ولو اجتمع على تصويبها الخلق كلهم، ولن يجتمعوا أبدا. وا نما النكير حجة وتركه حجة في معاني ما يحتمل الحق (2/108)
صفحة 337
-
والباطل، في حين أن ما يكون حجة إذا ثبت الحكم عند النكير ثبت الحكم، وكان إظهار النكير بعد ثبوت الحكم دعوى لا حجة، ولو ثبت الحكم على معنى الاحتمال.
وأما قوله - في الجواب -: وعلى المدعي البينة، وشهادات المسلمين جائزة، ما لم يحول فيها إِلى الدينونة والشك في الفعل المحرم، شك في الفاعل له، والتوبات مقبولة بالتوقيف إلى ما كان معنى الدينونة، كان من المحرم في الجملة كاف إن شاء الله.
فيخرج معنى قوله: على المدعي البينة، فمما لا شك فيه أن على المدعي البينة في كل ما كان فيه مدعيا، وأنه لا يكون من مدع حجة في معنى ما هو فيه مدع، إلا ببينة من سواه.
وشهادة المسلمين مقبولة ما لم تحول فيها إلى الدينونة، فإذا تحولت إلى معنى الدينونة بشيء من معنى الأحكام استحالت إلى معنيين: معنى أن تكون استحالتها إلى معنى دينونة بباطل، لمخالفة الحق بالدينونة، في إجماع البدع، فيستحيل عن شهادة المسلمين شهادة قومهم، فيبطل في أحكام معاني أحكام الدين، في الولاية والبراءة ولو كانوا عدولا وعلماء، فإذا كانوا كذلك بطلت شهادتهم، وخرجوا على معنى غير التسمية للمسلمين، وأن يخرجوا إلى الدينونة بمخالفة الأصل في حكم الدعاوى، فينزلون بمنزلة المدعي ولو لم يكونوا يخالفون في الدين، فإذا نزلوا بمنزلة المدعين بالدينونة في تصوب أو تخطئة، بمخالفة الأصول في الدعوى، فحكموا في مختلف فيه بأنه مجتمع عليه، أو مجتمع عليه بأنه مختلف فيه، وكانوا في ذلك بمنزلة المدعين فيما يحتمل صدقهم وكذبهم وخطاهم، إِلا أنه على غير ما يثبت عليه أصل دعواهم فهم في ذلك مدعون لا تجوز شهادتهم، وهم في الولاية ما لم يحكموا بدعواهم، ويلزم قبول دعواهم ج فيحاربوا عليها أو يبرؤوا عليها، أو يتركوا ولاية من لم يقبلها، أو يبرؤوا منهم من علماء المسلمين أو من ضعفائهم، (2/109)
صفحة 338
-
وقوفا بدين من ضعيف، أو فقيه برأي أو بدين في معنى دعاويهم كلها، و إلا فشهادتهم - ما لم يبرؤوا بأحد هذين المعنيين بالدينونة منهم بأحكام - بدعة أو دعوى.
فهم مسلمون جائزو الشهادة فيما تجوز فيه شهادتهم.
وأما الشك في الفعل المحرم بعد علمه وقبوله، وقوله أنه شك في الفاعل له فالله أعلم أنه ما أراد بذلك إلا أنه قد يخرج الشك في الفاعل للفعل المحرم بعد علمه لفعله وحرمته، شك في المحرم، ويكون هذا بدلا.
وإنما أراد أن يكون الشك في الفاعل بعد العلم بفعله وحرمة حدثه، لا يسع الشك فيه، كما لا يسع الشك في حرمة المحرم، وإن كان لا يوجب الشك في الفاعل، على معنى الشرك والجحود، كما لا يلزم معنا ذلك في الشك في المحرم، وقد لا يجوز الشك في المحرم ويجوز الشك في الفاعل، على معنى الاختلاف في وقوع الفعل له، فنخص ذلك العلماء دون الضعفاء، ما لم يكن الفاعل له مستحلا للمحرم، فإذا كان مستحلا للمحرم ففي أكثر القول أنه لا يسع الشك فيه من علم حرمة حدثه، وقد قيل: يسع الشك فيه ما لم يعلم معنى حكمه.
وخارج في الجملة أن الشاك في المحرم، داخل عليه معنى الشك في الراكب له، وأولى أن يكون شاكا في الراكب له بلا شك في حرمته.
وأما قوله: التوبات مقبولة على التوقيف على ما كان معنا بالدينونة، فمعنى ذلك أنه من ظهر منه بدين، ببدعة يستحل فيها حراما أو يحرم فيها حلالا، فظهر منه ذلك قولا أو فعلا فاستتابته أن يتوب من كل حرف من ذلك بعينه، ولا تجزأ التوبة بالجملة، لأنه إذا قبلت منه التوبة بالجملة، وهو يدين بتبطيل الحق وتحقيق الباطل في جملته التي يدين بها، فإنما يتوب في جملة ذلك من الحق، ويدين بالباطل والِإقامة عليه، ويتقرب إلى الله به، فإذا قال: أنا أستغفر الله -تعالى -من جميع ما خالفت فيه الحق، أو من شيء في الجملة تاتي التوبة به على جميع العصيان، فلا تدخل توبة المستحل الدائن فيما (2/110)
صفحة 339
-
يلزم من استتابته في هذه الجملة.
وأما المحرم المنتهك لما يدين بتحريمه، أو لشيء لا يظهر فيه منه دعوى بلا استحلال ولا دينونة، يدعون بدعوى في أصول الدين، التي يكون بدعواه فيها عدوا للمسلمين ومعترضا عليهم في أصول الدين ولو كانت من الدعاوى وليست من البدع، فالتوبة من المحرم إذا تاب في الجملة من جميع ما عصى الله به، أو من جميع ما خالف رضاء الله، أو توبة تاتي على جميع ما عصى الله، أن لو فسرت، فالتوبة في الجملة للمحرمين تجزئه.
وأما المتدينين بالبدع والدعوى التي يعترضون بها فيها على أصول من دين المسلمين على سبيل الدين، فتوبتهم بالتوقيف لهم على ذلك حرفا حرفا، إلا أن يكون شيئا من الحروف في النظر يدخل فيها جميع ما ظهر من المستتابات من التدين، فمعي أن الجملة في ذلك، التي يدخل فيها ما ظهر سبيل المتدين به ويشتمل عليه، كالجملة التي يدخل فيها جميع المحرمات، والتوبة منها بالتوقيف عليها، مجزي عنها وعما دخل فيها.
وأما قوله في الجواب: والإخبار عن العموم، حتى يأتي فيها حجج الخصوص لها، والإنابة عنها، وإذا أتت الخصوص كان قاضيا على المجمل.
فمعي أنه كذلك، أن الأخبار المتظاهرة في معنى الأفعال، مأخوذة على ما تظاهرت من عمومها، فما كان منها حكما مجتمعا عليه فهو على عمومه في حكم الاجتماع، حتى يصح غير ذلك فيه، وما كان من حكم الإشكال، كان على عمومه حتى يصح حقه أو باطله، بمعنى الخصوص فيه.
وكذلك إذا أتى الخبر بإبطال الفعل متظاهرا، كان في عمومه، وكذلك إذا أتى حقه متظاهرا، وكل معنى قضت فيه الشهرة والأخبار فهو على معنى العام، فما قضت به مما يوجب الحق أو الباطل أو الإجماع أو الاختلاف أو دعوى الأصول أو دعوى الاعتراض.
111 -
وأما قوله: والاختلاف يا أخي في المشهور فهو الداء العياء إلا ما شاء الله من ذلك، فهو عندي كذلك، وذلك أن يختلف بالمشهور في براءة أو ولاية في حكم مجتمع عليه، يتشاهرون بالدعوى في حكم مختلف لمْيه مشكل، فيتداعون حقه وباطله في التظاهر منهم، وكلهم أهل دين الحق، وحكام فيه، من العلماء ومن يتظاهر دعاويهم، وتتكافأ شهادتهم حتىْ تسقط لذلك أحكامهم، ويصيرون بمنزلة المدعين والخصوم، وذلك هو الداء العياء في الدين أن يكون العلماء مختلفين على ضعفاء المسلمين اختلافا لا يكون أحدهم حجة، ويكونون كلهم خصوما مدعين، وهذا هو من أعظم المصائب في الدين، وما يتولد من مثل هذا فهو مثله.
وأما الاختلاف والتظاهر بالتحليل والتحريم في أحكام البدع، فهو عظيم الفتنة، وليس هو كمثل التظاهر بالدعاوى في الدين، فيما تتكافأ الشهادات فيه، وتتساوى الحكايات والدعاوى، وتسقط فيه الحجج لأن (2/111)
صفحة 340
حجة الحق ليست في البدع، إنما الحق حجة بنفسه، ومن حيث أخذه الطالب له من عالم أو ضعيف أو صغير أو كبير، كان له حجة في دين الله على من خالفه في ذلك، ولو كانوا جميع أهل الأرض.
وكذلك إذا اتبع الباطل كان محجوجا ومقطوع العذر ولو شهد له بذلك جميع الخلق، ولن يكون ذلك لأن الأمة لا تجتمع على ضلال.
فالاختلاف في البدع - وإن كانت عظيمة - فهي أيسر من الاختلاف في الدعاوى، عند من لم يبصر ذلك، وعلى من لم يبصر ذلك، وكذلك هي عظيمة مع من لم ينظر حرمة التقليد في البدع.
وحرام التقليد كله في الدعاوى والبدع، إلا من اتبع الحجة في ذلك وأبصرها، وهدي إليها، فالحجة في الدعاوى من كان أصله دعوى الأصول في الدعاوى الأصلية، وخصمه في ذلك من كانت دعاويه اعتراضا، والمتبع للحجة سالم، ما لم يشهد على حقيقة باطل دعوى الاعتراض، وعلى حقيقة صدق دعوى الأصول.
والمتبع للحق (2/112)
صفحة 341
*-
ممن جاء به في أحكام البدع في الدين هو المصيب من جميع من اتبعه، والمتبع للباطل هو المخطيء من جميع من اتبعه.
وأما قوله في الجواب: ولولا أن الكتب والحكايات تسقط في حكم المشهور لوصفت بعض ما كنا لسبيله في شاهر، وليس بمخصوص على مشهور حجة إلا ببينة عادلة، يقوم بها شاهدان.
ومعي أنه يخرج ذلك أن الحكايات والكتب تسقط معناها ولا تقبل ولا تكون حجة، عند ثبوت المشهور بغيرها في معاني الحكم الظاهر في الأحداث الشاهرة.
وإذا كانت الحكايات والكتب على غير معاني الشاهر من ذلك، كان ذلك كله دعوى، والدعوى لا تقبل ولو كانت في الأصل حقا ممن ادعاها.
وما ثبت من حكم مشهور بمعنى الاتفاق بغير ما يجوز فيه الاحتمال للحق والباطل، فحكم المشهور أولى بثبوت أحكامه على معاني المحتمل، لاحتمال ما لم يخص في ذلك صحة البيانات بأحد المعنيين، الموجب لزوال حكم الاحتمال من صواب الحدث أو باطله، فإذا صحت البيانات ثبت معنى الحكم بالبينة، وذلك من شهادة العلماء لأحكام الأحداث ما لم يختلفوا، فإن اختلفوا في باطل ذلك وحقه، وكذب ذلك وصدقه، تكأفات شهاداتهم وزالت حكاياتهم، وكانوا موقع الدعوى على أهل الإسلام، ممن ظهر له كذبهم أو صدقهم، كان ذلك في المشهور منهم من الدعاوى، أو في معنى الشهادات، فإذا تكافأت شهادات المسلمين، في أمر الدعاوى المحتملة لأحكام الدين، لم تقم بذلك حجة تنقل الأحداث عن معناها المحتملة، وكذلك لو اجتمعوا ولن يجتمعوا على الشهادة والحكم على تبطيل حدث قد صح في أصول الدعاوى حقه، أو تحقيق حدث قد صح في أصول الدعوى باطله، لم يكن إجماعهم في ذلك شهادة ولا شهرة حجة، ولا مزيلا لما قد ثبت (2/113)
صفحة 342
-
من الأحكام، فافهم معاني ذلك.
وليس يزيل ما ثبت في المشهور على حال من جميع الأحداث الثابت حقها أو باطلها، في أحكام الدعاوى، أو المحتمل حكمها في حال من الحال، شهادة بينة، ولا سماع قول في ذلك، ولا شهرة تنقل ذلك أبدا، لأن الشهرة بضده شهرة دعاوى في الأصول، كما كانت الشهادة دعوى، ولن يلتقي نقض ما أثبته المشهور ولا إزالته أبدا، إلى يوم القيامة من الشهرة الصحيحة بالأحداث الواقعة، فكل القول في إزالتها معارضة بسماع أو شهرة.
وأما قوله: فاتقوا الله يا أخي في هذه العصابة المحقة، وإن يقدموا فيها الفرقة فتزل أقدام بعد ثبوتها، وليكن قصدكم بذلك إلى الله ولله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون والضالون عن سواء السبيل، واتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم.
خارج معنى هذا من تفسير قوله أن مسمىّ الجماعة بالحق، ولم يوجب على الجماعة في معنى اختلافهم في الدعاوى، ولا فيما خص كل واحد منهم من علم نفسه في أمر الأحداث، على معنى حجة توجب على الأخر، وأنهم كلهم في ذات دينهم محقون مجتمعون في أمر دينهم، ولو اختلفت دعواهم وولايتهم وبراءتهم ووقوفهم، على معنى ما وجب لكل واحد منهم، من مخصوص علمه، أو من التمسك في ذلك من ثبوت الاختلاف في الحدث المشكل الموجب لمعاني ذلك على الاختيار من الجماعة وجب على ألا يقدح بالجماعة بالفرقة من أظهار ما لا يسع من أحكام الجهر في موضع السر، ومن التضييق في مواضع السعة، ومن إِلزام قبول شهادة المدعين، وإسقاط شهادات البينات، أو إنزال أحكام الدعاوى في مواضع أحكام البدع، أو مواضع أحكام البدع في مواضع أحكام الدعاوى، فتزل أقدام بعد ثبوتها على أصول دينها، فيكون في ذلك وقوع الفتنة وتفرق الكلمة، لا يتسع عليه إلاجماع، وتشتيت النحلة. (2/114)
صفحة 343
-
وقد أمر أن تتقوا الله، وأن تقولوا قولا سديدا، والقول السديد هو العدل، وهو في تفسير الجملة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده و رسوله، وأن جميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله فهو الحق.
فهذا هو القول السديد في أصل الدين، وهو الجملة والتمسك بها، وكذلك التمسك بالجملة، التي يسع التمسك بها، دون التفسير لمعانيها، من جميع الأحداث والأحكام، هو القول السديد والأمر الرشيد، ما وسع ترك التفسير والدعاء إليه، وذلك هو الأصل، والواجب أن لا يلزم الناس الدعاء إِلى تفسير الجملة، إذا أقروا بالجملة في أمر الحادث بينهم من تفسير الجملة، فإنه يدعى ذلك بنفسه في مخصوص ذلك بعلمه، ونزول بلِيّته، والإقرار بمعاني الجملة كاف، وهو القول السديد فافهم ذلك في معنى إرادته.
وأما قوله في الجواب: فانطْر يا أخي في الحرف الذي ذكرته في استعمال الإمام للمحدثين، قبل استتابته إياهم، ثم بحث عن ذلك، فقال: أنه لم يستعملهم إلا بعد توباتهم من أحداثه فإذا قلتا إنه قبل ادعائه ذلك عليهم فقد لزمته البراءة، وانفسخت أمانته بها، فغير مقبول ادعاء ذلك عليهم، وكان عليه وعليهم أن يتوب بعضهم إلى بعض من علمهم له، واستعماله إياهم، وترك بعضهم بعضا على ذلك، من يوليهم له ويوليه لهم.
فمعي أنه قد مضى القول فيْ استعمال الإمام للمحدثين أنه على وجهين فما كان منه استعمالا في الأمانات التي لا يجوز فيها إلا استعمال المسلمين، فلا يجوز ذلك إلا بعد التوبة، وما كان من استعمال المستعمل فيه تبع للمتولي فيه للمسلمين، والقائم غيره فلا يضر الاستعمال له، ولو صح ذلك بالشهرة أنه استعملهم قبل التوبة، وما لم يصح بالشهرة أو البينة أن استعمال الإمام لهم، كان قبل التوبة لهم، فالإمام مأمون على ما دخل فيه من استعمالهم، إِذا قال أنه لم يستعملهم إلا بعد التوبة، إِن خوطب في ذلك، ما لم (2/115)
صفحة 344
-
يصح غير ما يقول، وليس على من يعلم ذلك من الرعية، ولا من المسلمين، البحث له عن ذلك، ولا معارضته فيه، إذا احتمل عذره في ذلك، وهو معذور مأمون، ما لم يصح ما يقطع عذره، ومن ادعى عليه غير ذلك مما يؤثمه أو يكفره، كان مدعيا عليه، وعليه البينة، وهو قاذف للإمام بذلك، ولو صحت الأحداث بالشهرة، كان استعمال الإمام للمحدثين، ما لم يصح أنه استعملهم على غير توبة، وغير موجب على الإمام باطل، ولا سوء تهمة، لأنه مأمون على دينه، في كل ما صح معه، مما يحتمل فيه الحق، بوجه من الوجوه حتى يصح ما ينقطع به عذره.
ولو صح توليه لهم وتوليهم له، وقد شهرت الأحداث منهم الموجبة للكفر والبراءة، لكان ولاية الإمام لهم، إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة موجبة لولايتهم، إذا كانت أحداثهم شاهرة، مع من غاب عنه أمر توبتهم، لأنه مأمون على دينه، وأنه لا يتولاهم إلا بعد التوبة ففي بعض القول أن ولايته لهم، إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة موجبة لولايته وولايتهم، وكذلك استعمالهم له فيما لا يجوز فيه الاستعمال، إلا لأهل الولاية موجب لولايته وولايتهم في بعض قول المسلمين.
وفي بعض القول أن ولايته لهم واستعماله لهم في مثل هذا، موجب لولايته وللوقوف عنهم لموضع ولاية الإمام لهم، ولم يعلم توبتهم بشهرة ولا بشهادة ولا خبرة، لثبوت ولاية الإمام، ولإدخال الإشكال في المحدثين، لموضع ولاية الإمام لهم.
وفي بعض القول إنه يتولى الإمام على ولايته لهم، واستعماله لهم، ويبرأ من المحدثين على حالهم، لثبوت الولاية على الإمام، وثبوت البراءة على المحدثين، حتى تصح توبة المحدثين بشهرة أو بينة أو بخبرة، أو يصح بالشهرة أن الإمام استعملهم قبل التوبة، أو بالبينة على ذلك، واستماع البينة عليه في حضرته، أو إقرار منه بذلك، بعد أن يكشف حاله ويسأل عنه، (2/116)
صفحة 345
-
وقول الإمام في ذلك مقبول أنه لم يستعملهم إلا بعد التوبة، لأنه مأمون على دينه، في كل ما أمكن له فيه العذر، وصدق قوله، كذلك جميع المسلمين كل منهم مؤتمن على دينه في جميع ما يوجب له فيه العذر، وإذا استعملهم الإمام فيما لا يجوز فيه استعمالهم إلا بعد التوبة، أو تولاهم على ذلك، كان بذلك محدثا عندهم، وكان عليه استتابتهم من ذلك، ولا يتولوه إلا بعد أن يتوب من ذلك، وإن أوجب شيئا من ذلك كفره، ففي بعض القول أن عليهم البراءة منه، باستعماله إياهم، ثم يستتيبونه من بعد البراءة، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن لم يتب رجع إلى البراءة منه، إذا قاموا في ولايتهم بالعدل، ولم يخونوا أمانتهم التي ائتمنهم عليها الإمام، لله وللمسلمين، وبرءوا في ذلك، وقاموا بالعدل، لم يكن عليهم في ذلك ولا عدوان على المحقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وإنما السبيل على الإمام في ذلك، إذا استعملهم، ولا سبيل عليهم في القيام بما قدروا عليه، من العدل للإمام والنصرة للإمام، وعليهم التوبة من أحداثهم، فليس بطاعة الإمام الواجبة عليهم يأثمون، ولا بالقيام بالحق يظلمون، وعليهم التوبة من أحداثهم إلا بالقيام بالحق والعدل.
وكذلك قوله، وإن لزم ذلك في العقدة المشتركة، إذا ادعى قبولها ممن يتم عقده له، وادعوا هم ذلك فيه، وإلا سقطوا جميعا.
فمعي أنه إذا كانت الدار قائمة على العدل، وخارج أحكام الإمام فيها على العدل، بخلوص دعوة الحق فيها في معنى الإمامة، أنها لا تخرج إلا في المحقين في المصر أو الدار فثبتت عقدة الإمام من الجماعة، الذين ثبت في حكم الدار عدلهم، إلا أن فيمن حضر للعقدة محدثين ممن يدين بالعدل في أمر الإمامة، يدين بتحريم حدثه في ذلك في معنى الإمامة، وكان في الحاضرين من المحقين غير المحدثين، ممن تقوم به العقدة، كانت العقدة ثابتة للامام على العدل، على أي وجه جرت البيعة له، في مبدأ ذلك من المحدثين، أو من (2/117)
صفحة 346
-
المحقين، أو على الاشتراك منهم واحدا بعد واحد، لأن قبوله للإمامة على وجه العدل، ممن بايعه على ذلك من جميع أهل القبلة، عدل وصواب، لأن عليهم التوبة من ذنوبهم وأحداثهم، والقيام بالعدل في جميع ما قدروا عليه.
وليست بيعة المحدثين للإمام بالإمامة على العدل، ممن يبطل إمامة الإمام، ولو كانوا كلهم محدثين إذا كانت البيعة إنما جرت على العدل، ولو جرت من بيعة الفاسقين عند صفقهم له بأكفهم على كفه، وهم يومئذ فاسقون، وهو كذلك من الفاسقين، فبايعوه على العدل إماما، وقبلها منهم على ذلك، كان ذلك عدلا، وكان إماما، وعليه التمسك بإمامته والتوبة من معصيته، وعليهم التوبة من فسقهم، والتمسك له ببيعته، والقيام بمعونته ونصرته على جميع ما استنصرهم فيه، واستعانهم من إمامته، إذا صار الى حد العدل والامامة ني دينه وسيرته.
وكذلك لو بايعه من بايعه من المسلمين ثم بايعه الفاسقون، وإنما البيعة منهم على الحق والعدل، فليس ذلك بالبيعة المشتركة، وكذلك لو بايعه الفاسقون على العدل ثم بايعه المسلمون، ولو بايعه على العدل أهل البدع ممن لا يدين بالإمامة، ودخلوا في بيعة المسلمين فبايعوه على إمامة العدل، كانوا مستخلصين للبيعة، أو مشاركين للمسلمين، كانت الإمامة إمامة عدل غير مشتركة إذا عقدت على العدل، وبيعة العدل وسير العدل، وعليه التمسك بإمامته والقيام بإمامته، وعليهم التوبة من بدعتهم، والرجوع الى طاعته والثبوت على ولايته ونصرته، ولا تكون إمامته مشتركة الاشتراك الذي يبطل حكمها به بمعنى البائعين، وإنما يكون ذلك بمعنى البيعة على ما يقع، وعلى ما يعقد للإمام ويبايع من حق أو باطل، فإذا وقعت البيعة على الباطل وعلى شريطة الباطل، كانت الإمامة باطلة، من حيث جرت من المبايعين ولو جرت من أكفأ العلماء المحقين، وذلك مثل أنه يبايع الإمام على شيء من الباطل، مثل انتحال الهجرة، وغنيمة أموال أهل القبلة، وسبي ذراريهم واستعراضهم (2/118)
صفحة 347
-
بالقتل، أو تسمية أهل القلة بالشرك، أو على شيء من الباطل، مما لا يجوز في الدين ركوبه، أو ترك شيء من الحق، مما لا يجوز في الدين تركه من جميع الأشياء كلها، فهذه هي إمامة الباطل، وتبعة الباطل، والإمامة المشتركة والبيعة المشتركة أن يبايع الإمام الواحد من صفقة واحدة، على شرائط العدل، فإدخال شرط باطل واحد في تلك الشروط من المبايع الواحد، أو من الجماعة كلهم بائعون على ذلك، فيشتركون في بيعتهم كلهم، الإمام شيئا من الباطل، فهذه إمامة مشتركة في باطل، لا أعلم فيها اختلافا، وشرطها باطل، والمبايع لها والقائل لها مبطلون هالكون، لا حجة لهم في ذلك في أعناق المسلمين.
وإن أرادوا البيعة على العدل كان على وجه صحة العدل، دون أن يدخله شيء من الباطل ولا الجور.
ومعي أنه قد قال من قال: إن الإمامة المشتركة أن يبايع الإمام الواحد، طائفة من المبايعين على العدل، ويبايع طائفة منهم على الجور، أو على شيء من الباطل، أو يخلط أحدهم في شرطه أو بيعته شيئا من الباطل، فقد قال من قال: إن هذه الإمامة مشتركة باطلة، وذلك عندي صحيح، من وجه حدث الإمام في قبوله لامامة الباطل، وبيعة الباطل، وتمسكه بحبل الباطل، إبطال منه للحق وإن تاب من قبول الباطل، وقبول طاعة الباطل، وتمسك ببيعة الحق، وقد جرت ممن تثبت بيعته الإمامة لم تكن إمامته هذه مشتركة، لأن الباطل لا يبطل الحق، وعلى المبطل التوبة من الباطل، والرجوع إلى الحق، فإذا رجع إلى الحق برىء من الباطل وكان محقا، ولا سبيل على المحق وعلى المبطلين التوبة من باطلهم، والرجوع إلى العدل ولا يبطل العدل بوجه من الوجوه إلا بالتمسك من الباطل معه، لأن الحق والباطل لا يجتمعان أبدا، فإذا ثبت على الإمام أمر في بيعه، يلحقه أحكام البيعة المشتركة من افتراق البيع التي يأخذها تبطل إمامته، وبأخذها تتم إمامته، ولم يعرف كيف جرى ذلك وكان في دار العدل. (2/119)
صفحة 348
-
وممن ثبتت إمامته في حكم العدل بالعدل، لثبوت الدار بالعدل، كانت إمامته جائزة على العدل، مأمون على ذلك، إذا تاب مما وجب عليه فيه التوبة من الباطل الداخل له عليه وكان مصدقا في ذلك.
وإذا كانت الدار دار اختلاط في المتدينين لمخالصة العدل في أمر الإمامة، أو أراد باطلا وليست بدار عدل في ظاهر حكمها فثبتت البيعة مشتركة، ولا يعلم كيف جرت، فأحكامه مشكوكة، والمشكوك موقوف حتى يصح ثبوت ذلك له بالبينة أو بالشهرة، أو يكون ممن يؤتمن على ذلك من المحقين، فيقول أنه قبل العدل من أهله وثبوت مما دخل عليه من الإشكال، وما يلحقه من الابطال فيكون مصدقا في ذلك، إذا كان من المسلمين وسار بالعدل وعمل به، إذا صحت له البيعة مما لا يشك فيه التي بها ثبتت له الإمامة، إلا أنه دخل عليه حكم الاشتراك، فقال إن قبوله كان للعدل، وتاب من الباطل فقد ثبت له وعليه، ما وجب له وعليه من العدل، لأنه سواء، ذلك كان تبعة العدل هي المتقدمة والمستأجرة، إذا كانت خالصة للعدل، وعلى العدل، فبيعة الباطل باطلة منتقضة، وبيعة العدل ثابتة واجبة، إذا تاب من الباطل وتمسك بالعدل، وعلى أهل العدل والحق أن يكونوا مع الحق كائنا ما كان، على مخالفة أهوائهم، وعلى جميع المبطلين التوبة من باطلهم، والرجوع إلى الحق، والكينونة مع أهل الحق والعدل، ونصركم ومعونتهم على جميع ما قدروا عليه من الحق والعدل، وكل إشكال دخل على من قد ثبت له حكم العدل بأصل ثابت، فهو على أصله وثباته حتى يصح دخول الباطل عليه وكل إشكال دخل في المتشابهات والمشكلات، ما لم يصح باطل المشكل الداخل عليه الشكوك بتظاهره عليه ودخوله فيه في شيء من الأحكام، فقوله في ذلك مقبول مصدق، أنه دخل فيما يجوز له الدخول فيه، في أمر ما يجب في دينه من الولاية والبراءة، وإن نزل بمنزلة على دعوى المسلمين في أمر لم تقبل دعواه في الحكم، على ما ثبت له الحجة بدعواه، وثبت له تصديق قوله، فيما يزول به عنه حكم (2/120)
صفحة 349
-
البراءة، وجب له به حكم الولاية، ما لم يصح دخوله في محجور وباطل بلا شبهة ولا إشكال، إلا أن تكون في ذلك تخرج على معنى الأصول في معنى الحكم، فإن ثبتت له لنفسه، وعلى المسلمين فيما هو حجة فيه عليهم فيما قد جعله الله له فيهم من ثبوت الأحكام من قوله، فيكون في دعواه مصدقا، وإن كان دخوله في محجور يتظاهر الحكم عليه فيه بغير محتمل صوابه بوجه من الوجوه، فثابت عليه حكم ما ظهر عليه ولا تقبل دعواه فيما يدرأ عن نفسه فيه الحجة بقوله في ولاية ولا براءة ولا ثبوت حكم له على غيره ولا دعوى قول.
وكذلك قوله: وكذلك ما هو مثل هذا في المشكوكات، وما يطلب إلى الإمام فيجبر فيه.
وليس بالسوء المشكوك والظاهر المخصوص في الأحكام كلها، وليس المدعى فيما ظهر بالتخصيص له كالمبين عنه والمفسر له.
فمعي أنه قد مضى من تفسير هذا ما فيه كفاية، والمشكوك كل ما لم يصح باطله ولا صوابه بمعنى الصحة، فقول الإمام في ذلك إذا سئل عنه مصدق، ما لم يصح كذبه أنه إذا أتى من ذلك الحق، وكذلك غير الإمام ممن نزل بمنزلته لم يخرج قوله في ذلك قذفا لخصمه، ولا دعوى عليه بالباطل، ممن نزل بمنزلته في الإشكال، وذلك مثل المتلاعنين وشبههما، ممن لا مخرج للجميع كلهم من الباطل، ولا بد أن يكون أحدهما مبطلا، فقول الواحد منهم أنه المحق غير مصدق في ذلك، في معنى الحكم، ولا يراد ذلك له في التصديق، ولا في معنى الولاية، ولو لم يقذف صاحبه، فإنه في قوله أنه المحق الصادق، غير مقبول ذلك منه، وهو على حاله من معنى الاختلاف و الإشكال.
وقد قال من قال فيهم بالولاية بجميعهم وقال من قال بالوقوف.
وكذلك من نزل بمنزلتهم وأشبههم من المتحاربين والمتخالعين، ولم (2/121)
صفحة 350
-
يعلم المحق منهم من المبطل، ولا المبتدىء من المنتصر.
فقول القائل من أهل هذا النحو من المشكوكين لا يقبل قوله فيه، أنه المحق دون صاحبه، إلا أن يكون هو على أصل الحق، وصاحبه على أصل الدعوى عليه، ويبين ذلك، فيكون هو المحق وصاحبه المبطل، والمشكوك أمره.
فمن كان أصل أمره دعوى الأصول، والأصول في يده من جميع المتداعين، المشكوك أمرهم، فهم على أصل دعواه، والمدعى عليه معترض، لا حجة له في دعواه، ولا يقبل قوله في دعواه، وتقبل دعوى من كانت دعواه أصلا في الدين، وكل ذلك دعاوى، فمنها مقبولة ومنها مردودة، فالمردودة مردودة في الحكم ولو كانت هي المحقة عند الله، والمقبولة مقبولة في الحكم ولو كانت هي المبطلة عند الله في حكم السريرة.
وإذا ثبت الإشكال بين المتداعين، فيما يكون دعوى كل واحد منهم باصل قد ثبت له بمعنى، وكلهم دعوى أصول، كل واحد يدخل له دعوى بوجه من الوجوه يكون أصلا، فقول كل واحد منهم مقبول فيما يدعى لنفسه من حكم أصله، فيما يبرؤه مما يتعلق عليه لخصمه، في دعوى الاعتراض، وغير مزيل لثابت دعوى خصمه، مما ثبت من دعوى الأصول، ولا مقطوع العذر في دعواه وتصديقه فيها، لما يبرؤه من أحكام البراءة والتكفير.
وكذلك إذا كانت الدعوى متكافئة فيما لا يثبت لكل واحد منهم حجة على صاحبه، ولا يكون أصلا دون صاحبه، فقوله مقبول في دعواه، وغير مصدق عليه خصمه في دعواه من الفريقين جميعا، وغير مقطوع العذر في دعواه، إذا لم يكن قوله حجة على سواه، وهو على حالته، ولا تقوم لأحدهما حجة في دعواه دون صاحبه عليه ولا غيره، في معنى زوال حجة كل واحد منهم عن صاحبه، ولا إثبات حجة كل واحد منهما على صاحبه ولا غيرهما،
122 -
فالمدعى ثابت له دعواه وهو حجه على غيره، ودعوى غيره مثل دعواه، ولا تثبت دعوى غيره إذا كانت دعواه أصلية، ودعوى غيره اعتراض، وكذلك إذا كانت دعواهما جميعا دعوى اعتراض، لا تقوم بها حجة على الغير ولا عليهما، ولا يثبت باطل المدعى، فهما متكافئان في الدعاوى لا تقوم بها حجة على الغير، ولا على صاحبه، إذا نزلا جميعا بمنزلة المدعى المعترض.
وإذا نزلا بمنزلة دعوى الأصول، كل واحد منهما في دعواه كان كل واحد منهما حجة في أصل دعواه، وعير مزيل دعوى أصل صاحبه، ودعواه الأصلية ثابتة له، على من هو حجة عليه فمدع مبطل بدعواه وغير حجة في دعواه ولو كان في السريرة محقا. ومدع سالم بدعواه غير حجة في دعواه على خصمه ولا غيره، ولو كان مبطلا في دعواه ومدع محق في دعواه في ظاهر الحكم حجة على غيره من جميع الخصوم (2/122)
صفحة 351
وغيرهم، ولو كان مبطلا في سريرته في دعواه.
وقد مضى تفسير هذا فيما أرجو في فصول من معنى هذا في هذا الكتاب.
وكذلك قوله أيضا في المبيح من نفسه البراءة بما ظهر من فعله، وإن كان محقا في خاصته، ليس كالداعي للمخالف إلى موافقته على دين الحق عنده.
وكذلك عندي ذلك خارج في كل معنى نزل فيه المحدث، بمنزلة لا يحتمل له فيها حق بوجه من الوجوه، من قول أو فعل، ويكون في الحكم مبطلا بفعله ذلك وقوله، فهو مبيح من نفسه البراءة، منخلع عن الدين، ولو كان محقا في خاصة نفسه، وذلك مثل قاذف المحصنات والمحصنين بالزنى من الموحدين، وقاذف الأئمة من العلماء في الدين، أو أئمة المسلمين، أو ممن تثبت ولايته بالكفر، مع من قد ثبتت ولايته معه، بعلم منه، من جميع الحاضرين من المتعبدين، أو حكم لنفسه بدعوى المعترض بها في حكم الدين، فيحارب عليها أو يبرأ، يتولى أو يحكم لنفسه فيها، بحكم من (2/123)
صفحة 352
-
الأحكام بما ليس له فيه حجة، وأشباه هذا من جميع الأحداث، من كل ما لا يحتمل له فيه مخرج من مخارج الحق، فيما تركته من جميع الأحداث، في حكم الظاهر مع المسلمين، فهو بجميع ذلك مخلوع في الدين، مبيح من نفسه البراءة، ولو كان محقا في خاصته، فليس ذلك سواء، كالفاعل لما يدعى فعله، حق ما يأتي من دعواه، ويدعي لنفسه الصواب عليه، بما لا يثبت عليه فيه حجة كذب، من جميع فعله، فكل تائب له فعل خارج بمعنى الدعوى أو قول، فهو سواء، من أباح من نفسه البراءة، وهو داع إلى موافقته إلى دين الحق، محق في دعواه تلك في حكم الظاهر، كان ذلك منه بقول أو فعل، ما لم يعمل أحد في ظاهر الحكم، باطل دعواه، ولو كان مبطلا في سريرته.
وهذا الفصل هو فرق بين أحكام الدعاوى، وأحكام القذف، وليست أحكام الدعاوى كلها، وإن اختلفت معانيها واتسعت ضيوقها، كأحكام القذف، في وجه من الوجوه، وبين ذلك الفرق البعيد والخلاف الشديد، وهذا يطول وصفه وتعديده أن يذكر، وفي هذا كفاية.
وقوله في الجواب: وليس الممتنع كالتارك، ولا الشاهد على القذف في حكمه ومعناه، ولا براءة الدين كبراءة التحريم، ولا الواقف في السؤال كواقف الدين، ولا الولاية بالرأي كالولاية بالدين.
فمعي أنه كذلك الامتناع يخرج معناه معنى الاصرار على حدثه، والامتناع عن الرجعة إلى التوبة، وعن الاقرار باللازم فيه، فليس حكم المصرين الممتنعين فيه كحكم التاركين للامتناع والاصرار، ولو لم يصح منهم توبة ورجعة.
وقد قال من قال من المسلمين، إن المصرين لا يسع جهلهم، وأنزلهم بمنزلة المستحلين، كان إصدار المصر على صغير أو كبير، فهو كالمحارب المستحل لما حرم الله، المحرم لما أحل الله، الراد على الله فيما لا يلزم من (2/124)
صفحة 353
-
معاني الحكم فيهم اختلاف أحكامهم، فليس المصر مثل التارك للتوبة، غير المصر في معنى حكم الظاهر.
وإن كان قد قيل: إن ترك التوبة من حين مواقعة الذنب الصغير موجب لحكم الاصرار.
وقال من قال: حتى يعزم على ترك التوبة.
ويخرج في معنى الاتفاق أن الإصرار بالامتناع عن التوبة موجب لأحكام الكفر كان الذنب صغيرا أو كثيرا.
وكذلك الشهادة على الأحداث في معنى البراءة، على معنى ما يوجب القذف، بعد ثبوت الشهادة، ليس كالقذف على غير معنى ثبوت الشهادة، في حكم ذلك ومعناه، والشهادة من الشهود مقبولة مسموعة، إذا نزلوا بمنزلة الشهادة، واتوا الشهادة على وجهها، وجعلوها في مواضعها، وكانوا ممن تجوز شهادتهم على من شهدوا عليه.
والقذف باطل من جميع من أتى به، كائنا من كان كانوا قليلا أو كثيرا، كانوا علماء أو ضعفاء، كانوا غائبين أو حاضرين، والشهادة أن يصف الشاهد معنى الحدث الذي يجب به حكم البراءة، ويشهد به على المحدث، فيوجب ذلك إذا ثبت معناه، حكم البراءة والخلع واللعن لمن شهد عليه المشهود بذلك، فالقذف من ذلك براءة الشهود أو خلعهم أو لعنهم للمحدث، من غير شهادة يشهدون عليه، فليست الشهادة على القذف كالقذف في حكمه ومعناه فهما أصلان متفاوتان وإن كانا متشابهين في الدعوى، لأن الشهادة حجة، والبراءة قذف وخصومة، وليس القاذف كالشاهد، ولا المخاصم كالحاكم، والشهود حكام والقاذفون خصماء، وشتان ما بين ذلك.
ولا أعلم في هذا الأصل اختلافا.
ومن القذف وإن اشتبه معنى الشهادة بالتسمية بالكفر أو الفسوق أو النفاق من الشهود للمحدث، قبل أن يشهدوا عليه بما يوجب ذلك عليه، (2/125)
صفحة 354
-
وفيه عن الحدث الموجب للكفر، ففي بعض القول: أن ذلك كله سواء من العلماء أو من الضعفاء-، أو من القليل أو من الكثير، فهو قذف والقاذف مخلوع كائنا من كان، والمقاذف مدع ولا يقبل قول مدع ولا شهادة خليع في دعواه ذلك، ولا بعد انخلاعه حتى يتوب، ولا تجوز شهادة مدع في ادعائه الذي نزل به بمنزلة المدعى على حال أبدا.
وقال من قال: إن شهد العلماء على المحدث بالكفر، وكانوا ممن يبصرون أحكام الولاية والبواءه، كانت شهادتهم عليه بالفسق أو الكفر شهادة لا قذفا، لأنهم حجة في ذلك، وعلماء باحكام الكفر والفسق وما يوجب ذلك.
فهذا فصله وعلى هذا مدار أصله، وهذا فوق ما بين الشهادة والقذف وليستا سواء، وليست براءة الدين كبراءة التحريم.
فمعى أنه ليس المتبرىء بالدين كالمتبرىء على ما يدين بتحريمه من القذف، لا على معنى الدين، لأن المتبرىء بالدين يلحقه معنى التدين في براءته، ويلحقه معنى حكم الاستحلال، وليس ذلك كالقاذف بالكفر، على غير معنى التدين، إلا على معنى الجهالة، فليس حكم ذلك سواء، في معنى ما يجب من الفرق بين المستحلين والمحرمين في البراءة، فيجب في المتبرىء بالدينونة أن لا يسع جهله، على قول من يقول بذلك، وهو أن يبرأ ممن حرم حدثه، ممن استحل من الحرام، أو واقع من الأيام، فبراءته ممن حرم حدثه استحلال منه لحدثه، في معنى الحكم، موجب لاستحلال حدثه في معنى ما يجب من حكم الاستحلال في البراءة والتوبة، فلا يسع جهل حدثه في معنى البراءة، ولا تجرى فيه التوبة في الجملة إلا بالتوقيف، وليس كذلك القاذف والمتبرىء على معنى الجهل، فيما يدين بتحريمه، فذلك مما يسع جهله في معرفة كفره، وفي توبته في الجملة، فتجرى توبته في الجملة، ولا يضيق على من جهل معرفة كفره، ما لم تبلغه الحجة بمعرفة ذلك أو بعلمه، فذلك معنى الاستحلال لجميع أحكام البدع، في تحريم الحلال أو تحليل الحرام والبراءة على المخالفة فيه، ممن خالف ذلك عليه من المسلمين، فذلك أيضا من وجه (2/126)
صفحة 355
-
براءة الاستحلال، وهو من أوجب حكم الاستحلال، إذا برىء ممن خالفه في دينه الضلال، كما أنه من دينه البراءة ممن خالفه في دينه في قول أو فعل، فالدينونة به بالباطل خارجة على معنى الدينونة بالحق في إبطال الباطل، وتحقيق الحق ممن دان بذلك.
وكذلك شيئان لا يستويان الواقف عن البراءة في المحدث، الذي لا يسع إلا البراءة منه، عند جهله بما يلزم من حكم كفره على سبيل الدينونة لذلك، بالوقوف في ذلك على غير اعتقاد السؤال عما يلزم ذلك من الواقف السائل عن جميع ما يلزمه، إذ جهل علم ما يلزمه مما لا يكون العلم فيه بحجة العقل مدركا، فهو باعتقاد السؤال سالم بالدينونة، بالوقوف في ذلك، ولو كان الحدث فيما يسعه جهل معرفته، فدان بالوقوف فيه، أو ترك اعتقاد السؤال عما يلزمه في الحدث الذي لا يسعه جهله، فهو هالك بذلك.
وباعتقاد السؤال عما يلزمه في ذلك على غير الدينونة بالوقوف، ولو وقف على إنفاذ الحكم بالبراءة بمعنى الحدث سالم، فالدائن بالوقوف في موضع وقوف الرأي، وفي موضع وقوف السؤال ناقض للدين، مرتكب لخلاف ما يدين به المسلمون.
وكذلك الدائن بالسؤال في موضع وقوف الدين، دائن بغير دين المسلمين مخالف للمسلمين. وكذلك ولاية الدين لا تجوز في موضع ولاية الرأي دائن بالولاية، ومن دان بولاية الدين في موضع ولاية الرأي فهو هالك مخالف للمسلمين في الدين، لأن الرأي غير الدين.
كذلك من دان بالرأي في أمر الحلال والحرام، فقد خالف في الدين، لأن الرأي غير الدين.
وكذلك من أجاز الرأي في الدين فقد خالف الدين، وبراءة الدين غير براءة الرأي، وبراءة الرأي غير براءة الدين، ووقوف الرأي غير وقوف الدين، ووقوف الدين غير وقوف الرأي، ولا يجوز مخالفة ذلك كله، على غير (2/127)
صفحة 356
-
مادان له المسلمون، وثبت في حكم الدين، وكل ذلك خلاف سبيل المسلمين، إذا وقعت الدينونة باسباب الرأي من ذلك، أو أسباب الرأي بمعاني الدين من جميع ذلك وتفسير هذا موجود في آثار السلف من المسلمين.
ومن الجواب: وقد كان وصل أبو علي أزهر وعمر بن محبوب بن عمر وقد اجتمعا وكان بيننا في هذه الأحداث الواقعة بعمان كلام، فاحببت التسلم منهم، وكتب إلى أزهر في ذلك رقعة وكتبت إليه الجواب، ولو وجدنا سبيلا إلى الاتفاق لكانت هي الأمنية وسرور القلب، والماخد قريب، والخطب واضح، ولكن الصبر قليل، فانظرا في هذا، وأصلحا ما كان فاسدا فيه، فلا تأخذوا مني بشيء إلا ما عرفتم عدله، وما كان من خطأ فيه، فانا أستغفر الله إياه، والسلام عليكم ورحمة الله، فانظروا فيه فإني كتبته ولم أقرأه.
وقد بينا ما فيه الاختلاف، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم.
قال غيره: معي أنه لا يجب التسليم إلا في موضع التسليم، في السلامة، ولو كان التسليم لا يكون موضع السلامة ما كان يجب التسليم، ولو جاز التسليم منه على الباطل إلا في موضع التقية بالقول دون الفعل، ولا نعلم موضع تقية من أبي المنذر للأزهر بن محمد بن جعفر، وعمر بن محمد بن محبوب بن عمر في مكة ولا غيرها، ولا معنا أنه لكل عن حجته حتى يسلم عن كلال، ولكنا نرجو أنه قد كان أبصر للتسليم في هذه الأمور وهذه الأحداث، التي كانت بعمان، لأن الوجه فيها التسليم لا المعازعة، وكثير من جوابه هذا يدل على معاني ذلك تعريضا وتصريحا، ولعله قد خصه في معاني الحكم، على ما قد صح معه في سريرته ها لا يسمع الموافقة فيه بمعنى الولاية، لمن قد لزمه البراءة منه في السريرة أو البراءة، ممن قد لزمته الولاية له في السريرة في هذه الأحداث فلا تسعه الموافقة على معنى التخصيص في الولاية والبراءة بالجهر، لخلاف ما وجب عليه في السريرة من ذلك، وذلك مما يدل (2/128)
صفحة 357
-
عليه قوله: ولو وجدنا السبيل إلى الاتفاق لكانت هي الأمنية وسرور القلب، ولا تكون الأمنية وسرور القلب إلا فيما يجوز من ذلك في الدين، ولا تكون الأمنية في شيء مما يخالف الحق مع المسلمين ولا سرور القلب في أمور أحداث أهل عمان كلها خارجة على معنى السلامة، في معنى الدعاوى.
ولو اتفقت الكلمة على معنى الأصول ولم يحتلفوا في أحكام الدعاوى، لأنه لم تصح فيها كلها في ظاهر أحكامها، ما لا يسع الاتفاق عليه في ظاهر أحكامها في حكم العام، إلا ما خصه فيها حكم يجب عليه في نفسه في السرائر دون الظواهر، وذلك مما يدل عليه قوله فيها، والمأخذ قريب، والخطب واضح جلي، ولكن الصبر قليل، كذلك هو عند أهل العلم، لو رجع إلى معنى حكم الأصول وترك التنازع والفضول، والأمور كلها بحمد الله مرتبة، والخطب فيها واضح بين جلي، لمن صبر على الأحكام ولم يتعاط ما لا يسعه في أحكام الإسلام، من أنزل نفسه حجة في موضع الدعوى، وأنزل ما يسع جهله في موضع ما لا يسع جهله، وانزال أحكام الدعاوى، في موضع أحكام البدع، والواجب على أهل العلم الرجوع إلى إصلاح ذات البين، وانزال العذر لكل معذور وبسط العذر لكل من كان له عذر في حكم الشريعة، وانزال التهمة في ذلك، وسوء الظن في معاني الأحكام، ومما يدل على ذلك قوله في هذا الجواب، فانظرا في هذا وأصلحا ما كان فاسدا فيه، ولا نأمر بإصلاح إلا وقد كان في ذلك فساد قد علمه، مما يجب إصلاحه، ولو كان الأصل على غير ما يوجب الفساد، ما كان يامرهما بالنظر فيه وإصلاح ماكان فاسدا منه.
وأما قوله: فلا تأخذوا مني بشيء إلا ما عرفتم عدله، وما كان من خطأ فيه فانا أستغفر الله إياه فهذه حجة احتج بها عليهم، أن لا يأخذوا من قوله إلا بالحق وموجب له في معنى الحكم أنه إن كان في قوله ما يخالف العدل، فقبلوه منه، وعلموا أنه كان ذلك عليهم دونه وهو بريء من إثم ذلك، وضمانه فيما يلزم فيه الضمان والإثم أو أحدهما. (2/129)
صفحة 358
-
وأما الوقوف الذي بين المسلمين فيه الاختلاف، فهو وقوف الشك الذي لا يسع في الدين، وذلك أن الشيعة قالوا في الوقوف، أنهم إذا وقفوا على أحد، من أجل الإشكال فيه، أو من أجل الحدث الذي قد ظهر منه، إذ لم يصح مع الواقف الوقوف منهم، ما يوجب فيه الولاية، ولا ما يوجب فيه البراءة، فقالوا في هذا الوقوف أنهم لا يتولون إلا من وقف كوقوفهم، ولا يتولون من برىء ممن يقفون عنه، ولا من تولى من يقفون عنه، وهذا وقوف الشك، والشك لا يجوز، لأنهم إذا وقفوا عن المحدث أو عن الإنسان، ووقفوا عمن تولاه، أو عمن برىء منه، من أجل ولاية المتولي له، ومن أجل براءة المتبرىء منه فقد أبطل حكم الولاية والبراءة فيه، وأوجبوا الشك لأنه لا بد أن يكون محقا فيكونون قد تركوا ولاية المحق، و ولاية من تولاه أو يكون مبطلا فيكونون قد تركوا ولاية من برىء منه، فهذا وقوف الباطل، لا وقوف الدين، وقوف الرأي، ولكنه وقوف الشك والباطل.
ووقوف الدين ووقوف السلامة مع المسلمين أنهم يدينون بولاية كل ولي لله، وبعداوة كل عدو لله، في جملة الولاية والبراءة، في حكم الشريطة، ويتولون في حكم الظاهر كل من صح منه ما يستحق به الولاية، ويبرؤون من كل من ظهر منه ما يستحق به البراءة، تدينا منهم بذلك في كل شخص استحق ذلك معهم، في ظاهر الحكم: وكل من لم يعرفوا منه شيئا من جميع العالمين في حكم الظاهر، وجب عليهم الوقوف عن ولايته دينا، إذ لا تحل ولايته إلا بما يستحق ذلك، والبراءة دينا إلا بما يستحق البراءة منه.
فالولاية والبراءة دين، والوقوف عمن لم يستحقهما دين، ممن لم يعرف منه ما يستحق الولاية والبراءة، أو يدين به البراءة.
وهذا وقوف العلماء والضعفاء جميعا، في شرع واحد، لا يفضل فيه العالم على الضعيف، وكلهم فيه سواء، لا يجوز لأحد منهم فيه إلا ما يجوز (2/130)
صفحة 359
-
للآخر، وإذا لم يصح ما يجب فيه أحد الحكمين من الولاية أو البراءة، فإذا صح منه أحد ذلك، فوقف على ذلك العلماء والضعفاء، ووجب عليهم الحكم بما قد علموا، فضعف الضعفاء عن علم ما بلغ إليه العلماء، من علم ما تجب به الولاية لهذا، وعلمهم في ذلك سواء في صحة العلم، فيما تجب في كل واحد، واختلف منهم علم الحكم، كان على العلماء واجب أن يبرؤوا ممن استحق البراءة باسمه وعينه دينا، ويتولوا من استحق الولاية دينا، ولا يسعهم ترك ذلك، ولا الوقوف عنه برأي أو دين، ولا اعتقاد سؤال، ألا أن هذا كله من المحال والضلال، لأنه ليس بعد العلم إلا الجهل وقد علموا، ولا بعد اليقين إلا الشك وقد استيقنوا، ولا بعد الهدى إلا الضلال وقد اهتدوا.
وأما من ضعف عن علم الحكم في ذلك، ولم يبلغ إليه علمه، وقد صح معه ما يجب به الحكم من البراءة والولاية، فقد زال عنه حكم وقوف الدين، ولا يحل له أن يقف عن هذا الشخص، الذي قد وجب له في الحكم ولايته أو البراءة منه، فجهل ما يلزمه في ذلك فلا يجوز له الوقوف عنه دينا، لأنه قد بطل حكم وقوف الدين عنه، ووجب عليه ولاية الدين أو براءة الدين، فإذا جهلها جميعا، جاز له الوقوف بالرأي والولاية بالرأي، ولو كان الموالى بالرأي قد استحق البراءة.
ولا تجوز البراءة بالرأي ممن استحق الولاية، أو ممن لم يستحق البراءة، ولكن تجوز البراءة على الشريطة، إن كانت قد وجبت عليه البراءة من هذا الشخص، بهذا الذي قد وقف عليه من فعله، ويكون سالما بذلك، ولا يبرأ من نفسه برأي ولا بدين إلا في موضع براءته من وليه بالباطل أو بالحق.
والمتبرىء من الضعفاء الذين لا تقوم به الحجة في الفتيا، فإنه قد قيل: إنه يبرأ ممن برىء من وليه برأي إذ قد أباح من نفسه البراءة في حكم (2/131)
صفحة 360
-
الظاهر، ولا يبرأ منه بدين لأن ذلك حرام البراءة من المحق بالدين، ولو كان من الضعفاء.
وتجوز له الولاية بالرأي، في كل من لم يصح معه ما تقوم به الحجة من صحة كفره.
ويجوز له الوقوف بالرأي عن كل محدث استحق بحدثه العدوان، فجهل هذا حكم حدثه وقد علم بحدثه، ولم تقم عليه الحجة من العلماء بما لا يسعه إلا قبوله، من علم حكم حدثه، فتجوز ولايته بالرأي، ويجوز الوقوف عنه بالرأي، ولا يجوز الوقوف عمن برىء منه من علماء المسلمين على حدثه المكفر برأي ولا بدين، ولا يبرأ منهم برأي ولا بدين، ولا يجوز أن يبرأ ممن برىء منه من ضعفاء المسلمين، ولا يقف عنه بدين، ولا يجوز أن يبرأ منه برأي، وقد قيل: لا يجوز فيه أن يقف عنه برأي إذا كان ضعيفا لا تقوم به الحجة.
وكذلك في ولاية المحق، إذا استضعف الضعيف أو المحق، وضعف عن ولايته من أجل ضعفه، جاز له أن يقف عن ولايته برأي، ولا يجوز أن يقف عن ولايته بدين، لأنه قد وجبت عليه ولايته بدين، وولاية الدين ووقوف الدين لا يجتمعان.
وبراءة الدين ووقوف الدين لا يجتمعان.
فإذا وجبت الولاية بالدين حرم الوقوف ليالدين، جهل ذلك الواقف أو علم. وإذا وجبت البراءة بالدين حرم الوقوف بالدين، بعلم أو بجهل، لأنها أضداد، ولا تتفق الأضداد بجهل ولا بعلم. فمن وقف عن محق فهو هالك ولو استضعف حقه، وجهل ما يلزمه من حقه.
وكذلك إن وقف عنه برأي، أو وقف عن أحد من العلماء، من أجل ولايته له برأي أو بدين، او وقف عنه من أجل ذلك برأي أو بدين، أو من أحد من الضفاء من المسلمين بدين فهو هالك لا يسعه ذلك في الدين، ولكنه إن وقف عنه برأي، وتولى من تولاه من المسلمين فقد تولى في الدين. (2/132)
صفحة 361
-
وكذلك إن وقف عمن استحق البراءة، إذا ضعف عن علم ذلك وبرىء ممن تولاه من المسلمين، فقد برىء منه بالدين، وبرىء منه براءة الدين، ما لم تقم عليه الحجة، التي لا يسعه الشك فيها، أو يعلم كفره فيها، أو يعلم بكفره مما يستحق به البراءة، فإذا علم الحكم لم يسع ترك الحكم على حال.
وأما معنى قبول الفتيا من العلماء، فيما يجب عليه في البراءة منه، أو في الولاية له، فما لم يبرأ من العلماء، من أجل ولايتهم لمن تولوا من المحقين، وبراءتهم ممن برئوا منه من المبطلين، فلا يضيق عليه ذلك في الدين، وإن قبل الحجة وعمل بها كان قد هدي سبيل الهداية، ونال الفضل، وإن ضاق عن ذلك على حال، فتولى المسلمين على ما قاموا به في المحق في الفتيا، في الدين وفي الولاية والبراءة، فقد قيل: إنه لا يضيق عليه ذلك في معنى الدين، وفيما يجتمع عليه من القول.
وقال من قال: إن عليه قبول الفتيا من العلماء في ذلك، وإذا قاموا عليه بذلك كانوا حجة عليه، وكان هالكا إذا لم يقبل منهم ذلك، وتكون فتياهم له بذلك بمنزلة علمه ويقينه حجة عليه.
وأكثر القول عندي أنه لا يضيق عليه في ولاية ولا براءة ما لم يعلم الحكم فيه، أو يكون الحدث مما لا يسع جهل علمه، أو يقف عن العلماء، أو من الضعفاء من المسلمين، ممن لا يجوز له من الوقوف عنهم، من أجل براءتهم، أو ولايتهم بالحق الذي قد جهله، ودلك شبه ما هو سائر في قولهم إنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم.
وقولهم: من وقف وتولى من تولى، فقد تولى، ومن وقف وتولى ممن برىء من المسلمين، فقد برىء.
وأوجب الحجج حجة العلم، من أين وردت عليه وعرفها وعقلها، (2/133)
صفحة 362
-
وما لم يصر إلى حد العلم في كل ما يسع جهله، فلا يجب قطع العذر له، على معنى ما يوجب الاتفاق، وإن وجب معنى الاختلاف، فأثبت ذلك أنه لا يزيل الجهل إلا العلم، ولا يقطع عذر الجاهل إلا العلم، فتدبر جميع ما وصفت لك، وما بينته لك في تفسير هذا الجواب، وجميع ما عرفته عني أو وجدته مرسوما في كتاب ولا تأخذ من جميع ذلك ولا تعتمد إلا بما وافق الحق والصواب.
فإن جميع ماخالفت من ذلك الصواب، فانا دائن لله بالتوبة والاستغفار منه، والرجوع عنه، كان ذلك مني بخطا أو عمد أو علم أو جهل، أو برأي أو بدين، أو بوجه من الوجوه، فانا تائب إلى الله من جميع ما خالفت في ذلك دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين أهل الاستقامة من أمته، من لدن محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ممن دان بالهدى والاستقامة من أمته، ووجب له عند الله الفوز والسلامة، والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل.
سيرة أبي عبداللّه محمد بن روح -رحمه اللّه تعالى -:
بسم الله الرحمن الرحيم
واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الولاية والبراءة فريضتان، وقد نطق بذلك القرآن، وأكدته السنة، ونسخته آثار الأئمة، الذين هم حجة الله في دينه، فمن ذلك قوله - تعالى -: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ (2/134)
صفحة 363
-
الْحَمِيدُ) (1)، فهذا في البراءة.
وفي الولاية، قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (2).
و الاستغفار ولاية.
وقد قال الله - تعالى -: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (3).
وقال الله - تعالى -: إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) (4).
وقال -تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (5).
وكذلك كل من ضيّع فريضة من فرائض الإسلام على التعمد بغير عذر، فلا ولاية له عند المسلمين، حتى يرجع عن الباطل إلى الحق.
__________
(1) -4 - 6 من سورة الممتحنة.
(2) - الآية 12 من الممتحنة.
(3) - الآية 71 من التوبة.
(4) - الآية 19 من الجاثية.
(5) - الآية 92 من الأنفال. (2/135)
صفحة 364
-
وإنما الإيمان عندنا بمنزلة الوضوء والصلاة، فمن ترك جارحة من جوارح الوضوء متعمدا، من غير عذر، فهو بمنزلة من ترك الوضوء كله.
وكذلك من ترك ركعة واحدة من الصلاة، فهو بمنزلة من ترك الصلاة كلها.
وقد قال الله - تعالى -: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، فهو كما قال ربي، ولو لم يتول المسلمون بعضهم بعضا، ويبرؤوا ممن خالفهم في الحق، ويقوموا في ذلك بما أوجب الله عليهم، من التمييز بين أهل الحق وبين أهل الباطل، لكانت فتنة في الأرض وفسادا كبيرا.
وغير هذا من كتاب الله، مما يطول ذكره مما هو ناطق به الكتاب في أمر الولاية والبراءة، مما جاءت به السنة، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمن من المؤمن مثل الرأس من الجسد".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، فقد صح معنا أن من خادع في طاعة الله فهو من أشد الناس عداوة لله ولرسوله وللمسلمين في دينهم.
وغير هذا مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مما به يصح ثبوت الولاية والبراءة، مما يطول وصفه ولا يحضرنا كثير من ذكره.
وبعد الكتاب والسنة إجماع المسلمين المحقين من أهل قبلتنا المتمسكين بالسنة، على الدينونة بالولاية والبراءة، فقد ثبت حكم الولاية والبراءة في الإجماع والسنة والكتاب ولم يبطل ذلك إلا بعض المبتدعين من أهل قبلتنا، ممن قال: إن الإيمان قول بلا عمل، وإنما سائر أهل القبلة غير أهل الإرجاء، فلا نعلم بينهم اختلافا في ثبوت فرض الولاية والبراءة. وإنما الحجة على الناس من اتبع الحق، لا من خالف الحق، وفرض الولاية والبراءة عندنا صحيح، نشهد أن الله - عز وجل - بأنهما افترضهما على عباده، كما يلزمنا أن نشهد أن الله عز وجل أرسل إلينا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ... . (2/136)
صفحة 365
-
فمن شك في فرضي الولاية والبراءة، بتاويل ضلال من غير رد منه لتنزيل، ولا بمتصرف سنة فهو عندنا كافر نعمة، منافق فاسق عن دين الله ونحن لله منه براء إِلا أن يتوب.
باب
الفرق في السعة وحدث المحدث
فيما لا يسع جهله والشك في المحدث
قال غيره: هذا كله معنا صحيح على صحة تأويل الأثر، وعلم تفسير الجملة من توحيد الله - تبارك وتعالى - وصفاته إذا نزلت بليته بالمخصوص به فسمع بذكره، أو خطر بباله، أو دعي إليه، فعرف معنى ذلك، والمراد به، من صفات الله لم يسع الشك في ذلك دون إصابة الحق على ما معنا أنه قيل: ولا نعلم في ذلك اختلافا، في أنه هو لا يسعه إلا علم ذلك على وجهه، على ما تأدت إليه معرفته، وقامت عليه حجته باتباع العدل في ذلك بلا شك، ولا إنكار، نعلم في ذلك اختلافا.
وأما في الشاك في ذلك، أو الراد له، فإذا ضاق عن علم ذلك، وعن علم ضلالة الشاك والراد له، إذا لم يتضح له علم ذلك بما لا شك فيه فمعنا أنه مما يلحق فيه الاختلاف، وقد قيل: لا يهلك أحد بهلاك أحد، ويدخل في ذلك عندنا ما قيل: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم، فقال من قال فيما معنا: أنه لا يضيق عليه الشك في ضلالة الضال، ولا يسع أن يركب ما ركب الضال من الإنكار، الشك لأن ذلك مما دان بتحريم في أخذ الله عليه الميثاق، فليس له أن ينقض ما دان بتحريمه مما أخذ الله عليه الميثاق في جملته، وضلالة الضال إنما هي تأويل من جملة ما دان بتحريمه، (2/137)
صفحة 366
-
وليس كل من علم أصلا علم تأويله، ولا يضيق على من ضاق عن التأويل، كما يضيق على من ضاق على الأصل.
ومعي أنه قيل: إذا لم يسعه جهل ذلك فلا يسعه جهل ضلالة الضال به، وعليه علم ضلالة الضال بإنكار أو شك، بما لا يسعه جهله، كما عليه هو في نفسه من علم ذلك، وأنه لا يسعه جهله، وكذلك لا يسعه جهل الضال وجهله.
وأحسب أن القول في الشك في مثل هذا في ضلالة الشاك فيه أوسع من ضلالة الراد له، والناقض له، على من نزلت به البلية بعلم ذلك من علمه له، وعلمه للشاك فيه، أو الناقض له، ويلزمه في الصفات عند خطور البال والسماع بالذكر بمثل هذا من ضلالة الراد، والشاك فيْ حكم الشرائط، وفي الصفات ها على المعاين لذلك، والمشاهد له، إِذا سمع بذكره، خطر بباله، وعرف معناه، والمراد به، فعليه في الصفة، كما عليه في المعاينة بالمشاهدة، إن لم تكن الصفة أوجب عليه كلفة لأنها أصح عنده في المعرفة، لأن الفاعل والمحدث يحتمل لهم أشياء، وعليه أشياء، ويحتاج في الحكم إلى دعوة وصحة حجة، وحكم الصفات لازمة بالقطع، إِذا خطر بباله، أو سمع بذكره في جميع الصفات المكفرات عند الحكم بما يلزمه في ذلك من عداوة، ومفارقة، أو ولاية على ما قد بلغ إليه دعوته وقامت عليه حجته، وصح معه معناه وارادته.
وكذلك تفسير ما جاء من عند الله مثل البعث والحساب، وما ذكر من تلك الأسباب من الحساب والثواب والعقاب، فهو معنا خارج في معنى صفة التوحيد من جميع مما كان من الوعد والوعيد، فإذا خطر بباله شيء من ذلك أو سمع بذكره، وعرف معناه والمراد به على صحة معناه من الله - تبارك وتعالى - لم يسعه الشك فيه فيما قيل. (2/138)
صفحة 367
-
وكذلك الراد له و الشاك فيه معنا هو كما وصفنا في أمر تفسير التوحيد من الشك والإنكار، والشك في ضلالة الضال، كذلك هو عندنا في ذلك سواء، وقد مضى فيه القول.
والإنكار عندنا أضيق على الشاك في ضلالته، ونرجو أنَّهُ ما لم يبن له عدل ذلك ويبصره، وتقوم عليه به الحجة بعينه من شواهد عقل أوعبارةَ، أنه لا يكلفه الله من ذلك فوق طاقته، في شك ولا إنكار، ما لم يتول المحدث على ذلك بدين، أو يبرأ من العلماء، أو يقف عنهم إذا برئوا منه برأي أو بدين، لأن ضلالة الراكب للدين إنما هي من تأويل الدين معنا على ما وصفنا، وعلى ما معنا، أنه قيل.
باب
الفرق في البيعة وركوب المحارم وترك اللوازم
وأما ما عليهم تركه فيما حرم الله عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير وفروج الحرام، وكل ما حرم الله، مما أعد لمن فعله النار، وهو يسعهم جهل حرمته ولا يسعهم ركوبه ولا فعله فيْ حال جهله.
قال غيره: معنا أن كل ما حرم الله - تبارك وتعالى -في كتابه، أو حّرمه رسوله محمد صلى الله عليه في ثابت سنته، أو ثبت في الإجماع حرمته، وما أشبه ذلك، وكان مثله أو أشد منه في المشابهة والمماثلة، فهو حرام لا يجوز ركوبه بالجهل، ولا بالعلم له، ولا يسمى من لم يعلم شيئا -يسعه ألا يعلمه -جاهلا إلا على ما وصفنا أنه جاهل به نفسه، أو في دينه فلا يقع عليه اسم الجهل.
ومعنا أنه قد قيل: في المحرمات عليه في أصل ما دان به، أن عليه ألا يركبها ولو لم يعلم حرمتها، ولم يبلغ إلى ذلك، لأنه يقدر أن يترك ذلك إلى غيره، وليس في كُلفة ذلك له خروج من الطاقة، بل هو يقدر أن يترك ذلك (2/139)
صفحة 368
إلى غيره، ما لم ينزل به حال الضرورة، إلى ما له، في حال الاختيار، مما أحل الله له في حال الاضطرار من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما أشبه ذلك مما هو مثله، فإنه جائز له عند الاضطرار، الاعتصام به.
وإذا لم يكن في حال الاضطرار وكان لغيره واجدا مما يعتصم به من المحرم فهو قادر على ترك المحرمات، فغير مكلف في ترك المحرمات ما لا يطيقه، إِذا علم فيها الأصل المحرم الذي يدرك معرفة الحجة المحرمة لها، مع العارفين بمعرفة وعليه ألا يركبها، لحال قدرته على ذلك، واستغنائه بغيرها عن حال الضرورة، فهو قادر على تركها، فعليه تركها، فإن لم يتركها وركبها، لم يسعه ذلك، ولا حجة له إذا كان قادرا على الترك.
وأما العمل للمعمولات، فلا يقدر العامل لها إلا بعلم للعمل بها، فإذا عدم العمل الذي به يقدر على العمل لها، كان عاجزا عن العمل بها، لاذا ثبت عجزه لشيء ثبت عذره عنه، إذا لم يقصر في اعتقاد طلب ذلك، على نحو ما وصفناه من حاضر له أو غائب عنه.
وقال من قال: إن المحرمات من غير أن تدرك معرفة حرمتها بحجة العقول، لا تقوم الحجة بحرمتها إلا بالسماع والعبارة، وما لم تبلغه الحجة بعلم ذلك، فلا يقدر على فرق ذلك بعينه، ولا فرق بين حلال الأشياء وحرامها، فإذا لزمه ترك جميع الأشياء حتى يعلم حلالها وحرامها، لزمه في ذلك أن يترك الحلال المباح، وكان في ذلك حجره عليه الحلال كله، ولزمه في ذلك أن يعلم جميع الحلال من الحرام، وجميع الأحكام، وهذا ما لا يطيقه، ويضيق عليه.
وقد أجاز الله له أن يأكِل الحلال، فقال - تعالى -: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) (1).
__________
(1) -168 من سورة البقرة. (2/140)
صفحة 369
فالحلال هو المباح، لأن أصله كان حلالا إلا ما حرّمه الله عليهم بالاستثاء، فليس عليه ترك ولا ركوب الحرام المستثنى إذا قدر عليه، وبلغته الحجة به، وله أن يركب الحلال مباحا له من الماكولات والمشروبات والملبوسات والمركوبات والمنكوحات، وليس عليه في ذلك أن يعلم أنه حلال إذا وافق ولم تقم حجة الحلال من الحرام من حجة العقل، إلا من وجه الترك للأشياء كلها من حلالها وحرامها، إِذا صح أن فيها حلالا وحراما، فإن ركب ما ركب من الحلال والحرام على أنه متحرِّ منه الحلال، تارك منه الحرام، معتقد لطلب علم ذلك، معتقد للتوبة من جميع ما خالف مما ركبه من المحللات إلى المحرمات لم يضق عليه ذلك، ولم يكن هالكا لأن السائل سالم و الشاك هالك، ولا يكون الشاك إلا بعد العلم، والمضيع للسؤال لما يعلمه مما قد لزمه تركه، فركبه أو لزمه العمل به فلم يعلمه وضيع ما لا يقدر عليه من اعتقاد التوبة في أصل ما يأتي من ذلك وما يتركه مما لا يجوز له تركه، ومما لا يجوز له ركوبه في أصل ما تعبده الله به، ولن يهلك عند الله في دينه - معنا - إلا مُصِرُّ على ذنبه، قادر على الخروج منه بعينه، فلمِ يخرج منه، لقول الله - تبارك وتعالى -: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (1).
فالتوبة في الجملة مما لا يقدر على الوصول إلى علمه، كالتوبة من الشيء بعينه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والعاجز عن الشيء معذور عنه، والمجتهد بصدق المناصحة بغير خداع ولا تقصير في مجهود، فلن يكلفه الله فوق طاقته.
فافهم ذلك تصِب إن شاء الله تعالى.
__________
(1) -135 من سورة آل عمران. (2/141)
صفحة 370
باب وقوف الشك الذي لا يسع
وأما الشك الذي لا يسع، وعابه المسلمون فهو أن يقف عن المتولى أو المتبرأ منه، ويقف عن المتولي والمتبرىء، وأن لا يتولى إلا من وقف كوقوفه، فهذا هو وقوف الضلال معنا لأنه لا محال إذا وقف دائنا عن أحد بعينه من الناس، ووقف عمن تولاه ووقف عمن برىء منه بدين، وهذا لا محال قد خرج من أحكام الحق، ومن أحكام الولاية، والبراءة إلى وقوف الدينونة بالوقوف عن جميع العباد، لأنه إذا ثبت له هذا في أحد بعينه، ثبت له ذلك في الكل، وأبطل حكم الولاية والبراءة، ورجع إلى حكم الوقوف في الخلق كلهم، الذين قد ثبتت فيهم الولاية والبراءة، وأن جميع المتعبدين لا يخلو أحد منهم بعينه من أن يكون عدوا لله فيعادى أولياء الله فيوالى بعينه.
وأما إن لم يعرف في هذا الشخص بعينه، مما يوجبه فيه البراءة فيبرأ منه، أو ما تجب له الولاية فيتولى، فتثبت له أنه لا يتولى إلا بعلم، ولا يبرأ منه إلا بعلم، وثبت أنه لا بد في أصل التعبد أنه لا بد أن يكون يوالي أو يبرأ منه، فوقف عمن برىء منه، ووقف عمن تولاه، فهذا مبطل لأحكام الولاية والبراءة منه جميعا، سواء ذلك كان قد وقف على الحدث الذي قد اختلف فيه المختلفون في ولايته والبراءة منه فيه ولم يقف، صح معه أو لم يصح معه، فإنه لا يجوز له في أصل التعبد أن يقف عنه وعن المتولي له و المتبرىء منه لأنه لا بد له في جميع هذا أن يكون قد أسقط حكم الولاية والبراءة، ولا يجوز أن يكون في حال لا يتولى ولا يبرأ منه بسبب من الأسباب بالدين، وهذا معنا وقوف الشك. (2/142)
صفحة 371
-
باب
وقوف الشك عمن لم يتول كولايته ويبرأ كبراءته
كذلك معنا كل من لم يتوله من تولى كولايته، ولا من برىء كبراءته، ولا يجعل لكل من وجب عليه حكمه الذي له بما يجب من ولاية، أو براءة أو وقوف بما يخالف ما يلزمه هو لأن الولاية والبراءة والوقوف، كلها أصول ليس لأحد ممن ثبت عليه أحدها، أن تنتقل عنه الى غيره، إلا لحجة تقوم عليه، أو تجب له، فإذا لم يقبل أحد من وجب له منها حكم ذلك الشيء، ممن لم يجب عليه مثله، مما هو غير لازم له، أو غير جائزة له، فالزمه ذلك، ولم يقبل منه إِلا أن يلزم نفسه ما لزمه هو، فلا يسعه ذلك، وهو غير معذور، ولاحق عندنا في الشبهة، بما لحق في الذي وقف ولم يتول، إلا من وقف كوقوفه.
كذلك إن لم يتول إلا من تولاه كولايته، ولا من برىء كبراءته، فذلك لا يسعه، كما لا يسعه أن يتولى إلا من وقف كوقوفه، ومن برىء أو تولى، فكل ذلك سواء معنا، أن يثبت لأحد منهم ممن وقف، أو تولى أو برىء على أحد ممن في غير منزلة حجة، يلزمه في الحق من وجوب ذلك عليه، لشيء يثبت عليه، ويصح فيلزمه الحكم الذي يخصه، كما لزم هذا في ولايته، أو في براءته أو في وقوفه، وإلا فكل ذلك لا يسع وكله معنا واحد.
وإنما كل من الناس في الولاية والبراءة مخصوص بعلمه، وماخوذ في علمه بحكمه في حكم ولاية حكم الظاهر، ووقوف حكم الظاهر وبراءة حكم الظاهر، ولا يجوز التقليد في ذلك إلا من وجه ما لا يخرج على التقليد، وإنما يخرج على التصديق من الولاية، لمن تولاه العلماء، فإن الولاية بولايتهم على قول من أجاز ذلك، لا يخرج على وجه التقليد، إنما يخرج على وجه الدلالة، (2/143)
صفحة 372
-
وبكل حال لو أن العالم إذا لم يتول الضعيف بولايته، أو العالم إذا رفع إليهم الولاية فيمن تولى، ووقف عن ولايتهم من أجل ذلك، بعد أن لا يقفوا عنه بدين، ولا برأي، من أجل ولايته.
وكذلك لم يبرؤوا منه برأي ولا بدين، وتولوه فوقف عنهم إذ لم يتولوا مثل ذلك بولايته، كان ذلك غير واسع له معنا في الإجماع، فافهم هذه الفصول، فإنها عندنا مشبهة بالأصول، لقول أصحابنا، وما أشبه الأصول فهو لاحق بالأصول، والله أعلم بصواب ذلك كله.
باب
ما يجوز من التقليد وما لا يجوز
والقاذف من جميع عباد الله، ومن جميع خلقه من المتعبدين، من الثقلين من الجن والإنس، من عالم أو ضعيف خارج مخرج الدعاوى من جميع المتبرئين، ومن جميع القاذفين، ولا يقبل منهم ذلك، ولا يجوز اتباعهم عليه ولا تقليدهم فيه بان يخلع كخلعهم، ويبرأ كبراءتهم، ولا يكون في ذلك حجة لمن اتبعهم، ولا حجة على من سمعهم، ولو كانوا علماء كثيرين وبشرا كثيرين إلا الأنبياء - صلوات الله عليهم جميعا وسلم تسليما - فإنهم مقبول قولهم في جميع ما قالوا من الشهادة، ولازم أن يشهد كشهادتهم ويبرأ كبراءتهم، ويقول كقولهم، ويصدقوا في جميع ما قالوه من جميع ما أخبروا به من جميع ما خرج على سبيل الدعاوى من غيرهم، والشهادة من غيرهم، فالتقليد لهم في ذلك فيما قيل واجب جائز.
وأما سائر الخلق فمعنا أنه لا يجوز التقليد لهم في جميع ما خرج مخرج الدعوى، ولا يجوز أن يشهد فِي ذلك كشهادتهم، ولا في شيء منه، ولا يقال كقولهم، ولا يبرأ كبراءتهم على القطع والتصديق لهم فيه، ومن قلدهم في (2/144)
صفحة 373
-
ذلك كانوا قليلا أو كثيرا، علماء أو ضعفاء، مسلمين أو كافرين، مقرين أو منكرين، فهو مخطيء ضال عن حكم الدين.
وكذلك ما كان من أسماء الكفر الموجبة للبراءة على صاحبها المسمى بها البراءة والخلع من الأسماء المكفرات، فإذا كانت التسمية بها من المسمى بها للمتسمي بها، أو شيء منها الأصل في ذلك، والمراد به القذف، والخلع والبراءة، ولا يراد به الشهادة على المحدث على أنها واجبة عليه بحدثه، وعلى معنى الشهادة، وإنما هي على معنى القذف، فهي من جميع المتسمين بها لجميع من تسمى بها ممن لا يستحقها، فيما مضى عند من لم سمي بذلك معه بمنزلة القاذف، لا بمنزلة الشاهد.
والقاذف من جميع الخلق في الإجماع معنا يخرج مخرج المدعى، إذا لم يكن المقذوف الذي قذفه وليا للذي سمعه يقذفه من جميع الخلق، إلا مع من يعرف منه ما قد عرفه من الأسماء فإنه موافق له على ذلك، و إلا فالقاذف مع هذا مدع متبرىء بالقذف، والدعاوى، والمدعى فيما قيل أنه لا تجوز شهادته.
وكذلك في الإجماع أن المدعي لا تجوز شهادته في جميع ما كان مدعيا فيه، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه يرجع يقبل شهادته فيما كان فيه مدعيا فيه، ويثبت حكمه مدعيا أو يكون قاذفا خالعا لمن يتولاه، الذي سمعه من المتعبدين فيكون القاذف لوليه معه مخلوعا ومدعما، مبيحا من نفسه البراءة، ولا تجوز شهادته فيما يدعيه أبدا، وسواء كانوا علماء كما وصفت لك، أو ضعفاء قليلا أو كثيرا، فلا فرق في ذلك، والقول كله سواء، والحكم فيه سواء، ولا يجوز قول مدع ولا شهادة خليع، والفقهاء والعلماء في أحكام الدعاوى، والقذف وجميع الأحكام، والاختصام، وسائر الناس من الضعفاء سواء من المقرين والمنكرين والمسلمين والكافرين، ولا فرق بين علماء المسلمين ولا غيرهم في الأحكام، ولا في الدعاوى والاختصام، ولا (2/145)
صفحة 374
-
نعلم في ذلك اختلافا.
وذلك معنا حكم الإجماع، ولا فضل لعلماء المسلمين على سائر العالمين، إلا فيما جعل الله لهم من الحجة في الفتيا في أمر الدين، أو فيما جعل الله لهم من التسليط، فيما جعلهم حكاما فيه على العالمين، من شرائع أصول الدين، وأما سائر الحكومات فهم وغيرهم سواء، وسواء كانوا علماء في الدين، أو الأئمة المنصوبين للمسلمين، فكلهم سواء في الأحكام، في الدين الذي يكونون فيه خصوما أو مدعين، أو مدعى عليهم في أحكام الدين.
وأما الأسماء الموجبة للبراءة فيما وصفت لك وما يشبهه فإذا كانت التسمية بها المسمى من المسمى على وجه الشهادة عليه بالاسم الموجب عليه البراءة، ومعي أنه قيل: إن ذلك خارج على معنى الشهادة، وقيل: أنه قذف على حال، لأن الشهادة لا تكون إلا على الحدث لا تكون بالاسم، وإنما سمى الله - تبارك وتعالى - بهذه الأسماء في كتابه، وشهد عليهم بذلك - تبارك وتعالى-، بعد أن قص عنهم فعلهم، وأخبر بها، وشهد عليهم بها، ثم سماهم بالأسماء الخبيثة عليها.
ومعي أنه قيل: أنها تكون شهادة ممن شهد بها من العلماء البصراء باحكام الولاية والبراءة، والتوبات، واختلاف ذلك، وثبوت معانيه لأنه مأمون على أنه لا يسمى بهذه إلا من يستحقها معه في علمه وأمانته، ولا يكون شهادة الضعفاء الذين لا يعبرون ذلك، ولا يؤمنون على معرفة الأحكام الموجبة للأسماء على أهل الأحداث، وعلى قول من يقول أنها تكون شهادة على أنها تكون شهادة على الاطلاق، تدخل عليه العلة في الضعيف، إذ لا يؤمن على الأحكام في ذلك، ومعرفتها، ولا يثبت ذلك له إلا على التفسير فيمن يخرج ذلك منه، لاذا لم يكن يخرج ذلك على وجه الشهادة الثابتة، لم يتعر من أن يكون الشاهد بذلك إذا لم تجن شهادته أن يكون قاذفا مدعيا. (2/146)
صفحة 375
-
ويعجبني على الاختلاف في ذلك أنه إذا كان ذلك في العلماء خارجا مخرج الشهادة فيمن تجوز عليه الشهادة منهم أن لا يحتاج منهم إلى تفسير، وأن يقبل قولهم في شهادتهم على المشهود عليه بالاسم الموجب للبراءة، ولو لم يسموا بما يستحق ذلك الاسم من الأحداث، وأن لا يقبل من الضعيف في الشهادة بذلك إلا حتى يسمى ما كان حدثه فيراه المسلمون أنه مكفر، فيكون هم الحكام فيه بالاسم والبراءة.
ومعي أنه قيل: لا يقبل من الضعيف ذلك، ولو سمي مفسرا حتى يشهد الشاهدان منهم على تفسير الحدث، أنهما استتاباه من ذلك فلم يتب، ثم هنالك يقبل منهما، بحكم بشهادتهما.
ومعي أنه قيل: لا يقبل من الضعيفين الشهادة على الأحداث، ولو فسرا وشهدا، على أنه لم يتب بعد أن استتاباه، فلم يتب، وإنما يقبل في أحكام البراءة، شهادة من يبصر الولاية والبراءة، كما لا يقبل في الولاية والبراءة إلا قول من يبصر الولاية والبراءة، أعظم جرما وأشد حكما.
وأحسب أنه قيل: إن الضعيفين إذا شهدا بالاسم، وقالا: إنهما استتاباه من حدثه، فلم يتب أنه يقبل منهما، ولو لم يفسرا لأن الإصرار على جميع الأحداث الصغار منهم والكبار، وجب للكفر والفسق، والأسماء الخبيثة التي يسمي بها المحدثان فهما مامونان على هذا الخروج بصحة حكمه في قولهما بشهادتهما على المحدث.
وأحسب أنه قيل: إنهما لا يؤمنان على ذلك، لأن الضعيف لا يدري الفرق بين الأحداث حقها من باطلها، وبدعها من دعاويها، المحتمل فيها الصواب والخطأ، ولا مستحلاتها من محرماتها، وهو غير مأمون في قبول المحتمل منه على حال إلا على التفسير.
ويعجبني في الضعيفين أنهما إِذا شهدا باسم الكفر على وجه الشهادة، (2/147)
صفحة 376
-
ولم يفسرا الحدث أن لا يقبل منهما على من شهدا عليه، كان المشهود عليه له ولاية، أو لم تكن له ولاية، حتى يبينا الحدث، فإذا بينا الحدث، وشهدا به على القطع على المعاينة والسماع، وليان من المسلمين، أعجبني قبول ذلك من شهادتهما، إذا كان الحدث مكفرا لمن ركبه، ولو لم يقولا: أنهما استتاباه فلم يتب لأنهما قد وصفا وفسرا ما به يكفر المحدث إن كفر، أو ما يستتاب منه المحدث إن كان صغيرا، وعلى المشهود عليه وله ما يجب عليه في الحكم في المشهود عليه من الصغير والكبير، الذي يصح بشهادة الشاهدين، إلا على العلماء ني الدين من المسلمين، والأئمة المنصوبين فإنه لا يعجبني أن يقبل عليهم إلا شهادة العلماء، إلا أنه يعجبني منهما إذا شهدا على عالم أو إمام، وشرحا وفسرا ماذا أتى العالم أو الإمام، فلم أقبل شهادتهما عليه، وقد قاما بالشهادة ولا أبرأ منهما، ولا أقف عن ولايتهما، ولكني لا أجعلهما حجة على أحكام من هو فوقهما في الإسلام، ولا أترك ولايتهما إذا شهدا بما يجب عليهما في أحكام الإسلام.
وكذلك إذا شهدا بالاسم على الضعيف، أو على من لا ولاية له، إِذا لم يفسرا، لا تقبل شهادتهما في ذلك للعلة التي وصفت لك، ولا يترك ولايتهما إذا ثبت ذلك شهادة منهما، وأدرأ البراءة والوقوف لواجب حق الإسلام الذي لهما، ولا يعجبني أن أقبل منهما إِذا قالا: أنهما استتاباه فلم يتب، إذا لم يفسرا الحدث للعلة التي وصفت لك، ولا أترك ولايتهما، وليس كل منزلة شهد فيها الشاهد، فلم تقم شهادته لعلة عرضت في ذات نفسه، استحق بذلك ترك الولاية والبراءة معنا إذا ثبت له حكم الشهادة، إلا أنه لم تقبل شهادته من أجل أنه ليس بمامون، ولا عدل في ذلك.
كما أنه لو شهد أربعة غير عدول على مقر بالزنا وجاؤوا على وجه الشهادة لم يكونوا قاذفين في الحكم ولا وجب عليهم معنى الحد ولا التفسيق لأن الشاهد غير القاذف، وليس على أهل التعبد، ولا لهم أن يكتموا علم ما (2/148)
صفحة 377
-
تعبدهم الله بالشهادة به وعليه، إذا جاز لهم ذلك حتى يعلموا أنهم حجة وأنهم يقبل منهم ذلك وليس عليهم علم ذلك معنا، وعليهم القيام بالعدل بالشهادة التي وجبت عليه، فإن قبلت، فقد أداها وإن لم تقبل فقد أداها.
وكذلك لو كان الشهود على ذلك عبيدا مسلمين، أو من قد شهدوا بالزور، ثم تاب فجاء على وجه الشهادة فشهد بحدث من المكفرات، أو بزنا على أحد ممن لم تجز شهادته عليه للعلة التي عرضت له في الإسلام، أن لا تقبل شهادته لما عارض من أجلها، لم يكن معنا بذلك قاذفا ولا خالعا، وإنما هو شاهد لم تقبل شهادته، لما عارض له، وليس لتعديه وجه الحق والصواب في ذلك، فافهم ذلك إن شاء الله والله أعلم بالصواب.
ومن الكتاب: وأما الواحد فلا يقبل منه ذلك، وإن برىء ممن تولاه المسلمون استتابوه، فإن تاب وإلا برؤوا منه، وكذلك إذا وقف عن ولي المسلمين استتيب عن ذلك، فإن تاب، وإلا وقف عنه.
ومن شك من الأولياء في كفر من أظهر الكبائر وعمل بها، فقيل من أصاب الحرام في منزلة التحريم له، يقر أن الذي أصاب من ذلك حرام، وليس له ولي إلا ولي المسلمين، و همْ، فهذا إذا انتهك حراما وكفرا، في كتاب اللهّ، من أبصر هلاكه، فقد أصاب الحق، وأدرك الفضل، ومن ضعف وجهل، ولم يبلغ علمه ولا بصره، أنه كافر فإنه يسعه إذا كان رأيه رأي المسلمين، ووليه وليهم، وهو سائل طالب لرأي المسلمين، وأما إذا انتهك الحرام على استحلاله له، ودينونة به، فلا يعذر أحد أن يجهله، وإن لا يشك فيه إذا عرف أن الراكب لذلك دائن مستحل، لم يسع أحدا أن يشك في هلاكه.
قال غيره: أما الشهادة في حكم البراءة من جميع ما تحدثه أحكام البراءة بالواحد، فقد مضى القول فيه مفسره ولا يحتاج معنا إلى إعادة ذلك، ولا (2/149)
صفحة 378
-
نبصر له وجها يجوز فيه، والله أعلم.
وكذلك من برىء ممن تولاه المسلمون، فقد مضى فيه القول أنه قاذف عند من تولاه من المسلمين، إذا علم بولايتهم له، أو كان حكم ولايته لازما وهو معنا من الكبائر، فإن برىء منه قبل الاستتابة فقد قبل ذلك، وإن استتيب فحسن.
وقد قيل: إنه لا يبرأ من أهل الكبائر حتى يستتابوا إن أمكن ذلك، وأما الوقوف من أحد ممن تولاه المسلمون لمعنى، لا يصح عليه أن يصح معه منه ما يجب به ولايته، فليس عليه في وقوفه عن جميع العالمين باس، إلا ولاية من وجبت عليه ولايته، لغير حق، إذا تولى المسلمون أحدا من أوليائهم الذين هم أولياء له، ولم يصح عنده في وليهم ما تقوم به الحجة بثبوت ولايته عليه، بولاية عالمين من المسلمين، أو بما تقوم عليه الحجة بوجوب ولايته عليه، فلا باس عليه إذا تولى أولياءه من المسلمين، ولم يقف عنهم بدين ولا برأي، من عالم منهم، ولا بدين عن ضعيف، ولا برىء من أحد منهم برأي ولا بدين لأجل ولايتهم لمن تولوه.
وكذلك من صح معه ما تجب به ولايته، فضعف ولم يبصر الأحكام فيْ ذلك، فوقف عمن تولوه، ولم يكن منه شيء، مما وصفت لك من ولاية، أو وقوف من أحد منهم كان مسلما، وقد تولى من تولوا ما لم يكن وقوفه بعد قيام الحجة عليه، وقوف دين، عمن تولوا ممن قد صح عنده فيه، ما يجب فيه ولايته في الإجماع، فإذا صح معهم ما تجب به ولاية وليهم، الذي وقف عنه بالإجماع فوقف عنه بعد ذلك بدين، أو كان منه في أحد منهم بعض ما وصفت لك، لم يسعه ذلك بعد قيام الحجة عليه، ولا يضيق عليه إن وقف عن المتولي برأي على حال، فتولى المسلمين الذين تولوه، على ما وصفت لك إن شاء الله -تعالى-.
وأما حكم المستحلين وحكم المحرمين وحكم الاختلاف فيهم فمعي (2/150)
صفحة 379
-
أنه قد مضى القول فيما مضى من الكتاب، بما أرجو أنه لا يحتاج فيه على معنى ما يحتاج من تفسير هذا الذي ذكرنا إلى مستزاد، ولا تفسير إن شاء الله.
ومن الكتاب: وقيل: كل من علم الله أنه يرجع إلى الإيمان، أو يتوب من كفره، فهو عند الله مؤمن وله ولي، وكذلك أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- كانا في الشرك قبل أن يسلما، وهما مؤمنان وليان لله.
قال غيره: معي أنه قيل: في السعيد الذي قد علم الله -تبارك وتعالى -أنه سعيد من أهل الجنة، وأنه مؤمن يموت على إيمانه من أهل الجنة، وفي الشقي الذي علم الله أنه شقي من أهل النار، وأنه كافر يموت على كفره من أهل النار، هذا مؤمن سعيد، ولي لا يتحول في حال من الحال، عن ذلك الذي قد علم الله أنه يكون منه، وأنه كذلك، ولو عمل بالمعاصي من الشرك وغيرها فهو ولي مؤمن سعيد عند الله - تبارك وتعالى - وكذلك الشقي الكافر العدو لله، الذي في علمه أنه من أهل النار تكون منه الطاعة، وما يرضى الله من القول والعمل والنية، ما يستوجب به الولاية لأولياء الله، ويكون لهم به الإيمان في الأحكام، أن لوكانوا مؤمنين أنه كذلك عدو كافر، شقي لا يتحول عند الله -تبارك وتعالى-.
ومعي أنه قيل: إن السعيد عند الله في علمه إذا عمل شيئا من المعاصي التي يستوجب بها الكفر، استحق بها العداوة بالكفر، الذي قد حل فيه في وقته الذي حل فيه، وفي علم الله أنه سعيد يموت على الإيمان من أهل الجنة، وفي حال معصيته يستحق العداوة، وكذلك العدو الشقي عند الله الذي علمه أنه يموت شقيا كافرا، من أهل النار إذا أتى من الطاعة ما يكون به الإيمان في الحكم، أنه يوالي بما أتى من الطاعة بالطاعة التي حلت فيه، واستوجب بها الولاية في حكم دين الله، فهو ولي بما يستوجب به الولاية في حين ذلك مؤمن في حال إيمانه، وإن كان في علم الله شقيا كافرا.
ومعي، أنه قيل: إذا أتى السعيد الولي في علم الله شيئا من الكفر (2/151)
صفحة 380
-
والمعصية، الذي يكفر به الكافر، أنه يكون في ذلك الحال وليا لا يوالى، وكذلك العدو والشقي، إذا أتى شيئا من الطاعة و الإيمان الذي يستوجب بكماله حالة الولاية للولي، أنه يكون عدوا لا يعادى، إذ هو في علم الله عدو، فلا يوالى بهذه الطاعة، وإن كان بالطاعة وليا في الحكم فلا يعادى في حين ذلك فهو ولي لا يوالى وعدو لا يعادى، وكذلك الولي السعيد عند الله، ولي لا يعادى، وعدو لا يوالى، إذا كان منه ما يستوجب به العداوة للعدو، وعلم الله لا يتحول في خلقه - تبارك وتعالى-، وعلمه بالسعيد أنه ولي، وعلمه بأنه يأتي من المعصية الذي يكفر به العدو سابق لا يتغير، ولا يتحول، فعلمه أنه سعيد لا يتحول، وعلمه أنه يأتي المعصية لا يتحول، وعلمه بثوابه لا يتحول، وباسمائه المستحق لها ويستحقها في الدنيا والآخرة لا يتحول.
باب
ثبوت معنى الأمة
والأمة في كل شيء من الأشياء المنفرد به دون غيره، الثابت له حكمه من قليل أو كثير، ولو كان واحدا فهو (أمة)، في ذلك الشيء القائم به، المنفرد فيه، ولو كانوا كثيرا فهم (أمة) وليس معنى (الأمة) الكثيرة، وإنما المعنى في (الأمة) الخلوص بالشيء، فمن ذلك قوله -تبارك وتعالى -: إنَّ إبرَاهِيم كَانَ أمةً قَانِتاً للّهِ حَنِيفَاَ وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركِينَ) (1). فكان وحده (أمة) في قومه، محقا منهم دونهم كان (أمة) منهم.
وكذلك المحق في كل عصر وزمان، وكل شيء خاص أو عام، فهو (أمة) فيه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في قيس بن ساعدة: "إنه يحشر
__________
(1) - الآية 120 من سورة النحل. (2/152)
صفحة 381
أمة واحدة" إذا كان محقا في زمانه وأحسب أنه أراد هذا كذلك، يروى عنه أن المحق أمة، ولو كان واحدا على رأس جبل، وكذلك يروى عن ابن عباس نحو هذا أن (الأمة المحق ولو واحد على رأس جبل)، وكذلك المبطل بالشيء المنفرد بباطله عن غيره يكون (أمة) فيه.
فالأمة أمتان: أمة صدق، وأمة فسق، وكذلك أمة باطل، وأمة حق.
والمعنى في الأمة الخلوص بالشيء من الخالص له، دون غيره، فافهم معنى (الأمة)، وكذلك يروى عن الله -تبارك وتعالى -: "لا يعذب أمة محمد بنار جهنم"، فهو حق وصدق وأن الله لا يعذب المحق بنار جهنم، ولا يكون أمة محمد إلا من أمة، وكان مثله على سبيله والمأموم مثل الإمام، ومن أتم أحدا فهو مثله فيما أمه فيه، لأن الإمام متبوع، والمؤتم به له تابع.
والأمة الاجتماع للإمام والمأموم، فالحق جامع لهم كلهم، إِذا كانوا محقين وهو إمامهم، والباطل إمامهم كلهم وهم أمته، لأنهم كلهم أمّوه فهم أمته وهو إمامهم، فافهم معنى الأمة، فإن القول فيها في جميع ما صح فيها من الروايات من قول رسول الله، و من كتاب الله، أو من الآثار المجتمع عليها، فإنه يخرج ذلك على تأويل الحق على ما وصفت لك، لا على تأويل الضلال، وكل من قام على أحد بحق من الله فكان عليه فيه حجة، أو له فيه حجة فهو له إِمام فيه، وعليه إمام، وهو أمة له، فكما كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمة في ذلك الشيء، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم أمة فيما خص به، وكما كان أصحابه أمة فيما خصوا به، وكما كان التابعون لهم كانوا قليلا أو كثيرا أمة، والأمة تخص وتعم كسائر الأشياء الخاصات والعامات، فافهم ذلك وبالله التوفيق.
وانظر في معنى ما وصفت لك من جميع ما لا تقوم به الحجة إلا بالسماع، أو ما أشبهه إلا ما خصه الله من بمِنَةٍ، وفيما وصفت لك مما تقوم به الحجة بشهادة العقول، واجعلهما أصلين يُحتذىَ بهما وُيقتدَى بهما، ويجعل كل (2/153)
صفحة 382
-
شيء جاء من أحدها في موضعه، ولا يختلط عليك حكمهما، ثم انظر حكم جملة ما جاء من أصل ما لا تقوم به الحجة إِلا بالسماع، كيف قيل فيه أنه تقوم به الحجة من عبارة كل من عبره، ومن ذكر كل شيء من ذكره، إذا عرف معناه المبتلى به وأبصره، لأنه فيما قيل لًاحِقٌ بحكم صفة الله، إلا أنه لا يقدر عليه إلا بالعبارة، وكان كل من عبره حجة فيه، إذ لاحق بحكم صفة الله من العقول، وذلك قوله - تبارك وتعالى -: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير) (1).
وقوله - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) (2).
وقوله: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) (3).
وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) (4).
فأوجب الإيمان برسوله، مع الإيمان به، وأوجب الإيمان بما جاء به رسوله مع الإيمان به، والتصديق به والطاعة له، والطاعة لرسوله.
وقال تعالى: ومن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللّه وًمَن تَوَلى فَماَ أرْسَلْناَك عليْهِم حفيظَا) (5)
__________
(1) -8 من سورة التغابن.
(2) -136 من سورة النساء
(3) -92 من سورة المائدة.
(4) -64 من سورة النساء
(5) -80 من سورة النساء (2/154)
صفحة 383
وقال: (قل أطَيعوا اللّهَ وَأطِيعوا الرَسُولَ فإن تَوَلوَا فإنما عليهِ ما حُملَ وَعليكم ما حملتم وَإن تطيعوه تَهْتدوا وَما عَلَى الرسُول إلا البلاغُ الْمبُينُ) (1).
وقال مع ذلك موجبا لطاعة أوليائه في طاعته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (2).
فثبت فيما قيل في تأويل هذه الآية، أن أولي الأمر هم حكام العدل من الأئمة والعلماء المحقينْ من الأمة، وقد بينتُ لك أن العلماء مختلفون، وكلهم علماء إذا كانوا محقين، فيما قاموا به من العلم، فإذا ثبت له التصديق والثقة عند من أقام عليه بالحق من العلم فيْ دين الله، ولو لم يعلمه بذلك سواه من الخليقة، وثبت معه له العلم، بشيء من دين الله بخبرة أو شهرة، ولو لم يعرف ذلك غيره من الخليقة فهو من الأئمة عليه في ذلك الشيء بعينه، فهو الحجة عليه في ذلك الشيء بعينه، وهو الأمة عليه في ذلك الشيء بعينه، إذا كان من دين الله، مما هو تقوم به الحجة عليه بالعبارة، ولو لم يعلم ذلك من غيره من العلماء، وليس له أن يجهل حجة الله إذا قامت عليه، كما لم يكن للجهال أن يجهلوا حجة الله -تبارك وتعالى - التي قامت عليه لمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به عنه من تنزيل، أو تأويل للتنزيل، ولو جهل جاهل ذلك لم ينفعه جهله، وكان محجوجا مقطوع العذر.
ولا تختلف أحكام دين الله، وليس لعدم أنبياء الله -صلوات الله عليهم - والرسل في الفترات سوى نزول أحكام شواهد حجج الله على من جهل دينه، إذا قامت عليه الحجة به كائنا ما كان القائم عليه، إذا نزل بمنزلة الحجة.
__________
(1) -54 من سورة النور
(2) -59 من سورة النساء (2/155)
صفحة 384
باب
معاني الإمام وحدثه
وأما الإمام المنصوب للإمامة، فإذا ركب حدثا مكفرا من موافقة الكبيرة، أو إصرار على صغيرة، فلا بد من استتابته ومناصحته، ولا يخلع من الإمامة إلا بعد ذلك، ولا يعجبني على حال في الإمام أن يبرأ منه إللا بحال تزولا به إمامته، وهو بعد الاستتابة.
ومعي أنه قيل فيه ذلك خاصة أنه لا يبرأ ولو ركب حدثا مكفرا، إلا بعد الاستتابة دون غيره من الأولياء، أو غيرهم من الناس، مع صاحب هذا القول.
ومعي أنه قد قيل: أنه كغيره إذا ركب كبيرة، أو أصر على صغيرة، أنه يبرأ منه قبل أن يستتاب، ثم يستتاب، ولا بد من ذلك فإن تاب رجع إلى ولايته، وكان على إمامته، وإن لم يتب انخلع عن الإمامة، ومضى المسلمون على البراءة منه، فإن لم يقدموا غيره من الأئمة حتى تاب من حدثه ذلك، ورجع، فهو الإمام، ولا يقدم عليه غيره، ولا أعلم في ذلك اختلافا، ما لم يعزلوه عن الإمامة أو يقدموا إماما غيره، أو يقتلوه على محاربته، فما لم يكن هذا، ثم تاب من حدثه ذلك من جميع ما أتى مما يلزمه منه التوبة، رجع إلى إمامته، إلا أن يكون حدثه حدا من الحدود، ويجب عليه به حد من حدود الله، من قذف أوزنا أو شرب خمر، أو شيء مثل ذلك فإنه إذا كان حدثه حدا من حدود الله، فقد قيل: إنه تزول إمامته، ولو تاب لأنه يقدم عليه إمام غيره، يقيم عليه الحدود لأن الحدود قيل: لا يقيمها إلا الأئمة، ومن أجل ذلك قيل: إن إِمامته تزول، ولو تاب ويقدم إمام يقيم عليه الحدود، ويكون الإمام هو الإمام. (2/156)
صفحة 385
-
وأحسب أنه قيل: إنه لا يرجع إلى الإمامة بعد أن يكون محدودا، ولو مات الإمام الذي تدم عليه، أو عزل بحق، فلا يرجع هذا المحدود يكون إماما للمسلمين.
وأحسب أنه قيل: إنه لا يجوز أن يكون إماما للمسلمين بعد ذلك، إِذا تاب وأصلح، وكان ذلك في حالة الرضى.
وكذلك معنا أنه يختلف فيه إِذا كان محدودا غير هذا الإمام أنه قد قال من قال: إنه لا يجوز أن يقدم المسلمون إماما، إذا كان إماما محدودا.
وقيل: يجوز ذلك إِذا تاب وأصلح، وقد صار بحد من يجوز شهادته، وثبتت ولايته من المسلمين، وكذلك إن كان حدثه شهادة زور، فمعي أنه قد قيل: تزول إمامته ولو تاب لأنه لا تجوز شهادته إذا كان قد حكم بشهادة في شيء من الأحكام، مما يحل به حراما، أو يحق به باطلا في أمر الدين، أو في حكم ثبت من أحكام المسلمين ممن يجوز حكمه بالرأي، ويثبت على المسلمين.
وكذلك قيل: إنه لا يجوز أن يكون إماما على الابتداء إذا كان شاهد زور.
وقيل: إنه لا باس بذلك، وتجوز شهادته وتثبت إمامته، وشهادة الزور كغيرها من المعاصي، فإذا تاب منها صاحبها، كان له ما للتائبين من إجازة الشهادة، وثبوت الولاية.
وقيل: تثبت ولايته، ولا تجوز شهادته، يعني بذلك شاهد الزور، وحكم الكتاب يقضي بإجازة الشهادة لأهل الرضى من المسلمين، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وما أثبته الكتاب باصل، فلا يزول إِلا باصل من الأصول. (2/157)
صفحة 386
-
ويعجبني أن تجوز شهادة التائب المصلح، وأن يكون له جميع ما للمسلمين من ثبوت الولاية، واجازة الشهادة، ولزوم إلامامة إِذا كان من أهل ذلك في الدين، إلا ما كان منه من الذنب الذي قد تاب منه، وأصلح، والله أعلم، لئلا يخرج حكمه من جملة أحكام المسلمين، إِلا بدليل ثابت من أصول الدين، كما يثبت حقه في حكام المسلمين، في أصل الدين، إذا كان حرا مسلما، ليس به من القائم فيه من العلل، التي تزول بحكمه إلا ذنبه التائب منه، لثبوت حكم التائب من الذنب، أنه كمن لا ذنب له، في الكتاب والسنة و الإجماع، فنقْضُ حكمه بوجه من الوجوه، لا يثبت عندنا، على الإطلاق إلا بحجة معروفة.
باب
صفة الولاية لأئمة العدل و البراءة
من أئمة الجور
واعلموا أن الأئمة لا يسع جهلهم من كان في مملكتهم ويبصرِهم، ولا ينفك أهل مملكتهم فيهم من أحد أمرين: إما أن يدينوا لله بولايتهم، وإما أن يدينوا لله بعداوتهم، ولا يحل وقوف عن إمام مع رعيته لأن الرعية تلزمهم الطاعة للأئمة، فريضة على من وجبت عليه تلك الفريضة، كما فرض عليه صلاة الظهر بتمام وضوئها، وركوعها، وسجودها، من كتاب الله -تعالى - حيث يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (1)
__________
(1) -59 من سورة النساء (2/158)
صفحة 387
-
فهم أئمة العدل، فيلزم الناس الطاعة لأئمة العدل، ما أطاعوا الله ورسوله، و عملوا بكتابه، ولم يحرِّفوا تأويلا، ولم يدعوا الطاعة على معصية، فإذا عصوا الله فلا طاعة لهم في أعناق الناس، بل يلزم الناس خلعهم ومحاربتهم حتى يرجعوا إلى حكم كتاب الله، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك يروى عن أبي بكر الصديق - رحمه الله - أنه قال في خطبته حين وِليَ أمر الناس: يا أيها الناس، إني وليتكم، ولست بخيركم، فاطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.
وطاعة الله ورسوله أن يسير فيهم بحكم كتاب الله، وسنة نبيه، فاذا سار الإمام في رعيته بحكم كتاب الله، وسنة نبيه، لزمهم الطاعة له والولاية، فإذا خالف حكم كتاب الله أو سنة نبيه فلا طاعة له عليهم.
ولو كان الأئمة إنما تلزم طاعتهم، والتسليم من صح معه عدلهم على سبيل صحة عدله، ما تثبت إمامة عدل إلا مع من كان يتولاه، قبل عقد إمامته، حتى يصح معه بعد عقد إمامته صحة عدالته، و لجاز له أن يمتنع من طاعته، ولا يلزمه التسليم لحكمه حتى يصح معه عدالته واذاً لكان لهذا الذي قد صح معه أن عمر بن الخطاب -رحمه الله - من الأشقياء، أن يمتنع عن التسليم والرضى بعقد إمامة عمر بن الخطاب، والخروج من الرضى بحكمه، بل لو فعل ذلك ورد إمامة عمر بن الخطاب، لوجب على المسلمين قتل هذا الممتنع عن الرضى بعقد إِمامة عمر بن الخطاب، وقد كفر هو عند الله إذا امتنع عن طاعة من أمر الله بطاعته إذا سار في أهل مملكته بالحق وحكم بالعدل.
واعلموا أن المتولين لعقد الإمامة من فقهاء المسلمين، إذا كانوا اثنين فصاعدا في عسكر المسلمين، كولي المرأة الواحد الذي معه جماعة من الأولياء، مثل هذا الواحد في الولاية والنسب إليها، فإذا زوج منهم ولي واحد دون رأي الباقين منهم، ثبتت عقدة التزويج، وإن كره الباقون من أوليائها، (2/159)
صفحة 388
-
وكان على جميع أوليائها، وإن كرهوا التسليم و الرضى لعقدة التزويج، فمن امتنع منهم عن الرضى بذلك، حكم الحق عليه بذلك صاغرا، وكذلك إذا شهد الإمامة اثنان فصاعدا من أعلام المسلمين في عسكر المسلمين، فبايعوا إماما على الحق، فهن كره ذلك وامتنع عن الدخول في طاعة الإمام من أهل مملكته، كان الممتنع عدوا وحربا للحق وأهله، وعلى هذا أجمع فقهاء المهاجرين والأنصار، وهم الحجة التامة البالغة لله على عباده بعد موت نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والتابعون لهم بإحسان هم الحجة البالغة لله على الناس بعد موت المهاجرين والأنصار، فمن اتبع سبيل المهاجرين والأنصار ولم يغير ولم يبدل، من أحمر وأسود من الناس، فهو على عباد الله لله حجة إلى يوم القيامة.
والشاهدون لعقد الإمامة على هذه الصفة، إذا صح معهم أن عقدة إمامة الإمام على هذه الصفة، لم يسعهم الشك في ولايته، ولا الامتناع عن طاعته، من حين ما علموا بذلك، ولو كان الإمام والمتولون لعقدة الإمام على هذه الصفة زنادقة في سريرتهم، فكل من صح معه عقد هذه الإمامة، لزمه طاعة هذا الإمام وولايته، وكل من لم يصح معه عقد إمامة هذا الإمام، ولم تبلغه دعوته ويجري عليه حكمه وسيرته، فإذا بلغته دعوته، وجرى عليه حكمه وسيرته، لم يسعه جهل ولايته.
وإنما قامت الحجة على الناس للأئمة ممن لم يشهد عقدة إمامتهم بعدل سيرتهم، وبجور سيرتهم، وإنما الحجة على الناس ني عقد الإمامة أن لا يمتنع أحد عن طاعة ذلك الإمام، إذ قد أجمع على ذلك المهاجرون والأنصار الذين فرض الله اتباعهم بإحسان فلا يحل لأحد أن يخالف سبيل المهاجرين والأنصار لأن المهاجرين والأنصار لما قبض الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقع بينهم كلام فيْ عقدة الإمامة، حتى قال الأنصار لإخوانهم من المهاجرين: منا أمير، ومنكم أمير.
وقد بلغنا أنه أول من ضرب على يد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه – (2/160)
صفحة 389
-
عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، وقد كان كثير من المهاجرين والأنصار يحبون -على ما بلغنا-تقديم علي، فلما سبقت البيعة لأبي بكر، لزم الجميع -عليا وغيره - الدخول في السمع والطاعة، لأبي بكر، وأجمعوا على إِمامة أبي بكر الصديق من بعد إذ كادوا مختلفين، فمن الله عليهم بالاجتماع على الحق، ورحمهم من الفرقة، فعقدوا الإمامة لا شك لأبي بكر في ثبوتها على ما وصفنا، والحجة القائمة على الناس للإمام وطاعته على ولايته عدل سيرته على رعيته، على من لم يصح معه عقد إمامته، وكذلك الحجة القائمة على الناس في خلع الإمام جور سيرته في رعيته على من صح معه عقد إمامته، وعلى من لم يصح معه عقد إمامته، فإذا سار الإمام في رعيته بالعدل وجب عليهم ولايته وإذا سار فيهم بالجور وجب عليهم خلعه.
ولا بد لسيرة الإمام في أهل مملكته من أحد أمرين: إما سيرة جهل، وإما سيرة عدل، فإذا ظهرت منه السيرة فيهم بالعدل لزمتهم ولايته، ولا يسعهم جهل بولايته، ولا تركها، ولا بجهل ما يلزمهم من طاعته، ولا تركها كذلك إن سار فيهم بشيء من الجهل ما يخالف حكم العدل، ولو في باب واحد من أبواب الجور، لزمهم خلعه ومعاداته، إن لم يتب.
وجاء الأثر بان البراءة وحد السيف معا، وتأويل ذلك أنه لا تحل البراءة من إمام عدل، ولا من إمام جور إلا مع استحلال دمه ومحاربته، ومن امتنع عن الحق وأقام على الجور، ولو في باب واحد من الحق، وجب على المسلمين معاداته وحربه، إذا قدروا على ذلك، وإن لم يقدروا على ذلك برئوا منه في سريرة للتقية.
والتقية على وجهين: وجه منها من أجل خوفك للجور، والوجه الأخر منها من أجل مخالفتك للحق، ومعاداتك للمسلمين.
وأما الوجه الذي يستحق من أتاه عداوة الله، وعداوة المسلمين، فإظهار البراءة من إمام عدل قد علم منه هو مكفرة، ولم تظهر تلك المكفرة من (2/161)
صفحة 390
-
هذا الإمام، ولم يصح عند أعلام المسلمين من أهل مملكته، وأهل الجماعة من أرضه وقريته التي فيها نازل، فهذا الإمام الذي قد كفر في سريرته، وقد اطلع هذا على مكفرة منه، فعليه أن يبرأ منه لله في سريرة إلا أن يتوب، وحرام عليه أن يبرأ منه علانية عند أحد من أهل مملكته، إلا مع من قد علم أنه قد اطلع منه على تلك المكفرة، فهذا يحل له أن يبرأ منه مع هذا الذي قد اطلع منه على تلك المكفرة، ولو كان الإمام قد تاب من تلك المكفرة عند هذا الذي قد علم منه ذلك، فلا يحل لهذا أن ينكر على هذا المظهر البراءة من هذا الإمام، إذا ظهر البراءة منه بالحدث الذي قد علمه هو منه، وتاب منه، إلا أن يحضره بشاهدي عدل، إن هذا الإمام قد تاب من ذلك الحدث، فإن أحضره شاهدي عدل، فشهدا أن الإمام قد تاب من ذلك الحدث، حرمت عليه البراءة من هذا الإمام، ووجبت عليه ولايته، فإن هذا المتبرىء من الإمام لم يترك البراءة من الإمام، ورجع يبرأ منه عند هذا الذي قد أقام عليه البينة، أن الإمام قد تاب من ذلك، فقد خالف الحق من ذلك، ولزم هذا أن يبرأ لله منه، إلا أن يتوب، وإن كان هذا الذي قد علم من الإمام الحدث بما أظهر هذا المتبرىء البراءة من الإمام بحضرته، أنكر عليه براءته من الإمام، وبرىء منه على ذلك.
وإن ادعى الإمام أنه قد تاب من ذلك الحدث، لزم هذا الذي قد أظهر البراءة من الإمام عنده أن يبرأ لله منه أيضا، إذا برىء منه على غير الحق لأنه قد قامت عليه الحجة بعلمه بحدث الإمام، فإن أظهر هذا المتبرىء البراءة من الإمام، مع من لم يعلم من الإمام حدثا، لزم هذا الذي علم من الإمام الحدث.
وأما بقية الجور فإذا ظهر جور الإمام على أهل الحق، جاز للمسلمين أن يبرؤوا منه لموضع التقية، إذا خافوا على أنفسهم باس جوره، وإنما لزم الناس العوام منهم موالاة الأئمة، بما ظهر من عدل سيرتهم، وعدل دينهم، (2/162)
صفحة 391
-
كذلك لزم العامة البراءة من الأئمة، بما ظهر إليهم من جورهم ومخالفتهم للحق.
وليس على الناس أن يدينوا في الناس في الأئمة ولا غيرهم، في أمر الولاية والبراءة، إلا بما ظهر إليهم منهم، وقد صح عندهم، ولو كان الإمام، لعله الذي سار بالعدل في رعيته زنديقا في سريرته، فحرام على الناس ترك ولايته والشك فيها، وحرام على من علم أنه زنديق أن يظهر البراءة منه مع أحد من رعيته، ولو كان الذي أظهر البراءة من الإمام لا يعلم أنه منخلع عن الدين، فهو عند الله خليع.
كذلك السائر بالجور لو كان من أهل الجنة، قد صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع من صحت لوجب على المسلمين خلعه، وعداوته، وفعْله، ومحاربته حتى يرجع عن الباطل إِلى الحق، وقد بلغنا أن عمار بن ياسر- رحمه الله -أنه قال في خروج المسلمين إِلى حرب أهل الجمل: والله إنا لنعلم أنها زوجة النبي، وأنها من أهل الجنة، ولكن لا ندع الله يُعْصَ، ثم تعمد برمحه فطعن به هودجها، وما أراد عندنا إلا قتلها، إِذا كان قتلها حدا يقام لله، وكان ترك قتلها في حينها بعد أن يقدر عليها خِطْئا وضلالا.
كذلك عثمان بن عفان لما زالت إمامته، وامتنع عن التوبة والاعتزال عن الإمامة، حل قتله للمسلمين، وإن كان على ما يقال: أنه قد صحت سعادته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن ندين لله أنه إن كان عثمان بن عفان من السعداء فإنه قد تاب من ذنبه الذي قد ظهر إلينا منه.
فإن قال قائل: فيحل قتل من صحت سعادته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا له: نعم يحل قتله، ونشهد له بالجنة، كما أن إبراهيم خليل الرحمن -صلوات الله عليه - لما أمر بذبح نبي من الأنبياء، وولي من الأولياء، فقد صح معنا في كتاب الله - تبارك وتعالى - قوله: (فلما أسلما وتله (2/163)
صفحة 392
-
للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين) (1).
فلو أن إبراهيم ترك ذبح إسحق (2)، إذ قد صح معه أن إسحق من الأنبياء لكان إبراهيم بذلك من الأشقياء ولكنه محال أن يخالف إبراهيم أمر ربه، وقد سبقت له عند ربه الحسنى، ولكن قد صح معنا أنه ابتِلي بذلك، ليعظم أجره على الله.
كذلك المهاجرون والأنصار، إن كانت قد صحت عندهم سعادة عثمان بن عفان، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا شك بأنهم امتحُنوُا بخروجه عن الحق، لينظر كيف يعملون، وما كان ذلك إلا بما سبق من علم الله، فلا محال عما علم الله، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (ثُمِّ جَعَلنَاكم خَلَائِفَ فِي اْلأَرْضِ من بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كيْفَ تَعْملوُنَ) (3).
فقد صح معنا أنه عالم بالأشياء قبل كونها، وبعد كونها، وعالم بما لا يكون، أن لو كان، كيف كان يكون، فتدبروا ما وصفنا لكم من الولاية والبراءة في الأئمة، مع أهل مملكتهم، وفي أهل رعيتهم فانه الحق والهدى والصراط المستقيم.
باب
صفة من سلف من الأئمة والبراءة منهم
واعلموا أنه من لم يمتحن بطاعة إمام من الأئمة، ولم يدرك زمانه فهو يسعه جهل ولايته وعداوته، إلا أن يصح معه من أمره ما تثبت به ولايته، فعليه أن يتولاه، أو يصح معه ما تجب به البراءة، فعليه أن يبرأ منه، وليس
__________
(1) - (103) من سورة الصافات.
(2) - الوارد في السير والتفاسير أن الذبيح إسماعيل عليه السلام وأن الادعاء بأنه إسحاق محاولة يهودية حاولوا أن يبثوها حسدا من عند أنفسهم.
(3) -14 من سورة يونس. (2/164)
صفحة 393
-
عليه أن يسأل عن أمر عدله دائنا بالسؤال ليتولاه.
وكذلك لا يجب عليه أن يسأل عن فسقه دائنا بالسؤال منه، فلا يحل له ذلك، وإنما يلزم في الأئمة السالفين، مثلما يلزم في غيرهم من الرعايا، إلا أن الأئمة أشهر اسما من الرعايا، فثبتت ولاية المسلمين على من علم من المحقين منهم لموضع شهرة عدلهم كذلك ثبت على المسلمين البراءة من المبطلين منهم، لموضع شهرة كفرهم وجورهم.
وإنما على الناس في الأئمة السالفين، ما عليهم في الرعايا، من بلغ علمه إلى معرفة عدالة إمام ممن سلف، فعليه أن يتولاه وليس على كل من لم يعلم عدل سيرة ذلك الإمام أن يتولاه، إِلا بوجه الحق.
كذلك ليس على من لم يعلم فسق إمام ممن سلف أن يبرأ منه، إذ قد علم فسقه من علم من المسلمين، وبرئوا منه على ذلك، وإنما على الناس في الأئمة السالفين، أن يكون كل واحد منهم فيهم بما يعلم منهم، وإنما جاء الأثر أن الأئمة لا يسع جهلها خاص لأهل رعية الإمام على ما وصفنا في أمر الأئمة، ولولا ذلك كذلك، حتى يلزم الناس فيمن مضى من الأئمة، ولم يدركوا زمانه، كما يلزمهم في أئمة زمانهم المالكين لأمرهم، والقائمين على مصرهم، والمشاهدين لهم في عصرهم، إذا ما قام مسلم بذلك، ومحال أن يكون في حكم الشريعة، ما لا يكون أن يقوم به مسلم، وكما لا يحصي عدد ورق الأشجار، كذلك لا يحصى عدد الأئمة من بار وفاجر، فتدبروا -رحمكم الله – ما وصفنا لكم من الحكم في الولاية والبراءة، في الأئمة المشاهدين لأهل زمانهم، والأئمة السالفين، وسيروا في الناس بالعدل، ولا تكونوا من الجاهلين. (2/165)
صفحة 394
باب منازل ما يستحق العبد في حكم الإسلام
هي منازل ثلاث: أمر بَانَ لك رشده وفضله فاتبعه، وأمر بَانَ لك غَية، فاجتنبه، وأمر لم تعرفه فقف عنه حتى يستبين لك الصواب فيه.
قال غيره: نعم أما ما بان لك رشده فواجب وصواب أن تتبع من جميع الأمور من ولاية أو غير ذلك من الرشد والفضل، ولا يكون ذلك في أحكام الولاية والبراءة، ولا يجوز على حال ممن هو دونهم من ضعفاء المسلمين، ولا تجوز الشهادة على حال، على العلماء السالفين ولا الأئمة السالفين من الأئمة في الدين، من ضعيف أو عالم، ولا تقبل عليهم شهادة أبدا بعد موتهم، لأنهم قد ثبت لهم حكم الإسلام حتى ماتوا عليه في حكم الظاهر، فلم ينقض عنهم أبدا حكم ما ماتوا عليه ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعي أنه يختلف فيما دون ذلك، ومن لم يثبت له اسم ولاية في الدين من الموتى السالفين فمعي أنه قيل: لا تجوز الشهادة بحكم حدث مكفر على أحد ميت، قد مات قبل أن يجب عليه حكم ذلك، ولا تقبل عليه حجة ولا شهادة بعد موته في البراءة، مما يحول اسمه، وينقض حكمه الذي مات عليه بحال من الحال من شاهد ومن عالم أو ضعيف، ولو شهد عليه ألف عالم، أو أكثر من ذلك أو أقل، لم يكن ذلك بلازم منه على من شهدوا معه به، ولا من أحد من الخليقة من بعد موته، وزوال حكمه، إلا بما قد ثبت عليه في حكم حياته، مما يصح عليه مع أحد من طريق حكم الشهرة، ولا يؤجل إلى البراءة من ميت، لشيء من الشهادة على حال، إلا من طريق صحة الشهرة، بحدثه المكفر له، فإنه إذا ثبت عليه ذلك من طريق الشهرة، فذلك يقوم مقام العلم في الحكم والمعاينة. وقد قيل: إنه أصح من المعاينة. (2/166)
صفحة 395
-
ولا أعلم أنه يختلف في ثبوت صحة الشهرة لحدث المحدث مما يصح حدثه بالشهرة، ومعى أن ذلك مما يقع موقع الإجماع، لأنه لا يجوز في حكم الشريعة عندي غير ذلْك، لأنه إذا جاز بطلان ذلك جاز بطلان حجة العقل فيما يشاهد من الصحيحات، وإذا ثبت ني شيء لم يجز إلا أن يثبت في غيره، إذا كان مثله، فإذا ثبت في معرفة الأحداث في أحد من المحدثين، جاز في صحة ذلك في المسلمين، وإذا جاز ذلك في المسلمين جاز ذلك في النبيين والمرسلين والكتب والملائكة المقربين، وإذا جاز ذلك في الرسل والملائكة والكتب، جاز في صفة رب العالمين -تبارك وتعالى- إذا صحت في العقول، فحكم العقول وشهادة العقول أثبت الأدلة، وأقوى الحجج، من المسموعات والمعاينات.
فمن هنالك ثبت في الإجماع أنه ما مات عليه الأئمة والعلماء من طريق صحة الشهرة، لم يقبل فيه غير ذلك من الشهادة، لأن الشهادة إِنما تخرج من طريق حكم التقليد للشهادة، والشهرة تصح بعلم المشاهدة، وليس للمشاهد للعلم أن يرجع إلى علم غيره، من صدقه أو كذبه، ومحال أن يكون ما أدته الشهرة الصحيحة أن يعارضه غيره من الأضداد فيكون صحيحا مثله.
ومن طريق صحة الشهرة دون الشهادة، وبطلان الشهادة عند صحة الشهرة، وإجماع القول على أن ذلك لا يختلف فيه، في الأئمة والعلماء السالفين، أشبه عندي في غير العلماء والأئمة من المسلمين، ولا ينقض اسمه من الذي قد ثبت له حكم الشهرة، وحكم ما توجبه الشهرة فلا تنقض فيه شهادة، لأن الشهادة في الأصل ليست مساوية للشهرة، للعلة التي تثبت، لأن علم الشهرة موجب لعلم المشاهدة وأوجب، ولا يجوز في شيء من الأمور ترك المرء علمه في شيء يقبل ضده من غيره، وهذا باطل في الأصل، وفي حكم الأصل. (2/167)
صفحة 396
-
وإذا ثبت في المسلم أنه لا يحول اسمه عما مات عليه بحكم الشهرة، فكذلك مثله، فيما لم يثبت له اسم الكفر، وثبت بريئا من الكفر حتى مات، لم يجز بضد العلم أن يرجع العالم بحكمه وعلمه إلى علم غيره، ولا حكم غيره، تنقض الأحكام إلا بالحجج الثابتة في الإسلام.
فإذا ثبت في الموتى أن لا تقبل فيهم شهادة في الحدث الموجب للبراءة لزوال الحجة عنه، وثبوت حجته على غير ذلك، فكذلك في الغائب عن سماع الحجة عليه من الشهادة والحجة عليه بعد الشهادة، فيما يوحب ذلك.
ومن هنالك ثبت في بعض ما قيل: إنه لا تجوز الشهادة في الحدث الموجب للبراءة إلا بحضرة المشهود عليه، ففي ثبوت هذا تعليل لجميع ما قيل، من قبول الشهادة على أحد من الموتى.
وفي الإجماع على أن ذلك لا يقبل في العلماء والأئمة يوجب ذلك في غير الأئمة والعلماء، لئلا تختلف الأحكام فيْ شيء من أحكام الإسلام، فيما كله خارج مخرج الدعوى والاختصام، ولا يختلف ذلك فيْ شىء غيره، ولا يجوز الاختلاف في الأحكام في الدعاوى والخصمومات، من أجل حق لمسلم، وسقوط ذلك عن ظالم، وهذا من الحيف.
وقد جاء في الأثر المجمع عليه، أنه ليس في ديننا حيف لمسلم من أجل حبنا وولايتنا إياه، تساوي فيها بين أهل الإسلام وغيرهم من الأنام ولا تختلف، فثبت في حكم الإجماع، ومن ثبوت الإجماع أنه لا يقبل ذلك في الأئمة والعلماء السالفين، وذلك يشبه الإجماع، فمن سواهم من العالمين، لأنه متى أطلق في غير الأئمة قبول الشهادة، لم يجز ذلك بعد الموت، إلا على أحد وجهين معنا إما أنه يطلق له أن يقبل الشهادة في كل من شهد عليه معه، حتى يعلم أن المشهود عليه من الأئمة، فيجب أن يكون قد أطلق في الأئمة، لأنه إذا كان لا يعلم الأئمة جاز له قبول ذلك فيهم حتى يعلمهم، وبطل القول إنه ليس له أن يقبل فيهم الشهادة ثم أجاز أن يقبل في غيرهم، حتى يعلم أنهم هم فيقبل فيهم حيث (2/168)
صفحة 397
-
لا يعلم، أو يلزم في أصل القول أن يكون عليه أن يعلم الأئمة والعلماء السالفين كلهم، حتى لا تقبل فيهم شهادة في براءة فيجوز في الكلفة ما لا يحتمل في العقول أن تحيط بذلك.
وإذا بطل هذا ثبت هذا، وإذا ثبت هذا بطل هذا، ومن هاهنا خرج في التأويل الصحيح أنه لا تجوز الشهادة في الأحداث على الموتى، كائنا من كان منهم، ولا على من لم يحضر منهم سماع الشهادة عليه، أو يحتج عليه من بعد سماع الشهادة، بما يجوز فيه ذلك.
وبهذا يتضح أنه لا تقبل الشهادة في البراءة إلا بمثل ما تقبل عليه من الحدود، وبحضرته تكون الشهادة لا في غيبته، ولو كان غائبا من مصره، لم تجز الشهادة عليه، كالشهادة عليه بالحدود، وإذا غاب عن سماع البينة حيث لا تناله الحجة، وتستثنى له حجته، لأن ذلك إنما هو الخروج في حكم ما له لا في نفسه من حد ولابراءة.
ولا تقطع حجته في سماع بينة يكون الحكم عليه بها في ذات نفسه، لا سماع البينة بنفسه، لأن الحكم في نفسه، فافهم ذلك إن شاء الله.
ومن الكتاب: ومن ثبتت ولايته ثم عمل المعاصي بمكفرة كبيرة يجب عليه بها حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة، سقطت ولايته من حين ما أتاها، واستحق البراءة، وعلى المسلمين أن يستتيبوه، فإن أدى ما لزمه من ذلك وتاب رجع إلى منزلته.
وكذلك إن تاب وقال: إنه يؤدي ما يلزمه من ذلك إِن كان شيئا يلزمه الخلاص منه، وإن لم يتب فهو على البراءة منه. (2/169)
صفحة 398
-
باب
من وجب عليه حج أو زكاة أو نحوه من الحقوق فلم يكن
يدين به بمعنى جهالة أو غير ذلك
ومن الكتاب: وعمن كان واجفا عليه الحج ولا يدين به، فلما حضره الموت أوصى بحجة؟
قال من قال من المسلمين: لا ينفعه، وعليه لعنة الله.
وقال من قال: لا يلعن، وأمره إلى الله، ويجب إن تاب ورجع عن سوء رأيه، وأوصى بحجة أن يقبل منه.
قال غيره: معي أنه قيل: من وجب عليه مثل الحج والزكاة، وهذه الحقوق التي ليس لها وقت يفوت فيه، ويجري منها أداؤها الواجبة عليه، أن عليه الدينونة بأدائها، إذا قامت عليه الحجة بذلك، ولا يسعه دون اعتقاد ذلك، فإن ترك ذلك فهو هالك يعنى اعتقادا للدينونة، فإذا كان على هذا لم يكن دائنا بذلك، وكان هالكا بترك الدينونة، فالوصية بغير توبة لا تنفعه معنا، على هذا المذهب الذي يذهب صاحبه الى هلاكه، إن لم يعتقد الدينونة، فمن هنالك خرج معنا مع من قال بهذا، إنه لا ينفعه الوصية إِلا بالتوبة معنا في وقت ما تنفعه التوبة.
وقد قيل: إن التوبة تنفع العبد في حكم دين الله ما لم يعاين الموت، أو ملائكة الموت للموت، لم تنفع هنالك توبة، كما لم ينفع فرعون الإقرار والإيمان حين أخذه الغرق، فقال: (آمَنْتُ أَنه لَا إِلَهَ إِلاّ الذِي آمنَتِ بهِ بَنوُ إسرائِيل) (1).
__________
(1) -90 من سورة يونس (2/170)
صفحة 399
-
وما كان يدعى إلا إلى ذلك، ولو علم الله منه خيرا، أو فيه خيرا لقالها قبل ذلك، وذلك قوله -تبارك وتعالى- مما يدل على هذا: (هَلْ يَنْظرُونَ إلَآ أَن تَأتيهَمٌ الْملائِكَةُ أَو يَأتِيَ رَبكُ أَو يَأتي بَعْض آيَاتِ رَبكَ، يَوْمَ يَأتَي بَعْض آيآتِ رَبكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُها لَم تَكُنْ آمَنت مِن قَبل أو كَسَبتْ فِي إِيمَاِنها خَيْرا قل انْتظِرُوا إنَا منتظِرَون) (1).
فإذا جاء أمر الله إلى العبد بالهلاك، ونزل به أمر الهلاك ببعض آيات الله، التي يعاين بها أمر الموت والانتقال من أمر الدنيا إلى الآخرة، ذهب حكم العمل في الدنيا وحصل أمر ما هو قادم عليه للآخرة.
ومعي أنه قيل: (لَا يَنْفعُ نَفسا إيمَانها لم تَكُنْ آمَنتَ من قبْلُ)، أنه المشرِك الذي لم يكن آمن، فلا ينفعه إيمانه حين ذلك، (أَوْ كَسَبَت فِي إِيمَانِهاَ خَيْرَا)، أنه المقر بالإيمان المصُر على شيء من العصيان، على صغير أو كبير لم يتب منه، حتى عاين آيات الموت، أو بعض اياته، فلا تنفعه حينئذ توبة، إذا لم تكن التوبة قبل ذلك، وهو معنى قوله تعالى: أو كسبت في إيمانها خيرا، والخير ها هنا التوبة - فيما عندي -أنه قيل لا نعلم أن العبد يهلك إلا بأحد هذين، أما أن يموت مشركا أو كافرا، وإما أن يموت مصرا مقرا، والإصرار مع الإقرار مشِبه في المهالك للجحود والإنكار، فهما طريقا النار، نستجير بالله من النار، ومن كل قول أو عمل أو نية تؤدي إلى النار.
ومعي أنه قيل: إن هذه الحقوق التي ليس لها غاية تنقضي فيها من الأعمال، لا يهلك العبد ما لم يعزم على ترك أدائها، أو يدين بترك أدائها، ما كان في جملته دائنا بجميع ما يلزمه في دين خالقه، ما لم يحضره الموت الذي يجب عليه فيه الوصية باللوازم، التي عليه أن يوفى بها، وذاكر لذلك قادر على الوصية فلا يوصي، فإذا كان ذلك، فمعي أنه قيل: لا يسعه، ويسعه على
__________
(1) -158 من سورة الأنعام. (2/171)
صفحة 400
-
ما وصفت لك في بعض قولهم، فإذا كان على هذا، فلا يبين لي عليه ضيق ببراءة ولا وقوف، إذا أوصى بذلك.
وليس معي على أصل أهل هذا المذهب، أن للواقف الذي وقف عنه ذهب إلى هذا المذهب، ولا احتسبه إلا أنه ذهب فيه إلى مذهب من يقول: أن عليه الدينونة بأداء ذلك، وليس له تأخيره إلا بالدينونة، ولا يعذره في الجملة إذا لزمه ذلك، وقامت عليه الحجة به، ولكنه معي أنه لما أوصى بذلك كانت الوصية دالة في الظاهر على الرجعة، كما كان عليه من ترك الدينونة، وغاب عنه أمر توبته، فاشكل عليه أمره، فلم يبرأ منه ليضيق عليه، ولا يوسع له بولايته له، لأنه في الأصل في هذا المذهب غير، لاذا لم يكن معذورا لم يسلم إلا بالتوبة، وإذا لم تظهر توبته لم تتحول حالته في الصحة.
وأما على القولين جميعا فعندي لو تاب صحت توبته، من ذلك الذي كان عليه من ترك الدينونة، بأداء ما يلزمه قبل أن يصح مع المسلمين، تغير عقله بالموت، أو بشيء مما يغير عقله، لم يجز للمسلمين أن يبرءوا منه بعد التوبة مما مضى من عصيانه والوصية بذلك، لأن ذلك لا يعلمه أنه يثبت في أصل دين الله في حكم الظاهر، أن يبرءوا من تائب من ذنب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، بذلك صح الخبر وثبت الأثر من قول أهل البصر.
ومن الكتاب: قال هاشم بن غيلان، إن شبيب بن عطية، وموسى بن أبي جابر، اختلفا في رجلين قتل أحدهما صاحبه، فلم يدر علام قتله؟ فقال شبيب: هما عندي على حالهما من الولاية حتى أعلم أن أحدهما مبطل.
وقال موسى: يبرأ من القاتل حتى يعلم عذره.
قال هاشم: وأنا أقول بقول موسى.
قال: فتابعه شبيب مخافة الفرقة، وقال له: هذا رأي إخوتك من أهل العراق. (2/172)
صفحة 401
-
باب
من ظهر منه ما يحتمل خطؤه وصوابه
من حقوق اللّه وحقوق العباد
قال غيره: قد مضى من ذكر هذا، حسبما أرجو أن يستدل به على المعنى في هذا.
ومعنا أنه قيل: إن الولاية له أثبت في أحكام الإسلام، لإجماعهم لا نعلم بينهم اختلافا أن العبد مؤتمن على أمر دينه، في جميع ما غاب من أمره واحتمل صوابه له، واحتمل خطؤه عليه، في جميع ما كان من دين الله خالصا، ليس فيه لأحد من عباده حق، مثل أنه لو رأى رجلا ياكل في شهر رمضان نهارا، وهو مقيم حاضر إلا أن يرى به علة، أو امرأة كذلك تاكل في شهر رمضان، لا يعلم ما حالهما، كان عليه في الإجماع فيما قيل معنا، أن يتولاهما إِن كانا له وليين، ويحسن بهما الظن أنهما لم يفعلا ذلك، إِلا بما يسعهما من النسيان، أو حيض امرأة أو نفاسها.
وكذلك في الصلاة وما أشبهها، مما هو مكفر من تركه متعمدا بغير عذر، يحتمل عذره بوجه من الوجوه في حكم دين الله، فلا يجوز أن يبرأ من هذا، ولا يقف عنه على سوء الظن.
وكذلك جميع ما كان مثل هذا من القول والعمل الظاهر، الذي له المخرج في دين الله، ولو لم يعرف المتبرىء والواقف أنه ترك ذلك بعذر، ولو لم يعرف عذره مع المسلمين، وجد عذره في دين الله، لأن الله تعالى قد جعل له المخرج في حكم دينه في حكم الظاهر مع العلماء بدينه من أنبيائه ورسله وورثة كتابه، والعلماء والأخيار، ما وسعه ذلك أن يحكم فيه بالظن، لأن هذا الحكم لا يخرج إلا على الظن، ومن حكم بالظن فقد خالف الحق، لأن الظن (2/173)
صفحة 402
-
لا يغني من الحق شيئا، ولا نعلم أنه إذا كان الحق لله -تبارك وتعالى -في شيء من أمر دينه، ليس للعباد حجة في أمر دينه، أن في ذلك اختلافا، ولا أعلم أن أحدا من المسلمين قال فيمن أتى ذلك، أو شيئا منه في حكم ما يكون له فيه المخرج من الباطل بوجه من الوجوه، بأنه يبرأ منه، ولا يقف عنه بدين ولا برأي من أهل العلم.
وقد قيل: لو كان الذي يأتي ذلك في علم الله -تبارك وتعالى - خائنا تاركا لما يلزمه، راكبا لما يؤثمه، يعلم الله ذلك منه في سريرته، ذلك عمن عاينه وشاهده، يفعل ذلك أو يقوله، فبرىء هذا منه برأي أو بدين ووقف دائنا بذلك على غير وجه الشريطة، لكان بذلك هالكا، لأنه حاكم بالظن.
وكذلك لو لم يعلم له مخرجا في موضع ضعفته، بعلم المخارج في دين الله فبرىء منه برأي أو بدين أو وقف دائنا، وهو له المخرج فيْ الأصل، فلا عذر له في ذلك، فيما عندي أنه قيل وأنه هالك، وإنما اختلف من اختلف من المسلمين في أشياء، ما يكون فيها الحقوق لله ولعباده، أنه إذا أتى آت من الناس شيئا من ذلك مما لا يخرج إلا ظلما في حكم الظاهر، إلا ما كان له من العذر في حكم السرائر التي يحتمل من ذلك، مثل القتل وما أشبهه، من الأحداث في الأبدان المحجورة في الأحكام.
فقال من قال: إن الأشياء المحجورة من مثل هذه المواقع لها في حكم الظاهر، راكبا فيما قد أباح به من نفسه البراءة، بركوب المحجور والبراءة منه جائزة في ذلك، ولازمة حتى يعلم أنه محق في ذلك.
وقال من قال: أنه ما احتمل له في ذلك المخرج في دين الله بوجه من الوجوه، فالمعنى فيه واحد من حق الله، أو حقوق العباد، ما لم تعارضه حجة من العباد وتقطع حجته، وتصح عليه الحجة التي تزيل عذره (2/174)
صفحة 403
-
فالبراءة ليست للعباد، وإنما البراءة لله، والحق كله فيها لله، وكما أجمعنا على أنا لا نبرأ منه، إذا رأيناه يترك الصلاة، ويأكل في شهر رمضان نهارا، ويأكل الميتة ولحم الخنزير، في حال ما يمكن له العذر، أنه أتى ذلك ضرورة وما أشبه هذا كله، فكذلك ليس في البراءة للعباد حق،،وإنما الحق فيها لله، فنحن نتولاه ولا نبرأ منه في جميع ما كان له فيه المخرج، والمحتمل إلا أن يصح للعباد حجة في دين الله، توجب عليه حقا أو حدا، يكونان بصحة ذلك عليه، تزول ولايته وتجب عداوته، فإجماعنا على هذا موجب بأن لا يختلف في هذا، لأنه ليس فيه فرق في البراءة، وإنما فيه الفرق في تعلق الحق للعباد، فإذا أقام العبد الحجة عليه فهناك ألزمناه ما يلزمه، ونحن بفعله شاهدون عليه، ولا نتعدى إلى غير ما أذن لنا به من حكم الظاهر، فإذا ألزم هذا في هذا في معنى البراءة، وهي لله تبارك وتعالى.
وكذلك في الصلاة والصوم والدم والميتة، ولحم الخنزير، وجميع ما أتى العبد مما حكمه الكبير ما لم يعلم أن له في ذلك عذرا، وإلا فلا فرق في الكبير من حقوق الله، ولا من حقوق العباد، ولا فرق في احتمال العذر، في ارتكاب حقوق الله ولا حقوق العباد في أمر البراءة، لأن البراءة ليست للعباد، فوجدنا الحجة من أهل العلم، بولاية كل من احتمل له عذر، من راكب لشيء من حقوق الله أو من حقوق العباد أثبت من القول، ممن قال منهم بالبراءة، لبعض ما أجمعوا عليه من ولايته، في هذه الأمور كلها من حقوق الله، وإنه ما لم يصح عليه ما يقطع عذره في جميع الأشياء المحتمل له فيها الصواب، فهو سواء لأن الحق في البراءة نفسها لا يقول أحد أن الحق فيها للعباد، وإنما الحق فيها لله، لا نعلم أن أحدا يقول غير ذلك، فافهم هذا.
مع أنا وجدنا ما لا نعلم فيه اختلافا من قولهم، أنه إذا رأيت أخاك ياكل مال غيره، فقل: غفر الله لك.
وفي بعض القول: إنه وإن أطعمك فلا تاكل، كأنه يقول: وإن (2/175)
صفحة 404
-
أطعمك أخوك مما يأكل من مال غيره فلا تأكل من مال غيره من يده، وقل: غفر الله لك، والاستغفار ولاية، ولا نعلم في هذا اختلافا، وهذا من حقوق العباد.
فلهذه المعاني كلها، وأكثر منها مما يخرج على ما يشبه الإجماع معنا، من ثبوت الولاية لمن ظهر منه، ما يمكن فيه الباطل، والحق من حقوق الله خالصة، ومن كثير من حقوق العباد في الأموال، أشبه ذلك في الأموال والأبدان معنا سواء، وكانت الولاية أشبه ذلك، بان لا ينقض على الظن، إلا أنه قد قال ذلك من قاله من المسلمين، وليس هو خطأ عندنا في الدين، وفد فسرت لك ذلك فيما مضى.
والأصل الذي ذهبوا إليه أنه محجوج في تعديه على المحجورات، في ظاهر الحكم في الإنسان، وفيما يشبههما من المحرمات، فالولاية في مثل هذا للأولياء إذا أتوا مثله، مما يحتمل لهم فيه من المخرج أحب إلينا، وقد قيل ذلك على ما وصفت لك.
وقد قيل بالوقوف للإشكال وبعد الولاية، فالوقوف أحب إلينا من البراءة، ولعل بعضا يستحسن الوقوف في المشكلات لأن يخرج من تقلد الولاية معنا كلها والبراءة، ومن برىء بقول المسلمين فلا يدخل عليه في ذلك عيب إن شاء الله.
وهذه معنا كلها أسباب تواطؤ على الصواب، وتبني على أصول قد وصفتها كذلك فيما مضى من الكتاب، إلا أن بعض الأشياء أشبه من بعض عند بعض، وكل شبيه معه ما مضى إليه، ولعله لا يبصر ما أبصره غيره من الأسباب، أو يبصر أكثر منه، ويأخذ بغيره ما أخذ غيره على الاستحباب، وعلى كل حال، فلا يجوز الافتراق في هذا معنا، لأنه قال فتابعه شبيب مخافة الفرقة، ولم يكن معنا في حسن الظن في علماء المسلمين، أن يفترقوا على الرأي، أو يجهلوا صواب الجائز في هذا حتى يفترقوا، وأن يضاف مثل هذا إلى (2/176)
صفحة 405
-
مثل شبيب وموسى بن أبي جابر أن يفترقا في الرأي، وأرجو أن يعيذ الله علماء المسلمين من هذا وأشباهه من جميع الفرقة في الدين.
ومن برىء من أحد من الناس بالرأي، مما يجوز فيه الاختلاف بالرأي، فقد خالف الدين بذلك معنا، وقد برىء بالخطأ برىء منه بالصواب، وبالدين لأنه قد جاء الأثر عن أهل العلم والبصر معنا، أن من برىء منا برأي برئنا منه بدين، ولا تكون البراءة بالدين، إلا على شيء مخالف للدين.
وعلى الواقف من هؤلاء الذين وصفت لك في أمر هذا، إذا اختار الوقوف واستصوبه، والمتولى والمتبرىء جميع ولاية بعضهم بعضا بدين لا برأي، إذا كانوا من العلماء، واختلاف الضعفاء والعلماء في هذا واحد لأن هذا اختلاف الدين، الذي قد تقدم فيه قول المسلمين.
فاختلاف الضعفاء فيه والعلماء، والضعيف والعالم كله سواء، وليس للضعيف فيه فرق عن العالم في الحكم، بل واسع للعالم والضعيف، وللضعيف مع العالم، وللضعيف مع الضعيف، وللعالم مع العالم، وأيهم برىء من صاحبه، أو وقف عنه بدين من أجل ذلك، فهو محدث معنا إذا برىء من عالم، أو وقفا عنه برأي أو بدين، فمعنا أنه قيل: محدث بذلك لا يسعه ذلك عالما أو ضعيفا، فالفرقة هاهنا ليس لها جواز بين علماء المسلمين.
ومن الكتاب: وعن رجل يبرأ منه، تولاه رجل له ولاية، قال: يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا يبرأ منه، إلا أن يتولى المسلمين الذين يبرؤون من المتبرىء منه، فإذا تولاهم فقد برىء ممن تولاه، وإذا أعلمه رجال من المسلمين يبرؤون منه لم يجز له أن يتولاه، فإن وقف وتولى حتى يسأل المسلمين وسعه، وإن أعلماه فوقف عمن يبرأ منه المسلمون فله ذلك. (2/177)
صفحة 406
-
باب
السعيد عند اللّه يكون منه المعصية والكفر
، والشقي عند الله يكون منه الطاعة والإيمان
هذا الوصف الذي معنا، يلحق معي في أحكام المتعبدين في يعضهم بعض، وفيما تعبدهم الله به، وفيما وصف الله -تبارك وتعالى-فيما تعبد به عباده، لأنه فيما تعبد به عباده -تبارك وتعالى -، أن ألزمهم ولاية جميع أوليائه، وعداوة جميع أعدائه الذين هم أولياء الله وأعداء الله في علمه، من غير أن يلزمهم في ذلك علمه لأنهم لا يقدرون عليه، ومن غير أن يعذرهم عن الدينونة في ذلك له فيما يلزمهم، وكانوا في هذا الحال متولين لكل ولي وسعيد، ومؤمن في علم الله، ومعادين لكل عدو كافر، وشقي في علم الله، في أحكام لشرائطهم، وألزمهم الولاية لأوليائه.
وإذا ظهر منهم ما يجب عليهم له الولاية لأوليائه، ولو كانوا ممن يعادونه في شرائطهم، فهم يوالون عدوهم، ويعادون وليهم، فوليهم في الشريطة عدوهم في الظاهر، هم في الشريطة وليهم في الظاهر، فهم الذين يعادون وليهم، ويوالون عدوهم في الحق اللازم لهم، وألزمهم مع ولاية الشريطة، وعداوة الشريطة، أن لا يوالوا في الظاهر إلا من علموا منه ما يستحق به الولاية، ولا يعادوا في الظاهر إلا من علموا منه ما يستحق به العداوة، فالزمهم أن لا يعادوا عدوهم في الشريطة في حكم الظاهر، وألزمهم أن لا يوالوا وليهم في الشريطة في حكم الظاهر فهو ولي لا يوالي لا يعادي معهم، وولي معاد معهم، وعدو موال معهم، فهذا يلحق أحكام المخلوقين معنا لأنهم متعبدون، ليس لهم ترك ما تعبدوا به، فهذا وجه ما يخرج في صفة المتعبدين، وفي صفة الله من إلزامه المتعبدين، ويخرج معنا ذلك فيما يلزم المتعبدين، ويحسن في تكليف الله لهم، فيما أظهر (2/178)
صفحة 407
-
لهم من أحكام دينه.
ومعنا أنه لو لزم أحدا منهم في أحد من المتعبدين أنه سعيد، وأنه من أهل الجنة، ثم إنه علم منه معصية، يكفر بها من عمل بها، ويستحق العداوة، فيحسن فيه، ويصلح معنا، ما قيل من الاختلاف، فيحسن أن يواليه بنفسه، ولا يجب عليه براءة، ولا وقوف، وأن يبرأ من معصيته، ويبغض لله معصيته التي كانت منه، ويعاديها، وهو بحالة لا يتحول عنده من حال الولاية ولا السعادة، ولا الإيمان لأنه قد صح له ذلك، فلا يتحول عنه، وهو يجب عليه أن يعلمه، ولا يشك فيه، ولكنه عليه أن يعلم أنه لا يموت إلا تائبا من تلك المعصية لأن السعيد لا يموت إلا تائبا، والمؤمن لا يموت إلا تائبا، ويحسن ويصلح فيما كلفه الله من التعبد في حكم الظاهرمن عداوة أعدائه، على معصيته أن يعاديه في حال معصيته لله، كما الولي في شريطته التي شهد له بها عند الله قطعا، ويستحلها منه بالإباحة وهو يعلم أنه سيعادي قي حكم الظاهر ولي الله في الشريطة والحقيقة لأنه ليس له أن يضيع ما أوجب الله عليه من حكم عداوة الظاهر، لجميع من ظهر منه ما يستحق به ذلك، ولا أن يشك فيْ علمه الذي علمه أنه سعيد مؤمن ولي، ولكنه يعاديه على المعصية حتى يرجع عنها لله في طاعته الخاصة، كما أنه يجب عليه أن يقيم عليه الحد، ولا يكون المؤمن محدودا، وعليه أن يقاتله ويقتله في المحاربة في محاربة البغي، والردة عن الإسلام من ارتد، ولا يقتل على المحاربة وليا مؤمنا في حكم الظاهر، وأشباه هذا مما يستوجب جميع ما يلزمه الله -تعالى- من الحقوق والحدود، ولا يصرف عنه ذلك ليعلم المتعبد في علمه أنه مؤمن من أهل الجنة، فإن ضيع فيه شيئا من ذلك مما يلزمه فيه، كان في ذلك عاصيا.
وكذلك ألزمه الله -تعالى- في الجملة في التعبد، أن يعادي هذا العاصي نفسه، ويشهد له بحقيقة ما علم منه فيعاديه في موضع العداوة، وشهد له بما علم من الحقيقة أنه كذلك لا محال، ويحسن ويصلح فيه أن (2/179)
صفحة 408
-
يكون إذا علم منه هذه المعصية أن لا يعاديه عليها، لما ثبت له من العلم فيه أنه ولي، ولا يواليه لما قد ثبت فيه ومنه المعصية التي تجب بها العداوة عليه في أصل دينه، والولاية له في أصل دينه، فتتكافأ في ذلك الأحكام، وتسقط عنه الأحكام، إِلا أنه لا شك أنه كذلك إذا علم ذلك من كتاب الله، أو عن لسان رسول من رسل الله أو نبي من أنبياء الله، بسماع أو شهرة، لا يشك فيها فلا يجوز له الشك في ذلك على حال.
وكذلك لو علم مثل ذلك في أحد من المتعبدين أنه من أهل النار، أو أنه كافر، شقي في الحقيقة من كتاب من كتب الله، أو عن رسول من رسل الله، أو نبي من أنبياء الله، بسماع أو بشهرة، لا يشك فيها فانه يحتمل فيها ما وصفت لك، إِن نزل بمنزلة يستحق بها الولاية بحكم الظاهر، أن لا يواليه على حال، ولكن يرضى لله طاعته ويواليها ويحبها، لما قد ثبت فيه معه من علم كفره وشقائه، و يحتمل فيه، ويجوز أن لا يواليه على ذلك، ولا يعاديه عليه، كما كان في الولي، و يحتمل ويمكن أن يواليه، بما أوجب الله عليه من ولاية الظاهر، وأن لا يشك في علمه فيه أنه كذلك، أن يوفيه جميع الحقوق.
ومن حقوق منزلته تلك، وحالته تلك، من قبول الشهادة بحق الإسلام، وبكل حق يجب لأهل حالته ومنزلته من قبول الفتيا فيما يسع جهله، إن نزل بمنزلة ذلك من منزلة العلماء، ومن لزوم طاعته إن كان إِماما للمسلمين، وقبول الولاية منه إن نزل بمنزلة البصير، العالم بالولاية والبراءة، ويوفيه جميع الأحكام أحكام منزلته، ولا يسع تضييع شيء من ذلك مما يلزمه في حكم الظاهر، وإن ضيع شيئا من ذلك، لم يسعه فيه لما قد علم لأن الله -تعالى - قد تعبده بذلك فيه بمنزلته لأنه ليس له أن يضيع شيئا من أحكام أصول دين الله في موضعه لثبوت غيره، ولا لزوال غيره، وليس له أن يضيع شيئا من أحكام الأصول، وأصول ما تعبده الله به من الولاية والبراءة هو ثلاثة أصول: (2/180)
صفحة 409
-
معناه أصل الشريطة، وأصل حكم الظاهر، وأصل الحقيقة.
والحقيقة: أن يعلم من أحد بعينه كما وصفت لك.
و الشريطة: ما وصفت لك من ولاية جميع الأولياء، وعداوة جميع الأعد اء.
وحكم الظاهر: ما وصفت لك، فيلزم كل حكم منهن في موضعه، إذ غير ماذون له تضييع شيء منه، وإذ متعبد جميعا، فافهم معاني ما يخرج معنا من تفسير هذا الاختلاف الذي قد قيل في هذا الوجه من الولاية والبراءة.
وأما ما ذكرت في أبي بكر وعمر- رحمهما الله - فهما عندنا بمنزلة غيرهما، فمن صح معه فيهما أنهما سعيدان أو مؤمنان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنهما من أهل الجنة، وخصه حكم ذلك ثبت فيهما معنا ما ثبت في غيرهما من السعداء، ومن لم يصح معه ذلك فيهما، فليس عليه، ولا له فيهما علم غيره، ولو كان غيره قد علم ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما بسماع، أو بشهرة عنه، لا يشك فيها، ولا يصح معنا الشهادة في حكم الحقيقة من الشاهدين بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعا أنهما ولا عن الشهرة عنه في صحة حكم الحقيقة في الولاية والبراءة في السعادة والشقاوة، ولا تثبت حقيقة ذلك على من بلغه وعليه، إِلا بسماعه هو أو بصحة شهرة، ولا يشك فيها.
ولكن معنا أنه من صح ذلك في الولاية عن شاهدين، ممن يجوز قولهما من المسلمين عن صحة ذلك، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسماع أو عن صحة بشهرة، خرج ذلك عندنا ثابتا في ولاية حكم الظاهر ممن صح معه ذلك، لا ولاية حكم الحقيقة لأن الشهود لا يقلدون الشهادة بعلم الحقيقة، ولا يصح ذلك لأن ذلك من التقليد، ولا يجوز التقليد معنا إلا للنبيين والمرسلين، كما وصفنا، ولكن إذا صحت الشهادة بذلك صح بذلك معنا ولاية حكم الظاهر في المشهود له. (2/181)
صفحة 410
-
وكذلك لو رفع ذلك رجل واحد من المسلمين بشهادته نصا، لا يحتاج إلى تفسير عن سماع أو شهرة، كان ذلك يوجب معنا ولاية حكم الظاهر ولا يوجب على حال بالشهادة قلت أو كثرت عن سماع منهم، عن النبي، أو عن شهرة معهم بذلك عنه، فيما يشهدون به حكم الحقيقة بذلك في الولاية، فافهم ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن الكتاب: وقيل: إن الأعجم لا ولاية له، ولو كان يبصر يصلي ويصوم.
قال غيره: قد مضى الشرح في ولاية الأعجم والتفسير في ذلك لما يرجو أنه لا يحتاج هذا من ذكره إلى غير ذلك إِن شاء الله تعالى.
باب
فرق الاستحلال والتحريم
وكل ما كان من المنكرات، والمكفرات، من دين الله -تبارك وتعالى -، من حكم كتاب الله، أو عن سنة رسوله، أو إجماع المسلمين، أو ما أشبه ذلك، فهو سواء، وهو الدين الذي لا يسع جهله أن يركبه الراكب له بعد قيام الحجة عليه، أو يقدر على الخروج منه، بالتماس معرفة ذلك، على ما وصفت لك من فصل المحرمات المحجورات، وما يلزم فيها، فالراكب لها على وجهين:
راكب لها على غير الادعاء فيها لتحريم حلال، أو لتحليل حرام يدعيه على الله -تبارك وتعالى -، والعالم بركوبه ذلك أحد رجلين:
عالم بحدثه وعالم بحرمة حدثه. (2/182)
صفحة 411
-
أو عالم بحدثه، جاهلا حرمة حدثه.
فالعالم بحدثه العالم بحرمة حدثه، وبمكفر حدثه، قد لزمته الحجة، وعليه الشهادة بعلمه على محدثه بالكفر، والبراءة منه كان مستحلا، أو محرما، أو علم حرمة حدثه، ولم يعلم بكفر حدثه، وكان المحدث محرما للحدث، أو غير مدع على الله في تحليل في حرام، أو تحريم في حلال فهو سواء.
فإن علم بمكفر حدثه، فعليه البراءة منه والشهادة عليه بما علم من كفره، وإن لم يعلم ذلك، فما لم يتوله أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه، أو يتول من تولاه بدين على ما وصفت لك في الأول فهو سالم، وإن كان المحدث مستحلا لحدثه، والعالم بحدثه جاهلا لحرمة الحدث، فالقول فيه سواء، فيما وصفت لك فيما قيل، وإن كان عالما بحرمة حدثه، والمحدث دائنا بحرمة حدثه، فقد قيل: إنه لا يسعه الشك فيمن دان بتحريم مادان باستحلاله، أو باستحلال ما دان بتحريمه، ويضيق عليه الشك في ذلك، إِذا لم يعرف ضلاله، وليس ينفعه في هذا وقوف رأي، ولا اعتقاد للسؤال في بعض القول.
وقد قيل: يسعه جهل المستحل، ما لم يعلم ضلاله وكفره، ما لم يتوله بدين، أو يتول من تولاه بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه بدين أو برأي، أو يقف عنهم بدين أو برأي، أو يقف عن أحد من ضعفاء المسلمين أو برىء منهم، بدين من أجل براءتهم منه.
ومعي أنه قيل: لا يسع جهل المحرمين، كما لا يسع جهل المستحلين لأنهم يخالفون أصل الدين، والمحرمون كالمستحلين، والمستحلون كالمحرمين، وعليه في المحرمين كما عليه في المستحلين، ولكل هذا تأويل يخرج معناه في الحق، ومن الحجة في قول من قال: إنه لا يسع (2/183)
صفحة 412
-
جهل المحرمين كما لا يسع جهل المستحلين من ذلك أن يتولاهم، أو يتولى من تولاهم بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منهم، أو ممن يتولاهم برأي أو بدين، أو يقف عنهم بدين أو برأي، أو يبرأ من ضعفاء المسلمين، أو يقف عنهم بدين من أجل براءتهم منهم، أو ممن يتولاهم بدين.
كذلك القول في الاختلاف في المستحلين، فالذي يقول: إنه قد يسع جهلهم إنما هو على شريطة هذا، والذي يوجب علم ضلالتهم، فلينتقض ما في يده من دينه بالادعاء على الله من استحلال حرامه، أو تحريم حلاله، فإذا ثبت هذا مع أصحابه في المستحلين إذا خالفوا الدين، فلعله ثبت في المحرمين، والراكبين لغير ادعاء في الدين، إذا انتهكوا حرمة الدين، فركبوا محرماته، وتركوا لوازمه، فالمحرم عنه كالمستحل، ولا يسع جهله في الأصل، كما لا يسع جهل المستحلين في الأصل.
باب
معاني الاختلاف في المستحلين والمحرمين
وقد بينت لك الاختلاف في أحكام المستحلين والمحرمين، ممن ركب الأحداث على الاستحلال وعلى التحريم، أنه قد يختلف في أحكامه، ويختلف أحكامها ممن علم حرمة الحدث، ومن لم يعلمها، وممن علم حرمة المستحلين، أو لم يعرفها، وقد مضى ذلك مفسرا فانظر فيه، واجعل كل حدث في موضعه، فكل حكم حدث في موضعه، وكل مخصوص بحكم حدث في موضعه، ولا يحمل من ذلك حكم خاص في موضع عام، ولا حكم عام في موضع خاص، ولا حكم يسع جهله في موضع لا يسع جهله، ولا حكم لا يسع جهله في موضع يسع جهله، ولا حكم يلزمه فيه السؤال في موضع لا يلزمه فيه السؤال حكم لا يلزمه فيه السؤال في
184 -
موضع يلزمه فيه السؤال، ولا وقوف الرأي في موضع وقوف الدين، ولا وقوف الدين في موضع وقوف الرأي، فتختلط عليك الأمور، فإن اختلاطها عليك، واختلاط، يؤدي بك إلى الدخول في الباطل، والخروج من الحق.
باب
معنى الفرق في الصغائر والكبائر
والحكم في ذلك
وإن كانت معصيته صغيرة غير كبيرة، وقف عنه ولم يبرأ منه حتى يستتاب، فإن تاب رجع إلى منزلته وولايته، وإن أصر وأبى واستكبر خلع و برىء منه.
ويكفر من ظلم حبة فما فوقها، أو كذب كذبة، إذا دعي إلى التوبة فاصر وأبى عليها، أكفره الإصرار بذلك، والخلع من ولاية المسلمين. (2/184)
صفحة 413
قال غيره: قد مضى من هذا ما نرجو فيه بعض الدلالة، من حكم الصغائر والكبائر، فيما مضى من الكتاب، ومعي أنه قيل: إنه ما دون الكبير وما أشبهه فهو صغير، والكتاب والسنة والإجماع يدل على ذلك، جميعا على أن الإصرار من الذنوب كبائر.
ومعي أنه قد اختلف في الاصرار وفي صفته، فقيل: ما لم يتب من ذنبه فهو مصر، والمصر كافر، وما لم يتب الراكب من حين ما ارتكب الصغير، فهو مصر بالإقامة على الذنب حتى يتوب منه.
وقيل: إنه ليس بمصر حتى يعزم على ترك التوبة من ذلك أو يتهاون، ويستخف بالعقوبة على ذلك من الله ويستصغر المعصية لله بذلك، أو يدين (2/185)
صفحة 414
-
بحلال أنه حرام ذلك، فما لم يكن منه شيء من هذا أو ما أشبهه، فلا يلزمه حكم الإصرار، ويعجبني في الحكم بين العباد أن لا يحكم عليه بحكم المصر، حتى يستتاب من ذلك فلا يتوب.
وأما فيما أخاف عليه من الله في أحكام دينه، فما لم يكن له اعتقاد يبرئه من الإصرار، بالتوبة من جميع ما ركب من معاصي الله في جملته، يثنى عليها، ويعتقدها أو كلما ذكرها حددها، أو كلما أبطأ منها عاودها وتعاهدها، فإني أخاف عليه إن لم يكن منه هذا إلا أن يسلم بالإقامة على شيء من معاصي الله، حتى يتوب منها بعينها، وباعتقاده يدخل في جملتها ما قد عصى الله به.
ومعي أنه قيل فيه والحكم فيه في حكم الظاهر إنه إذا كانت له ولاية ثم أتى شيئا من الصغائر أو ما أشبهها، عند من ثبتت الاستتابة فيه، وأنه لا يكون مصرا إلا بالعزيمة على الإصرار، وترك التوبة، فقيل: إنه حين يقع في ذلك، أنه يوقف عنه وعن ولايته عن الحال التي كان عليها، لأنه قد واقع من المعاصي ما قد حققه سبب ما يزيل ولايته، إذ لا يكون وليا لله عاص، والعاصي ليس بولي، فإذا عصى زالت ولايته وأصر لسبب المعصية ولا يبرأ منه حتى يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن لم يتب وأصر برىء منه بالإصرار.
ومعي أنه قيل: يحسن به الظن ولا يقف عنه ولا يبرأ منه، بما واقع من الصغير في حكم الظاهر، إلا بعد أن يعلم معه الإصرار، يستتاب من ذلك ولا يتوب، لأن المسلم مأمون على أنه لا يصر، وأنه لا يعتقد الاصرار، لأن الاصرار من كبائر الذنوب، ومن أكبر الكبائر، فالمسلم مأمون على ارتكاب الكبائر، وهو على ولايته قبل أن يستتاب، فإن علم منه الإصرار واستتيب فلم يتب، لحقه حكم الإصرار وبرىء منه.
ومعي أنه قيل: إنه على الولاية، وليس فيه استتابة على من تولاه، ما لم يعلم منه إصرار وولاية ثابتة، لثبوت إسلامه ولأن المسلم لا يثبت عليه (2/186)
صفحة 415
-
ركوب الكبيرة، لأن أصل ما ثبت عليه به الولاية والأمانة، أنه لا يصر على صغيرة، ولا يواقع كبيرة يقيم عليها، وإنما أثبتت له الأمانة في ذلك كله، وفي حكم ما جعله الله للمسلم، يكفر السيئات على اجتناب الكبائر، فمتى ثبت منه التهمة بالإصرار على الصغير، أو الاقامة على الكبير، زال حكم الأمانة عنه، لأن الأمين لا يكون متهما، والمتهم لا يكون أمينا.
فأصل ما أثبت له الولاية واسم الإسلام بظاهر أمانته، وزوال حكم تهمته وخيانته، فهو على ذلك مأمون، إلا أن ينزل بحالة التهمة في شيء من ذلك، فإذا زال عنه اسم الأمانة، ولم يبرأ بالتهمة من حال الخيانة، وزوال حكم ما ثبت له بصحة الأمانة.
وقد قال الله -تبارك وتعالى -، يخاطب المؤمنين: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (1).
والسيئات ما دون الكبائر، وهي مكفرة باجتناب الكبائر، كما قال الله -تبارك وتعالى -، ولا شك في قوله، ومن الكبائر الإصرار، فالمسلم ثابت له اجتناب الكبائر ولا يكون وليا لا تثبت له الأمانة على ما يدين بتحريمه، ومن أعظم ما يدين المسلم بتحريمه الإصرار، فقالوا: هو ولي على حالته، بظهور اجتناب الكبائر وأمانته عليها، وكذلك برجاء الله له معنا في أصل اعتقاده للتوبة، والاستغفار من جميع الصغائر والكبائر، ولم يعتقد شيئا من الإصرار، الاقامة على شيء من الكبائر والصغائر، أن يكون له ما اعتقد ونوى، فيما بينه وبين الله، ونرجو أنه يسلم من تولاه على هذه الشريطة، وهذه الحجج الثابتة، ويكون اعتقاد المتولي كاعتقاده وهو أن لا يتولاه بما ظهر منه، إلا أن يكون تائبا من جميع الصغائر والكبائر، من ابتلاء لجميع الإصرار، وإلا فهو شاهد عليه بالكفر والنار، وهذا في اعتقاد المسلم في العلانية والإسرار، وثابت له في أصل دينه الذي تعبده الله به، ما لم يضيعه ا
__________
(1) -31 من سورة النساء. (2/187)
صفحة 416
-
بوجه من الوجوه، بعد بلوغ حجته إليه، وعلمه به ومعانيه، والمراد به، ثم يضيعه ويخالفه بعزيمة على تركه، أو بإهمال يعتقده.
باب
معنى ما يكون صغيرا وما يكون كبيرا
من الأحداث
قيل: من اغتصب درهما واحدا حراما، لم يبرأ منه حتى يستتاب، فان أصر برىء منه.
فإن كان اغتصب الدراهم في سبيل من سبل المسلمين فإنه يبرأ منه قبل أن يستتاب.
قال غيره: قد مضى القول في مثل هذا، أنه إن كان أخذه له على وجه التلصص والغصب والاختلاس، ووجه ما يكون به سارقا، لا غاصبا متغلبا فيه، ففيه اختلاف ما يكون دون أربعة دراهم، وأشبه ذلك من قال به إلى ما قيل في الكبائر أنها ما ثبت فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الأخرة، فإن الحرام يثبت، فالفرق في السرق فيما دون أربعة دراهم، وما أشبهه فهو مثله.
وقول من قال في مثل هذا أنه كلما خرج أصله ظلما فالظلم كبيرة، إذا لم يكن خرج في حال إباحة، ولا في شيء من الحلال الذي أخذه، وإنما هو قصد إلى الظلم.
ومثل ذلك لا يجوز بين الناس، إلا بغير سبب الظلم، من التراضي فيما يخرج من حد صحة التراضي مما أشبهها. (2/188)
صفحة 417
-
وأنه لا يكون إلا ظلما، وما أشبه الكبير فهو كبير: لقول الله - تبارك وتعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (1).
وقال الله - تبارك وتعالى -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) (2).
ومن الكتاب: وكذلك أن من قذف مسلما بالزنا، أو جرحه جرحا صغيرا أو كبيرا، أو تكلم بكلام أهل القدر والإرجاء، وقال بذلك ودان، أو تولى من برىء من المسلمين وضللهم، وقد علم براءته منهم، ففي كل هذا يبرأ منه قبل أن يستتاب، وكذلك ما يكون من نحو هذا، وسل عن ذلك أيضا.
قال غيره: وكذلك من طفف في الكيل أو بخس في الميزان، أو ظلم أو ركب المحارم، وكل من ارتد عن الإسلام أو دخل الزندقة، أو ادعى السحر والكهانة فحكمه البراءة حتى يتوب، والله أعلم.
كل هذا من هذا الفصل معي أنه من الكبائر ولا أعلم فيه اختلافا، إلا الجرح، الذي قال إنه جرحه جرحا صغيرا
__________
(1) -29،30 من سورة النساء
(2) -18 - 20 من سورة هود (2/189)
صفحة 418
-
أو كبيرا، فمعي أنه قد مضى القول في ذلك بالاختلاف.
باب
القول في معنى الحلال والحرام
وأما معرفة الحلال والحرام، مما لا تقوم شواهده من العقول، ولم تبلغ الحجة بعلمه على ما لا يشك فيه من علم ذلك، أو بعبارة حجة لا يسعه الشك فيها، فمعنا أنه قيل: هو سالم ما لم يبلغ إلى علم ذلك بعينه، وهو عالم به في جملته، ليس بجاهل له جهلا يلحقه حكم الجهل في دينه، ما لم يتقول على الله في ذلك، في حال ما لم يبلغ إليه علمه، في شيء من ذلك كله غير الحق، من تحريم حلال من دينه، أو تحليل حرام من دينه، أو ولاية عدو من أعدائه، بدين، أو براءة من ولي له بدين أو تضييع واجب أو ركوب محرم بدين، أو تضييع علم قد قامت عليه به الحجة بخلاف ذلك، أو تضييع سؤال يقدر عليه في وقت ذلك، أو ترك اعتقاد بطلب علم لما جهل من شيء من ذلك فهو سالم.
فهذا ما لم تقم عليه بذلك شواهد الحجة القاطعة لعذره، ولو ركب ذلك بدين في حال جهله من ولاية أو براءة، أو ركوب محرم، أو ترك لازم، فلا يسعه ذلك، ولو لم يكن بلغه بذلك شواهد الحجة بحكم ذلك.
ولو كان معتقدا لطلب علم ذلك معتقدا للسؤال عنه، لم ينفعه اعتقاد السؤال عند ركوبه لذلك بدين من قول، أو ترك لازم، أو ركوب محرم، فهو مقطوع العذر فيما عندنا أنه قيل بركوب ذلك الدين بالفعل، والولاية للفاعل، والبراءة من المسلم الذي جهل حقه وإسلامه، فإذا كان ذلك كله بدين منه، فلا يسعه ذلك، ولا ينفعه جهل علم ذلك، ولا اعتقاد السؤال عن طلب علم ذلك. (2/190)
صفحة 419
-
وأما القول في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال بالقول منه في ذلك، فمعي أنه قيل: لا يسعه ذلك برأي ولا بدين، والفعل بالرأي في مثل هذا من الولاية والترك اللازم، و ركوب المحارم، إذا لم يكن لذلك عالما، وكان اعتقاد السؤال عنه دائنا، فمعي أنه قيل: إنه لا يهلك بذلك، كهلاكه بذلك في القول منه بالرأي، واستحلال الحرام، أو تحريم الحلال من الدين.
وقد قيل: لا تجوز البراءة بالرأي قطعا، كما لا تجوز الولاية بالرأي، إلا من نزل بمنزلة القاذف، اذا كان من الضعفاء من المسلمين، فبرىء الضعيف من ولي المتبرىء بالرأي، وليس المتبرىء الضعيف الأول، ممن تقوم به الحجة، فيما قام به من الحق، على من سمعه يبرأ من وليه، فالبراءة بالرأي من المحق في هذا الموضع خاصة، على وجه الاباحة منه للبراءة من نفسه، ببراءته من ولي هذا بغير ما تقوم له الحجة به من قوله بالفتيا، ولو كان قد برىء منه على شيء قد استحى به الأول البراءة، فلما أن كان لا تقوم به الحجة في الفتيا، وظهر منه القدف، واستحق البراءة بحكم القذف، بلا قطع على حكم القدف، باعتماد من المتبرىء منه مع براءة منه أنه يبرأ من المبطل، ولو جهل ذلك عندنا، إذا لم تقم عليه شواهد حجة الفتيا من الضعيف الذي ينقطع بها عذره بها، وأباح هذا البراءة من نفسه، ببراءته من وليه بعد علمه بأنه وليه، أو بعد أن يكون واجب الولاية في الحكم، على جميع أهل الدار، وأهل البقعة، التي يحرم بها البراءة منه، لثبوت ولايته على أهلها.
وأما إن برىء منه بدين، أو وقف عنه بدين من أجل ذلك، ولو جهل ما يلزمه في ذلك، ولو كان قاذفا لوليه فجهل الحكم في ذلك، وقد صح أنه إنما برىء منه بحق جهله هذا، فبرىء منه بدين، أو وقف عنه بدين لم يسعه ذلك، ولو كان ضعيفا. (2/191)
صفحة 420
-
باب
الفرق بين الحكم في المستحلين والمحرمين
وأما استحلال المستحلين لما حرم الله، والمحرمين لما أحل الله، فمن لم يعلهم حرام ما استحلوا، ما حرموا من دين الله، ولو قالوا فيه بالدينونة، وهو لا يعلم حرمة دلك من جميع الأشياء من دين الله، مما لا تقوم عليه الحجة بعلمه، من شواهد عقله، من جميع الحلال والحرام، واللوازم والمآثم.
فمعي أنه قد قيل: إن ذلك يسعه جهله ما لم يتوله بدين، أو يتول من تولاه على ذلك بدين، أو يبرأ من العلماء إدا برئوا منه على ذلك، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يقف أو يبرأ من أحد من المسلمين المحقين بدين، من أجل براءتهم منه على ذلك، فلا يسعه على حال ولو جهل حرمة ذلك.
وأما إن علم حرمة ذلك، وجهل الحكم في المستحلين لذلك.
فمعي أن في ذلك اختلافا، فقيل: إنه لا يسعه ضلال من استحل ما حرم في دينه، أو حرم ما استحل في دينه بالادعاء على ذلك من المستحل، والمحرم بمخالفة دينه الذي يدين به، وهو بمنزلة ما وصفنا، فمن جهل ضلالة من شك في شيء من تفسير الجملة، أو الوعد والوعيد.
ولعل هذا القول فيه اختلاف أوسع وقال من قال: ما لم يبلغ إلى علم حكم ضلاله، فلا يضيق عليه ها لم يبلغ إلى علم ذلك، وتقوم عليه الحجة بعلمه، وهو في حاله هذا عندنا عند صاحب هذا القول بمنزلة من ذكرنا، ممن لم يعلم حرمغ ذلك في الولاية والوقوف، في العالم والضعيف.
وقال من قال: لا يسعه هذا الشك في قول العالم، وعليه تصديقه في (2/192)
صفحة 421
-
المستحلين، وفي أحكام المستحلين، إذا أفتاه بذلك، وكذلك الضعيف إذا عبر له ذلك عن فقيه، عبارة يكتفى بها عن تفسير ذلك عن الضعيف، أو تلا عليه كتاب الله بما يوجب حكم ذلك.
وقال من قال بالقول الأول، إنه ما لم يتوله أو يتول على ذلك بدين، أو يقف أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه برأي أو بدين، أو يقف، أو يبرأ من أحد من الضعفاء، إذا برئوا منه بدين من ضعفاء المسلمين.
وأرجو أن القول بأنه لا يسع جهل المستحلين إذا علم حرمة ما استحلوه من الدين، أنه أكثر ما قاله العلماء من المسلمين، وأكثر ما جاء في آثارهم وسيرهم أنه لا يسع جهل المستحلين الناقضين للدين الذي يدين به المسلمون، فليس له الشك في ضلالة من ينقض ما في يده بالدينونة، أو بالدعوى على الله، وإن حرم حلالا مما يدين به، أو استحل حراما مما يدين بغير الادعاء على الله في ذلك، فذلك عندي أنه أوسع إذا لم يبصر حكم ذلك لأن في ذلك اختلافا في جميع المعاني، ويمكن أن يكون يحرم ذلك برأي، وإن كان لا يسعه هو تحريم ذلك برأي، ولا استحلاله برأي، فان لم يبصر حكم ذلك فلا يضيق عليه ذلك عندنا في قول من قال بذلك لأن ذلك تأويل من الاستحلال والتحريم، وليس من يدعي على الله كمن لا يدعي عليه، عند الضعفاء الذين لا يبصرون حكم ذلك، وعلى كل حال فما لم يبلغ علمه إلى معرفة ذلك بما لا يشك فيه، ولم يخالف ما يجب عليه من ولاية المحقين في براءتهم من المحدث بوقوف عنهم أو براءة على ما وصفنا في الأول، فقد وسعوا في الأصل للضعيف في ذلك، أن يتولى المسلمين على براءتهم من جميع من خالفهم من المبتدعين.
والمبتدع لا يكون إلا باستحلال حرام، أو بتحريم حلال من دين الله، ولا يثبت عليه ولايته للمسلمين بالشرط، أن يتولاهم إلا على تأويل علمه بحدث المحدثين، ولو لم يكن عالما بحدث المحدثين، ما لزمه حجة في (2/193)
صفحة 422
-
المحدثين ببراءة المتبرئين، وإنما معنى ذلك في التأويل أنه يسعه الوقوف عن المحدثين، إذا عرف حدثهم، ولم يبصر الحكم فيهم، ويتول المسلمين على براءتهم منه.
وفي الجملة أيضا أن عليه أن يتولى المسلمين إذا ثبت عليه ولايتهم في الدين، ولو برئوا ممن لم يعلم حدثه، وليس له إنكار ذلك عليهم، وواجب عليه ولايتهم، ولو كانوا في الأصل برئوا ممن برئوا معه بغير الحق، ما لم يبرؤوا من ولي له هو تولاه بالحق على غير علم منه بحدثه هو، ولا قيام حجة عليه بعلم حدثه بما تقوم عليه به الحجة من شهادة، أو شهرة، فبرئرا من وليه بغير علم منهم بولايته لوليه أو لوجوب ولايته لوليه على، فلا يكون براءة المسلمين من وليه، ولو برئوا منه فيما عندهم، وفيما قد علموا منه بحق، يجب عليه به البراءة فليست براءتهم -وإن كانوا فقهاء علماء-عليه بحجة، بحجة باتباعهم على براءتهم ممن برئوا منه، ولو كانوا ألوفا، وهم جميع بذلك عند من برئوا منه من وليه قذفة مخلوعون مدعون، لا تجوز شهادتهم في ذلك الحدث الذي برئوا منه على من بوئوا منه أبدا، فيما قيل، ولو تابوا من براءتهم تلك، ورجعوا إلى الولاية، ثم شهدوا عليه بذلك الحدث الذي برئوا منه عليه به، كانوا في ذلك مدعين، ولا تجوز شهادتهم عليه، قلوا أو كثروا لأنهم كانوا في الأصل فيما قيل عليه مدعين، ولا تجوز شهادة مدع على الأبد، قل الشهود على ما يدعون أو كثروا، وكل ما كانوا فيه مدعين في حال فلا يزالون مدعين في حال، ولا يزالون مدعين، ولو تركوا الخصومة في ذلك، وقد ادعوه ثم رجعوا فادعوه، ولم ينفعهم ذلك، فهم مدعون في ذلك.
وكذلك لو برئوا من غير ولي له، قبل أن يشهدوا عليه، ولو كانوا علماء فقهاء، كانوا ببراءتهم في ذلك عنده مدعين على من برئوا منه فيما قيل، ولا تجوز شهادتهم عليه، ولو تابوا من ذلك ورجعوا عن براءتهم، ثم شهدوا عليه بذلك، لم تنفع توبتهم فيما قيل، ولم تجز شهادتهم في ذلك الحدث، (2/194)
صفحة 423
-
الذي أظهروا منه البراءة عليه، ولو بعد التوبة، ولو أنهم تابوا من براءتم تلك، ممن برئوا منه، وشهدوا عليه بحدث غير ذلك الحدث، مما تجوز به الشهادة في الأحداث عليه، كانوا في ذلك شهودا، ولو كان الذي برئوا منه مع ولي له، وإذا لم يتوله فشهدوا عليه بحدث غير ذلك الحدث الذي برئوا منه، فمعي أنه قيل: يكونون شهودا في ذلك، ولو لم يتوبوا من تلك البراءة منه لأنهم ليسوا مدعين في هذا الحدث، ولم يكونوا عنده ببراءتهم بذلك الحدث الأول قذفة، ولا مخلوعين، فلا تجوز شهادتهم من أجل ذلك، فشهادتهم بالحدث الذي لا يكونون فيه مدعين، تجوز شهادتهم، ولو شهدوا على الذي برئوا منه بعينه مع من لا يتولاه.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا تجوز شهادتهم عليه بحدث ثان، ولم يبرؤوا منه عليه إذا كانوا قد برئوا منه على غيره، قبل الشهادة، إلا بتوبة مما قد برئوا منه عليه لأنه في بعض ما قيل: إنه ما لم يكن الذي برئوا معه ممن برئوا منه معه، كان عليهم من ذلك التوبة لأنهم إذا أظهروا البراءة مع من لا يعلمون أيبرأ ممن برئوا منه أو يتولاه أم لا؟ فقد أظهروا البراءة على غير وجه، يامنون فيه من إباحة البراءة من أنفسهم عند من برئوا منه، فمن هنالك كان عليهم التوبة من إظهار ذلك فيما معي أنه قيل: وقال من قال: إنما ذلك إذا برئوا من وليه معه، لم تجز شهادكم على وليه في حدث غيره، حتى يتوبوا من براءتهم تلك لأنهم في حد القذف والخلع، فلا تجوز شهادة خليع إلا بعد التوبة منه، مما يستحق فيه الخلع، ثم يشهد فيما لا يكون فيه مدعيا، فافهم هذه المعاني والفصول.
ومن الكتاب: وقيل: كل شيء وراء هذا، يسع الناس جهله إلا أن يلزمهم الله فعل شيء أو تركه، فلا يفعلونه في الحال، التي أوجب عليهم فعله، ولا يتركونه في الحال، التي أوجب الله عليهم فيها تركه.
قال غيره: معنا أن دين الله - تبارك وتعالى - وأحكامه لا يختلف، وأن (2/195)
صفحة 424
-
كل حكمه واحد، لأنه دين الله، ولكل شيء من دين الله حكم، إذا وجب الحكم به، لم يسع مخالفة الحكم فيه، وما لم يجب الحكم به، فغير متعبد به من لم يجب عليه الحكم به، وليس شيء من ذلك معنا مقدم إلزامه إلا بعد قيام الحجة به، ونزول بليته، وكله دين الله، فكلما نزلت بلية العبد بشيء من دين الله، كان عليه حكم ما نزلت به بليته، وكل ما نزلت به بليته منه من عمل أو ترك أو علم ومعرفة وتصديق، أو قول فيما يجب فيه القول، ولا ينقطع عندنا عذر العبد في شيء من دين الله، إلا بعد بلوغ دعوة ذلك إليه، وقيام حجته عليه، فهنالك تزول بليته به.
وقد مضى مثل هذا بما فيه كفاية، إن شاء الله -تعالى- من الشرح والبيان، في الجملة، وتفسير ما جاء عن الله، مما هو مشبه لحكم تفسير الجملة، وفي غير ذلك تفسير كل شيء بعينه.
ومن الكتاب: وذلك أن الله - تبارك وتعالى - جعل الناس لا يسلمون أبدا إلا بمعرفة الذي ذكرنا في الجملة، التي لا يسع الناس جهلها، ثم جعل عليهم علم أشياء يسعهم جهلها أبدا، ما لم يتقولوا على الله -تعالى -في حال جهلهم، شيئا يحلون فيه حراما، أو يحرمون فيه حلالا، أو يلقوا الحجة فيخبرهم أنها نزلت من الله، فلا يؤمنون بهم ولا يصدقونهم، وأن يقعوا بفعل ما يصلهم مما نهاهم عنه، لأنهم إذا كانوا جهالا لما نهاهم عنه، فعليهم الكف، ومتى لم يتقولوا على الله في حال جهلهم شيئا، يحلون فيه حراما أو يحرمون فيه حلالا، أو يلقوا الحجة فتخبرهم عنه، ولم يفعلوا في الفعل الذي عليهم الكف فيه، فذلك واسع لهم أبدا.
قال غيره: قد مضى القول في تفصيل ما يسع جهله وما لا يسع جهله معنا، من أصول دين الله، وتفصيل وجوب كل شيء من ذلك في موضعه، وثبوت الحجة في الفتيا قبل لزوم العمل والانتهاء، ومع لزوم العمل والانتهاء وبلوغ حجة ذلك، ونزول بليته من كل أصل من ذلك في موضعه، أن الحجة (2/196)
صفحة 425
-
فيه واحدة في لزومه عند نزول بليته، مع بلوغ دعوته وقيام حجته.
فانظر في كل فصل من ذلك، فاجعله في موضعه إن شاء الله -تعالى-.
ومن الكتاب: وأما الذي يسعهم جهله حتى يجيئهم فعله من الله فالصلاة والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام، من استطاع إليه سبيلا، وصيام شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وأشباه ذلك، فهذا يسعهم جهله حتى يجيئهم من الله ما أمرهم به من الصلاة في وقتها، فإذا ذهب وقت الصلاة ولم يعلموها، ويصلوها قبل ذهاب وقتها، صلوا وكفروا.
وكذلك الزكاة ورمضان والاغتسال من الجنابة وأشباه ذلك، وأن لا يصلي صلاة حتى يذهب وقتها.
قال غيره: معنا أن هذا خاص فيمن امتحن بلزوم مثل هذه اللوازم، من الوضوء للصلاة، والغسل من الجنابة في وقت الصلاة، أو جاء وقت الصلاة وهو جنب، أو دخل عليه شهر رمضان، وقد بلغه خبر لزوم هذه الفرائض وعلم أحكامها، فجهلها وجهل العمل بها، أو العمل بشيء منها حتى فات وقتها من غير عذر فلا يسعه ذلك، وإن كان لم يبغه خبر ذلك، ولا سمع به، ولم يكن بحضرته من يقدر على طلب علم ذلك منه، في وقت ذلك، ولم يستدل على ذلك، ولا علم شيئا منه على وجه من الوجوه للعلم، ولا حسن في عقله تادية ذلك، وجوبه بوجه يقدر عليه، واعتقد طلب علم ذلك بعينه، إن اهتدى إلى علم ذلك، أو اعتقد وكان معتقدا لطلب علم جميع ما يلزمه، والسؤال عنه، ولم يضيع شيئا من ذلك بدين ولو جهله، أو بعد علمه، أو تضييع السؤال عما قدر عليه، مما يرجو إدراكه أو طلب ذلك واعتقاد السؤال عنه.
فقد قيل: إنه لا يضيق عليه ذلك، على هذه الصفة، وقد مضى تفسير (2/197)
صفحة 426
-
هذا فيما قد مضى، فانظر فيه، وإنما هذه آثار مجملة تجري على تأويل الحق أنه ليس له أن يجهل ما يلزمه، وهو كذلك أنه إذا لزمه شيء، لم يجز له أن يجهله ولا يدعه لجهله، ولكن صحة التأويل أنه لا يلزمه ما لا يقدر عليه، ولا يقدر على البلوغ إليه، بسقوط كل ما عجز عنه من جميع دين الله إذا عذبه، ولا يكون عدم أشد من عدم العلم المستدل به على العمل، إذا علم وجوب العمل، وعدم العلم الذي يستدل به على العمل، وعدم علم العمل ووجوبه أشد عدما، وأوضح عذابا إذا لم يقدر عليه، أنه لا يكون لازما له، وإذا قيل لك أنه ما لزمه وجب العمل به، ولم يسعه جهله، فقل: نعم عليه ذلك كما قلت، ولكن لا يكون لازما له العمل به، ما لا يقدر على العمل به أبدا.
ولا يسمى لازما له، يقدر عليه، ولو كان عالما به، من الصلاة والصوم والحج والوضوء والغسل وجميع ذلك، إذا عجز عن ذلك بوجه من الوجوه من المعجزات، لم يكن ذلك لازما له، من حكم كتاب الله - تبارك وتعالى -، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن إجماع المسلمين، وكل ذلك موجبا له العذر البين، أنه لا يسمى لازما له، ما هو معذور عنه بوجه، ولا عاجز عنه بوجه، كذلك هذا غير لازم له بوجه ولا يقدر عليه، ولا على البلوغ إليه، وإنما يلزمه من ذلك كله، ما قدر على البلوغ إليه في حينه، من التماس علم ممن حضره، أو اعتقاد التماسه، إن لم يجده ممن حضره، على ما هدى إليه من معرفة ذلك، من التماس عذر الحاضر من اللازم، إن هدي إليه، أو من علم جميع اللازم له في جملته ما قدر عليه، واهتدى إليه من ذلك، ولا يكلف من جميع ذلك إلا ما يقدر بلا شك في ذلك ولا مرية، ولا يسمى لازما له واجبا عليه من جميع الأشياء إلا ما قدر عليه، وذلك ما لا شك فيه ولا ريب، من جميع من أبصر العدل، ولم يضل عن عدل التأويل، ولم يحمل حكم الخاص على العام، ولا العام على الخاص، فافهم ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن الكتاب: وأما الزكاة، فإن كان وقتها أطول من وقت الصلاة، لأن رجلا لو حلت زكاته اليوم، فأخرها إلى الغد ثم أخرها من بعد الغد لم (2/198)
صفحة 427
-
يضل ولم يكفر، والصلاة لو أدخل صلاة الليل في صلاة النهار، وصلاة النهار في صلاة الليل ضل وكفر، إلا أن ينام فيذهب به النوم، أو ينسى حتى يذهب وقتها، فلا باس عليه ويصلي إذا انتبه وذكر، وأما من جهلها ولم يعلم أنها عليه حتى ذهب وقتها فقد ضل، ومن علمها وضيعها فقد ضل أيضا، ويفسق بضياعها.
قال غيره: أما الناعس والناسي والمضيع بعد العلم، فمعنا أنه كذلك، وكذلك يخرج في التأويل فيه، إلا أنه أحسب أنه في بعض القول أن الناسي والناعس في الصلاة اللازمة له، العالم بلزومها، إذا لم يذكر ذلك ولم ينتبه حتى مات الوقت، أن بعضا لا يوجب عليه إعادة ذلك في غير وقته، لأنه كان معذورا، زائلا عنه حكم التعبد لذلك بنسيانه ونومه.
وأحسب أن أكثر القول أن عليه الصلاة، إذا ذكر وانتبه، ولو كان قد فات الوقت، ولا إثم عليه في ذلك على تبعة غير الصلاة.
وأما المتعمد لتضييعها بعد العلم بها ووجوبها عليه، فهو كما قال، ولا أعلم لهم في ذلك عذرا، إلا التوبة من ذلك والاستغفار والصلاة، وإن كان قد فات وقتها أولم يفت فعليه الصلاة، ولا يبين لي فيه اختلاف في الصلاة أنها عليه، إذا تركها متعمدا ولو فات وقتها.
ومن الكتاب: وأما الزكاة، فلو جهلها جاهل، ثم أخرج زكاة ما ضيع من زكاته قبل موته، وكان مقرا بالجملة التي لا يسعه جهلها لم يضل، وأما رمضان فمثل الصلاة والغسل من الجنابة.
قال غيره: من جهل شيئا من دين الله فقد هلك بجهله، والجاهل لا يكون مؤمنا معنا، وإن كان مقرا بالجملة كما قال مؤمنا، فلم يبلغه علم ما وجب عليه من الزكاة في ماله، لم نقل أنه جاهل وهو مؤمن عالم بما يعبده الله به، ما لم يبلغه الحجة بشيء مما يلزمه، وقد مضى في أمر الزكاة والحج (2/199)
صفحة 428
- (2/200)
صفحة 429
-
ذلك، فليس عليه من ذلك إلا ما يطيقه، إلا أن عليه اعتقاد السؤال، عما يلزمه من ذلك، إن قدر على علم يوقعه على لزوم ذلك له، وإلا كان عليه اعتقاد السؤال عن طلب ما يلزمه من جملة ما يلزمه من دينه، ومن طاعة خالقه، ولا يهلك عندنا بما لا يقدر عليه، ولايبلغ إليه طوله بوجه من الوجوه، فإن قدر على علم ذلك من المعبرين له، فقد قيل في بعض ما قيل عندي: إن عليه علم لزوم له ذلك بعينه، من كل شيء يجب عليه العمل به، والعمل به مع علم لزومه.
وقال من قال: ليس عليه العلم لتأويله الذي يبلغ به إلى تأديته تعليما، وليس عليه علم لزوم الشيء بعينه، لأنه إنما يلزمه العمل به ولا يلزمه العلم له، من جميع الأعمال في جميع الأحوال، لأنه مقر به ودائن به في جملته، وإنما أمره الله بالعمل به، ما كان من الدين عملا، وكذلك إنما أمره الله - تبارك وتعالى - عن الانتهاء عما كان في دين الله محجورا يجب تركه، فإن ما عليه من دين الله - تبارك وتعالى -، و الإيمان والعلم بما أمره الله به، وتعبده بعلمه مما كان التدين به علما، وايمانا مثل الإيمان بالله وملائكته ورسله، والجملة التي يدخل فيها جميع ما تعبده به من العمل والترك، فإذا آمن وعمل وصدق بالجملة كان عالما مصدقا مؤمنا، بجميع ما فيها من تصديق وعلم، وعمل وترك، فإذا نزلت بليته في شيء منها ومن حكمها، يكون إيمانا وعلما وتصديقا لم يجزه دون ذلك فيما نزلت به بليته، وقامت به عليه حجمه، فإذا نزلت بليته من دين الله في شيء يكون عملا، وبلغته حجته، فإنما عليه العمل به، فكذلك ما نزلت به بليته من دين الله تركا مما تعبده بتركه، فإنما عليه تركه ومجانبته، وان لم يعلم لزوم تركه ولا علم جرمته، فليس عليه علم ذلك، وإنما عليه من دين الله كله علم ما أمر الله بعلم أو عمل ما أمر الله بعمله، والانتهاء عما أمر الله بالانتهاء عنه، ولا أعلم شيئا من دين الله يخرج إلا على أحد هذه الأصول الثلاثة، العلم والعمل والترك، ومعي أنه قد قيل: إنه إذا جاء وقت رمضان وهو مسافر أو مريض، فهو معذور عن العمل به، لأنه (2/201)
صفحة 430
-
في الأصل مخير بين الصوم والإفطار في السفر، وكذلك المريض هو معذور عن الصوم، فمن عذر عن شيء، ولو كان في الأصل مخيرا، لأنه ولو لم يبلغ إلى معرفة التخيير، فوافق ما هو جائز له فليس عليه غير ذلك، ومن هاهنا أيضا كانت حجة من قال: إنه ليس عليه العلم بلزوم ما لزمه العمل به، ولا لزوم علم ما لزمه الانتهاء عنه، إذا بلغ إلى العمل والانتهاء، بغير معرفة اللازم، كعلم العالم ولا علم حرمة المحارم، كما علمها العلماء، وإنما عليه الترك والعمل به لما ألزم العلم به، ومن لم يجد الماء للغسل من الجنابة و للوضوء للصلاة عند حضور الصلاة، فعليه التيمم بالصعيد ولا يعذر بذلك إذا قدر عليه، وبلغ علمه إليه ولزوم العمل بالتيمم بالصعيد، عند عدم الماء والعذر فيه بمنزلة لزوم العمل بالماء للصلاة، وما لزم فيه العمل على التعبد بالغسل بالماء، ومن الطهارات بالماء فعدم الماء، وكان له عذر، كان التيمم بدلا عنه في اللازمات، فيما لا بد أنه من الطهارات، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وأما نجاسات الثياب إذا عدم فيها، فمعي أنه قيل فيها باختلاف، و أكثر القول والمشبه للحق من ذلك أن عليه من طهارة الثياب للصلاة، عند عدم ما عليه فيما لا بد أنه من التيمم بالصعيد، لأن ذلك مشبه لهذا في لزوم الطهارة.
وأما قوله فهذا مما عليهم فعله وعلمه قبل مجيء وقته، فهذا لا يخرج عندي إلا أنه غلط أو سقوط من الكتاب أو زيادة فيه، مما حول معناه، ولا أعلم أنه يجوز أنه يكون العمل به قبل وقته، وهذا فاسد من القول، أن أحدا من أهل العلم قال إن عليه علم مثل هذا، قبل مجيء وقته الذي يجب العمل فيه، ومتى ثبت هذا أن يلزم الناس علم ما لم يلزمهم في التعبد في حرف واحد، لزمهم ذلك في جميع دين الله، وإذا لزم ذلك في جميع دين الله صح أن ذلك باطل وأنه لا يطيقه العباد بحال، وما كان لا يطيقه العباد بحال لم يجز أن يلزمهم الله إياه، في أمر ما تعبدهم به، لأنه لا يكلفهم (2/202)
صفحة 431
-
فوق طاقتهم، بذلك أخذ عليهم الميثاق ولهم بذلك ثبت الكتاب والسنة والإجماع معنا، قولا وفعلا.
باب
الفروق بين الصغائر والكبائر
وأما إذا أتى شيئا من ذلك على العمد، أو على غير حكم الخطأ، مما يشبه العمد، لأن شبه العمد وشبه الخطأ لاحق بالخطأ في الأحداث، في أحكام المعاصي وأحكام الحقوق.
فمعي أنه قد قيل: إذا أتى من جميع ذلك من المحجورات، في نفس أو مال، ما يخرج في حال التعارف له، أنه ليس من الجائز للحلال بين الناس المباح من المحجورات، الذي لا يخرج مثله من وجه الإباحة، ولا من وجه التعارف، ولا ما يشبه ذلك في مال أو نفس، فهو حرام ولاحق بالكبائر، ولا مثل الدفرة في الانسان، التي لا يخرج معناها إلا ظلما، كذلك الضربة التي تشبه ذلك والرمية، وكذلك ما كان من أموال الناس أخذه على العمد، والقصد إليه على غير ما يجوز بين الناس، ولا يخرج إلا حراما محجورا، فذلك كله لاحق بالكبائر في بعض ما قيل.
وأحسب أنه قيل: ولو رماه ببعرة ظالما له، خرج ذلك مخرج الكبيرة، وهو راكب بمثل ذلك كبيرة، إلا ما يخرج مثل ما لا يكون ظلما من السدعة في البدن، ومثل أخذ الحبة والحبتين وأشباه ذلك، مما لا يخرج معناه معنى الظلم، فإنه لا يكون مثل ذلك ظالما، ولا يلحقه حكم الكبير بمثل ذلك، إلا أن يضر على ذلك، فإن الاضرار على ما كان قليلا أو كثيرا، مما يضمنه من الحقوق في أموال الناس وأبدانهم، فلا يسعه ذلك، والمضر بإضراره راكب (2/203)
صفحة 432
-
الكبيرة، فيما عندي أنه قيل.
وأحسب أنه قيل في مثل هذا: ولو أنه كان يخرج مخرج الظلم وكان ظالما، فلا يكون فعله له كبيرة، يكفر به إلا أن يصر عليه، أو يأتي من ذلك ما يستحق في ذلك الحد، مثل السرق، ولو سرق أقل من أربعة دراهم، على وجه التلصص والسرق، لم يكن بذلك التلصص والسرق راكبا الكبيرة، في هذا القول، لأن الكبير قيل: ما يستوجب فاعله حدا في الدنيا أو وعيدا في الآخرة، فمن أتى مما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، ففعله مكفرة وكبيرة من حين ما يقع في فعله، فإذا أتى مثل ذلك كان كبيرا، أو ما أشبهه، فاحسب أنه قيل: إذا سرق من أموال الناس ما يجب فيه حد مثل الحد أتى كبيرا، وكذلك لو أخذ ذلك على وجه الاختلاس والضرر الذي لا يجب فيه حد، فهو إذا أخذ من ذلك أربعة دراهم أو قيمتها، كان مثل الكبيرة، لأنه مثل ما يجب به الحد، وكذلك إن أخذ ذلك من مسجد أو كسوة الكعبة، وأشباه ذلك مما جاء فيه الأثر، أنه لا حد فيه، فاصاب مثل ما يجب فيه الحد في السرق، فقد أتى مثل الكبيرة، والمثل للشيء لاحق به في الحكم.
وقيل: من أن ما يجب به حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعن من الله ورسوله، فهو لاحق بالكبيرة.
فاحسب أنه من ذهب إلى هذا القول، أنه إنما ذهب في السرق وما أشبهه، لأنه لا يكون كبيرا، ولوكان ظلما بغير الحق، إلا أن يكون مثل ما يجب به الحد، وأحسب أنه من ذهب إلى هذا القول، أنه إذا أتى من جميع ذلك، ما لا يخرج بين الناس إلا ظلما وعدوانا، فانه بالظلم والعدوان نفسه، كان مستحقا لركوب الكبير، لقول الله -تعالى -: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول (2/204)
صفحة 433
-
الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالين) (1).
فدخل اسم الظلم على جميع الظالمين، بأي شيء كان ظلما، مما لا يخرج بين الناس إلا ظلما، وقد قيل عن بعض أهل العلم، أنه قال: أصل ما دنا به أنه من ظلم حبة فما فوقها فهو كافر والكافر لا يكون كافرا إلا بركوب كبيرة.
وقد قيل عن بعضهم أنه قال: كل ما عصى الله -تعالى- به من المعاصي فهو كبير، لأنك لا تنظر إلى صغير الذنب، ولكن انظر إلى من عصيت، يعني انظر إلى من عصيته إذا عصيته، فابصرت من عصيت، عصيت عظيما كبيرا، فجميع معصيته عظيم كبير، لأنه لا يشبهه شيء -تبارك وتعالى -، كذلك معصيته لا يشبهها شيء من المعاصي، من معاصي غيره من خلقه.
وأحسب أن هذا مما يختلف فيه، لأنه قد قيل: إن الطريقية أحسب أنهم دانوا بذلك، أن الذنوب كلها صغيرها و كبيرها كبائر، فعاب ذلك المسلمون عليهم، وجعلوه من خلاف الدين، وإنما خالفوا الدين معنا على معنى ما أحسب أنه قيل، إذا انتحلوا ذلك دينا، ولم يقولوا به على وجه ما قيل من الاختلاف، ولو قالوا به على وجه الاختلاف، ولم يدينوا به، لم يكن معنا ذلك خلافا في الدين، ولكنه لما دانوا بما يجوز فيه الرأي، كانت دينونتهم بما يجوز فيه الرأي خلافا في الدين، لأن الرأي قد أثبته الدين رأيا، فمن انتحله دينا فمعنا أنه قد خالف الدين، ومن أجاز الدين في الرأي، فمعنا أنه قد خالف الدين، لأن الدين لا يجوز فيه الرأي معنا، والرأي لا يجوز فيه الدين.
__________
(1) -18 من سورة هود (2/205)
صفحة 434
-
والدين معنا ما ثبت ني الكتاب نصا أو تأويلا، لا يجوز فيه الاختلاف، أو ما ثبت في السنة كذلك، أو ما ثبت في الإجماع كذلك، أو ما أشبه هذا، فمعنا أنه من الدين، ولا يجوز خلافه بدين ولا برأي، وما عدا هذا وما أشبهه، ولم يأت فيه بذلك فهو معنا وجه الرأي، لأهل الرأي، ومن بلغ إلى علم الرأي، في شيء من أصول الدين، أومن فنونه أو من أبوابه أو من وجه من وجوهه، فهو كذلك، وله القول في ذلك الذي أبصره، وبلغ إلى علمه، وأبصر وجه الرأي فيه، وليس كل من بلغ إلى علم ذلك أبصر وجه الرأي فيه، كما أنه ليس كل من حفظ شيئا من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع، وما أشبه ذلك، أحسن تأويلا بالعدل، كذلك ليس كل من بلغ إلى حال، يجوز لبالغه الرأي أن يقول بالرأي، إلا ببصره وجوه الرأي، كما لا يجوز له التفسير لما عرف بعينه، إلا ببصره للتفسير -، وان كان يعرف الشيء بعينه، فالذي يطلب عنه الشيء بدلائله التي عنده، أبعد وأحرى أن لا يثبت له ذلك، ولا يجوز له إلا بمادة بصر ونظر من عنده، يبصر به وجه ما يجتهد لالتماسه، من إصابة الحق في الرأي، فافهم ذلك إن شاء الله.
وأحسب أن الذي يذهب إلى كل ما خرج على وجه الظلم إنها كبيرة، مما لا يشبه الصغيرة، لثبوت قول الله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكهم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (1).
فمواقعة الظلم والعدوان لما لا يخرج على وجه الرضى، وتعارف المتعارفين في ذلك من أفعالهم، في أموال بعضهم بعض، هو من وجه
__________
(1) -29،30 من سورة النساء. (2/206)
صفحة 435
-
العدوان والظلم، كان من وجه العدوان والظلم، فقد ثبت فيه مجملا الوعيد واللعن من الله - تبارك وتعالى -، فلذلك ذهب من ذهب أحسب إلى هذا، ولم ينزله منزلة الصغير، لأنه قد ثبت فيه الوعيد واللعن، وصار أصلا لا يحتمل إلى غيره.
وأحسب أن الذي يذهب إلى مثل هذا، أنه لا يجعله كبيرا، ففي الأموال يذهب فيها إلى نحو ما ذكرت لك في الأبدان.
وأحسب أنه يذهب إلى أنه لا يكون كبيرا، من الجناية في الأبدان، إلا ما كان مشتبها في الحد في الأبدان، فأما في الجروح في الأبدان، فلا يشبه ذلك معنا في الحدود، إلا مثل قطع جارحة من جوارحه، أو ما أشبه ذلك، حتى أحسب أنه قيل: ولو ثبت فيه القصاص لم يكن ذلك مشبها للحد، ولو كان فيه القصاص.
ومعي أنه إذا صح هذا المذهب، فما أشبه الجارحة فهو مثلها، وما قطع وأبين من الجوارح، أو من شيء منها فهو مشبه، لإبانة الجارحة، وهو مثل إصبعه أو أنمله، من إصبع أو شيء منها، بائن أو شيء من جوارحه، فأبانه فهو مشبه لثبوت الحد فيه.
وأحسب أنه قيل على هذا المذهب: إنه لا يكون كبيرا إلا حتى يجب فيه القصاص، فإذا ثبت في حدثه القصاص، فهو مشبه لإزالة الجارحة، لأنه قد قيل غير الحال في البدن، ولأن القصاص شيء يشبه الحد، لأنه لازم في البدن، لا في المال، ولا يشبه في البدن إلا ما أشبه الحد، لأن الحد في البدن والقصاص من البدن، فهما مشتبهان وما أشبه الشيء فهو مثله.
وأما ما كان من الضرب أو الرمي أو غير ذلك، مما لا يثبت فيه القصاص، وإنما هو أرش، فهو ضامن لما لزمه في ذلك، وغير مستحق حكم الكبير، إلا أن يصر على ذلك، أو لا يتوب. (2/207)
صفحة 436
-
ومعي أنه يخرج ولو ثبت هذا أنه لا يكون كبيرا إلا ما أشبه الحد في البدن، فإنه قد ثبت الحد في البدن ضربا بالسياط، في حد الزاني البكر، والقاذف وشارب الخمر والسكران، من الشراب المسكر، فإذا أتى مثل ذلك في غيره ظلما فقد أتى ما يشبه الحد.
وأما ما كان ظلما فهو مثل الحد، والمثل لو تفاضل وكان شيء أشد من شيء فإن اشتبه في المعنى، فقد اشتبه وتلاحقت أحكامه وكان متساويا، كما أن حد الزاني أشد في الجلد من حد القاذف وحد القاذف أشد من حد الخمر، والسكران فيما معي أنه قيل وكله حد ثابت مسمى حدا.
وكذلك الضرب إذا كان ظلما، فهو مشبه لضرب الحد، ومشبه للحد فإن تفاضل في الشدة وفي الكثرة، فإنه كله متساو في المعنى، ومشبه في الحد.
فإذا كان الضرب بالسوط حدا، فالعصا مثل السوط وأشد، وكذلك القضيب مثل العصا وان تفاضل، والركزة باليد والضربة بها مثل الضرب بالسوط، وكذلك قد ثبت الحد رميا بالحجارة، في حد الزاني المحصن، وهو حد وان تفاضل، لأنه لو وقع على المقر بالزنا، أول رمية الحجر لم يجرحه، ولم يؤثر فيه، كان قد ثبت عليه الحد، ولو رجع عن إقراره، لأنه قد وقع عليه أول الحد، لأن الحد في الرجم إنما هو الرمي، فإذا وقع عليه الرمي فقد ثبت عليه الحد رميا وضربا، ومن أتى ما يشبه الحد وان تفاضل، فقد لحقه حكم الحد في التشابه، وكل منهم يذهب مما وصفت لك من قولهم إلى ما يخرج عندي، على أصل العلة يصح إن شاء الله -تعالى - فأما من أصاب شيئا من المال، أو من الأبدان على وجه المحاربة، كان ذلك قليلا أو كثيرا، فمعي أنه قد أتى فيما قيل بذلك كثيرا، بنفس المحاربة، لأن نفس المحاربة واقع عليه بها وجوب الحد، وكذلك من حارب على البغي، وكان في جملة البغاة، أصاب أو لم يصب، فقد أتى كبيرة بالبغي بغير الحق. (2/208)
صفحة 437
-
ومن أعان على الظلم بشيء من المعونة سلطانا أو غيره من الظالمين، فمن يتغلب بالظلم ويقهر به، فإنه على ظلمه، على ظلم قليل أو كثير بشيء من المعونة، يكلمه أو يمده في دواة أو يبري قلما أو كتابا قاصدا بذلك المعونة للظالم على ظلمه، فمعي أنه قيل في هذا كله كبيرة، كانت المظلمة قليلا أو كثيرا، كذلك معي أنه قيل: إنه من يشهد بزور أو يحكم بجور، على قليل أو كثير من المظالم، أو بخس في المكيال أو الميزان، قليلا أو كثيرا، فقد أتى بذلك كبيرا، وهذه الأشياء التي تثبت بعينها اسم الكبير، ولا ينظر فيما أصيب بها من قليل أو كثير، وإنما الاختلاف على ما وصفت لك عندي، على ما أتى على غير هذه المعاني، التي ثبت بها اسم الكفر، فانظر في فرق ذلك ولا تعب عليك، إن شاء الله، وبالله التوفيق.
باب
الوالدان و الاحسان إليهما وصلة الرحم
وأما الاحسان والبر بالوالدين، وبذي القرب واليتامى والمساكين، إلى آخر المعنى، فمعنا أن ذلك من الواجب، إذا خص حكم ذلك بعينه، وإلا ففي الجملة الدائن بها، والمقر بها من تعبد بذلك مكتفيا، فإذا ثبت شيء من ذلك، ونزلت بليته بمخصوص بعينه، وجب على ما يستحق كل منهم من أحكامه، على ما ثبت من أقسامه، من خاص ذلك أو عامه، ولكل منهم حق ثابت، إذا خص الحكم به، بما لا يختلف الحكم فيه، مما يفوت العمل به، من وقوع ضرر في تضييع لازم، أو ارتكاب شيء من المآثم، لم يسع ذلك معنا، وكان ذلك لاحقا بحكم ما يجب العمل به، في الوقت الذي لا يجوز ترك العمل فيه، وما كان من ذلك إنما هو من البر والمواصلة، فما لم يقع (2/209)
صفحة 438
-
هنالك قطيعة باعتقاد، فأرجو أنه مما يجوز التوسع بذلك، وقد قيل في بعض ما قيل: إن الصلة في جميع ذلك التي أمر الله بها، يخرج تأويل ذلك أنه تجري المواصلة بالاعتقاد بالقلوب، الأعمال بالأبدان واللسان، إلا أن تظهر قطيعة بشيء من ذلك.
فعندي أنه لا يجزىء إدا ظهر في القطيعة، بشيء من ذلك، إلا الخروج منه بمثله من الفعل أو القول، إن أمكن ذلك لثبوت التوبة من الذنوب، أن السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية، كذلك هذا معنا إذا ثبتت القطيعة بالفعل أو بالقول، لم تثبت معنا الصلة إلا بالرجوع عن ذلك بمثله، إذا لم يكن في ذلك عذر من تقية، أو غيرها، في مال أو نفس أو دين.
وأما ما لم يقع قطيعة فلا يبين لي أن تثبت المواصلة في الإجماع، إذا قامت بذلك الحجة، إلا بالاعتقاد للمواصلة لهم على ما أمر الله به، فإذا ثبت معنا غير ذلك من المواصلة بالأبدان أو بالمقال، فذلك خارج معنا على أنه قيل: إنه إنما يلزم مرة واحدة، وأحسب أنه قد قيل: إنه يلزم ذلك، أنه كلما حدث لما يحدث منهم مواصلة فرح أو حزن، وإنما يوصل الوقوع الفرح به والحزن، فيهنىء الفرحة ويعزي الحزنة، ويشارك في فرحه وحزنه، لتعظيم حق الله فيه، وادخال السرور عليه، وأحسب أنه قيل من قطع نفسه وماله، فقد قطع من حق المواصلة، لمن تجب مواصلته بالنفس أو المال أو أحدهما كاف، وربما كانت المواصلة بالنفس أفضل، وذلك لمن لا يحتاج إلى المال، وربما كانت المواصلة بالمال أفضل، لمن يحتاج إلى المال، ومن وصل بأحدهما معنا، فقد وصل، إذا أراد المواصلة لمن تجب مواصلته، وحقوق هؤلاء الذين أوجب الله مواصلتهم، والاحسان إليهم، وبعضهم أوجب من بعض، وبعضهم أخص من بعض، وتفسير ذلك يطول، فيجعل لكل ذي حق منهم حقه على ذلك، بصدقة إن شاء الله -تعالى-.
وسائر ما بقي من هذه الأعمال التي قال أتى بها تثبت الولاية، ويجب (2/210)
صفحة 439
-
الحق، فقد مضى القول فيها مجملا، ومضى ما مضى منها مفسرا، وما بقي مما لم يفسر ومن ظواهر أمورها، ومما هو موجود غير معدوم تفسيرها، وتفسير كل حرف منها، لعله مما يشتغل به عن الإرادة، وجميع الحقوق وجميع الحدود، وجميع الأحكام من أحكام الاسلام كل شيء من ذلك له خاص وعام، وتفسير وتأويل وسعة وضيق، ولا يجوز أن يخالف شيئا من أحكام ذلك لغيره، ولا يضيع شيئا من ذلك لغيره، ويجب أن يجعل حكم كل شيء من ذلك في موضعه، ويلحق بأهله من حق لهم أو عليهم، أو حد لهم أو عليهم، أو عداوة أو ولاية أو قطيعة أو مواصلة، ولا يجزىء شيء من ذلك عن غيره، ولا يضيع شيئا من ذلك لغيره، إذا زال الغير، وليس إلا موافقة الحق في كل شيء بعينه، من قول أو عمل أو نية، ولا يثبت شيء من أبواب طاعة من عامل على معصية، مقيم عليها بثبوت الإيمان ولا يبقى لعامل بطاعة، طاعته على وجه ثبوت لم الإيمان، مع ركوب معصية أقام عليها، بما يكفره ركوبه و الإصرار عليه، ولا توفيق لأحد إلا بالله، عليه توكلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير.
باب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ثبتا
وأما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهما فريضتان على من أطاقهما، لأنهما عملان على من أطاق العمل بهما، وقيل: إن على القادر على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الفعل بيده ثبت عليه ذلك، إذا لم يكن في حال تقية تسعه من تقية على نفسه، أو ماله أو دينه، فإذا لم يتق على نفسه تقية، وقدر على الإنكار، ولم يخش من إنكاره ذلك، يتولد عليه ضرر في دينه، أو نفسه أو ماله، يرجع فيه إلى حال تقية، وحضر فيه لزوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان عليه ذلك بالفعل، فإن لم يقدر (2/211)
صفحة 440
-
فباللسان، إلا أن يتقي تقية، فان لم يقدر فبالقلب، وهو أضعف الإنكار، فيما قيل، وهو معنا مما يسع جهله، إلا في جملة الصفة إذا خطر بباله، أو سمع بذكره في جملة المعروف والمنكر، فعرف معنى ذلك، واستدل عليه أن المعروف طاعة الله، والمنكر معصية الله، فعليه إنكار المنكر، وتصويب المعروف في اعتقاده وذلك في الجملة.
وأما معروف بعينه، أو منكر بعينه فهو مما يسع جهله معنا فإذا نزل بمنزلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في حال لا يختلف فيه أنه عليه، ولازم له فجهل ذلك، وقد لزمه ذلك بقول أو فعل بامر، لا يختلف فيه أنه عليه لازم له، أو بينة فعليه في هذا إذا كان منكرا يخاف فوته، و وقوع المنكر، ووجوب الضرر من جميع الفائتات من اللازمات، فعليه في هذا الوجه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر معنا، اذا كان لازما له من السؤال، واعتقاد التوبة، والاجتهاد في طلب العلم، كمثل ما على من جهل الوضوء للصلاة، والغسل، والصلاة والصيام، وجميع اللازمات من الفادسات، فإن قصر في ذلك في اعتقاد طلب العلم، والسؤال عما قدر عليه ممن قدر عليه، فان ضيع ذلك، أو شيئا منه، وهو ممن يلزمه إنكار ذلك، وهو مما يفوت وقته ضاق عليه ذلك، ولحق بحكم اللازمات والفائتات معنا، وإذا كان ذلك الأصل من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يفوت وقته.
وهو معنا أوسع، ولا يهلك بجهل ذلك، ولا بترك السؤال عنه ما لم يصر إلى حد الفوت، وهو على جملة اللوازم له، ما لم يعجز عن ذلك بحال من الحال، زال حكمه عنه، فهو ما لم يأت منكرا، أو ينه عن معروف، أو يدع في ذلك علما قامت عليه به الحجة، أو يشك في قول الحجة، المعبرة له ما يلزمه من ذلك، فهو سالم، وفعل ما يخاف فوته من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يخرج معنا قيام الحجة فيها من الفتيا، من وجه ما يخرج من اللازمات الفائتات، وقد مضى القول في ذلك. (2/212)
صفحة 441
-
وقد قيل: بجميع من غير ذلك.
وقد قيل: لا يكون إلا بأهل الصدق المامونين ممن كان من الضعفاء والعلماء، ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا، أنه يقوم من الضعيف والعالم، من أهل الثقة، والصدق، ولو لم يكن من العلماء إذا قاموا عليه بعبارة ما لزمه العمل به، والقول في ذلك الوقت، وكذلك هذا الفصل عندنا من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذا خرج عملا على هذا الوجه. (2/213)
صفحة 442
[صفحة بيضاء] (2/214)
صفحة 443
تم بحمد الله الجزء الثاني من كتاب المعتبر ويليه إن شاء الله الجزء الثالث (2/215)
صفحة 444
[صفحة بيضاء] (2/216)
صفحة 445
الفهرست
رقم الصفحة
الولاية .......................................................................... ه
باب ذكر ولاية من حلف بثلاثين حجة ............................................. ه
باب ذكر ولاية الولي إذا لزمه الحدث فمات قبل ان يقام عليه الحد ..................... 6
باب ذكر الشهادة بالتوبة بعد موت المحدث أو ولاية بغير شهادة ....................... 8
باب ذكر من ثبتت ولايته في حكم الظاهر كيف تزول؟ ............................. 12
باب ذكر حدث الولي في حكم الظاهر ............................................ 14
باب ذكر من يتولى بنظره وصفة ذلك ............................................. 15
باب ذكر معنى قبول الولاية بالرفيعة وثبوتها وجوازها ................................ 19
باب ذكر ولاية الطفل بولاية أحد والديه ......................................... 22
باب ذكر معنى ولاية المجنون وحكمه ............................................... 25
باب ذكر ولاية الأعجم وحكمه ................................................. 27
باب ذكر ولاية المتلاعنين وحكمهما ونحوها ........................................ 28
باب ذكر ولاية المتبرئين من بعضهما بعضا ....................................... 29
باب ذكر معنى شهادة الشاهدين على أحد من المسلمين ممن له ولاية مع من يتولى ........ 35
باب ذكر معاني البراءة في حكم الظاهر ........................................... 37
باب ذكر صفة براءة من يبرأ من السعداء ......................................... 38 (2/217)
صفحة 446
رقم الصفحة
باب ذكر معنى البراءة قبل الاستتابة من المستحل وغيره ............................... 44
باب ذكر معنى شهادة النساء بالبراءة ............................................... 46
باب ذكر الشهادة في البراءة على الأئمة والمتأولين من أهل الضلال ..................... 46
باب موضع إجازة الرأي ونحوه .................................................... 50
باب معنى الشهادة في الأحداث في البراءة .......................................... 51
باب ما يسع جهله من البراءة ...................................................... 56
باب الشهادة في البراءة واختلاف ذلك من العلماء والضعفاء من المسلمين ............... 67
باب معنى من يتولى من يبرأ منه أحد من المسلمين ................................... 68
باب شهادة الشاهدين على براءة المسلمين من احد والمسلمون يبرؤون من فلان ..........
باب براءة الشريطة ............................................................ 70
باب ولاية الوليين كل واحد منهما يقتل صاحبه .................................. 71
باب التمييز بين شهرة الادعاء للحدث وبين شهرة ما يصح من الحدث .............. 73
باب ذكر معاني القول من اللوازم الواسع وقتها ..................................... 74
باب ما يسع جهله وما لا يسع جهله ............................................. 76
باب ذكر ما تقدم عمله من اللوازم المتفقة من الفرائض مثل الزكاة والحج والأيمان الواجبة .. 81
باب الفرق في السعة وحدث المحدث فيما لا يسع جهله والشك في المحدث ............ 137
باب الفرق في البيعة و ركوب المحارم وترك اللوازم ................................ 139
باب وقوف الشك الذي لا يسع ................................................... 142 (2/218)
صفحة 447
رقم الصفحة
باب وقوف الشك عمن لم يتول كولايته ويبرأ كبراءته ............................. 143
باب ما يجوز من التقليد وما لا يجوز ............................................... 144
باب ثبوت معنى الأمة ......................................................... 152
باب معاني الإمام وحدثه ....................................................... 156
باب صفة الولاية لأئمة العدل والبراءة من أئمة الجور ............................ 158
باب صفة من سلف من الأئمة والبراءة منهم ...................................... 164
باب منازل ما يستحق العبد في حكم الإسلام ..................................... 166
باب من وجب عليه حد أو زكاة أو نحوه من الحقوق فلم يكن يدين به بمعنى جهالة أو غير ذلك ..................................................................... 170
باب من ظهر منه ما يحتمل خطؤه وصوابه من حقوق الله وحقوق العباد ......... 173
باب السعيد عند الله يكون منه المعصية، والكفر والشقي عند الله يكون منه الطاعة والإيمان ............................................................... 178
باب فرق الاستحلال والتحريم .......................................... 182
باب معاني الاختلاف في المستحلين والمحرمين ................................ 184
باب معنى الفرق في الصغائر والكبائر والحكم في ذلك ........................ 185
باب معنى ما يكون صغيرا وما يكون كبيرا من الأحداث .................... 188
باب القول في معنى الحلال والحرام ........................................ 190
باب الفرق بين الحكم في المستحلين والمحرمين ............................... 192
باب الفروق بين الصغائر والكبائر ........................................ 203
باب الوالدان والإحسان إليهما وصلة الرحم ............................ 209
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ثبتا .......................... 211 (2/219)
صفحة 448
طبع بمطابع
دار الجريدة عمان للصحافة والنشر
روي - ص. ب (6002)
سلطنة عمان
1984 (2/220)
صفحة 449
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
تأليف المحقق الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي
الجزء الثالث
1405 هـ - 1985 م (3/1)
صفحة 450
/ (3/2)
صفحة 451
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
تأليف المحقق الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي
الجزء الثالث
1405 هـ - 1985 م (3/3)
صفحة 452
بسم الله الرحمن الرحيم (3/4)
صفحة 453
باب في الحائض و المستحاضة (من الأثر)
قال هاشم: سمعت أن أبا أيوب قال: سألت الربيع عن المرأة ترى الدم فتحسب أنه حيض فتترك الصلاة، ثم يستبين لها أنها حامل؟
قال: عليها إعادة ما تركت من الصلاة أثناء حملها، وكان يرى أنه على الحامل إذا رأت الدم أن تصنع ما تصنع المستحاضة.
يقول في المستحاضة إذا رأت دما سائلا اغتسلت بين كل صلاتين و تجمعهما، وتغسل للغداة غسلا، وإن كانت صفرة توضأت لكل صلاة.
وكان الربيع - رضي الله عنه -يكره أن يأتيها زوجها في وقت وجود الدم السائل، ولكن إذا انقطع الدم.
وسمعت أن أبا منصور يقول: إن قدر زوجها أن يقضي شهوته في غير الفرج فليفعل، وإن أراد الفرج فلتصنع المرأة فيه من التنظيف لزوجها مثل ما تصنع المستحاضة.
وأما غيره فيرى التنزه عن إتيان المستحاضة.
وكان أبو منصور يرى أنه: أيما امرأة رأت الطهر في وقت الصلاة، فليس عليها قضاء إلا تلك الصلاة التي رأت الطهر فيها. (3/5)
صفحة 454
قال غيره: إذا طهرت بعد العصر، فإنها تصلي العصر، وإذا طهرت قبل الصبح صلت العتمة.
وكان الربيع يقول: النفساء إذا تطاول بها الدم، ولم يكن لها وقت تعرفه نظرت إلى أقصى ما كانت أمهاتها يقعدن فتقعد كما يقعدن، وإن كان لها وقت فلم ينقطع عنها الدم، زادت يومين أو ثلاثة ثم تغسل.
والحائض تزيد يوما أو يومين، إذا لم ينقطع الدم.
وكان يقول: أقصى وقت النفساء شهران، وقد سمعت من يقول: أربعين يوما، وأقصى وقت الحائض عشرة أيام.
وقال محبوب: قد اختلف الفقهاء فيه فمنهم من قال: لا تقعد المرأة أكثر من عشرة أيام، ثم تنتظر يوما أو يومين، فإن طهرت و إلا هي مستحاضة.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في الحائض فأكثر ما وجدنا وعرفنا أن أكثره عشرة أيام، وأنه لا انتظار بعد العشر. وكذلك يجب العمل إن شاء الله.
وقال في المرأة إذا رأت صفرة في وقت طهرها لم تزد، وإنما الزيادة قي الدم تغسل وتصلي. وإن رأت دما بعد انقضاء أيام حيضها فلا أرى لها أن تزيد، وإنما الزيادة إذا كان الدم متصلا، ويرى إن زادت يوما أو يومين ولم ينقطع الدم أن انفضي ما زادت، وإن انقطع ورأت الطهر فلا قضاء عليها ..
قال أبو سعيد: إذا انتظرت يوما أو يومين، مع اتصال الدم بها (3/6)
صفحة 455
في العشر، وانقطع عنها الدم، فقد قيل: لا إعادة عليها، وإن لم ينقطع عنها الدم في اليوم أو اليومين، فقد اختلف في إعادة صلاتها، ونحب أن لا يكون عليها إعادة، إذا أمرناها بالانتظار
وقال في المرأة إذا رأت الطهر في أيام حيضها، في وقت صلاة، فذهبت لتغتسل فعاودها الحيض، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: لا؟ ولو كانت الفريضة ركعتين فحاضت، فليس عليها قضاء تلك الصلاة إذا لم تتوان، وقال في انقضاء أيام حيضها ولم تر الطهر، ولكن الصفرة اغتسلت وصلت أياما، فإن صلت أياما في الصفرة بعد الزيادة ثم رأت دما في غير وقت صلاة، فلما جاءها وقت الصلاة انقطع الدم ورأت الصفرة، قال: تغتسل، لأنها رأت دما، فإن رأت الطهر بعد الصفرة فلتغتسل أيضا، لأنها لم تكن رأت الطهر حتى اغتسلت من الحيض.
وقال أبو سعيد: إذا اتصلت بها الصفرة فلتغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ في الصفرة لكل صلاة، فإذا طهرت من الصفرة، فقد قيل: عليها الغسل لأسباب اتصال الصفرة، وهذا أحب إلي إذا اغتسلت من الدم بعد انقضاء حيضها.
وعن امرأة تمت أيام حيضها وانقطع عنها الدم، ولم تر طهرا فاغتسلت وصلت ثلاثة أيام ثم رأت الطهر فلم تغتسل مرة أخرى؟ قال: أرى أن تغتسل حتى ترى الطهر.
قلت: فهل عليها القضاء؟ قال: إن قضت فهو أفضل.
قال أبو سعيد: إذا انقطع عنها الدم السائل أو القاطر، اغتسلت ثم (3/7)
صفحة 456
تتوضأ لما سوى ذلك من الصفرة و الكدرة والحمرة وأشباه ذلك، فإذا طهرت لحقها عندي الاختلاف، في وجوب الغسل، وأحب أن لا يجب عليها غسل، والذي يوجب عليها الغسل فلم تغتسل وصلت على ذلك، لحقها عنده البدل لما صلت، ولزمها الغسل لغير غسل، ولا أحب أن يلزمها البدل، لأنني لا أحب أن يلزمها الغسل.
وعن امرأة كانت تقعد في حيضها عشرة أيام، فلما كان تمام العاشر رأت الطهر بالغداة، فاغتسلت، ثم رأت الدم بعد الاغتسال فلم ينقطع، هل تزيد؟ قال: إن كان بقي من عدتها فلتزد يوما أو يومين.
وعن امرأة كانت تصلي خمسة عشر يوما، وتقعد أيام حيضها عشرة أيام فاستحاضت، كيف تصنع؟ قال: تقعد أيام حيضها العشرة، لا تزيد عليها ثم تغتسل وتصلي، وتصنع كما تصنع المستحاضة.
قلت: هل ترى عليها الغسل؟ فالمستحاضة إذا اغتسلت لم تر دما، حتى جاء وقت صلاة أخرى. قال: إن كانت رأت الطهر بينا، فلتغتسل لطهرها، فإن لم تطهر أفهي بعد مستحاضة؟
قال أبو سعيد: ليس على المستحاضة عندنا قضاء قبل الغسل إلا في الدم السائل و القاطر، فإذا غسلت عن زوالهما فلا غسل عليها بعد، من سائر ما رأت، فإن اغتسلت والسائل أو القاطر بها، وخرجت من مغتسلها ولا دم بها، ولم تعلم به أنه راجعها بعد الغسل. (3/8)
صفحة 457
فقد قيل: عليها الغسل حتى تعلم أنه انقطع عنها، وغسلها كان بعد انقطاعه.
وقيل: لا غسل عليها حتى تعلم أنه كان بها حينما اغتسلت، وأي ذلك فعلت إن شاء الله فله أصل، والتنزه أحب إلي، فالغسل أحب في هذا الموضع.
وعن امرأة كانت تقعد في حيضها ستة أيام ثم صارت لا تطهر إلا في عشرة أيام، ما ترى؟ قال: تزيد على الستة الأيام يوما أو يومين ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: حتى تصير العشرة الأيام عادة لها ثلاثة قروء، فإن كان ذلك استعملته في القرء الرابع، وكان وقتها في بعض ما قيل، وهو أحب إلي.
وعن امرأة رأت الطهر في أيام حيضها، فاغتسلت وصلت، فجامعها زوجها وهي طاهر، ثم رأت الدم وهي بعد في العدة؟ قال: ما أرى عليها شيئا، وأفضل ذلك أن يكف عنها حتى تنقضي أيام حيضها.
قال أبو مهاجر: ذكر عمر بن عبد الله العزيز أنه كتب إلى امرأة أن تأمر الناس أن يكفوا عنها يوما أو يومين، فإنه أبعد من الوهم، فإن كانت تمت عدتها فاغتسلت بعد أن رأت الطهر، فلا تزيدن شيئا. (3/9)
صفحة 458
وعن السقط إذا كان دما فقال النساء إنه ولد؟ قال: السقط نفاس، وعليها عدة النفساء إذا قالت النساء إنه ولد.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في السقط:
فقال من قال: هو نفاس ولو كان دما.
وقال من قال: لا يكون نفاسا حتى يتبين تخلقه.
وقال من قال: إذا كان مضغة مخلقة أو غير مخلقة فهو نفاس، وهو أحب إلي.
وعن امرأة ولدت أول نفاسها فمكثت في الدم شهرين، وكانت أمها تقعد خمسة وأربعين يوما قال: لا تزيد على عدة أمها.
قلت: فإن كانت لا تعرف عدة أمها وأخواتها قال: وقتها شهران، وقد قالوا: أربعين يوما.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في نفاس البكر إذا مد بها الدم:
فقال من قال: أكثره أربعون يوما.
وقال من قال: أكثره ستون يوما.
وقال من قال: تسعون يوما.
وقال من قال: نفاس أمهاتها. (3/10)
صفحة 459
ووجدنا أصحابنا يحبون ستين يوما، بالتوسط في ذلك للبكر.
وعن المرأة إذا تمت أيام حيضها، ولم تر طهرا، أو ترى صفرة؟ قال: إذا تمت أيام حيضها، فلتغتسل أيضا لطهرها.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في مثل هذا.
وقد قيل: إن كان حيضها أقل من عشرة أيام انتظرت يوما أو يومين، في أول ما يستمر بها الدم، ثم لا تنتظر بعد ذلك، وإنما تقعد أيام حيضها، لأنها قد علمت أنها مستحاضة.
وعن امرأة كانت أيام حيضها عشرة أيام، وأيام طهرها عشرين يوما، فصارت أيام طهرها عشرة أيام زمانا، ثم صارت مستحاضة؟ فقال: تقعد أيام حيضها ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: تقعد أيام حيضها، ثم تغتسل وتصلي عشرة أيام، وتصلي يوم أحد عشر صلاة الصبح فيما قيل، ثم تترك الصلاة أيام حيضها.
وعن امرأة تمت أيام حيضها فلم ينقطع عنها الدم، فزادت يوما واحدا، ثم انقطع الدم ولم تر طهرا؟ قال: إن كان الذي نظرت إلى الدم، فهي مستحاضة، فلتقض اليوم الذي زادت، وإن رأت صفرة فلتتوضأ لكل صلاة، وإن رأت طهرا اغتسلت مرة أخرى.
قال أبو سعيد: أما إعادة صلاتها، فقد مضى القول فيها في الانتظار، وأما إن كانت لم تغتسل حين انقضاء أيام حيضها، فهو كما قال: عليها من ذلك الصفرة و الكدرة، والانتظار فيها، في أكثر قول أصحابنا فيما عرفته. (3/11)
صفحة 460
وعن امرأة ضربها الطلق، فجاءها دفعة من الدم، ثم انقطع عنها، كيف تصنع؟ قال: تغسل وتصلي.
قال أبو سعيد: إن رأت الطهر بعد الدفعة، فقد قيل: عليها الغسل والصلاة، وإن رأت صفرة أو كدرة أو حمرة قد تقدمها الدم، فقد قيل: عليها الغسل والصلاة، وقيل: لا غسل عليها حتى ترى الطهر، وهو أحب إلي.
رجل طلق امرأته وهي ممن تحيض، فحاضت حيضة ثم لم تحض إلى سنة؟ قال: عدتها بالحيض إلا أن تيأس من الحيض، وعليه نفقتها ما دامت في عدتها، وهما يتوارثان ما لم تنقض العدة
وعن امرأة عدتها عشرة أيام، فرأت الطهر خمسة أيام، ثم انقطع الدم ولم تر الطهر إلا يوم العاشر؟ قال: لا صلاة عليها حتى ترى الدم، فإن كانت رأت الطهر في أيام حيضها، فلم تغتسل ولم تصل، فلتقض ما تركت.
وعن مستحاضة غسلت بين صلاتين، ودخلت في الصلاة فأحدثت؟ قال: تتوضأ، وليس عليها غسل وإن كان دما، ما لم تفرغ من الصلاتين اللتين اغتسلت لهما، فإذا جاءها وقت صلاتين أخريتين، اغتسلت لهما. وعن مستحاضة عليها بدل صلوات فائتة؟ قال: إذا فرغت من الفريضة، اغتسلت غسلة أخرى للصلاة (3/12)
صفحة 461
الفائتة، فلتصل حتى يجيء وقت الصلاة، ثم تغسل بين الصلاتين أيضا، فعلى هذا النحو تقضي.
قال أبو سعيد: الذي معنا أنها تغسل للصلاتين الحاضرتين غسلا جديدا
وعن مستحاضة غسلت بين الصلاتين، ثم انقطع عنها فلم تر طهرا ولا صفرة، فلتنظر القطنة نظرا آجلا، فإن رأت صفرة فلتتوضأ لكل صلاة، وإنما نظرت إلى الدم، فلتغسل بين كل صلاة غسلا ثلاث مرات في كل يوم وليلة.
قال أبو سعيد: قد قيل إن المستحاضة لا غسل عليها إلا من الدم السائل أو القاطر، وأما المكمن في الرحم فلا غسل عليها فيه، على ما عرفنا، وعليها منه الوضوء ..
وسألته عن الحائض إذا ماتت، كيف تغسل؟ هل تنظف كما تغسل إذا ماتت وهي طاهرة؟
قال: قد قيل: على الحائض إذا ماتت تغسل غسلان.
وقال من قال: غسلا واحدا، وهو أحبهما إلي، وكذلك الجنب، و النفساء مثل الحائض، مثل ما قيل.
وعن امرأة تمت أيام حيضها، فأرادت أن تغتسل وذلك عند غروب الشمس قبل المغرب، فرأت دما فلم تغسل، فأصبحت وهي طاهر، هل عليها قضاء؟ قال: تقضي صلاة العشاء الآخرة أحب إلي. (3/13)
صفحة 462
قال أبو سعيد: إذا كان دما سائلا فتركته منتظرة ليوم أو يومين، حتى جن عليها الليل، ولم تعرف طهرت في الليل أو لم تطهر، فأصبحت طاهرة فعليها صلاة الفجر، وأما صلاة الليل فإن احتاطت فذلك حسن، ولا يخرج ذلك عندي عليها في اللوازم
وعن مسافرة طهرت فلم تجد ماء فتيممت، فهل لزوجها أن يجامعها؟ قال: لا تفعل، ولا يجامعها حتى تغتسل بالماء.
قال أبو سعيد: إذا تيممت لعدم الماء فقد أجيز وطؤها، وكره ذلك من كرهه، وإجازته أصح، لأن التيمم يقوم مقام الغسل عند عدم الماء.
وعن امرأة طلقها زوجها، فحاضت الحيضة الثالثة، وكان حيضها عشرة أيام، فرأت الطهر بعد خمسة أيام، هل لزوجها أن يراجعها؟ قال: لا؟ ولا أحب أن تتزوج حتى تنقضي أيام حيضها العشرة.
رجل طلق زوجته في السفر، فحاضت ثلاث حيض فطهرت، فلم تجد ماء فتيممت قبل أن تجيء الصلاة، هل لزوجها أن يراجعها؟ قال: الله أعلم، إن تيممت في الوقت فهي أملك بنفسها، وإن أخرت الغسل والتيمم لكي يراجعها زوجها، فلا أرى أن يراجعها.
قال أبو سعيد: إذا عدمت الماء فتيممت فقد قيل: إنه لا يدركها زوجها، وأحسب أنه قيل: يدركها ما لم يتيمم لصلاة تحضر، لأنها غير مخاطبة بالتيمم الآن إلا الصلاة، ولما أن أخرجت التيمم فإن زوجها يدركها، ما لم يمض وقت لزوم التيمم بحضور صلاة جاء وقتها، فإنه قيل لا يدركها على هذا. (3/14)
صفحة 463
وقال: إذا طهرت المرأة من الدم ورأت البياض فلا يقربها زوجها حتى تغسل بالماء وتحل لها الصلاة.
قلت: فإن جامعها قبل أن تغسل وقت رأت الطهر البين، فلا أرى أن يفارقها.
وقال: النفساء في ذلك بمنزلة الحائض.
ومن غيره: وسألت أبا سعيد عن المرأة إذا رأت الصفرة ثلاثة أيام، ثم رأت الدم يوما واحدا، ثم انقطع عنها يوما وليلة، ثم رأت بعد ذلك الدم ستة أيام، وكان قرؤها ثمانية أيام، ثم انقطع عنها، أيكون هذا حيضا وتعتد به؟ قال: أما الثلاثة أيام التي رأت فيهن صفرة فليست بحيض، وأما اليوم الذي رأت فيه الدم واليوم الذي انقطع عبها، والستة أيام التي رأت فيهن الدم، فكل ذلك من الحيض.
ومن جوابه: وعن امرأة كانت عدة نفاسها شهرين، فرأت الطهر بعد ما مضى من عدتها عشرة أيام، فاغتسلت وصلت، وصامت شهر رمضان كله، ثم عاودها فلم ينقطع عنها حتى تمت أيام عدتها الشهرين، هل يجوز صيامها؟ قال: نعم.
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل هذا، إذا تم شهر رمضان قبل أن يراجعها الدم في عدتها.
وقيل: إذا راجعها الدم بطل صومها، لأنا قد علمنا أنها قد صامت (3/15)
صفحة 464
في أيام نفاس.
وعن امرأة كانت تصلي عشرين يوما ثم تحيض، فصلت سبعة أيام ثم رأت الدم؟ قال: تغتسل ثم تصنع كما تصنع المستحاضة إلى عشرة أيام، ترى الدم الذي ترى النساء، فإن قلن إنه دم حيض قعدت، وإن قلن إنه داء فهي مستحاضة حتى تبلغ العشرين.
وذكر عن الربيع أنه قال: إذا صلت المرأة عشرة أيام ثم رأت الدم فإنها حائض.
وقال غيره: خمسة عشر يوما.
قال أبو سعيد: أكثر ما وجدنا عليه أصحابنا، يأمرون ويعملون به أن كل دم جاء بعد طهر عشرة أيام ولياليهن كوامل، فهو حيض.
وعن امرأة حبس عنها الدم وترى صفرة، وربما كانت ترى الصفرة في أيام طهرها؟ قال: الصفرة في أيام حيضها حيض، فإذا رأته في أيام طهرها فهو من الداء، وتتوضأ لكل صلاة.
قال أبو سعيد: الذي عرفنا من أكثر قول أصحابنا أن الصفرة لا يكون حيضها حتى يتقدمها الدم في أيام الحيض.
وقد قيل: إذا كانت عادتها أن تأتيها الصفرة في كل قرء، كان ذلك حيضها.
وقد قيل: إنه حيض على كل حال، إذا جاءت في أيام الحيض، (3/16)
صفحة 465
والقول الأول عندي أكثر، وهو أحب إلي على كل حال.
وعن امرأة رأت الدم في أيام حيضها يوما واحدا، ثم رأت الطهر، واغتسلت في أيام حيضها يوما واحدا، ثم رأت الطهر، واغتسلت في أيام حيضها غير اليوم الواحد، الذي رأت فيه الدم من الحيض، فهي مستحاضة فيما رأت بعده؟ قال أبو سعيد: قد قيل فيما عندي هذا.
وقيل: إذا لم يتم لها أيام حيضها أو ثلاثة أيام، ما تكون به حائضا في أيام حيضها، فليس ذلك بحيض، وتستعمل هذا الدم في أيام حيضتها.
ومنه وقال: إذا تمت أيام حيضها فانقطع عنها الدم وترى الصفرة ولم تر طهرا، فلا تزيد شيئا، ولتغتسل و تتوضأ لكل صلاة، فإذا رأت الطهر اغتسلت.
قلت: فإذا دامت الصفرة بها أيام طهرها كله أيضا، هل لزوجها أن يجامعها؟ قال: نعم ولتتوضأ كذلك.
قلت: أفيجوز لها؟ قال: نعم و المستحاضة بتلك المنزلة إذا أراد زوجها أن يجامعها، اغتسلت وصيامها جائز.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في ذلك.
وقال غيره: نرى التنزه عن إتيان المستحاضة حتى تطهر طهورا بينا. (3/17)
صفحة 466
وعن امرأة طلقت فلما حاضت الحيضة الثالثة رأت الدم يوما، ثم طهرت فصلت أيام حيضها، هل لزوجها أن يراجعها؟
قال: لا ولا أرى أن تزوج حتى تحيض الثالثة حيضة تامة ثالثة، ثم تغتسل ثم تزوج إن شاءت.
وسئل عن المطلقة إذا ارتفع حيضها، وهي ممن تحيض، فارتفعت، هل على زوجها نفقتها؟ قال: نعم تعتد بالحيض.
ورجل اشترى أمة، وهي ممن تحيض، فارتفع حيضها إلى سنة؟ قال: لا يقربها حتى تحيض حيضة.
وكان الربيع يقول: تستبرأ الأمة بحيضتين إلا أن يكون البائع استبرأها بحيضة، فعلى المشتري أن يستبرأها بحيضة أخرى.
وعن امرأة يحتبس عنها الحيض شهرا، ثم رأت الصفرة أياما، ثم رأت دما بعد الصفرة، فطال بها، كيف تصنع؟ قال: أما ما كان من دم أو صفرة في أيام حيضها، فهو حيض، وأما ما كان في غير أيام حيضها، من أول ما رأت الصفرة ثم لتغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: إذا تقدم الصفرة الدم السائل أو القاطر، فقد قيل: إنه ما بعد ذلك من الصفرة و الكدرة من قبل حيضها أو بعد تمام حيضها، وإذا لم يتقدمها، فأحب أن لا يكون حيضا، وتغتسل من الدم فصاعدا إلى تمام أيامها التي كانت. (3/18)
صفحة 467
وعن المستحاضة إذا أرادت أن تصلي تطوعا بعد الفريضة بين الصلاتين في شهر رمضان أو غيره؟ قال: إذا فرغت من الفريضة اغتسلت للتطوع، وإن كانت صفرة توضأت للتطوع أيضا.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا.
وقال من قال: يجزئها أن تتنفل بغسلها للصلاة الحاضرة ما كانت في مقامها.
وأحسب أن بعضا يقول: ما حفظت وضوءها ولم تحضر صلاة فريضة، يلزمها الغسل لها وأما ما دامت في مقامها أحب إلي، ما لم تنتقل عنه انتقالا لغير الصلاة من المعاني.
وعن الحامل ترى بلة، ليست بدم ولا صفرة؟ قال: لا، لا نعلم عليها غسلا إلا في الدم، ولكن تتوضأ في البلة والصفرة.
وعن المرأة كان قرؤها ستة أيام، فطهرت في اليوم السادس، ثم رأت صفرة، هل تزيد كما تزيد في الدم؟ قال: كان أبو منصور يقول: ليس من الزيادة إلا في الدم المتصل.
وفي النفساء إذا رأت الطهر لتمام الشهر، ثم رأت الدم بعد يوم أو بعد اليوم الثالث؟ قال: ليس بشيء، إلا أن يكون وقتها أكثر من ذلك فتقعد لا تصلي (3/19)
صفحة 468
وقتها، ولتغتسل واتصل.
قال أبو سعيد: معي أنه أراد ليس بنفاس، ولا تنتظر إذا لم يكن الدم متصلا بالنفاس، فعل معنى أنها تنتظر يومين أو ثلاثا، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة، وهذا إذا لم يكن هكذا صفتها فهي مستحاضة، إذا جاءها الدم عندي فيما قيل.
وسألته عن امرأة سبيت من أرض الحرب، فولدت أول بطن، فتطاول بها الدم، كم يوما تترك الصلاة؟ ... قال أبو سعيد: هذه عندي إذا لم تكن تعرف أول ولد ولدته، كم قعد بها الدم في أرض الحرب، فهي بمنزلة البكر عندي، وأحب لها الاحتياط أن لا تترك الصلاة أكثر من أربعين يوما، ولا يطؤها زوجها ولا سيدها إلى ستين يوما، وتغتسل وتصلي فيما بين الأربعين والستين.
قلت: فالأمة يتزوجها الرجل، ولم يكن سيدها يطؤها ولا زوج لها، هل عليها بأس؟ ... قال: لا.
قلت: فإن كان سيدها يطؤها ثم تركها سنة أو أكثر، ولم يقربها ثم لم تر أن يتزوجها هل عليها استبراء؟ ... قال: نعم.
ومن كتاب ابن جعفر: سئل عن امرأة وقتها عشرة أيام، فلما جاء وقت حيضها رأت صفرة خمسة أيام، ثم جاءها دم سائل بعد ذلك، فدام بها خمسة أيام؟ (3/20)
صفحة 469
قال: لتنظر في ذلك نسوة فإن اتفقن أنه داء، فهو كما قلن، وإن اتفقن أنه دم حيض فهو كما قلن.
قال أبو سعيد: إن كان دما عبيطا سائلا يخرج من موضع الجماع، فهو حيض فيما قيل، إلا أن يصح أنها حامل، أو ليس ذلك بها.
وقد قيل: أحسب بمثل هذا ويعجبني إن كان ذلك معروفا مع أهل الثقة من النساء، صاحبات التجارب، أن للحيض دم معروف وللداء دم معروف غير الحيض، ولكن عليها أن تستحيط للصلاة في هذا الدم، وتغتسل وتصلي، ولا يطؤها زوجها احتياطا للزوج وعلى الصلاة جميعا، ولا أحب أن يدركها زوجها، إذا حاضت على هذا ثلاث حيض، وما حاضت على هذا السبيل الذي يدخله الريب.
وقد يوجد عن بعض الفقهاء إنه يصف دم الاستحاضة من دم الحيض، فقال: إن دم الحيض أسود غليظ، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق.
وأحسب أنه قال في دم الحيض صلك، كأنه يذهب إلى أنه أنتن من دم الاستحاضة، وكأنه يذهب إلى فرق ما بين الدمين و استعمالهما، كل واحد منهما في موضعه، وأنا أحب استعمالهما على ما وصفت لك في الاستحاضة، على الصلاة والفروج والعدة في قول أهل الثقة من النساء، في معرفة ذلك يكون الدمين.
ومنه: قلت: فإن حاضت يوما أو يومين، ثم انقطع عنها الدم؟ ... قال: ليس حيضا.
قلت: فإن تركت الصلاة في ذلك اليوم أو اليومين؟ قال: تقضي ما تركت، وهو قول من يقول: لا يكون أقل من ثلاثة أيام.
ومن كتاب أبي الحكم قلت: فإن حاضت يوما أو يومين، ثم انقطع عنها الدم؟ قال: لا ليس هذا حيضا. (3/21)
صفحة 470
قلت: فإن تركت الصلاة في ذلك اليوم أو اليومين؟ قال: عليها أن تقضي ما تركت، وهو ممن يقول إن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام.
قلت: فإن حاضت المرأة سنين خمسا خمسا، وكان ذلك أول حيضها، ثم صارت تحيض ستا وسبعا، ثم استحاضت، كم تدع الصلاة؟ قال: خمسة أيام، أقل ما كانت تقعد ثم تغسل وتصلي.
قال أبو سعيد: نعم وهذا إذا اختلف عليها قرؤها في الست والسبع، ولم يتفق لها ثلاثة قروء على أحدهما، فإن اتفق لها ثلاثة قروء على أحد الحالين، فقد قيل: إنها ترجع إليه وتعتد به، وتكون فيما سواه مستحاضة.
وقيل: إنها على حالها الأول، على ما قال على حال، ورجعتها إلى ما اتفق لها أحب إلي، اتفق لها ثلاثة قروء على حال واحد، استعملته في الرابع وفيما يستقبل.
ومنه: قلت: فإن طلقها زوجها فحاضت الحيضة الثالثة، ومضت (3/22)
صفحة 471
خمسة أيام، أيملك الرجعة؟ وهل تزوج ساعة انقضاء أول حيضها؟ قال: إذا أخذت بالثقة لا تزوج، حتى تنقضي آخر أيامها، وأما الصلاة، فإني جعلتها عليها للثقة، ولتصل في تلك الحال، وإن كان حيضا أحب إلي من أن تدع الصلاة، وعسى أن يكون طاهرا أخذ في هذا بالثقة.
قلت: فإن ضربها الطلق فرأت حمرة أو كدرة أو صفرة قبل أن تلد؟ قال: تتوضأ وتصلي، لأن هذا ليس بحيض ولا نفاس، فإن كان دما سائلا اغتسلت.
قال أبو سعيد: معي أنه قيل هذا، وقيل إنه إذا ضربها الطلق فرأت الدم السائل أو القاطر تركت الصلاة وهو أحب إلي.
وسألت: فإن ولدت ولدا، وفي بطنها آخر، أتصلي؟ قال: لا هذه نفساء.
قلت: المرأة كم تكون أقل ما يكون حيضها؟ قال: خمسة عشر يوما.
وقال: كان هاشم يقول: كان الربيع يقول: أقله عشرة أيام، وأما غيره فيقول: خمسة عشر يوما.
امرأة أتمت أيام حيضها، فلم ينقطع عنها الدم، فرأت دما يوما أو يومين، ولم ينقطع عنها الدم في شهر رمضان، هل يجوز صيامها في اليوم أو اليومين؟ قال: تعيدهما أحب إلينا إن كانت تركت فيهما الصلاة، فنرى عليهما أن (3/23)
صفحة 472
تأخذ ذلك بالثقة.
قال أبو سعيد: عليها إعادتهما على قول من يرى عليها إعادة الصلاة في اليوم أو اليومين، لأنها بمنزلة الحائض، وهو أحب إلي، لأني إذا أمرتها بترك الصلاة أبطلت صومها، فلم ينقطع عنها الدم وهي في شهر رمضان، فزادت يوما أو يومين، وصامت في ذلك اليوم أو اليومين، هل يجوز صيامها وصلاتها؟
قال: أما هذه فعليها قضاء اليوم أو اليومين بلا شك وتقضي الصلاة، بان كانت تركت، وهي بمنزلة الحائض.
وعن امرأة أتمت أيام حيضها فانقطع عنها الدم، وهي ترى الصفرة، والكدرة يوما أو يومين، وذلك في شهر رمضان، هل يجوز صيامها؟ قال: أحب إلي أن تقضي، وكان أبو منصور يقول: لا زيادة في الصفرة، والأخذ بالثقة أحب إلينا، ولا تدع الصلاة والصوم، وتقضي الصيام، وأما الصلاة فلا إعادة عليها، فإذا رأت الطهر بعد الصفرة فلتغسل.
قال أبو سعيد: إذا أتمت أيام حيضة، فلا انتظار في أكثر قول أصحابنا، وأما الغسل بعد طهرها من الصفرة، فقد مضى القول فيه.
وعن امرأة تمت أيام حيضها، فانقطع حيضها الدم، ورأت الطهر، وذلك في العشر من شهر رمضان، فاغتسلت وصلت وصامت عشرة أيام، ثم عاودها الدم في العشر الأواخر من شهر رمضان، هل تدع الصلاة؟
قال: بلغنا عن الربيع أنه كان يقول: أيما امرأة رأت الطهر إذا تم أيام حيضها، فصلت عشرة أيام، أنها تدع الصلاة وهي حائض. (3/24)
صفحة 473
وقال غيره: خمسة عشر يوما.
وعن امرأة حاضت في شهر رمضان ووقع عليها البدل، فلما مضى شهر رمضان، وأفطر الناس يوم الفطر، أخرت ما لزمها من الصوم يوما أو يومين، ثم أخذت في قضائها، هل يجوز ذلك؟ لأنها غيرت ذلك من غير علة ولا مرض، وظنت أن ذلك جائز لها، هل يفسد ذلك عليها شهر رمضان كله؟ قال: لا يفسد ولكن كان لا ينبغي لها أن تؤخر.
وعن امرأة حاضت في شهر رمضان، ووقع عليها البدل، من أجل ما أفطرت في أيام حيضها في شهر رمضان، فلما مضى شهر رمضان أخرت الصوم الذي لزمها شهرا أو شهرين، من غير مرض ولا علة، هل يجوز؟ وهل عليها أن تبدل شهر رمضان كله، لما كان من عجزها؟
قال: كانوا يستحبون لها أن تؤخره، فأما أن يفسد عليها شهر رمضان كله، فلا.
وعن امرأة عالجت نفسها في شهر رمضان، حتى ذهب عنها الحيض في شهر رمضان كي لا يلزمها البدل، هل عليها شيء؟ وهل يجوز صيامها، وهل عليها البدل؟ قال أبو عبد الله: إذا حاضت بعد شهر رمضان فإن عليها بدل صيام حيضها في شهر رمضان، لأن دم الحيض إنما انقطع عنها بالعلاج، وليست هي ممن قد يئسن من الحيض.
قال أبو سعيد: قد قيل: إذا عالجت نفسها حتى ينقطع عنها الحيض ورأت الطهر، أنه لا بدل عليها في صومها، حاضت أو لم تحض، لأن الله (3/25)
صفحة 474
يفعل ما يشاء، واذا زال عنها حكم ما تعبدها الله به من الحيض بما شاء ليس بالمعالجة، ولا تملك المعالجة ولا المعالج، ولو كان الصوم والصلاة بالمعالجة أفضل من ترك الصلاة والصوم.
وقد قيل: عليها بدل شهر رمضان، راجعها الدم أو لم يراجعها، إذا كانت عالجته من بعد ما جاءها المحيض.
وقد قيل: عليها البدل إذا عالجت وانقطع عنها، ولو لم يكن جاءها، ولا يبين لي موضع البدل في شيء من هذه الوجوه، لأن الذي جاء بالدم هو الذي صرفه تبارك وتعالى.
ومنه: وعن امرأة حاضت، وكان وقتها عشرة أيام، فلما مضى خمسة أيام رأت الطهر يوما أو يومين، وذلك في شهر رمضان، فصامت حين رأت الطهر، ثم عاودها قبل أن تتم عشرة أيام، هل يجوز صيامها؟ قال: لا يجوز، وعليها الإعادة.
قال أبو سعيد: إذا راجعها الحيض في أيامها قبل تمام شهر رمضان، فقد قيل: عليها الاعادة لما صامت في أيام حيفتها تلك، وإن تم شهر رمضان ثم راجعها الدم، فقد قيل في ذلك باختلاف، وأحب أن لا يكون عليها البدل لما صامت، وهي طاهر أيام حيضها على هذا الوجه.
ومنه: وعن امرأة كان وقتها ثلاثة أيام، فرأت الطهر في اليوم الثاني، وأخذت في الصوم لأنها في شهر رمضان، هل يجوز صيامها؟ قال: نعم إذا لم يعاودهما في أيام حيضها.
وعن امرأة حاضت في شهر رمضان، فلما مضى الشهر أخرت البدل الذي يلزمها عشرة أيام، هل يجوز ذلك، إذا أخذت في البدل فقضته، ظنا (3/26)
صفحة 475
منها أن ذلك جائز لها؟ فهل عليها أن تستأنف شهر رمضان من غير علة؟ قال: هذه مثل التي أخرت يوما أو يومين.
قال أبو الحسن: إذا أخذت في القضاء، فصامت ثم حاضت ثم طهرت وأخرت يوما أو يومين، فسد عليها ما كانت صامت من قضاء شهر رمضان وتعيده، ولا يفسد شيء من صيام رمضان.
وعن أبي المنصور وعن أبي يزيد عن المرأة الحائض ترى الطهر في أيام حيضها، فأخبرني عن الطهر البين الذي يجب عليها فيه الاغتسال.
قال: ذكروا أن الطهر البين مثل القصة أو مثل القطن.
وعن امرأة حاضت قبل أن تتم عدتها، احتبس عنها الدم، فترى يبوسة أو بياضا، أو مثل النواهل، أيكون ذلك طهرا، وكيف يكون الطهر؟ قال: إذا رأت يبوسة أو صفرة أو حمرة أو كدرة في أيام حيضها فهو حيض، والطهر البين مثل القصة أو مثل القطن الأبيض.
قال غيره: قد قيل هذا. وقال من قال: إذا انقطعت عنها الصفرة والحمرة والكدرة، فعليها الغسل والصلاة. (3/27)
صفحة 476
وعن امرأة انقطع عنها الحيض في أكثر السنين، ثم عاودها الدم في شهر رمضان، فصامت على تلك الحال، هل يجوز صيامها؟ قال: إن كانت أيست من الحيض من الكبر، وأترابها قد يئسن، فجائز صيامها ولا بدل عليها، إنما هي بمنزلة المستحاضة في أيام طهرها.
وعن امرأة انقطع عنها الحيض من كبر السن، ثم عاودتها الصفرة في شهر رمضان، فصامت على تلك الحال، هل يجوز صيامها؟ قال: نعم يجوز ولكنها تتوضأ.
وعن امرأة تمت أيام حيضها، وانقطع عنها الدم العبيط، فاغتسلت وأخذت في الصلاة، غير أنها لا تنقطع عنها الصفرة أيامها، هل يجوز لها أن تصلي صلاتين بوضوء واحد؟ قال: بلغنا أن التي ترى الصفرة، تتوضأ لكل صلاة، إلا أن تكون فريضة فتجمع بين الصلاتين.
قال غيره: قد قيل: الجمع إلا للمستحاضة بالدم العبيط السائل، فإذا كانت وجب لها الاستحاضة، كان عليها الغسل، وتجمع الصلاتين.
وقال من قال: لا تجمع الصلاتين، وتصلي كل صلاة في وقتها، وتغسل لكل صلاة غسلا.
وقال من قال: لا غسل على المستحاضة.
والقول الأول أحب إلينا وعليه العمل، وأما الصفرة فلا غسل عليها ولا جمع، هكذا عرفنا.
وعن امرأة حاضت في أيام عدتها، فلما مضت عدتها اغتسلت وصلت، ولكنها ترى الصفرة كل يوم مرة حين تقعد للبول، هل تجوز صلاتان بوضوء واحد؟ قال: لا يجوز جمع الصلاتين إلا للمستحاضة.
وعن امرأة اشتبه عليها أمر الطهر في أيام حيضها، فربما رأت مثل (3/28)
صفحة 477
البزاق أو مثل الصفرة، ولا تدري أطهر ذلك أم غير طهر، فاختلط عليها ذلك، كيف تصنع في حال الصوم، وذلك في شهر رمضان ولحال الصلاة؟ قال: ليس على المرأة صوم ولا صلاة في أيام حيضها، إذا اشتبه عليها أمر الطهر، حتى ترى طهرا بينا لا شبهة فيه.
وعن المرأة التي انقطع عنها الحيض في أكثر السنين، كيف حدها؟ فربما كانت ابنة أربعين سنة أو خمس وأربعين سنة، أو أكثر من ذلك، فأخبرني ما مبلغها الذي لا ينبغي لها أن تدع الصلاة، إذا رأت الدم؟ قال: إذا انقطع عنها الحيض، وعن أترابها، وأما السنون فلا أحفظ لها عددا.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا، إنها تقعد ما تقعد أترابها في السن.
وقيل: إذا خلا لها من السنين ستون سنة، فهي بحد من تيأس من الحيض.
وقيل: خمس وخمسون سنه.
وقيل: بخمسين سنة.
وعن امرأة حاضت في العشر الأواخر من شهر رمضان، فخرجت من شهر رمضان وهي في الحيض؟ فقيل: عليها أن تتم عدتها، و إن رأت الطهر يوما أو يومين واغتسلت وصلت ولم تصم ذلك اليوم للبدل الذي لزمها، ثم أخذت في الصوم في اليوم التالي، ولم يرجع الدم، فصامت بعد ذلك على تلك الحال، كيف يكون شأنها فيما تركت من الصوم لليوم الواحد الذي رأت فيه الطهر في أيام (3/29)
صفحة 478
حيضها، ولم تصم ذلك اليوم، وما يلزمها في ذلك اليوم يوما واحدا وشهرا من عدة أيام أخر، صوم شهر رمضان؟
قال: لا أرى هذه التي رأت الطهر يوما واحدا، في أيام حيضها، فلم تصم مثل التي تفطر في أيام طهرها.
قال أبو سعيد: هذه عندي أهون من التي تفطر بعد إتمام حيضها في أيام طهرها، ولا شيء عندي على التي تفطر في أيام طهرها، ولا تصل البدل لشهر رمضان إلا التقصير.
وسأل عن هذه المرأة إذا توضأت بالماء وأخذت في الاستنجاء، ينبغي لها أن تدخل إصبعها في فرجها في الاستنجاء أم لا؟ قال: تبالغ في ذلك.
قال أبو الحسن عن أبي منصور قال: تدخل إصبعها وتغسل داخل الفرج، ولا تؤذي الموضع الذي يخرج منه الولد ولا تجاوز.
وعن امرأة قعدت للوضوء، فجعلت تستنجي بالماء وتدخل إصبعها في فرجها، وأرادت بذلك طهرا، هل يفسد صومها أم لا؟ وان كان صيامها يفسد فهل يلزمها في ذلك يوم واحد أم الشهر كله؟ قال: إذا لم تفعل ذلك لشهوة، وانما أرادت بذلك النظافة والطهارة، (3/30)
صفحة 479
فلا يفسد ذلك صيامها.
وعن امرأة استنجت بالماء وأمسكت بخرقة على فرجها لكي لا يخرج البول، وبعض الخرقة داخل الفرج، هل يجوز ذلك في شهر رمضان؟ قال: نرى ألا تفعل، فإن فعلته من عذر فدخل بعض الخرقة، فلا يفسد صيامها.
قال أبو سعيد: إذا أرادت بذلك قطع مادة النجاسة عنها، لتمام وضوئها وطهارتها، فليس عليها في ذلك شيء، ولو دخلت الخرقة كلها في موضع الجماع.
وعن امرأة استنجت بالماء فأمسكت على فرجها بخرقة صغيرة، وبعض الخرقة داخل في الفرج، فلما صلت نظرت فإذا رأس تلك الخرقة التي كانت داخل الفرج رطبة، هل عليها إعادة الوضوء والصلاة أم لا؟ قال: الله أعلم.
قال أبو سعيد: معي أنه إن كان ذلك في موضع الطهارة، حيث تبلغ الطهارة من فرجها، وكانت الرطوبة لا تحتمل أن تكون الطهارة باقية في الخرقة، فعليها إعادة الوضوء، وأما الصلاة فإن احتمل أن يكون حدث ماء وقضت صلاتها، فيخرج عندي أنه لا بدل عليها، حتى تعلم أنه كان في الصلاة، ويخرج أن عليها البدل حتى تعلم أنه حدث من بعد الصلاة، وان ارتابت ولم تعلم تلك الرطوبة من طهارة أو نجاسة حادثة، احتمل عليها هذا وهذا.
وقد قيل بنجاسته حتى تعلم طهارته.
وقيل بطهارتها حتى تعلم بنجاستها، فلم يقع لي وعندي ويعجبني أن تحمل نفسها على الأغلب، ولا تحمل نفسها على ريب في هذا.
وعن امرأة أصبحت في شهر رمضان، فصلت الغداة بغسل، ثم رأت الدم حتى فرغت من الصلاة، فانتظرت ذلك اليوم، مما الذي يلزمها في ذلك؟ هل عليها شيء غير ذلك اليوم؟ (3/31)
صفحة 480
قال: لا نرى عليها بأسا في ذلك، وإنما عليها بدل يومها، وما كانت حائضا، ولا أرى لها أن تأكل في اليوم الذي تحيض فيه، واليوم الذي تطهر فيه، وأرى أن تعيد الصوم لذلك اليوم الذي حاضت فيه، ولو لم تأكل يوما واحدا، وكذلك اليوم الذي تطهر فيه.
وقال أبو عبدالله: لا بأس عليها إن أكلت في اليوم الذي حاضت فيه، ولا باس عليها إن أكلت في اليوم الذي طهرت فيه من حيضها.
قال أبو سعيد: القول الذي يضاف إلى أبي عبدالله أحب إلينا في هذا.
وعن امرأة طهرت في شهر رمضان فتمت أيام حيضها، فلما كان آخر يوم من عدتها الذي تظن أن الطهر يكون فيه، أكلت ذلك اليوم، هل عليها شيء غير البدل لأيام حيضها؟ قال: إذا لم تحل لها الصلاة من أجل الحيض فلا بأس عليها أن تأكل في عدة أيام حيضها ما لم تطهر.
وقال غيره: إذا رأت الطهر البين، فلتمسك ولتغتسل وتعيد الصوم لذلك اليوم، يوما واحدا.
قال أبو سعيد: إذا كان ذلك في أيام حيضها، لأنها تظن أنها تطهر فيه فأكلت، فلا بأس عليها ما لم تطهر، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
فإذا طهرت فيه، فقد قيل: تمسك.
وقيل تأكل إن شاءت، وهو أحب إلي.
وعن امرأة عروس، كان عليها بقية قضاء من شهر رمضان، فأخرت ذلك بعد الفطر بأيام لحال زوجها، هل يجوز لها ذلك؟ وما الذي يلزمها في (3/32)
صفحة 481
ذلك؟ قال: ينبغي لها أن لا تؤخر ذلك من أجل زوجها.
قال أبو سعيد: إن أخرت ذلك من لبر زوجها، وأرادت مرضاة له جاز لها ذلك عندي، وأرجو أن تثاب في ذلك، لأن بره وطاعته فريضة حاضرة، وبدل ما عليها من الصوم موسعة فيه.
وعن امرأة بلغت وهي شابة أول أيام محيضها، فلم تر دما ولكن رأت صفرة، ثم دامت بها تلك الصفرة، فلم تنقطع عنها شهرا أو أكثر من سنة، كيف تصنع؟ قال: الله أعلم يسأل؟
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب - رحمه الله -: إذا كانت عادتها في كل وقت حيضها إنما تجيؤها الصفرة، فهي عندي حائض، تجلس له كما تجلو للحيض.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا.
وقيل: إنه ليس بحيض وتتوضأ وتصلي، ولا غسل عليها فيه، فيعجبني أن لا يطأها زوجها، إذا كانت تلك عادتها على هذا القول.
وعن امرأة كان أول وقت حيضها حين حاضت أولا تسعة أيام، فصارت بعد ذلك تحيض ستة أيام وتغسل، ثم إنها دخلت في شهر رمضان وحاضت ستة، فاغتسلت بعد ستة أيام، ثم لم تصم لأنها رأت صفرة أو كدرة قبل أن يستتم لها سبعة أيام، الوقت الأول، هل عليها شيء، أم لا ترى عليها شيئا إلى سبعة أيام؟ سأل عنها إلا أن ترى الطهر فتفطر بعد طهرها (3/33)
صفحة 482
قال أبو سعيد: إذا تم لها ستة أيام ثلاثة قروء، فقد قيل: إنه حيضها وتعتد به، فإذا انقضت أيام حيضها وانقطع عنها الدم، فلا تنتظر في الصفرة و الكدرة، وتغسل وتصلي وتصوم، فإن جهلت ذلك في الصفرة في يوم سابع لما استعادها، وإن تم لها على ستة أيام ثلاثة قروء فوق هذه السبعة أيام، ولا شيء عليها في الأكل في السبع، لأنها من أيام حيضها.
وعن امرأة تمت أيام حيضها واغتسلت وصلت عشرة أيام، ثم رأت الصفرة و الكدرة، هل يجوز لها أن تدع الصلاة؟ قال: لا تدع الصلاة.
وعن امرأة كان وقتها خمسة أيام، فلما تمت الخمسة أيام رأت الصفرة، أو دما عبيطا، هل يجوز لها أن تنتظر يوما أو يومين، وتدع الصلاة في ذلك اليوم أو اليومين؟ قال: أما في الصفرة فلا، وأما في الدم السائل العبيط فلتدع الصلاة يوما أو يومين، ثم تغتسل كيفما كانت وتصلي، فإن لم ينقطع عنها فهي مستحاضة، وتقضي صلاة اليوم واليومين التي زادت، وإن رأت الطهر وانقطع عنها الدم في ذلك اليوم واليومين، فلا إعادة عليها.
وامرأة ولدت، فلا تصلي حتى ينقطع عنها الدم والصفرة؟ قال أبو سعيد: ما كانت في أيام النفاس.
وعن امرأة بلغت خمسين سنة، وربما رأت الصفوة شهرا أو شهرين، فلا تنقطع عنها الصفرة، كيف تصنع في شهر رمضان؟ هل يجوز صيامها؟ قال: إن كان ذلك داء، وكانت تيأس من الحيض، وتيأس أترابها، فصيامها جائز. (3/34)
صفحة 483
باب
وجدت مكتوبا
أبو الحسن (1) يقرؤك السلام ويقول لك، مسائل الحيض فيها.
__________
(1) ربما يقصد المؤلف – رحمه الله - زميلا له عاصره، وهو يذكر اسمه هكذا دون استيفاء عندما ينقل عنه (انظر ص 37) (3/35)
صفحة 484
[صفحة بيضاء] (3/36)
صفحة 485
في الحيض و المستحاضة
مسائل الحيض
قال أبو المنصور: ليس في كتب جميع أصحابنا مثل هذه الكراسة والمسائل التي فيها، وأخبرك أنه ليس عندنا علم في الحيض، و المستحاضة.
فإذا ابتليت في مسألة في الحيض والاستحاضة، فالتمسها منها في هذه الكراسة.
فإن عندك بها فوق هذه الكراسة عالم، فإنه يكفيك إن شاء الله، وهي تظهيرة هذا الكتاب (3/37)
صفحة 486
[صفحة بيضاء] (3/38)
صفحة 487
باب في الحيض والمستحاضة
وعن امرأة ولدت، فلما خلت الأربعين يوما طهرت وصلت، وجامعها زوجها وهي طاهر تصلي، ثم إن الدم راجعها من يومها من بعد المجامعة، وهي كل يوم تراه وينقطع عنها، فلما رآها تصلي وطهرت من كثرة الدم جامعها بعد الأربعين، فقالت له: إن في الدم فلم يصدقها حيث رآها تصلي، وتظن أنه لا انتظار للنفساء بعد الأربعين والنفاس معنا أربعون يوما فإن مضى بها الدم، صنعت كما تصنع المستحاضة، فتغسل لكل صلاتين غسلا واحدا، وتجمع الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء الآخرة بغسل واحد، ولصلاة الغداة غسلا واحدا، ويجامعها زوجها إن شاء إذا اغتسلت.
فإذا كان أيام حيضها التي تعودت أن تحيض فيهن، أمسكت عن الصلاة والصيام، وأمسك زوجها عن مجامعتها في الدم مدة أقرائها وبعده بيوم أو يومين.
وأما وطؤه إياها بعد الأربعين فلا بأس عليه إذا اغتسلت وصلت.
وأما الدم الذي تراه كل يوم، فإن يكن علقة أو دفعة، فلا شيء، وتتوضأ وتصلي، فإذا امتد بها الدم ومضت عشرة أيام، ولم تأمن أن تصلي وهي ترى الدم من حيضها مستقبلا، أمسكت عن الصلاة بعد قروئها ولا يجامعها زوجها أثناء ذلك.
قلت: إن صاحب هذه المسألة، جرى بينه وبين امرأته فراق، وبانت (3/39)
صفحة 488
منه بتطليقة واحدة، ثم راجعها على اثنتين، ولقيه رجل فقال له: راجعت مطلقتك؟
فقال الرجل - يريد بذلك سترا عن الرجل الذي سأله عن المراجعة -: لا تغمني بذكر تلك المطلقة - يعني المطلقة التي كانت -، فلا نرى عليه في قوله هذا شيئا على ما وصفت بأسا، إن شاء الله.
قال أبو سعيد: فقد قيل فيه على معنى ما قال.
وكذلك المستحاضة، وأما الدفعة التي تأتيها في أيام استحاضتها، فإذا سألت أو قطرت: فقد قيل: فيها الغسل في أيام الاستحاضة.
وأحسب أنه قد قيل ذلك: في بعض ما يكون فيه الدم فائضا، ويكون حكم السائل القاطر، ففيها الغسل، كالعلقة إذا خرجت فصارت على ما قيل، لأنه من الدم.
وإذا سال الدم أو قطر فسواء كان قليلا أو كثيرا، وقد وجب فيه الغسل في أيام الاستحاضة، إلا أنها تغسل إذا لم يكن مسترسلا متصلا، لكل صلاة حضرتها، إذا كان يخرج منها الدم، ثم لم تغسل بعد.
وإنما لها قبل جمع الصلاتين في الدم المسترسل، الذي لا ينقطع السائل أو القاطر بغسل واحد.
وعن امرأة مستحاضة كانت تغسل ثلاث مرات، فرأت الطهر، هل لها أن تجمع بين الصلاتين كما كانت تجمع؟
قال: إذا رأت كفوفا من الدم وانقطاعا، اغتسلت كل صلاة في (3/40)
صفحة 489
وقتها، كما تصلي الطاهر
وعن المستحاضة اغتسلت من الليل، ثم أصبحت فلم تر دما، أو بين الصلاتين فلم تر دما في وقت صلاة آخر، كيف تصنع؟ هل تغسل أم تصلي؟
قال: تغسل ثم تصلي، ولا يجامعها زوجها حتى تغتسل.
وفي مسألة أخرى في امرأة مستحاضة، اغتسلت من الليل، ثم أصبحت وهي لا ترى الدم أتغتسل وتصلي؟ ومتى يجامعها زوجها؟
قال: تتوضأ للعدة إذا لم تر الدم وتصلي، وجائز لزوجها أن يطأها.
قال أبو سعيد: قد قيل: إذا صارت المرأة بحد المستحاضة، أن بعضا يكره له وطأها حتى تغتسل له أو في دبر غسل صلاة.
وبعضا يكره له وطأها على حال في الدم المسترسل الكثير، غسلت أو لم تغسل.
وبعضا لا يرى بوطء المستحاضة باسا، إلا أن يعذرها.
وهذا القول هو أصح عندي، لأنه لو كان الوطء ممنوعا لم ينتفع بالغسل، وبكل حال فإن وطئها وهي في حكم المستحاضة، فلم أعلم أن أحدا يقول بفسادها عليه.
وعن امرأة ترى الدم في الزمان الطويل، لا ينقطع عنها؟
قال: تنتظر حين قرئها مما كانت تحيض في زمان حيضها، ولتدع الصلاة تغسل وتصلي، وإن شاء زوجها جامعها إذا صلت.
1
وعن امرأة صلت سبعة أيام، وكانت تصلي عشرين يوما ثم تحيض، فرأت بعد سبعة أيام، ما تصنع؟ (3/41)
صفحة 490
قال: تغسل وتجمع الصلاتين، حتى تتم عشرة أيام، ثم تري الدم النساء فإن قلن إنه حيض قعدت، فإن قلن إنه داء ليس بحيض فإنها مستحاضة حتى تتم عشرين.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في مثل هذا في هذا الكتاب.
وعن امرأة رأت الدم في وقت حيضها يوما واحدا، ثم رأت الطهر فاغتسلت وصلت أيام حيضها، ثم رأت بعد ذلك دما سائلا؟ قال: هي مستحاضة.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا.
وقيل: حتى يتم لها ثلاثة أيام، يكون حكمه حيضا، أم هي بعد تمام حيضها مستحاضة التي كانت تعرفها.
وعن امرأة تم قرؤها، ولم تر الطهر، ولم ينقطع الدم؟
قال: هي مستحاضة حتى ترى الطهر، وعليها إعادة ما زاد على قرئها إن زادت إلا أن يكون الذي تراه صفرة، فإنها لا تزيد، وعليها أن تصنع ما تصنع التي ترى الصفرة، فإن كانت نظرت ما نظرت إلى الدم فهي مستحاضة.
وعن المرأة المستحاضة إذا اغتسلت بين الصلاتين، ودخلت في الصلاة فأحدثت؟
قال: ليس عليها غسل، ولكنها تتوضأ، وإن جاء دم بعد الغسل فكذلك، حتى تفرغ من هاتين الصلاتين التي اغتسلت لهما، فإذا جاء وقت صلاة أخرى اغتسلت. (3/42)
صفحة 491
وعن مستحاضة عليها صلاة فائتة، كيف تصليها؟
قال: تغتسل لما فاتها غسلا واحدا، ثم تصلي، فإذا جاء وقت صلاة ولم تفرغ، اغتسلت للصلاتين غسلا واحدا فتصليهما ثم تغتسل لصلاة أخرى لما بقي عليها، فتقضي على هذا النحو.
وعن امرأة مسافرة رأت الطهر، فلم تجد ماء فتيممت، هل لزوجها أن يجامعها؟
قال: لا أحب أن يجامعها حتى تغتسل بالماء.
قلت لأبي سعيد: فلو وطئها، هل كانت تحرم عليه؟
قال: لا تحرم عليه فيما قد قيل.
قال غيره: إذا لم تجد الماء بعد الطهر فقد اختلف في ذلك:
فقال من قال: ليس له وطؤها.
وقال من قال: يطأها مرة واحده.
وقال من قال: يطؤها أبدا.
وعن امرأة رأت قطرة، أو عرف دم، هل عليها غسل؟
قال: إن كانت في وقت حيضها أمسكت عن الصلاة، و إن لم يكن وقت حيضها اغتسلت عند كل صلاة وصلت، فإن جاءها دم عبيط أو سائل فعليها أن تغتسل وتجمع الصلاتين.
وقال أبو عبد الله: إذا ظهر دم الفرج ليس عليها منه غسل، وانما عطلها منه الوضوء. (3/43)
صفحة 492
قال أبو سعيد: إن طهر دم الفرج ليس عليها منه غسل، وعليها منه الوضوء لكل صلاه، وسواء كان الدم داخل الفرج أو خارجه، فليس عليها منه غسل.
وعن امرأة زعمت أن في فرجها قرحا، وزعمت أنها يخرج من فرجها دم، هل تكون مستحاضة، أو تتوضأ لكل صلاة؟
قال: إن كان الدم يخرج من قبلها وهو عبيط، فينبغي لها أن تغسل ثلاث مرات، وإن كان صفرة توضأت لكل صلاة.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في دم الفرج، وليس في دم الفرج غسل، ولا يقوم مقام الحيض و الاستحاضة، وإنما هو بمنزلة شيء من النجاسات، ولا يقوم في أيام الحيض مقام الحيض، وهو أهون من الصفرة و الكدرة والحمرة في شأن التعبد في الحيض.
وعن الربيع في الحبلى إذا رأت الدم ولا شرك الصلاة ما دامت في حبلها، فإن رأت دما سائلا اغتسلت بين الصلاتين وجمعتهما، و للغداة غسلا، وإن كانت صفرة توضأت لكل صلاة.
وعن الحبلى إذا سال منها ماء ليس فيه صفرة و لا دم؟
قال: لا نعلم على المرأة غسلا إلا من دم إلا امرأة تمت عدتها فرأت صفرة، فغسلت ثم رأت الطهر من بعد الصفرة، فعليها أيضا أن تغسل طهرها.
قال أبو سعيد: وقد قيل ليس عليها غسل.
وقال الربيع: في النفساء إذا تطاول بها الدم، نظرت أقصى ما كانت (3/44)
صفحة 493
تقعد أمهاتها فتقعد، وإن كانت ولدت قبل ذلك ولها وقت تعرفه، فلتقعد قدر ما كانت تقعد، فإن انقطع عنها الدم فلتغتسل، وان لم ينقطع زادت يوما أو ثلاثة أيام، ثم لتغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في هذا الكتاب.
وعن السقط إذا كان لم يتم تخلقه، فقالت النساء: هو ولد؟
قال: عليها عدة النفساء.
وقال بعضهم: حتى يستبين تخلقه.
وعن امرأة ولدت أول نفاسها، فلم ينقطع عنها الدم شهرين أو أكثر، وكانت عدة أمها خمسة وأربعين ليلة، ماذا تصنع؟
قال: ترد إلى عدة أمها إلا أن ينقطع في تمام شهرين أو أقل.
وعن امرأة ولدت أول نفاسها، فلم ينقطع عنها الدم، ولم تعرف وقت أمها وإخوتها، كيف تعتد؟ قال: تعتد شهرين.
وعن امرأة ولدت في أول ميلادها فرأت الطهر بعد عشرين يوما، فاغتسلت، ثم رأت الدم من يومها؟ قال: لا تزيد، وقد صار هذا وقتا لها، فإذا كان في ميلادها الثانية تقعد فيها الذي كانت في أول نفاسها، فإذا لم ينقطع عنها الدم زادت يوما أو يومين، ولكن إذا كان أول نفاسها ستين يوما أو خمسين يوما أو نحو ذلك، ثم ترى الطهر في وقتها الثاني والثالث والرابع، في دون الذي رأت في أول (3/45)
صفحة 494
ميلادها كان ذلك يجزئها، وإذا تغير عليها الوقت الآخر واختلط عليها فإن لها أن تقعد إذا لم ينقطع الدم حتى يرجع بها إلى وقتها الأول.
وعن امرأة كان أول حيضها عشرة أيام، ثم رجعت إلى ستة أيام، وكانت على ستة أيام ثم رأت الدم في وقتها، ولم ينقطع عها حتى جاوزت عشرة أيام؟
قال: تقعد قرأها الأول، ثم تزيد يوما أو يومين.
قال أبو سعيد - رحمه الله -: إذا استقام لها على ستة أيام ثلاثة قروء، فقد قيل: إنه قرؤها، وتستعمله في الرابع.
وقيل: إن الأول هو العشر قرؤها، والست أحب إلي على هذا، فإن استعملت الست تنتظر يوما أو يومين بعدها، وإن استعملت العشر، فقد قيل: ليس بعد العشر انتظار، وفي استعمال الستة أيام بعد تمام ثلاثة أقراء أحب إلي، لأنه الأكثر في قول أصحابنا.
وعن امرأة أسقطت سقطا فانقطع عنها الدم، هل يجامعها زوجها، بعد انقطاع دمها؟
قال: يدعها ثلاثة أيام، فإذا لم تر الدم فلا بأس في مراجعتها.
قال أبو سعيد: إذا رأت الطهر ولم يكن لها شيء من الدم، ولا صفرة ولا كدرة ورأت الطهر البين، فقد قيل: عليها الصلاة وتغتسل للنفاس.
وعلى زوجها أن يحتاط في وقت ذلك فلا يقربها في أثنائه، مما تكون أحكامه أحكام النفاس من الصفرة و الكدرة.
وقد قيل: يؤمر أن لا يطأها ثلاثة أيام، وهذا عندي تنزه، فإن فعل لم يكن عليه في امرأته بأس فيما قيل إذا راجعها الدم في أول نفاسها. (3/46)
صفحة 495
وعن امرأة ولدت الثانية، وكانت عدتها شهرين فيما مضى من عدتها عشرة أيام، فرأت الطهر ثم غسلت وصلت وصامت شهر رمضان، ثم رأت الدم في عدتها، هل يجوز صيامها؟
قال: نعم إذا صامت وهي طاهر فاتمت الشهر.
قال أبو سعيد: وقد قيل، عليها إعادة شهرها، إذا لم يكن على هذه الصفة عندي.
وعن امرأة كانت عدتها عشرة أيام، فانقطع عنها الدم يوم تاسع، ورأت صفرة، فلما كان الحين الذي كانت ترى فيه الطهر، وهو وقت صلاة الطهر، فأخذت تغتسل وتصنع ما تصنع المستحاضة، وإن هي عندي أتمت عدتها ولم تر الطهر وهي ترى صفرة، فإن عليها أن تغتسل وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة ما رأت صفرة، فإن رأت الطهر فلتغتسل أيضا لطهرها، ولا زيادة في الصفرة.
قال أبو سعيد: إذا راجعها الدم السائل أو القاطر المسترسل قبل تمام حيضها، كان عن طهر أو صفرة أو كدرة، بعد أن تثبت لها في أيام حيضها ما تكون به حائضا:
فقد قيل: تنتظر يوما أو يومين، فإذا جاء وقت تمام أيام حيضها، وليس بها دم سائل ولو ساعة واحدة طرفة عين، ثم راجعها الدم السائل بعد ذلك الوقت بقليل أو كثير:
فقد قيل: لا انتظار في ذلك، وإنما هو الدم المتصل فلها أن تزيد يوما أو يومين، فإذا جاءها الدم بعد العدة فليس لها أن تزيد، وعليها أن تغتسل وتصنع صنيع المستحاضة عند تمام حيضها، وهي فيما سوى ذلك مستحاضة (3/47)
صفحة 496
في هذا الدم الذي راجعها.
وعن امرأة لم تغتسل لطهرها من الصفرة، فصلت وصامت وذلك في شهر رمضان؟
قال: كان ينبغي لها أن تغسل حين رأت الطهر، ولا نعلم عليها إعادة، وإن أعادت فهو أفضل.
وعن امرأة تمت أيام عدتها فلم تر طهرا، أو رأت صفرة، فاغتسلت وجعلت تتوضأ لكل صلاة، ثم رأت الدم في غير وقت صلاة، فلما كان وقت صلاة انقطع عنها الدم، وعاودتها صفرة، هل تغتسل؟
قال: نعم لأنها صفرة ورأت دما ثم رأت صفرة، وإن رأت بعد الصفرة فلتغتسل لطهرها أيضا.
قال أبو سعيد: عليها الغسل لموضع الدم عندي، تغسل كغسل الاستحاضة.
2
وعن امرأة ترى الصفرة في أيام حيضها، فربما رأته في أيام طهرها؟
قال: إذا رأت الصفرة في أيام حيضها فهو حيض، وإن رأتها في أيام طهرها فليست بحيض، فتتوضأ لكل صلاة وتصلي ما دامت الصفرة.
وعن امرأة تتم عدتها ثم انقطع عنها الدم، ولكنها ترى الصفرة فاغتسلت وصلت، فلم تزل الصفرة حتى انقضت أيام طهرها، هل تجوز صلاتها وصيامها؟ وهل لزوجها أن يطأها؟
قال: نعم غير أنه إذا أراد مجامعتها توضأت، فإن كانت مستحاضة اغتسلت لزوجها، فإنه يستحب ذلك. (3/48)
صفحة 497
وقال بعضهم: ليس عليها غسل لزوجها.
وأيما امرأة رأت الطهر في أيام حيضها فلم تصل، فعليها قضاء ما تركت، له إن عاودها دم أو صفرة في عدتها تركت الصلاة.
وعن امرأة عدتها خمسة أيام، فرأت في الأيام التي تحيض فيهن صفرة، ولم تزل في الصفرة خمسة أيام، ثم رأت بعد الخمسة أيام دما عبيطا؟
قال: تقعد خمسة أيام إذا لم ينقطع دمها، تزيد فيها يومين ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: قد قيل: تقعد خمسة أيام منذ ترى الدم السائل أو القاطر، وليست الصفرة المتقدمة بشيء، لأنه قد يكون الأمر في الغسل حمله على وجوه، ولا يحمل كله على غسل الحيض.
وعن امرأة رأت الطهر في عدتها يومين، ثم رأت الدم فلم ينقطع حتى تمت أيام عدتها، هل تعيد اليومين اللذين رأت فيهما الطهر؟
قال: نعم فإن ذلك من قروئها.
قال أبو سعيد: قد قيل ذلك، إذا تقدمها الدم أو ما يكون به حيضا في أيام حيضها يومين أو أكثر، وإن كان أقل وكان الطهر أكثر من الحيض المتقدم، بطلت أحكام الحيض وثبتت على حيضها من الدم الثاني.
ومنه: قلت: هل تزيد يوما أو يومين؟
قال: نعم إذا جاءها الدم وهي بعد في قروئها.
وأيما امرأة رأت الطهر في وقت صلاة العصر، فليس عليها الظهر، (3/49)
صفحة 498
وإن رأت الطهر في وقت المغرب فليس عليها العصر، وإن رأت الطهر في وقت العشاء فليس عليها صلاة المغرب.
وكان الربيع – رضي الله عنه – يقول: إذا جنها الليل ولم تر طهرا، فليس عليها صلاة حتى تصبح ولا وتر عليها، وإن رأت الطهر في السحر فليس عليها العشاء وعليها الوتر سنة واجبة، وإن رأت الطهر بعد العصر والشمس بيضاء نقية، فلتصل العصر.
قال أبو سعيد: إذا طهرت من حيضها في الليل، وتبين لها ذلك بعد انقضاء نصف الليل فعليها الغسل وتصلي الوتر، وإنما معي أنه أراد وليس عليها الغسل، إن لم يكن تحريفا من الكاتب.
والعشاء مع أهل العلم هي صلاة العتمة، وهو كذلك معي.
ومنه: وقال الربيع: إذا قامت تغسل فلم تفرغ حتى فاتتها الصلاة فليس عليها كفارة وإنما هي ضيعت فعليها قضاء تلك الصلاة.
قال أبو سعيد: إن قامت في وقت الصلاة فلم تفرط في أسباب الغسل الذي لا تقوم لها طهارة إلا به فلا شيء عليها، وإن كانت فرطت في أول وقت الصلاة ثم تشاغلت بالغسل فهي مضيعة.
وقال بعض: ليس عليها كفارة وإن كانت إنما طهرت وقد مضى من وقت الصلاة شيء فقامت إلى الغسل، فتشاغلت به غسلا لا يمكنها الصلاة إلا به في قول المسلمين، فانقضى وقت الصلاة قبل فراغها من الغسل فقد قيل: لا شيء عليها، ولا بدل لتلك الصلاة.
وقد قيل: تصليها على حال معناه واحد.
وعن امرأة رأت الطهر في وقت الصلاة وهي في أيام قرئها، فلما (3/50)
صفحة 499
تهيأت للغسل رأت الدم، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ ...
قال: لا.
قال أبو سعيد: إذا لم تفرط، وهي طاهرة في وقت الصلاة بقدر ما لو قامت إلى الغسل غسلت وصلت، فإن كان هكذا فلا إعادة عليها، وإن فرطت على هذه الصفة، فقد قيل: عليها بدل تلك الصلاة إذا طهرت.
وعن امرأة صلت العتمة فحاضت قبل أن تصلي الوتر، هل عليها الوتر إذا طهرت؟
قال: لو صلت الوتر لا يرى بذلك بأسا والله أعلم.
وعن امرأة رأت الطهر في عدتها، ثم اغتسلت وصلت وصامت وجامعها زوجها، ثم رأت الدم وهي بعد في العدة؟
قال: لا أرى عليها بأسا وإن كف عنها زوجها في أيام العدة فهو أفضل، وأما صيامها فقد فسد إذا عاودها الدم أيام عدتها ولم تكن فرغت من صومها.
وعن امرأة كانت عدتها ستة أيام ثم صارت عشرة أيام لا ينقطع عنها إلا بعد عشرة أيام؟
قال: تزيد على ستة أيام يوما أو يومين ثم تغتسل وتصلي.
قال أبو سعيد: إذا استقام لها على عشرة أيام ثلاثة أقراء، فقد قيل: هو وقتها ولا انتظار بعد العشر فيما قيل.
وقد قيل: وقتها الأول، فإن استعملته انتظرت يوما أو يومين، والعشر أحب إلي، وإذا استقام لها على ثلاثة أقراء استعملته في الرابع. (3/51)
صفحة 500
وعن امرأة نامت بعد العتمة وهي طاهرة واستيقظت وقد حرمت عليها الصلاة؟
قال: عليها إعادة تلك الصلاة بعد أن كان ذهب وقتها، فإن استيقظت قبل الوقت فلا أرى عليها إعادة تلك الصلاة، وإن ضيعت فعليها الإعادة، ولتستغفر الله ولا تعود.
قال أبو سعيد: معها أنها نامت عن الصلاة قبل وقتها وهي طاهرة، واستيقظت وهي حائض في وقتها، فعليها الصلاة إذا طهرت، وان استيقظت وهي حائض وقد فات وقت الصلاة فعليها على حال الصلاة إذا طهرت، لأن النائم عليه الصلاة إذا استيقظ إلا أن نعلم أنهما جاءها الدم في أول وقت الصلاة، ما لو قامت إلى الصلاة منذ أول وقتها فتوضأت وصلت، وان استيقظت وهي حائض وانما مضى من الوقت من حين ما حان وقت ما لو كانت مستيقظة وقامت إلى الصلاة لم تتوضأ وتصلي في ذلك الوقت، فإن كان هكذا فليس عليها إعادة الصلاة إلا على سبيل التطوع.
وعن امرأة كان أول وقتها سبعة أيام تمت عدتها ثم رأت الطهر يوما واحدا واغتسلت وصلت لذلك اليوم ثم عاودها الدم فمكثت في الدم يوما وليلة، ثم رأت الطهر فلم تغتسل ولكنها توضأت وصلت، وكان أمرها على هذا النحو زمانا، وكان زوجها يجامعها؟
قال: تعتد الأيام التي كان أمرها عليها فيها الدم، وليس عليها غير ذلك.
قلت: لم لم تجعل عليها أيام طهرها كلها، لأنها لم تغسل حين رأت الطهر الثاني بعدم الدم، لأنها رأت الطهر في وقتها فاغتسلت للطهر، ثم لم يجعل عليها تلك الأيام لا تحسب، مثل التي لم تر الطهر عند انقضاء عدتها فلم (3/52)
صفحة 501
تغتسل لطهرها.
قال أبو سعيد: إذا كان حيضها سبعة أيام في أول، ثم رجعت تطهر يوما ثم يراجعهما الدم يوم سبع، فهي في أول مرة تعتد، والثالثة مستحاضة، وعليها من ذلك الدم غسل الاستحاضة، وان وطئها زوجها فيه فهو حكم الاستحاضة، وأما في القرء الرابع فإن هذه إثابة في قول من يرى انتقال الأقراء، وهو أكثر قول أصحابنا، والإثابة عندهم لاحقة في أحكامها بأحكام الحيض في الصلاة والغسل والوطء، و ان وطئها زوجها في الرابع أو فيما يستقبل في، هذه الإثابة، فهي عند صاحب هذا القول بمنزلة من وطىء حائضا.
وان لم تغسل وصلت في الرابع أو فيما يستقبل فعليها عنده الكفارة، ولا يسعها جهل ذلك في الصلاة على رأي قول بعض. إذ أن بعضا يرى عليها الجدل ولا كفارة عليها، ولا أعلم في البدل اختلافا على ثبوت انتقال الأقراء، وأما فى الأول والثاني والثالث، فإذا جهلت الغسل فما صلت على ذلك إلى أن تغتسل، فقد قيل: عليها البدل.
وقيل: لا بدل عليها، ولا أعلم عليها كفارة.
وعلى قول من لا يرى الأقراء فالأول قرؤها ما زاد بعد ذلك فهي مستحاضة معه فيه، وأحكامها عنده أحكام الاستحاضة في الوطء والصلاة والغسل، وقد مضى القول في الاستحاضة في غسلها ووطئها وصلاتها.
وأكثر القول عندنا وأحب إلينا انتقال الأقراء وثبوتها، إذا اتفقت على ثلاثة، فيما دون العشرة.
وكذلك الإثابة إذا اتفقت على ثلاة أقراء، فيما دون العشر على وقت واحد، لحقت ملحق الحيض، إذا لم يأت الطهر الذي بين الإثابة وبين الحيض أكتر من الحيض. (3/53)
صفحة 502
وعن امرأة تمت عدتها فأرادت أن تغسل في أول الليل، فنظرت فرأت دما فنامت ثم أصبحت وهي طاهر، فهل عليها قضاء صلاة العشاء؟
قال: نعم وإن كانت نظرت بعد ثلث الليل فرأت الدم أصبحت وهي طاهر فلتصل الوتر، لأنها عسى أن تكون طهرت من الليل ووقت الوتر إلى أن ترى الصبح.
قال أبو سعيد: معي أن هذا احتياط، وأما إذا جنها الليل وفيها دم سائل، وتركت ذلك انتظارا منها، فحكمها عندي أحكام الحائض، وليس عليها أن تنكس نفسها في الليل، وهي بها الدم حتى تعلم أنها طهرت أو استيقن على ذلك، وإن لم تر الطهر حتى تصبح، فلا يلزمها في الحكم بدل صلاة الليل، وتغتسل وتصلي الفجر، وإن كان الدم ليس مما لا انتظار فيه، وكان ممكنا في الرحم أو صفرة أو كدرة أو أشباه هذا، فجهلت وتركت الصلاة فأحب أن يكون عليها بدل لما تركت من الصلاة على هذا الحال.
وعن امرأة ظنت أنها حبلى وترى أن النساء قلن لها أنها حبلى، فمكثت لذلك ستة أشهر أو أكثر، وكانت رأت في بعض تلك الأيام دما فظنت أنه من غيض الأرحام، وكان يجامعها زوجها عند انقطاع الدم في تلك الأيام، فعلمت بعد ذلك أنها ليست بحبلى، وأن ذلك من الدم الذي رأته في بعض أيامها حيضا كيف تصنع؟
قال: لا تحرم عليه امرأته، ولا يعود بعد ذلك لمثل هذا.
وأما ما ذكرت من المرأة التي أيست من المحيض، ورأت دفعة من دم، ولم تر بعد ذلك دما؟
قال: فإنا نرى عليها الغسل من هذا الدم. (3/54)
صفحة 503
وأما التي صلت خمسة أيام بعد طهرها ثم رأت الدم فاغتسلت بين كل الصلاتين إلى عشرة أيام، منذ يوم طهرت ثم قعدت، فرأت الدم يومين ثم طهرت، هل عليها أن تعيد الصلاة اليومين؟ قال: فإنا نرى عليها أن تعيد.
قال أبو سعيد: قد قيل تتوضأ لكل صلاة ما لم يأتها الدم، وانقضاء أيام الطهر، وليس لذلك غاية حتى يأتيها دم سائل أو قاطر، فتترك الصلاة أيام حيضها.
ومنه وأما التي حاضت في شهر رمضان فرأت الدم يوما ثم رأت الطهر فصامت يومين، ثم عاودها الدم، فإن كان جاء وهي في أيام حيضها، فإنها تعتد اليومين، ولو تم طهرها لم يكن عليها الإعادة.
وأما التي عدتها ثمانية أيام، فانقطع عنها الدم يوم الثاني ورأت صفرة أو حمرة؟
قال: فإنها لا تغتسل حتى تتم اليوم الثاني ثم ليس في الصفرة زيادة.
قال أبو سعيد: إذا كان حيضها ثمانية أيام فرأت الدم في أول أيام حيضها دما سائلا أو قاطرا، ثم انقطع عنها الدم يوما ثانيا، وبقيت بها صفرة أو كدرة فذلك كله حيض، إلى انقضاء يوم الثامن إلى انقضاء أيام حيضها، فإذا انقضت أيام حيضها اغتسلت، ولا زيادة في الصفرة والكدرة، وهذا تأويل معنى مسألته معي.
ومنه وأما التي طهرت من النفاس وصلت عشرة أيام، ثم رأت صفرة، ما تصنع؟
قال: تتوضأ لكل صلاة حتى أيام طهرها. (3/55)
صفحة 504
وأما التي طهرت من الحيض ثم رأت صفرة فدام لها حتى مرت أيام طهرها، وجاءت أيام حيضها وهي في تلك الصفرة؟
قال: تقعد في أيام حيضها.
وقال بعضهم: حتى ترى دما لا تدع الصلاة.
قال أبو سعيد: القول الأول أحب إلينا، أنها لا تدع الصلاة إلا بالدم السائل أو القاطر، فإذا جاء ذلك ولو دفعة، ثم اتصلت الصفرة أو الكدرة أو الحمرة، كان ذلك حيضا وتركت الصلاة لتمام أيام حيضها.
وعن امرأة سال منها شيء من بياض وتوضأت وختمت نفسها وصلت، فلما حضر وقت صلاة أخرى وهي على حال مختومة؟
قال: تتوضأ لكل صلاة.
قال أبوسعيد: إذا كانت على ذلك التي إن توضأت واحتشت وعهدها بذلك، فعليها الوضوء للصلاة الثانية.
وكذلك ما كانت على هذا فهي تستنجى وتطهر لكل صلاة.
وأما المطلقة التي كثر دمها فلم تدر ما حيضها، فإن كانت تعلم ما كانت تصلي الشهر أو أكثر من ذلك ثم تحيض، وبه تعلم أيام حيضها، فتصلي أيام طهرها تغسل ثلاث مرات في الخمس صلوات، ولا تصلي في أيام حيضها، فإن ذلك عدتها، لأنه يقال إن الدم يزيد في أيام حيضها، فإن كانت لا تعرف أيام طهرها ولا أيام حيضها فقد اختلف الناس في ذلك:
فمنهم من قال: تنظر إلى أمها وأخواتها كم طهرن وحضن؟
ومنهم من قال: غير ذلك. (3/56)
صفحة 505
قال أبو سعيد: في المطلقة إذا استمر بها الدم، واشتبه عليها أمرها في أيام الحيض:
فقال قوم: تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي عشرا، فإذا مضى على ذلك ثلاثة أقراء انقضت عدتها.
وقال قوم: تترك أيام حيضها وتصلي خمسة عشر يوما، فإذا انقضت ثلاثة أقراء على ذلك فهو عدتها.
وقال من قال: تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي عشرين يوما على هذا السبيل.
وقال من قال: تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي شهرا، فإذا انقضى لذلك ثلاثة أقراء فذلك عدتها.
وقال من قال: عدتها التي تعودت تصلي فيها وتترك أيام حيضها التي كانت تتركها، فإذا انقضى على ذلك ثلاثة أقراء فتلك عدتها.
وقال من قال: عدتها ثلاثة أشهر للريبة، إذا كان مستمر بها الدم، لقول الله - تبارك وتعالى -: *-إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر).
وقال من قال: عدتها أربعة أشهر وخمسة أيام، وثلاثة أشهر عندي أشبه بعدة هذه المسترابة، لأنها إن كان ذلك حيضها فقد مضى في ثلاثة أشهر، كل شهر حيضة، وإن كان ذلك ليس بحيض.
ومنه وأما التي نقص حيضها وارتفعت حتى لا تدري ما حيضها، وقد زايلها الحيض، فقد مضت عدة الشهور للتي لا تحيض إن كان ذلك ليس بحيض.
وقد اختلفوا في ذلك: (3/57)
صفحة 506
فمنهم من قال: تتربص أربعة أشهر ثم تعتد بالشهور.
ومنهم من قال: تعتد اثني عشر شهرا.
ومنهم من قال: حتى تيأس من المحيض ثم تعتد بالشهور.
قال أبو سعيد: أحب القول الآخر في العدة حتى تصير بحد من تيأس من المحيض من الكبر، ثم حينئذ تعتد بالشهور لقول الله -تبارك وتعالى -: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا).
ومنه وأما التي ولدت أول ميلادها، فرأت الدم شهرا ثم انقطع الدم عنها ورأت حمرة، ما تصنع؟
قال: تنتظر إلى عدة أمها.
قال أبو سعيد: أحب إذا انقطع عنها الدم السائل، وبقي بها صفرة أن تنظر إلى تمام أربعين يوما، ولا تنظر بعد الأربعين في الصفرة و الكدرة إلا فيما دون السائل و القاطر المتصل في أول ولد.
ومنه وأما التي قعدت بعد ما طهرت العشرة أيام، فرأت الدم ثلاثة أيام ثم رأت الطهر، وكانت عدتها سبعة أيام، ما تصنع؟ قال: إذا قعدت ثلاثة أيام ثم رأت الطهر، فلتغتسل وتصلي.
وأما التي كان وقت حيضها ثمانية أيام فرأت صفرة في أيام حيضها في الثمانية أيام، ثم رأت الطهر واغتسلت وصلت ثم جاءها الدم، فمكثت في (3/58)
صفحة 507
الدم ثمانية أيام، فإني أخبرك أن أبا منصور كان يقول: إذا رأت الصفرة في وقت حيضها، فلا تترك الصلاة حتى ترى الدم، وفيه اختلاف.
وأما التي رأت الطهر في أيام حيضها يوما، واغتسلت وصلت وعليها قضاء صلاة يوم مما عليها، ثم عاودها الدم قبل أن تنقضي أيام عدتها فهو جائز، إنما اختلفوا في ذلك في الصيام.
قال أبو سعيد: لا أعلم حفظت في ذلك اختلافا إلا أنه يعجبني أن لا يخرج من الاختلاف.
وعلى قول من يقول: إن الصوم يقع على الانفراد فإذا تم لها اليوم وصامته وهي طاهر، فقد ثبت حكمه عندي، على قول من يقول ذلك.
وعلى قول من يقول: إن كله مبني أنه يفسد إذا لم يتم حتى يراجعها الدم.
ومنه وأما التي كان حيضها عشرة أيام، ثم صارت أيام حيضها خمسة أيام، هل لزوجها أن يجامعها، إن طهرت في خمسة أيام؟
قال: هذا مكروه، وينهى عنه الفقهاء لأن عدة هذه المرأة عشرة أيام ما بقي، وإن رأت بعد الخمسة الأيام صفرة أو يبوسه مما لم تر الطهر فهي حائض.
قال أبو سعيد: قد مضى في هذا بانتقال الأقراء.
ومنه وأما التي عدتها ثمانية أيام فرأت أيام حيضها أربعة أيام صفرة أو حمرة ثم تحول دما عبيطا إلى تمام شدتها فلم ينقطع، وزادت يوما أو يومين فلم ينقطع الدم، فنرى أن تصنع ما تصنع المستحاضة، تغسل بين كل صلاتين ولصلاة الصبح، وتقضي اليومين التي زادت على عدتها. (3/59)
صفحة 508
قال أبو سعيد: تترك الصلاة فيما قيل بعد أن يأتيها الدم فيما تستأنف إلى تمام حيضها.
وأما التي أمكنت زوجها من نفسها وهي حائض وكتمته، ولا يعلم الرجل وأتاها؟
قال: لا نرى إثما على الرجل وانما الاثم عليها، وأحب أن لا يمسك الرجل امرأة نحو هذه، إلا أنه يتوب ويرجع.
قال أبو سعيد: أما التنزه فكما قال إذا عرفها بهذا، وأما إذا كان زلة منها من كل قروء، أو ليست محترزة فقد قيل: ليس عليه هو ذلك الاثم ولا الحرمة، وأما هي فقد قيل: إنها آثمة لأنها أمكنته من محجور عليها، وأما الفساد فلا أعلم أن أحدا أفسدها عليه بهذا من المسلمين.
وقال بعضهم: إنها آثمة في معاشرته إذا تابت مما ركبت.
ومعي أنه قيل: إن عليها أن تفتدي منه بما عليه لها، إن قبل فديتها، وإن لم يقبل فديتها لم يكن عليه ذلك، وكان عليها معاشرته وهي آثمة، ولا تتزين له ولا تفعل له كفعل المرأة لزوجها، من غير أن تمنعه.
وقيل: إن لم يقبل فديتها وسعها منه ما يسعه منها ولم تاثم في معاشرته، وكان لها أن تفعل له كما تفعل المرأة لزوجها من التزين والتعرض، ويسعها منه ما يسعه منها بعد أن لا يقبل فديتها.
ومعي أنه قد قيل: إنه يستحب أن تفتدي وليس ذلك عليها، فإن فعل فلم يقبل فديتها كان القول فيها ما قد مضى من الاختلاف.
ومعي أنه قد قيل: إنه ليس عليها فدية في هذا، ولا تفسد هي عليه ولا يفسد هو عليها، إلا بتعمده هو للوطء في الحيض، وليس تعمدها هي (3/60)
صفحة 509
كتعمده هو ولا فعلهما كفعله، إلا أنها آثمة في ارتكاب ذلك في حينه، فإنهم قد أجمعوا - لا أعلم بينهم اختلافا - أنه لو وطئها وطئا صحيحا وهي حائض خطأ، أن ذلك لا يفسدها، ولا إثم عليه فيه.
وكذلك إن كان ناسيا وهي ناسية، وانما قالوا إنها تفسد عليه بوطئه لها متعمدا في الحيض بعد العلم، أو فعلها ليس كفعله.
ومعي أن هذا القول أصح مذاهب أصحابنا، و ان كان أكثر القول، قولهم.
ومنه وأما التي أيام طهرها مختلف تصلي مرة شهرا، ومرة خمسة وعشرين يوما ومرة عشرين يوما، فإنها تصلي حتى تبلغ أقصى أيامها، ثم تترك الصلاة بقدر ما كانت تحيض.
وذكروا عن أبي المنصور أنه قال: تترك الصلاة أيام حيضها ثم تصلي بقية الشهر إن كان حيضها عشرة أيام صلت عشرين يوما، وان كان اثني عشر يوما صلت في الشهر ثمانية عشر يوما، وان كان ثمانية آيام صلت اثنين وعشرين يوما على هذا النحو إذا صارت مستحاضة.
قال أبو سعيد: معي أنه قيل هذا، وقيل: إنها إذا استحيضت قعدت أيام حيضها عن الصلاة، ولا تقعد عن الصلاة أكثر من عشرة أيام ثم تغسل وتصلي.
وقال بعضهم: خمسة عشر يوما.
وقال بعض: عشرة أيام، والعشرة أحب إلينا، لأنه أكثر ما وجدنا عليه العمل.
والقول من أصحابنا أنهم يذهبون أنه أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره (3/61)
صفحة 510
عشرة أيام، وأقل الطهر عشرة أيام وإذا لزم العمل والمحنة استعمل الأقل من الأمور، لئلا يتطاول عليها أسباب ترك الصلاة، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مستحاضة، أنه أمرها أن تدع الصلاة أيام حيضها وتغتسل وتصلي أيام طهرها.
فقال أصحابنا إنه إذا كان الحيض أياما والطهر أياما، ما لم يكن أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة أيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيام "، لأنك تقول يوم ويومان وثلاثة أيام، فثبت في اسم الأيام في الثلاثة فصاعدا، وتقول ثلاثة أيام إلى سبعة أيام إلى عشرة أيام، ثم تقول: إحدى عشر يوما، فسقط اسم الأيام أحد عشر يوما فصاعدا، فثبت عندهم أن أقل الحيض ثلاثة أيام أو أكثر، وعشرة أيام لا يجاوزه، وثبت عنهم أن الطهر عشرة أيام فيما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم المرأة، أن تغتسل وتصلي سنة إذا كانت تلك عادتها، ووقع عليها الطلاق، وخرج ذلك من حد التعارف، ولما جعل الله من الأقرار في الأشهر، ولا تساوي بين الحيض والطهر في الأقل والأكثر، ولكنها تجعل أكثر الحيض أقل الطهر، لا تساوي بينهما.
فإن قال قائل: فقد ساويتم بينهما إذا جعلتم الحيض عشرة أيام والطهر عشرة أيام.
قلنا: جعلنا أقل الحيض ثلاثا وأكثره عشرا، وجعلنا أقل الطهر عشرة أيام، فلم نساو بين الحيض والطهر، فإن ساوينا بينهما فللكلفة والمحنة التي تلزم في أيام الطهر من الاغتسال في الصلاة الذي تحدث فيه المشقة والعسر على المرأة في أمر دينها، وبصحة زوال العسر من دين الله - تبارك وتعالى - وللضيق، والحرج، ولثبوت السنة في الحائض أنها تترك الصلاة في أيام حيضها، فلم نجد تعبدها بالصلاة في أيام طهرها أوجب من تعبدها بترك الصلاة في أيام حيضها، ووجدناهما متكافئين في دين الله وفي سنة نبيه، إذ أمرها بترك (3/62)
صفحة 511
الصلاة في أيام حيضها، وبالعشر أحب إلي.
وكان ذلك متكافئا عنده في الدم فجعلنا لها العشر عند الشبهة، إذا لم تعرف أيام حيضها في أول ما تعبدها به من الحيض قبل أن تعرف أيام طهرها، احتياطا منا على ثبوت سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالعشر في الحيض والطهر بصحة ذلك في الأكثر من الحيض وصحه ذلك في الأقل من الطهر.
ومنه وأما التي اغتسلت من نفاسها فصلت عشرة أيام ثم رأت دما عبيطا:
قال: الربيع كان يقول: إذا صلت عشرة أيام ثم جاء دم فهو حيض، وأما إذا صلت خمسة أيام ورأت دما فإنها تغسل بين كل صلاتين إلى عشرة أيام فإن لم ينقطع فلتقعد.
وأما التي أسقطت سقطا بينا ثم أسقطت آخر بعد ثلاثة أيام، ففيه اختلاف؟
والأخذ بالثقة في ذلك أحب إلي في انقضاء العدة والصلاة والرجعة.
قال أبو سعيد: أما العدة فلا تنقضي إن كانت مطلقة أو مميتة، إلا حتى تضع الثاني، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وأما النفاس فقد قيل في الأول بحسبه للصلاة، وقد قيل من الثاني، ويعجبني في ذلك أن تترك الصلاة أيام نفاسها، من حين ما تصنع الأول ثم تغتسل وتصلي، ولا يطأها زوجها حتى تنقضي أيام نفاسها من الثاني، احتياطا في ذلك على الصلاة، وهذا بالأوكد في الوطء بالتنزه و أبعد من الشبهة.
ومنه وأما التي رأت دما بعد عشرة أيام أو يومين أو ثلاثة، فقد اختلفوا في ذلك:
فقال بعضهم: إذا رأت الدم بعد عشرة أيام، فهو حيض. (3/63)
صفحة 512
وقال بعضهم: بعد خمسة عشر يوما.
وقال أبو المنصور: ترى الدم، فإن كان دم المحيض قعدت، وإن كان داء ا اغتسلت وصلت بمنزلة المستحاضة، والله أعلم بالصواب.
وقال بعضهم: إذا رأت الدم يومين ثم طهرت فليس بحيض حتى يكون الدم ثلاثة أيام تامة.
وقد بلغني أن أبا يزيد كان يقول: الحيض أقل من ثلاثة أيام، والله أعلم.
قال أبو سعيد: قد مضى القول في هذا، وأما المستحاضة فلها أن تقعد وتصلي قاعدة إذا لم تستطع القيام من الدم.
وقد قالوا: إنها تقعد على الرجل، وتحفر حفرة إذا كثر عليها الدم تقعد عليها وتصلي.
وقال أبو سعيد: قيد قيل: إن المستحاضة إذا كان دمها لا ينقطع ولا يستمسك، إذا اختشت أنها تصلي في غير مسجد ولا مصلى، فإن أمكنها شيء من الآنية تجعله تحتها، وتتقي عنها الدم وسيلانه عن ثيابها وبدنها فعلت ذلك، وإلا حفرت حفرة وجعلت مخرجها إليها وتصلي قاعدة، إذا خافت أن الدم يسيل في ثيابها وفي بدنها، وأما تقعد على رجلها فلا أعرف ذلك، إلا أن يكون ذلك مما ينتفع به من بلوغ الدم إليها أو إلى ثيابها فهي الناظرة في ذلك لنفسها.
وعن رجل جامع امرأته ثم أصبحت فرأت الدم، وعلمت أن الدم جاء قبل أن يجامعها زوجها، فرأينا أن يعلما ذلك فلا بأس عليهما إن شاء الله.
وسئل عن امرأة انقطع عنها الدم، وهي في وقت حيضها حتى بقي من (3/64)
صفحة 513
قرئها يوم، فانقطع عنها الدم في صفرة، ثم نظرت فلم تر شيئا، لا صفرة ولا طهرا؟
قال: لا تصلي حتى ترى الطهر.
قال أبو سعيد: قد قيل إن الحائض إذا انقطع عنها الدم والصفرة والحمرة و الكدرة اغتسلت، وإنما الحيض بأحد هؤلاء.
وقد قيل: ما لم تر الطهر البين، فليس عليها صلاة و هي حائض حتى تنقضي أيام حيضها.
ويعجبني إن استعملت هذا واغتسلت وصلت، وتغسل عند تمامه، لأني على كل حال أحب الأخذ بالثقة في الفروج والتنزه فيها، حتى يخرج ما فيها من حال الاختلاف بما لا شبهة فيه.
وامرأة ولدت، ما عملها؟
قال: لا تصلي حتى ينقطع عنها الدم والصفرة.
وامرأة حبلى رأت دما أو صفرة، فلا تترك الصلاة حتى تضع أو ترى أعلام الولادة، إلا امرأة كانت تحيض على حبلها على نحو ما لم تكن حبلى؟
قال: عليها أن تترك الصلاة.
وقال الربيع: لا تترك الصلاة إذا استبان حبلها، فإن رأت دما سائلا اغتسلت لكل صلاة في صلاتين، و إن كانت صفرة توضأت لكل صلاة وصلت.
قال أبو سعيد: قول الربيع أحب إلينا.
وامرأة استكملت قرأها فتطهرت وصلت يومين او ثلاثا ثم رأت دما أ (3/65)
صفحة 514
وصفرة.
قال: لا تترك الصلاة، فإن كان الذي رأته دما اغتسلت عند كل صلاتين ثم صلت، وإن كانت صفرة توضأت ثم صلت، فإن دام بها الدم أو الصفرة فإنها تصلي حتى تبلغ عدة أيامها التي كانت تصلي قبل ذلك، فإن كان قرؤها مختلفا تصلي مرة عشرين يوما، ومرة ثمانية عشر يوما، ومرة ستة عشر فإنها تصلي حتى تبلغ أقصى قرئها ثم تترك الصلاة بعد ثلاثة أيام، فإن دام بها صلت حتى تبالغ مثل ذلك من قرئها.
وقال الربيع: تصلي إلى أقصى أقرائها، ثم تترك الصلاة يوما أو يومين، و النفساء تترك الصلاة يومين أو ثلاثة أيام.
قال أبو سعيد: تصلي عشرة أيام، فما كان فيها في العشر صفرة توضأت فيها، وما كان فيها من سائل أو قاطر اغتسلت وصلت، فإن كان ينقطع اغتسلت لكل صلاة وصلتها في وقتها، وإن كان مسترسلا جمعت الصلاتين بغسل واحد، وللغداة غسلا، ثم تترك الصلاة أيام حيضها، فعلى هذا تكون حتى يفرج الله عنها، أو تموت على ذلك إن شاء الله.
ومنه وامرأة كان قرؤها مستقيما لا يختلف، تصلي عشرين يوما لا يختلف عليها، فصلت عشرة أيام ثم رأت دما، فإنها تصلي حتى تبالغ العشرين ثم تترك الصلاة على قدر قرئها، فإن كان قرؤها مختلفا تقعد في حيضها سبعة ومرة عشرة، ومرة ثمانية، فلتترك الصلاة أكتر أقرائها، ثم تقعد بعد ذلك ثلاثة أيام، بان كانت صفرة فلتوضأ وتصلي.
قال الربيع: تقعد يوما أو يومين، وتقعد إلى انقضاء أقرائها، وكان يقول: إذا مضت عشرة أيام بعد الطهر فهو حيض، وما كان دون العشر فهو من غيض الأرحام، وتتوضأ وتصلي إذا كان صفرة، و إن كان دما اغتسلت (3/66)
صفحة 515
لكل صلاتين وللغداة غسلا.
قال أبو سعيد: إنها تصوم عشرة أيام وتقعد أيام حيضها، فإن كانت تعرفه وهو أول حيضة حاضتها، واستقام على ذلك ثلاثة أقراء في وقت واحد فهو قرؤها وتستعمله، وإن لم تعرف من ذلك وقتها تعمده، إلا أنها تعرفه أنه يختلف عليها مرة ثلاثا ومرة أربعا ومرة خمسا ومرة ستا ومرة عشرا، ولا تعرف الأصل من ذلك ما هو، فإن هذه تقعد عن الصلاة أقل من أوقاتها احتياطا للصلاة وقتها في الصلاة ثم تغتسل وتصلي إلى آخر أوقاتها، ولا يجامعها زوجها إلى انقضاء وقتها، الذي كانت تعرفه في اختلاف أوقاتها، وان كانت من عشرة احتاطت أيضا يوما أو يومين، ولا يطؤها فيه زوجها، واغتسلت وتغتسل وتصلي فيها ثم وصلت عشرة أيام، وهي فيهن مستحاضة تصلي فيهن وتصوم إن أراد زوجها أن يأطأها جاز إذا انقضت الأيام وصلت صلاة الغداة يوم أحد عشر، تركت الصلاة على ما وصفت لك، وصلت أوقاتها ثم اغتسلت وصلت أقصى أوقاتها، ولا تنتظر في هذا ولا فيما يستقبل فيما قيل، وتغتسل وتصلي لاستحاضتها، ويكون على هذا سبيلها إلى أن يفرج الله عنها، أو تموت على ذلك.
ومنه وامرأة في قرئها رأت دما أو صفرة، رأته ضحى ثم انقطع عنها فرأت الطهر، فزعمت أنها عفير.
وإن امرأة مكثت يوما وليلتها حتى كان من الغد فأتت إلى أبي عبيدة فقال لها لا تصلي.
قال أبو سعيد: قد قيل: إنها إذا رأت دفعة من دم سائل أو قاطر في أيام حيضها فهو حيض، فإن دام لها صفرة أو حمرة أو كدرة أو ما تكون به حائضا، مضت على حيضها، وإن طهرت اغتسلت وصلت ولو من حيضها ولا تترك (3/67)
صفحة 516
الصلاة فإن تركتها كانت عليها، الإعادة على هذا السبيل، ولا أعرف في قول معنا عن أبي عبيدة.
وامرأة حاضت ثم استكملت قرأها فنظرت فرأت شيئا اشتبه عليها، تقول مرة طهرا ومرة صفرة، وليست البينة صفرة.
قال: تصلي ولا تترك الصلاة على الشبهة.
قال الربيع: لا تصلي ولا تترك الصلاة على الشبهة.
أبو سعيد: هذه تغسل وتصلي فيما قيل، ولا أعرف قول الربيع في هذا الموضع يخرج في قول أصحابنا على معنى، فإنه إذا لم تكن صفرة ولا كدرة ولا حمرة، فلست أعلم أن أحدا قال: إن في غير هذا انتظارا، والله أعلم.
و المرأة إذا كانت تصلي خمسة عشر يوما ومرة ثمانية عشر يوما ومرة سبعة عشر يوما، فصلت عشرة أيام ثم رأت دما.
قال: لا تصلي، فإن دام بها فلتقعد أيام أقرائها ثم تقعد بعد ثلاثة أيام ثم تصلي، فإن كان دما فلتغتسل لكل صلاتين، وإن كان صفرة فلتتوضأ ثم تصلي.
قال الربيع: إذا زادت على العشرة أيام فهو حيض، إلا أن تكون مستحاضة، فلتصل كما كانت تصلي قبل ذلك، ثم تقعد أيامها التي كانت تقعد، فإن كان الدم يكثر في تلك الأيام، ثم تنتظر يوما أو يومين ثم تغسل وتصلي.
قال أبو سعيد: قد مضى في مثل هذا كثير.
والمرأة إذا رأت الطهر (3/68)
صفحة 517
في ميقات المغرب فليس عليها العصر، وان رأته
في ميقات العشاء فليس عليها المغرب.
وكان الربيع يقول: إذا جنها الليل ولم تر طهرا فليس عليها صلاة حتى تصبح ولا وتر، وان رأت طهرا في السحر فليس عليها العشاء، وهي العتمة، وعليهما الوتر، والوتر سنة واجبة والله أعلم. (3/69)
صفحة 518
[صفحة بيضاء] (3/70)
صفحة 519
باب: غسل الخنثى من حيضها وجنابتها
قلت: هل على الخنثى غسل من جنابة؟ ...
قال: نعم عليه الغسل من الجنابة والحيض، وإذا رأى الحيض توضأ لكل صلاة وصلى، فإذا طهر اغتسل.
قال غيره: معي أنه يحسن معنى هذا في معنى أمر الخنثى، إذا ثبت حكمه حكم الخنثى، لأنه يلزمه معنى حكم الأنثى ومعنى حكم الذكر، فيما يجتمع عليه من حكمها مما يثبت معناه مجتمعا، فإن خرج منه المني من خلق الأنثى أعني الخنثى من خلق الأنثى باحتلام في منام أو يقظة بغير معنى جماع فعليه الغسل على قول من يقول بدلك على الأنثى من غير جماع.
وعلى قول من يقول: ليس ذلك عليها، أعني الخنثى مثل ذلك، لمعنى يجب عليه من خلق الأنثى من حكم الابن.
وإن خرج منه الماء الدافق من المني من خلق الذكر بأي وجه كان، باحتلام منام أو يقظة، بملامسة أو غير ملامسة، خرج عندي ثبوت الغسل عليه، لأن ذلك ثابت على الذكر من أي وجه كان منه ذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ويلزمه من ذلك عندي بحكم ما يخصه من حكم الذكر في موضع ما يجتمع فيه، وحكم الأنثى في موضع ما يجتمع فيه أو يختلف، فإن جامع (3/71)
صفحة 520
الخنثى بخلق الذكر حتى غابت الحشفة منه، في ذكر أو خنثى حتى غابت الحشفة في قبل أو دبر، وجب عليه عندي حكم الغسل بالوطء، لأن ذلك يجب على الخنثى.
وكذلك إن وطئه ذكر في الدبر حتى غابت الحشفة أو شىء من الدواب، أو أوطأ نفسه شيئا من الدواب من قبل أو دبر، حتى ثبت عليه حكم الوطء وجب عليه عندي حكم الغسل بهذه المعاني، وغسله من الجنابة إن ثبت عليه من حكم خلق الأنثى أو الذكر سواء في جميع ما مضى ذكره. (3/72)
صفحة 521
حيض الخنثى وتزويجها وميراثها
قيل: إن بلغ الخنثى فحاضت من موضع خلق النساء لم ولم تجنب من الذكر؟
قال: حكمه في تلك الحال حكم امرأة.
وإن أجنب من خلق الذكر ولم تحض، فحكمه حكم رجل.
وإن حاض وأجنب من خلق الرجال الجنابة، ومن خلق النساء الحيض، فهو خنثى، فإذا أجنب كان عليه الغسل، وإذا حاض توضأ وصلى، حتى إذا طهر من الحيض اغتسل غسلا واحدا وصلى، ولا يترك الصلاة في الحيض.
وقد قيل: إنه إذا حاضت حكم لها بحكم الأنثى، لأن الذكر لا يحيض والأنثى لا يخرج منها الجنابة.
وكذلك الذي تخرج منه الجنابة ولا يحيض.
قال غيره: معي أنه يحتمل معنى ما قبل من هذين القولين جميعا أن يحكم له وعليه في الحيض بما يحتمل من حكم الذكر والأنثى، فأما ما يثبت من حكم الأنثى فوجب الغسل على كل حال عند الطهر والصلاة بعد الطهر والتطهر، وليس على الأنثى صلاة في الحيض،
فلما أن لم يكن أنثى كان ذلك إشكال من أمره في الصلاة، وليس للذكر أن يترك الصلاة على حال، فثبت (3/73)
صفحة 522
حكم الصلاة للإشكال والتطهر والوضوء، وقد يشبه معاني أحكام الغسل عليه لكل صلاة، لأن ذلك قد يلزم الأنثى في الاستحاضة في غير أيام الحيض، فيثبت عليه في الاعتبار أحكام الأنثى وما يلزمها على الانفراد، وأحكام الذكر في مثل هذا الموضع ثبوت الصلاة عليهما جميعا والتطهر لها، بمعاني ما يثبت على الذكر وما يثبت على الأنثى، وإذا جاء ما يشبه ذلك من أمره، وإذا طهر الخنثى من الحيض وانقضاء أيام الحيض منه، ثبت عليه الاغتسال، لثبوته على المرأة من الحيض، وما جاء من الدم السائل في غير أيام الحيض، مما يكون من الأنثى استحاضة أشبه عندي أن يلزمه ما يلزم المستحاضة من الغسل، على قول من يقول: الغسل على المستحاضة، ولكنه إذا لم يثبت عليها الغسل في أيام الحيض، وإنما عليها الوضوء حتى تطهر من الحيض ثم تغسل غسلا واحدا، ففي أيام الاستحاضة أشبه أن يلزمها الغسل، أعني الخنثى، لأن المستحاضة قد قيل عليها الغسل.
وقد قيل: إنما عليها الوضوء، وهذا في الأنثى والخنثى عندي أقرب أن يشبه فيها انحطاط الغسل بالاستحاضة، إذا كان قد قيل: إنما عليها الوضوء في أيام الحيض حتى تطهر من حيضة، وتكون في أيام الحيض، ومن يبعد عندي لا يلزمها الغسل إذا طهر من الحيض، لأنه إذا كان ذلك حيضا وثبت حكمه حكم حيض كان في الإجماع أن الذكر لا يحيض، وأنه إذا ثبت الحيض و كان حكمه حكم أنثى على معنى القول الاخر.
وإذا حاض الخنثى وثبت حكم الحيض منه فلا مجال أنه أنثى، لأن الحيض للأنثى خالص، والجنابة للذكر والأنثى، فلما كان من الخنثى ما يكون إلا من الأنثى، في معنى الاتفاق وهو الحيض، وثبت حكمه حكم أنثى في جميع أحكامه، لأنه قد قيل بما يشبه معاني الاتفاق أنه إذا ولد الخنثى ولدا كان حكمه حكم أنثى، لأن الذكر لا يلد في الإجماع.
وإذا ولد الخنثى ولدا من (3/74)
صفحة 523
أنثى كان حكمه حكم ذكر لأن الأنثى لا يولد لها ولد بمعنى الاتفاق، فلما أن كان هذا هكذا كان الحيض في معنى الاتفاق، أنه لا يكون إلا من الأنثى، لأنه لا يكون على كل حال إلا من الأنثى، فإن كان ذلك حيضا الذي يكون من الخنثى.
وأشبه الأحوال أن يكون الحيض للأنثى خالص، ويكون حكمه حكم أنثى، وإن كان ذلك ليس بحيض فلا غسل عليه عند طهر ولا قبل طهر، وانما عليه الاستنجاء والوضوء للصلاة من ذلك الدم، لأنه بمنزلة سائر الأحداث، ولو ثبت خروجه من خلق الأنثى من الخنثى، لأنهم قد قالوا في دم الفرج يخرج من المرأة من الرحم فيسال ويظهر بمنزلة دم الحيض.
و الاستحاضة أنه لا غسل عليها في ذلك في أيام الاستحاضة ولا حيض، وأنه إنما عليها لا في ذلك الوضوء بمنزلة سائر الأحداث، فكذلك يشبه معنى ذلك، و الخنثى إذا لم يثبت حيضا، وإن أثبت حيضا ثبت حكمهما حكم الأنثى.
وإن قال إنه إذا خرج منه الماء الدافق من خلق الذكر، وخرج منه الدم من خلق الأنثى استويا وكان خنثى؟
قيل له: إن الماء الدافق قد يكون من المرأة ومن الرجل جميعا، وإذا ثبت أنه قد يكون من المرأة و من الرجل، فليس يبعد أن يكون من الخنثى من خلق الذكر والأنثى جميعا، ولا ينتقل بذلك عن حكم الحيض لا يكون بحال إلا من الأنثى.
فإن كان خروج الدم من الخنثى حيضا فلا تحيض إلا الأنثى، وإن كان حدثا ليس بحيض فلا غسل عليه من حدث لا يكون حيضا عند طهر ولا قبله، ولأن الجنابة قد تكون من الأنثى والذكر، ففي الخنثى ثابتة بالمعنيين (3/75)
صفحة 524
جميعا، لأنها قط تكون من الأنثى والذكر فحكمها ثابت منهما جميعا وفيهما جميعا من أي الخلق خرج منهما ثبت فيه حكم ما يجب من حكم الجنابة.
ومعي أنه يخرج الماء الدافق من الخنثى من أي الخلقين كان من خلق الذكر أو الأنثى، عندي أنه حكم بلوغ الخنثى، لأنه لا يكون من الأنثى ولا من الذكر إلا من بالغ، وقد لا يكون الحيض من الأنثى، ويكون لا تحيض بخروج الماء الدافق منها بمعنى يستدل به يكون عندي ثبوت حكم بلوغها ولو لم تحض، لأنه لا يكون إلا من بالغ، لقول الله - تبارك وتعالى -: (خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب) (1).
والاتفاق على هذا أن الولد لا يكون إلا من ماء الرجل والمرأة لاتفاقهما واختلاطهما، والاتفاق أنه لا يكون الولد إلا من بالغين ذكر و أنثى، وأنه إذا ولدت المرأة أو حملت فقد صح بلوغها ولو لم تحض، وإذا ولد للرجل وثبت له ومنه حكم الولد ثبت بلوغه وحكم ببلوغه، ولو لم يحتلم ولا يبين له معنى ذلك إلا بثبوت الولد منه فثبت حكم الماء الدافق من الذكر والأنثى جميعا، وأنه لا يكون منهما جميعا إلا من البالغ، وأن الحيض لا يكون من إلا من الأنثى خاصة بمعنى الاتفاق، لا يختلف في ذلك، وكان القول الآخر عندي أشبه في الخنثى أنه إذا حاض وخرج منه الحيض ثبت له حكم الأنثى، إلا أن يصح أنه دم فرج، ولو خرج منه الماء الدافق من خلق الذكر، لأنه قد يكون ذلك من الأنثى والذكر، ولا يكون الحيض إلا من الأنثى خاصة، ولو كان من الخنثى ذلك بالاحتلام وعند الملابسة وحضور الشهوة.
قال غيره: لعله أراد وحضور الشهوة لأن ذلك قد يكون من الأنثى كله إلا أن يولد له ولد ثبت حكمه حكم الذكر، لأنه لا يولد في الاتفاق إلا من الأنثى فإذا ولد للخنثى كان حكمه ذكرا على حال، وإذا ولد الخنثى كان (3/76)
صفحة 525
حكمه أنثى على حال، لأن هذا لا يكون إلا هكذا.
وكذلك الحيض أشبه بمعنى الاتفاق أنه لا يكون إلا من الأنثى، و يعجبني هذا القول لهذا المعنى، أنه إذا حاض الأنثى ولو احتلم وخرج منه الماء الدافق من خلق الذكر، كان حكمه حكم أنثى، لأنه قد جاء بما لا يجيء به الأنثى، وفي خروج الماء الدافق منه من خلق الذكر، لم يأت بما لم يأت إلا الذكر، وذلك قد يأتي به الذكر والأنثى من خلق الذكر والأنثى، فإذا خرج الماء الدافق من خلق الذكر ولم تحض، أعجني أن يكون ثبت فيه حكم الذكر، ولو خرج الماء الدافق منه من خلق الذكر والأنثى، وإن كان عندي غير خارج من العلة لأنه قد يكون ذلك من الأنثى والذكر جميعا، فلم ينتقل عندي بحكم الحقيقة عن الاشكال إذا جاء بما لا يأتي به الذكل والأنثى.
وكذلك لو لم يأت منه الماء الدافق من خلق الأنثى له وإنما يخرج منه من خلق الذكر، لأنه لم يأت بما لم يأت به إلا الذكر، وذلك قد يأتي به الذكر ولكنه لما أتى منه حكم ما يكون به الأغلب من حكم الذكر من خلق الأنثى، ولم يأت منه ما لا يكون إلا من الأنثى وهو الحيض أعجبني أن يكون حكمه حكم الذكر على قول من قال بذلك.
واذا جاء منه ما يكون به حكم الأنثى خاصة وهو الحيض، كان حكمه حكم الأنثى، ولو جاء منه ما يكون اللأغلب من حكم الذكر لأنه قد يكون ذلك من الذكر والأنثى، والحيض لا يكون إلا من الأنثى فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
ويخرج في معنى الاتفاق أنه إنما يكون في حكم المواريث في الخناثى في البنين والاخوة وفي العصبات، ولا يثبت في معاني الأحكام أن يكون أبا خنثى، فيكون له ميراث الخنثى.
وإذا ثبت أبا ولو كان فيه خلق الذكر والأنثى كان حكمه حكم أب في (3/77)
صفحة 526
المواريث وفي العصبات، في أمر العواقل والقود وانتقل عن حكم الإشكال.
وكذلك إذا ثبت الخنثى والدا انتقل إلى حكم الأنثى، و اذا ولد وكان له حكم الأنثى في الميراث من ولده وولد ولده، واستحال عن حكم الإشكال في جميع الأحكام إلى حكم الأنثى من مواريث الأم والجدة، فيكون لها ما للأم وما للجدة ولا تكون جدة خنثى ولا زوج خنثى ولا زوجة خنثى، ولا يكون جد خنث ولا أم خنثى ولا يكون جدة خنثى في معاني المواريث كلها، في معاني أحكام المواريث، ومن ثبت بأحد هذه الأحوال بأحكام المواريث ثبت حكمه لا حكم الخنثى.
وسواء هؤلاء فمعي أنه يلحقهم أحكام الخنثى، إذا كان في حال حكم الخنثى، من خلق الذكر والأنثى، ولم يغلب عليه أحد الحكمين من جميع الورثة من البنين وبني البنين والإخوة، وبنيهم ما كانوا، والعصبات ما كانوا، ما سوى الأجداد من الأعمام وبنيهم، وأعمال الأم وبنيهم وجميع العصبات، وجميع الأرحام.
ومعي أنه يخرج في معاني أحكام الإشكال أنه لو تزوج خنثى بأنثى ورضيت به زوجا وجاز بها، أو لم يجز، ثم مات أحدهما أنه في بعض القول أنه يكون زوجا في حكم الميراث وله ميراث الزوجية لمعنى الإشكال وأنه لا يصح هنالك حكم براءة من الزوجية، ولا يكون زوجا خنثى فيكون له نصف ميراث الزوجة، ونصف ميراث الزوج، فهذا لا يستقيم إذا ثبتت الزوجية على قول من يقول بذلك، الخنثى على الأنثى فالميراث بينهما أنه إذا مات الخنثى عن الأنثى كان لها منه ميراث زوجة، وإذا ماتت عنه كان له منها ميراث الزوج، من النصف والربع إذا كان على سبيل حكم الزوجية.
وعلى قول من يقول إنه لا يثبت التزويج للخنثى على الأنثى، فليس (3/78)
صفحة 527
ذلك بشيء، ولا ميراث بينهما ولو رضيا ببعضهما بعض، ما لم تلد الأنثى الخنثى، فإذا ولدت له ولدا وصح حملها منه على فراشه فقد ثبت في حكم الذكر، وكان زوجا بلا معنى اختلاف، لأنه قد صار ذكرا في الحكم إذ لا يولد له إلا الذكر، وصحت هنالك الزوجية بمعنى الاتفاق، وكان ميراث الزوجية هنالك وصار زوجا.
وكذلك لو تزوج الخنثى ذكرا ورضيت به زوجا ثم مات أحدهما عن صاحبه لم يكن بينهما الميراث على حكم الإشكال، ما لم تلد الخنثى من الذكر فإذا ولدت الخنثى من الذكر صح أنها أنثى وأنها زوجة حينئذ، وثبت لها حكم الأنثى، وكانت زوجة له وهو زوج لها، والا فلا زوجية بينهما في الحكم، لأنه إنما جاء حكم الكتاب والسنة بالزوجية للذكر والأنثى، وحكم الإشكال مشكل موقوف عن ثبوت الأحكام حتى يصح.
والزوجية لا تنعقد إلا لذكر على أنثى، فما لم يصح أن الزوج ذكر والزوجة أنثى، لم ينعقد حكم الزوجية في الميراث، لأن في ذلك عندي نقل الأموال عن مواضعها، من ثبوت المواريث لأهلها، على حكم الشبهة والإشكال، ولا يجوز نقل الأحكام عن مواضعها عندي إلا على ثبوت حكم مثله وليس فيه شبهة ولا إشكال، وأنه كذلك لا محال.
ولا يجوز عندي الإطلاق في الزوجية على الخنثى على خنثى، ولا خنثى لأنثى، ولا خنثى بذكر في حكم ولا فتيا، ولا يبين لي ذلك، لأن في ذلك إطلاق الموقوف من الأحكام، لأنه كل مشكوك موقوف، وما كان حكمه موقوفا فلا ينبغي إطلاقه في فتيا ولا حكم، فإن وقع التزويج من خنثى بأنثى أو بذكر أو بخنثى، أعجبني ترك ذلك بالطلاق، ولا يبين لي على وجه الحكم بالفراق بينهم، لأنه في معنى الحكم في الجميع من بني آدم، لا يخرج الحكم فيهم إلا ذكر وأنثى، ليس هنالك في ثبوت الحكم مما أنزل الله –تبارك (3/79)
صفحة 528
وتعالى -، وتبين إلا ذكر وأنثى، لقول الله - تبارك وتعالى -: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما).
فكل مولود منهم فإنما هو ذكر وأنثى، إلا أن الله يخلق ما يشاء - تبارك وتعالى -، ويجوز أن يخلق في الأنثى في علمه خلق الذكر والأنثى، وفى الذكر خلق الأنثى والذكر، ولا يستقيم أن يكون خلق واحد أنثى وذكر، وإنما ذلك من عجائب الله وبلواه، يبتلي عباده بما يشاء ويبتلي بهم، وهذا المولود على هذه الصفة يسمى في بعض المعاني المشكل ولا يسمى الخنثى، وهو كذلك عندي أنه مشكل أمره، والمشكل أمره الذي لا يحكم له بحكم معروف.
----------------------
من سورة الطارق
(2) 49 - 50 من سورة الشورى
7
تابع تكملة الموضوع
وفي بعض المذاهب أنه لا يحكم لهذا المولود، ولا يوجب له من الميراث في معنى حكم ولا فتيا، إلا بميراث أنثى في موضعه، لأنه لا محال أنه يستحقه ويقف عما سوى ذلك من الزيادة.
وفي عامة ما قيل إن المشكل من الأحكام، إذا كان في الاعتبار ألا بد أن يكون في أحد الحالين اللذين نزل بينهما من الحكمين أن يحكم له في حال بهذا، وفي حال بهذا من جميع ما يستحق في الحكمين في إمكان ذلك فيه ولزوم معناه بإثبات معنى الحكمين جميعا له، فخرج عندي على معنى الاحتياط والخروج من الشبهة، وليس ذلك ببعيد في ثبوت الأحكام بما يشبه الأصول، وبثبوت الحكم له بما لا بد أنه يستحقه في أحد المعنيين وهو استواء أحواله، والوقوف عما سوى ذلك، وهو أصل الحكم الذي لا يختلف فيه بالبيان الذي لا شبهة فيه، ويرجى معنى الشبهة والإشكال إلى الله - تبارك وتعالى -، ويثبت معنى مصالحة فيما بين المخلوقين، فيما يجوز فيه الصلح ويحل في معاني الأحوال، ولا يجوز أن يصلح على غير معنى البيان، في الحكم في الأبدان ولا في الفروج (3/80)
صفحة 529
ولا يشبه فيه معنى التحري، فإنما يشبه معاني التحري في الأموال، فمن هاهنا لزم الوقوف عن إباحة تزويج المشكل، وهو الذي يسمى الخنثى، في بعض معاني القول بمثله أو بأنثى أو بذكر، لأنه لم يأت فيه نص يشبه معنى الإجماع، وكان أمره مشكلا، فإن تزويج المشكل بأنثى أو بذكر، أو بمشكل مثله وهو الخنثى، لم يبن لي في الحكم على ما يثبت من التحريم، بما يوجب حكم الإجماع أن يفرق بينهما، ولا يبرأ منهما على الإقامة على ذلك التزويج من الإشكال الذي دخل عليهما، وفي أمرهما وإن كانت لهما ولايته، كانا عندي على ولايتهما، ولا يبين لي الوقوف عن ولايتهما جميعا بمعنى الحكم، بعد أن ثبتت الولاية، لأني لا أقول إن أحدهما مخطىء لا محال، بمنزلة المتلاعنين وما أشبههما من المقتتلين، ولا نعلم أيهما المحق ولا أيهما المبطل، وما أشبه بهذا الفصل فليس نكاح مشكل بمثله، ولا بأنثى أو بذكر عندي، بمنزلة المتلاعنين وما أشبههما في معنى الولاية والبراءة، ولكنهما عندي كل واحد منهما على الانفراد على حالته التي كانت له، وأمر أيهما بترك هذا التزويج بالطلاق
ولا بالفراق بينهما بغير طلاق، إذا كانا قد رضيا بالتزويج دخلا ببعضهما، أو لم يدخلا للإشكال الذي يدخل في التزويج، إذا وقع وانعقد، فعقدوا الرضا به على وجه التزويج لأنه الصحيح من، الحكم، فيما لا شك فيه أن هذا المشكل أمره، وإما هو ذكر وإما هو أنثى، وليس هو ذكر وأنثى بحال، ويحرم على النساء والرجال، وإنما هو امرأة فتحل للرجال، أو رجل فيحل له النساء بتزويج الحلال، وإنما خرج مخرج الإشكال وعزل عن معنى حكم التصريح بحكم النساء أو حكم الرجال لمعنى الشبهة والإشكال، فهو أبدا مشكل أمره عندي، ما لم يصح له براءة من الإشكال، فإن مات أحدهم لم يثبت له في الحكم عندي ميراث بالتزويج، ولا بتزويجه مشكل، لم ينعقد في الحكم فيدخله الاحتمال في الحكم، ويرجى علم ذلك إلى الله -تعالى - في تلك الأحوال، ولا يبعد على معنى ما قيل في أشياء كثيرة، في معنى المال في (3/81)
صفحة 530
الوصايا والمواريث، أن يورثا من بعضهما بعض من الحالين، فيكون له نصف ميراث الزوج، ويكون للزوجة منه نصف ميراث الزوج، لأنه في أن يكون زوجا إذا كانت معه زوجة امرأة.
وكذلك يمكن أن يكون زوجة إذا تزوج رجلا، فلا يبعد عندي أن يكون له من المرأة الصريحة، إذا ماتت عنه وقد تزوجها ورضيت به زوجا نصف ميراث الزوج.
وهذا القول يخرج عندي على قول من يورث الخنثى من الحالين، لأنه لما وقع التزويج أشكل الأمر في ثبوت التزويج فلم يثبت صحيحا ولا فاسدا في معاني الحكم، وكان مشكلا فلحقه معاني الإشكال في الميراث على حسب هذا يخرج معي ترتيب أمرهم في الميراث ما لم يصح الحكم فيهم بثبوت الخنثى ذكرا أو أنثى، فيستحيل الأمر إلى معنى البيان وثبوت الحكم ويبطل الإشكال.
وأما على قول من يورث المشكل ميراث الأنثى في موضعه، أن لو كان أنثى ويقف عما سوى ذلك في الحكم والفتيا، ولا يخرج على معنى قوله إن لهم مواريث لحكم الإشكال، لأنهم لا يصح لهم على حال لا بد لهم منه، لأن التزويج لم يصح بما لا شك فيه، كما صح السبب الذي ورثوه من الولادة والإخوة والعصبة، لأن ذلك لا محال أنهم يقبلون منه في أحد المنزلتين إما ذكر وإما أنثى، وأسوأ الأحوال وما لا شك فيه ولا محال منه أنه المشكل هاهنا من حكم الأنثى باستحقاق المال، وليس هم في الزوجية كذلك على كل حال إذا لم يصح النساء منهم ومن الرجال، وإذ ليس التزويج ينعقد للرجال على الرجال ولا للنساء على النساء، وإنما ينعقد للرجال على النساء وللنساء على الرجال، ولا يصح من ذلك كل شيء في كل حال، وإنما يخرج معناه كله إشكال والإشكال لا يخرج حكمه إلا من حال فلما بطل صحته في الحال الذي لا بد له منها، ولم يخرج حكمه على كل حال ثابتا، كان مستحيلا عن ثبوت (3/82)
صفحة 531
الأحكام على كل حال.
وعلى قول من يقول بالمواريث على الإشكال بإثبات الأحوال، فإذا ثبت تزويج كل واحد من الخنثيين وليه الآخر، ويرضيان بالتزويج جميعا، ولا يصح عندي تزويج أحدهما بالآخر من وليه، لأنهما كلاهما مشكل، ولأنه يحتمل من أمرهما أنهما رجلان وأنهما امرأتان، وأن أحدهما رجل و أحدهما امرأة، فمن هنالك لم يقع معنا هنالك ثبوت تزويج الإشكال إلا بتزويج الجميعين وليه من الآخر، فإن وكل أحد الوليين الاخر إن تزوجها الولي الواحد بعقدة واحدة، ورضيا بالتزويج وقع عندي معنى الإشكال في هذا النكاح بلا محال.
فإن مات أحدهما قبل أن يتبين أمرهما أو يفترقان فعلى ميراث الإشكال، يخرج عندي أن لا يكون للحي منهما نصف ميراث الزوجة ونصف ميراث الزوج، لأني لا أدري أيهما الذكر وأيهما الأنثى، وعلى الحي منهما العدة في الاحتياط عدة ولا الوفاة ولا الطلاق، إذا كان دخل به الهالك، والموطأ منهما هو الذي يجب عليه عندي عدة الطلاق بالاحتياط، وليس ذلك على الواطىء.
ولا يجوز على حال أن يطأ كل واحد منهما صاحبه، لأن هذا باطل لأنه لا يجوز وطء الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، وانما يجوز وطء الذكر للأنثى، ولا يستقيم في إشكال ولا غيره، أن يطأ جميعا بعضهما بعضا، فإذا فعلا ذلك كانا قد خرجا عندي إلى حال مما لا يسع على حال، وبطل عندي حكم الإشكال إلى حكم التحريم على حال، وعليهما جميعا الاستبراء من الوطء، كل واحد منهما بمعنى الوطء بعدة المطلقة، ولا ميراث بينهما على حال، إذا فعلا ذلك على التعمد، لأنه قد وقعت الحرمة عندي، وبطل حكم الحلال والإشكال، والطلاق عندي في هذا النكاح طلاق السنة، وتبين بالثلاث (3/83)
صفحة 532
بمنزلة النساء من الرجال.
وإذا طلق الخنتى زوجية المرأة بانت عندي بالطلاق كما تبين زوجة الرجل منه على حال، لأنه إن كان رجلا فقد طلق ووقع الطلاق، له إن كان امرأة فلا نكاح في الأصل.
وكذلك عندي إذا طلق الخنثى، الذي تزوج على أنه يطأ وله الزوجية، إذا كان قد وطىء، لا محال أنه إن كان رجلا وهي امرأة فقد وقع الطلاق.
وإن كان رجلا وهي رجل فلا نكاح، وان كانتا امرأتين فلا نكاح، وطلاق الواطىء منهما يبين بين النكاح عندي، وما لم يطأ فلا يبين لي أن طلاقه بينهما حتى يطلق كل واحد منهما الآخر، لأني لا أدري أيهما الرجل ولا أدري أيهما المرأة على حال في هذا الموضع ولا في غيره، إلا أنه ما لم يطأ حتى يكون وقد وقع حكم بحجر وطء الآخر، ولا يستقيم إلا أن يكون هذا هو الزوج حين الوطء، وإلا فقد بطل النكاح بلا طلاق إذا وطىء أحدهما، ولم يكن هو الرجل في الأصل.
قال أحمد بن عبدالله بن موسى إذا لم يصح أن يطأ كل واحد منهما الآخر، فلا فائدة في أن يتزوج كل واحد منهما بإذن من ولييهما، والله أعلم.
وأن تزوج الخنثىبالخنثى، من غير أن يتزوج كل واحد منهما وليه بالآخر، كان عندي ذلك بعيدا من معنى الإشكال، الذي يقرب معنا من الحلال، وهو أبعد عندي من ثبوت التزوبج على حال.
ويعجبني أن يمسكا جهذا التزويج ووطأها عليه أن يلحقهما معنى حكم المتلاعنين في أحكام الولاية والبراءة.
وإن مات أحدهما عن هذا التزويج لم يبن لي أن يكون له منهما الميراث، على أصل ميراث الإشكال من وجهين، فيجعل له نصف ميراث زوجة (3/84)
صفحة 533
ونصف ميراث زوج، ولكنه يخرج عندي على قول من لا يورث بالإشكال، ليس له ميراث على حال وعلى ميراث الإشكال، يكون له ربع ميراث الزوجة، وربع ميراث الزوج، لأنه لا ينعقد عندي التزويج على حال إلا بتزوج الوليين جميعا، ثم ينعقد معنى الإشكال ويقرب من معنى الحلال، وقد اتسع الكلام في هذه المسألة، ويمكن تلخيص القول فيها إلى أن الخنثى يمكن أن نحتاط في حكم تصرفاته، لأنه يشتبه فيه بين الذكورة والأنوثة، فحكمه الوقوف عن إجراء التصرفات، التي قد تضر في حالة ما إذا كانا ذكرين أو أنثيين، أما إذا ظهرت من علامات الذكورة ما يجزم بأن الخنثى يقرب من أن يشبه الذكر، فيعامل معاملة الذكر، وإذا ظهر من علامات، الأنوثة كالحيض، ما يجزم بأنه يقرب من أن يشبه الأنثى فيعامل معاملة الأنثى، وقد طال الكلام في هذا واستغفر الله من جميع ما خالفنا فيه رضاه، من الباطل والضلال، ولا يؤخذ من قولنا فيها ولا في غيرها، إلا بما وافق الحق والصواب، من أحكام السنة والكتاب أو ما يشبه ذلك بلا شك ولا ارتياب. (3/85)
صفحة 534
[صفحة بيضاء] (3/86)
صفحة 535
باب: الطهارات وأحكامها
إذا أصاب النجاسة فأمكن طهارتها بوجه من الوجوه في غيبته عنه، ولو لم يعلم أنه لا يفسد ما مسه منه بذلك الموضع من بدنه أو ثيابه برطوبة، مسه الصبي أو مس هو الصبي إذا لم تكن النجاسة قائمة بعينها، أو ما يدل على أنها قائمة بعينها لم تغسل بما لا يرتاب فيه لمعنى ثبوت أصل الطهارة من الإنسان من بدنه أو ثوبه حتى يعلم نجاسته بما لا شك فيه، وهو على أصل طهارته حتى يعلم أن الذي مسه الصبي به نجس لاشك فيه.
ومعي أنه يخرج هذا في معنى البالغين من أهل القبلة الذين قد تعبدوا بالطهارة والتطهير من النجاسة، فإذا رأى من أحد البالغين في بدنه أو ثيابه نجسة ثم غاب عنه بقدر ما يغسلها، علم بذلك صاحب النجاسة أو لم يعلم، ثم مسه بشيء من الرطوبات من ذلك الموضع من ثوبه أو بدنه، لم يضره حتى يعلم لموضع أصل الطهارة فيه هو.
ومعي أنه يخرج أنه لو علم صاحب النجاسة بنجاسة في ثوبه أو بدنه، كان على هذا يخرج معناه، وإن لم يعلم فالنجاسة بحالها في الحكم لم حتى يعلم طهارتها بحكم أو طمأنينة، ولا يلحق ذلك في الصبي بحال، لأن الصبي غير متعبد بالطهارة من النجاسة، فلا طهارة عليه، وما ثبت فيه من النجاسة فهو في الحكم نجس حتى يعلم طهارتها.
ومعي أنه يخرج من حيث ما علم حكم موضع النجاسة، بموضع من المواضع من بدن أو ثوب، في بالغ أو صبي من أهل القبلة، فهو بحاله على (3/87)
صفحة 536
حال نجاسته، ما لم تصح طهارته بحكم أو طمأنينة، علم بذلك صاحب النجاسة أو لم يعلم، ما لم تصح طهارة ذلك بحكم أو طمأنينة.
ومعي أن هذا الاختلاف كله إنما يخرج على غير معاني الحكم، و إنما هو على معاني الاطمئنان أو الشبهة.
وهذه المعاني كلها تخرج عندي في معاني الحكم، وإنما هو على أنه كل ما صح أنه نجس فاسد، فهو فاسد نجس في الحكم، حتى تصح طهارته بحكم أو بما لا شك فيه بحكم الاطمئنان، إذا غلب حكم الاطمئنان، على معاني الحكم من طهارة ذلك.
وكل شيء صحت طهارته وثبتت فيه، فهو في الحكم طاهر حتى تصح نجاسته بما لا يشك فيه من حكم أو اطمئنان، فلما أن ثبت هذا أن الأصل أن كانت هذه الأقاويل كلهه داخلة بينهما في معنى النظر فيما يقرب حكم الاطمئنان ويبعده، لا بحكم القضاء وتضاد الأحكام فيها، فإذا ثبتت طهارة العالم بهذه النجاسة من غيره من صبي أو غيره، في ثوب أو غيره، ثم غاب ذلك بقدر ما يمكن طهارته في الحكم، ثم مسه من ذلك شيء من الرطوبة، أو مسه هو من ذلك شيء من الرطوبة فيما يسعه من مس ذلك، وتثبت له معاني أسباب طهارته هو من وضوء أو ثوب أو بدن، على حالها في الحكم حتى يعلم أن الذي مسه من ذلك نجس، إذا كان قد غاب ذلك عنه بقدر ما يمكن طهارته، فهذا على الأصل، وعلى الأصل المحكوم به على أن النجاسة بحالها من حيث ما كانت، فمتى مس موضعها شيء من الطهارة ما لم يعلم طهارتها فهو نجس حتى يعلم طهارة ذلك بالحكم، فهذان هما الأصلان اللذان عليهما العمل.
والاختلاف في ذلك في الصبي والبالغ، أو لم يعلم كل ذلك يخرج على معاني ما يقرب إلى الطمأنينة ويبعد عنها.
ومعي أنه يخرج أنه لو احتاج إلى ذلك الثوب بعينه، الذي قد علم منه النجاسة، وقد غاب عنه على صبي أو بالغ ثقة أو غير ثقة، إلا أنه من (3/88)
صفحة 537
أهل القبلة، للباس أو لأداء فريضة، وغاب عنه طهر ذلك الثوب، أو لم يطهر وقد علم منه النجاسة، أن هذا فصل ثان، وأن هذا معي يخرج أنه ليس له أن يستعمل ذلك، بأسباب الطهارة على الانفراد من أداء فريضة أو استعماله بطهارة، إلا أن يعلم بطهارته بحكم أو اطمئنان، فإن كان لا يخلو عندي على حال من دخول الاختلاف فيه، لثبوت حكم الطهارات أنها على أصلها، ولزوم أداء الفرائض بها، وأن لا يدع أداء الفرائض لشبهة إلا بالحقيقة، ويعجبني في هذا أنه إذا لم يجد إلا هذا الثوب الذي قد علم هذا منه من حكم واحتمال طهارته في غيبته بوجه من الوجوه، أن تكون له الصلاة به، وعليه الصلاة به وأن لا يصلي عاريا، ولا يصلي بثوب نجس على الحقيقة لا يحتمل له طهارة بوجه من الوجوه، وأنه إذا كان على هذا الوجه من حال الضرورة إليه أن الصلاة به جائزة لثبوت أداء الفريضة، واحتمال وجوب الطهارة فيه بغيبته بقدر ذلك، وزوال ما كان عاين من النجاسة فيه، وإن كان يحتمل أن يكون قد زال بغير الطهارة مما لا يطهره، فإنه لهذا المعنى كان معي الصلاة به، على هذا الوجه، ولا يخرج عندي حكمه حكم النجس في ثبوت التيمم له في هذا المعنى، لما أشبه عندي أصل وجوب الفرض الطاهر، ولاحتمال الطهارة فيه، وإن يممه كان أحب إلي على الاحتياط، ومما يقرب إلى حكم الاطمئنان في هذا الثوب، أن لو علم من صاحبه أنه قد علم من صاحبه أنه قد علم نجاسته، ثم غاب عنه بقدر ما يطهره، وهو هو ممن لا يتهم بانتهاك النجاسة، ثم سأله ثوبا يلبسه فأعطاه هذا الثوب، فلم ير فيه تلك النجاسة، فإن كان سأله أن يصلي فيه فأعطاه إياه، فهذا عندي أقرب أن يكون لا يعطيه ثوبا يصلي فيه، ويخرج في حكم الاطمئنان طهارته.
وكذلك في اللباس إذا سأله أن يلبسه فأعطاه إياه، فقد يخرج في معنى الاطمئنان أنه لا يعطيه ثوبا نجسا ولا يعلمه، فعلى حسب ما يقع من معاني الاطمئنان في هذا، ويقرب إليه، جاز ذلك، وبمقدار ما تبعد عنه معاني (3/89)
صفحة 538
الاطمئنان في ذلك، وقد علم الأصل أنه نجس، فهو على حال الحكم حتى تثبت معاني طهارته بحكم أو اطمئنان.
وعلى كل حال: فإذا كان قد صح معه نجاسته فلا يخرج حكم طهارته بشيء من هذه الأسباب إلا بعلم ذلك، ولو سأله أن يعطيه ثوبا يصلي فيه وكان ثقة أو مأمونا، -أعني صاحب الثوب - فقد يمكن أن يعلم بنجاسته وينساها، ويسلم إليه الثوب على سبيل النجاسة وهو سالم، إذ هو بالنجاسة غير عالم.
وكذلك عندي يخرج في هذا الثوب أنه نجس في الحكم ولو سلمه إليه ليصلي فيه، وقال إنه طاهر وهو ثقة أو مأمون، فلا يخرجه هذا من حكم النجاسة بالحكم إلا بالاطمئنان لقول الثقة، لأنه يمكن أن يكون ناسيا النجاسة التي قد علمها هذا، وقال له إنه طاهر لما عنده في الحكم أنه طاهر، فيكون على حال نجاسته، ولا يخرج عندي من حكم النجاسة بحكم الطهارة إلا أن يعلم أنه قد طهر من تلك النجاسة، وأنه قد طهر من تلك النجاسة التي قد علمها، أو يكون ثقة مأمونا.
فمعي أنه يخرج في عامة معاني قول أصحابنا أن قول الواحد الثقة المأمون حجة في قوله في طهارة نجاسة قد تنجست وممكن طهارتها، ونجاسة طهارة يمكن نجاستها.
ومعي انه يخرج أن تكون حجة في طهارة النجاسة، ولا يكون حجة في نجاسة الطهارة، لأن الطهارة أولى من النجاسة، ولأن الاسلام أولى من الكفر، ولأن أصل الأشياء طاهرة حتى تصح نجاستها، ولأن النجاسة من الطهارات حادثة والطهارة أصلية.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل: إنه لا يقبل قول الواحد ولا يكون (3/90)
صفحة 539
حجة في شيء من ذلك في تطهير نجاسه أو تنجس طهارة في معاني الحكم، ولا يكون ذلك إلا بشاهدين في جميع ذلك.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قيل: إنه لا يقبل قول الواحد في أسباب ما مضى من نجاسة الطواهر، بمعنى ما يلزم من بدل الصلوات وتنجيس الطهارات فيما مضى.
ويقبل قول الواحد فيما يستقبل من تطهير النجاسات، فهذا يخرج عندي في جميع ما كان أصله طاهرا، فهو طاهر حتى تعلم نجاسته، وما كان أصله نجسا فهو نجس حتى تعلم طهارته، وإنما يخرج عندي ما دون هذا، من ثبوت القول بتطهير النجاسات أو تنجيس الطهارات بما دون الشهادة، التي تقوم بها الحجة بالحكم في معاني الاختلاف في أحكام الطمأنينة لا في أحكام القضاء التي لا يصح اختلافها.
وكذلك يخرج عندي قول من يقول بقبول قول الخدم الغتم، بغسل الثياب، ولو كانوا غير ثقاه إذا كانت نجسة، فمعي أنه قد قيل ذلك إذا آمنوا على مثل ذلك وعلى معرفة طهارته.
ومعي أنه قد قيل: ولو لم يؤمنوا على معرفة طهارة النجاسة، فإذا علموا ذلك ووصف لهم، ولم يتهموا في مخالفة مثل ذلك، قبل قولهم في ذلك إن أمروا به وعرفوا أن الثوب نجس، وقالوا إنهم قد غسلوه من النجاسة على حسب ما يؤمنوا فيه، قبل قول الواحد منهم في مثل ذلك، إذا كان قد أعلم بذلك أنه نجس، وقال إنه قد غسله من النجاسة، إذا كان قد علم بنجاسته، وأتى به وعليه آثار الغسل، بمعنى ما يطمئن إليه القلب أنه قد شمله من النجاسة.
ومعي أنه قيل: ولو لم يقل إنه قد غسل من النجاسة، إذا كان قد أعلم بنجاسته، وأتى به وعليه آثار الغسل بمعنى ما يطمئن إليه القلب أنه قد غسله من النجاسة. (3/91)
صفحة 540
ومعي أنه قيل: ولو لم يقل إنه غسله بمعاني ما يطهر جاز ذلك، ولو لم يسأل ولو كان غير ثقة، إذا لم يكن متهما في معاني ذلك الذي قد آمن عليه.
ومعي أنه قيل: إنه لو كان غير ثقة، ولو كان مأمونا، ولم يكن أعلم بنجاسته فقال: إنه قد غسله من النجاسة، وإن كان عين ثقتهم، لم يقبل قوله إلا أن يكون قد أعلم، وقيل له أن يغسله من النجاسة.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل إنه إذا لم يتهم في ذلك، وكان ممن يؤمن على مثله في تطهيره، في المعرفة والأمانة، في قوله إنه لا يقول خلاف ما يفعل في مثل ذلك أن قوله مقبول.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل إنه ولو لم يعلم بنجاسته ولم يقل إنه غسله إلا أنه يخرج في معاني الاطمئنان أن غسله، الذي قد وقع لمثل تلك النجاسة مزيل ومطهر، على معنى ما يتعارف من غسله ذلك، وثبتت على الثوب علامات الغسل الذي يخرج في معاني الاطمئنان أنه يطهر مثل تلك النجاسة، كان قد علم الغسل بذلك أولم يعلم أن ذلك يجزىء وتخرج طهارته في معنى الاطمئنان.
ومعي أنه يخرج في جميع تطهير ما عرض من النجاسات بشيء من الطهارات في بدن أو إناء أو شيء من الاشياء الطاهرة، أو في صبي صغير أو كبير، فالقول في معاني تطهير ذلك، خارج على ما قد مضى في الثوب في الحكم في موضع الحكم وفي الاطمئنان في موضع الاطمئنان، وإن اختلفت معانيها، فكل ذلك مما عدا الحكم فهو خارج مخرج الاطمئنان.
وكذلك معي أن نزح البئر إذا تنجست، خارج معي نزحها في الحكم والاطمئنان على معنى ما قيل فيما مضى من طهارة الثوب.
ومعي أن الحر والعبد في مثل هذا سواء، ويقبل قول الثقة منهم (3/92)
صفحة 541
والمأمون، ومن ولايتهم بمعنى وأحد في معاني الاطمئنان، ولا يبين لي منهم في معاني الحكم.
ومعي أن الذكر والأنثى في ذلك سواء، في معاني الحكم والاطمئنان في الأحرار والعبيد والإناث والذكران، ويجب أن يقول الاثنان معي منهم معاني الحكم، وبالواحد معاني الاطمئنان.
ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل: إنه بالواحد في معاني هذا، يثبت في معاني الحكم، ويكون الصبي حجة، وقد مضى القول قي ذلك.
ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل أن يكون الصبي والبالغ في ذلك سواء، إذا كان الصبي عاقلا لمعاني ذلك، مأمونا على ذلك بالعلم والثقة. (3/93)
صفحة 542
[صفحة بيضاء] (3/94)
صفحة 543
بابب
تطهير الجراب و المطبوخات و الطهارات إذا تنجست
وفي بعض الآثار، يضاف القول فيها إلى أبي علي، أنه جواب له إلى الوليد بن مسعدة، وفي دابة أو بشر أو شيء بال على جراب، فإن علم أن البول قد صار إلى التمر، شق الجراب وغسل تمره بالماء، فليؤكل.
وعن جراب كنز بماء، وقع فيه ميتة، أو كان عجن به التمر حين كنز، فالقول أنه يغسل ذلك التمر غسلا يرون به أنه قد طاب من ذلك التمر.
وكذلك التمر الذي نضح بالماء، الذي فيه الميتة يغسل وينضح عليه الماء، وعجين التمر نجس.
وفي جواب له إلى محمد بن هاشم في خناز وقع في سمك في برمة، ثم مات فأما الماء الذي في الجرة فيهراق، وأما السمك فإن أبلغوا فيه الغسل بالماء حتى يبلغ حيث بلغ الأول أن يكون يؤكل.
قال غيره: أما الجراب فإذا سال عليه البول ففي ظاهر الحكم أنه إنما يغسل ما طهر، حتى يصح أنه مس شيئا من ذلك ما استتر، إن أمكن ذلك في المعتبر، وإن لم يمكن إلا مسه للتمر في معاني النظر، فمعي أنه قد قيل أن يغسل ما أمكن غسله من الجراب، ثم يصب عليه من الماء بقدر ما يبالغ حيث بلغ البول في الاعتبار، وتلك طهارته لأن هذا مما يشبه موضع الضرورة إلى مثل هذا.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قد قيل إنه يخرج بمعنى طهارة (3/95)
صفحة 544
ما طهر من الجراب، إذا خرج في النظر أن ذلك يصل بما استتر، كان طهارة ما طهر يأتي على طهارة ما استتر، إذا كان مثل ذلك الماء في النظر، يبلغ حيث بلغ الماء النجس أو البول، على معنى ما قيل في السمة والحصير إذا تنجس، طاهر ذلك بالبول فغسل طاهر، وعرك فسال الماء حتى بلغ حيث بلغت النجاسة من الجانب الآخر، ففي بعض ما قيل: إن تلك طهارته كله، ما ظهر وما بطن منه 0
وفي بعض ما قيل: إنه حتى يغسل حيث بلغ البول أو النجاسة، ولا يجزئه بلوغ الماء إليه، إلا بماء جديد وغسل جديد، أو بصب يقوم مقام العرك والغسل.
ومعي أنه قد قيل: لو كانت النجاسة إنما كانت في ظاهر الجراب في النظر، فغسلت النجاسة من ظاهر الجراب، فأولج الماء المغسول من النجاسة في الجراب، في الاعتبار والنظر، أن طهارة ما ظهر هو طهارة ما استتر، ولا يبين لي في معنى هذا الآخر اختلافا.
وكذلك فيما أشبه هذا مما هو مثله، فالقول فيه على حسبه وحذوه.
ومعي أنه قد قيل: إنه إذا تنجس الجراب بمثل هذا أنه يغسل ظاهره، ثم يقطع عن الموضع النجس من التمر، موضعه من الظرف حتى يظهر، ثم يصب عليه الماء حتى يكون الماء أكثر من النجاسة ويبالغ في النظر حيث بلغت النجاسة.
ومعي أنه قد قيل: يغسل ما ظهر من التمر إذا انكشف فتلك طهارته، وأحسب أنه يقع في التمر المكنوز الضرر.
ولا يعجبني إدخال الضرر مع ما وجد، إلى طهارة ذلك من سبيل بغير ضرر، وأما التمر الذي قد كنز إذا ضحى وكنز بالماء النجس، فمعي أنه (3/96)
صفحة 545
قيل: يفتت بحسب ما يرجى، أنه يبلغ إذا صب عليه الماء، بالغا ما بلغت إليه النجاسة، ثم يصب عليه الماء صبا، حتى يكون أكثر من النجاسة ويبالغ حيث بلغت في الاعتبار.
ومعي أنه قيل: إذا فتت غسل غسلا، كنحو ما قيل في الجراب من الاختلاف، ويعجبني من ذلك كال ما يدخل فيه ضرر في معاني الحكم، وأما في الاحتياط والتنزه فذلك إلى صاحبه، وكذلك عندي يخرج في معاني التمر، إذا أصابته النجاسة والتمر غير مكنوز، أنه قد قيل إنه يجري فيه طهارة الصب عليه صبا، إذا كان الماء أكثر من النجاسة، وبلغ حيث بلغت في الاعتبار، وذلك في السح من التمر والحبوب كلها.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يجزىء في ذلك إلا بالغسل بالعرك، والتقلب الذي يقوم مقام العرك، ويعجبني في ذلك إذا لم يكن فيه ضرر على التمر ولا شقوقه، يؤدي إلى ضرر أن يغسل غسلا، وإن كان ثم ضرر أو ما يؤدي إلى ضرر، أعجبني ما وسع بغير ضرر، لمعاني ما قد جاء في الماء أنه مطهر لما مسه، إذا لم يبق ثم غير ولا أثر لأنه الطهور معنا والمطهر، ولا أعلم أنه يخرج في معاني الجرب، إذا وقعت عليها النجاسة من ظاهرها، أن يلزم فيها نكل تمرها، إلا أن يخرج ذلك في معنى المشاهد بوجه من الوجوه، ما يوجب حكم ذلك في الاعتبار، وكل شيء خصه حكم لزمه في معانيه، في مخصوصه ومعمومه بحكم المشاهدة، والصفة التي تدل على المعرفة.
وأما التمر إذا عجن بالماء النجس، فيخرج عندي في معاني ما قيل في بعض القول أنه نجس، فكأن المعنى فيه أن لا يبلغ به إلى طهارة ولا غسل، ومعناه معنى المتروك الثابت فيه النجاسة على الأبد، ومنتقل إلى ذات النجاسة بمعنى هذا القول. ومعي أنه قد قيل: إنه إن نكل وفتت وجعل في الشمس، بقدر (3/97)
صفحة 546
ما تبلغه الشمس أو حموها، مفرقا في الشمس حتى يجف وتزول عنه أحكام رطوبات النجاسة، في معاني الاعتبار والنظر، وتذهب الشمس والريح بمعنى رطوبات النجاسة منه، أن تلك الطهارة طهارته، لأنه لا يبلغ إلى غسله إلا بالمضرة، ولا ضرر ولا ضرار في الاسلام، وعند الضرورات تزول أحكام، ويتبدل الضيق سعة، والاختيار غير الاضطرار، و إذا لم تثبت معاني مثل ما قيل في الدواس والزواجر، بول الابل عند التزاحم، ولم يثبت معنى ما قيل من طهارة الأرض بالريح والشمس وأشباه ذلك، ولا يثبت معنى ما قيل من طهارة الخبز، إذا كان العجين قد تنجس أو الدقيق والحب، بمعاني ما كان من النجاسة من غير الذوات، لأن هذا كله معنا واحد، وقد قيل في ذلك: أعني الخبز إذا تنجس العجين، باختلاف فيه وتفصيل، فمعي أنه قيل: لا يطهر على حال، وهومتروك وأحكامه أحكام النجاسة.
وقيل: إته يغسل ويؤكل إذا ثبت معاني غسله عندي، لم يلزمه غسلا يضره، وكان إذا صب عليه الماء صبا بقدر ما يأتي عليه كله، دواخله وخوارجه كان ذلك معي طهارته.
وبذلك إن غمس في الذي لا ينجس لم بقدر ما يبلغ المال إلى جميعه في الاعتبار، كان ذلك عندي معنى طهارته.
ومعي أنه قيل إن خبزه بالنار طهارته بجميع ما خبز في تنور أو طابخ أو حصى، ومعي أنه قيل: إن ذلك إنما هو قي خبز التنور دون الحصى والطابخ وأشباهه، ومعي أن ذلك كله سواء، واذا ثبت معنى زوال رطوبة النجاسة، بأي وجه من المذهبات من أسباب النار فهو سواء، وثبت معنى طهارته على هذا المعنى عندي، وأما السمك الممقور فمعي أنه قيل: إذا (3/98)
صفحة 547
تنجس بشيء من النجاسات بعد أن صار بحد ما لا ينشف من النجاسات شيئا، لأنه قد شرب من الماء الطاهر ما لا يحتاج إلى زيادة من الماء النجس، فإنه يخرج في معاني القول فيه، أنه يغسل من حينه وتخرج معاني طهارته بذلك الغسل، وأما إذا كان يخرج في معاني الاعتبار له أنه قد شرب من الماء النجس، ما ولج فيه بقدر ما لا يبلغه في الاعتبار ذلك الغسل في الوقت، ولا يبلغه الماء الطاهر عند غسله، فإنه يخرج في معاني غسله، أن يغسل ثم يجفف بالشمس، أو يشوى بالنار حتى تزول عنه معاني رطوبات النجاسة، ثم بعد ذلك، فإن ذلك لا مضرة في غسله غسل وتلك طهارته في بعض ما يخرج من القول.
وفي بعض ما يخرج أيضا من القول أنه يجعل في الماء الطاهر، لأته كان لا مضرة عليه بقدر ما يبلغ الماء الطاهر حيث بلغت النجاسة في الاعتبار، وتلك طهارته إذا صب منه ذلك الماء.
وفي بعض القول إنه يصب منه ذلك الماء ويغسل ثم تلك طهارته.
ومعي أنه إن أمكن أن يشوى بالنار حتى تذهب بمعاني رطوبات النجاسة منه، كان ذلك بمرة واحدة من الشوي، وتخرج معاني طهارته على حسب ما قيل ولعله يخرج في بعض القول أن هذا بمنزلة المطبوخ من السمك وهو نجس متروك إذا كان قد تنجس بنجاسة تنشفها، والقول عندي في المطبوخ كالقول في هذا إذا أمكن فيه ما أمكن في هذا من جميع الأشياء التي أصلها طاهر، وإنما عارضتها النجاسة، فهذا عندي خارج من جميع الأشياء إذا احتملت هذه المعاني من اللحوم والسمك والحبوب من الباقلاء واللوبياج والأرز، وجميع ما خرج مخرج هذا، فكل هذا معناه عندي واحد إذا أحسن النظر فيه، وفي تطهيره بأحد المعاني ما قد قيل فيه من هذه الأقاويل ولا يختلف ذلك عندي في شيء يخرج مخرجه ويخرج في هذا (3/99)
صفحة 548
المعاني كلها عندي في جميع المطبوخات المتنجسات، بمعاني الطبيخ منه أو من غيره، أن ذلك متروك بنجاسته، ولا طهارة منه ولا له، وكذلك الخبز يلحقه معنى ذلك، ولعله أكثر ما قيل: إن هذه الأشياء كلها إذا تنجست وما أشبهها وما خرج بمعناها، أنه لا وجه إلى تطهيرها ويدفن، ولا يطعم شيئا من الدواب، ولا أحدا من الناس صغيرا ولا كبيرا ولا يباع، ولعله يخرج في معاني ذلك أنه لا يوهب، إلا أنه إذا ثبت أنه لا ينتفع بها بوجه، بطل بيعها وهبتها، وكانت لا تقع عليها الأملاك، وهي باطل متروكة.
ومعي أنه قد قيل: أنها و ان تنجست وثبت أنه لا وجه إلى طهارتها، أو ما كان منها لا وجه إلى طهارته، فقد قيل: إنه يطعم الدواب ولو كان نجسا، لأن الدواب لا إثم عليها، وليست هي في أكلها متعدية ولا آثمة.
وكذلك المعين على ذلك غير معين على إثم ولا عدوان.
ومعي أن الذي يقول إنها لا تطعم الدواب، يخرج من معنى قوله إن ذلك إنم محرم، ولا يطعم المحرم أحدا من الخلق، وأنه وان كانت الدابة ليست آثمة، ولا النجاسة عليها محرمة، فإن الإنسان محجور عليه الإثم والحرام أن ينتفع به أو أن يعين على الانتفاع به.
ومعي أنه يخرج في معاني القول، أنه يجوز أن يطعم ذلك الدواب والأطفال من الناس، وكل لعن لا إثم عليه، لأن ذلك يقع لهم موقع النفع، وليس معي عليهم فيه مضرة، ولا إثم عليه، ولا يبيعه البالغ ولا ينتفع بثمنه ولو أخبر بذلك وبنجاسته، وإذا ثبت أنه لا يبيعه، فلا يبيعه لأهل الذمة ولا لأهل الإسلام، لأن ذلك مخالط للحرام، ولا يجوز بيع الحرام والحلال بصفقة واحدة ولأن بيع الحلال والحرام في صفقة واحل كله حرام.
ومعي أنه قيل: يجوز أن يباع إذا علم بذلك المشتري، وإنما ذلك (3/100)
صفحة 549
عيب معارض الحلال، وليس هو في الأصل من المحرمات، وإنما النجاسة له معارضة، ويجوز الانتفاع به إذا ثبت طعمه للدواب والأطفال، وجاز ذلك، ولو كان لا يجوز الانتفاع به بوجه من وجوه الحلال، ولا يجوز في الأصل في اعتبار معانيه، لم يجز بيعه بحال، ولو تراضيا على ذلك - البائع والمشتري - وعلما به، لأن في ذلك إدخال الضرر من المشتري على نفسه، وكل شيء من الضرر فهو غرر، وكل غرر فهو باطل، ولا يجوز بيعه، وهو من السحت، وأما إذا كان يخرج في معانيه أنه يلحق منه الانتفاع بما يجوز في الأصل ويدرك في بعض القول تطهيره، أو ينتفع به لإطعام دواب أو أطفال، ويلحق الانتفاع به في أكل أو شرب في بعض ما يجوز من قول أهل العلم، فالبيع له جائز والشراء له جائز، والبائع والمشتري فيه سواء، وهذا يخرج عندي إذا ثبت معاني الانتفاع به في أكل أو شرب، لشيء من الدواب أو لشيء من الأطفال، أو لمعنى من المعاني بحال من الحال، كما قد قيل في العذرة أنها من الحرام من ذوات النجاسة، ولا يخرج في معاني ذلك اختلاف، وأنها إذا اختلطت بالتراب أو غيره من الطواهر من رماد أو روث أو بعر أو شيء من الطواهر، أن يبيعها في جملة ذلك حلال جائز، لأن معنى الانتفاع بها ثابت في معاني الاعتبار، ولأن الشراء لها لا يقع موقع الضياع ولا إضاعة المال، و انما يشتري الانتفاع بها بمعاني الجائز والحلال.
ومعي أنه قد قيل: إنه لا يجوز بيعها على حال في شيء مخلوطة فيه من الطواهر، لمعنى الصفقة من البيع، أنها واقعة على حلال وحرام ورجس وطاهر، وهي صفقة واحدة، وهذا كله باطل إذا اتفق.
ومعي أنه إذا ثبت معاني إجازة بيع العذرة لمعنى الانتفاع بها مخلوطة في غيرها، وأن معاني الاتفاق بها في الجائز والحلال على الانفراد ثابت، ولو خالطها شيء غيرها، فإذا كان منتفعا بها بمعاني ما يراد الانتفاع بها وحدها، جائز الانتفاع بها وحدها ثبت معناها إذا ملكت لمعاني الانتفاع بها، كانت ملكا محجورا، له وإذا كان ملكا (3/101)
صفحة 550
محجورا ثابت الانتفاع بها في الجائز والحلال كل لم يبعد أن يجوز بيعها وحدها لمعنى ثبوتها بنفسها نافعة، جائز الانتفاع بها مخلوطة بغيرها أو وحدها، إذا كانت في معاني الأملاك، وهذا لم يزل عليه الناس أن يتخذوا ذلك من البواليع والكنف، وينتفعون بها، ولا يخرج ذلك على معاني الإباحة لغير متخذه ومالكه، في معاني التعارف بينهم حتى يخرج منه مخرج الإباحة أو الترك.
وأما ما خرج معناه، من الأشياء أنه لا ينتفع بهما من المحرمات إلا بمعاني الإثم أو في حال الضرورات، فلا ... يجوز بيعه ولا شراؤه، وذلك محجور محرم معي بمعاني الاتفاق من كل ما كان أصله حراما أو رجسا، و ليس معارضا له من رجس غيره، ولا أعلم في بيع هذا ولا شرائه اختلافا،
0
،
وذلك مثل الخمر والخنزير والميتة، وكل ما كان أصله حراما رجسا، لا تقع به معاني الانتفاع في الجائز، إلا بمعاني الضرورة أو الإثم، لأنه لو أنه اضطر لمثل ذلك ليحيي به نفسه من الميتة وأشباهها، ما لا يجوز التملك فيه لأهل القبلة، ما جاز لأحد منهم أن يبيع شيئا من ذلك، ولو كان في يده المضطر يجوز له ولا لغيره إلا أنها على غير الضرورة، لا يجوز، وعلى معنى الضرورة لا يجوز حجره، ولا منعه، فمن هنالك، لم يجز بيعه فهذا في كل شيء أصله حرام رجس، من جميع ما لا يقع به الانتفاع، وذلك في معنى الجائز، إلا ما قد جاء في العذرة من الاختلاف، فمن قائل بجواز الانتفاع بها، ومن قائل بجواز الانتفاع بشرط اختلاطها بمغيرها، وكذلك ما أشبه العذرة ووقع موقعها، فهو عندي مثلها، ويلحقه ما يلحقها من معاني ما يخرج فيها من الاختلاف. وأما كل ما كان أصله طاهر فعارضته النجاسة، فلم يخرج مخرجه مستهلكا فيها، وتغلب عليه أحكامها حتى لا يكون له حكم فيها، فيخرج عندي معناه معنى الاختلاف في بيع ذلك والانتفاع به، من إطعام الدواب والأطفال والانتفاع به، فيما يجوز من جميع ذلك ولا يجوز عندي أن يكون مثل (3/102)
صفحة 551
ذلك من الاختلاف في مثل الخمر والميتة ولحم الخنزير وما أشبهه أن يطعم شيئا من الدواب ولا شيئا من الأطفال، لا يباع ولا ينتفع به بحال إلا في حال ما خصه من الضرورات، وكل شيء من الطواهر عارضها شيء من النجاسات، إلى أن يثبت بها حكم نجاستها في معاني الاتفاق إلا أن أصلها من الطواهر، وعلى ذلك لزمت الضرورة للبالغين من الرجال والنساء، إلى شيء من ذلك أن يحيي به نفسه، أو إلى شيء من المحرمات التي أصلها حرام رجس.
ومعي أن الحلال الطاهر في الأصل بكل حال، ما بقي له اسم غير مستهلك في النجاسة، ذلك لأنه أولى من المحرمات في الأصل، ويحيي به نفسه المضطر من ذلك نفسه، دون المحرمات في الأصل عندي، ما لم يغلب المحرم على المحلل، فيستهلكه فيصير حكمه حكمه، وينتقل إليه معناه واسمه، فهنالك يكون عندي مثله، فإذا صار مثله فبأيها شاء أحيى نفسه، إن كان مما يحيي ويعصم وهو من النجاسات، وأما إذا كان مما لا يحيي ولا يعصم، وهو من النجاسات التي أجمعوا عليها، ولا يوجد عندهم اختلاف في نجاستها، فلا يجوز في حال اضطرار ولا غيره، لأنه إنما جاز الانتفاع بالمحرم لاحياء النفس به، فإذا كان هذا النجس لا يعصم ولا يحيي، فهو على حاله من التحريم، ولا يجزئه أية رخصة. ومعي أنه قد قيل: إنه إذا وجد المضطر شيئا من المحرمات، مما يعصم ويحيي، وشيئا من أموال الناس الحرام، الذي لا يحل له بوجه من الوجوه الحلال، من بيع ولا هبة، ولا دليل على أنه يحيي نفسه عن المحرم المباح من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أشبهه، ولا يأكل من أموال الناس، لأن هذا مباح، ولا يلزمه فيه الضمان، وهذا يلزمه فيه الضمان، وجميعهما محجوران إلا عند الضرورة، فهذا عند الضرورة مباح، لا يتعلق عليه فيه حكم، وهذا يتعلق عليه فيه الحكم والضمان. (3/103)
صفحة 552
ومعي أنه قد قيل: هو مخير إن شاء أحيى نفسه من هذا، ولا تبعة عليه، وإن شاء أحيى نفسه من هذا كله، ودان بما يلزمه من الضمان، والأفضل له أن يختار ما يتعلق عليه فيه حكم، حتى لا يقع عليه الحكم والضمان معا.
ومعي أنه قد قيل: ليس له أن يأكل الرجس المحرم، في حالة إذا ما وجد الطاهر الحلال، فلم يعارضه في معارض، ولا حجة تمنعه وتكفره مخالفتها، لأنه لو وجد أرباب الأموال فباعوا له من أموالهم ما يحي به نفسه، ويتعوض به من الضرورة بعدل السعر أو بأكثر من عدل السعر، لم يكن له أن يأكل من المحرمات الرجس، وكان عليه أن يشتري بقدر ما يحيي به نفسه، ولا يثبت عليه في حال الضرورة، إلا عدل السعر، ولو اشتط عليه البائع في حال الضرورة، فباعه بأكثر من عدل السعر بنقد أو نسيئة، كان ذلك مردودا إلى عدل السعر في الحكم، وكان ذلك محجورا على البائع أن يشتط في حال الضرورة، لأن هذا حرام، ولأنه لا يجوز له أن يحتكر ماله حين يأخذ منه، بأكثر من عدل السعر، ولأنه قد جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الاحتكار وكذلك بتحريم الاحتكار، لأنه من أكل أموال الناس بالباطل، واستغلال لحاجة المضطر، و اجباره على استيفاء حاجته، بما يخالف الوضع العادي، وكذلك قد جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التاجر ينتظر الرزق، والمحتكر ينتظر اللعنة والعياذ بالله، وقد جاء كذلك في الأثر أن الحكرة المحرمة داخلة في جميع الضرر، والقاعدة أنه لا ضرر ولا ضرار، وأنه لا يجوز الإلجاء إلى الضرورة، وكل ضرورة لا تجوز فيها الحكرة، ولا تثبت فيها معاني الزيادة فوق عدل السعر، عند خوف الهلاك، وعند الالتجاء إلى الضرورة إلى استيفاء شيء مما يرجى به الفكاك من مطعوم أو مشروب أو مركوب، مطلوب أداء ثمنه بنقد ولا نسيئة، وليس عند خوف الهلاك، والضرورة إلى شيء من هذا أو مثله، يجوز الاحتكار بالمال ولا بشيء من الأملاك. (3/104)
صفحة 553
والمحتاج إلى ذلك بالخيار، إن شاء بذل ماله ومجهوده من فضل قوت بدنه بطاقته، ومن فضل بدل ملكه من بعد إحياء نفسه. وأمنه عليها من ترك ملكه، ثم بعد ذلك على هذه الصفة داخل عليه في الحكرة والحجر عندنا، وتلحقه فيه الرواية واللعن، في منعه والاحتكار به، وعليه أن يختار الثاني بأن يبذله إن شاء لوجه الله -تعالى-، ويتلقى أجره عند الله سبحانه، فعلى الله أجره وطوبى لمن كان أجره على الله.
وله أن يختار أن يكون بيعه له بعدل السعر، أو كرائه بأجرة من نفس أو مركوب أو عبيد، أو ما يقدر عليه من بذل المجهود في إحياء النفس، المخوف عليها الهلاك المحرم قتلها من جميع البشر، من أهل الولاية أو من أهل الإقرار، أو من أهل العهد والذمة من أهل الشرك، أو جميع من ثبت له أمارت من أهل الشرك، فكل هؤلاء سواء، ولا يجوز قتل شيء من هذه النفوس المحرمة عند هذه الحال اللازمة، فإن لم يفعل ذلك بغير عذر يكون له في الإسلام في جميع هذه النفوس من البشر ممن آمن منهم أو كفر، ما لم يكن في حال الحرب من أهل البغي من أهل القبلة، أو من أهل الحرب من المشركين، الذين يحل قتلهم وتهدر دماؤهم حيث ما قدر عليهم، وكذلك الممتنعين عن الحق بالباطل، الذين يجوز قتلهم بالسيف فما فوقه، وما دون السيف من جوع أو عطش، أو بما قدر عليهم به، فإذا كان على غير هذه الصفة، واضطر إلى ما يحيي به نفسه من شيء من المهالك اللازمة التي بها الهلاك، وقدر قادر على أن يجيئه من ذلك الهلاك من غرق أو رجوع أو حرق أو ظمأ أو انقطاع في مفازة في الانقطاع فيها الهلاك، ولزم ذلك لازم خصه حكم ذلك، من قليل من الناس أو كثير، يعلم منهم بذلك، وقدر ذلك المخصوص بحكم ذلك عليه على إحياء تلك النفس، فلم يحيها حتى هلكت، لزمه معنى من معاني أحكام الكتاب والسنة والاتفاق حكم قتلها، وأنه هو الذي قتلها ولزمه في معاني حكم الإثم فيما لا أعلم فيه اختلافا، أن عليه إثم من قتلها، ولا يبرئه ذلك عند تبوت الحكم عليه أن يلزمه دينهما، (3/105)
صفحة 554
والكفارة عن قتلها في جميع ما يلزم في الحكم من أسباب قتلها، وإن قصد إلى تركها حتى تموت، قاصدا إلى ذلك، يريد لها ذلك، لم يبعد عندي من ثبوت القود فيها إن كان مما يجب، فيلزمه القود بها، ولزمه في ذلك معاني حكم ما قال الله -تبارك وتعالى - في كتابه الكريم: (من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه، من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا
ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون).
بمعنى أن من أحيى النفس عن هذا الملاك، كان محييا لها في الحكم، في معنى ثبوت الأحكام، وكان بذلك كأنما أحيى الناس جميعا، وعلى حسب هذا ونحوه، ثبت الحكم على بني إسرائيل من الله، وهو ثابت في معاني حكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاني الاتفاق من قول المسلمين، وتأويل قول الله - تبارك وتعالى -، فكأنما قتل الناس جميعا، فمن لقي الله بقتل نفس غير تائب منها، فهو في عداوة الله وسخط الله عليه وعقوبة الله له، فهو مستحق من ذلك كمثل ما لو أنه قتل الناس جميعا، وإن كان لكل ضعف فإنهم سواء بهذه المعاني.
كذلك من لقي الله -تبارك وتعالى - بهذه الحسنة التي قد أحسنها من إحياء هذه النفس على هذا المعنى، وهو مؤمن لم يلبس إيمانه بشيء من الظلم، من تضييع لازم أو ركوب شيء محرم أصر على ذلك، فكأنما أحيى الناس جميعا، بما يستوجب من رضوان الله عليه وولايته وثوابه، وإن كان لكل ضعف ودرجات مما يعملون.
ومعي أنه كل ما كان أصله من الطواهر، فعارضته النجاسات، فثبت نجسا من ماء أو غيره من المأكولات والمشروبات، من الأمتعة (3/106)
صفحة 555
والأطعمة، فكله يجري فيه معاني الاختلاف من جميع ما تدركه طهارته بحيلة، أو لا تدرك طهارته، ما لم يثبت نقلها عن الاسم والحكم عن معنى الطهارة، إلى أن تستولي عليه أحكام النجاسة، فينتقل اسمه وحكمه، وأنه يجوز في ذلك ما لم يضر بهذه الحال، وما قد قيل في الاختلاف والتوسع، من سقيه وإطعامه لمن لا يلحقه إثم، من الدواب والأطفال، وأن يتوسع به البالغون عند الضرورة الملجئة إليه دون المحرمات في الأصل.
ويعجبني أنه إن لزمت الحاجة الملحة، التي هي بمعنى الضرورة إلى إطعام الأطفال أو إلى إطعام الدواب، تلك المحرمات في الأصل، فإنه يجوز ذلك، بمعنى ما يخافون عليهم من الضرورة في إطعامهم لذلك، أو ترك سقيهم له، ولو لم يلزمهم ذلك في الضرورة في ذات أنفسهم، وكان معهم ما يقوتهم من الحلال، وليس فيه سعة للأطفال.
وأعجبني كذلك أن يكون البالغون يكفيهم العوض بالحلال، ويستعينون من الحلال ويتوسعون بإطعام الطفل من المحرمات في الأصل، إذا لم يكن في الحلال فضل لهم من الرجال والأطفال، وأما ما عارضته النجاسات من الطواهر، فمعي أن ذلك يخرج فيه القول أنه يطعم الأطفال والدواب على غير الضرورة في حال السعة بالحلال، ومن الحلال الطاهر، وليس ذلك في حال الضرورة، فأما في حال الضرورة فيقع ذلك عندي ما لا يختلف فيه.
ومعي أنه قد قيل: إنه كل ما كان يعصم من المحرمات، يعني من الضرورة حال للمضطر في حال ضرورته، أن يأكل منه أو يشرب، بقدر ما يحيي به نفسه، فأما الميتة ولحم الخنزير وما أشبه ذلك، فيقع عندي موقع الإجماع عليه، أنه جائز في حال الاضطرار، في حكم كتاب الله - تعالى في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لخم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن (3/107)
صفحة 556
اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم).
وأما ما سوى ذلك، مما لم يأت فيه نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعي أنه قد قيل فيه كله إنه محجور، إذ لم يأت فيه ترخيص، واذ هو على جملة التحريم، وليس مستثنيا فيه في ضرورة ولا في غيرها، وذلك مثل الخمر والأبوال والعذرة، وأشباه هذه المحرمات والرجس: فقال من قال: لا يجوز ذلك، لا في ضرورة ولا في غيرها، أو جوع أو ظمأ.
وقال من قال: كل ما رجاه المضطر من ذلك، أن يعتصم به ويحيى به من جوع أو ظمأ يخاف منه على نفسه الهلاك، ويرجو فيه لنفسه الحياة فهو مثل المحرمات.
ولا يعجبني أن الإقدام على شيء من ذلك نزاهة وتورعا، إلا على معنى قد عرف أنه يحيى ويععم، والا فهو على معنى الحجر والتحريم.
ومعي أنه قد قيل: إن الذي يذكى من المحرمات بمعنى الميتة من المحللات، فبأيهم شاء المضطر أحيى نفسه منه، أي أنه إذا كانت أحلت له عند الضرورة ميتة المحللات، فكذلك تقع له الضرورة التي تبيح له في حالة الضرورة إحياء نفسه بالمذكى من المحرمات، وهو بالخيار بينهما، ولكن معي أن ميتة المحرمات أشد من ميتة المحللات، لأن هذه ورد فيها النص في الكتاب صراحة، ولذلك فإنه لا يجوز للمضطر أن يأكل من ميتة المحرمات، إذا وجد ميتة المحللات، لأن هذه التي رخص له الكتاب فيها، فهى أصل الرخصة تقع عليها، وكذلك يعجبني.
ومعي أنه قد قيل: إن المحرم إذا (3/108)
صفحة 557
لزمه حال الاضطرار أكل من الميتة، ولم يأكل من لحم الصيد، وكذلك يأكل من لحم الخنزير ولو كان ميتا، ولا يأكل من لحم الصيد، لأن هذا يلزمه في ارتكاب المحرم ولزوم الفداء، بينما الثاني وهو الميتة أو الخنزير لا يلزمه فيه شيء عند الضرورة أي عند توفر حالة الاضطرار التي رخص له فيها بأكله، ولم أعلم في ذلك اختيارا له بين الأكل من لحم الصيد وبين سائر المحرمات.
ومعي أنه لو اضطر المحرم إلى أكل الصيد ولم يجد غيره، لم يزل عنه حكم ما يلزمه من الفداء، ولم يضيق عليه أكل لحم الصيد في حال الضرورة، ولأنه يعوض ويحيى ويعصم، وهذا مما يشبه عندي مما قد أطلق وأبيح عند الضرورة من الميتة، ويعجبني أن تكون ميتة المحللات من الأنعام إن أمكنت، أولى من ميتة غيرها من الدواب، من الخيل والحمير والبغال وغيرها من أشباهها. ...
ويعجبني أن يقدم ميتة الأنعام، وما أشبهها من الصيد على ميتة البغال والحمير والخيل، وما أشبهها مما هو مثلها أو دونها، فإن أحيى نفسه من ميتة البغال والحمير والخيل وما أشبهها، وترك ميتة الأنعام كالبقر والإبل والغنم والماعز والغزلان وما أشبهها من ميتة الطيور والدواجن ونحوها، فمعي أنه في هذه الحالة يعتبر ذلك جائز له، لأن المعنى فيه متقارب، وكذلك ميتة هذه الدواب من الخيل والبغال والحمير وما أشبهها، إذا أمكنت ووجد معها ميتة السباع، فمعي أنه يقدم ميتة الخيل والبغال والحمير على ميتة السباع، ولكن المضطر إن أحيى نفسه من ميتة السباع وما أشبهها، دون ميتة الأنعام كإلابل والبقر والغنم، ودون ميتة الخيل والبغال والحمير، فإن ذلك عندي لا يلزمه إثما، ولا يعتبر متعديا، والذكية من جميع السباع من الدواب والنواشر من الطير أولى وأجوز عندي من ميتة الأنعام، ومن جميع الميتة.
وعندي أنه يخرج ذلك في معاني الاتفاق أنه يقع ذكي ذلك موقع (3/109)
صفحة 558
التحريم في معاني الاتفاق من جميع الميتة من ذوات الأرواح البرية، من ذوات الدماء الأصلية ما سوى الخنزير والقرد وما أشبهها، أولى من ميتة جميع هذه الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، فما كان من ذكيها من جميع الأشياء من الصيد على المحرم، من جميع الميتة من المحرمات والمحللات، وجميع الأرجاس المفوضات عند الضرورات.
ويخرج عندي في كل ذلك معنى السعة في الضرورات بمعاني الاتفاق والاختلاف، ولا يخلو كله في ثبوت معاني الاختلاف فيه ما سوى لحوم البشر، فإن لحوم البشر قد جاء في معاني تحريمها في حال السعة والضرر الصحيح، من منصوصات الخبر والثابت من محكمات الأثر، ولا أعلم في ذلك اختلافا أنه لا يجوز أكل لحوم البشر لا في سعة ولا في ضرورة، ممن آمن منهم أو كفر، أو ممن أنكر منهم أو أقر، أو من الصغار منهم أو الكبار، سواء كان مباحا قتله أو محجورا، فإنه لا يجوز مطلقا أكل لحوم جميع هؤلاء - فيما قيل - لا في سعة ولا في اضطرار، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعاني أحكام الدليل في ذلك على تحريمه، أنهم هم المخاطبون بمعنى التحليل والتحريم، في جميع المحللات والمحرمات فيما سواهم، ولا يجوز ولا يحتمل في معاني العقول إطلاق المتعبدين لبعضهم بعضا، بوجه من الوجوه، ولا بمعنى من المعاني، إذا كان كل واحد منهم مخاطب بنفسه ومحجور عليه النظر قي نفسه لنفسه، ولا لغيره بغير ما أوجب الله -تعالى -، في معنى الحقوق الثابتة.
ولا أعلم في شيء من الأديان، ولا مع أحد من أهل الأديان ولا من أهل الشرك، ولا من أهل الإيمان، استجاز أكل لحوم الإنسان، بل إن النصوص القرآنية تفيد التحريم مطلقا، إذ شبه النص القرآني الغيبة كأنها أكل معنوي، ثم بينه أنه غير مقبول شرعا ولا عقلا، ومعاني الاتفاق من شواهد (3/110)
صفحة 559
العقول، وأحكام الكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع جميع أهل العقول، يتواطأ معي على هذا، وهو أن أكل لحوم البشر من الأحياء والأموات محجورة محرمة، في جميع السعات والضرورات، وغير مقبولة على أي حالة كانت، ولا أعلم في ذلك سعة ولا مساغا، من قول أحد من أهل البصر، فافهم معاني ذلك، والله الموفق بمنه وفضله إلا بما يستحقه العبد، في متقدم له في -حكم قضاء الله وعدله. (3/111)
صفحة 560
[صفحة بيضاء] (3/112)
صفحة 561
باب: الاستنجاء والطهارة
فمن وجد بللا في ذكره أو انتشارا، فظن أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر، وجد شيئا قد خرج، وربما نظر فلم ير شيئا، فعناه ذلك فلم يعلم أخرج منه شيء في هذه المرة، أو لم يخرج منه فلا بأس حتى يعلم أنه خرج عليه في هذه المرة ما قد أفسد عليه، ذلك لأننا نبني في هذه الأمور على اليقين، فإذا نظر ولم ير شيئا أو لم يخرج منه شيء فلا يعتد بالشك في ذلك. وكذلك عندنا عن محمد بن محبوب - رحمه الله -: ومن كانت به رطوبة من غسل أو استنجاء ثم وجد رطوبة لم يعلم مم هي، فشك أنها ربما تكون قد خرجت وهي من تلك الرطوبة الأولى، حتى يعلم أنها خرجت منه من بعد.
وقد بلغنا عن بعض من كان عنده علم، أنه كان يرطب متعمدا لحال الشك، وكذلك من كان يحتشي بقطن في ذكره فخرج منه شيء حتى ترطبت القطنة التي في ذكره، فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما يخرج منه، وإن كان شيء من القطنة طاهرا ليس برطب وترطبت داخلها، فلا بأس عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة التي في باطن تلك القطنة قد دخلت في الذي ظهر منها، لأنه إذا لم يظهر له ذلك بني على اليقين السابق، حتى يعلم أن الرطوبة خرجت منه فعلا.
وكذلك قال من قال من أهل الفقه، على تفصيل في هذه الأقوال، ومفادها جميعا لا نعلم بينهم اختلافا أنه يمنع الشك عن نفسه قد جهده، ويبني على يقينه حتى يعلم فيرى أنه خرج منه شيء وبلغنا أن أحد الفقهاء كان إذا (3/113)
صفحة 562
احتشى غسل رأس ذكره أيضا، وفي ذلك رخصة لمن غسل ذكره وهو يحتشي ولو لم يغسله فلا بأس عليه في ذلك، لأنه لم يكن ذلك عليه وانما هو أمر من باب الحيطة.
قال غيره: وأما الذي يجد كالشيء يخرج من إحليله، ولم يستيقن على خروج شيء من ذلك، وقد كان ربما وجد إذا نظر، وربما لم يجد، فإن وجد شيئا مثل ذلك فيخرج عندي في معاني الحكم أنه إذا كان طاهرا على وضوء، أن حكم ذلك الطهارة، لأنها الأصل الذي يجب أن يتيقن أنه عليه، حتى يعلم بنظر أو نحوه أن ذلك خرج منه شيء، ولوكان إذا وجد شيئا من ذلك وأبصر فوجد شيئا، خرج على أكثر ما يعنيه أو في حالاته، إلا أنه لم يستيقن في حاله هذا، على خروج شيء بوجود بلل لا يشك فيه، فهو بذلك على حكم الطهارة لأنها الأصل، وثوبه على حكم الطهارة أيضا، حتى يعلم بنجاسته، بطريقة لا يشك فيها، وهذا على معنى الحكم.
وأما ما يخرج على معنى الاحتياط، فإنه معي أنه قد قيل: عليه أن ينظر إذا وجد مثل هذا، فإن لم يمكنه النظر لعذر، أو كان ذلك في الليل لوجود الظلمة التي لا تمكن من الرؤية، أو كان في صلاة لا يتمكن معها من النظر، أو غير ذلك من الحالات المشابهة، أو خشي من النظر والمس أن يتولد عليه شيء من نقض طهارته، كالاطلاع على العورة أو المس، أو كان في صلاة، فإنه يضرب بيده على الذكر من فوق الثوب، فيمسح به على فخذه، أو على ما يليه من بدنه، ما أمكن له عمل ذلك، فإنه إن وجد بللا استيقن عليه لا شك عنده أن هذا البلل خارج من ذكره، وأنه حادث وليس من طهارة متقدمة، فإنه بني لك العمل يكون قد خرج من الشبهة والريب، وإن لم يجدء شيئا من البلل، لم يكن عليه شيء، وكان قد احتاط ونفى الشك عن نفسه واستيقن.
ومعي أنه قد قيل: إنه ليس عليه هذا، إلا أن يجد سيلان ذلك (3/114)
صفحة 563
وخروجه بما لا يشك فيه لأنه إذا لم ينقطع البلل من ذكره إلا في فترة تمكنه من أن يستنجي، فإنة يحتشي بعد أن يجفف البلل من ذكره، ويحتشي بالقطن الصافي، وهذا القول عندي يخرج على معنى الحكم الأول على معنى الاحتياط، ومعي أنه يخرج في معنى القولين جميعا، وعند من قال بهما جميعا أنه لو لم ينظر ولم يمس بنحو ما ذكرنا ووصفنا من هذه الأمور، ومضى على ما هو عليه ولم يصح معه علم ذلك بما لا يشك فيه، من وجود بلل خارج، مفض إلى موضع الطهارة بمساسه شيء من بدنه أو ثوبه حتى يستيقن على شيء من ذلك أنه ليس عليه فساد في وضوء ولا ثوب ولا صلاة وان كان في صلاة.
ومعي أنه قد قيل: إن نظر بعد ذلك، بعد أن كان قد وجد ذلك، فلم ينظره في وقت ما وجده ومضى، ثم نظر بعد ذلك فوجد شيئا خارجا، لم يعرف متى خرج ذلك منه، ولم يعلم هل كان ذلك من قبل، أم أنه حدث بعد أن تطهر، ففي معنى الحكم على قول من يقول: ليس عليه النظر ولا اللمس حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، لأن الأصل أن الطهارة قائمة حتى يثبت لديه بالنظر أنه خرج منه شيء، فإذا أمكن خروج ذلك الذي وجده خارجا، كان بعد تمام صلاته إن كان في صلاة، أو لمعنى من المعاني مستحيل عن حكمه خارج عن وقته على ما عاينه وأبصره، فليس عليه من حكم ما مضى شيء، وصلاته تامة حتى يستيقن أن ذلك كان قد خرج قي حين ما وجده، وهذا صحيح في معنى الحكم.
ومعي أنه يخرج على معنى قول من يقول: إن عليه النظر والمس، فإذا لم ينظر أو لم يمس في وقت ما كان يجده، يخرج أو ينزل من إحليله، حتى أبصر بعد ذلك، فإذا هو خارج، فمعي أنه قيل: إن عليه فساد صلاته، إن كان في صلاة، حتى يعلم أنه إنما المخرج من بعد تمام صلاته، ولو أمكن ذلك لما قد تقدم من دخول ذلك عليه، ولو لم يكن وجد ذلك، فلما فرغ من صلاته نظر فإذا هو خارج منه، كمعنى المسألة الأولى، وعلى ذلك لم يكن (3/115)
صفحة 564
عندى -في القولين – عليه إعادة في صلاته، حتى يعلم أن ذلك خرج في صلاته، وذلك حتى يكون على يقين بالنظر أو باللمس، والا فلا حرج فيه، وصلاته على صحتها، وقد فرق صاحب هذا القول، الذي يقول فيه بالاحتياط بين وجوده لذلك في هذا المعنى، وبين حالة إذا لم يجد شيئا.
وفي ذلك عندي في معنى الاحتياط، وأما في معنى الحكم فسواء لأن ذلك يخرج من المعارضة من أمر الشيطان، مما يريد به اشتغال الإنسان مع ثبوت حكم طهارته، حتى يعلم في نجاستها وتمام صلاته حتى يعلم فسادها بما لا يشك فيه.
=
ومعي أنه إذا ثبت هذا القول في معنى حكم الاحتياط في معنى فساد الصلاة، ولو احتمل خروجه من بعد بمعنى وجوده، والفرق في ذلك بين أنه إذا وجد،، وبين إذا لم يجد عند الاحتمال، لحق ذلك عندي معنى الاختلاف في الثوب، إذا كان لا مخرج له من مماسته النجاسة، في حين ما وجد ذلك ولو لم يوجد حين الخروج مماسا لموضع مخرج النجاسة، الذي صار إليه البلل فسدت به الصلاة، فذلك عندي يخرج أنه لا مخرج لذلك الموضع من الثوب من مماسته النجاسة بمعنى ما فسدت به الصلاة، لأنه لا فرق في ذلك عندي، وإذا ثبت ذلك القول على الثوب فلم يوجد فيه موضع النجاسة، خرج في الاحتياط على غسل ما دخل عليه الإشكال إلى ما يرتاب فيه بمعنى الاحتياط كما وجب ذلك في الصلاة ذلك لأنه مطلوب منه شرعا التحرز والتوقي من النجس وهذا القول مبني على أن يقدم الأغلب من أمره، فإن كان أغلب أحواله يجد شيئا، فوجب النظر للتأكد وإن لم يكن غالب أحواله كذلك أي أنه لا يجد شيئا فلا عليه، وما صح على الأصول فهو عندي أقوى وأولى والاحتياط يكون عند الاختيار.
ومعي أنه إذا كانت به رطوبة طاهرة ثم وجد رطوبة أخرى، ولم يعلم (3/116)
صفحة 565
ما هي، بل يشك أنها خرجت منه، فحكمها عندي أنها على الطهارة حتى يعلم أنها نجسة، لأن الحكم يوجب عليه ذلك، ووجهه ليقوى بذلك على الشيطان، ويعجبني ذلك لمن كان يعرف نفسه بالشك والوسواس. ودليلهم على استحباب ذلك ما ورد في الأثر بهذا الحكم.
ومعي أن بعض من قال بفساد الصلاة بثوب دخل عليه الإشكال إلى ما يرتاب فيه، لا يوجب في الثوب في مثل هذه الحالة فسادا حتى يعلم أنه مسه شيء من النجاسة إذا احتمل ذلك، وإذا ثبت عنده الفرق في هذا لزمه عندي في الصلاة كذلك كما يلزمه في الثوب إلا أن يخرج هنالك نظرة في الفرق بين ذلك عند المشاهدة.
2
ويعجبني معنى الحكم في هذا ما لم يقع هنالك مما يشبه اليقين بذلك، ويصير المبتلى بذلك إلى معنى وحكم مدافعة اليقين، وكذلك عندي يخرج في مثل هذا إذا وجد شبه طعم الدم في فيه، أو عرفه في أنفه، وأشبه هذا أيضا خروج الريح من دبره، أو بمعنى سواك كان يستاك به أو غيره ولم يستيقن.
وكذلك عندي أن هذا يشبه ما خرج من الدبر أو من قبل الرجل أو المرأة، فكل ذلك معي سواء، وهو عندي يخرج فيه معنى القولين، والأخذ بمعنى الحكم أقوى عندي في معارضة الشيطان، والآخذ بالاحتياط ما لا يخف في ذلك دخول الشك والوسواس عليه، إلى ما يخرجه من معنى الحكم والاحتياط، ألا بأس به لأنه أحوط، ولكنه ربما كان من ترك الحكم وطلب المبالغة في الخروج من مثل هذا، تولد عنده في نفسه الشك والوسواس الذي يخرج صاحب ذلك، إلى معاني مفارقة الحكم والاحتياط، من ترك الفرائض في وقتها، وترك حضور الجماعات فضلا عن المشقة والحرج، فيما لو تتبع ذلك في كل مرة، حتى تكونت عنده عادة عرف بها، وعندي أنه في هذه الحالة، وحتى يقطع الشك عن نفسه فإنه يتبع الحكم، الذي يبني على أساس اليقين (3/117)
صفحة 566
واستبعاد معارضة الشيطان، لأنه لو أطاع هذه الوساوس لضاع عليه حضور الجماعات مع أهلها، وفاته مع ذلك لذة ما أدرك غيره ممن التزم الحكم وأخذ بالأحكام واستقام عليه، وعندي أن ترك الحكم إلى الاحتياط فيه تضييق، يقينا على ذلك، سواء كان ذلك في ليل أو كان في نهار، فيخرج عندي كل ذلك على معنى الحكم في جميع ذلك أنه على طهارته، لأن الأصل في الأحكام أن الأشياء على طهارتها ما لم يثبت بالنظر غير ذلك، وعلى ذلك فإنه على معنى حكم الطهارة، من وضوء أو غيره، حتى يصح معه من ذلك ما لا يشك فيه، وليس عليه إذا أحس من ذلك معارضة الشيطان بمثل ذلك، ولم يستيقن على شيء أن يشغل نفسه في ذلك، بنظر ولا مس، وأحب أن يمضي على ما هو عليه حتى يستيقن.
وعلى معنى قول من يقول في ذلك، باستعمال الاحتياط أن يطلب لنفسه الخروج من ذلك بحسب ما يرجو، حتى يخرج من معارضة الشيطان بما استيقن على البراءة منها.
فإن استعمل مستعمل معاني الاحتياط في مواضع ما ترجى فيه الفسحة، في مواضع الاختيار، فليس ذلك بضار، أن يستعمل الاحتياط عند الاختيار، ما لم يخف تولد المضار، التي من أكثرها ضررا ترك الفرائض أو تأخيرها عن وقتها وترك حضور الجماعات، والحكم عند الاضطرار وخوف تولد الأضرار، فمن نال الحكم فقد أدرك حكم الأصول ومن أخذ بحكم الأصول، واستقام عليها كاد أن يقدر به على أداء كثير من أموره إن شاء الله - تعالى -، ولأن يسر الدين يعطيه الحق في إدراك حكم الأصول، توسعة ومساعدة على أداء ما افترضه الله عليه، والله الموفق للصواب.
وأما الذي يجد الرطوبة والبلل في ثوبه، ويستيقن أن شيئا خرج منه، وأن البلل الذي وجده في مثل هذه المواطن، وقد كان ثمة بلل من وضوء (3/118)
صفحة 567
سابق، أو من غسل، أو من أي وجه من الوجوه من تلك الطهارة، فاحتمل أن يكون ذلك البلل الذي وجده، أن يكون حادثا من شيء من النجاسات، سواء كان من قبل أو دبر، واحتمل كذلك أن يكون من ذلك البلل المتقدم، ففي معنى الحكم أنه على الطهارة، حتى يستيقن ويعلم بما لا شك فيه أنه قد حدث له ذلك الوقت من غير الطهارة المتقدمة، أو حتى يستيقن أن تلك الرطوبة تصير طاهرة إلى حال لا يمكن ثبوتها إلى ذلك الوقت، فإن لم يمكن ثبوت تلك الرطوبة، أنها على الطهارة بأي وجه من الوجوه، ووجد بما لا شك فيه، أن الرطوبة فيه خارجة من مواضع مخارج النجاسات، فحكمها في هذه الحالة النجاسة، ما لم يحتمل أن يخرج من مواضع هذه المخارج، طهارة بأي وجه من الوجوه، من الرطوبة التي قد تكون خارجة من شيء مخرجه من موضع الطهارة، فإذا احتمل ذلك، فالطهارة أولى به في معنى الحكم، جريا على اتباع الحكم أن الأصل الطهارة، ما لم يدخل عليه من الإشكال في معنى ذلك ما يخرجه من معنى الاطمئنان أن ذلك من الرطوبة التي تأتي بطبيعتها من الطهارات، لأنها الأصل والنجاسات عارضة.
ومعي أنه قد قيل في المرأة، إن الخارج من البكر من ماء أو قيح أو نحوه من الطهارات، فمعي أنه يحكم بنجاسته لمروره على محل تخرج منه نجاسات.
وأما الخارج من قبل المرأة الثيب، فإن كان ذلك الخارج قد خرج من موضع تناله الطهارة، فعندي أنه يحكم له بالطهارة، لأنه داخل فرج الثيب الذي يناله الغسل، ولأنه في حكم الجارحة الظاهرة من الجسد، لثبوت تطهير ذلك كله.
فلو خرج من فرجها بعد الغسل ماء واحتمل أن يكون من الماء الطاهر، فعندي أن حكمه طاهر، ما لم يظهر أنه أصاب موضعا لا تناله طهارة.
ومعي أنه قد قيل: إن الماء الذي يخرج من فرج المرأة الثيب، سواء كان ذلك بعد وضوئها، أو كان بعد غسلها من جنابة أو غسلها من حيض، (3/119)
صفحة 568
فعندي أنه إذا ظهر لها أن ذلك الماء الخارج، هو من الماء الطاهر الذي يدخل في فرجها عند التطهر، فيخرج ذلك الماء منها، وهي لا تعرفه، فقد اختلفت أقوالهم في ذلك:
ففي بعض ما قيل: إن هذا الماء وان كان طاهر الأصل، حين كانت تتطهر به فدخل الفرج وهو طاهر، فإنه قد يكون مختلطا مع مخرج النجاسة، وعلى ذلك فهو نجس، ما لم نستيقن أنه كان من الماء الباقي من الماء الطاهر.
وفي بعض القول: إن ما احتمل أن يكون ذلك الماء باقيا من الماء الطاهر، فهو على هذا المعنى طاهر، حتى يخرج متغيرا، وعندي أن أصحاب هذا القول اعتبروا فيه حال التغير بالمكث، لأنه في الغالب لا يخرج متغيرا إلا إذا كان قد غيره شيء من غير جنسه، والغالب أن هذا الشيء الذي غيره، نتج عما في الموضع النجس، فثبت بذلك له حكم النجاسة، بسبب ما دخل عليه من نجس غيره.
وعلى هذا القول فإن هذا الماء لا يخرج عن حال الماء الطاهر، أولا يمكن أن يكون من الماء الطاهر، المحتقن في الفرج من حيث تبلغ الطهارة من ذلك الوضوء، الذي قد توضأت فيه وتطهرت به.
وهذان القولان عندي كل واحد منهما يشبه عندي معنى أصل في الحكم، فقول من قال بنجاسته لمخرجه من مرض مجرى النجاسة، وهو حكم مبنى على الأغلب من أحوال الخارج من ذلك الموضع فإنه مجرى النجس، وأن حكم الخارج من النجاسة نجس في الحكم، أما قول من قال بطهارته، حتى يصح ما يفسد هذا الماء الطاهر، ويتأكد من بعض أوجه اليقين، ويخرج هذا القول عندي إذا كان خروج هذا الماء على أثر طهارة منها، قد غسلت فيها الفرج، وطهرت الموضع في أي وجه من وجوه الطهارة في وضوء أو غسل من جنابة أو غسل من حيض، فإذا كانت طهرت الموضع (3/120)
صفحة 569
على هذا في داخل الفرج، فإن هذا الماء طاهر.
وأما على غير ذلك من الاستنجاء، كمثل أنها تستنجي من غائط أو بول، ولا تدخل يدها في الفرج لطهارته في ذلك الوضوء لمعنى، ثم خرج منها هذا الماء، فهذا عندي أقرب أن يثبت فيه معنى النجاسة على حال، حتى تعلم أنه طاهر، قد دخل من ذلك الاستنجاء من ماء طاهر.
ومعي أنه قد قيل: لو أن رجلا أدخل يده في فرج زوجته وهي ثيب، فمسته رطوبة من الموضع، فإنه إذا كان إنما أدخل يده في موضع ما تناله الطهارة من الجماع والحيض المحكوم عليه بأنه قد طهر، مما قد لزمه حكمه من النجاسة، فإن يده طاهرة من تلك الوطوبة حتى يعلم أنها نجسة، أو حتى يعلم أن نجاسة تلك الرطوبة بمعنى ما لا يكون رطوبة الطهارة من السخونة واللين، اللذان يدلان على أن ذلك إنما هو من النجاسة، فإذا ثبت هذا المعنى، فلا يخرج عندي إلا على معنى الاختلاف، وأنه يخرج على معنى حكمه، أنه مخرج من مجرى النجاسة، وأنه نجس لما مس من هنالك، وذلك فيما عدا موضع الحماع من والج الفرج، فإن حكمه على اعتبار أنه نجس.
فإذا ثبت معنى الاختلاف في هذا، في هذه الرطوبة، وفيما مس منها الزوج، لم يبعد عندي تساوي ذلك فيما يخرج من الماء لتشابه ما يحدث من مس الوجل، باحتمال أن يكون ذلك الماء ماء طاهرا، أخذته فأدخلته حين استنجت من الماء الطاهر، ثم بقي هنالك حتى خرج، وذلك عندي يشبه معنى الاختلاف على حال على هذا الوجه.
ومعي أنه قياسا على ما مضى بيانه، من أن الموضع الذي يدخل فيه الماء الطاهر، يتأثر فيه بحكم الموضع، فعندي أنه لو خرج مثل هذا الماء من المكان الذي كان فيه، كان في معنى الحكم، فإن ذلك الماء نجس، (3/121)
صفحة 570
ولا يخرج له عندي معنى طهارة على أي وجه يكون، لأنه لو خرج من مجرى النجاسة الذي لا يبلغ إليه حكم طهارة في الحكم، وهو في الحكم نجس، لأنه يخرج في معاني الاعتبار في هذا الماء، أنه لو كان دخل من الماء الطاهر، واحتمل أن ينشفه، كان دخوله إلى موضع مجرى النجاسة التي لا يمكن أن تبلغها الطهارة في الاعتبار، ولا تبلغها الطهارة في الحكم، فهي خارجة بمعنى النجاسة عندي، سواء كان مصدر هذا الماء داخلا من الماء الطاهر، أو كان خارجا من الرحم، فهو على الحالين والوجهين، بحكم النجاسة عندي، ولا يبين لي فيه أي موضع اختلاف، لأنه بالمكث في موضع النجاسة -وإن كان طاهرا قبل دخول الفرج - فإنه في الغالب الأعم يتغير، وتغيره إنما تم لما اختلط به من أشياء من غير جنسه، من داخل الرحم، ولما كان أغلب ما في هذا الموضع فيه حكم النجاسة، فعلى ذلك يثبت له حكم النجاسة عندي.
وإذا ثبت معنى هذا الماء وهذه الرطوبة من فرج الثيب، أنها طاهرة بمعنى الطهارة، إذ هي طاهرة بطهارة الموضع الخارجة منه، فلو ثبت على هذا خروج شيء من الطهارات، من موضع الطهارة، كأن يكون قرحة قد تكون في الرحم، حيث تدرك طهارته، فلو خرج من الفرج قيح أو يبس، أو ما لا يكون حكمه نجسا أن لو خرج من فرجه خارجا في البدن، لكان هذا عندي من هذه القرحة، ومن هذا يخرج طاهرا ما لم يعلم أنه مسه شيء من النجاسة، أو جاء من موضع النجاسة، من حيث لا تبلغه الطهارة، ولا يشبه هذا عندي إذا صح أنه قيح أو يبس، من هذه القرحة التي في موضع الطهارة، معنى خروج الماء، لأن الماء يحتمل أن يكون من الماء الطاهر، ويحتمل أن يكون خارجا من الماء النجس، الذي قد يكون داخل الرحم، لأنه قد يخرج من المرأة الماء النجس، سواء كان هذا الماء النجس صافيا، أو كان من الماء الأكدر، ولا يكون خروج هذا الماء في الاعتبار، فيما جاءت به معاني الأخبار، من حيث تناله الطهارة.
3
وقد يأتي الماء من الرحم لعدة (3/122)
صفحة 571
أسباب فمنه ما يأتي من موضع الولد، ومنه ما يأتي من والج الرحم، وهنالك لا تناله الطهارة.
وعلى ذلك فإنه عندي إذا كانت القرحة التي قد يخرج منها الماء، إذا ثبت أنها قرحة في موضع الطهارة، وأن خروجه كان من قرحة إلى موضع الطهارة، فإنما يخرج عندي معناها كأنها في ظاهر البدن إذا صح طهارة الرحم بمعنى هذا، ولا بد أن يكون موضع الجماع من والج الرحم حيث تدرك الطهارة من الثيب، وهو عندي بمنزلة جوارح البدن الذي تثبت فيه الطهارة، وعليه فيكون حكمه الطهارة إذا طهر حتى يعلم نجاسته في الحدوث شيئا، مما ينجسه فيه.
أو قد يكون من دواخل البدن الذي لا تصح له طهارة، ولا تلزم فيه طهارة، ولو طهر لم يكن بمعنى تطهيره طاهرا، إذا كان حكمه من دواخل البدن، ويكون ما خرج منه من أي وجه نجسا على كل حال، وهو على هذا الوضع بمنزلة الدبر، الذي ليس عليه طهارة، وحكم ما جاء منه مما عدا الحلقة نجس.
وإذا صح على ذلك أنه قيح، أو أنه يبس من قرح، موضعه في داخل الفرج، وقد استيقن على ذلك الخارج منه والمبتلى به، ومعي أنه يخرج معاني الاختلاف، في غسل داخل فرج الثيب عليها:
ففي بعض القول: إن على الثيب أن تغسل الفرج وتبالغ في غسله على الصورة التي تستيقن منها أنه تأكدت الطهارة، ما لم يضر ويؤذي موضع الولد، أو موضع الحيض، أو موضح الجنابة، وفي كل غسل لزمها معناه كغسلها من الجنابة، أو غسلها من الحيض، أو غسلها من النفاس، فتقوم بذلك الغسل بمنزلة غسلها كسائر بدنها.
ومعي أنه في بعض القول: إنه إنما عليها أن تنجي الفرج من الجماع، إذا حدث أن نزل الماء في فرجها، وليس عليها ذلك في الحيض، ويخرج معنى هذا القول أنه ليس عليها ذلك أيضا في الغسل، من الوطء أو من الحيض أو غيره، إذا لم ينزل فيها الماء الدافق ولا من مائها هي، إذا كان (3/123)
صفحة 572
ليس عليها ذلك في الحيض، فمعنى إنزالها الماء منها هي بمنزلة الحيض، لا فرق في ذلك عندي بينهما، في ثبوت الغسل من الحيض ونجاسته، بل قد خرج في بعض المعاني، لأن الحيض أشد على قول من يقول: إنها إذا أنزلت الماء الدافق من غير الجماع، أنه لا غسل عليها مثل الاحتلام وأشباهه، فإذا كان لا غسل منه، والغسل ثابت من الحيض والاستنجاء عليها، بإدخال يدها في الفرج من الحيض، فمما لا يلزمها فيه الغسل أحرى، أن لا يكون عليها ذلك، وصاحب هذا القول لا يستقيم له عندي، أن يلزمها ذلك في الجماع، مع الإنزال فيها، ولا يلزمها ذلك في الحيض، وكل الموضع واحد، وجميع هذه الأشياء من مخرج واحد، وقد ثبت نجاسته إن كان بمعنى النجاسة وقد ثبت غسله إذا كان بمعنى الغسل، لأنه نجس من الوجهين جميعا، فإن كان من معنى النجاسة فهو سواء، وإن كان من معنى الغسل فهو سواء، لأنه عندي يستوجب ذلك معي أنه يجب عليها الغسل من الجماع قي أي وجه من الوجوه، سواء أنزلت الماء الدافق من الجماع أو من الأحلام وأشباهها، كما أنه يجب عليها الغسل في الحيض أو النفساء، كما أنه يجب عليها التطهر في الاستنجاء.
ومعي، أنه قد قيل: لا غسل عليها في الفرج من حيض ولا جنابة، ولعل صاحب هذا القول يذهب إلى أنه من دواخل البدن، وهي غير متعبدة بغسله، فهو لا يوضع في الحكم موضع الدبر، فهو ليس بمنزلة الدبر، ولا يبعد ذلك عندي لمعاني الاتفاق، لا غسل عليها في حيض ولا استحاضة، إذا لم يفض الدم في خارج الفرج، لأن الفرج في الداخل إنما كان مكمنا في الرحم في والج الفرج، ولا أعلم في هذا الفصل اختلافا.
وكذلك عندي لا غسل عليها في الجماع إذا لم تغب الحشفة فيها، لأن ذلك هو موجب الغسل، وكذلك قيل: لا غسل عليها ولو وجدت الشهوة، ما لم تنزل، الماء الدافق ظاهرا على الفرج، وفي المعنى أنه لو كان قد خرج من (3/124)
صفحة 573
بموضع الجماع، ولم يظهر خارج الفرج، فإنه على ذلك لم يكن عليها غسل، على قول من يقول: يلزمها الغسل في الاحتلام، فما لم يفض خارجا فلا يوجب عليها الغسل به، كما لا يوجب عليها الغسل من الحيض بمثله، إذا لم يفض الدم ويخرج، وكل هذه معي أحكام متساوية، ولو كان الموضع خارجا من البدن، للزوم حكمه في هذه الأشياء كلها، ولم تختلف معانيها فيه ومنه، ولو كانت الدواخل من البدن يلزم غسلها ما أدرك منها، لكان الدم يلزم غسله، لأنه قد يدرك إدخال اليد فيه بغير مضرة.
ولا يخرج معي في هذا كله إلا أحد معنيين:
إما أن يكون على المرأة عسل داخل الفرج من كل نجاسة، ومن كل غسل لازم، في معنى الحكم، كالغسل اللازم من الجنابة، والغسل اللازم من النفاس، والغسل اللازم من الحيض، وغير ذلك من لوازم الغسل، ويكون، معنى ذلك كله معنى حكم الظاهر من بدنها، فيقع على فرج المرأة ما يقع على سائر البدن من أحكام، ويلزمه ما يلزم سائر الحسد.
وإما أن يكون لا غسل غليها فيه، في أي شيء من معنى النجاسة، على أي وجه من الوجوه يتنجس بها، أو بغسل يلزمها لأي سبب من أسباب ولوازم الغسل من الجنابة والنفاس والحيض، ومعنى ثبوت غسله أحب إلي، ويخرج عندي على معنى الاحتياط، لا على معنى الحكم.
ويخرج معنى الحكم عندى في أشباه المعاني أنه لا غسل عليها فيه بمنزلة القبل والدبر، ولو أمكنها إدخال يدها فيه، لأنه لا شك أنه من دواخل بدنها، وهما الفرجان - القبل والدبر- مستويان في الاسم، وفي المعنى، وفى الظاهر والباطن، وكذلك في المدخل والمخرج، وكلاهما يجب بهما الجماع في الغسل، وكلاهما يجب بهما الحد عند الجماع، وكذلك كلاهما ينتقض الوضوء بما يخرج منها. (3/125)
صفحة 574
وإذا ثبت أن فرج المرأة من دواخل بدنها، كان كل ما مكث فيه واستكن، ولم يفض من موضع الجماع خارجا، سواء كان ذلك دم حيض أو نفاس، أو كان دما أصفر عن استحاضة، أو كدرة عن مرض، أو ماء جماع أو احتلام أو غيره، فليس كل هذا حدث مما ينقض الطهارة، بمعنى الاتفاق أنه لا يكون حيضا ولا استحاضة، ولا شيئا مما ذكر، على أي وجه من الوجوه إلا بخروج الدم من الفرج خارجا.
وهذا القول عندي أشبه بمعاني الأصول في هذا الوجه، لتساوي هذه المعاني فيه واتفاقها، وإذا ثبت معنى هذا كان موضع نجاسة، ولو ظهر وكان كل ما خرج منه، وظهر في خارج الفرج فهو نجس ناقض للطهارة، من ماء أو صفرة أو كدرة، ولا يكون ناقضا للطهارة ما لم يظهر، لأنه عند عدم ظهوره فهو مستكن في داخل الفرج، وهو بعض ما فيه كالدبر وغيره من بقية أجزاء الجسم.
وكذلك يكون نجسا ما خرج من فرج المرأة من قيح أو يبس، لو صح أنه إنما هو حيث تبالغ الطهارة، وإنما يخرج ما ذكرنا من تلك المعاني كلها على قول من يثبت عليها غسله، لأنه لا يستقيم أنه في معنى الحكم أن يثبت عليها غسله بموجب من لوازم الغسل، كغسل الجنابة أو غسل الحيض، أو النفاس أو غير ذلك مما يجب عليها غسله فيه، وهو نجس فيكون ذلك عبثا من القول، ولا يجوز أن يكون في الفقه عبث، بل لا يثبت عليها غسله إلا لمعنى أنه يطهر، وأنه موضع طهارة، وإذا ثبت غسله فإنه موضع طهارة، فلا يفسد ما كان فيه إلا ما صح أنه من النجاسة، وما كان من النجاسة الأصلية مما تكون نجاسته من الفرج وغيره، فافهم هذه المعاني إن شاء الله، ولا أعلم اختلافا يوجب في البكر ما خرج منها من ماء أو غيره، ولو صح أنه كان مما دخل من الماء الطاهر، إلا أنه نجس ما خرج من والج الفرج إلى خارجه. (3/126)
صفحة 575
كذلك عندي لو ثبت معنى يصح أنه دخل في الدبر ماء طاهر، أو دخل في الذكر، يتعدى موضع الطهارة ثم خرج، كان نجسا، لا يبين لي في ذللك اختلاف، لأنه موضع النجاسة وموضع مما لا تبلغ إليه الطهارة.
وكذلك قيل: ما خرج من دواخل الدبر من قيح أو يبس أو ماء، ولو استيقن أنه ليس من معنى الغائط، ولامن الجوف من مواضع الطعام ولا الشراب، ولو أدرك ذلك باليد وطهر موضعه لكان عندي سواء، لا ينقله حكم ما يثبت عليه.
وكذلك على هذا القول إن طهرت بالماء داخل فرجها كان موضع نجاسة على حال، وكان ما يخرج منه نجسا، ولو صح أنه من الطهارة، لأنه موضع نجاسة من دواخل الفرج من البدن، لمعاني ما مضى ذكره من أحكامه، أنه داخل ليس بخارج، فينظر في معاني ما قلنا من هذا كله، ويعمل بحسب صوابه، ويدع باطله ومشكله إن شاء الله تعالى.
وأما تعمد المتوضىء أو الغاسل إلى النضح بالماء، ثم من مواضع المخارج من النجاسة وما يليها من ثوبه وبدنه، فمعي أنه قد قيل عن بعض أهل العلم، إنه كان يفعل ذلك ويأمر به، والمعنى في ذلك ليقوى به على الشيطان عند معارضته ما توهمه، أنه يخرج منه من النجاسة، وتوجد كالرطوبه فتكون هذه الرطوبة التي قدمها، مما تدفع عنه الشك ويترك ما يجد من الرطوبة هنالك، حتى يعتبر أن تلك الرطوبة طاهرة، ولو وجد الرطوبة حتى يعلم أنه خرج منه رطوبة مما تفسد عليه.
ومعي أن نعضا لا يأمر بذلك بالقصد إلى هذا، خوفا من أن تكون نجاسته صحيحة، فيدعها لتلك الرطوبة التي قصد إليها، ويخرج هذا القول عندي على معنى الاحتياط، والأول على معنى الحكم، والاحتياط على معنى ثبوت الحكم، ويعجبني ذلك، لمن كان يعرف نفسه بالشك ووسواس الشيطان ومعارضاته، فيفعل ذلك معارضة له، ويعجبني ترك ذلك لمن
-- (3/127)
صفحة 576
لا يعرف نفسه بالشكوك، وان فعل ذلك على حال، فهو وجه على ما يقوى على أمر الشيطان، وما صح على معاني الأصول وما يشبهها، فهو عندي أقوى، والميل إليه آكد وأولى، في معنى الإلزام ومعنى الاحتياط، ويكون على معنى الاختيار.
وأما الأحتشاء فمعي أنه قد قيل فيه مجملا من القول: إنه لو احتشى بعد أن يبول، ثم استنجى ولم يخرج الاحتشاء، فإن له ذلك.
ومعي أنه قيل: ليس له ذلك حتى يستنجى، فإذا استنجى احتشى، لأنه إذا احتشى قبل أن يستنجى كان الاحتشاء أو شيء منه يبلغ إلى موضع ما تناله الطهارة، فيحول بينه وبين الطهارة، ولا يجوز ذلك، بون كان مما هو حيث لا تناله الطهارة، كان له ذلك قبل الاستنجاء وبعد الاستنجاء، فإن كان في موضع يمنع الطهارة، من حيث تبالغ الطهارة وتجب، فحال بين ذلك وبين الطهارة، خرج معنى ذلك عندي على من يقول بمنعه قبل الاستنجاء، إلا أن يخرجه إذا أراد الاستنجاء.
وان كان الاحتشاء كله لا يجوز بين شيء من موضع الطهارة وبين الغسل، فليس عليه إخراجه بمعنى الحكم، ولو كان يعلم أنه قد تنجس، وكان يقدر على إخراجه، لأنه لا مانع يوجب منعه، وليس هو في موضع ما يجب فيه التعمد بالطهارة.
وإذا كان الأمر كذلك، كان بمنزلة مجرى البول في معنى الحكم، إذ لا يمنع النجاسة، وإذ لا تبلغه الطهارة وغير متعمد لغسله، ولا متعبد بطهارته، و إذا كان إنما يجعله لمعنى ما يمتنع به عن النجاسة بأمر طهارته وطهارة ثيابه.
ومعي أنه يخرج في بعض معنى ما قيل: إنه إذا كان الاحتشاء في موضع يقدر على إخراجه، وقد علم أنه تنجس وأنه نجس، فعليه إخراجه في (3/128)
صفحة 577
هذا الحال، لأنه يتوجب عليه إزالة النجاسة كلها مما يقدر عليه بلا معنى مضرة، كما أن عليه أن يستبرىء مما هو غير خارج من البول حتى يخرجه، وعليه الاستبراء مما هو غير خارج من المني من البول حتى يخرجه، كذلك في معنى الحكم عليه أن يخرج هذه النجاسة التي يقدر على إخراجها بغير مضرة، لأنها على أي وجه من الوجوه بمنزلة الطاهر من بدنه، وكما يثبت عليه هذه المعاني في الطهارة في بدنه، تثبت عليه هذه المعاني في الطهارة في ذلك، فأما إذا كان لا يقدر على إخراجه إلا بالبول، فلا أعلم أنه قيل أن عليه أن يبول حتى يخرج الاحتشاء، وإنما يخرج ذلك عندي إن كان عليه إخراجه، في حالة ما إذا تنجس، وكان قادرا على إخراجه بالمعالجة من ظاهره، وإذا ثبت أن عليه إخراجه إن قدر عليه إذا تنجس، لم يخرج ذلك عندي من ثبوته عليه أن يخرجه بالبول، كما أنه قد ثبت عليه فيما عليه إخراجه بمعنى ما لزمه إخراجه من المني والبول، ولا فرق في ذلك، ولما إن لم يكن هذا الاحتشاء في موضع الطهارة، ولم يكن يحول بين شيء وبين ما تجب طهارته، ولم يكن له معنى ما يمنع الاحتشاء أنه كان معنى ذلك أنه شيء، كمجيء مجرى البول في موضعه، إذ هو نجس من داخل بدنه، وليس عليه إخراج الدواخل في بدنه بمعالجة، إذا لم يكن في موضع ما تجب طهارته وتدرك، وإذا كان هكذا فإذا كان قد احتشى على طهارة لم ينجس الاحتشاء بعد ذلك.
فمعي أنه في بعض القول على قول من يقول إن عليه إخراجه، وكان لو أخرجه بغير معنى البول الذي ينقض طهارته، فلم يخرجه وصلى، كان كأنه قد صلى بنجاسة فيه ما ينقض طهارته.
ويخرج هذا عندي على هذا القول إذا ثبت معناه، أنه سواء تنجست القطنة من داخل أو من خارج.
وفي بعض القول: إنه ليس عليه ولو علم بنجاستها من داخل ولم تظهر الرطوبة على خارجها أن ما ظهر منها ستر لما بطن، وليس عليه إخراجها، ولا تفسد عليه إذا كانت في غير موضع الطهارة، لأن نقض الطهارة إنما يقع
- (3/129)
صفحة 578
بما طهر على الذكر، ومعي أن المعنى كله سواء، إن كان عليه إخراجها في موضع نجاستها، فسواء تنجست كلها أو بعضها، قدر على إخراجها من ظاهر أو باطن، ببول أو بغيره، لأن هذا معنى الحكم بما يجب إخراجه، بأن يحتال عليه بكل ما يقدر عليه، وما لا يجب إخراجه فلا يجب إخراجه بوجه قدر عليه أولم يقدر، وليس كل ما حط الله عنه كل ما يقدر عليه، لزمه العمل به على معنى الوجوب، ولو كان فيه معنى فضل في معنى الحكم، إلا على معنى الفضيلة، ما لم تشغل الفضيلة عن لازم أو عما هو أفضل منها، ولا معنى يوجب عندي إخراج الاحشاء، سواء كان قبل الاستنجاء أو بعد الاستنجاء، فتنجس ما لم يبلغ إلى موضع الطهارة، فيحول بينها وبين الطهارة أو شيء منها، ولو قدر على إخراجه، ما لم تضر النجاسة إلى موضع ما ينقض الطهارة إن كانت رطبة، وإن كانت يابسة وجب إخراجها على حال، لأنها قد صارت في موضع من ظاهر بدنه، ولا يجوز للمصلي أن يصلي وفي شيء من ظواهر بدنه نجاسة، سواء كانت رطبة أو يابسة، إلا من عذر أو لمعنى.
وليس ما يقدر عليه المحتشي من إخراج الاحتشاء بمعالجة إذا لم ينله بطهارة عندي في معنى إخراج النجاسة منه بمنزلة الثيب، وإدخال يدها لغسل والج فرجها، لأن الثيب تقدر على طهارة ذلك بيدها أو بالماء، وهذا لا يقدر على طهارة ذلك بالماء في موضعه، فمعي أن هذا في الحكم يختلف معناه عن حكم معنى الثيب.
ومعي أنه لو بلغ الاحتشاء إلى موضع الطهارة، متنجسا نجاسة رطبة نقض ذلك الطهارة، و اذا كان قد تنجس ذلك مما يخرج من رطوبة بتغير بول أو مذي أو ودي أو مني، وعليه الاستنجاء لغسل ما مس من موضع الطهارة، وغسل ما ظهر من الاحتشاء ونالته الطهارة، فليس له عندي إخراجه بمعنى الاتفاق، ولو كان ما بقي منه نجسا، لأنه لا يمكنه غسله ولا يصل إليه، وليس عليه لزوم في إخراج ما لم يمكنه غسله، وليس عليه إخراج ما أمكنه غسله، فإنما يجب عليه غسل ما يمكنه غسله، وما بلغ إلى غسله من خارج منه (3/130)
صفحة 579
أو داخل فيه، مما جعله هو، أو مما خرج منه إلى أن يجعله طاهرا، أو مما جعله فيه غير، فعليه في هذه الحالة غسل ما أمكنه غسله، من ذوات النجاسة أو من المتنجسات من ذوات الطهارة، وليس عليه إخراج ذلك إذا أمكن طهارته، و إذا لم يقدر على طهارة شيء من ذلك، ولو كان شيئا واحدا، فإنما عليه غسل ما قدر على غسله منه، وليس عليه إخراجه، ولو كان عليه إخراجه إذا قدر على إخراجه، إذا لم يبلغ إلى غسله أو غسل ما هنالك إذا قدر عليه، وليس عليه ذلك بمعنى الاتفاق، وإنما عليه غسل ما ظهر ولو كان يناله بيده، ويشهد العقل أنه متصل بما ظهر، وهذا مما لا يجب ولا يحسن وجوبه ولا لزومه، كذلك إنما عليه عندي غسل ما أدرك غسله، كان كله أو كان شيء منه فقط، ولا فرق في ذلك عندي، سواء كان الشيء نجسا فغسل منه ما قدر عليه، أو قدر على غسله كله، وما لم يقدر على غسله فلا غسل عليه له، سواء كان كله أو بعضه، وليس وجوب غسل بعضه يوجب غسله كله، ولا يوجب إخراج ما لم يقدر على غسله، وإن كان الاحتشاء قد بلغ إلى موضع الطهارة وهو يابس، بعد أن تنجس بما قد خرج فيه من النجاسات، فليس عليه عندي نقض الوضوء لخروج ما خرج من الإحليل، إلى موضع الاحتشاء فنجسه إذا خرج الاحتشاء بعد ما يبس، وجف منه ذلك بقدر ما لا يرطب سمة الذكر، من حيث تجب الطهارة فيه، فإن شاء أخرج الاحتشاء اليابس النجس ولا غسل عليه في
الإحليل، وليس عليه استنجاء ولا انتقضت طهارته، و ان شاء وأمكنه غسل ما ظهر من الاحتشاء النجس، دون ما لم يظهر، إن أمكنه أن يغسله بغير أن يمس ذكره في ماء جار أو ما يشبهه مما يتنجس، ولا ينجس حتى يطهر.
وكذلك عندي إذا ثبت معنى فرج الثيب أنه لا غسل عليها فيه فاحتشت احتشاء لا يظهر إلى ظاهر الفرج، ليمسك عنها ما تخاف إفساده عليها من وضوئها أو ثيابها أو ظاهر يدها، فما لم يظهر ذلك إلى ظاهر الفرج الذي يجب (3/131)
صفحة 580
عليها غسله بمعنى الاتفاق، فهو في ذلك بمنزلة الاحتشاء من الذكر من الرجل، وإذا لم يجب عليها غسله في موضعه إذ لا يجب عليها غسل ما فيه من النجاسة، فلا يجب عليها إخراجه، ولو تنجس كله أو بعضه، ما لم تبلغ الى موضعه الطهارة من خارج الفرج، وإن بلغ منه شيء نجس يابس أو رطب خرج عندي مخرج الاحتشاء في الذكر، على نحو ما مضى من ذكر اليابس والرطب.
وأما البكر فلا يبين لي من أمرها إلا أنها في ذلك مثل احتشاء الرجل في ذكره، ولا يبين لي في ذلك اختلاف. (3/132)
صفحة 581
باب سؤر الأنعام وما أشبهها وأحكام ذلك
لا بأس بسؤر الخيل والإبل والبقر والحمير والغنم، من الماء وغيره وأرواثها، ولا نعلم أنه يفسد من ذلك إذا كانت حية، إلا بولها وقيؤها.
وقد رخص من رخص في قيئها، ودم المذبحة إذا ذبحت، وما في كرشها، وعرق الجمال والحمير الذي لا يحبس ولا يصان مفسد.
وأما ما يصان من الحمير فلا يفسد عرقه.
قال أبو الحواري: قد أجاز من أجاز قيأها ولم ير به بأسا، ولا في عرق الجمال ولا عرق الحمير.
وقد رخص من رخص في قيء البعير، أخبرني بذلك مبشر بن سعيد عن هاشم بن غيلان في قيء، فقال ماء وشجر. وقد رخص من رخص في الكرش، لا تفسد إلا الأمعاء.
وقيل: إن دسع البعير ودسع الشاة أنه يفسد ويعيد الوضوء.
وقال محمد بن المسبح: ليس الدسع بأشد من الخرق، ودسع البعير والجرة لا ينقض.
وقيل: وعرق الجمال والحمير التي لا تحبس ولا تصان مفسد.
وقد رخص من رخص في الجمال والشرر، الذي يطير من بولها ما لم يسبغ. (3/133)
صفحة 582
قال محمد بن المسبح: إن أبوال الإبل مفسدة إلا أن يجد كالبرودة فلا بأس بذلك، حتى يستيقن على شيء إذا مسحه بكفه خضب، لأنهم قالوا عن بشير: كل غالب شرار، لما روي عن الربيع ما رواه محمد بن محبوب في الخضب ما لم أره يتمسك بذلك.
وقال من قال: كل ذلك مفسد والقدم أي يرطبه كله.
وقال من قال: القدم أن يبين فيه الشرر.
وقيل: إنما ذلك في القوافل الواسعة التي لا يمتنع الناس منها في الطريق مثل طريق مكة، ونحو ذلك.
قال غيره: أما سؤر الدواب من الأنعام وما أشبهها من الأملاك وغير الأملاك من الأهلية والوحشية، والخيل والبغال والحمير وما أشبهها من مثل ذلك، من الأملاك وغير الأملاك من الأهلية والوحشية، فإن أسوارها ولعابها وما خرج من أفواهها ومناخرها وصدورها، وجميع ما خرج من رطوباتها من مثل هذا أو شبهه، فمعي أنه خارج في معاني الاتفاق أنه طاهر هذا كله منها، ولا يبين لي في ذلك اختلاف، ولا أعلمه من قول أصحابنا ولا من قول قومنا، وأما ما خرج منها على وجه القيء من غير الأنعام من الخيل والفغال والحمير، وما أشبه ذلك من غير ذوات الجرة، وغير ذوات الكروش والفروث، فمعي أنه خارج معاني الاتفاق فيه، أن ذلك منه طاهر بمعنى سائر ما يخرج منها، من أفواهها ومناخرها ولا يبين لي في ذلك اختلاف في أقوال أصحابنا، لأنهم لا يفسدون شيئا منها من أرواثها ولا مما في أمعائها، ولا جميع ما خرج منها من جوفها في حياتها إلا أبوالها، ولا من بعد ذكاتها من معاني ما في جوفها من أسباب غير دمها.
وأما ما كان من ذوات الجرة والأكراش والفروث من الأنعام (3/134)
صفحة 583
أو ما أشبهها، فيخرج في معاني أسباب قيئها وفرثها الاختلاف.
وكذلك جرتها وهي خارجة بمعنى الفرث من جوفها.
ومعي أنه إذا ثبت ذلك فقيؤها مما أشبه معاني فرثها وجرتها، وهو مثل بولها ولا فرق فيه عندي في المعنى والشبه سواء، فالذي يذهب إلى فساد فرثها يلزمه أن يفسد جرتها وقيأها، والذي لا يفسد فرثها يلزمه ويجوز له أن لا يفسد قيأها ولا جرتها، والذي يفسد أحدهما يلزمه فساد الجميع منها.
وأما فرثها فمعي أنه يختلف في نجاسته، وأحسب أن الذي يذهب إلى نجاسته يحتج بقول الله تعالى: (من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين).
فمعي أنه يقول: إن الفرث مثل الدم إذا كانا مشتبهين في هذا المعنى.
ومعي أنه من قول من قال بطهارة الفرث وما في الكرش يقول: إنما كان معنى قول الله -تبارك وتعالى-: (من بين فرث ودم)، شيئين مختلفين، كل واحد منهما لون، لأن ذات اللبن إنما قي محشاة دما في عروقها وفرثا في جوفها، واللبن إنما يخرج من بين ذلك، كلما كثر الفرث من البدن وأكثر الدم واجتلب اللبن، من بين شيئين مختلف لونهما، خرج لبن خاص مخالف لهما في اللون والطعم، وإنما ذلك مما يذكرهم الله من نعمه تبارك وتعالى.
ويلزم من قال بفساد الفرث أن يفسد الروث، لأنه منه ومخالط له ومتصل به، ومنتقل من حاله إليه، ويلزم في الاعتبار أن يكون ما خرج من الدبر من الروث أشد مما خرج من الفم، لأنه أبطأ في حال النجاسة وأعتق إن (3/135)
صفحة 584
كان نجسا، و إلا فلا معنى في انتقاله في حال إلى حال، أن يطهر به في حال الانتقال من هذا الوجه، وهذا المعنى لأنا وجدنا حال معاني الاتفاق يفضي على كل من أفسد فيه أفسد ما خرج منه من دبره، وأثبت في معاني الاتفاق في قول أصحابنا وقومنا مما يطول شرحه.
والأنعام معنا يشبه معاني أحكامها في قول أصحابنا أن جميع ما فيها في حياتها مما يخرج منها طاهر، إلا بولها ودمها، وكذلك بعد ذكاتها يشبه معاني ذلك فيها.
وأما في قول قومنا وفيما شاء الله منه، أنه يذهب إلى طهارة جميعها إلا الدم المسفوح منها في حياتها، وبعد ذكاتها من بولها وفرثها في جميع ما فيها.
وأما قول أصحابنا فيخرج على معاني الاتفاق أن أبوالها مفسدة ومعنا أنهم لا يتفقون إلا على صواب قد وفقهم الله له.
فأما ما يخرج في الاعتبار فإنا لم نجد شيئا من الدواب يفسد بولها، من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية إلا وأفسد روثها بمعاني الاتفاق من الجميع، وقد ثبت أن جميع ما في الأنعام في معاني قولهم، وإن اختلف أنه طاهر إلا الدم والبول.
تابع بقية الموضوع >>>>
5
وقد جاء تحريم الدم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ويخرج معاني إجماعهم اتفاق أن بول إلانسان وغائطه نجسان، وكذلك جميع الدواب النجس بولها في الاتفاق منجس روثها من السباع وأشباهها من الدواب المجمع عليها.
وقد قال الله - تبارك وتعالى - في الأنعام: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن الله بكم لرءوف رحيم). (3/136)
صفحة 585
ولا تكون المنافع مضارا، ولولا ما قد سبق من قول أصحابنا في اتفاق معاني قولهم على فساد بول الأنعام لأشبه أن تكون كلها في حياتها وبعد ذكاتها منافع، وطاهرة في معاني ثبوت طهارتها، في معاني الإجماع إلا بكتاب الله في جميعهما وهو الدم.
ومشبه ما اتفقوا عليه بالطهارة منها بإذنهما جميعا من غيرها ولم يجد من قولهم ما يشبه هذا في غيرها، وإنما وجدناهم يفسدون البول من موضع ما يفسدون الروث، ويفسدون الروث من موضع ما يفسدون البول، من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، إلا في هذه الدواب التي تكون في الرياح والبحر ذكية، فوجدناهم قد اتفقوا على التفريق بين أبوالها وأرواثها وأبعارها، فطهروا أبعارها وأرواثها، وأفسدوا أبوالها من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبهها.
وأما في القياس فقد يلزم أن يكون مثلا غيرها من الدواب من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية، من جميع ما يكون بالذبح تذكية، ما عدا المحرمات الأصلية كانت ذكية أو غير ذكية في شبه ما لحقها في اتفاقهم من فساد أبوالها وأرواثها سواء، كما لا فرق بينها وبين غيرها من الدواب بالاتفاق في فساد أبوالها وأرواثها، فتكون هذه كلها طاهرة.
ولكنا ندع القياس ونتبع معاني اتفاقهم على الانقياد في إثبات الدين رأيا ولا الرأي دينا، بوجه من الوجوه جهل ذلك، لأن ذلك ما لم يأذن الله به.
وأما عرق الدواب فمعي أنه يخرج على معنى الاتفاق من القول، وما لا يبين لي فيه اختلاف ولا شبهة، أن كل جسد من الأجساد من الدواب من البشر وغيرهم أن كل جسد عرقه تبع له في طهارة أو نجاسة، فإذا كان طاهرا فعرقه طاهر، وإذا كان نجسا فعرقه نجس، لأنه شيء من ذاته، حتى أنه قيل: عرق الحائض والجنب أنه طاهر، للاستدلال على حكم الاتفاق أنه يقضي لهذه الدواب التي يجتمع على طهارتها من الأنعام، وما أشبهها، من (3/137)
صفحة 586
الخيل والبغال وما أشبهها، أنها طاهرة بمعنى طهارة الإنسان ومشبهة للإنسان في كل شأن، في معاني الطهارة وأكثر، وزائدة على الإنسان في طهارة أرواثها وقيئها، وان خرج معنى الاختلاف في قيئها، فإنه لا يخرج معاني الاختلاف في قيء الإنسان، وثبت معاني الاتفاق أن طهارة جميع هذه الدواب إذا تنجست بشيء من النجاسة، كائنا ماكانت، زوال النجاسة منها إذا كانت من الدواب، وتغير أثر ذلك، لا أعلم أنه يخرج في معاني طهارتها غسل على المتعبدين في ذلك فيها وفي أمرها.
ومعي أنه يخرج معاني الاختلاف من قول أصحابنا، في أعراقها وأعراق شيء منها:
فقال من قال بفساده.
وقال من قال: إنه طاهر، مما لم يعلم نجاسته في الموضع الذي جرى عليه العرق بدنها، فيكون العرق نجسا بمعنى النجاسة.
ومعي أنه من معاني من قال بفساد أعراقها، لموضع النجاسات المعارضة لها في أبدانها، وهو موافق مع ذلك أن طهارتها لا من النجاسة المعارضة لها، يبوس النجاسة وزوال عينها وأثرها بأي وجه كان، ليس في ذلك حد محدود يزول به، لا شيء من الأشياء دون شيء، فثبت في معاني ما يقع عليه أعراقها طاهرة ما لم ير فيها نجاسة، وهذا القول يصلح بإخراج فساد عرقها من جميلها خارج معنا، قول على سبيل التنزه، لأنه كل ما يصان ويحبس طاهر، وقد يلحق المصون والمحبوس حكم غيره من حدوث النجاسة فيه بعد الحبس والصيانة وجفوفهما، وحدوث العرق فيها، ويلحقها ما يلحق غيرها مما لا يحبس ولا يصان من فساد عرقها.
ومعي أنه إذا ثبت معاني الفساد في عرق شيء منها، لم يخرج ثبوت (3/138)
صفحة 587
ذلك عن جميعها لأنها سواء في الطهارة وسواء في الاسترابة في معارضات النجاسة لها، وأما دماؤها في حياتها فمن حيث ما خرج منها دم عبيط فهو مفسد، يعني دم الإنسان في مسفوحه وغير مسفوحه، وقد مضى ذكر ذلك فيما مضى من ذلك الجزء في ذكر الدماء المسفوحة وغيرها.
وأما دم المذبحة من هذه الدواب كلها، فخارج في معاني الاتفاق أنه نجس بمعنى المسفوح من الدماء، وما سوى ذلك من دمائها بعد ذكاتها، فيخرج فيه معاني الاختلاف بفساده كله في بعض القول، ما عدا ما نبع اللحم في دمائها ولم يكن له حكم بنفسه، وقد مضى ذكر ذلك، وقد مضى ذكر أرواثها وأبعاره،، ولا أعلم أنه يخرج في أرواثها وأبعارها معاني الاختلاف من ذوات البعر والروث أنه نجس، بل يخرج في معاني الاتفاق أنه طاهر من قول أصحابنا، إلا أنه في بعض قولهم أنه يفرق بين خثو البقر الأنثى وبين الذكر، لمعنى مجرى ذلك على موضع البول، ولا يخرج ذلك في معاني الحكم، فلا يبعد من الخوف الاسترابة وإذا ثبت ذالك في البقرة الأنثى فما سواها.
ومعي أنه قد قيل: إن ما مس ذنب البعير سلحه فإنه مفسد لمعنى مس الذنب للبول فيما أحسب أنه قيل.
ويخرج عندي في معنى الحكم أن ذلك كله طاهر، لأصل طهارته حتى يعلم في شيء منه نجاسة في وقته ذلك.
ومعي أنه قد جاء في مثل هذا في بعض ما قيل فيه أنه طاهر الذنب وغيره حتى تعلم نجاسته.
ومعي أنه قيل: إنه ما مس منه شيئا من الطهارة، فلم يعلم الذي مسه منه من الذنب أو غيره، فهو على معنى الطهارة حتى يعلم أنه مسه من (3/139)
صفحة 588
الذنب على قول من يقول بإفساد الذنب. ومعي أنه إذا ثبت فساد ما في الذنب ثم مسه ذلك ولم يعلم ذلك من الذنب أو من غيره، لم تخرج من معاني الاسترابة لثبوت الذنب فيه، ولحقه معاني الاحتياط لغسله.
وأما أبوال الخيل والحمير وما أشبه ذلك مما هو مثله، فمعي أنه يخرج مخرج الاتفاق أنه فاسد من قول أصحابنا، وأرجو أنه من قول قومنا، وأحسب أنه في قول قومنا يذهب إلى فساد أرواثها.
وأحسب أن ذلك على قول من ذهب إلى تحريم لحومها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يروى عنه أنه نهى عن أكل لحومها الأهلية منها، فذهب بعض فيما أحسب بالرواية إلى معنى التحريم، فإذا ثبت التحريم في لحومها ثبتت نجاسة كل شيء منها، أعراقها وأرواثها وأسئارها، وجميع ما خرج منها من الرطوبات.
ومعي أن بعضا ذهب بالرواية إلى الكراهة لأكل لحومها، أحسب هذا يخرج معاني الخير، ثبت في هدا الوجه، في بمنزلة الاتفاق في الأحكام في الأرواث والأسئار، وغيرها من الأبوال وجميع، أحكامها.
ومعي، أنه ذهب بمعنى الرواية إلى كراهية أكل لحومها، لموضع الأدب واستكراه ذلك لهم، فإذا ثبت معنى هذا، ثبت معاني كراهية أسئارها وأعراقها وأرواثها، لأن كل مكروه فمكروه جميع ما خرج منه.
وأما أبوال الأنعام فلا أعلم من قول أصحابنا فيها ترخيصا، إلا بما يخرج معناه بمعنى الضرورة، بنحو ما قيل في بول الدواسر والزواجر، وما قيل في الشرر من بول الإبل فى معاني ما خرج بنحو ذلك، في حال الضرورات والحاجات.
وقد مضى ذكر ذلك واختلافهم فيه، ما لم يسبغ (3/140)
صفحة 589
القدم في معاني الضرورة، والحاجة إلى مثل ذلك، في معاني ما لا يمكن إلا مثل ذلك وينقل ما سواه.
ومعي أنه قد قيل في إسباغ القدم: إنه ما لم يعلم ظاهره رطوبة بمعنى إسباغ الوضوء.
ومعي أنه قيل: ما لم يبن فيه البول، ولو وجد بالكف إذا أجريت عليه.
ومعي أنه إذا جرى عليه الكف من ظاهره وجد رطوبته فذلك حد إسباغه.
ومعنى إفساده وما دون ذلك، ولو صح أنه وقع عليه ويبين له ذلك، فلا يضر إلا حتى يسبغ بأحد هذه الأقاويل في معنى إسباغه.
وأحسب أن بعضا ذهب إلى فساد ذلك كله من قليل وكثير.
وإذا ثبت من ذلك في أبوال الإبل بهذا النحو، بمعنى من المعاني أو بوجه من الوجوه، لضرورة أو لغيرها كان مثله عندي، في سائر أبوال الأنعام لأنها كلها سواء في جميع الأحكام، فلا يخرج من أحكام بعضها بعض ويخرج بعضا عن بعض، وتخرج في بعض القول في فساد أبوال الأنعام كلها قليلها وكثيرها، بحال الضوورات وغير الضرورات، ويكون كغيره من النجاسات قليله وكثيره، في جميع الأحوال من جميع المواطن، في حال الزجر والدياس وغيره، ولا يفرق في ذلك بين نجاسته ولا طهارته إذا تنجس فى جميع الأحوال، فطهارته بمعنى واحد في الزجر وغيره من الضرورات وغيرها. (3/141)
صفحة 590
[صفحة بيضاء] (3/142)
صفحة 591
باب الجلالة ونحوها من الدواب
معي أنه قد قيل في الجلالة من الدواب، فهي التي تعتلف النجاسات، لا تخلط معها غيرها من الطهارات، فإذا ثبت معنى شيء من الدواب جلالة فمعي أنه خارج معنى أحكامه بمعنى المحرمات من الدواب في بيعه وشرائه وأكل لحمه ولبنه والانتفاع به.
ومعي أنه يخرج معنى الجلالة من الدواب في أسوارها وأعراقها وأرواثها، وجميع ما يخرج منها أنه نجس بمعنى المحرمات من الدواب من القرد والخنزير، ومفسد كل ما كان منها من تلك الرطوبات، وما عارضتها من الرطوبات، أفسدتها من تلك الطهارات، كانت الجلالة من الأنعام أو غير ومثلها، أو من الخيل والبغال، وشبهها ومثلها، فما ثبت حكمه حلالا، فهو بمعنى واحد معنا، في معاني ما يخرج من هذا كله.
ومعي أنه قد قيل: إذا أكلت الدابة من الأنعام النجاسة قليلا كان أو كثيرا، فلا يؤكل لحمها حتى تحبس بقدر ما ينقضي ذلك منها، ولا يجوز أكل لبنها في تلك الحال.
وقيل: يؤكل لبنها، ولا يستقيم معي مع ثبوت فساد اللحم.
وكذلك يفسد اللبن من الدابة التي يفسد لحمها فيه، فإذا ثبت فساد لحمها كانت في الحال الذي قد فسد لحمها فيه، خارجة مخرج الجلالة عندي، في فساد جميع ما كان منها، من لحم أو لبن أو روث أو عرق أو ماء، خرج من فم أو منخر بمنزلة (3/143)
صفحة 592
الجلالة، و إلا فلا يفسد منها شيء من اللحم ولا غيره، حتى تصير بمنزلة الجلالة، ولا يستقيم معي شيء حتى يكون محرما في حال تكون رطوباته طاهرة، فإن كان وجه من التنزه عن لحمه فلذلك يلحقه التنزه عن رطوبته، بان كان في حد الحكم في التحريم في لحمه فمثله في رطوباتها.
وأما معنى قوله: لكل غالب شرر، ففي معاني الترخيص، كأنه يقول: في معنى الترخيص كل شرر خرج من غالب من النجاسة لم يضر الشرر إذا لم يغلب على معنى الطهارة، ويتبين ذلك بمعنى الإسباغ، في معنى ما قيل في أبوال الإبل، لعله يخرج بمعنى الترخيص في ذلك كله.
ومعي أنه قد قيل: إن شرر الدم المسفوح لا يفسد، ولعل ذلك يخرج في معنى الضرورات.
وإذا ثبت في معنى من المعاني من النجاسات شيء، أو لمعنى فلا تبعد إجازة ذلك من جميع النجاسات إذا خرج، لعله معنى ما جاز فيه، فيخرج ذلك في معنى الطهارات، أنه ما لم يغلب عليها كان في الماء لا يفسد ما لم يغلب عليه، لأن الطهارة من المائعات، كالتي تخرج من دهان وغيرها.
وليس بخارج في ذلك في معاني الاختلاف أنه ما لم يغلب عليه الدم، أو يكون أكثر منه لم يفسده، وكان مستهلكا فيه، فإذا ثبت هذا في هذا مع معاني الاتفاق أنه ليس بماء ولا من الماء وإنما هو ما أشبه الماء.
وكذلك هذا يشبه للماء في هذا المعنى، وهذا في معنى الطهارات من هذا النوع المائعات، قد ثبت فيه ما يشبه هذا في غيره، وفي البدن ما قد قيل في إسباغ القدم، وما يجرى من الاختلاف في صفة ذلك، وإذا ثبت نجاسة بول الإبل، وثبت هذا منها في حال لم يبعد أن يكون من غيرها من النجاسات مثلها ما كان خارجا مخرجها، وثابت في معناها، وإذا ثبت ذلك في القدم، (3/144)
صفحة 593
فلا معنى في افتراق ذلك في غير القدم. وإذا ثبت ذلك في البدن ففي الثوب أقرب بمعنى ذلك، ولا يبعد أن يشبه ذلك كله. وإذا ثبت ذلك في حال الضرورة على اللزوم، لم يبعد أن يكون مثله في غير حال الضرورة، وما خرج مخرجه، لأنه لم يشرط في ذلك شرطا أنه ما دام في حال الضرورة، ولعل في بعض القول الإطلاق في ذلك والإرسال، وإنما اشترط ذلك بعض أنه على الضرورة، ومعنى الرواية على غير شريطة.
وأما الصوب من هوام الانسان فيخرج في معاني الاتفاق أنه طاهر، وأنه لا بأس به حيا ولا ميتا.
ومعي أنه تخرج معانيه في حياته أنه ليس من ذوات الأرواح في حال حياته، وأحسب أنه يخرج مخرج البيضة من القمل، والمعنى ذلك منها، وقد ثبت طهارته حيا وميتا، لأنه ليس من ذوات الدماء، ولا من ذوات الأرواح التي أصلها من ذوات الدماء، وإن كان بيضا للقمل على ثبوت معانيه أنه طاهر، فيخرج في النظر أنه يشبه ذرق القملة، لأن بيض الشيء فيما ظهر منه بمنزلة ذرقه.
وكذلك قيل في معاني الطير في بيضه إنه ما أفسد خرقه كان بيضه نجسا لمعنى خرقه، وما كان خرقه طاهرا كان ظواهر بيضه طاهرا، فثبت معنى البيض بمعنى الخرق.
وأحسب أنه قد قيل في ذرق القملة من الإنسان انه مفسد، إلا ما يخرج من معاني اختلاف القول فيه في الثوب والبدن.
وكذلك يخرج معي أنه كل ما أفسد بوله من الدواب التي تكون منها أولاد على شبه الميلاد فجميع ما كان بوله فاسدا كان طاهرا ولده في حين ذلك، وما خرج عليه من رطوبة فذلك كله فاسد بمعنى بوله. وكل ما خرج (3/145)
صفحة 594
من أرحام الدواب المفسد بولها من جميع الأشياء فهو مفسد بمعنى بولها الثبوت الشبه فيه من معاني الإنسان المفسد بوله، وما خرج من موضع أرواثها وأبعارها من أدبارها، فهو بمعنى الأرواث في الطهارة ما لم يكن دما عبيطا أو شيئا من النجاسات، ولا أعلم يخرج منها من ذلك الموضع نجاسة إن لم يكن إلا الدم، فما سوى الدم من جميع ما خرج من أدبار الدواب التي لا تفسد أرواثها، هو بمعنى أن أرواثها في حكم الطهارة، خرج من والج جوفها أو من خارجه إلى ما خرج من أدبارها، فكل ذلك بمعنى واحد، ما لم تكن نجاسة عينها قائمة من النجاسات القائمة. (3/146)
صفحة 595
باب سلح الإبل
قد رخص من رخص في قيء الجمال، والشرر الذي يطير من بولها ما لم يسبغ القدم، وما ضربت به الجمال بأذنابها من سلحها، فهو مفسد ومن طار به شيء من ذلك ولم يعلم أنه مما ضوبت بأذنابها فلا فساد عليه حتى يعلم.
ومن غيره وفي بعض الآثار أنه لا يفسد ما مجت بأذنابها حتى يعلم أنه مس ذلك البول، لأن أصل ذلك طاهر غير نجس حتى يعلم أنه قد فسد، والقول الأول هو الأكثر، وينظر في هذا، فإني لا أقول إنه مخالف للحق، وله حجة حق، وما يخرج من منخر الجمل سوى الدم لا ينقض. قال غيره: إلا أن يكون جلالا.
وقال الشيخ محمد بن المسبح: عرق الجمل لا يفسد إلا حيث ضرب بذنبه إذا خطر، وأما الحمير فإنما أفسدت بتمرغها في أبوالها، فإذا صينت وحبست لم يفسد عرقها.
قال: والبعير يفسد من عرقه ما بلغ خطره، يعني ما بلغ ضرب ذنبه.
قال غيره: إن كان القول الأول فيما ضربت الإبل باذنابها من الهرم، فمس من سلحها من أذنابها، أكثر قول أصحابنا، فإن الحكم يقضي للاخر منهما بموافقته معاني الأصول، لأن كل شيء أصله طاهر، فهو على معنى طهارته في كل شيء منه، بموافقته معاني الأصول، لأن كل شيء أصله طاهر فهو على معنى طهارته في كل شيء منه بعينه، حتى تصح نجاسته، وأصل سلح البعير (3/147)
صفحة 596
طاهر في معاني الاتفاق حتى تصح نجاسته بمعاني الاتفاق، ولن يصح ذلك على سبيل الاسترابة، إلا في كل شيء بعينه.
ومعي أنه في معنى قول من قال في عرق الابل إنه مفسد حيث بلغ خطره بذنبه وضربه، فإنما يخرج معنى ذلك أنه يفسده، وأن ذلك فاسد منه من حيث ما بلغ ومس، وذلك على قول من يقول بنجاسته على الاسترابة.
وأما على معنى الحكم فحتى تصح نجاسته من حيث ما وجد، أعني سلح البعير على معنى ما قيل بذلك، وعلى قول من يقول إنه نجس فما دام قائم العين في موضع من حيث يبلغ خطره وضربه بذنبه، فإنما يخرج بمعنى الاسترابة، لأنه قد يمكن أن يكون مسه ذلك من غير الذنب، وإنما هو لما قرب من الاسترابة، لحقه حكم الاسترابة في هذا وخصه صاحب هذا القول بفساد عرقه من ذلك الموضع دون سائر ظهره وبدنه، والاسترابة قد تلحقه في بدنه كله، والحكم قد يقضي له بطهارة بدنه كله، ما لم يعاين في حين ذلك فيه نجاسة لا مخرج لها من لزوم النجاسة لها، فإذا ثبت ذلك فسد عرقه الماس لتلك النجاسة، لا لمعنى عرق البعير.
وكذلك قوله في الحمير أنه إنما أفسد عرقها لتمرغها في أبوالها، وكذلك الخيل والبغال والبقر والغنم، وقد يلحقها هذا كلها في مرابطها ومعاطبها ودروسها وذروتها وجميع الدواب من الأنعام وغيرها لا يتعرى في الاسترابة من هذا، وأما ما خرج من مناخرها الأنعام كلها والدواب، فقد مضى فيه القول وهو طاهر بمعناها، وأما الجلالة فكما قال معنا ويلحقها حكم النجاسة في جميع رطوباتها مما خرج من منخرها وفمها وأعراقها وأرواثها جميع ما خرج منها.
8 (3/148)
صفحة 597
باب طهارة أسئار الطير وخزقها وكناستها
سؤر الطير جميعا وخزقها، لا ينظر فيه فسادا، إلا الحمام الأهلي فقد شدد أكثر الفقهاء في خزقه وخزق العقاب والأجدال، ورخص من رخص من الفقهاء في العقاب، وذلك أحب إلي.
وقال من قال: لا بأس بحدث العقاب في بوله، إذا وطىء عليه الرجل وهو متوضىء.
ومن غيره وقال من قال: لا بأس بخزق الحمام الأهلي ولا العقاب ولا الأجدال، وبه نأخذ، وأما حمام الحرم الأهلي فلا بأس به على كل حال، والحمام الأهلي كره خزقه لما يدعى مثل الدجاج، وأما الطائر منه الطاهر فلا بأس بخزقه، وقد أسكنه الله حرمه، فلا أهلي أهل من ذلك.
قال غيره: معي أن جميع الطير البري من ذات الدم الأصلي من جميع ما خرج صيدا حلالا، ما دون النواشر والنواهش من الطير، ما لم يأت فيه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت فيه أنه من النواشر من ذوات المخالب من جميع الطير، فإنه خارج عندي بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا، ولعله أنه من غيرهم أنه بمنزلة الدواب الطاهرة من الأنعام وما أشبهها، وإلى شبه الأنعام أصح، لمعاني الاتفاق من إحلال لحومها وذكاتها وطهارتها، لأنه قد يلحق الحمير وشبهها ما يلحقها، وهذا الجنس من الطير لا يلحقه معنى شبهة، ولا ما يشبه ذلك وأنه مشبه من جميع حالاته من الطهارة للأنعام من الدواب في أسئارها، وجميع ما خرج من رطوباته من مناقره من سائر بدنه وخزقه، (3/149)
صفحة 598
فبمنزلة أرواث الأنعام وأبعارها، ولا أعلم في ذلك اختلافا، وهذا النحو من الطير هو شبه هذا النحو من الدواب على الأرض في جمع أحوالها، وان ثبت لهذا الجنس من الطير بول وكان يبول وله بول، كان عندي بمنزلة بول الأنعام لشبهه له. ومعي؟ أنه قد قل!: إن بول هذا النحومن الطير، وما لم يفسدخزقه طاهر بمنزلة خزقه.
وقد كان يعجبني ذلك أن يكون في الأنعام لموضيع طهارتها، وإذ قد قيل في هذا الجنس من الطير، ممامعي أنه من قول أصحابنا، كان ذلك مما يعجبني فيه لموضح طهارته، ولوجاء عن أصحابنا في الأنعام ترخيص في بوطا لكان ذلك أحب إلي مما قجل بنجاسته. ومعي؟ أنه يخرج القول في هذا الطير في بوله، أنه مفسد لمعنى بول الأنعام، وكذلك أنه يختلف في بيضه، فأحسب أنه في بعض القول أنه نجس بمنزلة بيض الدجاج. ومعي ج أن بعضا يذهب إلى طهارة بيض هذا الطيركله من جميع ما كان من الطير، خارجا بهذا الشبه مما يخرج على هذه الصمفة من غير النواشر، على ما تقدم ذكره أن جميع ما كان منه من خزقه وبيضه ورطوبته وبوله، أنه طاهر لمعنى طهارته في الأصل كله. وأما الحمام الأهلي الذي يوعى مرعى ألدجاج مما يدخل عليه الريب من الأنجاس في رعيته، فمعي أن بعضا يفسد خزقه، ويخرج ذلك عندي على وجه إلاسترابة له، لموضع رعيته في المواضعع المسترابة من الأنجاس. ومعي ج أنه في أصل من أمره على معاني ما يخرج حكم الأصول فيه أنه طاهر، ما لم يثبت معناه جلالا لا يخلط مع النجاممة غيرها من الطهارة، فإذا ثبت ذلك فيه كان سؤره وخزقه وجميع ما خرج هن رطوباته ولحمه في معنى (3/150)
صفحة 599
واحد من النجاسة معي. وأما إذا صح أنه أكل شيئا من النجاسة، فهو خارج بمعنى الأنعام والدواب، ما لم يكن جلالة، وإذا ثبت فساد لحمها لمعنى ذلك كان في ذلك الحال فاسدا لحمها، وهو من العجائب، وهذا الطير عندي مثله ما لم يكن جلالا وما لحق من الطير الذي أصله يكون وحشيا اسم الاستئناس، حتى يكون مثل هذا الحمام بمثل هذا الطير الطاهر في الأصل فهو عندي مثل الحمام.
وأما الأجدل والعقاب وما خرج مخرجهما وشبههما، فمعي أنه يختلف في خزقهما وسؤرهما، فأحسب أن بعضا ذهب بذلك الجنس من الطير إلى أحكام هذا الطير الطاهر، لأنه ليس من النواشر، ولا من ذوات المخالب، وهو في معنى الطير الطاهر، لأنه ليس من النواشر فخزقه وسؤره طاهر.
ومعي أن بعضا يذهب به إلى معنى التشبيه للفأر، لأنه ليس من ذوات المناقير، بمنزلة الطير، وشبهه إلى الفأر وما أشبه الشيء فهو مثله، وسؤر الفأر و بعره -في بعض ما قيل فيه - أنه نجس، وفي بعض ما قيل إن ذلك كله طاهر، وليس مراعي العقاب والأجدل كمراعي الفأر ولا هو من الدواب التي تشبه الفأر.
ومعي أن كل شيء أصله طاهر، فالطهارة أولى به حتى تعلم نجاسته بمعاني هذا الطير كله ما لم يخرج في النواشر، فأحكامه طاهرة بمعنى الأنعام من الدواب والصيد من الوحشي مما يخرج على شبه الأنعام من الظباء والأوعال وما أشبه ذلك. (3/151)
صفحة 600
[صفحة بيضاء] (3/152)
صفحة 601
باب طهارة الدجاج والجعل وما يخرج منها وأحكام ذلك
خبط الدجاج مفسد، وأما سؤره فلا نرى به بأسا حتى يعلم على منقارها قذر، عند شربها من الماء وأكلها، وكذلك الجعل.
قال أبو الحواري: لم ير بعض الفقهاء بأسا بخزق ما يؤكل لحمه من الطير.
وقال محمد بن المسبح: وخزق الطير غير مفسد إلا النواشر منه، فإن خزقها مفسد، والدجاجة أخذوا فيها بالرخصة، والتنزه منها أحسن إذا كانت جلالة ترعى الأقذار.
قال غيره: في نسخة أبي سعيد، معاني قول أصحابنا معي يشبه الاتفاق على خزق الدجاج الأهلي بأنه مفسد، وعلى سؤرها لأنه طاهر حتى يعلم فيه نجاسة.
ومعاني قولهم إن كل شيء من الطير الذي يؤكل لحمه، فلا يفسد خزقه، والدجاج معنا من الطير الذي يؤكل لحمه فلا يفسد خزقه، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
ومعي أنه يخرج معاني الاتفاق قولهم على ذلك من أجل أنها ترعى الأقذار والنجاسات، ولا أعلم أنها من النواشر التي تنشر الجيف، ولا تضاف إليها، وإنما هي من الرواعي، وقد ترعى الأنعام والدواب الطاهرة المواضع القذرة وتأكل القذر، وما لم تكن جلّالة فلا يفسد لحمها ولا روثها إذ هي (3/153)
صفحة 602
طاهرة في الأصل، وإن كانت الدجاجة جلاّلة فلا يجوز لحمها ما كانت في حال الجلاّلة، ولحمها نجس وسؤرها وجميع ما كان منها، وان كانت ليست بجلالة فلا يخرجها من سائر الأنعام الخالص أكل لحمها من سائر الطير الجائز أكل لحمه، مثلها في خزقها إلا دليل يوجب عليها دون غيرها، وإن كان من جهة الاسترابة فالاسترابة لا توجب تحويل الأحكام.
وأحسب أنه قد يوجد في بعض قولهم إن خزقها لا يفسد وأن فيه ترخيصا، ومعي أنه قد قال بعض أهل العلم فيها أنها لو حبست عن مراعي الأقذار كان خزقها طاهرا، و إذا ثبت هذا المعنى فيها أنه إنما فسد خزقها من جهة المرعى والاسترابة لها فيه، وكذلك قد يكون الشيء من الأنعام مسترابا برعيه الأقذار وأكل العذِرة، ويعرف بذلك على الدوام، إلا أنه لا يخلط معه غيره من الطهارات، فلا يتحول بذلك حكمه في روثه ولا سؤره حتى يكون جلاّلا لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارات، وكل شيء أصله من الطهارة، حتى تصح نجاسته ومن النجاسة حتى تصح طهارته، وما كان أصله نجسا فهو نجس على الأبد.
ولو أن شيئا من السباع مما أصله نجس خبثه نجس، حبس عن النشر وعن أكل الأنجاس، وأطعم ما تطعم الأنعام لا يخلط معها غيرها من الأسد والنمور وأشباه ذلك، لكان خبثها مفسدا على أصله.
وكذلك الخنزير ولو تغذى بالطهارات من المعيشة، لم يكن ذلك محولا لحكمه عن التحريم إلى التحليل ولا إلى طهارة خبثه.
والدجاج معنا مشبه للطير، وهو طير مجتمع على إجازة أكل لحمه وطهارته، فلا نحب أن نعدل حكمه عن سائر الطير الطاهر إلا بشاهد ودليل، وإن لحقه فساد خزقه من طريق الاسترابة، فعلى غير ما يشبه معانى الأصول في حكمه معنا، وما يشبهه من معاني الأصول إثباته في جملة الطير (3/154)
صفحة 603
الطاهر لحمه من الرواعي، ليس من النواشر ولا من النواهش ويلحق كلا اسمه وحكمه، وقولنا قول المسلمين، وإنما نراعي مذاهبهم ونرد مشاربهم وبالله التوفيق.
وينظر في هذا ولا يؤخذ من قولنا إلا بما وافق الحق والصواب.
وأما الجعلان وما أشبهها من الخنافس ومثلها مما لا دم فيه من الطائر أو الدواب، فإن معاني أحكامه خارجة على معاني الاتفاق على ما يشبه الشبه أن كل ذلك طاهر لا بأس بسؤره ولا بما مس، حيا ولا ميتا، ولو عرف بحمل النجاسات وأكلها، ولو لم يعرف بأكل غيرها، ولا موضع من المراعي سواها فإن ذلك لا يحول حكمه ولا ينقل اسمه ما لم تعاين فيه نجاسة بعينها في ظاهره، وهو طاهر في الحكم حتى يعلم نجاسته لشيء فيه قائم بعينه، ومعنى طهارته من النجاسة وزوالها عنه بأي وجه كان في معاني ما يخرج من حكمه في قول أصحابنا في الدواب الطاهرة.
كذلك ما كان من مثل هذا من الدواب مما أصله لا دم فيه ولا دم له، فهو بهذا المعنى ولو عرف بهذا السبيل من المرعى والأكل. (3/155)
صفحة 604
[صفحة بيضاء] (3/156)
صفحة 605
باب السباع من الدواب والنواهش من الطير
شدّد من شدد من المسلمين في سؤر الرخم والغراب. وبلغنا أن محمد بن محبوب لم ير بأسا به. وقال غيره: مكروه.
وأما السباع كلها غير الصيد فمفسد سؤرها، ومن مسها وهو رطب إلا الكلب المكلب، فإنه قيل: لا يفسد سؤره ولا ما مسه وهو رطب.
قال غيره: سؤر السباع ما سوى الكلب والقرد والخنزير، قيل: إنه يكره وليس بنجس وهو بمنزلة الرخم والغراب من الطير.
قال غيره: معي أنه يخرج في معاني أحكام الدواب كلها أنها خارجة على ثلاثة أصناف، ما سوى البشر فمنها محرم بكتاب اللهّ أو سنة رسوله أو بالإجماع، وذلك معنا الخنزير والقرد وجلد الكلب، فأما الخنزير فمحرم بكتاب الله، وأما القرد فمعنا أنه يشبه الخنزير ومساو له في بعض كتاب أحكام اللهّ.
ومعي أنه قيل: إن تحريم القرد ثبت من سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وجلد الكلب معنا أنه خارج بمعاني الاتفاق أنه رجس فيخرج معاني أحكام هذا الصنف من الدواب أنه مفسد سؤره ورجس وأعراقه، وجميع ما خرج منه من رطوبة من فم أو منخر، وأبواله وأخباثه. (3/157)
صفحة 606
فأما القرد والخنزير تحريمه كله، وأما الكلب فجميع ما خرج منه من رطوبة وسؤر، فمعنى نجاسة جلده وفساده في معاني الاتفاق، وأما بوله وخبثه فلمعنى ثبوته في جملة السباع من ذوات الناب منها، وأنه من السباع النواهش ويخرج في معاني الاتفاق أن جميع النواشر من السباع من ذوات الناب أنه مفسد بوله وخبثه ولا نعلم في ذلك اختلافا.
وما عدا هذا الصنف الذي قد مضى ذكره، وما أشبه من الخنزير والقرد والكلب من سائر السباع النواهش من ذوات الناب فيخرج معاني أحكام ما يكون منها من سؤر أو عرق أو رطوبة من فم أو أنف، وما كان من رطوبة ما سوى ما خرج منها، من بول أو خبث أو قيء أو دم على ثلاثة أحوال أو ثلاثة أقوال:
فحال منها أنها في جملة الطواهر في جميع هذا، أنها لمِ يثبت تحريمها، وهي حلال في الأصل لمعنى قول اللّه - تبارك وتعالى -: (قل لا أَِجد فِيمَا أُوحِي إِليَّ محرما عَلَى طَاعمِ يطعَمُهُ إلأَ أَن يَكُون مَيْتَةً أو دَماَ مَسْفوحًا أو لحم خِنزيرِ فإِنه رجسٌ أَو فسقاَ-أُهلَ لِغير اللَّهِ بهِ فمن اضطر غَيرَ بَاغ وَلَا عَاد فَإِن رًّبكَ غفور رَّحِيم) 1. وقوله تعالى: (إنَماَ حًّرمَ عليكم المَيتةَ وَالدمَ وَلَحمَ الِخنزير وما أهل لِغَير اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضطُر غير بَاغ وَلَا عَاد فِإنَ اللّهَ غَفور رحيم) 2. و إنما كان معنى تحريم هذا وتحليله في الدواب من المطاعم ليس لأنه لم يحرم الله إلا هذا من المحرمات، فقد حرم غير هذا من المناكح والربا، وغير ذلك من المحرمات، وإنما المعنى في تحريم هذا المستثنى من جميع الدواب والطير أنه محرم، وما سوى ذلك من اللحوم من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية إذا كانت مذبوحة ذكية بوجه من الوجوه، التي تصح (3/158)
صفحة 607
ذكاتها به، من نحر أو صيد أو ذبح، وكل ما كان أصله حلالا كان جميع ما كان فيه من ذاته طاهرا حتى يصح تحريمه ونجاسته، بوجه يخرجه من حال صحة الاستثناء عن المحرمات، والخروج منها.
فهذا معنى قول من قال معي: إن أسوار هذه الدواب من السباع وهذه النواشر من الطير من ذوات المخالب ومن ذوات الناب، أنها كسائر الدواب من الطاهرات إلا ما ثبت فيها لمعنى النشر والنهش للمحرمات من الميتة، ومثلها من أكل الدواب بغير ذكاة، وعرف بذلك فثبت فيها لمفارقتها للطواهر من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبهها، فساد أبوالها وخبثها، وما كسائر ذلك من معانيها فكسائر الطواهر من هذه الدواب.
ومعي أنه يلحق هذه السباع من الدواب والنواشر من الطير من معاني الريب للإدمان منها على أكل النجاسات، وإن كان لا يعدم أن يأكل شيئا من الطهارات، ولا يصح عليها معاني أكل النجاسات كلها وحدها، إلا أنه يكاد على أكثر الحال أن يكون أكلها من النجاسات، فلما لزمتها الريبة من هذا الوجه، ولو صح عليها معنى أكل النجاسة، لا يخلط معها غيرها للزمها حكم الجلّالة، والتحريمِ للحمها والرجس لجميع ما فيها من معانيهما من رطوباتها، وجميع ما مست أو مسها من رطوبات، وكل مستراب يلزمه حكم الإشكال، وكل مشكول موقوف حتى يعلم ما يخرجه عن حال الإشكال إلى طهارة لا شك فيها، أو نجاسة لا شك فيها، فيثبت له حكم ما يصح فيه، فلزم هذه الدواب وهذا الطير من هذين الصنفين من الدواب، والطير في هذه الحال حكم الإشكال، والوقوف والكراهية لأكل لحومها، وفي جميع رطوباتها على معاني الترك له، إلى ما هو أصح فيه في حال الطهارة والتحليل، من غير أن يحكم عليه بنجاسة ولا تحريم، فإذا لم يوجد الطاهر الحلال بعينه ووجد هذا المشكل في هذا الحال، والمحرمات النجاسات بعينها، كان هذا الموقوف أولى (3/159)
صفحة 608
من المحرمات وأطيب وأولَى أن تستعمل في معانيه دون المحرمات والنجاسات.
ومعي أنه يخرج بمعاني هذه الدواب من السباع والنواشر من الطير، معنى التحريم والنجاسة من وجهين:
من وجه أنها في أغلب أحوالها وأكثره أن أكلها النجاسة والحرام، وقد ثبت في بعض قول أهل العلم أنه لو أكل شيء من الأنعام شيئا من النجاسة قليلا أو كثيرا، كان لحمها نجسا حتى يحبس للطهارة عن ذلك، ولا يستقيم فِي المعاني أن يكون لحمها نجسا، وما فيها من الرطوبات طاهرا، ولا يستقيم إلا أن تكون كلها نجسة، إذا كان لحمها نجسا، إلى أن يستبرأ حالها من النجاسة إلى حال الطهارة، فإذا ثبت طهارة لحمها ثبت طهارة سؤرها حينئذ، وجميع ما كان من رطوباتها، وهذا في أكل نجاسة واحدة، فكيف من الأغلب من أكله النجاسات، ولا يكاد أن يأكل إلا نجاسة. فهذا من وجه.
ووجه ثان أنه قد جاء النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، فذهب من ذهب فيما قيل بهذا النهي إلى التحريم، وأنه حرام لنهي النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم عنه.
وذهب من ذهب فيما قيل إنه نهي أدب، وليس بتحريم، فإذا ثبت معاني التحريم فيها في ظاهر النهي، كانت كلها نجسة، وجميع ما كان فيها وما مست مثل القرد والخنزير.
ومعي أن بعضا من قال بهذا القول يفرّق بين أشياء من هذه السباع في التحريم، فلا نراه -حراما لمعاني ثبوت اسمه في الصيد، فإن الصيد لا يكون حراما، ومن ذلك الضبع والثعلب ولعله غير هذا، ولا أعلم مؤكدا في هذا القول فيما حضر ذكره إلا هذا. (3/160)
صفحة 609
ومعي أن بعضا يقول إن كله سواء لثبوت الرواية فيه في النهي عنه، ومعي أن عامة قول أصحابنا يخرج في هذه الدواب وهذا الطير إلى كراهيته من طريق الأدب، وإلى كراهية سؤره لمعنى الاسترابة، ولا أعلم أن أحدا منهم قال بطهارة خزقها ولا خبثها ولا شيء من ذلك منها، وأما سائر رطوباتها وأسوارها فيخرج على معاني الاختلاف من القول فيها وشبه معاني ذلك الكراهية في أكثر قول أصحابنا بلا تحريم لها ولا تنجس لسؤرها ولا رطوباتها، وإذا ذكيت بذبح أو صيد على معنى ما يجوز من ذلك من الصيد لكان لحمها مكروها كراهية الأدب، وكذلك عندي لحم الكلب صائدا وغير صائد، فهو مثلها في بعض ما قيل في اللحم، وأما نجاسة سؤره ورطوباته ما سوى لحمه إذا كان ذكيا فإنه معي أنه بمنزلة المحرمات في النجاسة، وأما المكلب من الكلاب الصائد فمعي أنه يختلف في نجاسته وقطعه للصلاة، ولا أعلم معنى يفرق بينهما، لأنه إنما جاء الأثر بفساد جلده، لا لمعنى أكله للنجاسة فيما قيل، لا على معنى دخوله في جملة السباع في حال ما ذكرت من القول.
1 - الآية 145 من سورة الأنعام.
2 - الآية 115 من سورة النحل. (3/161)
صفحة 610
[صفحة بيضاء] (3/162)
صفحة 611
باب طهارة السنور والفأرة ونحوهما
وقد اختلف في سؤر السنور والفأر، فبعض كرِهَه، وأحب ترك ذلك إلى غيره، وبعض لم ير به بأسا، وبما أخذ به من رأي الفقهاء فجائز، ويوجد عن أبي علي - رحمه اللّه - في سؤر السنور من الماء أنه أحب تركه، وأما من الضباع والطعام فأجازه.
ومن غيره وقال من قال: لا بأس بذلك كله ولا نقض على من مس المخطمة منه.
وقال من قال: إن من مس المخطمة، مخطمة السنور ينقض.
وعن محمد بن محبوب -رحمه اللهّ -في فأرة وقعت في خل وأخرجت حية، قال: إنها القذرة ولا أتقدم على تحريم.
وكذلك قيل عنه: إذا دخلت في الماء وخرجت حية ولعل سؤرها عندهم أشد.
وكذلك إذا قرضت الثوب فهو مثل سؤرها.
ومن غيره: كل ذلك لا بأس به.
قال محمد بن المسبح: لا بأس بسؤر الفأر ولا قرضه الثياب، وأما إذا ماتت في شيء أفسدته، إلا أن تموت في شيء جامد مثل سمن أو عسل أو غيره، فإنه يقلع ما مسه ولا بأس بالباقي.
وحفظ الثقة أن أبا عبدالله سئل عن فأرة وقعت في إناء أو في بئر، أنها (3/163)
صفحة 612
تفسد لموضع البول منها.
قال أبو الحواري: إن الذي نأخذ به إذا وقعت الفأرة في ماء أو في غيره وخرجت حية أن ذلك الشيء لا يفسد.
قال غيره: السنور والفأر معي من جملة الدواب الثابت لها الخروج بالاستثناء من جملة المحرمات، وفي جملة الطواهر بمنزلة سائر الدواب لما ذكرنا من تأكيد كتاب اللهّ -تبارك وتعالى في ذلك إلا ما عارض كل شيء من جميع المستثنيات من جميع الدواب، من معنى يلحقه تحريم أو شبه سبب يوجب ما يشبه حكم الكتاب أو السنة أو الإجماع، وإلا فجميع ما خرج عما سماه الله محرما من جميع الدواب من ذوات الأرواح البرية، من ذوات الدماء الأصلية، فحكمه حكم التحليل والطهارة في المحيا والممات إذا كان ذكيا.
وقد جاء في السِنور فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من متاع البيت "، ومتاع البيت لا يكون إلا طاهرا.
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروى أنه قال فيه: "إنه من الطوافين عليكم ومن الطوافات " يعني أنه من العيال، لمعنى قول الله - تبارك وتعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) 1.
فقد قال: طوّافون عليكم بعضكم على بعض، وقد ثبت في العيال في معاني الإجماع أن أولاد المسلمين على الطهارة حتى تعلم نجاستهم، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم في السنور، أنه كان يأتي إليه وهو يتطهر للوضوء للصلاة، إلا أنه يأتي (3/164)
صفحة 613
إليه وهو يتطهر من الإناء لم لعله يعترض الماء، فقيل إنه صلى الله عليه وسلم كان ميل إليه الإناء أي يحرفه إليه لينال الشرب شه ويصل إليه، فيشرب السنور من مائه صلى الله عليه وسلم ثم يتطهر من ذلك الماء، وهذا في السنور وهو الثابت في معاني جميع الدواب ما خلا المحرمات بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا يعلمه مما جاء فيه شيء منصوص، من أحد هذه الوجوه بتحريم. إلا أنا وجدناه مشبها للنواهش من السباع في معاتي الميتة من الفأر وغيره من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية التي حرام ميتتها وفاسدة، إذا لم تكن ذكية، أكله لها حية كأكله لها ميتة، وذلك نجس فاسد.
ووجدنا هذا منه شبه المعروف من عاداته بمعنى السباع، ولم نجد له من السباع مخرجا بهذا الوجه، لأن السباع وإن أكلت الميتة من كبارها وعرفت بذلك، فإن السنور معروف بأكل صغارها، وصغارها مثل كبارها، وبالإدمان على ذلك إذا وجدوها، و انما تتخذ في البيوت لها فهو معروف بذلك على شبه الإدمان، فقد ثبت بمعاني السباع ومشبه للسباع النواهش إلا أنه معروف أنه يخلط الطاهر مع النجس، والحلال مع الحرام، في أكثر عاداته وأحواله، وليس بمعروف أنه يعتلف ذلك وحده، بل صحيح أنه يخلط معه غيره، والسباع البرية أقرب إلى الاسترابة في أنها أقل ما تخلط من الطاهر في معيشتها، وإن خلطت فذلك غائب من حكمها، فهو وإن أشبه السباع في معنى النهش من أكل الميتة، فإنه لا يشبهها في معاني استرابتها لقلة الخلط للطاهرات مع النجاسات والسباع، وإن كانت مسترابة فما لم يقض عليها بالحكم لأنها لا تخلط مع الحرام شيئا من الحلال، ولا مع النجاسة شيئا من الطهارة، فإن أصلها الطهارة في جملة المستثنيات في الطهارات، ويلحقها من الاسترابة بهذا المعنى أكثر من غيرها من الدواب، وقد مضى ذكر السباع وثبوت الاختلاف وثبوت العلة في طهارتها من أي وجه تلحقها النجاسة على ما ذهب من ذهب فيها، ومن وجه لحقتها الكراهية.
وإذا ثبت معاني ذلك فيها لهذه العلل، لم يبعد معنا أن يلحق مثل ذلك (3/165)
صفحة 614
السنور، لما ثبت فيه وما يشبهها وما لحقها من معانيها، لأنه إذا لحق الشبه بمعنى فقليله مثل كثيره، وهو معنا أقرب منها لما قد ذكرنا فيه مما يخرج به منها من التعارف بأنه يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارة، بما يشهد له في أكثر أحواله وعاداته، ولا يشهد بمثل ذلك للسباع معنا، كما يشهد له في التعارف للسنور، فلهذا الحال خرج معنا من معنى السباع في جملتها، وكان أهون منها ما يلحقه معنى حكم الطهارة مثلها والنجاسة والكراهية، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ثبوت الأصل لها في الطهارة، مع مفارقتها للسباع بهذا الوجه أحببنا أن يكون في معنى الطهارة كلها إلا ما قد ثبتت نجاسته منها.
فسؤر السنور معنا ورطوباته وجميع ما خرج من فمه ومنخريه، وعرقه معنا بمعنى الطهارة فيما نحبه من أمره، وأما قيؤه وبوله وخبثه، فهو بمعنى السباع لثبوت ذلك فيها بمعاني الإجماع وشبهها لها في معاني ما يلحقها الحكم بإخراجها من معاني الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال والحمير وما أشبهها، أما مخطمة السنور فقد جاء فيها في بعض قول أصحابنا خاصة أنها نجسة وأن مسها ينقض الطهارة.
وأحسب أنهم يذهبون في ذلك إذ هي رطبة في عامة أحوالها، وأنها يلحقها الريب إذا تنجست أنها لا تزال نجسة لأنها لا تيبس ولا يفارقها معنى النجاسة إذا تنجست لموضع رطوبتها على الأبد، ومعنا أن مخطمة السنور كسائر بدنه وفمه، وكذلك لأنه يخرج من معاني قول أصحابنا لعله على معنى الاتفاقَ أنه إذا تنجس شيء من الدواب، أن طهارته تغيِّر حال النجاسة منه بأي وجه تغيرت، وأن طهارة أفواهها إذا تنجّست أن تغيب بقدر ما تأكل شيئا أو تشرب أو تأكل شيئا، أو تشرب شيئا في الحضرة، فإن طهارة أفواهها أن تأكل أو تشرب أو تغيب بقدر ما تأكل أو تشرب، ولا أعلم في معاني هذا بينهم اختلافا، فلو كانت النجاسة لا تطهر من الدواب حتى تطهر لم يكن شيء من (3/166)
صفحة 615
الدواب طاهرا، وإذا ثبت أن طهارة الدواب إذا تنجست زوال النجاسة منها كان في الاعتبار، لا يخرج معاني الدواب أن تخلو من المواضع الرطبة منها والمواضع اليابسة، وأن زوال النجاسة يأتي في الاعتبار في معاني حكمه مق المواضع الرطبة منها، كما يأتي على اليابسة لثبوت معنى الرطوبة أنها من ذوات الطهارة إلا من ذوات النجاسة، ولم يكن معنى الرطوبة في المخطمة من السنور من ذوات النجاسة، ولا من دوام النجاسة ولا من أسباب النجاسة.
وإنما ذلك من معنى الطهارة الأصلية من ذوات السنور، فزوال عين النجاسة من المخطمة ولو كانت رطبة هو طهارتها كما كان زوال عين النجاسة من الموضع اليابس من السنور هو طهارته، فلا فرق في ذلك ولا معنى يوجب لذلك إلا بدليل، وعلى معاني الحقيقة إن لم تكن المخطمة أقرب إلى الطهارة من سائر البدن لمعنى ثبوت الطهارة فيها على الأبد من ذوات السنور، وعلى معنى الطهارة من الدواب من الطهارات، قد ثبت أنه مضاهٍ للنجاسات من الريق والمخاط، في مخالطة الدم له لثبوت ذلك في بعض القول أنه يطهر النجاسات إذ هو ضرب من الطهارات يزيل معناه عين النجاسات، فكان معنى المخطمة من السنور لعلته معنى الطهارة فيها على الأبد، أولى أن يكون أطهر ما يكون من السنور وإن لم تكن هي، وسائر السنور سواء أقل ذلك، ولا نوهن قول أحد من المسلمين ولا نضعف، ولا نخطّىء في شيء من قوله ولا نعنّف، ومع ثبوت معنى فساد سؤره لمعاني ما يلحقه من الريب تثبت وتقويه لمعنى فساد مخطمه، لأنها رطوبة والرطوبة منه إذا فسد سؤره مفسدة، لأنه لا يكاد أن يجف من الرطوبة، فمعنى مسها بثبوت لمس الرطوبة، والرطوبة مفسدة للوضوء و للطهارات الرطبة مفسدة منها، واليابسة والنجاسة لا تفسد إلا الطهارة الرطبة، ولا ينقض وضوء المتوضىء إلا أن يمسهما برطوبة، ولا يستقيم أن يفسد سؤره، وينقض مس مخطمه بمعنى الرطوبة إلا وسائر رطوباته مفسدة، ولكنه لم يطلق في فساد وضوء المتوضىء مس (3/167)
صفحة 616
المخطمة، إلا لمعنى رطوباتها على الدوام.
وأنه كل ما مسها وهي رطبة، والنجاسة الرطبة تفسد الرطب واليابس، وتنقض وضوء المتوضىء كان رطبا أو يابسا، فلهذا المعنى معي وقع على مخطمة السنور، خصوصا نقض الوضوء من سائر السنور، إذ لا ينقض بالعموم مسه، إذ هو لا يحكم عليه في العموم برطوبة، فينقض على العموم، ولا يكون هذا على العموم في المخطمة إلا وهو كذلك في مخصوص في سائر بدن السنور، على معاني هذا القول، إلا أنه حتى يعلم رطوبته أو يكون المتوضىء رطبا بمقدار ما يرطبه برطوبته ويأخذ منه، وأما الفأر فلا تثبت عليه أحكام معاني النواهش من السباع على الأغلب من عاداته، ولكنه يلحق شبه السنور في معنى شبه خلقه، وتلحقه الاسترابة من طريق المراعي لا من طريق أكل المحرمات من الميتة وشبهها، وإن كان لا يتعرى من ذلك فإنه نجس الأغلب من حاله مثل السنور، وغير خارج من أحوال الريب من سوء المراعي للنجاسات وأكلها مما قد عرف به، فلم يخل من أشباه السنور لشبهه له في الخلق وشيء من الأخلاق من سوء المرض، ولم يخرج من حال الشبه لسائر الطاهرات من غير النواهش من السباع والطير، بخروجه من حال النواهش في العموم، والنواشر من السباع والطير، فلم يخل من شبه هذا ومن شبه هذا في تعلق القول فيه، فيلحقه أن يكون نجسا مفسد سؤره وبوله وبعره، هذا بالإضافة إلى أنه حرام لحمه، لمعنى شبهه لما يثبت فيه ذلك، ولا يخلو أن تلحقه الكراهية بغير تحريم، لما قد ذكرنا في جميع سؤره ورطوباته وبعره.
وقد قيل في بوله: إنه مثل بعره.
وقيل: إن بوله فاسد على حال، لأنه لا يكون أهون من الأنعام، وقد مضى معاني القول في الأنعام، ولا يخلو أن يلحقه معاني طهارة ذلك كله، وهو أشبه به معنا حتى تعلم نجاسته لثبوته في جملة الدواب الطاهرة، إلا بوله (3/168)
صفحة 617
وبعره، فإنه يلحقه معنى الاختلاف.
ويعجبنا معنى طهارة بعره لمعنى طهارة معنى روث الأنعام، ولما قد ثبت فيها إذ هي طاهرة في الأصل حتى تعلم نجاستها، وكذلك كل طاهر في الأصل من الدواب والطير لم يلحقه حكم معنى النواهش والنواشر، أعجبنا أن يكون مشبها للأنعام وغيرها من الدواب والطير، وان ذكي كان طاهرا، وأما جميع ما كان من الدواب الطاهرة في أبوالها وأرواثها من جميع ما يكون من الدواب والطير، وإن ذكي، كان نجسا بمنزلة الميتة، فإن ذلك مفسد معنا كل ماكان منه في المحيا والممات.
ومعي أن الذين يختلفون في بعر الفأر، منهم من يقول: إنه لا يفسد رطبه ولا يابسه، قليله ولا كثيره.
ومنهم من يقول: يفسد رطبه و يابسه، إذا كان مثل الطهارة من الطعام والدهن والماء، وما كان من الطهارات، ولا يفسد ما دون ذلك كان رطبا أو يابسا، ما لم يكن مثل الطهارة.
ومنهم من يقول: إنه لا يفسد رطبه ولا يابسه حتى يكون أكثر من الطهارة.
ويعجبنا ألا يفسد قليله ولا كثيره.
ومنهم من يقول: يفسد رطبه ويابسه إذا كان مثل الطهارة من الطعام والدهن والماء، أو ما كان من الطهارة، ولا يفسد ما دون ذلك، كان رطبا أو يابسا ما لم يكن مثل الطهارة.
ومنهم من يقول: يفسد عند أحكام الاختيار والمكنة في هذه الأحوال واختلاف الفساد فيها، ولا يفسد عند الضرورات، وإن تنزه متنزه وأخذ بشيء من ذلك في غير تخطئة لأحد، ممن قال بغيره من القول، فغير بعيد ما قيل كله، لمعاني ما قد مضى من القول فيه، وإذا ثبتت طهارته –أعني (3/169)
صفحة 618
الفأر- فكله طاهر من سؤره ورطوباته وقرضه الثوب، وجميع سؤره من جميع الأشياء من الرطوبات واليبوسات 2.
واذا فسد وقوعه في الماء والطهارة، إذا خرج حيا، ثبت أنه كله نجس وفسد سؤره، وان كان من طريق مجاري البول منه، فكذلك الأنعام فيها مجاري البول فيلحق ذلك معناها أنها إذا وقعت في شيء من الطهارة أفسدت لموضع البول.
ومعي أنه قد قيل ذلك في الشاة إذا وقعت في البئر التي يفسد ماؤها، أنه قد قيل إنها تفسدها لموضع مجاري البول فيها، وقيل: لا يفسدها حتى يعلم أنه كان فيها حين وقعت شيء من البول أو النجاسة قائم بعينه، فإذا ثبت هذا في الشاة فلعل الفأر مثلها، وأقرب إلى ذلك لموضع الاختلاف في سؤرها، ولأنه لا خلاف في سؤر الشاة، والاختلاف في بعر الفأر ولا اختلاف في بعر الشاة، والفأرة عندي أشبه بمعاني الفساد إذا وقعت في الماء أو في غيره من الرطوبات المائعة من الخل وغيره، مثل اللبن والسمن وأشباه ذلك، ولو خرجت حية بمعنى ذلك الذي يختلف فيه منها، ولا يختلف فيه من الشاة، و اذا ثبت في الشاة أنها تفسد البئر إذا وقعت فيها وخرجت حية لموضع معنى مجاري البول، فغير البئرمن الطهارات مثل البئر إذا وقعت فيها.
وأما ميتة السنور والفأر، فإن ذلك يخرج من معنى الاتفاق أن ذلك فاسد نجس حرام، لأنهما من ذوات البرية من ذوات الدماء الأصلية، وسواء ماتا فى الطاهرات أو ماتا ناحية ثم وقعا في الطهارة، فهما مفسدان بما مسّا من الطهارة، وهما ميتان أو ماتا فيه من الرطوبات المائعات.
وأما ما كان من جميع الطهارات الجامدة غير المائعة، فمات فيه شيء من الدواب المفسدة، أو ماتت ثم وقعت فيه وهي ميتة، فإنه إنما يفسد من (3/170)
صفحة 619
تلك الطهارة ما مس الميتة ولصق بها.
وأما ما لم يمس الميتة ويصل إلى بشرتها في مماستها، فلا يقع عليه حكم فساد كانت الطهارة أصلها من الجامدات، أو جمد بعد أن كان مائعا، فإذا كان جامدا جمودا لا يمنع، فيأخذ من بعضه بعض فإنه إنما يفسد من جميع ذلك ما مس الميتة، ولو خرج شيء من الطهارة على الميتة، إذا خرجت من الطهارة الجامدة قد احتملته الميتة، فإن ذلك معنا لا يفسد منه إلا ما مس نفس البشرة الميتة من الطهارة، وأما غيره فلا يفسد ولو احتمل على الميتة حين يخرج، ولو كان كلما خرج على الميتة مفسدا لموضع، إذ هو مما مس النجاسة التي قد تنجست نفس الميتة، لكان في الاعتبار يخرج أم جميع الطهارة التي وقعت فيها الميتة نجسة، لأنها مماسة لبعضها بعض متصلة ببعض، ولكن إنما يخرج في الاعتبار والنظر نجاسة، ما مس نفس الميتة فقط لا غير ذلك، خرج معها أو لم يخرج معها، و اذا أثبت نجاسة ما خرج معها لما لم يمسها لمعنى مماسته بعض ذلك البعض، ثبت فساد ذلك كله لمعنى المماسة، فافهم معنى ذلك.
وإذا ثبت ذلك في السمن الجامد والعسل الجامد، فمعي أنه قد جاء في معاني ما يشبه ذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفأرة تقع في السمن الجامد، وثبوت معاني هذا فيها أنه إنما يفسد من السمن الجامد، ما مس الفأرة الميتة.
وجاء مؤكدا في الأثر في العسل الجامد مثل السمن الجامد، ولعله شبيه به، و إذا لم يكن السمن والعسل مائعا، فمعنى أحكامه الجامدة، لأنه إما أن يكون جامدا وإما أن يكون مائعا، فإذا كان مائعا فسد كله، وإذا كان جامدا فإنما يفسد منه ما مس الميتة والنجاسة الحالة فيه، مما يشبه الميتة، أو ما يشبه ما لا يميع فيها ولا يخالطها بذاتها، فإنما يفسد من ذلك ما مس النجاسة.
ومعي أنه ما أشكل من ذلك في الاعتبار، مما لم يصح حكمه جامدا، أو مائعا، وقد مسته هذه النجاسة على معاني هذه الصفة، فأصله من (3/171)
صفحة 620
المائعات حتى يستحيل في معاني أحكامه إلى الجمود، فمعي أنه يخرج على معاني أصل أحكامه أنه مائع حتى يعلم أنه قد جمد، والنجاسة أشبه به في معاني أصل حكمه، ما لم يخرج إلى معاني يطمئن القلب إلى حال جموده، وأنه لا يمنع في بعضه بعض، وإذا كان أصله من الجامدات، فأصل أحكامه أولى به حتى يصح أنه مائع، وأنه ماع أو صار إلى حد المائع، واللبن عندي مثل السمن وأصله مائع، فإذا صار إلى حد الجمود، وما صار منه إلى ذلك الحد، وأشبه السمن في جموده كان مثله ولحقه حكمه.
وكذلك جميع ما لحقه حكمه ولو كان من الماء الجامد في البرودة، فكان ذلك حكمه واحد ومعناه واحد، لمعنى تساويه وتشابهه، وكذلك ما كان من الأطعمة والطهارة الرطبة الجامدة من التمر المكنوز والمعجون والطحين المعجون، إذا كان عجينا جامدا ليس بمائع.
وكذلك ما كان من الأطعمة الجامدة الرطبة من الحلوى، وغير ذلك من الأرز المطبوخ الجامد الرطب، وما أشبهه من الأطعمة المعمولات بالنار من الحلاوات وغيرها.
وكذلك الثريد وكل ما كان من هذه الأسباب، وإن اختلفت أنواعها، فإذا استوت معانيها في الجمود فحكمها في هذا المعنى سواء، وما كان أصله من جميع ذلك جامدا في الاعتبار، وإنما هو مستحيل إلى حال المائع من جميع ما ذكرنا، واشتبه معناه ولم يصح ميَعانه في حكم نظر الاعتبار له ممن يبصر ذلك، فأصله أولى به حتى يعلم أنه مائع، إلا أن تغلب الشبهة والارتياب عليه بميَعَانِه، فالأغلب من الأمرين أوْلَى في حكم الاحتياط، والخروج من الريب والشبهة، وإن وقعت الميتة في شيء من هذا كله وهو واحد، فيه شيء جامد وفيه شيء مائع متماس كله، فإن وقعت في الجامد منه فالقول واحد، وإنما يفسد ما مس الميتة من ذلك وما بقي من الجامد، والمائع الذي يمس الجامد ولا يميع فيه، ولا يمسه طاهر جميع ذلك معنا في الاعتبار، ولو كان كله في إناء واحد أو في موضع واحد، ما لم يمس المائع منه الميتة، أو ما مس الميتة بعينه مما يقع عليه (3/172)
صفحة 621
حكم النجاسة من الجامد، ويصير ما مسته النجاسة من الجامد بحد المائع لمماسته المائع.
وإذا ثبت حكم المائع نجسا فهو فاسد، ولو جمد بعد ذلك بمعنى من المعاني فيما قيل، ما لم يستحل حكمه إلى الطهارة بمعنى من المعاني، ومعاني ذكر ذلك يتسع ويطول، ولعله يأتي في موضع من المواضع نجس، ذكر ذلك بذكر معاني طهارته، إذا تنجس كل شيء بعينه.
1 - الآية 58 من سورة النور
2 - الذي يراه الإمام السالمي (وغيره) أن الفار من الفواسق المطلوب قتلها، لأنه غير طاهر كله ولا سؤره ولا رطوباته فيها طهارة. (3/173)
صفحة 622
[صفحة بيضاء] (3/174)
صفحة 623
باب الحيات والأماحي والخنازير وما أشبه ذلك
الحيات والأماحي والخنازير مفسد سؤرها وما ماتت فيه، وكذلك خبثها مثل خبث الفأرة مفسد.
وقال من قال من الفقهاء: لا بأس ببعر الفأر اليابس إذا طبخ مع الأرز وغيره!!
وحفظ لنا الثقة أنه إذا كان بعر الفأر والدهن بحيث يكون البعر نحو النصف من ذلك، وبكون الدهن النصف فإنه لا يفسد.
قال غيره: الحيات والأماحي، وما أشبه ذلك مما هو مثله، من الخنازير، وما أشبه ذلك من جميع الدواب، وان اختلفت أسماء ذلك في لغات الناس، فهي متفقه في شيء واحد.
وكذلك لو اختلفت أجناس ذلك من الدواب مما هو مثله، مما لم يثبت في جملة التحريم في كتاب الله أو سنة أو إجماع، فهو خارج من جملة الدواب المحللات الطاهرات، إلا ما لحقه من ذلك منها حكم الاسترابة، تؤديه إلى نجاسة وكراهية، فلكل شيء من ذلك حكمه، وخارج ذلك عليه لمعناه إذا ذكر فيه، مما يجب فيه من حكمه ومعنى اسمه:
فأما الحيات والأماحي وما أشبه ذلك، فإن ذلك يخرج عندي في التشبه لمعاني الدواب النواهش المحرمات، من الميتة وأشباه ذلك، لمعنى السباع الخارجة معنى السباع في معاني ما يعرف معنا، من الأغلب من أمرها أنها (3/175)
صفحة 624
سبُع، وأنها تنهش، وهي خارجة معنا في هذا الوجه بمعنى حكم السباع، ويلحقها معنى السباع في هذا الوجه، إلا أنها تخرج في حال هذا المعنى معنا عن شبه السباع، في ثبوت معانيها، أنها من ذوات الماء، أي مما تعيش في الماء، وليست السباع من ذوات الماء ولا مما يعيش في الماء، فمعى أنه يخرج ويلحق حكم معاني هذه الأشياء، ولاشتباهها بها.
فعلى قول من يقول بنجاسة سؤرها وفساد رطوباتها، ويلحق هذا الجنس من الدواب ما يلحقها لشبهها لها.
وكذلك معاني بعرها على هذا المثل يشبه خبث السباع، وأما بمخالفة هذه الأجناس من الحيات والأماحي وأشباهها فإنها مخالفة للسباع، فمعناها أنها تعيش في الماء، وأنها من ذوات الماء، وأنها تعيش في البر وفي الماء، وليس كذلك السباع، في ثيء من معانيها، لأنه لما كان القصد من الطهارة في الأصل إِزالة الأنجاس، ولما أن ثبت هذا لهذه الدواب لم يلحقها جميع الشبه، في جميع معانيها للسباع في أشياء من أحكامها.
فكذلك عندي فيما أحسب قيل إن بعر هذه الدواب وأبوالها لا يبعد بمعنى سائر الدواب الطاهرة في معنى شبه أرواثها وأبعارها، ولمعنى شبه ذوات الماء في أبوالها على معاني ذلك فيها.
ومعي أنه لما كان الماء الذي غيرت النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه أو أكثر أوصافه فإن ذلك يخرجه عن طهارته، فيخرج عندي في هذا أنه تفسد أبوالها ولا تفسد أبعارها، ويخرج أنه يفسد كل ذلك منها من أبوالها وأبعارها ولا يفسد أسئارها، وأنها تكون طاهرة الأسئار في قول من يقول بذلك، من السباع من الدواب والنواشر من الطير.
ويخرج في بعض معاني القول إنه يفسد بعرها وبولها وسؤرها، وهو أولى (3/176)
صفحة 625
الأقوال عندي لموضع الاسترابة من كل ما تتعامل به من بقاياها.
ويخرج في بعض معاني القول أنه يفسد أبوالها وأبعارها ويخرج سائر رطوباتها وأسوارها بمعنى الكراهية عن الطهارة دون النجاسة لمعنى الاسترابة.
ومعي أنه يخرج في بعض معاني ما قيل أنه لو مات مثل هذا في الماء لم يفسده إذ هو يعيش في الماء وفي البئر جميعا بحسب ما قيل في الضفادع، إذ هي تعيش في البئر والماء جميعا، ويعضد ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: إنه يُسْتَقَى من بئر بضاعة وهي لئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحائض وعذرة الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ينجسه شيء "1، فحمل شراح الحديث ذلك على الإجزاء، كما هو ظاهر الحديث وعلى أن النجاسة هنا وقعت في الماء الكثير، من باب اعتبار أن النجاسة اليسيرة غير مؤثرة في الماء الكثير، إذا كان يتوهم عدم سريان النجاسة في جميع أجزائه.
فيختلف عندي في ميتة هذه الأنواع في الماء، وأما في سائر الطهارات فإن ميتتها في مثل هذا كله من الضفادع والحيات والأماحي وما أشبه ذلك مما هو مثله، فمفسد جميع ذلك جميع الطهارات مثله، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
والفيصل عندي في هذا تبعية السؤر للحم في أحكامه، مع الاحتراز بالنسبة للحيوان الذي لا يتوقى النجس كالجلالات، وكذلك فإن موت الحيوان بدون ذكاة سبب لنجاسته شرعا.
وعندنا نجاسة أسئار الكلاب وبشرتها، وكراهية لحوم السباع وأسئارها مطلقا، وكل ما سوى الحيات والأماحي وما أشبه ذلك من الخنازير والغيلم وأشباه ذلك من الدواب، فإن ذلك كله معناه خارج بمعنى الطهارات من الدواب في جملة ماء هو خارج من المستثنى في الطهارات، إلا ما لحقه من ذلك (3/177)
صفحة 626
الاسترابة لوجه من الوجوه من طريق المرعى والنهش لشيء من الميتة والحرام.
وعندنا أن ميتة غير ذوات الدم طاهرة في الأصل، ومثلها ميتة الدواب البحرية، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بمقل الذباب إذا وقع في الطعام، فهو يدل على طهارة الذباب وذلك لأنه ليس بذي دم.
كما أنه لا نعلم خلافا على أن دم الحيوان البري نجس، ولكن الخلاف ورد في دم السمك، والدم القليل من غير البحري من الحيوانات، ومذهبنا أن دم السمك طاهر، وقاعدتنا أن الدم الخارج من مكانه من ذلك الحيوان نجس، وأحسب أن هذه الأشياء لا يلحقها معنى أشباه الحيات والأماحي من طريق أكل الدواب الميتة، ولا مما يشبهها، وإنما يلحقها الاسترابة من طريق المراعي عندنا، وشبه ذلك وكل ذلك مستراب، ولا يبعد من معاني ما يلحقه من أحكام الاسترابة من النجاسات.
ومعي أن كل ما يخرج من دُبر أو قُبل من فضلة أو رطوبة أو حيوان أو طعام أو ماء دخل الجوف فخرج ولم يتغير بصفة عن حاله، وكل ما خرج من خيشوم أو حلق فوجد طعمه كالقلس والقيء والرجيع والقيح، وكل جسم غريب وصل الجوف ثم خرج، سواء كان من أعلى أو أسفل فهو نجس، ويخرج من معاني بعض القول أشباه ذلك كله بمعنى الحيات والأماحي في جميع ما مضى من القول من فساد أسئارها وأبعارها وأبوالها ولحومها، وجميع رطوباتها، الجميع لمعنى ما ذكرنا من الاسترابة وأشباهها لبعضها بعض، لمعاني النجاسات وإن اختلفت النجاسات فمعانيها واحد.
ومعي أنه اختلف أهل العدل من المسلمين في كل دم مجتلب في ذات روح من دابة أو طائر من البريات: فقال من قال: إن كل دم مجتلب ليس بأصل في ذات ذوات الروح من (3/178)
صفحة 627
الدواب، والطير من البريات فهو طاهر، لأنه معهم بمنزلة الدم الميت المتحول عن حاله إلى حال غيره، ولو كان في أصله فاسدا، فقد تحول عن أصله إلى غيره باحتماله في ذات غيره مما لا دم فيه.
وقال من قال: إن ذلك الدم فاسد، لأنه دم بعينه وحيثما تحول فهو دم فاسد، وكل ذلك جائز.
والقول الأول أوسع، والقول الآخر أحوط.
ويوجد في ذلك قول ثالث: إنه لا يفسد به عند الضرورة إليه، ويفسد به عند السعة بغيره وإلى غيره، وهذا قول حسن، والله أعلم.
ومعي أنه قيل: تفسد أبوال هذه الدواب وأبعارها، ويخرج في جميعها من معاني الاختلاف ما يخرج في الحيات والأماحي وأشباه ذلك، إلا أنه لا أعلم اختلافا أن ميتة هذا من الدواب مفسد لكل ما مست من الماء وغيره، ولا يلحقها معاني الاختلاف في حكم ميتتها خاصة، إلا أنها تفسد جميع ما مست من ماء وغيره، وسائر ذلك من أحكامها، فيلحق القول فيها ما يلحق القول في الحيات و الأماحي.
وقد مضى عندي معنى القول في ذلك، وذكر ما خص من الاختلاف في معاني ذلك.
ومعي أن بعضا يذهب في فساد مثل هذا كله، ففي معنى المكنة والاختيار والتوسع فيه عند معاني ما يشبه الاضطرار وما خرج في حال المكنة وحال الاختيار فهو مشبه له في بعض معانيه بمعنى الاضطرار.
ويجمع على نجاسة تلك الدواب، وقد قال من قال: إنه أحل لأهل المدر من ذلك أشياء محرمة على غيرهم ممن ليس لحالتهم حق الرخصة، والرخص لا يقاس عليها.
والذي عندنا أن مسائل الاجتهاد لا يقطع فيها العذر ما لم يقطع المجتهد (3/179)
صفحة 628
على أسبابها، فالأسماء المشتركة بين الحيوانات البرية والبحرية قد ورد الشرع بتحريمها عموما، ولكن ورود اسم الخنزير مطلقا إنما يقع على البري إلا إذا وردت قرينة تدل على غيره.
والذي يعيش في البر والبحر إن مات في الماء لم يفسده وإن مات في الطعام أفسده كالضفادع وغيرها.
وقد اختلفوا في جلود ميتة هذه الدواب، فمن كانت عنده محرمة فلما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم جلود السباع، والله أعلم.
1 - أخرجه أبو داود (3/180)
صفحة 629
باب العقارب والدبى والضفادع
العقاوب والدباب والذباب، وكل دابة لا دم لها فلا تفسد حية ولا ميتة.
أما الذباب وسائر الحيوان الذي لا دم فيه فعندهم أنها طاهرة وأن الدليل على طهارتها، ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمغلوه ثم أخرجوه " وفي رواية: "فامغلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء"1. وأنه يقدم الداء ويؤخرالشفاء وعلة ذلك أنه لا دم فيه.
وعلى هذا كل ما لا نفس سائلة له مثل العقرب والزنبور والجعل والعنكبوت وما أشبه.
وفي قول من يقول بنجاسة ميتة الحيوان الذي لا دم فيه يرى أن الحديث فيه تخصيص في الذباب خاصة.
والذي عندنا أن ما شابه المحرمة من الهوام مثل الحيات والأماحي وما أشبهها لأنها تاكل اللحم وتعدو كالسباع، وما شابه الحلال فهو منه مثل الحشرات التي تستخبثها النفوس، وموضع الشبه إنما هو في الأكثر في ماكلها، والدليل على ذلك القول قوله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث"2.
وعندنا أن الحرام ما حرمه الشرع وليس بالنظر إلى استقذاره، وقد قالوا في الضفادع قولان، وفضلاته ما دام في الماء طاهرة، ويستحيل في حكم الضفادع البرية، قيل: إذا فارق الماء، وعندي أن الضفادع مفسد بعرها وبولها إذا جاءت من البر، وأما إذا جاءت من الماء فلا يفسد بولها ولا يفسد (3/181)
صفحة 630
ما ماتت فيه من الماء، لأنها من ذوات الماء.
وأما إن ماتت في طعام أفسدته، وأما إن ماتَ في البر ثم وقعت في طوي أو في وعاء فمه ماء وهي ميتة، قال محمد بن المسبح: لا تفسد إلا أن تكون جاءت من الأقذار، وان ماتت في خل فإنها لا تفسد، لأنها ليست من ذوات الخل.
قال غيره: وأما العقارب والدبى وكل ما لا دم فيه في الأصل ولا دم فيه مجتلب من جميع الطائر والدواب، على تفصيل في ذلك، فإن ذوات المخالب من الطير فهي سباع الطير شبهوها بسباع الوحش لأنها تصطاد وتعقر وتاكل اللحم، وربما كان منها ما له ظفر ولا مخلب له كظفر الغراب والرخمة.
فإن قيل: إنها لا تدخل في التحريم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ذوات المخالب.
قيل له: لم يكن التحريم بسبب المخلب ولا بسبب الناب و إنما هو علامة تميز بها سباع الطير، كما جعل الناب علامة تميز بها سباع الوحوش.
إنما قصد التحريم بسبب أنها تصطاد وتعقر وتاكل اللحم لم وإن لم تكن ذوات مخالب.
والرخمة أقذر الطير طُعمة، لأنها تاكل العذِرَة وتقع على الجيف كالغربان، والدجاج لا يقاس على الرخمة لأنه في الأغلب الأعم يطعم الحب وانما يقضَى بالأغلب، وذلك مثل العصفور فإنه أيضا يشبه سباع الطير باعتباره يلقَم فراخه ولا يزق وياكل اللحم ويصيد الجراد، ومع ذلك فالأغلب عليه لقط الحبوب.
وكذلك الدواب يخرج في معاني أحكام الاتفاق وما يشبه السنة أنه طاهر حيا وميتا، ولا يفسد منه شيء لما يثبت من السنة في ذلك أنه مشبه للجراد، ولما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحل ميتة الجراد.
وإنما هو شيء من الطير من ذوات البر، لا من ذوات الماء، ولا يستقيم في معاني ما يصح في أحكام الإسلام أن يكون طاهرا ميتا يلحقه شيء من النجاسة في الحياة، من سؤر أو (3/182)
صفحة 631
بول أو بعر، أو شيء من الأشياء مما خرج منه، ويشبه معاني الاتفاق من القول وما أشبه السنة أن كل شيء من ذوات الأرواح البرية من الطيور البرية والدواب من غير ذوات الدماء الأصلية لم تكن مجتلبة بشيء.
وعندنا أن نجاسة سؤر الكلب وبشرته ولكن كراهية لحمه، وكره أيضا لحوم السباع وأسئارها قوم منا إلا الضبع والثعلب فهما حلال اللحم مكروه سؤرهما.
وذهب آخرون إلى نجاسة أسئارها مطلقا، وقد حملوا حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي رواه ابنه عبدالله عن أبيه وفيه أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع، فقال: "لها ما ولغت في بطونها ولكم ما غَبَرَ"، وقد حملوا ذلك على أن هذا العفو إنما كان للجهل بنجاسة الحياض دفعا للمشقة، ولكن هذا ليس دليلا على طهارة أسئارها مطلقا، لترتب العفو على دفع المشقة، كما عفي عن سؤر الهرة باعتبارها من الطَّوافات في المنازل، ولذلك يعسر الاحتراز عنها غالبا.
وقد قيد بعض حديث عمر-رضي الله عنه – بما فوق القلتين.
وقد اختلفوا في ميتة غير ذوات الدم:
فقال قوم بطهارتها، وهو عندنا الأرجح، لأن التحريم في قوله تعالى: إنما حرمت عليكم الميتة .. " من باب العام أريد به الخاص فاستثنى البعض ميتة البحر.
وعندي أن جيع هذه الأشياء من ذوات الأرواح البرية من الطيور البرية والدواب من غير ذوات الدماء الأصلية، أنها طاهرة في الممات والحياة، وأن جميع ما خرج منها فهو تبع لها من فم أو دبر من بول أو بعر أو ما أشبه ذلك، ولا يثبت ولا يستقيم في هذا النوع من ذوات الأرواح معنا معنى (3/183)
صفحة 632
الاختلاف.
وأما ما كان من جميع ذلك مما ليس له أصل دم من جميع الدواب والطير، فاجتلبت دما فكان فيها دم مجتلب، فيخرج في معاني ذلك منه الاختلاف.
والقول عندي أنه في بعض القول أنه ميتة، وأحكامه بمنزلة سائر الدواب من ذوات الدماء الأصلية.
وإذا ثبت معاني ذلك فيه أفسد ما خرج من ذرقه، لأنه -مشبه لمثل ما قيل فيه من الدواب لا على معاني الاختلاف فيه.
وكذلك إن ثبت لشيء من ذلك بول أشبه فيه معاني الاختلاف في بوله، على قول من يقول بذلك في الدواب، مما يخرج هذا على شبهه، والأبوال أقرب إلى معاني التشديد من جميع الدواب البرية، من ذوات الدماء الأصلية، لثبوت فساد بول الأنعام في قول أصحابنا.
وعندنا نجاسة أبوال الأنعام مطلقا إلا ما يعيش منها في الماء، وأما إباحته صلى الله عليه وسلم للعرنيين بشرب أبوال الابل وألبانها، فذلك لأجل الضرورة3، ذلك لأن أهل المضرة يحل لهم أشياء محرمة على غيرهم ممن ليس في مثل حالتهم، رخصة من الله سبحانه وتعالى.
وعند بعض علمائنا - رحمهم الله - أن أرواث الأنعام كلها طاهرة، ودليلهم ما روي من أن الجن اشتكوا إلى وسول الله، قلة زادهم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "كل عظم ذكر اسم الله عليه فهو لحم غريض، وكل روث هو علف لدوابكم "، فقالوا: إن بني ادم ينجسونه علينا. عند ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث.
وقد اختلفوا في الأرواث بسبب نظرتهم لتبعيتها للحومها، فما كان من (3/184)
صفحة 633
الحيوان لحومه مباحة فأرواثه طاهرة، وما كانت لحومه محرمة فارواثه نجسة محرمة، وما كانت لحومه مكروهة فأرواثه مكروهة، وقال بعضهم: إن أرواثها تابعة لمآكلها، فما كان من الحيوان يأكل اللحم والجيف والأنجاس، فارواثه منجوسة، كالسباع والجلالة من البهائم والدجاج، وما كان من الحيوان يأكل العشب ويلقط الحب فزرقه طاهر. وقلد مضى القول بان الأبوال نجسة مطلقا عندنا.
وقد مضى ذكر تكرير مثل هذا في معانى ما ذكرنا من ذلك، وإذا ثبت فساد ميتة مثل هذا لم يتعر أن يلحقه سائر أحكام الدواب التي تفسد ميتتها من جميع ذلك، لأنه يلحقه الاسترابة من طريق معيشته من الدم النجس فيما يتعارف من أمره في هذا، فهو ما يشبه المسترابات في معاني ذلك.
وهذا يلحق حكمه والأشباه منه وفيه جميع ذوات الأرواح من الدواب والطير ومن البراغيث والقردان والحلم وأشباه ذلك والذباب والبعوض والكتك، وأشباه ذلك كله، مما يخرج حكمه أنه مجتلب للدماء ويخرج فيه حكم ذلك.
وعندنا أن دم البرغوث والحلمة والقردان والقمل، أصح الأقوال نجاسة ذلك كله، ورأى البعض طهارته خاصة ما يتصل منه بالبدن أو الثوب من القمل، أو ما لا يتحرز عنه البق والبرغوث في موضعهما دفعا للحرج، وما جعل الله في الدين من حرج، وقد مضى القول أن كل دم مجتلب في كل ذات روح من دابة أو طائر من البريات، وليس باصل في ذات ذوات الروح فهو طاهر، لأنه بمنزلة الدم المتحول عن حاله إلى حال غيره، ولو كان في أصله فاسدا، فقد تحول عن أصله إلى غيره باحتماله في ذات غيره مما لادم فيه. وهذا القول أوسع لأن فيه رفع الحرج. (3/185)
صفحة 634
وأما ما لا يلحق فيه حكم معاني ذلك من اختلاف الدماء من الدواب والطير مما لا دم فيه، فذلك ثابت معان أحكامه أنه طاهر في المحيا والممات، وجميع ما خرج منه وجميع أسبابه.
1 - رواه البخاري وأحمد.
2 - جزء الآية 157 من سورة الأعراف.
3 - متفق عليه (3/186)
صفحة 635
[صفحة بيضاء]
باب الضفادع ونحوها
وأما الضفادع فإنه يخرج معاني أحكامها عندي أنها من ذوات الأرواح والدماء الأصلية، وتلحقها أحكام الدواب البرية في عامة أحكامها.
وقد مضى القول بان بعر الضفادع وفضلاتها ما دامت في الماء طاهرة، وقد يشبه فيها معاني أحكام الدواب المائية، فاما سؤرها فلا أعلم فيه قولا بالكراهية، لأنها خارجة عندي في حال الاسترابة إذا جاء من البر، لأنها في البر يلحقها معاني الاسترابة من مراعي الأقذار، فإذا جاءت من البر لا يبعد أن تكونن طعمت شيئا فيه خبث ونجاسة فيلحقها حكمه، وعندئذ تكون معاني أحكامها أن يلحقها تبعا لذلك فساد سؤرها ورطوباتها وكراهيته، على معاني الاختلاف في غيرها من الدواب البرية المسترابة كاكلة اللحوم من السباع، وأكلة الجيف من سباع الطير ذات المخالب أو ذوات المخارط أو من الدواجن الجلالة، وإذا لحق الضفادع وغيرها من ذوات الأرواح والدماء الأصلية، معاني ذلك لم يبعد أن يلحقها معاني الاختلاف في لحمها وجميع رطوباتها لمعنى الاشتباه لها في سائر الدواب في معنى الاسترابة.
وأما أبوالها فيختلف الأمر إذا كانت في الماء أو جاءت من الماء، فعندي أنها إذا جاءت من الماء أو في معاني ما يقرب من الماء فإن ذلك يخرج عندي فيها، ما لم تصر في الماء بحد ما يلحقها معاني الاسترابة في المرعى، لأنها من ذوات الماء، فإذا كانت في الماء أو في قرب الماء أو من الماء بنحو ما لا يلحقها ذلك من الموضع التي هي فيه حكم الاسترابة، ينقلها عن أحكام طهارتها بحكم الماء فيعجبني أن يحكم لها على هذه الصفة في أحكامها (3/187)
صفحة 636
المائية، كان مجيؤها من الماء إلى البر، أو من البر إلى الماء ما لم يلحقها حكم الاسترابة بما يعلم، أو بما يغلب من الشبهة لذلك.
فإذا ثبت لها معاني حكم ذلك على هذه الصفة، فقد قيل في بولها في هذه المنزلة من منازلها باختلاف:
فقيل: إنه مفسد.
وقيل: إنه ليس مفسدا.
ومعي أنه يلحقها معاني الاختلاف بمنزلة سائر الدواب في أبوالها، وان لم تكن أقرب في ذلك من غيرها فليست بأبعد.
وإذا ثبت معاني طهارة بول الحية والأماحي وغير ذلك من أشباهها، فالضفدع عندي أقرب أن يلحقها حكم طهارة بولها من أي وجه جاءت، وكانت فيه بمعنى الاختلاف.
فمن قال: فضلات الضفدع وابواله طاهرة ما دام في الماء، بنى قوله على أنه من الدواب البرية.
ومن قال: إنه يستحيل في حكم الضفدع البري إذا فارق الماء بثلاث قفزات.
ومعي أنه قد قيل في بعر الضفدع إنه مفسد على حال.
وقيل: إنه ليس بمفسد على حال من أي موضع كانت، ومن أي موضع جاءت.
ومعي أنه قيل: ليس بنجس إلا أن تاتي من مواضع الأقذار، ويعرف منها ذلك. (3/188)
صفحة 637
ويخرج عندي أنه يلحق ذلك بولها، وأنه قد قيل ذلك أنها إذا جاءت من الأقذار فهو مفسد، ولا يفسد ما لم يكن كذلك، ويلحق ذلك معاني ما وصفنا من حالها وشبه ذلك لمعنى أنها من ذوات الماء، وكما قد مضى من الأحكام أن ذوات الماء طواهر، وكذلك كل ما جاء منها طاهر، إلا ما ثبت حكمه محرما بكتاب أو سنة منصوص عليه أو بإجماع، ومثل ذلك ما ورد من أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنى زادهم، فلماانتهوا إلى البحر فوجدوا حوتا فاكلوا منه.
والدليل عندنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحل لكم ميتتان ودمان، فالميتتان الجراد والسمك والدمان الطحال والكبد"، وكذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته ".
وعندنا أنها على حالها مالم تنتقل عن حال الطهارة بمعنى حكم أو استرابة، أي أنها على حال الطهارة وعلى أصل الطهارة، فإذا ثبت أنها قد انتقلت عن حال الطهارة إلى ثبوت حكم الأقذار عليها والاسترابة بذلك، لحقها حكم ذلك حتى تتحول وتنتقل إلى الماء، ويرجع حكمها حكم المائية.
ومعي أنه بين الضفادع وبين الحيات والأماحي وما أشبه ذلك في هذا فرق لأن الضفادع إنما هي من ذوات الماء، وقد مضى القول أن لها أحكامها التي تختلف فيها عن الدواب البرية، وأن حكمها والمتعارف من أمرها أنها تحيا ويكون معنى ابتداء حياتها في الماء، وأنها تعيش في الماء، وأنها لا تعيش فيْ حين ذلك إلا بالماء، فمتى فارقت الماء هلكت في المتعارف وفي حكم القضاء عليها وفي أصلها من ذوات الماء الأصلية.
فيخرج عندي في حكم القضاء لها وعليها أنها ما دامت بهذه الحال، بمنزلة صد الماء، وأنها لا تعيش قي البر بحال، لأنها على هذا النظر لا تفسد (3/189)
صفحة 638
مادامت بتلك الحال ميتة ولا حية، ولا يفسد بولها ولا جميع ما كان منها من بعر ودمها بمنزلة دم صد الماء، وتفسد ميتتها للماء ولا في غيره في معاني حكم النظر بالاعتبار لأمرها بصحة الحكم فيها أنها من ذوات الماء بغير اختلاف.
فإذا انتقلت إلى حال ما تعيش في البر والماء، لحقها حكم الاختلاف عندي بما يلحق ذوات البر وذوات الماء، في كل أمورها في ميتتها وفي دمها، واذا ثبت لها حكم ذوات البر والمعيشة في البر، من غير أن تلحقها استرابة في سوء المرعى، بما يصح لها ذلك والخروج من ذلك بما لا شك فيه، من أنها لاتبلغ في حالها إلى مثل الاسترابة.
وأعجبني في هذا الحال منها أن لا يفسد بعرها بمعنى الاجماع في أبعار الأنعام وأرواثها أنها طاهرة، وأن دليل الطهارة هنا هو أن رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم جعلها للجن علفا لدوابهم، إذ لو لم تكن طاهرة ما سمح لهم بذلك.
وأعجبني ثبوت الاختلاف في أبوالها. فبعض يرى أن أبوال الأنعام تبعا لحرمتها، فسباع الحيوان والطير حرام، وغيرها يختلف.
وبعض يرى أن أبوال الأنعام نجس قياسا على بول الادمي، وكان أحب ذلك إليّ أن لا تفسد أبوالها، بمعنى أنها لم تنتقل من ذات الماء بحكم ريبة، وأنها لا تشبه في ذلك بقية الأنعام في حكم أبوالها، لأن الأنعام من ذوات الدماء الأصلية الفاسدة ومعيشتها من بعد أن تنتقل إلى ذوات الأرواح من معاني معيشة أمهاتها، وهي من ذوات الدماء الأصلية من الدواب البرية.
وعندي - على هذا النحو- أن معانيها تختلف، فإذا انتقلت عن هذه الحال إلى حال استرابة المرعى، فجاءت من حال البر من حيث يلحقها معاني الامسترابة، ولا يلحقها حكم ذلك بعلم ولا ما يشبه ذلك من الشبهة، وقد خرج عندي الاختلاف في فساد أبوالها وأبعارها، على النحو الذي أوردناه في (3/190)
صفحة 639
اختلاف الفقهاء من قائل بطهارتها أو نجاستها حسب تحريم لحومها أو حلها أو كراهيتها، وقد رجح عندنا القول بنجاستها، بل وأعجبني في هذا الموضع قول من يفسد أبوالها، ولا يعجبني أن تفسد أبعارها، إلا أن تكون تأتي من مواضع الأقذار بعلم من ذلك، أو بما يغلب عليه من الشبهة، فإذا ثبت من حال ذلك ومن مواضع الأقذار بعلم أو بما يشبهه من الشبهة، لم يخل عندي من الاختلاف في فساد أبعارها وأبوالها.
ويعجبني فساد أبعارها وأبوالها في هذا الموضع، وأبعارها أقرب عندي، ما لم تصِر إلى معاني الجلّالة.
وأبوالها عندي أشد إذا ثبتت راعية برية، لمعاني ثبوت فساد ذلك في الأنعام الطاهرة، فافهم معاني ذلك.
وإذا صارت الضفادع إلى حال تكون فيها برية وثبتت معيشتها في البر، خرجت من حال ما لا تعيش إلا في الماء، وعلى ذلك يتغير حكمها، لأن ميتتها عندي على ما يخرج من معاني أحكامها أنها مفسدة لجميع الطهارات ما سوى الماء، فإن ميتتها في الماء سواء كان الماء قليلا أو كثيرا، في بئر أو إناء أو في غيره من المواضع، فإنه يخرج عندي على معاني الاختلاف في فساد ميتتها للماء، إذا ثبتت مائية برية تعيش في البر والماء وأما غير الماء فلا يبين لي فسادها له ميتة، معاني الاختلاف ولا وجه اختلاف، لأنها قد ثبت حكمها أنها من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية.
ويعجبني ما لم يلحقهما الريب في المراعي، ولو ثبت عيشها في أكثر البر ما لم يلحقها الريب من سوء المرعى.
ويعجبني أن لا يفسد الماء إذا ماتت فيه على حال، فإذا لحقها الريب أعجبني قول من يفسد ميتتها في الماء، وبخاصة إذا جاءت من الأقذار في حين (3/191)
صفحة 640
ذلك ثم ماتت في الماء، فهنالك أقرب في ثبوت فسادها عندي، ما لم تكن جلالة، فاذا ثبت معناها جلالة أفسدت على حال، وكانت فاسدة مفسدة حية وميتة، ومفسدة ميتتها، حيثما ماتت، ومفسد جميع ما خرج منها من رطوبة أو بول أو بعر، وكذلك ما ثبت حكمه من جميع الدواب جلّالا، من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية من طائر أو دابة خرج عندي معنى حكمه، إذا ثبت معناه واسمه جلاّلة، إلا أنه بهذه المنزلة حرام مفسد لحمه وسؤره ورطوباته وخبثه وميتته في جميع ما كان من خبث ما كان.
وأما الحيات والأماحي وأشباه ذلك، فمعي أن أصل مبتدأ ذلك يخرج من البر وفي البر، ومعيشة ذلك في البر، وإنما يلحقه بعد أن يصير من ذوات الأرواح حكم معاني الدواب البرية و الدماء الأصلية من جملة الدواب الطواهر غير النجاسات، والحلال غير المحرمات فأحكامه قبل أن تثبت له معاني معيشته في الماء أحكام الدواب بجميع أحكامه، ولو مات في الماء في ذلك الحال لكان مفسدا للماء، ولم يخرج عندي في معاني ذلك اختلاف، فإذا صار في حال يعيش فيه في الماء والبر، ولحقه معاني ذلك لم يبعد عندي ذلك أن ينتقل إليه ويلحقه معاني الاختلاف كما انتقلت الضفادع من حال ذات الماء، وحكمها إلى معاني حكم البرية بمعيشتها في الماء والبر، وما لم يثبت لذوات الأرواح البرية حكم معيشة في الماء بما لا يرتاب فيه من ثبوت معاني ذلك وقربه، كما ثبت على الضفادع حكم ذلك في انتقال أحكامها، فكل شيء على أصله حكمه، حتى ينتقل عنه بحكم علم أو غالب من الأمر، يأتي عليه مما لا شك فيه من الطمأنينة إليه أو الاسترابة فيه.
ويعجبني على كل حال إفساد ميتة الحية والأماحي وأشباه ذلك للماء وغيره من جميع الطهارات في جميع الطهارات، لأن أصل ذلك بري لا مائي.
ومعي أنه إذا ثبت معاني ميتة ذوات الماء أنها لا تفسد الماء من (3/192)
صفحة 641
الضفادع وما أشبهها مما تعيش في البر والماء، ويلحق فيه معاني الاختلاف في ذلك.
وكذلك في ميتتها فى الماء، فأحسب أنه قيل: إنها إذا ماتت في الماء بأي حال وعلى أي حال لمْ تفسده، ما لم يكن فيها شيء من النجاسة بعينها.
ومعي أنه قيل: إنها تفسد علىكل حال، في ثبوت حكمها برية ومعيشتها في البر.
ومعي أنه قيل: لا تفسده حتى يتبين تغيّره، فإذا غيرته أفسدته، فعلى هذا المعنى إذا تغيرت بلون أو طعم أو ريح أفسدته، وما لم تغيره لم تفسده.
ومعي أنه قيل: إنها إذا ماتت في غير الماء ثم وقعت في الماء أفسدته على كل حال، لأنها كأنها ميتة من ميتة البر وميتة البر تفسد الماء، على معاني قول من يقول بذلك مالم تغيره ومعي أنه قيل: لا تفسده على حال، ولو ماتت في غيره ووقعت فيه إلا على معاني الاختلاف.
ومعي أنه قيل: لا تفسد على حال وإن غيّرته وإنما تغييرها له خارج بمعنى تغييره بشيء من الطهارات، لم ينتقل اسمه عن اسم الماء ويكون مضافا.
ومعي أنه على قول من يقول بهذا، وتختلف فيهما في معنى ميتتها في الماء، فيقول: لو أنها وقعت في ماء يطبخ به شيء من الأطعمة، مما لا يخالطه الطعام، ويكون منفردا باسمه إلا أنه من الماء المضاف مثل الباقلاء واللوبياج أو نحوه، فوقعت في ذلك الشيء، فماتت فيه، ففي (3/193)
صفحة 642
بعض ما قيل: إنها تفسد ما في الماء من الباقلاء واللوبياج وما أشبه ذلك، ولا يفسد الماء، ويكون الماء طاهرا وما فيه من جميع ذلك نجسا.
ومعي أنه قيل: إن جميع ذلك نجس لأنه طعام وليس من الماء في شيء، وإذا ثبت معاني طهارة الماء لهذا المعنى لم يلحق عندي أحكام طهارة النجاسة ما في الماء الطاهر، وإنما تنجس بمعناه لأنها لو ماتت في الباقلاء وهو يابس وهي يابسة لم تفسده إلا أن تمسه منها رطوبة من ذاك أو ما يمسها منه مما ينجسه، وإذا ثبت معنى طهارة هذا الماء بهذه العلة لم يلحق عندي ما فيه حكم النجاسة، إلا أن يتفرد منه بشيء منها فيفسده بغير معنى مماسة الماء الطاهر، فهذا عندي لا يستقيم إلا أن يكون كله طاهرا أو كله نجسا.
وقد أجمعوا - لا نعلم في ذلك خلافا - أن دواب البحر ولا يشبه دواب البر، أنه ما دام حلالا فهو طاهر، ولكن اختلافهم فيما يشتبه فيه من دواب البحر.
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب التي تشبه دواب البر، أو غير المشبهة لها من ذوات الدم فإن كان الأغلب من أموره أنه يعيش في أيهما أكثر أخذ حكمه.
وأما ما خرج عندي بمعنى الطعام، أو بمعنى المتحول عن الماء من الأشياء مثل الحساء ولوكان رقيقا، ومثل الخل والنبيذ ولو كان رقيقا، ومثل السرج ولو كان رقيقا، وجميع ما تحول وانتقل عن اسم الماء المضاف أو غير المضاف، فخارج عندي من حكم معاني الاختلاف، ويلحق عندي فساد ميتة الضفادع وأشباهها، إن كان يشبهها شيء بمعنى انتقاله عن حكم الماء واسمه، خرج عندي من حال حكم الاختلاف وأشباه الاختلاف فيه، وما لم يختلط الأرز بالماء فينقل الأرز اسم الماء المضاف إليه، فلا يتعرى عندي عن شبه الاختلاف، لأنه يلحقه عندي إضافة الماء، لأنك تقول إن ماء الأرز وماء الباقلاء، ولا ماء اللوبياج وماء الماش، ولاتقول للحساء ماء ولا لشيء (3/194)
صفحة 643
من الطعام وإن كان رقيقا، ولا ماء النبيذ ولا الخل، وإنما يشبه معاني ما لحقه من المياه المضافة.
ويشبه عندي معاني الاختلاف في مثل هذا، أن لو ماتت في مثل هذا، ذلك لمعنى النار لا لمعنى موتها هي بمعنى الموت بغير النار، وإن كان كله موت فلعله يخرج في معاني الاختلاف، أنها إذا ماتت في شيء من هذا بمعنى النار أفسدت على كل حال للماء وغيره لهذه العلة، لأنها ليست من ذوات الماء والنار، ولأن هذا ماء ونار، ولو ماتت في الماء ثم أغلي بها الماء وهي ميتة، كانتْ عندي بمعنى الاختلاف، لأنه قد ثبتت ميتة بغير معنى النار، ولا يحول معنى النار بعد الموت.
ومعي أنه يخرج الاختلاف من معاني أنه لا فرق فيهما، ماتت في الماء لمعنى موتها بالنار والماء الساخن والماء المغلي، أو بغير ذلك إذا كانت ميتتها في الماء فلا فرق فيه، ويخرج عندي معاني ذلك أن موتها في الماءكله سواء من الماء العذب والماء المالح، أو من البحر أو من الفوات، لأن جميع ذلك معي من المياه بمعنى واحد، وهي من ذوات الماء إلا أن تخرج معناها في التعارف، وأنها لا تعيش بماء البحر لمعنى قد عُرفت بذلك، وأنها خارجة من معاني ذوات الماء من البحر، فلا يتعدى عندي على هذا المعنى أن يلحقها بحكم ذلك فيما خصها من ذلك، إن كان ذلك ما لا يشك فيه أنه كذلك. (3/195)
صفحة 644
[صفحة بيضاء] (3/196)
صفحة 645
باب ذكر الغيلم ونحوه من ذوات الماء والطير
معي أنه قد قيل في الغيلم من ذوات البحر: إنه يلحقه في بعض معانيه أحكام ذوات البر.
وقد اتفقوا على أن سؤر ذوات البر من الطير طاهر، ما لم تر النجس على منقارها.
أما قرض الأماحي فنجس، واختلفوا في نجس بعر الضفدع البرية المباعدة للماء أو التي جاءت من الصحراء، والأولى عندي نجاستها لأنها تحولت عن صفتها المائية.
واختلفوا أيضا فيما يشتبه فيه من دواب البحر ودواب البر وأسمائه، وذكر البعض في قول أن ذلك مما يشبه أجناس الأنعام.
وقد قيل: إنه ليس في البر دابة إلا في البحر مثلها أو ما يشبهها، مثل الكلب وغيره، ويسمى ذلك كلب البحر أو غول البحر وما أشبه ذلك، فما كان من الدواب التي في البحر خارجة من أجناس صيد البحر، إلى شبه دواب البر وصيد البر، وقد قيل: إن ما كُره من دواب البر، فمثله يقال فيه بالكراهية من دواب البحر.
وقال من قال: كل صيد البحر جائز، لأن الله لم يستثن منه شيئا، وهو أصح القول لقول الله - تبارك وتعالى -: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) 1.
وعلى ذلك فقد أجمعوا - لا نعلم بينهم اختلافا - أن ما كان من أجناس الصيد المعروف بصيد البحر، ولا يشبه صيد البر ولا دواب البر، (3/197)
صفحة 646
أن ذلك حلال وأن حيه وميته سواء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك: "أحل لكم ميتتان ودمان " فأما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فإن هناك أ قاويل.
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب المشبهة بدواب البر أو غير مشبهة من ذوات الدم، فنظرا لدخول سبب البر عليه إن كان الأغلب من أموره أن يعيش في البر أكثر فهو من دواب البر، وحكمه حكم دواب البر وصيد البر، ولو كان صيدا ودمه مفسد بالأغلب من أموره، أنه يعيش في البر أكثر زمانه وأكثر شأنه أنه من ذوات البر.
وأما ما كان الأغلب من زمانه وعيشته في البحر والماء، إلا أنه قد يعيش في البر عيشة يفارق بها دواب الماء التي لا تعيش في البر، وأنها متى فارقت الماء هلكت، فإذا كان كذلك، فلا يصح حلاله إلا بالتذكية، وذلك لدخول سبب البرية عليه، ويحكم له أو عليه بالأغلب من أموره، لأنه قد يعيش في البر، فما كان الأغلب من أموره وعيشته البر، كان حكمه حكم صيد البر، وكان دمه دم صيد البر مسفوحا، فإن صح له أنه يعيش في البر والبحر أو الماء، كان على الاحتياط أن دمه فاسد.
وقد قيل: إن الغيلم 2 من ذوات البحر ولذلك لا تحل إلا بالذكاة، وذلك ما لا أعلم فيه اختلافا أنه لا يحل لحمها إلا بالذكاة، على سبيل ذوات البر، وإذا ثبت هذا فيها وهي من ذوات الدم الأصلي، كانت ميتتها فاسدة مفسدة لجميع ما مست منه، ما لم تذكّى، إلا أنها يخرج معاني شبههما في هذا بمنزلة الضفادع في ميتتها في جميع الأشياء إلا في الماء، فإنه يلحقه عندي الاختلاف بمعنى ذلك، إذ هي من ذوات الماء والبر، واختلاف معانيها عندي في الماء العذب إن لم تكن تعيش فيه كما تعيش في البحر بمعنى الضفدع (3/198)
صفحة 647
على حسب ما ذكرنا، إن كانت لا لْعيش في ماء البحر كما تعيش في الماء العذب، فهي له مفسدة إذا ماتت فيه، ولا يلحقها معاني الاختلاف فيه.
وكذلك الغيلمة إن كانت لا تعيش في الماء العذب، كما تعيش في البحر وكما تعيش في البر، فيخرج عندي أنها مفسدة له إذا ماتت فيه، بمعنى الميتة لأنها ليست من ذواته.
وكذلك جميع ما أشبه الضفدع، من ذوات الماء البرية التي تعيش في الماء العذب، إن كانت لا تعيش فى ماء البحر فميتتها في البحر كميتتها في سائر الطهارات، ولا يلحقها معاني الاختلاف.
وكذلك ما أشبه الغيلم من ذوات البحر التي تعيش في البر من ذوات الدماء، فهو عندي لاحق بمعنى الغيلمة، وأما جميع ما كان من ذلك لا يعيش في البر، ولو كان يلحق ذوات البر وما أشبه ذوات البر، فهو بمنزلة السمك وصيد البحر، ولا ذكاة فيه ولا عليه، وجميع ما كان في البحر ولو أشبه خلق دواب البر، فلا يلحقه معنى التحريم، ولو كان يشبه القرد والخنزير والكلب، وما أشبه السباع لأنه قيل: إنه لكل دابة في البر شبها في البحر، يسمى باسمها ويشبهها بلونها، فقيل: إن جميع ذلك بمعنى واحد وأنه بمنزلة صيد البحر لا ذكاة عليه ولا تحريم، ولا يفسد دمه إلا على معاني ما قيل في دم السمك المسفوخ منه.
ولا أعلم أن ذلك قول مجمع عليه، بل إن أكثر القول أن جميع دم السمك طاهر، كما سبق أن أوضحنا، وهو لا باس به، وأن جميع ذوات البحر حلال، لقول الله - تبارك وتعالى -: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون). (3/199)
صفحة 648
ولانعلم في ذلك من الوجوه، ولا في شيء من الأشياء.
ومعي أنه قد قيل على معنى الأشباه: إن قرد البحر وخنزيره وما أشبه منه المحرمات من ذوات البر، لحقه التحريم بالشبه والاسم، وإن كان ذلك ليس بصيد.
وكذلك ما أشبه المكروهات من ذوات البر منه، لحقه معنى الكراهية، وما أشبه المحللات من ذوات البر كان محللا، وإذا ثبت هذا القول في هذه المعاني أنه إنما يلحقه معاني الشبه في التحريم والكراهية والتحليل، لحقه عند ذلك من معاني الشبه في الذكاة وفساد الدم ومعاني الميتة، لأن ما تشابه بمعنى هذا تشابه في الأحكام فيما سواه.
فإذا ثبت ذلك كان ما أشبه الأنعام في معنى وحكم أحكام الأنعام في كل شيء منه كسؤره وعرقه وما يخرج منه وما أشبهه سائر الدواب من المحللات أو المحرمات أو المكروهات فإنه كذلك يشبهها في كل أحكامها يضا، في كل شيء منه كسؤره وأبواله وأبعاره وجميع ما خرج منه.
وأما ما كان من طير الماء الذي يعيش في البر، أو الذي يعيش في الماء العذب، فإنه عندي يخرج من معاني الاختلاف فيه، لمعنى الاختلاف في دواب البر عندي، لأنه يأخذ حكم منزلة طائر البر في الصيد على المُحْرِم، وكذلك في قتله وفي فساد ميتته، إلا في الماء فإنه عندي يخرج معاني الاختلاف فيه، لمعنى الاختلاف في الضفادع، ويخرج معاني دم ذلك أنه فاسد مفسد، بمعنى دم سائر الطير البري، إلا أن يكون لا يعيش في البر بحال، وإنما يعيش في الماء فهو بمنزلة صيد الماء، ولا تفسد ميتته ولا دمه إن كان له دم، وهو بمنزلة صيد الماء في دمه وفي جميع أحكامه من صيد الماء العذب، إن كان من (3/200)
صفحة 649
ذوات الماء العذب.
وكذلك كل ما كان لا يعيش إلا في الماء، سواء أكان يعيش في بحر أو يعيش في ماء عذب، فإنه عندي يأخذ حكم منزلة صيد البحر، وذلك مثل السمك والحيتان وما أشبه ذلك، ويأخذ حكم صيد البر إن أشبه شيئا منه لم كنحو طير أو غيره من المحرمات أو المكروهات، إن ثبت شيء من ذلك مشبها لشيء من ذوات البر سواء أكان في ماء عذب يجري ماؤه كماء العيون وماء الابار، أو شيء من ماء عذب من مياه البحر، فسواء ذلك عندي إذا كان من ذوات الماء، ولا يعيش إلا في الماء مما أشبه الطير أو الدواب، فكله من الماء العذب أو المالح من البحر، خارج عندنا بمعنى واحد، ويلحق فيه معاني الاختلاف لثبوت الشبهة، وبصحة تحليل ذلك في الجملة، لأنه ليس ببري، وانما وقع التحريم في دواب البر، من مسمى أو ما مشبه له إلا من صيد البحر وطعامه، ولا فرق في الماء العذب ولا المالح ولا البحر ولا الغيول، ولا غير ذلك من المياه من الابار والأنهار، فمعنى ذلك كله سواء.
وأما كل ما عاش في البحر والبر و في الماء العذب والبر، من طير أو دواب، فأشبه شيء عندي من ذلك في حكمه سواء كان محرما أو مكروها أو محللا، من الدواب البرية.
فمعي أنه لا مخرج له من لحوق الشبه وثبوت الحكم فى معاني ذلك، فيما يلحق من التحليل والتحريم والكراهية والدماء والميتة من ذلك، واستواء ذلك وتشابهه في معاني ما يشبهه ويساويه، ولا تختلف معاني شيء من هذا في وجه من الوجوه عندي، إذا اشتبه، إلا في معاني ميتة ذلك في الماء خاصة، إذا ثبت أنه يعيش في البر والبحر أو الماء العذب والبر، فإنه يلحق ذلك الاختلاف، بمعنى ما قيل في الضفادع وما أشبهها، والغيلم وما أشبهه، ومعاني ذلك واختلافه في حياته في الماء العذب دون ماء البحر، وما في ماء البحر دون العذب من الماء، فما ثبت أنه (3/201)
صفحة 650
يعيش في البر والعذب من الماء دون ماء البحر كانت ميتته في العذب من الماء بمعنى الاختلاف، ولا يلحقه معاني الاختلاف في ميتته في البحر الأجاج، إلا أنه مفسد له، إذا كان لا يعيش فيه.
وكذلك ما كان يعيش في ماء البحر الأجاج، وفي البر، ولا يعيش في الماء العذب الفرات، من غيل أو بئر أو بحر، من دابة أو طير، فهو متشابه في الحكم بذوات البر، إلا ميتته في الماء العذب الذي لا يعيش فيه، فإنه مفسد له كفساده لسائر الطهارات، في معاني ما تخرج أحكامه في ذلك على حسب ما ذكرناه.
ومعي أنه قيل في دم الغيلم: إنه مفسد بمعنى دم الدواب البرية.
ومعي أنه قد قيل: إن دمه لا يفسد، بمنزلة صيد البحر والسمك، إذ يلحقه معنى ذلك من وجهين، ولا يبين لي أنه يخرج من معنى الفساد والتحريم لموضع ثبوت التذكية فيها وأشباهها معاني الدواب البرية، وأقل ما يكون يفسد عندي من دمها وما أشبهها مما هو مثلها من دم مذبحتها التي لا تكون ذكية إلا به، وأما ما سوى ذلك من دمها، مما يجرى فيه الاختلاف من دم الأنعام والدواب البرية، فلا يتعرى من الاختلاف في ذلك، ولحوق الشبهة لها بعضها لغير بعض.
و إن قال قائل إنه ليس شيء من دمها نازلا بمنزلة المسفوح و إنما هو نجس لغير معنى المسفوح، لم يبعد ذلك عندي، وأعجبني ذلك لمعنى اختلاف أحكامها في ذلك وقواعدها والبريات التي لا تعيش في الماء بحال، ولا تعيش إلا في البر.
فإن قال قائل: فإنها في ذلك بمنزلة الدواب البرية والطير البرية مما يلحقها المسفوح وغير المسفوح، ولم يبعد من ذلك ولا يبعد ثبوت حكم (3/202)
صفحة 651
معاني البرية فيها وما أشبهها من الطير والدواب، وخرج ذلك بمعناها وما ظهر فيها من أحكام ومن اختلاف فى الأقوال المحمولة على أدلتها مما استنبطه القائلون في ذلك، فانظر في هذا وفي معانيه وأحكامه وما يشبهه منه وما يقاس عليه وما يختلف عنه إن شاء الله.
1 - الآية 96 من سورة المائدة.
2 - ذكر السلحفاة. (3/203)
صفحة 652
[صفحة بيضاء] (3/204)
صفحة 653
باب ذكر الوضوء ونحوه من كتاب المعتبر عن كتاب الضياء عن الربيع
من تعمد لتقديم بعض الوضوء على بعض فليعده، ولكن إن كان ناسيا فلا بأس عليه.
وعن علي: ما أبالي بأي أعضاء بدأت، إذا أتممت الوضوء.
ومن غيره وسئل، قيل: إن جابر بن زيد-رحمه الله -كان لا يتوضأ وضوءا لا يمسح وجهه بثوب فلا ينهه. قال: وقد قيل: إن الربيع وقف على رجل وهو يتوضأ، فوقف ينظره، فلما أراد الرجل أن يمسح رأسه، حمل من الماء بكفيه، ثم نفضهما، فقال له الربيع: يا هذا حملت الماء لتتوضأ ثم رددت الطهور ورجعت عن وضوئك.
وقال غيره: أما مسح الوضوء فقد مضى فيه القول، ويجري في ذلك الاختلاف، وأقصى ما قيل في ذلك بالكراهية، ولا أعلم في ذلك نقضا إذا مسح مواضع وضوئه، أو شيئا منها بشيء من الثياب الطاهرة.
وأما نفض الماء من يديه بعد أن أخذه لمسح رأسه، أو لشيء من غسل جوارحه لوضوئه، فاما الوضوء فلا يقع بمثل ذلك عندي موقع المسح، فالمسح لا يقوم مقام الوضوء فى الغسل، وأما في المسح فإن كان باقيا في يده شيء من الماء بما يمسح به رأسه، ويثبت في ذلك مسح رأسه بماء (3/205)
صفحة 654
موجود في يده فقد قصره، وأرجو أن يجزئه ذلك، وان لم يكن ثم ماء مدروك إلا رطوبة، فإن كانت الرطوبة تبل ما مسها، أو ما مسته من الرأس حتى يكون ثم ماء، أو ما يقوم مقام الماء، فأرجو أنه يخرج في بعض ما قيل إنه يجزئه، و إن كان ليس ثم ماء ولا رطوبة تبل، وانما هي رطوبة لا يوجد منها شيء، ولا ينحل منها شيء، فلا يبين لي في ذلك أنه يجزئه المسح ولا الوضوء، ويخرج ذلك عندي باطلا في المسح والوضوء ولا يجزئ.
وإذا أراد المتوضىء للصلاة، أن يمسح وجهه بخرقة، فإذا فرغ من وضوئه فليفعل فإنه لا بأس بذلك عندي، كما أنه إذا غسل من الجنابة فلا يضره أن يمسح جسده بثوب إذا فرغ.
وبلغنا عن معاذ بن جبل أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه بطرف ثوبه، آثار وضوئه،، ووافقنا على ذلك الحسن البصري وأبو حنيفة، وكان إبراهيم يقول: لا بأس إن مسح الرجل وجهه إذا توضأ.
قال غيره: إنما هذا إذا دعت حاجة ماسة إليه كنحو برد شديد أو خوف تشقق الجلد، قيل لأن الأفضل عدم المسح، لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعضاء.
وقد ذكر أن الماء يسبح في الأعضاء ما دام فيها من وضوء أو غسل.
وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما مسح وجهه بطرف ثوبه، آثار وضوئه لبيان الجواز، وقد قال البعض: يستحب ترك التنشيف لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنشف - في أغلب الأحوال - ولأن ماء الوضوء نور يوم القيامة، وفي مسند الربيع عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متخذا منديلا يمسح به بعد الوضوء، فهو عندي على معنى حكم جواز الأمرين - المسح وعدمه -، وهو معي توسعة ويعجبني عدم المسح فيه لأنه كان أغلب عمل النبي صلى الله عليه وسلم وقد فعل المسح كما مضى من باب إجازة المسح وأن فاعله لا ينتقض وضوؤه. (3/206)
صفحة 655
باب ذكر الوضوء قائما أو قاعدا أو عاريا
ولا يتوضأ المتوضىء وهو عريان ولا قائم، فإن فعل فلا نقض عليه إلا أن يكون لا يمكنه القعود، وإن كان في ماء توضأ فيه، فلا باس.
قال أبو الحواري - رحمه الله -: إنه من توضأ قاعدا فهو أحسن وان توضأ قائما فهو جائز
قال غيره: معي أنه أراد أنه لا يتوضأ الانسان قائما وضوء الصلاة، ولا عاريا، وأما وضوؤه قائما إذا كان الإنسان ساترا عورته، فيخرج عندي أن ذلك نهي الأدب، ولا أعلم فيه حجرا ولا نقضا، إلا أن القعود عندنا أحسن في الوضوء.
وقد بلغنا أن بعضا أتى بعض أهل العلم، ليساله عن الوضوء قائما، فوجده يتوضأ قائما، وأرجو أنه ساله عما أراد أن يساله عنه، فقال له: تراني قائما وتسالني أو نحو هذا.
وأما الوضوء للصلاة عريانا فمعي أنه أشد كراهية إلا أن يكون في موضع مستترا فيه على نفسه، حتى لا يراه من لا يجوز له النظر إليه. ومعي أنه يخرج في معاني ما قيل، إن وضوءه تام إذا كان في ذلك الموضع المستتر، الذي يحافظ فيه على نفسه أنه لا يراه فيه أحد ممن لا يجوز له النظر إليه في موضع وضوئه، ولا إذا قام ليلبس ثيابه لم يبصر عورته مَن هنالك، فإذا كان على هذا فمعي أنه قيل: إن وضوءه تام حيثما كان على هذه الصفة، في ليل أو في نهار. (3/207)
صفحة 656
وأما إذا كان في موضع منكشف إلا أنه بأمن لا يمضي عليه في ذلك الوقت أحد لاعتزاله عن كثرة المار والجائى والذاهب، في القرى أو في البراري، فمعي أنه يختلف في ذلك: ففي بعض القول إنه لا يجوز وضوؤه ولا ينعقد في النهار إن كان عاريا في هذا الموضع، إذا لم يكن في مأمن مستتر على ما وصفت لكن من سكن أو سترة فى غير سكن.
وفي بعض القول: إنه ما لم يبصره أحد في هذا الموضع ممن لا يجوز له النظر إليه حتى توضأ واستتر، فقد تم وضوؤه، وإن أبصره أحد في حال وضوئه، كان عليه الإعادة في وضوئه، ولا يتم له إلا أن يكون كما وصفتُ لك حتى يتوضأ ويلبس ثيابه، وإذا كان في موضع مخاطرة ليس في موضع يامن على نفسه في الوقت الذي يتوضا فيه في النهار فمعي أنه في أكثر ما قيل إنه لا يجوز عند ذلك وضوؤه هنالك عاريا في النهار، ولو لم يره أحد، إذا كان في غير مامن.
ومعي أنه يخرج في بعض ما قيل: إنه ما لم يبصره أحد ممن لا يجوز له النظر إليه حتى أتم وضوءه، فإن وضوءه عندي تام وهو مقصر في ذلك، إلا أن يكون في ضرورة عندي في ذلك.
ومعي أنه يخرج بمعنى الاتفاق أنه إذا كان في الليل، أو في موضع يستتر في النهار، أن وضوءه تام حيثما توضا على هذا، إذا كان فى ماء جار أو من إناء، أو كان على جانب الماء الجاري، وهو عار، وكيفما توضأ على هذا الموضع، في الليل أو في الستر، من سكن أو غيره، فلم يبصره أحد ممن لا يجوز له النظر إليه، فإن وضوءه تام، ولا يجوز له أن ينظر إليه في ذلك الحال على هذا إلا زوجته أو سريته التي يطأها، ولا يجوز للمرأة في ذلك (3/208)
صفحة 657
إلا زوجها، والمرأة والرجل عندي في هذا الوجه في أمر الوضوء سواء.
فإذا ثبت هذا المعنى بأن الوضوء ينعقد بمعنى الاتفاق عاريا، إذا كان في موضع ستر أو في الليل إذ هو لباس، فمعي أن ذلك إنما هو على هذا السبيل من طريق الإثم إلا من طريق أنه لا يثبت الوضوء عاريا، ولو كان من طريق التعري لم يجز في ليل ولا في نهار في سترة ولا في غيرها، كما أنه لا يجوز الصلاة إلا باللباس الذي ستر العورات، فلا يجوز في ليل ولا نهار، في ستر ولا غيره، وحكم ذلك في الليل حكمه في النهار في المساكن والمساتر، كغيرها من المواضع فإنه يخرج عندي في هذا الفصل، أنه إنما لا يجوز الوضوء من هذا الوجه، من أجل إثم المتعري، وإذا ثبت هذا ولا يصح عندي فيه إلا من أجل هذا المعنى الاتفاق أنه جائز في ليل، أو في موضع الستر في النهار، أو عند من يجوز نظره إليه هذا، ثبت أنه إنما فسد من طريق الإثم، فإذا توضأ المتوضىء وأتم وضوءه على هذا في أي موضع إن لم يره أحد، ممن لا يجوز له النظر إليه حتى يتم وضوءه، خرج عندي أن وضوءه تام، ما لم ينظره من يأثم بنظره إليه على هذا المعنى، ولو كان في غير مأمن، مالم تكن له نية في قعوده في ذلك الموضع، لا يسعه ويأثم بها، فإذا كان كذلك خرج عندي معي الاختلاف في وضوئه.
وإذا ثبت أنه إنما نقِض وضوؤه من طريق الإثم بالنظر إليه ممن لا يسعه النظر إليه، خرج عندي نَقْض وضوئه بذلك مما يجرى فيه الاختلاف من قول أصحابنا، لأني لا أعلم معنى بنقض الوضوء في قولهم بمعنى الإثم بغير نظر الفرج وأشباهه من المتوضىء، إلا وفي نقض وضوئه بذلك معاني الاختلاف، ولا يلحقه معنى الاتفاق كائنا ما كان مما ياثم به إلا الشرك إذا أشرك بالجحود بشيء من الكلام أو الفعل، مما يريد به إلى الشرك، فإني لا أعلم في هذا الفصل من قولهم اختلافا في نقض وضوئه، بل يخرج عندي معاني الاتفاق من (3/209)
صفحة 658
قولهم يُنقَض وضوؤه على هذا الفصل وأما إن أريد في نفسه بغير قول أو فعل، فمعي أنه يختلف في نقض وضوئه بذلك.
وأما سائر المأثم فيما عندي أنه في نقض الوضوء بذلك، كان من القتل للنفس والسرق، مما يجب به القطع أو سائر ذلك من الكبائر أو الكذب المعتمد عليه، ففي معاني ذلك كله في نقض الوضوء به اختلاف في قول أصحابنا، ولعل الاتفاق من قول قومنا أو أكثر قولهم إنه لا ينتقض الوضوء بشيء من ذلك، إلا من الأحداث في أمر النجاسات وما أشبهها إلا من طريق الإثم لغير معنى ذلك وما يشبهه من الأحداث من أمر الفرجين والملامسة، ولا يعتمد قول قومنا ولا يقبل منه إلا ما وافق العدل، وكذلك ينبغي أن يكون جميع ما جاء لا يقبل منه إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع، فمن وافق قوله العدل فهو العدل، وإياه نعتمد وبه نأخذ وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز قبول غير العدل فيه، لما تقدم منه من العدل في غير ذلك، الذي قاله من غير العدل، ولا نقول إن أحدا من المسلمين، من العلماء المهتدين يقول في الدين بغير ما وافق العدل ولا ما يخالف العدل إلا أن يكون منه ذلك على وجه الغلط أو زلة يتوب منها، أو تخوف معنى ما قيل عنه ممن نقل عنه ذلك، أو في الأثر الذي جاء عنه في ذلك، وقد يكون من علماء قومنا الصحيح من القول، وما يوافقون فيه أصحابنا، في معنى الدين والرأي، ولا يرد على أحد من الخليقة شيئا من العدل، ولا يجوز ذلك ولا يقبل من أحد من الخليقة ما يخالف العدل، ولا يجوز ذلك من الدين فيما يجوز أحكامه أحكام البدع وبتحليل الحرام وتحريم الحلال وما يكون حكمه حكم الدعاوى، فكل ذلك غير جائز قبول باطل منه، ولا رد حق بما يخالف حكم العدل بعلم بباطل ذلك أو بجهل، وإذا ثبت معنى الوضوء للمتوضىء عاريا، في موضع ما يجوز بمعاني الاتفاق والاختلاف، فسواء عندي كان يتوضا في الماء قاعدا فيه أو قائما، إلا أن (3/210)
صفحة 659
القعود عندي أحسن في معنى الأدب والستر، وأما في معنى اللازم فسواء كان قائما أو قاعدا أو نائما، إذا أحكم وضوءه في موضع ما يجوز.
ومعي أنه في بعض القول، على قول من يقول: إذا كان في موضح الستر ثبت وضوؤه عريانا أنه إذا كان في الماء، وكان الماء يستر سرته إذا قعد، أن وضوءه فيه تام، ولو كان في غير ستر، ولعله يذهب في ذلك كان الماء ستر، ويخرج هذا القول في الرجال لا في النساء، في نظر الرجال إليهن، وكذلك عندي إذا ثبت معناه في الرجال، من نظر الرجال إليهن، فمثله عندي في النساء من النساء، من ذوات محارمهن من الرجال، وقد يكون الماء عندي سترة، ما لم يتقرب الناظر إلى القاعد في الماء، فإذا تقرب منه وصف الماء القاعد فيه، لأن الماء الصافي يصف العورة ولا يسترها إلا من بعيد، ولكن إذا كان الماء كدرا لا يصف العورة ولا تبصَر منه، كان عندي سترة على معنى ما قيل في هذا القول، وهذا القول عندي مطلقا إذا كان يستر السرة من القاعد فيه، ولا يذكر فيه تفسير في قيام المتوضىء إلى ثيابه ليلبسها، كان معناه أنه إذا كان في موضع ستره، إلى أن ينعقد وضوؤه وهو مستتر، فقد ثبت وضوؤه وقيامه إلى لبس ثيابه.
حال آخر لا يدخل في معنى الوضوء.
فإن توضأ وقام إلى ثيابه فلبسها ولم ينظر إليه أحد ممن لا يجوز له النظر إليه نظرا يأثم فيه المنظور إليه من التبرج بغير عذر لحقه عندي معنى الاختلاف في نقض وضوئه على هذا القول، لأنه قد توضأ وهو مستتر، وقيامه إلى لبس ثيابه غير معنى وضوئه، و إنما ذلك حدث يدخل على وضوئه، إن لم يسلم منه، وإن سلم منه إلى أن يلبس ثيابه ولا يدخل عليه في ذلك ما يؤثمه، تم وضوؤه على معنى هذا القول، وهذا القول عندي أشبه بمعنى الأصول في انعقاد الوضوء، أنه ينعقد إذا لم يأثم في حين الوضوء، إذا ثبت أنه إنما لم ينعقد الوضوء من أجل الحدث فله، فإذا (3/211)
صفحة 660
كان الماء سترة إلى تمام الوضوء، فمعناه ينعقد الوضوء، وقيامه إلى لبس ثيابه حال آخر، ويخرج عندي في القول الأول، أنه لا ينعقد الوضوء له إلا حتى يكون في موضع سترة في حال وضوئه، إلى أن يلبس ثيابه التي يسلم بها من الإثم، على معنى ما قيل في المجامِع في الليل في شهر رمضان، أنه لا يجوز له أن يجامع في آخر الليل، إلا أن يكون من الليل في وقت يجامع فيه ويتطهر من الجنابة قبل الصبح، منع الوطء بمعنى إذ لا يخرج من حكم الوطء في وقت الإباحة له الوطء، أن الوطء لا يكون خارجا من أحكام الوطء حتى يخرج بالطهارة من أحكام الوطء، كما لا تكون الحائض خارجة من حكم الحيض، ولو طهرت من الحيض إلا بالتطهر من الحيض في معنى انقضاء العدة، واطلاق الفرج للوطء، وحكم الصلاة والحائض بعد طهرها في معاني أحكام ما يصح منها وما لا يصح في الحيض، بمنزلتها قبل أن تطهر.
وكذلك معنى حجر الوطء في معنى النهي، في الوقت الذي لا يخرج فيه الوطء من أحكام الوطء بالتطهر، وهو مشبه معناه، إذا لم يخرج فيه من جماع قبل الصبح، لأن اكمال الجماع التطهر، كما كان إكمال الحيض التطهر، كذلك يشبه معنى ما قيل في أنه لا يتم الوضوء إلا ستر العورة في حال الوضوء، إلا بكمال ذلك إلى أن يستر عورته باللباس ويصل إلى ذلك وهو يستتر، والا فلم يكن له ثبوت معنى حكم الستر على هذا المعنى، واذا ثبت هذا المعنى فإنما يخرج من معنى هذا القول أن يكون الماء الذي يتوضا فيه يستر سرته، إذا قام للبس ثيابه، حتى لا تنظر له عورته حتى يلبس ثيابه.
ومعي القول الثاني: إنه إذا كان مستترا في حين عقد الوضوء فليس يضره ما بعد ذلك في معنى الاتفاق، أنه إذا كان مستترا في حين عقد الوضوء، إلا أن يحدث حدثا في غير معنى الوضوء، ومن ذلك ما يخرج في معنى الاتفاق أنه لو توضأ في موضع الستر الذي يستره وينعقد له الوضوء، (3/212)
صفحة 661
ثم إنه تبرج بعد فراغه من الوضوء في موضع يجوز له التبرج فيه، في موضع لا ينظر إليه أحد نظرا يأثم فيه أن هذا التبرج لا يضر وضوءه، في معنى الاتفاق، إذ قد ينعقد وضوؤه ولم يعص في معنة تبرجه، فإذا لم يدخل الوضوء فى حمل العصيان، حتى انعقد، فإنما ينقضه الحدث باي وجه كان، وليس خروجه من الوضوء بعد تمامه مما يدخل عليه حكم نقضه، إذا انعقد إلا بحدث مما ينقض الوضوء.
وليس تبرجه في موضع ما لا ينظر إليه أحد، ولوكان فى غير مأمن، إذا لم ينظر إليه أحد، في وقت تبرجه ذلك نظرا لا يسعه في وقت تبرجه ذلك، فليس ذلك عليه بضر في أمر الدين في معنى الإثم، لا في معنى الأدب، إذا كان في غير عذر، فقد يكره للإنسان في معنى الأدب إبداء عورته في كل حال ولو كان خاليا، إلا لمعنى يخرج له فيه معنى عذر.
وقد قيل: إنه ينهى أن يقوم الإنسان منتصبا من مغتسله ليلبس ثيابه، أو لمعنى عاريا إلا من عذر لا يمكنه إلا ذلك.
وكذلك ينهى عن إبداء شيء من عورته، ولو كان خاليا في منزله إلا من عذر، وهذا كله يخرج عندي على معنى الأدب لا على معنى المحارم والمآثم. (3/213)
صفحة 662
[صفحة بيضاء] (3/214)
صفحة 663
با ب معنى ما تثبت به هذه الطهارات
معي أنه إنما يخرج معاني هذه الأشياء المذكورات أنها من الطهارات وتسميتها، وإن كان يذكر فيها ومعها النجاسات، فإنما سميت كتب الطهارات وأبواب الطهارات، ولم تسم أبواب النجاسات لمعنى الفرق بين الطهارة والنجاسة منها، فيثبت أنه يذكر النجاسة من ذلك، ثابت معنا ذكر الطهارة، لأنه لا يحسن تقديم النجاسة على الطهارة، كما لا يحسن تقديم الكفر على الإيمان، كما كان ذكر الإسلام والإيمان هو المقدم وهو الثابت، وقد يجرى في ذلك الكفر وصفة الكفر، ويقال نسب الإسلام، ويجرى فيه ذكر الكفر والإسلام، والحلال والحرام وإنما ذكر الحرام ليفرق عن أحكام الحلال والكفر، ليعزل عن الإيمان والإسلام ظواهر الأمور.
من ذلك إنما يضاف في المجتمعات إلى الحسن من ذلك إلى القبيح، فيخرج معنا ذكر هذه الأشياء كلها من الطهارات والنجاسات المذكورات، بأنها طهارات ومن الطهارات من هذا الوجه.
ويخرج ذلك كله معنا بأسره، مشتق من معنى الطهارة في الانسان لطهارته بمعنى الإيمان، وطهارة الأبدان بالماء من الإنسان، لأن الإيمان طهارة وطاهر ومطهر، والكفر رجس ومرجس، وما كان منه وأسبابه من المحرمات، فهى الإيمان وأسبابه من جميع الطهارات مفسدات، في معاني المخصوصات والمعمومات، وما كان من الكفر بأسره من الإقرار والإنكار والإصرار على الصغائر والكبائر، وجميع ما كان من أسبابه مما يباعد من الجنة ويقرب إلى النار فهو رجس وبمنزلة الرجس، في معاني الإيمان في الانسان، (3/215)
صفحة 664
وأنه مفسد لجميع أسباب الإيمان، لأنه لا يتفق في المعنى الواحد ضدان، والكفر والإيمان فهما متضادان، فإذا ثبت حكم أحدهما بطل الآخر من الإنسان على الموضع والإمكان.
وكذلك عندي معنى الطهارة مما يثبت معنى طهارته بالماء، وثبت في الانسان من طهارة الوضوء للصلاة، ولا يصح في معاني الاعتمال المتضاد، وشيء من النجاسة في الأبدان قبل الوضوء، كانت تلك النجاسة أو بعد ثبوت الوضوء، فلا تثبت معاني الطهارة بكمال الوضوء للصلاة إلا بكمال الطهارات من النجاسات الحادثة في الإنسان من جميع النجاسات، كانت منه أو من غيره، وجميع ما ثبت نجسا من جميع ما ذكرنا ومضى ذكره من مبتدأ ذكر ما ينقض الوضوء مما جرى ذكره، أو ما أشبهه مما هو مثله، مما يخرج معناه مجتمعا على نجاسته من كتاب أو سنة أو إجماع أو رأي عدل شبه ذلك في موضعه من جميع النجاسات، فمس شيء من ذلك البدن، فلا يثبت طهارة الوضوء للصلاة عليه بمعاني التعمد والقصد إليه في أكثر معاني ما قيل وجاءت به الاثار، وصح عن ذوي الأبصار.
وكذلك ما عارض البدن من جميع ذلك، وما أشبهه من النجاسات، خرج معناه بحسب ما ذكرنا أنه ذلك ناقض للوضوء، ويخرج معاني ذلك على العمد والقصد بما لا يشبه فيه اختلاف من قول أصحابنا، على حسب ظواهر ما جاء عنهم من أكثر قولهم، وإن كان قد يأتي عمهم أو عن بعضهم، مما يضاف إليهم أشياء تأتي في الآثار، مما يأتي على حسب الاطمئنان أنه عنهم، مما يضاف إليهم مما يقرب ويسوغ في أشياء تأتي وآثار قومنا، من ذلك ما جاء يروى عن أبي عبدالله محمد بن محبوب -رحمه الله -، على حسب ما يوجد عنده أنه يرفعه عن والده محبوب - رحمه الله -، أو ممن يروى عنه ولعله عن غيره مما يوجد في آثار أصحابنا بنحوه ونحو معانيه، أنه لو كان في أحد (3/216)
صفحة 665
جوارح الوضوء من الانسان نجاسة، فتوضأ وتلك النجاسة فيه حتى أتى إلى موضع النجاسة من جوارحه، غسله له غيره أو غسله هو بحجر أو غيرها إلا أنه لم يمسه حين غسله، أن وضوءه ماضِ ويمضي على وضوئه، ولا يذكر في ذلك أنه كان في أول جوارحه ولا آخرهاَ.
و إذا ثبت ذلك جاز أن يكون لو مضى غسل جوارحه كلها ومواضع وضوئه كلها، وكانت النجاسة في قدمه الأيسر التي يكون غسلها في وضوئه مؤخرا، كان يستقيم ويجوز أن يكون وضوؤه قد تم كله على حسب النجاسة التي في بدنه ولا يذكر من يروي ذلك، ونقول إنه تفسير عمد في ذلك ولا نسيان، وإذا ثبت معاني الأثر به وحكمه والقول به، لم يتعر من القول فيه على التعمد، على تسليم الأثر به.
ومعي أنه قد شبه من شبه ذلك على معاني القول به، أن لو كانت النجاسة في غير مواضع الوضوء، ففعل فيه ذلك بعد الوضوء وغسله له غيره أو غسله هو، ولم يمسسه بشيء من جوارحه عند الغسل، أن ذلك سواء ويتم وضوؤه، وذلك غير بعيد عند ثبوت معاني القول في هذه الآية، لا فرق في ذلك في مواضع الوضوء، سواء كانت النجاسة لعلِّة في مواضع الوضوء أو في غير مواضع الوضوء، بل في مواضع الوضوء أشد وأحرى وأولىَ، أن يفسد الوضوء ما مس جوارح الوضوء من النجاسة، لأن مواضع الوضوء أقرب الأشياء من البدن إلى ثبوت الوضوء بطهارتها وثبوت نقض الوضوء بنجاستها، لأنه قد جاء فيما قيل مما يخرج على معاني الاتفاق من قول أصحابنا، أنه لو مس الرجل فرجه بشيء من غير مواضع وضوئه لم ينقض ذلك وضوءه، وإذا مسه بمواضع وضوئه نقض ذلك وضوءه.
وكذلك قد قيل -في أكثر ما عندي أنه من قولهم -: إنه لو مس فرج زوجته أو سريته بغير مواضع الوضوء من بدنه، على غير معاني الشهوة، فإنه لا ينقض وضوءه، ولو مسه بفرجه ما لم تغب الحشفة في فرجها مجامعا، وإذا مس فرجها بشيء من مواضع وضوئه انتقض وضوؤه، فهذا مما يدل على أن سائر بدنه غير مواضع الوضوء منه، أهون وأقرب في مواضع نقض الوضوء، بمس ما ينقض الوضوء من الأشياء المفسدة له.
كذلك مس النجاسة لمواضع الوضوء، أشبه أن يكون ذلك أقرب إلى فساد الوضوء.
وإذا ثبت معاني هذا، أن الوضوء ثبت على شيء من النجاسة في البدن في موضع الوضوء وفي غير موضع الوضوء، لم يتعر ولم يبعد أن يكون كذلك إذا مس المتوضىء شيئا من النجاسة في بدنه، أن يكون مثل هذا، لأنه لا فرق في ذلك، وإذا ثبت الوضوء على النجاسة أو جارحة منه، أو شيء من جوارحه ثبت معنى ذلك فيه المعارضة له بعد الوضوء، إذا خرج بمعنى ذك أن يطهره له غيره، أو يطهره هو بغير شيء من جوارحه، بحجر أو ما أشبهها، أو في ماء جارٍ أو في ماء لا ينجس في بعض معاني ما قيل إن المتوضىء إذا غسل شيئا من النجاسة في الماء الجاري، فلم يلصق به شيء من (3/217)
صفحة 666
النجاسة أن وضوءه لا ينتقض.
وأحسب أنه قيل: إنه ينتقض، لأنه قد مس النجاسة رطبة، وإنما يخرج معنى هذا عندي أن وضوءه لا ينتقض، على معنى القول أن تلك النجاسة منه في الماء الجاري أنها لا تنجسه ولا تنجس شيئا من بدنه، وأما على هذا القول فإنه يخرج أنه بمعنى مماسته النجاسة لبدنه لا ينقض وضوءه، إذا طهره له غيره، أو طهره هو بغير أن يمسه شيء من بدنه، إذا غسله بحجر بما أشبه ذلك، فإذا كان كذلك فغسله في الماء الجاري مشبه لذلك، من غسله غيره له، أو غسله هو له بحجر أو بما أشبهها.
وقد يوجد نحو هذا ومما يدل عليه، مما يروى عن هاشم بن غيلان أنه لو مس المتوضىء دما في غير مواضع وضوئه فغسله له غيره، ففي الاستدلال (3/218)
صفحة 667
به في معنى قوله: إنه لا ينتقض وضوؤه بذلك، وليس ذلك ببعيد إذا ثبت هذا.
و اذا ثبت معنى هذا الأول أن النجاسة تكون في مواضع الوضوء وينعقد عليها الوضوء أو شيء من الوضوء، فهذا من حدوث النجاسة في المتوضىء من بعد الوضوء، وتمام الوضوء أقرب وأحرى أن تجوز فيه هذا، إذا غسله له غيره، أو غسله هو بحجر أو بما أشبهه ذلك، لأنه قد قيل في المتوضىء: إنه إذا خرج منه دم من شيء مات بدنه من مواضع الوضوء أو من غيرها مجملا، ففي بعض القول - ولعله الأكثر - أنه ما كان من الدم قليلا أو كثيرا، من جرح طري أو غيره ولم يفِض، كان الجرح صغيرا أو كبيرا، فإن وضوءه لا ينتقض بذلك، وأنه تام ما لم ينتقض وضوءه ذلك سوى ذلك الدم، فإذا انتقِض وضوؤه بسوى ذلك الدم، ولزمه الوضوء للصلاة، لزمه في بعض ما قيل عندي أن يغسل ذلك الدم، وأنه لا يثبت وضوؤه إذا توضأ جديدا، قبل أن يغسل ذلك الدم، الذي لم يكن أفسد ذلك الوضوء الأول عندي، حتى يفيض ويفسد عنده هذا الوضوء الجديد المبتدىء، فكأنة عنده عند تساوي الأمرين في معنى واحد، أن تجديد الوضوء على النجاسة المتقدمة أشد، ولا يجوز إلا بعد طهارتها، ولو لم يكن مفسدا للوضوء المتقدم، وكذلك هذا الدم الحادث أو النجاسة الحادثة على الوضوء المتقدم على هذا المعنى، أولىَ وأحرى أن لا يفسد الوضوء، إذا مسه من غيره، لأنه لا اختلاف في معنى النجاسة، إذا ثبت منه ولا من غيره في معاني أسباب نقض الوضوء في أصول أصحابنا.
وكذلك على قول من يقول: إنه إذا لم يكن الدم الفائض مسفوحا، وكان أقل من ظفر عند من لا يفسد به الوضوء، إذا كان أقل من ظفر، فيخرج عندي في معنى القول على نحو هذا أنه لا يفسد الوضوء، ولا يقوم (3/219)
صفحة 668
عليه الوضوء الجديد حتى يطهر، في معاني قول من قال بذلك من أصحابنا، فثبت في معاني القول، أن معارضة النجاسة للوضوء المتقدم يدرك فيه معاني الترخيص أكثر من تقدم النجاسة قبل الوضوء الجديد، وذلك شيء مفهوم، أن معاني النقض في عامة الأشياء، أقرب من بناء الأصول على الفاسد، وبناء الأصل على الفساد يلحق معاني الاجماع بفساده، أكثر من المعارضات الفاسدة له، بعد ثبوته والعمل به على المستقبل من أموره، وذلك فيما لا يحصى لعله أنه حكم ما مضى يدرك ما فيه من الترخيص، أكثر من حكم ما يستقبل من ذلك، أنه مما يقع بمعاني الاتفاق من قول أصحابنا، إن العامل بالطاعة من جميع المعاصي، صغارها وكبارها من التحول عن أحكام ما يوجب إصرارها، فإذا ثبت الايمان للعبد، كان ثبوت الايمان له فى الأحكام لاجتناب كبائر الاثم معفيا له ومكفرا عن سيئات المعاصي، مثبتا له الإيمان باجتناب الكبائر واعتقاد التوبة من الصغائر والكبائر، وثبوت أحكام ما يأتي من من السيئات مما كان مكفرا عنه بالإيمان، واجتناب الكبائر فغير معفي له ولا مكفر عن تلك السيئات مع غير كمال الإيمان واجتناب الكبائر، بل هو مأخوذ بجميع ذلك في حكم الدين، في معاني قول رب العالمين لأنه من لم يجتنب الكبائر لم يثبت في معاني قول الله -تبارك وتعالى- تكفير السيئات من الصغائر.
كذلك أشياء كثيرة تخرج في معانيها، أن تقدم الطهارات والأعمال بالأ شياء من الفرائض واللوازم، وأن الارتكاب للأشياء المكروهة مما يشبه المآثم، ويثبت في معاني القول فيها وبها أنه ما مضى من الأمور معفي عنه، ولا يؤمر فيما يستقبل بالعمل بذلك، وليس الماضي كالمستقبل في كثير من أحكام الإسلام، مما يجري فيه الاختلاف، فأسباب ما مضي توجد معانيه أقرب مما يسقبل، كذلك هذا عندنا يخرج معاني معارضة ما ينقض الوضوء من جميع الأشياء بعد تقدم الوضوء، أقرب وأسهل مما يخرج معاني (3/220)
صفحة 669
استقبال الوضوء عليه لمعاني ما قد ذكرنا مما يشبه ذلك ويقتضيه.
ومعي أنه قد قيل: في كل ما لم ينقض الوضوء من الدم الحادث الذي لم يفض، في قول من يقول بذلك أنه لا غسل فيه مع استقبال الوضوء وتجديد الوضوء، إذا انتقض الوضوء الأول بغير معاني ذلك من أسباب نقض الطهارة، ولو كان في مواضع الوضوء، ويوضىء جوارح الوضوء ويمر الماء في الغسل على معاني قول من قال بذلك، وليس عليه غسل الدم ولا اتقاؤه، ولا يفسد ما جرى عليه من الماء من موضع ذلك الدم من سائر الجسد، كان في مواضيع الوضوء أو من غير مواضع الوضوء، إلا أن يخرج ذلك الماء الجارى على مواضع الدم متغيرا، قد غيرته النجاسة وغلبت على لونه، وصار بحد المتغير، فهنالك عندى على معنى ما قيل يفسد ما مس ذلك الماء، ولعل هنالك يثبت غسل ما مس ذلك الماء المتغير ويلزم غسله وتنتقض الطهارة به، على معاني ما قيل من ذلك، وعلى جملة القول فيما يقتضي قول هذا القائل، أن مواضع الدم التي لم يفض منها الدم وهو بها، أو قد انتقل عنها بالغسل وجرى الماء عليها غسِل، ولو كان الدم بها باقيا غير فائض.
فانظر معاني القول: كيف فسد الماء إذا تغير من هذا الدم، الذي هو غير فائض، وجب غسله وأفسد الطهارة، وهذا الدم القائم الذي فسد منه ذلك الماء لا غَسل فيه ولا فساد فيه للوضوء واذا ثبتت معاني هذه الأشياء كلها، فلا فرق عندي في مس النجاسة لشيء من بدن المتوضىء من غير جوارح وضوئه، أو من جوارح وضوئه، والمعنى في ذلك واحد، لمعنى تساوي ذلك، ولما قد ذكرنا أنه أقرب وأهون من المتقدم، ولمعنى القول المذكور عن بعض أصحابنا الذي قلنا أنه يروى عن محمد بن محبوب عن والده، في النجاسة تكون في شيء من مواضع الوضوء، فيوضىء إنسان شيئا من جوارحه حتى أتى إلى ذلك غسله له غيره، أو غسله (3/221)
صفحة 670
بحجر أو ما أشبه ذلك، وتم وضوء المتقدم والمستقبل، وتلك الجارحة على هذا، فمعنا أن معارضة النجاسة للمتوضىء بعد كمال وضوئه خارجة بمخرج تقدمها قبل الوضوء، أن يكون المعارض على ما ذكرنا أقرب وأيسر وأشبه، بل هو معنا كذلك إذا ثبتت هذه الأشياء والمعاني التي ذكرت.
وإذا ثبت هذا كله وحسن معناه، لم يبعد من ذلك أن يكون غسله لنفسه ذلك بيده، وغسل غيره له وغسله له بغير يده، أن يكون ذلك كله سواء، إذا كان آخر ذلك طهارة النجاسة وثبوت الوضوء، لأن النجاسة إذا ثبت أنها لا تفسد الوضوء في مواضع الوضوء، ولا في غير مواضع الوضوء، وهي مماسة لشيء من جوارح الوضوء، وغير جوارح الوضوء، أو في بعض جوارح الوضوء، ثبتت معاني الوضوء أنه تام، عند استتمام طهارة الإنسان من جميع النجاسات، بعد أن يقوم إلى الصلاة طاهرا، ولا يضره شيء من مماسة النجاسة لشيء من جوارحه، لغسل ولا غير غسل، بل الغسل أولى وأحرى أن يكون موسعا له ذلك، لأنه إذا لم يفسد وضوءه مماسة النجاسة له ولبدنه من وجه، لم يفسده من وجهين، إذا كان بمعنى واحد، وإذا لم يفسده من وجهين لم يفسده من ثلاثة ولا أربعة ولا من عشرة، ولا من أكثر، والمعاني في ذلك كالمعاني وهي كالمعنى معنا.
وإذا احتمل هذا وثبت في الموضع الواحد من جوارح وضوئه، ثبت أن يكون في جوارحه كلها، وإذا لم يثبت في جوارحه كلها لم يثبت في جارحة، لأنه لا فرق في ذلك، واذا لم يثبت في جارحة من جوارح الوضوء لم يثبت في شيء من بدنه، من غير جوارح الوضوء، وإذا لم يثبت في شيء من ذلك إذا غسله بيده وهو في الأصل مما يفسد الوضوء، لم يثبت إذا لم يغسله بيده، ذلك لأنه إذا غسله بيده من بدنه في غير جوارح الوضوء، لم يثبت في شيء من جوارح الوضوء، وإذا لم يثبت في شيء من ذلك ولو غسله له غيره، أو غسله (3/222)
صفحة 671
بغير يده – كحجر أو غيره من الأشياء –أو غسله في ماء جار في هذه الأشياء كلها عندنا بعضها من بعض، فإذا ثبت فيها معنا هذين الأمرين وهذا القول، أثبت ذلك المعاني كلها التي ذكرناها، وخرجت كلها بعضها من بعض.
وإن بطل شيء من هذه المعاني بطل هذا الأثر، ومع ثبوت هذا الأثر بمعناه فيتولد من معانيه وأسبابه معي، كما أنه إذا قام المصلي إلى الصلاة طاهرا من النجاسة، فقد ثبت له حكم الوضوء، بمعنى العمل بإجراء الغسل على مواضع الوضوء، سواء تقدم ذلك نجاسة أو لم يتقدمها، حدث في المتوضىء نجاسة بعد ذلك أو لم يحدث، مما لم يات فيه إجماع أنه ناقض للوضوء على حال، مما لا يجري فيه اختلاف.
وإذا قام المتوضىء إلى الصلاة وليس به شيء من النجاسة، وقد ثبتت له أحكام الوضوء، أن وضوءه تام وصلاته تامة فصلاته تامة.
و إذا لم يثبت هذا المعنى على هذا الوجه وينتقض شيء منه، فهذا القول باطل بجميع معانيه إلا من وجه واحد من هذه الوجوه، وهو أن يكون موضع المضمضة من الانسان نجسا، فإنه لعله إن كان موضع المضمضة نجسا من الانسان فتمضمض، فانقى فاه، فقد ثبت حكم المضمضة بثبوت طهارة الفم، وكان مطهرا لفمه متمضمضا، وكان بغسله لهذا الموضع من مواضع وضوئه من النجاسة ثابتا له به حكم الوضوء، ولو كان فيه النجاسة، ولو دخل في الوضوء لأنه بمعنى استكمال طهارة النجاسة، ثبت له جميع وضوئه بالطهارة، إذا استقبله سائر جوارح وضوئه طاهرا، فثبت له جميع وضوئه بالطهارة، إذا استقبله متطهرا، وتثبت له المضمضة بثبوت النجاسة من موضع المضمضة، ولو كانت النجاسة في موضع الاستنشاق فتمضمض المتوضىء على ذلك ثم استنشق فطهر موضع الاستنشاق من النجاسة، فقد ثبتت له الطهارة من النجاسة، ولا تثبت المضمضة وهو بمنزلة من ترك المضمضة، فإن كان عامدا (3/223)
صفحة 672
لذلك، فهو بمنزلة من ترك المضمضة عامدا، وان كان ناسيا لذلك فهو بمنزلة من ترك المضمضة ناسيا، ولا تحصل له المضمضة من وضوئه على هذا، لأنه تمضمض وفيه النجاسة في موضع الاستنشاق، ولا تصح المضمضة ولا شيء من الوضوء على شيء من النجاسة على أصل هذا القول.
وكذلك إن كانت النجاسة في وجهه فتمضمض واستنشق على نسيان أو تعمد ثم غسل وجهه حتى نظُف فقد ثبت له بذلك غسل الوجه في معاني الوضوء، وهو بمنزلة من ترك المضمضة والاستنشاق على التعمد أو على النسيان، وقد مضى القول في ترك المضمضة والاستنشاق على التعمد وعلى النسيان والاختلاف في ذلك فيقع القول فى هذا في الوضوء على الترتيب في معاني أكثر ما يصح عليه قول أصحابنا، أن الوضوء لا يصح على نجاسة، سواء كانت قبله في البدن على عمد ولا على نسيان، وعلى النسيان أشبه أن يشبه معاني قولهم، مما أن يثبت على العمد، واذا ثبتت معاني ما وصفنا من قولهم، أنه يروى أن بعضهم أو جاء عن بعضهم، وليس في ذلك فرق في عمد ولا نسيان، فإذا كانت النجاسة في أحد اليدين بطل غسل الوجه، وإذا بطلت فريضة من الفرائض في الوضوء، وبطلت أحكامها، فليس يخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلاف على عمد، في معاني هذا.
وإن رجع بعد أن غسل مواضع الوضوء كلها إلى الوجه فغسله مرة، بعد ثبوت الطهارة له، وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، أو من طهارة بعد النجاسة وغسل اليدين، أو غسل شيئا من جوارح وضوئه، فلو رجع بعد ذلك إلى غسل وجهه الذي قد بطل، إذ وقع على النجاسة، فغسله، ومضى على تمام وضوئه، أو رجع إلى المضمضة والاستنشاق، وغسل وجهه ومضى على وضوئه ولم يعده، كان أتم وضوءه كله، أو أتمه بعد رجعته إلى غسل وجهه، أو ما قد وقع من وضوئه (3/224)
صفحة 673
وفيه النجاسة، وقع معاني ذلك عندي موضع الاختلاف، على سبيل ما قد قيل في الوضوء في الترتيب أو على الترتيب في النسيان والعمد ومخالفة السنة، فإذا لم يكن أراد مخالفة السنة فيجزئه أن يرجع إلى ما كان من وضوء قد وقع وفيه النجاسة، ويتم له ما مضى من وضوئه إن كان أتمه، ويجزئه أن يبني على ما مضى من وضوئه كله.
وعلى قول من لا يجزىء ذلك ولا يجيز له إلا أن يرجع إلى إعادة وضوئه كله ولا يقع له ما توضأ من بعد الطهارة.
ومعي أنه قد قيل: إنه يخرج معنا ثبوت الوضوء في العضو لثبوت طهارته من النجاسة، فإذا ثبتت طهارته من النجاسة معا، أو كانت طهارة النجاسة من العضو قبل غسل سائر العضو، فذلك معنا ثبوت طهارته في أحكام الوضوء لأن حكم طهارة النجاسة تقوم مقام الطهارة في الوضوء، لأنه لازم ذلك كله، وبمعنى الطهارة يثبت فرض الغسل للعضو في أحكام الوضوء، كما كان غسل العضو من الجنابة، إذا ثبت غسله لفرض الجنابة، كان ذلك ثابتا للوضوء، ولو لم يقصد به للوضوء، لأنه لازم وهذا لازم، وإذا وقع أحد اللازمين قام مقامه صاحبه، إذا قام بمعناه باعتبار حاله فيه ومعه، وربما قام غسل النجاسة بأكثر مما يقوم فرض الوضوء، من قلة الغسل، لأن فرض الوضوء وغسل الجنابة يقوم فى الاعتبار بالغسل الواحد في معاني الاتفاق، وربما لم يكن كذلك طهارة النجاسة، لأن طهارة النجاسة ربما لم تصح بالغسل الواحد في معاني جميع النجاسات، من الذوات، وغسل العضو للوضوء والجنابة يخرج في معاني الاتفاق بالغسل الواحد، في معاني جميع النجاسات، وتصح بالغسل الواحد، فربما قام غسل الوضوء والجنابة بغسل النجاسة، وربما لم يقم بذلك، وغسل النجاسة إذا حصل من جميع النجاسات من الذوات وغير الذوات، قام مقام غسل الوضوء وغسل الجنابة (3/225)
صفحة 674
على ما يخرج من معاني الاتفاق، إذا لم يصح غسل شيء من اللوازم عن شيء كان كله في المعنى واحد، ولم يقم شيء منه عن شيء إلا بالقصد إليه، ولعل ذلك قد قيل في بعض ما قيل، ويخرج هذا عندي لعله على أكثر ما قيل، فانظر في ذلك وفي معانيه. (3/226)
صفحة 675
خاتمة
تظهر أهمية دراسة تلك الأنواع من لحوم الأنعام والدواب المختلفة والطير والحشرات وما أشبهها، من ناحية حِل لحومها وطهارة أسئارها وخزقها وعرقها وما يخرج منها، أو نجاسته، لارتباط ذلك كله بأنواع من العباداتْ كحل الصيد من تلك الأنواع البحرية للمُحرِم، وأثر ما يخرج منها وحكمه في النجاسات على المتعبد والمتطهر بالوضوء، وأثر أسئارها على أنواع المياه، من ناحية تغير طعمها ولونها ورائحتها، وتأثير ذلك كله على طهارة الماء، وأحكام زوال حكم النجاسة وثبوت حكم الطهارة في تلك الأنواع بالمؤثرات من صفات لا وأحوال، وكذلك في إزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان، وكذلك تظهر أهميتها في معرفة أثقل النجاسات وأخفها، وما رخص فيها منعا للحرج والمشقة كشرر الدم المسفوح، وتأثير ذلك على العبد المؤمن في أكله أو شربه أو وضوئه، أو الاغتسال به أو الصلاة في ثوب لحقه شيء من ذلك.
وقد وضع الإمام أبو سعيد في هذا الجزء قواعد أحكام الطهارة في كل هذه الفروع، تمهيدا لما سيقدمه إن شاء اللهّ عن أحكام الوضوء والصلاة (3/227)
صفحة 676
بحمد اللّه وتوفيقه، تم بفضله تعالى تحقيق وتصنيف هذا الجزء الثالث من كتاب المعتبر للإمام أبي سعيد محمد بن سعيد الكُدَمِيّ عن الطهارات، ويليه إن شاء اللّه تعالى الجزء الرابع في العبادات ويبدأ ببيان أحكام الغسل من الجنابة.
محققه
محمد أبو الحسن
معهد القضاء في يوم الاثنين 22 من شهر ربيع الآخر سنة 1405هـ
الموافق 14 من يناير سنة 1985 م (3/228)
صفحة 677
الفهرس
* باب في الحائض و المستحاضة (من الأثر)
* في الحيض و المستحاضة)
* باب: غسل الخنثى من حيضها وجنابتها)
* باب: حيض الخنثى وتزويجها وميراثها)
* باب: الطهارات وأحكامها)
* باب: الطهارات وأحكامها)
* باب: الاستنجاء والطهارة)
* باب سؤر الأنعام وما أشبهها وأحكام ذلك)
* باب الجلالة ونحوها من الدواب)
* باب سلح الإبل)
* باب طهارة أسئار الطير وخزقها وكناستها)
* باب طهارة الدجاج والجعل وما يخرج منها وأحكام ذلك)
* باب السباع من الدواب والنواهش من الطير)
* باب طهارة السنور والفأرة ونحوهما)
* باب الحيات والأماحي والخنازير وما أشبه ذلك)
* & باب العقارب والدبى والضفادع)
* باب الضفادع ونحوها)
* باب ذكر الغيلم ونحوه من ذوات الماء والطير)
* باب ذكر الوضوء ونحوه من كتاب المعتبر عن كتاب الضياء عن الربيع) (3/229)
صفحة 678
* باب ذكر الوضوء قائما أو قاعدا أو عاريا)
* با ب معنى ما تثبت به هذه الطهارات)
* خاتمة) (3/230)
صفحة 679
[صفحة بيضاء] (3/231)
صفحة 680
طبع بمطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي ص. ب 6002
سلطنة عمان
1985 (3/232)
صفحة 681
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
تأليف العلامة المحقق الشيخ ابي سعيد محمد بن سعيد الكدي
الجزء الرابع
1405 هـ 1985 م (4/1)
صفحة 682
/ (4/2)
صفحة 683
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
المعتبر
تأليف العلامة المحقق الشيخ ابي سعيد محمد بن سعيد الكدي
الجزء الرابع
1405 هـ 1985 م (4/3)
صفحة 684
/ (4/4)
صفحة 685
باب
الغسل من الجنابة
ينبغي للجنب أولا أن يريق البول قبل أن يغسل، فإن غسل ولم يرق البول؛ ثم خرج منه شيء من مني بعد ذلك، فعليه أن يعيد الغسل، لأن خروج المني دليل على بقاء الجنابة، وعلى ذلك وجب عليه إعادة الغسل، فإن لم يخرج منه شيء فلا إعادة عليه. وهذا عندي من ذلك ما أوجبه البعض ممن قال: إنه لا يغتسل حتى يستبرئ من البول، وإن اغتسل ولم يرق البول، فليرقه على خرقة سوداء، فإن خرج منه شيء من الجنابة؛ وجب عليه إعادة الغسل، لأنه لزمه حينئذ بما خـ
منه
قال غيره: معي؛ أنه قد قيل: إن الجنب من الرجال يؤمر بإراقة البول قبل الغسل، حتى يتأكد من استنظاف مادة المني من صلبه ومن مجرى البول، مما تحرك بسبب الجنابة، ولأنه من المبالغة في الطهارة أن يتأكد أن لا يبقى شيء من المني في مجرى البول، وذلك في النظر وإن لم يأت في معنى ذلك - فيما أعلم - سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يشبه ذلك بالأمر بالاستبراء من البول، من باب الاحتراز والمبالغة في الطهارة الشرعية، ومما ينبغي الحرص عليه والتشدد في شأنه، فمن حرصه على طهارة أمته خص نجاسة البول بالذكر، وعندي أنه إذا كان ذلك في الاستبراء من البول، فإنه يكون كذلك في إخراج ما يتبقى من المني في مجرى البول أيضا، تحرزا ومبالغة في الطهارة
ومعي؛ أنه قد ثبت أيضا عنه حتى أنه قد جاء عنه التحديد في ذلك (4/5)
صفحة 686
بثلاث نثرات، قياسا على الاستجمار بثلاثة أحجار، حتى تثبت الطهارة ويطمئن القلب، والعبد أمين نفسه فيها أمر به، وقيل: إن ذلك لمعنى ما ثبت في الطهارة من الغائط بثلاثة أحجار، ولا يخرج من معاني الاعتبار ثبوت الاستبراء لما يأتي في غير ما هو في الاحليل، لأن ذلك مما لا يخرج في التعبد في المعنى، فإنما هو استبراء لما يأتي في الإحليل في النظر، فخرج ذلك في المبالغة في التطهر، وهو كذلك تأكيد مطلوب لقطع المادة النجسة
وعندي؛ أنه يخرج من فضائل سنن النبي صلى الله عليه وسلم، أعني الاستبراء من البول، ولأنه إذا كان الاستبراء مأمور به ولأنه من الأمور المطلوبة لاستكمال الطهارة، فيكون عدم الاستبراء منهيا عنه، لأن الأمر بشيء نهي عن ضده
إلا أنه يخرج في معاني الاتفاق عندي، أنه لو لم يستبرئ الرجل من البول، إلا أنه قد استنجى وتوضأ وصلى، ولم يعلم أنه بقي من بعد الاستنجاء في ظاهر الثقب في الإحليل، حيث يبلغ الاستنجاء ويلزم، ولا أتبع شيئا من ذلك، إلى أن يظهر هنالك، حتى صلى، أن صلاته تامة ولو خرج بعد ذلك منه شيء من البول من بعد الصلاة، فصلاته تامة ولا أعلم في
ذلك اختلافا
وعندي؛ أنه يستحب الاستبراء بالبول لتخرج البقية الكامنة في مخرج البول ومجراه ـ بلا خلاف أعلمه - لأنه يمكن أن يكون الخارج بعد البول بقية جنابة لم يستأصلها البول، لأنه يُخرج ما صادفه في مجراه، ولأنه أخذ بالحيطة في أمور الدين
i
فلما أن كان هذا يخرج معنى الاستبراء من الرجال من فضائل السنن لا من فرائضها، ولما أن ثبت معنى الاستبراء من معنى ما لا يظهر إذا كان الاستبراء مما يستبرأ به معاني اتصال البول في الاحليل، كان مثله ويشبهه معنى (4/6)
صفحة 687
استبراء المني من الإحليل بالبول، إذا كان مما يخرجه ويكون طهارة له، وأشبه ذلك بعضه بعضا ويساوي، فيخرج معي بمعنى الاتفاق من قول أصحابنا الأمر للجنب بالبول قبل الغسل، لمعنى هذا على ما يشبهه ويساويه، إلا حين لا يكون يقدر على ذلك ولا يمكنه؛ كأن يكون بوله ضعيفا لا يأتي على كل المتعقب، فإن لم يمكنه ذلك ولم يحضره، فعندي أنه معذور في معنى قولهم بما يشبه معاني الاتفاق
فإن لم يرق البول، واغتسل وصلى ثم خرج منه بعد مني، فيخرج عندي في معاني قول أصحابنا بما يشبه معاني الاتفاق من قولهم، على أن عليه إعادة الغسل، إذا لم يرق البول قبل الغسل بغير عذر، وأما إذا ترك ذلك لعذر إذا لم يحضره، وخاف فوت الوقت واغتسل وصلى، فعندي أنه يخرج في معاني ذلك الاختلاف؛ في لزوم الغسل له
ومعي
؛ أن الذي يوجب عليه الغسل لهذا المعنى، إذا خرج منه المني بعد الغسل، ولم يكن أراق البول قبل الغسل، أن بعضا يوجب عليه إعادة الصلاة، وإنما عندي أن الذي يوجب عليه الغسل، حدوث خروج المني، وعلى هذا تكون صلاته تامة
ويعجبني أن تكون صلاته تامة، لاتفاقهم، ولأنه لو لم يخرج منه شيء من المني، أن غسله ذلك تام وأن صلاته تامة. ولو أراق البول بعد ذلك، أي بعد الغسل والصلاة، فلم يخرج منه مني قبل البول ولا بعده، وإذا ثبت أن البول منظف، وأنه مطهر له، فإذا أراق البول من بعد ذلك الغسل، الذي لم يكن أراق قبله البول، قبل أن يخرج منه شيء من المني، ثم خرج منه بعد ذلك مني، من بعد البول، خرج ذلك عندي قاطعا لمعنى المادة التي يلزم بها ثبوت الغسل.
- V- (4/7)
صفحة 688
وعندي؛ أن هذا المني الذي خرج بعد البول، إنما ثبت أنه حادث من
النطفة الميتة، لأن البول قد خرج منظفا للمادة التي يجب بها الغسل، إذا كان استبرأ لها، لأن هذه النطفة التي خرجت بعد الغسل، إنما جاءت بعد أن أراق البول ما قد يكون في مجرى البول من مني قبل الغسل، ويخرج عندي في معنى هذا، أن هذا المني فيه اختلاف في لزوم الغسل منه، ويعجبني في ذلك قول من يقول. انه لا يجب عليه غسله في مثل هذا، لأنه إنما خرج بعد غسل طاهر
وكذلك إذا ثبت معنى الاختلاف في الغسل عليه، إذا ترك البول لعذر، ثم خرج منه المني بعد ذلك، قبل أن يريق البول من بعد الغسل، فيعجبني في هذا قول من لا يوجب عليه غسلا، لأنه لم يفرط في استبراء المني كما يستبرئ صاحب البول في بوله، ولأنه قد كان له العذر في أنه لم يجد البول عند الغسل، والمعذور مقبول عذره، ولا يلزمه حكم التفريط، على أي وجه من الوجوه، ولا في أي معنى من المعاني، لأن غسله من الجنابة تم على قدر احتياطه دون تفريط منه، ولأنه قد صلّى على السنة ولم يجد موضعا يصلي فيه المصلي على العذر، وقد ثبت فيه العذر في ذلك على معنى الآية، وعلى هذا المعنى، إذا ثبت معنى الاختلاف في إعادة الصلاة التي صلوها بالغسل الذي تفضل الله عليهم به، والذي اغتسلوا فيه ولم يرق فيه البول، إذا ثبت معنى ذلك في الصلاة، ثبت معنى ذلك أنه لم يكن جنبا، حين صلى بعد أن اغتسل من الجنابة، ولم يقع منه تفريط، وإذا ثبت أنه لم يكن جنبا، لم يكن معذورا
عن الصلاة
ومعي
؛ أنه إذا لم يكن جنبا في حال، لم يجب عليه بعد ذلك الحال حكم اغتسال المعنى، قد زال عنه حكم الجنابة فيه، ذلك لأنه عندي تحرى استبراء المني ولم يفرط في ذلك، ولمعنى خروج المني قبل الغسل، ولا يخرج عندي
-^- (4/8)
صفحة 689
حدوث خروج المني من بعد فتور الشهوة وانقضاء معنى خروج الماء الدافق، قبل البول ولا بعد البول، ما لم يكن متصلا خروجه في الوقت إلا بمعنى خروج النطفة الميتة، وقد قالوا: إن النطفة الحية الخارجة على معنى الماء الدافق، التي يجب منها الغسل، ولذلك كانت في معنى استحباب الاستبراء بالبول لتخرج البقية الكائنة في مخرج البول ومجراه من هذه النطفة. وفي قول من
أن
لا يوجب الغسل بما يخرج بعد البول والغسل، وهو عندهم في معنى الموجب للغسل هو خروج المني الدافق الخارج بلذة، وهو في معنى أن لو استبرأ بالبول كان ذلك في احتمال استئصال المتعقب، ويكون في حال ما يخرج بعد ذلك في حكم النطفة الميتة، لأن معنى خروج النطفة الميتة إذا خرجت لغير شهوة، أو متصلة لمعنى خروجها مع الشهوة لمعنى خروج الماء الدافق
وقد اختلف في حكم الغسل من النطفة الميتة، إذا ثبت حكمها ميتة، وثبوت حكمها ميتة إذا خرجت لغير شهوة حاضرة بمعنى الماء الدافق، من جماع أو احتلام أو غيره مما يشبه ذلك
فقال
من قال: لو أجنب الرجل فبال وأخرج باقي النطفة الكامنة في
مخرج البول ومجراه، ثم اغتسل من تلك الجنابة، ثم خرج منه مني، ولو بدون لذة، فوجب أن يعيد غسله، لقرب أن يكون الخارج ولو بعد بول بقية
من
تلك الجنابة
وقال من قال: إذا خرج المني بدون مقدمة من نكاح أو ملاعبة أو على الخيال والتشهي، وإنما خرج مندفعا بلا لذة، فهذا لا شبهة فيه بأنه نطفة ميتة، ولا يوجب هذا إعادة الغسل.
وأكثر القول عندي؛ من قول أصحابنا إنه ليس في النطفة الميتة غسل، ولا يبين لي هذا خروج النطفة الميتة من بعد انقطاع اتصالها من الماء الدافق، (4/9)
صفحة 690
لا لمعنى النطفة الميتة لمعنى الاتفاق من قولهم، إنه لو وجد الشهوة بمعنى ما ينزل الماء الدافق، فلم ينزل الماء الدافق في حين ذلك، حتى فترت الشهوة وسكن الاضطراب من الاحليل، ثم خرجت من بعد ذلك فهي في حكم الميتة، لأن حياتها الشهوة وموتها زوال الشهوة، وكذلك خروجها، على أي حال وبأي وجه من الوجوه، من بعد انقطاع اتصالها بالماء الدافق، والنطفة الحية وزوال حكم الشهوة، وانقضاء حال ذلك بمثل ما يخرج معنى الاستبراء من البول، مما يتصل في الاحليل منها وبها في معنى النظر والاعتبار، فإنما يخرج ذلك تبعا له من بعد انقطاع الشهوة، من منبتي النطفة، فلا يثبت عندي في الحكم في معنى الاستبراء سواء من بول ولا من نطفة على أي حال، لما يأتي من غيرها ما هو متصل من البول والنطفة في الإحليل
ومعي
؟
"
أن ذلك عندي لا يخرج في النظر، أن البول والنطفة يمكن أن يدوما في الإحليل من المتصل بهما، أكثر من انقطاع ذلك وعندي أن الاستبراء عنه من بعد انقطاعه بثلاث نثرات، ويخرج من بعد ذلك فلا يخرج عندي إلا على أنه حادث غير متصل في الاحليل بالبول والماء الدافق من بعد ثبوت انقضائهما، وعندي أنه لا يثبت الاستبراء عنهما بأكثر من وما خرج من ذلك عندي خرج بمعنى الحادث غيرهما، وله حكم غير حكمهما، وهو ليس من معناهما، وهو أيضا مما يستبرأ منهما، لأنه شيء آخر غيرهما.
ذلك،
وقد كان يعجبني أنه لا يجب عليه غسل، حتى في حالة لو لم يرق البول، وذلك إذا كانت قد انقطعت مادة الماء الدافق، وتأكد ذلك واستبرأ عنه ثلاثا، ثم اغتسل، وانقطع من بعد ذلك في النظر ومواده المتصلة به، فإنه عندي على ذلك لا يجب عليه غسل، وهذا القول عندي لا أعلم أنه يوجد من قول أصحابنا في ذلك قولا مصرحا به، أنه لا غسل عليه، فقد (4/10)
صفحة 691
•
صرحوا في أكثر أقوالهم بوجوب الغسل عليه، وأما ما يوجد في عامة قول قومنا، أنهم قالوا أنه لا غسل عليه، ويعجبني ذلك من غير مخالفة لقول أصحابنا، لمعنى اتفاق قولهم، إنه لو لم يستبرئ من البول واستنجى وتوضأ وصلى، ولم يعلم أنه بقي شيء مما يجب الغسل به في ظاهر الثقب، وكذلك لو لم يستبرئ من النطفة التي قد تكون متبقية في مجرى البول وأصله، حيث يجب الغسل، فإنه لا إعادة عليه في الصلاة وعندي؛ أن المعنى اتفاقهم أنه لو غسل وصلى ولم يرق البول؛ أن صلاته تامة، إذا لم يكن قد أتى بعد ذلك مني، بمعنى أنه لا يكون المني بعد هذا الحادث في معنى الاعتبار، ولا يجوز أن يكون يصلي، وتكون صلاته تامة وهو في معنى الجنب، ولا يخرج عندي معنى الحادث إلا على ما وصفت لك من حكم النطفة الميتة، وقد مضى القول في ذلك أن النطفة الميتة التي قد توجد بعد إراقة البول والاستبراء من البول والنطفة، لا توجب إعادة الغسل، فينظر في ذلك في موضعه
هذا
ومعي؛ أنه قد قيل: إن عليه إعادة الغسل إذا لم يرق البول واغتسل،
إن خرج منه بعد ذلك
مني
أو ودي
سبب
وقيل: لا غسل عليه في المني، وهو أشبه أن يلحق فيه معنى أنه شاذ الاختلاف، وأما في المذي والودي فيخرج عندي من القول، لمعنى الاتفاق أنه لا غسل في ذلك، كما سبق أن أشرنا، ولمعنى الاتفاق أن عدم الوجوب للغسل في ذلك؛ ولو لم يرق البول، أن غسله تام، وذلك في حالة ما إذا لم يحدث منه شيء، بأن خرج منه شيء يفسد غسله، فلا يكون
الحادث بعد ذلك سببا يوجب حكما قد ثبت ضده من الطهارة بمعنى الاتفاق فإن كان يجب الغسل معنا من جماع بولوج الحشفة، ولو لم يحدث إنزال نطفة، وكذلك لو لم تحضر مع هذا الولوج أية شهوة، وإن كان معنا يجب الغسل مع إنزال الماء الدافق، حتى ولو لم يحدث التقاء، لأنه معنا يجب
-11 - (4/11)
صفحة 692
الغسل من الجنابة إما بخروج المني الذي هو ا الماء الدافق أو بالتقاء الختانين ولو مطلقا لم تصحبه لذة، فإن الغسل وجب بخروج المني.، ومعي أنه لا يبين لي على الجنب بهذا إراقة البول، إلا أنه لو خرج منه شيء، بعد أن استبرأ من البول والنطفة واغتسل، لم يكن حكمه حكم النطفة الميتة، الحادثة من الودي أو المذي، وهما لا غسل منهما، فقد قال به بعض أصحابنا أن خروج المذي والودي لا تصحبه شهوة ولا لذة وأن الخارج منه نطفة ميتة، ولأنه غالبا يخرج بلا مقدمة أو ملاعبة أو تشهي أو احتلام، ولكنه خرج حتى بلا شبهة لذة
ولا أعلم أنه قيل: إن عليه من المذي والودي بولاً، بل إنه قد قيل: إنه لا شيء عليه في ذلك، أعني أنه ليس عليه أن يريق البول ليخرج المذي ولا الودي، ولا من أحدهما، ولا من النطفة الميتة؛ على قول من يقول: إنه لا غسل منهما، لأنه لم يوجب الغسل في خروجه بغير لذة، وأوجب عليه فقط أن يغتسل بعد أن يستبرئ من البول في حالة خروج المني من أصل مجاريه على
الجهة المعتادة
ومعي
•
؛ أنه ورد في الأثر أن رسول الله له وسئل عن المذي وهو الذي يخرج قبل الانتشار وبعده رقيقا، فقال: «إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بماء ثم يتوضأ وضوء الصلاة (1)، وحكم الودي - ويكون قبل البول وبعده - وهو أبيض اللون، وهو في حكم المذي، لا يوجب الغسل منهما
وعلى قول من يقول: إن منهما الغسل، فعندي أنه يشبه معاني ثبوت ذلك عليه، على معنى الاستبراء، ومعي أنه قد قيل: إنما يؤمر بإراقة البول
الرجال دون النساء في الجنابة، لأن إراقة البول تكون في الرجال مشتركة مع
مجرى الجنابة، بخلاف النساء فإن مجرى البول منهن ليس من مجرى الجنابة
(1) متفق عليه
،
- IT- (4/12)
صفحة 693
ولا من موضع الجماع، وليس لثبوت ذلك عليهن معنى بأي وجه من الوجوه، والاستبراء مما يخرج منها ولا ما يلج فيها من نطفة الرجال
فلا
يوجب عليها ذلك بغير معنى
ومن الكتاب؛ وكل من أولج الحشفة في الفرج حتى يلتقي الختانان، باعتبار أن الجنابة صفة يتصف بها الانسان إما بإنزال المني الدافق، وإما بالتقاء الختانين، بمعنى غيبوبة الحشفة، فقد لزمه الغسل وإن لم يقذف الماء، لحديث: إذا التقى الختانان وجب الغسل والتقاء الختانين لا يصح إلا بعد غيوب الحشفة، وما دون ذلك فلا غسل عليه في ذلك، ولا فيما يخرج منه من المذي والودي
"
قال أبو سعيد: معي؛ أن ثبوت الغسل بمعنى الجماع، إذا غابت الحشفة في جميع ذوات الأرواح، حلالا كان أو حراما، لا مع بني آدم ولا مع الدواب، لأن ما يوجب الحد أولى أن يوجب الغسل، وكذلك يجب الغسل بمباشرة إيلاج الحشفة في أي نوع من البشر، أنثى أو ذكر، في قبل أو دبر، أو الأطفال أو البالغين، وعلى المجامع في كل حال من هذه الأحوال، وعلى أي وجه من الوجوه بعد غياب الحشفة، ممن قام به من الرجال في ذلك على هذا، لهذا المعنى وجب عليه الغسل ولو لم ينزل الماء الدافق.
المعنى
وقد جاء في معنى ثبوت الغُسل في ذلك ما يشبه معاني الاتفاق من قول أصحابنا، وأرجو أن يكون كذلك من قول قومنا، ولا أعلم في ذلك اختلافا، في أن الغسل من الجنابة يجب بمجرد إيلاج الحشفة على أي وجه من
الوجوه في كل هذه الأحوال.
ومعي
؛ أنه قد جاء في الأثر عن النبي هو ما يوجب ثبوت الغسل بمعنى
الجماع، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جلس الرجل من المرأة، بين
- Ir. (4/13)
صفحة 694
شعابها الأربع ومس الختان الختان، وجب الغسل وإن لم ينزل»، أي ولو لم
النطفة
، سواء كان المجامع من ذكر أو أنثى، وسواء كان ينزل المجامع المجامع في قبل أو دبر من ذكر أو أنثى، وأما في مغيب الحشفة والتقاء الختانين بالنص من القول الوارد في الأثر، وأما في الدبر فإن لم يكن ذلك واردا بالنص من القول، فمعنى ما يشبه ذلك، وما هو مثله، فإذا غابت الحشفة في الدبر ولو لم يكن ثم ختان، وجب معنى الغسل بوجوب ثبوت الجماع، وكذلك معنى ثبوت الاتفاق أن الجماع يوجب الغسل، من كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واتفاق قول أهل العلم، وهو قوله تعالى: (يا أيُّها الذين آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنباً إلا غَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم منَ الْغَائِطِ أَوْ لَأَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَمُوا صَعِيدًا طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوا غَفُورًا) (1). وغير ذلك من آيات كتاب
الله سبحانه
ومن ذلك قوله تعالى: (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكميْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النَّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبَا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مَن حَرَجٍ وَلَكِن
يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْكُرُونَ) (2)
ومن قوله تعالى: أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ)، فقد صح التأويل أن الملامسة الجماعة، وأن الجنب في معنى الاتفاق خارج في معنى الملامسة بالتسمية، لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، القصة كلها،
هاهنا
هو
(1) الآية (43) من سورة النساء. (2) الآية (6) من سورة المائدة.
-12 - (4/14)
صفحة 695
أو لا مستم النساء، فالجنب هاهنا ثبت عليه معنى الغسل لكل ما كان جنابة، وكذلك بالملامسة يجب الغُسل ولو لم يثبت ثم حصول جنابة، إلا بمعنى الجماع فإنه قد صار حكما شبيها للجنب في ثبوت الغسل، بالكتاب والسنة، مما ورد من آيات توجب بالنص القاطع، الغُسل على الجنب وعلى الملامس، وما ورد في السنة من وجوب الغسل بغياب الحشفة بالنسبة للملامسة، وقوله صلى الله عليه وسلم: الماء من الماء» (1)، بمعنى أن الجنابة تحدث من خروج الماء الدافق، الذي يوجب الغسل، وكذلك ثبوت وجوب الغسل بالإجماع من الفقهاء، فلما أن ثبت معنى الاتفاق؛ أن الجماع الذي يوجب الغسل هو نفسه الذي يوجب الحد في الزنا، وكذلك يوجب ثبوت العدة على المجامعة بالنكاح، وهذا الموجب للغسل هو أن تغيب الحشفة ويلتقى الختانان في القبل من المرأة،
،
وثبت من معنى ذلك أنه بغياب الحشفة يحصل معنى الجماع في الدبر أيضا قياسا على غياب الحشفة في القبل، وذلك المعنى يثبت سواء كان ذلك في الدبر
من الذكر أو الأنثى، وذلك بما يوجب حد الزنا والغسل، لأنه لا معنى إلا الالتقاء للختانين، وأنه صح أنه لما غابت الحشفة في القبل كان ذلك في حكم التقاء الختانين، لأن الختان من المرأة لا يلقاه الختان من الرجل، وإنما هو يساويه ويصير بحده، لأنه منه من حيث لا يمسه الجماع، ولا تغيب الحشفة حتى يلتقي الختانان بالتساوي، ولا يلتقي الختانان حتى تغيب الحشفة، فثبت عندي أنه بمغيب الحشفة وجب الغسل والحد، لا لمعنى الالتقاء للختانين
ومعي؛ أنه يخرج في معنى الاتفاق، أنه لو لمس الختان الختان بوجه من الوجوه، في المماسة من الفرجين، والتقيا على هذا من غير أن تغيب الحشفة في الفرج، لم يكن ذلك التقاء الختانين في الجماع ولا يكون موجبا للغسل في معنى الجماع، ولا يكون موجبا للعدة ولا للحد في الزنا، فلما أن ثبت هذا
(1) رواه مسلم
-10 - (4/15)
صفحة 696
کله كان بمغيب الحشفة في الدبر، من ذكر أو أنثى، من البالغين أو الصغار، موجبا لثبوت الجماع من المجامع والمجامع، ويكون موجبا على البالغين منهم الغسل، ويجب عليهم فيه الحد في الزنا، على معنى من يوجب في ذلك حد الزنا.
وأما الصغار فإذا كان المجامع للصغير بالغا، أو كان الصغير ممن يعقل الصلاة، فمعي أنه قد قيل في الغسل عليه باختلاف:
فقال
من قال: عليه الغسل، لثبوت الغسل للصلاة، وأنه لا تكون الصلاة إلا بغسل وطهور، إذ جاء الأثر أن الصلاة على من عقل؛ لا على من
أطاق، فلا صلاة إلا بطهور.
ومعي
؛ أنه قيل: إنه ليس على الصغير غسل من جماع، وذلك لأنه قد
قيل إنه ليس من المتعبدين بالتكليف للعبادات، سواء كان مجامعا أو مجامعا. وكذلك عندي أنه قد قيل: إذا كان المجامع بالغا والمجامع صغيرا غير بالغ، إلا أنه بحد من يجب عليه الغسل في الاختلاف، فإنه يلحق المجامع البالغ من معني الاختلاف، فمعنى الجماع مرتبط بحالة ما إذا كان ذلك البالغ جامع بالغا مكلفا مشبه له، يقع عليه حكم الجنابة بالجماع، ويختلف الحال إذا كان ذلك البالغ قد جامع صغيرا فيلحق ذلك البالغ المجامع معنى
ذلك
الاختلاف لذلك.
•
ويعجبني قول من لا يوجب على البالغ من جماع الصغير غسلا، لأنه قيل: إن ذكر الصبي كإصبعه في معنى الجماع؛ فيما يوجب الحد والعدة وتحل المطلقة ثلاثا ويفسد النكاح في الممسوس.
ويخرج في معاني الاتفاق أيضا، أن البالغ المكلف إذا أدخل إصبعه في
فرج بالغ، سواء كان ذلك من قبل أو دبر، وسواء كان ذلك في ذكر أو أنثى
6
-17 - (4/16)
صفحة 697
فإن ذلك لا يخرج عند من قال بذلك، أن يكون مما يوجب عليه حكم الجماع، في أي وجه من الوجوه، في معنى ما يوجب حكم الجماع؛ من
غسل أو حد في الزنا أو عدة، أو قتل في حالة الجماع في الدبر
فلما أن ثبت ذلك هكذا، كان لا معنى لادخال ذكر الصبي في الفرج؛ من معنى ما يوجب الجماع، إذا كان كإصبعه في بعض القول، ولعله إذا صار بحد من يشتهي الجماع وراهق ذلك، لَحقَه م معنى الاختلاف في دخول الشبهة في وجوب ذلك
وأما الرجل فإذا جامع صغيرا غير بالغ، أو كبيرا سواء كان ذكرا أو أنثى، فغابت الحشفة منه؛ سواء كان ذلك في قبل منه أو في دبر، فقد لزمه معنى الجماع لذلك، وأصبح ثابتا عليه حكمه، على أي وجه من الوجوه كان؛ من وجوب الغسل من الجنابة، من جهة غياب الحشفة، ومن قيام الحد على العمد، ومن وجوب الحرمة فيما يوجب ذلك من النكاح، وفي كل ما يترتب من أحكام النكاح
ومعي
؛ أنه قد قيل: إذا غابت الحشفة، سواء كان ذلك عمدا أو خَطَاً، فإنه بذلك يكون قد وجب الغسل.
وكذلك عندي يجب بذلك معنى الفساد في كل من النكاح، والعدة في الطلاق، وإحلال المطلقة ثلاثا، وأما في وجوب الحد في الزنا؛ فلا أقول يوجب بالوطء الخطأ والله أعلم، لأن الخطأ لا يوجب معاني
ذلك
6
العقوبة العقوبة
أنه
، وإن كان يوجب معاني ما يثبت به من الأحكام في غير معاني
وإذا ثبت معنى الوطء بمغيب الحشفة في القبل والدبر، من الرجال والنساء والصغار والكبار من البشر، ثبت ذلك عندي مثله إذا غابت الحشفة
- IV- (4/17)
صفحة 698
ممن جامع في شيء من الدواب، سواء كان ذلك منه من قبل منها أو دبر، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه في الأثر: اقتلوا البهيمة وناكحها، فهو عندي يوجب الغسل على من جامع شيئا من الدواب، لأنه وإن اختلفت معاني أحكام ما يجب في حكم ذلك في الحد، فلا مخرج له من ثبوت وجوب حكم الغسل عليه، من معنى ثبوت حكم وجوب الغسل بالتقاء الختانين، سواء كان قد أنزل الماء الدافق أو لم ينزل، وذلك لأنه بثبوت الجماع من ذلك، ثبت وجوب الحد، ولا يكون الحد واجبا إلا بالجماع.
وكذلك ثبت عندي معنى هذا في مجامعة الإنس والجن، سواء كان ذلك من ذكرانهم وإناثهم، وإذا ثبت ذلك وصح بالشهادة والمعرفة، على البالغين من الجن، فإنهم في ذلك عندي يجري عليهم الحكم، كما يجري على البالغين من الانس، وذلك إنما يكون في الفرجين من المتعبدين، أو من الدواب كلها مما يقع عليه اسم البهيمة، وثبت له معنى الفرج في الجماع فيها، من القبل والدبر بمغيب الحشفة عندي، فإنه يجب الغسل على المتعبدين، ويوجب ا في الزنا على العمد، وإذا ثبت معنى ذلك كله من الدواب، فإنه يكون بمعنى مجامعتهم من ذكر أو أنثى، فيكون الحكم في ذلك أنه يجب معنى ثبوت حكم الغسل، وثبوت حكم الحد
الحد
وكذلك من أوطأ نفسه من المتعبدين؛ سواء كان ذكرا أو أنثى، شيئا من البهائم من الذكران، سواء كان ذلك في قبل أو دبر، ثبت عليه بذلك عندي الغسل، في معنى التشابه، وينظر في ذلك فإنه قد يخرج معنى زوال ذلك، على ثبوت قول من يقول: إن فرج الصبي كإصبعه، وذلك لمعنى ما زايل عنه المتعبد، وخرج معنى الاتفاق، أن المجامع للصغير يثبت عليه
حكم الجماع.
ومعي
؛
أنه لو غابت الحشفة في غير الفرجين، يريد بذلك الجماع
- 1 A- (4/18)
صفحة 699
وقضاء الشهوة، في شيء من المناسم، سواء من ذكر أو أنثى، من زوجة أو من غيرها، أو من غير ذلك من الأماكن، لم يكن بذلك معنى ثبوت الجماع فيما يوجب به الغُسل، كما يكون ذلك الحكم في الفرجين، وإنما يكون وجوب الغسل بسبب خروج الماء المتدفق، ومعي أن ثبوت الغسل بحصول الجماع على الذكر والأنثى من البالغين، أشبه بثبوت الاتفاق عليهم، من غيره من معاني ما يثبت ذلك بمعنى الجنابة في النساء، وأما في الرجال فكل ذلك عندي يتساوى فيهم، وذلك لثبوت معناه ما لا يشبه فيه اختلاف
•
وأما المذي والودي، وكل ما دون المني، فإنه في معنى أني لا أعلم أنه يجب في كل ذلك غسل لثبوت الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يوجب فيه الغسل، وفيما معي أنه قد قيل: إنه لا يجب الغسل إلا بمعنى ثبوت الجماع، بغياب الحشفة والتقاء الختانين، أو بنزول الماء الدافق من المني الذي يجب به
الغسل.
ومعي
؛ أنه قد يوجد في المرأة إذا مسها زوجها بما دون الجماع، أو غيره من الرجال، فيخرج منها رطوبة أو بلل أو نحو هذا، فقد قيل: إن عليها الغسل من ذلك، هكذا في قول من قال بذلك، وهذا عندي يشبه معنيين:
إما أن القائل بذلك يريد من معنى ذلك أن الرطوبة هي الماء الدافق منها، فذلك ما يشبه معنى ما قيل
وإما أن يريد القائل بذلك أنه ما كان من الرطوبات فيخرج عنده في هذا على هذا المعنى شاذا من القول، لأن الرطوبة منها ما هو دون الماء الدافق، يخرج عندي مخرج المذي والودي من الرجال، ولما ثبت في الأثر أن أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري سألت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إن الله لا يستحيي من الحق؛ هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال:
«نعم؛ إذا رأت الماء» (1)
(1) متفق عليه
- 14 - (4/19)
صفحة 700
ولا أعلم أن الغسل يلزم إلا بجماع أو جنابة وهي نزول الماء،
المقصود بقوله إذا رأت الماء، وذلك أيضا معنى الحكم القائم على معنى قول الله - تبارك وتعالى -: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطْهَرُوا، فثبت معنى الجنابة
ه دو
من كتاب الله، بما لا أعلم فيه اختلافا؛ أنه الماء الدافق، أو من من الجماع، ولو لم يكن منه ماء دافق لقول الله - تعالى -: أو لا مستم
النِّسَاء، فدل ذلك على أن الغسل يجب في حالة الجنابة من الماء الدافق، وكذلك يجب الغسل في حالة ملامسة النساء، التي هي كناية عن الجماع، ولا أعلم أن الغسل يلزم إلا بأحد هذين المعنيين، سواء كان ذلك من ذكر أو أنثى من الرجال والنساء، وأما في الرجال فلا أعلم في ثبوت الغسل عليهم من
6
هذين الوجهين اختلافا، وأما النساء فمعي أنه يخرج في لزوم الغسل لهن. من معاني الجنابة ما يشبه الاختلاف، وأرجو أن ذلك يأتي في موضعه إن شاء
الله تعالى
ومن الكتاب؛ وسألته عن رجل اغتسل من جنابة ونسي أن يدخل يده
في أذنه حتى فرغ من غسله؟
قال: يغسل أذنيه وليس عليه بدل الغسل.
قال غيره: قال أبو سعيد: معي؛ أنه يخرج عندي في أكثر ما قيل أن الغسل معناه غير معنى الوضوء، في حكم معنى الترتيب، ولا معنى للتفريق له، ويتبع أكثر القول ما عندي أنه قد قيل: إن الغسل يقع من أي موضع منه، ثم ترك الغسل عامدا أو ناسيا، لعذر أو لغير عذر، حتى جف غسله، أو لم يجف بعد ذلك، أو قرب نام عن ذلك أو لم ينم، ثم رجع فغسل بقية غسله؛ أن ذلك يجزئه، وإنما عليه غسل ما بقي، سواء كان قد غسل من بدنه الأقل، أو سواء أكان قد غسل من بدنه الأكثر، وسواء أكان قد طهر فرجه وموضع الأذى من جسده أو لم يطهر.
- Y- (4/20)
صفحة 701
ومعي
أنه؛
يخرج في بعض ما قيل من معنى الحكم في الغسل، أنه لا يقع الغسل بالتطهر، إلا من بعد غسل الأذى من البدن، وأنه إن غسل شيئا من بدنه قبل أن يتطهر، كان عليه إعادة الغسل، الذي كان قد اغتسله للتطهر، ولعل ذلك إذا وقع اسمه تطهر، لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً
فاطهروا
وأحسب أنه يخرج في بعض ما قيل: إنه إن فعل ذلك ناسيا أو عامدا فهو سواء، وعندي أنه يختلف الحكم، ومعي أنه يخرج إن فعل ذلك ناسيا فلا إعادة عليه، وإن فعل متعمدا كان عليه الاعادة.
ومعي
؛ أنه قيل: إن غسل شيئا من جوارحه، ثم اشتغل عن إكمال غسله بغير ذلك من الأسباب، حتى جف ما غسل من الأعضاء، فعلى قول من قال: إن عليه الاعادة، بمعنى إعادة الغسل لما جف من جوارحه، مع الغسل لما بقي من جسده، ولعل صاحب هذا القول يشبه الغسل بالوضوء، ولا أعلم أن أحدا يشبه الغسل بالوضوء في معنى الترتيب على معنى اللازم.
وقد قيل: إن ذلك على معنى ما يؤمر به من الأدب
ومعي
؛ أنه يخرج في بعض معاني ما قيل: إن لو نسي شيئا من غسل جسده وتوضأ وصلى، أن عليه إعادة غسل ما نسي ويصلي، ولا إعادة عليه
في الوضوء.
ومعي؛ أنه يخرج أنه قيل: إن عليه إعادة غسل ذلك والوضوء
والصلاة.
؛
أنه قيل: إنه يعيد الغسل والوضوء والصلاة إذا كان قد صلى
ومعي
على ذلك الأساس
- YI- (4/21)
صفحة 702
من
وأثبت ما يكون عندي في هذا، قول من يقول: إن الغسل يقع متفرقا، سواء كان على العمد أو كان على النسيان، وسواء كان قد جف شيء الأعضاء، أو لم يجف شيء منها، وسواء كان قد صلى بعد الغسل، أو لم يصل، فإنما وجب عليه فقط إعادة غسل ما نسي من الأعضاء، أو إعادة غسل ما ترك من غسله وصلى، وإن كان على وضوء، فإنه في هذه الحالة يكن عليه إلا غسل ذلك الذي ترك، وإعادة الصلاة
لم
وكذلك عندي؛ لو لم يكن قد صلى حتى ذكر ذلك، أو رجع إلى غسله فغسله، وقد ثبت له حكم الوضوء، سواء كان قد جف وضوؤه وغسله، أو لم يجف وضوؤه وغسله، قرب ذلك أو بعد، فإنما عليه غسل ما بقي من بدنه، والصلاة إن لم يكن قد صلى، أو يكون عليه إعادة الصلاة إن كان قد صلى على ذلك، إلا أن يكون الذي ترك من غُسل بدنه هو شيء من جوارح الوضوء، فلم يقع في ذلك عندي موقع من ترك شيئا من وضوئه، ولا يقع عليه حكم الغسل، لأن ذلك يقع عندي موقع من ترك شيئا من وضوئه
وقد قيل فيمن ترك شيئا من وضوئه، سواء كان ناسيا أو عامدا، حتى
جف وضوؤه: إن عليه إعادة الوضوء، وقيل: بل عليه الاعادة في العمد فقط، وليس عليه الاعادة في النسيان، إلا غسل ما ترك فقط، ما لم يكن قد دخل في الصلاة، فإذا كان قد دخل في الصلاة؛ كان عليه إعادة الوضوء کله، سواء كان ذلك في العمد أو كان في النسيان
وقيل: لا إعادة عليه ولو دخل في الصلاة ولو صلى وليس عليه إلا غسل
ما ترك والصلاة
•
ويعجبني في النسيان أن يكون لا إعادة عليه، إلا في غسل ما ترك فقط، ما لم يكن قد دخل في الصلاة، فإذا كان قد دخل في الصلاة كان عليه
- YY- (4/22)
صفحة 703
إعادة الفرض كله، إلا أن يكون في وقت الصلاة ويخاف فوت الوقت، إن هو أعاد الوضوء كله، فإن كان في حالة يمكنه فيها أن يدرك الصلاة في الوقت، إن هو غسل ما كان ترك وصلى، وعندي أنه يعجبني في ذلك أن يغسل ما ترك
ويصلي.
له
أما في حالة العمد، فإنه إن كان قد تركه في القصد، لغير معنى يعرض، من أسباب ما يكون له فيه معنى، حتى جف وضوؤه، فيعجبني أن يعيد وضوءه، وسواء في ذلك عندي إن كان جنبا أو غير جنب
ومعي؛ أنه لو ترك في موضع وضوئه في الوضوء، قليلا أو كثيرا على العمد لتركه، ولو لم يترك الجارحة كلها، ولو كان قد ترك أقل من مقدار فإنه يكون بمنزلة من ترك جارحة من جوارح الوضوء، في معنى
ظفر
"
ما يختلف فيه، والتارك لشيء من جارحة من جوارح الوضوء عندي؛ كالتارك الجارحة، ولو ترك على النسيان جارحة من جوارح الوضوء، أقل من مقدار الظفر ناسيا حتى صلى، فمعي أنه قيل: لا إعادة عليه فيما مضى من الصلاة، وقيل: عليه الاعادة للصلاة لتركه قليلا أو كثيرا، فإذا ثبت معنى إعادة الصلاة بتركه قليلا أو كثيرا، ثبت بذلك أنه بمنزلة التارك لشيء من وضوئه، على ما مضى ذكره في لزوم الإعادة فيه
•
وأما إن ذكر ذلك قبل الصلاة، فمعي أنه يخرج في معنى الاتفاق، أن عليه غسل ذلك الذي تركه، كائنا ما كان هذا الذي تركه، وعندي أنه بذلك لا يصلي إلا بعد غسله، وإن صلى على ذلك قبل أن يغسل الذي كان قد
ترکه
6
فعليه إعادة الصلاة
وإذا ثبت معنى ذلك، لحقه.
معني
الاختلاف في إعادة الوضوء، لتركه
القليل والكثير، على ما قيل في إعادة الوضوء، إذا نسي ذلك حتى جف
- rr. (4/23)
صفحة 704
وضوؤه كله
ومعي
؛ أنه في تركه لشيء من جوارح الوضوء، سواء كان جنبا،، أو كان غير جنب، فإن ذلك كله عندي سواء في معنى ما يجب من الاعادة
وما لا يجب
ومعي
، أنه إذا ترك شيئا من غسل بدنه في غير مواضع الوضوء، فإن ذلك عندي يكون بمنزلة من ترك ذلك في مواضع الوضوء، فيما تلزم به إعادة الصلاة، فإذا صلى على ذلك أو لم يصل حتى ذكر، فإن كان ذلك الذي ترك أكثر من مقدار ظفر فصاعدا، فنسيه حتى صلى، فعليه الاعادة، إلا إن كان أكثر من مقدار ظفر فصاعدا، ولا أعلم في ذلك اختلافا، إذا كان أقل من
مقدار ظفر فنسيه حتى صلى، ففي الإعادة لصلاته على ذلك اختلاف
•
وإذا ذكر أنه ترك شيئا من غسل بدنه، قبل الصلاة، كان غسل ذلك بمعنى الاتفاق، ولا يصلي إلا بعد غسله إلا من عذر خوف فوت الوقت، أو خوف عدم الماء، ولا يعجبني قول من يقول إنه يجب عليه إعادة شيء من الوضوء، ولا شيء من الغسل، في تركه لشيء من غسله، بعد أن ثبت له أنه ترك شيئا من غسله، وبعد أن ثبت له شيء من وضوئه بعد طهارة النجاسة منه، في وقوع حكم الغسل له، سواء كان قد ترك ذلك عامدا أو كان قد تركه ناسيا، وسواء كان قد صلى على ذلك، أو كان لم يصل، فما ثبت وضوؤه فإنما عليه عندي غسل ما ترك سواء كان عامدا أو ناسيا، من غسل بدنه من غير مواضع الوضوء، وسواء كان قليلا أو كثيرا، فإنما عليه عندي غسل ذلك وحده، وقد جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل من جنابة فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء، فعصر جمته ثم مسحها بما قطر منها، وهو دليل على أنه يغسل ما ترك مما فاته وحده، وعليه إعادة الصلاة إن كان صلى، وكان مما تجب به العبادة، أو كان قد غسله وصلى.
- YE- (4/24)
صفحة 705
ومعي
؛ أنه لو كان قد غسل موضع الأذى والفرجين، ثم توضأ وضوء الصلاة، أو غسل مواضع الوضوء من جسده، أو ترك جسده كله حتى جف وضوؤه كله أو لم يجف، سواء كان في كل ذلك عامدا أو كان ناسيا، وسواء كان قد فعل ذلك لعذر أو كان قد فعله لغير عذر، فإنه عندي معنى أن عليه أن يغسل ما بقي عليه من جوارحه، ثم يصلي إن لم يكن صلى، أو عليه أن يعيد الصلاة إن كان قد صلى، وذلك لثبوت معنى الغسل مجملا غير مفسر بترتيب
ولا مجتمع.
وأما قوله: إنه إذا كان الغاسل لم يدخل يده في أذنه، أن عليه غسل أذنه، وليس عليه إعادة الغسل.
فمعي؛ أنه كذلك إذا لم يثبت للأذن غسل بلوغ الماء إلى الظاهر منها مما يناله الغسل، بأحد ما قيل من بلوغ الماء إليه بحركته من الماء أو من الغاسل، أو بأي وجه من الوجوه؛ على قول من يقول بذلك. أو بأحد ما قيل: لا يبلغ إليه البلل من الماء لمماسته البشرة للماء، على قول من يقول بذلك، أنه يجزئ بلوغ الماء إلى البشرة، إذا ابتل البدن بالماء الطهور، الذي سماه الله - تعالى - مطهرا أو طهورا، في قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (1)
فإذا لم يثبت للأذن أو غيره من البدن حكم الغُسل بأحد المعاني الثابت حكمها، فهو كذلك للاختلاف القائم في الأذنين في منتهى الوجه إليهما أو إلى نهايته دونهما، فقال من قال: هما من الوجه، وعندي أن عليه غسل ما لم يثبت غسله، وإذا ثبت غسل ذلك بأحد الوجوه فلا غسل عليه، ولو لم تنله اليد بالعرك، إذا ثبت له الغسل بأحد ما قيل من الوجوه مما يشبه العرك ويقوم مقام العرك؛ والله أعلم
(1) جزء الآية (48) من سورة الفرقان
- YO- (4/25)
صفحة 706
ومن الكتاب؛ وعن رجل يغسل من الجنابة، لا ينال عركه من ظهره،
ولا من بعض جسده، فماذا عليه؟
قال: عليه أن يجتهد - عندي - في عرك ما نال من ظهره ومن جسده، وما لم ينل من عرك ظهره وبعض جسده، رجوت أن تجزئه إفاضة الماء على ذلك الموضع، وقد قال من قال بلزوم العرك مع الماء، لأنه لا يتم الغسل إلا بذلك، ولا يتحقق إلا بمصاحبة اليد للماء، وقال من قال: تكفي إفاضة الماء بلا عرك، ويعجبني أن يجتهد في العرك قدر جهده وأرجو أن يتحقق له الغسل بإفاضة الماء على ما لم يتمكن من عركه من الأعضاء إن شاء
الله
ما كان. من
صب
من الحركة على
قال غيره: معي؛ أنه قيل: إذا كان الماء له الجسد، بقدر ما يقع موقع العرك، الذي به يثبت عندي معنى الغسل، فهو العرك، ويكون بذلك هو الذي يقع عليه اسم العرك، ولوخف وقوع الماء، فهو في هذه الحالة: يوجب حكم العرك، فإذا وقع الصب موقع العرك؛ فلا أعلم اختلافا أنه مجزئ للغسل، ولو أمكن عركه باليد أو بغيرها، وأنه إذا ثبت معناه على الحد ثبت معنى الغسل به على اختيار.
وإذا صب الغاسل الماء وعرك، كان ذلك أفضل، وإنما يخرج عندي مجزيا إذا لم يكن الغاسل عرك شيئا من جسده، وصب الماء عليه صبا، بغير معنى حركة تقوم مقام العرك، فعندي أن ذلك مجز، إذا لم يكن قادرا على العرك، ولو لم يثبت للصب معنى حركة تقوم مقام العرك، ولا أعلم في ذلك اختلافا عند عدم العرك، أن الماء يجزئ صبه على الجسد بدون العرك. وقد قيل: إنه ليس على من لم يقدر على عرك شيء من جسده لعذر، أو لم تنله يده، أن الصب يجزئه وليس عليه أن يغسل له غيره إن لم تنله، وليس
- 26 - (4/26)
صفحة 707
عليه أن يحركه بغير يده كخشبة أو ثوب أو غيره، ولا يعركه بشيء إذا لم يمكنه غسله بنفسه بيده، ويجزئه صب الماء عليه على حال، ولو لم يكن صب الماء له حركة تقوم مقام العرك، وتكون مباشرة الماء للجسد قائمة مقام العرك في
هذا الفصل
•
ومعي؛ أنه قد قيل: إن ذلك يجزئه لمعنى عذر أو لغير معنى، وقد
مضى ذكره فيما مضى في هذا الجزء.
- 27 - (4/27)
صفحة 708
/ (4/28)
صفحة 709
باب
مسائل في الوضوء مع الغسل ونحوه
قال بشير عن أبيه: إن من غسل من الجنابة عليه أن يتوضأ، لحديث عائشة أن رسول الله لو كان إذا أراد الغُسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم
،
يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، فمعي أن السنة الوضوء بين الاستنجاء والغسل. إلا القدمين فإنه يؤخرهما حتى يفرغ من غسله للجنابة، وإن قدمهما جاز. ومن غيره؛ فيما يوجد أنه عن أبي عبدالله - رحمه الله ـ؛ قلت: الرجل
يريد أن يغتسل من الجنابة في نهر، ويريد أن يكون وضوؤه غسله؟ قال: إذا دخل الماء استنجى، وغسل موضع الجنابة، فإذا نقاه تمضمض واستنشق ثم يغسل ويعرك، وعليه أن لا يمس فرجه، فإذا فعل
ذلك أجزأه عن الوضوء.
قلت: فإن لم يتوضأ؟
قال: إن لم يتوضأ لم يكن عليه
قلت: فإنه حيث كان يعترك ولا يمس فرجه
قال: إذا. فرجه وأراد أن يجتزئ بغسله، فليعد فليتمضمض
مس
ويستنشق، ثم يفيض الماء على بدنه، أو يدخل في جوف الماء حتى يدخل
بدنه كله، ثم يقوم ولا يمس فرجه ويصلي.
قلت: فإن كان غسله من إناء، فكيف يصنع؟
- 29 - (4/29)
صفحة 710
قال: يفيض الماء على كفيه فيغسلها، ثم يستنجى ويتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغتسل ولا يمس فرجه، ويصلي ولا وضوء عليه
قلت: فإن لم يتوضأ واستنجى واغتسل ولم يمس فرجه؟
قال: يعيد الوضوء إذا فرغ من غسله
قلت: فإن هو استنجى ثم توضأ، فغسل وجهه وبدنه، ثم اغتسل ولم يمس فرجه، فإذا فرغ من غسله غسل قدميه، أيجوز أن يصلي على هذا
النحو؟
قال: نعم
قال غيره: معي؛ أن القول الذي يضاف إلى بشير عن أبيه، هو
6 -
وأما قوله: إن الجنب إذا اغتسل من
بشير بن محمد بن محبوب - رحمه الله الجنابة، فعليه أن يتوضأ، ويخرج ذلك عندي على معنيين:
أحدهما؛ أنه يجب عليه الوضوء، وضوء الصلاة، قبل الغسل، أن ذلك من اتباع السنة، وأداء فرض الطهارتين من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، لكن مع الحذر من مباشرة يده للعورة، وعندي أنه
ومعي
،
لا يغتسل حتى يتوضأ وضوء الصلاة، وقد قيل ذلك في ما يؤمر به المغتسل. يجب عليه أن يتوضأ وضوء الصلاة بعد الاستنجاء، وعلى حسب هذا
أنه من تخرج معاني صفة الغسل في عامة ما يؤمر به من أقوال أهل العلم، ولعله يشبه الاتفاق من القول، ولا أجد هذا القول يخرج عندي إلا على معنى الأدب في الغسل والمبالغة في الطهارة، ولا أجده يخرج عندي في معنى اللزوم، ويجوز عندي الغسل وينعقد حكمه بمعنى الاتفاق إذا أراد الغسل، فغسل شيئا من بدنه، من أي موضع كان، ولو لم يتوضأ وضوء الصلاة ولم يستنج، فإنما (4/30)
صفحة 711
يخرج هذا القول على هذا المعنى عندي في وضوء المغتسل قبل الغسل بمعنى
الأدب والمبالغة في الطهارة وحسن الاحتياط.
والمعنى الآخر عندي من المعنيين؛ أنه لا يجزئه الغسل عن الوضوء
،
للصلاة، ولو اغتسل من بعد الاستنجاء مع التوقي من مباشرة يده للعورة فلا يمس فرجه من بعد ذلك بشيء من جوارح وضوئه، ومعي أنه قد قيل ذلك أنه لا يجزئ المغتسل غسل الجنابة بذلك؛ عن الوضوء للصلاة، وقد قيل: إنه يجزئه ذلك، لأن غسل الجنابة فريضة، فإذا وقع حكم الغسل من بعد الطهارة من النجاسة من بدنه، ولم يمس بعد غسله جوارحه أحد فرجيه، فقد
وقع الغسل والوضوء جميعا، سواء اعتقد الوضوء في الغسل أو لم يعتقد
وقد قيل: إن الغسل هو الوضوء الأكبر، ومعي أنه قيل: إنه لا يجزئه ذلك إلا أن يعتقد الغسل والوضوء جميعا، فإذا اعتقد ذلك كله في معنى الغسل، وخرج معنى الوضوء بعد الطهر من النجاسة ولم يمس فرجه، جاز له ذلك، وثبت له ذلك، وثبت له الوضوء والغسل.
ومعي
أنه قد قيل: ولو اعتقد الوضوء في الغسل، لم يجزئه وعليه أن يتوضأ على الانفراد، لأن الفريضة لا تدخل في الفريضة، على بعض ما قيل، وذلك على قول من يقول: إن غسل الحيض لا يدخل في غسل الجنابة، وأن عليها غسلين، غسل للجنابة وغسل للحيض
ومعي؛ أنه إذا غسل موضع الأذى والنجاسة من بدنه، ثم توضأ وضوء الصلاة ونوى ذلك، ثم غسل سائر بدنه واغتسل من الجنابة، أنه
يخرج
ذلك عندي بمعنى الاتفاق، أنه يجزئه ما لم يمس بأحد جوارحه أحد
فرجيه، ولو كان وضوؤه للصلاة وهو جنب غير متطهر؛ إذا غسل الأذى من
بدنه، وكان وضوؤه بعد غسل الأذى، ولا تضره جنابة بدنه لأنه طاهر
-- (4/31)
صفحة 712
ومعي؛ أنه إن ثبت معنى غسله على غير الترتيب من وضوئه على التعمد لذلك، لم يجزئه ذلك الوضوء، على قول من يقول: إن الوضوء لا يقع وعلى قول من يقول: إنه يجزئه الغسل عن الوضوء
إلا على الترتيب
ومعي
6
؛ أنه في بعض القول: إنه لا ينظر في الترتيب في الغسل لمعنى الوضوء، وأنه إذا غسل غُسل الجنابة بعد أن يغسل موضع الأذى والنجاسة من البدن، أن ذلك يجزئه للغسل والوضوء، لأنه لا يختلف عندي في الغسل
أنه
واقع وثابت.
ومعي؛ أنه في قول من قال: إن الترتيب في طهارة الغسل أوضح منه في الوضوء، ولو لم يكن على معنى الترتيب، وأنه واقع فريضة، وإذا ثبت غُسل فريضة على جوارح الوضوء ثبت غسلا ووضوء ا لأنه فريضة، وهذا القول يعجبني على حال، لأنه إذا وقع غسل الجنابة بعد طهارة النجاسة، ولم يمس المغتسل فرجه بعد غسل شيء من جوارح وضوئه، أن ذلك يقوم مقام الغسل والوضوء، سواء اعتقد الوضوء أو لم يعتقده، وسواء أتى بالغسل على ترتيب الوضوء أو لم يأت بذلك
وأما تفريقه بين الغسل بالإناء والغسل في النهر، وأنه يجزئه الغُسل عن الوضوء من النهر، ولا يجزئه من الاناء إلا أن يعيد الوضوء، أو يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل وبعد الطهارة من النجاسة، فلا يبين لي وجه التفريق بين
ذلك من أي وجه
ومعي
؛ أنه سواء اغتسل في نهر أو من إناء إلا أنه في النهر أقرب إلى اليسر في معنى الأدب، وإذا ثبت وضوؤه بالغسل من النهر، فالماء الذي يقوم مقامه إذا كان فيه في وسطه أو على جانبه، فالإناء مثله عندي فرق بين ذلك
ومعي؛ أنه سواء على حسب ما مضى فيه القول من معاني الاختلاف.
،
-32 - (4/32)
صفحة 713
سواء كان من نهر أو من إناء، وسواء كان في وسط النهر أو على جانبه، ويعجبني من ذلك في الاناء مثله في النهر، وأن ذلك يجزئه وأنه لا فرق فيهما ولا بينهما، إذا ثبت معنى ذلك على ما مضى من القول في الوضوء، إذا دخل في الغسل لموضع يثبت فيه الوضوء من البشر.
وأما قوله: إذا مس فرجه من بعد غسل جوارحه أنه يرجع يتمضمض ويستنشق، ثم يفيض الماء على بدنه، أو يدخل الماء حتى يبتل جميع بدنه، ويجزئه ذلك عن الوضوء، فهذا مما يدل من قوله عندي أن وضوءه كان قد انتقض بمس فرجه، وإن صب الماء على جسده وسائر جوارح وضوئه، يقوم ذلك عندي مقام الوضوء، وكذلك يخرج في معنى قوله عندي أنه إذا دخل الماء حتى يبتل جميع بدنه، أن ذلك يقوم مقام الغسل والوضوء، وهذا دليل على أن مماسة الماء لبشرة الجنب إذا ابتل يقوم مقام الغسل ويجزئه، وقد يوجد نحو هذا مؤكدا، وإذا ثبت في الغسل وهو فريضة، فليس يبعد أن يثبت في الوضوء ومثله، لأن بلوغ الماء إلى البدن موجب للطهارة، لأنه طهور ومعنى الطهور أنه مطهر، فبلوغ الماء الطهور إلى البدن الذي ليس فيه نجاسة، تبقى في الاعتبار بعد بلوغه، وإنما الغُسل فيه يعيد الوضوء، أو غسل جنابة أو
حيض أو نجاسة لا تبقى
*
- rr_ (4/33)
صفحة 714
/ (4/34)
صفحة 715
باب
فرضية الغسل من الجنابة
معي؛ أنه قيل عن أبي جابر محمد بن جعفر: إن الغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله - تبارك وتعالى -، وأنه لا عذر لمن جهلها،
يسأل عنها العبد القيامة يوم
وهي
أمانة
قال غيره: ومعي؛ أنه لا يختلف في لزوم فرض الغسل من الجنابة، وثبوت فرضه من كتاب الله - تعالى -، قوله سبحانه: {وَإِن كُنتُمْ جنبا فاطهروا، وذلك بعد أن أمرهم سبحانه وتعالى بالوضوء للصلاة، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَأَطْهَرُوا وإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَا مَسْتُمُ
النساء (1)
فكان أمره سبحانه وتعالى بالتطهر من الجنابة فرضا ثابتا، غير معنى
ثبوت فرض الوضوء.
وكذلك قوله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُم شکارى حتى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبَاً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوا
(2)
(1) الآية (6) من سورة المائدة
(2) الآية (43) من سورة النساء
- 35 - (4/35)
صفحة 716
ومن
سنة
فثبت بذلك لزوم الغسل من الجنابة؛ من كتاب الله نصا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا وفعلا، وثبت في معنى الاتفاق من قول الأمة من جميع أهل
6
القبلة، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك وهي
، ومعنى الأمانة في أمانة كما قال ذلك أن العبد مؤتمن عليها فيما بينه وبين نفسه، وهي ليست من ظواهر الأعمال التي يطلع عليها في عامة الأحوال غيره، وإن كان الدين كله أمانة الله تبارك وتعالى. يسأل عنه العبد كله، ما لزمه منه وخصه وجوبه، فإنه يشبه ما يكون العمل به ظاهر أمر الطاعة، ويظهر على العباد، وتركه ظاهرا مما يظهر على العباد، فيكاد مما لا يعمل ذلك الله - تبارك وتعالى ـ، باعتقاد صدق ونية وحق وعمل، وذلك على وجه الموافقة للعباد، ورجاء الموافقة لهم، وخوفا منه على نفسه من عقوبات الله من العباد، وهذه الأمانة هي في سرائره، التي لا يكاد أن يعلم بوجوبها عليه، ولا بأدائه لها، فكانت من سرائر أمانات الله للصلاة من السرائر، والوضوء يكاد أن يكون أظهر وأشهر أفعال العبد، في عامة أحواله وفي تعاهده له ووجوبه عليه، في كثير من
من
أحواله.
وإذا ثبت أنه من السرائر، كان الغسل من الجنابة أولى، لأنه أبعد من الطهور في أغلب وجوب ذلك، وتأديته في العبد ومنه، فكان ذلك من الأمانة والسرائر.
وأما قوله: لا عذر لمن جهلها، فإنه يخرج في معاني القول إنه لا عذر لمن جهلها، إلا أن يكون بجهل العمل بها، وهو قادر على العمل لها وطلب علمها، فلا يطلب علم ذلك مع جهله له، ولا يعمل به ولا ينعقد لهم علم ذلك حتى ينقضي وقت صلاة حاضرة، بمعنى أنها تكون مما يلزمه أداؤها بالطهارة، أو يصليها بغير طهارة وينقضي وقتها على ذلك، أو يترك العمل بها وتأديتها لجهله بذلك، وهو يقدر على علم ذلك (4/36)
صفحة 717
وفي بعض. ا قيل: إنه إذا حضره وقت العمل بها،
لم ي
يسعه إلا علم
وجوبها والعمل بها بعد العلم بوجوبها.
وفي بعض القول إنه إذا عمل بها قصدا منه إلى طاعة الله بها، أو عبادة الله، أو عمل بها في جملة ما هو معتقد للطاعة، جاز له ذلك، وكان معذورا عن علم لزومها، وكذلك الصلاة على هذا والوضوء للصلاة، فالقول في ذلك على حسب هذا
ومما يوجد أنه معروض على أبي معاوية - رحمه الله.، قال مالك بن أنس وأهل الحجاز والشافعي وأهل مكة وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل العراق وأهل البصرة - لا اختلاف بين العلماء أعلمه من أهل الأمصار -: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، وكل هؤلاء الذين ذكرنا يخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنازع بينهم فيه ولا اختلاف
ومن غيره قال: وكذلك عن أصحابنا، لا نعلم بينهم اختلافا أنه إذا غابت الحشفة في قبل أو دبر، من جماع في ذكر أو أنثى أودابة، من جميع ذوات
،
أنه الأرواح يجب به الغسل، وكذلك قال الشافعي. وكذلك من تلوّط أو أتى بهيمة حتى تتوارى الحشفة، فقد وجب الغسل، ولم يقل بهذا أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال أبو معاوية - رحمه الله -: إذا غابت الحشفة من جماع وجب
الغسل.
قال غيره: قد مضى ذكر هذا، ولا يحتاج إلى ذكر شيء منه، وإنما
أردنا ذكر المسألة وثبوتها في موضعها
•
قال غيره: ومما أحسب عن أبي علي - رحمه الله، وعن رجل عبث بالمرأة حتى نشر ذكره، ثم تركها فلما سكن ذكره أنزل، هل عليه الغسل؟ قال: نعم؛ عليه الغسل، لأنه عن شهوة أنزل.
- 37 - (4/37)
صفحة 718
قال غيره: معي
أنه إذا ثبت معنى خروج الجنابة منه، بأي وجه من الوجوه، سواء كان في يقظة أو كان في منام، وسواء كان خروج الجنابة منه عن شهوة أو غير شهوة، إلا أن تصح أنها جنابة، وأنها ليست هي من المذي ولا من الودي، فإذا لم يكن ذلك من الماء الدافق، مع حضور الشهوة واضطراب الذكر قبل السكون، فمعي أنه يختلف فيه:
فقال
من
قال: كل الجنابة سواء أكانت حية أو ميتة ففيها الغسل.
وذلك لثبوت اسم الجنابة عليها
6
وقال من قال: إنما عليه الغسل فقط من الماء الدافق الشهوة مع الاضطراب والانتشار، وهو أحد موجبات الجنابة، مع غياب الحشفة والتقاء
الختانين، ولو لم يتم إنزال
؛
ومعي
أنه يشبه معنى ذلك، خروج ا الشهوة في خروجها
النطفة
مع
6
ولو كان بعد سكون الذكر، أو في غير اضطراب ولا انتشار، إذا كان ذلك الماء الدافق خرج مع الشهوة، سواء كان ذلك في يقظة أو كان في منام، مع معالجة أو غير معالجة، وسواء كان ذلك مع احتلام أو غير احتلام، فإذا خرج الماء الدافق بالشهوة فهذا الفصل عندي مما يشبه معنى الاتفاق في وجوب الغسل، إلا أنه قد ثبت معناه، فسواء كان بانتشار واضطراب أو غير ذلك
معني
وهو معنى الشهوة.
ومعي
؛ أنه أشد سائر هذا؛ بعد هذين الفصلين،
هو خروج
6
النطفة
بعد سكون الاضطراب وفتور الشهوة التي يتم بها ويثبت معها وينزل الماء الدافق، إذا كان هذا يحدث مع الاضطراب، سواء كان ذلك مع حضور الشهوة أو مع عدم حضور الشهوة، ولو لم يكن اضطراب ممسكا مجرى الماء الدافق بيده، أو بغير ذلك مما يمكنه أن يمسكه، وكذلك ما يحتمل إمساكه
- 38 - (4/38)
صفحة 719
بيده، من شد أو حبس، أو أي وجه من الوجوه، فلما أزال ذلك الإمساك أخرجت النطفة معا، ويحتمل أن يكون لم يخرج النطفة مع الشهوة إلى المجرى
من الذكر، الذي تحبس فيه النطفة عند الإمساك، فإن كان يحتمل هذا وهذا عنده فيما تجري به العادة، كان هذا عندي أقرب إلى معنى الشبهة، إذا كان ذلك بعد حضور الشهوة التي بها ينزل الماء الدافق، ومن بعد سكونها. ويعجبني في هذا - لموضع لزوم الغسل له - للأغلب من الأحوال ـ أنه مع حضور الشهوة ينزل الماء الدافق، وقد كان ثم حائل حال بينه وبين الخروج، فلما زال ذلك الحائل خرج، فهذا أقرب عندي إلى ثبوت حياة النطفة، ثم من بعد هذا عندي إذا خرجت النطفة مع الاضطراب، ولم يكن هناك حضور شهوة، لأنه قد كان مع ذلك ما يقرب إلى خروج ا النطفة الحية
فإن كان
6
بعد الاضطراب والانتشار من غير حضور الشهوة، سكن الإحليل
من الاضطراب، ثم من بعد سكونه خرجت النطفة، فذلك عندي أبعد وأشبه للنطفة الميتة، فإذا كان مذيا فلا غُسل فيه، وكذلك إذا كان وديا
تزول النطفة
فلا غُسل فيه ثم من بعد هذا الفصل أقرب من الشبهة؛ أن تحضر النطفة التي بها الاضطراب، ويكون ذلك كله، ثم يسكن الاضطراب وتفتر الشهوة، ويزول ذلك كله، ثم تخرج النطفة معا، فهذا عندي أقرب إلى معنى الحياة ودخول الشبهة، من ثبوت الغسل لأنها أقرب إلى الحياة، وهذا كله عندي مما يشبه عندي معنى الاختلاف
فإذا لم يكن إنزال الماء مع حضور الشهوة والاضطراب الذي ينزل به الماء الدافق، وأنه إذا كان كذلك فهو الذي يخرج فيه عندي معنى الاختلاف، سواء كان خروج ذلك المني في يقظة أو في منام، وسواء كان ذلك بمعالجة، أو كان ذلك باحتلام، أو سواء كان ذلك بأي وجه من الوجوه،
- 39 - (4/39)
صفحة 720
أنه إذا ثبت
فذلك عندي فيه ثبوت معنى الغسل بمعنى الاتفاق عندي، مع النطفة فيه بوجه من الوجوه ولو كانت ميتة، فقد قيل في ذلك خروج
باختلاف، وكل ما كان أقرب إلى الشبهة كان أقرب من معنى لزوم الغسل
ومعي
؛ أنه يخرج في بعض معاني القول عن بعض أهل العلم، وقد
سئل عن الودي والمذي والمني، فقال: أما المذي فإنه نطفة غير أنه يخرج من الرجل من بعد سكون الانتشار، والودي نطفة بيضاء تخرج من غير شهوة ولا انتشار على أثر البول أو قبل البول، أو كيفما خرجت على معنى قوله،، وأما المني فنطفة بيضاء، وهو غليظ القوام له رائحة كرائحة الطلع، يخرج من هذا كله الرجل عند الاضطراب وحضور الشهوة وقذف المني، وقد سمي نطفة، وهو الذي به توجد الشهوة، وإذا ثبت هذا. أنه نطفة، فالنطفة ذلك الجنابة، لقول الله ـ تبارك وتعالى -: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) (1). وقوله تعالى: فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ من ماءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالْتَرَائِبِ) (2)
على
هي
معي
ذلك كله في معنى واحد يجتمع في اسم الجنابة، فعلى قول من يقول في النطفة الميتة إن فيها الغسل، فعند أصحاب هذا القول أن هذا كله نطفة لا يتعرى أن يثبت عنده معنى الغسل من جميع ذلك، لثبوت نطفة وجنابة وماء دافق، لأنها مجتمعة في الأسماء، مع أن أكثر القول من أصحابنا في الودي والمذي يجوز أن يكون مجرد القول فيه إنه لا غسل فيه، وأن المني مجرد فيه القول إن منه الغسل، وأن النطفة الميتة يلحق فيها معنى الاختلاف في
الغسل، فينظر في ذلك كله، ومعنى ثبوت النطفة الميتة ما هي، وإذا ثبت الفرق بين المذي والودي والمني بحال آخر من النطفة الميتة، كان ذلك. خارجا على معنى ما وصفت لك من تلك الفصول، واختلاف معاني قربها
(1) الآية (4) من سورة النحل (2) الآيات (5)، 6، (7) من سورة الطارق
عندي
- {- (4/40)
صفحة 721
وبعدها، وثبوت معاني الاختلاف فيها من الأحوال، من حضور الاضطراب
والشهوة.
وكذلك عندي إذا خرجت نطفة بيضاء، من غير حضور شهوة ولا اضطراب لحقها، عندي في ذلك حكم الاختلاف، وهي أبعد ما يكون عندي من معاني الشبهة، إذا خرجت عادية، أي خرجت لغير أسباب اضطراب ولا شهوة، وهي النطفة الميتة الصريحة عندي، بلاشبهة وما أشبهها فهو مثلها، وفيها معنى الاختلاف ثبوت الغسل بمعناها، وما خرج من شيء بعد ذلك من أبيض أو أغبر ليس بغليظ، يلحق شبهة الماء الدافق، والبياض والغلظ، فما كان من هذا الشيء أغبرا فهو عندي المذي ولا غسل فيه، وما كان منه أبيضا دون النطفة في الغلظ مما يشبه الماء الدافق في أي وجه خرج، فهو الودي، ولا أعلم اختلافا في الودي والمذي أن فيهما وجوب الاغتسال، ولو خرج المذي والودي اللذان هما دون الماء الدافق في الشبهة من البياض والغسل على أثر اضطراب أو شهوة لم يكن ذلك موجبا للغسل إذا صح أنه مذي أو ودي، ولا يصح اختلاف الأحكام إلا في اختلاف المعاني، والمذي والودي كيفما خرجا وعلى أي حال، فلا غسل فيهما
،
ولا منهما، ولا أعلم في ذلك اختلافا في معنى النص من القول والنطفة الميتة وهي البيضاء الغليظة يلحقها معنى الاختلاف في أقوال
الفقهاء.
فتلك
هي
والنطفة الحية وهي البيضاء الغليظة الخارجة مع الشهوة الحاضرة، نطفة الماء الدافق عندي، والجنابة والنطفة التي بها وجوب الغسل بمعنى الاتفاق، فافهم معاني الاختلاف في ذلك واختلافه في أوقاته وألوانه وشبهه، وما خرج على معنى الرطوبات، مما يشبه البول فذلك خارج من معنى النطفة، وعن المذي والودي إلى معنى يشبه البول، ولا يشبهه في ذلك
- 21 - (4/41)
صفحة 722
عندي في وجوب الغسل، وعندي أن معنى الحكم في ذلك إذا ثبت فيه عدم وجوب الغسل، وإنما فيه الاستنجاء بمنزلة البول عند خروجه، فهو ينقض الوضوء بمنزلة البول والمذي والودي، والنطفة الميتة، وذلك عندي في معنى قول من يقول لا غسل فيها، ومعنى ما يقوله من قال إن الحكم فيها الاستنجاء والوضوء منها، وهو عندي أن معنى الرطوبات لا يجب فيها الغسل على حال، وإنما فيها الاستنجاء بمنزلة البول عند خروجه، فهو ينقض الوضوء بمنزلة البول والمذي والودي كما سبق
- {Y- (4/42)
صفحة 723
باب
كيفية الغسل من الجنابة ومن الحيض
غسل المرأة من الحيض والجنابة سواء.
وقيل: إن لم تنقض المرأة ضفائر شعرها وحركتها كذلك، أجزأها ويبلغ أصول الشعر، لحديث أم سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة جاءتها، فقالت: امرأة تشد شعر رأسها، هل تنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «إنما يكفيها أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، واغمزي قرونك عند كل حثية، ثم تفيضين الماء عليك وتطهرين.
الماء
قال محمد بن المسبح: إلا أن تكون عاقدة شعرها بخيط فلتحله ليصله
قال غيره: ومعي؛ أنه قيل في المرأة، إذا كانت ضافرة شعرها، ولزمها ما يوجب الغسل اللازم من جنابة أو من حيض أو من نفاس، أن عليها أن تحل ضفائرها للغسل.
وقيل: إنه ليس عليها ذلك، إذا دلكته بالماء، فبلغ الماء إلى داخل الضفائر، وإلى أصول الشعر في معنى الاعتبار، فإن ذلك يجزئها على هذا
الوجه
والقول الأول يخرج إذا لم تدلك شعرها على هذه الصفة، وهذا القول
يجزئ إذا كان يخرج معها على هذا الوجه
وكذلك قول من قال: إنها إذا كانت عاقدة على ضفيرتها بخيط أو
- ? r- (4/43)
صفحة 724
من
بغيره، فإذا كان في الاعتبار يحول بين الماء وبين الشعر حتى لا يبلغه المماسة، ما يقوم مقام الغسل، كان عليها عندي أن تحل العقد، لأن
من
الشعر كله يلزم غسله، طال أو قصر من أصوله إلى أطرافه، كما يلزم بشرة البدن كله، لأن جميع ما حمل البدن من ذاته، يلزم معنى الغسل من شعر أو غيره، إلا ما عارضه من غير ذواته، إلا أنه إن كان من عذر ذلك المعارض من غير ذواته، وكان يحول بين البدن أو الشعر من البدن، فقد قيل: إن لم يخف الضرر أجري الماء والغُسل على ذلك المعارض، بقدر ما يبلغ الماء موضع الغسل بالبلل، فإن لم يقدر إلى بلوغ الحركة إليه مع البلل، وإن قدر إلى بلوغ الحركة إليه مع البلل، وجب ذلك على قول من يقول به أنه لا بد منه مع بلوغ الماء
وقال من
قال: إن المرأة إذا رأت كمثل ما يرى الرجل في نومها حتى قذفت، فلا غُسل عليها، لحديث أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله؛ المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، هل عليها غُسل؟
قال: «نعم؛ إذا رأت الماء، ولحديث أن أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري سألت النبي الله فقالت: يا رسول الله؛ إن الله لا الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم؛ إذا رأت
يستحيي من
الماء»، فعلى قول هذا القائل، لا يجب عليها الغسل إذا لم تر الماء
•
قال غيره: وقد قيل: يوجد أن عليها الغسل من ذلك، إذا قذفت وفقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن غيره؛ وعن أبي معاوية - رحمه الله.، اختلف الناس في ذلك، فبعض قال: عليها الغسل، وبعض قال: ليس عليها الغسل
وقال من قال: وإن عبث بها زوجها فيها دون الفرج، أو عالجها هو أو
- {{- (4/44)
صفحة 725
غيره، أو عبثت هي بنفسها حتى قذفت الماء الدافق، فإنه يجب عليها عند ذلك الغسل، لأن الماء الدافق من موجبات الغسل وإن لم يولج الرجل في فرجها ولم تغب الحشفة
ومن غيره؛ وقد يوجد عند بعض من قال: إنه لا غسل عليها إلا من جماع، بأن يولج الرجل الحشفة في فرج المرأة، أو أن تكون ثيبا فيصب الماء في فرجها. وقال غيره: معي؛ أنه قد قيل: إن هذا أو شبهه يكون في المرأة كما يكون في الرجل، وأحسب أن الذي يذهب بإزالة الغسل عنها في الاحتلام، أن الاحتلام للرجال، وبه يجب معنى حكم بلوغهم، فإن الاحتلام في الصبي يكون علامة من علامات بلوغه، ولكن علامة البلوغ في النساء ليست في الاحتلام، وإنما تكون علامة البلوغ في النساء ظهور الحيض، فيذهب أصحاب هذا القول أن النساء لا يجتمع عليهن حكمان؛ حكم الغسل عن الاحتلام، وحكم الغسل من الحيض، وكل من المتعبدين مخصوص من الغسل، سواء كان الرجال أو كانت النساء، وكل منهما مخاطب بما خصه من الأحكام، ومكلف بتلك الأحكام حسب أحواله
وإذا ثبت هذا المعنى أشبه عندي جميع ما أصابها حكم ذلك في اليقظة،
بمعنى ثبوت ذلك بمعنى الاحتلام، ما لم يجب عليها حكم الجماع، الذي وقع
عليه فيها حكم الاجماع، لأنه ليس بين حصول خروج المني منها في اليقظة
6
وبين خروجه منها في المنام فرق، لأنها تكون بهذا جنبا وبهذا جنبا، وقد قال الله - تعالى -: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَهَرُوا)، وليس أحد يرفع أنها بأي فعل من هذين الفعلين، وهما الاحتلام بخروج المني في المنام، أو المداعبة بخروج المني في اليقظة، أنها ليست بجنب، إذا أصابتها الجنابة سواء في يقظة أو في منام، فإن قلنا إنه قد تثبت المخاطبة في الآية الكريمة على الرجال دون النساء؛
- {o_ (4/45)
صفحة 726
بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مجنُباً فَاطهروا، وإذا وقع الاجماع عليهم في ذلك، بأن الخطاب موجه لكليهما معا، فعندي أنه لا يفرق بين المرأة في حكم الجنابة، سواء كانت هذه الجنابة قد أصابتها في يقظة، أو كانت أصابتها في منام، وتكون بذلك قد لزمها حكم ذلك، إذا أصابتها الجنابة في اليقظة بأي معنى من المعاني، ولا مخرج لها في ذلك من ثبوته عليها في المنام أيضا، لثبوتها جنبا إذا أصابتها الجنابة، على أي وجه من الوجوه، سواء كان ذلك في يقظة أو كان في منام، ولمعنى الاتفاق من ذلك؛ أن الذي يخرج منها وهو من المني يوجب عليها الجنابة، لقول الله - تعالى - في تسمية ذلك كله بالجنابة سواء كان من الرجال أو من النساء، وأنه منهما بمعنى واحد، وقد قال تبارك وتعالى: فلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ ممَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ماءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والترائب) (1)، فقيل: إن ما يخرج من الصلب. هو ماء الرجل، وما يخرج الترائب هو ماء المرأة.
وقد قال الله تبارك وتعالى -: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نطْفَةٍ أَمْشَاجِ
من
نطفة
نبتليهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيَّرا، وقد ذكر في معنى خلق الانسان أمشاج؛ أي من نطفة مختلطة في معنى ما قيل: إن الأمشاج المختلط، وهو في اختلاط نطفة الرجل ونطفة المرأة، وهما الأبوان، وقد سماه الله كله خلقه، وسماه الله كله ماء دافقا وعندي؛ أنه بذلك قد وقع معنى
معني
الاتفاق، أنه لما الحق اسم الجنابة بهذا المعنى كان كلاهما جنبا، بهذا المعنى
المتفق عليه، وهو متفق في الاسم والمعنى من الرجل والمرأة على سواء، وكما أنه يلزم الرجل اسم الجنابة بخروج الجنابة منه، فكذلك يلزم المرأة اسم الجنابة بخروج الجنابة منها، وإذا كانت تلزمها الجنابة بخروج المني منها في معنى اليقظة، فمثله كذلك تلزمها الجنابة بخروج المني منها في معنى المنام، وعلى ذلك يلحقها ذلك في حكم المنام، مثله عندي كما لحقها في حكم اليقظة،
(1) الآيات (5)، 6، (7) من سورة الطارق.
- ET- (4/46)
صفحة 727
ما لم يصح ويثبت عليها غير ذلك
عندي
ومعي؛ أن الجماع الذي وقع اسمه على المرأة وعلى الرجل، فيه حكم الإجماع من الفقهاء أن عليهما وجب الغسل من الجماع، لقول الله - تبارك وتعالى -: أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ)، وكل بمعنى واحد عندي، إن لم يكن في اليقظة أقرب عذرا لها، وإذا أجزنا أن يفرق بين المرأة وبين الرجل، في حكم الجنابة، فإن هذا التفريق لا يساغ وقد استويا في الاسم والمعنى، وفي معنى حكم ذلك أنه يلزم الرجل من ذلك ما لا يلزم المرأة، وهذا غير جائز لأن الله سبحانه وتعالى - سوى بينهما فقال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَرُوا) وهذا القول الكريم إذا كان يخرج في ظاهر الأمر أنه مخاطب به الرجال، فذلك مثله. قوله تعالى: أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ)، فإنه يمكن القول أيضا أنه مخاطب به الرجال، وإنما نقول إنما خوطب بهذا وهذا في معنى واحد، وإذا استقام كل هذا القول في الجنابة، يمكن أن يقال إنه يستقيم في الصلاة، أنها إنما تلزم على الرجال دون النساء، وإذا استقام هذا القول، بطل في افتراضه التعبد عن النساء، وبطل اسمهن عن الايمان، لأن المخاطبة للمؤمنين في قوله تعالى: يا أيها الذين آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا. .) (1) الآية، وفي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِمْتُمْ إلى الصَّلَاةِ
فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المرافق وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّباً فَامْسَحُوا بُوجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) (2).
فأصل المخاطبة في الذين آمنوا جميعا، فعندي أنه لا أجد من يدفع هذا القول في أن الخطاب للمؤمنين جميعا، الرجال والنساء، ولا أعلم أن أحدا
(1) جزء الآية (43) من سورة النساء (2) جزء الآية (6) من سورة المائدة
- {V. (4/47)
صفحة 728
يقدر على دفع هذا المعنى، فيخرج النساء من جملة أهل الإيمان، ولما أن يثبت هذا القول الذي يخرج النساء عن خطاب المؤمنين، أو لما ثبت بطلانه لمخالفته لما أجمع عليه الفقهاء، ولما دل عليه معنى الخطاب من الله - تعالى - للجنسين، ثبت بذلك كله أنهن في جملة المخاطبين في كل من الصلاة والطهارة للصلاة، وثبت بذلك أنهن من المخاطبين بالتطهر من الجنابة، بمعنى واحد للرجال ولهن بمعنى واحد، وأنه ما خص الرجال من ذلك فهن مثلهم، وما عم الرجال من ذلك فهن مثلهم، بمعنى أصل المخاطبة، وقد كان على هذا أن لا يكون عليهن غسل في الوطء ولا في الجماع، وهذا ما لم يقل به أحد، ولو افترض جواز القول بأن الخطاب للرجال فقط، وإذا كُن غير مخاطبات بذلك، وهذا أيضا ما لم يقل به أحد، فلما وقع الاتفاق بين الجميع أن عليهن الغسل من الجماع، كما هو على الرجال سواء بسواء، وكانت المخاطبة من الشارع موجهة إليهما جميعا، لم يكن لهن مخرج من المخاطبة في
الغسل في الجملة من حكم الجنابة، إن كانت المخاطبة واحدة، ولم يستقم أ
أن
يخرجن في شيء ويدخلن في شيء، بغير دليل واضح من الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقد ثبت من معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، أن الخطاب عام يشمل الرجال كما يشمل النساء، ولأن خطاب الشارع الذي يلزم الرجال بأمر من أمور الشريعة، يلزمهن أيضا، ما لم يرد دليل على مخصوصيته للرجال دون النساء، كقوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (1)، وكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طلقتموهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَةٍ تَعْتَدُونَهَا فَمَنْعُوهُنَّ
راحا
وكقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ
(1) جزء الآية (34) من سورة النساء.
(2) الآية (49) من سورة الأحزاب
- {A_ (4/48)
صفحة 729
لا تَشْعُرُونَ). وكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فامتحنوهُنَّ الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تُرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌ هُمْ وَلَا هُمْ يَحلُّونَ لَهُنَّ. .) (1) الآية.
كما أن هناك خطابا للنساء خاص بهن كذلك في الكتاب الكريم، وذلك في معنى قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ منها وَلْيَضْرِ بْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جيون) (2) الآية، وكذلك ثبت من السنة النبوية الشريفة أن رسول الله بين أن المرأة عليها الغسل - كالرجل - إذا رأت الماء الدافق، أي أثر خروج الماء الدافق من بلل ونحوه
فلما أن ثبت الإجماع فيما عندي، لا أعلم في ذلك خلافا، أن على النساء الغسل في الجماع، كما يكون ذلك واجبا على الرجال، كان مثل ذلك الحكم في معنى الحكم في الجنابة، ولما أن ثبت الاجماع - لا أعلم في ذلك اختلافا ـ أن الجنب إنما لحقه اسم الجنابة بمعنى خروج المني منه والماء الدافق، كسائر. ذلك من الأحداث؛ من الحيض والنفاس والاستحاضة والبول والغائط، فخروج الحدث وحصوله بأي وجه من الوجوه كان، سواء كان ذلك في يقظة أو في منام، ثبت حكمه ومعناه، ولحق اسمه، لا يختلف معنى ذلك ولا حكمه ولا اسمه، سواء كان ذلك الحكم مرتبطا بالرجال أو بالنساء، ولكل حدث من جنابة أو غير ذلك. من. حدث أكبر أو حدث أصغر، كان حكمه في معنى ما يلزم على اسمه من طهر، ولما أن ثبت رفع الحدث في. الرجال، بأي حال كان منه خروج المني والماء الدافق، أشبه ذلك في المرأة
لأنها كانت في جملة المخاطبين ذلك
ومعي
أنه؛
بجميع
في أكثر القول أن عليها الغُسل، إذا كان ذلك منها في
(1) الآية (10) من سورة الممتحنة
(2) الآية (31) من سورة النور
،
- 24 - (4/49)
صفحة 730
اليقظة، في أي وجه من الوجوه، وعلى أي حال من الحال، وإنما كثر القول فيما يختلف في ذلك، إذا كان خروج الماء منها في المنام على وجه الاحتلام، لمعنى ما جرى ذكره من تعبد الرجل بمعنى الاحتلام، وتعبدها هي على معنى الحيض، وليس هذا عندي بمعنى حجة، والله - سبحانه وتعالى - يحكم ما يشاء، وقد خص الله سبحانه بإلزام الغسل لكل جنب {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا، سواء كان ذلك من الرجال أو من النساء، لأن الخطاب عام لا يقوم دليل على خصوصيته للرجال، وقد ثبتت المرأة أنها من جملة أهل الجنابة من المؤمنين، وقد خص الله الحائض بوجوب الغسل، فكان ذلك الحكم خارجا على النساء دون الرجال، بما لا يختلف فيه، بمعنى ظاهر حكم الله - تبارك وتعالى - من كتاب الله، بوجوب الغسل على الجنب بأي حال يستحق الجنب الجنابة، ويجب عليه بسببها الغسل، سواء كان من الرجال أو النساء، بأي وجه من الوجوه التي وجب عليهم به معنى الجماع من المتعبدين، وذلك بإجماع القول، ولو لم يحصل عليه اسم الجنب، فحكم الجنابة غير حكم الجماع في معنى الاسم، وإن كانا متشابهين ومتساويين في الحكم والمعنى، وليس لمن وجب عليه الغسل معنا بمعنى الجماع، ولو لم تكن منه جنابة أن يقرأ القرآن الكريم، ولا يدخل المسجد لموضع ما يثبت حكمه ومعناه، مشبها لمعنى الجنب ومعناه، وإن لم تسميه جنبا أثبتنا عليه حكم الجنب، لأنه مشبه له، وما أشبه الشيء فهو مثله
من
وإذا لم يحصل من المرأة ولا من الرجل، ولا كان منهما معنى الجماع، ولا شيء مما يوجب الجنابة، فعندي أننا لا نجد لهما في حكم الاتفاق ولا عليهما موضعا يجب عليهما به الغسل، إلا بشيء مما يوجب الغسل من
جنابة أو جماع أو ما أشبه ذلك، فإنه ما كان شبيها لشيء فهو مثله
ومعي
، أنه مما يشبه معنى الجماع، الذي يوجب الجنابة على المرأة، أن (4/50)
صفحة 731
يقذف الرجل) الدافق على فرجها، فيلج ذلك في فرجها، فإذا أولج ذلك في فرجها، ففي ذلك معنى الجماع، لأن ذلك عندي يشبه معنى الجماع، في معنى ما قيل، إنه إذا تعمد لانزال النطفة في فرجها، فولجت في فرجها موضع الجماع، أي الموضع الذي حيث يكون حصول الجماع فيه، فإنه يجب عليها
الغسل
، كما يجب عليه الغسل في ذلك، وإن كانت حائضا كان مجامعا على لأنه أثناء حيضها يمنع من استعمال أي معنى من معاني
سبيل التعمد
"
الجماع، وإذا كانت ليست بزوجته كانت بمنزلة المجامع لها، وأنه المجامع لها، وخرج في معنى قول أصحابنا أنها تفسد عليه بمعنى ذلك، فأما في معنى حكم الغسل، ومعنى ثبوته عليها ولزومه عليها، فلا أعلم أنه يحضرني في ذلك معنى الاختلاف بقول منصوص منقول بما يقيم الدليل على ذلك وكذلك في حكم وطئه فيما يفسد الوطء به.
فمعي؛ أنه يخرج في أكثر القول، أنها تفسد عليه إذا كانت حائضا، على قول من يقول بفسادها في الوطء في الحيض على التعمد، ومعي أن بعضا لا يوجب بمعنى ذلك وطئا يوجب به معنى الفساد، إذا كان الوطء المجمع عليه أنه وطء، وهو أن تغيب الحشفة مجامعا، ويلتقي الختانان، فذلك الوطء الذي يوجب الحد والعدة والغسل، وتحل المطلقة ثلاثا، وإذا وجب في معنى هذا القول أن هذا وطء يحرم الحائض وغيرها، بمعنى ولوج النطفة في الفرج
،
ثبت معنى ذلك أنه يوجب الحد، وتلزم منه العدة وتحل منه المطلقة ثلاثا وفي جميع الأحكام، فلما أن لم يكن كذلك على الاتفاق أشبه عندي معنى الاختلاف أحكامه في جميع من معنى وجوب الغسل على المرأة، وفسادها عليه، وأن لا يكون لها عليه رجعة في العدة، وأشباه هذا كله يخرج بمعنى واحد، فأما في العدة وإحلال المطلقة ثلاثا، ووجوب الحد عليها، فلا أعلمه مما قيل في الاتفاق ولا اختلاف، ولا يشبه ذلك معنى الاختلاف فيه إلا في العدة إن أشبه ذلك، فإن ذلك يحسن عندي أنه يشبه بمعنى الاختلاف، ولا يشبه ذلك،
-01 - (4/51)
صفحة 732
ومما يشبه ذلك أنه قيل: لو حملت منه على ذلك كان عليها العدة منه، وأدركها ذلك ما لم تضع حملها، ولا يبين لي في ذلك اختلاف، ودليل ذلك من المنصوص قول الله - تبارك وتعالى -: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمُحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةٌ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ
أجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرا (1).
وقد ثبت معناها أنها حامل منه، فإذا ثبت أنها حامل منه فلم تحمل منه إلا من تلك النطفة، وفي معنى هذا فقد ثبتت النطفة ثبوت ما قد أوجبت العدة على الشبه، وإن كان يدخل عليها العلة، إذا كان إنما ثبت ذلك بمعنى
الحمل.
ومعي
{
أنه يختلف في الفساد في الحيض، وما أشبهه بهذا النطفة إذا ولجت في الفرج على التعمد في الحيض بمعنى النص، فإذا ثبت معنى ذلك على هذا المعنى وظهر الحكم فيه، أشبه ذلك عندي في النص، ويعجبني في ذلك قول من يأمرها في معنى الحكم بالغسل، لأنه يشبه معاني الجماع المحدث للجنابة الموجب للغسل، فذلك يشبه معاني الجماع في معنى ثبوت الغسل، وإذا ثبت معنى الغسل بإنزال النطفة في الفرج، وبنزولها في الفرج، فصب الماء على فرجها، أو جرى الماء على فرجها، فلم تعلم هي أن الماء ولج في فرجها، أو أن الماء لم يلج، وقد جرى الماء على فرجها، فمعي أنه قيل: إنها إذا كانت ثيبا كان عليها الغسل لأنها تنشف، وإذا كانت بكرا لم يكن عليها
غسل
، حتى تعلم أنه ولج في فرجها
•
ومعنى قول القائل في ذلك: إنها لا تنشف إذا كانت المرأة بكرا، وقوله إن المرأة تنشف إذا كانت ثيبا، فإنه يخرج معنى قول هذا القائل في ذلك، أنها ولو لم تعلم أن الماء الدافق ولج في الفرج، لأنه إذا لم تعلم أن الماء قد ولج في
(1) الآية (4) من سورة الطلاق.
- OY - (4/52)
صفحة 733
6
الفرج، فإن ذلك يلزمها في معنى حكم الاسترابة والشبهة لا معنى الحكم لأنه قد يمكن أن تولج النطفة، كما أنه قد يمكن أن لا تولج، وإذا ثبت معنى دخول النطفة في الفرج لم يكن الحكم متوقفا على ما إذا كان ذلك يثبت عليه في بكر ولا ثيب، ولا أنها تنشف، ولا غير ذلك، ولم يخرج معنى لزوم الحكم للثيب لما لا يلزم البكر إلا بمعنى الاسترابة، أن يدخل الماء موضع الجماع من فرجها، من حيث يفسد بالجماع، ويجب عليها الغسل بوجوب الجماع إليه. وإذا ثبت ذلك الحكم في الثيب لمعنى الاسترابة، لم يتعر حكم البكر عندي من ذلك، لأن معنى هذا في النظر أنه قد يخرج منها الحيض وهي بكر. ولا يمتنع موضع الخروج أن يدخل فيه الماء بقدر ما يخرج منه، وما أشبه أن منه مما يخرج هو مثله، وكأني أحسب أنه قد قيل ذلك، أن الرجل إذا قذف الماء على فرج زوجته، كان في معنى الحكم في ذلك أن عليها الغسل، وهذا لا يختلف في معنى كل حكم من هذا، سواء كانت ثيبا أو كانت بكرا، وليس ذلك عندي يُبعد معنى الاسترابة ودخول الشبهة
ومعي؛ أنه قد قيل - فيما أحسب -: إنه ليس عليها في معنى الحكم غسل، سواء كانت بكرا أو ثيبا، حتى تعلم أنه ولج منها الماء الدافق، وليس ذلك عندي ببعيد، على معاني الأحكام، ما لم يغلب معنى الاسترابة عليها في المشاهدة منها لأمرها، فإذا غلب معنى الاسترابة والشبهة، أعجبني الخروج
من الريب فيه، إلى ما لا ريب فيه تحرزا للدين وأخذا بالاحتياط.
وينظر في هذا كله إن شاء الله، ولا يؤخذ منه إلا بالعدل والصواب
ومن الكتاب؛ وعندي أن الغسل يلزم الثيب ويلزم البكر بدخول
الماء، وأنها تنشف، ولم يقولوا - في بعض القول ـ بدخول النطفة فيها
6
ويعجبني قول من يقول: إنه لا يفسد المرأة على زوجها، بإنزال النطفة على
- or. (4/53)
صفحة 734
التعمد في فرجها، في موضع الجماع، وأنه على هذا القول لا يلحقها في ذلك
أن
غسل أيضا، لأنه لو كان جماعا لكانت تفسد بذلك، وقد يخرج عندي ذلك ليس بجماع، لأن الجماع فيه معنى الايلاج وغياب الحشفة في الفرج،
ولأنه إن فعل الجماع بها حراما ولم تغب الحشفة لم يكن بذلك عليهم الحد عندي، ولا على أحديهما أيضا، وكذلك لو فعل ذلك بها وهي زوجته ولم يولج في أول وطء لها منه؛ ثم طلقها، فإن ذلك في معنى حكمه لا. يوجب عليها عدة له يدركها فيها، سواء كانت بكرا أو ثيبا
وكذلك معي؛ أنه قد قيل: إن الرجل لو تعمد لانزال النطفة في فرجها فنزلت، وكانت المرأة ثيبا، فإنه في معنى أنها لا عدة عليها له يدركها فيها، وأن ذلك يخرج في معنى الحكم أنه لوجب ذلك الحد، ولو فعل ذلك على وجه الزنا، وإذا لم تجب في ذلك العدة بمعنى عدم الوطء، ولا تعمد بمعنى الوطء، ولا الحد لمعنى الوطء حراما، وقد ثبت أن من يولج الحشفة، أو يلتقي الختانان، فإن ذلك يوجب العدة في النكاح، ويوجب الحد في الزنا، فإذا لم يثبت بهذا معنى الوطء في هذا وليس يبعد أن لا تفسد عليه بمثل ذلك من الحيض والنفاس، إذا تعمد لذلك إذا لم يكن وطئا، في معنى ما يوجب
الأحكام. ومن الكتاب؛ ومن لم يعلم بجنابة، كأن نسي أنه فعل ما يوجب غسل الجنابة، كالجماع أو الاحتلام أو المداعبة التي قد تقذف الماء الدافق بشهوة، أو اعتقد أنه لم يخرج منه ذلك الماء الدافق، ولم يقم دليل على أن هذا الماء تحرك من مجاري البول، فإذا كان غسل بدنه حتى طهره جميعا لغير جنابة، فإن هذا الغسل يكفي له عن هذه الجنابة، ولا غسل عليه غير ذلك، فإن غسل بدنه كله وعرك ثم صلى ولم يتوضأ، فإن ذلك في معنى الحكم يجزئه أيضا
قال محمد بن المسبح: ما لم يمس الفرجين من بعد الغسل.
- 54 - (4/54)
صفحة 735
ومن غيره؛ مما يوجد عن أبي الحواري عن رجل أصابته الجنابة ولم يكن
قد علم بها حين أصابته، فذهب واغتسل كما يغتسل الرجل يوم الجمعة، وكمثل ما كان في ضيعة أو كان عليه غبرة، أو تبرد بالاغتسال لحر أصابه، أي أنه اغتسل على أي وجه من الوجوه، ولم يقصد بهذا الاغتسال أن يتطهر من الجنابة، لأنه لم يكن يعلم حين الاغتسال أن الجنابة أصابته، وتوضأ على ذلك وصلى، ثم علم بعد ذلك أنه كان جنبا، فماذا يفعل؟
فقد قالوا: يجزئه ذلك الغسل، إذا كان غسل ولم يكن يعلم حين الغسل أنه كان قد أصابته جنابة قبله، ثم علم بعد ذلك أنه أصابته الجنابة.
أجزأه ذلك الغسل.
كذلك قال لنا أبو المؤثر عن محمد بن محبوب: إنه يجزئه ذلك الغسل عن غسل الجنابة. وفي موضع آخر كان هذا أيضا من جواب أبي عبدالله
- رضي الله عنه -. قلت: فرجل أصابته الجنابة في الليل، ولم يعلم بها حتى أصبح، فقام أراد به أن يتبرد، أو غير ذلك من أسباب أخرى، بمعنى أنه لم
فاغتسل من حرا ينو من هذا الغسل أنه من جنابة، ولم يكن قد علم بها حتى اغتسل، ثم صلى بها صلاة الفجر، فلما كان النهار علم أن الجنابة كانت قد أصابته في الليل، وأنه كان قد نسيها، ثم قام واغتسل ولم ينوه أن ذلك الغسل للجنابة، ثم ذكر بعد ذلك أن الجنابة كانت أصابته، فهل أجزأه ذلك الغسل للجنابة؟ قال: لا يجزئه ذلك، وعليه إعادة الغسل بالنية أنه للجنابة، وعليه
كذلك إعادة تلك الصلاة لأنه لا يصلح ذلك إلا النية
قلت: فإن كان اغتسل ونوى به أنه يجعله وضوء الصلاة نافلة، هل
يجزئه ذلك للجنابة؟
-00 - (4/55)
صفحة 736
مائتا
قال: لا؛ لا يجزئه هذا الغسل عن غسل الجنابة
قال: ولو أن رجلا تصدق بخمسة دراهم على الفقراء، ثم نظر فإذا)
درهم
قد حالت حولا، لم يكن ذلك يجزئه عن الزكاة
وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب - رحمه الله وحفظه -، -، عنه في الرجل
تصيبه الجنابة، ولا يعلم بها أنها أصابته، ثم يغتسل ولا يريد بغسله الجنابة فهل يجزئه ذلك؟
6
قال: فيها اختلاف من الفقهاء، فمنهم من قال يجتزئ بالغسل الذي اغتسل ولم يكن يريد بذلك الجنابة، ومنهم من قال لا يجزئه أي غسل لم يرد به
طهر الجنابة. قال غيره: قال المضيف - وأرجو أنه أبو سعيد -: معي؛ أنه قد جاء نحو هذا، في معنى الاختلاف في معاني قول أصحابنا، فمعي أنه في بعض ما قيل: إنه إذا غسل غسلا من مثل ما يجزئه للغسل من الجنابة، لو أنه كان قصد إليه فإن ذلك الغسل يجزئه، لأنه قد حصل له الغسل الذي كان مخاطبا به، وإنما منعه من ذلك أن يقصد إلى الغسل، إذا لم يعلم بذلك، وهو معذور فيما لم يعلم.
!
أنه قد قيل: إن كان قد علم بالجنابة ثم نسيها، ومعي هذا فغسل. الغسل ولم يقصد به طهر الجنابة، فإنه معي يجزئه ذلك، لأنه كان قد علم وقد كان مخاطبا بذلك، والناسي معذور، ولا يجزئه إذا لم يكن علم الجنابة. وقد
فرق صاحب هذا القول بين من لم يعلم بجنابته وبين من علم بها ثم نسيها.
لمعنى ما مضى ذكره لها
6
ومعي؛ أنه قد قيل: يجزئه ذلك الغسل على الوجهين جميعا، لأنهما
- 56 - (4/56)
صفحة 737
كلاهما معذوران، وقد حصل لهما العمل الذي يقع به
أداء الواجب
ومعي؛ أنه قيل: لا يجزئه ذلك الغسل على الوجهين جميعا، أحدهما من وجه أن الغسل من الجنابة إنما هو عمل، ولا يقوم العمل إلا بالنيات، لما ورد في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. فإذا وقع العمل على غير نية لم يتم
ومعي؛ أنه يخرج في معنى القول: إنه لا يجزئه ذلك، إذا كان قد علم ولكنه نسي، ويجزئه إذا لم يكن علم على ما يشبه ما قيل، فيمن تيمم وفي رحله ماء، فلما صلى وجد الماء في رحله حاضرا، ولم يكن يطلب الماء، ففي بعض القول يجزئه على الوجهين، علم به ثم نسيه أو لم يكن عالما به لأنه لم يجد
الماء
وفي بعض القول إنه لا يجزئه لأن الماء بحضرته ولو طلبه لوجده،
وعليه أن يعيد
وفي بعض القول إن كان عالما بالماء فنسيه لم يجزئه التيمم، وإن لم يكن عالما به أجزأه التيمم، والذي لم يعلم أشبه عندي بالعذر، في معاني ما يشبه هذا، لأنه قد قيل فيمن صلى إلى غير القبلة ناسيا للقبلة، ثم ذكر أن عليه إعادة الصلاة في الوقت أو غير الوقت، ومن جهل القبلة فتحراها فوافق غير القبلة، ثم علم أنه لا بدل عليه، وقد تمت صلاته، سواء علم ذلك في الوقت، أو علمه في غير الوقت، ولا أعلم في هذين المعنيين اختلافا
ويخرج عندي في قول بعض أصحابنا، أن هذا عليه الاعادة في النسيان، سواء في الوقت أو في غير الوقت، وهذا ليس عليه إعادة، لا في الوقت ولا في غير الوقت، ولعله يخرج في قول أصحابنا بمعنى الاتفاق أنه لو علم ذلك في الصلاة، بنى على ما مضى من صلاته وتحول، فإنه يتم صلاته
- 57 - (4/57)
صفحة 738
إلى القبلة
ويعجبني في هذا كله في الغسل، إذا حصل للجنب سواء كان ذلك بنية أو بغير نية، فإنه يجزئه ذلك وقد حصل له ذلك، وأتى بما وجب عليه، لأن الغسل لا يستحيل إلى غير الغسل، كما أن الجنابة لا تستحيل إلى غير الجنابة إلا بالغسل، فكما كانت الجنابة معارضة للبدن، فإن العلة لا تستحيل إلى الطهارة إلا بطهارة، فكذلك الطهارة إذا أتت عليها، وسواء كانت قد أتت عليه لنية أو لغيرنية، كما أن الجنابة أتت بنية أو بغيرنية، أو أتت بقصد أو بغير قصد، فهي معارضة للبدن كسائر المعارضات من النجاسات
ويخرج عندي في معاني الاتفاق، أنه لو عارض البدن شيء من النجاسات مما يلزم غسله وثبت وجوب غسله بكتاب أو سنة أو إجماع، فإذا قام المبتلى بتلك النجاسات بغسلها، سواء كان غسله لها على غير قصد منه إلى غسله، ناسيا لنجاسته أو غير ناس، وسواء كان عالما بنجاسته أو غير عالم. أتي على ذلك بما يطهر تلك النجاسة في الاعتبار، أو يطهرها في المعاينة، أنه في معنى الحكم أن التطهر في الاعتبار أو في المعاينة أنه طاهر بمعنى الاتفاق، ولا أعلم في ذلك اختلافا لأنه معارض، والمعارض يزول بالمعارضة
حتى
ومعي
بغير قصد
؛ أنه
،
ومعي لو أن صاحب النجاسة غسلها، وهو قاصد إلى أن ذلك لا يغسلها به، ولا يقصد إلى غسلها يريد بذلك العبث، وسواء كان غسل غيرها من بدنه أو غسل ما عليه من بدنه دونها، كانت إرادته تلك مستحيلة
إلى ما أحالها
6
من تقصيره، وثبوت الغسل إلى موضعها بحصول طهارتها لمعنى الاتفاق في الاعتبار، سواء كان ذلك في بدنه أو ثوبه، أو غير ذلك من الأشياء المعارضة، لها حكم النجاسة، كذلك غسل الجنابة عندي مشبه بغسل النجاسات، ومعارضتها مشبهة لمعارضة النجاسات، وزوالها وانتقالها
- 58 - (4/58)
صفحة 739
مشبه لزوال حكم النجاسات وانتقالها، ولا يستحيل ذلك إلى غيره بحصوله في الاسم والمعنى، ولو قصد به إلى الغير على العلم بالجنابة، فقصد لغسله ذلك الذي يقوم مقام غسل الجنابة، إلى شيء من الأشياء من غسل أو عبث، أو أي معنى من المعاني، فإن الغسل والطهارة يثبت للبدل إذا ثبت عليه، وفيه الطهارة التي بها يطهر، لأن الله - تبارك وتعالى - قد طهره به، وإن كان قد
قصد في نيته
ومعي
؛ أن غسل الجنابة عندي من المعاني التي يشبه أن تصح إلا بنية، لأن الحكم يقع على نفس المعنى من الطهارة بحصول الغسل، فغير مستحيل إلى غيره، وليس الغسل من الجنابة في البدن مثل الزكاة، لأن الزكاة تكون نفلا وفرضا، فالنفل على حياله والفرض على حياله متفرقين، ولن يصحا - أي منهما - إلا بنية جميعا، إذا لم يكن العمل قد وقع على نفس الشيء، فإذا وقعت العطية من المال على وجه ما تكون الزكاة داخلة فيه من جملة المال الذي فيه الزكاة، ولو كانت العطية وقعت في موقع أن لو جعلت فيها الزكاة بالقصد إلى ذلك قد وقع موقع الزكاة، إذا صار المال كله، سواء كانت الزكاة أو غيرها في موضع الزكاة، ولم يستحل ذلك إلى غير الزكاة، إلا أن يحال بالنية، فإن النية هاهنا تحيله إلى أن يجعل في غير موضع الزكاة، وضم جملة المال، فيكون ذلك منتقلا عن حاله، وليس معنا أن الزكاة في معنى حكم ما يشبه معنى الطهارة، ولكن إنما لما أجرى لذلك ذكر أخرى، ذكر ذلك بمعنى ما يصح فيه مما لا يصح، ولو أعطى من المال الذي وجبت فيه الزكاة بعينه فقيرا أربعين درهما، على غير قصد منه إلى الزكاة، من بعد وجوب الزكاة فيه، ما كان قد أدى من زكاته درهما، إذا جعل ذلك في الفقير على غير نية، يستحيل أن لا يجوز أن يجعل فيها الزكاة، ولو قصد بذلك إلى الصدقة عليه والهبة، أو صلته وبره وبأي وجه من الوجوه يكون به أصلا له على غير وجه أن يكون ذلك يقع جُنَّة لماله أو لنفسه، مما يلزمه أو مما يريده به للمواصلة
-09 - (4/59)
صفحة 740
للمكافأة بالمال، أو تحيله تلك التصرفات عن أمر الزكاة، التي هي فريضة محددة، بين الله - سبحانه - مصارفها فلم يترك ذلك لأحد غيره سبحانه، ولكنه إن فعل ذلك جنة عن أمر زكاته، فإن ذلك كله يقع موقع الزكاة، ويكون بهذا العمل مؤديا للدراهم الواجبة عليه من زكاة ماله، زكاة ما أعطى، ويكون بذلك سالما حين يكون قد أدى ما عليه من معاني حكم الزكاة فيها يلزمه منها من فريضة.
كذلك لما حصل الغسل للبدن والطهارة من الجنابة بمجرد حصول سببها، ثبت له معنى مما قد حصل له ولم يستحل عنه إلى غيره، ولا تلحقه استحالة إلى غيره مما قد حصل له، ولن يستحيل ذلك عندي في حال من الحال إلى غيره، عمل بالقصد إليه أو بالقصد إلى غيره، أو إلى غير القصد، فمن المحال عندي أن يستحيل إلى غيره، كما لم يستحل غسل النجاسة المعارضة لشيء من الطهارات؛ إذا حصل غسلها بوجه من الوجوه، وطهارتها بوجه من الوجوه قصد إلى طهارتها أو إلى طهارة غيرها، ولم يقصد إلى طهارة شيء إلا أنه يحصل له معنى ما يكون طهارة له وطهر به، فقد ثبت بذلك له حكم الطهارة، ولن يستحيل ذلك إلى غيره بحال من الحال
ومعي
، أن الوضوء للصلاة أشبه بأن لا يقع إلا بالقصد إليه، لأن النية
6
شرط فيه، وقد ثبت في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات. ولكل امرئ ما نوى فحصر الأعمال إلى النيات وجعل إبطالها إذا أديت بغير
نية ولا قصد وهي التي تدل على امتثال الطاعة، فثبت بذلك أنه لا يقع إلا بالقصد إليه على معنى اعتقاده وتوجه الارادة إليه وبه، ولأنه قال: ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولما كان المسلم مخاطبا بالصلاة، وهي مفروضة عليه بما جاء في كتاب الله، قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (4/60)
صفحة 741
وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الكَعْبَينِ .. ) (1) الآية، فكان ذلك شيئا مؤكدا بالمخاطبة به لصلاة الفريضة، وقد ثبت على معنى ما يشبه الاتفاق إلا ما شاء الله، أنه لو توضأ المتوضيء لشيء من الوسائل مما يخرج من الفضائل أنه يصلي به الفريضة، مع الاتفاق أنه قد كان مخاطبا بالوضوء للفريضة، وإنما نهى تبارك وتعالى - المؤمنين أن يأتي أحدهم الصلاة جنبا، حين قال تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى
تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا .. ).
"
الله
وقد اغتسل هذا الجنب ولم يأت الصلاة إلا مغتسلا فكيف إذا غسل يريد به الوضوء للصلاة نافلة، أنه لا يجزئه على ما قال عن غسل الجنابة نافلة، وقد أجزأه وضوء النافلة عن صلاة الفريضة وعن وضوء الفريضة، وإذا كان غسله لوضوء نافلة أو لوضوء شيء من المناسك من قراءة أو غيرها أو لطهارة من جنابة أو غيرها، كان ذلك عندي أثبت لغسله، لثبوت صلاة الفريضة بوضوء النافلة وما كان للوضوء لشيء من النسك الذي لا يتم ولا يقوم إلا بالوضوء، مع أنه قد قيل: لو غسل مواضع الوضوء غسل الوضوء؛ ولم يقصد بذلك إلى وضوء، ولم يصرفه إلى غير الوضوء، فإنه يجزئه ذلك، ويكون بذلك وضوؤه وضوءا ويصلي به الفريضة
ومعي؛ أن الغسل عندي أقرب من الوضوء، وإن كانا متقاربين في العمل، وفي أن كلا منهما غسل لبعض جوارح البدن، أو غسل لكل أعضاء البدن وعركها، على طريقة مخصوصة فيهما بيّنة، غير أن الغسل أقرب إلى ثبوته بغير نية، أما الوضوء فتثبت النية فيه بالمخاطبة للوضوء بالقصد إليه، وهو في معنى حكم النهي عن الصلاة إلا حتى يغتسلوا، فيخرج عندي هذا أن الغسل غير الوضوء، وعندي أنه لا يشبه الغسل من الجنابة شيء، عندي هذا أنه غير الوضوء، ولا يشبه الغسل من الجنابة شيء عندي إلا غسل
(1) جزء الآية (6) من سورة المائدة.
-71 - (4/61)
صفحة 742
النجاسات
فإن قيل: فقد قال الله - تبارك وتعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَهَرُوا وقال سبحانه وتعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فهل ذلك كله سواء في الغسل من الجنابة وفي الوضوء؟
قيل له: وإن كان كله سواء الغسل والوضوء، في اللفظ فقط، فليس كل واحد منهم سواء كالآخر في المعنى، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: وثِيَابَكَ فَطَهَرُ، فثبت هنا غسل النجاسة من الثوب للصلاة في هذا الخطاب، وكذلك ثبت في معنى حكم ذلك ناحية معناه واعتباره أيضا من تطهير القلوب من المعاصي، ومن الشك والارتياب، وغسل الثياب كله بمعنى الأمر في لفظ واحد وبمعنى واحد، وثبت عندي معنى الاتفاق أنه بأي وجه حصل غسل النجاسة، سواء كان من بدن أو ثوب، وثبوت طهارتها أن ذلك جائز بغير قصد بالنية إلى طهارتها، وقد خرجت بمعنى الأمر، وخرج
تطهيره القلوب من الذنوب بالقصد والارادة والنيات، ولا تكون إلا بذلك
وكل ذلك أمر واحد
ومعي
6
؛ أنه لو أن جنبا وقع في ماء، وهو مجنون أو مغمى عليه، ضائع العقل، فجرى على بدنه غسل مثله من الماء بالحركة، وطهارة فرجه من الأذى، كان ذلك غسلا مجزيا له عن غسل الجنابة، لأنه قد طهر ما كان معارضا له. وهذا الذي يقع من المجنون أو المغمى عليه في حالة الغسل: لا يقع عليه من مثل ذلك في الوضوء، ولا ينعقد له الوضوء على هذا الحال، لأنه لو كان متوضئا لنقض الجنون، وذهاب عقله وضوءه بمعنى الاتفاق،
وليس كذلك الغسل في معنى الاعتبار ولا فيما يخرج من معنى الأحكام عندي
وكذلك لو غسله غاسل وهو ذاهب العقل من زوجة أو غيرها، كان
- TY- (4/62)
صفحة 743
ذلك غسلا بمعنى
الاتفاق، وإذا قصد الغاسل له إلى ذلك، ولا يبين لي في هذا الموضع لحوق الاختلاف، لأن هذا فعل من فاعل بالقصد إليه، وليس كذلك الوضوء، لو وضاه مُوَضّئ، وقصد إلى وضوء لما كان الوضوء ينعقد بمعنى الاتفاق عندي، لأنه لو كان متوضئا لبطل وضوؤه، فذلك لا ينعقد في موضع ما هو يبطل فيه، أن لو كان وضوؤه متقدما، فليس الغسل في معنى الثياب يقع عندي موقع الوضوء.
ومن الدليل عندي أنه ليس كالوضوء ولا كغيره من الأعمال التي لا تقوم إلا بالنيات، أنه لا يفسده شيء من المعارضات، ولا يبطله شيء من نجاسة، ولا شيء من تقديم ولا تأخير، من بعد أن يجب فيما بدأت من طهارة البدن، ولو كان فيه النجاسة لثبت ما وقعت عليه الطهارة، ولو كان متعينا فيه النجاسة من جنابة أو غيره، ولا يضرها تقديم ولا تأخير في
الجوارح. وقال من قال: إنه تطهير لأعضاء مخصوصة، بالماء الطهور وفق شروط مخصوصة لخلوه من النجاسة بأعيانها، بقصد تنظيف هذه الجوارح، لتتحسن ويرفع عنها حكم الحدث، حتى يمكن أن تستباح بها العبادة، وفق الفرضية التي فرضها الله - سبحانه وتعالى - على من أراد الصلاة في قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا .. ) كما سبق أن مر.
وعندي؛ أن الحدث - الأصغر والأكبر - يرتفع عن البدن عموما
،
لا عن خصوص الأعضاء، لأن الحدث عندما يحدث إنما يعم البدن كله، وفي معنى حكم الجنابة، وهو عندي معنى حكم أن يذكر المغتسل والمتوضيء اسم الله - سبحانه وتعالى -، ولما ورد في السنة أن تحت كل شعرة جنابة، ولقوله
: لا صلاة بغير طهور، وهو مراد به ما هو أعم من الوضوء، فدخل فيه الوضوء وغيره
- 63 - (4/63)
صفحة 744
ومعي؛ أن الغسل ليس كالوضوء في أنه لا يترتب فيه أن يغسل شيئا بعد شيء في وقت ولو تفاوت في أوقاته، فكان في وقت صلاة أو في غير وقت صلاة، ولا يقطعه شيء، ولا ينقضه شيء، وهو ليس بمنزلة الوضوء عندي في ابتدائه ولا في عمله ولا بعد كماله، ولا يخرج معناه ولا يشبهه عندي في شيء من الفرائض، ولا اللوازم من السنن، إلا ما هو مثله من الغسل من النجاسات وما أشبهها
ومعي
، أنه أشبه من أمور الغسل كذلك، يخرج عندي جميع أنواع الغسل من النجاسات، من الحيض والنفاس وكل غسل لازم، ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنيات، ما وقع وثبت في الأموات معنى حكم الغسل في الأحياء كالغسل في الأموات، ويقع بمحصول الفعل دون النيات، ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنيات، لكان من اللوازم فيه ذلك من الواجبات، لكانت المرأة المجنونة إذا طهرت من الحيض فغسلت أو غسلت، أو أتي عليها بمعنى ما تطهر به من الغسل، لم يحل لزوجها أن يطأها، وكانت بحالها على سبيل الحائض، فوجب عليها أن تقطع الصلاة، على قول من يقول أن عليها أن تقطع الصلاة لأنها بمثابة حائض
ومعي
؛ أن هذا القول ليس كذلك عندي، ولا يستقيم هذا في معنى حكم الغسل، ذلك لأن الغسل يكون واقعا بنفسه من فعل المغتسل، أو يكون واقعا بفعل غيره به، أو من الماء الواقع فيه، وقد قالوا: لو أن جنبا وقع في ماء له حركة، بمقدار ما يقوم مقام الغسل، أو لو أنه أصابه مطر مثل ذلك كان ذلك غسلا له. ودليله قوله تعالى: (إِذْ يُغشِّيكُمُ النَّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ
الشيطان. .) (1)
(1) جزء الآية (11) من سورة الأنفال.
- TE- (4/64)
صفحة 745
والغسل إنما هو طهارة، وعندي أنه يستلزم أن تكون الطهارة بنفسها واقعة، والكلام في هذا يتسع، وفي بعض ما مضى كفاية، ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنية لكان الختان مثله لا يقع إلا بالنية، وهذا معي أجده أنه شيء بعيد عندي أنه لا يصلح الغسل إلا بالنية، والله أعلم
وإذا ثبت هذا، في معنى حكم أن الغسل لا يقوم إلا بالنية له والقصد
"
إليه، ولا يقوم بغسل يراد به الوضوء للنافلة، كما قال صاحب القول الأول فلا يقوم عندي شيء من الغسل، ولا يدخل في شيء من الغسل إلا أن يكون غسل فريضة، ولا أعلم شيئا من الغسل فريضة إلا غسل الحيض
وقد قيل في بعض ما قيل: إنه لو اجتمع على المرأة حيض، واجتمع عليها في نفس الوقت جنابة، فقيل: إنه يجب عليها أن تغسل لذلك غسلين، وعندي أن ذلك في معنى وجوب الغسل لكل واحد منهما على حاله غسل للحيض وآخر للجنابة:
6
وقيل: إنما عليها غسل واحد للحيض والجنابة، إذا اتفق حكمهما في معنى واحد، وهذا القول عندي أصح في معنى الأصول، ولعل القول الأول إنما كان يخرج قياسا، وعندي أن الأصل أولى من القياس، وإنما أوجب الله - تعالى - عليها الغسل وقد غسلت، والغسل في موضع ما يجب الغسل، ولو اختلف في معاني ما يجب فيه كل واحد على الانفراد، بمعنى وجوب الوضوء من الأحداث التي تنقض الوضوء بكتاب أو سنة أو إجماع، وعلى ذلك فبالواحد الأحداث ينتقض الوضوء، ويجب فيه إعادة الوضوء على الانفراد، فلو كان ذلك كذلك كل ما وجب به الوضوء من حدث فتوالت الأحداث على المحدث كان عليه لكل حدث طهارة من الوضوء، ولكان هذا شيئا قبيحا، ولا أعلم أن أحدا قال بهذا ولا ينساغ القول به، وإذا لم يصح هذا ولم يتسع
من
- 65 - (4/65)
صفحة 746
ومعي
؛ أن مثل هذا القول في الوضوء، يكون عندي معناه ومثله في الغسل، إن لم يكن الغسل عندي أهون وأقرب، فلو كان كذلك كل ما وجب به الغسل من وجه وجوه وجوب الجنابة يستوجب غسلا وحده، لكان هذا شيئا قبيحا أيضا، ولو اجتمع على المرأة عندي، أو أمكن أن يجتمع عليها غسل وجب عليها من شرك خرجت منه إلى الإسلام، وغسل من حيض
،
تطهرت منه ووجب عليها بعده الغسل، وغسل من نفاس بعد الولادة وغسل من جنابة وحتى لو اجتمع عليها أكثر من ذلك، لما كان في معنى
الأصول يخرج إلا غسل واحد، ولو كان هذا هكذا، إذا وجب الغسل قد وجب من وجه، ثم جاء وجه آخر مثله يوجب الغسل أيضا، فإنه عندي يخرج بمعناه أنه قد يقول قائل: وجب فيه غسل ثان، لكان الانسان كلما جامع امرأة أو أصابته الجنابة مرة بعد مرة، لكان يجب عليه لكل مرة من الجماع غسل خاص به، ما لم يغسل من كل مرة؛ من الجماع غسل ومن الاحتلام غسل، وهكذا من كل شيء مسبب للجنابة غسل خاص به، وهذا لا ينساغ، ومعي أنه قبيح معناه، ولا فرق عندي بين ذلك وبين تزاحم الأصناف. من الأحداث الموجبة للغسل، أن لو كانت على حيالها، لأن المعنى فيه واحد، فإذا ثبت أنه لا يصح الغسل إلا بالنية لغسل الجنابة، لم يخرج عندي على معنى هذا القول؛ أن لو غسلت المرأة من الحيض في معنى، وقد كانت في ذلك الوقت جنبا، ولم تعلم بجنابتها أثناء الاغتسال من الحيض، أو أنها نسيت جنابتها حتى غسلت للحيض، على قول من يقول إن لكل منهما غسلا، أي في معنى من يقول إن للحيض غسلا خاصا به، وللجنابة غسلا خاصا بها، أو على قول من يقول غير ذلك، أي في معنى من يقول إن للحيض والجنابة - وغيرهما ـ غسلا واحدا، في حكم أن لكل أسباب الغسل مجتمعة غسلا واحدا، لأن كل ذلك فريضة، وقد قصد بغسله إلى الفريضة، التي دخلت فيها فرائض أخرى، تجزئ لها عن كل الداخل، وأيهما قصدت إليه
-
-11 - (4/66)
صفحة 747
بالنية على علم بالآخر أو على نسيان له، فإنه يجزئها ذلك ـ على هذا القول ـ ولا أعلم أنه يخرج عندي غير هذا، إلا أنه جائز وثابت لها غسلها عنهما جميعا، بقصدها إلى أحدهما، في معنى حكم أنها إذا قصدت ونوت إزالة الجنابة أو الحدث سواء كان من جماع أو حيض أو نفاس واغتسلت لقصد التطهر من واحد من هذه الأسباب، فإن هذا الغسل يجزئ عن كل ذلك جميعا
خاصا
يصح
لها
وأما على قول من يقول: إن لكل واحد من موجبات الغسل؛ غسلا به، ويقول ذلك القائل: إن الغسل لا يقع إلا بالنية، فلا. من الطهر إلا ما قصدت إليه، ومعي أن ذلك في معنى حكم أن المرأة إذا قصدت إلى غسل الجنابة، فإن ذلك يجزئ في الطهر من الجنابة، وأنها إذا قصدت إلى غسل الحيض، فإن ذلك يجزئ في الطهر من الحيض، وكذلك النفاس وغيره كالشرك ونحوه
وعندي؛ أني لا أعلم أن أحدا قال: إن في الجنابة وإن اختلفت موجباتها.، من احتلام أو جماع أو حيض أو نفاس أو شرك أو غيره، أو كان ذلك مرة بعد مرة، إلا غسل واحد، فلو أصابته الجنابة فلم يكن قد علم، أو يكون قد علم ولكنه نسي، ثم أصابته الجنابة بعد ذلك، أو جامع فأصابته الجنابة كذلك، فغسل بالقصد إلى ذلك بالنية، كان هذا الغسل واقفا عندي لمعنى الاتفاق من القول، أن يجزئه هذا الغسل عن كل موجبات الغسل الأخرى، وأما ما سوى هذا في هذا الفصل، فلا نعلم أنه يخرج إلا بمعنى الاختلاف من القول، سواء كان الغسل فريضة أو سنة أو وسيلة، فقصد إليه على هذا الوجه، لم يخرج عندي لمعنى الاتفاق من القول، مجزيا له عن غسل الجنابة، إلا من وجه الجنابة، إلا على معنى الاختلاف عندي في هذا كله مدخول عليه، لا يثبت له عندي معنى يحسن، إلا قول من قال بثبوت الغسل
- TV- (4/67)
صفحة 748
بأي وجه حصل ووقع، والله أعلم بالصواب.
وأما ثبوت الوضوء بغسل الجنابة بنفس الغسل، ولو قصد الغاسل إلى غسل الفريضة، على علم منه بذلك ونية، ولم يقصد بذلك إلى الوضوء، فمعي أنه يخرج في معاني ما قيل في مجمل القول: إنه إذا غسل من الجنابة، كان ذلك يقوم له مقام الغسل والوضوء.
وقال بعض أهل العلم: إنه الوضوء الأكبر يعني غُسل الجنابة.
ومعي؛ أنه قيل: ولا يخرج في تأويل قول أصحابنا، ألا نحسبه على أكثر ما قالوه، أنه إنما يقوم الغسل من الجنابة مقام الغسل والوضوء، إذا كان قد غسل موضع الأذى أو الموضع الذي ينقض الطهارة مسها من عورته، ثم غسل من بعد ذلك، ولم يمس شيئا مما ينقض الوضوء، من بعد أن جرى الغسل على مواضع الوضوء من جسده، من غسل بدنه ومسح رأسه ورجليه، مما لا يجوز تركه من الوضوء، ولا يقوم الوضوء إلا بغسله ومسحه، فإن أجرى يده أو شيئا من مواضع وضوئه، بعد ما غسل شيئا من مواضع وضوئه، مس موضع ما ينقض الوضوء من عورته، بطل حكم ذلك الوضوء حتى يعيده من أوله
ولعل في بعض القول أنه لو غسل شيئا من جوارح الوضوء في الغسل، ثم مس فرجه ثم أتم ما بقي من بدنه ومن جوارح وضوئه، وقد زال حكم النجاسة عنه، ثم رجع فأجرى الغسل إلى مواضع الوضوء التي غسلها قبل أن يجزئه الوضوء، إلا أنه لا يكون إذا لم يقصد به إلى موضع الصلاة، وإنما به إلى الغسل، فإنما يكون ذلك نفلا على معنى القول، لأن غسل الجنابة والفرض قد يكون لعله سقط في الأول. وهذا كله على قول من يجيز الوضوء على غير
ترتيب
- 14 - (4/68)
صفحة 749
ومعي
أنه؛
يخرج في معنى الحكم، أنه لا يجزئه الغسل للوضوء، ولا ينعقد له وضوء إلا أن ينعقد الغُسل، بمعنى أن يتم الأمران؛ الغسل، وعندي أنه يجب ألا يمس شيئا من المواضع التي تنقض الوضوء،
والوضوء من بعد أن توضأ واستكمل الوضوء وحصل عليه، وذلك في معنى أن يثبت أنه أتى بالوضوء على معنى ما يثبت في الترتيب. وبثبوت الوضوء والغسل كله، يكون قد قام بفعل واحد، مع اعتقاد أنه أدى الفرضين جميعا، فرض الغسل للتطهر من الحدث الأكبر - الجنابة - وفرض الحدث الأصغر ـ الوضوء -.
ومعي
؛ أنه يخرج على معنى ما قيل: إنه لا يقوم الغسل بفرض الغسل وفرض الوضوء جميعا، ومعي أنه يخرج على معنى ما قيل: إنه لا يقوم الغسل بفرض الوضوء جميعا، على قول من يقول: إن لكل موجب غسلا، فيكون في معنى قوله إن للحيض غسلا، وللجنابة غسلا، وأنه لا يقوم بهما غسل واحد، وإذا ثبت هذا في الغسلين، فإنه لا يقوم بهما جميعا مع اعتقادهما، وفي الوضوء أقرب أن لا يجزئ، لأن الوضوء أولى أن لا يدخل في غيره، وإذا ثبت هذا فلا يجزيء الوضوء بعمل تغسل فيه جوارح الوضوء في معنى أن لو اعتقد الوضوء عن غسل الجنابة، لأنهما فريضتان على الانفراد.
ومعي
؛
هذا
أن الفريضتين جميعا - كالوضوء والغسل من الجنابة - يصحان بغسل واحد، ويكونان جميعا مؤديين ثابتين بعد صحة طهارة النجاسة منه، فإن اعتقد الوضوء لجوارحه لفرض الوضوء، قام ذلك مقام فرض الوضوء ومقام فرض الغسل، وكان بذلك مؤديا للفريضتين بعمل واحد، ولكنه في معنى حكم الغسل يختلف الأمر، فإن قصد إلى الغسل من الجنابة بعد الطهارة من النجاسة، فأتى بالغسل على جوارح الوضوء، على معنى ما يصح به الوضوء أنه لا يكون مؤديا للفريضتين جميعا لمعنى واحد ويثبتان له، وكذلك لو اتفق عليه أكثر من ذلك من الفرائض، أو من السنن اللوازم، التي تقوم مقام
- 79 - (4/69)
صفحة 750
الفرائض، كانت كلها داخلة في بعضها بعضا، وكان الفعل الواحد والقصد إلى الفعل الواحد، يعتبر في معنى حكم ذلك، أنه بهذا الفعل الواحد قد أدى تلك الفرائض كلها، ويكون قد ثبت له ثواب تأدية تلك الفرائض كلها في الفعل الواحد، كما أنه لو عصى الله - سبحانه وتعالى ـ معاص كثيرة؛
،
من القول والعمل وغيرها، ثم تاب إلى الله واستغفره في مقام واحد باستغفار واحد ولو كانت معاصيه ألوفا مؤلفة، كانت توبته واحدة، وكان
استغفاره واحدا، يأتيان - التوبة والاستغفار - - من تلك المعاصي كلها، إذا اعتقد التوبة من جميع معاصي الله، أو كل ما عصى الله به، مع اعتقاد النية أن لا يرجع إلى معصية بعد توبته أبدا، وعليه تجديد تلك التوبة ومداومة ذلك الاستغفار في كل وقت تخطر بباله فيه معصية من: تلك المعاصي الماضية، التي صدق النية وحسن اتجاه القصد في كل ما مضى مما سبق فتاب منه إلى الله واستغفره من معاصيه
والفرائض داخلة بعضها بعض، مرتبطة بعضها ببعض، بل ومترتب بعضها على بعض، ومعي أنها كذلك يدخل حكمها بعضها في بعض، ومن أصح ذلك عندي من أحكام هذه الفرائض أحكام الطهارة، لأنها في معنى أن أحكامها متفقة في الاسم والمعنى، والعجب أنه كيف ينساغ مع أهل العقل
الاختلاف فيها
ومعي؛ أنه لو غسل من الجنابة وهو يريد بذلك الوضوء لصلاة نافلة
،
وفي نفس الوقت قاصد إلى الغسل من الجنابة، يريد به لطهارة النافلة، فأتى بالغسل على ما وصفت لك، قام الغسل عندي وقام الوضوء مقام الفرض، لأن قصده كان إلى الغسل من الجنابة ليصلي نافلة قصد قائم منه إلى الفريضة، وليس قصده إلى الصلاة نافلة مع قصد منه إلى الفريضة، وليس قصده إلى الصلاة نافلة. قصده إلى الغسل من الجنابة، يستحيل غسله إلى
النافلة
6
- 70 - (4/70)
صفحة 751
ومعي أنه نافلة
،
؛ أنه لو قصد إلى غسل الجنابة، وكان قد اعتقد وهو يقصد إليه لكان ذلك مستحيلا في بعض ما قيل إلى أنه يقصد به إلى الفريضة، وكان بذلك يقع هذا الغسل موقع الفريضة، لأن الفريضة واجبة فيها نفسها، والغسل الواقع على الجنابة في أي حال وعلى أي وجه من الوجوه، يمثل غسل الفريضة، أن لو قصد إليه. هو فذلك هو الواجب فيها. ولن يستحيل إلى غير النية
•
،
فإذا ثبت معنى هذا في حكم نية الغسل والقصد إليه، وهو معي ثابت حسن، فإن الغسل يقوم في هذا مقام الوضوء للفريضة، لأنه يمثل غسل الفريضة، وكان بذلك معتقدا للوضوء في جوارح الوضوء معنا غسل الفريضة وطهارة الفريضة، في معنى الحكم في ذلك على قول من يقول بأنه لو قصد بالغسل الطهارة من الجنابة، كان ذلك يمثل غسل الفريضة.
وكذلك لو لم يعلم بجنابته، أو كان يعلم بجنابته ثم نسيها، فقام إلى الغسل فغسل وأجرى الغسل على كل بدنه، غسلا يقوم مقام الفريضة، في حالة تشبه حاله الفريضة لو كان قصد إلى ذلك، كان بذلك يعتبر مؤديا في كل ذلك للفريضة، ومعتقدا له غسل الفريضة ووضوء الفريضة، لأنه مستحيل عندي أن يكون غاسلا، ويجزئه الغسل إلا بثبوت الفريضة، إذا كان الغسل فريضة، فأي وجه وقع كان مجزيا في معنى قول من الأقاويل، ثبت معناه فريضة، وليس لذلك وقت من الأوقات، فيكون له حد لا يجزئ إلا فيه، أو يكون فيه أو يعمل له، وإنما هو من حين ثبت فيه حكم الجنابة، ثبت عليه الطهارة فرضا، لا يستحيل إلا بالفريضة، فبأي وجه صحت طهارة فريضة تقوم مقام الفريضة في معانيها
•
وقد قيل فيمن أصبح صائما يوما من شهر رمضان، يعتقد ذلك نافلة
وهو عالم بأنه من شهر رمضان، فقصد إلى صوم ذلك اليوم بنية النافلة، فماذا
- VI- (4/71)
صفحة 752
يكون في أمر قصده ونيته؟
إلى
فمعي؛ أنه قيل: إن نيته في هذا الوجه تكون مستحيلة عن النافلة الفريضة وهو صائم الفريضة، ولا بدل عليه لأنه صام ذلك اليوم، الذي
كان قد أمر بصيامه فريضة، وقد ثبت صومه له على وجه ما أمر به، وقد أتم صومه على الوجهة التي تصح كما لو كان قد قصد إلى صيامه على الفريضة، ولن تحوله نية معارضة ما دام قد أتم صيامه
ومعي
؛ أنه قد قيل في قول من قال: إن عليه بدل يومه الذي صامه بنية وقصد مختلف عن نيته وقصده لو كان صامه للفريضة، وهذا القول ممن قال به، في معنى حكم من يرى عدم استحالة نية النافلة إلى الفريضة، والقول الأول عندي أبين وأثبت، لأنه لم يستحل إلى غيره عن حال الصوم في ذلك اليوم، ولن يقع صوم الفريضة أبدا، فيكون محولا لحكم الله، لأن الله ـ تعالى ـ قد حكم عليه في معنى حكمه تعالى بأن الصوم ذلك اليوم فريضة. فإذا قام الصائم فصامه، فإنما يثبت أنه قد صام الفريضة التي أوجبها الله ـ تعالى ـ، وحكم الله عليه بصيامه فريضة
ومعي
S
6
أن الغسل عندي على حال أثبت فيه حجة من الصوم، لأن
الصوم قد يستحيل إلى الافطار بمعنى من المعاني من مرض أو سفر، فيكون
مفطرا في شهر رمضان، ويستحيل صوم شهر رمضان إلى غيره من الأيام.
،
وفرض غسل الجنابة والغسل لازم لن يستحيل إلى غيره من معناه لا إلى طهارة وهو جنب حتى يتطهر، فإذا تطهر أو طهر ثبت له الطهر التي بها خرج من حد الجنابة، لن يستحيل إلى غير ذلك، وطهارته تلك حكمها لازم في الفريضة،
وواقع في معناها على معنى الفريضة على كل حال من الحال
ومعي
،
؛ أنه قد ثبت في معاني القول: إن لو قصد إلى الغسل من
- VY- (4/72)
صفحة 753
6
الجنابة، وتوضأ وضوءا للنافلة وكان ذلك الوضوء في جملة نيته، لكان يقع الغسل فرضا ويقع الوضوء نافلة، لأن الوضوء قد يقع موقع الفريضة ويقع النافلة موقع وتقع به النيات، لأنه لا يقع فريضة إلا للفريضة، فإذا قصد به للنافلة وقع عند ذلك نافلة، لأن ذلك أكثر أحواله أن يكون نافلة، إلا في وقت الفريضة أو يعتقده لفريضة، ولو كان في غير وقتها، أو يعتقده وضوء الفريضة، والغسل لا يقع إذا كان على البدن واجبا لسنة أو فريضة إلا على ما هو عليه لن يستحيل، وقد مضى في معنى هذا ما فيه كفاية إن كان ثابتا صحيحا
ومن الكتاب؛ ومن وقف في غيث للغسل من الجنابة فضربه الغيث حتى تطهر، فقد أجزأه، وذلك بدليل ورد من الكتاب الكريم حين قال الله - تعالى -: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجز
الشَّيْطَانِ) (1).
وقد قيل: إن من وقع في ماء له موج، أو تكون له حركة تضرب بقدر ما ينظف أجزأه وإن لم يعترك
قال غيره: معي أنه قد قيل في هذا، وثابت معنى ذلك عندي بحصول الطهارة إلا بمعنى ثبوت مماسة الماء للبدن مع الحركة التي تقوم مقام العرك في الغسل من وقوع الماء على البدن، أو من حركة البدن في الماء ومعي؛ أنه قد قيل: إنه يجزيء مماسة الماء لبشرة البدن، إذا بلغ منه
حيث يجب الغسل
6
وبل البدن كله بالماء مجزئ ذلك في الغسل، لبلوغ
الماء الطهور من البدن إذا كان طهورا مطهرا
ومعي؛ أنه قد قيل: إن ذلك يجزئه ولو لم يرد به الغسل، وذلك إذا
(1) جزء الآية (11) من سورة الأنفال
- VT. (4/73)
صفحة 754
كان قد حصل له ذلك، وثبت له معناه مع وجود الارادة وتوجه ا للغسل به، وقصد التطهر به، ولا يجزئه إذا وقع ذلك على غير نية، وذلك على قول من يقول: إنه لا يثبت الغسل إلا بالنية له والقصد إليه
ولا أعلم اختلافا يبين لي أنه إذا حصل له معنى الغسل، بالحركة التي تقوم من الماء أو من البدن مقام العرك، سواء كان ذلك. من فعله أو من فعل غيره، أو كان ذلك من حركة الماء عليه، مع قصده إلى ذلك إرادة الغسل به، فقد قيل: إن ذلك يجزئه، إذا كان قصده بذلك الغسل من الجنابة أو غيره مما وجب عليه من اللازم.
ولعله يختلف فيه إذا وقع ذلك موقع الغسل، أن لو قصد إليه به، ولا أجد فرقا بين ذلك إذا حصل له معنى الغسل، ولو فعل به ذلك وأُلقي في الماء مجبورا فثبت عليه من الحركة في الماء، حين ألقي فيه ما يجزئه ويقوم به الغسل، وقد مضى في مثل هذا ما أرجو أن فيه كفاية عن إعادته وإعادة ذكر
حكمه
ومن الكتاب؛ وعن رجل يغتسل من جنابة لا ينال عرك بعض ظهره، هل يجوز له أن يفيض على ذلك الموضع، فليجتهد في عرك ما نال من ظهره ومن جسده، وما لم ينل من عرك ظهره رجوت أن تجزئه إفاضة الماء عليه إن
شاء الله
قال غيره: معي؛ أنه قيل: إذا كان صب الماء له من الحركة على الجسد بقدر ما يقع موقع العرك الذي به يثبت معنى الغسل، أن هذا يعتبر أنه هو ما كان من العرك الذي يقع عليه اسم العرك، ولو خف وقوعه فهو موجب حكم العرك، فإذا وقع الصب موقع العرك، فلا أعلم اختلافا أنه مجزئ للغسل، ولو أمكن عرك باليد أو بغيرها، وأنه إذا ثبت معناه على الجسد،
- VE- (4/74)
صفحة 755
ثبت معنى الغسل به على الاختيار، وإن صب الغاسل الماء وعرك كان ذلك
أفضل. وإنما يخرج عندي الصب مجزيا، إذا لم يكن الغاسل عرك شيئا من جسده، فصب الماء عليه صبا بغير معنى حركة تقوم مقام العرك، أن ذلك مجزي إذا لم يقدر على العرك أن الماء يجزئ صبه على الجسد بدون العرك وقد قيل: إنه على من لم يقدر على عرك شيء من بدنه لعذر، ولم تنل يده أن الصب يجزئه، وليس عليه أن يغسل له غيره إن لم ينله، وليس عليه أن يعرك بغير يده؛ بخشبة ولا ثوب ولا غيره، ولا يعركه بشيء إذا لم يمكنه غسله بنفسه بيده، ويجزئه صب الماء عليه على حال، ولو لم يكن صب الماء له حركة تقوم مقام العرك، وتكون مباشرة الماء للجسد قائمة مقام العرك.
وهذا الفصل معي أنه قد قيل: إن ذلك يجزئ لمعنى عذر أو لغير معنى عذر، وقد مضى ذكره فيما مضى من
هذا الجزء
ومن الكتاب؛ وسئل هاشم وموسى عن رجل تصيبه الجنابة، فينحرف الدلو، أو قد غسل بعض جسده، وينقطع الدلو، أو لا يجد الماء حتى جف، هل يجزئه ما غسل من قبل؟
قال: نعم؛ إذا كان لم يشغله شيء من عرض الدنيا.
وكذلك زعم في الوضوء للصلاة، إذا توضأ بعض وضوئه ثم انقطع دلوه، أو أهريق ماؤه حتى جف وضوؤه الأول، فهل يجزئه ما غسل من قبل
في وضوئه؟
قال: إن أصاب الماء فإنما عليه ما بقي من وضوء، وإن كان توانيه بشيء من عرض الدنيا، فليس يجزئه ما أصاب من الوضوء، لأنه بتوانيه
- Vo - (4/75)
صفحة 756
أضاع إتمامه
قال غيره: قد مضى معنا ذكر هذا في الغسل والوضوء جميعا في جزء الوضوء وفي الغسل في جزء الغسل، بما يجتزئ عن إعادة ذكره، لما قد مضى بتبين أمره، وإنما أحببنا ذكر المسألة بعينها في موضعها، إذا لم يكن في
الغسل ذكر معنى ا المسألة، وإنما هو رفع معنى الاختلاف، وأكثر القول معنا في الغسل أنه ليس كالوضوء في مثل هذا، والوضوء أشد وإن كان ذلك كله مما يختلف فيه ويحس فيه معنى الاختلاف، والله أعلم.
- 76 - (4/76)
صفحة 757
باب
من شك أنه غسل الجنابة ولم يغسل
ومما يوجد عن أبي الحسن قال: إذا كان الرجل جنبا، ثم قام فصلى صلاة واحدة، أو صلى عدة صلوات، ثم هو لم يكن يعلم أنه كان قد غسل،
أو لم يستوثق أنه لم يغسل، فما حكم صلاته حين شك؟
يغسل
،
قال: هو في حكم أنه عندي قد كان غسل حتى يعلم يقينا أنه لم، إذا كان قد تعود الصلوات إذا كان من أهل القبلة، ويدين بوجوب غسل الجنابة، ولا يعرف من نفسه عادة أنه يترك غسل الجنابة في أي وجه من الوجوه أو على أي حال من الحال
قال غيره: معي؛ أن هذا يخرج على معنى حكم الاطمئنان، ولو كان ممن يدين بغسل الجنابة، لأنه عندي ليس الغسل من الجنابة مثل الوضوء في الحكم، لأن الوضوء عندي يخرج في أكثر حالات الانسان أن لا يصلي أية صلاة إلا بوضوء، وأنه على وجه من الوجوه إذا لم يكن قد علم منه بوضوئه،
أنه لا يصلي الصلاة حتى يتوضأ وليس غسل الجنابة كذلك عندي
وكذلك يخرج عندي في الحكم في الغسل أنه يجزئ عليه معنى النسيان، وإذا علم أنه قد كان جنبا فقد وجب عليه ولزمه حكم الغسل، وهو باق عليه حتى يعلم أنه قد غسل، فإذا ذكر أنه قد كان ذاكرا لغسله، حتى مضى إلى الماء فوقع فيه ليغسل، أو مضى ليغسل، أو عرف بذلك، أو ذكر من هذا، كان هذا مما تريد في معنى الاطمئنان، إذا كان قد صلى أو مضى عليه وقت الصلاة، لم يعلم أنه لم يصلها، لأنه إذا مضى عليه وقت
شيئا
- VV- (4/77)
صفحة 758
الصلاة وحان حكم وقتها، ثم شك فيها، هل هو صلاها أو لم يصلها، فقد قيل: إنه ليس عليه أن يصليها حتى يعلم أنه لم يصلها، وما دام في وقتها
فشك فلم يعلم هل هو صلى أو لم يصل؟
فقيل: إن عليه أن يصلي حتى يعلم أنه قد صلى، وأرجو أن هذا المعنى يخرج على معنى الحكم، لا على معنى الاطمئنان، لأنه ليست الصلاة في زوال وقتها كمثل الغسل، لأنه ليس للغسل وقت معروف، وعندي أنه لا يخرج في أكثر العادة أنه لا يصلي إلا بغسل، كما أنه لا يصلي إلا بوضوء، فيخرج عندي معنى الوضوء والصلاة، أنه إذا كان صلى صلاة ثم شك، صلاها بوضوء أو بغير وضوء، كان في وقتها أو قد فات وقتها، إلا أنه قد علم أنه أنه لا إعادة عليه. صلاها، فيخرج عندي في معنى الحكم مما يشبه ذلك معي حتى يعلم أنه صلى بغير وضوء، وإذا فات وقتها فشك هل هو. صلاها أو لم يصلها، خرج عندي على معنى الحكم أنه لا إعادة عليه فيها حتى يعلم أنه لم
يصلها.
وكذلك إن شك صلاها بوضوء أو بغير وضوء، خرج عندي أنه
،
6
مذهب
لا إعادة عليه في معنى الحكم، حتى يعلم أنه صلى بغير وضوء أو لم يصل. ويفترق عندي معنى الغسل من وجه النظر ومعنى الوضوء، لما ذكرت لك من هذا، وإن كان يحسن عندي ذلك في معنى الاطمئنان، وليس من المصلي أن يصلي بالجنابة حتى يغسل إلا من عذر، ولا نعلم أن أحدا من أهل القبلة يقول بترك الغسل من الجنابة برأي ولا بدين، إلا منتهكا لدينه، فإذا كان يعرف نفسه بانتهاك الغسل من الجنابة، وأنه يصلي بغير غسل، كان هذا عندي على أصل ما يعرف نفسه من أمر صلاته، يشبه ذلك معنى الحكم حتى يعلم أنه غسل، وأما إذا لم يكن كذلك، وكان يدين بالاغتسال من الجنابة، ولا يعرف نفسه بترك الغسل من الجنابة، بل يعرف نفسيته لعله أنه لا يصلي
- VA - (4/78)
صفحة 759
إلا بالغسل، إذا ذكر فمضى عليه وقت الصلاة بعد أن علم أنه قد أصابته الجنابة، أو جامع ثم لم يعلم غسل أو لم يغسل، فيخرج عندي في معنى الاطمئنان أنه ليس عليه غسل إلا أن يعلم أنه كان ناسيا لجنابته وأنه لم يغسل، ولا يثبت ذلك عندي على معنى الحكم والله أعلم
ومعي؛ أنه ينظر في ذلك، لأنه كلما تعلق عليه حكمه وكان لازما له، فهو عليه حتى يعلم أنه قد أداه، إذا لم يكن عليه عمل ذلك في وقت معروف، وأنه لا يسعه تركه في ذلك الوقت حين ما قد تكون قد أصابته، أو حين يقع فيه، أو حين يكون في معنى حكم ما يلزمه، وإنما العمل له لغيره، وليس هو مما لا يجوز ذلك العمل إلا به في وقت على كل حال، والغسل عندي في مثل
هذا يخرج. وكذلك عندي إذا علم أن عليه قد وجب شيء من الحقوق من حقوق العباد وأشباهها مما ينعقد عليه حكمه، ولا يكون هالكا بترك أدائه في وقت دون وقت، ثم لم يعلم بعد ذلك وشك فيه؛ هل هو قام به وأداه، أو أنه لم يقم عليه ولم يؤده، فيخرج عندي معنى الحكم أنه لم يؤده حتى يعلم أنه أداه، إلا أن يكون يعلم أنه قد دخل في معنى أدائه.، بسبب من الأسباب، من خروج
إليه أو وصول إليه أو دخول فيه وانصراف منه على معنى أدائه، فإذا كان هكذا خرج في معنى الاطمئنان أنه مؤد له حتى يعلم أنه لم يؤده، أو يعلم أنه ترك شيئا لم يؤده بكماله، ويخرج ذلك عندي في الحج والزكاة من حقوق الله، وفي الحج أثبت ذلك أنه إذا وجب عليه ثم شك أنه أداه أو لم يؤده، ففي الحكم عليه أن لم يؤده حتى يعلم أنه أداه، لأن ذلك ليس عليه في وقت واحد. ولأنه ليس مما تجري به العادة، أنه كل عام الحج، وأنه لا يجب عليه الحج إلا حج في عامه ذلك
والزكاة عندي أقرب إذا كان يعرف نفسه بأنه يزكي في كل عام، إذا
- 79 - (4/79)
صفحة 760
كان مما يجب عليه أداؤه من الزكاة من الورق، سواء كان ذلك ذهبا أو فضة، وكذلك في الثمار، وأنه لا يترك الزكاة في وقتها، فإذا كان يعرف نفسه بهذا ثم شك في ذلك بعد انقضاء وقته، وكان في أكثر عاداته أنه يطرد عنده باستمرار أداء الزكاة في مواعيدها ومقاديرها، خرج عندي في معنى الحكم؛ أن ذلك في
ذلك،
معنى الاطمئنان، أنه لا شيء عليه حتى يعلم أنه لم يترك، وأما في معنى الحكم فلا تخرج عندي براءة له من لأن وقت ذلك ليس كوقت الصلاة؛ إذ لا يسع تركها في وقتها حتى ينقضي بوجه من الوجوه، إلا بما يزول عنه العمل لها في وقتها وبعد وقتها، وليس كذلك الزكاة، لأن الزكاة قد يجوز تأخيرها بعدم، ويلزمه أداؤها من بعد ذلك، وقد يجوز تأخيرها على غير العدم، بانعقاد النية لأدائها بعد وقت وجوبها، فإذا صح وجوبها في الحكم وصحة العلم لم يزل الحكم وجوبها بعد لزومه بصحة علمه إلا بأدائها بالعلم، أو بما يشبه من معاني الاطمئنان في حكم ذلك الاطمئنان ومعي؛ أن زكاة الفطر عندي أقرب في معنى حكم الاطمئنان إذا أخرجها في وقتها، إلا أنه. من عادات الناس أغلب، وأنهم لا يؤخرون ذلك كالزكاة، ولو شك في تأديتها بعد وقتها وهو انقضاء، وقد كان الفطر يوم يعرف نفسه بأداء ما يلزمه فيها، وهو ممن يلزمه إخراجها، أعجبني أن يكون في أغلب معاني الاطمئنان، أنه لا يجب عليه إخراج ذلك، حتى يعلم أنه لم يخرجه، ولا يخرج عندي ذلك على حال في معنى الحكم، إذ لا يكفرها تأخيرها، وإذ لو عُذر في الوقت عن أدائها لمعنى وهو معسر لها، لم يكن ذلك
العذر مما يزيل عنه حكم إخراجها، كمثل ما لو عذر عن الصلاة في وقتها
6
وزال عنه حكم العمل لها، أنه لا بدل عليه بعد فوت الوقت، إذا كان في
حين وقتها معذور، أو إذا كان لا يكفره ترك العمل بها على غير عذر
ولا يثبت عليه في الحكم عندي أن يكون تاركا ما يكفره تركه في دينه،
6
•
ولا يُحمل عليه حكم النسيان له إذا تعدى وقته
-^- (4/80)
صفحة 761
وكذلك صوم شهر رمضان إذا كان فيه مقيما غير مريض، ولا كان له عذر عن صومه، فيُحتمل فيه عندي أن له العذر، ويكون فيه سالما فشك فيه من بعد انقضاء وقته، سواء كان قد صامه أو لم يصمه، فكل حالة كان فيها لا يخرج معه أن يترك صومه لعذر، بعذر فيه، خرج عندي معنى صومه له في معنى الحكم بمنزلة الصلاة
•
وإذا كان يعرف من نفسه أنه كان في حالة يحتمل فيها الصوم، أو كان في حالة يحتمل فيها ترك الصوم، إلا أنه إنما شك في ذلك، هل هو صام أو لم يصم، من بعد خروجه من حاله تلك، من بعد انقضاء شهر رمضان، ومن بعد انقضاء ما مضى منه من الأيام التي شك فيها في الإفطار أو الصيام، فيلحق عندي معاني الاحتمال في مثل هذا، ويعجبني أن يصح له حكم صوم ما مضى في معنى الحكم إلا أن يغلب عليه حكم الارتياب، لأن وجوب صوم شهر رمضان في وقته لا يسعه تركه إلا لعذر، وهذا عندي لا يتأتى إلا في حالة تحقق العذر له، إذ لا يأتي عليه حال لعذر بإفطاره إلا أن يصح العذر، ولو صح العذر كان فيه مخيرا
،
وقد قيل: إن الصوم أولى في الحالات كلها، لثبوت فرضه حتى يعلم أنه أفطر، أو حتى يعلم أنه نوى الافطار، ولو كان من المرضى أو السفار الذين يقوم لهم عذر الافطار فمن هنالك أعجبني أن يكون له في شهر
،
رمضان؛ ما يكون له في الصلاة، عند شكه في ذلك بعد انقضاء وقته، وفي كل يوم مضى فحكمه عندنا ما مضى ولو كان في الشهر، فإذا ثبت عليه حكم البدل لشهر رمضان، أو حكم البدل للصلاة، أو حكم زوال وقت ما قد وجب عليه بدله والعمل به فيها عندي، كان ذلك بمنزلة سائر الواجبات، إذا شك فيهما أبدلهما أو لم يبدلهما، وعليه بدل ما وجب عليه من بدلهما، حتى يعلم أنه قد أبدل ذلك بصحة حكم، أو يغلب على ذلك حكم معنى الاطمئنان
- 81 - (4/81)
صفحة 762
لا يشك فيها
الديون
ومعي؛ أن ما كان من حقوق العباد، مما لزم ووجب أداؤه من
معه
، ومن غير ذلك من التبعات والديات والحقوق، وجميع ما يصح. لزومه له، ثم يشك في أن يكون أداه أو لم يؤده، أو مما لا يجب أداؤه في وقت معروف ولا يسعه تركه، فشك في أدائه، هل هو أداه أو لم يؤده، فهو عندي
6
في الحكم بحاله، حتى يعلم أنه أداه بحكم أو بمعنى اطمئنان لا يرتاب فيها فإذا ثبت له معنى الدخول في أدائه أو خروجه من ذلك على معنى الأداء به، به، ثم شك في شيء أنه لم يحكمه أو أنه جهل أحكامه، فيعجبني أن يكون له في هذا الموضع في حكم الاطمئنان أن يكون مؤديا حتى يصح. معه أنه لم يؤده بحكم. وما كان من ذلك يؤدى في كل يوم أو في كل شهر أو في كل سنة في التعارف في الأغلب، مثل الكسوات والنفقات للنساء وغيرهن، ممن تلزمه شرعا كسوتهن ووجب عليه نفقتهن، فشك في أداء ذلك كله بعد انقضاء وقته الذي يجب عليه أن يؤديه فيه في الأغلب من الأحوال، وفيما يعتقده ويلزم به
معني
نفسه
،
مما قد ثبت عليه في الحكم، فشك في أدائه بعد انقضاء وقت أدائه، كان ذلك عندي من هذا النوع، مثل الزكاة التي تجب عليه فيشك فيها بعد انقضاء
وقتها، ويعجبني أن يكون له في معنى الاطمئنان أن يكون مؤديا لذلك حتى يعلم أنه لم يؤده، أو يأخذه في ذلك الحكم الذي يوجب عليه أداؤه في أحكام أهل العدل، الذين يجب عليه حكمهم ولا يسعه الخروج منه، وأما في الحكم فلا يبين لي براءة في هذا النوع، ولو كان شك فيه بعد انقضاء وقته، لأنه قد يكون له تركه من وجه العدل، أو يكون تركه من وجه التوسع ما لم يطلب بذلك طلبا لا يسعه تركه، ولا يزيل ذلك عنه حكم ما قد لزمه منه:
الله - تبارك
ومعي؛ أن كل شيء من الأشياء، وأمر من الأمور في دين وتعالى ـ، وكل حكم في حلال ما أحل الله وحرمة ما حرم، وكل حق من
- AY- (4/82)
صفحة 763
الحقوق المبينة في شرع الله - سبحانه -، وكل حكم من أحكام الشريعة، هذا كله جارٍ على أصوله المبينة عليه الموضحة له من الكتاب والسنة جميع وإجماع الأمة، فإذا ثبتت هذه الأحكام فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها، فكل حكم منها ثبت فيظل ثابتا على أصوله ولا يزول إلا بحكم ثابت مثله يزيله، وإذا زال حكم من أحكام هذه الحقوق، فأصوله زائلة حتى يثبتها أصل مثلها
وقد يخرج في معنى الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات ما يشبه معنى الحكم الثابت في الأصول، فتصبح بذلك العادات والتعارف في معنى ما يشبه الأحكام الثابتة، وكذلك ربما يحدث أن يزيل معنى مثلها ذلك، الأغلب من الأحوال حكم أثبتته الأصول من ذلك، فلو أنه ثبت بين رجل وبين امرأة معاشرة ومساكنة، وكان بينه وبينها ما يشبه معنى التزويج، الذي يقوم بين المرء وزوجه، وهو نفسه يعرف أنه لا يجوز أن يساكن تلك المساكنة ولا يعاشر تلك المعاشرة في قليل من ذلك ولا في كثير منه، إلا من يجوز له مساكنة ومعاشرة بزوجة أو رحم أو نسب أو صهر أو رضاع، فعارضه الشك في حكم هذه الزوجية، ولم يعرف حين ذلك، أن ما كان بينه وبين تلك المرأة في الحكم، فيه معنى الزوجية في الحكم، بعلم منه كيف كان التزويج، ولا من أي وجه من الوجوه تم، ولا يعرف من الذي زوجه بها، ولم يعرف أيضا كيف كان تزوجه بما يجوز أو بما لا يجوز، ولا أعلم أنه شهد معه من تجوز شهادته على الرضاع، بأنه كان يقوم عارض لهذا التزويج، كأن تكون هذه أخته من الرضاع، ولا أمه من الرضاع، وكذلك سائر ذوات محارمه بسبب رحم أو نسب أو صهر، أو غير ذلك من أنواع المحارم، كان هذا. معارضته، وإن كان موضع حكم لأنه في الأصل محكوم عليه باعتزال هؤلاء النساء في المعاشرة لهن والمساكنة والجماع، حتى يثبت ويصح منهن ما يجوز له ذلك، وإلا فهن محجورات كلهن في الأصل، لأنهن حرمة على الرجال حتى
عندي.
شك
- Ar- (4/83)
صفحة 764
يصح ما يحل به شيء منهن، مثل زوجة أو غيرها، فكان حكم الأغلب والتعارف والاطمئنان فيها تجري به أمور عامة الناس، ذلك لأن هذا هو الأغلب والجائز والمعمول به، دون ثبوت الأحكام عليهم في مثل هذا، وكذلك ما أشبهه ونزل بمنزلته من جميع الأحكام والحقوق من الأموال التي في يده، إذا نص نفسه إلى رفتها من أين اكتسبها وأصابها، بعد أن لم تكن في
معر
يده، لم يعرف من أين كان ذلك، وفي معنى حكم الأصل محجور عليه كل ذلك إلا بحله، وكان الأغلب في التعارف في مثل هذا أثبت في حكم القضاء، وكذلك عليه ترك البيوع التي تعرف أنه دخل فيها، ولا يعرف حلالها من حرامها، وهو يطأ بها الفروج ويتمتع ويأكل بها، ويعرف أنه إنما اكتسبها بالبيع والشراء من أيدي الناس، ويعرف أنها كانت لغيره قبله في معنى الحكم ثم حازها إليه على وجه التملك، ولا يعرف كيف صارت إليه، وهل كان ذلك بالبيع أو العطية أو الهبة أو الهدية أو الغصب، وكان في يده واعتقد أنه يحوزه بمعنى التملك عن: نفسه على معنى الاطمئنان، ولو لم يعلم في الحكم
6
من أين صار إليه ذلك، بعد أن علم في الحكم أنه كان لغيره أولى من الحكم ولو كان في الأصل قد صار إليه بمعنى غير ثابت، ونسي ذلك وغاب عنه،، لم يضره ذلك إذا كان قد نسي الأصل، ولو كان ذلك من الربا أو من الغصب أو كان ذلك في التصرفات الشرعية من التزويج الفاسد الذي بطل فيه عقد
النكاح.
وكذلك لو علم الأصل الذي يثبت له منه أن الحكم الذي تزوج عليه زوجه، وتأكد له أن ذلك الأصل حلال جائز، ثم بانت عنه زوجه بأي وجه من الوجوه، وعلى أي حال من حالات البينونة، مما ثبت عنده في الأصل أنها تحرم عليه، من وقت أن تركها وفارقها، فلما طال به ذلك كنحو ما طالت عنده مدة زوجته، فإن تعقب أمر ذلك السبب الذي بانت معه على أي وجه من الوجوه، فلم يعرف ذلك السبب وغاب عنه، لم يكن ذلك عندي في
- ^ {- (4/84)
صفحة 765
حكم الجائز والمحجور، يجيزها له إذا لم يعلم الأصل الذي بانت منه، ويتركه لها لطول المدة. ولو كان إذا تعقب الأمر فيها علم حقيقة التزويج، ولم يعلم حقيقة الفرقة، وهو في معنى السبب الذي بانت به منه على أي وجه من الوجوه، إذا كان قد تركها وبانت منه على سبيل ما معه أن ذلك يحرمها عليه، ولو كان في الأصل لم يكن ذلك ينفيها منه، ولا يحرمها عليه، ولكن من الأفضل هنا ومن الأولى في هذه الحالة أن يكون حكم الاسترابة أكثر اعتبارا من حكم القضاء
نفسه،
وأما إن كان إنما وقع بينهما كلام أو سبب مما يدخل عليه فيه الريب، ولم يعلم الحكم في أصل هذا القول، ولا حقيقة ذلك الأمر كما يظهر من وصف حقيقته إذا تعقبه، ولم يكن قد تركها على وجه ما تحرم به عليه، وإنما وقع ذلك الأمر ثم التمس معرفة ذلك من فغاب علم بقية ذلك فنسيه، فلا يقف على معنى ضرورة ذلك من قول أو فعل، وقد كانت زوجته في معنى الحكم أو ما لا يشك فيه من معنى الاطمئنان في الأصل في زوجته، على معنى الأصل الذي كانت عليه في معنى ما يسعه. ويجوز له على معنى حكم ذلك أن يثبت العلاقة على ما كانت عليه في الأصل، ولو كان ذلك المعنى في الأصل هو الذي عارضه سواء كانت تلك المعارضة في فعله أو كانت في قوله مما يحرمها عليه، إذا نسي ذلك وغاب عنه علمه، والأصل في هذا المعنى أولى به فيما يسعه من المعارضة، التي كانت قد تمت من فعله أو قوله، بما لم يثبت به حكم قضاء، وكذلك بما لم يثبت به حكم استرابة، وإنما يثبت معنى حكمها بثبوت العمل بها والترك لها في حكم الأصل.
وكذلك الأموال في الحوز لها والتسليم والحوز من غير علبة وحوزة على غيره أو من غيريد من طريق ميراث، أو بسبب لا يعلم أصله، ولم يكن قبل
ذلك له ولا في يده.
- ^ o- (4/85)
صفحة 766
فكل ذلك معناه واحد، وهو أنه بمنزلة الزوجة والجارية التي يطأها
،
والعبيد الذين ملكهم فيستخدمهم، فكل ذلك سواء على معنى ما وصفت
لك، فانظر في معاني الأحكام كيف تثبت في معنى القضاء والاطمئنان بتحليل الحلال، أو في معنى حكم الاسترابة، والإشكال في معنى الحرام كيف حل الحرام في مواضع، وحرم الحلال في مواضع، على غير معنى ارتكاب الحرام، ولا في معنى تحريم الحلال، وجواز ذلك في معنى أحكام الاسلام، إذا أتى من وجه معناه، وليس كل الأمور محمولة على هذا، فبعضها يعطي معنى أحكامه على معانٍ أخرى، وجهل علم الأصول ونسيانها أهون وأوسع من جهل أحكامها إذا كان ذاكرا أو عالما بأصولها، لأن جهل الحكم أشد من جهل الأصل الذي يوجب الحكم، فافهم معاني ذلك إن شاء الله
ذلك كله.
-17 - (4/86)
صفحة 767
باب
في موجبات الغسل
وفيه ذكر فيمن يرى الجماع ولا يقذف، وانتبه فلم يدر هل قذف الجنابة أو لم يقذفها؟
ومن كتاب المعتبر؛ إن عبث إنسان بذكره، أو عنته شهوة فقذف الماء الدافق، فقد قيل: إنه قد لزمه الغسل، سواء كان هذا الدفق للماء عن شهوة في نوم أو في يقظة
وعن رجل رأى في منامه أنه يجامع، ولم يكن يعلم في حاله التي رأى فيها الجماع؛ أنه قذف ولم ير بللا، فلا غسل عليه في ذلك، إلا إذا كان قد رأى الجماع، ويكون بعد ذلك يرى بللا، أو يرى شيئا من ذلك في بدنه أو ثيابه فعند ذلك يلزمه الغسل.
وكذلك يلزم الغسل من تخرج. منه النطفة الميتة
،
وحفظ لنا الثقة عن بعض أهل الفقه، أنه لا غسل على من خرجت منه
النطفة الميتة بلا شهوة ولا انتشار
وقال غيره: وعن أبي معاوية عزان بن الصقر - رحمه الله - قال: لا غسل من الجنابة الميتة، وقال: إن الجنابة الميتة هي التي يرى الرجل فيها في الرؤيا أنه يجامع، فيحدث من ذلك أن يضطرب الاحليل، ثم تسكن ضربات الإحليل ويبرد، ثم يخرج من ذلك جنابة ولكنها ليست على صورة ماء دافق، فهذه الجنابة الميتة فلا غسل فيها
- AV - (4/87)
صفحة 768
قال محمد بن المسبح: إذا رأى الرجل الجماع في منامه بانتشار الإحليل واضطرابه، ثم استيقظ من نومه ولم يمس في ثقب الاحليل بللا، يدل على أنه قذف الماء الدافق، فلا غسل عليه، غير أنه إن سكن الاحليل من اضطرابه ثم خرجت منه رطوبة، فإنه يكون بذلك قد لزمه الغسل إذا وجد الشهوة كأنه نطفة باضطراب الاحليل، وارتعاش البدن بالشهوة لاحقا بها من البدن، فإذا نزل الاحليل من حينه أو بعده وقذف البلل الذي يفيد خروج الدافق، فعليه الغسل.
الماء
قال غيره: معي؛ أنه يخرج في معاني الاتفاق، وعلى ما يشبه حكم الكتاب والسنة، أنه يلزم الغسل من الجنابة؛ لكل من خرج منه المني من الرجال في يقظة أو في منام، سواء كان ذلك بمعالجة أو كان بغير معالجة، وذلك مع حضور الشهوة له في اليقظة، أو بمعنى الاحتلام في المنام، لقول الله - تبارك وتعالى -: {وَإِن كُنتُم جنبا فاطهروا)، وثبت من معاني أحكام ذلك أن الجنابة في معاني الاتفاق. الماء الدافق وهي المني، وأن ذلك يخرج في معاني الاتفاق، مما خرج على معنى الشهوة والاضطراب من الاحليل، أو مع حضور الشهوة، فإذا كان على هذا الوجه في يقظة أو منام، بأي وجه من الوجوه كانت، فتلك تعتبر جنابة، وكان المبتلى بها جنبا بمعاني الاتفاق من الرجال، ولا أعلم في ذلك اختلافا
هي
وقد قال الله - تبارك وتعالى -؛ فيما يدل على ثبوت حكم الجنابة بخروجها بالاحتلام: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الذينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنَ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) (1). (1)
فثبت في معنى ذلك أنهم إذا بلغ هؤلاء الأطفال الحلم بإنزال النطفة
6
ولولا ذلك لما كان يتعرى الصبي من الاحتلام وهو صبي، ولما كان ذلك
(1) الآية (59) من سورة النور.
- 88 - (4/88)
صفحة 769
الاحتلام دليلا على أنه يوجب عليه ثبوت الأحكام، بل لقد ثبت أن ذلك الاحتلام هو الذي يوجب عليه الأحكام من البلوغ، بإنزال النطفة سواء كان ذلك في يقظة أو كان في منام.
وإذا ثبت نزول الماء الدافق من الرجال، بأي وجه من الوجوه وعلى أي حال من الأحوال، سواء كان ذلك الانزال في يقظة أو منام، وسواء خرج ذلك بمعالجة، أو خرج نتيجة أن العابث عبث، أو خرج بغير تشهي، أو كان
،
ذلك بغلبة الشهوة له حتى خرج منه المني فهو في كل ذلك جنب بما أوضح كتاب الله - سبحانه - في تصرفاته كلها، حيث يكون قد تحقق عليه وصف الجنابة التي توجب التطهر، ويلزم عليه الغسل على ما خرج في معاني الاتفاق من تأويل ذلك
وأما إذا وجد الشهوة، ووجد اضطراب الاحليل للشهوة، ثم سكن الاضطراب وزالت الشهوة التي تكون مع خروج المني من الماء الدافق، ثم خرج منه من بعد ذلك نطفة، فتلك نطفة ميتة، وقد يلحقها اسم الجنابة في الشبهة للجنابة، ويختلف في لزوم الغسل منها، فقال من قال: إنه يلزم منها
الغسل.
وقال من قال: لا يلزمه وهو أحب إلي، لأنه وإن أشبهت الجنابة، فإن النطفة الميتة ليست من الماء الدافق، الذي تقع به الأحكام، لثبوت الاحتلام ذلك لحصول الشهوة في اليقظة أو المنام، فتلك نطفة لا يجب لها
وخروج
الغسل، وإن كانت في خروجها وأسبابها قد تشبه الماء الدافق
ومعي
؛ أنه في معنى حكم دم الاستحاضة الذي يشبه دم الحيض، فإنه كما لا يجب بدم الاستحاضة ترك الصلاة وإن أشبهت دم الحيض، وكذلك فإن دم الاستحاضة لا تنقضي به العدة، فلا يدخل في حساب القروء التي
- 19 - (4/89)
صفحة 770
تحدد بالحيض أو بالطهر منه، وفي معنى دم الاستحاضة أيضا أنها لا تترك. بسببه الصوم، وإن كان في أصله أنه دم كدم الحيض، فكذلك الجنابة المحكوم بها هي الماء الدافق، كما أن الدم المحكوم به هو دم الحيض، ولكن ليس كل ما أشبه الشيء، بمعنى أنه أشبهه في جميع المعاني، والنطفة الميتة شبه
،
المني في ثبوت الاستنجاء ونقض الوضوء، ولكنها لا تشبهه في ثبوت الغسل ولا في معاني لزوم الأحكام في البلوغ. كما أن دم الاستحاضة يشبه دم الحيض في نقض الوضوء، ويشبهه أيضا في الاستنجاء منه، وكذلك يشبهه في الاغتسال عند قول بعض من قال بذلك، وبعد ذلك لا يشبه دم الاستحاضة دم الحيض في جميع الأحكام
•
وإذا خرجت النطفة بحضور الشهوة التي بها يكون خروج الماء الدافق من بعد سكون الاضطراب في الإحليل، فتلك هي الجنابة التي يجب بها الغسل، ولو خرجت بمعنى الشهوة التي يكون بها ذلك على غير اضطراب وانتشار، كان ذلك هو الماء الدافق، ولو خرجت في الانتشار والاضطراب بغير حضور الشهوة، كان ذلك حكمه حكم النطفة الميتة، إن كانت في أصلها نطفة، وإلا فهي من المذي أو الودي
ولا يكون خروج المني الذي يوجب حكم الجنابة، إلا من الماء الدافق الذي يخرج مصاحبا للشهوة، وسواء ذلك كان خروجه على هيئة الماء الدافق في اليقظة أو خرج على هيئة الماء الدافق في المنام، إذا وجد الشهوة التي يكون بها معنى خروج المني والماء الدافق في اليقظة، ثم سكنت تلك الشهوة ثم خرج من بعد سكونها وزوالها، فذلك من النطفة الميتة، مما خرج بغير شهوة في وقت خروجه، سواء كان ذلك في اليقظة أو في المنام، إلا أن يكون يمسك ذلك بيده، أو بشيء مما يحتقن به في الاحليل حتى تفتر الشهوة وتسكن، ثم تخرج بعد ذلك نطفة فهي في معنى الحكم، تدخلها معاني الريب، ويحتمل (4/90)
صفحة 771
فيها هنا الحالين، حال أنها من النطفة الميتة، وحال على أي وجه من الوجوه على أنها من النطفة الحية، لأنه يمكن أن يقوم احتمال أنها قد تكون خرجت بالشهوة، ثم احتبست نتيجة الامساك والضغط عليها في مجرى الخروج والانتظار بها حتى خرجت بعد زوال الشهوة، فصارت أشبه بالحية، ولزم الاغتسال منها على سبيل الاحتياط، وكان بذلك أحرى أن تلحق بمعاني الريب، أن تكون نطفة حية، وأن يكون خروجها إنما كان مصاحبا للشهوة، التي بها يكون الماء الدافق، وما فضل إلى الاحليل في مجراه يعتبر من أحكام النطفة بمعنى المصاحب للشهوة التي يكون الماء الدافق بها، ولذلك فإن حبس هذا الماء الدافق الذي إنما خرج من الصلب بالشهوة، وإبقاءه في مجرى الاحليل لا يزيل عنه حكمه الأصلي، إذا ثبت أن تدفقه كان بشهوة. ومعي؛ أنه يمكن أن يكون خروج هذا الماء ليس لشهوة صاحبته، وأن تكون تلك الشهوة قد فترت على غير خروج، فلما أن كان المخرج ممسوكا، فإن ذلك يعني أن يلحق النطفة المعنى الأغلب في الاسترابة، وزيادة الاعتقاد أنها حية، وأما إن فترت الشهوة ولم يكن ثم معارض لمعنى خروج الماء الدافق حتى معاني أحكامه ومخرجه، بأن يكون اضطراب الاحليل ممكنا أن لو كانت
به
الشهوة مصحوبة بالماء الدافق لخرج من مجراه بطبعه، ولم يكن ممسكا معارضا لخروج الماء، فإن جاءت النطفة على ذلك غير مصاحبة للشهوة كان حكم ذلك ومعناه معنى النطفة الميتة لموت الشهوة وزوالها
وسواء كان ذلك العمل في يقظة أو كان في المنام، غير أنه في المنام يكون أقرب إلى أن يدرك مثل هذا، لأن الاحتلام عادة قد يوجد على غير الحقيقة في معنى ثبوت الشهوة، مع أنها قد تكون ليست بالشهوة على الحقيقة، لأن الزنا ليس بالحقيقة، ولكنه لما أن ثبت الزنا في معنى الأحكام، فكذلك أشبه
اليقظة على حال إذا خرجت أحكامه على معنى أحكام النطفة
-41 - (4/91)
صفحة 772
ومعي
أن ذلك كله يخرج عندي على معنى أحكام في ثبوت الغسل بالجنابة في اليقظة والمنام، وأما إذا رأى الحالم الجماع في المنام، وأدرك الشهوة ووجدها، أو لم يدركها ولم يجدها ثم انتبه من نومه فوجد بللا في حين انتباهه، ولم يعلم أو يتحقق أن ذلك كان نطفة أو أنه فقط كان مذيا أو وديا أو كان شيئا غير ذلك
فمعي؛ أنه قيل: إن عليه الغسل، إذا كان قد رأى الجماع أو ما يشبه الجماع، ثم انتبه فوجد بللا، وهذا الحكم على قول من قال به على حسب ما يوصف لك
ومعي؛ أنه قيل: إن هذا الفصل مما يشبه القول فيه، معنى الاتفاق
بوجوب الغسل عليه فيه، في هذا الموضع
ويخرج عندي على معنى الاحتياط لا على معنى الحكم، حتى يعلم أن ذلك كان عن نطفة خرجت في حال الشهوة، وذلك حينما رأى ذلك واستيقظ مدركا للشهوة، وذلك يخرج معها في حكم ما يخرج المني والماء الدافق، لأنه يمكن أن تكون تلك الرطوبة وذلك البلل خرج من بعد ذهاب الشهوة، فتكون نطفة ميتة أو يكون مذيا ووديا أو غير ذلك من البلل.
فلما كان في الامكان أن يحتمل أنها نطفة مصحوبة بشهوة أي أنها نطفة حية، وأن قرينة ذلك الاحساس بالشهوة ووجود البلل، وأمكن أيضا أن يحتمل أنها نطفة ميتة أو أنها مذي أو ودي، ولما كان احتمال الوجهين لم نعرف منه ما هو على الحقيقة منهما، ثبت معنى الخروج من الشبهة بالاحتياط، وهو وإن كان يخرج على معاني الاحتياط فهو شبيه بالأحكام عندي، لأنني لا أعلم في هذا النحو اختلافا من قول أصحابنا؛ إلا أنه يلزمه الغسل في حالة ما إن وجد الشهوة.
- AY- (4/92)
صفحة 773
ومعي
؛ أنه مع الأحوط من ذلك أنه يكون أقرب من دخول الشبهة عليه، وأولى بالخروج له من الريب، وإن وجد مع ذلك عرقا يشبه رائحة النطفة لذلك البلل، فإن ذلك يكون أقرب من الريب ودخول الشبهة. وما لم يصح بالحقيقة فلا يخرج إلى معنى الحقيقة بالحكم اللازم، وربما يخرج من معنى الاحتياط ما يشبه معنى الحكم، من تقاربه معه في التساوي والتشابه، وهذا عندي مما يشبه ذلك، إذا ثبت معنى حكم الاحتلام في المنام.
وأما إذا لم ير في المنام شيئا من الاحتلام على أي حال من أحوال الجماع أو ما يشبهه، على وجه من وجوه اللمس أو وجوه المداعبة، أو أي أمر يقرب إلى معاني الشهوة، إلا أنه حين انتبه وجد بللا ولكنه لم يعرف إن كان هذا البلل نطفة أو غيرها.
فمعي؛ أنه قد قيل: إن عليه الغسل حتى يعلم أن تلك النطفة ليست
جنابة، وأنها لم تكن قد خرجت حية.
وقيل: إنه إذا لم ير شيئا من الاحتلام، ولا كان قد وجد شهوة في المنام، بنحو ما وصفت لك، فليس عليه غسل حتى يعلم أن تلك الرطوبة والبلل كانت عن نطفة حية وأنها جنابة.
ومعي
؛
أنه قد قيل: إن كان لتلك الرطوبة رائحة تشبه رائحة النطفة
الحية، كان عليه الغسل، وإن لم تكن لها رائحة النطفة الحية وليست شبيهة
بها لم يكن عليه غسل، حتى يعلم أنها كانت نطفة حية وأنها جنابة
؛
•
أنه يخرج في معنى الحكم أنها وإن كانت لها رائحة النطفة أنه ومعي لا غسل عليه، لأنه قد تكون النطفة ميتة - ولا توجب غسلا - ومع هذا فإنه قد يكون فيها رائحة النطفة الحية، وذلك في معنى الاختلاف
- 93 - (4/93)
صفحة 774
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: المعتبر
المؤلف: محمد بن سعيد الكدمي أبو سعيد
كلمة: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1405ه/ 1984م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 4
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أحكام الولاية والبراءة، فقه الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=549&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/221
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 ربيع الأول 1447ه/ 31 - شهر 08 - 2025م. ويخرج هذا الغسل عندي كله في معنى حكم الاسترابة والاطمئنان، لا على معنى الحكم بلزوم شيء من ذلك في الغسل ولا بزواله، فهو كله يقوم على معنى إزالة الريب في معاني أحكامه من باب الحيطة
وأما إذا رأى الجماع أو ما يشبه ذلك من أنواع المس أو أي وجه من وجوه ما يقرب إلى معنى الشهوة، من مقدمات الجماع، وسواء كان قد وجد الشهوة أو لم يجدها، ثم انتبه في حين ذلك فلمس فلم يجد شيئا، ثم خرج منه بعد شيء من البلل، لا يعلم أن هذا البلل من ماء دافق:
ذلك
فمعي؛ أنه يخرج في هذا الفصل أنه لا غسل عليه، ولا أعلم في ذلك اختلافا، إلا أن يكون يدرك الشهوة بعد يقظته التي بها يخرج المني، فلمس في حين ذلك فلم يجد شيئا، ثم يكون خروج ذلك في الشهوة أو في بقية الشهوة التي أدركها والتي بمعناها يخرج الماء الدافق، فمعي أن عليه في هذا الفصل الغسل، ولا يبين لي في ذلك اختلافا
وأما إن انتبه من حين ذلك فلم يلمس، فمعي أنه يخرج أن عليه الغسل بموضع الاحتياط، لأنه لو لمس فوجد بللا قد دخل عليه على معنى ما يشبه الاتفاق في الأصل في الفصل الأول، وأن عليه الغسل وإن كان يخرج بمعنى الاحتياط على ما ذكرنا، فلما لم يلمس حين ذلك احتمل أن يكون قد خرج منه بشيء أو لم يخرج، فلزمه نتيجة ذلك حكم الريب، وأرجو أنه قد يخرج أنه ليس عليه غسل في معنى الحكم إذا لم يجد ما يجب به الغسل، وهذا الفصل عندي أقرب منه من الفصل الذي لمس فوجد، لأن الوجود أكد وأوجب من الامكان أنه يجد أو لم يجد
ومعي
؛ أنه كذلك قيل: إن لو انتبه فلم يلمس بقدر ما يمكن أن يخرج منه شيء ويجف، ثم لمس فلم يجد شيئا أنه قيل إن عليه الغسل، وهذا عندي
-42 - (4/94)
صفحة 775
يخرج معي على معنى الفصل الذي لم يلمس ويخرج فيه عندي معاني ما يشبه
الاختلاف
ويعجبني قول من يأمر بالغسل في ذلك على الاحتياط، وهذا كله عندي يخرج على معنى الاحتياط وليس تطبيقا لمعنى حكم الأصل، ومعنى الاحتياط أنه إذا رأى الجماع بمعناه الواضح، أو رأى ما يشبهه على أي وجه من وجوه اللمس أو أية حالة من حالات المداعبة وانتبه فتذكر الشهوة ومصاحبتها لخروج الماء الدافق، ووجود البلل الذي يدل على تدفق الماء المصاحب للشهوة، فإنه في هذه الحالة لا يقوم الريب ولا الشك في وجوب الغسل عليه، أما إذا قام الشك في أنه لم يعلم يقينا بصورة الجماع ولا مقدماته مما يشبهه، ولم ترتبط في ذهنه صورة الشهوة بخروج الماء الدافق، أو خروج الماء من الإحليل في حالة انفصال عن الشهوة، فإن ذلك كله من الريب والشك الذي لا يجعلنا نوجب عليه الغسل، وإنما نقول إن الغسل هنا يكون خارجا على معاني الاحتياط، ويصبح الغسل من باب إزالة الشك
وإذا ثبت معنى هذا، وأنه إذا استيقظ فلم يلمس بقدر ما يجف، بحيث يعتقد أن لو كان خرج الماء ثم انتبه فلمس فلم يجد بللا، فهنا يمكن أن يقال إن عليه الغسل بسبب الشبهة، وفي معنى الاحتياط للخروج من
الريب
ويشبه ذلك
عندي أن لو مضى في نومه ولم يستيقظ، ولم ينتبه لذلك الذي حدث في المنام، فلمس أو لم يلمس بقدر الوقت الذي يكون فيه لو كان خرج منه شيء جف بنحوه إلى أن يستيقظ، فاستيقظ فلم يجد شيئا، أشبه ذلك عندي هذا الفصل، وذلك لأنه قد دخل عليه معنى الشبه في مكان ذلك وجفافه، وسواء كان ذلك عندي يكون جفاف ذلك البلل في
خروج
يقظة أو منام.
-90 - (4/95)
صفحة 776
وإذا ثبت هذا المعنى عندي ثبت أنه نام بعد ذلك ولم يستيقظ به حين ذلك، فيلمس أو لا يلمس إلا أنه لم يعرف ما نام بعد ذلك قليلا ولا كثيرا، أو يمكن أن يكون نام بعد ذلك بقدر جفاف ما يخرج، ويمكن أن يكون أقل من ذلك لم يبعد عندي من دخول الشبهة عليه، ووجوب الخروج من الاسترابة، لا مكان ذلك وثبوت معانيه، إذا لم يخرج من ثبوت ذلك بالحقيقة أو يشبهها الاطمئنان علمه ما نام بعد ذلك، والمنام عندي في مثل هذا يشبه اليقظة على نحو ما وصفت لك من دخول الشبهة والاسترابة، لثبوت حكم الجنابة بالاحتلام في المنام، وكان تباعد ذلك وقربه في المنام مثل ذلك في اليقظة لما يدخل الريب عليه في ذلك، وفيما يخرجه في الاطمئنان
من
وكذلك عندي إذا رأى الجماع بمعناه، أو ما يشبهه من المداعبات والمقدمات، ثم وجد بعد يقظته نطفة في شيء من بدنه، مما يمكن أن يخرج فيه من الاحتلام منه، بمعنى من المعاني في الاحتمال، أو في ثوبه الذي نام فيه أنه قد قيل: إن عليه الغسل من مثل هذا، وإذا رأى الجماع أو ما يشبهه ثم رأى مثل هذا رطبا أو يابسا، فتبين أنها نطفة خرج عندي وجوب الغسل عليه، بمعنى ما لا يبين لي فيه اختلاف لما يقارب معنى وجوب الأحكام
فمعي
بوجه
بذلك، ولا يخرج عندي من معنى الاحتياط على حال ما احتمل ذلك من الوجوه، أن يكون ذلك من غيره أو نطفة ميتة، ولو ثبت أنها نطفته
وأما إذا لم ير في منامه في الجماع ولا ما يشبه ذلك، ثم رأى في شيء من بدنه أو ثوبه نطفته، يحتمل أن يكون منه ويحتمل أن يكون من غيره، ففي معنى الاحتياط أن يلزمه الغسل على معنى العرف والعادة، أن مثل ذلك لا يكون من غيره، إلا في التعلق بمعنى الحكم
ومعي؛ أنه قد قيل في مثل هذا الفصل: إن عليه الغسل إذا رأى مثل هذا، وبدل الصلوات من آخر نومة نامها، إن كان في بدنه، وآخر نومة نامها
-11 - (4/96)
صفحة 777
في ذلك الثوب، الذي رآها فيه، وهذا كله عندي يخرج على معنى الاحتياط، لا معنى الأحكام وبعضه أقرب من بعض من معاني الأحكام، وفيما يخرج في الاعتبار مع المبتلى بذلك، وذلك أن معاني الاحتياط كلها متقاربة ويمكن أن تكون متشابهة في أحكامها، ومن الأثبت في حكم رفع الريبة والشبهة أن تكون على معاني الأحكام.
ومن قوله: ومعي أن هذه المعاني وإن خرجت على معاني الاحتياط، فمعي أن القول فيها يشبه معنى الاتفاق بوجوب الغسل عليه، فثبوت حكم العرف في العادة في ذلك أنه لا يكون منه إلا ضعف معنى الحكم بأن يكون من غيره، واستولى عليه حكم الاحتياط، فأشبه معنى الاتفاق أن عليه الغسل، فافهم معاني ذلك إن شاء الله
ومن الكتاب؛ قال أبو عبدالله الشافعي: لا يجب على أحد الغسل حتى من الماء الغليظ سواء كان نائها أو كان مستيقظا، وبذلك يكون وجوب الغسل عنده نزول المني على هيئة الماء الدافق
يرى الماء الدافق
المصاحب للشهوة
الغسل
، وحتى يجيء المني
وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا استيقظ المحتلم فوجد بللا، وجب عليه، لأن ذلك يعتبر قرينة على أن البلل كان من الماء الدافق مما يوجب
الغسل ويلزمه إزالة للريب
قال أبو معاوية - رحمه الله -: إذا رأى في النوم الاحتلام ثم انتبه فرأى بللا فعليه الغسل، وإن لم ير ذلك فلا غسل عليه إلا أن يرى المني، لأن ذلك أيضا يعتبر قرينة أيضا على أن البلل كان بسبب الماء الدافق الذي هو المني. فلا غسل يلزمه إلا أن يري ذلك المني
،
ومن غيره؛ وعن رجل رأى في المنام أنه يجامع أهله
- AV.
6
واندفع
الماء (4/97)
صفحة 778
الدافق، فلما استيقظ لم ير ماء دافقا ولكنه رأى بلة قليلة، هل يجب عليه
الغسل في هذه الحالة أم لا يجب؟
قال: إن كانت البلة
فعليه لزم الغسل، وإن كان الماء الدافق، من
من المذي فلا أرى عليه غسلا والله أعلم.
ير
قلت: فإن قد رأى أنه يجامع أهله ودفع الماء، فلما استيقظ لم ير بلة ولم
شيئا، فماذا عليه؟
قال: ليس عليه غسل.
قال وضاح بن عقبة: إنه حفظ أن من انتبه في الليل فوجد البلل أن عليه الغسل لأنه لا يعلم ما هو.
قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: إن كان رأى في منامه شيئا من النساء، كان عليه الغسل، وإن لم ير في منامه شيئا من النساء، فلا غسل عليه إلا أن يعلم أنها من الجنابة
ومن غيره؛ وسألت أبا الحسن - رحمه الله - عن رجل إذا انتبه من نومه فوجد بللا، لا يعرف ما هو على رأس الذكر، هل عليه غسل أم لا؟ قال: إن كان رأى شيئا من النساء، مثل مس أو جماع أو كلام مما يبين ذلك الشهوة أو شيء من، مما يقرب إلى الشهوة، ثم انتبه فوجد بللا فعليه الغسل، وإن لم ير جماعا ولا شيئا فلا غسل عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة
نطفة
قلت: فإن وجد لها ريحا يشبه الجنابة؟
قال: إذا لم يمكن أن تكون جنابة ميتة، فعليه الغسل، إذا علم أنها
-44 - (4/98)
صفحة 779
جنابة حية، على أي وجه كان الماء الدافق، فقد لزمه الغسل، فإذا لم يعلم
فلا غسل عليه.
قلت له: فإن كان قد رأى شيئا من الجماع حتى انتشر القضيب، ثم انتبه فلمس فلم يجد شيئا، ثم جاء من بعد ذلك ماء، هل عليه في ذلك غسل؟
قال: إذا جاء الماء من بعد فتور الشهوة، فلا غسل عليه، إلا أن ينتبه فيذكر حين الشهوة، قبل أن يقذف فيلمس فلا يجد شيئا وهو في حال القذف، وشهوة القذف ثم يقذف من بعد ذلك فعليه الغسل.
وسألته عن الذي يجد النطفة في ثوبه، فيظن أنه إذا لم ير احتلاما أنه ليس عليه غسل ولم يغسل، وصلى على ذلك، ماذا يلزمه في صلاته وصيامه إن كان صائما؟
قال: أما غسل الجنابة فلا يسع جهله، وأما إذا ظن هذا الظن، ولم
يكن رأى الجماع أنه ليس عليه غسل
فأقول: إن عليه البدل ولا كفارة عليه، وأما صيامه فعليه بدل
ما مضى من صومه
بغسل؟
•
قلت له: فإذا رأى الجنابة في ثوبه هل له أن ينزلها نطفة ميتة وليس
قال: لا غسل عليه، وقال: النطفة البيضاء الميتة التي تأتي بغير جماع،
ليس منها غسل، وتلك ميتة.
قال غيره: معي؛ أنه قد مضى في هذا الفصل، ما أرجو أن فيه كفاية عن إعادته، وإنما أردنا إثبات المسائل في موضعها
-44 - (4/99)
صفحة 780
ومعي
أنه ما لم يثبت حكم الإمناء، وخروج الماء الدافق مع خروج الشهوة، لما لا شك فيه سواء كان ذلك في يقظة أو كان في منام، أو يقع حكم الجماع وتغيب الحشفة مجامعا، ففي غير ذلك وما سواه معاني الاحتياط في ثبوت الغسل، ويلحقه معاني الاختلاف عندي
وإذا احتمل أن يكون ما وجد من النطفة بللا من بدن أو ثوب أو على رأس الذكر، سواء كان رطبا أو كان يابسا، وسواء كانت له رائحة أو لم تكن
له رائحة
•
وإذا احتمل أن يكون ذلك نطفة ميتة تخرج منه، فلا غسل عليه في ذلك، على قول من يقول إنه لا غسل فيها
من
وعلى قول من يقول: إنه فيه الغسل خرجت منه مع شهوة أو مع غير شهوة، فهذا أشد في هذا المعنى في معنى ثبوت الغسل، ما لم يحتمل أن الموجود ذلك في ذكر أو بدن أو ثوب، شيء آخر غير النطفة من مذي أو ودي أو رطوبة، من البول أو غير ذلك من غير أسباب الجنابة، فإذا احتمل ذلك بأي وجه من الوجوه لم يلزم عندي الغسل بمعنى الحكم، ما لم يصح حكم خروج الماء الدافق سواء كان ذلك في يقظة أو منام أو جماع. وهذه الاختلافات كلها تخرج على معنى الاحتياطات، ومعي أنه ما لم يثبت معنى حكم وجوب خروج الماء الدافق، وإنما كان لزوم الغسل بمعنى الاحتياط، فكان ذلك في شهر رمضان فلم يغسل من عناه ذلك، لما يظن أنه ليس عليه غسل مثل أنه يرى الجنابة في ثوبه أو في بدنه، فلا يغسل إذا لم يكن يرى جماعا، فيخرج عندي في قول من يلزمه الغسل، ولا يجعل له في ذلك عذرا بالاحتمال أنه كمن ترك الغسل عامدا.
وقد قيل فيمن ترك الغسل عامدا وهو صائم: إن عليه بدل ما مضى
من صومه، إلا أن يكون له عذر بالجهالة
• (4/100)
صفحة 781
ومعي
؛ أنه قيل فيمن له عذر بالجهالة في ترك الغسل، بمعنى من المعاني، فمعي أنه قيل: إن عليه بدل ما مضى من صومه، ولا يعذر بما يظن من الظنون التي تحسب، إذ أن له منها عذر في مثل هذا
ومعي؛ أنه في بعض القول إنه إنما في مثل هذا الذي فيه التأويل والظن بدل يومه، ما لم يترك ذلك متعمدا أو بجهل، وليس المتأول والظان كالجاهل
ولا المتجاهل
، أنه ومعي
يخرج في بعض القول في مثل هذا أنه لا شيء عليه في
6
صومه، كما لم تكن عليه كفارة في صلاته، وكل منزلة لم تكن عليه كفارة في صلاته في مثل هذا إذا صلى بذلك، فكان في مثله معنى الصوم في ثبوت البدل، لأن التارك للغسل في صومه، إذا لم يجامع في النهار وإنما هو ترك الغسل عن جنابة صحيحة، من جماع أو احتلام فأكثر ما قيل فيه إنه عليه بدل ما مضى من صومه، وقد يلحقه أنه إنما عليه بدل يومه، وقد قيل فيما يشبه معنى أنه تلحقه الكفارة، ولعل هذا يعتبر شذوذا من القول، وإن كان ذلك لا يشذ بل يحتمل ويلحق معاني ذلك، كل ما ذكرت لك من. هذه المعاني مما يلزمه عندي، على قول من يقول بالكفارة في الصلاة على الجهل، إذا صلاها المصلي على النجاسة جاهلا، أو جنبا جاهلا، فليس الصوم بأهون عندي من الصلاة إذا ثبت أنه لا يقوم على الجنابة، كما لا تقوم الصلاة على النجاسة، وإذا كان إذا صلى بما لا تقوم الصلاة عليه جاهلا، كان عليه الكفارة أشبه ذلك عندي في الصوم، إذا صام على ما لا يقوم الصوم عليه جاهلا أن تلحقه الكفارة.
وكذلك إذا كان إذا ترك الصلاة في موضع ما تلزمه الصلاة لموضع
ما يظن أنه ليس عليه ذلك، فلا يكون عليه في ذلك إلا البدل بمعنى. ظنه
،
فكذلك مثله في الصوم، لو ترك الصوم لمعنى ذلك بتأويل، فظن أنه يسعه
-11 - (4/101)
صفحة 782
لا على سبيل التجاهل ولا الجهل، فلا يبعد عندي مثل ذلك في الصوم، وإذا جاز أن يكون إذا وجد النطفة خارجة منه، ولها رائحة النطفة، فاحتمل عنده أن تكون نطفة ميتة، وقد ثبت في معنى حكم الأصول أن يكون لزوم الغسل ووجوبه بسبب خروج النطفة الحية، فلما ثبت له أن رائحة النطفة يحتمل عنده أن تكون نطفة ميتة، فجائز له ذلك بمعنى ترك الغسل لوجود ذلك ناسيا في ثوبه أو بدنه أو ذكره، إذا احتمل أن تكون ميتة، فذلك عندي أقرب أن يجوز منه عند وجودها عند القيام من المنام، لأنه قد قيل: إذا انتبه من نومه فوجد بللا، لم يعرف ما هو فقيل إن عليه الغسل، حتى يعلم أنه ليس بجنابة
وقيل: إنه لا غسل عليه ما لم يكن رأى جماعا أو أي وجه من وجوه الشبه بالجماع، أو يعلم أنها جنابة من الماء الدافق، ويجد أن ذلك فيه رائحة الجنابة، فإذا كان هكذا فوجد رائحة الجنابة، فاحتمل عنده أن يكون نطفة ميتة، فكان له في ذلك عذر حتى يعلم أنها من الماء الدافق، فمثل ذلك عندي وأهون، إذا وجدها يابسة سواء كانت على ذكره أو كانت على فخذه، أو على شيء من بدنه، أو كانت ظاهرة على ثوبه، واحتمل أن يكون ذلك ميتة أن يلحقه حكم ذلك، ويكون له العذر في معنى الحكم حتى يعلم أن ذلك
من
أن
خروج
هذا
الماء الدافق خرج منه وكذلك عندي إن احتمل عند وجوده لذلك في ثوبه، أو بشيء من بدنه يصيبه ذلك من غيره، وأنه يحتمل أن يكون من غيره، كان البلل، ولحق معنى ذلك في الاحتمال، على أي وجه من الوجوه في معنى الاعتبار، كان هذا عندي مما له فيه العذر من ثبوت الحكم عليه بوجوب الغسل، لأن ذلك الاحتمال يوجد الريب والشك الذي ينساغ معه وجود العذر من ثبوت الغسل عليه حين قيام هذا الاحتمال
وكذلك كل ما أشبه هذا وخرج بمثله كان عندي له فيه العذر عن وجوب
- 102 - (4/102)
صفحة 783
الحكم عليه بالغسل، إلا على معنى الاختيار والاحتياط، لأنه في معنى الحكم الأصلي لا يجب عليه الغسل إلا إذا وجد الشهوة الدالة على الجنابة، وصحب ذلك اندفاع الماء الدافق، ولكن كل ما وجد محتملا في الاعتبار عند أهل العلم ففيه معنى الاختيار والاحتياط، لأنهم حين يعتبروه وينظروه فإن ذلك إذا عرض لمن لا يحسن الاعتبار ولا النظر فتركه على غير نظر ولا اعتبار، ولا تعمد للباطل فيه، فيأثم بنيته، كان عندي موافقا لما يسعه، لأنه ليس على الناس أن يكونوا بما لا يلزمهم حكم العمل به أن يكونوا علماء كعلم الفقهاء بذلك، ما لم يخالفوا الحق بما لا يسعهم، سواء كانوا بذلك لم يركبوا محرما بترك لازم لا يسعهم تركه، أو كان بركوب شيء من المحارم لا يسعهم
ركوبه
- 103 - (4/103)
صفحة 784
/ (4/104)
صفحة 785
باب
عرق الجنب وريقه ورطوباته وما مس من شيء
المصحف
لا بأس بعرق الحائض والجنب، وكذلك حكم ما مساه من الرطب، ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، وعندي أنه يمنع عليهما مس وقراءة القرآن الكريم
ومعي
؛ أنه لا بأس أيضا بسؤ رهما من الشراب والوضوء، لاستعمالها في الشراب والرضوء، إلا أنه قد كره من كره سؤر الحائض للوضوء، وأما
الشراب فلا بأس
:
قال محمد بن المسبح: كله عندي واحد؛ الوضوء والشراب، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال لعائشة - رضي الله عنها -: «ناوليني الخمرة من المصلى» فقالت: إني حائض، فقال: «ليست الحيضة بيدك» فلا بأس بها عندي
لمعنى الأثر في ذلك
وإن غسل الرجل وامرأته من إناء واحد للجنابة، يتنازعان الماء
فلا بأس.
واحد.
قال محمد بن المسبح: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة يغسلان من إناء
وقيل: من غسل المريض الجنب، فعليه الوضوء، وذلك عندي إذا مس الأذى أثناء قيامه بذلك، فإذا كان لم يمس شيئا من الأذى أثناء وضوئه وغسله فلا نقض عليه.
-1.0 - (4/105)
صفحة 786
قال غيره: عندي أنه يخرج في معنى الاتفاق من قول أصحابنا، وأرجو
أنه كذلك من قول قومنا: إن عرق الحائض والجنب وريقهما وجميع ما مسهما من الرطوبة أو ما مساه، وما يخرج من أنفهما، وجميع ما كان مما يخرج منهما، أنه لا فرق بينه وبين الطاهر في ذلك من الرجال والنساء، أن ذلك كله منهما طاهر إلا ما مس من ذلك شيئا من موضع الأذى من النجاسة من دم أو جنابة، وكذلك سؤرهما من الماء، فالطاهر من شرابهما ووضوئهما يخرج عندي في معاني الاتفاق أنه طاهر جائز الشراب منه والوضوء والاغتسال، إلا سؤر الحائض من الوضوء عند الاستنجاء أو الغسل، فمعي أنه قد كره من كره من فضل سؤرهما وفضل وضوئهما من هذا الوجه، إلا من شرابهما للوضوء والغسل، ولم يكرّه للشراب وغير ذلك من الطهارات
ولا معنى عندي لذلك، ولا فرق بين ذلك في الوضوء ولا غيره، ذلك ولا يخرج عندي إلا على وجه التنزه، ويخرج ذلك عندي إذا كانت الحائض تتوضأ وتستنجي وهي حائض لم تطهر، لأنها لا تظهر في حين ذلك ولو توضأت ما دامت حائضا، وأما إذا طهرت كانت. هي والجنب معي بمنزلة واحدة، تكون طهارتهما بالماء ويتساويان في جميع الأحوال.
وإذا لحقها في هذا المعنى وفي هذا الفضل كراهية سؤرهما من الوضوء والغسل، كان الجنب عندي مثلها ومشبها، لها، ولكنه إنما يشبه عندي أن يخالفه في هذا الفصل ما دامت حائضا لم تطهر لهذا المعنى.
وكذلك يخرج في ظاهر اللفظ أنها حائض، لأنها في معنى اللغة إذا طهرت لا تسمى حائضا، ولكنها طاهر من الحيض، ويكاد يخرج معنى استنجائها ووضوئها ما دامت حائضا إلى معنى الكدرة، لأنها تخرج بذلك لها طهارة ولا تقصد فيه إلى التطهر كقصدها إلى ذلك إذا طهرت، فإن أشبه معنى كراهية عندي فلهذا الوجه، ولكنه إذا ثبت في الكراهية منه لهذا الوجه ثبت
-1.7. (4/106)
صفحة 787
كل شيء من الشراب والوضوء وغير ذلك من الطهارات، وإن أفرده مفرد في
معنى الوضوء للصلاة فليس ذلك ببعيد، لتعظيم أمر الصلاة
؛ ومعي
أنه قد يأتي في معاني أمر الصلاة، وفي أمر التنزه وتعظيمها ما لا يأتي في أمر الأكل والشرب، وما لا يأتي في سائر ذلك في أي وجه من الوجوه، وقد روي عن أبي علي موسى بن علي - رحمه الله سبحانه ـ، أنه دعاه ذمي إلى طعام، أحسب أنه قيل إن هذا الطعام كان من الرطوبات، من مثل الأطبخة وغير ذلك مما يشبهها من الرطوبات، فمعي أنه قيل إنه استحيى منه أن يرده، وأحسب أنه قيل إنه كان جائزا له، وكره أن يأكل طعامه، ويخرج ذلك على التنزه، ولا يحمل على التنجس به، لأنه لو تنجس به معناه لم منه فيما يرى أنه لا يسعه أن يفعله وهو غير جائز ولما كان استحيى
عندي
يستحي
منه
وقد بلغنا فيما بلغنا عنه، أنه قال لأصحابه وقد اتبعه فيما أحسب هو وأصحابه، فقال لهم: كلوا واتقوا ثيابكم، وأحسب أنه يخرج معنى تنقية
الثياب في معنى تأويل الحديث، أنه أراد بالاتقاء على الثياب لمعنى الصلاة وأنه أراد بالاستجازة في معنى الأكل، فكأنه جعل أمر الصلاة وأمر الطهارة للصلاة، يأتي لهما ولأمر أدائهما ما لا يأتي في غيرهما من المباحات كالطعام من الذمي، والذي رأى أنه يسعهم أن يأكلوا منه ولكن يحترزوا بالاتقاء لثيابهم لأمر الصلاة
وأما تناول الحائض شيئا من الأشياء من داخل المصلى من غير أن
تدخله، ما هو الموقف بالنسبة لذلك؟
معي
؛ أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلاف، علي أقول
منها:
- 1. V. (4/107)
صفحة 788
فمعي؛ أن بعضا كره لها ذلك لثبوت منعها أن تدخله، لما ورد في الأثر
6
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض: وما يؤيد ذلك من غيره مما ورد في الأثر يعضده، وكذلك فإن دخول يدها فيه، يكون فيه معنى الدخول فيه، في بعض ما قيل من أنها لو حلفت لا تدخل بيتا من البيوت ثم قامت فأدخلت يدها في ذلك البيت الذي حلفت على أن لا تدخله، فإنها بذلك تكون في حكم أنها قد دخلته، وبذلك تكون قد حنثت بإدخالها يدها فكذلك لو تناولت شيئا من المسجد بيدها فتكون بذلك كأنها دخلته، وذلك من باب أنه ينبغي أن ينزه المصلى وهواؤه.
ومعي
أنه قيل: إن بعضا لم ير به بأسا أن تتناول الشيء من المصلى والمسجد، وذلك بأن تجعل في المسجد شيئا من خارج، أو أن تأخذ منه شيئا داخله، من غير أن تمسهما؛ أعني المصلى والمسجد، ولا تمسهما بشيء من بدنها إلا بشيء واحد هو إدخال يدها في هوائهما، فإذا ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجازه، فهو أولى عندي أن يعمل به وأن نأخذ بما أجازه فيهما ثبت عنه.
من
وأما غسل المرأة وزوجها بالإناء الواحد، فلا معنى يوجد دليلا على منع
ذلك، بل ذلك خارج عندي في معنى الاتفاق بأنه جائز، من أي وجه من الوجوه كان غسلهما، سواء كان غسلهما في ذلك من جنابة، أو كانت هي من حيض وكان هو من جنابة، لأنهما بمعنى واحد، إذا كانت قد طهرت من الحيض، ولأنهما لا معنى يمنعهما عن التبرج لبعضهما بعض، إلا من معنى حسن الخلق والستر، فأما إذا كانت هي حائضا ثم لم تطهر، كانا كلاهما يتنازعان الإناء خارج عندي على معنى الكراهية، وذلك على معنى قول من قال بذلك، على حسب ما مضى ذكره في معنى التنزه من باب الاحتياط
وأما غسل الجنابة، فعندي أنه لا يوجد دليل على نقض الوضوء من
-1. A. (4/108)
صفحة 789
غسله، وذلك لثبوت طهارته بمعنى الاتفاق، إلا أن يمس الغاسل فرجا منه، أو تمسه منه نجاسة، أو ينظر منه فرجا، وكان هو ممن لا يجوز له النظر إلى فرجه أو ينظر منه عورته غيره، وهو ممن لا يجوز له نظر ذلك، فإن لحقه معنى نقض الطهارة بأحد هذه المعاني وما أشبهها، وأما معنى غسله للجنب معني لذلك عندي ولا يشبه من ذلك أي حال من الأحوال.
فلا
-1.9 - (4/109)
صفحة 790
/ (4/110)
صفحة 791
باب
الممنوعات على الجنب والحائض والمشرك من الدخول في المسجد ونحوه وقراءة القرآن وما أشبه ذلك
قيل: ما القول في جنب لم يجد الماء إلا في مسجد، هل يتيمم ثم
يدخل المسجد ليخرج الماء وبغتسل؟
قال غيره: معي؛ أنه قيل - فيما يشبه الاتفاق من قول أصحابنا -: إنه
لا يدخل الجنب المسجد إلا من عذر
وكذلك مثل هذا القول، يكون في معنى هذا الحكم على الحائض
والنفساء، مثل الجنب في معنى قولهم
وكذلك المصل الذي يتخذ للصلاة، فهو بمنزلة المسجد، لا يدخلها
أيضا الجنب ولا الحائض
ومعي؛ أنه في قول قومنا، أو في بعض قولهم إنه لا بأس بدخول الجنب
المسجد والحائض والمشرك
ومعي؛ أنه جاء عن النبي أنه قال: أدخل المسجد في أية حالة
كنت إلا أن تكون جنبا.
وقال الله - تبارك وتعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنمَا المُشْرِكُون نجم فلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِن خِفْتُمُ عَيْلَةٌ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله
-111 - (4/111)
صفحة 792
مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمُ) (1)
وقد قيل: إن منع المشرك من دخول المسجد الحرام، يشمل في معنى الحكم أن يمنع من دخول جميع المساجد، لأن حرمة هذه المساجد من حرمة
،
المسجد الحرام، ولأنه إمامها فتكون الأحكام الخاصة به في معنى أحكامها. وإذا ثبت أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام لمعنى ما في حكمه من معنى رجسه، وكان ممنوعا بذلك في المسجد الحرام، فيخرج في معنى الاستدلال أن المسجد الحرام، وغيره من المساجد مثله، وذلك لثبوته وثبوته معنى واحد، لقول الله - تبارك وتعالى -: إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) (2).
وقال تعالى: وفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالُ لا تُلهيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يُومَا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (3)
فثبت في هذه البيوت أن المقصود بها المساجد، لا نعلم في ذلك اختلافا، سواء كان المقصود به المسجد الحرام أو غيره من المساجد فمعناها واحد في التعظيم، وإن كان يختلف تعظيمها بمنزلة كل واحد منهما، بما عظمها الله - تعالى - بها، فإنها كلها واحدة مرفوعة مطهرة، فيخرج في معاني الاتفاق وما يشبه السنة ويستند إلى ما جاء في الكتاب الكريم، من أن المشرك ممنوع من دخول المساجد كلها، وأن الحرم كله مسجد، لقول الله - تبارك وتعالى -: قَدْ نَرَى تَقَلَبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلَّيْتَكَ قَبْلَةً تَرْضَاهَا فَول وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ
(1) الآية (28) من سورة التوبة. (2) الآية (96) من سورة آل عمران (3) الآيتان (36، 37) من سورة النور
- 112 - (4/112)
صفحة 793
أوتُوا الْكِتَابُ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقِّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (1). فثبت أن المقصود بالمسجد الحرام في قول الله ـ تعالى ـ؛ هو الكعبة وأن
الحرم كما قال الله - تعالى - يعتبر قبلة لأهل المسجد الحرام، وأنه لا صلاة لأحد إلا باستقبال الكعبة، وأن المسجد الحرام كله لأهل الحرم، وأن الحرم كله قبلة لأهل الآفاق، وأن ذلك الحرم كله مسجد، بدليل قول الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم متعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَت ومَنْ عَادَ فَيَنتَقمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامِ) (2)
فقد ظهر المقصود في جزاء الصيد، أن هديه يبلغ الكعبة، وثبت أن الكعبة مقصود بها الحرم كله، وأنه حيث ينحر الجزاء من الصيد، فالهدي والضحايا في المناسك إذا قدمت في شيء من الحرم، فقد بلغ بذلك الكعبة، وأنه يصبح مقربا في الكعبة، فلا يجوز أن يقرب أحد من المشركين إلى دخول الحرم، لثبوت قول الله - تبارك وتعالى -: {فَلا يُقْرَبُوا المسجد الحرام بعد عامِهِمْ هَذَا، فذلك التحريم قائم عليهم على الأبد
وكذلك حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المسجد النبوي في المدينة، وقد قيل فيه إنه مثل حرم الكعبة، وأن حرم الكعبة هو البيت الحرام الذي حرمه الله - سبحانه وتعالى ـ على لسان خليله إبراهيم، صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، وكذلك حرم المدينة المنورة حرّمه الله - تبارك وتعالى ـ على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأنهما حرمان جميعا بالسواء في ذلك، تحريم شجرهما وصيدهما، وكذلك فإن الجزاء الذي يقع على من ينتهك حرمة أي واحد منهما، جزاء واحد في ذلك، على ما جاء في ذلك من الحديث والخبر عن أهل العلم.
(1) الآية (144) من سورة البقرة. (2) الآية (95) من سورة المائدة.
- 113 - (4/113)
صفحة 794
ومعنا أنه إذا ثبت هذا، فما كان من جزاء في الحرمين جميعا، سواء كان جزاء صيد، أو قطع شجر أحدهما، فإن الجزاء هو تقديم هدي يبلغ به مهديه
الكعبة، وفق ما جاء في قول الله - تبارك وتعالى -: هديا بالغ الكَعْبَة وأن ذلك الهدي لا يكون إلى المدينة المنورة ولا ينحر في المدينة المنورة وإن كان جزاء عن صيد أو شجر فيها، لقول الله - تبارك وتعالى -: هديا بالغ الكعبة)، وهذا في معنى الحكم في جزاء الصيد، الوارد في كتاب الله ـ تعالى ـ، أما معنى حكم جزاء الشجر فقد ورد في السنة النبوية، حيث ورد في الأثر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك فيما ورد من إجماع أهل العلم في شجر الحرم الخاص بالكعبة البيت الحرام، وفي شجر الحرم الخاص بالمدينة المنورة: إذا ثبت حكمه وهو مشبه للحرم، والجزاء كله يكون إلى الكعبة، وكذلك كل ما يثبت هديا في جميع دين الله - تبارك وتعالى -، فإنما هو إلى الكعبة البيت الحرام، ولا نعلم غير ذلك، وإذا كان الحرمان - حرم البيت الحرام وحرم المدينة المنورة - جميعا حرمين، فكل حرم مخصوص بحكمه، وكل الهدي يكون جميعه إلى الكعبة وفقا لما قال الله - تبارك وتعالى -.
وإذا ثبت منع المشركين من دخول المساجد جميعا، وكان الاستدلال من ذلك واردا من كتاب الله - تبارك وتعالى ـ، وما أشبه ذلك من معاني السنة والاتفاق، وكان مثل ذلك أيضا معنى حكم الحائض والنفساء في نفس المسجد، فهما ممنوعان من الصلاة، لأن الحائض والنفساء أثناء الحيض والنفاس مانع من أداء الصلاة، وإذا كانت السنة في التعبد عليهما ترك الصلاة، وعلى ذلك فهما يشبهان في معنى هذا من المشرك، إذا ثبت فيهما، فإنه لا يطهرهما الماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يطهرهما الماء، وذلك يعني أن الحائض والنفساء مثلهما، وإذا ثبت في الحائض والنفساء لموضع ثبوت الغسل فيهما إذا طهرتا، وأنه لا يطهرهما الماء وإذ هما ممنوعان من الصلاة للمعارض لهما، أشبه ذلك في معنى الأقلف من أهل القبلة من الرجال
6
- 118 - (4/114)
صفحة 795
البالغين، إذا ثبت أنه يشبه في هذا الوجه معنى المشركين، وأنه لا يطهره الماء لشبهه بأهل الشرك، وقد مضى ذكره والاستدلال عليه في كتاب الطهارة من هذا الكتاب في موضعه.
"
وإذا ثبت هذا في هؤلاء بهذه المعاني أن يكونوا ممنوعين دخول المساجد، فالجنب مثلهم، وإن كان يطهره الماء فإنه نازل بمنزلة الحائض والنفساء، إذا أتى بالطهارة ولا تقوم بالنجاسة، وإذا استعمل التيمم في هذا الوجه، كان قد خرج من وجوه الإشكال إلى معنى الحكم، إذا لم يجد الماء فهو الطاهر، فلما لم يكن الماء الطاهر على الحقيقة والحكم، ثبت معنى التيمم إذا لم يجد الماء فإذا كان قد وجد الماء فقد لزمه معنى الحكم به عند وجوده على الحقيقة وقال بعضهم في المتلاعنين وما أشبههما بالولاية لهم في الحكم الظاهر. كل واحد منهم على الانفراد، وهو أشبه بمعنى الأصول في معنى ما قيل واضح، وعلى شبه هذا يخرج معنى الطاهر من المياه على نحو ما وصفت لك، على اعتقاد البراءة في الشريطة من مبطلهم، وولاية محقهم في الشريطة على القصد بذلك، فهذه الأقاويل عندي تخرج على هذه المعاني الصحيحة.
ومعي
وأما قول من قال: إنه لم يخلط كل واحد منهما في جميعهما حتى يعلم أنها كلها نجسة، ويتيمم بعد ذلك، فهو عندي أشد ما قيل في هذا الوجه، أن هذا قيل في معاني الأصول، إلا أنه ليس عليه أن يفسد الطاهر من المياه، ولو كانت هذه المياه الطاهرة له، وكذلك ليس له أن ينجسه إذا كان مباحا، فيتسبب في أن يجعله نجسا عليه وعلى غيره، لأنه قد تخرج طهارته في معنى الحكم في الضرورة وغير الضرورة، وإذا نجسه كله أبطل حكم الطهارة
منه
ولا يعجبني أن يكون يخرج في معنى الاتفاق ـ بحكم الاحتياط -
- 110 - (4/115)
صفحة 796
استعمال ذلك كله، ولا أن يكون يخرج في معنى الاتفاق لزوم التحري للطهارة منها، وإذا ثبت في معنى الاختلاف نجسا أن يتيمم لموضع الاشكال
منه؛ لم يكن قبيحا على هذه المعاني أن يزيل عن نفسه، معنى علة التحري.
"
6
علة الاحتياط، بالخروج من ذلك كله إلى معنى صحة حكم التيمم ومعنى ليزول معنى حكم الاحتياط عنه وحكم التحري، وكما كان له جائزا مباحا أن يتلف ماله في معنى الاختيار، من غير أن يضطر إلى شيء في معنى يتلفه، ما لم يکن معصية من شهوات نفسه، وغير شهوات نفسه من أمور الفضائل
وما يرجو فيه من الطاعة، ما لا يلزمه فيه مثل هذا الحال من الاضطرار.
،
كذلك فإنه ليس بقبيح أن يتلف من ماله هذا، إذا لم يستحل إلى حال الضرورة التي تبلغه ليزول عنه حكم التحري وحكم الاحتياط بصحة إجازة التيمم له، لعدم ذلك عنده، وكذلك في الماء المباح قد يكون فيه من معنى الاختيار مثل ما يكون في ماله، وليس فساد المياه عنده هو إذا غاب علمها عن غير حجة على غيره، إذا كانت في الحكم طاهرة حتى تصح نجاستها، فقد يخرج في معنى هذا القول متعلقا حسنا غير قبيح، ولا يثبت بطلانه، وقد تنساخ إجازته عندي
ويعجبني استعمال التحري للماء الطاهر منها، والتيمم بعد ذلك، لثبوت معنى التيمم عند عدم الماء الطاهر، ولاشكال أمر صحة الماء الطاهر
في هذا الوجه
وكذلك استعمال الاحتياط بالتطهر من المياه على حسب ما مضى ذكره، مما يخرج له في الاحتياط مع التيمم، والتيمم من غير أن يخلط المياه في بعضها بعض، إلا من خلطها على وجه تمنع الاحتياط في التطهر بها.
وليس بقبيح عندني خلط المياه لمعنى ما وصفت لك، فافهم معاني
-117 - (4/116)
صفحة 797
ما قيل في هذه، وكل هذه الأقاويل عندي إنما يخرج تأويلها على صحة نجاسة
المياه عند من ينجسها بوجه من الوجوه التي تنجس بها المياه.
ويخرج هذا مما. عندي
مما يشبه معناه، قول من يقول: إن الماء ينجس
بمماسة النجاسة له، دون أن يغلب عليه، ويستولي حكمها بلون أو طعم أو عُرف، على قول من يقول بالعُرف.
وأما على قول من يقول: إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، فإذا وجدت هذه المياه غير متغيرة ولا متغير شيء منها، فكلها في الحكم طاهرة حتى توجد متغيرة، ويصح فسادها بقول من يكون قوله حجة، أنه قد جاء فيها أو في شيء منها من النجاسة أكثر من الماء، مما يمكن فيه القول إنه يخالطها من النجاسة أكثر منها، وأنه لا يغير لها لونها ولا طعمها ولا ريحها.
فإذا احتمل هذا فإنه يخرج فيه القول بالشهادة لا على المعاينة.
ومعي
C
؛ أنه ما لم يخرج الماء. من أحد هذه المياه، أو من غيرها غالبا عليه
أحد معاني استهلاكه بلون أو طعم أو عُرف، على قول من يقول بذلك
،
من
فلا تصح فيه النجاسة بالاتفاق، ولو قال فيه من قوله حجة من الثقاة الاثنين فصاعدا أنه نجس ما لم يفسروا نجاسته بوجه تصح نجاسته من معنى الاتفاق، لاختلاف القول في نجاسة الماء، وقد يمكن أن يقول الثقاة أنه نجس في معنى ما يذهبون إليه أنه ينجس، ما لا ينجس في الاتفاق، والموضع ما يجوز أن يكون يتنجس ذلك الماء مع من قال إنه نجس بمعنى الاختلاف، وليس في الاتفاق، فيكون قول القائل أنه نجس صدق معه وحق، بلازم الحجة فيه بمعنى الاتفاق لأصل طهارته، والاختلاف في معاني نجاسته فهو طاهر بمعنى الاتفاق طهور في الأصل حتى يصح أنه نجس أو متنجس، أو تنجس يكون بحجة في معنى الاتفاق أنه نجس بذلك، أو في معنى الاختلاف، وكذلك في الأصل من جميع الطهارات، المحكوم له بالطهارة في
وليس
6
- 117 - (4/117)
صفحة 798
مع
الأصل والشهادة فيه وعليه، ممن تقوم به الحجة في القول إنه نجس، أينجس أو متنجس فأصله قائم على حكم الطهارة أنه من الطهارات، لا يصح القول فيه إنه نجس ولا متنجس، بقول القائل فيه أنه نجس أو متنجس، أو ينجس أو نجس أو رجس لموضع احتيال صدق القائل بأنه تنجس بما لا يكون في الاتفاق أنه ينجس، والموضع جواز الاختلاف فيما ينجسه، وثبوت ذلك على معاني الحق حتى يفسر القائل بما ينجس فيخرج بمعنى ما تصح نجاسة التفسر مع الشهود معه، بما يذهب بفساده بمعنى الاختلاف، أو يخرج بمعنى الاتفاق نجسا مع التفسر، فتقوم به الحجة حينئذ، ولا تسع مخالفة حكم الاتفاق إذا صح حينئذ بعلم ولا بجهل، كذلك كل شيء من الحلال من الفروج والأموال، شهد فيها الشهود وعليها أنها حرام، ولم تفسر البينة من أي وجه حرام، لم تقم بذلك الحجة في معنى الحكم عندي، بقطع عذر الشهود عليه، ولا محكوم عليه بحرمته ولا بإزالته من يده، إلا حتى تفسر البينة ما تلك الحرمة، ومن أي وجه حرام الاحتمال حرمة ذلك في معنى الاختلاف، عند البينة بما يذهبون إليه، ولموضع إذ يحتمل أن يكون ذلك حراما على الشاهد، في معنى الاعتقاد بحكم خاص، وعندي أن ذلك لا يكون حراما في معنى الحكم عند المشهود عليه، وذلك لأنه يكون الموضع جهل الشاهدين في مواضع الحرمة
وكل شيء يكون على أصله فهو ثابت فيه حكمه، سواء كان على أي وجه من الوجوه، من طاهر أو من حلال، حتى يصح فساده أو يصبح ليس
حلالا بحال من الحال.
ومعي
؛ أنه لا ينتقل في كل هذه الأشياء، حكم الشهود عن حالتهم، ولا تحولهم على ما كانوا عليه من ثقتهم ولا من ولايتهم، وهم في ذلك على حالتهم، ولا تقوم الحجة بشهادتهم، فافهم معاني ذلك كله إن شاء الله
- 118 - (4/118)
صفحة 799
تعالى
وعندي؛ أنه في معاني أحكام الأصول أنه لو شهد شاهدان على رجل
،
وأثبتا أن هذا المال الذي يستقر في يده إنما هو حرام، أو شهد الشاهدان عليه أن زوجته هذه ـ وحددوها - عليه حرام، أو شهدا أنه قد كانت وقعت بينهما حرمة، ولم يقيما ما يفيد أنهما يفسران البينة التي تفيد هذه الحرمة، ولم يقيما ما يفسر البينة على هذا الحرام، لم تكن بذلك البينة في مثل هذا حجة في
الأحكام.
وكذلك لو قذف وشهد عليه من شهدوا بهذه الشهادة، وكان المشهود عليه والشهود في مثل هذا وأشباهه، مما يحتمل منه مخرج المشهود عن القذف، وللمشهود عليه عن ثبوت الحجة، لاحتمال ذلك بوجه من الوجوه، فلا يحكم على المشهود عليه بمكفرة، ولا بإخراج. ذلك من يده، سواء كان ذلك من زوجة أو من مال، حتى تفسر البينة، كيف يكون ذلك الحال، وحتى تقوم بقولهم الحجة مفسرة، ويكون الحكم فيه على معنى التفسير، من حكم الرأي أو الدين أو الخاص أو العام
وإذا ثبت معنى هذا في الحرمة المحتمل أمرها، ثبت في شهادة
الشاهدين عليه بطلاقها، وأنهما أقرا في شهادتهما عليه أنه طلقها، أو أنه بارأها، أو يشهدان أنه ظاهر منها، أو أدركا بشهادتها أنه الى منها، مع فهمهم لمعنى الإيلاء، فإذا لم تفسر ذلك باللفظ الذي يصح معناه في الحكم على معنى ما يخرج فيه، قطع حجته، وتقديم ما يفيد فساد ذلك
وحرمته
الاتفاق
ومعي؛ أنه يخرج في معاني الاتفاق في الأحكام، أنه من معاني ذلك
، أن الحائض حكمها في جميع الأشياء نفس حكم الحائض طوال فترة بقاء الحيض، حتى تغتسل الغُسل الذي يبيح. لها الصلاة، وحتى تكون طاهرة
- 114 - (4/119)
صفحة 800
بما يبيح في وطء زوجها لها، وحتى يحتسب ذلك في انقضاء عدتها، وفي جميع معاني أحكامها هي بمنزلة الحائض، في كل أمر من هذه الأمور لا يطبق منها شيء من أحكام الطهارة، ولا فيها حتى تغتسل
•
وكذلك النفساء مثل الحائض في معاني الاتفاق من قول أصحابنا، فلما
ومعي
،
أن كان ذلك هكذا فإن الحائض والنفساء تجرى عليهم معاني أحكام واحدة لأن أساس أحكام الطهارة لكليهما واحدة، وهما أثناء فترة الحيض وفترة النفاس، ممنوعتان من كل الأشياء التي تقوم بها كل منهما حال طهرهما؛ أنه بالنسبة للحائص والنفساء، حكمها وحكم الجنب في هذا الفصل، في حالة انتهاء صفتي الحيض والنفاس، إذا طهرتا لثبوت الغسل فيهم كلهم، ولمنعهم جميعا من الصلاة ومن غير ذلك في معاني الأحكام الخاصة بكل منهم، إلا بعد الغسل بعد وجود الماء، أو بعد التيمم عند عدم فعندي أنهم نزلوا كلهم في هذا الفصل بمنزلة واحدة في معنى الاتفاق، فلما تساووا في هذه المنزلة، كانوا في قول من قال إنهم يتساوون في معنى حكم الأقلف والمشرك، بمعنى أنهم جميعا يثبت عليهم الغسل، فيهم كلهم، فكان هذا دليلا على أن منعهم من دخول المسجد أمر ثابت، إلا من عذر بمعنى يشبه معاني حكم الكتاب والسنة والاتفاق.
وجود
الماء
ومعي
،
؛ أن معاني هذه الأحكام، ليست هي من القول الذي نقول به عندنا، بل إن ذلك كله من معاني حكمه تعالى لقوله في كتابه الكريم، في حكم المشركين من جهة اقترابهم من المسجد الحرام، قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، فثبت بذلك أنه قد حرم على المشركين الاقتراب من المسجد الحرام إلى
الأبد
وقد قال تعالى أيضا تثبيتا لهذا المعنى، وأن المشركين في معنى حكم
- 120 - (4/120)
صفحة 801
تطهير البيت الحرام من رجسهم، ورد في كتاب تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخذوا من مقامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهَرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)
فقد أمر الله إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام ـ، أن يطهرا البيت الحرام من الأصنام والمشركين للطائفين والركع السجود، وهؤلاء كلهم الممنوعون من المشركين وغيرهم، غير الركع السجود في حالهم هذا إلا نقض الطهارة، فهم ممنوعون من ذلك لأن الركع السجود يكون وصفهم ذلك لهم وهم في الصلاة، ولا صلاة إلا بطهارة.
وكذلك كما يمنع المشركون من دخول المسجد الحرام، فإن الطواف والاعتكاف في المساجد، في معنى أحكام الطهارة لا يكون ثابتا ولا جائزا من حائض ولا نفساء ولا جنب إلا بعد الطهر والتطهر، فهم ممنوعون من كل ذلك، لأنه من موجبات طهارة المساجد
ومعي
؛ أنه من معاني أحكام ذلك، فقد ثبت أن المشركين وغيرهم ممن ورد النص بمنعهم وهم الحائض حتى تزول حالة هذا الوصف والتطهر منه وكذلك النفساء حتى تطهر من النفاس، والجنب حتى يزيل الجنابة بالغسل، والأقلف من البالغين من الرجال حتى تزول عنه تلك الصفة، كل هؤلاء لا يدخل أحدهم مسجدا من المساجد إلا بعد الطهارة، وكذلك لا يدخل المصلى المتخذ للصلاة، لأنه في حكم المسجد لأنه بمنزلة المسجد، فهما منزهان
،
مطهران - بأمر الله تبارك وتعالى - مطهران من دخول جميع هؤلاء كلهم. وكذلك يعتبر كل واحد منهم ممنوعا من دخول المسجد إلا من عذر، وذلك كخوف من ضرر على أحد منهم يقع على نفسه أو خوف يقع على ماله، أو خطر
يقع على دينه، فإن كل ذلك يقع موقع جواز التقية
(1) الآية (125) من سورة البقرة
•
- 121 - (4/121)
صفحة 802
ومعي
؛
أنه في العذر الذي يبيح الدخول في مثل كل ذلك، هو أن هذا الجنب مثلا لا يجد الماء للغسل أو للشراب إلا أن يكون ذلك الماء في المسجد، فإنه في هذا الوجه، يقوم له العذر في دخول المسجد للحصول على الماء، ولكنه عندي لا يدخل المسجد إلا بعد التيمم بالصعيد، وكذلك الحائض في حالة ما إذا كان يعلق بها ذلك الوصف، فإنها لا تدخل المسجد إذا كانت لا تجد الماء للغسل إلا في المسجد، فإنها تجد العذر في دخول المسجد، لأن ذلك شيء يلزمها فيه الضرورة، وبذلك يصبح جائزا لها أن تدخل المسجد، ولكن ذلك لا يجوز إلا بالتيمم بالصعيد لتصل إلى غايتها من الحصول على الماء الموجود في داخل المسجد، ليتم لها الغسل.
ومعي
؛ أن
معنى حكم الحائض، يكون أيضا واقعا موقع جوازه للنفساء، إذا كان دخول المسجد لشيء يجب عليها، أو يكون لشيء يلزمها فيه الضرورة أيضا، فإن ذلك جائز لها كما يجوز لأمثالها الحائض والجنب ولا يجوز عند عدم الماء شيء مما لا يجوز إلا بالطهارة للماء إلا بالتيمم بالصعيد، فإذا عدم هؤلاء جميعا الماء، واحتاجوا إلى دخول المسجد لعذر، لم يجز ذلك إلا بعد التيمم بالصعيد في موضع ما ثبت أنه موضع التطهر، وأنه لا يدخل المسجد إلا متطهر، فإذا كان الماء في المسجد وأراد الجنب أخذه ليتطهر به، ولم يمكنه الحصول على ماء سواه، فمعي أنه قد قيل يتيمم ويدخل المسجد لأخذ الماء للطهارة.
ومعي؛ أنه في معنى حكم دخول الجنب أو الحائض أو النفساء المسجد الذي لا يوجد الماء إلا في داخل المسجد، وأن الواحد منهم لا يجد ماء للغسل إلا ذلك الماء الموجود في داخل المسجد، فإنه معي أنه إذا بلغ الواحد منهم إلى الماء الموجود داخل المسجد إذا وجد له عذر ضرورة وتيمم على قول من قال بذلك، فإنه إذا وجد الماء وقدر عليه، وقدر على التطهر به والاغتسال به، من غير مانع يمنعه، فإنه بذلك يكون قد انتقض تيممه، إذا وجب عليه
- 122 - (4/122)
صفحة 803
الغسل، وذلك في معنى حكم من ينتقض تيممه للصلاة، إذا قدر على الماء
بالوضوء.
أنه؛ ومعي
إذا كان قد دخل المسجد، للحصول على الماء الموجود داخل المسجد، وكان قد تيمم لوجود عذر اضطره إلى دخول المسجد جنبا، فإن كان لا يمكنه الغسل في المسجد، إذا وصل إلى الماء الموجود داخل المسجد، ولكن منعه عنه مانع لعذر بين، فاحتاج أن يرجع في المسجد عائدا بالخروج بالماء، أو أراد أن يجتاز بالماء في المسجد إلى موضع يتطهر فيه منه، فمعي أنه يخرج عند العذر أنه على تيممه، وعلى ذلك فإن تيممه لا ينتقض حتى يقدر على التطهر، كان ذلك مما لا يقدر على التطهر به وإن وجد الماء وكل ماء لم يقدر على التطهر به، بأي وجه من الوجوه، وكان متيما لأي معنى من المعاني، فهو يكون على تيممه، ولا ينتقض تيممه إلا أن يحدث حدثا مما ينقض الطهارة أو الوضوء، أو يجد ماء يقدر على التطهر منه، فإذا كان منه أحد هذين الأمرين انتقض تيممه، بمعناه ذلك الذي أراد به له، أو
خوطب به له.
ومعي
؛ أنه قيل: لو أصابته الجنابة في المسجد، حين يكون نائما فيه، فإن أصابته الجنابة، أو لم يعلم أن الجنابة أصابته حتى علم بها في داخل المسجد، أو إذا كان قد ثبت له حكم الجنابة بأي وجه من الوجوه، الذي يتأكد به أن الجنابة أصابته، فإنه عندي على قول من قال: إنه ليس له أن يبقى في المسجد أو يقعد فيه، وليس له أن ينام فيه بعد أن ثبت له أنه قد أصابته الجنابة. وعندي أنه يجب عليه أن لا يلبث في المسجد بعد علمه بالجنابة وعليه الخروج منه إلا من عذر يكون له في ذلك، من نحو خوف على نفسه، أو توقع وقوع ضرر على ماله، أو خوف تأثير على دينه، أو ضرر يخاف من ذلك من برد أو حر أو مطر، أو أي وجه من وجوه الضرورة.
6
- 123 - (4/123)
صفحة 804
ومعي
؛ أنه قيل: إنه لا بأس أن يقعد في موضعه، ولو لم يكن مضطرا بعذر من الأعذار التي تلجئه إلى ذلك، ما لم يكن يمشي في مسجد، فإذا أراد المشي في المسجد، والتحول عن موضعه لم يكن له ذلك حتى يتيمم، إذا لم يجد الماء ولم يقدر على الانتظار لحين توفر الطريقة التي يزيل بها الجنابة بالغسل.
أنه قد قيل: لو أراد الخروج، إن أصابته الجنابة داخل ومعي
؛
المسجد، لم يكن يجب عليه تيمم، إذا لم يجد الماء، وإنما يكون عليه التيمم إذا لم يجد الماء إذا أراد الدخول في المسجد، ولكن ليس عليه ذلك إذا كان داخله وأصابته الجنابة وأراد الخروج منه.
ومعي؛ أنه قيل: إنه ليس عليه التيمم إذا أراد الدخول في المسجد مجتازا، إذا كان لا يريد القعود فيه والمكث، وذلك إذا كان القصد من دخوله المسجد أن يكون فيه عابر سبيل، حتى يمكنه أن يتخذ طريقه إلى أن يغتسل فيه، وذلك في معنى حكم قول الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سبيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا .. ) (1) الآية
ففي بعض التأويل؛ أن معنى قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة؛ معناها هاهنا دخول المسجد، فكأنه أنزل الدخول فيه منزلة الصلاة فيه، وجعل دخول المسجد لعابري السبيل فيه لكي يغتسلوا، فكان دخول المسجد بمنزلة الصلاة، إذا كان الدخول فيه للقعود، وليس لكون الداخل فيه من
عابري سبيل فيه
ومعي
؛ أنه قد قيل: إن هذا يكون في الصلاة خاصة، وإن دخول المسجد؛ سواء كان للصلاة أو لغير الصلاة، وسواء كان للقعود فيه أو لغير
(1) جزء الآية (43) من سورة النساء
- ITE- (4/124)
صفحة 805
المسجد
من
منهم
القعود، وسواء كان لا يدخله ولا يقعد فيه ولا يمشي فيه، لا داخلا ولا خارجا منه، أي واحد من هؤلاء الذين منعتهم صفة كل منهم من دخول، من جنب منعه لزوم التطهر من الجنابة بالغسل، والحائض التي منعت من دخول المسجد بالأثر، حتى تتطهر بالاغتسال، وكذلك النفساء، مطلقا والمشرك الذي يمنع دخول المسجد بما ورد في كتاب الله، والأقلف الذي يمنع عن دخول المسجد ما دامت تلك الصفة ملتصقة به، كل أولئك ممنوعون من دخول المسجد إلا لعذر حتى يتطهر كل واحد منهم من حال ذلك الذي هو مانع لهم من دخوله، فإن لم يقدر أحد. على معنى الطهارة ممن هو متعبد منهم بالطهارة، وممن هو تلزمه الطهارة وينفعه التطهر كالجنب والحائض والنفساء، فعدم تمكنه من الطهارة في وقته، يثبت عليه معنى التيمم بدلا عن الطهارة بالماء، عند عدم الماء، سواء كان لزوم التيمم له وجب عليه بسبب قصده إلى القعود في المسجد، أو كان ذلك لخروجه منه إذا كانت إصابته بالجنابة فيه، أو لدخوله فيه للحصول على ماء في داخل المسجد ولا يجد غير هذا الماء الموجود في داخل المسجد وقام له عذر اضطراري في دخول المسجد للحصول على الماء الموجود فيه ولا يوجد غيره، أو كان ذلك لقصد نومه فيه واستقراره فيه، لأي وجه من الوجوه بعذر، وأنه لا يثبت له شيء من ذلك إلا بعذر ولا مع العذر إلا التيمم إن أمكنه ذلك إلا من عذر يمنعه عن التيمم، بأي وجه من الوجوه، إذا كان لا فرق في ذلك في دخوله ولا خروجه منه، ولا قعوده فيه، بعد أن لزمه ذلك فيه، ولا بعد أن لزمه في غيره ودخله ناسيا، أو لم يكن يعلم به حتى دخله، ومن حيث وجب عليه ذلك، كان عندي مخاطبا بالخروج منه إلا من عذر، فإذا كان له عذر، لزمه مع العذر الماء للطهارة، لأنه في معنى حكم الأصول في المسجد أنه
التيمم عند
عدم
لا يجوز أن يستقر فيه ويمكث إلا طاهرا.
وكذلك معي؛ أنه إذا أراد الخروج من المسجد، بعد أن علم أنه كان
- 125 - (4/125)
صفحة 806
قد أصابته الجنابة، أو عرض له ذلك فيه بأن أصابته الجنابة في داخل المسجد، فإنه على أي حال من هذه الأحوال يلزمه التيمم، لأنه في معنى
حكم الطهارة للمسجد، أن السالك فيه لا يسلك في شيء منه إلا متطهرا ومعي؛ أنه لو أن امرأة دخلت المسجد على طهارة، ثم حدث وهي مستقرة فيه أنها حاضت في المسجد، وكانت قد دخلت فيه وهي على طهارة، أو حدث لها أن تنجست فيه وقد كانت طاهرا، أو أنها احتاجت للدخول فيه لعذر، أو على أي وجه من الوجوه، أو كان لهما عذر في القعود فيه والبقاء، بعد أن حدث لهما ذلك فيه، فعندي في كل هذه الحالات على أي وجه كان من تلك الوجوه، أنه زائل عنهما حكم التيمم، وواسع لهما تركه، فإن توسعتا بدخولهما فيه لعذر وقعودهما فيه لعذر بغير تطهر، ولوجود الماء فيه أو في غيره، وأمكنهما التطهر بذلك الماء، أو لم يمكنهما الماء وأمكنها التيمم، إن كانا غير مخاطبين بالتطهر في حين ذلك، وذلك لأنهما في هذه الحالة لو أنهما تطهرتا لم ينفعهما التطهر بالماء ولم تطهرا، فإذا كان لهما عذر في دخولهما للمسجد، أو قعودهما فيه، كان لهما ذلك بغير تطهر، للعذر العارض، ما لم تطهرا من الحيض والنفاس، فإذا طهرتا من الحيض والنفاس كانت بمنزلة الجنب في معاني ما مضى كله الذي ذكرناه.
وإنما زال عنهما حكم التطهر والتيمم لموضع أنه لا ينفعهما التطهر، ولا يطهرهما الماء عن حال حكمهما.، وإن كان لا معنى لطهارتهما ولا تيممهما، وكانتا ممنوعتين من دخول المسجد إلا من عذر، فإذا ثبت لهما
العذر لم يلزمهما حكم التطهر إذ لا ينفعهما.
:
وأما المشرك والأقلف فمعي أنه في معنى حكم كل منهما على قول من يقول: إنه يطهرهما أنه الماء في حالهما، وينتقلان إلى معنى الطهارة، لطهارة
جسدهما إذا تطهرا
- 126 - (4/126)
صفحة 807
ومعي؛ أنه يلزمهما معنى التطهر عند دخول المسجد للعذر الذي
لهما (1)، وإن لم يمكنهما الماء فالتيمم يقوم مقام الغسل!! لمعنى ثبوت الطهارة فيهما، ولثبوت العذر لهما في الدخول، وأنه يجب عليهما أن لا يدخلا
إلا متطهرين! وإذا ثبت هذا؛ على هذا القول فيهما، كان في معنى الحكم في الأصول بمنزلة الجنب من جميع ما مضى ذكره معي، في دخولهما وخروجهما ومكثهما وقعودهما. ويعجبني ذلك عليهما، لأنهما مخاطبان بالخروج مما هما فيه؛ بالإسلام بالنسبة للمشرك، لأنه في معنى الأصل مخاطب بالإسلام، وبالختان بالنسبة للأقلف، لأنه وقد أسلم مطالب و مخاطب بسنن الفطرة التي يلتزم بها المسلم، وكان التطهر من الأمور اللازمة لهما في الوقت، للانتقال عن حالهما لأنهما لو انتقلا عن حالهما في الوقت بالاسلام والختان، لكانا منتقلين به إلى حال الطهارة، ولكانت الطهارة بذلك تنفعهما، وذلك بعد انتقالهما عن حالها الشرك إلى الإسلام، ومن القلفة إلى الختان، ولأن ذلك من تركها لذلك من فعلهما في أنفسهما
من
،
في
ومعي؛ أن المشرك والأقلف مخاطبان بالخروج مما هما فيه ذلك من دينهما، فأشبه ذلك معنى ثبوت ذلك فيهما، أن يلزمهما عند العذر لهما في الدخول، أن يلزمهما حكم التطهر بالماء، أو حكم التيمم إن لم يمكنهما الماء لأشباهما في هذا الفصل، وهم الجنب والحائض والنفساء، إذا طهرتا من
مخاطبتهما بالانتقال. عن ذلك الحال من ثبوت الطهارة فيهما بالاتفاق عند انتقالهما
عن
ذلك
•
ومعنى الاختلاف في طهارة بشرتيهما بالماء بالنسبة للمشرك والأقلف
(1) نعتقد أن المشرك لا يقوم له أي عذر شرعي يبرر دخوله المسجد، بعد أن ثبت النص من القرآن الكريم بعدم دخوله المسجد مطلقا بما لا يحتمل التأويل، ويكون العذر قائما للأقلف الذي أسلم ريثما يزيل العارض الذي يجعل دخول المسجد عليه مشروطا.
6
- 127 - (4/127)
صفحة 808
وثبوت نقلهما من الحال التي كانوا عليها إلى حال الطهارة منهما، في معنى زوال رجسهما، وثبوت الاتفاق أن ذلك ليس في معنى حكم الحائض والنفساء ما لم يطهرا، فكان ذلك في المشرك والأقلف بما يشبه معناه في الجنب والحائض والنفساء إذا طهرتا دون الحائض والنفساء ما لم يطهرا، لمعنى ما ذكرنا فيهما عند وجوب العذر لهما في دخول المسجد، كأن تكون الحائض قد دخلت المسجد على طهارة، وأصابها الحيض وهي داخل المسجد، أو أصابها أمر من الخوف على النفس أو المال اضطرها إلى أن تدخل المسجد بعذر، ومع فقد قلنا، على قول من قال: إنها مع قيام العذر يلزمها أن تتيمم لحين توفر ما يخرجها من الحال الذي يلزمها إلى الاغتسال والتطهر، وكذلك النفساء في معنى حكم الحائض في كل ما ذكر.
ومعي
ذلك
؛ أنه يخرج في المشرك والأقلف؛ على قول من يقول: إن الماء لا يطهرهما، ما لم يُسلم المشرك، ويختتن الأقلف، فإذا ثبت ذلك فلا يزيدهما الغسل إلا نجاسة، وأن كل ماء مسهما من ماء الغسل نجساه، وكان ذلك بمعنى أن مماسستها نجس، فيجب أن يُمنعا عن الغسل على هذا القول، في حين دخولهما المسجد لئلا ينجس المسجد، مع منعهما من دخوله في الأصل، ولو لم يكونا ينجساه فيكونا ممنوعين من ذلك بوجهين، وعلى هذا القول ثبت عليهما معنى التيمم، إن دخلا المسجد لعذر، دون التطهر بالماء لهذه العلة، إلا أنه إن كان في الامكان تطهيرهما وجفافهما عن الرطوبة قبل أن يدخلا المسجد، وكان ذلك مما يؤمر به فيهما على معنى قول من قال بذلك
المسجد
•
وأما التيمم بالصعيد الطاهر، فمعي أنه كان قد ثبت فيهما عند دخول
، بمعنى الاتفاق أنه إذا كان ذلك التيمم يقوم مقام الطهارة بالماء
6
وذلك إذا كان الماء يطهره، فإذا لم يكن الماء يطهره بمعنى ما سبق، وثبت
معنى المخاطبة، فالتطهر والتحول منهما إلى حال حكم التطهر فيما ثبت التطهر
- IYA- (4/128)
صفحة 809
بالماء زائلا لعذر، ثبت عند ذلك معنى التيمم بدلا عن الماء، في معنى التطهر، وليس كذلك في الحائض والنفساء قبل أن تطهرا، فافهم ذلك إن
شاء الله تعالى
- 129 - (4/129)
صفحة 810
/ (4/130)
صفحة 811
باب
من ترك شيئا أو علق به شيء
قيل: إن الجنب في غسله من الجنابة، إن كان قد ترك شيئا قد علق على
من
ذلك
شيء من بدنه، مثل أن يكون ذلك الشيء قارا، أو يكون غير ذلك الأشياء التي تلصق بالبدن، وكان ذلك بحيث يحول ذلك الشيء بين الماء وبين ذلك الموضع من البدن، فإنه يكون قد وجب على الجنب أن يقلع الشيء الحائل، ويغسل موضعه، وعليه إعادة الصلاة إن كان قد صلى، وإن كان الشيء الذي لصق بالبدن رقيقا، بحيث يمكن أن يكون بقدر ما يصل الماء إلى الموضع فلا بأس، لأنه بذلك يطمئن إلى أن ذلك الشيء العالق بالبدن لم يحل بين الماء وبين غسل الموضع، ويكون بذلك قد تم غسل جميع البدن بما فيه الموضع المغطّى
وفي بعض الآثار ما يفيد بأنه إن كان ذلك الشيء الذي لصق، قد كان في حجمه أقل من ظفر، فلا بأس من أن يصب الماء على الموضع العالق به، ويجزئه ذلك، وعندي أنه في معنى الحيطة وإزالة الشك، أن الرأي الأول القائل بأنه يقلع ذلك الشيء ويغسل موضعه، يعتبر أحب إلي ويعجبني.
ومن غيره؛ قلت: فإن كان سقط سمك، وكان قد اغتسل من الجنابة وتوضأ للصلاة، وبعد أن أتم الغسل وتوضأ للصلاة قام فصلى، ثم بعد ذلك وجدها، هل عليه بأس في صلاته أم لا؟
قال: إن كان جنبا، وكان غسله الذي قام به، كان بقصد التطهر لازالة الجنابة، ثم وجد ذلك على شيء من بدنه، فإنه يجب عليه غسل
- 131 - (4/131)
صفحة 812
موضعها، وعليه على ذلك أن يعيد الصلاة بعد أن يكون قد غسل الموضع غير أنه إن لم يكن جنبا حين اغتسل، وكان قد توضأ للصلاة وصلى، فلا بأس
عليه ولا يعيد ما كان قد صلى، مادام كان قد توضأ للصلاة
قلت: فإن كان قد علم بوجودها على بدنه قبل الصلاة، وقد كان جنبا أو توضأ للصلاة؟
قال: إن كان كذلك واغتسل عن جنابة، وعلم بذلك الشيء قبل
الصلاة، فإن عليه أن يغسل موضعه ويبدل.
قال أبو الحواري - رحمه الله -: قال بعض الفقهاء: إن كان موضع ذلك القار وسقط السمك أقل من الظفر، فإنه يغسله، ولا نقض عليه في صلاته، سواء كان جنبا أو غير جنب
ذلك
قال غيره: معي؛ أنه قد قيل في مثل هذا: إذا كان ذلك الشيء يحول بين البدن والغسل، على معنى ما وصفت لك في الاعتبار والنظر، سواء كان من قار أو سقط سمك أو غيره من الأشياء الحائلة بين البدن والغسل، على حد ما قيل إنه يثبت به الغسل، فغسل ناسيا لذلك الموضع، وكان قبل أن يغسل لم يعلم أن عليه شيئا مما يحول بينه وبين الغسل، ثم بعد أن غسل وأتم الغسل علم بعد ذلك أن ذلك الشيء حال بينه وبين إيصال الماء إلى ذلك الجزء من البدن، أو كان قد ذكر ذلك بعد أن اغتسل، فإن كان قد صلى وكان ذلك. من وضوء أو غسل، وكان ذلك الموضع الذي رآه أقل من مقدار ظفر، فإنه على قول من يقول بذلك ليس عليه إعادة الصلاة، إذا كان قد أداها بعد وضوء أو غسل من الجنابة، سواء كان ذلك من الغسل من الجنابة في مواضع الوضوء، أن عليه هذا مما يستقبل من الصلاة أو في غير مواضع الوضوء
،
وسواء في ذلك كان المتوضئ جنبا أو غير جنب، ففي كل ذلك لا إعادة عليه
132 - (4/132)
صفحة 813
فيما مضى من الصلاة على هذا، وعليه إخراج ذلك إن لم يكن من عذر وغسل
ذلك الموضع إن كان جنبا لما يستقبل من الصلاة
وكذلك يكون الأمر في الوضوء، فيما يستقبل من الصلاة، ولا أعلم في ذلك اختلافا أن عليه هذا فيما يستقبل من الصلاة، ولو لم يكن عليه بدل ما مضى مما صلى به، إذا كان أقل في قدره من مقدار الظفر
؛ ومعي
أنه قد قيل: إن عليه البدل، سواء كان ذلك المقدار قليلا أو كثيرا، وسواء كان هو قد علم بذلك القدر قبل الغسل أم لم يعلم، وسواء كان قد نسي حين الغسل أو الوضوء، كل هذه الأحوال يلزم عليه فيها
البدل
؛ أنه قد قيل: إنه لا يلزمه أن يكون عليه البدل، سواء كان هذا ومعي القدر قليلا أو كان كثيرا إلا إذا كان جنبا، وكان ذلك المقدار الذي على بدنه في موضع من مواضع الوضوء أو كان في غير مواضع الوضوء
وأما إذا لم يكن جنبا وكان ذلك في مواضع الوضوء وتوضأ على هذا المعنى، ولم يعلم بذلك أو ناسيا له، حتى صلى على ذلك، فإنه على قول من يقول بذلك لا تلزم عليه إعادة، ولا يخرج عندي بيان فرق في ذلك في مثل هذا، سواء كان جنبا أو غير جنب، إذا كان ذلك في مواضع الوضوء وتوضأ على ذلك، والمعنى في ذلك عندي واحد.
،
وكذلك إن ترك غسل موضع شيء من بدنه وهو جنب، أو من مواضع الوضوء في الوضوء، فلم يُجر عليه الغسل ناسيا لذلك، أو لم يكن قد علم، حتى يتبين له ذلك من بعد أن صلى، فالقول عندي في ذلك وفي الحائل الذي يحول بين البدن وبين الغسل، سواء إذا لم يكن يعلم بذلك حين أتم الغسل أو الوضوء؛ وسواء كان ناسيا له، فإن هذا كله سواء، والاختلاف فيه واحد
- 133 - (4/133)
صفحة 814
عندي، إذا كان أقل من مقدار ظفر الإبهام.
وقد قيل في هذا بمقدار الدينار أو الدرهم، ولعل ذلك يتواطأ قدر الدرهم وقدر الدينار وقدر الظفر، وإن اختلف ذلك فلعله لا يتفاوت في اختلافه، والمعنى يخرج عندي على الوسط من ذلك كله إذا علم وذكر لمثل هذا من بعد أدائه للصلاة
ومعي؛ أنه إذا كان قد ذكر شيئا من كل هذا، على أي حال من. الحال، أو بأي وجه من الوجوه، مما قد مضى تفصيله وذكره في هذا الفصل، وكان قد علم به من قبل الصلاة، وكان قد غسل من الجنابة، أو كان غسله من غير الجنابة، وكان في أثناء ذلك قد توضأ للصلاة، وسواء كان ذلك المتروك على البدن من القار أو غيره، قليلا أو كثيرا، ولو كان شعرة واحدة من بدنه، أو كان أي موضع من المواضع التي قد تحول بين الماء وبين غسل تلك المواضع، أو كان متروكا بعير حائل يحول بين ذلك، ففي كل ذلك اختلاف
الأقوال
•
6
ومعي أنه يخرج في معاني ذلك إذا صلى به على العلم أنه لم يجز عليه غسل، سواء كان جنبا أو غير جنب، فيه معاني الاختلاف في الكفارة، وما أشبه ذلك عندي إلا أن يكون له عذر يتأول ذلك لمعنى من المعاني لا على
وجه
التعمد
•
وأما إذا كان ذلك قدر الظفر أو الدينار أو الدرهم، ثم علم بذلك قبل الصلاة، وأمكنه غسله ولم يغسله ثم صلى على ذلك، فهذا الموضع لا شك أنه فيه معاني الاختلاف في الكفارة عليه، ولو كان له في ذلك تأول معنى على غير سبيل الرأي ولا الدينونة بمثل ذلك، إلا أنه يظن أن ذلك جائز له، على أي وجه من الوجوه، أو بأي معنى من المعاني، ما دام الموضع المتروك قدر الظفر أو قدر الدينار أو الدرهم كما بينا.
- 134 - (4/134)
صفحة 815
قد مس
ومعي
؛ أنه في حالة ما إذا ترك غَسْل شيء من بدنه وهو جنب، أو كان مواضع الوضوء في الوضوء، سواء كان أثناء ذلك جنبا أو غير جنب، وسواء كان ذلك الموضع قليلا أو كثيرا، أو ما كان دون الظفر، فلا أعلم في ذلك اختلافا أن عليه الاعادة، ويشبه معاني لزوم الكفارة عليه إذا صلى به، وثبوت ما لا يسعه جهله في مثل ذلك في دينه، ومعنى الكفارة وقطع عذره بمثل ذلك في الهلاك في دينه، عندي أنه إنما يختلف فيه ما كان أقل من مقدار الظفر أو الدينار أو الدرهم في معاني الاختلاف في هذه المقادير، فإذا كان على هذا المعنى، وكان قدر أحد هذه المقادير في حجمه، على معاني اختلاف أقوال المختلفين في ذلك، بسبب أن منشأ الخلاف في هذه الأقوال جاء من النظر إلى نوع الحال أو إلى كميته، فإذا كان النظر إلى نوعه فالمعول عليه في ذلك مقدار رقته بحيث ينفذ الماء إلى الموضع من خلاله، أو مقدار كثافته بحيث يصعب الاعتقاد بأن الماء يمكن أن ينظر إلى مواضع البدن من خلاله. أما القائلون بالنظر إلى كميته فيقدرون بأنه يكون قدر الظفر أو أقل أو أكثر من الدرهم أو
الدينار
6
أنه سواء يتفق على معنى ثبوت هلاكه بذلك، وأنه لا يسعه ومعي جهل ذلك، وثبوت معنى الكفارة، وذلك على قول من يقول بثبوت الكفارة على الجهالة، وذلك في حالة ما إذا كان جاهلا لذلك، وأما إذا كان متعمدا لترك ذلك بغير جهالة ولا معنى، وكان قدر أحد هذه المقادير، ثبت عليه عندي معنى الاتفاق ثبوت الكفارة على قول من يقول بثبوت الكفارة بمعنى
الصلاة
ومعي با
أن ذلك يتضح في معنى الحكم عليه، بما يكون الحال عليه في حالة الاغتسال من الجنابة أو الوضوء للصلاة، وكان هناك حائل من أي وجه من الوجوه، وكان يعلم أثناء الاغتسال بوجود الحائل ولم يزله، أو كان ناسيا
- 135 - (4/135)
صفحة 816
له أثناء أدائه للاغتسال أو الوضوء للصلاة، وترتب على ذلك أن موضع الوضوء، أو جزءا من أجزاء البدن لم يمسه الماء، فإن كان قد صلى بعد هذا الغسل، الذي اعتقد أنه أزال به الجنابة، فإنه يلتزم بإعادة الصلاة، بعد أن يزيل الحائل ويغمر مواضع الوضوء بالماء. أما إذا كان غسله على طهارة
فلا إعادة عليه
ومن الكتاب؛ ومن جواب عن أبي الحواري - رحمه الله ـ عن رجل كان في يده جرح في موضع من مواضع الوضوء، وكان وضع الماء على هذا الجرح له الأذى، فجنب الجرح وضع الماء عليه ولم يغسله، هل يجوز له
يسبب
ذلك؟
قال: نعم؛ يجوز له أن يجنب الجرح الموجود في يده، في أي موضع من مواضع الوضوء، إذا كان استعمال الماء يضره، ويمكنه أن يغسل ما حوله، ويجوز له أن لا يمسه بالماء.
وقيل: وهل يمكن أن يقاس على ذلك، المسح على الجبائر إذا كانت خارجة تامة، وكان لا يمكنه أن يغسلها كلها؟
يتيمم
قال: إذا كانت الجبائر خارجة تامة، وكان لا يمكنه أن يغسلها كلها غسل سائر ذلك من البدن، ويلزمه في ذلك أن. بالصعيد لتلك الجارحة إذا كان جنبا وإن لم يكن جنبا، فكذلك يغسل سائر الجوارح، ويتيمم لتلك الجارحة للوضوء، وهذا في معنى حكم الجبيرة، إذا كانت هذه الجبيرة خارجة تامة، وكان لا يمكنه أن يغسلها، كما يغسل سائر بدنه، فواسع له أن يتيمم بالصعيد الطيب لتلك الجارحة
•
وسألت أبا الحسن - رحمه الله - عمن كان في يده جرح، وكان لا يقدر
بسبب جرحه أن يمسه بالماء، وحدث أن أصابته الجنابة، كيف يكون القول
-179. (4/136)
صفحة 817
ذلك؟
قال: إن كان الجرح على الجارحة في حدود الوضوء، فإن عليه أن
يغسل سائر جسده، وإن كان يأتي الجرح على الجارحة كلها يتيمم ويصلي،
،
6
وإن كان لا يأتي على الجارحة فليس عليه تيمم ويغسل ما أمكنه ويصلي، ويتوضأ ما أمكنه ويصلي، فإن كان الجرح في غير مواضع الوضوء، فيغسل ما أمكنه، ويصلي ولا يتيمم عليه، ولو أتى على موضع يكون أكثر من جارحة، ولا يتيمم عليه إلا أن يكون في حدود الوضوء، ويأتي على جارحة
كلها تامة
وعنه في موضع آخر؛ إذا كان الجرح أو الجارحة في غير مواضع
6
الوضوء، وكان يأتي على قدر جارحة من جوارح الوضوء، كان عليه التيمم وقال: إنه أصغر جوارح الوضوء عنده، وبمثله يلزم التيمم عندنا في معنى قوله هذا في الأذى، لأنها من جوارح الوضوء على معنى قوله
قال غيره: قد ثبت في معنى الاتفاق بالنسبة لغسل عضو من الأعضاء في البدن من مواضع الوضوء، إذا كان يصيبه الأذى من الماء، فإنه من أي وجه من الوجوه يلزم لهذا الغاسل سواء كان غسله للطهر من حيض بالنسبة للمرأة، أو كان ذلك الغسل من الجنابة، فإذا كان يخاف المضرة من غسل هذا الموضع، الذي تكون فيه هذه الجارحة التي أصابها جرح أو أذى، فإنه لا يغسل ذلك العضو، وعليه أن يميط عنه الماء، وأنه معذور في ذلك، وأن عليه أن يغسل من الجنابة إذا وجد الماء، ولا عذر له في ترك الغسل إذا وجد الماء، إلا من عذره الله تعالى
؛ ومعي
أن البدن كله عندي فريضة واحدة، في معنى الغسل، وعلى
هذا المعنى فإنه إذا ثبت الغسل عليه كله، فكان فيه شيء مما يعذر فيه عن
- 137 - (4/137)
صفحة 818
غسله
،
مما يستحيل ذلك عن ثبوت الغسل عليه، ويجب له العذر عن الغسل، ثبت له وعليه معنى عدم الغسل، واستحال بمعنى الاتفاق إلى التيمم كله، وكان بمعنى من لم يجد الماء
ومعي
؛ أنه في معنى الاتفاق أن كل ما أبيح لأجل الضرر فإنه يرتفع حله بارتفاع الضرر، وجميع الأبدال المتفق عليها أنه يرتفع حكمها بوجود المبدل منه، ولما كان العذر القائم على عدم استعمال الماء للجارحة التي يصيبها أذى، فإن ذلك من قِبَل اعتبار أن عدم إمكان الغسل هو الذي يبيح وجود الماء هنا مقصود به وجود قدرة
،
من
الماء التيمم، رغم وجود لأن وإمكان، وعندي أنه عند قيام الضرورة المسقطة للحكم في أية حالة حالاته، فلو كان باليد جرح أو قرح ويخشى الضرر من مباشرة الماء لغسل تلك الجارحة، فمعي في معنى قول من يقول: إنه يتوضأ أو يغتسل لسائر الجوارح في كل موضع من مواضع الوضوء، ويتيمم بدلا عن وضوء تلك
الجارحة
ومعي
؛ أنه إذا كان الحائل بين البشرة والماء، إذا كان نزع هذا الحائل من جبيرة أو نحوها يضر موضع النزع، أو أضر الماء العضو الموضوع عليه من كسر أو عصابة على الجروح والأضمدة، أو زادت الضرر على العضو من الأمراض، إذا ترتب على نزعها اعوجاج تركيب أصل العضو، أو تأجيل برئه، أو اشتداد غور الجروح، فإن ذلك كله يكون عذرا قائما، والأحوط عندي أن يتيمم، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (1)، وقال تبارك وتعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
من خرج) (2).
وقد جاء في الأثر أن الخائف كمن لم يجد الماء، ويستفاد من ذلك أن
(1) جزء الآية (185) من سورة البقرة.
(2) جزء الآية (78) من سورة الحج
- 138 - (4/138)
صفحة 819
القادر على بعض الواجب يفعله، وليس له ترك الكل للعجز عن البعض، وقد قال: «ما نهيتكم عن أمر فاجتنبوه، وما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. والعمل على أن المصاب في عضو من مواضع الوضوء يتوضأ للعضو الصحيح ويتيمم للعضو العليل، إذا خاف عليه الأذى من استعمال الماء أو تأجيل برئه
وقد ثبت العذر معي في المريض، وذلك بما ورد في قول الله - تبارك وتعالى -: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُ، وَسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جَنْبَا فاطهروا وإن كُنتُمْ مُرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبَاً فَامْسَحُوا
اگران
وأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم
نِعْمَتَهُ عَليكُمْ لَعَلَكُمْ تشكرون))
(1)
خرج ولكن يُرِيدُ لِيَطَهُرَكُمْ وَلَيَته
فكان المريض بمنزلة المسافر الذي لم يجد الماء، فالمريض الواجد للماء ولكنه غير القادر على استعماله بسبب مرضه، فإنه يكون بذلك بمنزلة المسافر، في ثبوت التيمم له، وعليه في ذلك ما هو في معنى العذر، فإذا استحال عن حكم الغسل، ففي معنى الاتفاق أنه يجب عليه التيمم، فإذا ثبت عليه معنى الغسل على قول من يقول بذلك، وقدر على شيء منه كان الغسل قائما بحكمه في معنى الاتفاق، فإذا ثبت في البدن شيء لا يمكن غسله، كان في معنى الاعتبار والنظر أن ذلك عندي يخرج في معاني أحكامه على معنيين:
أحدهما؛ أنه إذا ثبت عليه الغسل بأي وجه من الوجوه، زال عنه حكم التيمم، إذ لا يجتمع عليه في مقام التكليف بالأمر الشرعي حكمان، وإنما هو
(1) الآية (6) من سورة المائدة.
- 139 - (4/139)
صفحة 820
مخاطب بواحد.
والآخر؛ أنه لما أن كان مخاطبا بمعنى حكم الغسل كله من بدنه، سواء كان قدر هذا الشيء قليلا أو كثيرا، وذلك عند قدرته على ذلك، ووجود الماء، وهو قادر على استعمال الماء، في معنى وجود الماء وجود قدرة وتمكن، وفي حالة ما إذا كان غير معذور بترك استعمال الماء، فإذا ثبت له العذر في
له
6
شيء من بدنه، سواء كان عضوا من المواضع التي يتم فيها الغسل للوضوء أو كان شيئا من البدن في الغسل، فإنه في حالة قيام العذر، بعدم استعمال الماء لغسل أحد الأعضاء، مما لا يسعه تركه منها إلا بعذر، كما لم يسعه ترك الغسل كله إلا بعذر، هو عدم وجود الماء، فكان البديل عن الماء ما رخص الله - سبحانه - من التيمم، ومعي أنه إذا كان العذر له قائما في الكثير من بدنه، عند عدم وجود الماء، فإن العذر يعتبر ثابتا في القليل من بدنه، حتى في حالة وجود الماء، إذا لم يمكنه استعماله بسبب الضرر الذي يصيب العضو المصاب، فإذا كان معنى الحكم كذلك، كان الوجوب عليه في القليل من غسل بدنه، كالوجوب عليه في الكثير من غسل بدنه
فلما أن ثبت أن العذر له في القليل من بدنه، كالعذر الثابت له في الكثير، جاز أن يلزمه في كل أمر وجب عليه غسله، ووجب له العذر فيه، أن يلزمه فيه التيمم عنه، سواء كان ذلك عنه من قليل بدنه أو كثيره، وكما يجوز له تركه عند القدرة ووجود الماء، بمعنى ما لا يجوز له ترك جميع بدنه، فلا فرق في ذلك في معنى الوجوب ودخول العلة، فإذا كان تيمم الجنب لمعنى الجنابة لغير معنى الصلاة، فالتطهر للصلاة خرج معنى حكمه عندي على أحد هذين المعنيين: إما أن يلزمه التيمم، ما لم يقدر عليه من غسل بدنه، لمعنى ما يلزمه
طهارته
-12 - (4/140)
صفحة 821
وإما أن لا يلزمه تيمم إذا ثبت عليه الغسل في شيء من جوارحه، بمعنى الغسل الواجب له والثابت عليه
قال: لا يصح وضوء مع قيام أية نجاسة بالبدن، وكذلك لا يتم له الغسل من الجنابة لو بقي شيء من النجاسة على بدنه، وقد قيل: إن نسي أقل من ظفر فلا بأس، وإن كان نحو ظفر فصاعدا فإنه يعيد، ويعجبني أن يغسل مواضع الوضوء وذلك أحب إلي وهو الملائم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاتفاق الجميع بأنه يزيل ما على بدنه سواء كان على موضع من مواضع وضوء حتى تكون إزالة ذلك قبل ابتداء طهارة الأعضاء التي يكلف
الصلاة،
بتطهيرها للصلاة، والله أعلم
ومعي
-
؛ أنه قد ورد عن أبي عبد الله محمد بن محبوب عن أبيه محبوب بن الله الرحيل - رحمهم عن رجل يكون على بدنه شيء من النجس، فيتوضأ حتى إذا غسل الموضع من الوضوء، الذي كانت عليه النجاسة، دون أن يمسه بيده، أو كان قد غسله له غيره، فإن وضوءه يكون تاما، وهذا عندي على قول من يجيز وضوء من تنجس في غير مواضع وضوئه، حتى إذا أتم وضوءه غسل النجس، فيتم له وضوؤه، سواء غسله بنفسه أو غسله له غيره، وذلك عندي لعدم الفرق بين جوارح الوضوء وغيرها من البدن، بل إن ذلك في مواضع الوضوء أحرى وأولى، أن يفسد الوضوء ما مس جوارح الوضوء من النجاسة، لأن مواضع الوضوء أقرب الأشياء من البدن إلى ثبوت الوضوء بطهارتها، وثبوت نقض الوضوء بنجاستها.
وقال من قال: إن تجديد الوضوء على النجاسة المتقدمة أشد، ولا يجوز الوضوء إلا بعد طهارتها، ولو لم يفسد الوضوء إذا عرضت له النجاسة، أولى أن لا يفسد إن كانت من غيره، وكذا على القول بعدم النقض إن كانت النجاسة، وأقل من ظفر لا يفسد، لأن الترخيص في بقاء الوضوء إذا عرض
-181 - (4/141)
صفحة 822
له النجس، أكثر من بناء الوضوء على نجاسة، وذلك حملا على أن الأصول
لا تنبني على فاسد
•
؛ أنه قد جاء نحو هذا الاختلاف، على نحو من هذا أنه قال من ومعي قال: إنه من وجب عليه الغسل بوجه، ولم يزل عنه حكمه زال عنه حكم التيمم، لمعنى أنها فريضة واحدة عندي، ومن وجب عليه حكم التيمم بوجه، زال عنه حكم الغسل، وليس هذا معنى يبعد في معاني ثبوت الحكمين الواجبين، في كتاب الله - تبارك وتعالى؛ لثبوت هذا عند زوال هذا، ولكنه إنما يخرج معنى الاغتسال في ثبوت الحكم بمعنى الطهارة للصلاة، وذلك بخاصة في غسل الجنابة، إنما معنى وجوب الغسل للطهارة منه للصلاة، وما أشبهها من الطهارة، وإن كان قد يخرج معنى غسل الجنابة لغير معنى الصلاة، لمثل إحراز الصوم وشبهه، ومثل الطواف للحج، وإن كان الطواف للحج إنما هو بمنزلة الصلاة لا يقوم إلا بالوضوء، فلما ثبت أنه بمعنى الصلاة وما أشبهها، لا يخرج معنى التعبد به إلا لذلك، كان مشبها للوضوء للصلاة، ومثله فيها يدخل فيه معاني الاختلاف أو الاتفاق، وأشبه لمعنى تساويها في الطهارة في الاسم والمعنى
فمعي؛ أنه قد قيل في الوضوء: إنه إذا كان في شيء من جوارح الوضوء ما يمنع عن غسلها، بأي وجه من الوجوه، كأن يكون في موضع من هذه الجوارح جرح أو قيح، ويترتب على غسل ذلك الموضع ضرر على أي من الحال، كتأخير برئه، أو زيادة الضرر عليه، فعندي أنه قد قيل: إنه يغسل المتوضئ من جوارحه ما أمكنه غسله، ويمكنه أن يصلي، وليس
حال
عليه أن يتيمم.
وقيل: إنه إن أتى على جارحة كلها، من جوارح الوضوء حتى يستفرغها بغسل سائر جوارحه، ويتيمم لتلك الجارحة، إذا كانت كلها،
- 142 -
1 (4/142)
صفحة 823
وإن كان قد بقي منها شيء غسله ولا تيمم عليه
ومعي؛ أنه قد قيل: إذا أتى على أكثر الجارحة، كان عليه التيمم
6
6
وليس عليه تيمم فيها دون أكثر الجارحة، من نصف الجارحة أو أقل. إلا ما زاد على نصفها، ولا أعلم نصا قولا بأشد من هذا إذا ثبت معنى لزوم
غسل جميع الجارحة، وأنه لا عذر في ترك شيء منها، كما لا عذر في تركها كلها، وكان المعنى في لزوم ذلك كله، سواء دخل في لزوم القليل من ذلك التيمم، كما لزم في الجارحة ما لم يأت على الجارحة، عند القدرة على غسل ذلك، وهذا عندي معنى قول من يقول: إن سائر بدن الانسان غير مواضع الوضوء؛ أهون وأقرب في مواضع الوضوء بمس ما ينقض من الأشياء التي تفسده، وكذلك فإن مس النجاسة لمواضع الوضوء أشبه أن يكون سببا إلى فساد الوضوء، وإذا ثبت معنى هذا، فإنه يكون قد ثبت أنه عند ما الوضوء على شيء من النجاسة في البدن في موضع الوضوء وفي غير موضع الوضوء، فإن ذلك لا يبعد أن يكون الأمر كذلك إذا مس المتوضيء شيء من
النجاسة في بدنه
6
لأنه لا فرق في ذلك
يتم
ومعي؛ أنه إذا وسع وجاز أن يكون ذلك في ترك الجارحة الواحدة، فإنه يجوز كذلك في الجارحتين، سواء كان مما ثبت وضوؤه بالماء أو لم يثبت العذر فيه بزوال جميع الوضوء، حتى يلحق معنى التيمم وفرضه، وإن كان الوضوء يعتبر فرائض متفرقة في معنى الترتيب، فإنه يعتبر فريضة واحدة في معنى المخاطبة، إلا أنه لما لم تكن الطهارة لم تلزم البدن كله للوضوء، وكانت إنما هي في مواضع فقط من ذلك البدن، فإنه لم يكن بد من الدلالة على تلك المواضع بأسمائها وأعيانها، وأنها إنما فرقت في التسمية ليستدل عليها إذا كانت من الجسد، فهي في معنى ذلك؛ فرائض في الانفراد والتسمية،
مستثناة
وفريضة واحدة في الجملة.
- 143 - (4/143)
صفحة 824
فإذا ثبت في معنى الجارحة الواحدة، أنه لا تيمم عليه ما لم تأت الجائحة على جميع الجارحة، وهي فريضة على الانفراد، لم يبعد أن لا يلزمه التيمم
ومعي
؛
ما لم تأت الجائحة على جميع الجارحة التي هي فريضة واحدة في الجملة أنه لا فرق عندي، إن مست النجاسة جارحة وضوء أو غيرها،، لأنه لا يبعد تمام الوضوء لو باشر المتوضى الغسل بيده، ولأنه بحكم المماسة منها لجارحة من جوارح الوضوء أو غيرها من سائر البدن، فلا فرق بين ما لحقته ومسته وبين ما يغسلها به من أجزاء البدن، وبزوال النجس تتم الطهارة ويتم الوضوء، ولا يضره مماسة نجاسة الجارحة وضوء أو غيرها لغسل ولا غير غسل، بل إن الغسل أولى بالسعة، وإذا لم يفسد الوضوء بمماسة النجاسة من وجه لم يفسد من وجهين وهكذا، وبثبوت هذا في موضع واحد من البدن، ثبت أيضا في أكثر من موضع، وإذا لم يثبت الكل لم يثبت الجزء، وإذا لم يثبت في جارحة وضوء لم يثبت في غيرها، وإذا لم يثبت في شيء من ذلك، سواء كان قد غسله بنفسه أو غيره، فهذه الأشياء كلها بعضها من بعض، ومعي أنه إذا قام المصلي إلى الصلاة؛ طاهرا من النجاسات فقد ثبت له حكم الوضوء بمعنى العمل بإجراء الغسل على مواضع الوضوء، سواء كان قد تقدم ذلك نجاسة أو لم يتقدمها، وسواء حدث في المتوضئ نجاسة بعد ذلك أو لم يحدث، مما لم يأت فيه إجماع إنه ناقض للوضوء على كل حال مما لا يجري فيه اختلاف
وإذا قام المتوضئ إلى الصلاة وليس به شيء من النجاسة، وقد ثبت له أحكام الوضوء، أن وضوءه تام وصلاته تامة، وإذا لم يثبت هذا المعنى على
هذا الوجه، وينتقض شيء منه
ومعي
أعضاء
؛ أنه من يكون في موضع من بدنه نجاسة إلا أنه ليس من أ وضوئه ثم توضأ من قبل أن يغسله متعمدا أو ناسيا، مع القدرة على الماء،
- 122 - (4/144)
صفحة 825
ما القول في وضوئه على هذا من أمره.
قال: قد قيل فيه إنه لا يصح له إلا من بعد الطهارة، سواء تعمد أو نسي فهو كذلك، وعليه أن يعيده بعد غسلها وإلا فلا يجزئه
وقيل: إنه إذا غسلها دون أن يمسها بشيء من جوارح وضوئه أو يطهرها له غيره، جاز له أن له
ومعي
يتم
؛ أنه قد ثبت في معاني الأقاويل كلها، بمعنى ما يستدل عليه من تشابه ذلك وتقاربه، بمعنى دلائله من قليل ذلك وكثيره وجملته، فلم يبعد أن يلزمه تيمم حتى يزول عنه فرض الوضوء بعدمه كله، وأن لا يبلغ إلى شيء منه، ولم يبعد أن يلزمه التيمم مع عدم شيء منه، مما هو مخاطب به ولا عذر له في تركه إلا بعدم، من قليل ذلك وكثيره، ولم يبعد أن يكون غير مخاطب بالتيمم، إلا بعد ما كبر من الجارحة، وهو أن يكون قدر الظفر من إلا بهام من اليد أو الدرهم أو الدينار، للشبه لذلك الوسط لمعنى ما قيل: إنه إذا كان شيء أقل من مقدار الدينار أو الدرهم، من وضوء أو من غسله من الجنابة. أو حال بين ذلك وبين غسله، شيء حائل حيث كان لا يعلم، حتى صلى على ذلك؛ أنه لا بدل عليه، وإن كان ذلك مقدار الظفر أو الدينار أو الدرهم، فتركه ناسيا، أو لم يعلم بذلك حتى صلى، أنه لا إعادة عليه في بعض ما قيل ما دام ذلك في مقدار الظفر فتركه فلا إعادة عليه
6
وفي بعض القول: إنه إذا كان الشيء أقل من مقدار الظفر أو الدينار أو الدرهم، أو كان في مقداره أو أزيد منه، فعليه الإعادة في قليل ذلك وكثيره، وسواء كان ذلك على النسيان أو على غير العلم من الحائل بين ذلك ومعي؛ أن قول من قال في ثبوت البدل عليه في القليل والكثير لثبوت معنى القول؛ إنه في ترك القليل والكثير على العمد، أنه غير واسع له، وأن
-120 - (4/145)
صفحة 826
عليه البدل وتساوى هذان المعنيان في الوضوء والغسل من الجنابة، وسواء كان ذلك في مواضع الوضوء، أو كان في سائر البدن من مواضع الغسل من الجنابة هذا الفصل، وعندي أن ما يطرأ من النجس على الوضوء ما لم يحتمله في النجس، في ابتداء الأمر، لأن الأشياء إذا ثبتت فلا ينقضها جميع ما لا تصح أن تبنى عليه، لأن البناء أشد من النقض الطارئ
في
ومعي؛ أنه إذا لم يكن المعنى مختلفا في ثبوت البدل عليه، فكذلك في ثبوت التيمم عند عدم شيء منها، ووجود شيء منها، ولم يبعد أن لا يلزمه التيمم عند وجود شيء من الفريضة، والقيام بها ما لم يكن المعدوم أكثرها، لمعان كثيرة تخرج، إلا أن الأكثر من الشيء يأتي حكمه على حكم جملته، وأن الغالب حكمه، فإذا ثبت معنى هذا فثبت الغسل لغير معنى الصلاة، لحقه حكم هذه المعاني من الاختلاف عندي، لأنه فريضة واحدة إذا لزم معنى العدم، لغسل شيء منها، كما يلزم الصلاة، إذا ثبت أنه لا يكون بالغا إلى حكم ما اغتسل له إلا بالغسل، لحقه حكم هذه المعاني من
الأكثر هو
الاختلاف عندي وحسن عندي أن يكون ما لم تأت الجائحة أكثر البدن في الغسل، سواء كان ذلك متفرقا أو مجتمعا، أنه لا تيمم عليه ما لم تأت الجائحة أكثر البدن والرأس في الاعتبار، إذا كان ذلك لغير معنى الصلاة، ولا يحسن عندي أن يكون يزول عنه أكثر الغسل، ولا يلزمه حكم التيمم بحكم الأكثر
والأغلب.
وإذا ثبت الغسل لمعنى الصلاة، ولمعنى ما لا يقوم إلا بالوضوء من جميع
الأشياء، لحقه معنى الغسل والوضوء جميعا
ومعي
؛ أنه لا يقع الوضوء إلا بالقصد إليه واعتقاد له وبه، وعلى ذلك
- 1 E 7 - (4/146)
صفحة 827
فإن غسل الجوارح مطلوب فيه ذلك، فإن كانت الجائحة إنما تأتي على سائر، من غير جوارح الوضوء كاملة فيها الطهارة، فهو كذلك عندي
البدن
وإن كان أكثر البدن في الاعتبار زائلا عنه حكم الغسل، حسن عندي ثبوت التيمم مع غسل سائر البدن، وكمال طهارة مواضع الوضوء، كانت الجائحة في البدن سواء كانت متفرقة أو مجتمعة
وإن كانت الجائحة إنما تأتي على أقل البدن مع كمال طهارة مواضع الوضوء، حسن أن لا يتيمم عليه لثبوت أكثر الطهارة للبدن مع ثبوت طهارة
مواضع الوضوء
ولا يقبح عندي عند ثبوت الغسل في شيء من البدن أن لا تيمم عليه، لثبوت الغسل، وأيضا لا يقبح عندي كذلك وحسن ثبوت التيمم مع غسل ما أمكن غسله من البدن، سواء كان ما بقي قليلا أو كان كثيرا. وقد يثبت لك معاني ذلك وإن كانت الجائحة في مواضع الوضوء، فلا محال عندي أنها إذا أتت على جميع جوارح الوضوء، ولو لم يكن في شيء من البدن منها شيء، أن عليه التيمم مع غسل سائر بدنه لزوال حكم الوضوء كله، لأنه إذا كانت الجوائح شملت مواضع الوضوء، مع سائر البدن لم يصبه منها شيء فإن معنى. حكم الوضوء يزول ويلزم عليه التيمم.
وكذلك إن أتى ذلك على أكثر جوارح الوضوء، سواء كان ذلك متفرقا، أو كان مجتمعا، لم يحسن عندي إلا ثبوت التيمم لمعنى حكم الأكثر
للأكثر عن الأقل
•
ومعي؛ أنه قد قيل في قول من قال: إنه لو أتى ذلك على جارحة
- 12 V- (4/147)
صفحة 828
واحدة، أو كان على أكثر هذه الجارحة، فإنه قد ثبت معنى الوضوء والتيمم. ويخرج عندي أنه ما بقي شيء من جوارح الوضوء، مما يخاطب بغسله، فمنعه مانع عن ذلك، فقد قيل: إنه عليه التيمم، وقد مضى ذكر ذلك فينظر فيه وبالله التوفيق.
وأما الغسل من الجنابة لمعنى الصوم وإحرازه، فمعي أنه يخرج في أكثر القول: إنه إذا كان قد غسل فرجيه ورأسه، ومواضع الأذى من بدنه، فإنه يكون بذلك قد أكمل معنى غسله، الذي يحرز به صومه، سواء كان ذلك من عذر أو من غير عذر، وسواء كان قد تيمم مع ذلك أو لم يتيمم، ولو غسل بدنه كله إلا رأسه، على معنى هذا القول، أو كان قد غسل بدنه كله إلا فرجه وموضع الأذى منه؛ لم يكن ذلك يجزئه
؛ أنه يخرج في بعض القول: إنه ما لم يغسل غسلا تجوز به ومعي الصلاة، فهو في حكم من لم يغسل، إلا أن يكون ذلك من عذر، ويفسد صومه على معنى هذا القول.
وكذلك إذا غسلت المرأة من حيضها من بعد طهرها، فرجها ورأسها
فقد جاز وطؤها من زوجها، وتعتبر من طلقها زوجها بائنة إذا لم يدركها إذا
غسلت رأسها وفرجها
ويخرج عندي في بعض القول: إنه ما لم تجزئها الصلاة، لم تخرج من حال ما هي فيه من إباحة الوطء، لقول الله - تبارك وتعالى -: {وَيَسْأَلُونَكَ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في المحيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُم فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ الله اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
المتطهرين) (1)
(1) الآية (222) من سورة البقرة
- 1 EA- (4/148)
صفحة 829
فالتطهر المقصود في الآية الكريمة، أن يطهر بدنها كله، ويفسر ذلك أنه كما جاء في قوله تعالى: وإِن كُنتُم جنبا فاظهروا)
وكذلك حكمها يقطع الصلاة، لأنه قيل: لو أنها غسلت بدنها إلا جارحة من جوارحها، ثم مرت قدام المصلي، فإنها تكون قد قطعت عليه صلاته، فإذا ثبت هذا فإنما تقطع صلاته الحائض، وإنما يفسد عليه وطء الحائض على التعمد، على قول من يقول بذلك
- 189 - (4/149)
صفحة 830
/ (4/150)
صفحة 831
باب
الجنب والحائض وقراءة القرآن
وسأل عمن يقرأ القرآن وهو متوضئ، وعليه ثوب غير طاهر، سواء كان يقرأ من مصحف أو من غير مصحف؟
قال:
: رخص بعض الفقهاء في ذلك، وكرهه آخرون فجعلوا القراءة في
القرآن بوضوء وطهارة ثوب
قال:
إلا
وهو
ومن غيره؛ حدثني نافع عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما ـ أنه يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يصلي على جنازة ولا يقرأ القرآن
طاهر.
وقال الليث: بلغنا أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما، أجازوا قراءة القرآن على غير وضوء، ولكنهم لم يجيزوا مس المصحف، ولا أن يقرأ الجنب القرآن، وكذلك الحائض. وقد منع الجمهور قراءة القرآن الكريم للمحدث أيضا، ولكن ابن عباس استثنى آية أو آيتين، وكان علي يقول: كان رسول الله يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة. وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا
قال غيره: لأصحابنا في هذا أقاويل:
فقال
من قال: لا يقرأ إلا على وضوء.
وقيل: إلا الآية والآيتين، وقيل سبع آيات
- 101 - (4/151)
صفحة 832
وقيل: ما لم يبدأ بالسورة ويختمها جاز.
، ومع
وقال غيره: معنا؛ أنه قد جاء هذا كله، واختلف القول في القراءة على غير وضوء. وأحسب أنه مما يروى عن النبي له في بعض ما يرفع عنه أنه قال مثل ما قيل إنه أجاز قراءة القرآن على كل حال إلا راكعا أو ساجدا أو جنبا، إلا أنه قد ثبت من معاني القول عنه: إن الجنب لا يقرأ القرآن وأحسب أنه كذلك بالنسبة لمس المصحف، فقد منع الجمهور مس الجنب للمصحف، فلا يجوز لغير المتوضيء للمصحف أنه قد أجيز في قول بعض من قال ذلك، إلا أن الصحيح المنع، لأن الظاهر أنه لا يجوز مس المصحف إلا للمتطهر من الجنابة والحيض والشرك، وكان ابن عباس ينهى أن يمكن المشرك من قراءة القرآن ومس المصحف. وفي الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ألى أهل اليمن أن لا يمس المصحف إلا المطهرون، ونهى أن يسافر به إلى أرض الشرك، أنه يجب تنزيه القرآن الكريم عن هؤلاء جميعا، وفي حكم المصحف كل شيء رقم فيه القرآن من لوح أو حجر ولو على الأرض وإن كان ذلك لا يصح، وعندي أنه يجوز قراءة كتب العلم والأحاديث وسائر الكتب ونسخها ومسها سوى المصحف وقراءته ومسه فلا يجوز للجنب
ولا للحائض.
ومعي
وأحسب أن مثل ذلك يخرج عندي في الحائض، وإن لم يكن نص القول عليه في الحائض، فإن الحائض مثل الجنب، إن لم تكن أشد في معاني ذلك، لأن الجنب يطهره الماء في حين تلك الجنابة، أما الحائض فلا يطهرها الماء حتى تطهر، فإذا طهرت قبل أن تطهر ()
ومعي
(1) 6
، فهي بمعنى الجنب
أن مثل ذلك يخرج في النفساء أيضا مثل الحائض، وذلك قبل أن
تطهر من نفاسها، والمستحاضة بمنزلة
(1) يقصد أنها إذا اغتسلت امرأة وهي حائض لم ينقطع عنها دم الحيض فلا تطهر
- 152 - (4/152)
صفحة 833
وقد قال الله - تبارك وتعالى - في كتابه الكريم: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِع النجومِ وَإِنَّهُ لَقَسَم لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمُ فِي كِتَابٍ تَمَكْنُونَ لَا يَمَسُّهُ
إلا المطهرونَ تَنْزِيلٌ مَن تَرَبِّ الْعَالَمِينَ) (1)
يعني بكل ذلك القرآن الكريم فيهما قيل؛ وأحسب أنه في بعض التأويل أن هذا يعني به الملائكة، أي لا يمسه في الصحف المحفوظة إلا الملائكة
المطهرون، ونظير ذلك وشبهه، قول الله - تبارك وتعالى - في كتابه الكريم: کو چودا كلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفِ مُكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
كرام بو كرة) (2) بررة
والصحف المكرمة في أيدي الملائكة، ولو قلنا إن قوله المطهرون هم الملائكة، فإنه إذا كان من شأن القرآن وشرفه بتلك الرتبة العليا، فحق علينا نحن أن لا يمسه إلا موحد - كما علّمنا ربنا - ولا يمسه إلا متطهر.
وأحسب أنه يخرج في التأويل، أنه لا يمسه إلا المطهرون، المطهرون من الشرك، وأما أهل الاقرار، فلا يلحقهم ذلك بأي حال، ولا يقرب المشرك إلى شراء المصحف والقرآن، إلا لمعنى الحجة عليه والدعوة إليه بمعاني القرآن، إذا ثبت معنى منع المشرك عن ذلك لمعنى النجاسة، لم يتعر ذلك. ثبوته في الجنب والحائض، وعندي أن الحائض أشد ما لم تطهر، وذلك بانتهاء صفة الحيض القائمة بها
ومعي؛ أنه قد قيل في الحائض والجنب أنهما لا يحملان المصحف وقيل: بأس أن يحملا المصحف بسترته التي تعلّق به.
من
ويخرج على معاني تواطؤ القول أنه لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض
(1) الآيات (75 - (80) من سورة الواقعة. (2) الآيات (11) - (16) من سورة عبس.
- 153 - (4/153)
صفحة 834
ولا نفساء، والأقلف عندي بمعناهم وأشد، ويلحق معنى الأقلف في معاني ما يشبه المشرك فيه، وأما الحائض والنفساء والجنب فيخرج عندي في معاني القول أنهم لا يقرأون القرآن إلا من عذر أو لعذر، وإلا فخارج قراءتهم له على التعمد بمعنى الاساءة، وعليهم التوبة من ذلك إذا ثبت عليهم معنى الإساءة.
ومعي
؛ أنه مما قيل من العذر لهم في ذلك، أن يقرأ الواحد منهم الآية أو بعضها، أو الآيتين يستأنس بذلك عند الوحشة، وعندي أنه إذا كان العذر للحائض والنفساء في بقائهما على تلك الحال قهرا، فإن الجنب ليس معذورا إلا تلك الفترة اليسيرة التي يتمكن بعدها من إزالة الجنابة بالغسل، حتى يتخلص من الحال الذي يحرمه المصحف
ويعجبني أن يكون له ذلك، عند طلب علم ما يلزمه علمه؛ من تلاوة القرآن من علم التوحيد، أو الوعد والوعيد، أو شيء مما يلزم، فإذا لم يبلغ إلى علم ذلك إلا بالتلاوة، وكان ذلك عندي عذرا، وكذلك تعليم ذلك لمن يلزمه علمه إذا لم يقدر عليه إلا بالتلاوة، كان ذلك. عندي من العذر، وعندي أنه قيل: إن لهم أن يتلوه بأنفسهم وأن لا يحركوا بذلك ألسنتهم، ولا إثم في ذلك ليس بكلام، وإن لم يكن فليس بقراءة
ومعي
؛ أنه يخرج أنه إذا لم يبلغوا إلى تذكرة ذلك بغير تلاوة، وخاف أحدهم أن ينسى شيئا مما قد يعلم من ذلك، إذا لم يتعاهده بالتلاوة في ذلك الوقت، ورجا أن يدركه علم ذلك بالتلاوة له، فعلى قول من يقول: إنه إذا ترك ذلك. حتى ينساه أثم، فقراءته له مباحة، بمعنى خروجه من الاثم إلى ما يلزمه، لأنه لا يستقيم أن يلزمه شيء يؤثمه، ولا يؤثمه شيء يقدر عليه فلا يلزمه، فهذا عندي يخرج في معاني هؤلاء في قراءة القرآن على هذا
النحو.
- 102 - (4/154)
صفحة 835
ومعي؛ أنه يخرج في بعض معاني الروايات، فأحسب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقرأ القرآن على أية حالة كنت فيها إلا جنبا، وادخل المسجد في أية حالة شئت إلا جنبا، واحمل المصحف في أية حالة شئت إلا جنبا» وكل معنى الرواية يدل على إطلاق هذه المعاني للإنسان إذا لم يكن جنبا
وإذا ثبتت معاني كراهية ذلك، أو أنه ثبت أن ذلك محجور على الجنب، فلا يكون ذلك إلا لمعنى أنه ليس هو بمتطهر، لأن الجنب ليس بنجس في الأصل، وإنما هو ليس بمتطهر، وإنما التطهر عليه تعبد، لا لمعنى أنه نجس البدن، وذلك أنه لو مس شيئا من الطهارات شيء من رطوبات بدنه، لم يكن ذلك نجسا، وكذلك الأمر بالنسبة لعرقه، وبالنسبة أيضا لجميع الرطوبات منه، ما سوى النجاسة وما مسها، إن كان يخرج مخرج الطهارة، فهو طاهر في الأصل غير متطهر التطهر الذي يلحقه معنى التعبد به، على حسب ما لزمه التطهر بالوضوء، لا على غير ذلك في معنى الاعتبار، فلما أن كان كذلك في معاني الاتفاق، أنه إنما يلحقه التعبد له بالتطهر على هذا النحو، كان المحدث للبول والغائط أو المني أو الودي، أو ما سوى ذلك من النجاسات لمعناه في الأشباه، أنه ليس بمتطهر، وإن كان طاهرا، أو يلحقه في الشبه في معاني قراءة القرآن، لأن ما لحقه في معنى ثبوت الحدث، وأنه ليس بمتطهر، لأنه ما أشبه الشيء فهو مثله ومنه، في معاني ما يتفق ويتشابه، فيلحقه بهذا المعنى المحدث بشيء من الأحداث، الذي فيه من النجاسات ما يلحق في الجنب من قراءة القرآن إلا من عذر.
ومعي
؛ أنه في معنى قول من يقول: إنه لا تجوز الأعمال إلا بالنيات، وأنه لما كان الوضوء من الأعمال التي يلزم فيه النية مع العمل، فقد ثبت من ذلك أنه إنما يقصد بذلك إزالة الجنابة، لأن القراءة للقرآن تعبد. وعندي؛ أنه إذا كانوا قد قالوا في منع الجنب من دخول المسجد، فقد ثبت أن قراءة
- 100 - (4/155)
صفحة 836
القرآن ومس المصحف فيه معنى ذلك، وعندي أن القصد من منع الجنب من
أن
المسجد يكون كذلك بالنسبة لمنعه من قراءة القرآن، والعلة واحدة وهي المساجد بيوت الله، وهي لا تفارقها الملائكة أبدا، وإذا دخل الجنب المسجد
للملائكة
استأذت منه، ولا خير فيمن تستأذي منه الملائكة، وبهذا يكون ذلك مانعا دخول المسجد، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مَن مَنَعَ مَسَاجِدَ من الله أَن يُذكر فِيهَا اسْمُهُ، فمن أظلم ممن منع مساجد الله من قرب الملائكة منها، والملائكة رحمة ونور، وهم إلهام الخير للمؤمن، والجنب بدخوله المسجد مخالفة لأمر رسول الله له وإبعاد للملائكة عن المسجد وإيذاء هم وتفويت لبركتهم، ومنع للخير الحاصل من قربهم وتعطيل للمسجد من عمارتهم، وتفويت لحالة البركة الحاصلة بحضورهم واستغفارهم للمؤمنين، ودعائهم وتمسحهم بأجنحتهم للمصلين والذاكرين الله والمتحلقين لحلقات العلم النافع، فيكون ذلك كله بسبب دخول الجنب للمسجد، وما يقال في كل ذلك على أي حال وبأي وجه من الوجوه بالنسبة للمسجد، فكذلك وأشد منه في تلاوة القرآن الكريم وذكر الله، فهذا كله في معنى دليل حكمة الشارع في منع الجنب من قراءة القرآن ومس المصحف، وما يقال عن الجنب في ذلك يقال عن الحائض والنفساء
•
وأحسب أنه قد قال من قال: إنه إنما ليس يجوز أن يقرأ القرآن؛ المحدث الذي فيه شيء من الأحداث الذي فيه شيء من النجاسات،
ما يلحق في الجنب من قراءة القرآن إلا من عذر.
وأحسب أيضا أنه قد قال
من
6
قال: إنه إنما لا يجوز أن يقرأ المحدث
الذي به شيء من الأحداث من النجاسات، ويعتبر وضوؤه منتقضا بذلك ولذلك لا يجوز له وهو على هذا الحال أن يقرأ القرآن الكريم
"
ومعي؛ أنه في معنى قول من قال: إنه إذا كان ليس فيه شيء من
-109 - (4/156)
صفحة 837
النجاسات إلا أنه ليس بمتوضئ، وكان حدثه في معنى حكم أنه بغير نجاسات ولا يؤثر على نقض وضوئه، فإن له في هذا الحال أن يقرأ القرآن على ما مضى من الاختلاف في القول فيه حسب
ومعي
؛ أنه في معنى قول من قال: إنه ما لم يكن على طهر تام، وعلى وضوء تام كالذي يكون عليه للوضوء للصلاة، فهو بمنزلة المحدث، لأنه معلول غير متطهر، ويخرج ذلك فيما يخرج على معاني الاتفاق في الجنب، أنه لو غسل موضع النجاسة منه، ولم يبق فيه شيء من النجاسة، ولم يتطهر من الجنابة التي أصابته، فإنه بذلك لا يكون خارجا من أحكام الجنابة، وبمعنى هذا وحكمه أنه بمعنى الجنب في أحكامه، إذ أنه بذلك لا يكون متطهرا وإن كان قد أزال مواضع النجاسة من بدنه، كذلك الذي ليس بمتطهر طهور الوضوء المتعبد به بمعنى الطهارة للصلاة، لم تجز له بهذا المعنى قراءة القرآن، كما لم يجز للجنب، بمعنى ما أشبهه فيه لمعنى التعبد، لأن الجنب لو تطهر من الجنابة قام له ذلك مقام التطهر للوضوء، فالتطهر من الجنابة يكون بقصده إلى التطهر من الجنابة
•
وكذلك بعد غسله من النجاسة وإزالتها منه، فبقصده إلى التطهر للوضوء للصلاة، يجزئه عن التطهر لما جرى عليه التطهر من جوارح الوضوء بالغسل عن التطهر. من الجنابة، فإن ذلك يجعل حكمهما أنه يخرج معناهما في ذلك واحدا في معاني الأشباه والاتفاق، فتشابه في معنى قراءة القرآن التي لا تجوز الصلاة إلا بها، ولا تجوز الصلاة إلا بالتطهر بالوضوء، فكانت قراءة القرآن في ذلك مشبهة للصلاة التي لا تجوز إلا بالطهارة، إذا كانت الصلاة لا تجوز إلا بها، وإذا أشبه معاني الذي ليس بمتطهر بالوضوء بمعاني الجنب، لثبوت التطهر عليه، وإذا تشابها بمعنى واحد، فقد لحقهما معنى التشابه، وقد يتشابهان بمعاني كثيرة من جسده، ولو لم يكن يشبهه إلا بغسل جارحة من
- lov - (4/157)
صفحة 838
جوارحه للوضوء، لكان قد أشبه الاتفاق القول فيهما وتشابههما في هذا الموضع، أن الجنب ـ ولو لم تبق فيه إلا جارحة واحدة لم يطهرها ـ لم يزل عنه
حكم الجنب في معنى الطهارة في هذا، فتساوى الذي ليس بمتطهر بالوضوء
،
ولو كان ليس فيه لشيء من النجاسة، والذي ليس بمتطهر من الجنابة، ولو كان ليس فيه شيء من النجاسة، واتفاق القراءة من القرآن والصلاة، لأنه لا تجوز الصلاة إلا بالقراءة، ولا تجوز الصلاة إلا بالوضوء، فمن هنالك ثبت أن القراءة لا تجوز إلا بالوضوء.
فإن قال: إن كانت الصلاة كما قلتم لا تجوز إلا بالقراءة في معاني
الاتفاق، وكذلك لا تجوز إلا بالتكبير للإحرام لمعاني الاتفاق؟
قيل له: كذلك، ولكن التكبير قد ثبت بمعاني الاتفاق أنه جائز للجنب والحائض والنفساء، ويكون ذلك فضلا من أعمالهم ومن قولهم، ومثل هذا القول يكون كذلك بالنسبة للتسبيح، فيكون فضلا من أقوالهم، سواء في ذلك أي واحد منهم، على أي حال، وكذلك ما تقوله في الصلاة قد ثبت بمعاني القول بالاتفاق ما سوى القراءة أنه جائز منهم، وفضل من أعمالهم من جميع الذكر من التوحيد وغيره ما سوى القراءة، أنه جائز منهم وفضل من أعمالهم، من جميع الذكر، سواء كان ذلك من التوحيد وغيره، مما سوى القراءة، فإنه لا يجوز منهم إلا من عذر ولعذر، في معنى ما قد قيل، فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج في معاني الاتفاق، وقد ثبت ما ذكرنا من تساوي الجنب أنه غير نجس، إلا أنه غير متطهر، وكذلك الذي ليس بمتوضيء، ليس بنجس، إلا أنه ليس بمتطهر، والمعنى فيه واحد في التساوي، فيخرج معنى القول في هذا أنه لا يجوز إلا من المتطهر بالوضوء لهذه العلة، وما أشبهها على تأويل ما يتشابه فيه الجنب وغير المتطهر بالوضوء في معاني الطهارة، لقول الله - تبارك وتعالى -: وإن كُتُم جنباً فَاطَّهروا ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:
-101 - (4/158)
صفحة 839
لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله، وقوله: لا صلاة بغير طهور» والمراد به ما هو أعم من الوضوء، فمن باب أولى كان الوضوء منه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان أي أن الأجر فيه نصف أجر الإيمان، فكلاهما واجب فيهما التطهر عن غير ثبوت رجس في ذاتهما إلا بمعنى التعبد في جميعهما، عن غير أصل رجس في ذاتهما، لأن الوضوء يجب ما قبله من الصغائر، وكذلك التطهر من الجنابة
تتساقط به الذنوب.
وعندي؛ أنه يطلب من المرء ألا يظل طويلا على جنابة، لأنه في معنى قول من قال: إنه كره نوم مع نجس أو بجنابة، إذ ترد بها الروح من باب السماء فلا تسجد مع الأرواح تحت العرش إلا إن أزال الجنابة وتطهر. فثبت لصاحب القول بهذا في الوضوء وحسن بهذا المعنى
وجاز للذي قال عندنا: إنه تجوز القراءة للمسلم، من جميع أهل القبلة والإقرار، ما لم يكن جنبا لظاهر الحديث، على غير معنى تأويل، وما سوى ذلك من الأقاويل في أهل القبلة، في معنى القراءة للقرآن، داخل بين هذين
القولين.
وما قيل من كل ذلك فحسن إذا ثبت هذان القولان، أن جميع هذين القولين، وأن جميع القول فيها دونهما داخل فيهما، وتتعلق معاني الترخيص للمرخص في ذلك، ما لم يكن جنبا أو حائضا أو نفساء، ويثبت معاني التشديد في ذلك، ما لم يكن متطهرا بالوضوء التام، الذي تجوز به الصلاة
ومعي
?
أن معنى قول من قال: إنه يجوز أن يقرأ ما شاء من القرآن
،
ما لم يفتتح السورة من القرآن أو يختمها، فيخرج معاني ذلك عندي على سبيل التوسط معنى الحسن، لأن كل شيء لم يبتدأ به ولم يختتم فكأنه لم يتم، ولم
-109 - (4/159)
صفحة 840
يثبت بذلك معناه، لأن ثبوت معنى القرآن من السورة فصاعدا، في معاني ما يثبت التسمي به، لقول الله - تبارك وتعالى -: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بسورة من مثلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (1). وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ مَثْلِهِ مُفْتَرَيَاتِ وَادْعُوا من استطعتم من دونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (2)
أنه في معنى حكم المعاني التي يقع عليها الاتفاق في القراءة في ومعي الصلاة، من جميع الفرائض، سواء كان ذلك في الجماعات وغيرها، بمعاني بما يشبه الاتفاق بالفعل من الناس في ذلك بحال العموم، من تواطؤ فعلهم أنه لا يكون إلا بسورة تامة، في كل ركعة من الركعات التي تكون فيها القراءة واجبة، على قول من يقول بذلك
أدنى
والسورة التامة هي أثبت المعاني من القراءة، وذلك لاتفاق الناس على هذا الباب، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقوم أ: ثلتَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُنَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ علمَ أَنَّ أَنْ تَحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يُبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهُ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّموا لأنفُسِكُمْ مَنْ خير تجدوه عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (3).
ومعي؛ أنهم لم يكونوا ليجمعوا إلا على ما هو أحسن الفعلين، وإن كان من الجائز أنه لو قرأ المصلي آيات من السورة من وسطها، ولم يبتدئ بها ولم يختمها، كان ذلك جائزا، ولكن ليس على ذلك معاني اتفاقهم، بل على قراءة السورة في صلاة الفريضة، في معاني اتفاقهم على ما يثبت من فعل النبي
(1) الآية (38) من سورة يونس (2) الآية (13) من سورة هود. (3) الآية (20) من سورة المزمل.
-17 - (4/160)
صفحة 841
، ومن بعده من الأئمة من أصحابه - رضوان الله عليهم - ومن التابعين ومن غيرهم من المسلمين، ومن سائر أهل القبلة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في صلاة الفجر بسورة البقرة في أول ركعة، وفي الركعة الثانية قرأ بسورة آل عمران - آخر ركعة - حتى قيل: إنه هم بشروق الشمس، فلما ذكر له ذلك بعد تمام الصلاة أنه قد همت أن تشرق عليهم الشمس، فروي عنه أنه قال: «لو أشرقت لم نكن بغافلين
وقد كان يحسن ويجوز أن تكون القراءة بسورة البقرة أو بست آيات منها، تقوم صلاة الفجر في الركعتين جميعا، ويمكن كذلك أن تقوم صلاة الفجر بدون ذلك، ولكن القرآن إنما هو السورة في معاني هذا.
وكذلك قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت آخر غير ما سبق، ورد أنه صلى في صلاة الفجر بالمعوذتين وبسورة الفلق في أول ركعة، وصلى بسورة الناس في آخر ركعة، وأشباه هذا، مما يستدل به أنه لم يبتدئ السورة وما لم يختتمها، كان معنى ذلك أنه لا يتم في معنى حكم ما قيل.
وهذا القول وإن كان معناه غير وهن ولا ضعيف، فإن معنى القولين الأولين أثبت وأوضح، بالإجازة والترخيص والكراهية والحجر، إلا من عذر إلا بكمال الوضوء والطهر
وقد يروى عن بعض أهل العلم من أصحابنا، وقد ذكر له معنا قول من يقول من قومنا بإجازة قراءة القرآن الكريم على غير وضوء أن له أن يقرأ
ما شاء
وقال من قال من أصحابنا: إنه لا يبتدئ السورة ولا يختمها، ويجوز
له ما سوى ذلك، فيروى عنه معانى التعجب من ذلك، كأنه يقول: إذا جاز أن يقرأ القرآن ما لم يبتدئ بالسورة أو يختم؛ فأي معنى في ترك الابتداء
-171 - (4/161)
صفحة 842
والختم، وكان معنى قوله إنهم في هذا كأنهم يحبون بمعنى هذا الخلاف على
قومهم
6
لئلا يوافقوهم بمعنى ما قالوا
وإذا ثبت معاني ذلك من قول أهل العلم، لم يتعر من الفائدة، أن يكون لهم بالقصد إلى المخالفة لهم معنى الثواب والفضل، لأنه قد ثبت في أشياء تروى عن النبي أنه قصد بالعمل بها إلى الخلاف على المشركين في فعلهم، الذي كانوا يفعلونه، فثبت ذلك سنة، ولعل ذلك في أصل المعنى على معنى الرواية، أنه لو فعل كفعلهم لم يكن خطأ، ولو أمر بذلك أمرا، ولم يكن لهم في ذلك اختيار، وفهم من كل ذلك أن ما ثبت في السنة وفيما قيل من أقوال في أهل القبلة في معاني القراءة للقرآن الكريم، وذلك لأنه كما قيل فيما روي في الأثر: إنه لا يمتنع من قراءة القرآن الكريم إلا للجنابة،، والوضوء في معناه المطلوب، أنه لفائدة المسلم في دعائه وفي دخول المسجد، والبقاء على طهارة مخافة الموت على غير طهارة، وهو معمول لكثير من الأمور الدينية والعبادات، وهو نور يضيفه من يجدده، وغير ذلك مما هو في معنى البقاء على
الطهارة.
وإذا كان لم يكن لهم في ذلك خيار، لم يكن يثبت أنه إنما أراد ذلك خلافا على المشركين، لأنه فيما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يكره أن يوافق أفعالهم في أمر من أمور الدين، وأنه كان يجب أن تتميز الأعمال والعبادات التي يؤديها لا تتصل بما كانوا عليه، ولكنه لم يكن يثبت من تلك المخالفة لأفعالهم أنه إنما أراد ذلك خلافا على المشركين، لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه أنه كان فيما جاء به الأمر مما يجتمع هو والمشركون فيه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، في معنى استقبال قبلة بيت المقدس للصلاة، وذلك حين أمر رسول الله وذلك في بداية الهجرة إلى المدينة المنورة، ثم. نسخ ذلك وتحولت الصلاة إلى الكعبة البيت الحرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل
- 162 - (4/162)
صفحة 843
ذلك وأثناء ذلك كارها للصلاة إلى بيت المقدس لموافقتهم في ذلك، وكان محبا لاستقبال قبلة إبراهيم الخليل - صلوات الله عليهما وعلى جميع النبيين والمرسلين -، ولكنه لم ينصرف إلى ما أحب عما كره، حتى جاءه الأمر عن الله تبارك وتعالى، ثم انصرف إلى قبلة الكعبة البيت الحرام حين أمره الله - سبحانه وتعالى ـ، في قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلبَ وَجْهكَ فِي السَّمَاءِ في فَلَنولَينَّكَ قِبْلَةَ تَرْضَلَها قول وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ اللَّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق. بغَافِلٍ عما يعملون) (1)
ربهم وما الله
وكان ذلك من الله ـ سبحانه وتعالى -، اختيارا لقبلة إبراهيم - عليه السلام -، على نحو ما كان يرجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مخالفة لما كان عليه أهل الكتاب من اليهود ومن النصارى.
ويروى عنه هو أنه كان المشركون من العرب في أعمال الحج، وكانوا يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس، وذلك قبل الاسلام، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عملهم، وخالفهم في ذلك فقام بالإفاضة خلافا عليهم حتى تغرب الشمس، فثبت ذلك واجبا أنه لا تتم الإفاضة إلا بعد غروب الشمس، خلافا لما كان عليه المشركون، وحتى يطلع الليل، وذلك في دين الله - سبحانه ـ ليكون ذلك في أداء أعمال العبادات مخالفا لما كان يقوم به
المشركون في جاهليتهم
ومعي
؛ أنه في معنى ذلك أيضا، أن المشركين كانوا يفيضون من المشعر الحرام بعد طلوع الشمس، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا كما خالفهم في الافاضة من عرفات، خالفهم في ذلك فأفاض من قبل طلوع الشمس، خلافا عليهم، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل في المزدلفة حتى صلى الفجر
(1) الآية (144) من سورة البقرة.
- 163 - (4/163)
صفحة 844
بغلس ثم ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، وظل على ذلك يدعو حتى أسفر جدا ثم أفاض من المشعر الحرام قبيل شروق الشمس مخالفة للمشركين الذين كانوا يفيضون من المزدلفة والمشعر الحرام بعد طلوع الشمس، فثبت ذلك في شعائر الحج سنة للمسلمين، وقد جاء في ذلك عن الله - تبارك وتعالى -، وبينته السنة النبوية، قوله تعالى: وليسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مَنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ
الخرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُمْ من قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَ أَفِيضُوا حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمِنهُم مَن يَقُولُ رَبِّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ هُمُ نَصِيبُ مَا كَسَبُوا وَاللَّهُ سريع الحِسَابِ (1).
وكل هذا التوجيه الرباني، ليفصل التصور الذي يجب أن يكون عليه المسلمون، يختلف عن تصورات الجاهلية وأعمالها، وأنه يثبت من ذلك، أنه من الواجب أنه لا يفاض من عرفات إلا بعد غروب الشمس وبعد طلوع الليل، وأنه من الواجب أيضا مخالفة المشركين، الذين كانوا يفيضون من المزدلفة والمشعر الحرام، بعد طلوع الشمس، فأفاض منها قبل طلوع الشمس خلافا عليهم، كما أمر الله سبحانه وتعالى
وأحسب أنه قيل في معنى ما جاء من كتاب الله في ذلك، أنه كان أهل اليمن يفيضون قبل طلوع الشمس، وكان المشركون من قريش يفيضون بعد طلوع الشمس، فأمروا أن يفيضوا كما أفاض الناس، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم خلافا على المشركين، ولعل أشياء كثيرة وأهل الخلاف في الدين من المقرين المتأولين، مخالفين للمسلمين في الدين، بمعنى الخلاف من المشركين لأهل (1) الآيات (198 - 202) من سورة البقرة.
- 178 - (4/164)
صفحة 845
الاقرار بمعنى الأفكار، فإذا وسع القصد إلى مخالفتهم بمعنى القصد إلى مخالفتهم به لبعضهم، وأن لا يوافقوا ولا نعمت عين في جميع ما وسع مخالفتهم من غير تدين بالمخالفة لهم في ذلك قدوة حسنة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من القصد إلى مخالفة عدوه من المشركين، ما وجد إلى مخالفتهم سبيلا وأما الصلاة كلها من فريضة أو سنة أو نفل، فيخرج على معاني الاتفاق أنه لا يجوز ذلك إلا بالوضوء، وذلك واجب على أي حال وبأي وجه من الوجوه، وذلك أيضا واجب في كل صلاة يخرج معناها وأشباهها لصلاة الفريضة، وذلك لثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بطهور»، ولأن الوضوء واجب للصلاة بما ثبت بالقرآن والسنة والإجماع، فقد قال الله - سبحانه - في كتابه الكريم: يا أيها الذِينَ آمَنُوا إِذَا قَمْتُمُ إِلى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُ وَسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين .. (1)، ومعنى ذلك إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة فاطهروا بالوضوء، وكل صلاة كانت بالركوع والسجود فهي مشبهة بمعاني الاتفاق صلاة الفريضة، من وتر أو ركعتي الفجر أو ركعتي المغرب وما كان سنة مثل صلاة العيدين وصلاة كسوف الشمس وجميع النوافل والوسائل، وكل ذلك تخرج أنه لا يسع ولا يجوز العمل به إلا بالوضوء، لمن يجد الماء، والتيمم لمن لا يجد الماء، وإن كانت النوافل ليست بلازمة، فلا يجوز الدخول فيها إلا بالوضوء، في موضع ما يقدر على ذلك والدخول فيها بغير وضوء وطهارة، خارج بمعنى الاثم والمعصية لا خير عندنا في ذلك للفاعل له ولا يسلم فيه من السر معي، أنه لا صلاة إلا بطهور، بأي وجه كانت سواء كانت صلاة فريضة أو نافلة، وقد كان يسعه أن لا يصلي النوافل، فإذا حدث وصلاها، فإنه لا يسعه أن يصليها إلا بطهور فإن صلاها بغير طهور على التعمد لذلك بغير علة ولا عذر، خرج معاني فعله
(1) جزء الآية (6) من سورة المائدة.
،
- 165 - (4/165)
صفحة 846
ذلك معصية، وكان ذلك العمل منه خلافا للسنة، وذلك في معنى ما كانت صلاته بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر يعتبر معصية، ويعتبر ذلك أيضا خلافا للسنة، ولما كان ذلك خلافا للسنة معنا، وعليه أن يذكر الله بما شاء من ذكره وتوحيده، ويتعبد بما شاء من مأثور الدعاء، ولا يصلي إلا بطهور، وعليه ألا يعمل بما يشبه الصلاة من جميع الأشياء إلا بطهور وإلا. من عذر.
وأما السجدة للقراءة فمعي أنها خارجة على معنيين وقولين:
أحدهما؛ أنها بمنزلة القراءة، ويجوز فيها ما يجوز في القراءة، لأنها من معنى القراءة، فإذا ثبت هذا القول فيها كانت تبعا لما قد مضى من القول في القراءة، وجاز أن يسجدها في معاني الاختلاف، وكل من جاز له أن يقرأها في بعض القول؛ إلا الجنب والحائض والنفساء وما قد وصفناه على قول من يجيز ذلك للقارئ.
ثانيها؛ وفي بعض القول إنه لا تكون إلا بوضوء تام، وإذا ثبت أنها بمعنى القراءة، خرجت بمعنى الذكر والطاعة، وجاز أن يسجدها الساجد لها حيث كان وجهه إلى القبلة أو إلى غير القبلة.
وأحسب أنه قد قيل في معنى حكم ذلك
وقيل: لا يسجدها إلا إلى القبلة، وذلك يكون عندي إذا خرجت بمعنى الصلاة، لم يجز أداؤها إلا إلى القبلة كالصلاة، لأنها أشبه في معانيها معاني الصلاة، وذلك لثبوتها على معاني الاتفاق في صلاة الفريضة، لأنه في قياس ذلك إذا قرأها المصلي في صلاة الفريضة سجدها، فلولا أنها اعتبرت من معاني الصلاة، ما كانت ثبتت في الفرائض، ولم تكن قد دخلت في الفرائض، لأنه من معاني الحكم في ذلك أنه لا يدخل في الفرائض إلا ما خرج معناه من الصلاة بأي وجه كانت، وبما هو داخل في معاني الصلاة
-177 - (4/166)
صفحة 847
الأعمال من
ومعي؛ أن السجدة عمل، وأنه يدخل فيها القول جميعا، أي أنها على
ذلك قول وعمل ونية، وقد ثبتت أنها في معاني الصلاة، ولا أعلم في ذلك
اختلافا، وعلى ذلك فإن مخرجها مخرج الصلاة فيما يشبه معانيها
•
وعندي؛ أنه قد يدخل في الصلاة بعض معاني ما ليس يخرج مخرجه على الانفراد مخرج الصلاة، ويجوز على غير وضوء، سواء كان ذلك في التكبير أو التسبيح، أو ما أشبه ذلك، إلا أنه من سنن الصلاة التي لا تجوز إلا به، وفي بعض القول لعله من الفرائض، وقد يجوز بغير السجدة إن لو لم يقرأها
المصلي.
ومعي
؛ أنه إذا كانت.
الصلاة
نت تجوز الصلاة بغير السجدة ولا تجوز إلا بالتكبير، فمعنى السجدة غير معنى التكبير لدخولها في الصلاة، وقد تجوز الصلاة بغيرها، فلم نر شيئا ليس بصلاة، وقد تجوز الصلاة بغيره إلا وهو من إذا جاز دخوله في الصلاة بأي حال وجاز أن لا يدخل في الصلاة بحال آخر وذلك لأنه قد يكون الشيء فيه معنى الصلاة وليس من الصلاة، أي أنه ليس من أركانها وسننها مع أنه قد يكون نوعا من التعبد يشبه الصلاة، وهو في حال من أحواله فيه معنى الصلاة على هذا الوجه، وعندي أنه في معنى ذلك فإن السجدة وإن لم تكن من الصلاة في حال فقد تكون منها في حال آخر، وأن فيها الصلاة لأن فيها ما يشبه الصلاة
معني
فإن قال قائل: فإذا كانت السجدة من الصلاة، أو كانت في معنى الصلاة، لأن السجدة قد تدخل في الصلاة في حال من أحوالها فهل هي نفل
أو سنة؟
قيل له: إنها سنة، وقد قيل: إنها من سنن النبي صلى الله عليه وسلم وإن من تركها
- ITV. (4/167)
صفحة 848
على الدينونة بتركها أو الاستخفاف بها كان جاهلا
فإن قال: فإذا كانت السجدة صلاة على هذا المعنى، فهل يجوز لك أن تسجد بعد العصر قبيل أن تغرب الشمس، أو تسجد بعد صلاة الفجر حتى قبيل أن تطلع الشمس، أو لا تسجد إذ أنه لا صلاة في هذين الوقتين؟
قيل له: إن معنى أن السجدة صلاة يفيد أنه يجوز أن تسجد بها في هذين
الوقتين، لأنها سنة ثابتة لمعنى التلاوة، أو لمعنى الانصات للتلاوة، سواء كان ذلك في أي وقت من الأوقات، وعلى أي وجه من الوجوه كان ذلك، وقد جاءت السنة به كذلك، ولا نعلم أن وقتا. من الأوقات لا تجوز فيه قراءتها،
ولا ثبت أنه حرم في أي وقت سجودها في القراءة ولا الانصات إليها. ومعي؛ أنه في بعض القول أن من تركها من المسلمين فقد ترك قراءتها في هذين الوقتين، وأنه لا يسجدها، وذلك أن معنى هذا مما يقوي القول بأنها صلاة، ولما كان قد ثبت عند من قال بذلك أنها صلاة، وثبت عنده أيضا أنه لا صلاة في هذين الوقتين، فقد ترك قراءتها فيهما وترك سجودها، وفي معنى هذا أنه أراد أن يخرج من الريب، وهذا مما لا عيب فيه ولا ذنب، وقد قيل: الله امرءا ترك الحلال مخافة الحرام، ومن قال بترك قراءتها في هذين الوقتين فقد ترك تلاوة آية من كتاب الله، على معنى خوف الاثم، وذلك إذا لم
رحم
يتقدم
معه
في ذلك صحيح علم.
ومعي؛ أنه من أفضل التعبد معنا الله تعالى، أن يترك المرء جميع ما يريبه إلى ما لا يريبه، مصداقا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع - أو يذر - ما لا بأس به، حذرا مما به بأس. وقد ورد عنه قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: كنا ندع سبعين بابا من الحلال
- 168 - (4/168)
صفحة 849
مخافة أن نقع في الحرام.
فالتارك لتلاوة آية في وقتي غروب الشمس بعد العصر وطلوع الشمس بعد الفجر، إنما قصد إلى الله خوف أن يقع فيما لا يسعه مما لم يوافق في ترك ذلك ما لا يسعه تركه، ومما لا يسعه جهله
ومعي
؛ أننا لسنا نعتقد هذا دينا أنها جارحة بمعنى الصلاة، ولا تخرج
،
عندي بمعنى الذكر، بل لا يتعرى عندنا أن يلحقها ما قيل من معنى الذكر لثبوت السنة فيها كذلك، وعندي أن الصلاة أيضا هي ذكر، وأن الذكر يعتبر
في معنى أنه صلاة، وإذا ثبتت السنة فيها لمعنى، لحقها ذلك المعنى في الصلاة
وغيرها، لئلا
السنة تضيع
ومعي؛ أنه ليس من السنة
السنة تضييع، بل إن تضييع السنة من
مخالفة السنة، سواء كان ذلك في الصلاة، أو كان ذلك في غير الصلاة، ولا نعلم أن الصلاة مما تشبه الصلاة التي يلحقها معنى الحجر، وأنها لا تجوز بغير وضوء من فريضة ولا سنة، وإنما هي سجدة واحدة، وسجدة القرآن إنما جاءت بها السنة سجدة واحدة، فليس يدخل معناه معناها في الحجر بعد العصر والفجر
ولو ثبتت السجدة من معنى الصلاة، لأنها ليست من تلك الصلوات المحجورات، التي تشبه الفرائض ولا النوافل من الصلوات التي جاءت السنة بالنهي عنها، وقد ثبت في معاني ما عندي أنه يخرج مخرج الاتفاق أنه تجوز سجدتا السهو بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر، ولو خرج ذلك مخرج الاحتياط على غير معنى اللزوم
وقد قيل في قول أصحابنا: إنه لا يجوز أن يُبَدَّل في هذين الوقتين شيء من الصلوات على الاحتياط، إلا على علم اللازم، لأن الاحتياط يخرج مخرج
- 179 - (4/169)
صفحة 850
النفل، وهو في أمره صلاة، وقد نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، وعندي هذا القول فإن من يقول به يأخذ السجدة في معنى أنها سنة، وأنها
أنه في معنى لما كانت في معنى الصلاة فإنها تدخل في النهي الوارد عن الصلاة في وقتي بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر إلى قبيل غروب الشمس وطلوعها، لأن أصحاب هذا القول لا يجيزون البدل في هذين الوقتين فلزم من ذلك أن يقع
الحجر الوارد على الصلاة فيهما
وجاء في قول أصحابنا معنى آخر، وهو أن بدل الصلاة اللازمة في وقتي ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وبعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، جائز أن يبدل فيهما الصلاة اللازمة، وذلك في معنى أنه لو أبدل ركعتي الفجر في هذين الوقتين جاز ذلك في قولهم، لأنه يخرج معهم في ذلك مخرج السنة، التي ليست في معنى النفل، بل هي في معنى البدل، الذي ينظر فيه إلى أن بدل السنة كبدل اللازم، إلا أنه في بعض قولهم إنه لا تصلى ركعتا الفجر تلك الغداة، بعد صلاة الفجر، يعني به ركعتي الفجر، لمعنى قبل
ذلك صلاة الفريضة
أنه
ومعي
يجوز في قولهم أن لو أبدلهما من الغد، بعد صلاة الفجر، وكذلك لو أبدلهما ذلك اليوم بعد صلاة العصر (1)، ببدل ركعتي الفجر لنفس
ذلك اليوم.
ومعي
أيضا؛ أنه في عامة قول قومنا، فمعي أنه يخرج عنهم قول آخر
يجيز ذلك، بأن يصلوا ركعتي الفجر والسنة بعد الفريضة في ذلك اليوم، إذا كان المصلي قد صلى الفريضة؛ بمعنى أنه يكون قد دخل في الجماعة ليصلي الفريضة، أو كان أو إذا كان قد قام له غير ذلك من العذر، الذي كان
معهم
يمنعه من صلاة ركعتي الفجر والسنة، قبل صلاة الفريضة، ولا يبين لي سبب (1) في نسخة بعد صلاة الفجر، وهو بعيد لأن الجملة تكون مكررة.
- IV. (4/170)
صفحة 851
يمنع صلاتهما ذلك اليوم بعد صلاة الفجر، ويجيز من يقول ذلك من قومنا صلاتهما ذلك اليوم بعد صلاة الفريضة، ويجيز صلاتهما أيضا في غيره من الأيام بعد صلاة الفجر، وكل ذلك بدل، ويثبت عندي أنه إذا كان يجوز أن يبدلا في غير ذلك اليوم، فلا يبعد أن يجوز ذلك؛ في ذلك اليوم، إذ لا يبين لي علة توجب فرق ذلك
ومعي
؛ أنه يخرج في معاني الاتفاق أن الصلاة على الجنازة إذا حضرت، فقد جازت الصلاة عليها في أي وقت إلا أن يغيب من الشمس قرن أو يطلع منها قرن، فإذا كان ذلك لم تجز الصلاة على الجنازة حتى يستوي طلوعها أو غروبها، وعندي أنه لا يخرج في معاني صلاة الجماعة، أنها تجوز بغير وضوء، لأنها صلاة في معاني الاتفاق إذا أمكن الماء في غير عذر، فأما إذا كان في ذلك مكنة وأمكن أن يجد الماء، فلا تجوز الصلاة عليها إلا بالوضوء، وعندي أنه يمكن ذلك إذا وقع عذره فإن وقع هنالك خوف فوت، أو خوف ضرر يقع على الميت، أو كان العذر قائما بسبب ضيق الوقت الذي يخشى فيه وقوع الضرر في معاني الميت، أو لسبب من الأسباب لأي حال من الحال، أو وجه من الوجوه.
ومعي
؛ أنه إن قيل: تجوز الصلاة على الجنازة بالتيمم بمعنى العذر عند المشاهدة، وكذلك إذا كان الواحد خائفا. من أن تفوته الصلاة على الميت، إذا وجد أنه قد يتشاغل بالوضوء، ولو كان الماء حاضرا، ففي ذلك يقوم العذر الذي يجيز له التيمم.
ومعي؛ أنه في معنى ذلك أنه قد قيل: إذا قام له العذر بمثل ذلك، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي على الجنازة، وذلك لأنه من الأفضل له أن يفعل ذلك ولا يدعها تفوته، إن شاء ذلك
وأحسب أنه يخرج في هذا المعنى إذا قامت الصلاة على الجنازة لأنها
- IVI - (4/171)
صفحة 852
كذلك
صلاة، فلا تكون الصلاة - بأي معنى من معانيها - إلا بالوضوء، وإنما يخرج عندي معاني إجازة صلاتها بالتيمم بمعنى العذر مما يخاف منه من الضرر، سواء كان ذلك الضرر في أمر الميت، أو كان في غير ذلك، ولأي سبب من أسباب الضرر، فإذا أقيمت صلاة الجنازة في وقت من الأوقات ولم يكن هناك ضرر، من أي نوع من أنواعه، سواء كان من قبل الميت، أو كان أي ضرر يقع على شيء آخر، وإذا كان الداخل في صلاة الجماعة بعد تمامها وقيامها بغيره، بمنزلة الوسيلة والفضيلة ليس بموضع الضرر، ففي ذلك اختلاف فمعي؛ أنه يخرج عندي في جملة أقوال من قالوا: إن صلاة الجنازة على الميت تجوز في معنى وجود الأعذار بالتيمم، عند خوف الضرر على الميت، أو عند خوف فوت الوقت، أو عند عدم المكنة في وجود الماء، أنه تجوز الصلاة على الميت بالثوب النجس، لأنها وإن كانت صلاة وفي معنى الصلاة، إلا أنها تخرج بمعنى الذكر ولكن ليس فيها ركوع ولا سجود، هي تكبير وتسبيح ودعاء وقراءة، ومما ورد في الأثر استعجال استكمال الصلاة على الجنازة حتى لا تتأخر، فقد قال: «لا تؤخروا الجنازة إذا حضرت»، وفي معنى ذلك عندي يخرج أنه في معنى الحث على قضاء حقوق الميت والحض على المبادرة، وكذلك النهي عن التباطؤ والتثاقل في أداء هذه الحقوق. وعندي أن صلاة الجنازة إن هي في معناها إلا أنها تكبير وتسبيح ودعاء وقراءة، واستغفار للميت وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تكاد صلاة الجنازة تخرج على معاني الاختيار.
وعندي.
وإنما
6
وإذا ثبت معاني هذا على الإطلاق، لم يبعد عند ذلك على معاني قول من قال: إنه إذا كانت تخرج على معاني الاختيار، فإنها معي تجوز الصلاة على الجنازة بالتيمم، وذلك يخرج في معنى أنه مخرج الفضيلة ولو كانت تقوم
بالغير.
- 172 - (4/172)
صفحة 853
؛ أنه لا ومعي يبعد عندي إجازة القراءة بالتيمم، في حالة عدم التمكن من إيجاد الماء للوضوء، وفي قول من قال بجواز ذلك ولو لم يكن الماء
معدوما، وإذا لم تكن الحاجة إلى عدم استعماله من خوف ولا من ضرر،
6
ولكن يكفي أن يكون العذر لعدم استعماله المشقة قائمة بأي وجه من الوجوه وذلك أيضا في. حالة ما إذا كانت القراءة أفضل من سائر الذكر، على ما قيل في
بعض القول.
ومعي
؛
أنه إذا كان قد ثبت من هذا القول؛ أن صلاة الجنازة تجوز بالتيمم، عند قيام العذر كخوف ضرر على الميت بأي وجه من وجوه الضرر،
6
أو لعدم إمكان الماء، فإنه عندي لا يخرج جواز صلاة التطوع بالتيمم إلا بمعنى ما يجوز ذلك للفرض من عدم، أي من عدم وجود الماء وتعذره، أو مشقة البحث عنه، أو من عذر أو كان ذلك من عذر كفوات وقت، أو تقصير في نيل فضيلة
ومعي؛ أنه في صلاة العيد فإنه قد قيل: إنه لا تجوز الصلاة للعيد بالتيمم، وذلك إذا كان قد حضره الماء، وذلك حتى لو خاف فوت صلاة الجماعة في صلاة العيد، وعندي أنه لو يتوضأ ويصلي ركعتين على وضوء،
أفضل معي من صلاته للعيدين في الجماعة بالتيمم
ومعي
؛ أنه قد قيل: إذا خاف فوت السنة فيها، وهي في نفس الوقت صلاة الجماعة لأنها لا تكون إلا بجماعة، فعند ذلك عليه أن يتيمم ويصلي السنة في الجماعة إذا خاف فوتها، ولو لم يعدم الماء، أي حتى ولو كان الماء موجودا ولكنه خاف إن توضأ أن تفوته الجماعة، ويعجبني ذلك إذا خاف أن لا يدرك جماعة فيها بعد تلك الجماعة، أو إذا خاف إن توضأ مع وجود أن تفوته الجماعة التي هي صلاة إمام العدل، أو خاف أن تكون صلاة الجماعة هي التي يصلي فيها أولو الأمر من أهل العدل من ولاة المسلمين، أو
الماء
- 173 - (4/173)
صفحة 854
من أولي الأمر منهم من أهل العدل من ولاة المسلمين، أو من أولي الأمر منهم وأولي الأمر من المسلمين، حتى ولو كان يجد جماعة غيرها، قد تكون هذه الجماعة لا تتوفر فيها فضائل الجماعة التي لم يسعه وقتها فتيمم
وعندي؛ أنه يجوز له أن يتيمم ولو وجد الماء، إذا خاف ألا يدرك الجماعة، أي جماعة على أي حال من صلاة العيد، ذلك لأنه عندي تعتبر صلاتها بالتيمم والقيام بسنتها أفضل، لأنها سنة في الجماعة لا على الانفراد، هذه الصلاة إلا بالجماعة، ولذلك ينادى عليها أن الصلاة جامعة
ولا تقوم تجمع من تتجه بهم نياتهم إلى صلاتها في جماعة المصلين وإمامهم، وعندي أيضا أن صلاتها في جماعة هي السنة الواجبة، لأن الأصل فيها جماعة، وهي ليست على الانفراد مطلقا، ومعي أن صلاة الجنازة وإن كانت ألزم في شيء فإنها أكثر قبولا للعذر، لأنها إذا قام بها البعض، وقام العذر على بعض منهم، فإن عمل من قام بها يجزئ عن الباقين المعذورين، أما صلاة العيد عن ذلك، لأنها سنة جامعة، ولأن ثبوت وقتها أن تدرك في صلاة الجماعة، ولأنه إذا كان وقتها قد انقضى، فإنما يكون انقضاؤه بانقضاء وقت الجماعة، التي لا يدرك مثلها في هذا الوقت، ولو كان في وقتها بعد فلا تدرك سنة صلاة العيد إلا في الجماعة، وذلك كما لا يدرك فرض الجمعة وواجبها إلا في الجماعة.
فتختلف
ومعي؛ أنه في معنى القراءة كذلك عندي، يجوز أن تكون بالتيمم عند عدم وجود الماء، أو حتى عند غير المكنة على الماء الذي لا يدخل مشقة، وكذلك إذا لم يكن عدم الوضوء ناشئا من خوف الضرر، فإنه في ذلك كله أحب إلي من ترك القراءة، إلا أن ينشط الانسان في شيء من الطاعة من سائر الذكر، ولا يخاف في ترك القراءة بسبب لمعنى ذلك وتركه يتولد عليه نسيان
شيء مما قد قد تعلمه من القرآن الكريم الذي يخاف الاثم في نسيانه
- IVE - (4/174)
صفحة 855
ومعي؛ أنه
معنى جواز التيمم ولو لم يكن عذر يقوم للجوء إليه،
يكون في حالة تقديم طاعة أو صلاة أو قراءة لازمة لا يمكنه تركها، إلا إذا ترتب على هذا الترك إثم النسيان أو ضياع الوقت المناسب لذلك، ويخرج أن التيمم يكون مناسبا في كل حالة من حالات لزوم العمل، كالصلاة
معي
على الميت في وقت لا يسع التأخير فيه لو قام المصلي بالوضوء، أو حضور الجماعة في العيدين، أو قراءة للقرآن الكريم في ورد لازم، فكل ذلك عذر يجيز التيمم، ولو وجد الماء وكان مع وجوده حال الاضطرار إلى تقديم التيمم لتحقيق مصلحة مؤكدة
ومعي؛ أن سائر الأداء المطلوب في الفرائض، فلا أعلم أنه يلزم فيها تطهر بالوضوء، وتقوم على غير تطهر ما سوى الصلاة وأشباهها، وكذلك بجانب الصلاة مما يلزم أداؤه على طهارة، وأشباه الصلاة كالقراءة والطواف بالبيت الحرام، فقد جاء في الأثر بأنه بمنزلة الصلاة، وإذا ثبت فيه ذلك وأنه كالصلاة فإنه لا يقوم إلا بالطهارة التامة من الوضوء، وسواء كان الطواف فريضة أو كان سنة، أو في قول من اعتبره تطوعا، فلا يصح على أي حال وبأي وجه من الوجوه، فإنه لا يصح إلا بمعاني الطهارة والتطهر.
كذلك ركعتا الطواف هما في معناهما وحقيقتهما صلاة، ولا يجوز في الحج أو العمرة ولا في سائر الطواف، أن يكون كل طواف وكل ركوع إلا على طهر، وبتطهر على حسب ما يوجب الطهارة للصلاة، ولا نعلم أن في هذا اختلافا بين أحد من أهل العلم، أن الطواف وركوع الطواف يستوجبان ما تستوجبه الطهارة للصلاة، وذلك هو الوضوء.
؛ ومعي
أنه في معنى حكم سائر المناسك كلها، فيخرج عندي على أن
ذلك من الإحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات والمزدلفة
- 175 - (4/175)
صفحة 856
والمشعر الحرام، ورمي الجمار والذبح والحلق والتقصير، فجميع ذلك يقوم بغير وضوء، ويصح كل ذلك من الحائض والجنب والنفساء، وقد يكون في أغلب قول الفقهاء إنه يستحب الغسل في جميع ذلك، وأنه في معنى الحكم أنه لجميع ذلك أقل الطهر فيه الوضوء، إلا الذبح والتقصير فلا أعلم فيه موضعا يوجب ذلك، إلا أنه يخرج عندي إلى أن الطهارة حسنة في كل موطن والصوم وهو فريضة واجبة، وقد يشبه في معاني أحكام الطهارة، معاني لا يقوم أداؤه إلا بالطهارة، وذلك أنه يشبه الطواف والصلاة، وعلى ذلك ورد في السنة النهي عن تأخير الطهارة من الجنابة في وقت الصوم، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أصبح جنبا أصبح مفطرا»، وفي معنى ذلك الغسل على الجنب، ليزيل الجنابة ويتطهر قبل وجوب الصوم عليه بحلول
وجوب
6
الفجر الصادق، ومعي أن ذلك يقوم على حكم خاص في الحائض والنفساء فقد جاء في معاني أحكام السنة، وفيما يشبه الاتفاق أنه لا صوم قائم ولا ثابت على حيض ولا نفاس، طوال بقاء حكم هذا الحال عليهما، وما صام الانسان منهما من ذلك فهو باطل، وعندي أنه لو دخل ذلك على المرأة من بعد اعتقاد الصوم.، واستمرت على الصوم إلى الصبح، أبطل ذلك حكمها؛ في معاني أحكام السنة ومعاني الاتفاق، ولو لم يكونا يقدران على إزالة ذلك ولا صرفه عنهما، وبذلك ثبتت الأحكام عليهما، إلا أن ذلك إنما ثبت ويثبت في أحكام السنة، ومعاني الاتفاق بين كل من قال بذلك، أن يوم صيامهما قد فسد، ويفسد أيضا صيام ما كانتا فيه في حال نفاسهما وجيضهما، إذ أنهما معذورتان بدخول ذلك عليهما من غير فعلهما
ومعي
؛ أن الجنابة فيها معنى من معاني ما يلحق الجنب أحكام ما يثبت عليه في معاني الصيام، لأنه مشبه لمعاني الحيض والنفاس، لتساوي ذلك فيهم في معاني التشابه والتواطؤ في الأبدان والاغتسال والطهارة، وكذلك في
- 176 - (4/176)
صفحة 857
لزوم التطهر فيهم، وعندي أن كل ما أشبه الشيء فهو منه ومثله، غير أن الجنب إذا أتاه أمر الجنابة من قبل الاحتلام الذي لا يد له فيه، ولم تكن تلك الجنابة قد حدثت له من فعل نفسه، وسواء كان ذلك الاحتلام قد حدث له في الليل، أو حتى كان قد حدث له في نهار رمضان، فإنه بذلك لم يكن قد حدث منه تقصير، في إزالة ما يفسد عليه صومه؛ من الاغتسال وإزالة الجنابة بالتطهر، وكل ذلك خارج عندي وعند من قال بذلك في معاني تواطؤ القول فيه، إلا في بعض الشذوذ من القول أنه لا شيء عليه، لأنه شيء لا يد له فيه، وعليه أنه بمعنى الحيض والنفاس ما دامت المرأة نفساء أو حائضا، ولو ثبت ذلك الحكم فيه عليه لكان ذلك الحكم متساويا متشابها، ولكان ما دام جنبا، ويلزمه معنى الجنابة فإنه يكون في معنى من لم يثبت له صوم ولكن ثبت له حكم ذلك، والجنابة وإن كانت مشبهة للحيض والنفاس في معاني ما يفسد الصوم، فإنه في معنى حكمها أيضا أن الجنابة غير مشبهة للحيض والنفاس في ثبوت أحكامهما، ما لم ينقض وقتها، لأن الحائض والنفساء لو تطهرتا وهما في حالتي الحيض والنفاس، فإن تلك الطهارة لم تنفعهما، وكذلك إذا صامت كل واحدة منهما وهما في حالتي الحيض والنفاس، فلا يثبت لهما صوم، وعلى حسب ذلك لا تثبت معاني الاتفاق فيهما، بينما تثبت معاني الاتفاق في
الجنب
ومعي؛ أنه في حالة الجنب إذا اغتسل، كان ذلك الغسل مطهرا له ومزيلا للجنابة، بخلاف الحائض إذا اغتسلت أثناء فترة الحيض فإنها لا تطهر إلا بعد انتهاء فترة هذا الحيض، وكذلك النفساء، وعندي أن الجنب عند اغتساله وتطهره لا ينتفي عليه بعد الاغتسال أحكام الجنابة مما يفسد به صومه، ولا شيء من أحكام طهارته، من صلاة ولا حج ولا غيره، فمن هنالك ثبت أنه عليه الغسل إذا علم بجنابته، وأنه إن لم يغسل بعد أن خوطب بالغسل، لحقه في ترك الغسل بما يوجب به تبعة عليه
- 177 - (4/177)
صفحة 858
ومعي؛ أنه يبقى ما يفسد الصوم من الحيض والنفاس في معاني الاتفاق، ولم يثبت عليه بنفس حصول الجنابة فيه، من فساد صومه إذ هو مخاطب بالغسل منه من حينه، وأنه إذا غسل به ثبتت له الطهارة، فتثبت له معاني الجنابة في الانسان الصائم، أنه يتركها فيه بعد القدرة على الغسل من غير عذر، مما يكون له من أسباب العذر أنه مفسد لصومه، إذا عناه ذلك في نهار، أو أصبح عليه على هذا السبيل، بمعاني ما يشبه الاتفاق في أمر الحيض والنفاس، فإذا لم يغتسل من غير عذر فهو مبطل لصومه، وأكثر ما قيل عندي أنه مفسد لما مضى من صومه إذا لم يكن له عذر ولا متعلق بسبب يخرجه من حال التعمد بترك الغسل والجهل له، إلى تعلق من سبب من الأسباب
6
يومه
مما يتأول فيه معنى يخرج له تأويل يكون له به متعلق يخرجه من هذين المعنيين، فإذا ثبت له سبب خرج في معاني أكثر ما قيل عندي إنه بما عليه فساد. وبدل يومه، ويخرج عندي في معاني الاتفاق، أنه إذا لم يقصر في الغسل، أو كان له عذر من عدم ماء أو ما يشبه ذلك فتيمم عند العذر أنه لا شيء عليه
وأن صومه تام.
،
وكذلك يخرج عندي القول في الحائض والنفساء، أنهما إذا طهرتا من نفاسهما وحيضهما، وصارتا بحال من ينفعه التطهر، ويثبت لهما بعد التطهر وزوال صفة الحيض والنفاس، فيثبت لهما الصوم في ذلك، فإذا تركت إحداهما الغسل، أو تركتا كلاهما الغسل للتطهر مما كانتا فيه، أو تركتا الصوم، أو تركتا الغسل وصامتا بغير غسل، فتلحق عندي أحكامهما في هذا الفصل، في أحكام ما يفسد الصوم ويتمه ما يخرج في الجنب، وأنهما إن تركتا
،
الغسل وصامتا، أو لم يصوما من غير عذر، فإذا لم تصوما فذلك أشد والقول فيه على غير هذا المعنى إلا من عذر يكون لهما في ذلك، يخرج في تأويل يتعلق ما فيه متعلق، ولكن إذا صامتا على ترك الغسل من الحيض والنفاس فيخرج في معاني التساوي والاتفاق، والأشباه في هذا فيهما أنه يلزمها ما يلزم
- 178 - (4/178)
صفحة 859
تارك الغسل من الجنابة على العلم والجهل، بغير تأويل سبب من أسباب العدل أن يكون عليهما في ذلك بدل ما مضى من صومهما، في معاني أكثر
ما يخرج من القول، وإذا كان لهما سبب فيخرج أنه عليهما بدل ذلك اليوم ولعله في بعض القول أنه إنما عليهما بدل ذلك اليوم، ومتى ثبت ذلك فيهما أو في أحدهما في هذا الفصل من أمرهما، فمثله عندي في الجنب لأنهما تساويا به وتساوى بهما، ويشبهانه ويشبههما في هذا الفصل، وفي هذا الفصل الأول لولا اختلافهم في تطهره وغير تطهرهما، ويبقى حكم ذلك فيهما، وزوال ذلك الحكم عنه في حكم التطهر إذا تطهر، ويبقى الحكم فيهما ولو تطهرتا فوافقتهما ووافقتاه، إلا فيما خصه دونهما وخصهما دونه فيما لم يتساووا فيه.
وأحسب أنه قد قيل: إنما على الجنب، إذا لم يغتسل من جنابته أبدل يومه، ولا يبعد ذلك عندي في معنى ثبوت القول فيهما فيما عندي، أن أكثر القول أنه إنما عليهما في هذا الفصل، أعني الحائض والنفساء فساد يومها ذلك، وليس يبعد عندي ذلك فيهم كلهم، لقول من يقول: إنه كل يوم من شهر رمضان فريضة على الانفراد، وأنه ليس هو کله فريضة واحدة، وأنه ثلاثون فريضة، وذلك ثابت في المعنى في الاعتبار، وذلك أنه ليس الصوم فيه بمتصل، بل هو منفصل يقطعه الليل، وكل شيء منفصل فلا يلحقه أسباب المتصل، وإذا ثبت هذا المعنى، لحقه من الحكم أن يكون إذا فسد صوم اليوم فإنما يفسد وحده ولو كان على التعمد
ومعي
أنه؛
على قول من يقول: إنه كله فريضة واحدة، فإذا فسد اليوم فيه لمعنى مما ينقضه لحق الفساد كله، وأقل ذلك مما مضى ولا يبعد إذا ثبت أنه فريضة واحدة، أن يفسد بفساد الشيء منه أوله وآخره، لأن معاني ذلك يلحق في الصلاة والوضوء، وجميع ما كان شيء واحد من الأعمال بالأبدان، مثل الحج والعمرة وأشباه ذلك، وعندي أن مثل هذا لا يختلف فيه
- 179 - (4/179)
صفحة 860
6
بفساد الشيء من هذا يفسد كله، إذا ثبت فيه الفساد في معاني الواجب منه. وإذا ثبت أنه لا يفسد منه ما بقي بفساد ما قد فسد منه، ثبت وحسن فيه أن
لا يفسد ما مضى، ولو كان يلحقه أنه فريضة واحدة، بمعنى أنه لو كان يفسد ببعضه بعض، لم يفسد أوله ولم يفسد آخره، لأن الأول كالآخر من الشيء الواحد، وقد ثبت في معان كثيرة من قول أهل العلم، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم معاني ذلك، وهو أنه إنما ينقض من الصوم من شهر رمضان يومه الذي أحدث ذلك ما ورد في الأثر مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفطر الحجام
فيه، من
6
والمحتجم. فثبت في معاني ذلك أنه من الغيبة، وأنه إنما يفسد ذلك اليوم وكذلك في الكذب عامدا، وفي الأكل والشرب والجماع ناسيا، وإذا ثبت في بعض المعاني أنه إنما يفسد يومه لحقه في معنى الاتفاق لأحكام الاسلام وتساويه في الأشياء بأسباب النسيان والعمد، لأنه لو عمل في الصلاة عملا عمدا أو ناسيا أو في حجة أو في عمرة أو وضوء، فإن الفساد لا يتجزأ في شيء من دون شيء، إذا كان فريضة وكان كله فاسدا بفساد بعضه، أوله وآخره، وكل ما وقع عليه الفساد فهو فاسد، ولا يتجزأ فيه وهو شيء واحد، وأمثال هذا كثير، وأرجو أن مثل هذا يجتزى به في هذا، والله أعلم
ذلك
- 180 - (4/180)
صفحة 861
باب
الصلاة وأحكامها
وبعد؛ فإن الصلاة عماد الدين، وبها يستوجب العبد من الله رضاه.
"
إذا راقبه في القيام بها واتقاه، وأطاعه في جميع أوامره ونهاه، وخافه في جميع أموره ورجاه، وتوكل عليه في جميع الأمور واكتفاه، واستسلم له في جميع ما قدر وقضاه، ورضى نفسه في جميع الأمور وأمضاه، وشكر له على جميع ما أبلاه، وصبر له على جميع ما ابتلاه، ودان له بالتوبة في جميع ما أسخطه فيه وعصاه، وأدى إليه جميع ما تعبده بأداه، ودان بولاية جميع من أطاع الله ووالاه، وعداوة جميع ما أسخط الله وعاداه، وآثر أمر الله على جميع من سواه، وأخلص الله بالطاعة وأرضاه، وصدق الله في جميع ما قاله ونواه، واجتهد لله بالطاعة في العمل بطاعته، وجاز الإيمان بكماله وحقيقته، واستقام على منهج الله الحق وطريقته، وتوجه إلى الله في جميع مذهبه وإرادته، وأشعر قلبه بتقوى الله وخيفته، ومراقبة الله وخشيته، والهرب من سخطه وعقوبته، وعلق قلبه بحب الله وطاعته، وثواب الله وجنته، وبرضوان الله ورحمته، والتفرغ إلى مناجاة الله وعبادته، وأيده الله بنصره وعصمته،، وأمده الله بنور حكمته، وعصمه الله من زيغ الضلالة، وعداه من العمى والجهالة، وسلك به سبيل الاستقامة، ومنهاج الفوز والسلامة، ومن عرصات يوم القيامة تلك الحسرة والندامة
من
الرضوان، وحقت له من الله سابقة الاحسان
"
، واستوجب من
وفوز الله بحلول الجنان
الله
6
ونعمه بمعانة الحور الحسان، وأتحفه بالوصائف والولدان، وأكرمه بغاية
الانعام، وأعظم الله أمره بغاية الاعظام، إذ جعل ثوابه الملائكة الكرام،
- 181 - (4/181)
صفحة 862
يحيونه بتحية السلام، ورضوان الله عنه أجل وأكرم، وعطاء الله له أعظم وأكثر، من الله علينا وعلى جميع المسلمين بذلك، وسلّمنا وإياهم من جميع
المهالك.
واعلم أن الصلاة من الله فريضة لازمة، وهي في معنى الدعاء بالخير، وهي من الملائكة استغفار، ومن الله رحمة، وهي مشتقة من تقويم اعوجاج المصلي ليتحقق معراجه. وهي أيضا عبارة عن الأفعال المعلومة المعبر بها شرعا بالأقوال والأفعال، التي تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، وتظهر حقيقة الدعاء فيها بالتوجه القلبي ولو بلا نية، وهي صلة بين العبد وربه، أو هي صلة بين الله والعبد، أو هي قُربة إلى الله سبحانه، وشواهد فرضها في كتاب الله قائمة، من ذلك قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الراكعين) (1)
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مَنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ
الله إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (2)
أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتِ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ علَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ) (3)
وكذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلكَ دِينُ الْقَيِّمَة) (4)
وكذلك ما جاء في الآية الشاملة من كتاب الله - تعالى ـ والتي بينت معنى
(1) الآية (43) من سورة البقرة.
(2) الآية (110) من سورة البقرة.
(3) الآية (13) من سورة المجادلة
(4) الآية (5) من سورة البينة
- JAY- (4/182)
صفحة 863
البر في قواعد الايمان وأركان الإسلام، في قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمُشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِن البرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآنَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصابرين فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (1)
فشمل البر الذي بينته الآية إقام الصلاة، وثبت أنها فرض على كل مسلم ومسلمة بالغ عاقل، وعلى ولي الصبي أن يأمره بالصلاة لسبع ويضربه عليها في العاشرة حتى يتعودها ولا يجد راحته إلا في أدائها، كما ورد في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مروا أبناءكم بالصلاة إذا أثغروا»، أي إذا أفصحوا بأن بلغوا سبعا، والمراد بالأبناء الأولاد فهو يشمل الاناث أيضا، وقد رغب القرآن الكريم في تعليم المكلفين من الأهل والأولاد، وقد مدح الله إسماعيل عليه السلام ـ لأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، ولأن الأولاد أحق بالبر ولا بر أعظم من تعليم عماد الدين، وتعويدهم عليها وتقويمهم بالترغيب والترهيب والموعظة والتأديب حتى يستقيموا عليها
وقد ذكر سبحانه صفة القائمين على عمارة المساجد فقال تعالى: (إنما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَ الزَكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (2).
فهذا ومثله مما لعله لا يحضرنا كثير من ذكره، مما فيه بيان وإثبات
لفرضية الصلاة ووجوبها، فقد نطق بذلك في غير موضع الكتاب العزيز،
وتواترت بذلك الأخبار النبوية، مما يدل على فضلها
(1) الآية (177) من سورة البقرة. (2) الآية (18) من سورة التوبة.
6
فقد ورد عن ابن
- 183 - (4/183)
صفحة 864
مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها. .»، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله - تعالى - قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: تجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل»
هذا
ومعي؛ أنه قد ورد الكثير من الآي الذي يدل على مواضع أوقات فرض الصلاة إلى الأمر بها والحث عليها والندب لها، وذلك ما لا يرتاب فيه من لزوم فرضها، وقد بين الله مواضع فرض العمل بها في غير أي في كتاب الله - تعالى -، ومن ذلك قوله تعالى: وأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى للذاكرين (1)، وكذلك قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ
الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (2)
•
وقد جاء في التأويل الذي لا نعلم فيه اختلافا، أنه من معاني قوله تعالى: لدلوك الشَّمْسِ) هي صلاة الظهر وصلاة العصر، وأنه من معاني: إلَى غَسَق الليل)، وهو ظلمة الليل، وهي صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخر، وأنه من معاني: وقرآن الفجر)، هو صلاة الفجر، وأنه من معاني: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً، وذلك على ما قيل في التأويل؛ إن لبني آدم ملائكة يحفظونهم في الليل، وملائكة يحفظونهم في النهار، فإذا جاء الليل نزل ملائكة الليل، وعرج ملائكة النهار، وإذا جاء النهار نزل ملائكة النهار وعرج ملائكة الليل، ولا تعرج ملائكة الليل حتى تنزل ملائكة
(1) الآية (114) من سورة هود. (2) الآية (78) من سورة الإسراء
- 184 - (4/184)
صفحة 865
النهار فيشهدون جميعا صلاة الفجر، ونحو هذا والله أعلم بتأويل كتابه
فهذا موضع فرائض الصلوات الخمس، وبيان ذلك من كتاب الله - عز
وجل -، قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُسُونَ وَحِينَ تَصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ في السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيَّا وَحِينَ تُظهِرُونَ) (1).
فجاء في التأويل؛ إن كل تسبيح في القرآن الكريم فهو صلاة، فقول الله - تبارك وتعالى -: فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ)، هي في قول من يقول: إنها صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة، وأن قوله تعالى: (وحين تصبحونَ)، هي في قول من يقول بذلك: هي صلاة الغداة
وفي قوله تعالى: ووللَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيَّا)،
صلاة العشي. وقوله تعالى: (وَحِين تظهرون)، هي صلاة الظهر. فهذا توضيح
ما ورد في كتاب الله في فرض الصلاة وبيان أوقاتها ومواضعها ومعي؛ أنه في معنى قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلَاةِ الوسطى وقوموا لله قانتين) (2). وفيه في معنى قول من قال: إن الله - تعالى - فرض الصلاة وجعل من حكمة مشروعيتها انكسار القلب وخشوعه من هيبته تعالى، وتحقق معنى الانقياد لأوامر الله - سبحانه - والانتهاء عما نهى
عنه،
لتتحقق بذلك السعادة وتكمل مصالح العباد في الدارين
•
الله
وعندي أن الله - سبحانه - أمر بالمحافظة على الصلاة بمعنى رعاية أركانها وشروطها من الطهارة للبدن والثوب والمكان، والإتيان بكل أركانها كاملة تامة بالمجاهدة، والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب واللسان والجوارح،
(1) الآيتان (17، 18) من سورة الروم.
(2) الآية (238) من سورة البقرة.
- 1 A 0 - (4/185)
صفحة 866
وفي معنى
ذلك عند من قال إن معنى حفظ الصلاة بالأداء الكامل وتحقيق الخشوع المطلوب حفظته الصلاة عن الفتن والمحن وعن المعاصي والفحشاء. أنه قد جاء الاختلاف في معنى المقصود بالصلاة الوسطى، ومعي
فقال
؛
من قال: إنها صلاة العصر، وقد قال من قال: إن الله - تعالى - لم يبين
6
لنا على أي وجه تكون، حتى نصرف الهمة إلى المحافظة على كل الصلوات كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وكما أخفى الله - تعالى - ليلة القدر في ليالي رمضان، وذلك لأن المكلف يكون بذلك عازما على إجادة العمل في كل الأوقات. وفي قول من قال: إنها صلاة الصبح، وفي معنى ذلك أن صلاة الصبح تُصلى في الغلس، وأن بعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار، وفي معنى أنها وسط بين الصلوات، فالظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح وسط بينهما، وأيضا فإن الظهر والعصر يجمعان في السفر في النهار وكذلك المغرب والعشاء يجمعان في السفر في الليل، والفجر يبقى منفردا بينهما، وقد خصها الله بالذكر للتأكيد على زيادة الفضل فيها على غيرها، فقال: إن قرآن الفجر كان مشهودا)، وفي معنى ذلك أنها أحرج الصلوات لأن فيها ترك النوم والخروج إلى المسجد في وقت السحر الذي وردت فيه فضيلة الاستغفار، وهو أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بإظهار العبودية
لخالقه، والخضوع والاستكانة له سبحانه جاعل الظلمات والنور.
ومعي
أنه؛
ورد في قول من قال: إنها صلاة العصر هو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: من فاته صلاة العصر فكأنما وَتِرَ أهله وماله، وقد أقسم الله بالعصر في قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا أن معرفة وقت العصر يحتاج في معرفته إلى تأمل
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ومعي
أكثر من أي وقت آخر من أوقات الصلاة. ومعي؛ أنه قد ورد في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم
الخندق:
- 186 - (4/186)
صفحة 867
نارا
شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله بيوتهم وفي قول إنه قال عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر»، وقد قال: «إنها
الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود - عليهما السلام - حتى توارت
بالحجاب
ومعي
أنه؛
قيل في معنى قوله تعالى: {وَقُومُوا اللَّهِ قَانِتِينَ)، أن
ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن القنوت هو الدعاء والذكر، ومنه قوله تعالى: (أَمَن هُوَ قانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِاً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا
الألباب) (1). ففي معنى قوله تعالى قانتين أي مطيعين، لما روي أنه قال: «كل قنوت في القرآن فهو الطاعة، فمقصود ذلك عندي في قول من قال: إنه إكمال الطاعة والذكر والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركان الصلاة، والمجاهدة في الخشوع والاستكانة الله تعالى، وخفض الجناح وسكون الجوارح، فيخاف ربه ولا يعبث بشيء ولا يحدث نفسه بأمر من أمور الدنيا
حتى ينصرف
ومعي؛ أنه كذلك في معنى قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفِي الْبَهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (2) فقيل في تأويل قوله تعالى: طَرَفِي النَّهَارِ، إنها صلاة الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر، وأن قوله تعالى: (وَزَلَفَا مِنَ اللَّيْلِ)، إنها صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة، وغير هذا من كتاب الله - عز وجل ـ، مما يدل على فرضية الصلاة، وفرض أوقاتها وإثباتها في مواضعها، ولا أعلم في ذلك اختلافا، لموضع ثبوت ذلك من الكتاب الكريم والسنة النبوية وإجماع المحقين
من الأمة
(1) الآية (9) من سورة الزمر
(2) الآية (114) من سورة هود.
- 187 - (4/187)
صفحة 868
؛ أنه قد ورد في الأثر على قول من قال بذلك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي
قال: «إن الصلاة مرضاة الرب، وذلك زيادة في شرفها وأفضليتها، وهي محبوبة الملائكة وسنة الأنبياء بمعنى طريقتهم الواجبة، وهي أصل الايمان بمعنى أنها أصله بعد التوحيد، وهي سبب لاجابة الدعاء والقبول عند الله وهي بركة في الرزق وراحة للبدن، وهي تشفع لصاحبها عند الموت، وعندي أنها تشتمل على الفضائل التي تتضمن جميع طاعات المتعبدين المجتهدين من جميع المكلفين، فوجب لذلك الاهتمام بأدائها على وجهها بحضور القلب وإخلاص النية لله وتمام الخشوع رجاء القبول، والخوف من العقاب على تضييعها، والله سبحانه يتقبل من عباده بمحض فضله، والصلاة عماد الدين وقبول الله لها ربح عظيم.، وثواب منه سبحانه وفضل كبير.
فيه أحد
ومعي؛ أنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله بما لا يرتاب ولا يختلف، عن فريضة الصلاة وتفاصيل أركانها وآدابها وفضائلها، بما يطول وصفه ويتسع الكتاب به، مما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثبوت ذلك في أوقات وإثباته عنه وعن الأمة المهتدين عنه
وعندي؛ في معنى ما قيل: إن أول خطاب خاطب الله به المؤمنين، عنه بالصلاة، وأول ما خاطب الله به المؤمنين في أمر الصلاة عند حضور وقتها والعمل بها، الطهارة لها بعد إزالة النجاسات والأذى عن البدن، وذلك في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُ وَسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وإِن كُنتُمْ جُنْباً فَاطَّهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَو عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لا مَستُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبَاً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُـ
وَأَيْدِيكُم منْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مَنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُه ن حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَ كُمْ وَلَم
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1)
(1) الآية (6) من سورة المائدة.
- 188 - (4/188)
صفحة 869
فثبت الأمر في فرض الوضوء للصلاة بكتاب الله - تعالى -، وثبت كذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على ذلك بقوله: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله». وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بغير طهور، والطهور شطر الإيمان، وقوله: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صلاة لمن لا طهر له»
الأذن، ويعمم
فالفرض في الوضوء غسل الوجه، واستفراغ حدوده وحتى يأتي عليه الغسل كله، وهو ما واجه به الانسان وظهر، وحدّه من معتاد منبت الشعر ليتم تعميم الوجه من الأعلى إلى منسدل اللحية، وعرضه من الأذن إلى غسل الوجه كله، وأقل ذلك مرة واحدة وهو الفرض الذي لا يقبل الله دونه، ومعي أنه يخرج في معاني ذلك غسل ما أقبل إلى الوجه من اللحية لثبوت ذلك. من الوجه عندي، قبل أن تنبت فيه اللحية. ومعي عن الرجل إذا أخذت لحيته شيئا من وجهه، فهل عليه أن يدلك شعره المتصل من اللحية بوجهه حتى يصل الماء إلى الجلد الذي تحت الشعر؟ فعندي أن عليه ذلك في جميع ما كان من وجهه، سواء كان فيه شعر أو لم يكن فيه شعر، أنه في بعض قول من يقول: إن عليه أن يبل الجلد من تحت لحيته من غير الوجه، ومعي أن حد الوجه من اللحية ما أقبل من اللحي الأسفل أحب أن يكون من الوجه في الوضوء.
ومعي
ومعي؛ أنه قد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توضأ فغسل مواضع الوضوء واحدة واحدة، ثم قال: «هذا وضوء من لا يقبل الله صلاته بدونه، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ثانية ثم غسل مواضع الوضوء مرتين مرتين، ثم قال: «هذا كاف لمن فعله، ثم توضأ ل مرة ثالثة فغسل مواضع الوضوء ثلاثا ثلاثا ثم قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء ـ عليهم السلام - من
السنة عنه قبلي، وهي
- 189 - (4/189)
صفحة 870
؛ أنه قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يجزيء الوضوء
للصلاة واحدة لمن قل ماؤه، واثنتان للمستعجل، وثلاث شرف، وأربع سرف، فلا صلاة للمصلي إلا بوضوء إذا وجد الماء ولا وضوء إلا بعد إزالة الأذى عن نفسه، والنجاسات عن بدنه، لقول الله - تبارك وتعالى -: وإن كنتُمْ تُجنباً فَاطَهَرُوا فثبت في معنى قوله تعالى أن مقصود الآية الكريمة في معنى الهروا، أي الطهارة بالماء من النجاسات، وإزالة الجنابة وغير ذلك من
الحيض والنفاس، وفيه معنى ما خاطب الله به المؤمنين من الوضوء مما يعقله العالمون بمعاني ما أمر الله به من التطهر بالماء قبل الوضوء من النجاسات، ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم جنبا)، أي إن وجب عليكم إزالة الجنابة بالتطهر بالماء، فإن لم تجدوا الماء الذي تتطهرون به، فتيمموا صعيدا طيبا، بمعنى أنه عند عدم وجود الماء، فعليكم بالصعيد الطيب فامسحوا به وجوهكم وأيديكم منه، فإنما فرض الله الوضوء بعد إزالة النجاسات بالطهارة بالماء، ولا يقع حكم الوضوء إلا بعد طهارة الجسد من الأذى والنجاسات، وبذلك جاءت السنة المجمع عليها من المسلمين المحقين الذين هم موافقين، ولمن خالف الحق بالحق مفارقين، ولا معنى في اتباع من خالف الحق، ولا من قصر دون موافقة الحق وبالله التوفيق
ومعي
للسنة
؛ أن فرضية الوضوء ثبتت من قول الله تعالى: (فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ على ما ذكرناه وحسب ما وصفنا فيه وشرحنا، وقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) يفيد أنه قد ثبت من مقصود الآية أن غسل الوجه واليدين إلى المرافق فريضة، ومعي أن عامة قول أصحابنا يخرج بغسل المرفقين، وهو استفراغ المرفقين
وفي معنى مقصود قوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَمْبَينِ)، أن غسل الرجلين معطوف على غسل الوجه، ومعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خللوا
- 190 - (4/190)
صفحة 871
بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار»، ويثبت من ذلك وجوب تعميم غسل الجارحة، فإذا ترك تخليل الأصابع فإن ذلك يكون في معنى ترك للواجب، وقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ، ففيه معنى الاجماع على أن مسح الرأس فرض في الوضوء، ومعي أن الأذنين ليسا من الرأس في حكم وضوئهما، وعندي أنه من ترك مسح أذنيه متعمدا، فإنه يختلف في نقض صلاته، وفي معنى ذلك فإن الفرائض الواردة في كتاب الله - تعالى - وسنة رسول الله والإجماع الذي لا أعلم فيه خلافا، أن هذه الفرائض في الوضوء وهي أربع فرائض، لا يجوز في الوضوء للصلاة تركها ولا ترك شيء منها، ولا يسع جهلها ولا جهل شيء منها، إذا وجب العمل بها، منذ حضور وقت العمل بها، وأقل من ذلك فرض الوضوء في الصلاة بعد ما ذكرنا من الواحدة والاثنتين، على ما وصفنا من القول في الوجه، وكل ذلك سواء، والقول فيه واحد، لا يختلف القول ولا العمل فيه، وكذلك الأمر فيه واحد على ما مضى من القول فيمن ترك الفرض في الوجه، وهو هذا
الذي وصفنا أو شيئا منه، سواء كان بجهل أو بعمد فلا عذر له في ذلك ولا يسعه إذا صلى على ذلك، تاركا لجارحة من جوارح الوضوء المفروضة، أو الأكثر منها، أو ما يقع عليه اسم الكثير منها، وما لا تكون الجارحة كاملة الغسل بتركه منها، وهو ما يقع عليه مثل ظفر الابهام أو الدرهم الوازن أو الدينار المثقال، فقد جاء الأثر المجمع عليه، أنه لا يسع جهل ترك ذلك على العمد ولا على الجهالة
ومعي؛ أنه إن ترك ذلك على العمد، أو كان قد ترك ذلك على الجهالة، فلا عذر له إذا صلى على ذلك، وهذا تارك لكمال الفرض، وعليه بدل الصلاة، وذلك بعد إسباغ الوضوء والكفارة على ما يوجبه الحق من لزوم
الكفارة.
وأما إن ترك شيئا من ذلك دون ما وصفنا، بمعنى أنه ترك ذلك على
-191 - (4/191)
صفحة 872
العمد، أو كان قد تركه على الجهالة، مما يقع على هذا المثال، فقد قيل: إنه لا يهلك بذلك وعليه البدل ولا كفارة عليه، وليس له ترك شيء من
الفرائض
ومعي
؛ أنه متى جاز ترك شيء من الجارحة، فإنه يكون في معنى حكم ذلك أنه يكون في معنى جواز أنه يترك الجارحة كلها، ومتى كان معنى حكم ذلك جائزا، بمعنى جواز ترك الجارحة كلها، فإنه بذلك يجوز ترك الوضوء
كله، فهذا المعنى على هذا المقصود إن شاء الله
ما
؛
أنه يختلف الحال إذا كان قد ترك الفرض أو شيئا منه، وهو ومعي يقع عليه هذا المثال على حد الغلط والنسيان، أو كان قد أراد غسل الجارحة فتبين له أنه قصر دون أحكامها بترك ما ذكرنا، مما يقع عليه هذا المثال، فهذا عليه إعادة الصلاة إذا صلى على ذلك بعد أحكام الوضوء، وبعد أدائه على
كماله
ومعي
أيضا؛ أنه إن كان قد ترك على النسيان أو الغلط أقل مما وصفنا، مما ا يقع عليه هذا المثال، في معنى ما أوضحنا وبينا، وبعد أن فعل ذلك قام فصلى، فعندي أنه لا إعادة عليه في صلاته في بعض قول المسلمين. وقال. من قال: عليه إعادة الصلاة، لأنه عندهم في معنى أنه لا يجوز ترك شيء من الفرائض على عمد ولا على نسيان، وهذا الذي تركه من جارحة، هو في حكم الفرائض يعتبر فرضا، وهو من كمال الفرض،
فلا يكون تمام الفرض إلا باستكمال الفرض، فافهم ذلك وبالله التوفيق
ومعي؛ أن السنة الثابتة في الوضوء الموجودة عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي أمر
بها، والتي ثبت العمل منه بها فهي التي ورد ذكرها في السنن، وفي أقوالهم اختلاف في انعقاد الوضوء بترك التسمية، مع تواطؤ الأمر بها على الوضوء
- 192 - (4/192)
صفحة 873
وصحة الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بذلك وفعله، ومع صحة ذلك عنه، فلا يبعد أن ينعقد الوضوء على تركه إن كان الأمر وجوبا، وإن كان أدبا فقد ينعقد الوضوء على تركه، ولم يأت فيه خبر أنه أمر وجوب، فلعله من أجل ذلك اختلف فيه، وقيل إنها محمولة على الندب لنيل الفضل. وكذلك من
سننه غسل اليدين، وهي معقولة المعنى وهي عندي على الندب لا على
الفرض
ومعي؛ أنه من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق، والمضمضة هي غسل باطن الفم بأن يأخذ الماء بفيه فيخضخضه ثم يمجه،، وينبغي أن يدخل إصبعه في فمه ويدلك بها أسنانه، وفي الاستنشاق يغسل باطن الأنف بأن يدخل الماء في خياشيمه ثم ينثره بالنفس ويبالغ في ذلك إذا كان في حال الافطار، ويقتصر على ما دون المبالغة إن كان صائما، وقيل: إن حكمة المضمضة لشرف منافع الفم، لأنه محل النطق بتوحيد الله وتمجيده
تقديم
وتلاوة كلامه تعالى، وفي الحديث تقديم المضمضة لذلك
ومعي في قول الأصحاب؛ أنه إن نسيهما في غسل الجنابة فيلزم إعادتهما وإعادة الصلاة، وعامة قولهم إنه إن نسيهما في الوضوء أنه لا إعادة عليه إن صلى، وأما في العمد فعلى الجنب إعادة الصلاة، وفي عامة قولهم أنه إن تركهما المتوضئ، ويخرج في معاني قولهم إذا ترك المضمضة والاستنشاق من جنابة أو غير جنابة أن عليه إعادتهما، وفي بعض قولهم يعيدهما بالوضوء
؛
أنه لا يجوز ترك ذلك، على التدين ولا على التعمد، بخلاف ومعي السنة، ولا على الاستخفاف بثوابهما، فإن ترك ذلك تارك على هذا النحو الذي وصفنا، فلا يسعه ذلك، وهو هالك، وإن ترك ذلك على التعمد أو الجهل على ما وصفنا من التدين أو خلاف السنة والاستخفاف، فقد ترك المأمور به، وعليه الاستغفار والرجوع إلى العمل به فيما يستقبل، فإن صلى
- 193 - (4/193)
صفحة 874
على ذلك:
فقد قال من قال: إن عليه البدل
وقال
من قال: لا بدل عليه
وقول من يقول: عليه البدل هو الأكثر، وهو المعمول به إن شاء الله
وأما من ترك ذلك على الخطأ أو النسيان:
فقد قيل: لا يجوز ترك السنة مطلقا، سواء كان هذا الترك على عمد، أو كان الترك على نسيان أو كان على خطأ، ولذلك ففي معنى هذا القول فإن عليه بدل الصلاة، إن كان قد صلى تلك الصلاة بعد أحكام الوضوء.
وقال من قال: لا بدل عليه في ذلك
والقول الأكثر: إنه لا بدل عليه في ذلك
ومعي
؛ أن الأذنين أنهما من سنن الوضوء، فقد جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم
بالندب إلى مسحهما، فلا يستحب تركهما، فإن تركهما تارك على عمد أو نسيان، ما لم يدن بتركهما أو يخطئ من عمل بهما، ولم يرد خلاف السنة في تركهما فلا إثم عليه وصلاته تامة، ولا نعلم في تمام صلاته اختلافا، وقد اشتهر العمل والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسحهما زائدا كالمضمضة، وعندي أنه في معنى ذلك يكون الاستقلال بمسحهما على أنه سنة، والمعمول به يقوم على دليل أن مسحهما لا يكفي عن فرض الرأس، وكيفية مسحها أن يدخل اصبعيه في صماخ أذنيه ويمسح ظاهرهما وباطنهما، ويستحب تجديد الماء لهما، على أنهما مستقلتان وأحب للمتوضئ أن يأخذ لهما ماء جديدا
واعلم أنه لا ينفع قول وجب القول به، ولا عمل وجب العمل به من
- 198 - (4/194)
صفحة 875
وضوء الصلاة، ولا صلاة إلا بعلم أن العمل بذلك لازم للعامل يعمل به، وإلا فلا ينفع عمل إلا بعلم بلزوم العمل، فإذا عمل العامل بما يلزمه من العمل بغير علم بلزوم العمل، وبغير نية في أداء العمل من العامل بالعلم منه، فلا ينفع العمل بغير علم ولا نية، فإذا حضرت الصلاة فعلى العبد أن يعلم أنها لازمة له، ولازم العمل بها، وأنه لا يعذر بتركها ولا بجهلها، إذا وجب عليه العمل بها، وأن يعلم بها، لأنه لا يجوز إلا بالطهور كما أمر الله، وأن الطهور لازم له للصلاة التي قد لزمه العمل بها، ولا ينفعه العمل به إلا بعلم منه، لأنه لازم له العمل به
واعلم أنه قد جاء الأثر فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم»، فأول باب يدخله العبد من أبواب الصلاة الطهور، وقد وردت الأخبار في فضائل الوضوء والطهور، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا العمل اليسير مكفر للخطيئة التي من عقابها ذلك الوعيد، وفي الطهور تشريف وتكريم للمؤمن بالطهارة الحسية التي لا يعلم مقدار فضلها وكرامتها وتأثيرها للطهارة الباطنية إلا هو سبحانه وتعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، وقوله: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور»، والوضوء فريضة كما وصفنا على العلم والنية، فإذا أكمل المتوضئ إسباغه للوضوء، قام إلى الصلاة في وقتها، بعلم منه بفرضها ولزومها، فيقوم إليها بأربع فرائض، وذلك أنه يأتيها بطهارة من جسده، وكمال من وضوئه، وبما يستر عورته من اللباس، وهو فرض، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى، في كتابه الكريم: يا بني آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ
لا يحب المشرفين) (1)
(1) الآية (31) من سورة الأعراف
- 190 - (4/195)
صفحة 876
وفي معنى المقصود من الآية الكريمة، أنه اللباس للصلاة، وفي معنى
ذلك طهارة الثياب التي يلبسها في الصلاة، مع طهارة البقعة التي يصلي فيها مع استقبال القبلة باعتقاد النية للتوجيه إلى الكعبة بعلم منه، بلزوم استقبال الكعبة، باسمها ومعناها إذا لم يجد من يعبر له اسمها، والطهارة فريضة في معنى حكم الله في كتابه الكريم، ولباس الثياب فريضة في معنى مقصود الآية الكريمة، والقيام إلى الصلاة فريضة، والقيام في البقعة الطاهرة فريضة، واستقبال القبلة فريضة.
الدعاء
ومعي؛ أنه إذا أراد المصلي افتتاح الصلاة، استوى قائما، إن أمكنه ذلك، فإنه لا يجزئه ذلك إلا القيام؛ إن قدر على القيام وهو فريضة، وقد جاء فرضه من كتاب الله - تعالى - في غير موضع، ومن ذلك قوله تعالى: وقوموا لله قانتين). ففي معنى مقصود ذلك، أن القنوت في بعض القول معناه طول القيام، وقيل فيما ورد عن ابن عباس إن القنوت هو والذكر، وهذا كما في قوله تعالى: أمَن هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِماً) فقيل إنه عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر، وقيل: إن قانتين أي مطيعين؛ لما روي أنه قال: كل قنوت في القرآن فهو الطاعة»، فهو عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن وقوع الخلل في أركانها وسننها، وقيل في معنى ذلك أيضا: إن قانتين ساكتين، حيث ورد أنهم كانوا يتكلمون في
الصلاة، فيكلم الرجل صاحبه حتى نزل قوله تعالى:: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)
فأمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام.
ومعي
6
6
أنه ورد في معنى القيام أيضا هاهنا في الصلاة في ذلك، وأما
القنوت فكما سبق أن قيل إن فيه اختلافا:
فقال
من قال: هو القيام، لأن القيام هو القنوت والقنوت هو القيام
،
وإنما معنى قوموا أي: صلوا الله قائمين، أي قوموا في الصلاة. ومن ذلك قول
-197 - (4/196)
صفحة 877
الله - تبارك وتعالى -: {وَيَستفتونكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاقِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ هُنَّ وَتَرَغَبُونَ أَن تنكحُوهُنَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفَعَلُوا من خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عليها) (1)
ففي معنى ذلك أن القيام هو العمل، ويكون معنى القنوت هو القيام في الصلاة، ومن ذلك ما يروى عن عائشة - رضي الله عنها ـ أنها قالت: أفضل الصلاة أطولها قنوتا، أي أن المقصود أطولها قياما
وقال
•
قال: إن القيام هو القيام، والقنوت هو الطاعة، وذلك أن من
أهل الملل والأديان كانوا يقومون إلى الصلاة وهم على غير طاعة، فلا ينفعهم الله بصلاتهم، فأمر الله المؤمنين أن يقوموا الله في الصلاة مطيعين، فقال تعالى: {وَقومُوا لِلهِ قانتين، أي وقوموا الله مطيعين تائبين من كل معصية، حتى يخالفوا ما كان عليه أهل الملل السابقة، وذلك في معنى ما ورد أن رسول الله صلى هو وسائر الرسل والسلف الصالح، فأطالوا وخشعوا واستكانوا، وكانوا أعلم بالله، وفي ذلك أن معنى القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، ذاكرين الله في القيام بالقرآن، وذلك في الصلاة والقنوت في معنى ذلك أنه الذكر حتى في غير القيام، كما قال الله - عز وجل -: أمَن هُوَ قَانِتُ أناء الليلِ سَاجِدًا وقائما)، فقد فسره ابن عباس بان: أمن هو قانت؛ أي قائم، وعلى هذا المعنى يكون معنى وقوموا الله قانتين) أي اشرعوا في الصلاة وكونوا فيها، ومن ذلك ظهر معنى قول الله ـ سبحانه - في القيام والقنوت
وقال من قال: إن المسلمين في بدء الإسلام كانوا إذا قاموا إلى الصلاة
قاموا وهم يتكلمون
6
ويعملون فيها ما ليس فيها من استعمال أيديهم
(1) الآية (127) من سورة النساء.
- 197 - (4/197)
صفحة 878
وألسنتهم بغير أمر الصلاة، فأمرهم الله بأن يكونوا قانتين أي مقبلين على صلاتهم، تاركين لجميع الأعمال فيها، وكل هذه الأقاويل صواب يخرج على
معنى الصواب
ومعي
؛ أن جملة الأقاويل في إثبات فرض القيام في الصلاة، وإنما الاختلاف في القنوت على ما وصفنا، ومن ذلك قوله تعالى: {فإذا قضيتُم الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأَنَتُمُ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا تَمَوْقُوتًا) (1).
فقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) في معنى ذلك على ما عرفنا، فاذكروا الله هو الصلاة قياما، أي صلوا قياما وقعودا، أي فإن لم تستطعوا القيام فصلوا قعودا وعلى جنوبكم، أي فإن لم تستطعوا قعودا فصلوا على جنوبكم. وكذلك معنى قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابُ النَّارِ) (2)
فالمعنى في ذلك على ما عرفنا؛ يذكرون الله في الصلاة، فهذا موضع فرض القيام في الصلاة، وغير ذلك مما لعله لا يحضرنا كثير من ذكره، ويطول
وصفه أن لو ذكرناه
ومعي؛ أنه إذا قام للصلاة مصلي الفريضة، فإنه يبدأ بالإقامة، وهي
،
تكون مثنى مثنى سواء كان إماما أو كان غير إمام، فلا يترك الاقامة ومقصودها إقامة الناس إلى الصلاة، ويلزم لذلك إسماع الحاضرين أو على
الأقل أغلبهم بها، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم إقامة، وذلك في قوله لبلال: «إذا
(1) الآية (103) من سورة النساء (2) الآية (191) من سورة آل عمران
- 19 A- (4/198)
صفحة 879
سنة وهي
أذنت فترسل وإذا أقمت فاحْدِره، ولا فصل بينها وبين الصلاة، واجبة مأمور بالعمل بها، فإن تركها تارك من الرجال على العمد منه لتركها،
ففيه اختلاف:
فقال
قال: لا من
ذلك وعليه إعادة الصلاة يسعه
وقال من قال: لا إعادة عليه ويستغفر ربه من ترك السنة، وهذا القول
أحب إلينا
هذا فيمن تركها عامدا، أما في معنى من ترك الاقامة للصلاة ناسيا دون
تعمد، فقد اختلف في ذلك أيضا:
فقال
من قال: لا إعادة عليه
وقال
من قال: عليه الاعادة ولا يجوز ترك السنة
والقول الأول أحب إلينا، أنه لا تجوز الاعادة عليه في النسيان
وقال من قال: إذا نسي الاقامة في الصحراء، أو حيث لا يسمع الاقامة فعليه الاعادة، وإن نسيها في المصر حيث تقام الصلاة فلا إعادة
عليه
وهذا قول حسن، ووجدنا هذا ممن يرفعه أبو المؤثر عن محمد بن
محبوب - رحمهما الله
هذا كله في الرجال، ومعي أنه في معنى حكم النساء، فقد قيل في ذلك
من الإقامة لهن باختلاف:
فقال
من قال: لا إقامة على النساء، لأن الاقامة إنما
هي
لصلاة
الرجال، لموضع الجماعات على الرجال، وليس عليهن في ذلك شيء
- 199. (4/199)
صفحة 880
وقال.
من
قال: بل عليهن الاقامة للصلاة إلى قول: وأشهد أن محمدا
تلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم على من تقيم هذه الاقامة أن توجه للصلاة بعد
الإقامة.
وقال من قال: وعليها مع ذلك أن تقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، وأما إن تركت الاقامة على النسيان أو التعمد فقد أساءت، وذلك على قول من يرى أن عليها الاقامة، ولا إعادة عليها فيما علمناه
وأما التوجيه فهو ذكر خُص بأول الصلاة فيما نص عليه، وهو سنة واجبة، والرجال والنساء فيه سواء، فإن ترك التوجيه تارك في الصلاة
متعمدا، ففي ذلك اختلاف:
فقال
من قال: عليه الاعادة
وقال
من
قال: لا إعادة عليه، ولكن القول بالاعادة هو الأكثر
ومعناه أن يستعمل مجازا في مستقبل كل شيء، وقيل: أريد به التوجه إلى الله - تعالى - بالأعمال الصالحة، والقصد في الصلاة إلى الله وحده، بمعنى كأنه يقول: وجهت عبادتي وطاعتي للذي فطر السموات والأرض، إلى خدمته وطاعته لتحقيق العبودية له وحده
يسعه
وأما تكبيرة الاحرام التي يدخل بها المصلي صلاته، فهي فريضة من فرائض الصلاة، ولا يجوز تركها على أي وجه من الوجوه، سواء كان ذلك الترك على العمد أو كان على النسيان، فمن تركها متعمدا أو جاهلا فلا. جهل ذلك، وأيضا فإنه لا يعذر من أجل ذلك، وعليه في ذلك البدل، سواء كان البدل في النسيان فقط، أو عليه البدل والكفارة في حالتي الجهل والعمد وقد جاءت فرضية الإحرام من الكتاب الكريم في مثل قول الله ـ تبارك
- 200 - (4/200)
صفحة 881
وتعالى -: {وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكَ فِي الْمُلْكِ وَلَم
يكن لَهُ وَلِي مِنَ الذل وكبره تكبيرا) (1).
وما لم يكبر المصلي فهو غير داخل في الصلاة، ولا ينوب عن التكبير لفظ آخر، فإذا كبر المصلي التكبيرة المشروعة للدخول في الصلاة، يصير بعد التلفظ بها داخلا في حكم الصلاة، وتحرّم عليه الأعمال والأفعال والأقوال التي كانت حلالا له قبل التلفظ بها، ويصبح بذلك قد أحرم أي دخل الصلاة، فحرم عليه بذلك كل قول أو فعل أو اشتغال بأمر سواء كان ذلك باطنا أو ظاهرا.
وقد جاءت فرضيتها من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، وتمام معنى تكبيرة الإحرام، قصد تعظيم الله بها، وقصد الدخول بها في الصلاة، واستشعار حرمة المشغل عن الصلاة، وأن يستشعر الخشوع في الصلاة بقلبه وجوارحه وسمعه وبصيرته، وأن يتدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع، وهذا يجعله يحس أن اعتقاده الحقيقي هو إحسان
القصد في الأداء للحصول على ثواب فعلها والفرار من عقاب تركها وإنما سميت تكبيرة الإحرام، في معنى حكم فرضيتها، لأنه إذا كبرها المصلي وقعت عليه حرمة، وإنما الحرام ها هنا هو تحريم الكلام والعمل كله، إلا ما يأتي في أمر الصلاة. وكل شيء من غيراً أمر الصلاة، فلا يجوز للمصلي
أن يأتيه، وما كان في الصلاة إلى تمام الصلاة فحلالها التسليم
وأما الاستعاذة في الصلاة فقد اختلف فيها:
فقال
من
وقال من
قال: إنها سنة وإنها قبل تكبيرة الإحرام.
قال: إنها فريضة وإنها بعد تكبيرة الإحرام.
(1) الآية (111) من سورة الإسراء.
- 201 - (4/201)
صفحة 882
وأصح القول معنا أنها فريضة وأنها بعد تكبيرة الإحرام، وقد ورد في إثبات فرضيتها قول الله - تبارك وتعالى -: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِدٌ معني باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيم) (1). وجاء في معنى تأويل هذا، أنه يكون ذلك في أمر الصلاة، أي أن المعنى فإذا دخلت في الصلاة فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فيها.
؛ أنه قد قيل: إن العوذ هو الالتجاء إلى الله للحماية من ومعي الشيطان الرجيم وكيده، ولا سلطان للشيطان على ذوي التوكل على الله والايمان به، إذ لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ـ تعالى ـ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله؛ وقيل: إن معنى الآية الكريمة؛ إذا أردت أن تقرأ القرآن ـ في الصلاة وفي غيرها - فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد ورد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم يقول: «سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: «الله أكبر كبيرا ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»
وقيل: إنه أمر أن يستعذ بالله من الشيطان الرجيم وفق المتبادر من لفظ
الآية الكريمة
وأما القراءة في الصلاة، وهو ما يتلى في الصلاة من كتاب الله - سبحانه ـ وهي فريضة، وقد جاءت فرضيتها من القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ الكَيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا ما تيسر من القُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيْسَرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ
(1) الآية (98) من سورة النحل
- 202 - (4/202)
صفحة 883
تجدوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظُمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم (1).
وهذا في أمر الصلاة، ثم الركوع وهو أيضا فريضة، وتكبير الركوع إلى السجود، الركوع سنة، والتسبيح في الركوع سنة، وقول: سمع الله لمن حمده سنة، وتكبير السجود إلى السجود سنة، والتسبيح في السجود سنة، وتكبيرة القيام من السجود إلى القيام سـ سنة، والقيام فريضة وإثبات فرض ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (2). فذلك في الصلاة، والقعود في الصلاة فريضة، والتحيات سنة، فهذا ما حضر من ذكر الفرض والسنة،
واختصرنا ذلك بغير تفسير وإثبات، كل ذلك فرض في موضعه
وأما حدود الصلاة فقد قيل: إن تكبيرة الإحرام حد، والقيام حد، والقراءة حد، وقال من قال: قراءة فاتحة الكتاب حد، وقراءة القرآن فيما فيه قراءة حد ثان، وقال من قال: كل القراءة حد، والركوع حد والسجود حد، وقال من قال: إن كل سجدة حد، وقال من قال: السجدتان كلتاهما
حد واحد.
والقول الأول هو الأكثر
والقعود للتحيات حد كله في الصلاة كلها حد، وتكبير الركوع كله في الصلاة كلها حد، وقول سمع الله لمن حمده في الصلاة كلها حد، والتسبيح في السجود كله حد
فمن ترك حدا من هذه الحدود عامدا أو جاهلا؛ فلا يسعه جهل ذلك ولا يجوز ترك حد من حدود الصلاة ناسيا أو عامدا، فافهم ذلك وبالله
التوفيق
والحمد لله حق حمده وصلى الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم
(1) الآية (20) من سورة المزمل (2) الآية (77) من سورة الحج.
- 203 - (4/203)
صفحة 884
بحمد
وجد مكتوبا في آخر هذا الجزء
تم منسوخا هذا الكتاب بعون الملك الوهاب، وهو كتاب الزيادة الملحقة مع
المعتبر به من کتاب بيان الشرع الذي أصلها منه تأليف الشيخ الفقيه العالم النبيه أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي العماني رحمه الله تعالى، وهو للشيخ سليمان بن علي الخروصي رزقه حفظه والعمل به، وكان فراغه يوم الجمعة وثامن عشر خلت من سيد الشهور، وهو شهر رمضان سنة 1373 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، على يد العبد الفقير الله سالم بن حمد بن راشد بن سالم العامري بيده الفانية وجاء في كتاب اللمعة المرضية من أشعة الاباضية ص 23 وكتاب المعتبر لأبي سعيد أيضا اعتبر فيه الآثار وتعقب به جامع ابن جعفر، ففصل المجملات وأوضح المشكلات، والموجود منه اليوم مجلدان أحدهما في الأصول والآخر في الطهارات، ومنهم من يجعله مجلدا واحدا ضخما. ويقال: إنه في تسعة أجزاء والله أعلم
الله وتوفيقه ورعايته تم بفضله تعالى تحقيق وتبويب وتصنيف وتصحيح هذا المعتبر لأبي سعيد رحمه الله، ونسأل الله أن يوفق إلى العثور على ما بقي من أجزائه التسعة، وأن ينفع به وأن يجعله من العمل الصالح المقبول لمؤلفه رضي الله عنه
•
معهد القضاء في: 26 من جمادى الأولى سنة 1405 هـ
17 من فبراير سنة 1985 م
محققه
محمد أبو الحسن
- Y.? - (4/204)
صفحة 885
الغسل من الجنابة
الفهـ
البيان
مسائل في الوضوء مع الغسل ونحو فرضية الغسل من الجنابة
كيفية الغسل من الجنابة ومن الحيض
من شك أنه غسل الجنابة ولم يغسل
في موجبات الغسل
عرق الجنب وريقه ورطوباته وما مس من شيء
الممنوعات على الجنب والحائض والمشرك من
الدخول في المسجد ونحوه وقراءة القرآن وما أشبه ذلك.
من ترك شيئا أو علق به شيء الجنب والحائض وقراءة القرآن
الصلاة وأحكامها
الصفحة (4/205)
صفحة 886
طبع بمطابع
دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي ص. ب 6002
سلطنة عمان
1985 (4/206)